← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6319

المعتمد في أصول الفقه

أبو الحسين البصري المعتزلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وَأما إِذا اشْتَركَا فِي اسْم ظَاهر فَقَط فضربان أَحدهمَا أَن لَا يشْتَرك الحكمان فِي غَرَض من الْأَغْرَاض وَالْآخر أَن يشتركا فر غَرَض مِثَال الأول قَوْلك سلم على بني تَمِيم واستأجر بني تَمِيم إِلَّا الطوَال الْأَشْبَه أَيْضا رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى مَا يَلِيهِ لما ذَكرْنَاهُ فَأَما إِذا اشْتَركَا فِي غَرَض من الْأَغْرَاض فانه يدْخل فِي الْقسم الَّذِي سَنذكرُهُ الْآن وَهُوَ أَن لَا يكون الْكَلَام الثَّانِي إضرابا عَن الأول وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن لَا يكون إضرابا عَن الأول من حَيْثُ اشْترك الكلامان فِي حكمين يجمعهما غَرَض وَاحِد فَيصير كَالْحكمِ الْوَاحِد فَيرجع الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا كَقَوْلِك سلم على ربيعَة وَأكْرم ربيعَة إِلَّا الطوَال لِأَن الْحكمَيْنِ قد اشْتَركَا فِي الإعظام وَالثَّانِي أَن يكون قد أضمر فِي الْكَلَام الثَّانِي شَيْئا مِمَّا فِي الأول إِمَّا الِاسْم أَو الحكم مِثَال الأول قَوْلك أكْرم ربيعَة واستأجرهم إِلَّا من قَامَ وَمِثَال الثَّانِي قَوْلك أكْرم بني تَمِيم وَرَبِيعَة إِلَّا من قَامَ الِاسْتِثْنَاء يرجع إِلَيْهِمَا فَأَما قَول الله ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ فانه دَاخل فِي هَذَا الْقسم من حَيْثُ أضمر فِيهِ مَا تقدم فَلم يكن الْكَلَام الثَّانِي عُدُولًا عَن الأول لِأَن الْقِصَّة وَاحِدَة وَهُوَ دَاخل أَيْضا فِي الْقسم الَّذِي قبل هَذَا الْقسم من حَيْثُ كَانَ رد الشَّهَادَة مَعَ الْجلد وَالْحكم بِالْفِسْقِ يجمعهما أَمر وَاحِد وَهُوَ الانتقام والذم وَاعْلَم أَنه لَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَام نَص من الْمُتَكَلّم يَقْتَضِي رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى كلا الْكَلَامَيْنِ أَو إِلَى الثَّانِي مِنْهُمَا وَإِنَّمَا الَّذِي يجب أَن يدل عَلَيْهِ وَجْهَان إِمَّا وَجه مُنْفَصِل كآيات فِي الْقُرْآن وَعمل الصَّحَابَة وَإِمَّا وَجه مُتَعَلق بِالِاسْتِثْنَاءِ وراجع إِلَيْهِ وَذَلِكَ ضروب مِنْهَا اعْتِبَار غَرَض الْمُتَكَلّم وَمِنْهَا اعْتِبَار حرف

стр. 247

الْعَطف وَمِنْهَا اعْتِبَار فقد اسْتِقْلَال الِاسْتِثْنَاء بِنَفسِهِ وَمِنْهَا قِيَاس الِاسْتِثْنَاء على غَيره أما اعْتِبَار الْغَرَض وَاعْتِبَار حرف الْعَطف فيحتج بِهِ من قَالَ إِن الِاسْتِثْنَاء يرجع إِلَى جَمِيع مَا تقدم وَأما اعْتِبَار فقد الِاسْتِقْلَال فيحتج بِهِ من قَالَ إِنَّه يرجع إِلَى مَا يَلِيهِ وَإِمَّا قِيَاسه على غَيره فضربان أَحدهمَا يحْتَج بِهِ من قَالَ إِنَّه يرجع إِلَى مَا يَلِيهِ وَالْآخر يحْتَج بِهِ من قَالَ إِنَّه يرجع إِلَى الْكَلَامَيْنِ وَنحن نورد ذَلِك على نسق إِن شَاءَ الله فالدلالة على رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى جَمِيع مَا تقدم إِذا لم يكن بعضه إضرابا عَن الْبَعْض أَن الْقَائِل إِذا قَالَ لغيره سلم على بني تَمِيم واستأجرهم علمنَا أَن غَرَضه من الْكَلَام الأول لم يتم وَأَنه لم يضْرب عَنهُ لِأَنَّهُ قد أعلمهُ فِي الْكَلَام الثَّانِي أَلا ترى أَنه قد أضَاف إِلَى الِاسْم حكما آخر وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ سلم على بني تَمِيم وَرَبِيعَة لِأَنَّهُ قد عدى ذَلِك الحكم إِلَى اسْم آخر فَيصير الكلامان مَعَ حرف الْعَطف كالجملة الْوَاحِدَة فَرجع الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا كرجوعه إِلَى الْجُمْلَة الْوَاحِدَة وَيُفَارق ذَلِك إِذا تميز كل وَاحِد من الْكَلَامَيْنِ من الآخر فصل الِاسْتِثْنَاء كالشرط وكالاستثناء بِمَشِيئَة الله تَعَالَى فِي أَنه لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فَكَمَا وَجب رُجُوع الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء بِمَشِيئَة الله إِلَى جَمِيع مَا تقدم فَكَذَلِك لفظ الِاسْتِثْنَاء وَلَا وَجه لأَجله يُقَال بِوُجُوب رُجُوع لفظ الِاسْتِثْنَاء إِلَى مَا يَلِيهِ إِلَّا وَهُوَ قَائِم فِي الشَّرْط إِن قيل إِنَّمَا رَجَعَ الشَّرْط الى جَمِيع مَا تقدم لِأَنَّهُ وَإِن تَأَخّر فَهُوَ فِي معنى الْمُتَقَدّم لوُجُوب تقدم الشَّرْط على الْجَزَاء فالإنسان إِذا قَالَ اضربوا بني تَمِيم وَرَبِيعَة إِن قَامُوا مَعْنَاهُ إِن قَامَ بَنو تَمِيم وَرَبِيعَة فاضربوهم وَلَيْسَ كَذَلِك الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ لَا يجب تقدمه وَالِاسْتِثْنَاء بِمَشِيئَة الله فلفظة لفظ الشَّرْط وَلقَائِل أَن يَقُول هلا علقتم الشَّرْط بِمَا يَلِيهِ وقدرتموه تَقْدِير الْمُتَقَدّم عَلَيْهِ حَتَّى يكون تَقْدِير الْكَلَام اضربوا بني تَمِيم وَإِن دخل ربيعَة الدَّار فاضربوهم دَلِيل الكلامان يجريان مَعَ حرف الْعَطف مجْرى الْجُمْلَة الْوَاحِدَة لِأَن وَاو

стр. 248

الْعَطف فِي الْأَسْمَاء الْمُخْتَلفَة تقوم مقَام وَاو الْجمع فِي الاسماء المتماثلة وَلَو قَالَ الانسان أكْرم الْعَرَب إِلَّا بني تَمِيم وَرَبِيعَة رَجَعَ ذَلِك إِلَى بني تَمِيم وَرَبِيعَة وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أكْرم بني تَمِيم وَرَبِيعَة إِلَّا الطوَال وَلقَائِل أَن يَقُول إِن وَاو الْعَطف تجْرِي مجْرى وَاو الْجمع فِي اشْتِرَاك الاسمين فِي الحكم وَلَا تجريان مجْرى وَاحِد فِي رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا يبين ذَلِك أَن الْكَلَامَيْنِ وَإِن عطف أَحدهمَا على الآخر فَلَيْسَ يخرجَانِ من أَن يَكُونَا جملتين وينتقض ذَلِك بالجملتين المتباينتين نَحْو قَوْلك أكْرم ربيعَة وَاضْرِبْ بني تَمِيم فَالْوَجْه أَن يذكر وَاو الْعَطف مَعَ أَن الْمُتَكَلّم لم يعدل عَن الْكَلَام الأول ويحتج بمجموعهما دَلِيل وَهُوَ أَن الْقَائِل لَو قَالَ بَنو تَمِيم وَرَبِيعَة أكرموهم إِلَّا الطوَال رَجَعَ الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا فَكَذَلِك إِذا قَالَ أكْرمُوا بني تَمِيم وَرَبِيعَة إِلَّا الطوَال لِأَنَّهُ لَا فرق بَين تَقْدِيم الْأَمر وتأخيره وَلقَائِل أَن يَقُول إِن فِي قَوْلهم أكرموهم اسْم لِلْفَرِيقَيْنِ ينْصَرف إِلَيْهِمَا مَعًا وَالِاسْتِثْنَاء مُتَّصِل بِهِ فَوَجَبَ أَن يخرج الطوَال من الِاسْم الَّذِي هُوَ اسْم لَهما كَمَا لَو قَالَ أكْرم الْعَرَب إِلَّا الطوَال وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا قَالَ أكْرم بني تَمِيم وَرَبِيعَة إِلَّا الطوَال لِأَنَّهُ لم يصل الِاسْتِثْنَاء باسم يشملهما دَلِيل وَهُوَ قَوْله إِلَّا من قَامَ مَعْنَاهُ إِلَّا من قَامَ مِنْهُمَا فَلَا تضربوه وَلقَائِل أَن يَقُول لَيْسَ ذَلِك فِي لفظ الِاسْتِثْنَاء فلستم بِهَذَا التَّقْدِير أولى من أَن نقدر قَوْله إِلَّا من قَامَ من ربيعَة فَلَا تضربوه دَلِيل لَو رَجَعَ الِاسْتِثْنَاء إِلَى مَا يَلِيهِ فَقَط لَكَانَ الْإِنْسَان إِذا قَالَ لزيد عَليّ خَمْسَة دَرَاهِم وَخَمْسَة وَخَمْسَة إِلَّا سَبْعَة إِن بلغُوا لِأَن السَّبْعَة لَيست بِجُزْء الْخَمْسَة وَلقَائِل أَن يَقُول الِاسْتِثْنَاء يرجع إِلَى مَا يَلِيهِ إِلَّا أَن يمْنَع مِنْهُ مَانع كَمَا تَقولُونَ يرجع إِلَى جَمِيع مَا تقدم مَا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع وَالْمَانِع من رُجُوع اسْتثِْنَاء السَّبْعَة إِلَى مَا يَليهَا أَن الِاسْتِثْنَاء يخرج جُزْء من كل والسبعة لَيست بِجُزْء الْخَمْسَة

стр. 249

وَاحْتج من لم يرد الِاسْتِثْنَاء إِلَى جَمِيع مَا تقدم بأَشْيَاء مِنْهَا أَن الِاسْتِثْنَاء لما لم يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَجب تَعْلِيقه بِغَيْرِهِ ليستقل وَلَو اسْتَقل بِنَفسِهِ لم يجب تَعْلِيقه بِغَيْرِهِ وَلَا شُبْهَة فِي وجوب تَعْلِيقه بِمَا يَلِيهِ وَبِهَذَا الْقدر يسْتَقلّ ويفيد فتعليقه بِمَا زَاد على ذَلِك يجْرِي مجْرى تَعْلِيق الْكَلَام المستقل بِغَيْرِهِ لَا من ضَرُورَة وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْكَلَام يمْنَع من رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْكَلَام الْمُتَقَدّم لكَي يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَلَا يمْنَع من رُجُوعه إِلَيْهِ لسَبَب آخر وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يكون للْحكم الْوَاحِد أَسبَاب فَلَا يمْتَنع أَن يكون لرجوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى مَا تقدم سَبَب آخر غير مَا ذكر وينتقض مَا ذَكرُوهُ بِالشّرطِ وَالِاسْتِثْنَاء بِمَشِيئَة الله لِأَن ذَلِك غير مُسْتَقل بِنَفسِهِ وَيدخل فِي الإفادة إِذا علق بِمَا يَلِيهِ وَمَعَ ذَلِك فقد تعلق بِجَمِيعِ مَا تقدم وَقَول بَعضهم إِن الشَّرْط وَإِن تَأَخّر فَهُوَ فِي الحكم مُتَقَدم وَلَا يُخرجهُ من أَن يكون نقضا لما ذَكرُوهُ من الْعلَّة وَقَول بَعضهم إِن الِاسْتِثْنَاء بِمَشِيئَة الله يَقْتَضِي إيقاف الْكَلَام وَلَا يخرج الْبَعْض دون الْبَعْض لَا يمْنَع من أَن تنْتَقض بِهِ هَذِه الشُّبْهَة من حَيْثُ كَانَ غير المستقل بِنَفسِهِ وَقد رَجَعَ إِلَى جَمِيع مَا تقدم وَيُقَال لَهُم هلا رَجَعَ إِلَى مَا يَلِيهِ فأوقفه وَلم يرجع إِلَى جَمِيع مَا تقدم وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الِاسْتِثْنَاء من الْجمل فِي أَنه يسْتَقلّ بِنَفسِهِ كالاستثناء من الِاسْتِثْنَاء وَإِذا كَانَ الِاسْتِثْنَاء من الِاسْتِثْنَاء يرجع إِلَى مَا يَلِيهِ وَلَا يفْتَقر فِي استقلاله إِلَى أَكثر من ذَلِك فَكَذَلِك الِاسْتِثْنَاء من الْجمل وَالْجَوَاب أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لزيد عَليّ عشرَة دَرَاهِم إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا درهما كَانَ الدِّرْهَم مُسْتَثْنى من الثَّلَاثَة فَقَط لِأَنَّهُ لَو رَجَعَ إِلَى الثَّلَاثَة وَإِلَى الْعشْرَة لَكَانَ اسْتثْنى دِرْهَمَيْنِ درهما من الثَّلَاثَة ودرهما من الْعشْرَة وَأَيْضًا فالعشرة إِثْبَات وَالِاسْتِثْنَاء مِنْهَا نفي وَالثَّلَاثَة نفي وَالِاسْتِثْنَاء مِنْهَا إِثْبَات فَلَو رَجَعَ اسْتثِْنَاء الدِّرْهَم إِلَيْهِمَا لَكَانَ نفيا وإثباتا ولهذه الْعلَّة قُلْنَا إِنَّه لَو قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة دَرَاهِم إِلَّا ثَلَاثَة دِرْهَمَيْنِ أَن الدرهمين يرجعان إِلَى الثَّلَاثَة وَلَا يرجع دِرْهَم إِلَيْهِمَا وَدِرْهَم إِلَى الْعشْرَة فان قيل فَلم رَجَعَ الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي إِلَى الِاسْتِثْنَاء الأول

стр. 250

دون الْعشْرَة بِأولى من أَن يرجع إِلَى الْعشْرَة فَقَط مَعَ أَنه فِي الْحَالين لَا يكون الِاسْتِثْنَاء نفيا وإثباتا مَعًا قيل لِأَنَّهُ لَو رَجَعَ إِلَى الْعشْرَة فَقَط كَانَ الِاسْتِثْنَاء الأول فِي رُجُوعه إِلَى الْعشْرَة وَفِي ذَلِك عطفه عَلَيْهِ حَتَّى يَقُول لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة درهما وَأَيْضًا فان الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي مُتَّصِل بِالِاسْتِثْنَاءِ الأول وَلم يحصل الِاسْتِثْنَاء الأول مَعَ مَا تقدم كجملة وَاحِدَة بِحرف عطف أَو غَيره وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا قَالَ الْقَائِل أكْرم بني تَمِيم وَرَبِيعَة إِلَّا الطوَال وَمِنْهَا قَول بَعضهم إِن الْكَلَام الأول عَام فعلى من ادّعى تحصيصه بِالِاسْتِثْنَاءِ إِقَامَة الدّلَالَة دون من لم يدع تَخْصِيصه وَالْجَوَاب أَن الْقَائِل بِأَن الِاسْتِثْنَاء يرجع إِلَى مَا تقدم فيخصه وَالْقَائِل بِأَنَّهُ لَا يرجع إِلَيْهِ وَلَا يَخُصُّهُ مدعيان إِذْ كل وَاحِد مِنْهُمَا يَدعِي للاستثناء دَعْوَى لَا يُوَافقهُ عَلَيْهَا خَصمه فَكَانَ على كل وَاحِد مِنْهُمَا إِقَامَة الدّلَالَة وَمِنْهَا تعلقهم بآيَات رَجَعَ الِاسْتِثْنَاء فِيهَا إِلَى مَا يَلِيهِ ومخالفهم يَقُول إِن ذَلِك إِنَّمَا علم بِدَلِيل لَا بِالظَّاهِرِ وَمِنْهَا تعلقهم بِأَن الصَّحَابَة لم تخص الْكَلَام الْمُتَقَدّم بِمَا بعده لِأَنَّهَا قَالَت فِي قَول الله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكُم وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ إِن ذَلِك رَاجع إِلَى الربيبة دون أُمَّهَات النِّسَاء وَقَالَت فِي أُمَّهَات النِّسَاء أبهموا مَا أبهم الله فَلم تشْتَرط تَحْرِيم أُمَّهَات النِّسَاء بِالدُّخُولِ بِالنسَاء وَالْجَوَاب أَن ذَلِك لَيْسَ باستثناء فَلم يجب فِي الِاسْتِثْنَاء مَا يجب فِيهِ لأَنهم لم يجمعوا بَينهمَا بعلة وعَلى أَن قَوْله ﴿اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم﴾ نعت للربائب دون أُمَّهَات النِّسَاء لِأَن أُمَّهَات نسائنا لسن فِي حجورنا وَلَا هن من نسائنا وَقَوله ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ وَإِن رَجَعَ إِلَى

стр. 251

النِّسَاء فَهُوَ من تَمام نعت الربائب فصح أَن الْكَلَام صَرِيح فِي تَقْيِيد الربائب لَا مَا تقدم فَكَانَ أُمَّهَات النِّسَاء على الْإِبْهَام الَّذِي ابهمه الله ﷺ َ - بَاب فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بالأدلة الْمُنْفَصِلَة ﷺ َ - اعْلَم أَن الْأَدِلَّة الْمُنْفَصِلَة هِيَ أَدِلَّة الْعقل وَكتاب الله سُبْحَانَهُ وَسنة رَسُوله ﷺ وَالْإِجْمَاع فالعقل يخص بِهِ عُمُوم الْكتاب وَالسّنة وَذَلِكَ أَنا نخرج بِالْعقلِ الصَّبِي وَالْمَجْنُون من أَن يَكُونَا مرادين بخطاب الله سُبْحَانَهُ بالعبادات فِي الْحَال وَلَا نخرجهما من أَن يَكُونَا مرادين بِالْخِطَابِ إِذا كملت عقولهما لأجماع الْمُسلمين على أَن الصَّبِي إِذا بلغ فَالصَّلَاة وَاجِبَة عَلَيْهِ لقَوْل الله سُبْحَانَهُ ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ ولإجماعهم على وجوب الصَّلَاة عَلَيْهِ وَلَا دَلِيل يدل على تجدّد أَمر لَهُ وَلِأَنَّهُ لَو لَزِمته الصَّلَاة لأمر مُجَدد لوَجَبَ أَن يسمعهُ ويعلمه أَو يُعلمهُ الْعلمَاء فَأَما أَنه خَارج من الْخطاب فِي الْحَال لمَكَان دَلِيل الْعقل فقد امْتنع قوم من القَوْل بِأَن أَدِلَّة الْعقل تخص الْكتاب وَقَالُوا إِن الْعُمُوم مُرَتّب عَلَيْهَا وقم أطْلقُوا الْمَنْع من ذَلِك إطلاقا فَيُقَال لهَؤُلَاء أتعلمون بِالْعقلِ أَن الله سُبْحَانَهُ لم يرد بقوله ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم﴾ المجانين والأطفال أم لَا فان قَالُوا نعلم ذَلِك لَكنا لَا نُسَمِّيه تَخْصِيصًا خالفوا فِي الِاسْم ووافقوا فِي الْمَعْنى وَقيل لَهُم لَيْسَ للتخصيص معنى إِلَّا أَن يخرج من الْخطاب بعض مَا تنَاوله من الْأَشْخَاص وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي فَهُوَ فَاسد لِأَن الصَّبِي وَالْمَجْنُون لَا يمكنهما فهم المُرَاد لَا على جملَة وَلَا على تَفْصِيل فارادة الْفَهم مِمَّا لَا يتَمَكَّن مِنْهُ تَكْلِيف لما لَا يُطَاق ويتعالى الله عَن ذَلِك فان قَالُوا دَلِيل الْعقل مُتَقَدم والمخصص لَا

стр. 252

يتَقَدَّم قيل بل يجوز أَن يتَقَدَّم إِن قيل فَلم كُنْتُم بالتمسك بِدَلِيل الْعقل أولى من التَّمَسُّك بِعُمُوم الْكتاب وهلا شرطتم فِي دَلِيل الْعقل أَن لَا يُعَارضهُ عُمُوم الْكتاب قيل إِن دَلِيل الْعقل دلّ على قبح إِرَادَة الْفَهم مِمَّن لَا يتَمَكَّن مِنْهُ دلَالَة مُطلقَة وَلم يدل على قبحها فِي حَال دون حَال أَلا ترى انا نعلم قبحها تناولهم لفظ كتاب أَو لم يتناولهم إِذْ الْعلَّة فِي قبحها كَونهم غير متمكنين فَوَجَبَ التَّمَسُّك بِهِ على الْإِطْلَاق وَعُمُوم الْكتاب لما كَانَ مُحْتملا للتخصيص وَكُنَّا لَا نعلم مَعَه حسن إِرَادَة مَا لَا يُطَاق ثَبت أَنه لَا يدل على حسنها فَوَجَبَ تَخْصِيصه إِن قيل إِذا كَانَ من لَا يتَمَكَّن من فهم المُرَاد بِالْخِطَابِ على جملَة أَو تَفْصِيل لَيْسَ بمخاطب بالعبادات فِي الْحَال فَمَا مُرَاد الْفُقَهَاء بقَوْلهمْ إِن النَّائِم فِي جَمِيع وَقت الصَّلَاة مُخَاطب بِالصَّلَاةِ قيل لَيْسَ هَذَا مُرَادهم بذلك أَنه قد أُرِيد مِنْهُ أَن يُصَلِّي وَهُوَ نَائِم أَو أَن يزِيل النّوم عَن نَفسه لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ كلا الْأَمريْنِ وَلَو فصل لَهُم ذَلِك أَبوهُ فَعلمنَا ان مُرَادهم غير ذَلِك وَقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن مُرَادهم بقَوْلهمْ إِن الْإِنْسَان مُخَاطب وُجُوه مِنْهَا أَنه مُكَلّف لما تضمنه الْخطاب وَمِنْهَا أَن سَبَب الْوُجُوب حَاصِل فِيهِ كالنائم لِأَنَّهُ قد اخْتصَّ بِسَبَب وجوب قَضَاء الصَّلَاة بِخِلَاف الْمَجْنُون وَلِهَذَا يَقُولُونَ إِن الْحَائِض مُخَاطبَة بالصيام دون الصَّلَاة وَمِنْهَا أَن يكون الْمُكَلف إِذا فعل مَا تضمنه الْخطاب صَحَّ مِنْهُ وَإِن لم يُكَلف فعله كَقَوْلِهِم إِن الْفَقِير مُخَاطب بِالْحَجِّ دون الصَّبِي وَمِنْهَا أَن لَا يكون بَينه وَبَين أَن يكون مُخَاطبا بِالْفِعْلِ إِلَّا أَن يَزُول عَنهُ شَيْء قد عرض كالفقير مَتى زَالَ عَنهُ اسْم الْفقر صَار مُخَاطبا بِالْحَجِّ

стр. 253

وَمِنْهَا أَن يلْزمه حكم الْخطاب نَحْو قَوْلهم إِن السَّكْرَان مُخَاطب بِأَحْكَام الطَّلَاق وَمعنى ذَلِك انه يلْزمه الْفرْقَة إِن قيل أَلَيْسَ الصَّبِي قد دخل تَحت الْخطاب فِي أروش الْجِنَايَات قيل إِنَّه لم يدْخل فِي الْخطاب باخراج الْأَرْش وَإِنَّمَا الدَّاخِل تَحت الْخطاب وليه بِأَن يخرج الْأَرْش من مَال الصَّبِي وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن الْحُقُوق الثَّابِتَة فِي المَال إِن تبِعت عبَادَة كَالنَّفَقَةِ فِي الْحَج لم تجب فِي مَال الصَّبِي وَإِن لم تتبع عبَادَة وَلم تفْتَقر إِلَى نِيَّة كأرش الْجِنَايَات وَجب من مَاله وَإِن احْتَاجَت إِلَى نِيَّة كَالزَّكَاةِ فقد اخْتلف الْفُقَهَاء فِي وجوب ذَلِك فِي مَاله فان قيل وَإِذا لم يدْخل الصَّبِي فِي الْعِبَادَات فَلم فصل بَين صلَاته بِلَا طَهَارَة وبطهارة وحكموا بِصِحَّتِهَا بِطَهَارَة قيل مُرَادهم بذلك أَنَّهَا إِذا كَانَت بِطَهَارَة فَهِيَ على الصّفة الَّتِي تسْقط فرض الْبَالِغ وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا كَانَت بِلَا طَهَارَة أَو لِأَنَّهَا إِذا كَانَت بِطَهَارَة فقد وَقعت الْموقع الَّذِي أمرنَا أَن نَأْخُذهُ بهَا وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا كَانَت بِلَا طَهَارَة وَلَيْسَ مُرَادهم بذلك أَنَّهَا إِذا كَانَت على طَهَارَة أسقطت الْفَرْض عَنهُ لإجماعهم على أَنه لَا فرض عَلَيْهِ إِن قيل أفليس قد اخْتلفُوا فِي صِحَة إِسْلَامه وَكَيف لَا يكون عِنْدهم أهل التَّكْلِيف قيل إِن من يصحح إِسْلَامه إِنَّمَا يُصَحِّحهُ إِذا كَانَ يعقل الْإِسْلَام وَعِنْده أَنه إِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ مُكَلّفا لِلْإِسْلَامِ لصِحَّة الِاسْتِدْلَال مِنْهُ وَأَيْضًا فَلَو لم يكن مُكَلّفا فِي تِلْكَ الْحَال لم يمْتَنع وُرُود الشَّرِيعَة بِأَنَّهُ إِذْ أظهر الْإِسْلَام فِي هَذِه الْحَالة أخذناه إِذا بلغ كَمَا نَأْخُذهُ بِهِ إِذا وَقد أسلم أَبَوَاهُ قبل بُلُوغه ﷺ َ - بَاب فِي تَخْصِيص الْكتاب وَالسّنة بِالْكتاب وَالسّنة ﷺ َ - وَأما تَخْصِيص الْكتاب بِالْكتاب فانه إِذا جَازَ أَن يبين الله سُبْحَانَهُ بخطابه الْعَام بعض مَا تنَاوله فَقَط جَازَ أَن يدلنا على ذَلِك بِالْكتاب كَمَا جَازَ أَن يدلنا

стр. 254

بِالْكتاب على غير ذَلِك من الْأَحْكَام وَقد خص الله سُبْحَانَهُ قَوْله ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ بقوله ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ وَخص قَوْله ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ بقوله ﴿وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ وَلَيْسَ يمْتَنع قَول الله سُبْحَانَهُ لنَبيه ﷺ ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ من أَن يبين بِكَلَامِهِ مَا أنزلهُ إِلَيْنَا مَعَ أَن الله قد وصف كِتَابه بَان فِيهِ ﴿تبيانا لكل شَيْء﴾ فَجَاز كَون بعضه بَيَانا لبَعض وَأما تَخْصِيص الْكتاب بِالسنةِ فَجَائِز كَمَا يجوز أَن تدلنا السّنة على غير ذَلِك من الْأَحْكَام وَقد خص النَّبِي ﷺ بقوله لَا يَرث الْقَاتِل وَلَا يتوارث أهل ملتين قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وَأما تَخْصِيص السّنة بِالسنةِ فَأكْثر من أَن يُحْصى وَقد أَبى قوم ذَلِك لِأَنَّهُ نصب ﷺ مُبينًا فَلم يجز أَن تحْتَاج سنته إِلَى بَيَان وَالْجَوَاب أَن كَونه مُبينًا لَا يمْنَع من أَن يبين سنته وَالْكَلَام فِي تَخْصِيص الْعَام بالخاص يخْتَلف بِحَسب الْمُقَارنَة والتراخي فاذا بَينا جَوَاز وُقُوع تَخْصِيص الْكتاب وَالسّنة بهما على الْجُمْلَة فلنبين مَتى يَقع التَّخْصِيص بهما وَنَذْكُر فِي ذَلِك قسْمَة يدْخل فِيهَا بِنَاء الْخَاص على الْعَام وَيجوز تَخْصِيص قَول الله سُبْحَانَهُ بِفعل النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ كَقَوْلِه فِي الدّلَالَة وَلِهَذَا خصصنا قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي﴾ يرْجم النَّبِي ﷺ ماعزا

стр. 255

وَيجوز تَخْصِيص الْكتاب بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ إِذا ثَبت كَونه حجَّة جَازَ أَن يدل على كَون الْكتاب مَخْصُوصًا وَقد خص إِجْمَاعهم على أَن العَبْد كالأمة فِي تنصيف الْحَد لآيَة الْجلد ﷺ َ - بَاب فِي بِنَاء الْعَام على الْخَاص ﷺ َ - اعْلَم أَنه إِذا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ خبران خَاص وعام وهما كالمتنافيين فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن نعلم بَينهمَا التأريخ أَو لَا نعلم فان علمنَا ذَلِك فإمَّا أَن نعلم اقتران أَحدهمَا بِالْآخرِ وَإِمَّا أَن نعلم تراخي أَحدهمَا عَن الآخر إِمَّا الْخَاص وَإِمَّا الْعَام فان علمنَا اقترانهما نَحْو أَن يَقُول النَّبِي ﷺ أقتلوا الْكفَّار وَيَقُول عقيب ذَلِك لَا تقتلُوا الْيَهُود أَو يَقُول فِي الْخَيل زَكَاة وَيَقُول عَقِيبه لَيْسَ فِي الذُّكُور من الْخَيل زَكَاة فَالْوَاجِب أَن يكون الْخَاص مُخَصّصا للعام لِأَن الْخَاص أقل احْتِمَالا فِيمَا يتَنَاوَلهُ من الْعَام واشد تَصْرِيحًا بِهِ من الْعَام وَلِهَذَا لَو قَالَ الرجل لعَبْدِهِ اشْتَرِ لي كل مَا فِي السُّوق من اللَّحْم ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك لَا تشتر لحم الْبَقر فهم مِنْهُ إِخْرَاج لحم الْبَقر من كَلَامه الأول إِمَّا على سَبِيل البداء وَإِمَّا أَنه لم يردهُ بِالْعُمُومِ وَلِأَن إِجْرَاء الْعَام على عُمُومه يلغي الْخَاص وَاسْتِعْمَال الْخَاص وَإِخْرَاج مَا تنَاوله من الْعَام لَا يلغي وَاحِدًا مِنْهُمَا فَكَانَ هَذَا أولى وَإِن قيل هلا حملتم قَوْله فِي الْخَيل زَكَاة على التَّطَوُّع وحملتم قَوْله لَا زَكَاة فِي الذُّكُور من الْخَيل على نفي الزَّكَاة وَهَذَا وَإِن كَانَ اسْتِعْمَالا للعام على الْمجَاز فان تَخْصِيصه أَيْضا اسْتِعْمَال لَهُ على الْمجَاز فلستم بِأحد الاستعمالين بِأولى من الآخر وَالْجَوَاب إِن قَوْله فِي الْخَيل زَكَاة يَقْتَضِي وُجُوبهَا فِي الْإِنَاث كَمَا يَقْتَضِيهِ خبر لَو اخْتصَّ بالإناث فَلَو حملناه على التَّطَوُّع لَكنا قد عدلنا بِاللَّفْظِ عَن ظَاهره فِي الإ ناث لدَلِيل لَا يتَنَاوَلهُ الْإِنَاث وَهُوَ قَوْله لَا زَكَاة فِي الذُّكُور وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا أخرجنَا الذُّكُور عَن قَوْله فِي الْخَيل زَكَاة

стр. 256

لأَنا نَكُون قد أخرجنَا من الْعَام شَيْئا لدَلِيل قد تنَاوله وَاقْتضى إِخْرَاجه مِنْهُ وَأَيْضًا فَمَا ذكره الْخصم لَا يَتَأَتَّى فِي كل خبر لِأَن النَّبِي ﷺ لَو قَالَ اقْتُلُوا الْكفَّار وَقَالَ لَيْسَ ذَلِك باباحة وَلَا إِطْلَاق وَقَالَ أَيْضا عَقِيبه لَا تقتلُوا الْيَهُود فحملنا ذَلِك على نهي التَّحْرِيم أَو التَّنْزِيه لوَجَبَ على كل حَال تَخْصِيص قَوْله اقْتُلُوا الْكفَّار لِأَن هَذَا القَوْل لَو حمل على الْوُجُوب أَو على النّدب لَكَانَ النَّهْي عَن قَتلهمْ وجوبا أَو تَنْزِيها مُخَصّصا لَهُ فَأَما إِن علمنَا تراخي الْخَاص عَن الْعَام فانه إِن كَانَ ورد الْخَاص قبل مَا يحضر وَقت الْعَمَل بِالْعَام فانه يكون بَيَانا للتخصيص وَيجوز ذَلِك عِنْد من يُجِيز تَأْخِير بَيَان الْعَام وَلَا يجوز عِنْد المانعين من تَأْخِير بَيَان الْعَام وَإِن ورد الْخَاص بعد مَا حضر وَقت الْعَمَل بِالْعَام فانه يكون نسخا وبيانا لمراد الْمُتَكَلّم فِيمَا بعد دون مَا قبل لِأَن الْبَيَان لَا يتَأَخَّر عَن وَقت الْحَاجة وَأما إِن كَانَ الْعَام هُوَ المتراخي عَن الْخَاص فَعِنْدَ أَصْحَاب الشَّافِعِي أَن الْعَام يَبْنِي على الْخَاص فَيكون المُرَاد بِالْعَام مَا لم يتَنَاوَلهُ الْخَاص وَيُمكن أَن يحتجوا لذَلِك بِأَن الْخَبَر الْخَاص نَحْو قَول الْقَائِل لَا تقتلُوا الْيَهُود يمْنَع من قَتلهمْ أبدا وَقَوله من بعد أقتلوا الْكفَّار يُفِيد قَتلهمْ فِي حَالَة من الْحَالَات وَالْخَبَر الْخَاص يمْنَع من قَتلهمْ فِي تِلْكَ الْحَالة وَإِذا تمانعا وَالْخَاص أخص باليهود وَأَقل احْتِمَالا وَجب الْقَضَاء بِهِ وَلَو قَالَ اقْتُلُوا الْيَهُود ثمَّ قَالَ لَا تقتلُوا الْكفَّار وَقد بقيت بَقِيَّة من الْيَهُود لم يقتلُوا فَالْأَمْر يَقْتَضِي قَتلهمْ فِي حَال من الْحَالَات وَالنَّهْي يمْنَع من ذَلِك فَإِذا تمانعا فِي تِلْكَ الْحَال قضي بالخاص وَقد احْتَجُّوا لمذهبهم بِأَن الْخَاص مَعْلُوم دُخُول مَا تنَاوله تَحْتَهُ وَدخُول ذَلِك تَحت الْعَام مَشْكُوك فِيهِ وَالْعَام لَا يتْرك للشَّكّ وَهَذَا لَا يَصح لأَنهم إِن أَرَادوا أَن الْعَام لَو انْفَرد لم يعلم دُخُول مَا تنَاوله تَحْتَهُ فَذَلِك غير مُسلم وَإِن ارادوا أَنه لَا يعلم ذَلِك لأجل الْخَبَر الْخَاص فَفِي ذَلِك ينازعزن وَهُوَ ترك قَوْلهم أَيْضا لأَنهم يقطعون على خُرُوج ذَلِك من الْعُلُوم وَلَا يَشكونَ فِيهِ وَقَالُوا

стр. 257

أَيْضا تقدم الْخَاص على الْعَام كالعهد بَين الْمُتَكَلّم والمخاطب فَانْصَرف الْخطاب الْعَام إِلَيْهِ وَالْجَوَاب أَنه لَا معنى لقَولهم إِنَّه كالعهد إِلَّا أَن الْمُتَكَلّم قد دلّ بالخاص الْمُتَقَدّم على أَن مُرَاده بِالْعَام مَا دون الْخَاص وَلِأَنَّهُ لَا يفهم السَّامع إِلَّا ذَلِك وَفِي ذَلِك ينازعون وَذهب أَصْحَاب أبي حنيفَة وقاضي الْقُضَاة إِلَى أَن الْعَام الْمُتَأَخر ينْسَخ الْخَاص الْمُتَقَدّم وَاحْتَجُّوا بأَشْيَاء مِنْهَا أَن اللَّفْظ الْعَام فِي تنَاوله لآحاد مَا وجد تَحْتَهُ يجْرِي مجْرى أَلْفَاظ خَاصَّة كل وَاحِد مِنْهَا يتَنَاوَل وَاحِدًا فَقَط من تِلْكَ الْآحَاد لِأَن قَوْله اقْتُلُوا الْمُشْركين يجْرِي مجْرى قَوْله اقْتُلُوا زيدا الْمُشرك أقتلوا عمرا أقتلوا خَالِدا وَلَو قَالَ ذَلِك بعد مَا قَالَ لَا تقتلُوا زيدا لَكَانَ الثَّانِي نَاسِخا فَكَذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ وَالْجَوَاب أَن اللَّفْظ الْعَام يجْرِي مجْرى أَلْفَاظ خَاصَّة بآحاد مَا تنَاوله فِي كَونه متناولا لَهَا فَقَط وَلَا يجْرِي مجْراهَا فِي امْتنَاع دُخُول التَّخْصِيص عَلَيْهِ لِأَن اللَّفْظ الْخَاص لشَيْء وَاحِد لم يدْخل تَحْتَهُ اشياء فَيخرج بَعْضهَا وَالْعَام قد تنَاول أَشْيَاء يُمكن أَن يُرَاد بِهِ بَعْضهَا فصح قيام الدّلَالَة على ذَلِك وَلِهَذَا كَانَ الْخَاص الْمُقَارن للعام مُخَصّصا لَهُ وَمَا ذَكرُوهُ يمْنَع من تَخْصِيصه لَهُ وَمِنْهَا أَن الْخَاص الْمُتَقَدّم يَتَأَتَّى نُسْخَة وَالْعَام يُمكن أَن يرفعهُ فَكَانَ نَاسِخا لَهُ وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم وَلم إِذا أمكن أَن يرفعهُ وَجب ذَلِك فِيهِ وَأَيْضًا فَكَمَا يُمكن أَن يتَصَوَّر فِيهِ كَونه رَافعا للخاص الْمُتَقَدّم فَيمكن أَن يتَصَوَّر فِيهِ كَونه مَخْصُوصًا بالخاص الْمُتَقَدّم فان قَالُوا كَونه مُتَأَخِّرًا يَقْتَضِي كَونه نَاسِخا قيل لَهُم وَهل نوزعتم إِلَّا فِي ذَلِك وَأَيْضًا فَإِنَّمَا يُمكن أَن ينْسَخ الْمُتَقَدّم إِذا لم يثبت كَونه مَخْصُوصًا بالمتقدم فبينوا ذَلِك وَقد تمت لكم الْمَسْأَلَة وَمِنْهَا أَن يُقَال تردد الْخَاص الْمُتَقَدّم بَين كَونه مَنْسُوخا ومخصصا يمْنَع من كَونه مُخَصّصا لِأَن الْبَيَان لَا يكون ملبسا وَالْجَوَاب أَن الْخصم يَقُول لَيْسَ

стр. 258

يتَرَدَّد عِنْدِي بَين هذَيْن بل قد صَحَّ كَونه مُخَصّصا وعَلى أَنه إِن منع هَذَا التَّرَدُّد من كَونه بَيَانا للتخصيص ليمنعن التَّرَدُّد بَين كَون الْعَام نَاسِخا للخاص ومبنيا عَلَيْهِ من كَونه بَيَانا للنسخ فصح أَن الْعَام يَبْنِي على الْخَاص الْمُتَقَدّم لما ذَكرْنَاهُ من الدّلَالَة الأولى فَأَما إِذا لم يعرف التأريخ بَينهمَا فَعِنْدَ أَصْحَاب الشَّافِعِي أَن الْخَاص مِنْهُمَا يخص الْعَام وَهَذَا سديد على أصولهم لِأَنَّهُ لَيْسَ للخاص مَعَ الْعَام إِلَّا أَن يقارنه أَو يتَأَخَّر عَنهُ أَو يتقدمه وَقد بَان وجوب خُرُوج مَا تنَاوله الْخَاص من الْعَام فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة وَأَيْضًا فان فُقَهَاء الْأَمْصَار فِي هَذِه الْأَعْصَار يخصون أَعم الْخَبَرَيْنِ بأخصهما مَعَ فقد علمهمْ بالتاريخ وَلَيْسَ يعْتَرض ذَلِك بِأَن ابْن عمر ﵁ لَا يخص قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم﴾ يَقُول النَّبِي ﷺ لَا تحرم الرضعة وَلَا الرضعتان لأَنا إِنَّمَا ادعينا إِجْمَاع أهل هَذِه الْأَعْصَار وَيحْتَمل أَن يكون ابْن عمر امْتنع من ذَلِك لدَلِيل وَقد احْتَجُّوا للمسألة بأَشْيَاء لَا تدل مِنْهَا قَوْلهم إِذا لم يعرف التأريخ بَين الْخَبَرَيْنِ وَجب حملهما على أَنَّهُمَا وردا مَعًا كالغريقين اللَّذين لَا يعرف اقتران غرقهما وَلَا يقدم أَحدهمَا على الآخر فَحمل أَمرهمَا على أَنَّهُمَا غرقا مَعًا وَالْجَوَاب أَن الْأمة لم تجمع على ذَلِك بل قد ورث بعض الصَّحَابَة ﵃ كل وَاحِد مِنْهُمَا من الآخر وَمِنْهُم من جعل كل وَاحِد مِنْهُمَا كَأَنَّهُ لم يخلق أبدا وَلم يُورث أَحدهمَا من الآخر وَهَذَا يُمكن أَن يحْتَج بِهِ مخالفهم لِأَنَّهُ لما اشْتبهَ حَالهمَا لم يُورث أَحدهمَا من الاخر فَكَذَلِك إِذا اشْتبهَ حَال الْخَبَرَيْنِ يجب أَن لَا يعْتَرض بِأَحَدِهِمَا على الآخر وَأَن يرجع إِلَى أَمر آخر وَمِنْهَا قَوْلهم وَإِذا وَجب تَخْصِيص الْعُمُوم بِالِاسْتِثْنَاءِ فَكَذَلِك بالْخبر

стр. 259

الْخَاص وَالْجَوَاب أَن هَذَا قِيَاس بِغَيْر عِلّة وَالْفرق بَينهمَا أَن الِاسْتِثْنَاء لما لم يسْتَقلّ بِنَفسِهِ علم أَنه مُقَارن للْعُمُوم غير مُتَقَدم عَلَيْهِ وَلَا متراخ عَنهُ فَلم يُمكن فِيهِ أَن يكون مَنْسُوخا وَلَيْسَ كَذَلِك الْخَاص المستقل بِنَفسِهِ لِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون مُتَقَدما وَنَظِير الِاسْتِثْنَاء أَن يقطع على مُقَارنَة اللَّفْظ الْخَاص فَإِن قَالُوا اللَّفْظ الْخَاص إِذا تقدم لم يكون مَنْسُوخا بل يكون مُخَصّصا للعام الْمُتَأَخر رجعُوا الى مَا ذَكرْنَاهُ أَولا من بِنَاء الْمَسْأَلَة على ذَلِك وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْقيَاس يعْتَرض بِهِ على الْعَام فَالْخَبَر الْخَاص أولى بذلك وَالْجَوَاب أَن أصل الْقيَاس إِن كَانَ مُتَقَدما على الْخَبَر الْعَام وَكَانَ منافيا لَهُ فانه لَا يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ عِنْد الْخصم لِأَنَّهُ مَنْسُوخ بِالْعَام مِثَاله أَن يَقُول النَّبِي ﷺ لَا تَبِيعُوا الْبر ثمَّ يَقُول بعد مُدَّة أحللت لكم جَمِيع الْبياعَات فان الْمُخَالف ينْسَخ تَحْرِيم الْبر وَلَا يُجِيز قِيَاس الْأرز عَلَيْهِ فِي التَّحْرِيم وَإِن اشْتبهَ تقدمه لم يجز الْقيَاس عَلَيْهِ أَيْضا وَإِن كَانَ اصل الْقيَاس غير مُتَقَدم للعام على وَجه يُنَافِيهِ صَحَّ الْقيَاس عَلَيْهِ وَخص بِهِ الْعَام مِثَاله إِن نهى النَّبِي ﷺ عَن بيع الْبر ثمَّ قَالَ بعد مُدَّة أبحت لكم بيع مَا سوى الْبر فان ذَلِك لَا ينْسَخ النَّهْي عَن بيع الْبر فَيجوز أَن يُقَاس على الْبر المكيلات ويخص من جملَة هَذَا الْعُمُوم وَلَا يشبه هَذَا مَسْأَلَتنَا لِأَن فِي مَسْأَلَتنَا يُمكن أَن يكون الْمُتَقَدّم مَنْسُوخا بِالْعَام وَمِنْهَا أَنه لَو لم يخص الْعَام بالخاص كُنَّا قد ألغيناه وَالْجَوَاب أَن للخصم أَن يَقُول إِن أردتم بالغاء الْخَاص أَن لَا يسْتَعْمل أصلا فالحكمة تمنع مِنْهُ وَنحن لَا نقُول بِهِ وَإِن أردتم أَنا لَا نَسْتَعْمِلهُ الْآن وَإِن كَانَ مُسْتَعْملا فِي وَقت فَذَلِك جَائِز عندنَا وَهَذِه حَالَة الْمَنْسُوخ وَمِنْهَا أَنا لَو لم نخص الْعَام مِنْهُمَا بالخاص لوَجَبَ إِمَّا نسخ الْخَاص بِالْعَام أَو إلغاؤهما والنسخ لَا يجوز مَعَ فقد التأريخ وَكَلَام الْحَكِيم لَا يجوز إلغاءه وَالْجَوَاب أَن الْخصم يحوج التَّخْصِيص أَيْضا إِلَى تأريخ لِأَنَّهُ لَا يخص الْعَام بِخَبَر مُتَقَدم وَأما إلغاؤهما فغن أُرِيد بِهِ الرُّجُوع إِلَى غَيرهمَا أَو إِلَى تَرْجِيح وَترك

стр. 260

استعمالهما بأنفسهما فَذَلِك لَا يأباه الْخصم وَيَقُول إِنَّمَا لَا يجوز ذَلِك إِذا أمكن اسْتِعْمَال الْكَلَامَيْنِ فَأَما مَعَ فقد الْإِمْكَان فَلَا يمْتَنع وَقد علمنَا أَنه لَيْسَ حمل الْحَال فيهمَا على التَّخْصِيص أولى من النّسخ وَلَا حمل الْحَال فيهمَا على النّسخ أولى من التَّخْصِيص فَأَما أَصْحَاب أبي حنيفَة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِنَّه إِذا لم يعرف التأريخ بَين الْخَبَرَيْنِ الْعَام وَالْخَاص توقف فيهمَا وَرجع إِلَى غَيرهمَا أَو إِلَى مَا يرجح بِهِ أَحدهمَا على الاخر وَهَذَا سديد على أصولهم لِأَن عِنْدهم أَن الْخَبَر الْعَام الْمُتَأَخر ينْسَخ الْخَاص الْمُتَقَدّم ويخص بالخاص الْمُقَارن لَهُ والمتأخر وَإِذا لم يعرفوا التأريخ جوزوا أَن يكون الْخَاص مُتَقَدما فَيكون مَنْسُوخا وجوزوا أَن لَا يكون مُتَقَدما فَيخرج من الْعَام مَا تنَاوله فَوَجَبَ التَّوَقُّف فِيهَا إِذْ لَيْسَ الحكم بِأحد الْأَمريْنِ أولى من الآخر فَكَذَلِك يلْزم لَو قيل بِالْوَقْفِ إِذا علم تَأْخِير الْخَبَر الْعَام لأَنا إِذا لم نَعْرِف التأريخ لم نَأْمَن أَن يكون الْخَاص مُتَقَدما فنكون مترددين بَين أَن يكون مَخْصُوصًا وَبَين أَن يكون مَنْسُوخا وَقد احْتَجُّوا بأَشْيَاء لَا تدل مِنْهَا أَن الْعَام يجْرِي تنَاوله للآحاد مجْرى أَلْفَاظ خَاصَّة بالأعداد وَهَذِه لَا يعترضها الْخَاص فَكَذَلِك الْعَام وَقد تقدم الْجَواب عَن ذَلِك وَمِنْهَا أَنه لَو خص أحد الْخَبَرَيْنِ أعمهما يخص أحد العلتين أعمهما وَالْجَوَاب أَن ذَلِك قِيَاس بِغَيْر عِلّة وَيلْزم أَن لَا يخص الْعَام بالخاص الْمُقَارن لَهُ وعَلى أَن تَخْصِيص الْعلَّة لَا يجوز أصلا وَلَيْسَ كَذَلِك تَخْصِيص الْعَام فَجَاز أَن يَخُصُّهُ الْخَاص وَإِذا لم نَعْرِف بَينهمَا التَّارِيخ قَالُوا فاذا وَجب التَّوَقُّف فِي هذَيْن الْخَبَرَيْنِ فَالْوَاجِب الرُّجُوع إِلَى التَّرْجِيح وَقد ذكر عِيسَى بن أبان وُجُوهًا من التَّرْجِيح مِنْهَا أَن يكون أَحدهمَا مُتَّفقا على اسْتِعْمَاله كَخَبَر الأوساق وَمِنْهَا أَن يعْمل مُعظم الْأمة بِأَحَدِهِمَا ويعيب على

стр. 261

من لم يعْمل بِهِ كعيبهم على ابْن عَبَّاس تَركه الْعَمَل بِخَبَر أبي سعيد فِي الرِّبَا وَمِنْهَا أَن تكون الرِّوَايَة لأَحَدهمَا أشهر وَزَاد الشَّيْخ أَبُو عبد الله أَن يتَضَمَّن أَحدهمَا حكما شَرْعِيًّا وَأَن يكون أَحدهمَا بَيَانا للْآخر بِاتِّفَاق كاتفاقهم على أَن قَول النَّبِي ﷺ لَا قطع إِلَّا فِي ثمن الْمِجَن بَيَان لآيَة السّرقَة فَوَجَبَ لذَلِك بناؤها عَلَيْهِ وَهَذِه الْأُمُور أَمارَة لتأخر أحد الْخَبَرَيْنِ لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْخَبَر مُتَقَدما مَنْسُوخا مَا اتّفقت الْأمة على اسْتِعْمَاله وَلَا عابوا من ترك اسْتِعْمَاله وَلما كَانَ النَّقْل لَهُ أشهر وَلما أَجمعُوا على أَنه بَيَان لَهُ قد نسخه وَكَون الحكم غير شَرْعِي يَقْتَضِي كَون الْخَبَر الَّذِي يضمنهُ مصاحبا لِلْعَقْلِ وَأَن الْخَبَر المتضمن الحكم الشَّرْعِيّ مُتَأَخّر وَهَذَا الْوَجْه يضعف ﷺ َ - بَاب فِي الْعُمُوم إِذا خص هَل يصير مجَازًا أم لَا ﷺ َ - ذهبر قوم إِلَى أَنه لَا يصير مجَازًا بالتخصيص مُتَّصِلا كَانَ الْمُخَصّص أَو مُنْفَصِلا لفظا كَانَ أَو غير لفظ وَقَالَ آخَرُونَ يصير مجَازًا فِي كل هَذِه الْحَالَات وَقَالَ آخَرُونَ يصير مجَازًا فِي حَال دون حَال وَاخْتلفُوا فِي تَفْصِيل تِلْكَ الْحَال فَقَالَ بَعضهم إِن خص بِدَلِيل لَفْظِي لم يصر مجَازًا مُتَّصِلا كَانَ الدَّلِيل أَو مُنْفَصِلا وَإِن خص بِدَلِيل غير لَفْظِي كَانَ مجَازًا وَقَالَ آخَرُونَ يكون مجَازًا إِلَّا أَن يخص بِلَفْظ مُتَّصِل وَقَالَ آخَرُونَ يكون مجَازًا إِلَّا أَن يكون مخصصه شرطا أَو اسْتثِْنَاء وقاضي الْقُضَاة يَقُول يكون مجَازًا إِلَّا أَن يكون مخصصه شرطا أَو تقييدا بِصفة وَجعله مجَازًا بِالِاسْتِثْنَاءِ وَاعْلَم أَن الْقَرِينَة المخصصة إِمَّا أَن تستقل بِنَفسِهَا فِي الدّلَالَة أَو لَا تستقل

стр. 262

بِنَفسِهَا فَإِن اسْتَقَلت بِنَفسِهَا فَهِيَ ضَرْبَان عقلية ولفظية أما الْعَقْلِيَّة فنحو الدّلَالَة الدَّالَّة على ان غير الْقَادِر غير مُرَاد بِالْخِطَابِ بالعبادات وَأما اللفظية فنحو أَن يَقُول الْمُتَكَلّم بِالْعَام أردْت بِهِ الْبَعْض الْفُلَانِيّ فَقَط وَفِي هذَيْن الْقسمَيْنِ يكون الْعُمُوم مجَازًا لِأَن الْقَرِينَة دلّت على أَن الْمُتَكَلّم اسْتعْمل الْعَام لَا فِيمَا وضع لَهُ وَهَذَا معنى الْمجَاز إِن قيل هلا قُلْتُمْ إِن الْمُتَكَلّم أَرَادَ الْبَعْض فَقَط بِاللَّفْظِ الْعَام وبالقرينة مَعًا فَلَا يكون اللَّفْظ الْعَام مجَازًا قيل مجَازًا قيل أَن الْقَرِينَة قد تكون سَابِقَة للفظ الْعَام نَحْو خلق الْعلم فِينَا بِأَن الْعَاجِز لَا يُكَلف أَو نصب الدّلَالَة على ذَلِك وَهَذَا أسبق من الْعُمُوم فَلَا يجوز أَن يُرِيد بهما الْبَعْض وَقد تكون الْقَرِينَة إِشَارَة من الْمُتَكَلّم منا مُتَأَخِّرَة عَن كَلَامه بِزَمَان يسير فَلَا يجوز أَن يُرِيد الْبَعْض بهَا وَالْكَلَام الْعَام وَقد تكون الْقَرِينَة من فعل غير الْمُتَكَلّم نَحْو أَن يتَكَلَّم النَّبِي ﷺ بِالْعَام فيخصه الله سُبْحَانَهُ وَيلْزم أَن يكون اللَّفْظ الْعَام المقترن بِهِ الْقَرِينَة لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا لِأَنَّهُ مَا أُرِيد بِهِ مَا وضع لَهُ وَلَا غير مَا وضع لَهُ وَإِن جعلُوا الْحَقِيقَة مَجْمُوع اللَّفْظ والقرينة لزم كَون الْمعَانِي من جملَة الْحَقَائِق وَيلْزم أَن لَا يكون فِي الْكَلَام مجَازًا بل يكون الْكَلَام قد قصد بِهِ مَعَ قرينته وَجه الْمجَاز فان قيل هلا قُلْتُمْ وضعُوا الْعُمُوم للاستغراق مَعَ فقد الْقَرِينَة وَوَضَعُوا لما تَقْتَضِيه الْقَرِينَة من التَّخْصِيص مَعَ وجودهَا قيل إِن الْقَرَائِن كَثِيرَة لَا تحصى فَلَا يُمكن أَن تحصروها حَتَّى تضعوا الْعُمُوم مَعَ كل وَاحِدَة مِنْهَا لما تَقْتَضِيه وَأَيْضًا فَيمكن أَن يُقَال إِن الْأَلْفَاظ كلهَا وضعت مَعَ وجود الْقَرَائِن لما يدل عَلَيْهِ الْقَرَائِن وَفِي ذَلِك رفع الْمجَاز من الْكَلَام وَأَيْضًا فان الْقَرِينَة تدل على أَن الْمُتَكَلّم اسْتعْمل لفظ الْعُمُوم فِي الْبَعْض فان كَانَت إِذا دلّت ذَلِك فقد دلّت على أَن الْمُتَكَلّم اسْتعْمل لفظ الْعُمُوم فِي الْبَعْض فان كَانَت إِذا دلّت على ذَلِك فقد دلّت على أَن الْمُتَكَلّم قد اسْتَعْملهُ فِيمَا وضع لَهُ فَذَلِك رُجُوع إِلَى قَول أَصْحَاب الْوَقْف وَكَانَ يجب لَو أَرَادَ الْمُتَكَلّم بِاللَّفْظِ الْعُمُوم مَعَ أَن الْعقل يدل على تَخْصِيصه أَن يكون متجوزا وَغير مُسْتَعْمل لَهُ على حَقِيقَته

стр. 263

فان قَالُوا هلا قُلْتُمْ إِن الْقَرِينَة كالعهد فِي وجوب انصراف الْعُمُوم إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ وَلَا يكون مجَازًا كَمَا لَو انْصَرف إِلَى الْعَهْد وَالْجَوَاب إِن لَام التَّعْرِيف وضعت لتقييد مَا السَّامع بِهِ أعرف فان كَانَ بَينه وَبَين الْمُتَكَلّم عهد فَهُوَ بِهِ أعرف فَانْصَرف أليه الْكَلَام وَإِن لم يكن بَينهمَا عهد فَلَيْسَ يعرف إِلَّا الْجِنْس فَانْصَرف إِلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك مَا يدل عَلَيْهِ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة لِأَنَّهُ إِنَّمَا يعرف انصراف الْعُمُوم إِلَيْهِ إِذا علم بِدَلِيل عَقْلِي أَن بعض الْعُمُوم لَا يجوز أَن يُرَاد وَعلم أَن الْمُتَكَلّم حَكِيم وَرُبمَا غمض الدَّلِيل على أَنه لَا يجوز أَن يُرَاد فَجرى مجْرى سَائِر الْأَدِلَّة المخصصة سِيمَا وَمَا يفِيدهُ اللَّفْظ فِي الْمُوَاضَعَة لَا يقف على حِكْمَة الْمُتَكَلّم وَأَيْضًا فاذا ثَبت أَن الْألف وَاللَّام تفِيد الِاسْتِغْرَاق فَالْأولى أَن يُقَال إنَّهُمَا ينصرفان إِلَى الْعَهْد بِقَرِينَة وَهُوَ معرفَة السَّامع بِقصد الْمُتَكَلّم وَيجْرِي ذَلِك مجْرى جَمِيع أَلْفَاظ الْعُمُوم الَّتِي تعلم من قصد الْمُتَكَلّم أَنه استعملها فِي الْخُصُوص وَيكون مجَازًا فَأَما إِن كَانَت الْقَرِينَة لَا تستقل بِنَفسِهَا نَحْو الِاسْتِثْنَاء والشروط وَالتَّقْيِيد بِالصّفةِ كَقَوْل الْقَائِل جَاءَنِي بَنو تَمِيم الطوَال فقد ذهب قَاضِي الْقُضَاة إِلَى أَن الِاسْتِثْنَاء يَجْعَل الْعُمُوم مجَازًا وَلم يقل ذَلِك فِي الشُّرُوط وَالصّفة وَعند الشَّيْخ أبي الْحسن الْكَرْخِي ﵀ أَن الْعُمُوم لَا يصير مجَازًا بِهَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة وَلَعَلَّه عني مَا نذكرهُ الْآن وَهُوَ أَن هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة تجْعَل لفظ الْعُمُوم من جملَة كَلَام وَلَا يكون لفظ الْعُمُوم بِانْفِرَادِهِ حَقِيقَة وَلَا مجَازًا وَيكون الْعُمُوم مَعَ الِاسْتِثْنَاء بمجموعها حَقِيقَة وَكَذَلِكَ هُوَ مَعَ الشَّرْط وَمَعَ الصّفة وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْقَائِل إِذا قَالَ اضْرِب بني تَمِيم الطوَال أَو قَالَ إِن كَانُوا طوَالًا أَو قَالَ إِلَّا من دخل الدَّار فانه يرد بَعضهم بِلَفْظ الْعُمُوم وَحده لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك مَا كَانَ قد أَرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَو الشَّرْط أَو الصّفة شَيْئا لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء تُوضَع لشَيْء يسْتَقلّ فِي دلالتها عَلَيْهِ فَيُقَال إِن الْمُتَكَلّم قد أَرَادَ بهَا ذَلِك الشَّيْء وَأَرَادَ بِالْعُمُومِ وَحده الْبَعْض وَلِأَنَّهُ إِذا أَرَادَ الْبَعْض بِلَفْظ الْعُمُوم لم يبْق شَيْء يُريدهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشّرط وَالصّفة فَثَبت أَنه إِنَّمَا

стр. 264

عَنى الْبَعْض لمجموع الْأَمريْنِ يبين ذَلِك أَن النافين للْعُمُوم لما قَالُوا لَو كَانَ لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرقا لَكَانَ اسْتِعْمَاله فِي الْبَعْض نقضا قُلْنَا لَهُم إِن الْمُتَكَلّم قد عَنى الْبَعْض لمجموع الْعُمُوم وَالِاسْتِثْنَاء فاذا ثَبت أَن الْمُتَكَلّم لم يعن بِلَفْظ الْعُمُوم وَحده الِاسْتِغْرَاق وَلَا الْبَعْض ثَبت أَنه إِذا كَانَ مَعَ هَذِه الْأُمُور لم يكن بِانْفِرَادِهِ حَقِيقَة وَلَا مجَازًا أَو إِذا ثَبت أَنه قد عني الْبَعْض بِمَجْمُوع الْأَمريْنِ وهما لَا يفيدان إِلَّا ذَلِك الْبَعْض ثَبت أَن مجموعهما حَقِيقَة فِيهِ وَقد فصل قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح بَين التَّخْصِيص بِالِاسْتِثْنَاءِ وبالشرط فَقَالَ إِن الشَّرْط لَا يخرج شيأ من آحَاد الْعُمُوم فَلم يَجعله مجَازًا وَإِنَّمَا يخرج حَالا مِم الْحَالَات لِأَنَّك إِذا قلت أكْرم بني تَمِيم إِن كَانُوا دخلُوا الدَّار لم يتَعَرَّض ذَلِك للاعيان وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا استثنيت الْآحَاد وَالْجَوَاب أَن يُقَال وَلم كَانَ مَا تنَاول الْآحَاد يَجْعَل الْعُمُوم مجَازًا وَمَا تنَاول الْأَحْوَال لَا يَجعله مجَازًا على أَن الشَّرْط إِذا أخرج بعض الْحَالَات فقد أخرج بعض الْأَعْيَان لِأَنَّك إِذا قلت أكْرم بني تَمِيم إِن كَانُوا دخلُوا الدَّار فقد أخرجت الْأَعْيَان الَّذين لم يدخلُوا الدَّار وَقد يتَنَاوَل الشَّرْط الْأَعْيَان لِأَنَّك إِذا قلت أكْرم بني تَمِيم إِن كَانُوا من بني سعد فقد أخرج غَيرهم من الْأَشْخَاص ﷺ َ - بَاب فِي صِحَة الِاسْتِدْلَال بِالْعُمُومِ الْمَخْصُوص ﷺ َ - اخْتلف النَّاس فِي الْعُمُوم الْمَخْصُوص هَل يَصح الِاسْتِدْلَال بِهِ فِيمَا عدا الْمَخْصُوص أم لَا فَلم يجز عِيسَى بن أبان وَأَبُو ثَوْر الِاسْتِدْلَال بِهِ على ذَلِك على كل حَال وَأَجَازَ ذَلِك آخَرُونَ على كل حَال وَأَجَازَ ذَلِك قوم فِي حَال دون حَال وَاخْتلفُوا فِي تَفْصِيل تِلْكَ الْحَال فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن إِن خص الْعُمُوم بِشَرْط أَو اسْتثِْنَاء صَحَّ التَّعَلُّق بِهِ فِيمَا عدا الْمَخْصُوص وَإِن خص بِدَلِيل مُنْفَصِل لم يَصح ذَلِك وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله إِن كَانَ الْمُخَصّص وَالشّرط قد منعا من تعلق الحكم بِالِاسْمِ الْعَام وأوجبا تعلقه بِشَرْط لَا ينبىء عَنهُ

стр. 265

الظَّاهِر لم يجز التَّعَلُّق بِهِ عَنهُ وَإِن لم يمنعا من تعلقه بِالِاسْمِ الْعَام فانه يَصح التَّعَلُّق بِهِ وَمثل الْقسم الأول بقول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ وَذَلِكَ لِأَن قيام الدّلَالَة على اعْتِبَار الْحِرْز مِقْدَار الْمَسْرُوق يمْنَع من تعلق الْقطع بِالسَّرقَةِ وَيَقْتَضِي وُقُوعه على الْحِرْز الَّذِي لَا ينبىء اللَّفْظ عَنهُ فَلم يجز التَّعَلُّق بِهِ وَمثل للقسم الثَّانِي بقول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ لِأَن قيام الدّلَالَة على الْمَنْع من قتل معطي الْجِزْيَة لَا يمْنَع من تعلق الْقَتْل بِالشّرطِ فَلم يمْتَنع التَّعَلُّق بِهِ من قتل من لم يُعْط الْجِزْيَة وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة إِن كَانَ الْعُمُوم الْمَخْصُوص والمشروط لَو تركنَا وَظَاهره من دون الشَّرْط والتخصيص كُنَّا نمتثل مَا أُرِيد منا ونضم إِلَيْهِ مَا لم يرد منا احتجنا إِلَى بَيَان مَا لم يرد منا وَلم نحتج إِلَى بَيَان مَا أُرِيد إِذْ كُنَّا نصير إِلَيْهِ من دون الْبَيَان وَيصِح التَّعْلِيق بِالظَّاهِرِ فِيهِ وَإِن كُنَّا لَو تركنَا وَالظَّاهِر من دون الشَّرْط لم يمكننا امْتِثَال مَا أُرِيد احتجنا إِلَى بَيَان مَا أُرِيد منا إِذْ لسنا نكتفي بِالظَّاهِرِ فِيهِ وَهَذَا الَّذِي ذكره عقد مَذْهَب وَدلَالَة وَيَنْبَغِي أَن يُزَاد فِي الْقسم الأول أَن لَا يكون الْعُمُوم قد خصص تَخْصِيصًا مُجملا وَذَلِكَ لِأَن الله سُبْحَانَهُ لَو قَالَ اقْتُلُوا الْمُشْركين ثمَّ قَالَ لنا لم أرد بَعضهم لَكنا لَو تركنَا وَقَوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ أمكننا أَن نَفْعل مَا اريد منا وَمَا لم يرد منا وَمَعَ ذَلِك فانه لَا يَصح التَّعَلُّق بِهِ فِيمَا أُرِيد منا وَإِن مَا قُلْنَا إِنَّه يجوز أَن يسْتَدلّ بِالْعُمُومِ فِيمَا عدا الْمَخْصُوص هُوَ أَن معنى ذَلِك أَنه يُمكن التَّوَصُّل بِالْعُمُومِ إِلَى الْعلم بِحكم مَا عدا الْمَخْصُوص وَالدّلَالَة على ذَلِك هُوَ أَن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ إِذا دلّ الدَّلِيل على أَنه لَا يقتل من أعطي الْجِزْيَة من أهل الْكتاب فاللفظ يتَنَاوَل مَا عدا هَؤُلَاءِ فِي أصل

стр. 266

الْوَضع مفصلا وَلم يرد عَلَيْهِ تَخْصِيص مَجْهُول فَكل مَا هَذِه حَالَة فَإِن الْمُتَكَلّم بِهِ إِذا كَانَ حكيما فَلَا بُد من أَن يَعْنِي مَا تنَاوله اللَّفْظ إِلَّا أَن يدلنا على أَنه مَا عناه وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن اللَّفْظ يتَنَاوَل مَا عدا الْمَخْصُوص فِي أصل الْوَضع لِأَن اسْم الْعُمُوم يسْتَغْرق كل الْمُشْركين وَلَيْسَ كلهم سَوَاء آحادهم فَهُوَ إِذا عبارَة عَن كل وَاحِد مِنْهُم وَلِهَذَا لَو تركنَا وظاهرة أمكننا قتل من أُرِيد منا قَتله وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لم يرد عَلَيْهِ تَخْصِيص مَجْهُول لِأَن التَّخْصِيص الْمَجْهُول هُوَ إِخْرَاج بعض غير مفصل وَنحن إِنَّمَا نتكلم فِي عُمُوم قد خص تَخْصِيصًا مفصلا وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن كل لفظ يتَنَاوَل أَشْيَاء فِي أصل الْوَضع وَلم يخصص تَخْصِيصًا مُجملا فَلَا بُد من أَن يريدها الْمُتَكَلّم الْحَكِيم إِلَّا أَن يدل على أَنه مَا أَرَادَ بَعْضهَا لِأَن الْحَكِيم إِذا خَاطب قوما بلغتهم فَلَا بُد من أَن يَعْنِي بخطابه مَا عنوه وَإِلَّا كَانَ ملتبسا عَلَيْهِم وَغير مُتَكَلم بلغتهم وَلِهَذَا وَجب أَن يَعْنِي بِالْعُمُومِ ظَاهِرَة إِذا لم يرد عَلَيْهِ تَخْصِيص وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لم يدلنا على أَنه مَا عناهم لِأَنَّهُ لَو كَانَ هُنَاكَ دلَالَة لوجدها من استقصى الطّلب وَلِأَن الْمُخَالف يمْنَع من التَّعَلُّق بِالْعُمُومِ الْمَخْصُوص لكَونه مَخْصُوصًا لَا لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون فِي الْأَدِلَّة مَا يَخُصُّهُ تَخْصِيصًا ثَانِيًا يبين مَا قُلْنَاهُ أَن لفظ الْعُمُوم متناول لما عدا الْمَخْصُوص فَلم لم يعلم أَنه قد عني بِالْعُمُومِ لم يخل إِمَّا أَن لَا يعلم ذَلِك بمخصص مفصل أَو مُجمل وَذَلِكَ مَفْقُود فَجرى مجْرى سَائِر الْأَلْفَاظ المتناولة من أهل الْوَضع لمعانيها إِذا لم تدل دلَالَة على أَنَّهَا لم ترد بهَا فقد صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِالْعُمُومِ الْمَخْصُوص بِدَلِيل مُنْفَصِل أَو مُتَّصِل سَوَاء سمي الْعُمُوم مُجملا أَو غير مُجمل أَو سمي مجَازًا أَو غير مجَاز وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا إِجْمَاع الصَّحَابَة لِأَن عليا ﵁ تعلق فِي معنى الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ بقوله تَعَالَى ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ﴾

стр. 267

وَقَالَ أَحَلَّتْهُمَا آيَة وحرمتهما آيَة وَكَذَلِكَ قَالَ عُثْمَان ﵁ وَمَعْلُوم أَن قَوْله ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ مَخْصُوص مِنْهُ الْبِنْت وَالْأُخْت وَاحْتج ابْن عَبَّاس بقوله تَعَالَى ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم﴾ وَقَالَ قَضَاء الله أولى من قَضَاء ابْن الزبير وَإِن كَانَ وُقُوع التَّحْرِيم بِالرّضَاعِ يحْتَاج إِلَى شُرُوط وَاحْتج عِيسَى بن أبان بِأَن الْعُمُوم الْمَخْصُوص قد صَار مجَازًا بالتخصيص فَخرج أَن يكون لَهُ ظَاهر فَلم يجز التَّعَلُّق بِظَاهِرِهِ وَلِأَن الْعُمُوم الْمَخْصُوص يجْرِي مجْرى أَن يَقُول الله سُبْحَانَهُ اقْتُلُوا الْمُشْركين ثمَّ يَقُول لَا تقتلُوا بعض الْمُشْركين فَكَمَا يمْنَع ذَلِك من التَّعَلُّق بِالظَّاهِرِ فَكَذَلِك غَيره من التَّخْصِيص وَالْجَوَاب عَن الأول أَنه إِن أَرَادَ الْعُمُوم صَار مجَازًا من حَيْثُ لم يرد بِهِ بعض مَا تنَاوله فَذَلِك صَحِيح وَلَا يمْنَع من التَّعَلُّق بِهِ فِيمَا عدا الْمَخْصُوص لِأَنَّهُ متناول لَهُ على وَجه الْحَقِيقَة وَإِن أَرَادَ بِهِ أَنه مجَاز فِيمَا عدا الْمَخْصُوص فَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ متناول لذَلِك فِي أصل الْوَضع على أَنا قد بَينا أَنه يَصح التَّعَلُّق بِهِ سمي مجَازًا أَو لم يسم مجَازًا وَالْجَوَاب عَن الثَّانِي هُوَ أَنهم جمعُوا بَين التَّخْصِيص الْمفصل والتخصيص الْمُجْمل بِغَيْر عِلّة وَالْفرق بَينهمَا هُوَ أَن الله إِذا قَالَ أقتلوا الْمُشْركين ثمَّ قَالَ لَا تقتلُوا بَعضهم أَو قَالَ لم أرد بَعضهم وَلم يبين ذَلِك الْبَعْض كَانَ من يُرِيد قَتله من الْمُشْركين يتَنَاوَلهُ قَوْله اقْتُلُوا الْمُشْركين فَلم بِأَن يدْخل تَحت أحد الظاهرين أولى من أَن يدْخل تَحت الآخر وَلَو قَالَ لَا تقتلُوا الْيَهُود أمكننا أَن نقْتل بِالْآيَةِ من أُرِيد منا لِأَن كل مُشْرك إِن علمنَا يَهُودِيّا أدخلْنَاهُ تَحت الْمُخَصّص وَإِن علمناه غير يَهُودِيّ علمناه خُرُوجه من التَّخْصِيص وَأَنه مُرَاد بِالْآيَةِ

стр. 268

وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الْأَشْيَاء الْمَعْلُومَة إِذا أخرج مِنْهَا أَشْيَاء مَعْلُومَة كُنَّا عَالمين بِمَا عَداهَا وَإِذا خرج مِنْهَا أَشْيَاء مَجْهُولَة بَقِي الْبَاقِي مَجْهُولا لَا ينْفَصل مِمَّا عَداهَا فَلَا نَدْرِي مَا الَّذِي خرج مِمَّا لم يخرج أَلا ترى أَن الْعشْرَة مَعْلُومَة فاذا علمنَا أَنه قد خرج مِنْهَا ثَلَاثَة علمنَا أَنه قد بَقِي سَبْعَة وَإِذا علمنَا أَنه قد خرج مِنْهَا عدد لَا نعلمهُ لم ندر مَا بَقِي مِنْهَا وَنحن من بعد ذاكرون أَعْيَان الْأَدِلَّة فَنَقُول أما قَول الله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ فقد مضى الْكَلَام فِيهِ حِين جَعَلْنَاهُ مِثَالا للجملة الْمُتَقَدّمَة وَأما قَوْله ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ فانه لَا يَصح التَّعَلُّق بِهِ فِي وجوب الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة لِأَن اسْم الصَّلَاة فِي اللُّغَة لَا يتَنَاوَل هَذِه الصَّلَاة وَلِهَذَا لَو خلينا وَهَذِه الْآيَة لم نَعْرِف وُجُوبهَا وَلَا أمكننا فعلهَا بِعَينهَا إِن قيل هلا يَصح التَّعَلُّق بقوله أقِيمُوا الصَّلَاة فِي وجوب الدُّعَاء لِأَن اسْم الصَّلَاة يتَنَاوَلهُ فِي اللُّغَة فاذا دلّت الدّلَالَة على وجوب أَشْيَاء مَعَ الدُّعَاء وَسُقُوط وجوب الدُّعَاء مَعَ فقد تِلْكَ الْأَشْيَاء كَانَ تَخْصِيصًا قيل هَذَا يَقْتَضِي أَن يكون المُرَاد بقوله ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ الدُّعَاء وَهَذَا بَاطِل لأَنا قد بَينا أَن اسْم الصَّلَاة يتَنَاوَل فِي الشَّرِيعَة جملَة هَذِه الْأَفْعَال الشَّرْعِيَّة وَلَيْسَ بِأَن يُقَال إِنَّه يتَنَاوَل الدُّعَاء وَمَا عداهُ شَرط فِي وُقُوع النَّص عَلَيْهِ بِأولى من أَن يُقَال إِنَّه يتَنَاوَل فِي الشَّرِيعَة مَا عدا الدُّعَاء وَالدُّعَاء شَرط فِي وُقُوع الِاسْم عَلَيْهِ وعَلى أَن غرضنا أَنه لَا يَصح الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَة على وجوب جملَة هَذِه الْأَفْعَال والسائل لم يُنَازع فِي ذَلِك وَأما قَول الله ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ فَأَنَّهُ عَام فِي كل سَارِق سرق قَلِيلا أَو كثيرا من حرز أَو من غير حرز فقيام

стр. 269

الدّلَالَة على اشْتِرَاط الْحِرْز وَقدر مَخْصُوص لَا يمنعنا من الْعلم بِوُجُوب قطع من سرق من حرز قدرا مَخْصُوصًا فان منع الْمُخَالف من التَّعَلُّق بِهَذِهِ الْآيَة أصلا بعد قيام الدّلَالَة على هذَيْن الشَّرْطَيْنِ فقد أفسدناه وَإِن منع من أَن يعلم بِهَذِهِ الْآيَة قطع أحد إِلَّا بعد أَن يعلم أَنه سَارِق قدرا مَخْصُوصًا من حرز فَذَلِك صَحِيح وسنتكلم فِيهِ من بعد وَإِن أَرَادَ إِن قطع من اخْتصَّ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فقد احتجنا فِيهِ إِلَى أَن تقوم الدّلَالَة على اشْتِرَاط هذَيْن الشَّرْطَيْنِ فَبَاطِل لِأَنَّهُ لَو لم يدل الدّلَالَة على ذَلِك لعلمنا قطع من اخْتصَّ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ وَإِنَّمَا نفتقر إِلَى هَذِه الدّلَالَة فِي أَن لَا يقطع من لم يخْتَص بهما ونستطيع القَوْل فِي هَذِه الْأَقْسَام عِنْد ذكر أسألتهم إِن قيل أَلَيْسَ بعد قيام الدّلَالَة على اشْتِرَاط الْحِرْز وَمِقْدَار الْمَسْرُوق لَا يُمكن أَن يسْتَدلّ بِالْآيَةِ على قطع من اخْتصَّ بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ إِلَّا بعد أَن يضم إِلَيْهِمَا مَا دلّ على اشتراطهما فقد صَحَّ أَنه يجوز التَّعَلُّق بِظَاهِر الْآيَة قيل لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ يمكننا أَن نستدل على قطع من علمناه مُخْتَصًّا بالشرطين بِأَن نقُول إِنَّه سَارِق فتناولته آيَة السّرقَة من غير أَن يمْنَع مَانع من كَونه مرَادا بهَا وَهَذَا كَاف فِي الدّلَالَة على قِطْعَة أَلا ترى أَنا لَو لم نعلم هذَيْن الشَّرْطَيْنِ لعلمنا مِمَّا ذَكرْنَاهُ وجوب قطع من اخْتصَّ بهما وَإِن كُنَّا نقطع من لم يخْتَص بهما فَبَان أَنا نحتاج إِلَى بَيَان الشَّرْطَيْنِ حَتَّى لَا نقطع بعض السراق لَا لنقطع من يجب قطعه إِلَّا أَن الْبَيَان لذَلِك قد يرد بِلَفْظ النَّفْي بِأَن يُقَال لَا تقطعوا من سرق من غير حرز وَقد يرد بالإثبات بِأَن يُقَال الْحِرْز شَرط فِي الْقطع وكلا الْقَوْلَيْنِ إِنَّمَا يَنْفِي الْقطع من غير حرز لِأَن إثْبَاته مَعَ الْحِرْز مَعْلُوم بتناول الْآيَة لَهُ إِن قيل أَلَيْسَ بعد قيام الدّلَالَة على اشْتِرَاط الْمِقْدَار والحرز لَا يجوز لكم أَن تقطعوا سَارِقا معينا وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ أَنه سَارِق من حرز مِقْدَارًا مَخْصُوصًا وَإِذا علمْتُم ذَلِك علمْتُم وجوب قِطْعَة فقد بَان أَنه لَا يَكْتَفِي بِظَاهِر الْآيَة قيل هَذَا صَحِيح غير أَنه لَا يمْنَع من الِاكْتِفَاء بِالْآيَةِ فِي قطع سَارِق اخْتصَّ بكلا الشَّرْطَيْنِ من حَيْثُ تناولته الْآيَة من غير مَانع لأَنا إِنَّمَا نحتج بِالْآيَةِ فِي قِطْعَة لَا بِمَا دلّ على أَنه لَا يقطع من

стр. 270

سرق من غير حرز وَذَلِكَ لِأَن الْآيَة تتَنَاوَل هَذَا السَّارِق وَلَا يتَنَاوَلهُ مَا دلّ على الْمَنْع من قطع السَّارِق من غير حرز وَإِنَّمَا وَجب أَن نعلم أَنه سَارِق قدرا مَخْصُوصًا من حرز لنعلم أَنه لم يدْخل تَحت الدَّلِيل الْمُخَصّص لَا لنعلم أَن الْآيَة تناولته وَالْقَوْل فِي ذَلِك كالقول فِي عُمُوم مَخْصُوص وَلَا وَجه لتخصيص ذَلِك بِأَنَّهُ السّرقَة لِأَن الله لما قَالَ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ ثمَّ دلّ الدَّلِيل على الْمَنْع من قتل معطي الْجِزْيَة فانا لَا نقدم على قتل شخص مُشْرك إِلَّا إِذا علمنَا أَنه غير معط للجزية وَلَو قَالُوا لَا تقتلُوا زيدا الْمُشرك لم يجز أَن نقْتل مُشْركًا إِلَّا إِذا علمنَا أَنه غير زيد وَمَتى شككنا فِي ذَلِك لم يجز قَتله وَكَذَلِكَ قَول النَّبِي ﷺ فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر لَا يمْنَع تَخْصِيصه بِأَرْض الْخراج من التَّعَلُّق بِهِ إِن قيل إِن آيَة السّرقَة قد شَرط فِيهَا شَرط لَا ينبيء لَفظه عَنهُ فَجرى مجْرى أَن يكون الْقطع الْمَذْكُور غير الْمَعْرُوف وَلَيْسَ كَذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ لِأَن مَا أخرج بَعضهم هُوَ دَلِيل مُخَصص الْجَواب أَن ذَلِك لَو ثَبت لم يمْنَع من الِاسْتِدْلَال بِأَن السّرقَة على قطع من اخْتصَّ بكلا الشَّرْطَيْنِ من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ على أَنه لَا فرق بَين الِاثْنَيْنِ لِأَن اشْتِرَاط الْحِرْز والمقدار قد أخرج من الْآيَة من لم يخْتَص بهما وَهَذَا تَأْثِيره دون قطع من اخْتصَّ بكلا الشَّرْطَيْنِ لِأَن ذَلِك مُسْتَفَاد من الْآيَة على مَا بَيناهُ كَمَا أَن مَا دلّ على الْمَنْع من قتل معطي الْجِزْيَة تاثيره الْمَنْع من قَتله لَا إِيجَاب قتل من لم يُعْط الْجِزْيَة لِأَن من لم يُعْط الْجِزْيَة إِنَّمَا قَتَلْنَاهُ بِالْآيَةِ من حَيْثُ اقْتَضَت قتل كل مُشْرك وَلَا فرق بَين أَن يكون الْمُخَصّص لِلْآيَةِ واردا بِلَفْظ الْإِثْبَات أَو بِلَفْظ النَّفْي فِي أَنه يُفِيد إِخْرَاج بعض مَا اقتضته الْآيَة على مَا بَيناهُ على أَن مَا

стр. 271

خص بِهِ آيَة السّرقَة قد ورد بِلَفْظ النَّفْي كَقَوْل النَّبِي ﷺ لَا قطع إِلَّا فِي ثمن الْمِجَن وَقَوله لَا قطع فِي ثَمَر وَلَو كثر وَقَوْلهمْ إِن هَذِه الْأَعْيَان لَا تخرج أَعْيَان السراق وَلَيْسَ كَذَلِك مَا خص آيَة الْمُشْركين لِأَنَّهُ يخرج الْأَعْيَان لَا يمْنَع من الِاسْتِدْلَال على كل وَاحِد مِنْهُمَا من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَأَيْضًا فَإِن مَا دلّ على اشْتِرَاط الْحِرْز والمقدار قد أخرج الْأَعْيَان لِأَنَّهُ قد دلّ على أَن من لم يخْتَص بالشرطين لَا يجوز قطعه وَقَوْلهمْ إِن حد السّرقَة يدل على أَن الْقطع يسْتَحق لأجل السّرقَة وشتراط الْحِرْز يمْنَع من اسْتِحْقَاق الْقطع بِمُجَرَّد السّرقَة فَكَانَ مُجملا لَا يُوجب الْفَصْل بَين الْآيَتَيْنِ لِأَن قَوْله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ بفيد اسْتِحْقَاق الْقَتْل لأجل الشّرك فَقَط فاشتراط الِامْتِنَاع من إِعْطَاء الْجِزْيَة يمْنَع من اسْتِحْقَاقه بالشرك وعَلى أَنَّهُمَا لَو انفصلا من هَذَا الْوَجْه لم يمْنَع أَن يتَّفقَا فِي صِحَة الِاسْتِدْلَال بهما من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَإِن فصلوا بَينهمَا بِأَن أحد الدَّلِيلَيْنِ إِثْبَات وَالْآخر نفي فَهُوَ فصل غير مُؤثر وَقد تكلمنا فِيهِ وَقد فصل الشَّيْخ أَبُو عبد الله بَين قَول النَّبِي ﷺ فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر وَبَين آيَة السّرقَة بِأَن مَا دلّ على أَنه لَا عشر فِي أَرض الْخراج هُوَ بَيَان لصفة الْخَارِج لَا لصفة الْعشْر الْمَأْخُوذ وَهَذَا لَا يمْنَع من انْتِقَاض علته وَهِي أَنه قد أَخذ الْعشْر بِشَرْط لَا ينبيء عَنهُ الْخَبَر وَلَا يمْنَع ذَلِك من التَّعَلُّق بِاللَّفْظِ وعَلى أَن اشْتِرَاط الْحِرْز والمقدار لَيْسَ هُوَ بَيَان لصفة الْقطع وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان لمقدار الْمَسْرُوق وموضعه فَلَا فرق بَينهمَا وَقَالَ أَيْضا إِنَّمَا صَحَّ التَّعَلُّق بِخَبَر الأوساق لِأَن الْأمة قد تعلّقت بِهِ فَيُقَال لَهُ إِجْمَاع الْأمة على ذَلِك يدلنا على بطلَان القَوْل بِأَنَّهُ مُجمل لَا ينبيء عَن المُرَاد لِأَن الْأمة لَا تجمع على الِاسْتِدْلَال بِمَا لَيْسَ بِدَلِيل

стр. 272

إِذا ؤقد ذكرنَا التخصص وَمَا بِهِ يَقع وَأَحْكَام الْعُمُوم فلنذكر مَا عدَّة قوم مُخَصّصا وَلَيْسَ بمخصص ﷺ َ - بَاب فِي دُخُول الْكَافِر فِي الْخطاب فِي الشرعيات ﷺ َ - ذهبت طَائِفَة من الْفُقَهَاء إِلَى أَنه غير مُرَاد بِهِ وَعند الشَّيْخَيْنِ رحمهمَا الله وأصحابهما وَطَائِفَة من الْفُقَهَاء أَنه مُرَاد بِهِ وَمعنى ذَلِك أَنه يلْزمه الْإِقْرَار بِالتَّوْحِيدِ والنبوات وَأَن يفعل بعد ذَلِك الشرعيات وَمَتى فعلهَا كَانَت مصلحَة لَهُ وَمَتى لم يوحد الله سُبْحَانَهُ وَيصدق الْأَنْبِيَاء ﵈ وأخل بالشرعيات كَانَ إخلاله بهَا تفويتا لتِلْك الْمصلحَة فَاسْتحقَّ الْعقَاب على إخلاله بِالتَّوْحِيدِ وبتصديق الْأَنْبِيَاء وبالشرعيات وَالْخلاف إِنَّمَا يظْهر فِي اسْتِحْقَاق الْعقَاب وَفِي ثُبُوته فِي العقليات مَعَ كفره لأجل إخلاله بالشرعيات أم لَا وَالنَّاس متفقون على أَنه لَا يلْزمه أَن يفعل الشرعيات فِي حَال كفره على أَن يكون مضامة لكفره ومتفقون على أَنه لَا يلْزمه الْقَضَاء إِذا أسلم وَدَلِيلنَا على لُزُوم الشرعيات لَهُ هُوَ أَن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ يتَنَاوَل الْكَافِر وَالْمُسلم إِذْ كل وَاحِد مِنْهُمَا من النَّاس وَلَا مَانع من دَلِيل سَمْعِي أَو عَقْلِي من دُخُوله تَحْتَهُ فَكَانَ مرَادا بِهِ أما الدَّلِيل السمعي فَإِنَّهُ لَو كَانَ لظفرنا بِهِ عِنْد الطّلب وَأما الْعقلِيّ فَهُوَ فقد التَّمَكُّن وَالْكَافِر يتَمَكَّن من الْحَج بِأَن يقدم عَلَيْهِ قبله الْإِسْلَام وَكَانَ من تمكن من الْفِعْل على بعض الْوُجُوه فَهُوَ لَهُ مستطيع كَمَا أَن الْمُحدث يتَمَكَّن من أَدَاء الصَّلَاة على الْوَجْه الشَّرْعِيّ بِأَن يقدم قبلهَا الْوضُوء والعراقي يتَمَكَّن من الْحَج بِأَن يقدم قبله الْمَشْي وَمِمَّا يدل على الْمَسْأَلَة أَن الْأمة مجمعة على أَن الْكَافِر يحد على زِنَاهُ على وَجه النكال فَلَو لم يكن مُكَلّفا بترك الزِّنَا لم يكن الزِّنَا مَعْصِيّة مِنْهُ وَلَو لم

стр. 273

يكن مَعْصِيّة مِنْهُ لم يُعَاقب على فعله فَإِن قيل إِنَّمَا حد لِأَنَّهُ قد الْتزم أحكامنا قيل فَمن أحكامنا أَن لَا يحد على الْمُبَاح فَلَو كَانَ الزِّنَا مِنْهُ مُبَاحا لما حد عَلَيْهِ إِن قيل قد كلف الْكَافِر بترك الزِّنَا لِأَنَّهُ مَعَ كفره يُمكنهُ تَركه وَلَيْسَ كَذَلِك الصَّلَاة وَالصِّيَام لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ مَعَ كفره فعلهمَا فَلم يُخَاطب بفعلهما قيل إِنَّه لَا يُكَلف بترك الزِّنَا إِلَّا وَقد كلف أَن يعلم قبحه وَلَا سَبِيل إِلَى الْعلم بقبحه إِلَّا بشريعة الْإِسْلَام لِأَن مَا عَداهَا من الشَّرَائِع قد منع المكلفون من الرُّجُوع إِلَيْهِ وَلَا يُمكنهُ مَعَ جحد الْإِسْلَام أَن يعلم قبح شَيْء كَمَا لَا يُمكنهُ فعل الصَّلَاة فِي هَذِه الْحَال فَلَا فرق بَينهمَا قيل لكم مثله فِي الصَّلَاة وَالْحج دَلِيل قَول الله ﴿وويل للْمُشْرِكين الَّذين لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة﴾ ذمّ لَهُم على كفرهم واختلالهم بِالزَّكَاةِ كَمَا أَن قَول الْقَائِل ويل للسراق الَّذين لَا يصلونَ ذمّ على السّرقَة وَترك الصَّلَاة دَلِيل قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَلَا صدق وَلَا صلى وَلَكِن كذب وَتَوَلَّى﴾ ذمّ على كل ذَلِك دَلِيل قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة﴾ فَإِذا ضوعف عَلَيْهِ الْعَذَاب لمجموع ذَلِك وَقد دخل فِيهِ الزِّنَا فَيثبت كَونه مَحْظُورًا عَلَيْهِ دَلِيل قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين﴾ فذمهم على ذَلِك وإطعام الطَّعَام يتَعَلَّق الذَّم بِتَرْكِهِ هُوَ الزَّكَاة إِن قيل قَوْله ﴿لم نك من الْمُصَلِّين﴾ مَعْنَاهُ لم نك من جملَة الْمُصَلِّين يَعْنِي

стр. 274

الْمُؤمنِينَ وَالْجَوَاب أَن ذَلِك لَا يَتَأَتَّى فِي قَوْله ﴿وَلم نك نطعم الْمِسْكِين﴾ لِأَنَّهُ علق الذَّم على كَونهم غير مطْعمين على أَن قَوْله ﴿لم نك من الْمُصَلِّين﴾ يُفِيد تَعْلِيق الذَّم عَلَيْهِم لأَنهم لم يصلوا كَمَا أَن قَول الْقَائِل إِنَّمَا عاقبني فلَان لأنني لم أك من المطيعين يُفِيد أَنه عاقبه لِأَنَّهُ لم يطعه إِن قيل قَوْله ﴿لم نك من الْمُصَلِّين﴾ يجوز أَن يكون إِخْبَارًا عَن قوم كَانُوا ارْتَدُّوا بعد إسْلَامهمْ وَلم يَكُونُوا قد صلوا فِي حَال إسْلَامهمْ لِأَن قَوْله تَعَالَى ﴿لم نك من الْمُصَلِّين﴾ لَيْسَ يُفِيد أَنهم لم يصلوا فِي جَمِيع الزَّمَان الْمَاضِي أَلا ترى أَن من صلى مرّة وَاحِدَة يُقَال إِنَّه قد صلى فِيمَا مضى وَلَا يُقَال إِنَّه مَا صلى فِيمَا مضى وَالْجَوَاب أَن قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿لم نك من الْمُصَلِّين﴾ هُوَ جَوَاب الْمُجْرمين الْمَذْكُورين فِي قَوْله ﴿يتساءلون عَن الْمُجْرمين﴾ وَذَلِكَ عَام فِي الْمُجْرمين الْمُرْتَدين وَغير الْمُرْتَدين على أَن قَوْله ﴿قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين﴾ إِمَّا أَن يُفِيد أَنهم لم يصلوا فِي جَمِيع الزَّمَان الْمَاضِي أَو فِي زمَان غير معِين وَلَا يُفِيد زَمَانا معينا كَمَا أَن قَوْلنَا فلَان عُوقِبَ لِأَنَّهُ لم يحجّ إِنَّمَا يدل على وجوب الْحَج فِي زمَان غير معِين وَمن يحمل الْآيَة على الْمُرْتَد يحملهَا على وجوب الصَّلَاة فِي زمَان معِين دَلِيل لَو لم يلْزم الْكَافِر الشَّرِيعَة لم يلْزمه النّظر فِي معْجزَة النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يلْزمه ذَلِك خوفًا من أَن يكون شَرعه مصلحَة لَهُ تفوته إِن لم ينظر فِي معجزته وَلَو كَانَ الشَّرْط فِي كَون شَرعه مصلحَة لَهُ أَن يعلم صدقه لما لزمَه بِالْعقلِ أَن يَجْعَل هَذَا الشَّرْط ليلزمه شَرعه إِذْ كَانَ جَمِيع مَا يَفْعَله الْمُسلم من الْوَاجِبَات الْعَقْلِيَّة ويتركه من المقبحات الْعَقْلِيَّة لأجل فعله للشرعيات يَفْعَله الْكَافِر ويتركه وَإِن لم يفعل الشرعيات فَإِن قَالُوا إِن الْكَافِر قد يتْرك

стр. 275

الْوَاجِبَات الْعَقْلِيَّة الَّتِي يَفْعَلهَا الْمُسلم وَلَو أسلم وَفعل الشرعيات فعل تِلْكَ الْوَاجِبَات قيل لَهُم قد سلمتم الْمَسْأَلَة وَقد وَجب اسْتِحْقَاقه الْعقَاب لِأَنَّهُ قد فَوت نَفسه مصلحَة يُمكنهُ التَّوَصُّل إِلَيْهَا وَهَذَا الدَّلِيل إِنَّا يَصح على قَول من قَالَ لَا يجوز أَن يكون علم الْمُكَلف بنبوة النَّبِي ﷺ بِانْفِرَادِهِ مصلحَة فِي العقليات فَأَما من جوز ذَلِك فَلَا يمْتَنع ان يَقُول يلْزمه ذَلِك لهَذَا الْوَجْه فَإِذا علم نبوته لَزِمته شَرِيعَته وَيدل عَلَيْهِ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين﴾ الْآيَة وَهَذَا فِي الْكَافِر وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء وَمِنْهَا أَنه لَو كَانَ الْكَافِر مُكَلّفا للشرعيات لكلف مَا لَا يطيقه لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يفعل الشرعيات عبَادَة وقربة مَعَ كفره وَالْجَوَاب أَن المستحيل هُوَ أَن يضم الشرعيات إِلَى كفره وَلم يُكَلف ذَلِك وَإِنَّمَا كلف الصَّلَاة بِأَن يقدم الْإِسْلَام فَإِن قَالُوا كَذَلِك نقُول قيل أَنْتُم تَجْعَلُونَ الشَّرْط فِي كَونهَا مُرَادة مِنْهُ تَقْدِيم إِسْلَامه وَإِذا لم يسلم لَا يسْتَحق الْعقَاب على إخلاله بِالصَّلَاةِ وَنحن نلحق بِهِ الْعقَاب ونقول إِن الله سُبْحَانَهُ قد اراد مِنْهُ الصَّلَاة بِأَن يقدم الْإِسْلَام عَلَيْهَا فَإِن وافقتم فِي الْعقَاب فقد زَالَ الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة لِأَنَّهُ لَيْسَ للمسألة فَائِدَة إِلَّا فِي الِاسْتِحْقَاق للعقاب وفوات الْمصلحَة وَنَظِير ذَلِك تَكْلِيف الْمُحدث للصَّلَاة بِأَن يزِيل الْحَدث فَإِن لم يفعل اسْتحق الْعقَاب على الْإِخْلَال بِالْوضُوءِ وَالصَّلَاة وَيُفَارق تَكْلِيف الْحَائِض الصَّلَاة بِأَن تزيل الْحيض لِأَن ذَلِك غير مُمكن لَهَا وَإِزَالَة الْحَدث مقدورة وَيُمكن أَن يحتجوا ويقولوا لَو كلف الْكَافِر الشرعيات لم يخل إِمَّا أَن يُكَلف إيقاعها مضامة للكفر وَذَلِكَ غير مُمكن أَو يُكَلف فعلهَا بِشَرْط أَن لَا يكفر فَيجب أَن يكون الله سُبْحَانَهُ قد كلف الشرعيات من يعلم أَنه لَا يُؤمن بِشَرْط يعلم أَنه لَا يحصل وَذَلِكَ مُسْتَحِيل عنْدكُمْ

стр. 276

وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم إِنَّا لَا نقُول إِنَّه كلف بِشَرْط بل نقُول إِنَّه كلف الشرعيات وَالْإِيمَان بالأنبياء مَعًا وَالْإِيمَان بهم وصلَة إِلَى الشرعيات وَله سَبِيل إِلَى كلا الْأَمريْنِ فَحَمله هَذَا التَّكْلِيف غير مَوْقُوف على شَرط يعلم الْمُكَلف أَنه لَا يحصل وَإِنَّمَا ننكر أَن يُكَلف الْعَالم بِالْغَيْبِ من يعلم أَنه لَا يتَمَكَّن من الْفِعْل وَلَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهِ بِوَجْه بِشَرْط أَن يتَمَكَّن وَهَذَا غير قَائِم فِي مَسْأَلَتنَا وَمِنْهَا أَنه لَو كلف فعلهمَا وَلم يحمل على أدائهما وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كلف الشرعيات لوَجَبَ إِذا أسلم أَن يلْزمه الْقَضَاء وَهَذَا بَاطِل لِأَن الْقَضَاء فرض ثَان فَهُوَ مَوْقُوف على الدّلَالَة أَلا ترى أَن الْجُمُعَة وَاجِبَة وَلَا يجب قَضَاؤُهَا بِعَينهَا وَصَوْم الْحَائِض غير وَاجِب وَيجب قَضَاؤُهُ وَمِنْهَا لَو كلف الْكَافِر أَدَاء الزَّكَاة لوَجَبَ إِذا أسلم قبل حُلُول الْحول بِيَوْم أَن تلْزمهُ الزَّكَاة لِأَنَّهُ قد كَانَ مُكَلّفا بِفِعْلِهَا وَقد حصل عِنْد وجوب الْأَدَاء بِصفة يَصح مَعهَا الْأَدَاء وَالْجَوَاب إِنَّا لَا نقُول إِنَّه إِذا كَانَ كَافِرًا فِي ابْتِدَاء الْحول فَإِنَّهُ خُوطِبَ بِأَن يُزكي إِذا أسلم قبل حُلُول الْحول وَإِنَّمَا نقُول إِنَّه قيل لَهُ قبل ابْتِدَاء الْحول أسلم وَاسْتمرّ إسلامك وَإِذا استمررت إِلَى آخِره فزك فَإِن لم يفعل ذَلِك اسْتحق الْعقَاب على ترك الْإِسْلَام وعَلى ترك الزَّكَاة ومخالفنا يَقُول يسْتَحق الْعقُوبَة على ترك الْإِسْلَام فَقَط فَإِن أسلم فِي تضاعيف الْحول سقط ذمه الْمُسْتَحق على اسْتِدَامَة كفره بِهَذِهِ التَّوْبَة وَلما كَانَ باستدامة كفره إِلَى تضاعيف الْحول فقد فَوت على نَفسه بِالزَّكَاةِ يسْتَحق الذَّم على ذَلِك إِمَّا فِي الْحَال وَإِمَّا عِنْد حُضُور وَقت الْأَدَاء وَجب إِذا سقط ذمّ الْكفْر بِالتَّوْبَةِ أَن يسْقط ذمّ مَا تبعه من تفويته الْمصلحَة لِأَنَّهُ لَيْسَ تفويته الْمصلحَة بِأَكْثَرَ من أَن لَا يَفْعَلهَا إِذا حضر وَقتهَا وَالتَّوْبَة تحبط ذمّ تَركهَا إِذا حضر وَقتهَا فَكَذَلِك النَّدَم على الْكفْر يحبط الذَّم الْمُسْتَحق على تَفْوِيت الْمصلحَة

стр. 277

باستدامة الْكفْر إِلَى بعض الْحول كَمَا يَقُوله فِي التَّقَدُّم على السَّبَب قبل حُدُوث الْمُسَبّب ﷺ َ - بَاب فِي أَن العَبْد لَا يخرج من الْخطاب بالعبادات ﷺ َ - إعلم أَن الْخطاب الْمُشْتَمل على الْحر وَالْعَبْد يجب كَونهمَا مَعْنيين بِهِ إِلَّا لمنع عَقْلِي أَو سَمْعِي فَمن الْمَوَانِع أَن تكون الْعِبَادَة تترتب على ملك المَال لِأَن ذَلِك لَا يَصح فِي العَبْد على قَول بعض الْفُقَهَاء فَأَما مَا عدا ذَلِك فَلَيْسَ مَانع يمْنَع من كَون العَبْد معنيا بِالْخِطَابِ إِن قيل هلا كَانَ الْمَانِع من كَون العَبْد معنيا بِالْخِطَابِ هُوَ مَا ثَبت من وجوب خدمته لسَيِّده فِي الْأَوْقَات إِذا استخدمه فِيهَا وَذَلِكَ يمنعهُ من الْعِبَادَات فِي هَذِه الْأَوْقَات قيل إِنَّه يلْزمه خدمَة سَيّده إِذا فرغ من الْعِبَادَات إِن قيل لم كَانَ الدَّلِيل الدَّال على وجوب خدمَة سَيّده مَخْصُوصًا بِمَا دلّ على وجوب خدمَة سَيّده قيل لِأَن مَا دلّ على وجوب خدمَة سَيّده فِي حكم الْعَام وَمَا دلّ على وجوب الْعِبَادَات فِي حكم الْخَاص لِأَن كل عبَادَة يَتَنَاوَلهَا لفظ مَخْصُوص كآية الصَّلَاة وَآيَة الصّيام وَغير ذَلِك وَالْخَاص من حَقه أَن يعْتَرض بِهِ على الْعَام ﷺ َ - بَاب فِي تَخْصِيص الْعُمُوم بالعادات ﷺ َ - اعْلَم أَن الْعَادة الَّتِي هِيَ بِخِلَاف الْعُمُوم ضَرْبَان أَحدهمَا عَادَة فِي الْفِعْل وَالْآخر عَادَة فِي اسْتِعْمَال الْعُمُوم أما الأول فبأن يعْتَاد النَّاس شرب بعض الدِّمَاء ثمَّ يحرم الله سُبْحَانَهُ الدِّمَاء بِكَلَام يعمها فَلَا يجوز تَخْصِيص هَذَا الْعُمُوم بل يجب تَحْرِيم مَا جرت بِهِ الْعَادة لِأَن الْعُمُوم دلَالَة فَلَا يجوز تَخْصِيصه إِلَّا لدلَالَة فَلَو خصصناه عِنْد هَذِه الْعَادة لم يخل إِمَّا أَن يخص بِالْعَادَةِ أَو لِأَن

стр. 278

الأَصْل إِبَاحَة شرب الدِّمَاء وَالْعَادَة لَيست بِحجَّة لِأَن النَّاس يعتادون الْحسن كَمَا يعتادون الْقَبِيح وَالْعقل فِي الأَصْل وَإِن اقْتضى إِبَاحَة شرب الدِّمَاء فانه يقتضيها مَا لم ينقلنا عَنهُ شرع والعموم دَلِيل شَرْعِي فَيجب أَن ينْتَقل بِهِ وَأما الْعَادة فِي اسْتِعْمَال الْعُمُوم فَيجوز أَن يكون الْعُمُوم مُسْتَغْرقا فِي اللُّغَة ويتعارف النَّاس اسْتِعْمَاله فِي بعض تِلْكَ الْأَشْيَاء فَقَط نَحْو اسْم الدَّابَّة فانه فِي اللُّغَة لكل مَا يدب وَقد تعورف اسْتِعْمَاله فِي الْخَيل فَقَط فَمَتَى أمرنَا الله سُبْحَانَهُ فِي الدَّابَّة بِشَيْء حملناه على الْخَيل دون مَا يدب من نَحْو الْإِبِل وَالْبَقر لما بَيناهُ من أَن الِاسْم بِالْعرْفِ أَحَق وَلَيْسَ ذَلِك بتخصيص على الْحَقِيقَة لِأَن اسْم الدَّابَّة لَا يصير مُسْتَعْملا فِي الْعرف إِلَّا فِي الْخَيل فَيصير كَأَنَّهُ مَا اسْتعْمل إِلَّا فِيهِ ﷺ َ - بَاب فِي أَن قصد الْمُتَكَلّم بخطابه إِلَى الذَّم والمدح لَا يمْنَع من كَونه عَاما ﷺ َ - اعْلَم أَن بعض الشَّافِعِيَّة يمْنَع من عُمُوم قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة﴾ وأحالوا التَّعَلُّق بِهِ فِي ثُبُوت الزَّكَاة فِي الْحلِيّ قَالُوا لِأَن الْمَقْصد بذلك إِلْحَاق الذَّم بِمن يكنز الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَيْسَ الْقَصْد بِهِ الْعُمُوم وَالْجَوَاب أَن الذَّم إِنَّمَا كَانَ مَقْصُودا بِالْآيَةِ لِأَنَّهُ مَذْكُور فِيهَا وَهَذِه الْعلَّة قَائِمَة فِي الْعُمُوم لِأَن اللَّفْظ عَام فَوَجَبَ كَونه مَقْصُودا وَلَيْسَ يمْنَع الْقَصْد إِلَى ذمّ من كنز الذَّهَب وَالْفِضَّة من الْقَصْد إِلَى عُمُوم ذمّ كل من كنزهما ﷺ َ - بَاب فِي الْخطاب الْوَارِد على سَبَب ﷺ َ - يَنْبَغِي أَن نذْكر مَا السَّبَب الَّذِي يرد عَلَيْهِ الْخطاب وَنَذْكُر قسْمَة الْخطاب

стр. 279

الْوَارِد على سَبَب وَنُقِيم الدّلَالَة على كل قسم من ذَلِك فسبب الْخطاب هُوَ مَا يَدْعُو إِلَى الْخطاب وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا سُؤال سَائل وَهُوَ مرادنا فِي هَذَا الْموضع وَالْآخر دنو وَقت الْعِبَادَة فَأَما قسْمَة الْخطاب الْوَارِد على سُؤال فَهِيَ أَن الْخطاب الَّذِي هَذَا سَبيله ضَرْبَان أَحدهمَا إِحَالَة على بَيَان مَا تضمنه السُّؤَال صَرِيح أَو غير صَرِيح نَحْو مَا رُوِيَ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن الْكَلَالَة فَقَالَ يَكْفِيك آيَة الصَّيف وَالْآخر هُوَ نَفسه بَيَان لما تضمنه السُّؤَال من غير إِحَالَة إِلَى بَيَان وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَالْآخر مُسْتَقل بِنَفسِهِ أما الَّذِي لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فَهُوَ الَّذِي لَا يفهم بِهِ شَيْء إِذا انْفَرد على كل حَال نَحْو مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ فَقَالَ ﷺ أينقص الرطب إِذا يبس قَالُوا نعم قَالَ فَلَا إِذا وَنَحْو أَن يَقُول الْإِنْسَان لغيره تغد عِنْدِي فَيَقُول لَا وَالله وَأما الْخطاب المستقل بِنَفسِهِ فضربان أَحدهمَا مسَاوٍ للسؤال وَالْآخر غير مسَاوٍ لَهُ أما الْمسَاوِي لَهُ فَلَا سبهة فِي كَونه مَقْصُورا عَلَيْهِ نَحْو أَن يسْأَل النَّبِي ﷺ عَن المجامع فِي شهر رَمَضَان فَيَقُول على المجامع فِي شهر رَمَضَان الْكَفَّارَة فَلَا يجوز خُرُوج شَيْء من السُّؤَال عَن الْجَواب إِلَّا أَن تدل دلَالَة مُقَارنَة أَو مُتَقَدّمَة على خُرُوج بعضه من الْجَواب وَأما الْجَواب الَّذِي لَا يُسَاوِي السُّؤَال فضربان أَحدهمَا أَعم من السُّؤَال وَالْآخر أخص مِنْهُ أما الْأَخَص فَيجوز من الْحَكِيم فِي حَال دون حَال أما الْحَالة الَّتِي يجوز فِيهَا فبأن يكون السَّائِل من أهل الِاجْتِهَاد وَقد بَقِي إِلَى زمَان الْعِبَادَة وَقت يَتَّسِع للِاجْتِهَاد فَيُجِيبهُ النَّبِي ﷺ عَن بعض مَا سَأَلَهُ وينبهه بذلك على جَوَاب

стр. 280

الْبَعْض الآخر أَو يدله بِدلَالَة أُخْرَى مُبتَدأَة على بَيَان الْبَعْض الآخر لِأَنَّهُ قد يكون من الْمصلحَة أَن يعلم بعض الْأَشْيَاء بِالصَّرِيحِ فِي الْحَال وَفِي بَعْضهَا أَن يُعلمهُ بالتنبيه أَو بِالْإِشَارَةِ إِلَى دَلِيل آخر وَأما الْحَالة الَّتِي لَا يجوز أَن يُجيب المسؤول فِيهَا عَن الْبَعْض فَهُوَ أَن لَا يكون السَّائِل من أهل الِاجْتِهَاد أَو يكون من أَهله غير أَن الْحَاجة قد حضرت حضورا لَا يتَمَكَّن من الإجتهاد لِأَنَّهُ لَو اقْتصر على الْجَواب عَن بعض السُّؤَال وَالْحَال هَذِه لَكَانَ قد أخل بِمَا يجب بَيَانه وَأما إِن كَانَ الْخطاب أَعم من السُّؤَال فَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون أَعم مِنْهُ فِي ذَلِك الحكم وَالْآخر أَن يكون أَعم مِنْهُ فِي حكم آخر مِثَال الأول أَن يسْأَل النَّبِي ﷺ عَن رجل اشْترى عبدا فَيَقُول النَّبِي ﷺ الْخراج بِالضَّمَانِ فَيكون ذَلِك عَاما فِي كل عبد هَذِه سَبيله وَمِثَال الثَّانِي سُؤال النَّبِي ﷺ عَن التوضىء بِمَاء الْبَحْر وَجَوَابه بقوله هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته وَالْجَوَاب المستقل بِنَفسِهِ لَا يجب قصره على سَببه إِلَّا لوجه يَقْتَضِي ذَلِك وَأحد الْوُجُوه الْعَادَات نَحْو أَن يَقُول الرجل لغيره تغد عِنْدِي فَيَقُول وَالله لَا تغديت وَذكر الشَّيْخ أَبُو عبد الله أَن الْعَادة تَقْتَضِي قصره على الْغَدَاء عِنْده وَإِن كَانَ الْكَلَام فِي نَفسه عَاما ومستقلا وَأما الدّلَالَة على قصر الْخطاب الَّذِي لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ على سَببه فَهِيَ أَن النَّبِي ﷺ لَو سُئِلَ أَيجوزُ بيع الرطب بِالتَّمْرِ فَقَالَ لَا لَكَانَ قَوْله لَا نفي لأمر مَذْكُور وَلم يجز فِي كَلَام النَّبِي ﷺ وَكَلَام السَّائِل إِلَّا جَوَاز بيع الرطب بِالتَّمْرِ فَيجب كَونه نفيا لَهُ إِن قيل هلا كَانَ قَوْله فِي الْخَبَر الْمَشْهُور فَلَا إِذا مَعْنَاهُ فَلَا يجوز بيع مَا ينقص إِذا جف بِمَا قد جف قيل إِن أردْت أَن ذَلِك مَعْقُول من جِهَة الْقيَاس فَلَا نأبى ذَلِك وَإِن أردْت أَن قَول النَّبِي ﷺ فَلَا إِذا نفي لَهُ فَلَا يَصح لِأَن السَّائِل لم يذكر بيع مَا ينقص إِذا

стр. 281

جف بِبيع مَا قد جف وَلَا جرت هَذِه الْأَلْفَاظ بِعَينهَا فِي كَلَام النَّبِي ﷺ فَيَنْصَرِف النَّفْي إِلَيْهِ وَأما الدّلَالَة على أَن الْجَواب المستقل بِنَفسِهِ وَهُوَ أَعم من السَّبَب يجْرِي على عُمُومه فَهُوَ أَن اللَّفْظ الْعَام الصَّادِر عَن حَكِيم يجب إجراؤه على عُمُومه إِلَّا لمَانع وَلَا مَانع إِلَّا مَا يحْتَج بِهِ الْمُخَالف وَكلهَا بَاطِلَة مِنْهَا أَن الْعَادة تَقْتَضِي قصر على سَببه كَمَا ذَكرْنَاهُ وَهَذَا بَاطِل لِأَن الْعَادة لَا تَقْتَضِي فِي قَول النَّبِي ﷺ الْخراج بِالضَّمَانِ أَن المُرَاد بِهِ ذَلِك العَبْد الَّذِي وَقع السُّؤَال عَنهُ فَعَلَيْهِم أَن يبينوا أَن الْمَفْهُوم من جَوَاب النَّبِي ﷺ مَا ذَكرْنَاهُ فاذا ادّعى ذَلِك فَهُوَ مَوضِع الْخلاف وَمِنْهَا أَن يُقَال ثُبُوت الحكم فِيمَا وَقع السُّؤَال عَنهُ يمْنَع من ثُبُوته فِيمَا عداهُ إِمَّا لِأَنَّهُ يُنَافِيهِ أَو من جِهَة دَلِيل الْخطاب وَهَذَانِ باطلان أما الأول فَلِأَنَّهُ لَا تنَافِي بَين ثُبُوت الحكم فِي شَيْء وَبَين ثُبُوته فِي شَيْء آخر وَأما الثَّانِي فمبني على دَلِيل الْخطاب وَلَيْسَ بِحجَّة عندنَا على أَن هَذَا لَيْسَ من دَلِيل الْخطاب فِي شَيْء لِأَن دَلِيل الْخطاب هُوَ أَن يعلق الحكم على صفة الشَّيْء فَيدل على نَفْيه عَمَّا عَداهَا وَلَيْسَ فِي لفظ هَذَا الْجَواب تَعْلِيق الحكم على السَّبَب فَقَط فَيدل على نَفْيه عَمَّا عداهُ وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ فِي حيّز تَعْلِيق الحكم على الإسم على أَن من قصر الْجَواب على السَّبَب فَإِنَّمَا يقصره عَلَيْهِ لأجل السَّبَب لَا لدَلِيل الْخطاب لِأَن دَلِيل الْخطاب لَو كَانَ عَاما لَكَانَ جَوَابا وَابْتِدَاء وَقصد الْجَواب يُنَافِي قصد الِابْتِدَاء وَالْجَوَاب إِن أَرَادوا بقَوْلهمْ جَوَاب وَابْتِدَاء أَنه جَوَاب عَمَّا وَقع السُّؤَال عَنهُ وَبَيَان لحكم مَا لم يسْأَل عَنهُ فَصَحِيح وَالْقَصْد إِلَيْهِ لَا يتنافى وَمِنْهَا أَن يُقَال لَو تعدى الحكم إِلَى غير مَا سُئِلَ عَنهُ النَّبِي ﷺ لما أخر بَيَانه إِلَى تِلْكَ الْحَال وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون من الْمصلحَة أَن يبين حكمه الْآن كَمَا كَانَ ذَلِك فِيمَا سُئِلَ عَنهُ وَفِيمَا تعدى الْجَواب إِلَيْهِ مِمَّا لَيْسَ من

стр. 282

جنس السُّؤَال نَحْو قَول النَّبِي ﷺ فِي الْبَحْر هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته على أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون قد بَين حكم مَا زَاد على السُّؤَال قبل ذَلِك وَبَينه الْآن أَيْضا وَدلّ عَلَيْهِ وَمِنْهَا قَوْلهم من حق الْجَواب أَن يكون مطابقا للسؤال وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بالمساواة قيل إِن أردتم بالمطابقة مُسَاوَاة الْجَواب للسؤال فَغير مُسلم أَنه من شَرط الْجَواب وَإِن أردتم بالمطابقة انتظام الْجَواب بِجَمِيعِ السُّؤَال فَذَلِك يحصل بالمساواة وَحدهَا وبالمساواة مَعَ الْمُجَاورَة وَيلْزم أَن لَا يجوز مجاورة الْخطاب لما وَقع السُّؤَال عَنهُ إِلَى حكم آخر ﷺ َ - بَاب فِي الْعُمُوم إِذا تعقبه تَقْيِيد بِشَرْط أَو اسْتثِْنَاء أَو صفة أَو حكم وَكَانَ ذَلِك لَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِي بعض مَا تنَاوله الْعُمُوم هَل يجب أَن يكون المُرَاد بذلك الْعُمُوم ذَلِك الْبَعْض فَقَط أم لَا ﷺ َ - أعلم أَن مَذْهَب قَاضِي الْقُضَاة وَكثير من النَّاس أَنه لَا يجب أَن يكون المُرَاد بِالْعُمُومِ تِلْكَ الْأَشْيَاء فَقَط وَالْأولَى عندنَا التَّوَقُّف فِي ذَلِك مِثَال الِاسْتِثْنَاء قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة ومتعوهن على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره مَتَاعا بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُحْسِنِينَ وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون﴾ فاستثنى الْعَفو وعلقه بكناية رَاجِعَة إِلَى النِّسَاء وَمَعْلُوم أَن الْعَفو لَا يَصح إِلَّا فِي المالكات لأمورهن دون الصَّغِيرَة والمجنونة وَلَا يُوجب ذَلِك عِنْده إِلَّا أَن لَا يكون المُرَاد بِالنسَاء فِي أول الْكَلَام الصَّغِيرَة والمجنونة

стр. 283

وَمِثَال التقيد بِالصّفةِ قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فطلقوهن لعدتهن﴾ ثمَّ قَالَ ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا﴾ يَعْنِي الرَّغْبَة فِي مراجعتهن وَمَعْلُوم أَن ذَلِك يَتَأَتَّى فِي البائنة وَمِثَال التَّقْيِيد بِحكم آخر قَول الله ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن﴾ وَهَذَا أَيْضا لَا يَتَأَتَّى فِي الْبَائِن وَاحْتج قَاضِي الْقُضَاة لمذهبه بِأَن اللَّفْظ الْعَام يجب إجراؤه على عُمُومه إِلَّا أَن يضْطَر ناشيء إِلَى تَخْصِيصه وَكَون آخر الْكَلَام مَخْصُوصًا لَا يضْطَر إِلَى تَخْصِيص أَوله وَالْجَوَاب أَن هَذَا التَّخْصِيص يَقْتَضِي تَخْصِيص أول الْكَلَام لِأَن الْكِنَايَة رجعت إِلَى جَمِيع مَا تقدم لِأَن قَول الله تَعَالَى ﴿إِلَّا أَن يعفون﴾ مَعْنَاهُ إِلَّا أَن يعْفُو النِّسَاء اللواتي طلقتموهن وَلَو أَن الله سُبْحَانَهُ صرح بذلك لدل ذَلِك على أَن النِّسَاء الْمَذْكُورَات فِي أول الْكَلَام هن اللواتي يَصح مِنْهُنَّ الْعَفو وَالَّذِي يبين أَن الظَّاهِر يُفِيد رُجُوع ذَلِك إِلَى جَمِيع النِّسَاء هُوَ أَن الْعَفو مُعَلّق بكناية وَالْكِنَايَة يجب رُجُوعهَا إِلَى الْمَذْكُور الْمُتَقَدّم وَالْمَذْكُور الْمُتَقَدّم هن المطلقات لَا بَعضهنَّ فَقَط يبين ذَلِك أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ من دخل الدَّار من عَبِيدِي ضَربته إِلَّا أَن يتوبوا انْصَرف ذَلِك إِلَى جَمِيع العبيد وَجرى مجْرى أَن يَقُول إِلَّا أَن يَتُوب عَبِيدِي الداخلون الدَّار وَأما الدّلَالَة على التَّوَقُّف فَهُوَ أَن ظَاهر الْعُمُوم الْمُتَقَدّم يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاق وَظَاهر الْكِنَايَة يَقْتَضِي الرُّجُوع إِلَى كل مَا تقدم وَلَيْسَ التَّمَسُّك بِظَاهِر الْعُمُوم والعدول عَن ظَاهر الْكِنَايَة بِأولى من التَّمَسُّك بِظَاهِر الْكِنَايَة والعدول عَن ظَاهر الْعُمُوم وَإِذا لم يكن أَحدهمَا أولى من الآخر وَجب التَّوَقُّف فان قيل التَّمَسُّك

стр. 284

بِالْعُمُومِ أولى لِأَنَّهُ اسْم ظَاهر قيل لَيْسَ هَذَا القَوْل بِأولى مِمَّن قَالَ بل التَّمَسُّك بِالْكِنَايَةِ أولى لِأَنَّهَا كِنَايَة ﷺ َ - بَاب فِي الْمَعْطُوف هَل يجب أَن يضمر فِيهِ جَمِيع مَا يُمكن إضماره فِيمَا فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ أم لَا وَهل إِذا وَجب ذَلِك وَكَانَ الْمُضمر فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مَخْصُوصًا وَجب أَن يكون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مَخْصُوصًا أم لَا ﷺ َ - اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ بذلك كُله وَلم يقل بِهِ الشافعيون ومثاله اسْتِدْلَال الشَّافِعِيَّة بقول النَّبِي ﷺ لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر على أَن الْمُسلم لَا يقتل بالذمي فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ إِن النَّبِي ﷺ عطف على ذَلِك قَوْله وَلَا ذُو عهد فِي عَهده وَحكم الْمَعْطُوف حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَن يكون مَعْنَاهُ وَلَا يقتل ذُو عهد فِي عَهده بِكَافِر وَمَعْلُوم أَن ذَا الْعَهْد يقتل بالكافر الذِّمِّيّ وَلَا يقتل بالكافر الْحَرْبِيّ فَكَانَ قَوْله لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر مَعْنَاهُ بِكَافِر حَرْبِيّ لِأَن الْمُضمر فِي الْمَعْطُوف هُوَ الْمظهر فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فأضمروا فِي الْمَعْطُوف مَا هُوَ مظهر فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ من الْقَتْل وَالْكَافِر وَلما رَأَوْا أَن ذَلِك إِن أضمر فِي الْمَعْطُوف كَانَ مَخْصُوصًا فِي الْحَرْبِيّ وأوجبوا تَخْصِيص الْمَعْطُوف عَلَيْهِ أَيْضا بالحربي وَقد أجِيبُوا عَن ذَلِك بِأَن الْمَعْطُوف قيد بِصفة لم يجب أَن يضمر فِيهِ من الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِلَّا مَا يصير بِهِ مُسْتقِلّا أَلا ترى أَن الْإِنْسَان لَو قَالَ لَا تقتلُوا الْيَهُود بالحديد وَلَا النَّصَارَى فِي الْأَشْهر الْحرم لم يجب أَن يضمر فِيهِ إِلَّا الْقَتْل حَتَّى يكون مَعْنَاهُ وَلَا تقتلُوا النَّصَارَى فِي الْأَشْهر الْحرم وَلَا يكون مَعْنَاهُ وَلَا تقتلُوا النَّصَارَى بالحديد فِي الْأَشْهر الْحرم وَإِنَّمَا لم يجب ذَلِك لِأَنَّهُ لما قيد الْمَعْطُوف بِزِيَادَة لَيست فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ علمنَا أَنه أَرَادَ أَن يُخَالف بَينهمَا فِي كَيْفيَّة الْقَتْل وَأَن يُشْرك بَينهمَا فِي الْقَتْل فَقَط لَا فِي الزِّيَادَة الَّتِي فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ

стр. 285

فان قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ قَوْله فِي عَهده كالتأكيد لقَوْله وَلَا ذُو عهد وَلَيْسَ يُفِيد حكما آخر يبين ذَلِك أَنه لَو لم يقل فِي عَهده لعلمنا بقوله وَلَا ذُو عهد أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يقتل فِي عَهده لِأَن زَوَال الْعَهْد يُخرجهُ من أَن يكون ذَا عهد وَإِذا أفادت هَذِه الزِّيَادَة فَائِدَة قَوْله وَلَا ذُو عهد فِي عَهده وَكَانَ هَذَا يُفِيد وَلَا ذُو عهد بِكَافِر فَكَذَلِك قَوْله وَلَا ذُو عهد فِي عَهده وَلَيْسَ لكم أَن تَقولُوا إِن قَوْله فِي عَهده يُفِيد فَائِدَة متجددة وَهِي أَن الْمَانِع من قَتله هُوَ الْعَهْد لِأَن ذَلِك لَو اسْتَقل من قَوْله فِي عَهده لاستفيد من قَوْله وَلَا ذُو عهد وَالْجَوَاب أَن هَذَا السُّؤَال يَقْتَضِي أَنه لَو قَالَ لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر وَلَا رجل فِي عَهده لم يضمر فِيهِ الْكَافِر حَتَّى يكون مَعْنَاهُ وَلَا يقتل رجل فِي عَهده بِكَافِر لِأَنَّهُ يكون قَوْله فِي عَهده قد اسْتُفِيدَ مِنْهُ فَائِدَة متجددة فَيجب أَن يكون قَوْله وَلَا عهد يمْنَع من أَن يضمر فِيهِ بِكَافِر لِأَنَّهُ ينزل منزلَة قَوْله وَلَا رجل بِكَافِر فِي إِفَادَة صفة قد منع من الْقَتْل مَعهَا فاذا كَانَ قَوْله فِي عَهده كالتأكيد لم يضمر فِي الْمَنْع من هَذَا الْإِضْمَار فاذا أمتنَا اضمار الْكَافِر فِيهِ امْتنع تَخْصِيص مَا تقدم وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن اعْتِرَاض الْحَنَفِيَّة على هَذَا الْخَبَر بجوابين أَحدهمَا أَن الْمَعْطُوف إِنَّمَا يضمر فِيهِ من الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مَا يصير بِهِ مُسْتقِلّا لِأَن فقد استقلاله هُوَ الَّذِي أوجب الْإِضْمَار وَمَعْلُوم أَن قَوْله وَلَا ذُو عهد فِي عَهده يصير مُسْتقِلّا باضمار الْقَتْل لِأَنَّهُ لَو قَالَ وَلَا يقتل ذُو عهد فِي عَهده لَكَانَ مُسْتقِلّا وَلقَائِل أَن يَقُول لَيْسَ يقف الْإِضْمَار على مَا يسْتَقلّ بِهِ الْكَلَام لِأَن الْإِنْسَان لَو قَالَ لَا تقتلُوا الْيَهُود بالحديد وَلَا النَّصَارَى لَكَانَ مَعْنَاهُ وَلَا تقتل النَّصَارَى بالحديد وَلَا يقْتَصر فِيهِ على إِضْمَار الْقَتْل فَقَط وَلَو قَالَ الرجل لغيره لَا يشترى اللَّحْم بِالدَّرَاهِمِ الصِّحَاح وَلَا الْخبز لأفاد وَلَا يشترى الْخبز بِالدَّرَاهِمِ الصِّحَاح وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لِأَن الْعَطف يُفِيد اشْتِرَاك الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فِي حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَحكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ هَا
следующие страницы →