Полный текст (878 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
جف بِبيع مَا قد جف وَلَا جرت هَذِه الْأَلْفَاظ بِعَينهَا فِي كَلَام النَّبِي ﷺ فَيَنْصَرِف النَّفْي إِلَيْهِ
وَأما الدّلَالَة على أَن الْجَواب المستقل بِنَفسِهِ وَهُوَ أَعم من السَّبَب يجْرِي على عُمُومه فَهُوَ أَن اللَّفْظ الْعَام الصَّادِر عَن حَكِيم يجب إجراؤه على عُمُومه إِلَّا لمَانع وَلَا مَانع إِلَّا مَا يحْتَج بِهِ الْمُخَالف وَكلهَا بَاطِلَة
مِنْهَا أَن الْعَادة تَقْتَضِي قصر على سَببه كَمَا ذَكرْنَاهُ وَهَذَا بَاطِل لِأَن الْعَادة لَا تَقْتَضِي فِي قَول النَّبِي ﷺ الْخراج بِالضَّمَانِ أَن المُرَاد بِهِ ذَلِك العَبْد الَّذِي وَقع السُّؤَال عَنهُ فَعَلَيْهِم أَن يبينوا أَن الْمَفْهُوم من جَوَاب النَّبِي ﷺ مَا ذَكرْنَاهُ فاذا ادّعى ذَلِك فَهُوَ مَوضِع الْخلاف
وَمِنْهَا أَن يُقَال ثُبُوت الحكم فِيمَا وَقع السُّؤَال عَنهُ يمْنَع من ثُبُوته فِيمَا عداهُ إِمَّا لِأَنَّهُ يُنَافِيهِ أَو من جِهَة دَلِيل الْخطاب وَهَذَانِ باطلان أما الأول فَلِأَنَّهُ لَا تنَافِي بَين ثُبُوت الحكم فِي شَيْء وَبَين ثُبُوته فِي شَيْء آخر وَأما الثَّانِي فمبني على دَلِيل الْخطاب وَلَيْسَ بِحجَّة عندنَا على أَن هَذَا لَيْسَ من دَلِيل الْخطاب فِي شَيْء لِأَن دَلِيل الْخطاب هُوَ أَن يعلق الحكم على صفة الشَّيْء فَيدل على نَفْيه عَمَّا عَداهَا وَلَيْسَ فِي لفظ هَذَا الْجَواب تَعْلِيق الحكم على السَّبَب فَقَط فَيدل على نَفْيه عَمَّا عداهُ وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ فِي حيّز تَعْلِيق الحكم على الإسم على أَن من قصر الْجَواب على السَّبَب فَإِنَّمَا يقصره عَلَيْهِ لأجل السَّبَب لَا لدَلِيل الْخطاب لِأَن دَلِيل الْخطاب لَو كَانَ عَاما لَكَانَ جَوَابا وَابْتِدَاء وَقصد الْجَواب يُنَافِي قصد الِابْتِدَاء وَالْجَوَاب إِن أَرَادوا بقَوْلهمْ جَوَاب وَابْتِدَاء أَنه جَوَاب عَمَّا وَقع السُّؤَال عَنهُ وَبَيَان لحكم مَا لم يسْأَل عَنهُ فَصَحِيح وَالْقَصْد إِلَيْهِ لَا يتنافى
وَمِنْهَا أَن يُقَال لَو تعدى الحكم إِلَى غير مَا سُئِلَ عَنهُ النَّبِي ﷺ لما أخر بَيَانه إِلَى تِلْكَ الْحَال وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون من الْمصلحَة أَن يبين حكمه الْآن كَمَا كَانَ ذَلِك فِيمَا سُئِلَ عَنهُ وَفِيمَا تعدى الْجَواب إِلَيْهِ مِمَّا لَيْسَ من
стр. 282
جنس السُّؤَال نَحْو قَول النَّبِي ﷺ فِي الْبَحْر هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته على أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون قد بَين حكم مَا زَاد على السُّؤَال قبل ذَلِك وَبَينه الْآن أَيْضا وَدلّ عَلَيْهِ
وَمِنْهَا قَوْلهم من حق الْجَواب أَن يكون مطابقا للسؤال وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بالمساواة قيل إِن أردتم بالمطابقة مُسَاوَاة الْجَواب للسؤال فَغير مُسلم أَنه من شَرط الْجَواب وَإِن أردتم بالمطابقة انتظام الْجَواب بِجَمِيعِ السُّؤَال فَذَلِك يحصل بالمساواة وَحدهَا وبالمساواة مَعَ الْمُجَاورَة وَيلْزم أَن لَا يجوز مجاورة الْخطاب لما وَقع السُّؤَال عَنهُ إِلَى حكم آخر ﷺ َ - بَاب فِي الْعُمُوم إِذا تعقبه تَقْيِيد بِشَرْط أَو اسْتثِْنَاء أَو صفة أَو حكم وَكَانَ ذَلِك لَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِي بعض مَا تنَاوله الْعُمُوم هَل يجب أَن يكون المُرَاد بذلك الْعُمُوم ذَلِك الْبَعْض فَقَط أم لَا ﷺ َ -
أعلم أَن مَذْهَب قَاضِي الْقُضَاة وَكثير من النَّاس أَنه لَا يجب أَن يكون المُرَاد بِالْعُمُومِ تِلْكَ الْأَشْيَاء فَقَط وَالْأولَى عندنَا التَّوَقُّف فِي ذَلِك مِثَال الِاسْتِثْنَاء قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة ومتعوهن على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره مَتَاعا بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُحْسِنِينَ وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون﴾ فاستثنى الْعَفو وعلقه بكناية رَاجِعَة إِلَى النِّسَاء وَمَعْلُوم أَن الْعَفو لَا يَصح إِلَّا فِي المالكات لأمورهن دون الصَّغِيرَة والمجنونة وَلَا يُوجب ذَلِك عِنْده إِلَّا أَن لَا يكون المُرَاد بِالنسَاء فِي أول الْكَلَام الصَّغِيرَة والمجنونة
стр. 283
وَمِثَال التقيد بِالصّفةِ قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فطلقوهن لعدتهن﴾ ثمَّ قَالَ ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا﴾ يَعْنِي الرَّغْبَة فِي مراجعتهن وَمَعْلُوم أَن ذَلِك يَتَأَتَّى فِي البائنة
وَمِثَال التَّقْيِيد بِحكم آخر قَول الله ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن﴾ وَهَذَا أَيْضا لَا يَتَأَتَّى فِي الْبَائِن
وَاحْتج قَاضِي الْقُضَاة لمذهبه بِأَن اللَّفْظ الْعَام يجب إجراؤه على عُمُومه إِلَّا أَن يضْطَر ناشيء إِلَى تَخْصِيصه وَكَون آخر الْكَلَام مَخْصُوصًا لَا يضْطَر إِلَى تَخْصِيص أَوله وَالْجَوَاب أَن هَذَا التَّخْصِيص يَقْتَضِي تَخْصِيص أول الْكَلَام لِأَن الْكِنَايَة رجعت إِلَى جَمِيع مَا تقدم لِأَن قَول الله تَعَالَى ﴿إِلَّا أَن يعفون﴾ مَعْنَاهُ إِلَّا أَن يعْفُو النِّسَاء اللواتي طلقتموهن وَلَو أَن الله سُبْحَانَهُ صرح بذلك لدل ذَلِك على أَن النِّسَاء الْمَذْكُورَات فِي أول الْكَلَام هن اللواتي يَصح مِنْهُنَّ الْعَفو وَالَّذِي يبين أَن الظَّاهِر يُفِيد رُجُوع ذَلِك إِلَى جَمِيع النِّسَاء هُوَ أَن الْعَفو مُعَلّق بكناية وَالْكِنَايَة يجب رُجُوعهَا إِلَى الْمَذْكُور الْمُتَقَدّم وَالْمَذْكُور الْمُتَقَدّم هن المطلقات لَا بَعضهنَّ فَقَط يبين ذَلِك أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ من دخل الدَّار من عَبِيدِي ضَربته إِلَّا أَن يتوبوا انْصَرف ذَلِك إِلَى جَمِيع العبيد وَجرى مجْرى أَن يَقُول إِلَّا أَن يَتُوب عَبِيدِي الداخلون الدَّار
وَأما الدّلَالَة على التَّوَقُّف فَهُوَ أَن ظَاهر الْعُمُوم الْمُتَقَدّم يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاق وَظَاهر الْكِنَايَة يَقْتَضِي الرُّجُوع إِلَى كل مَا تقدم وَلَيْسَ التَّمَسُّك بِظَاهِر الْعُمُوم والعدول عَن ظَاهر الْكِنَايَة بِأولى من التَّمَسُّك بِظَاهِر الْكِنَايَة والعدول عَن ظَاهر الْعُمُوم وَإِذا لم يكن أَحدهمَا أولى من الآخر وَجب التَّوَقُّف فان قيل التَّمَسُّك
стр. 284
بِالْعُمُومِ أولى لِأَنَّهُ اسْم ظَاهر قيل لَيْسَ هَذَا القَوْل بِأولى مِمَّن قَالَ بل التَّمَسُّك بِالْكِنَايَةِ أولى لِأَنَّهَا كِنَايَة ﷺ َ - بَاب فِي الْمَعْطُوف هَل يجب أَن يضمر فِيهِ جَمِيع مَا يُمكن إضماره فِيمَا فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ أم لَا وَهل إِذا وَجب ذَلِك وَكَانَ الْمُضمر فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مَخْصُوصًا وَجب أَن يكون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مَخْصُوصًا أم لَا ﷺ َ -
اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ بذلك كُله وَلم يقل بِهِ الشافعيون ومثاله اسْتِدْلَال الشَّافِعِيَّة بقول النَّبِي ﷺ لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر على أَن الْمُسلم لَا يقتل بالذمي فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ إِن النَّبِي ﷺ عطف على ذَلِك قَوْله وَلَا ذُو عهد فِي عَهده وَحكم الْمَعْطُوف حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَن يكون مَعْنَاهُ وَلَا يقتل ذُو عهد فِي عَهده بِكَافِر وَمَعْلُوم أَن ذَا الْعَهْد يقتل بالكافر الذِّمِّيّ وَلَا يقتل بالكافر الْحَرْبِيّ فَكَانَ قَوْله لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر مَعْنَاهُ بِكَافِر حَرْبِيّ لِأَن الْمُضمر فِي الْمَعْطُوف هُوَ الْمظهر فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فأضمروا فِي الْمَعْطُوف مَا هُوَ مظهر فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ من الْقَتْل وَالْكَافِر وَلما رَأَوْا أَن ذَلِك إِن أضمر فِي الْمَعْطُوف كَانَ مَخْصُوصًا فِي الْحَرْبِيّ وأوجبوا تَخْصِيص الْمَعْطُوف عَلَيْهِ أَيْضا بالحربي وَقد أجِيبُوا عَن ذَلِك بِأَن الْمَعْطُوف قيد بِصفة لم يجب أَن يضمر فِيهِ من الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِلَّا مَا يصير بِهِ مُسْتقِلّا أَلا ترى أَن الْإِنْسَان لَو قَالَ لَا تقتلُوا الْيَهُود بالحديد وَلَا النَّصَارَى فِي الْأَشْهر الْحرم لم يجب أَن يضمر فِيهِ إِلَّا الْقَتْل حَتَّى يكون مَعْنَاهُ وَلَا تقتلُوا النَّصَارَى فِي الْأَشْهر الْحرم وَلَا يكون مَعْنَاهُ وَلَا تقتلُوا النَّصَارَى بالحديد فِي الْأَشْهر الْحرم وَإِنَّمَا لم يجب ذَلِك لِأَنَّهُ لما قيد الْمَعْطُوف بِزِيَادَة لَيست فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ علمنَا أَنه أَرَادَ أَن يُخَالف بَينهمَا فِي كَيْفيَّة الْقَتْل وَأَن يُشْرك بَينهمَا فِي الْقَتْل فَقَط لَا فِي الزِّيَادَة الَّتِي فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ
стр. 285
فان قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ قَوْله فِي عَهده كالتأكيد لقَوْله وَلَا ذُو عهد وَلَيْسَ يُفِيد حكما آخر يبين ذَلِك أَنه لَو لم يقل فِي عَهده لعلمنا بقوله وَلَا ذُو عهد أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يقتل فِي عَهده لِأَن زَوَال الْعَهْد يُخرجهُ من أَن يكون ذَا عهد وَإِذا أفادت هَذِه الزِّيَادَة فَائِدَة قَوْله وَلَا ذُو عهد فِي عَهده وَكَانَ هَذَا يُفِيد وَلَا ذُو عهد بِكَافِر فَكَذَلِك قَوْله وَلَا ذُو عهد فِي عَهده وَلَيْسَ لكم أَن تَقولُوا إِن قَوْله فِي عَهده يُفِيد فَائِدَة متجددة وَهِي أَن الْمَانِع من قَتله هُوَ الْعَهْد لِأَن ذَلِك لَو اسْتَقل من قَوْله فِي عَهده لاستفيد من قَوْله وَلَا ذُو عهد وَالْجَوَاب أَن هَذَا السُّؤَال يَقْتَضِي أَنه لَو قَالَ لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر وَلَا رجل فِي عَهده لم يضمر فِيهِ الْكَافِر حَتَّى يكون مَعْنَاهُ وَلَا يقتل رجل فِي عَهده بِكَافِر لِأَنَّهُ يكون قَوْله فِي عَهده قد اسْتُفِيدَ مِنْهُ فَائِدَة متجددة فَيجب أَن يكون قَوْله وَلَا عهد يمْنَع من أَن يضمر فِيهِ بِكَافِر لِأَنَّهُ ينزل منزلَة قَوْله وَلَا رجل بِكَافِر فِي إِفَادَة صفة قد منع من الْقَتْل مَعهَا فاذا كَانَ قَوْله فِي عَهده كالتأكيد لم يضمر فِي الْمَنْع من هَذَا الْإِضْمَار فاذا أمتنَا اضمار الْكَافِر فِيهِ امْتنع تَخْصِيص مَا تقدم
وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن اعْتِرَاض الْحَنَفِيَّة على هَذَا الْخَبَر بجوابين
أَحدهمَا أَن الْمَعْطُوف إِنَّمَا يضمر فِيهِ من الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مَا يصير بِهِ مُسْتقِلّا لِأَن فقد استقلاله هُوَ الَّذِي أوجب الْإِضْمَار وَمَعْلُوم أَن قَوْله وَلَا ذُو عهد فِي عَهده يصير مُسْتقِلّا باضمار الْقَتْل لِأَنَّهُ لَو قَالَ وَلَا يقتل ذُو عهد فِي عَهده لَكَانَ مُسْتقِلّا وَلقَائِل أَن يَقُول لَيْسَ يقف الْإِضْمَار على مَا يسْتَقلّ بِهِ الْكَلَام لِأَن الْإِنْسَان لَو قَالَ لَا تقتلُوا الْيَهُود بالحديد وَلَا النَّصَارَى لَكَانَ مَعْنَاهُ وَلَا تقتل النَّصَارَى بالحديد وَلَا يقْتَصر فِيهِ على إِضْمَار الْقَتْل فَقَط وَلَو قَالَ الرجل لغيره لَا يشترى اللَّحْم بِالدَّرَاهِمِ الصِّحَاح وَلَا الْخبز لأفاد وَلَا يشترى الْخبز بِالدَّرَاهِمِ الصِّحَاح وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لِأَن الْعَطف يُفِيد اشْتِرَاك الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فِي حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَحكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ هَا
стр. 286
هُنَا هُوَ الشرى بِالدَّرَاهِمِ الصِّحَاح دون الْمَنْع من الشرى بِالدَّرَاهِمِ على الْإِطْلَاق لِأَن الْمَنْع من الشرى بِالدَّرَاهِمِ على الْإِطْلَاق لَيْسَ بمذكور وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَو قُلْنَا إِن قَوْله لَا يشترى اللَّحْم بِالدَّرَاهِمِ الصِّحَاح وَلَا الْخبز مَعْنَاهُ وَلَا يشترى الْخبز أصلا لم يكن قد اشْتَركَا بَينهمَا فِي الحكم الْمَذْكُور
وَأما الْجَواب الثَّانِي فَهُوَ أَنا لَو أضمرنا الْكَافِر فِي قَوْله وَلَا ذُو عهد حَتَّى يكون مَعْنَاهُ وَلَا يقتل ذُو عهد بِكَافِر ثمَّ وَجب أَن يكون ذَلِك مَخْصُوصًا فِي الْحَرْبِيّ لم يجب أَن يكون قَوْله لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر مَخْصُوصًا فِي الْكَافِر الْحَرْبِيّ أَلا ترى أَن النَّبِي ﷺ لَو قَالَ وَلَا يقتل مُؤمن بِكَافِر وَلَا ذُو عهد فِي عَهده بِكَافِر ثمَّ علمنَا بِدلَالَة أَن ذَلِك مَخْصُوص فِي الحربى لم يجب أَن يكون أول الْكَلَام كَذَلِك
وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْعَطف يُفِيد اشْتِرَاك الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فِي حكمه وَحكمه هُوَ الَّذِي عناه الْمُتَكَلّم وأراده دون مَا لم يعنه فَلَو جعلنَا الْكَافِر الْمَذْكُور فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ عَاما وجعلناه فِي الْمَعْطُوف خَاصّا لم نجْعَل الْعَطف مُفِيدا لاشْتِرَاكهمَا فِيمَا قَصده الْمُتَكَلّم لِأَنَّهُ قصد بِأول الْكَلَام الْعُمُوم وبآخره الْخُصُوص ولوجب أَن يكون الْكَلَام الثَّانِي مَعْطُوفًا على بعض الأول وَظَاهر الْعَطف يمْنَع من ذَلِك وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول الْعَطف يُفِيد اشْتِرَاك الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فِي لفظ الْكَافِر وَذَلِكَ لِأَن اللَّفْظ لَيْسَ بموجود فِي الْمَعْطُوف وَإِنَّمَا حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ يُوجد فِيهِ يبين ذَلِك أَن الْمُتَكَلّم يقْصد بالْعَطْف اشتراكهما فِي معنى قَصده دون اللَّفْظ فصح أَن ظَاهر الْعَطف يَقْتَضِي أَن لَا يفْتَرق الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فِي خُصُوص مَا اشْتَركَا فِيهِ وعمومه بل يجب إِذا كَانَ الْكَافِر الْمُضمر فِي الْمَعْطُوف مَخْصُوصًا أَن يكون الْكَافِر الْمَذْكُور فِي أول الْكَلَام مَخْصُوصًا وَلقَائِل أَن يَقُول إِن وَجب إِضْمَار الْكَافِر فِي الْمَعْطُوف فَالْأولى القَوْل بِالْوَقْفِ لِأَنَّهُ لَيْسَ التَّمَسُّك بِظَاهِر الْعَطف وَترك ظَاهر عُمُوم أول الْكَلَام وَحمله على الْخُصُوص بِأولى من التَّمَسُّك بِظَاهِر الْعُمُوم
стр. 287
وَترك ظَاهر الْعَطف فِي وجوب اشْتِرَاك الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فِي خُصُوص مَا اتفقَا فِيهِ ﷺ َ - بَاب فِي أَن ذكربعض مَا شَمله الْعُمُوم لَا يخص بِهِ الْعُمُوم ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْعُمُوم إِذا علق حكما على أَشْيَاء وَورد لفظ يُفِيد تَعْلِيق ذَلِك الحكم على بَعْضهَا فانه لَا يجب انْتِفَاء الحكم عَمَّا عدا ذَلِك الْبَعْض وَحكى أَن أَبَا ثَوْر أوجب ذَلِك لِأَنَّهُ قَالَ إِن قَول النَّبِي ﷺ فِي شَاة مَيْمُونَة دباغها طهورها يخص قَول النَّبِي ﷺ أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر وَالَّذِي يبطل ذَلِك أَن التَّخْصِيص مَوْقُوف على التَّنَافِي فَلَو خص قَوْله دباغها طهورها قَوْله أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر لَكَانَ إِنَّمَا يَخُصُّهُ من حَيْثُ كَانَ تَعْلِيق الطَّهَارَة على تِلْكَ الشَّاة يدل على نَفْيه عَمَّا سواهَا من جِهَة دَلِيل الْخطاب وَهَذَا بَاطِل لأَنا قد بَينا أَن تَعْلِيق الحكم بِالِاسْمِ وبالصفة لَا يدل على انتفائه عَمَّا عداهما وَلَو دلّ على ذَلِك لَكَانَ صَرِيح الْعُمُوم أولى مِنْهُ لِأَن الصَّرِيح أولى من دَلِيل الصَّرِيح وَقَوله ﷺ دباغها طهورها من حيّز دَلِيل الِاسْم وَتَعْلِيق الحكم على الِاسْم أَضْعَف فِي الدّلَالَة على نَفْيه عَمَّا عداهُ من تَعْلِيقه بِالصّفةِ ﷺ َ - بَاب فِي الْمُطلق والمقيد ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْكَلَامَيْنِ إِذا قيد الثَّانِي مِنْهُمَا بِصفة فاما أَن يكون أَحدهمَا مُتَعَلقا بِالْآخرِ أَو لَا يكون مُتَعَلقا بِهِ فان كَانَ مُتَعَلقا بِهِ كَانَ الْكَلَام الأول مُقَيّدا بِتِلْكَ الصّفة على حسب مَا ذَكرْنَاهُ فِي رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى جَمِيع الْكَلَام وَإِن لم يكن أحد الْكَلَامَيْنِ مُتَعَلقا بِالْآخرِ سَوَاء كَانَ مِنْهُ قَرِيبا أَو بَعيدا فانه لَا يَخْلُو حكماهما إِمَّا أَن يَكُونَا مُخْتَلفين أَو غير مُخْتَلفين فان كَانَا مُخْتَلفين فمثاله أَن نؤمر بالصلوات مُطلقًا ونؤمر بالصيام مُتَتَابِعًا فَلَا شُبْهَة فِي أَنه لَا يجب لذَلِك
стр. 288
تَقْيِيد الصَّلَوَات بالتتابع وَإِن كَانَ الحكمان غير مُخْتَلفين نَحْو أَن يكون الحكم عتقا أَو صياما فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون سبباهما مُخْتَلفين أَو غير مُخْتَلفين فان كَانَا غير مُخْتَلفين فمثاله الْعتْق فِي كَفَّارَة الْيَمين وَلَا يَخْلُو التَّعَبُّد بهما إِمَّا أَن يَكُونَا أَمريْن أَو نهيين فان كَانَا أَمريْن فمثاله أَن يُقَال إِذا حنثتم فاعتقوا رَقَبَة وَيُقَال فِي مَوضِع آخر إِذا حنثتم فاعتقوا رَقَبَة مُؤمنَة فَمَتَى تركنَا وَظَاهر الْأَمريْنِ وَجب على الحانث عتق رقبتين إِن كَانَ الْأَمر المتكرر يُفِيد تكْرَار الْمَأْمُور بِهِ وَإِن علمنَا ان الْعتْق فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِد غير متكرر وَجب تَقْيِيده بِالْإِيمَان أَن الْعتْق وَاحِد وَالْأَمر الْمُقَيد بِالْإِيمَان قد اقْتضى اشْتِرَاطه إِن قيل لم قيدتم الْمُطلق لأجل الْمُقَيد وَلم تحملوا الْأَمر بِعِتْق المؤمنة على النّدب لأجل الْمُطلق قيل لِأَن الْأَمر الْمُقَيد تَصْرِيح الْإِيمَان وَهُوَ أَشد اختصاصا بِهِ فَكَانَ الِاعْتِرَاض بِهِ على الْمُطلق أولى لِأَن الْخَاص أولى من الْعَام على أَن هَذَا السُّؤَال لَا يُمكن إِذا ورد التَّعَبُّد بالمقيد بِلَفْظ الْإِيجَاب وَإِن كَانَا نهيين مثل أَن يَقُول إِذا حنثتم فَلَا تكفرُوا بِالْعِتْقِ وَيُقَال فِي مَوضِع آخر إِذا حنثتم للا تكفرُوا بِعِتْق كافره فَمَتَى تركنَا وهذين النهيين وَجب إِجْرَاء الْمُطلق على إِطْلَاقه فِي الْمَنْع من الْعتْق أصلا على التَّأْبِيد لِأَن النَّهْي يُفِيد التَّأْبِيد فَلَا يَخُصُّهُ النَّهْي الْمُقَيد بِالْإِيمَان لِأَنَّهُ بعض مَا دخل تَحْتَهُ والعموم لَا يصير مَخْصُوصًا بِذكر بعض مَا دخل تَحْتَهُ وَإِن علمنَا أَن الْمنْهِي عَنهُ بِأحد النهيين هُوَ الْمنْهِي عَنهُ بِالْآخرِ لَا افْتِرَاق بَينهمَا فِي خُصُوص وَلَا عُمُوم وَجب أَن يُقيد بالْكفْر فَيصير الْمُكَلف مَنْهِيّا فِي الْمَوْضِعَيْنِ من الْكَفَّارَة بالكافرة
وَإِن كَانَ سَببا التَّكْفِير مُخْتَلفين فمثاله إِطْلَاق العَبْد فِي كَفَّارَة الظِّهَار وتقييده بِالْإِيمَان فِي كَفَّارَة الْقَتْل وَقد ذهب قوم من أَصْحَاب أبي حنيفَة إِلَى أَنه يُقيد الْمُطلق مِنْهُمَا بِالْإِيمَان أصلا وَقَالَ جلّ أَصْحَاب الشَّافِعِي بل يُقيد الْمُطلق مِنْهُمَا وَاخْتلف الْأَولونَ فِي سَبَب الْمَنْع من تَقْيِيد الْمُطلق بالمقيد من جِهَة الْقيَاس فَقَالَ قوم سَبَب ذَلِك أَن تَقْيِيده بِالْإِيمَان زِيَادَة على النَّص وَالزِّيَادَة على النَّص نسخ والنسخ لَا يجوز بِالْقِيَاسِ وَمِنْهُم من قَالَ تَقْيِيده بِالْإِيمَان زِيَادَة على حكم
стр. 289
قد قصد اسْتِيفَاؤهُ وَمِنْهُم من قَالَ تَقْيِيده بِالْإِيمَان هُوَ تَخْصِيص لحكم قد قصد اسْتِيفَاؤهُ
وَاخْتلف من قَالَ إِن الْمُطلق يُقيد بالمقيد فَقَالَ قوم يُقيد الْمُطلق لأجل تَقْيِيد الْمُقَيد وَقَالَ قوم بل إِنَّمَا يُقيد بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَاخْتلفُوا فِي الحكم الْمُطلق فِي مَوضِع إِذا قيد مثله فِي موضِعين بتقييدين متنافيين نَحْو تَقْيِيد صَوْم الظِّهَار بالتتابع وَتَقْيِيد صَوْم التَّمَتُّع بِالتَّفْرِيقِ وَإِطْلَاق قَضَاء صَوْم رَمَضَان فَمن لَا يرى تَقْيِيد الْمُطلق بالمقيد أصلا فَإِنَّهُ لَا يُقيد هَذَا الْمُطلق بِأحد التقييدين فَلَا يَجْعَل من شَرط قَضَاء شهر رَمَضَان التَّتَابُع وَلَا التَّفْرِيق وَمن يرى تَقْيِيد الْمُطلق بالمقيد لأجل التَّقْيِيد لَا يرى ذَلِك أَيْضا هَا هُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَن يُقيد بِأحد التقييدين أولى من أَن يُقيد بِالْآخرِ وَأما من يرى تَقْيِيده بِالْقِيَاسِ فانه يُقيد الْمُطلق بِأحد التقييدين إِذا كَانَ الْقيَاس عَلَيْهِ أولى من الْقيَاس على الآخر
وَالدَّلِيل على أَن الْمُطلق لَا يُقيد لأجل تَقْيِيد الْمُقَيد أَن ظَاهر الْمُطلق يَقْتَضِي أَن يجْرِي الحكم على إِطْلَاقه فَلَو خص بالمقيد لوَجَبَ أَن يكون بَينهمَا وصلَة وَإِلَّا لم يكن بِأَن يُقيد بِهِ أولى من أَن لَا يُقيد بِهِ والوصلة إِمَّا أَن ترجع إِلَى اللَّفْظ أَو إِلَى الحكم أما اللَّفْظ فبأن يكون بَين الْكَلَامَيْنِ تعلق بِحرف عطف إو إِضْمَار كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي صدر الْبَاب وَهَذَا غير حَاصِل فِي مَسْأَلَتنَا وَأما الرَّاجِع إِلَى الحكم فضربان أَحدهمَا أَن يتَّفق الحكمان فِي عِلّة التَّقْيِيد بِالصّفةِ وَهَذَا تَقْيِيد فِي كَفَّارَة وَغير مُقَيّد بهما فِي كَفَّارَة أُخْرَى وَلَيْسَ هَذَا بممتنع كَمَا يجوز أَن تكون الْمصلحَة فيهمَا التَّقْيِيد يجوز أَن تكون الْمصلحَة فيهمَا أَن يختلفا فِي التَّقْيِيد فاذا ثَبت ذَلِك فَلَو جَازَ مَعَ فقد الوصلة أَن يُقيد أَحدهمَا بِمَا يُقيد بِهِ الآخر جَازَ أَن نثبت لأَحَدهمَا بَدَلا لِأَن للْآخر بَدَلا أَو نخص أحد
стр. 290
العمومين لِأَن الآخر مَخْصُوص وَقَوْلهمْ إِن الشَّهَادَة لما قيدت بِالْعَدَالَةِ فِي مَوضِع قيد بهَا الشَّهَادَة الْمُطلقَة فِي مَوضِع آخر فَالْجَوَاب عَنهُ أَنا لم نستفد تَقْيِيد الْمُطلقَة لِأَن الشَّهَادَة الْأُخْرَى قيدت فِي مَوضِع آخر بل اسْتُفِيدَ ذَلِك بِشَيْء آخر وَقَوله إِن الْقُرْآن كُله كالكلمة الْوَاحِدَة فَيجب أَن يُقيد بعضه لما قيد بِهِ الْبَعْض الآخر وَلِهَذَا كَانَ قَول الله ﴿والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات﴾ مَعْنَاهُ وَالذَّاكِرَات الله وَالْجَوَاب أَنهم إِن أَرَادوا بقَوْلهمْ إِن الْقُرْآن كالكمة الْوَاحِدَة فِي وجوب تَقْيِيده بِمَا قيد بِهِ الْبَعْض الآخر فَلَا نسلمه وَلِهَذَا لَا يُقيد بعضه بِمَا يُقيد بعض لَهُ فِي الحكم فَإِن أَرَادوا أَنه كالكلمة الْوَاحِدَة فِي أَنه لَا تنَاقض فِيهِ فَصَحِيح وَيُقَال لَهُم وَإِذا لم يكن فِيهِ تنَاقض وَكَانَ كُله صَحِيحا قيد بعضه بِمَا قيد بِهِ الْبَعْض الآخر وَأما قَوْله ﴿والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات﴾ فانما كَانَ المُرَاد وَالذَّاكِرَات الله لِأَن الْكَلَام خرج مخرج الْمَدْح لَهُنَّ والحث لَهُنَّ على ذكر الله بِمَا ذكره من قَوْله أعد الله لَهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما فَلم يجز وَالْحَال هَذِه انْصِرَافه إِلَى جَمِيع أَنْوَاع الذّكر وَانْصَرف إِلَى ذكر الله لِأَنَّهُ مَذْكُور فِيمَا تقدم وَالْكَلَام الثَّانِي مَعْطُوف عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا حَال مسئلتنا
فَأَما من أَبى تَقْيِيد الْمُطلق بِالْقِيَاسِ فَأَما أَن أَبى ذَلِك لِأَن الْمُطلق لَا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّخْصِيص كَمَا لَا يَتَأَتَّى فِي الْعين الْوَاحِدَة وَهَذَا بَاطِل لِأَن الْمُطلق يشْتَمل على جَمِيع صِفَات الشَّيْء وأحواله أَو لِأَن الْقيَاس غير دَلِيل أَو هُوَ دَلِيل لكنه لَا يخص بِهِ الْعَام وإفساد ذَلِك فِي الْقيَاس وَإِمَّا لِأَن تَقْيِيد الْمُطلق زِيَادَة فِي النَّص وَهُوَ نسخ وسنبين فِي النَّاسِخ والمنسوخ القَوْل فِي ذَلِك وَإِمَّا لِأَن الله استوفى حكم الْمُطلق والخصم مُخَالف فِي ذَلِك وَيَقُول قيام الدّلَالَة على صِحَة عِلّة الْقيَاس يدلني على أَن الله لم يسْتَوْف حكم الْمُطلق بِهَذَا الْكَلَام كَمَا نقُوله فِي الْعُمُوم
стр. 291
الْكَلَام فِي الْمُجْمل والمبين
ﷺ َ - بَاب فِي ذكر فُصُول الْمُجْمل والمبين ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْكَلَام فِي الْمُجْمل والمبين يَقع فِي موضِعين أَحدهمَا الْعبارَة وَالْآخر الْمَعْنى أما الْعبارَة فبأن نذْكر مَا معنى قَوْلنَا مُجمل وَبَيَان ومبين ومفسر وَظَاهر وَنَصّ وَأما الْمَعْنى فَمِنْهُ مَا يرجع إِلَى الْمُجْمل وَمِنْه مَا يرجع إِلَى الْبَيَان أما الرَّاجِع إِلَى الْمُجْمل فَيدْخل فِيهِ ذكر مَا يحْتَاج إِلَى بَيَان وَمَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَيدخل فِي ذَلِك الْوُجُود الَّتِي يحْتَاج فِيهَا إِلَى بَيَان وَيدخل فِيهِ مَا يحْتَاج من الْأَفْعَال إِلَى بَيَان وَيدخل فِيهِ مَا أخرج من الْمُجْمل وَهُوَ دَاخل فِيهِ كالاسم الْمُشْتَرك وَمَا أَدخل فِيهِ وَهُوَ خَارج عَنهُ وَأما الْكَلَام فِي الْبَيَان فضربان أَحدهمَا مُخْتَصّ بِالْبَيَانِ وَالْآخر يتَعَلَّق بالمبين لَهُ أما الأول فَيدْخل فِيهِ ابواب مِنْهَا الْأُمُور الَّتِي يَقع بهَا الْبَيَان وَيدخل فِي ذَلِك الْبَيَان بالأفعال وَمِنْهَا تَرْجِيح القَوْل على الْفِعْل فِي وُقُوع الْبَيَان وَمِنْهَا هَل يجب أَن يكون الْبَيَان كالمجمل فِي الْقُوَّة أم لَا وَأما مَا يتَعَلَّق بالمبين لَهُ فوجوه مِنْهَا تَأْخِير التَّبْلِيغ وَمِنْهَا تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة وَمِنْهَا تَأْخِيره عَن وَقت الْخطاب وَمِنْهَا من الَّذِي يجب أَن يبين لَهُ الْخطاب وَمِنْهَا هَل يجوز أَن يسمع الْمُكَلف لفهم الْخطاب الْعَام قبل أَن يسمع بَيَانه أم لَا وَأما دَلِيل الْخطاب فَلَيْسَ بداخل فِي أَبْوَاب الْمُجْمل والمبين لِأَن النَّاس لم يَخْتَلِفُوا فِيهِ هَل هُوَ دَلِيل مُجمل أَو مُبين وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِيهِ هَل هُوَ دَلِيل أم لَا
стр. 292
- ﷺ َ - بَاب فِي ذكر أَلْفَاظ تسْتَعْمل فِي الْكَلَام فِي الْمُجْمل وَالْبَيَان ﷺ َ -
فَمن ذَلِك الْمُجْمل وَالْبَيَان والمبين والمفسر والمفصل وَالنَّص وَالظَّاهِر
أما قَوْلنَا مُجمل فقد يُرَاد بِهِ مَا أَفَادَ جملَة من الْأَشْيَاء وَمن ذَلِك قَوْلهم أجملت الْحساب وعَلى هَذَا يُوصف الْعُمُوم بِأَنَّهُ مُجمل بِمَعْنى أَن المسميات قد أجملت تَحْتَهُ وَقد يُرَاد بِهِ مَا لَا يُمكن معرفَة المُرَاد بِهِ وَيُمكن أَن يُقَال الْمُجْمل هُوَ مَا أَفَادَ شَيْئا من جملَة أَشْيَاء هُوَ مُتَعَيّن فِي نَفسه وَاللَّفْظ لَا يُعينهُ وَلَا يلْزم عَلَيْهِ قَوْلك اضْرِب رجلا لِأَن هَذَا اللَّفْظ أَفَادَ ضرب رجل وَلَيْسَ هُوَ بمتعين فِي نَفسه بل أَي رجل ضَربته جَازَ وَلَيْسَ كَذَلِك اسْم الْقُرْء لِأَنَّهُ يُفِيد إِمَّا الطُّهْر وَحده أَو الْحيض وَحده وَاللَّفْظ لَا يُعينهُ وَقَول الله سُبْحَانَهُ ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ يُفِيد وجوب فعل يتَعَيَّن فِي نَفسه غير شَائِع
وَأما الْبَيَان فانه يكون عَاما وَيكون خَاصّا أما الْعَام فَهُوَ الدّلَالَة تَقول بَين لي فلَان كَذَا وَكَذَا بَيَانا حسنا وبيانا وَاضحا فتوصف دلَالَته وكشفه بِأَنَّهُ بَيَان وَيُقَال دللت فلَانا على الطَّرِيق وبينته لَهُ فَلَمَّا اطرد ذَلِك كَانَ حَقِيقَة
وَأما الْخَاص فَهُوَ مَا يتعارفه الْفُقَهَاء وَهُوَ كَلَام أَو فعل دَال على المُرَاد بخطاب لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي الدّلَالَة على المُرَاد وَيدخل فِي ذَلِك بَيَان الْعُمُوم والمحكي عَن شيخينا أبي على وَأبي هَاشم رحمهمَا الله أَن الْبَيَان هُوَ الدّلَالَة وأرادا بذلك الْبَيَان الْعَام وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله إِن الْبَيَان هُوَ الْعلم الْحَادِث
стр. 293
لِأَن الْبَيَان هُوَ مَا بِهِ يتَبَيَّن الشَّيْء وَالَّذِي بِهِ يتَبَيَّن هُوَ الْعلم الْحَادِث كَمَا أَن مَا بِهِ يَتَحَرَّك الشَّيْء هُوَ الْحَرَكَة وَلِهَذَا لَا يُوصف الله سُبْحَانَهُ متبين لما كَانَ عَالما لذاته لَا بِعلم حَادث وَالصَّحِيح هُوَ الأول لِأَن الْبَيَان الْعَام هُوَ الْكَشْف والإيضاح أَلا ترى أَنه يُقَال بَين لي فلَان كَذَا وَكَذَا إِذا دلّ عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ أظهر فِي الْعرف من الْعلم لِأَنَّهُ لَا يُوصف الْعلم بِأَنَّهُ بَيَان وَإِنَّمَا يُوصف بِأَنَّهُ تبين وَقَالَ الشَّافِعِي الْبَيَان اسْم جَامع لمعان مجتمعة الْأُصُول متشعبة الْفُرُوع وَأَقل مَا فِيهِ أَنه بَيَان لمن نزل الْقُرْآن بِلِسَانِهِ وَهَذَا لَيْسَ بِحَدّ وَإِنَّمَا هُوَ وصف للْبَيَان بِأَنَّهُ يجمعه أَمر جَامع وَهُوَ أَنه يتبينه أهل اللُّغَة وَأَنه يتشعب إِلَى أَقسَام كَثِيرَة فَإِن حَده بِأَنَّهُ بَيَان لمن نزل الْقُرْآن بلغته كَانَ قد حد الْبَيَان بِأَنَّهُ بَيَان وَذَلِكَ حد الشَّيْء بِنَفسِهِ وَإِن كَانَ قد حد الْبَيَان الْعَام فانه يخرج مِنْهُ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة وَإِن حد الْبَيَان الْخَاص الَّذِي يتعارفه الْفُقَهَاء فانه يدْخل فِيهِ الْكَلَام الْمُبْتَدَأ إِذا عرف بِهِ المُرَاد كالعموم وَالْخُصُوص وَغَيرهمَا وَهَذَا لَيْسَ هُوَ الْعَام وَالْخَاص وَقَالَ قوم الْبَيَان هُوَ الْكَلَام والخط وَالْإِشَارَة وَهَذَا لَيْسَ بِحَدّ وَإِنَّمَا هُوَ تعديد وَلَيْسَ هُوَ بمستوف لجَمِيع أعداده لِأَنَّهُ يخرج مِنْهُ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة وَقَالَ الصَّيْرَفِي الْبَيَان هُوَ إِخْرَاج الشَّيْء من حيّز الْإِشْكَال إِلَى حيّز التجلي والوضوح وَهَذَا قريب إِذا كَانَ حد للْبَيَان الْعَام وَإِن كَانَ حدا لما تعارفه الْفُقَهَاء فَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ يدْخل فِيهِ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة والأدلة السمعية المبتداة على أَن إِخْرَاج الشَّيْء من حيّز الْإِشْكَال إِلَى حيّز التجلي هُوَ حد للتبيين لَا حد للْبَيَان
فَأَما الْمُبين فقد يُرَاد بِهِ مَا احْتَاجَ إِلَى بَيَان وَقد ورد عَلَيْهِ بَيَانه وَقد يُرَاد بِهِ الْخطاب الْمُبْتَدَأ المستغني عَن بَيَان
وَقَوْلنَا مُفَسّر قد يُرَاد بِهِ مَا احْتَاجَ إِلَى تَفْسِير وَقد ورد تَفْسِيره وَيُرَاد بِهِ الْخطاب الْمُبْتَدَأ المستغني عَن تَفْسِير لوضوحه فِي نَفسه
وَأما النَّص فقد حَده الشَّافِعِي بِأَنَّهُ خطاب يعلم مَا أُرِيد بِهِ من الحكم
стр. 294
سَوَاء كَانَ مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ أَو علم المُرَاد بِهِ بِغَيْرِهِ وَكَانَ يُسَمِّي الْمُجْمل نصا وَبِهَذَا حَده الشَّيْخ أَبُو الْحسن وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن النَّص هُوَ خطاب يُمكن أَن يعرف المُرَاد بِهِ وَاعْلَم أَن النَّص يجب أَن يشْتَمل على ثَلَاث شَرَائِط أَحدهَا أَن يكون كلَاما وَالْآخر أَن لَا يتَنَاوَل إِلَّا مَا هُوَ نَص فِيهِ وَإِن كَانَ نصا فِي عين وَاحِدَة وَجب أَن لَا يتَنَاوَل سواهَا وَإِن كَانَ نصا فِي أَشْيَاء كَثِيرَة وَجب أَن لَا يتَنَاوَل سواهَا وَالْآخر أَن تكون إفادته لما يفِيدهُ ظَاهرا غير مُجمل وَأما اشْتِرَاط كَون النَّص عبارَة فَلِأَن أَدِلَّة الْعُقُول وَالْأَفْعَال لَا تسمي نصوصا وَأما اشْتِرَاط ظُهُور دلَالَته فَلِأَن الْمَفْهُوم من قَوْلنَا إِن الْعبارَة نَص فِي هَذَا الحكم أَنَّهَا تفيده على جِهَة الظُّهُور وَلِأَن النَّص فِي اللُّغَة مَأْخُوذ من الظُّهُور وَمن ذَلِك قَوْلهم منصة الْعَرُوس لما ظَهرت وَارْتَفَعت وَأما اشْتِرَاط إِفَادَة مَا هُوَ نَص فِيهِ فَقَط فَلِأَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لغيره اضْرِب عَبِيدِي لم يقل أحد إِنَّه قد نَص على ضرب زيد من عبيده لما أَفَادَهُ وَأفَاد غَيره وَيُقَال إِن كَلَامه نَص فِي ضرب جملَة عبيده لما لم يفد سواهُم فاذا ثَبت أَن هَذَا هُوَ الْمَعْقُول من النَّص وَجب بِأَن يحد بِأَنَّهُ كَلَام تظهر إفادته لمعناه لَا يتَنَاوَل أَكثر مِمَّا قيل إِنَّه نَص فِيهِ فَإِن قيل أَلَيْسَ يُقَال إِن الله قد نَص على وجوب الصَّلَاة وَإِن كَانَ قَوْله ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ مُجملا قيل إِنَّه لَيْسَ بمجمل فِي إِفَادَة الْوُجُوب وَإِنَّمَا هُوَ مُجمل فِي إِفَادَة الصَّلَاة وَلَا يجوز أَن يُسمى مَعَ الْبَيَان نصا فِي إِفَادَة الصَّلَاة لِأَن قَوْلنَا نَص عبارَة عَن خطاب وَاحِد دون مَا يقْتَرن بِهِ وَلِأَن الْبَيَان قد يكون غير لفظ وَقَوْلنَا نَص عبارَة عَن الْأَقْوَال
وَأما الظَّاهِر فَهُوَ مَا لَا يفْتَقر فِي إِفَادَة مَا هُوَ ظَاهر فِيهِ إِلَى غَيره وَهُوَ مفارق للنَّص من هَذِه الْجِهَة ويشاركه فِي وجوب كَونه كلَاما وَفِي اخْتِصَاصه بالكشف وَنفي الْعُمُوم وَقَالَ قوم إِن الظَّاهِر هُوَ مَا ظهر المُرَاد بِهِ وَظهر فِيهِ غير المُرَاد إِلَّا أَن المُرَاد أظهر وَالْأول أصح لِأَن الْكَلَام مَتى وضح المُرَاد بِهِ فقد ظهر سَوَاء كَانَ مُحْتملا لغيره أَن لم يكن مُحْتملا لغيره
стр. 295
- ﷺ َ - بَاب فِيمَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى بَيَان وَمَا لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى بَيَان ﷺ َ -
قد ذكرنَا أَن الْبَيَان مِنْهُ عَام وَهُوَ الدّلَالَة الْمُطلقَة وَمِنْه خَاص وَهُوَ الدّلَالَة الشَّرْعِيَّة على المُرَاد بأدلة الشَّرْع فان كَانَ فِي الأول فَالَّذِي نحتاج فِي الْعلم بِهِ إِلَى الدّلَالَة وَهُوَ مَا صَحَّ الْعلم بِهِ وَلم نعلمهُ باضطرار لِأَن مَا لَا يعلم باضطرار لَا سَبِيل إِلَى الْعلم بِهِ إِلَّا بِالدَّلِيلِ وَمَا علمناه باضطرار فقد استغنينا عَن الْعلم بِهِ لِأَن الْإِنْسَان مستغن عَن تَحْصِيل مَا هُوَ حَاصِل لَهُ
وَإِن كَانَ الْكَلَام فِي النَّوْع الثَّانِي من الْبَيَان فانا نقُول فِيهِ إِن الدّلَالَة الشَّرْعِيَّة فِيهِ ضَرْبَان مستنبطة وَغير مستنبطة أما المستنبطة كالقياس فَلَا إِجْمَال فِيهَا فَيُقَال إِنَّه يحْتَاج إِلَى بَيَان وَأما الدّلَالَة غير المستنبطة فَهِيَ أَقْوَال وأفعال وَالْأَفْعَال كلهَا لَا تنبيء عَن الْوُجُوه الَّتِي وَقعت عَلَيْهَا إِلَّا أَن مِنْهَا مَا يقْتَرن بِهِ دلَالَة تدل على الْوَجْه الَّذِي وَقعت عَلَيْهِ فَلَا تحْتَاج مَعَ ذَلِك إِلَى بَيَان آخر وَمِنْهَا مَا لم يقْتَرن بِهِ دَلِيل فَيحْتَاج إِلَى بَيَان أما الأول فنحو صَلَاة النَّبِي ﷺ بِأَذَان وَإِقَامَة فان ذَلِك قد تقرر فِي الشَّرْع أَنه أَمارَة لوُجُوب الصَّلَاة وَيجوز أَن يتَعَمَّد أفعالا كَثِيرَة فِي الصَّلَاة فيركع ركوعين قبل السَّجْدَة فنعلم أَن ذَلِك من أَفعَال الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتَعَمَّد فِي الصَّلَاة أفعالا كَثِيرَة لَيست مِنْهَا فَأَما الثَّانِي فنحو أَن يقوم النَّبِي ﷺ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة وَلَا يجلس قدر التَّشَهُّد فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون قدسها فِي ذَلِك وَيجوز أَن يكون قد تعمد ذَلِك ليدل على جَوَاز ترك هَذِه الجلسة
وَأما الْأَقْوَال فضربان أَحدهمَا يَكْفِي نَفسه وصريحه فِي معرفَة المُرَاد بِهِ فَلَا يحْتَاج إِلَى بَيَان لِأَنَّهُ لَو احْتَاجَ إِلَى بَيَان لنقض قَوْلنَا إِنَّه يَكْفِي نَفسه فِي معرفَة المُرَاد وَذَلِكَ نَحْو قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَكَانَ الله بِكُل شَيْء عليما﴾
стр. 296
وَالْآخر لَا يَكْفِي نَفسه وصريحه فِي معرفَة المُرَاد وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا لَا يخْتل بَيَانه على السَّامع وَالثَّانِي قد يخْتل بَيَانه على السَّامع فَالْأول ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون بَيَانه بِالتَّعْلِيلِ وَالْآخر لَا بِالتَّعْلِيلِ أما التَّعْلِيل فضربان أَحدهمَا بطرِيق الأولى وَالْآخر لَا بطرِيق الأولى أما الأول من هذَيْن فَقَوْل الله ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ فِي دلَالَته على الْمَنْع من ضربهما لِأَن كل عَاقل يعلم أَن ذَلِك يخرج مخرج التَّعْظِيم وَالْإِكْرَام فَعلم أَن الْمَنْع من التأفيف إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ أَذَى وَالضَّرْب قد شَارك التأفيف فِي الْأَذَى وَزَاد عَلَيْهِ ومقرر فِي الْعقل أَن من منع من شَيْء لغَرَض فَإِنَّهُ يمْنَع مِمَّا سواهُ وَزَاد عَلَيْهِ فِي معنى ذَلِك الْغَرَض وَهَذِه الْأُمُور فِي النَّفس لَا تختل على عَاقل وَالْكَلَام يدل مَعهَا على الْمَنْع من الضَّرْب وَإِن كَانَ الْكَلَام مَا وضع لَهُ وَأما الثَّانِي وَهُوَ التَّعْلِيل لَا بطرِيق الأولى فَقَوْل النَّبِي ﷺ فِي الْهِرَّة إِنَّهَا لَيست بِنَجس إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات نعلم بذلك أَنه عِلّة فِي طَهَارَتهَا ونعلم أَن كل مَا هَذِه سَبيله فَظَاهر لِأَن الْعلَّة يتبعهَا حكمهَا
وَأما الْبَيَان الَّذِي لَا يخْتل وَلَيْسَ هُوَ بتعليل فضربان أَحدهمَا أَن يكون الْخطاب أمرا بِشَيْء فَيعلم وجوب مَا لَا يتم إِلَّا بِهِ لما تقرر فِي الْعقل أَن وجوب الشَّيْء يتبعهُ وجوب مَا لَا يتم إِلَّا بِهِ وَإِلَّا كَانَ إِيجَابا لما لَا يُطَاق وَلِهَذَا يعلم كل عَاقل أَن أَمر السَّيِّد غُلَامه بشري اللَّحْم من السُّوق يدل على وجوب مَشْيه إِلَى السُّوق وَالْآخر أَن يظْهر فِي الْعقل كَون ظَاهر الْخطاب غير مُرَاد وَيعلم بِالْعَادَةِ أَنه مُسْتَعْمل فِي وَجه من وُجُوه الْمجَاز فَيعلم أَنه مُرَاد الْمُتَكَلّم نَحْو قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ وَلَو قيل إِن ذَلِك حَقِيقَة عرفية لجَاز
فَأَما الْخطاب الَّذِي يحْتَاج إِلَى بَيَان وَقد يخْتل بَيَانه على السَّامع فضربان أَحدهمَا يحْتَاج إِلَى بَيَان لوضع اللُّغَة وَالْآخر لَا لوضع اللُّغَة وَالْأول ضَرْبَان
стр. 297
أَحدهمَا أَن يكون الْكَلَام مُفِيدا لشَيْء مَا لَا تفِيد صفته نَحْو قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ فَإِن اسْم الْحق يُفِيد شَيْئا مَا لَهُ صفة وَلَا يُفِيد تِلْكَ الصّفة بِعَينهَا فاحتجنا إِلَى بَيَانهَا وَالْآخر أَن يكون الْكَلَام مَوْضُوعا لشَيْء على صفة ولشيء آخر على صفة أُخْرَى وَلَيْسَ بموضوع لَهما مَعًا بل يُفِيد كل وَاحِد مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ وَهُوَ الِاسْم الْمُشْتَرك كاسم الْقُرْء وَذَلِكَ أَنه مَوْضُوع للطهر ويفيد فِيهِ صفة وَهُوَ كَونه طهرا وَهُوَ مَوْضُوع للْحيض ويفيد فِيهِ أَنه حيض فقد أَفَادَ كل وَاحِدَة من الصفتين غير أَنه يفيدها على الْبَدَل فاحتجنا فِيهِ إِلَى بَيَان وَلَو كَانَ مَوْضُوعا لَهما مَعًا وَوَجَب إِذا انْفَرد أَن يحمل عَلَيْهِمَا يجْرِي مجْرى الْعُمُوم وَلما احتجنا فِيهِ إِلَى بَيَان فَأَما الَّذِي يحْتَاج إِلَى بَيَان لَا لوضع اللُّغَة فَهُوَ مَا كَانَ غير مُجمل إِلَّا أَنه قد اسْتعْمل لَا لما وضع لَهُ وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون قد اسْتعْمل فِي بعض مَا وضع لَهُ وَالْآخر أَن يكون قد اسْتعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ أصلا أما الأول فكالعام الْمَخْصُوص وَالْمُطلق الْمَنْسُوخ وَالْعَام الْمَخْصُوص ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون قد علمنَا مَا خص مِنْهُ بِعَيْنِه وَالْآخر أَن لَا نعلم ذَلِك بِعَيْنِه فَمَا علمناه بِعَيْنِه فَإنَّا قبل الْعلم بِهِ نحتاج إِلَى بَيَان مَا لم يرد منا دون مَا أُرِيد وَإِذا علمنَا مَا لم يرد منا بِعَيْنِه استغنينا عَن الْبَيَان فَأَما مَا لم نعلم مَا خص بِعَيْنِه فانا قبل بَيَان تَخْصِيصه نحتاج إِلَى بَيَان مَا لم يرد منا فاذا خص هَذَا النَّوْع من التَّخْصِيص احتجنا إِلَى بَيَان مَا أُرِيد منا وَمَا لم يرد أَيْضا وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون باجمال الْمُخَصّص وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون الْمُخَصّص مُتَّصِلا بِالْخِطَابِ وَالتَّقْيِيد بِالصّفةِ المجهولة فالتقييد بِالصّفةِ المجهولة كَقَوْل الله سُبْحَانَهُ ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم أَن تَبْتَغُوا بأموالكم﴾ لَو اقْتصر على ذَلِك لم يحْتَج فِيهِ إِلَى بَيَان فَلَمَّا قَيده بقوله ﴿محصنين﴾ وَلم يدر مَا الْإِحْصَان لم ندر مَا أُبِيح
стр. 298
لنا فَأَما الِاسْتِثْنَاء الْمَجْهُول فَقَوْل الله سُبْحَانَهُ ﴿أحلّت لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم﴾ لما كَانَ الِاسْتِثْنَاء مَجْهُولا كَانَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ كَذَلِك فاحتجنا فِيهِ إِلَى بَيَان وَأما مَا كَانَ تَخْصِيصه مُنْفَصِلا فنحو أَن يَقُول النَّبِي ﷺ إِن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ مَخْصُوص لَيْسَ المُرَاد بِهِ بعض الْمُشْركين وَلَا نعلم مَا المُرَاد بِهِ لِأَنَّهُ لَا مُشْرك إِلَّا وَقد تنَاوله قَوْله اقْتُلُوا الْمُشْركين وتناوله قَول النَّبِي ﷺ لَيْسَ المُرَاد بِالْآيَةِ بعض الْمُشْركين فَلَيْسَ بِأَن يدْخل تَحت أَحدهمَا بِأولى من أَن يدْخل تَحت الآخر فافتقرنا فِيهِ إِلَى بَيَان
وَأما الْخطاب الْمُسْتَعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ أصلا فضربان أَحدهمَا أَن يكون الشَّرْع قد ورد بِاسْتِعْمَالِهِ فِي ذَلِك الشَّيْء وَالْآخر لم يرد الشَّرْع بذلك أما الأول فالأسماء الشَّرْعِيَّة كَقَوْلِنَا صَلَاة فَمَتَى أمرنَا بِالصَّلَاةِ وَنحن لَا نعلم بِالشَّرْعِ انْتِقَال هَذَا الِاسْم إِلَى هَذِه الْأَفْعَال احتجنا فِيهِ إِلَى بَيَان وَأما الثَّانِي فالأسماء المستعملة فِي مجازها وبيانها غير ظَاهر نَحْو كثير من الْآيَات الَّتِي ظَاهرهَا التَّشْبِيه والجبر وَصِيغَة الْأَمر المستعملة فِي التهديد إِلَى غير ذَلِك
وَقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الْعمد وَالشَّرْح قسْمَة غير هَذِه الْقِسْمَة وَقد ذَكرنَاهَا فِي شرحنا لكتاب الْعمد
وَقد دخل فِي هَذِه الْجُمْلَة أَنه لَا يجوز أَن يُرَاد بِالِاسْمِ الْمُشْتَرك كلا معنييه وَأَنه مُجمل يحْتَاج إِلَى بَيَان فَيجب ذكر ذَلِك إِذْ كَانَ من يَقُول إِنَّه يجوز أَن ينْفَرد فيراد بِهِ كلا الْمَعْنيين قد أخرجه عَن الْمُجْمل وَدخل فِيهَا أَن فحوى القَوْل قِيَاس وَالْكَلَام فِي ذَلِك يَأْتِي فِي بَاب الْقيَاس إِن شَاءَ الله
стр. 299
- ﷺ َ - بَاب فِيمَا أخرج من الْمُجْمل وَهُوَ مِنْهُ كإرادة الْمَعْنيين الْمُخْتَلِفين بِالِاسْمِ الْمُشْتَرك ﷺ َ -
اعْلَم أَن الِاسْم الْوَاحِد إِذا كَانَ اسْما لِأَشْيَاء فإمَّا أَن يُفِيد فِيهَا فَائِدَة وَاحِدَة أَو أَكثر من فَائِدَة وَاحِدَة فَالْأول لَا خلاف فِي جَوَازهَا كلهَا فِي حَالَة وَاحِدَة بِالِاسْمِ وَاخْتلف النَّاس فِي الثَّانِي فَقَالَ الشُّيُوخ أَبُو هَاشم وابو الْحسن وَأَبُو عبد الله ﵏ بِالْمَنْعِ من ذَلِك سَوَاء أفادت الْعبارَة تِلْكَ الْأَشْيَاء كلهَا على الْحَقِيقَة أَو أفادت بَعْضهَا على الْحَقِيقَة وَبَعضهَا على الْمجَاز كَالنِّكَاحِ الْمُفِيد للوطىء حَقِيقَة وللعقد مجَازًا وكناية وَشرط الشَّيْخ أَبُو عبد الله فِي الْمَنْع من ذَلِك شُرُوطًا أَرْبَعَة أَحدهَا أَن يكون الْمُتَكَلّم وَاحِدًا وَالْآخر أَن تكون الْعبارَة وَاحِدَة وَالْآخر أَن يكون الْوَقْت وَاحِدًا وَالْآخر أَن يكون أَرَادَ الْمَعْنيين الْمُخْتَلِفين لَا تنظمهما فَائِدَة وَاحِدَة فَمَتَى انخرم شَرط من هَذِه الشُّرُوط جَازَ أَن يُرَاد وَلأَجل اشْتِرَاط كَون الْمُتَكَلّم وَاحِدًا نَحْو أَن يتَكَلَّم الْإِنْسَان بالقرء وَيُرِيد بِهِ الْحيض وَيتَكَلَّم بِهِ آخر وَيُرِيد بِهِ الطُّهْر وَلأَجل اشْتِرَاط الفائدتين جَازَ أَن يُرِيد الله بقوله ﴿فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ المَاء القراح والنبيذ لِأَنَّهُ يحمعهما فَائِدَة وَاحِدَة عِنْده وَهِي المائية وَلِهَذَا الْوَجْه لم يسم مَاء وَلأَجل اشْتِرَاط الْوَقْت جوز أَن يتَكَلَّم الله سُبْحَانَهُ بالقرء فيريد بِهِ الطُّهْر وَيتَكَلَّم بِهِ فِي وَقت آخر فيريد بِهِ الْحيض وَلأَجل اشْتِرَاط كَون مَا يُريدهُ بالمعنيين الْمُخْتَلِفين عبارَة وَاحِدَة جوز أَن يُرِيد النَّبِي ﷺ الْفَخْذ وَبَعض الرّكْبَة عِنْد قَوْله الْفَخْذ عَورَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْفَخْذ بِهَذِهِ الْكَلِمَة وَأَرَادَ بعض الرّكْبَة لما تعذر عِنْد الْعقل من أَن ستر الْفَخْذ لَا يُمكن إِلَّا بستر بعض الرّكْبَة وَأَن الشَّيْء يجب إِذا لم يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَقَالَ إِن النَّبِي ﷺ لم يكره تَحْرِيم الْأَشْيَاء المقيسة على السِّتَّة بنصه على السِّتَّة بل أَرَادَ السِّتَّة بِالنَّصِّ وَأَرَادَ مَا يُقَاس عَلَيْهَا
стр. 300
بِدَلِيل الْقيَاس وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ وقاضي الْقُضَاة إِن اللَّفْظَة الْوَاحِدَة إِذا كَانَت مَوْضُوعَة لكل وَاحِد من شَيْئَيْنِ حَقِيقَة أَو لأَحَدهمَا حَقِيقَة وَللْآخر مجَازًا وَلم تفد فيهمَا فَائِدَة وَاحِدَة فانه يجوز أَن يُرِيدهُمَا الْمُتَكَلّم بهَا فِي حَالَة وَاحِدَة إِلَّا أَن يتنافى ذَلِك نَحْو اسْتِعْمَال لَفْظَة افْعَل فِي الْأَمر بالشَّيْء والتهديد عَنهُ وَذَلِكَ أَن اسْتِعْمَالهَا فِي التهديد لَا يكون إِلَّا بِكَرَاهَة ذَلِك الْفِعْل واستعمالها فِي الْأَمر بِهِ لَا يكون إِلَّا بارادته وَإِرَادَة الشَّيْء وكراهته تتضادان وَكَذَلِكَ لَا يجوز اسْتِعْمَال اللَّفْظَة الْوَاحِدَة فِي الِاقْتِصَار على الشَّيْء ومجازته إِلَى غَيره نَحْو اسْتِعْمَال قَوْله ﴿وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾ من الِاقْتِصَار على الْمرَافِق ومجاوزتها لِأَن ذَلِك إِمَّا أَن يُفِيد إِرَادَة مجاوزتها أَو يُفِيد إِرَادَة مجاوزتها وكراهته وَنَحْو الْخَبَر عَن وجوب الشَّيْء وَكَونه ندبا لِأَن الْخَبَر عَن وُجُوبه يُفِيد كَرَاهَة تَركه وَالْخَبَر عَن كَونه ندبا يُفِيد ترك هَذِه الْكَرَاهَة من البارىء وَكَذَلِكَ الْخَبَر عَن إِبَاحَته وَعَن كَونه ندبا يدل أَحدهمَا على إِرَادَة الله سُبْحَانَهُ وَيدل الآخر على نفي هَذِه الْإِرَادَة
وَعِنْدنَا أَن الِاسْم الْمُشْتَرك بَين شَيْئَيْنِ حقيقتين أَو مجازين أَو أَحدهمَا حَقِيقَة وَالْآخر مجَازًا يجوز فِي الْإِمْكَان أَن يُرَاد بِهِ وَلَا يجوز فِي اللُّغَة وَالدَّلِيل على إِمْكَان ذَلِك أَنه لَيْسَ بَين إِرَادَة اعْتِدَاد الْمَرْأَة بِالْحيضِ وَبَين إِرَادَة اعتدادها بِالطُّهْرِ مَا يمنه من اجْتِمَاعهمَا لَو لم يكن المريد بذلك متكلما باسم الْقُرْء فَيجب أَن لَا يكون فيهمَا مَا يمْنَع من اجْتِمَاعهمَا إِذا تكلم الْمُتَكَلّم بِهَذَا الِاسْم لِأَن الْكَلَام لَا يَجْعَل مَا لَيْسَ بممتنع مُمْتَنعا إِذا كَانَ لَا يكْسب الإرادات وَغَيرهَا تنافيا وَلَا مَا يجْرِي مجْرَاه وَكَذَلِكَ القَوْل فِي اسْتِعْمَال لفظ النِّكَاح فِي الْوَطْء وَالْعقد
وَاحْتج الشَّيْخ أَبُو عبد الله بِأَن الْإِنْسَان يجد من نَفسه تعذر اسْتِعْمَال اللَّفْظَة فِي مجازها وحقيقتها مَعًا قَالَ وَجرى ذَلِك مجْرى تَعْظِيم زيد وَالِاسْتِخْفَاف بِهِ فِي حَالَة وَاحِدَة وَالْجَوَاب أَن مَا ذكره من تعذر ذَلِك دَعْوَى بل الْمَعْلُوم من
стр. 301
أَنْفُسنَا صِحَة ذَلِك وإجراؤه ذَلِك مجْرى تَعْظِيم زيد وَالِاسْتِخْفَاف بِهِ دَعْوَى أَيْضا على أَن تَعْظِيم زيد وَالِاسْتِخْفَاف بِهِ مفارقان لما نَحن بسبيله لِأَنَّهُ يُجِيز أَن يُرِيد الْمُتَكَلّم الْحَقِيقَة وَالْمجَاز بخطابين فِي وَقت وَاحِد وَلَا يُجِيز أَن يعظم عمرا ويستخف بِهِ بفعلين فِي وَقت وَاحِد وعَلى أَن الْفرق بَين الْمَوْضِعَيْنِ أَن الاستخفاف ينبىء عَن إيضَاع حَال الْغَيْر والتعظيم ينبىء عَن ارْتِفَاع حَاله ومحال أَن يكون الْإِنْسَان فِي حَالَة وَاحِدَة مُرْتَفع الْحَال متضع الْحَال فَيمْتَنع أَن يحصل الدَّاعِي إِلَيْهِمَا فِي حَالَة وَاحِدَة مَعَ الْعلم بتنافيهما وَلَيْسَ كَذَلِك إِرَادَة الِاعْتِدَاد بالأطهار وَإِرَادَة الِاعْتِدَاد بِالْحيضِ
وَاحْتج أَيْضا بِأَن الْمُتَكَلّم لَو اسْتعْمل الْكَلِمَة الْوَاحِدَة فِي حَقِيقَتهَا ومجازها لَكَانَ قد أَرَادَ اسْتِعْمَالهَا فِيمَا وضعت لَهُ وَأَرَادَ الْعُدُول بهَا عَمَّا وضعت لَهُ وَذَلِكَ يتنافى كَمَا يَسْتَحِيل إِرَادَة الِاقْتِصَار على الشَّيْء والمجاوزة عَنهُ إِلَى غَيره وَالْجَوَاب أَن الْمُتَكَلّم إِذا اسْتعْمل اسْم النِّكَاح فِي العقد وَفِي الوطىء فانه يكون قد أَرَادَ بِهِ الوطىء وَأَرَادَ بِهِ العقد فان عَنى بقوله إِنَّه قد أَرَادَ الْمُتَكَلّم الْعُدُول بِالْكَلِمَةِ عَمَّا وضعت لَهُ أَنه أَرَادَ اسْتِعْمَالهَا فِي غير مَا وضعت لَهُ كَمَا أَرَادَ اسْتِعْمَالهَا فِيمَا وضعت لَهُ فَذَلِك صَحِيح وَإِن أَرَادَ بذلك أَنه قد أَرَادَ أَن لَا يستعملها فِيمَا وضعت لَهُ وَهُوَ الْمَفْهُوم من كَلَامه فَذَلِك لَا نقُول بِهِ فان قَالَ يلزمكم أَن تَقولُوا بِهِ قيل وَمن ايْنَ يلْزمنَا إِذا قُلْنَا قد اراد معنى الْحَقِيقَة وَأَرَادَ معنى الْمجَاز أَن يكون قد أَرَادَ أَن يستعملها فِي الْحَقِيقَة وَهل هَذَا إِلَّا أَنَّك ألزمتنا على قَوْلنَا قد أَرَادَ شَيْئَيْنِ أَنه لم يرد أَحدهمَا
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْمُسْتَعْمل للكلمة فِيمَا هِيَ مجَاز فِيهِ لَا بُد أَن يضمر فِيهَا كَاف التَّشْبِيه والمستعمل لَهَا فِيمَا هِيَ حَقِيقَة فِيهِ فَلَا يضمر كَاف التَّشْبِيه فِيهَا ومحال أَن يضمر الشَّيْء وَلَا يضمره وَالْجَوَاب أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ رَأَيْت السبَاع وَأَرَادَ بِهِ أَنه رأى أسدا ورجالا شجعانا فانه لَا يمْتَنع أَن يضمر كَاف التَّشْبِيه فِي بَعضهم دون بعض لِأَن معنى إِضْمَار كَاف التَّشْبِيه هُوَ أَن يقْصد بإسم
стр. 302
الْأسد إِلَى مَا هُوَ كالأسد فَأَما الْكَلَام فِي أَنه لَا يجوز من جِهَة اللُّغَة أَن يُرِيد بِالِاسْمِ الْوَاحِد الْمَعْنيين الْمُخْتَلِفين فَهُوَ أَن الِاسْم إِمَّا أَن يكون مُفردا أَو مجموعا فان كَانَ مُفردا فالدلالة على أَن اللُّغَة يحظر أَن يُرَاد بِهِ كلا معنييه أَن أهل اللُّغَة وضعُوا قَوْلهم حمَار للبهيمة الْمَخْصُوصَة وَحدهَا ويجوزنه فِي البليد وَحده وَلم يستعملوه فِيهَا مَعًا أَلا ترى أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ رَأَيْت حمارا لم يفهم مِنْهُ أَنه رأى الْبَهِيمَة والبليد مَعًا وَلَو قَالَ رايت حِمَارَيْنِ لم يعقل مِنْهُ أَنه رأى أَرْبَعَة أشخاص بهيمتين وبليدين وَكَذَلِكَ قَوْلنَا قرء وضعوه للْحيض وَحده وللطهر وَحده وَلم يضعوه لَهما لأَنهم لَو وضعوه لَهما مَعًا لَكَانَ الْمُسْتَعْمل لَهُ فِي أَحدهمَا متجوزا لِأَنَّهُ لم يَسْتَعْمِلهُ على مَا وضع لَهُ على التَّحْقِيق وَكَانَ يجب أَن نفهم من قَول الْقَائِل قرءان أَرْبَعَة طهرين وحيضين وَمن ثَلَاثَة أَقراء سِتَّة وَالْأَمر بِخِلَاف ذَلِك فصح أَن الْمُتَكَلّم إِذا قَالَ للْمَرْأَة اعْتدي بقرء لَا يكون مرِيدا مِنْهَا أَن تَعْتَد بِالطُّهْرِ وَالْحيض مَعًا وَإنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَحدهمَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون أَرَادَ مِنْهَا أَن تَعْتَد إِمَّا بِالطُّهْرِ أَو بِالْحيضِ بِحَسب اخْتِيَارهَا وَإِمَّا أَن يكون أَرَادَ الْحيض فَقَط أَو أَرَادَ الطُّهْر فَقَط وَيجْرِي مجْرى أَن يَقُول لَهَا قد أردْت مِنْك الِاعْتِدَاد بِالطُّهْرِ وَأَرَدْت مِنْك الِاعْتِدَاد بِالْحيضِ وَالْأول بَاطِل ثمَّ لِأَن لَفظه الْقُرْء لم تُوضَع للطهر وَالْحيض وَإِنَّمَا وضعت للطهر وَحده وللحيض وَحده وَيُفَارق ذَلِك قَول الْقَائِل لغيره اضْرِب رجلا لِأَنَّهُ إِذا قَالَ ذَلِك كَانَ مرِيدا مِنْهُ أَن يضْرب أَي رجل شَاءَ إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا لِأَن قَوْلنَا رجل لم يوضع لهَذَا الشَّخْص وَحده وَلِهَذَا وَحده وَإِنَّمَا وضع لما اخْتصَّ بِمَعْنى الرجولية وَهُوَ معنى وَاحِد شَائِع فِي كل شخص من أشخاص الرِّجَال فَكَأَنَّهُ قَالَ اضْرِب شخصا مِمَّن اخْتصَّ بِمَعْنى الرجولية وَلَو قَالَ ذَلِك لدل على أَنه قد أَرَادَ مِنْهُ ضرب الرِّجَال على الْبَدَل وَلَيْسَ كَذَلِك اسْم الْقُرْء لِأَنَّهُ لَيْسَ يُفِيد فِي الطُّهْر وَالْحيض فَائِدَة وَاحِدَة فَيكون دَالا على أَن الْمُتَكَلّم بِهِ قد أَرَادَ مَا اخْتصَّ بِتِلْكَ الْفَائِدَة من الطُّهْر وَالْحيض فان قيل أَيجوزُ أَن يَقُول الرجل لغيره اضْرِب
стр. 303
رجلا وَهُوَ يُرِيد ضرب رجل معِين قيل لَا يجوز ذَلِك إِلَّا أَن يدل عَلَيْهِ دَلِيل وَيكون قد عدل بِاللَّفْظِ إِلَى غير مَوْضُوعه فِي الأَصْل لِأَن قَوْلنَا رجل لم يوضع لرجل مَخْصُوص دون غَيره فَإِن قيل أَلَيْسَ يجوز أَن يَقُول الرجل لغيره رَأَيْت رجلا وَإِن كَانَ قد اراد رجلا بِعَيْنِه فَكيف قُلْتُمْ إِن هَذَا الإسم لَا يُفِيد شخصا معينا قيل هَذَا دليلنا على أَنه لَا يُفِيد شخصا معينا أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ ذَلِك لم يفهم مِنْهُ الرجل الَّذِي رَآهُ بِعَيْنِه وَإِنَّمَا سَاغَ أَن يَقُول رَأَيْت رجلا وَإِن كَانَ قد رأى رجلا بِعَيْنِه لِأَن اسْم الرجل يُفِيد مَا يخْتَص بِالْمَعْنَى الَّذِي يتَمَيَّز بِهِ الرجل مِمَّا لَيْسَ بِرَجُل وَمن رأى رجلا بِعَيْنِه فقد رأى مَا اخْتصَّ بِمَعْنى الرجولية وَزِيَادَة فصح أَن يخبر عَن ذَلِك الْمَعْنى بقوله رايت رجلا وَلَا يخبر عَن الزِّيَادَة الَّتِي اخْتصَّ بهَا ذَلِك الرجل بِعَيْنِه فَأَما إِذا قَالَ الْمُتَكَلّم للْمَرْأَة لَا تعتدي بقرء فانه يُفِيد أَنه أَرَادَ أَن لَا تَعْتَد بِوَاحِد معِين إِمَّا أَن يكون أَرَادَ الطُّهْر وَإِمَّا أَن يكون أَرَادَ الْحيض لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ مجموعهما كَانَ قد أَرَادَ مَا لم يوضع لَهُ اللَّفْظ وَإِن أَرَادَ أَن لَا تَعْتَد بِمَا يَقع عَلَيْهِ اسْم قرء بِمَا فِيهِ معنى من مَعَاني الْقُرْء فان ذَلِك لَيْسَ فِي ظَاهر الْكَلَام لِأَنَّهُ إِنَّمَا علق الحكم بالقرء لَا بِمَا سمي قرء وَلَا بِمَا فِيهِ معنى من مَعَاني الْقُرْء
فَأَما الِاسْم الْمُشْتَرك الْمَجْمُوع نَحْو قَوْلنَا أَقراء فاما أَن يكون قد علق عَلَيْهِ إِثْبَات أَو نفي فالإثبات نَحْو قَول الْقَائِل للْمَرْأَة اعْتدي بِالْأَقْرَاءِ وَذَلِكَ يُفِيد أَنه قد اراد مِنْهَا إِمَّا ثَلَاث حيض أَو ثَلَاثَة أطهار أَو أَرَادَ مِنْهَا أَن تَعْتَد بِثَلَاثَة بَعْضهَا أطهار وَبَعضهَا حيض وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن جمع الِاسْم يُفِيد جمع مُقْتَضَاهُ وَإِذا كَانَ قَوْلنَا قرء مَوْضُوعا للْحيض وَحده وللطهر وَحده وَيدل على أَن الْمُتَكَلّم بِهِ إِمَّا أَن يكون قد اراد الْحيض أَو أَرَادَ الطُّهْر فَيجب أَن يكون قَوْلنَا أَقراء يُفِيد أَنه قد أَرَادَ إِمَّا جمعا من الْحيض أَو جمعا من الطُّهْر أَو جمعا مِنْهُمَا وَيجْرِي مجْرى أَن يَقُول اعْتدى بقرء وبقرء وبقرء فِي أَنه يجوز أَن يكون أَرَادَ بِالْكُلِّ الْحيض أَو أَرَادَ بِالْكُلِّ الطُّهْر أَو أَرَادَ بِبَعْضِهَا الطُّهْر وببعضها الْحيض
стр. 304
وَيُفَارق ذَلِك قَول الْقَائِل لغيره اضْرِب رجَالًا فِي أَنه يُفِيد ضرب أَي ثَلَاثَة من الرِّجَال شَاءَ من الْعَرَب أَو من الْعَجم أَو مِنْهُمَا وَلَا يكون مرِيدا لثَلَاثَة من الْعَجم فَقَط أَو ثَلَاثَة من الْعَرَب فَقَط لِأَن قَوْلنَا رجال يُفِيد جمع فَائِدَة قَوْلنَا رجل وَقد قُلْنَا إِن قَوْلنَا اضْرِب رجلا يُفِيد أَن الْمُتَكَلّم بِهِ أَرَادَ ضرب مَا اخْتصَّ بِمَعْنى الرجولية أَي رجل كَانَ فَيجب أَن يكون جمعه يُفِيد جمعا من الْأَشْخَاص يخْتَص كل وَاحِد مِنْهَا بِمَعْنى الرجولية أَي جمع من ذَلِك كَانَ وَلَيْسَ كَذَلِك الاقراء لما بَيناهُ من قبل فان قيل أَلَيْسَ لَو قَالَ الرجل للْمَرْأَة اعْتدي بِمَا يُسمى أَقراء جَازَ أَن تَعْتَد بِالْحيضِ وَجَاز أَن تَعْتَد بِالطُّهْرِ قيل أجل وَيُفَارق مَسْأَلَتنَا لِأَنَّهُ قد علق الِاعْتِدَاد بِمَا يُسمى أَقراء وَالطُّهْر وَالْحيض متفقان فِي فَائِدَة وَصفنَا لَهما بِأَنَّهُمَا يسميان أَقراء وَغير مُخْتَلفين فِي ذَلِك فَجرى مجْرى قَوْله اضْرِب رجلا فِي أَنه أَمر بِضَرْب مَا اخْتصَّ بِمَعْنى الرجولية وَلَيْسَ كَذَلِك قَوْلنَا اعْتدى بِالْأَقْرَاءِ لِأَن معنى الْأَقْرَاء فِي الطُّهْر وَالْحيض مُخْتَلف وَكَذَلِكَ لَو أمكنت الْإِشَارَة إِلَى الطُّهْر وَالْحيض فَقَالَ للْمَرْأَة اعْتدي من هَذَا بِثَلَاثَة لِأَن قَوْله من هَذَا وَاقع عَلَيْهِمَا لَا على سَبِيل الِاشْتِرَاك أَلا ترى أَنه لَا يُفِيد فيهمَا فائدتين مختلفتين وَلَيْسَ كَذَلِك اسْم الْقُرْء
فَأَما إِذا علق على الِاسْم الْمُشْتَرك الْمَجْمُوع حكما منفيا نَحْو أَن يَقُول الْقَائِل للْمَرْأَة لَا تعتدي بِالْأَقْرَاءِ فانه يُفِيد أَنه كره أَن تَعْتَد بِجمع من الْأَقْرَاء إِمَّا حيض كُله وَإِمَّا طهر كُله أَو بعضه طهر وَبَعضه حيض لِأَن ذَلِك يجْرِي مجْرى أَن يَقُول لَهَا لَا تعتدي بقرء وَلَا بقرء وَلَا بقرء فَكَمَا أَنه يجوز أَن يَعْنِي بهَا أجمع الْحيض وَيجوز أَن يعْنى بهَا أجمع الطُّهْر وَيجوز أَن يعْنى بِبَعْضِه الْحيض وببعضه الطُّهْر على مَا بَيناهُ فَكَذَلِك جمعه فِي هَذَا الْقسم بعض الِاشْتِبَاه وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لَهَا لَا تعتدي بقرء لِأَنَّهُ يجوز أَن يُقَال إِن ذَلِك يُفِيد نفي الِاعْتِدَاد بِالْحيضِ وَالطُّهْر مَعًا وَالْأول أشبه
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
стр. 305
مِنْهَا أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ إِن قَول الْقَائِل لغيره الويل لَك خبر وَدُعَاء فَجعله مُفِيدا لِكِلَا الْأَمريْنِ وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ فِي وضع اللُّغَة ذَلِك فِي كلا الْأَمريْنِ مَا يدل على أَن اسْم الْقُرْء مَوْضُوع للطهر وَالْحيض مَعًا وَأَيْضًا فَلَيْسَ ذَلِك دلَالَة على أَنه مُسْتَعْمل فِي كلا الْأَمريْنِ مَعًا بل لَا يمْتَنع أَن يكون هَذَا الْكَلَام مَوْضُوعا للْخَبَر مُسْتَعْملا على سَبِيل الْمجَاز فِي الدُّعَاء وَلم يقل سِيبَوَيْهٍ أَن يجوز أَن يسْتَعْمل فيهمَا
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن عمر ﵁ قَالَ إِن قبْلَة الرجل امْرَأَته تنقض الطُّهْر وَقَالَ إِن الْجنب يلْزمه التَّيَمُّم وَهَذَا يدل على أَنه عقل من قَول الله ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ الوطىء والمباشرة بِالْيَدِ وَالْجَوَاب أَن هَذَا لَا يمْتَنع أَن يكون علم وجوب التَّيَمُّم على الْجنب من السّنة لَا من الْآيَة
وَمِنْهَا أَن قَول الله ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ قد أُرِيد بِهِ الْحيض وَالطُّهْر لِأَن للْمَرْأَة تَقْلِيد من يرى الِاعْتِدَاد بالأطهار وتقليد من يرى الِاعْتِدَاد بِالْحيضِ وَأي ذَلِك فعلت فقد أَرَادَهُ الله مِنْهَا فَإِذن قد أرادهما الله سُبْحَانَهُ على الْبَدَل بِشَرْط أَن تخْتَار أَي الْمُجْتَهدين شَاءَت وَكَذَلِكَ قد أَرَادَ مِنْهَا الِاعْتِدَاد بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا إِذا كَانَت من أهل الِاجْتِهَاد بِشَرْط أَن يُؤَدِّيهَا اجتهادها إِلَى هَذَا وَإِلَى هَذَا وَالْجَوَاب أَن الشَّيْخ أَبَا هَاشم ﵀ يَقُول إِن الله تكلم بِالْآيَةِ مرَّتَيْنِ فَأَرَادَ مرّة الطُّهْر مِمَّن يُؤَدِّيه اجْتِهَاده إِلَى ذَلِك أَو تَقْلِيد من يرى ذَلِك واراد فِي الْأُخْرَى الِاعْتِدَاد بِالْحيضِ مِمَّن يُؤَدِّيه اجْتِهَاده إِلَى ذَلِك أَو يخْتَار تَقْلِيد من يرى ذَلِك وَكره فِي كل وَاحِد من الدفعتين ترك الِاعْتِدَاد بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا وَلَيْسَ يجب إِذا تكلم بهَا مرَّتَيْنِ أَن تثبت فِي الْمُصحف مرَّتَيْنِ على أَنه لَا يمْتَنع أَن يُرِيد كلا الْمَعْنيين فِي وَقت وَاحِد بعبارتين مثلين يفعلهما فِي مكانين على أَنه لَا يمْتَنع أَن
стр. 306
يكون الله قد أَرَادَ بِهِ كلا الِاثْنَيْنِ فِي دفْعَة وَاحِدَة وَيكون قيام الدّلَالَة على ذَلِك دلَالَة على الشَّرِيعَة قد جَاءَت بِنَقْل هَذَا الِاسْم إِلَى مَجْمُوع الْأَمريْنِ كَمَا ينْقل الشَّرْع الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة إِلَى معَان غير مَعَانِيهَا فِي اللُّغَة فاذا صَحَّ أَن الِاسْم الْمُشْتَرك لم يوضع لِكِلَا معنييه لم يجب أَن يُرِيدهُمَا الْمُتَكَلّم بذلك الِاسْم وَاحْتَاجَ إِلَى بَيَان إِذْ كَانَ لَا يدل على المُرَاد وَلَا يجوز أَن يُقَال تجرده عَن دلَالَة يدل على أَنه قد أُرِيد بِهِ كلا الْمَعْنيين على الْبَدَل أَو على الْجمع لِأَن اللَّفْظ إِذا لم يكن مَوْضُوعا للْجمع وَلَا للتَّخْيِير لم يجز تجرده عَن قرينَة وَإِنَّمَا يتجرد عَن قرينَة إِذا كَانَ مَوْضُوعا لأمر يَكْفِي ظَاهره فِي الدّلَالَة عَلَيْهِ ﷺ َ - بَاب فِيمَا الْحق بالمجمل وَلَيْسَ مِنْهُ ﷺ َ -
من ذَلِك التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم المتعلقين بالأعيان كَقَوْل الله سُبْحَانَهُ ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ ذكر الشَّيْخ ابو الْحسن ﵀ وَأَبُو عبد الله ﵀ أَن ذَلِك مُجمل لَا يَصح التَّعَلُّق بِظَاهِرِهِ لِأَن التَّحْرِيم مُتَعَلق بِنَفس الْأُمَّهَات وَلَيْسَ ذَلِك فِي مقدورنا لَو كَانَ مَعْدُوما فَكيف وَهُوَ مَوْجُود فَلم يجز أَن تحرم علينا وَوَجَب أَن يكون المُرَاد بِهِ فعل من أفعالنا يتَعَلَّق بالأمهات وَإِذا لم يكن ذَلِك الْفِعْل مَذْكُورا فِي الْآيَة لم يُمكن أَن يسْتَدلّ بهَا على تَحْرِيم فعل دون فعل وَلِأَن الْآيَة لَو اقْتَضَت تَحْرِيم فعل معِين لَكَانَ المُرَاد بتعليق التَّحْرِيم بالأعيان تَحْرِيم ذَلِك الْفِعْل بِعَيْنِه وَلَا يخْتَلف ذَلِك الْفِعْل بِحَسب اخْتِلَاف الْأَعْيَان وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لِأَن المُرَاد بقوله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ تَحْرِيم الِاسْتِمْتَاع وَالْمرَاد بقوله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ تَحْرِيم الْأكل فأحد الْفِعْلَيْنِ مُخَالف للْآخر
وَقَالَ أَبُو عَليّ وابو هَاشم وقاضي الْقُضَاة ﵏ إِن ذَلِك لَيْسَ
стр. 307
بمجمل بل هُوَ ظَاهر من جِهَة الْعرف فِي تَحْرِيم الِاسْتِمْتَاع بالأمهات وَتَحْرِيم أكل الْميتَة لِأَن قَوْله ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ وَإِن كَانَ التَّحْرِيم فِيهِ مُتَعَلقا بِنَفس الْأُمَّهَات فانه يُفِيد بِالْعرْفِ تَحْرِيم الِاسْتِمْتَاع لأَنا عِنْد سَماع هَذِه اللَّفْظَة نفهم تَحْرِيم الِاسْتِمْتَاع وَعند سَماع قَول الْقَائِل حرمت عَلَيْك طَعَامي وَحرمت الْميتَة نفهم أكلهَا وَهَذِه أَمارَة كَون الِاسْم منتقلا بِالْعرْفِ أَلا ترى أَنا لما فهمنا الْخَيل عِنْد سَمَاعنَا اسْم الدَّوَابّ قُلْنَا إِنَّه يفيدها وَحدهَا من جِهَة الْعرف وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يكون الْعرف قد نقل التَّحْرِيم الْمُتَعَلّق بالأعيان فَجعله حَقِيقَة فِي تَحْرِيم أَفعَال مُخْتَلفَة بِحَسب اخْتِلَاف الْأَسْمَاء فيفهم بِالْعرْفِ من قَول الْقَائِل حرمت عَلَيْك فُلَانَة الِاسْتِمْتَاع بهَا وَيفهم من قَوْله حرمت عَلَيْك طَعَامي أكله
وَمن ذَلِك قَول الْعِرَاقِيّين إِن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ مُجمل لِأَنَّهُ يحْتَمل مسح جَمِيع الرَّأْس وَيحْتَمل مسح بعضه فاذا احْتمل مسح كل وَاحِد مِنْهُمَا بَدَلا من الآخر افْتقر إِلَى بَيَان فاذا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ مسح بناصيته كَانَ ذَلِك بَيَانا لِلْآيَةِ وَوَجَب مسح ذَلِك الْمِقْدَار من الرَّأْس وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن ظَاهر الْبَاء فِي اللُّغَة للإلصاق وَقَوله ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ يُفِيد من جِهَة اللُّغَة مسح جَمِيع الرَّأْس لِأَن الْبَاء المفيدة للإلصاق دخلت على الْمسْح وقرنته بِالرَّأْسِ وَالَّذِي يُسمى رَأْسا هُوَ الْجَمِيع لَا الْبَعْض لِأَنَّهُ لَا تُوصَف الناصية رَأْسا فَكَانَت الْآيَة إِيجَابا لمسح جَمِيع الرَّأْس من جِهَة اللُّغَة قَالَ وَالْعرْف قَالَ مسحت يَدي بالمنديل عقل مِنْهُ أَنه ألصق الْمسْح بالمنديل وَيجوز السَّامع أَنه مَسحه بِجَمِيعِهِ وَيجوز أَنه مَسحه بِبَعْضِه وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ الْإِنْسَان الغيره امسح يدك بالمنديل فانه يعقل مِنْهُ أَنه قد أوجب عَلَيْهِ إلصاق يَده بالمنديل إِن شَاءَ بِجَمِيعِهِ وَإِن شَاءَ
стр. 308
بِبَعْضِه وَأيهمَا فعل سقط عَنهُ الْأَمر وَإِذا أفادت هَذِه اللَّفْظَة فِي الْعرف مَا ذَكرْنَاهُ حملت الْآيَة عَلَيْهِ
وَمن ذَلِك حرف النَّفْي إِذا دخل على الْفِعْل مَتى لم يكن الْفِعْل على صفة من الصِّفَات وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا يُمكن انْتِفَاء الْفِعْل مَتى لم تحصل تِلْكَ الصّفة وَالْآخر لَا يُمكن انْتِفَاء ذَلِك الْفِعْل فمثال الأول قَول النَّبِي ﷺ لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب فحرف النَّفْي دخل على الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة لِأَن كَلَام النَّبِي ﷺ يحمل على مَعَانِيه الشَّرْعِيَّة فَظَاهره إِذا يَقْتَضِي نفي الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة مَعَ انْتِفَاء الْفَاتِحَة وَذَلِكَ مُمكن فَوَجَبَ حمل الْكَلَام عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَون قِرَاءَة الْفَاتِحَة شرطا وَيَقْتَضِي أَن يكون قَوْلنَا صَلَاة فَاسِدَة مجَازًا أَعنِي وَصفنَا لَهَا بِأَنَّهَا صَلَاة وَيكون المُرَاد أَنَّهَا على صُورَة الصَّلَاة وَكَذَلِكَ قَول النَّبِي ﷺ لَا صِيَام لمن لم يبيت الصّيام من اللَّيْل وَقَوله لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله يَجْعَل هَذِه الْأَلْفَاظ مجملة قَالَ لِأَن الْمَنْفِيّ مَوْجُود مَعَ انْتِفَاء الشَّرْط فَعلمنَا أَنه أَرَادَ نفي أَحْكَامه وَلَيْسَ بعض الْأَحْكَام بِأَن يكون هُوَ الْمَنْفِيّ أولى من حكم آخر إِذْ اللَّفْظ لَا يتَنَاوَل الْأَحْكَام على جِهَة الْعُمُوم وَلَا على جِهَة الْخُصُوص وَلِأَنَّهُ يتناقض حمل ذَلِك على نفي الْكَمَال وَنفي الْإِجْزَاء لِأَن فِي ضمن نفي الْكَمَال إِثْبَات الْإِجْزَاء وَالَّذِي ذكره إِنَّمَا يَصح لَو لم يَصح أَن يكون الْمَنْفِيّ هُوَ الَّذِي دخل عَلَيْهِ حرف النَّفْي وَقد بَينا ذَلِك وَأما مِثَال الْقسم الثَّانِي فَقَوْل النَّبِي ﷺ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ أعظم متأول هَذَا الْكَلَام أَن يجْرِي مجْرى قَوْله لَا عمل إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ يخرج الْعَمَل من كَونه عملا إِذا فقدت النِّيَّة فَعلمنَا أَن المُرَاد بِهِ أَحْكَام الْعَمَل من الْإِجْزَاء أَو الْكَمَال وَلَيْسَ بِأَن يحمل على أَحدهمَا أولى من الآخر وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول إِن قَوْله الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ يُفِيد فِي الْعرف نفي كَونه عملا مجزئا إِذا لم يكن نِيَّة لأَنا لَا نعقل ذَلِك من جِهَة الْعرف أَلا ترى أَنا قد حملنَا كثيرا من هَذَا النَّفْي على نفي الْفضل والكمال وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول الْمَعْقُول فِي الْعرف من قَول الْقَائِل لَا عمل إِلَّا بنية هُوَ لَا عمل مجزىء وَلَا كَامِل إِلَّا بنية لِأَنَّهُ إِذا لم يجزء لم
стр. 309
يكمل وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يكون قد عقل مِنْهُ نفي الْكَمَال تبعا لنفي الْإِجْزَاء فقد عَاد الْكَلَام إِلَى الأول وَكَذَلِكَ قَول النَّبِي ﷺ رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان لِأَن الْخَطَأ وَاقع مِنْهُم فاذا الْمَرْفُوع هُوَ أَحْكَام الْخَطَأ فَاحْتَاجَ إِلَى بَيَان ذَلِك الحكم وَقد علمنَا أَنه لم يرد الْإِثْم لِأَنَّهُ لَا مزية لأمته فِي ذَلِك على سَائِر الْأُمَم
وَمن ذَلِك قَول بَعضهم إِن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ مُجمل لِأَنَّهُ يحْتَمل الْيَد من الْمنْكب إِذْ جُمْلَتهَا تسمى يدا وَيحْتَمل قطعهَا من الْكُوع لِأَنَّهُ يُسمى هَذَا الْقدر يدا وَيحْتَمل قطعهَا من الْمرْفق لِأَن هَذَا يُسمى يدا وَيُمكن أَن يحتجوا لذَلِك ايضا بِأَنَّهُ قد يُقَال قطعت يَد فلَان وَيُرَاد بهَا إبانتها وَقد يُرَاد إِيصَال قطع بهَا وَإِن لم تنفصل من الْبدن كَمَا يُقَال بَرى فلَان الْقَلَم فَقطع يَده وَإِنَّمَا يعلم إبانة الْعُضْو إِذا قيد الْقطع بِالْجُمْلَةِ فَقيل قطعت يَد فلَان من جملَته كَمَا يُقَال قطعت الْغُصْن من الشَّجَرَة
وَالْجَوَاب عَن الأول أَن اسْم الْيَد يتَنَاوَل الْجُمْلَة إِلَى الْمنْكب فَيجب حمل الْيَد عَلَيْهِ لَوْلَا قيام الدّلَالَة على خِلَافه فَقبل قيام الدّلَالَة على ذَلِك تكون الْآيَة مجملة إِذْ قد أُرِيد بهَا غير ظَاهرهَا لِأَن اسْم الْيَد لَا يتَنَاوَل الْكَفّ وَحده حَقِيقَة لِأَنَّهُ لَا يُقَال قطعت يَد فلَان كلهَا وجميعها إِذا قطع الْكَفّ فَلَو كَانَ اسْم الْكَفّ يتَنَاوَل هَذَا الْمِقْدَار وَحده حَقِيقَة لصَحَّ أَن يُقَال ذَلِك لِأَن الْكَفّ كل وَجَمِيع وَلَو تنَاول الْكَفّ حَقِيقَة وَجَمِيع الْيَد حَقِيقَة لحمل على أقل مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم كَمَا أَن قَول الْقَائِل لغيره اضْرِب رجلا يُفِيد ضرب مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم رجل ولمفرق أَن يفرق بَينهمَا بِأَن معنى الرجولية قَائِم فِي كل شخص من الرِّجَال فالاسم قد تنَاول جَمِيعهم على الْبَدَل وَلَيْسَ كَذَلِك قَوْلنَا يَد لِأَنَّهُ لَو تنَاول الْكَفّ وَتَنَاول من أَطْرَاف الْأَصَابِع إِلَى المفرق لَكَانَ قد أَفَادَ فِي ذَلِك فَوَائِد مُخْتَلفَة ولكان اسْما مُشْتَركا
стр. 310
وَالْجَوَاب عَن الثَّانِي أَن الْقطع هُوَ الْإِبَانَة فاذا علق بِالْيَدِ أَفَادَ إبانة مَا يُسمى يدا والشق إذاحصل فِي الْجلد لم يكن الْمُسَمَّاة يدا قد أبينت فَلم يدْخل تَحت الظَّاهِر وَهَذَا يدلنا على أَن قَول الْقَائِل بريت الْقَلَم فَقطعت يَدي مجَاز وَيكون اقتران ذَلِك ببري الْقَلَم قرينَة تدل على الْمجَاز لِأَن الْعَادة مَا جريت بابانة عِنْد بري الْقَلَم ﷺ َ - بَاب فِيمَا تكون للاحكام الشَّرْعِيَّة ﷺ َ -
اعْلَم أَن بَيَانهَا يكون بِكُل مَا يَقع التَّبْيِين بِهِ وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا يكون دلَالَة بالمواضعة وَالْآخر لَا بالمواضعة أما الأول فَالْكَلَام وَالْعقد وَالْكِنَايَة وَالْبَيَان بالْكلَام فَأكْثر من أَن يُحْصى وَقد بَين النَّبِي ﷺ بِأَن كتب إِلَى عماله فِي الصَّدقَات وَبَين الله تَعَالَى لملائكته بِمَا كتبه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَأما الضَّرْب الآخر فضربان أَحدهمَا تتبعه الْمُوَاضَعَة وَالْآخر يتبع الْمُوَاضَعَة فَالْأول هُوَ الْإِشَارَة لِأَن الْمُوَاضَعَة على الْكَلَام إِنَّمَا تكون بِالْإِشَارَةِ وَقد بَين النَّبِي ﷺ بِالْإِشَارَةِ حِين قَالَ الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَأَشَارَ بيدَيْهِ وَالثَّانِي ضَرْبَان أَحدهمَا أَمارَة الْقيَاس وَالْآخر الْأَفْعَال وَأما أَمارَة الْقيَاس فَهِيَ كَيْفيَّة ثُبُوت الحكم من نَحْو ثُبُوته عِنْد صفة ونفيه عَن نَفيهَا وَهَذَا إِنَّمَا يثبت بِالْخِطَابِ وَأما الْأَفْعَال فانها تتَعَلَّق بِمَا هِيَ بَيَان لَهُ بالْقَوْل نَحْو أَن يَقُول النَّبِي ﷺ هَذَا الْفِعْل بَيَان لهَذِهِ الْآيَة وَيَقُول صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي
وَقَالَ بعض النَّاس إِن الْأَفْعَال لَا تكون بَيَانا وَلَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَن يُرِيد أَنه لَا يَصح وُقُوع الْبَيَان بهَا أَو أَنه لَا يحسن أَن يبين بهَا الْمُجْمل من جِهَة الْحِكْمَة وَالْأول ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يُقَال إِن الْفِعْل لَا يُؤثر فِي وُقُوع الشَّيْء أصلا وَالْآخر أَن يُقَال إِنَّه لَا يُؤثر فِي ذَلِك إِلَّا مَعَ غَيره نَحْو أَن يَقُول النَّبِي ﷺ هَذَا بَيَان لهَذَا الْكَلَام أما إِذا قيل لَا يحسن أَن يَقع الْبَيَان بالأفعال فبأن
стр. 311
يُقَال إِنَّه لَا يَقع عقيب الْكَلَام الْمُجْمل فان وَقع عَقِيبه فانه يطول وَفِي كلا الْحَالَتَيْنِ يتَأَخَّر الْبَيَان فان قَالُوا بِالْأولِ فقد أبطلوا لِأَن فعل النَّبِي ﷺ للصَّلَاة وللحج أدل على صفتهَا من وَصفه لَهَا لما فِي الْمُشَاهدَة للشَّيْء من المزية على الْخَبَر عَن الشَّيْء وَلِهَذَا بَين النَّبِي ﷺ الْحَج بِفِعْلِهِ وَقَالَ خُذُوا عني مَنَاسِككُم وَقَالَ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَبَين أَصْحَاب النَّبِي ﷺ الْوضُوء بفعلهم وَإِن أَرَادوا أَنه لَا يَقع بِهِ الْبَيَان إِلَّا مَعَ غَيره نَحْو أَن يَقُول النَّبِي ﷺ إِن هَذَا بَيَان لِلْآيَةِ أَو يضْطَر من قَصده إِلَى ذَلِك أَو يَتْلُو كلَاما مُجملا ثمَّ يفعل فعلا يجوز أَن يكون بَيَانا لَهُ وَلَا تَجِد بَيَانا غَيره فَذَلِك مِمَّا لَا خلاف فِيهِ إِلَّا أَن الْبَيَان هُوَ الْفِعْل لِأَنَّهُ المتضمن لصفة الْفِعْل دون القَوْل الْمُعَلق للْفِعْل بالمبين وَإِن أَرَادوا الْوَجْه الثَّالِث من أَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى تَأْخِير الْبَيَان فَبَاطِل لِأَنَّهُ يُمكن أَن يتعقب الْفِعْل القَوْل كَمَا يتعقبه القَوْل وَالْفِعْل وَإِن طَال فَالْقَوْل قد يكون طَويلا أَيْضا فصح وُقُوع الْبَيَان بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا وَأما الْمُخَالف فَأَنَّهُ يحْتَج بِهَذِهِ الْأَقْسَام الَّتِي ذَكرنَاهَا ﷺ َ - بَاب فِي تَقْدِيم القَوْل على الْفِعْل فِي الْبَيَان ﷺ َ -
اعْلَم أَن هَذَا الْبَاب يتَضَمَّن مَسْأَلَتَيْنِ إِحْدَاهمَا أَن يُقَال إِذا كَانَ القَوْل بَيَانا وَالْفِعْل بَيَانا فَأَيّهمَا أكشف وَالْجَوَاب أَن الْفِعْل أكشف لِأَنَّهُ ينبىء عَن صفة الْمُبين مُشَاهدَة وَالْقَوْل إِخْبَار عَن صفته وَلَيْسَ الْخَبَر كالعيان وَالْأُخْرَى أَن يرد بعد الْآيَة المجملة فعل وَقَول يحْتَمل أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا بَيَانا لَهَا فَيُقَال أَيهمَا قصد بِهِ الْبَيَان وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَن يتنافى حكم البيانين أَو لَا يتنافى فان لم يتنافى فضربان أَحدهمَا علم تقدم أَحدهمَا على الآخر فَيكون الْمُتَقَدّم هُوَ الَّذِي قصد بِهِ الْبَيَان الْمُبْتَدَأ لِأَن الْبَيَان لَا يتَأَخَّر وَيكون الْمُتَأَخر تَأْكِيدًا للْبَيَان وَالْآخر لَا يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر
стр. 312
فَيجوز فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يكون هُوَ الْمُتَقَدّم وَهُوَ الَّذِي قصد بِهِ الْبَيَان ابْتِدَاء وَإِن يتنافى حكمهمَا فمثاله آيَة الْحَج وَقَوله ﷺ من قرن حجا إِلَى عمرته فليطف لَهما طَوافا وَاحِدًا وسعيا وَاحِدًا وَرُوِيَ أَنه ﷺ قرن فَطَافَ طوافين وسعى سعيين فَإِن كَانَ قَوْله هُوَ الْبَيَان فالطواف الثَّانِي غير وَاجِب وَإِن كَانَ فعله هُوَ الْبَيَان فالطواف الثَّانِي وَاجِب فَمَتَى علمنَا تقدم أَحدهمَا كَانَ هُوَ الْبَيَان لِأَن الْخطاب الْمُجْمل إِذا تعقبه مَا يجوز أَن يكون بَيَانا لَهُ كَانَ بَيَان لَهُ فان لم يجز تَأْخِير الْبَيَان فَالْأَمْر فِي كَون ذَلِك بَيَانا أكشف وَأظْهر وَإِن لم نعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر جعلنَا القَوْل هُوَ الْبَيَان لأَنا لَو جعلنَا الْفِعْل هُوَ الْبَيَان لأوجبنا إِثْبَات مَا تعلقه بالمبين من قَول النَّبِي ﷺ إِن هَذَا بَيَان لهَذَا وَإِن لم يعلم ذَلِك باضطرار من قَصده وَلَا يجوز إِثْبَات ذَلِك إِلَّا عَن ضَرُورَة وَلَا ضَرُورَة إِلَى ذَلِك مَعَ إِثْبَات قَول يُمكن أَن يكون بَيَانا وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول جوزوا أَن يكون الْفِعْل هُوَ الَّذِي قصد بِهِ الْبَيَان وَإِن لم تقطعوا عَلَيْهِ لأَنا لَا نجوز ذَلِك إِلَّا لضَرُورَة وَلَا ضَرُورَة وَلَيْسَ الْغَرَض بِمَا ذَكرْنَاهُ من الْمِثَال إِلَّا التَّمْثِيل دون تَصْحِيح مَسْأَلَة الطوافين لِأَن النَّبِي ﷺ قد قَالَ خُذُوا عني مَنَاسِككُم فقد علق بِهَذَا القَوْل فعله على الْآيَة ﷺ َ - بَاب فِي أَن الْبَيَان كالمبين ﷺ َ -
هَذَا الْبَاب يشْتَمل على شَيْئَيْنِ أَحدهمَا هَل الْبَيَان كالمبين فِي الْقُوَّة وَالْآخر هَل كالمبين فِي حكمه أم لَا أما الأول فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن إِن الْمُبين إِذا كَانَ لفظا مَعْلُوما وَجب كَون بَيَانه مثله وَإِلَّا لم يقبل وَلِهَذَا لم يقبل خبر الأوساق مَعَ قَول النَّبِي ﷺ فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر وَالصَّحِيح أَنه يجوز أَن يكون الْبَيَان والمبين دَلِيلين معلومين وَيجوز أَن يَكُونَا أمارتين وَيجوز أَن يكون
стр. 313
الْمُبين مَعْلُوما وَبَيَانه مظنونا كَمَا جَازَ تَخْصِيص الْقُرْآن بِخَبَر الْوَاحِد لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع تعلق الْمصلحَة بذلك وَأما الآخر وَهُوَ هَل إِذا كَانَ الْمُبين وَاجِبا كَانَ بَيَانه كَذَلِك وَقد قَالَ قوم بذلك فَإِن أَرَادوا بذلك أَنه إِذا كَانَ الْمُبين وَاجِبا فبيانه بَيَان لصفة شَيْء وَاجِب فَصَحِيح وَإِن أَرَادوا أَنه يدل على الْوُجُوب كَمَا يدل الْمُبين فَغير صَحِيح لِأَن الْبَيَان إِنَّمَا يتَضَمَّن صفة الْمُبين وَلَيْسَ يتَضَمَّن لفظا يُفِيد الْوُجُوب وَإِن أَرَادوا بِهِ أَنه إِذا كَانَ الْمُبين وَاجِبا كَانَ بَيَانه وَاجِبا على النَّبِي ﷺ فَإِذا لم يكن الْفِعْل الْمُبين وَاجِبا لم يكن بَيَانه وَاجِبا على النَّبِي ﷺ فَبَاطِل لِأَن بَيَان الْمُجْمل وَاجِب سَوَاء تضمن فعلا وَاجِبا أَو غير وَاجِب ﷺ َ - بَاب فِي جَوَاز تَأْخِير التَّبْلِيغ ﷺ َ -
اعْلَم أَنه يجوز أَن يُؤَخر النَّبِي ﷺ أَدَاء الْعِبَادَة إِلَى الْوَقْت الَّذِي يحْتَاج الْمُكَلف أَن يعرفهَا فِيهِ وَلَا يجب تَقْدِيم أَدَائِهَا عَلَيْهِ وَأوجب ذَلِك قوم وَلَيْسَ يَخْلُو أَن يوجبوا ذَلِك بِالْعقلِ أَو بِالسَّمْعِ وَلَو وَجب بِالْعقلِ لَكَانَ لَهُ وَجه وجوب يرجع إِلَى التَّكْلِيف إِمَّا لِأَنَّهُ تَمْكِين أَو لِأَنَّهُ لطف فَإِن كَانَ تمكينا لم يخل إِمَّا أَن يكون تمكينا من الْفِعْل أَو من فهم المُرَاد بِالْخِطَابِ وَمَعْلُوم أَنه لم يتَقَدَّم خطاب مُجمل يكون هَذَا بَيَانه وَلَيْسَ يقف إِمْكَان فعل الْعِبَادَة على تَقْدِيم أَدَائِهَا على الْوَقْت الَّذِي إِذا بلغت بِالْعبَادَة فِيهِ أمكن الْمُكَلف أَن يسْتَدلّ بِالْخِطَابِ على وُجُوبهَا فيفعلها فِي وَقتهَا وَأما كَون تقديمهم التَّبْلِيغ لفظا فَلَيْسَ فِي الْعقل طَرِيق إِلَيْهِ كَمَا أَنه لَيْسَ فِي الْعقل طَرِيق إِلَى كَون تَقْدِيم تَعْرِيف الله إيانا الْعِبَادَة الَّتِي يُرِيد أَن يعبدنا بهَا بعد سنة لطفا وَلِهَذَا لم يعرف الله على لِسَان نبيه ﷺ جَمِيع مَا يُرِيد أَن يتعبد بِهِ الْأمة فِي حَالَة وَاحِدَة
فان قَالُوا إِنَّا نعلم وجوب ذَلِك بِالسَّمْعِ فَلَيْسَ فِي السّمع مَا يجوز أَن
стр. 314
يدل على ذَلِك إِلَّا قَول الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ وَأَن الْأَمر على الْفَوْر وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن ذَلِك بِأَن هَذَا الْأَمر إِنَّمَا يُفِيد وجوب تبليغه على الْحَد الَّذِي أَمر أَن يبلغ عَلَيْهِ من تَقْدِيم أَو تَأْخِير وَلقَائِل أَن يَقُول الْوَجْه الَّذِي أَمر أَن يبلغ عَلَيْهِ هُوَ التَّعْجِيل بِدلَالَة هَذَا الْأَمر وَأجَاب أَيْضا بِأَن المُرَاد بذلك هوالقرآن لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُطلق عَلَيْهِ الْوَصْف بِأَنَّهُ منزل من الله تَعَالَى ﷺ َ - بَاب فِي تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة ﷺ َ -
اعْلَم أَنه لَا يجوز تَأْخِير بَيَان الْخطاب عَن الْوَقْت الَّذِي إِن أخر الْبَيَان عَنهُ لم يتَمَكَّن الْمُكَلف من الْمعرفَة بِمَا تضمنه الْخطاب وَلَا يتَمَكَّن من فعل مَا تضمنه فِي الْوَقْت الَّذِي كلف فعله فِيهِ لِأَن فِي تَأْخِير الْبَيَان عَن هَذَا الْوَقْت تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق إِذْ لَا سَبِيل لَهُ وَالْحَال هَذِه إِلَى فعل مَا كلف فِي الْحَال الَّتِي كلف أَن يفعل فِيهَا ﷺ َ - بَاب فِي تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب ﷺ َ -
ذهب بعض الْحَنَفِيَّة وَبَعض الشَّافِعِيَّة إِلَى جَوَاز تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل والعموم عَن وَقت الْخطاب وَمن الْفُقَهَاء من اخْتَار بَيَان الْمُجْمل دون بَيَان الْعُمُوم وَإِلَيْهِ ذهب الشَّيْخ أَبُو الْحسن ﵀ وَمِنْهُم من اخْتَار تَأْخِير بَيَان الْأَمر دون الْخَبَر وَمنع شيخانا أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم وقاضي الْقُضَاة من تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل والعموم عَن وَقت الْخطاب أمرا كَانَ أَو خَبرا وأجازوا تَأْخِير بَيَان النّسخ
стр. 315
وَاعْلَم أَن تَأْخِير الْبَيَان يَنْقَسِم أقساما تخْتَلف الْأَدِلَّة عَلَيْهَا والشبه الْوَارِدَة فِيهَا بِحَسب اخْتِلَاف أقسامه فَوَجَبَ أَن نقسم ونتكلم على كل قسم على انْفِرَاده فَنَقُول إِن الْخطاب الَّذِي يحْتَاج إِلَى بَيَان ضَرْبَان أَحدهمَا أَنه ظَاهر قد اسْتعْمل فِي خِلَافه وَالثَّانِي لَا ظَاهر لَهُ كالأسماء الْمُشْتَركَة وَالْأول يَنْقَسِم أقساما مِنْهَا تَأْخِير بَيَان التَّخْصِيص وَمِنْهَا تَأْخِير بَيَان النّسخ وَمِنْهَا تَأْخِير بَيَان الْأَسْمَاء المنقولة إِلَى الشَّرْع وَمِنْهَا اسْم النكرَة إِذا أُرِيد بِهِ شَيْء معِين وكل هَذِه الْأَقْسَام لَا يجوز تَأْخِير بَيَانهَا بل لَا بُد من أَن يبين الْخطاب الْوَارِد فِيهَا إِمَّا بَيَانا مفصلا أَو مُجملا وَأما مَا لَا ظَاهر لَهُ فَيجوز تَأْخِير بَيَانه عَن وَقت الْخطاب وَالْكَلَام يَقع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع أَحدهَا تَأْخِير بَيَان مَا لَهُ ظَاهر وَقد اسْتعْمل فِي خِلَافه وَالْآخر فِي جَوَاز كَون بَيَان ذَلِك مُجملا وَالْآخر فِي جَوَاز تَأْخِير بَيَان مَا لَا ظَاهر لَهُ
وَالدّلَالَة على الْمَنْع من تَأْخِير بَيَان مَا لَهُ ظَاهر إِذا اسْتعْمل فِي غَيره أَن الْعُمُوم خطاب لنا فِي الْحَال بِالْإِجْمَاع وَلَا يَخْلُو الْمُخَاطب بِهِ إِمَّا أَن يقْصد إفهاما فِي الْحَال أَو لَا يقْصد ذَلِك بِهِ فان لم يقْصد إفهامنا انْتقض كَونه مُخَاطبا لنا لِأَن الْمَعْقُول من قَوْلنَا أَنه مُخَاطب لنا أَنه قد وَجه الْخطاب نحونا وَلَا معنى لذَلِك إِلَّا أَنه قصد إفهامنا وَلِأَنَّهُ لَو لم يقْصد إفهامنا فِي الْحَال مَعَ أَن ظَاهره يَقْتَضِي كَونه خطابا لنا فِي الْحَال لَكَانَ قد أغرانا بِأَن نعتقد أَنه قد قصد إفهامنا فِي الْحَال فَيكون قد قصد أَن نجهل لِأَن من خَاطب قوما بلغتهم فقد أغراهم بِأَن يعتقدوا فِيهِ أَنه قد عَنى بِهِ مَا عنوه بِهِ وَلِأَنَّهُ لَو لم يقْصد إفهامنا لَكَانَ عَبَثا لِأَن الْفَائِدَة فِي الْخطاب إفهام الْمُخَاطب وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن لَا يقْصد إفهامنا بِالْخِطَابِ جَازَ مُخَاطبَة الْعَرَب بالزنجية وَهُوَ لَا يحسنها إِذْ كَانَ غير وَاجِب إفهام الْمُخَاطب بل ذَلِك أولى بِالْجَوَازِ لِأَن الزنجية لَيْسَ لَهَا عِنْد الْعَرَبِيّ ظَاهر يَدعُوهُ إِلَى اعْتِقَاد مَعْنَاهُ وَلَو جَازَت مُخَاطبَة الْعَرَبِيّ بالزنجية وَيبين لَهُ بعد مُدَّة جَازَت مُخَاطبَة النَّائِم وَيبين لَهُ بعد مُدَّة وَأَن يقْصد الْإِنْسَان بالتصويت والتصفيق شَيْئا يُبينهُ بعد مُدَّة فان قيل خطاب الزنج لَا يفهم مِنْهُ الْعَرَبِيّ شَيْئا
стр. 316
فَلم يجز أَن يخاطبوا بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك خطاب الْعَرَب بالمجمل لِأَن الْعَرَبِيّ يفهم بِهِ شَيْئا مَا لِأَن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ قد فهم بِهِ الْأَمر بِشَيْء وَإِن لم يعرف مَا هُوَ قيل إِن جَازَ أَن يكون اسْم الصَّلَاة وَاقعا على الدُّعَاء وَيُرِيد الله سُبْحَانَهُ غَيره وَلَا يبين لنا جَازَ أَن يكون ظَاهره قَوْله ﴿أقِيمُوا﴾ لأمر وَلَا يَسْتَعْمِلهُ فِي الْأَمر وَلَا يبين لنا ذَلِك وَفِي ذَلِك مسَاوٍ إِيَّاه لخطاب الزنج لأَنا لَا نفهم بِهِ شَيْئا أصلا وَإِن كَانَ قد أَرَادَ إفهامنا فِي الْحَال فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُرِيد أَن نفهم أَن مُرَاده ظَاهره أَو غير ظَاهره فَإِن أَرَادَ الأول فقد أَرَادَ منا الْجَهْل وَإِن أَرَادَ الثَّانِي فقد أَرَادَ مَا لَا سَبِيل لنا إِلَيْهِ وَهَذِه الدّلَالَة تتَنَاوَل الْعَام الْمُسْتَعْمل فِي الْخُصُوص وَالْمُطلق الْمُفِيد للتكرار الْمَنْسُوخ والأسماء المنقولة إِلَى الشَّرِيعَة والنكرة إِذا أُرِيد بهَا شَيْء معِين لِأَن ذَلِك مُسْتَعْمل فِي خلاف ظَاهره وَلَا يلْزمنَا إِذا أشعرهم بالنسخ أَو بالتخصيص أَو بِتَعْيِين النكرَة لِأَن الْخطاب مَعَ هَذَا الْإِشْعَار يصير مُفِيدا للشَّيْء على طَرِيق الْجُمْلَة فَلَا يعزى ذَلِك بِفعل الْجَهْل وَلَا يكون تكليفا لما لَا سَبِيل إِلَيْهِ بل إِنَّمَا يُفِيد أَنه قصد الْمُتَكَلّم إفهامه للجملة إِن قيل أَلَيْسَ مَعَ أَن الْعُمُوم خطاب لنا فِي الْحَال لَا يجوز الْإِقْدَام على اعْتِقَاد استغراقه عِنْد سَمَاعه بل لَا بُد من أَن نقيس الْأَدِلَّة السمعية والعقلية فَنَنْظُر هَل فِيهَا مَا يَخُصُّهُ أم لَا فان لم يُوجد فَلم نجده قضينا باستغراق الْعُمُوم وَلَيْسَ فقد الدَّلِيل هُوَ لفظ فَيُقَال لنا جوزوا أَن يكون المُرَاد غير ظَاهره وَإِن وجدنَا دَلِيلا على التَّخْصِيص وَكَانَ عقليا فَهَذَا يمْتَنع فِيهِ ايضا وَإِن كَانَ سمعيا فاما أَن لَا نجد فِي الْأُصُول مَا يعدل بِنَا عَن ظَاهره أَو ننتهي إِلَى دَلِيل سَمْعِي لَا يكون فِي الْأُصُول مَا يعدل بِنَا عَن ظَاهره فَلم يلْزمنَا مَا ألزمناهم من التَّوَقُّف وقتا بعد وَقت إِلَى غير غَايَة فَهَذَا هُوَ القَوْل فِي الْمَسْأَلَة الأولى
فَأَما إِذا أَرَادَ بِالْخِطَابِ غير ظَاهره وأشعر بذلك بِأَن يَقُول الْمُتَكَلّم بِالْعُمُومِ اعلموا أَنه مَخْصُوص وَلَا يبين مَا الْخَارِج مِنْهُ أَو يَقُول جوزوا
стр. 317
خصوصه حَتَّى أبينه وَالدّلَالَة على جَوَاز ذَلِك أَن الْعُمُوم مَعَ هَذَا الْإِشْعَار يصير كَلَفْظِ مَوْضُوع للجملة والتردد بَين الِاسْتِغْرَاق وَغَيره وَاللَّفْظ الْمَوْضُوع للجملة يحسن أَن يُورد ويقصد بِهِ الْجُمْلَة فَقَط على مَا سنبينه فِي الِاسْم الْمُشْتَرك وَلَا يلْزمنَا على ذَلِك أَن نتوقف فِي الْعِبَادَة فِي وَقت الْفِعْل فَيجوز أَن يكون المُرَاد بهَا غير ظَاهرهَا نَحْو أَن يَقُول صلوا غَدا فيريد بِهِ بعد غَد ويتأخر بَيَانه مفصلا لأَنا إِنَّمَا نجيز تَأْخِير بَيَان الْعُمُوم مَعَ الْأَشْعَار وَنَظِير ذَلِك أَن يتَأَخَّر بَيَان الْوَقْت مَعَ الْإِشْعَار وَكَذَلِكَ نقُول وَمَا لَا إِشْعَار مَعَه نقطع على ظَاهره وَيدل على ذَلِك أَن الله لما قَالَ ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ لم يعلم النَّاس فِي ذَلِك الْوَقْت من هُوَ معني بِالْخِطَابِ لتجويز كل وَاحِد من الْمُكَلّفين أَنه يَمُوت قبل وَقت الصَّلَاة وعلمهم أَن الله لَا يَأْمر بِشَرْط فَهَذَا خطاب يعم كل مُكَلّف وَلَيْسَ علم المخاطبون أَنه قد عَنى بِهِ جَمِيعهم وَلِأَنَّهُ لم يعن بِهِ جَمِيعهم بل يجوزون كلا الْأَمريْنِ هَذِه صُورَة مَسْأَلَتنَا فان قَالُوا إِنَّمَا لم يقطعوا على عُمُومه لما أودع الله سُبْحَانَهُ فِي عُقُولهمْ من قبح تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَأَن فِي علمهمْ بحياة كلهم إغراء بِالْمَعَاصِي فَلذَلِك توقفوا قيل وَكَذَلِكَ إِذا أشعروا فِي التَّخْصِيص فقد علمُوا أَنه إِن كَانَ الْعُمُوم مَخْصُوصًا فَلَا يجوز أَن يُرَاد بِالْعُمُومِ من تنَاوله التَّخْصِيص فَفِي الْمَوْضِعَيْنِ يجوز للمكلف التَّخْصِيص وَيجوز خِلَافه وكما لم يبين لَهُم أَنهم يحيون أَو يحيى بَعضهم دون بعض لما فِي ذَلِك من الإغراء فَكَذَلِك يجوز أَن يشعروا بالتخصيص وَلَا يبين لَهُم تَفْصِيله لجَوَاز أَن تكون مصلحتهم أَن يتفقوا على الْجُمْلَة فَقَط فِي تِلْكَ الْحَال وَهَكَذَا القَوْل فِي الْخطاب الْمُفِيد للتكرار إِذا أشعرنا بنسخة وَالْخطاب الْمَنْقُول إِلَى معنى شَرْعِي إِذا أشعرنا بذلك من حَاله إِن قيل إِن جَازَ مَا ذكرْتُمْ فَهَلا جَازَت مُخَاطبَة الْعَرَبِيّ بالزنجية وَيُقَال لَهُ اعْلَم أننا أردنَا بِهَذَا الْكَلَام شَيْئا مَا قيل إِن الزنْجِي إِذا كَانَ حكيما فمعلوم أَنه قد أَرَادَ بخطابه شَيْئا مَا فَلَا معنى
стр. 318
لقَوْله قد أردْت بخطابي شَيْئا مَا وَإِن لم يكن حكيما فان السامح يظنّ أَنه قد اراد بخطابه شَيْئا مَا فان قَالُوا جوزوا أَن يخاطبه بالزنجية وَلَا يَقُول إِنَّه قد أردْت بخطابي شَيْئا قيل سنتكلم على ذَلِك فِيمَا بعد وعَلى أَن كلا الإلزامين مُتَوَجّه إِلَى الْمُخَالف لِأَنَّهُ يَقُول إِن خطاب الله الْعَام لَا يقطع على عُمُومه خبر يرد وَلَا على خصوصه لتجويزنا موت من توجه إِلَيْهِ الْخطاب فَأَما الْخطاب المتكرر إِذا عَنى بِهِ وَاحِدًا معينا وأشعرنا بِهِ فانه يجوز أَن يَقُول لغيره اضْرِب رجلا وَيَقُول أردْت رجلا بِعَيْنِه وسأبينه لكم وَالدَّلِيل على جَوَازه أَن كلا الْكَلَامَيْنِ يجريان مجْرى كَلَام مُشْتَرك بَين ضرب زيد وَعَمْرو وَغَيرهمَا فِي أَنه يُفِيد الْجُمْلَة دون التَّفْصِيل وسنبين ذَلِك فِي الِاسْم الْمُشْتَرك إِن قيل فَإِن كَانَ غَرَضه أَن يعرفنا أَنه أَرَادَ ضرب رجل بِعَيْنِه فَهَلا قَالَ ذَلِك وَلم يقل قبله اضربوا رجلا قيل وَإِذا كَانَ غَرَضه أَن يعرفنا فِي الْحَال أَن الرجل الَّذِي يُرِيد ضربه هُوَ زيد فَهَلا قَالَ ذَلِك وَلم يقدم عَلَيْهِ قَوْله اضربوا رجلا فان قُلْتُمْ لَعَلَّ فِي ذَلِك مصلحَة قُلْنَا نَحن مثله
فَأَما الْخطاب الَّذِي لَا ظَاهر لَهُ وَهُوَ الِاسْم الْمُشْتَرك كالقرء الْمُشْتَرك بَين الطُّهْر وَبَين الْحيض فان لَهُ ظَاهرا من وَجه دون وَجه أما الْوَجْه الَّذِي يكون ظَاهرا فِيهِ فَهُوَ أَنه يُفِيد أَن الْمُتَكَلّم بِهِ لم يرد شَيْئا غير الطُّهْر وَغير الْحيض وَأَنه أَرَادَ إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا فَمن هَذَا الْوَجْه لَا يحْتَاج إِلَى بَيَان وَمَتى أَرَادَ الْمُتَكَلّم بالقرء شَيْئا سوى الطُّهْر وَسوى الْحيض فقد أَرَادَ بِهِ غير ظَاهره فَلَا بُد من بَيَان إِمَّا مُجمل وَإِمَّا مفصل على مَا تقدم وَأما الْوَجْه الَّذِي يكون فِيهِ غير ظَاهر وَهُوَ أَنه لَا يُفِيد أَي الْأَمريْنِ أَرَادَهُ الْمُتَكَلّم الطُّهْر أم الْحيض وَلَا يجب أَن يقْتَرن بِهِ بَيَان فِي الْحَال وَالدَّلِيل على جَوَاز ذَلِك أَن اللَّفْظ مَا وضع لوَاحِد مِنْهُمَا بِعَيْنِه دون الآخر وَإنَّهُ وضع لكل وَاحِد مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ فَهُوَ يُفِيد الْإِجْمَال فَلَو لزم الْمُتَكَلّم أَن يبين التَّفْصِيل قبل وَقت الْفِعْل لَكَانَ إِمَّا أَن يلْزمه ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يبين الْحَكِيم مُرَاده لغيره على جِهَة سَبِيل الْإِجْمَال أَو يجوز ذَلِك من الْحَكِيم إِلَّا أَن الِاسْم الْمُشْتَرك لَا يُفِيد الْإِجْمَال وَلذَلِك وَجب أَن يبين
стр. 319
مُرَاده وَهَذَا الثَّانِي بَاطِل لأَنا قد بَينا أَن الِاسْم الْمُشْتَرك يُفِيد الْإِجْمَال وَالْقسم الأول بَاطِل أَيْضا لِأَن الْحَكِيم قد يجوز أَن يُفِيد غير مُرَاده على الْجُمْلَة كَمَا يجوز أَن يفِيدهُ إِيَّاه على التَّفْصِيل أَلا ترى أم زيدا قد يعلم أَن فِي الدَّار عَمْرو بِعَيْنِه فَيكون لَهُ غَرَض فِي أَن يعلم خَالِد أَن فِي الدَّار عَمْرو وَقد يكون لَهُ غَرَض فِي أَن يعرفهُ أَن فِي الدَّار رجل وَلَا يستقبح ذَلِك مِنْهُ أحد وَيحسن ذَلِك حسن أَن يكون فِي اللُّغَة الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة ليتوصل بهَا الْمُتَكَلّم إِلَى غَرَضه فِي إِفَادَة الْجُمْلَة دون التَّفْصِيل كَمَا يحسن أَن يكون فِيهَا أَسمَاء غير مُشْتَركَة ليتوصل بهَا الْمُتَكَلّم إِلَى غَرَضه فِي إِفَادَة التَّفْصِيل إِن قيل الْغَرَض بالتعبد هُوَ الْفِعْل وَالْعلم والاعتقاد تابعان فَيجب مراعاته دونهمَا وَأَنْتُم راعيتموها فِي هَذَا الْموضع الْجَواب أَن الْغَرَض قبل الْوَقْت هُوَ الْعلم وَلِهَذَا أوجبتم التَّمَكُّن مِنْهُ مفصلا وأوجبناه نَحن إِمَّا مفصلا وَإِمَّا مُجملا
وَاحْتج من أَبى تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل بِأَن الله تَعَالَى لما قَالَ ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ إِمَّا أَن يكون أَرَادَ مِنْهَا الِاعْتِدَاد بِالطُّهْرِ إِن شَاءَت أَو بِالْحيضِ إِن شَاءَت أَو أَرَادَ مِنْهَا الِاعْتِدَاد بِوَاحِد مِنْهُمَا بِعَيْنِه وَأي الْأَمريْنِ أَرَادَهُ فقد أَرَادَ مِنْهَا مَا لَا سَبِيل للمجتهد إِلَى فهمه لِأَن اللَّفْظ لَا ينبيء عَن التَّخْيِير عنْدكُمْ وَلَا ينبيء عَن وَاحِد مِنْهُمَا بِعَيْنِه الْجَواب أَنه أَرَادَ مِنْهَا وَاحِدَة بِعَيْنِه وَلم يرد من الْمُجْتَهدين أَن يفهموه فِي الْحَال لِأَنَّهُ لم يدلهم عَلَيْهِ فِي الْحَال بِلَفْظ يَخُصُّهُ فيريد مِنْهُم فهمه وَإِنَّمَا دلهم على الْجُمْلَة فَهُوَ يُرِيد مِنْهُم فيهم الْجُمْلَة كَمَا لَو قَالَ اعْتدي بِوَاحِدَة من أحد شَيْئَيْنِ بِعَيْنِه إِمَّا الطُّهْر وَإِمَّا الْحيض وسأبينه لَك وكما لَو قَالَ الْقَائِل لغيره اضْرِب رجلا وَاعْلَم أَنه رجل معِين وسأبينه لَك فِي أَنه لم يرد مِنْهُ أَن يعرفهُ بِعَيْنِه فِي الْحَال إِمَّا أَرَادَ أَن يفهم وكما لَو علم أَن زيدا فِي الدَّار وَأَرَادَ إِعْلَام عَمْرو أَن فِي الدَّار رجل وَلم يرد إِعْلَامه أَن زيد فَقَالَ فِي الدَّار رجل فانه قد عَنى بِهِ زيدا وَلم يرد
стр. 320
أَن يعرفهُ أَنه زيد
شُبْهَة
لَو حسنت المخاطبة بِالِاسْمِ الْمُشْتَرك من غير بَيَان فِي الْحَال لحسنت مُخَاطبَة الْعَرَبِيّ بالزنجية مَعَ الْقُدْرَة على مخاطبته بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يبين لَهُ فِي الْحَال وَالْعلَّة الجامعة بَينهمَا أَن السماع لَا يعرف مُرَاد الْمُتَكَلّم بهما على حَقِيقَة فان قُلْتُمْ إِنَّه لم يحسن مخاطبته بالزنجية لِأَن الْعَرَب لَا تعرف بِكَلَام الزنج شَيْئا وتعرف بالْكلَام الْمُجْمل شَيْئا مَا وَهُوَ أَن الْمُتَكَلّم أَرَادَ أحد معنيي الِاسْم الْمُشْتَرك قيل لكم لَيْسَ يخلوا إِمَّا أَن تعتبروا فِي حسن الْخطاب الْمعرفَة بِكَمَال المُرَاد أَو تعتبروا الْمعرفَة بِبَعْض المُرَاد فان اعتبرتم الأول لزمكم أَن لَا يجوز تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل لِأَنَّهُ لَا يُمكن مَعَ فَقده معرفَة كَمَال المُرَاد وَإِن اعتبرتم الثَّانِي لزمكم حسن مُخَاطبَة الْعَرَبِيّ بالزنجية لِأَن الْعَرَبِيّ إِذا عرف حكمه الزنْجِي الْمُخَاطب لَهُ علم أَنه قد اراد بخطابه شَيْئا مَا إِمَّا الْأَمر وَإِمَّا النَّهْي وَإِمَّا غَيرهمَا وَالْجَوَاب أَن الْمُعْتَبر فِي حسن الْخطاب أَن يتَمَكَّن السَّامع من أَن يعرف بِهِ مَا أَفَادَهُ الْخطاب وَهُوَ يتَمَكَّن من معرفَة مَا وضع لَهُ الِاسْم الْمُشْتَرك لِأَنَّهُ إِنَّمَا وضع لكل وَاحِد من معنييه على انْفِرَاده فالسامع لَهُ قد علم أَن مُرَاد الْمُتَكَلّم بِهِ إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا وَهَذَا هُوَ التَّرَدُّد الَّذِي تَقْتَضِيه اللَّفْظَة كَمَا لَو قَالَ الْقَائِل للْمَرْأَة أُرِيد مِنْك أَن تعتدي بِشَيْء معِين من شَيْئَيْنِ إِمَّا الطُّهْر وَإِمَّا الْحيض أَنَّهَا قد فهمت مَا يُفِيد هَذَا الْخطاب من التَّرَدُّد بَين الطُّهْر وَالْحيض وَلَو قَالَ الرجل لغيره فِي الدَّار رجل فهم مِنْهُ السَّامع مَا يَقْتَضِيهِ الْخطاب من أَن شخصا فِيهِ معنى الرجولية فِي الدَّار وَإِن علم أَنه شخص معِين وَأما الْعَرَبِيّ فانه لَا يتَمَكَّن من أَن يعرف مَا وضع لَهُ خطاب الزنج فَلم يحسن أَن يُخَاطب بِهِ مُنْفَردا عَن بَيَان لِأَن ذَلِك الْخطاب إِمَّا أَن يكون أمرا أَو نهيا أَو خَبرا أَو استخبارا أَو غير ذَلِك وَالسَّامِع لَهُ من الْعَرَب لَا يتَمَكَّن من معرفَة ذَلِك فان قيل فَلَو كَانَ فِي كَلَام الزنج مَا هُوَ مُشْتَرك بَين الْأَمر وَالنَّهْي وَجَمِيع أَقسَام
следующие страницы →