Полный текст (878 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فَلم يجز أَن يخاطبوا بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك خطاب الْعَرَب بالمجمل لِأَن الْعَرَبِيّ يفهم بِهِ شَيْئا مَا لِأَن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ قد فهم بِهِ الْأَمر بِشَيْء وَإِن لم يعرف مَا هُوَ قيل إِن جَازَ أَن يكون اسْم الصَّلَاة وَاقعا على الدُّعَاء وَيُرِيد الله سُبْحَانَهُ غَيره وَلَا يبين لنا جَازَ أَن يكون ظَاهره قَوْله ﴿أقِيمُوا﴾ لأمر وَلَا يَسْتَعْمِلهُ فِي الْأَمر وَلَا يبين لنا ذَلِك وَفِي ذَلِك مسَاوٍ إِيَّاه لخطاب الزنج لأَنا لَا نفهم بِهِ شَيْئا أصلا وَإِن كَانَ قد أَرَادَ إفهامنا فِي الْحَال فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُرِيد أَن نفهم أَن مُرَاده ظَاهره أَو غير ظَاهره فَإِن أَرَادَ الأول فقد أَرَادَ منا الْجَهْل وَإِن أَرَادَ الثَّانِي فقد أَرَادَ مَا لَا سَبِيل لنا إِلَيْهِ وَهَذِه الدّلَالَة تتَنَاوَل الْعَام الْمُسْتَعْمل فِي الْخُصُوص وَالْمُطلق الْمُفِيد للتكرار الْمَنْسُوخ والأسماء المنقولة إِلَى الشَّرِيعَة والنكرة إِذا أُرِيد بهَا شَيْء معِين لِأَن ذَلِك مُسْتَعْمل فِي خلاف ظَاهره وَلَا يلْزمنَا إِذا أشعرهم بالنسخ أَو بالتخصيص أَو بِتَعْيِين النكرَة لِأَن الْخطاب مَعَ هَذَا الْإِشْعَار يصير مُفِيدا للشَّيْء على طَرِيق الْجُمْلَة فَلَا يعزى ذَلِك بِفعل الْجَهْل وَلَا يكون تكليفا لما لَا سَبِيل إِلَيْهِ بل إِنَّمَا يُفِيد أَنه قصد الْمُتَكَلّم إفهامه للجملة إِن قيل أَلَيْسَ مَعَ أَن الْعُمُوم خطاب لنا فِي الْحَال لَا يجوز الْإِقْدَام على اعْتِقَاد استغراقه عِنْد سَمَاعه بل لَا بُد من أَن نقيس الْأَدِلَّة السمعية والعقلية فَنَنْظُر هَل فِيهَا مَا يَخُصُّهُ أم لَا فان لم يُوجد فَلم نجده قضينا باستغراق الْعُمُوم وَلَيْسَ فقد الدَّلِيل هُوَ لفظ فَيُقَال لنا جوزوا أَن يكون المُرَاد غير ظَاهره وَإِن وجدنَا دَلِيلا على التَّخْصِيص وَكَانَ عقليا فَهَذَا يمْتَنع فِيهِ ايضا وَإِن كَانَ سمعيا فاما أَن لَا نجد فِي الْأُصُول مَا يعدل بِنَا عَن ظَاهره أَو ننتهي إِلَى دَلِيل سَمْعِي لَا يكون فِي الْأُصُول مَا يعدل بِنَا عَن ظَاهره فَلم يلْزمنَا مَا ألزمناهم من التَّوَقُّف وقتا بعد وَقت إِلَى غير غَايَة فَهَذَا هُوَ القَوْل فِي الْمَسْأَلَة الأولى
فَأَما إِذا أَرَادَ بِالْخِطَابِ غير ظَاهره وأشعر بذلك بِأَن يَقُول الْمُتَكَلّم بِالْعُمُومِ اعلموا أَنه مَخْصُوص وَلَا يبين مَا الْخَارِج مِنْهُ أَو يَقُول جوزوا
стр. 317
خصوصه حَتَّى أبينه وَالدّلَالَة على جَوَاز ذَلِك أَن الْعُمُوم مَعَ هَذَا الْإِشْعَار يصير كَلَفْظِ مَوْضُوع للجملة والتردد بَين الِاسْتِغْرَاق وَغَيره وَاللَّفْظ الْمَوْضُوع للجملة يحسن أَن يُورد ويقصد بِهِ الْجُمْلَة فَقَط على مَا سنبينه فِي الِاسْم الْمُشْتَرك وَلَا يلْزمنَا على ذَلِك أَن نتوقف فِي الْعِبَادَة فِي وَقت الْفِعْل فَيجوز أَن يكون المُرَاد بهَا غير ظَاهرهَا نَحْو أَن يَقُول صلوا غَدا فيريد بِهِ بعد غَد ويتأخر بَيَانه مفصلا لأَنا إِنَّمَا نجيز تَأْخِير بَيَان الْعُمُوم مَعَ الْأَشْعَار وَنَظِير ذَلِك أَن يتَأَخَّر بَيَان الْوَقْت مَعَ الْإِشْعَار وَكَذَلِكَ نقُول وَمَا لَا إِشْعَار مَعَه نقطع على ظَاهره وَيدل على ذَلِك أَن الله لما قَالَ ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ لم يعلم النَّاس فِي ذَلِك الْوَقْت من هُوَ معني بِالْخِطَابِ لتجويز كل وَاحِد من الْمُكَلّفين أَنه يَمُوت قبل وَقت الصَّلَاة وعلمهم أَن الله لَا يَأْمر بِشَرْط فَهَذَا خطاب يعم كل مُكَلّف وَلَيْسَ علم المخاطبون أَنه قد عَنى بِهِ جَمِيعهم وَلِأَنَّهُ لم يعن بِهِ جَمِيعهم بل يجوزون كلا الْأَمريْنِ هَذِه صُورَة مَسْأَلَتنَا فان قَالُوا إِنَّمَا لم يقطعوا على عُمُومه لما أودع الله سُبْحَانَهُ فِي عُقُولهمْ من قبح تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَأَن فِي علمهمْ بحياة كلهم إغراء بِالْمَعَاصِي فَلذَلِك توقفوا قيل وَكَذَلِكَ إِذا أشعروا فِي التَّخْصِيص فقد علمُوا أَنه إِن كَانَ الْعُمُوم مَخْصُوصًا فَلَا يجوز أَن يُرَاد بِالْعُمُومِ من تنَاوله التَّخْصِيص فَفِي الْمَوْضِعَيْنِ يجوز للمكلف التَّخْصِيص وَيجوز خِلَافه وكما لم يبين لَهُم أَنهم يحيون أَو يحيى بَعضهم دون بعض لما فِي ذَلِك من الإغراء فَكَذَلِك يجوز أَن يشعروا بالتخصيص وَلَا يبين لَهُم تَفْصِيله لجَوَاز أَن تكون مصلحتهم أَن يتفقوا على الْجُمْلَة فَقَط فِي تِلْكَ الْحَال وَهَكَذَا القَوْل فِي الْخطاب الْمُفِيد للتكرار إِذا أشعرنا بنسخة وَالْخطاب الْمَنْقُول إِلَى معنى شَرْعِي إِذا أشعرنا بذلك من حَاله إِن قيل إِن جَازَ مَا ذكرْتُمْ فَهَلا جَازَت مُخَاطبَة الْعَرَبِيّ بالزنجية وَيُقَال لَهُ اعْلَم أننا أردنَا بِهَذَا الْكَلَام شَيْئا مَا قيل إِن الزنْجِي إِذا كَانَ حكيما فمعلوم أَنه قد أَرَادَ بخطابه شَيْئا مَا فَلَا معنى
стр. 318
لقَوْله قد أردْت بخطابي شَيْئا مَا وَإِن لم يكن حكيما فان السامح يظنّ أَنه قد اراد بخطابه شَيْئا مَا فان قَالُوا جوزوا أَن يخاطبه بالزنجية وَلَا يَقُول إِنَّه قد أردْت بخطابي شَيْئا قيل سنتكلم على ذَلِك فِيمَا بعد وعَلى أَن كلا الإلزامين مُتَوَجّه إِلَى الْمُخَالف لِأَنَّهُ يَقُول إِن خطاب الله الْعَام لَا يقطع على عُمُومه خبر يرد وَلَا على خصوصه لتجويزنا موت من توجه إِلَيْهِ الْخطاب فَأَما الْخطاب المتكرر إِذا عَنى بِهِ وَاحِدًا معينا وأشعرنا بِهِ فانه يجوز أَن يَقُول لغيره اضْرِب رجلا وَيَقُول أردْت رجلا بِعَيْنِه وسأبينه لكم وَالدَّلِيل على جَوَازه أَن كلا الْكَلَامَيْنِ يجريان مجْرى كَلَام مُشْتَرك بَين ضرب زيد وَعَمْرو وَغَيرهمَا فِي أَنه يُفِيد الْجُمْلَة دون التَّفْصِيل وسنبين ذَلِك فِي الِاسْم الْمُشْتَرك إِن قيل فَإِن كَانَ غَرَضه أَن يعرفنا أَنه أَرَادَ ضرب رجل بِعَيْنِه فَهَلا قَالَ ذَلِك وَلم يقل قبله اضربوا رجلا قيل وَإِذا كَانَ غَرَضه أَن يعرفنا فِي الْحَال أَن الرجل الَّذِي يُرِيد ضربه هُوَ زيد فَهَلا قَالَ ذَلِك وَلم يقدم عَلَيْهِ قَوْله اضربوا رجلا فان قُلْتُمْ لَعَلَّ فِي ذَلِك مصلحَة قُلْنَا نَحن مثله
فَأَما الْخطاب الَّذِي لَا ظَاهر لَهُ وَهُوَ الِاسْم الْمُشْتَرك كالقرء الْمُشْتَرك بَين الطُّهْر وَبَين الْحيض فان لَهُ ظَاهرا من وَجه دون وَجه أما الْوَجْه الَّذِي يكون ظَاهرا فِيهِ فَهُوَ أَنه يُفِيد أَن الْمُتَكَلّم بِهِ لم يرد شَيْئا غير الطُّهْر وَغير الْحيض وَأَنه أَرَادَ إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا فَمن هَذَا الْوَجْه لَا يحْتَاج إِلَى بَيَان وَمَتى أَرَادَ الْمُتَكَلّم بالقرء شَيْئا سوى الطُّهْر وَسوى الْحيض فقد أَرَادَ بِهِ غير ظَاهره فَلَا بُد من بَيَان إِمَّا مُجمل وَإِمَّا مفصل على مَا تقدم وَأما الْوَجْه الَّذِي يكون فِيهِ غير ظَاهر وَهُوَ أَنه لَا يُفِيد أَي الْأَمريْنِ أَرَادَهُ الْمُتَكَلّم الطُّهْر أم الْحيض وَلَا يجب أَن يقْتَرن بِهِ بَيَان فِي الْحَال وَالدَّلِيل على جَوَاز ذَلِك أَن اللَّفْظ مَا وضع لوَاحِد مِنْهُمَا بِعَيْنِه دون الآخر وَإنَّهُ وضع لكل وَاحِد مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ فَهُوَ يُفِيد الْإِجْمَال فَلَو لزم الْمُتَكَلّم أَن يبين التَّفْصِيل قبل وَقت الْفِعْل لَكَانَ إِمَّا أَن يلْزمه ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يبين الْحَكِيم مُرَاده لغيره على جِهَة سَبِيل الْإِجْمَال أَو يجوز ذَلِك من الْحَكِيم إِلَّا أَن الِاسْم الْمُشْتَرك لَا يُفِيد الْإِجْمَال وَلذَلِك وَجب أَن يبين
стр. 319
مُرَاده وَهَذَا الثَّانِي بَاطِل لأَنا قد بَينا أَن الِاسْم الْمُشْتَرك يُفِيد الْإِجْمَال وَالْقسم الأول بَاطِل أَيْضا لِأَن الْحَكِيم قد يجوز أَن يُفِيد غير مُرَاده على الْجُمْلَة كَمَا يجوز أَن يفِيدهُ إِيَّاه على التَّفْصِيل أَلا ترى أم زيدا قد يعلم أَن فِي الدَّار عَمْرو بِعَيْنِه فَيكون لَهُ غَرَض فِي أَن يعلم خَالِد أَن فِي الدَّار عَمْرو وَقد يكون لَهُ غَرَض فِي أَن يعرفهُ أَن فِي الدَّار رجل وَلَا يستقبح ذَلِك مِنْهُ أحد وَيحسن ذَلِك حسن أَن يكون فِي اللُّغَة الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة ليتوصل بهَا الْمُتَكَلّم إِلَى غَرَضه فِي إِفَادَة الْجُمْلَة دون التَّفْصِيل كَمَا يحسن أَن يكون فِيهَا أَسمَاء غير مُشْتَركَة ليتوصل بهَا الْمُتَكَلّم إِلَى غَرَضه فِي إِفَادَة التَّفْصِيل إِن قيل الْغَرَض بالتعبد هُوَ الْفِعْل وَالْعلم والاعتقاد تابعان فَيجب مراعاته دونهمَا وَأَنْتُم راعيتموها فِي هَذَا الْموضع الْجَواب أَن الْغَرَض قبل الْوَقْت هُوَ الْعلم وَلِهَذَا أوجبتم التَّمَكُّن مِنْهُ مفصلا وأوجبناه نَحن إِمَّا مفصلا وَإِمَّا مُجملا
وَاحْتج من أَبى تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل بِأَن الله تَعَالَى لما قَالَ ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ إِمَّا أَن يكون أَرَادَ مِنْهَا الِاعْتِدَاد بِالطُّهْرِ إِن شَاءَت أَو بِالْحيضِ إِن شَاءَت أَو أَرَادَ مِنْهَا الِاعْتِدَاد بِوَاحِد مِنْهُمَا بِعَيْنِه وَأي الْأَمريْنِ أَرَادَهُ فقد أَرَادَ مِنْهَا مَا لَا سَبِيل للمجتهد إِلَى فهمه لِأَن اللَّفْظ لَا ينبيء عَن التَّخْيِير عنْدكُمْ وَلَا ينبيء عَن وَاحِد مِنْهُمَا بِعَيْنِه الْجَواب أَنه أَرَادَ مِنْهَا وَاحِدَة بِعَيْنِه وَلم يرد من الْمُجْتَهدين أَن يفهموه فِي الْحَال لِأَنَّهُ لم يدلهم عَلَيْهِ فِي الْحَال بِلَفْظ يَخُصُّهُ فيريد مِنْهُم فهمه وَإِنَّمَا دلهم على الْجُمْلَة فَهُوَ يُرِيد مِنْهُم فيهم الْجُمْلَة كَمَا لَو قَالَ اعْتدي بِوَاحِدَة من أحد شَيْئَيْنِ بِعَيْنِه إِمَّا الطُّهْر وَإِمَّا الْحيض وسأبينه لَك وكما لَو قَالَ الْقَائِل لغيره اضْرِب رجلا وَاعْلَم أَنه رجل معِين وسأبينه لَك فِي أَنه لم يرد مِنْهُ أَن يعرفهُ بِعَيْنِه فِي الْحَال إِمَّا أَرَادَ أَن يفهم وكما لَو علم أَن زيدا فِي الدَّار وَأَرَادَ إِعْلَام عَمْرو أَن فِي الدَّار رجل وَلم يرد إِعْلَامه أَن زيد فَقَالَ فِي الدَّار رجل فانه قد عَنى بِهِ زيدا وَلم يرد
стр. 320
أَن يعرفهُ أَنه زيد
شُبْهَة
لَو حسنت المخاطبة بِالِاسْمِ الْمُشْتَرك من غير بَيَان فِي الْحَال لحسنت مُخَاطبَة الْعَرَبِيّ بالزنجية مَعَ الْقُدْرَة على مخاطبته بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يبين لَهُ فِي الْحَال وَالْعلَّة الجامعة بَينهمَا أَن السماع لَا يعرف مُرَاد الْمُتَكَلّم بهما على حَقِيقَة فان قُلْتُمْ إِنَّه لم يحسن مخاطبته بالزنجية لِأَن الْعَرَب لَا تعرف بِكَلَام الزنج شَيْئا وتعرف بالْكلَام الْمُجْمل شَيْئا مَا وَهُوَ أَن الْمُتَكَلّم أَرَادَ أحد معنيي الِاسْم الْمُشْتَرك قيل لكم لَيْسَ يخلوا إِمَّا أَن تعتبروا فِي حسن الْخطاب الْمعرفَة بِكَمَال المُرَاد أَو تعتبروا الْمعرفَة بِبَعْض المُرَاد فان اعتبرتم الأول لزمكم أَن لَا يجوز تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل لِأَنَّهُ لَا يُمكن مَعَ فَقده معرفَة كَمَال المُرَاد وَإِن اعتبرتم الثَّانِي لزمكم حسن مُخَاطبَة الْعَرَبِيّ بالزنجية لِأَن الْعَرَبِيّ إِذا عرف حكمه الزنْجِي الْمُخَاطب لَهُ علم أَنه قد اراد بخطابه شَيْئا مَا إِمَّا الْأَمر وَإِمَّا النَّهْي وَإِمَّا غَيرهمَا وَالْجَوَاب أَن الْمُعْتَبر فِي حسن الْخطاب أَن يتَمَكَّن السَّامع من أَن يعرف بِهِ مَا أَفَادَهُ الْخطاب وَهُوَ يتَمَكَّن من معرفَة مَا وضع لَهُ الِاسْم الْمُشْتَرك لِأَنَّهُ إِنَّمَا وضع لكل وَاحِد من معنييه على انْفِرَاده فالسامع لَهُ قد علم أَن مُرَاد الْمُتَكَلّم بِهِ إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا وَهَذَا هُوَ التَّرَدُّد الَّذِي تَقْتَضِيه اللَّفْظَة كَمَا لَو قَالَ الْقَائِل للْمَرْأَة أُرِيد مِنْك أَن تعتدي بِشَيْء معِين من شَيْئَيْنِ إِمَّا الطُّهْر وَإِمَّا الْحيض أَنَّهَا قد فهمت مَا يُفِيد هَذَا الْخطاب من التَّرَدُّد بَين الطُّهْر وَالْحيض وَلَو قَالَ الرجل لغيره فِي الدَّار رجل فهم مِنْهُ السَّامع مَا يَقْتَضِيهِ الْخطاب من أَن شخصا فِيهِ معنى الرجولية فِي الدَّار وَإِن علم أَنه شخص معِين وَأما الْعَرَبِيّ فانه لَا يتَمَكَّن من أَن يعرف مَا وضع لَهُ خطاب الزنج فَلم يحسن أَن يُخَاطب بِهِ مُنْفَردا عَن بَيَان لِأَن ذَلِك الْخطاب إِمَّا أَن يكون أمرا أَو نهيا أَو خَبرا أَو استخبارا أَو غير ذَلِك وَالسَّامِع لَهُ من الْعَرَب لَا يتَمَكَّن من معرفَة ذَلِك فان قيل فَلَو كَانَ فِي كَلَام الزنج مَا هُوَ مُشْتَرك بَين الْأَمر وَالنَّهْي وَجَمِيع أَقسَام
стр. 321
الْكَلَام لَكَانَ يحسن من الزنْجِي أَن يُخَاطب بِهِ الْعَرَبِيّ مُعْتَقد الْعَرَبِيّ أَنه قد أَرَادَ الْمُتَكَلّم وَاحِدًا من ذَلِك قيل لَا يحسن ذَلِك لِأَنَّهُ كَمَا يجوز أَن يكون فِي كَلَام الزنج مَا هُوَ مُشْتَرك من ذَلِك فانه يجوز خِلَافه فَلَا يكون مُعْتَقدًا فِي ذَلِك الْكَلَام مَا يفِيدهُ من التَّرَدُّد من هَذِه الْأَقْسَام فَلَو اعْتقد ذَلِك لاعتقده بِغَيْر الْكَلَام وَإِنَّمَا اعتقده لاعْتِقَاده حِكْمَة الْمُتَكَلّم أَو ظَنّه حكمته وَإِن الْحَكِيم لَا بُد من أَن يُرِيد بخطابه شَيْئا مَا
وَاحْتج من أجَاز تَأْخِير الْبَيَان من غير أَن فصل التَّفْصِيل الَّذِي ذَكرْنَاهُ بأَشْيَاء عقلية واشياء سمعية والسمعية مِنْهَا آيَات تدل على جَوَاز ذَلِك وَمِنْهَا آيَات وأخبار تدل على أَن الْبَيَان قد تَأَخّر من الله سُبْحَانَهُ وَمن رَسُوله ﷺ والصدر الأول
فَأَما الْأَشْيَاء الْعَقْلِيَّة فأمور
مِنْهَا أَن الْبَيَان إِنَّمَا يجب ليتَمَكَّن الْمُكَلف من أَدَاء مَا كلف والتمكين من ذَلِك غير مُحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد الْخطاب فانما يحْتَاج إِلَيْهِ قبل الْفِعْل بِلَا فصل فَلم يجب تَقْدِيمه عِنْد الْخطاب كَمَا لم يجب تَقْدِيم الْقُدْرَة عِنْد الْخطاب الْجَواب أَن مخالفهم يَقُول يحْتَاج إِلَى الْبَيَان لما ذَكرُوهُ وليخرج الْخطاب من كَونه عَبَثا أَو معزيا بِالْجَهْلِ وَكَانَ من حق المشتغل بِذكر الدَّلِيل أَن يذكر ذَلِك ويفسده يبين ذَلِك أَنه لَو لم يفْتَقر إِلَيْهِ إِلَّا للتمكن من الْأَدَاء لجَاز أَن يخاطبنا الله بِمَا لَا نفهم بِهِ شَيْئا أصلا كخطاب الزنج والمستدل يَأْبَى ذَلِك وَيَقُول لَا بُد من أَن يعرف السَّامع بِالْخِطَابِ شَيْئا مَا فَإِن قَالُوا لَيْسَ فِي تَأْخِير الْبَيَان إِيجَاب كَون الْخطاب عَبَثا لِأَنَّهُ وَإِن لم يفهم جِهَة المُرَاد فِي الْخطاب فَإِنَّهُ يُفِيد وجوب الْعَزْم والاعتقاد قيل فَيجب أَن يجوز خطاب الْعَرَبِيّ بالزنجية لِأَنَّهُ يُفِيد الْعَزْم والاعتقاد إِذا كَانَ الْمُتَكَلّم سيدا لسامع أَو علم السَّامع أَو ظن حكمته وعَلى أَنه إِنَّمَا يجب الْعَزْم والاعتقاد لَو علم أَن مَا خاطبه بِهِ أَمر وَمن يُجِيز تَأْخِير بَيَان الْعُمُوم وكل مَا لَهُ ظَاهر لَا يَأْمَن أَن تكون صِيغَة الْآمِر لم تسْتَعْمل فِي الْأَمر
стр. 322
وَأَنه يبين لَهُ ذَلِك فِيمَا بعد
وَمِنْهَا قَوْلهم لَيْسَ فِي تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل إغراء بِالْجَهْلِ فَفَارَقَ تَأْخِير بَيَان الْعُمُوم ولمخالفهم أَن يَقُول إِنَّه وَإِن فَارقه من هَذِه الْجِهَة فَإِنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يخْتَص بِكَوْنِهِ عَبَثا إِذا تَأَخّر بَيَانه على حسب مَا يذكرُونَهُ
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو قبح تَأْخِير الْبَيَان لقبح تَأْخِير الزَّمَان الْقصير وَإِن عطف جملَة من الْكَلَام على جملَة أُخْرَى وَيبين الأولى عقيب الثَّانِيَة ولقبح الْبَيَان بالْكلَام الطَّوِيل ولمخالفهم أَن يَقُول إِنَّمَا يحسن تَأْخِير مُدَّة لَا يخرج الْكَلَام مَعهَا من أَن يكون مترقبا يَرْجُو فِيهِ السَّامع زِيَادَة شَرط وَتَقْيِيد بِصفة وَهَذَا غير حَاصِل فِي الزَّمَان الْقصير وَلِهَذَا جَازَ أَن يتَكَلَّم الْإِنْسَان بِمَا لَا يفهم ثمَّ يُبينهُ بعد زمَان قصير وَلَا يجوز قِيَاسا على ذَلِك أَن يُبينهُ بعد زمَان طَوِيل وَالْكَلَام وَإِذا عطف بعضه على بعض جرى مجْرى الْجُمْلَة الْوَاحِدَة فبيان الْجُمْلَة الأولى عِنْد آخر الْكَلَام يجْرِي مجْرى بَيَانهَا عقبيها وَأما الْفِعْل الطَّوِيل وَالْكَلَام الطَّوِيل فانما يجوز وُقُوع الْبَيَان بهما مَعَ إِمْكَان الْبَيَان بالْكلَام الْقصير إِذا كَانَ فِي ذَلِك زِيَادَة مصلحَة وَمَعْلُوم أَنه يحسن بَيَان مَا لَا يفهم بِهِ شَيْء أصلا بِمثل ذَلِك وَلَا يجوز قِيَاسا عَلَيْهِ تَأْخِير بَيَانه الزَّمَان الطَّوِيل
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو قبح تَأْخِير الْبَيَان لَكَانَ وَجه قبحه فقد تبين الْمُكَلف وَذَلِكَ يَقْتَضِي قبح الْخطاب إِذا لم يتبينه الْمُكَلف وَإِن بَين لَهُ وَسَوَاء أَتَى فِي ذَلِك من قبيل نَفسه أَو من قبيل غَيره أَلا ترى أَن الْإِنْسَان يسْقط تَكْلِيفه إِذا مَاتَ سَوَاء أَمَاتَهُ الله أَو قتل نَفسه ولمخالفهم أَن يَقُول إِنَّمَا قبح تَأْخِير الْبَيَان لِأَن فِيهِ فقد التَّمْكِين من التبين لَا فقد التبين وَهَذَا غير قَائِم إِذا بَين لَهُ فَلم يتَبَيَّن لتقصير مِنْهُ فِي النّظر وَأما الْمَيِّت فَإِنَّمَا سقط عَنهُ التَّكْلِيف لفقد تمكنه من الْفِعْل سَوَاء قتل نَفسه أَو أبطل الله سُبْحَانَهُ حَيَاته وعَلى أَن ذَلِك منتقض بدنو حَال الْفِعْل لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن لَا يبين لَهُ وَإِن كَانَ لَو بَين لَهُ فَلم يتَبَيَّن لم يُوجب ذَلِك قبح التَّكْلِيف وَلَا قبح الْبَيَان
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو قبح تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل لَكَانَ وَجه قبحه أَنه لَا يُمكن
стр. 323
السَّامع لَهُ أَن يعرف بِهِ كَمَال المُرَاد وَلَو قبح لذَلِك لقبح تَأْخِير بَيَان النّسخ وَبَيَان كَون الْمُكَلف غير مُرَاد بِالْخِطَابِ إِذا كَانَ الْمَعْلُوم أَنه يعجز أَو يَمُوت وَهَذِه الدّلَالَة صَحِيحَة وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَنْهَا بِأَن تَأْخِير النّسخ وَبَيَان كَون الْمُكَلف غير مُرَاد بِالْخِطَابِ لَا يخل بالمعرفة بِصفة مَا كلفناه فَلَا يخل بالتمكن من الْفِعْل فِي وقته وَلَيْسَ كَذَلِك تَأْخِير بَيَان صفة الْعِبَادَة لِأَن الْجَهْل بصفتها لَا يُمكن مَعَه أَدَاؤُهَا فِي وَقتهَا وَلقَائِل أَن يَقُول وَكَذَلِكَ تَأْخِير بَيَان صفة الْعِبَادَة عَن وَقت الْخطاب إِلَى وَقت الْحَاجة لَا يخل بأَدَاء الْعِبَادَة فِي وَقتهَا
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو قبح تَأْخِير بَيَان الْعُمُوم لقبح تَأْخِير بَيَان النّسخ وَتَأْخِير بَيَان الْمُكَلف لِلْعِبَادَةِ أَو تَأْخِير بَيَان التَّخْصِيص يخل الْعلم باستغراق الْعُمُوم الْأَشْخَاص كَمَا أَن تَأْخِير بَيَان النّسخ يخل بِالْعلمِ باستغراق الْخطاب والأوقات وَالْجَوَاب أَنه لَا يجوز بَيَان ذَلِك كُله إِلَّا مَعَ الْإِشْعَار بالنسخ وتجويز كَون الْمُكَلف مِمَّن يَمُوت والإشعار بالتخصيص وَقد تقدم بَيَان ذَلِك وَقد فصل قَاضِي الْقُضَاة بَين تَأْخِير بَيَان النّسخ وَبَين بَيَان التَّخْصِيص بِأَن الْخطاب الْمُطلق مَعْلُوم أَن حكمه مُرْتَفع لعلمنا بِانْقِطَاع التَّكْلِيف وَلَيْسَ كَذَلِك التَّخْصِيص وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الله لَو قَالَ صلوا كل يَوْم جُمُعَة لَكِن ظَاهره يَقْتَضِي الدَّوَام ولوجب أَن يخرج مِنْهُ مَا بعد الْمَوْت لدلَالَة وَيبقى الْبَاقِي على ظَاهره فان جَازَ أَن يكون حكم الْخطاب مرتفعا مَعَ الْحَيَاة والتمكن وَلَا يدل الله سُبْحَانَهُ على ذَلِك وَإِن كَانَ ظَاهر الْخطاب يتَنَاوَلهُ جَازَ مثله فِي الْعُمُوم إِن قيل إِنَّمَا جَازَ تَأْخِير بَيَان النّسخ لِأَنَّهُ بَيَان مَا لم يرد بِالْخِطَابِ قيل وَلم إِذا كَانَ كَذَلِك جَازَ تَأْخِيره وعَلى أَن تَأْخِير التَّخْصِيص هُوَ تَأْخِير بَيَان مَا لم يرف بِالْعُمُومِ فَلَا فرق بَينهمَا فَإِن قيل إِن التَّخْصِيص وَإِن كَانَ بَيَان مَا لم يردهُ الْمُتَكَلّم بِالْعبَادَة فان تَأْخِيره يقْدَح فِي الْعلم بِمن أَرَادَهُ الْمُتَكَلّم بِالْخِطَابِ لأَنا إِذا جَوَّزنَا أَن يكون قد أُرِيد بِالْعُمُومِ بعض لم يبين لنا لم نَأْمَن فِي كل شخص أَن يكون مَا أُرِيد بِالْخِطَابِ وَفِي ذَلِك شكنا فِي الْأَشْخَاص الَّذين أَرَادَهُم الْمُتَكَلّم قيل هَذَا قَائِم فِي النّسخ لِأَن الْخطاب إِذا أَفَادَ ظَاهره إِيجَاب الصَّلَاة فِي كل يَوْم جُمُعَة وَجوز تَأْخِير بَيَان النّسخ قطعا على أَن الصَّلَاة فِي الْجُمُعَة الأولى مُرَاده
стр. 324
لِأَن النّسخ لَا يجوز أَن يَتَنَاوَلهَا وَيجوز فِيمَا بعْدهَا أَن يكون غير مُرَاده فِي ذَلِك شكنا فِيمَا أُرِيد منا من الصَّلَاة فِي الْجمع المستانفة وعَلى أَنا نجوز أَن يَأْمر الله سُبْحَانَهُ الْمُكَلّفين بالأفعال مَعَ أَن كل وَاحِد مِنْهُم يجوز أَن يَمُوت قبل وَقت الْفِعْل فَلَا يكون مُرَاده بِالْخِطَابِ وَفِي ذَلِك شكنا فِيمَن أُرِيد بِالْخِطَابِ وَهَذَا هُوَ تَخْصِيص لم يتقدمه بَيَان
وَأما مَا استدلوا بِهِ من جِهَة الْكتاب جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان فأشياء
مِنْهَا قَوْله ﴿إِن علينا جمعه وقرآنه فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه ثمَّ إِن علينا بَيَانه﴾ وَمعنى قرأناه أَنزَلْنَاهُ عَلَيْك لِأَنَّهُ قَالَ فاذا قرأناه فَاتبع قرآنه وَلَا يُمكن أَن يعقب الإتباع إِلَّا لإنزال الْقُرْآن وَقَالَ بعد ذَلِك ﴿ثمَّ إِن علينا بَيَانه﴾ وَثمّ للتراخي دلّ على أَن الْبَيَان إِنَّمَا يجب متراخيا عَن الْإِنْزَال وَالْجَوَاب أَن قَوْله سُبْحَانَهُ ثمَّ إِن علينا بَيَانه يرجع إِلَى جَمِيع الْمَذْكُور وَهُوَ الْقُرْآن وجميعه لَا يحْتَاج إِلَى بَيَان وَيجب صرف الْبَيَان هَا هُنَا إِلَى غير مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ فَلَيْسَ هم بِأَن يحملوا الْبَيَان هَا هُنَا على بَيَان الْمُجْمل والعموم لِأَن الظَّاهِر من إِطْلَاق اسْم الْبَيَان بِأولى من أَن نتمسك بِالظَّاهِرِ من رُجُوع الْكِنَايَة إِلَى جَمِيع الْقُرْآن وَيكون الْبَيَان هَا هُنَا إِظْهَاره بالتنزيل أَو نحمله على الْبَيَان الْمفصل لأَنا نجيز تَأْخِيره على مَا بَيناهُ وَيجوز أَن يكون قَوْله ثمَّ أَن علينا بَيَانه يتراخى عَن فَائِدَة قَوْله إِن علينا جمعه وقرآنه فَكَأَنَّهُ يجمعه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ ثمَّ ينزله ويبينه وَذَلِكَ متراخ عَن الْجَمِيع
وَمِنْهَا قَوْله ﴿وَلَا تعجل بِالْقُرْآنِ من قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه﴾ وَالْجَوَاب أَن ظَاهر ذَلِك يمْنَع من تَعْجِيل نفس الْقُرْآن لَا بَيَانه وَمعنى ذَلِك لَا تعجل بأَدَاء الْقُرْآن عقيب سَمَاعه حَتَّى لَا يخْتَلط عَلَيْهِ سَمَاعه بِأَدَائِهِ
فَأَما مَا استدلوا بِهِ على أَن الْبَيَان قد تَأَخّر لِأَشْيَاء
стр. 325
مِنْهَا أَن الله سُبْحَانَهُ لما أنزل قَوْله ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ﴾ قَالَ ابْن الزبعري فقد عبدت الْمَلَائِكَة وَعبد الْمَسِيح أفهؤلاء حصب جَهَنَّم فَتَأَخر بَيَان ذَلِك حَتَّى أنزل قَوْله ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى﴾ الْآيَة الْجَواب أَن الْبَيَان قد كَانَ حَاضرا وَلَكِن الْقَوْم لم يتبينوا لعنادهم لِأَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ﴾ وَمَا لما لَا يعقل فَلم يدْخل فِيهِ الْمَسِيح وَالْمَلَائِكَة
وَمِنْهَا أَن الله سُبْحَانَهُ لما أَمر بني إِسْرَائِيل بِذبح بقرة أَرَادَ بقرة مَوْصُوفَة غير منكورة وَلم يبينها لَهُم حَتَّى سَأَلُوا سؤالا بعد سُؤال وَالدّلَالَة على أَنه لم يرد بقرة مَذْكُورَة أَن قَوْلهم ﴿ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ﴾ و ﴿مَا لَوْنهَا﴾ وَقَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا فارض﴾ و ﴿إِنَّهَا بقرة صفراء﴾ و ﴿إِنَّهَا بقرة لَا ذَلُول﴾ ينْصَرف إِلَى مَا أمروا من قبل وَهَذَا يمْنَع من كَون هَذِه الْأَقَاوِيل تكاليف ممدودة قَالُوا وَلَيْسَ لكم أَن تَقولُوا إِن قَوْله ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ يُفِيد سُقُوط الْفَرْض بِذبح أَي بقرة شاؤوا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون إِيجَاب كَونهَا صفراء إِيجَابا مُجَردا وَكَانَ ذَلِك مصلحَة بِشَرْط تقدم الْأَمر بالمذكور وعصيانهم فِيهَا لِأَن الظَّاهِر وَإِن كَانَ مَا ذكرْتُمْ فَالظَّاهِر من هَذِه الْكِنَايَات رُجُوعهَا إِلَى مَا أمروا من قبل بذَبْحه والتمسك بظواهر هَذِه الْكِنَايَات مَعَ كثرتها وَترك ظَاهر وَاحِد وتأويله أولى من التَّمَسُّك بِظَاهِر وَاحِد وَترك عدَّة ظواهر وَالْجَوَاب أَن سُؤَالهمْ عَنْهَا يدل على أَن مُوسَى كَانَ قد أشعرهم بِأَن الْبَقَرَة غير منكورة وَلَوْلَا ذَلِك مَا خفى عَلَيْهِم أَنَّهَا مُطلقَة ولمخالفهم أَيْضا أَن يَقُول لَا يمْتَنع أَن يكون الْبَيَان قد كَانَ تقدم فَلم يتبينوا وَأَيْضًا فَيمكن أَن يُقَال إِن خُرُوج هَذَا الْكَلَام مخرج الذَّم
стр. 326
لَهُم وَقَول ابْن عَبَّاس ﵁ بَنو إِسْرَائِيل شَدَّدُوا فَشدد الله عَلَيْهِم يدل على أَن الْبَقَرَة الَّتِي أمروا ابْتِدَاء بذبحها كَانَت مَذْكُورَة وَأَنَّهُمْ كلفوا بعد ذَلِك تكليفا مُجَردا ذبح بقرة صفراء
وَمِنْهَا أَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ وَبَين النَّبِي ﷺ أَن السَّلب للْقَاتِل وَأَن بني أُميَّة لم يدخلُوا فِي ذَوي الْقُرْبَى فَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون الْبَيَان الْمُجْمل أَو الْمفصل قد كَانَ تقدم
وَمِنْهَا أَن الْمَلَائِكَة قَالَت لإِبْرَاهِيم ﵇ ﴿إِنَّا مهلكو أهل هَذِه الْقرْيَة إِن أَهلهَا كَانُوا ظالمين﴾ وَلم يبينوا أَنهم لم يُرِيدُوا لوطا وَالْمُؤمنِينَ حَتَّى سَأَلَهُمْ فَقَالُوا ﴿نَحن أعلم بِمن فِيهَا لننجينه وَأَهله﴾ وَالْجَوَاب أَنهم قد بينوا ذَلِك بقَوْلهمْ ﴿إِن أَهلهَا كَانُوا ظالمين﴾ لِأَن ذَلِك لَا يدْخل فِيهِ من لم يظلم وَلَو لم يكن ذَلِك بَيَانا لم يمْنَع أَن يَكُونُوا أَرَادوا فِي الْحَال بَيَان ذَلِك فبادرهم بالسؤال
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ أَن جِبْرِيل ﵇ قَالَ للنَّبِي ﷺ اقْرَأ قَالَ وَمَا أَقرَأ يَقُولهَا ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَالَ ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ قَالُوا فَأخر بَيَان مَا أمره بِهِ وَالْجَوَاب أَن هَذِه الرِّوَايَة من أَخْبَار الْآحَاد فَلم يَصح التَّعَلُّق بهَا هَا هُنَا وَأَيْضًا فَإِن الْأَمر إِن كَانَ على الْفَوْر فقد اقْتضى الْفِعْل فِي الثَّانِي وَفِي ذَلِك تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْفِعْل وَإِن لم يكن الْأَمر على الْفَوْر فَإِنَّهُ يُفِيد جَوَاز الْفِعْل فِي الثَّانِي وَتَأْخِير الْبَيَان عَنهُ تَأْخِير لَهُ عَن وَقت الْحَاجة فَلَا بُد لنا وَلَهُم من ترك الظَّاهِر
стр. 327
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن النَّبِي ﷺ لما سُئِلَ عَن الصَّلَاة لم يبينها فِي الْحَال وانتظر مَجِيء الْوَقْت حَتَّى يبينها بِالْفِعْلِ وَلم يبين آيَة الْحَج إِلَّا حِين حج وَقَالَ خُذُوا عني مَنَاسِككُم وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون قد أشعر بِأَن المُرَاد بِالصَّلَاةِ لَيْسَ هُوَ الدُّعَاء بل هُوَ شَيْء آخر قد انْتقل اسْم الصَّلَاة إِلَيْهِ وَلَوْلَا هَذَا الْإِشْعَار لما سَأَلَ السَّائِل عَن الصَّلَاة بل كَانَ يحمل الصَّلَاة على الدُّعَاء وَلَا يمْتَنع أَن يكون قد بَينهَا من قبل بالْقَوْل وَأخر بَيَانهَا بِالْفِعْلِ إِلَى وَقتهَا ليتأكد الْبَيَان وَأما الْحَج فقد بَينه قولا قبل أَن يحجّ وَلِهَذَا حج أَبُو بكر ﵁ بِالنَّاسِ
وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الْمُزَابَنَة فَلَمَّا شكت الْأَنْصَار إِلَيْهِ أرخص لَهُم فِي الْعَرَايَا ضرب من المزاينة وَهَذَا تَأْخِير بَيَان وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يكون بَين لَهُم ذَلِك بَيَانا مُجملا أَو مفصلا فَلم يتبينوه على أَن قَوْله أرخص لَهُم فِي الْعَرَايَا اسْتثِْنَاء وَشرع فِي إِبَاحَة الْعَرَايَا وَفِي ذَلِك كَون هَذِه الْإِبَاحَة نسخا مُتَقَدما فمنى أجَاز تَأْخِير بَيَان النّسخ لم يلْزمه هَذَا الْكَلَام وَمن لم يجز ذَلِك إِلَّا بالإشعار يَقُول قد كَانَ أشعرهم بِأَنَّهُ سيعرض للحظر نسخ
وَمِنْهَا أَن عمر ﵁ سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن الْكَلَالَة فَقَالَ يَكْفِيك آيَة الصَّيف فَكَانَ عمر يَقُول اللَّهُمَّ مهما شِئْت فان عمر لم يتَبَيَّن وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون الْبَيَان لم يتَأَخَّر وَلكنه لم يتَبَيَّن وَلَا بُد للمستدل من أَن يَقُول ذَلِك لِأَن الْحَاجة قد كَانَت حضرت
وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ أنفذ معَاذًا إِلَى الْيمن ليعلمهم الزَّكَاة وَغَيرهَا فَسَأَلُوهُ عَن الوقص فَقَالَ مَا سَمِعت فِيهِ شَيْئا من رَسُول الله ﷺ حَتَّى أرجع إِلَيْهِ فأسأله فَعلم أَن بَيَان ذَلِك لم يكن تقدم وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يكون الْبَيَان قد كَانَ تقدم وَلم يتبينه معَاذ على أَن بَيَان ذَلِك هُوَ بِالْبَقَاءِ على حكم
стр. 328
الْعقل فِي أَن لَا زَكَاة فِي الوقص وَلَا فِي غَيره إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْع وَقَول معَاذ حَتَّى أسأَل رَسُول الله ﷺ خرج على سَبِيل الْإِظْهَار لِأَن الْإِنْسَان قد يستظهر فِي السُّؤَال عَمَّا يعمله سِيمَا وَقد كَانَ يجوز معَاذ أَن يكون قد تجدّد فِي ذَلِك شرع لم يُعلمهُ على أَنه لَو لم يكن الْجَواب فِي ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ لدل على أَن الْبَيَان قد تَأَخّر عَن وَقت الْحَاجة لِأَن معَاذًا بعث إِلَى الْيمن ليَأْخُذ مِنْهُم الزَّكَاة وليعلمهم مَا يجب عَلَيْهِم وَكَانَ يجب عَلَيْهِم أَن يعلمُوا مِنْهُ فالحاجة قد كَانَت حضرت
وَمِنْهَا قَوْلهم قد وَردت أَخْبَار مستفيضة فِي بَيَان آيَات من الْقُرْآن وَإِنَّمَا تستفيض بعد مُدَّة وَفِي ذَلِك تَأْخِير بَيَانهَا عَنَّا إِلَى أَن يستفيض الْخَبَر وَالْجَوَاب أَن بَيَان الْقُرْآن مِنْهُ مَا لَا يجوز نَقله إِلَّا مستفيضا وَهُوَ مَا تعبدنا فِيهِ بِالْعلمِ دون الظَّن وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يستفيض ذَلِك فِي حَالَة استفاضة نقل الْقُرْآن وَإِن كَانَ نقل الْقُرْآن امْتَدَّ استفاضة وَمِنْه مَا يجوز نقل بَيَانه بالآحاد وَهُوَ مَا للظن فِيهِ مدْخل وَلَيْسَ يجب أَن يستفيض ذَلِك فَيُقَال إِنَّمَا يستفيض فِي مُدَّة فَيتَأَخَّر فِيهَا الْبَيَان
وَمِنْهَا أَن الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم نقلت أَخْبَارًا عِنْد نزُول الْحَاجة إِلَيْهَا وَهِي مخصصة للْعُمُوم كالخبر فِي أَخذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس وَغير ذَلِك فَلَو لم يجز تَأْخِير الْبَيَان لما نقلت ذَلِك وَالْجَوَاب أَن من منع من تأخيرالبيان من يجوز أَن لَا يستمع الْمُكَلف بالْخبر الْخَاص وَيَقُول يلْزمه الْبَحْث والطلب إِذا حوفه الخاطر يجوز أَن يكون فِي الْأَدِلَّة مَا يخصص الْعُمُوم فَلَا سُؤال عَلَيْهِ ﷺ َ - بَاب فِيمَن يجب أَن يبين لَهُ المُرَاد بِالْخِطَابِ وفيمن لَا يجب أَن يبين لَهُ ﷺ َ -
أعلم أَن ظَاهر الْأَمر إِذا تنَاول أفعالا من جمَاعَة فَإِنَّهُ يجوز أَن يُرِيد الْمُتَكَلّم جَمِيعهم وَيجوز أَن يُرِيد بَعضهم وَيجوز أَن يُرِيد جَمِيع تِلْكَ الْأَفْعَال وَيجوز أَن يُرِيد بَعْضهَا دون بعض فاذا صدر من الله سُبْحَانَهُ مَا ظَاهره الْأَمر بِأَفْعَال وَلم
стр. 329
يدل الْأَمر على مُرَاده من تِلْكَ الْأَفْعَال كَانَ ذَلِك صربان أَحدهمَا أَن يكون الِاسْم المتناول الْأَفْعَال مُجملا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أقِيمُوا الصَّلَاة﴾ وَالْآخر يكون الِاسْم ينبىء عَن صفتهَا لكنه عَام أُرِيد بعضه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ وَهُوَ لَا يُرِيد بَعضهم وَيجب فِي كلا الضربين أَن يبين الله تَعَالَى مُرَاده لمن أَرَادَ أَن يفهم الْخطاب دون من لم يرد أَن يفهمهُ أما من أَرَادَ أَن يفهمهُ فانه لَو لم يبين لَهُ المُرَاد مَعَ أَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى مَا كلف من الْفَهم إِلَّا بِالْبَيَانِ كَانَ قد كلف مَا لَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهِ وَأما من لم يرد أَن يفهم الْخطاب فانما لم يجب أَن يبين لَهُ المُرَاد لِأَنَّهُ لَا وَجه لوُجُوب بَيَان المُرَاد إِلَّا كَونه تمكينا مِمَّا أُرِيد من فهم المُرَاد وَهَذَا غير قَائِم لمن يرد الله سُبْحَانَهُ أَن يفهم مُرَاده بِالْخِطَابِ وَمَا لَيْسَ لَهُ وَجه وجوب فَلَيْسَ بِوَاجِب وَلِهَذَا لما لم يكن للأقدار وَجه وجوب إِلَّا كَونه تمكينا من الْفِعْل لم يلْزم أَن يقدر الله سُبْحَانَهُ على الْفِعْل من لم يكلفه فعله وَلِهَذَا لم يجب فِي حِكْمَة الله أَن يبين لنا مُرَاده بالكتب السالفة
فأذا ثَبت ذَلِك فَالَّذِينَ أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ مِنْهُم فهم خطابه ضَرْبَان أَحدهمَا أَرَادَ مِنْهُم فعل مَا تضمنه الْخطاب إِن كَانَ مَا تضمنه الْكتاب فعلا وَالْآخر لم يرد مِنْهُم فعل مَا تضمنه والأولون هم الْعلمَاء وَقد أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ أَن يفهموا مُرَاده بِآيَة الصَّلَاة وَأَن يفعلوها وَالْآخرُونَ هم الْعلمَاء فِي أَحْكَام الْحيض قد أُرِيد مِنْهُم الْخطاب وَلم يرد مِنْهُم فعل مَا تضمنه الْخطاب
وَالَّذين لم يرد الله سُبْحَانَهُ أَن يفهموا مُرَاده وَلم يُوجب ذَلِك عَلَيْهِم ذَلِك ضَرْبَان أَحدهمَا لم يرد مِنْهُم أَن يَفْعَلُوا مَا تضمنه الْخطاب وَالْآخر أَرَادَ مِنْهُم الْفِعْل فالأولون هم أمتنَا مَعَ الْكتب السالفة لِأَن الله سُبْحَانَهُ مَا أَرَادَ أَن يفهموا مُرَاده بهَا وَلَا أَن يَفْعَلُوا مقتضاها وَالْآخرُونَ هم النِّسَاء فِي أَحْكَام
стр. 330
الْحيض لِأَن الله سُبْحَانَهُ أَرَادَ مِنْهُنَّ الْتِزَام أَحْكَام الْحيض بِشَرْط أَن يفتيهن الْمُفْتِي وَجعل لَهُنَّ سَبِيلا إِلَى ذَلِك بِمَا علمنه من دين النَّبِي ﷺ من وجوب الرُّجُوع إِلَى الْعلمَاء أَو لم يرد مِنْهُنَّ على سَبِيل الْإِيجَاب فهم المُرَاد بِالْخِطَابِ لِأَنَّهُ لم يُوجب عَلَيْهِنَّ سَماع أَخْبَار الْحيض فضلا عَن الفحص عَن بَيَان مجملها وَتَخْصِيص عامها ﷺ َ - بَاب جَوَاز إسماع الْمُكَلف الْعَام دون الْخَاص ﷺ َ -
منع أَبُو الْهُذيْل وَأَبُو عَليّ رحمهمَا الله من ان يسمع الْحَكِيم خطابه الْعَام الْمُكَلف من دون أَن يسمعهُ مَا يدل من جِهَة السّمع على تَخْصِيصه وَمَا لَا يشْغلهُ عَن سَماع الْعَام حَتَّى يسمع الْخَاص مَعَه وأجازا أَن يسمعهُ الْعَام الْمَخْصُوص بأدلة الْعقل وَإِن لم يعلم السَّامع أَن فِي أَدَاة الْعقل مَا يدل على تَخْصِيصه وَأَجَازَ أَبُو إِسْحَق النظام وَأَبُو هَاشم رحمهمَا الله أَن يسمعهُ الْعَام من دون أَن يعرف الْخَاص سَوَاء كَانَ مَا يدل على تَخْصِيصه دَلِيلا عقليا أَو سمعيا وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب الْفُقَهَاء وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْعُمُوم الْمَخْصُوص يُمكن الْمُكَلف اعْتِقَاد تَخْصِيصه إِذا سمع بِالدَّلِيلِ الْمُخَصّص كَمَا يُمكنهُ ذَلِك إِذا لم يسمع بِهِ فَجَاز غسماعه الْعَام وَإِن تكلّف اعْتِقَاد تَخْصِيصه فِي الْحَالين لِأَنَّهُ فيهمَا مُتَمَكن مِمَّا كلف إِن قبل وَلم زعمتم أَنه يُمكنهُ اعْتِقَاد التَّخْصِيص إِذا لم يسمع الْمُخَصّص قيل لِأَن الله سُبْحَانَهُ يخْطر بِبَالِهِ جَوَاز كَون الْمُخَصّص فِي الشَّرْع فيشعره بذلك فيجوزه فاذا جوزه وَجب عَلَيْهِ طلبه كَمَا يلْزمه الْمعرفَة عِنْدَمَا يخَاف بالخاطر وَإِذا قلب الْمُخَصّص ظفر بِهِ فاذا نظر فِيهِ اعْتقد التَّخْصِيص وبمثل هَذِه الطَّرِيقَة يعلم التَّخْصِيص إِذا كَانَ الْمُخَصّص دَلِيلا عقليا إِن قيل دلَالَة الْعقل حَاضِرَة عِنْد السَّامع للْعُمُوم فأمكنه الْعلم بالتخصيص وَلَيْسَ كَذَلِك الْمُخَصّص السمعي إِذا لم يسمعهُ قيل لَا فرق بَينهمَا لِأَن كثيرا من الْمذَاهب لَا يشْعر الْإِنْسَان بِأَن عَلَيْهَا دَلِيلا عقليا بل رُبمَا استبعد أَن يكون عَلَيْهَا دَلِيلا عقليا كَمَا لَا يعلم أَن
стр. 331
على كثير من الْمذَاهب دلَالَة شَرْعِيَّة فَكَمَا جَازَ أَن يُكَلف طلب أَحدهمَا بالخاطر جَازَ مثه فِي الآخر
وَاحْتج الْأَولونَ بأَشْيَاء
مِنْهَا أَنه لَو أسمع الْحَكِيم غَيره الْعَام دون الْخَاص لَكَانَ قد أغراه بِالْجَهْلِ وَهُوَ اعْتِقَاد استغراقه وَإِبَاحَة ذَلِك وَهَذَا قَبِيح وَالْجَوَاب أَنه يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون قد أغراه بِالْجَهْلِ إِذا كَانَ الْمُخَصّص عقليا وعَلى أَن لَا يكون مغريا لَهُ بِالْجَهْلِ إِذا أشعره بالمخصص وأخطر ذَلِك بِبَالِهِ وخوفه من ترك طلبه
وَمِنْهَا أَنه لَو اسْمَعْهُ من دون الْخَاص لجرى مجْرى خطاب الْعَرَبِيّ بالزنجية وَالْجَوَاب أَن ذَلِك دَعْوَى وَالْفرق بَينهمَا أَن الْعَرَبِيّ لَا يفهم الزنجية وَلَا يتَمَكَّن من فهمها إِذا لم يكن من يُفَسِّرهَا لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِك من خُوطِبَ بِالْعَام وَيجوز كَون الْمُخَصّص فِي الشَّرْع وَمَا قَالُوهُ يلْزمهُم مثله إِذا كَانَ الْمُخَصّص عقليا
وَمِنْهَا أَنه لَو جَازَ أَن يسمعهُ الْعَام دون الْخَاص لجَاز أَن يسمعهُ الْمَنْسُوخ دون النَّاسِخ والمجمل دون الْبَيَان وَالْجَوَاب أَنه يجوز ذَلِك إِذا أشعره بالناسخ وَالْبَيَان وَكَانَ أَبُو على رُبمَا سوى بَين إسماع الْعُمُوم من دون الْمُخَصّص وَبَين إسماع الْمَنْسُوخ من دون النَّاسِخ وَرُبمَا لم يجز ذَلِك فِي الْعُمُوم وَأَجَازَهُ فِي النَّاسِخ وَالْأولَى التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي الْمَنْع وَالْجَوَاز
وَمِنْهَا انه لَو اسْمَعْهُ الْعَام دون الْخَاص للَزِمَ الْمُكَلف الْوَقْف حَتَّى يفحص عَن الْمُخَصّص وَفِي ذَلِك دُخُول فِي قَول أَصْحَاب الْوَقْف وَالْجَوَاب أَنه يلْزم مثله فِي الْمُخَصّص الْعقلِيّ وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي ذَلِك دُخُول فِي قَول أَصْحَاب الْوَقْف لِأَن أَصْحَاب الْوَقْف يقفون فِي الْعُمُوم مَعَ علمهمْ بتجرده عَن الْقَرَائِن وَنحن لَا نقف فِيهِ وَالْحَال هَذِه
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْإِنْسَان يلْزمه الْعَمَل بِمَا يُعلمهُ من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة وَلَا يلْزمه طلبَهَا أَلا ترى أَنه يلْزمه أَن يعْمل على مَا فِي عقله وَلَا يلْزمه أَن يتَوَقَّف
стр. 332
ويجوب الْبِلَاد ليعلم هَل بعث نَبِي يَنْقُلهُ عَمَّا فِي عقله أم لَا فَكَذَلِك يَنْبَغِي إِذا سمع أَن يعْتَقد استغراقه وَلَا يلْزمه طلب مَا يخصصه صِيغَة الْعُمُوم فَلَو جَازَ أَن يسمع الْعَام دون الْخَاص لَكَانَ مُبَاحا لَهُ أَن يعْتَقد استغراقه وَفِي ذَلِك إِبَاحَة الْجَهْل وَالْجَوَاب أَنه يلْزمهُم مثله فِي الْعُمُوم إِذا كَانَ الْمُخَصّص عقليا وَأَيْضًا فان هَذَا يدل على جَوَاز أَن يسمع الله تَعَالَى الْمُكَلف الْعَام وَلَا يسمعهُ الْخَاص وَيجوز لَهُ أَن يعْمل على ذَلِك من غير أَن طلب الْخَاص كَمَا يجوز أَن لَا يعرفهُ الله سُبْحَانَهُ أَنه قد بعث نَبيا فَلَا يلْزمه طلبه بل يعْمل على مَا فِي عقله فشبهتهم قد دلّت على مَا نتفق نَحن وهم على فَسَاده وَهُوَ جَوَاز أَلا يسمع الْخَاص وَلَا يلْزمه الطّلب لَهُ وَأَيْضًا فان الَّذِي ذَكرُوهُ هُوَ أَنه لَا يجب على الْإِنْسَان أَن يطوف الْبِلَاد وَيسْأل هَل بعث نَبِي أم لَا بل يفعل بِحَسب مَا فِي عقله وَنَظِير هَذَا إِذا سمع الْمُكَلف الْعَام أَن لَا يلْزمه أَن يطوف الْبِلَاد بِطَلَب الْمُخَصّص وَكَذَلِكَ نقُول فَإنَّا نوجب عَلَيْهِ الْعَمَل على الْعَام فَإِن كَانَ مَخْصُوصًا فَإِنَّمَا يلْزمه تَخْصِيصه بِشَرْط أَن يبلغهُ الْمُخَصّص فَأَما إِذا سمع بِنَبِي فِي بلد فَإِنَّهُ يلْزمه أَن يسْأَل عَنهُ كَمَا يلْزمه أَن يسْأَل عَمَّا يخصص الْعُمُوم فِي بَلَده فَإِن قيل فَإِن كَانَ الْعُمُوم نَاقِلا عَمَّا فِي الْعقل وَكَانَ الْعَمَل بِهِ قد حضر وضاق الْوَقْت عَن طلب الْمُخَصّص مَا الَّذِي يلْزمه قيل الْأَشْبَه أَن يلْزمه الْعَمَل على الْعُمُوم لِأَنَّهُ لَو لم يجز ذَلِك لم يسمعهُ الله سُبْحَانَهُ قبل تَمْكِينه من الْمعرفَة بالمخصص فَيجب عَلَيْهِ الْعَمَل على الْعُمُوم ثمَّ يطْلب الْمُخَصّص فِيمَا بعد وَيحْتَمل أَن يُقَال يعْمل على مَا فِي عقله لِأَن من شَرط الْعَمَل على الْعُمُوم أَن يعلم فقد الْمُخَصّص وَهَذَا غير حَاصِل وَيجوز أَن يكون لَهُ مصلحَة فِي سَماع الْعُمُوم فِي ذَلِك الْوَقْت
стр. 333
الْكَلَام فِي الْأَفْعَال
ﷺ َ - بَاب فِي ذكر فُصُول الْأَفْعَال ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْغَرَض بالْكلَام فِي أَفعَال النَّبِي ﷺ أَن نَنْظُر هَل تدل على حكم من الْأَحْكَام وَإِن دلّت فعلى أَي حكم تدل وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن نقسم الْأَفْعَال فِي الْجُمْلَة بِحَسب أَحْكَامهَا من الْحسن والقبح وَمَا يتَفَرَّع عَلَيْهَا ثمَّ نَنْظُر هَل يشْتَرك القادرون فِي إِيقَاع تِلْكَ الْأَقْسَام أم لَا ثمَّ نَنْظُر هَل يدل الْفِعْل أَو السّمع على وجوب أفال مثل أَفعَال النَّبِي ﷺ علينا وَهل إِن دلّ السّمع على ذَلِك فعلى أَي وَجه يدل وَلما افتقرنا فِي ذَلِك إِلَى معرفَة النَّاس والاتباع وَغير ذَلِك وَجب ذكر ذَلِك قبل النّظر فِي الطَّرِيق إِلَى أَن أَفعَال النَّبِي ﷺ على الْوُجُوب وَبعد ذَلِك كُله نقسم الْوُجُوه الَّتِي تقع عَلَيْهَا أَفعاله ﷺ وَنَذْكُر الطَّرِيق إِلَيْهَا ثمَّ نذْكر مَا يدل عَلَيْهِ افعاله ﷺ الْمُتَعَلّقَة بِغَيْرِهِ ثمَّ نتكلم فِي أَفعاله ﷺ إِذا تَعَارَضَت أَو عارضت خطاب الله سُبْحَانَهُ أَو خطابه مَا حكمهمَا وَهل يَقع بَينهمَا تَخْصِيص وَنسخ أم لَا وَعند ذَلِك يَأْتِي على غرضنا فِي دلَالَة أَفعاله ﷺ على مَا يدل عَلَيْهِ وعَلى تَوَابِع هَذَا الْغَرَض ﷺ َ - بَاب فِي قسْمَة افعال الْمُكَلف إِلَى أَحْكَامهَا ﷺ َ -
اعْلَم أَنا نقسم الْأَفْعَال هَا هُنَا ضروبا من الْقِسْمَة أَحدهَا تقسيمها بِحَسب
стр. 334
أَحْكَامهَا فِي الْحسن والقبح وَالْآخر بِحَسب تعلق أَحْكَامهَا على فاعليها وَغير فاعليها وَالْآخر بِحَسب كَونهَا شَرْعِيَّة وعقلية وَكَونهَا أسبابا فِي أَحْكَام أَفعَال أخر
أما الأول فَهُوَ أَن الْإِنْسَان إِمَّا أَن يصدر عَنهُ فعله وَلَيْسَ هُوَ على حَالَة تَكْلِيف وَإِمَّا أَن يكون على حَالَة تَكْلِيف فَالْأول نَحْو فعل الساهي والنائم وَالْمَجْنُون والطفل وَهَذِه الْأَفْعَال لَا يتَوَجَّه نَحْو فاعليها ذمّ وَلَا مدح وَإِن كَانَ قد تعلق بهَا وجوب ضَمَان وَأرش جنايه فِي مَالهم وَيجب إِخْرَاجه على وليهم وَالثَّانِي ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون مِمَّا لَيْسَ للقادر عَلَيْهِ المتمكن من الْعلم بِهِ أَن يَفْعَله وَإِذا فعله كَانَ فعله لَهُ مؤثرا فِي اسْتِحْقَاق الذَّم فَيكون قبيحا وَالضَّرْب الآخر أَن يكون لمن هَذِه حَاله فعله وَإِذا فعله لم يكن لَهُ تاثير فِي اسْتِحْقَاق الذَّم وَهُوَ الْحسن والقبيح ضَرْبَان أَحدهمَا صَغِير وَالْآخر كَبِير وَالصَّغِير هُوَ الَّذِي لَا يزِيد عِقَابه وذمه على ثَوَاب فَاعله ومدحه وَالْكَبِير هُوَ مَا لَا يكون لفَاعِله ثَوَاب أَكثر من عِقَابه وَلَا مسَاوٍ لَهُ وَالْكَبِير ضَرْبَان أَحدهمَا يسْتَحق عَلَيْهِ عِقَاب عَظِيم وَهُوَ الْكفْر وَالْآخر يسْتَحق عَلَيْهِ دون ذَلِك الْقدر من الْعقَاب وَهُوَ الْفسق وَذكر الشَّيْخ أَبُو عبد الله أَن أهل الْعرَاق يقسمون الْقَبِيح إِلَى الْمحرم وَالْمَكْرُوه وَإِلَى مَا الأولى أَن لَا يفعل وَإِلَى مَا لَا بَأْس بِفِعْلِهِ فَالْأول كَأَكْل الْميتَة وَشرب الدَّم وكل مَا لم يكن طَرِيق قبحه مُجْتَهدا فِيهِ وَالْمَكْرُوه نَحْو كثير من سُؤْر السبَاع وكل مَا كَانَ طَرِيق قبحه مُجْتَهدا فِيهِ وَأما مَا الأولى أَلا يفعل فَهُوَ اسْتِعْمَال سُؤْر الهر عِنْد أبي حنيفَة وَأما الَّذِي لَا بَأْس بِهِ فَهُوَ مَا فِيهِ أدنى شُبْهَة كاستعمال أسآر كثير مِمَّا يُؤْكَل لَحْمه فَأَما مَا لَا شُبْهَة فِيهِ كَالْمَاءِ فانه لَا يُقَال لَا بَأْس بِهِ وَأما الشَّافِعِي فانه يصف الشَّيْء بِأَنَّهُ مَكْرُوه إِذا كَانَ طَرِيق قبحه مَقْطُوعًا بِهِ وَأما الْحسن فضربان أَحدهمَا إِمَّا أَن لَا يكون لَهُ صفة زَائِدَة على حسنه تُؤثر فِي اسْتِحْقَاق الْمَدْح وَالثَّوَاب فَيكون فِي معنى الْمُبَاح وَإِمَّا أَن يكون لَهُ صفة زَائِدَة على حسنه لَهَا مدْخل فِي اسْتِحْقَاق الْمَدْح وَهَذَا الْقسم إِمَّا أَن لَا يكون للإخلال بِهِ مدْخل فِي اسْتِحْقَاق الذَّم وَإِمَّا
стр. 335
أَن يكون لَهُ مدْخل فِي اسْتِحْقَاق الذَّم وَالْأول فِي معنى النّدب الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِب وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون نفعا موصلا إِلَى الْغَيْر على طَرِيق الْإِحْسَان إِلَيْهِ فيوصف بِأَنَّهُ فضل وَالْآخر لَا يكون نفعا موصلا إِلَى الْغَيْر على طَرِيق الْإِحْسَان بل يكون مَقْصُورا على فَاعله فيوصف بِأَنَّهُ مَنْدُوب إِلَيْهِ ومرغب فِيهِ وَلَا يُوصف بِأَنَّهُ إِحْسَان إِلَى الْغَيْر وَأما الَّذِي للإخلال بِهِ مدْخل فِي اسْتِحْقَاق الذَّم فضربان أَحدهمَا الْإِخْلَال بِهِ بِعَيْنِه مُؤثر فِي اسْتِحْقَاق الذَّم وَهُوَ الْوَاجِب على التَّخْيِير كالكفارات وَالْقسم الأول ضَرْبَان أَحدهمَا لَا يُرَاعى فِي اسْتِحْقَاق ذمّ المخل بِهِ ظَنّه لإخلال الْغَيْر بِهِ وَالْآخر يُرَاعِي ذَلِك فَالْأول هُوَ الْوَاجِب على الْأَعْيَان وَالثَّانِي الْوَاجِبَات على الْكِفَايَة كالجهاد وَغَيره وَيقسم غير أَصْحَابنَا الْوَاجِب إِلَى الموسع والمضيق فالموسع هُوَ الْوَاجِب الْجَائِز تَأْخِيره عَن الْوَقْت إِلَى وَقت كَالصَّلَاةِ فِي أول وَقتهَا والمضيق هُوَ الَّذِي لَا يجوز تَأْخِيره عَن الْوَقْت الَّذِي هُوَ مضيق فِيهِ كَالصَّلَاةِ فِي آخر وَقتهَا
وكل قسم من هَذِه الْأَقْسَام يخْتَص بحدود وأوصاف نَحن نذكرها
أما الْقَبِيح فَهُوَ مَا لَيْسَ للمتمكن مِنْهُ وَمن الْعلم بقبحه أَن يَفْعَله وَمعنى قَوْلنَا لَيْسَ لَهُ أَن يَفْعَله مَعْقُول لَا يحْتَاج إِلَى التَّفْسِير وَيتبع ذَلِك أَن يسْتَحق الذَّم بِفِعْلِهِ وَيحد أَيْضا بِأَنَّهُ الَّذِي على صفة لَهَا تَأْثِير فِي اسْتِحْقَاق الذَّم وَإِنَّمَا لم نحد الْقَبِيح بِأَنَّهُ الَّذِي يسْتَحق من فعله الذَّم لِأَن الْقَبِيح لَو وَقع مِمَّن قد اسْتحق فِيمَا تقدم من الْمَدْح أَكثر مِمَّا يسْتَحق على ذَلِك الْقَبِيح من الذَّم لَكَانَ مَا يسْتَحقّهُ من الْمَدْح مَانِعا من اسْتِحْقَاق الذَّم على ذَلِك الْقَبِيح والبهيمة أَيْضا قد يفعل الْقَبِيح عِنْد أَصْحَابنَا وَلَا يسْتَحق الذَّم والقبيح قد يُوصف بأوصاف كَثِيرَة
مِنْهَا قَوْلنَا مَعْصِيّة وَإِطْلَاق ذَلِك فِي الْعرف يُفِيد أَنه فعل يكرههُ الله سُبْحَانَهُ ويفيد فِي اصل اللُّغَة فعل يكرههُ كَارِه وَمن أَصْحَابنَا من شَرط فِيهِ كَون الكاره أَعلَى رُتْبَة من العَاصِي
стр. 336
وَمِنْهَا وَصفه بِأَنَّهُ مَحْظُور والحظر يُفِيد الْمَنْع ويفيد فِي الْعرف أَن الله قد منع مِنْهُ بِالنَّهْي والوعيد والزجر
وَمِنْهَا وَصفه بِأَنَّهُ محرم وَذَلِكَ يُفِيد فِي الْعرف قبحه وَأَن الله منع مِنْهُ بالوعيد وَالنَّهْي
وَمِنْهَا وَصفه بِأَنَّهُ ذَنْب وَمَعْنَاهُ أَن قَبِيح يتَوَقَّع الْمُؤَاخَذَة عَلَيْهِ والعقوبة وَلذَلِك لَا تُوصَف أَفعَال الْبَهِيمَة والطفل بذلك وَرُبمَا وصف فعل الْمُرَاهق بذلك لما لحقه الْأَدَب على فعله
وَمِنْهَا وَصفه بِأَنَّهُ مَكْرُوه ويفيد فِي الْعرف أَن الله سُبْحَانَهُ هُوَ الكاره لَهُ
وَمِنْهَا وَصفه بِأَنَّهُ مزجور عَنهُ ومتوعد عَلَيْهِ ويفيد فِي الْعرف أَن الله سُبْحَانَهُ هُوَ المتوعد عَلَيْهِ والزاجر عَنهُ
وَأما الْحسن فَهُوَ مَا للقادر عَلَيْهِ المتمكن من الْعلم بِحَالهِ أَن يَفْعَله وَأَيْضًا مَا لم يكن على صفة يُؤثر فِي اسْتِحْقَاق فَاعله الذَّم أَو مَا لَيْسَ لَهُ مدْخل فِي اسْتِحْقَاق فَاعله الذَّم وَإِذا لم يكن لِلْحسنِ صفة زَائِدَة على حسنه وصف بِأَنَّهُ مُبَاح ويفيد أَن مبيحا اباحه وَمعنى الْإِبَاحَة هُوَ إِزَالَة الْحَظْر وَالْمَنْع بالزجر والوعد وَغَيرهمَا مِمَّن يتَوَقَّع مِنْهُ الْمَنْع وَإِطْلَاق قَوْلنَا مُبَاح يُفِيد أَن الله تَعَالَى أَبَاحَهُ بِأَن أعلمنَا أَو دلنا على حسنه وَلم يمْنَع مِنْهُ ويوصف بِأَنَّهُ حَلَال وطلق ويفيد مَا يُفِيد وَصفنَا بِأَنَّهُ مُبَاح وَلذَلِك لم يُوصف أَفعَال الله الْحَسَنَة بِأَنَّهَا مُبَاحَة وَإِن كَانَت حَسَنَة نَحْو تَعْذِيب من اسْتحق الْعقَاب وَمن حق الْمُبَاح أَن لَا يسْتَحق على فعله ثَوَاب لِأَنَّهُ لَو اسْتحق عَلَيْهِ ثَوَاب كَانَ فعله أولى من تَركه ولكان على صفة يتَرَجَّح بهَا فعله على تَركه ولرغب الله تَعَالَى فِي فعله وَمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ أخبرنَا بِالرجلِ يُثَاب على وطيء أَهله أَرَأَيْت لَو وَضعته فِي حرَام فانما يدل على أَنه اسْتحق الثَّوَاب لعدوله
стр. 337
عَن الْحَرَام وقصره نَفسه على الْحَلَال وَأما اسْتِحْقَاق الْإِنْسَان الثَّوَاب على إحسانه إِلَى وَلَده فَلِأَن ذَلِك قد يخْتَص بِضَرْب من الكلفة باخراج بعض مَاله وَلَو أَنه أحسن إِلَيْهِ ليسر نَفسه فَقَط لم يسْتَحق الثَّوَاب إِن قيل أَلَيْسَ قد نهى النَّبِي ﵇ عَن صَوْم الْوِصَال وَذَلِكَ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاق الثَّوَاب على الْأكل مَعَ أَنه مُبَاح الْجَواب أَن الْأكل وَالشرب فِي وَقت الْإِفْطَار واجبان على من رغب نَفسه فِي الْوِصَال وشق عَلَيْهِ أَن لَا يَفْعَله فان قيل كَيفَ يكون وَاجِبا وَهُوَ يدْفع بِالْأَكْلِ مضرَّة الْجُوع قيل لِأَن دفع المضار إِذا قابله صوارف دخل فِي التَّكْلِيف وَالْوُجُوب فَأَما النِّكَاح فَإِنَّمَا صَحَّ أَن يدْخل تَحت التَّكْلِيف مَعَ أَنه وصلَة إِلَى الله سُبْحَانَهُ لِأَنَّهُ يخْتَص بالانصراف عَن الْمَحْظُور فَكَأَن الْإِنْسَان ندب إِلَى التَّزْوِيج ليَكُون هَذَا غَرَضه وَلَيْسَ هَذَا الْغَرَض لَذَّة بل تقترن بذلك مضرَّة من حَيْثُ يصرف نَفسه عَن الاسترسال فِي الْحَرَام وَالنِّكَاح أَيْضا وصلَة إِلَى مضرَّة هِيَ ثلم المَال بِالْإِنْفَاقِ وَالزِّيَادَة فِي الكد والانتقال عَن خلو الْقلب إِلَى شغل الْقلب وكل هَذِه مشاق فَجَاز دُخُولهَا تَحت التَّعَبُّد وَأما إِذا اخْتصَّ الْحسن بِصفة زَائِدَة على حسنه اسْتحق لمكانها الْمَدْح فَلَا يسْتَحق بالإخلال بِهِ الذَّم فَإِنَّهُ إِذا فعله الْمُكَلف وصف بِأَنَّهُ مَنْدُوب إِلَيْهِ بِمَعْنى أَنه قد بعث عَلَيْهِ وَهَذَا الْمَعْنى حَاصِل فِي الْوَاجِب أَيْضا إِلَّا أَن قَوْلنَا مَنْدُوب إِلَيْهِ فِي الْعرف أَنه قد بعث عَلَيْهِ من غير إِيجَاب وَقَوْلنَا مرغب فِيهِ أَنه قد بعث الْمُكَلف على فعله بالثواب ويفيد فِي الْعرف مَا هَذِه سَبيله مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِب ويوصف أَنه مُسْتَحبّ وَمَعْنَاهُ فِي الْعرف أَن الله سُبْحَانَهُ قد أحبه وَلَيْسَ بِوَاجِب وَقَوْلنَا نفل يُفِيد أَنه طَاعَة غير وَاجِبَة وَأَن للْإنْسَان فعله من غير لُزُوم وحتم وَكَذَلِكَ وَصفنَا لَهُ بِأَنَّهُ تطوع يُفِيد أَن الْمُكَلف انْقَادَ إِلَيْهِ مَعَ قربَة من غير لُزُوم وحتم ويوصف بِأَنَّهُ سنة ويفيد فِي الْعرف أَنه طَاعَة غير وَاجِبَة وَلذَلِك نجْعَل ذَلِك فِي مُقَابلَة الْوَاجِب لَو قَالَ أَهَذا الْفِعْل سنة أَو وَاجِب وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن قَوْلنَا سنة لَا يخْتَص بالمندوب إِلَيْهِ دون الْوَاجِب وَإِنَّمَا يتَنَاوَل كل مَا علم وُجُوبه أَو كَونه ندبا بِأَمْر النَّبِي ﷺ =
стр. 338
وبإدامة فعله لِأَن السّنة مَأْخُوذَة من الإدامة وَلذَلِك يُقَال إِن الْخِتَان من السّنة وَلَا يُرَاد أَنه غير وَاجِب وَحكي عَن بعض الْفُقَهَاء أَن قَوْلنَا سنة يخْتَص بالنفل دون الْوَاجِب وَهَذَا أشبهه من جِهَة الْعرف ويوصف بِأَنَّهُ إِحْسَان إِذا كَانَ نفعا موصلا إِلَى الْغَيْر قصدا إِلَى نَفعه ويوصف بِأَنَّهُ مَأْمُور بِهِ لِأَن أَمر الله تَعَالَى قد تنَاوله فَهَذِهِ هِيَ الْأَوْصَاف الَّتِي تخْتَص النّدب وَمن حق النّدب أَن يسْتَحق الثَّوَاب والمدح بِفِعْلِهِ وَلَا يسْتَحق الذَّم بالإخلال بِهِ وَلَا الْعقَاب لِأَنَّهُمَا لَو استحقا على الْإِخْلَال بالمندوب إِلَيْهِ لَكَانَ وَاجِبا وَإِنَّمَا ذمّ الْفُقَهَاء من عدل عَن جَمِيع النَّوَافِل لاستدلالهم بذلك على استهانته بالْخبر وزهده فِيهِ والنفوس تستنقص من هَذِه سَبيله وَأما الْوَاجِب فَهُوَ مَا لَيْسَ لمن قيل لَهُ وَاجِب عَلَيْهِ الْإِخْلَال بِهِ على كل حَال وَدخل فِي ذَلِك الْوَاجِب الْمعِين والمخير فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لنا الْإِخْلَال بِالْوَاجِبِ حَتَّى نخل بِهِ وبجميع مَا يقوم مقَامه وَيحد أَيْضا بِأَنَّهُ الَّذِي للإخلال بِهِ مدْخل فِي اسْتِحْقَاق الذَّم أَو أَنه فعل على صفة تُؤثر فِي اسْتِحْقَاق الذَّم على الْإِخْلَال بِهِ أَو أَنه الَّذِي يسْتَحق الذَّم بالإخلال بِهِ مَا لم يمْنَع من ذمه مَانع وَإِنَّمَا لم نحده بِأَنَّهُ الَّذِي يسْتَحق من لم يَفْعَله الذَّم لِأَن الْفِعْل قد يكون وَاجِبا فيخل بِهِ الْإِنْسَان فَلَا يسْتَحق ذما إِذا فعل بدله أَو إِذا كَانَ مُسْتَحقّا من الْمَدْح أَكثر مِمَّا يسْتَحق على الْإِخْلَال بذلك الْوَاجِب من الذَّم أَنه لما كَانَ للإخلال بِهَذَا الْوَاجِب مدخلًا فِي اسْتِحْقَاق الذَّم وَكَانَ مؤثرا فِي اسْتِحْقَاقه دخل فِي الْحُدُود الَّتِي ذَكرنَاهَا أَلا ترى أَنه لَو لم يكن للمخل بِالْوَاجِبِ ثَوَاب زَائِد أَو أَنه أخل بِهِ وَبِكُل مَا يقوم مقَامه اسْتحق الذَّم إِن قيل أَلَيْسَ لَو كَانَ عِقَاب الْإِخْلَال بِالْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَة الْيَمين أَزِيد من عِقَاب الْعتْق وَالْكِسْوَة لِأَنَّهُ أقل مشقة مِنْهُمَا لَكَانَ لَا يسْتَحق من أخل بجميعها مَعَ التَّمَكُّن عِقَاب ترك الْإِطْعَام وَإِنَّمَا يسْتَحق عِقَاب أقلهَا عقَابا وَلَو فعل وَاحِدًا مِنْهُمَا
стр. 339
لم يسْتَحق عقَابا أصلا فقد صَار ذمّ ترك الْإِطْعَام لَا يسْتَحق أصلا مَعَ أَن الْإِطْعَام وَاجِب قيل لَهُ وَإِن لم يسْتَحق الذَّم على الْإِخْلَال بالطهام فَإِن للإخلال بِهِ مدْخل فِي اسْتِحْقَاق الذَّم وَهُوَ على صفة مُؤثرَة فِيهِ لِأَن هَذَا القَوْل يَقْتَضِي أَنه يجوز على بعض الْوُجُوه أَن يُؤثر الْإِخْلَال بِهِ فِي اسْتِحْقَاق الذَّم وَهَذِه صفة مَا ذكرت لِأَنَّهُ لَو زَاد ذمّ الْإِخْلَال بِالْعِتْقِ أَو بالكسوة على ذمّ الْإِخْلَال بِالْإِطْعَامِ لَا يسْتَحق ذمّ الْإِخْلَال بِالْإِطْعَامِ وَأَيْضًا فقد بَينا فِيمَا تقدم أَن ذمّ أقل الْكَفَّارَات ذما إِذا اسْتَحَقَّه المخل بجميعها فَإِنَّهُ يسْتَحقّهُ على إخلاله بجميعها لِأَنَّهُ مخل بجميعها وَكلهَا مُتَسَاوِيَة فِي الْوُجُوب وَلَيْسَ يجوز أَن يلام على إخلاله بِبَعْضِهَا مَعَ أَنه لَو أخل بِهِ وَفعل غَيره لم يسْتَحق ذمّ
فَأَما الْوَاجِب الْمعِين فَهُوَ الَّذِي للإخلال بِهِ بِعَيْنِه مدْخل فِي اسْتِحْقَاق الذَّم كره الْوَدِيعَة وَمَا أشبههَا وَأما الْوَاجِب الْمُخَير فِيهِ فَهُوَ الَّذِي للإخلال بِهِ وَبِمَا يقوم مقَامه مدْخل فِي اسْتِحْقَاق الذَّم أَو الَّذِي لَيْسَ لمن قيل انه وَاجِب عَلَيْهِ أَن يخل بِهِ وَبِمَا يقوم مقَامه أَو الَّذِي الْإِخْلَال بِهِ وَبِمَا يقوم مقَامه مُؤثر فِي اسْتِحْقَاق الذَّم كالكفارات الثَّلَاث وَأما الْوَاجِب على الْأَعْيَان فَهُوَ الَّذِي لَا يقف اسْتِحْقَاق الذَّم على الْإِخْلَال بِهِ على ظن لإخلال الْغَيْر بِهِ وَأما الْوَاجِب على الْكِفَايَة فَهُوَ مَا وقف اسْتِحْقَاق الذَّم على الْإِخْلَال بِهِ على ظن إخلال الْغَيْر بِهِ وَذَلِكَ أَن من يتَمَكَّن من الْجِهَاد إِن أخل بِهِ وَهُوَ يظنّ أَن غَيره يقوم بِهِ لم يسْتَحق الذَّم وَإِن ظن أَن غَيره لَا يقوم بِهِ اسْتحق الذَّم فَأَما الْوَاجِب الموسع والمضيق فقد تقدم ذكرهمَا ويوصف الْوَاجِب بِأَنَّهُ فرض وَمَعْنَاهُ أَنه قد فرض وُجُوبه وَقدر بِأَن أعلم وُجُوبه أَو دلّ عَلَيْهِ وَلذَلِك لَا تُوصَف الْوَاجِبَات من أَفعَال الله تَعَالَى بِأَنَّهَا فرض وَحكى الشَّيْخ أَبُو عبد الله عَن أهل الْعرَاق أَن الْفَرْض هُوَ الْوَاجِب الَّذِي طَرِيق وُجُوبه مَقْطُوع بِهِ وَأَن الْوَاجِب الَّذِي لَيْسَ بِفَرْض هُوَ مَا كَانَ طَرِيق وُجُوبه يدْخلهُ الأمارات والظنون وَلما تقدم من معنى الْوَاجِب وَالنَّفْل لم يجز أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد وَاجِبا على زيد نفلا مِنْهُ لِأَنَّهُ يمْتَنع أَن يسْتَحق
стр. 340
الذَّم على الْإِخْلَال بِهِ وَلَا يسْتَحق وَالْوَقْت وَاحِد وَإِنَّمَا وصف الْفُقَهَاء الْحجَّة بِأَنَّهَا نفل وَيجب الْمُضِيّ فِيهَا لأَنهم عنوا أَن ابتدائها نفل والمضي فِيهَا وَاجِب وَذَلِكَ غير مُمْتَنع
وَقد يَنْفِي الْفُقَهَاء الْوُجُوب عَن بعض أَفعَال الْعباد ويعنون بذلك كَونه شرطا فِي الْعِبَادَة وَلذَلِك قَالَ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة إِن الطُّمَأْنِينَة فِي الرطوع وَالسُّجُود غير وَاجِبَة فِي الصَّلَاة يعنون أَنَّهَا غير شَرط وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَة عِنْدهم وَلذَلِك يذمون تاركها وَقَالُوا من ترك قِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب مسيء دون من ترك قِرَاءَة سُورَة غَيرهَا وَقد يَقُول بعض الشَّافِعِيَّة إِن الْحلق فِي الْحَج مُبَاح ويعنون أَنه لَيْسَ بِشَرْط فِي التَّحْلِيل وَلَا يعنون أَنه غير مَنْدُوب إِلَيْهِ
فَأَما الْقِسْمَة الثَّانِيَة فَهِيَ أَن الْأَفْعَال مِنْهَا مَا لَا حكم لَهُ كالمباحات وَمِنْهَا مَا لَهُ حكم وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا يتَعَلَّق ذَلِك الحكم على فَاعله كجناية الْمُكَلف على مَال غَيره وَالْآخر يتَعَلَّق ذَلِك الحكم على غير فَاعله وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا يتَعَلَّق على غير الْفَاعِل فِي مَاله نَحْو لُزُوم الدِّيَة على الْعَاقِلَة وَالْآخر يتَعَلَّق على غير الْفَاعِل فِي مَال الْفَاعِل نَحْو أَن يلْزم ولي الْيَتِيم إِخْرَاج أرش جِنَايَة الْيَتِيم من مَال الْيَتِيم
وَأما الْقِسْمَة الثَّالِثَة فَهِيَ أَن الْأَفْعَال ضَرْبَان عقلية وسمعية فالعقلية هِيَ الْمَعْرُوفَة أَحْكَامهَا بِالْعقلِ وَأما الشَّرْعِيَّة فَهِيَ الَّتِي للشَّرْع فِيهَا مدْخل وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا يكون الشَّرْع وَحده قد أثبت صُورَة ذَلِك الْفِعْل وَأثبت التَّعَبُّد بِهِ كَالصَّلَاةِ وَالْآخر أَن يكون قد غير شرطا من شَرَائِطه إِمَّا بِزِيَادَة أَو نُقْصَان كَالْبيع الَّذِي هُوَ مَعْلُوم حكمه بِالْعقلِ غير أَن الشَّرْع لما أثبت فِيهِ شُرُوطًا نسبت جمله إِلَى أَنه عمل شَرْعِي والأسباب الشَّرْعِيَّة ضَرْبَان أَحدهمَا يكون ثُبُوته وَكَونه سَببا بِالشَّرْعِ نَحْو فَسَاد الصَّلَاة فانه ثَبت بِالشَّرْعِ وَيكون سَببا فِي وجوب الْقَضَاء بِالشَّرْعِ وَالْآخر يكون ثُبُوته مَعْلُوما بِالْعقلِ وَكَونه سَببا لذَلِك الحكم مَعْلُوم بِالشَّرْعِ نَحْو حؤول الْحول
стр. 341
- ﷺ َ - بَاب فِي ذكر القادرين الَّذين يجوز مِنْهُم الْأَفْعَال الْحَسَنَة والقبيحة ﷺ َ -
اعْلَم أَن كل قَادر بِمَا يُعلمهُ الْعَاقِل أَنه قَادر مُمَيّز فانه يقدر على إِيجَاد الْأَفْعَال على كل وَجه من قبح وَحسن وَوُجُوب وَغير ذَلِك وكل قَادر فَإنَّا نجوز مِنْهُ فعل الْحسن إِلَّا من أخبر الله وَرَسُوله بِأَنَّهُ لَا يَفْعَله فَأَما الْقَبِيح فان الله تَعَالَى لَا يَفْعَله لحكمته وَلَا تَفْعَلهُ مَلَائكَته لِأَنَّهَا معصومة مِنْهُ وَقد أخبر الله تَعَالَى ذَلِك بقوله ﴿لَا يعصون الله مَا أَمرهم ويفعلون مَا يؤمرون﴾ وَجَمَاعَة الْأمة أَيْضا لَا يجوز عَلَيْهَا الْخَطَأ وَأما الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم فانه لَا يجوز عَلَيْهِم مَا يُؤثر فِي الْأَدَاء وَلَا مَا يُؤثر فِي التَّعْلِيم وَلَا فِي الْقبُول وَهُوَ التنفير وَيدخل فِي الأول أَن لَا يجوز عَلَيْهِم الْكَذِب فِيمَا يؤدونه وَلَا الكتمان وَلَا السَّهْو فِي حَال الْأَدَاء لِأَن تِلْكَ الْحَال حَال تلقى الْفُرُوض فوقوع السَّهْو فِيهَا يغري باعتقاد كَون الْعِبَادَة على مَا أوردهَا وَيجوز أَن يسهو فِيمَا تقدم بَيَانه وَلَا بُد من إِزَالَة ذَلِك السَّهْو فِي الْحَال وَلِهَذَا لما سهى النَّبِي ﷺ فِي صلَاته لم يعْتَقد أَصْحَابه ﵃ أَن الصَّلَاة تَغَيَّرت بل شكوا فِي ذَلِك حَتَّى سَأَلَهُ ذُو الْيَدَيْنِ وَيدخل فِي الثَّانِي أَن يعرف من أَمر الدّين مَا إِذا سُئِلَ عَنهُ كَانَ عِنْده جَوَابه وَيجوز أَن لَا يعرف مَا غمض من الشّبَه وَلَكِن يجب أَن يكون مِمَّن إِذا سُئِلَ عَن شُبْهَة أمكنه حلهَا وَيدخل فِي الثَّالِث أَن لَا يجوز عَلَيْهِ الكابئر وَلَا الصَّغَائِر المسخفة قبل النُّبُوَّة وَبعدهَا وَالْكذب فِي عير مَا يُؤَدِّيه فَهُوَ إِمَّا كَبِيرَة وَإِمَّا صَغِيرَة وَكِلَاهُمَا ينفران وَيدخل فِي ذَلِك أَن لَا يجوز عَلَيْهِ الفظاظة والغلظة وَكثير من الْمُبَاحَات القادحة فِي التَّعْظِيم الصارفة عَن الْقبُول وَيدخل فِيهِ قَول الشّعْر وَالْكِتَابَة إِذْ كَانَ معْجزَة الفصاحة والإخبار عَن الغيوب
стр. 342
- ﷺ َ - بَاب فِي معنى التأسي والاتباع والموافقة والمخالفة ﷺ َ -
اعْلَم أَنه لما تعبد بالتأسي بِالنَّبِيِّ ﷺ وباتباعه وَكَانَت الْمُوَافقَة والمخالفة تذكران فِي الِاحْتِجَاج فِي هَذِه الْمسَائِل الَّتِي نَحن بسبيلها وَجب ذكر مَعَاني هَذِه الْأَلْفَاظ لنعقلها
أما التأسي بِالنَّبِيِّ ﷺ فقد يكون فِي فعله وَفِي تَركه أما التأسي بِهِ فِي الْفِعْل فَهُوَ أَن نَفْعل صُورَة مَا فعل على الْوَجْه الَّذِي فعل لأجل أَنه فعل والتأسي بِهِ فِي التّرْك وَهُوَ أَن نَتْرُك مثل مَا ترك على الْوَجْه الَّذِي ترك لأجل أَنه ترك وَإِنَّمَا شرطنا أَن تكون صُورَة الْفِعْل وَاحِدَة لِأَنَّهُ ﷺ لَو صَامَ وصلينا لم نَكُنْ متأسين بِهِ وَأما الْوَجْه الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الْفِعْل فَهُوَ الْأَغْرَاض والنيات فَكل مَا عَرفْنَاهُ أَن غَرَض فِي الْفِعْل اعتبرناه وَيدخل فِي ذَلِك نِيَّة الْوُجُوب وَالنَّفْل أَلا ترى أَنه لَو صَامَ وَاجِبا فتطوعنا بِالصَّوْمِ لم نَكُنْ متأسين بِهِ وَكَذَلِكَ لَو تطوع بِالصَّوْمِ فافترضنا بِهِ وَإِذا لم يكن لَهُ فِي الْفِعْل غَرَض مَخْصُوص لم يجب اعْتِبَاره لِأَنَّهُ لوأزال النَّجَاسَة لَا لأجل الصَّلَاة لم يجب إِذا تأسينا بهَا فِي إِزَالَتهَا أَن ننوي بِهِ ذَلِك وَقد يدْخل الْمَكَان فِي مثل الزَّمَان فِي الْأَغْرَاض وَقد لَا يدخلَانِ فِيهِ فَمَتَى علمنَا كَونهمَا غرضين اعتبرناهما وَإِلَّا لم نعتبر أَمْثَال ذَلِك الْوُقُوف بِعَرَفَة وَصَوْم شهر رَمَضَان وَصَلَاة الْجُمُعَة وَالزَّمَان وَالْمَكَان غرضان فِي هَذَا الْأَفْعَال فاعتبرناهما فِي التأسي وَمِثَال الثَّانِي أَن يتَّفق من النَّبِي ﷺ أَن يتَصَدَّق بيمناه فِي زمَان مَخْصُوص وَمَكَان مَخْصُوص فَإنَّا نَكُون متأسين بِهِ إِذا تصدقنا فِي غير ذَلِك الْمَكَان وَالزَّمَان وباليد الْيُسْرَى وَإِنَّمَا شرطنا أَن نَفْعل الْفِعْل لِأَنَّهُ ﷺ لَو صلى فصلى مثل صلَاته رجلَانِ من أمته لأجل أَنه صلى لوصف كل وَاحِد مِنْهُمَا بِأَنَّهُ متأس بِهِ ﷺ وَلَا يُوصف كل وَاحِد مِنْهُمَا بِأَنَّهُ متأس بِالْآخرِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن التأسي يكون فِي التّرْك لِأَن النَّبِي ﷺ لَو
стр. 343
ترك الصَّلَاة عِنْد طُلُوع الشَّمْس فتركناها فِي هَذَا الْوَقْت لأجل تَركه كُنَّا متأسين بِهِ وَلَيْسَ من شَرط التأسي أَن يَسْتَفِيد المتأسي صُورَة الْفِعْل وَوَجهه مِمَّن يتأسى بِهِ لأَنا موصوفون بِأَنا نتأسى بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّبْر على الشدائد وَالشُّكْر على النعم إِذا فعلنَا ذَلِك لأجل فعله وَإِن لم نستفد صُورَة ذَلِك مِنْهُ وَلَا وَجهه وَلَيْسَ يمْتَنع أَن نَفْعل ذَلِك لأجل أَنه ﷺ فعله ولعلمنا بِوُجُوبِهِ أَو حسنه من جِهَة الْعقل وَذكر أَبُو عَليّ بن خَلاد ﵀ أَن الْفِعْل الَّذِي وَقع التأسي فِيهِ يجوز كَونه حسنا من الثَّانِي قبيحا من الأول لِأَن نَصْرَانِيّا لَو مَشى إِلَى الْبيعَة ليفعل فِيهَا مَا يَفْعَله النَّصْرَانِي فَتَبِعَهُ مُسلم ليرد وَدِيعَة كَانَت عِنْده فِي الْبيعَة كَانَ متأسيا بِهِ وَالْمَشْي حسن من الْمُسلم قَبِيح من النَّصْرَانِي وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ لَا يكون متأسيا بِهِ مَعَ اخْتِلَاف الغرضين
وَذكر الشَّيْخ أَبُو عبد الله ﵀ أَنه يَنْبَغِي أَن يعْتَبر الْمَكَان الَّذِي وَقع الْفِعْل فِيهِ إِلَّا أَن يدل دلَالَة على أَنه لَا اعْتِبَار بِهِ وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن اعْتِبَار الزَّمَان وَالْمَكَان يمْنَع من التاسي لفَوَات الزَّمَان وَلِأَنَّهُ لَا يُمكن اجْتِمَاع شَخْصَيْنِ فِي مَكَان وَاحِد فِي زمَان وَاحِد وَهَذَا إِنَّمَا يمْنَع من اعْتِبَار زمَان معِين وَلَا يمْنَع من اعْتِبَار مثل الزَّمَان كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي وَقت صَلَاة الْجُمُعَة وَلَا يمْنَع من اعْتِبَار ذَلِك الْمَكَان فِي زمَان آخر وَلَا يمْنَع من اعْتِبَاره إِذا كَانَ الْمَكَان متسعا كعرفة وَالْوَاجِب اعْتِبَار الزَّمَان وَالْمَكَان بِحَسب الْإِمْكَان إِذا علم دخولهما فِي الْأَغْرَاض
وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَنه لَا اعْتِبَار بطول الْفِعْل وقصره لِأَن ذَلِك لَا يُمكن ضَبطه وَلقَائِل أَن يَقُول يجب اعْتِبَار ذَلِك بِحَسب الْإِمْكَان إِذا علم دُخُول ذَلِك فِي الْأَغْرَاض
فَأَما اتِّبَاع النَّبِي ﷺ فقد يكون فِي القَوْل وَقد يكون فِي الْفِعْل وَقد يكون فِي التّرْك فالاتباع فِي القَوْل هُوَ الْمصير إِلَى مُقْتَضَاهُ من وجوب أَو ندب أَو حظر لأَجله والاتباع فِي الْفِعْل أَو فِي التّرْك هُوَ إِيقَاع مثله فِي صورته على وَجهه لأجل أَنه أوقعه وَيُمكن أَن يُقَال اتِّبَاع النَّبِي ﷺ هُوَ الْمصير إِلَى مَا
стр. 344
تعبدنا بِهِ على الْوَجْه الَّذِي تعبدنا بِهِ لِأَنَّهُ تعبدنا بِهِ وَيدخل فِي ذَلِك القَوْل وَالْفِعْل وَالتّرْك وَإِنَّمَا شرطنا فِي الِاتِّبَاع مَا شرطنا فِي التأسي لِأَنَّهُ ﷺ لَو صَامَ فصلينا أَو صَامَ وَاجِبا فتنفلنا بِالصَّوْمِ أَو صمنا لَا لِأَنَّهُ صَامَ لَو نَكُنْ متبعين لَهُ فِي هَذِه الْأَحْوَال كلهَا
فَأَما الْمُوَافقَة فقد تكون فِي الْمَذْهَب وَقد تكون فِي الْفِعْل فالموافقة فِي الْمَذْهَب هِيَ الْمُشَاركَة فِيمَا قيل إِن الْمُوَافقَة حصلت فِيهِ فاذا قيل قد وَافق فلَان فلَانا فِي أَن الله يرى جَازَ أَن يكون أَحدهمَا قَائِلا إِن الله يرى بِهَذِهِ الحاسة وَالْآخر قَائِلا إِنَّه يرى بحاسة سادسة وَإِذا قيل وَافقه فِي أَن الله يرى بِهَذِهِ الحاسة أَفَادَ اشتراكهما فِي القَوْل بِالرُّؤْيَةِ على هَذَا الْحَد وَلَيْسَ من شَرط الْمُوَافقَة فِي الْمَذْهَب أَن يَعْتَقِدهُ أَحدهمَا لاعتقاد الآخر لَهُ لِأَنَّهُ قد يُقَال وَافق زيد عمرا فِي القَوْل بِالْعَدْلِ وَإِن كَانَ إِنَّمَا قَالَ بذلك لأجل الدّلَالَة فَقَط لَا لِأَنَّهُ قَالَ بِهِ عَمْرو فَأَما الْمُوَافقَة فِي الْفِعْل فَهِيَ الْمُشَاركَة فِي صورته وَوَجهه لِأَن من صلى لَا يكون مُوَافقا لمن صَامَ وَمن تنفل بِالصَّلَاةِ لَا يكون مُوَافقا لمن افْترض بهَا فَأَما إِذا قيدت الْمُوَافقَة فَقيل قد وَافق زيد عمرا فِي صُورَة الْفِعْل فانه لَا يُفِيد إيقاعهما على الْوَجْه وَلَيْسَ من شَرط الْمُوَافقَة فِي الْفِعْل أَن يفعل الثَّانِي لِأَن الأول فعله لِأَن الْمُوَافقَة هِيَ المصادفة والمشاركة وَقد يكون ذَلِك إِذا فعل الْفَاعِل الْفِعْل لِأَن الأول فعله وَإِذا لم يَفْعَله لذَلِك فانه قد يُقَال وَافقه فِي الْفِعْل وَإِن كَانَ إِنَّمَا فعله للدليل لَا لِأَنَّهُ فعله
فَأَما الْمُخَالفَة فقد تكون فِي القَوْل وَقد تكون فِي الْفِعْل فالمخالفة فِي القَوْل هِيَ الْعُدُول عَمَّا اقْتَضَاهُ الْقَوْم من إقدام أَو إحجام فَأَما مُخَالفَة الْفِعْل فَهِيَ الْعُدُول عَن امْتِثَال مثله إِذا وَجب امْتِثَال مثله وَإِذا لم يجب ذَلِك لَا يُقَال لمن لم يَفْعَله مثله قد خَالفه وَلِهَذَا لم يكن إخلال بِالصَّلَاةِ مُخَالفَة إِن قيل فَيجب أَن يكون ترك ذَلِك الْفِعْل مُخَالفَة للدليل الدَّال على وجوب الْمُشَاركَة لَهُ
стр. 345
فِي الْفِعْل وَلَا يكون مُخَالفَة فِي الْفِعْل قيل لَا يجب ذَلِك لِأَن الدَّلِيل إِذا دلّ على وجوب مُشَاركَة النَّبِي ﷺ فِي فعله فَأَي فعل فعله كَانَ دَلِيلا على وجوب مثله علينا فصح أَن يُوصف من لم يَفْعَله بِأَنَّهُ مُخَالف لَهُ
فَأَما الائتمام فَهُوَ الِاتِّبَاع فاذا أطلق فَقيل قد ائتم فلَان بفلان فِي الصَّلَاة أَفَادَ اتِّبَاعه فِيهَا على الْوَجْه الَّذِي أوقعهَا عَلَيْهِ من وجوب أَو نفل أَو غير ذَلِك فان اخْتلف النيتان فَنوى أَحدهمَا النَّفْل وَالْآخر الْفَرْض على قَول من أجَاز ذَلِك كَانَ الائتمام وَاقعا فِي صُورَة الصَّلَاة لَا فِي الْوُجُوب ﷺ َ - بَاب فِي أَنه لَا يعلم بِالْعقلِ وجوب مثل مَا فعله النَّبِي ﷺ علينا ﷺ َ -
اعْلَم أَنه لَو علم بِالْعقلِ ذَلِك لعلم بِالْعقلِ وَجه وُجُوبه لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يجب مَا لَا يخْتَص بِوَجْه وجوب وَلَا يجوز أَن يعلم بِالْعقلِ وجوب شَيْء دون شَيْء إِلَّا وَقد علم بِالْعقلِ افتراقهما فِيمَا اقتضي وجوب أَحدهمَا وَلَيْسَ يعقل وَجه وجوب اتِّبَاعه فِي أَفعاله إِلَّا أَن يُقَال إِن مَا يجب على النَّبِي ﷺ لَا بُد من كَونه وَاجِبا علينا وَيُقَال إِذا لم يتبعهُ فِي أَفعاله نفر ذَلِك عَنهُ وَالْأول بَاطِل لِأَنَّهُ إِنَّمَا تعبد بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ مصلحَة لَهُ ولسنا نعلم وَجه كَونه مصلحَة فنعلم شياعه فِي جَمِيع النَّاس وَيُفَارق ذَلِك اشْتِرَاك الْمُكَلّفين فِي وجوب الْمعرفَة بِاللَّه لِأَن وَجه وجة وَبهَا يشْتَرك فِيهِ المكلفون لِأَن كل مُكَلّف يكون مَعَ الْمعرفَة بِاسْتِحْقَاق الْعقَاب على الْفِعْل أبعد من مواقعته وَأَيْضًا فانه لَيْسَ يجب اشْتِرَاك الْمُكَلّفين فِي الْمصَالح كلهَا أَلا ترى أَن النَّبِي ﷺ قد أُبِيح لَهُ مَا لم يبح لنا وَأوجب عَلَيْهِ مَا لم يُوجب علينا وَالْقسم الثَّانِي بَاطِل لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يُقَال إِن التنفير هُوَ مفارقتنا لَهُ ﵇ فِي جَمِيع أَفعاله أَو فِي بعضهما دون بعض وَالْأول يحصل إِذا فارقناه فِيهِ من المناكح وَوُجُوب صَلَاة اللَّيْل وَغير ذَلِك وَالثَّانِي لَا يَصح أَيْضا لِأَنَّهُ ﵇ لَو قَالَ لنا اعلموا أَنِّي متعبد بِمَا فِي
стр. 346
الْعقل إِذا مَا أؤديه إِلَيْكُم وَمَا عدا ذَلِك هُوَ مصلحَة لكم دوني لم يكن فِي ذَلِك تنفير فَكَذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ وعَلى أَنه لَو ثَبت ذَلِك لم يحصل مِنْهُ كوننا متعبدين بِمثل مَا فعله من جِهَة الْعقل لِأَن الَّذِي يقبح هُوَ مُفَارقَته لَهُ فِي جَمِيع أَفعاله لَا فِي بَعْضهَا دون بعض فَلَا بُد من دَلِيل غير الْعقل يُمَيّز لنا بَين مَا تعبدنا بعض أَفعاله مِمَّا لم نتعبد بِهِ إِن قيل لَو لم يلْزم الرُّجُوع إِلَى أَفعاله من جِهَة الْعقل لم يلْزم الرُّجُوع إِلَى أَقْوَاله قيل قد بَينا أَنا لَو كُنَّا متعبدين بِالرُّجُوعِ إِلَى أَفعاله لَكَانَ الْوَجْه فِي ذَلِك لَا يَخْلُو من الْوَجْهَيْنِ اللَّذين قد أفسدناهما وَلَيْسَ كَذَلِك أَقْوَاله لِأَن الْأَقْوَال مَوْضُوعَة فِي اللُّغَة لمعان فَالْأَمْر مَوْضُوع للْوُجُوب أَو للإرادة وَالنَّهْي يُفِيد تَحْرِيم المنهى عَنهُ وَالْخَبَر مَوْضُوع لما هُوَ خبر عَنهُ وَالْحكمَة تَقْتَضِي أَن من خَاطب قوما بلغتهم يَعْنِي بِالْخِطَابِ مَا عنوه وَهَذِه الطَّرِيقَة غير حَاصِلَة فِي الْأَفْعَال فان قَالُوا لَو لم نتبعه فِي أَفعاله كُنَّا قد خالفناه وَلَا يجوز مُخَالفَته ﷺ قيل إِن مُخَالفَته هِيَ أَن لَا نَفْعل مَا يجب علينا فعله أَو نَفْعل مَا يحرم علينا فعله فَعَلَيْهِم أَن يدلوا على أَن أَفعاله على الْوُجُوب حَتَّى نَكُون مخالفين لَهُ إِذا لم نفعلها أَلا ترى أَنا لَا نوصف بمخالفة النَّبِي ﷺ مِمَّا خص بِهِ من الْعِبَادَات والمناكح لما لم يجب علينا اتِّبَاعه فِيهَا ﷺ َ - بَاب فِي أَن السّمع على الْإِطْلَاق لَا يَقْتَضِي وجوب مثل مَا فعل النَّبِي ﷺ علينا ﷺ َ -
لَا خلاف بَين الْأمة غي الِاسْتِدْلَال بِأَفْعَال النَّبِي ﷺ على الْأَحْكَام وَاخْتلفُوا فَقَالَ قوم هِيَ أَدِلَّة بمجردها وَقَالَ قوم هِيَ أَدِلَّة إِذا عرف الْوَجْه الَّذِي وَقعت عَلَيْهِ وَاخْتلف الْأَولونَ فَقَالَ بَعضهم هِيَ أَدِلَّة بمجردها على الْوُجُوب وَقَالَ آخَرُونَ بل على النّدب وَقَالَ آخَرُونَ بل على الْإِبَاحَة فَأَما من قَالَ إِنَّهَا أَدِلَّة بِاعْتِبَار الْوَجْه فانه إِن علم الطَّرِيقَة الَّتِي اتبعها النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك
стр. 347
الْفِعْل عقلية كَانَت أَو سمعية فَهُوَ يرجع إِلَيْهَا فِي الِاسْتِدْلَال وَإِن لم يعرف الطَّرِيقَة فضربان أَحدهمَا أَن يكون فعله بَيَانا لمجمل وَالْآخر لَا يكون بَيَانا لمجمل فان كَانَ بَيَانا لمجمل فَذَلِك الْمُجْمل هُوَ دَال على الْوُجُوب أَو النّدب أَو الْإِبَاحَة وَإِن لم يكن بَيَانا لمجمل فانه لَا يدل على شَيْء حَتَّى يعرف الْوَجْه الَّذِي أوقعه عَلَيْهِ فان أوقعه على الْوُجُوب دلّ على وجوب مثله علينا وَإِن أوقعه على النّدب دلّ على أَن مثله ندب منا فان أوقعه مستبيحا لَهُ كَانَ منا مُبَاحا
والذاهبون إِلَى أَن أَفعاله دَالَّة بمجردها على الْوُجُوب يحتجون لذَلِك بِالْعقلِ والسمع أما حجاجهم الْعقلِيّ فأشياء
مِنْهَا قَوْلهم إِن كَونه نَبيا يَقْتَضِي ذَلِك وَإِلَّا نفر عَنهُ وَالْجَوَاب أَنا قد بَينا من قبل أَنه لَا تنفير فِي نفي مشاركتنا لَهُ فِي الْفِعْل وَلَو ثَبت فِي ذَلِك تنفير لَكَانَ إِنَّمَا يحصل التنفير إِذا لم يجب علينا مثل مَا وَجب عَلَيْهِ وَإِذا لم نعلم أَن مَا فعله وَاجِب عَلَيْهِ فَلَا تنفير فِي كَونه غير وَاجِب علينا
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْفِعْل آكِد فِي الدّلَالَة من القَوْل وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ يُحَقّق أمره بِفِعْلِهِ كَمَا يَفْعَله فِي الْحَج وَالصَّلَاة فاذا أَفَادَ الْأَمر الْوُجُوب كَانَ الْفِعْل أولى بذلك وَالْجَوَاب أَن الْفِعْل آكِد فِي الْإِبَانَة عَن صفة الْفِعْل من القَوْل للمشاهدة من المزية على الْوَصْف وَالْفِعْل كالمشاهدة وَلَيْسَ الْفِعْل وَصفا للْوُجُوب حَتَّى يكون أدل عَلَيْهِ من الْأَمر
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْوُجُوب أَعلَى مَرَاتِب الْفِعْل فَوَجَبَ حمل فعله عَلَيْهِ وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم لم إِذا كَانَ الْوُجُوب أَعلَى مَرَاتِب الْفِعْل وَجب حمله عَلَيْهِ فان قَالُوا لِأَنَّهُ الِاحْتِيَاط قيل بل الِاحْتِيَاط أَن يحمل الْفِعْل على الْوُجُوب إِذا دلّت الدّلَالَة عَلَيْهِ لَا غير وَإِذا لم تدل الدّلَالَة على وُجُوبه فَنحْن من ضَرَر تَركه آمنون والخطر حَاصِل فِي اعْتِقَاد وُجُوبه لأَنا لَا نَأْمَن أَن يكون غير وَاجِب فنكون معتقدين اعتقادا لَا نَأْمَن كَونه جهلا
стр. 348
فَأَما الِاحْتِجَاج السمعي فأشياء
مِنْهَا احتجاجهم بقول الله ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ والتحذير يَقْتَضِي وجوب ترك الْمُخَالفَة لأَمره وَالْأَمر اسْم الْفِعْل وَالْقَوْل فَكَانَ عَاما فيهمَا وَالْجَوَاب أَنا قد بَينا أَن قَوْلنَا امْر لَا يَقع على الْفِعْل إِلَّا مجَازًا وَلَو وَقع عَلَيْهِ حَقِيقَة لما تنَاوله هَا هُنَا لتقدم ذكر الدُّعَاء وَلذكر الْمُخَالفَة أَلا ترى أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لعَبْدِهِ لَا تجْعَل دعائي كدعاء غَيْرِي وَاحْذَرْ مُخَالفَة أَمْرِي فهم مِنْهُ أَنه أَرَادَ بِالْأَمر القَوْل وَأَيْضًا مُخَالفَة الْأَمر هُوَ الْعُدُول عَن مُقْتَضَاهُ فَيجب أَن تثبت أَن الْفِعْل يُسمى أمرا وَأَن تدلوا على أَن الْفِعْل يَقْتَضِي الْوُجُوب حَتَّى يحرم تجنبه وَيلْزم فعله وَأَيْضًا فالمخالفة ضد الْمُوَافقَة وموافقة الْفِعْل إِيقَاع مثله على الْوَجْه الَّذِي أوقع عَلَيْهِ وَيجب أَن يعلم أَن النَّبِي ﷺ أوقع الْفِعْل على وَجه الْوُجُوب حَتَّى يلْزم مُوَافَقَته فِيهِ وَقد قيل إِن قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ قد أُرِيد بِهِ الْأَمر الَّذِي هُوَ القَوْل فَلَا يجوز أَن يُرَاد بِهِ الْفِعْل لِأَن اللَّفْظَة الْوَاحِدَة لَا يُرَاد بهَا مَعْنيانِ مُخْتَلِفَانِ وَقد قيل إِن الْهَاء فِي قَوْله عَن أمره عَائِدَة إِلَى الله تَعَالَى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أقرب الْمَذْكُورين فَيمْتَنع أَن يدْخل تَحت الْفِعْل لِأَنَّهُ لَا يفعل مثل مَا نفعله من الْعِبَادَات وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْقَصْد هُوَ الْحَث على اتِّبَاع النَّبِي ﷺ بقوله ﴿لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا﴾ فَقَوله ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ هُوَ من تَمام الْفَرْض فَيجب صرفه إِلَى أَمر النَّبِي ﷺ
وَمنا قَول الله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ قَالُوا وَقَوله لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم
стр. 349
الآخر تهديد يدل على وجوب التأسيس بِهِ فِي فعله الْجَواب أَن ذَلِك لَيْسَ بتهديد لِأَن الْإِنْسَان قد يَرْجُو الْمَنَافِع كَمَا يَرْجُو دفع المضار وَلَو كَانَ ذَلِك تهديدا لدل على وجوب التأسي وَقد بَينا أَن التأسي فِي الْفِعْل هُوَ إِيقَاعه على الْوَجْه الَّذِي أوقعه عَلَيْهِ فالآية إِذن تدل على مَا نقُوله وَقد قيل إِن قَوْله ﴿لكم﴾ لَيْسَ من الفاظ الْوُجُوب وَلَو دلّ على الْوُجُوب لقَالَ عَلَيْكُم وَالْجَوَاب أَنه لَا يَصح الِاسْتِدْلَال بذلك على نفي الْوُجُوب لِأَن معنى قَوْلنَا لنا أَن نَفْعل كَذَلِك هُوَ أَنه لَا حظر علينا فِي فعله وَالْوَاجِب لَيْسَ بمحظور فعله
وَمِنْهَا قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ قَالُوا فَدخل فِيهِ طَاعَته فِي قَوْله وَفعله وَالْجَوَاب أَن طَاعَة الرَّسُول هُوَ فعل مَا أَرَادَهُ وَأمر بِهِ فَيجب أَن تدلوا على أَنه قد أَرَادَ بِفِعْلِهِ أَن نَفْعل مثله فِي الصُّورَة وَإِن لم نعلم الْوَجْه الَّذِي دخل تَحت الظَّاهِر
وَمِنْهَا قَول الله ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَقَوله ﴿مَا آتَاكُم﴾ يدْخل فِيهِ الْفِعْل وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم مَا معنى قَوْله ﴿مَا آتَاكُم﴾ فان قَالُوا مَعْنَاهُ مَا أَعْطَاكُم أَي مَا تعدى إِلَيْكُم بِالْأَمر والإلزام قيل لَهُم فالفعل لَيْسَ بِأَمْر فان قُلْتُمْ هُوَ إِلْزَام لنا أَن نَفْعل مثله قيل دلوا على ذَلِك وَهُوَ مَوضِع الْخلاف على أَن قَوْله ﴿وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ يدل على أَنه عَنى بقوله ﴿مَا آتَاكُم﴾ مَا أَمركُم على أَن الْإِتْيَان إِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي القَوْل لأَنا نَحْفَظهُ وامتثاله يصير كأننا أخذناه وكأنما أعطاناه
стр. 350
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ لما خلع نَعله فِي الصَّلَاة خلع من كَانَ خَلفه نَعله وَهَذَا لَا يدل لِأَنَّهُ لَا يعلم أَنهم فعلوا ذَلِك وَاجِبا وَلَا يمْتَنع أَن يَكُونُوا لما رَأَوْهُ قد خلع نَعله مَعَ امْرَهْ بِأخذ الزِّينَة بِالصَّلَاةِ علمُوا أَن خلعها متعبد بِهِ غير مُبَاح لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُبَاحا مَا ترك بِهِ الْمسنون فِي الصَّلَاة على أَنه ﷺ قد قَالَ لَهُم لم خلعتم نعالكم فَقَالُوا لآنك خلعت نعلك فَقَالَ إِن جِبْرِيل أَخْبرنِي أَن فِيهَا أَذَى فَدلَّ بذلك على أَنه يَنْبَغِي أَن يعرفوا الْوَجْه الَّذِي أوقع عَلَيْهِ فعله ثمَّ يتبعوه وَهَذَا هُوَ قَوْلنَا
وَاحْتج الْقَائِلُونَ بِأَن أَفعاله لَيست على الْوُجُوب بأَشْيَاء
مِنْهَا أَنه لَو وَجب علينا مثل مَا فعله لَكَانَ على وُجُوبه دَلِيل وَقد بَينا أَنه لَا دَلِيل على ذَلِك عَقْلِي أَو سَمْعِي فَلم تكن وَاجِبَة علينا
وَمِنْهَا أَن مَا دلّ على اتباعنا لأفعاله هُوَ قَول الله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَقَوله ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾ وَقد بَينا أَن التأسي هُوَ إِيقَاع مَا أوقعه على الْوَجْه الَّذِي أوقعه عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ اتِّبَاعه فِيهِ فَمَا دلّ على اتِّبَاعه دلّ على اعْتِبَار الْوَجْه وَلقَائِل أَن يَقُول إِن دَلِيل التأسي والاتباع قد اقْتضى إِيقَاع مَا أوقعه على الْوَجْه الَّذِي أوقعه فَمن ايْنَ أَن مَا لَا يعلم الْوَجْه فِيهِ لَا يجب علينا فعله فان قُلْتُمْ إِنَّه لَا دَلِيل على الِاتِّبَاع والتأسي إِلَّا هَاتين الْآيَتَيْنِ قيل فَإِذن الدَّال على أَنه لَا يجب فعله علينا من غير اعْتِبَار الْوَجْه هُوَ فقد الدَّلِيل وَهَذَا هُوَ رُجُوع إِلَى الدَّلِيل الأول
وَمِنْهَا أَنه لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يجب مثل فعله علينا بِاعْتِبَار الْوَجْه الَّذِي أوقعه عَلَيْهِ أَو من غير اعْتِبَار الْوَجْه فان وَجب بِاعْتِبَار الْوَجْه فَهُوَ قَوْلنَا وَإِن وَجب
стр. 351
من غير اعْتِبَار الْوَجْه لزم أَن يجب علينا وَإِن علمنَا أَنه أوقع الْفِعْل على وَجه النّدب وَالْإِجْمَاع وَمَا وَجب على التأسي بِهِ يمنعان من ذَلِك وَلقَائِل أَن يَقُول مَا تنكرون أَن يكون مصلحتنا أَن نَفْعل لَا محَالة مثل مَا فعله إِذا لم نعلم الْوَجْه الَّذِي أوقوع الْفِعْل عَلَيْهِ وَإِذا عرفنَا أَنه أوقعه لَا على وَجه الْوُجُوب كَانَ فعلنَا لَهُ وَاجِبا مفْسدَة أَلا ترى أَن التَّصْرِيح بالتعبد لَو ورد بذلك لشاع وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول إِذا كُنَّا قد عرفنَا أَنه تنفل بِالْفِعْلِ كَانَ فعلنَا لمثله على وَجه الْوُجُوب مفْسدَة فَيجب إِذا أوقعناه على وَجه الْوُجُوب وَنحن لَا نعلم الْوَجْه الَّذِي أوقعه عَلَيْهِ أَن نَكُون مقدمين على مَا نَأْمَن من كَونه مفْسدَة لتجويزنا كَون النَّبِي ﷺ متنفلا بِهِ لِأَن للمخالف أَن يَقُول إيقاعنا الْفِعْل على الْوُجُوب إِذا لم نعلم الْوَجْه الَّذِي أوقع النَّبِي ﷺ الْفِعْل هُوَ الْمصلحَة وَإِن أوقعه على وَجه النّدب وَإِذا علمنَا ذَلِك من حَاله فإيقاعنا لَهُ على وَجه الْوُجُوب مفْسدَة
وَمِنْهَا أَنه لودل فعله على وجوب مثله علينا لدل ذَلِك مُطلقًا من غير اعْتِبَار وَقت لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يدل على وجوب مثله فِي ذَلِك الْوَقْت بِعَيْنِه لتعذر فعل مثله علينا فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَا يُمكن أَن يدل على وجوب مثله فِي مثل ذَلِك الْوَقْت لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَن يدل على ذَلِك أولى من أَن يدل على وجوب مثله فِي أقرب الْأَوْقَات إِلَيْهِ فصح أَن لَو دلّ على وجوب مثله لدل عَلَيْهِ مُطلقًا فَوَجَبَ إِذا فعل النَّبِي ﷺ فعلا ثمَّ تَركه وَفعل ضِدّه أَن يدل فعله وَفعل ضِدّه على وجوب الْفِعْل وضده علينا فِي حَالَة وَاحِدَة وَذَلِكَ يَسْتَحِيل وَلَا يلْزم على ذَلِك أَن يجب علينا الْفِعْل وضده إِذا أمرنَا النَّبِي ﷺ بِهِ وَأمْسك عَن الْأَمر بِهِ لِأَن إِمْسَاكه عَن الْأَمر بِهِ لَيْسَ بمشارك لِلْأَمْرِ بِهِ فِي صيغته الْمَوْضُوعَة للْوُجُوب وضد الْفِعْل قد شَارك الْفِعْل فِي كَونه فعلا وَقد شَاركهُ فِي دلَالَته على الْوُجُوب وَلقَائِل أَن يَقُول إِن فعله إِمَّا أَن يدل على وجوب مثله فِي مثل وقته فَيلْزم أَن لَا يجب علينا أَن نَفْعل مثل مَا فعل فِي وقته ونفعل ضِدّه فِي مثل وَقت فعل ضِدّه وَلَيْسَ يَسْتَحِيل وجوب الْفِعْل وضده علينا
стр. 352
فِي وَقْتَيْنِ فَأَما أَن يدل على وجوب مثله لَا فِي وَقت معِين فَيلْزم إِذا فعل النَّبِي ﷺ الشَّيْء وضده أَن يلْزمنَا الْفِعْل وضده فِي وَقْتَيْنِ غير مُعينين حَتَّى نَفْعل كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي وَقت أَي وَقت شِئْنَا وَذَلِكَ غير مُسْتَحِيل وَلقَائِل أَن يَقُول ايضا إِنَّه لزم الْمُسْتَدلّ بِهَذِهِ الدّلَالَة مَا ألزم خصومه إِذا فعل النَّبِي ﷺ فعلا وَقَالَ إِنَّه وَاجِب ثمَّ فعل ضِدّه وَقَالَ إِنَّه وَاجِب لِأَنَّهُ يلْزم على مَوْضُوع الدّلَالَة أَن يكون الْفِعْل وضده واجبين عى الْإِطْلَاق
وَمِنْهَا أَنه لَو دلّ فعله على وجوب مثله علينا لدل على وجوب مثله عَلَيْهِ ﷺ ولخصم أَن يَقُول هَذِه دَعْوَى عَارِية عَن دلَالَة وَله أَن يَقُول الدّلَالَة قد دلّت عِنْدِي على مشاركتنا للنَّبِي ﷺ فِي صُورَة الْفِعْل وَلم تدل على وجوب تكْرَار الْفِعْل علينا وَلَا على وجوب تكْرَار الْفِعْل من النَّبِي ﷺ وتكرار الْفِعْل مِنْهُ نَظِيره تكْرَار الْوُجُوب علينا وَنحن لَا نوجب ذَلِك وَيلْزم الْمُسْتَدلّ أَن يدل فعل النَّبِي ﷺ على وجوب مثله على النَّبِي ﷺ إِذا فعله إِنَّه وَاجِب
وَمِنْهَا أَنه لَو دلّ فعله على وجوب مثله علينا لدل على أَنه كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ فَأولى أَن لَا يدل على أَنه يجب علينا مثله وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا يجب أَن تكون دلَالَته على وجوب مثله علينا مَوْقُوفَة على دلَالَته على أَنه كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ لَو ثَبت أَنه لَا يجوز أَن يجب علينا مثل فعله إِلَّا إِذا كَانَ قد أوقعه على وَجه الْوُجُوب وَهَذَا مَوضِع الْخلاف فَلَا يجوز أَن يبتني عَلَيْهِ الدّلَالَة فَإِن قُلْتُمْ إِنَّمَا كَانَ وُجُوبه علينا مَوْقُوفا على وُجُوبه عَلَيْهِ لِأَن قَوْله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ يدل على ذَلِك كَانَ رُجُوعا إِلَى دلَالَة أُخْرَى ﷺ َ - بَاب فِي التأسي بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي أَفعاله ﷺ َ -
اعْلَم أَنا إِذا علمنَا أَن النَّبِي ﷺ فعل فعلا على وَجه الْوُجُوب فقد تعبدنا
стр. 353
أَن نفعله على وَجه الْوُجُوب وَإِن علمنَا أَنه تنفل بِهِ كُنَّا متعبدين بالتنفل بِهِ فان علمنَا أَن فعله على وَجه الْإِبَاحَة كُنَّا متعبدين باعتقاد إِبَاحَته لنا وَجَاز لنا أَن نفعله وَقَالَ أَبُو عَليّ بن خَلاد إِنَّا متعبدون بالتأسي بِهِ فِي أَفعاله الْعِبَادَات دون غَيرهَا كالمناكح وَمَا أشبههَا
وَالدَّلِيل على مَا ذَكرْنَاهُ أَولا قَول الله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ والتأسي بِالْغَيْر فِي أَفعاله هُوَ أَن نَفْعل على الْوَجْه الَّذِي فعلهَا ذَلِك الْغَيْر وَلم يفرق الله بَين أَفعَال النَّبِي ﷺ الْمُبَاحَة وَغَيرهَا إِن قيل الْآيَة تفِيد التأسي بِهِ مرّة وَاحِدَة كَمَا أَن قَول الْقَائِل لغيره لَك فِي الدَّار ثوب حسن يُفِيد ثوبا وَاحِدًا الْجَواب أَن ذَلِك إِن ثَبت تمّ غرضنا من التَّعَبُّد بالتأسيس بِهِ ﷺ فِي الْجُمْلَة وَأَيْضًا فالآية تفِيد إِطْلَاق كَون النَّبِي ﷺ أُسْوَة لنا وَلَا يُطلق وصف الْإِنْسَان بِأَنَّهُ أُسْوَة لزيد إِذا كَانَ إِنَّمَا يَنْبَغِي لزيد أَن يتبعهُ فِي فعل وَاحِد وَإِنَّمَا يُطلق ذَلِك إِذا كَانَ ذَلِك الْإِنْسَان قدوة لزيد يَهْتَدِي فِي بِهِ أُمُوره كلهَا إِلَّا مَا خصّه الدَّلِيل
دَلِيل قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾ يتَنَاوَل أَفعَال النَّبِي ﷺ لِأَن الِاتِّبَاع يَقع فِي الْفِعْل ويتناول القَوْل فَكَانَ على إِطْلَاقه فَإِن قيل الِاتِّبَاع يكون فِي القَوْل وَفِي الْفِعْل وَلَيْسَ فِي قَوْله ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾ لفظ عُمُوم فَيتَنَاوَل القَوْل وَالْفِعْل فَمَا الْأمان أَن يكون المُرَاد اتِّبَاعه فِي القَوْل فَقَط الْجَواب أَن إِطْلَاق قَوْله ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾ وَإِن لم يفد الْعُمُوم فانه يُفِيد أَن لنا اتِّبَاعه فِي أَفعاله لِأَن ذَلِك اتِّبَاع لَهُ وَالْخطاب مُطلق
دَلِيل أَجمعت الْأمة على الرُّجُوع إِلَى أَفعَال النَّبِي ﷺ أَلا ترى أَن السّلف ﵁ رجعُوا إِلَى أَزوَاجه فِي قبْلَة الصَّائِم وَفِي أَن من اصبح
стр. 354
جنبا لم يفْسد صَوْمه وَفِي تَزْوِيج النَّبِي ﷺ ميمونه وَهُوَ حَلَال أَو حرَام وَغير ذَلِك فاذا ثَبت ذَلِك فأفعاله ﷺ لَا بُد من أَن يتَمَثَّل فِيهَا طَريقَة فإمَّا أَن تكون مَعْرُوفَة لنا أَو غير مَعْرُوفَة فان لم تكن مَعْرُوفَة لنا فانا نَكُون متبعين لَهُ فِي أَفعاله ومتاسين بِهِ فِيهَا لَا شُبْهَة فِي ذَلِك وَإِن امتثل فِيهَا طَريقَة مَعْرُوفَة لنا إِمَّا عقلية وَإِمَّا سمعية فَإِن ذَلِك لَا يمْنَع من كَون فعله دلَالَة لنا أَيْضا على أَنا متعبدون بِمثلِهِ وَلَا يمْتَنع من كوننا فاعلين لمثله لأجل أَنه ﷺ فعله وَلأَجل الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة أَو السمعية على حد لَو انْفَرد كل وَاحِد مِنْهُمَا لفعلنَا الْفِعْل لأَجله وَذَلِكَ لَا يمْنَع من وُقُوع التأسي بِهِ فِيهِ ﷺ َ - بَاب فِي قسْمَة أَفعَال النَّبِي ﷺ وَذكر الطَّرِيق إِلَيْهَا ﷺ َ -
اعْلَم أَن مَا يسند إِلَيْهِ مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ التَّكْلِيف وَلَيْسَ بقول ضَرْبَان أَحدهمَا فعل وَالْآخر ترك وَالْفِعْل ضَرْبَان أَحدهمَا يختصه كاصلاة وَالصِّيَام وَالْآخر يتَعَلَّق بِغَيْرِهِ كعقوبة الْغَيْر وَالتّرْك ضَرْبَان أَحدهمَا ترك يختصه كتركه الجلسة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة وَالْآخر الْقَضَاء عَلَيْهِ والنكير عَلَيْهِ وَلَا يخلوا كل ذَلِك من أَن يكون مُبَاحا أَو ندبا أَو وَاجِبا وكل وَاحِد من ذَلِك إِمَّا أَن يكون قد امتثل فِيهِ طَريقَة مَعْرُوفَة لنا أَو غير مَعْرُوفَة لنا فَإِن كَانَت مَعْرُوفَة لنا فإمَّا أَن تكون عقلية أَو سمعية وَمَا امتثل فِيهِ طَريقَة غير مَعْرُوفَة لنا فإمَّا أَن تكون مُبتَدأَة لَا تتَعَلَّق بِشَيْء من الْأَدِلَّة أَو تتَعَلَّق بِشَيْء مِنْهَا وَهَذَا الْأَخير إِمَّا أَن يتَعَلَّق بهَا على طَرِيق الْمُوَافقَة وَهُوَ بَيَان صفة الْمُجْمل أَو يتَعَلَّق بهَا لَا على طَرِيق الْمُوَافقَة وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا بَيَان التَّخْصِيص وَالْآخر بَيَان النّسخ وَبَيَان التَّخْصِيص إِمَّا أَن يكون بَيَانا لتخصيص قَول أَو لتخصيص فعل وَبَيَان النّسخ أَيْضا إِمَّا أَن يكون بَيَانا لنسخ قَول أَو نسخ فعل وَأما الْفَصْل بَين الْفِعْل وَالتّرْك فَظَاهر وَقد ذكرنَا فِي تضاعيف الْكَلَام الْفَصْل بَين الْفِعْل وَالتّرْك اللَّذين يختصانه وَبَينهمَا إِذا تعلقا بِغَيْرِهِ
стр. 355
فَأَما الطَّرِيق إِلَى أَن مَا فعله مُبَاح فأشياء
مِنْهَا أَن يَقُول إِنَّه مُبَاح وَمِنْهَا أَن نضطر من قَصده إِلَى أَنه مُبَاح وَمِنْهَا أَن يدل دلة حَسَنَة على حسنه وَلَا يدل دلَالَة على أَن لَهُ صفة زَائِدَة على حسنه وَمِنْهَا أَن يكون امتثالا لدلَالَة تدل على الْإِبَاحَة وَمِنْهَا أَن يكون بَيَانا لخطاب يدل على الْإِبَاحَة
فَأَما الطَّرِيق إِلَى أَن فعله مَنْدُوب إِلَيْهِ فأشياء
مِنْهَا أَن يَقُول إِنَّه مَنْدُوب إِلَيْهِ وَمِنْهَا أَن يدل دلَالَة من قَول وَغَيره على أَن لَهُ صفة زَائِدَة على حسنه وَلَا تدل دلَالَة على وُجُوبه
وَمِنْهَا أَن يكون بَيَانا لخطاب يَقْتَضِي كَون ذَلِك الْفِعْل مَنْدُوبًا إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَة
وَمِنْهَا أَن يكون امتثالا لدلَالَة تدل على كَون الْفِعْل مَنْدُوبًا إِلَيْهِ
فَأَما الطَّرِيق إِلَى أَن مَا فعله مُبَاح فأشياء مِنْهَا أَن يَقُول إِنَّه مُبَاح وَمِنْهَا أَن نضطر من قَصده إِلَى أَنه مُبَاح وَمِنْهَا أَن يدل دلَالَة على حسنه وَلَا يدل دلَالَة على أَن لَهُ صفة زَائِدَة على حسنه وَمِنْهَا أَن يكون امتثالا لدلَالَة تدل على الْإِبَاحَة وَمِنْهَا أَن يكون بَيَانا لخطاب يدل على الْإِبَاحَة
فَأَما الطَّرِيق إِلَى أَن فعله مَنْدُوب إِلَيْهِ فأشياء مِنْهَا أَن يَقُول إِنَّه مَنْدُوب إِلَيْهِ وَمِنْهَا أَن يدل دلَالَة من قَول وَغَيره على أَن لَهُ صفة زَائِدَة على حسنه وَلَا تدل دلَالَة على وُجُوبه وَمِنْهَا أَن يكون بَيَانا لخطاب يَقْتَضِي كَون ذَلِك الْفِعْل مَنْدُوبًا إِلَيْهِ فِي االجملة وَمِنْهَا أَن يكون امتثالا لدلَالَة تدل على كَون الْفِعْل مَنْدُوبًا إِلَيْهِ
وَأما الطَّرِيق إِلَى معرفَة كَون فعله وَاجِبا فأشياء مِنْهَا أَن يَقُول هَذَا الْفِعْل وَاجِب وَمِنْهَا أَن يكون امتثالا لدلَالَة تدل على وجوب ذَلِك الْفِعْل وَمِنْهَا أَن يكون بَيَانا لأمر يدل على الْوُجُوب وَمِنْهَا أَن يضْطَر إِلَى قَصده أَنه أوقعه
следующие страницы →