Полный текст (878 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
من غير اعْتِبَار الْوَجْه لزم أَن يجب علينا وَإِن علمنَا أَنه أوقع الْفِعْل على وَجه النّدب وَالْإِجْمَاع وَمَا وَجب على التأسي بِهِ يمنعان من ذَلِك وَلقَائِل أَن يَقُول مَا تنكرون أَن يكون مصلحتنا أَن نَفْعل لَا محَالة مثل مَا فعله إِذا لم نعلم الْوَجْه الَّذِي أوقوع الْفِعْل عَلَيْهِ وَإِذا عرفنَا أَنه أوقعه لَا على وَجه الْوُجُوب كَانَ فعلنَا لَهُ وَاجِبا مفْسدَة أَلا ترى أَن التَّصْرِيح بالتعبد لَو ورد بذلك لشاع وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول إِذا كُنَّا قد عرفنَا أَنه تنفل بِالْفِعْلِ كَانَ فعلنَا لمثله على وَجه الْوُجُوب مفْسدَة فَيجب إِذا أوقعناه على وَجه الْوُجُوب وَنحن لَا نعلم الْوَجْه الَّذِي أوقعه عَلَيْهِ أَن نَكُون مقدمين على مَا نَأْمَن من كَونه مفْسدَة لتجويزنا كَون النَّبِي ﷺ متنفلا بِهِ لِأَن للمخالف أَن يَقُول إيقاعنا الْفِعْل على الْوُجُوب إِذا لم نعلم الْوَجْه الَّذِي أوقع النَّبِي ﷺ الْفِعْل هُوَ الْمصلحَة وَإِن أوقعه على وَجه النّدب وَإِذا علمنَا ذَلِك من حَاله فإيقاعنا لَهُ على وَجه الْوُجُوب مفْسدَة
وَمِنْهَا أَنه لودل فعله على وجوب مثله علينا لدل ذَلِك مُطلقًا من غير اعْتِبَار وَقت لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يدل على وجوب مثله فِي ذَلِك الْوَقْت بِعَيْنِه لتعذر فعل مثله علينا فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَا يُمكن أَن يدل على وجوب مثله فِي مثل ذَلِك الْوَقْت لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَن يدل على ذَلِك أولى من أَن يدل على وجوب مثله فِي أقرب الْأَوْقَات إِلَيْهِ فصح أَن لَو دلّ على وجوب مثله لدل عَلَيْهِ مُطلقًا فَوَجَبَ إِذا فعل النَّبِي ﷺ فعلا ثمَّ تَركه وَفعل ضِدّه أَن يدل فعله وَفعل ضِدّه على وجوب الْفِعْل وضده علينا فِي حَالَة وَاحِدَة وَذَلِكَ يَسْتَحِيل وَلَا يلْزم على ذَلِك أَن يجب علينا الْفِعْل وضده إِذا أمرنَا النَّبِي ﷺ بِهِ وَأمْسك عَن الْأَمر بِهِ لِأَن إِمْسَاكه عَن الْأَمر بِهِ لَيْسَ بمشارك لِلْأَمْرِ بِهِ فِي صيغته الْمَوْضُوعَة للْوُجُوب وضد الْفِعْل قد شَارك الْفِعْل فِي كَونه فعلا وَقد شَاركهُ فِي دلَالَته على الْوُجُوب وَلقَائِل أَن يَقُول إِن فعله إِمَّا أَن يدل على وجوب مثله فِي مثل وقته فَيلْزم أَن لَا يجب علينا أَن نَفْعل مثل مَا فعل فِي وقته ونفعل ضِدّه فِي مثل وَقت فعل ضِدّه وَلَيْسَ يَسْتَحِيل وجوب الْفِعْل وضده علينا
стр. 352
فِي وَقْتَيْنِ فَأَما أَن يدل على وجوب مثله لَا فِي وَقت معِين فَيلْزم إِذا فعل النَّبِي ﷺ الشَّيْء وضده أَن يلْزمنَا الْفِعْل وضده فِي وَقْتَيْنِ غير مُعينين حَتَّى نَفْعل كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي وَقت أَي وَقت شِئْنَا وَذَلِكَ غير مُسْتَحِيل وَلقَائِل أَن يَقُول ايضا إِنَّه لزم الْمُسْتَدلّ بِهَذِهِ الدّلَالَة مَا ألزم خصومه إِذا فعل النَّبِي ﷺ فعلا وَقَالَ إِنَّه وَاجِب ثمَّ فعل ضِدّه وَقَالَ إِنَّه وَاجِب لِأَنَّهُ يلْزم على مَوْضُوع الدّلَالَة أَن يكون الْفِعْل وضده واجبين عى الْإِطْلَاق
وَمِنْهَا أَنه لَو دلّ فعله على وجوب مثله علينا لدل على وجوب مثله عَلَيْهِ ﷺ ولخصم أَن يَقُول هَذِه دَعْوَى عَارِية عَن دلَالَة وَله أَن يَقُول الدّلَالَة قد دلّت عِنْدِي على مشاركتنا للنَّبِي ﷺ فِي صُورَة الْفِعْل وَلم تدل على وجوب تكْرَار الْفِعْل علينا وَلَا على وجوب تكْرَار الْفِعْل من النَّبِي ﷺ وتكرار الْفِعْل مِنْهُ نَظِيره تكْرَار الْوُجُوب علينا وَنحن لَا نوجب ذَلِك وَيلْزم الْمُسْتَدلّ أَن يدل فعل النَّبِي ﷺ على وجوب مثله على النَّبِي ﷺ إِذا فعله إِنَّه وَاجِب
وَمِنْهَا أَنه لَو دلّ فعله على وجوب مثله علينا لدل على أَنه كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ فَأولى أَن لَا يدل على أَنه يجب علينا مثله وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا يجب أَن تكون دلَالَته على وجوب مثله علينا مَوْقُوفَة على دلَالَته على أَنه كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ لَو ثَبت أَنه لَا يجوز أَن يجب علينا مثل فعله إِلَّا إِذا كَانَ قد أوقعه على وَجه الْوُجُوب وَهَذَا مَوضِع الْخلاف فَلَا يجوز أَن يبتني عَلَيْهِ الدّلَالَة فَإِن قُلْتُمْ إِنَّمَا كَانَ وُجُوبه علينا مَوْقُوفا على وُجُوبه عَلَيْهِ لِأَن قَوْله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ يدل على ذَلِك كَانَ رُجُوعا إِلَى دلَالَة أُخْرَى ﷺ َ - بَاب فِي التأسي بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي أَفعاله ﷺ َ -
اعْلَم أَنا إِذا علمنَا أَن النَّبِي ﷺ فعل فعلا على وَجه الْوُجُوب فقد تعبدنا
стр. 353
أَن نفعله على وَجه الْوُجُوب وَإِن علمنَا أَنه تنفل بِهِ كُنَّا متعبدين بالتنفل بِهِ فان علمنَا أَن فعله على وَجه الْإِبَاحَة كُنَّا متعبدين باعتقاد إِبَاحَته لنا وَجَاز لنا أَن نفعله وَقَالَ أَبُو عَليّ بن خَلاد إِنَّا متعبدون بالتأسي بِهِ فِي أَفعاله الْعِبَادَات دون غَيرهَا كالمناكح وَمَا أشبههَا
وَالدَّلِيل على مَا ذَكرْنَاهُ أَولا قَول الله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ والتأسي بِالْغَيْر فِي أَفعاله هُوَ أَن نَفْعل على الْوَجْه الَّذِي فعلهَا ذَلِك الْغَيْر وَلم يفرق الله بَين أَفعَال النَّبِي ﷺ الْمُبَاحَة وَغَيرهَا إِن قيل الْآيَة تفِيد التأسي بِهِ مرّة وَاحِدَة كَمَا أَن قَول الْقَائِل لغيره لَك فِي الدَّار ثوب حسن يُفِيد ثوبا وَاحِدًا الْجَواب أَن ذَلِك إِن ثَبت تمّ غرضنا من التَّعَبُّد بالتأسيس بِهِ ﷺ فِي الْجُمْلَة وَأَيْضًا فالآية تفِيد إِطْلَاق كَون النَّبِي ﷺ أُسْوَة لنا وَلَا يُطلق وصف الْإِنْسَان بِأَنَّهُ أُسْوَة لزيد إِذا كَانَ إِنَّمَا يَنْبَغِي لزيد أَن يتبعهُ فِي فعل وَاحِد وَإِنَّمَا يُطلق ذَلِك إِذا كَانَ ذَلِك الْإِنْسَان قدوة لزيد يَهْتَدِي فِي بِهِ أُمُوره كلهَا إِلَّا مَا خصّه الدَّلِيل
دَلِيل قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾ يتَنَاوَل أَفعَال النَّبِي ﷺ لِأَن الِاتِّبَاع يَقع فِي الْفِعْل ويتناول القَوْل فَكَانَ على إِطْلَاقه فَإِن قيل الِاتِّبَاع يكون فِي القَوْل وَفِي الْفِعْل وَلَيْسَ فِي قَوْله ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾ لفظ عُمُوم فَيتَنَاوَل القَوْل وَالْفِعْل فَمَا الْأمان أَن يكون المُرَاد اتِّبَاعه فِي القَوْل فَقَط الْجَواب أَن إِطْلَاق قَوْله ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾ وَإِن لم يفد الْعُمُوم فانه يُفِيد أَن لنا اتِّبَاعه فِي أَفعاله لِأَن ذَلِك اتِّبَاع لَهُ وَالْخطاب مُطلق
دَلِيل أَجمعت الْأمة على الرُّجُوع إِلَى أَفعَال النَّبِي ﷺ أَلا ترى أَن السّلف ﵁ رجعُوا إِلَى أَزوَاجه فِي قبْلَة الصَّائِم وَفِي أَن من اصبح
стр. 354
جنبا لم يفْسد صَوْمه وَفِي تَزْوِيج النَّبِي ﷺ ميمونه وَهُوَ حَلَال أَو حرَام وَغير ذَلِك فاذا ثَبت ذَلِك فأفعاله ﷺ لَا بُد من أَن يتَمَثَّل فِيهَا طَريقَة فإمَّا أَن تكون مَعْرُوفَة لنا أَو غير مَعْرُوفَة فان لم تكن مَعْرُوفَة لنا فانا نَكُون متبعين لَهُ فِي أَفعاله ومتاسين بِهِ فِيهَا لَا شُبْهَة فِي ذَلِك وَإِن امتثل فِيهَا طَريقَة مَعْرُوفَة لنا إِمَّا عقلية وَإِمَّا سمعية فَإِن ذَلِك لَا يمْنَع من كَون فعله دلَالَة لنا أَيْضا على أَنا متعبدون بِمثلِهِ وَلَا يمْتَنع من كوننا فاعلين لمثله لأجل أَنه ﷺ فعله وَلأَجل الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة أَو السمعية على حد لَو انْفَرد كل وَاحِد مِنْهُمَا لفعلنَا الْفِعْل لأَجله وَذَلِكَ لَا يمْنَع من وُقُوع التأسي بِهِ فِيهِ ﷺ َ - بَاب فِي قسْمَة أَفعَال النَّبِي ﷺ وَذكر الطَّرِيق إِلَيْهَا ﷺ َ -
اعْلَم أَن مَا يسند إِلَيْهِ مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ التَّكْلِيف وَلَيْسَ بقول ضَرْبَان أَحدهمَا فعل وَالْآخر ترك وَالْفِعْل ضَرْبَان أَحدهمَا يختصه كاصلاة وَالصِّيَام وَالْآخر يتَعَلَّق بِغَيْرِهِ كعقوبة الْغَيْر وَالتّرْك ضَرْبَان أَحدهمَا ترك يختصه كتركه الجلسة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة وَالْآخر الْقَضَاء عَلَيْهِ والنكير عَلَيْهِ وَلَا يخلوا كل ذَلِك من أَن يكون مُبَاحا أَو ندبا أَو وَاجِبا وكل وَاحِد من ذَلِك إِمَّا أَن يكون قد امتثل فِيهِ طَريقَة مَعْرُوفَة لنا أَو غير مَعْرُوفَة لنا فَإِن كَانَت مَعْرُوفَة لنا فإمَّا أَن تكون عقلية أَو سمعية وَمَا امتثل فِيهِ طَريقَة غير مَعْرُوفَة لنا فإمَّا أَن تكون مُبتَدأَة لَا تتَعَلَّق بِشَيْء من الْأَدِلَّة أَو تتَعَلَّق بِشَيْء مِنْهَا وَهَذَا الْأَخير إِمَّا أَن يتَعَلَّق بهَا على طَرِيق الْمُوَافقَة وَهُوَ بَيَان صفة الْمُجْمل أَو يتَعَلَّق بهَا لَا على طَرِيق الْمُوَافقَة وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا بَيَان التَّخْصِيص وَالْآخر بَيَان النّسخ وَبَيَان التَّخْصِيص إِمَّا أَن يكون بَيَانا لتخصيص قَول أَو لتخصيص فعل وَبَيَان النّسخ أَيْضا إِمَّا أَن يكون بَيَانا لنسخ قَول أَو نسخ فعل وَأما الْفَصْل بَين الْفِعْل وَالتّرْك فَظَاهر وَقد ذكرنَا فِي تضاعيف الْكَلَام الْفَصْل بَين الْفِعْل وَالتّرْك اللَّذين يختصانه وَبَينهمَا إِذا تعلقا بِغَيْرِهِ
стр. 355
فَأَما الطَّرِيق إِلَى أَن مَا فعله مُبَاح فأشياء
مِنْهَا أَن يَقُول إِنَّه مُبَاح وَمِنْهَا أَن نضطر من قَصده إِلَى أَنه مُبَاح وَمِنْهَا أَن يدل دلة حَسَنَة على حسنه وَلَا يدل دلَالَة على أَن لَهُ صفة زَائِدَة على حسنه وَمِنْهَا أَن يكون امتثالا لدلَالَة تدل على الْإِبَاحَة وَمِنْهَا أَن يكون بَيَانا لخطاب يدل على الْإِبَاحَة
فَأَما الطَّرِيق إِلَى أَن فعله مَنْدُوب إِلَيْهِ فأشياء
مِنْهَا أَن يَقُول إِنَّه مَنْدُوب إِلَيْهِ وَمِنْهَا أَن يدل دلَالَة من قَول وَغَيره على أَن لَهُ صفة زَائِدَة على حسنه وَلَا تدل دلَالَة على وُجُوبه
وَمِنْهَا أَن يكون بَيَانا لخطاب يَقْتَضِي كَون ذَلِك الْفِعْل مَنْدُوبًا إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَة
وَمِنْهَا أَن يكون امتثالا لدلَالَة تدل على كَون الْفِعْل مَنْدُوبًا إِلَيْهِ
فَأَما الطَّرِيق إِلَى أَن مَا فعله مُبَاح فأشياء مِنْهَا أَن يَقُول إِنَّه مُبَاح وَمِنْهَا أَن نضطر من قَصده إِلَى أَنه مُبَاح وَمِنْهَا أَن يدل دلَالَة على حسنه وَلَا يدل دلَالَة على أَن لَهُ صفة زَائِدَة على حسنه وَمِنْهَا أَن يكون امتثالا لدلَالَة تدل على الْإِبَاحَة وَمِنْهَا أَن يكون بَيَانا لخطاب يدل على الْإِبَاحَة
فَأَما الطَّرِيق إِلَى أَن فعله مَنْدُوب إِلَيْهِ فأشياء مِنْهَا أَن يَقُول إِنَّه مَنْدُوب إِلَيْهِ وَمِنْهَا أَن يدل دلَالَة من قَول وَغَيره على أَن لَهُ صفة زَائِدَة على حسنه وَلَا تدل دلَالَة على وُجُوبه وَمِنْهَا أَن يكون بَيَانا لخطاب يَقْتَضِي كَون ذَلِك الْفِعْل مَنْدُوبًا إِلَيْهِ فِي االجملة وَمِنْهَا أَن يكون امتثالا لدلَالَة تدل على كَون الْفِعْل مَنْدُوبًا إِلَيْهِ
وَأما الطَّرِيق إِلَى معرفَة كَون فعله وَاجِبا فأشياء مِنْهَا أَن يَقُول هَذَا الْفِعْل وَاجِب وَمِنْهَا أَن يكون امتثالا لدلَالَة تدل على وجوب ذَلِك الْفِعْل وَمِنْهَا أَن يكون بَيَانا لأمر يدل على الْوُجُوب وَمِنْهَا أَن يضْطَر إِلَى قَصده أَنه أوقعه
стр. 356
وَاجِبا وَمِنْهَا أَن يكون الْفِعْل قبيحا لَو لم يكن وَاجِبا نَحْو أَن يرْكَع ركوعين فِي رَكْعَة وَاحِدَة لِأَنَّهُ قد تقرر فِي الشَّرِيعَة قبح ذَلِك إِلَّا أَن يكون وَاجِبا
فَأَما مَا بِهِ يعلم أَن فعله أَو تَركه امْتِثَال لدلَالَة نعرفها فَهُوَ أَن يكون مطابقا لبَعض الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة أَو الشَّرْعِيَّة الَّتِي نعرفها
وَأما مَا بِهِ يعلم أَن فعله بَيَان فشيئان أَحدهمَا أَن يَقُول هَذَا بَيَان لهَذَا وَالْآخر أَن يرد عَن الله سُبْحَانَهُ وَعَن رَسُوله ﷺ خطاب مُجمل وَيفْعل ﷺ فعلا يحْتَمل أَن يكون بَيَانا لَهُ وَلَا يُوجد بَيَان غَيره وَتَكون الْحَاجة إِلَى الْبَيَان حَاضِرَة فَعلم أَنه بَيَان لَهُ لِأَنَّهُ لَو لم يكن بَيَانا لَكَانَ الْبَيَان قد تَأَخّر عَن وَقت الْحَاجة وَقد يكون تَركه بَيَانا نَحْو أَن يتْرك الجلسة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة فَينْسَخ بِهِ وَلَا يرجع فنعلم أَنَّهَا غير ركن فِي الصَّلَاة
فَأَما مَا بِهِ يعلم أَن فعله أَو تَركه بَيَان لنسخ القَوْل فَهُوَ أَن يصدر مِنْهُ ﷺ قَول يَقْتَضِي تكْرَار الْفِعْل مِنْهُ وَمن غَيره وَيدخل هُوَ ﷺ عَلَيْهِ فِي الْخطاب وَيفْعل مُوجبه ثمَّ يفعل ضِدّه أَو يتْركهُ فنعلم أَن حكمه مَنْسُوخ عَنهُ ﷺ
فَأَما مَا بِهِ يعلم أَن فعله أَو تَركه مُخَصص لقَوْله فَهُوَ أَن يصدر مِنْهُ قَول يدل ظَاهره على وجوب فعل عَلَيْهِ وعَلى غَيره ثمَّ يفعل ضِدّه فِي الْحَال أَو يتْركهُ فنعلم أَنه مَخْصُوص من ذَلِك الدَّلِيل ونعلم أَن فعله أَو تَركه مُخَصص لفعله بِأَن يفعل فعلا يَقْتَضِي الدَّلِيل إدامته عَلَيْهِ وعَلى غَيره لَوْلَا دَلِيل مُخَصص ثمَّ يفعل ضِدّه فِي الْحَال أَو يتْركهُ فنعلم انه مَخْصُوص وَالْأَشْبَه أَن يكون هَذَا الْفِعْل مُخَصّصا لما دلّ على وجوب فعله فِي الْمُسْتَقْبل عَلَيْهِ وعَلى غَيره وَالله أعلم ﷺ َ - بَاب فِيمَا يدل عَلَيْهِ أَفعَال النَّبِي ﷺ وتروكه الْمُتَعَلّقَة بِغَيْرِهِ ﷺ َ -
أما أَفعاله الْمُتَعَلّقَة بِغَيْرِهِ فَهِيَ الْحُدُود والتعزيز وَالْقَضَاء على الْغَيْر فاقامة
стр. 357
الْحَد والتعزيز على وَجه النكال تدل على أَن ذَلِك الْغَيْر قد اقدم على كَبِيرَة وإقامتها عَلَيْهِ على سَبِيل الامتحان لَا تدل على أَنه الْآن مُقيم على كَبِيرَة وقضاؤه على غَيره وَإِن كَانَ من قبيل ألأقوال فانه يَقْتَضِي لُزُوم مَا قضى بِهِ لِأَن الْقَضَاء هُوَ الْإِلْزَام
وَذكر قَاضِي الْقَضَاء أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي حكمه ﷺ بِأَن زيدا فَاضل أَو أَنه أفضل من غَيره هَل هُوَ على الظَّاهِر أَو على سَبِيل الْقطع فَمنهمْ من قَالَ بِالْأولِ وَمِنْهُم من قَالَ بِالثَّانِي وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي نسبته ﷺ زيدا إِلَى عَمْرو هَل هُوَ على سَبِيل الْقطع أَو على الظَّاهِر وَذكر أَنهم لم يَخْتَلِفُوا فِي أَنه إِذا حكم على غَيره بِالدّينِ لَا يقطع بِهِ على الْبَاطِن فِي ذَلِك بل يكون حكما بِالظَّاهِرِ قَالَ فاما إِذا قَالَ النَّبِي ﷺ لغيره هَذَا الْحق عَلَيْك فانه يكون على الْخلاف الْمُتَقَدّم وَقَالَ إِنَّه إِذا ملك غَيره شَيْئا فانه يملكهُ فِي الْحَقِيقَة لِأَن التَّمْلِيك يَقْتَضِي إِبَاحَة تصرف مَخْصُوص وَقَالَ إِذا أَبَاحَ الْإِنْسَان النَّبِي ﷺ أكل طَعَامه فاستباح النَّبِي ﷺ أكله فانه لَا يدل على أَنه ملكه لَا محَالة لِأَنَّهُ يكْتَفى فِي اسْتِبَاحَة الْأكل بِظَاهِر الْيَد وَالتَّصَرُّف
فَأَما تَركه النكير على الْفِعْل فضربان أَحدهمَا أَن يكون ﷺ قد دلّ من قبل على قبحه وَأقر فَاعله عَلَيْهِ كاختلاف أهل الْكتاب إِلَى كنائسهم وَمَتى كَانَ كَذَلِك فانه لَا يدل ترك النكير عَلَيْهِم على حسنه وَرضَاهُ بِهِ وَالْآخر أَن لَا يكون قد علم من دينه الْإِقْرَار على ذَلِك الْفِعْل وَذَلِكَ يلْزم إِنْكَاره سَوَاء تقدّمت الدّلَالَة على قبحه أَو لم تتقدم لِأَنَّهُ لم تتقدم الدّلَالَة على ذَلِك فَترك إِنْكَاره يَقْتَضِي حسنه إِذْ لَو كَانَ مُنْكرا لبين قبحه وَإِن تقدّمت الدّلَالَة على ذَلِك فَترك إِنْكَاره أَيْضا يَقْتَضِي حسنه لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يُقَال إِنَّه قَبِيح وَإِنَّمَا لم يُنكره لِأَنَّهُ غلب على ظَنّه أَن إِنْكَاره غير مُؤثر لِأَن إِنْكَار النَّبِي ﷺ لَا بُد من أَن يُؤثر لِأَنَّهُ لَيْسَ كانكار غَيره هَكَذَا ذكر قَاضِي الْقُضَاة وَهَذَا صَحِيح إِذا كَانَ فَاعل الْقَبِيح يعْتَقد نبوته فَأَما من ينطوي على تَكْذِيبه
стр. 358
وإطراح أمره ﷺ فَلَا يُمكن أَن يُقَال إِن إِنْكَاره عَلَيْهِ لَا بُد من أَن يُؤثر على كل حَال ﷺ َ - بَاب فِي أَفعاله ﷺ إِذا تَعَارَضَت ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْأَفْعَال المتعارضة يَسْتَحِيل وجودهَا لِأَن التَّعَارُض والتمانع إِنَّمَا يتم مَعَ التَّنَافِي وَالْأَفْعَال إِنَّمَا تتنافى إِذا كَانَت متضادة وَكَانَ محلهَا وَاحِدًا ووقتها وَاحِدًا ويستحيل أَن يُوجد الْفِعْل وضده فِي وَقت وَاحِد فِي مَحل وَاحِد فاذا يَسْتَحِيل وجود أَفعَال متعارضة فَأَما الفعلان الضدان فِي وَقْتَيْنِ فليسا متعارضين بأنفسهما لِأَنَّهُ لَا يتنافى وجودهما وَلَا يمْتَنع الِاقْتِدَاء بهما فنكون متعبدين بِالْفِعْلِ فِي وَقت وبضده فِي وَقت آخر وَقد يَكُونَا متعارضين بِغَيْرِهِمَا نَحْو أَن يفعل النَّبِي ﷺ فعلا ونعلم بِالدَّلِيلِ أَن غَيره متعبد بِهِ ثمَّ نرَاهُ عقيب ذَلِك قد أقرّ بعض النَّاس على فعل ضِدّه فنعلم أَنه خَارج مِنْهُ وَكَذَلِكَ إِذا علمنَا أَن ذَلِك الْفِعْل يلْزم أَمْثَاله النَّبِي ﷺ فِي مثل تِلْكَ الْأَوْقَات مَا لم يرد دَلِيل نَاسخ ثمَّ يفعل ﵇ ضِدّه فِي مثل ذَلِك الْوَقْت فنعلم أَنه قد نسخ عَنهُ غير أَن النّسخ والتخصيص إِنَّمَا لَحقا مَا علمنَا بِهِ أَن ذَلِك الْفِعْل يلْزم النَّبِي ﷺ فِي مُسْتَقْبل الْأَوْقَات وَأَنه يلْزم غَيره وَإِنَّمَا يُقَال إِن ذَلِك الْفِعْل قد لحقه النّسخ على معنى أَنه قد زَالَ التَّعَبُّد بِمثلِهِ وَأَن التَّخْصِيص قد لحقه على معنى أَن بعض الْمُكَلّفين لَا يلْزمه مثله ﷺ َ - بَاب فِي أَقْوَال النَّبِي ﷺ وأفعاله إِذا تَعَارَضَت ﷺ َ -
اعْلَم أَن فعله وَقَوله إِذا تَعَارضا لم يخل إِمَّا أَن يتعارضا من كل وَجه اَوْ من وَجه دون وَجه فان تَعَارضا من كل وَجه لم يخل إِمَّا أَن نعلم تقدم أَحدهمَا على
стр. 359
الآخر أَو لَا نعلم ذَلِك فان علمناه لم يخل إِمَّا أَن نعلم تقدم الْفِعْل أَو تقدم القَوْل
فَإِن علمنَا تقدم الْفِعْل نَحْو أَن يُصَلِّي النَّبِي ﷺ إِلَى بَيت الْمُقَدّس ونعلم أَن حكم غَيره حكمه فِي ذَلِك مَا لم يمْنَع مَانع وَيَقُول بعد ذَلِك الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس غير جَائِزَة فَإِن ورد القَوْل عقيب الْفِعْل كَانَ هُوَ ﷺ مَخْصُوصًا من ذَلِك القَوْل وَيجب أَن يكون متناوله لغيره وَإِلَّا لم يكن لِلْقَوْلِ فَائِدَة وَلَا يجوز أَن يكون قَوْله متناولا لَهُ ﷺ وَيكون نسخا للْفِعْل عَنهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون نسخا للْفِعْل إِذا دلّ على وجوب اسْتِمْرَار مثله فِي الْمُسْتَقْبل عَلَيْهِ وَلَو كَانَ كَذَلِك لم يجز أَن يدلنا عَقِيبه على أَنه مَنْسُوخ عَنهُ لِأَن ذَلِك نسخ الشَّيْء قبل وَقت فعله وَإِن كَانَ القَوْل متراخيا بعد مَا حضر وَقت الْفِعْل مرّة أُخْرَى فَإِنَّهُ إِن كَانَ القَوْل يتناولنا وإياه كَانَ نَاسِخا للْفِعْل عَنَّا وَعنهُ وَإِن كَانَ يتَنَاوَلهُ وَحده كَانَ نسخا عَنهُ وَحده وَإِن كَانَ يتناولنا فقد كَانَ نسخا عَنَّا فَقَط
وَإِن كَانَ قَوْله مُتَقَدما على فعله فان كَانَ الْفِعْل عقيب القَوْل وَكَانَ القَوْل يتناولنا وإياه كَانَ فعله مُخَصّصا لَهُ وَحده دُوننَا لأَنا لَو خرجنَا أَيْضا من الْخطاب بطلت فَائِدَته وَإِن كَانَ الْفِعْل متراخيا عَن الول كَانَ نَاسِخا لِلْقَوْلِ عَنهُ فَقَط إِن كَانَ القَوْل يتَعَلَّق بِهِ فَقَط وَإِن كَانَ القَوْل يتَعَلَّق بِنَا فَقَط كَانَ فعله نَاسِخا عَنَّا فَقَط إِذا علمنَا أَن حكمنَا فِي الْفِعْل حكمه وَإِن كَانَ القَوْل يتَعَلَّق بِنَا وَبِه كَانَ الْفِعْل نَاسِخا لِلْقَوْلِ عَنَّا وَعنهُ إِذا علمنَا أَن حكمنَا فِيهِ حكمه
فَأَما إِن لم نعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر فالتعلق بالْقَوْل أولى لِأَنَّهُ يتَعَدَّى إِلَيْنَا بِنَفسِهِ وَالْفِعْل لَا يتَعَدَّى إِلَيْنَا وَلَا يتناولنا بِنَفسِهِ ولأنا إِذا جَوَّزنَا أَن يكون الْفِعْل قد تقدم جَوَّزنَا أَن لَا يكون قد تعدى إِلَيْنَا بِنَفسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ لِأَن القَوْل حِينَئِذٍ يكون نَاسِخا لَهُ فَنحْن نشك إِذا فِي تنَاوله لنا ونقطع على تنَاول القَوْل لنا من جِهَة صيغته فَكَانَ أولى
стр. 360
فَأَما إِذا تعَارض قَوْله وَفعله من وَجه دون وَجه فمثاله نَهْيه ﷺ عَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها للغائط وَالْبَوْل وجلوسه لقَضَاء الْحَاجة فِي الْبيُوت مُسْتَقْبل بَيت الْمُقَدّس وَذَلِكَ يحْتَمل أَن يكون مُبَاحا فِي الْبيُوت لكل أحد وَيحْتَمل أَن تكون إِبَاحَته خَاصَّة بِالنَّبِيِّ ﷺ وَيحْتَمل أَن يكون نَهْيه ﷺ عَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها عَاما لأمته فِي الْبيُوت والصحارى وَيحْتَمل أَن يكون خَاصّا فِي الصحارى وَقد اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك من غير تَفْصِيل فَعِنْدَ الشَّافِعِي أَنه مَخْصُوص بِفِعْلِهِ وَعند الشَّيْخ أبي الْحسن أَنه يَنْبَغِي أَن يجرى نَهْيه على إِطْلَاقه ويخص فعله بِهِ ﷺ وقاضي الْقُضَاة يتَوَقَّف فِي الْمَسْأَلَة وَاعْلَم أَن قَوْله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَقَوله ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾ مَعَ استقباله بَيت الْمُقَدّس فِي الْبيُوت معَارض لنَهْيه عَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة لغائط أَو بَوْل فَلَا يَنْبَغِي أَن يعْتَرض بِأَحَدِهِمَا على الآخر إِلَّا لوجه يتَرَجَّح بِهِ أَحدهمَا على الآخر وَلَيْسَ يجوز أَن يتَرَجَّح نَهْيه على فعله من حَيْثُ كَانَ قَوْله يتَعَدَّى إِلَيْنَا بِنَفسِهِ وَفعله لَا يتَعَدَّى إِلَيْنَا بِنَفسِهِ لِأَن إِن اعْترض بنهيه عَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَجب أَن يخص بِهِ قَول الله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَهَذَا قَول فيتعدى إِلَيْنَا بِنَفسِهِ وَالْأولَى أَن يُقَال إِن نَهْيه أخص من قَول الله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ فَكَانَ وُقُوع التَّخْصِيص بِهِ أولى فان قيل فعله أخص من هَذَا النَّهْي لِأَن نَهْيه عَام فِي الْبيُوت والصحارى وَفعله يخْتَص بِالْبُيُوتِ فَكَانَ الِاعْتِرَاض بِهِ أَحَق قيل فعله لَا يتَعَدَّى إِلَيْنَا فَهُوَ وَإِن كَانَ أخص بِالْبُيُوتِ فَلَيْسَ يتَعَدَّى إِلَيْنَا فان قيل فعله مَعَ قَول الله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ أخص من هَذَا النَّهْي فَوَجَبَ
стр. 361
تَخْصِيص النَّهْي بِهِ وَالْجَوَاب أَنا إِذا جعلنَا النَّهْي هُوَ الْمُخَصّص كُنَّا قد خصصنا بِهِ وَحده قَول الله ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ وَإِن كَانَ الْمَخْصُوص هُوَ هَذِه الْآيَة وَهِي أَعم من النَّهْي كَانَ تخصيصها أولى وَلَهُم أَن يَقُولُوا وَنحن إِذا خصصنا هَذَا النَّهْي فَإنَّا نخصه بِفعل النَّبِي ﷺ مَعَ مَا ثَبت من التأسي بِالنَّبِيِّ ﷺ ومجموع هذَيْن أخص من النَّهْي فَيجب أَن يكون ذَلِك أولى أَو يتعادل الْقَوْلَانِ فَيلْزم فيهمَا الْوَقْف وَالرُّجُوع إِلَى دَلِيل آخر
стр. 362
الْكَلَام فِي النَّاسِخ والمنسوخ
ﷺ َ - بَاب فِي فُصُول النَّاسِخ والمنسوخ ﷺ َ -
إعلم أَن الْكَلَام فِي ذَلِك يَقع فِي الِاسْم وَفِي الْمَعْنى أما فِي الِاسْم فبأن نتكلم فِي فَائِدَة اسْم النّسخ فِي اللُّغَة وَفِي الشَّرْع وَيتبع ذَلِك الْكَلَام فِي حَده فَأَما فِي الْمَعْنى فَمن وُجُوه مِنْهَا الْفَصْل بَين النّسخ وَبَين البداء وَمِنْهَا ذكر شُرُوطه والفصل بَينهمَا وَبَين مَا لَيْسَ من شُرُوطه وَمِنْهَا الدّلَالَة على حسنه وَلما كَانَ النّسخ لَا يتم إِلَّا بشيئين نَاسخ ومنسوخ وَجب أَن نذكرهما فَنَذْكُر مَا يجوز نسخه وَمَا لَا يجوز وَمَا يجوز وُقُوع النّسخ بِهِ وَمَا لَا يجوز وَمِمَّا يدْخل فِي أَبْوَاب النّسخ ذكر مَا أخرج من النّسخ وَهُوَ مِنْهُ وَمَا أَدخل فِيهِ وَلَيْسَ مِنْهُ وَذكر الطَّرِيق إِلَى معرفَة كَون الشَّيْء نَاسِخا أَو مَنْسُوخا أما الْكَلَام فِي فَائِدَة الِاسْم فَيجب تَقْدِيمهَا وَتَقْدِيم الْحَد ليَصِح أَن نتكلم فِي شُرُوطه وَأَحْكَامه وَيتبع ذكر حَده الْكَلَام فِي الْمفصل بَينه وَبَين غَيره ثمَّ الْكَلَام فِي شُرُوطه وَمَا لَيْسَ من شُرُوطه ثمَّ الدّلَالَة على حسن النّسخ إِذا اخْتصَّ بِشُرُوطِهِ ثمَّ الدّلَالَة على مَا اشترطناه كنسخ الشَّيْء بعد وَقت فعله ثمَّ ذكر مَا قُلْنَاهُ أَنه لَيْسَ بِشَرْط كنسخ عبَادَة لم يُقيد الْأَمر بهَا بالتأييد وكنسخ الْعِبَادَة لَا إِلَى بدل أَو إِلَى بدل أخف ثمَّ نذْكر مَا يجوز نسخه وَيدخل فِيهِ نسخ التِّلَاوَة وَنسخ الحكم وَنسخ الْأَخْبَار ثمَّ نذْكر مَا يَقع النّسخ بِهِ وَمَا لَا يَقع وَذَلِكَ فُصُول مِنْهَا نسخ الْكتاب بِالْكتاب وَالسّنة بِالسنةِ وَمِنْهَا نسخ السّنة بِالْكتاب وَالْكتاب بِالسنةِ وَذكرنَا نُسْخَة بأخبار الْآحَاد وَلم نؤخره إِلَى الْكَلَام فِي الْأَخْبَار لأَنا لَا نمْنَع من نسخه
стр. 363
بأخبار الْآحَاد وَلَيْسَ يقف الْمَنْع من ذَلِك على قيام الدّلَالَة على قبُول خبر الْوَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك وُقُوع التَّخْصِيص بهَا لِأَن ذَلِك مُرَتّب على كَون أَخْبَار الْآحَاد طَريقَة يحْتَج بهَا فَلذَلِك أخرنا القَوْل فِي وُقُوع التَّخْصِيص بهَا إِلَى أَبْوَاب الْأَخْبَار ثمَّ نذْكر مَا لَا يجوز نسخه وَلَا وُقُوع النّسخ بِهِ كالإجماع وَالْقِيَاس وفحوى القَوْل ثمَّ نذْكر مَا ألحق بالنسخ أَو أخرج مِنْهُ كالزيادة فِي النَّص وَالنُّقْصَان مِنْهُ ثمَّ نذْكر الطَّرِيق إِلَى كَون النَّاسِخ نَاسِخا وَلما كَانَ النّسخ مَوْقُوفا على التَّنَافِي وعَلى ذكر التَّارِيخ وَكَانَت الْأَحْكَام تتنافى على الشَّخْص الْوَاحِد وعَلى الْأَشْخَاص الْكَثِيرَة دخل فِي ذَلِك العمومان إِذا تَعَارضا فَوَجَبَ ذكر ذَلِك أجمع على التَّرْتِيب وَنحن نأتي على ذَلِك أجمع إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب فِي فَائِدَة اسْم النّسخ فِي اللُّغَة وَفِي الشَّرْع ﷺ َ -
اعْلَم أَنه لما كَانَ اسْم النّسخ مُسْتَعْملا فِي أصُول الْفِقْه وَجب ذكر فَائِدَته لنفهمها عِنْد إِطْلَاقه وَلما كَانَ مُسْتَعْملا فِي اللُّغَة وَفِي الشَّرِيعَة نَظرنَا هَل فَائِدَته فيهمَا وَاحِدَة أَو مُخْتَلفَة
فاسم النّسخ مُسْتَعْمل فِي اللُّغَة فِي الْإِزَالَة وَفِي النَّقْل أما فِي الْإِزَالَة فَقَوْلهم نسخت الشَّمْس الظل لِأَنَّهُ قد لَا يحصل الظل فِي مَكَان آخر فيظن أَنه انْتقل إِلَيْهِ وَقَوْلهمْ نسخت الرّيح آثَارهم وَأما فِي النَّقْل فَقَوْلهم نسخت الْكتاب أَي نقلت مَا فِيهِ إِلَى كتاب آخر وَالْأَشْبَه أَن يكون مجَازًا فِي ذَلِك لِأَن مَا فِي الْكتاب لم ينْتَقل على الْحَقِيقَة وَإِذا كَانَ مجَازًا فِيهِ كَانَ حَقِيقَة فِي الْإِزَالَة لِأَنَّهُ غير مُسْتَعْمل فِي سواهُمَا فاذا بَطل كَونه حَقِيقَة فِي أَحدهمَا كَانَ حَقِيقَة فِي الآخر وَإِلَّا بَطل أَن يكون الِاسْم حَقِيقَة فِي اللُّغَة إِن قيل إِذا كَانَ مَا فِي الْكتاب لم ينْتَقل على الْحَقِيقَة علمنَا أَنهم إِنَّمَا وصفوه بِأَنَّهُ مَنْسُوخ لتسبهها بالمنقولة من حَيْثُ حصل مثله فِي كتاب آخر فَجرى حُصُول
стр. 364
مثله فِي مَكَان آخر مجْرى حُصُوله وَذَلِكَ يدلنا على أَن اسْم النّسخ مَوْضُوع للنَّقْل فَلهَذَا تجوزوا بِهِ فِيمَا يشبه النَّقْل وَلَو كَانَ حَقِيقَة للإزالة لم يسموا الْكتاب مَنْسُوخا لِأَنَّهُ غير مزال وَلَا شبه المزال وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون حَقِيقَة للإزالة فَاسْتعْمل فِي النَّقْل من حَيْثُ كَانَ النَّقْل مزيلا للمنقول عَن مَكَانَهُ وَإِن حصل فِي مَكَان آخر ثمَّ اسْتعْمل فِي نسخ الْكتاب من حَيْثُ شكل الْمَنْقُول من الْوَجْه الَّذِي ذكر السَّائِل فَيكون اسْتِعْمَال ذَلِك فِي الْكتاب تَشْبِيها بِوَجْه الْمجَاز واستعماله فِي الْمجَاز تَشْبِيها بِالْحَقِيقَةِ وَهُوَ المزال فان قيل وَصفهم الرّيح بِأَنَّهَا ناسخة للآثار وَالشَّمْس بِأَنَّهَا ناسخة للظل مجَاز أَيْضا لِأَن النَّاسِخ للآثار والظل هُوَ الله سُبْحَانَهُ فَاعل الشَّمْس وَالرِّيح قيل لَا يمْتَنع أَن يكون الله سُبْحَانَهُ هُوَ النَّاسِخ لذَلِك من حَيْثُ فعل سَبَب الْإِزَالَة وَتَكون الشَّمْس وَالرِّيح موصوفان على الْحَقِيقَة بِأَنَّهُمَا ناسخان من حَيْثُ اختصاصهما بِسَبَب الْإِزَالَة على أَن أهل اللُّغَة لَو كَانُوا اعتقدوا أَن الشَّمْس هِيَ الفاعلة للإزالة ثمَّ اضافوا النّسخ إِلَيْهَا لوَجَبَ اتباعهم فِي تَسْمِيَة هَذِه الْإِزَالَة نسخا وَلَا نتبعهم فِي اعْتِقَادهم أَن الشَّمْس وَالرِّيح فاعلان على أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون وصف الشَّمْس بِأَنَّهَا ناسخة مجَازًا وَكَون هَذَا الْوَصْف مجَازًا لَا يُوجب كَون وَصفهم الْإِزَالَة نسخا مجَازًا
فَأَما اسْتِعْمَال اسْم النّسخ فِي الشَّرْع فَعِنْدَ الشَّيْخ أبي عبد الله أَنه مَنْقُول إِلَى معنى فِي الشَّرْع وَلَا ييجري عَلَيْهِ على سَبِيل التَّشْبِيه بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ لِأَنَّهُ يُفِيد فِي الشَّرْع معنى مُمَيّزا فَجرى مجْرى اسْم الصَّلَاة وَعند الشَّيْخ أبي هَاشم أَنه يُفِيد معنى فِي الشَّرْع على طَرِيق التَّشْبِيه باللغة وَذَلِكَ أَنه يُفِيد إِزَالَة مثل الحكم الْمُتَقَدّم كَمَا يُفِيد فِي اللُّغَة الْإِزَالَة إِلَّا أَن الشَّرْع قصره على إِزَالَة مثل الحكم الثَّابِت بطريقة شَرْعِيَّة على وَجه مَخْصُوص فَجرى مجْرى قَوْلنَا دَابَّة فِي أَنه غير مَنْقُول لكنه مَخْصُوص بِبَعْض مَا يدب
стр. 365
- ﷺ َ - بَاب فِي حَقِيقَة النَّاسِخ والمنسوخ والنسخ ﷺ َ -
اعْلَم أَن غرضنا أَن نحد الطَّرِيق النَّاسِخ وَلما كَانَ قَوْلنَا نَاسخ يَقع على الطَّرِيق وعَلى غَيره وَجب أَن نذْكر مَا يَقع عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم ثمَّ نعمد إِلَى الطَّرِيق النَّاسِخ فنحده فَنَقُول
إِن الناصب للدلالة الناسخة يُوصف بِأَنَّهُ نَاسخ فَيُقَال إِن الله نسخ التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَهُوَ نَاسخ ويوصف الحكم بِأَنَّهُ نَاسخ فَيُقَال إِن وجوب صَوْم شهر رَمَضَان نَاسخ صَوْم عَاشُورَاء ويوصف المعتقد لنسخ الحكم أَنه نَاسخ فَيُقَال فلَان ينْسَخ الْكتاب بِالسنةِ يعْتَقد ذَلِك ويوصف الطَّرِيق بِأَنَّهُ نَاسخ فَيُقَال إِن الْقُرْآن نَاسخ للسّنة وَقد حد قَاضِي الْقُضَاة الطَّرِيق النَّاسِخ بِأَنَّهُ مَا دلّ على أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ غير ثَابت على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ وغرضه بِهَذَا الْحَد أَن يتَنَاوَل كل مَا كَانَ طَرِيقا إِلَى النّسخ سَوَاء كَانَ خَبرا متواترا أَو غير متواتر وَهَذَا الْحَد يخرج مِنْهُ خبر الْوَاحِد إِذا نسخ الحكم لِأَنَّهُ لَا يُوصف بِأَنَّهُ دَلِيل على الْحَقِيقَة وَيخرج مِنْهُ مَا دلّ على نسخ الحكم الثَّابِت بِالْعقلِ لِأَن النَّبِي ﷺ لَو فعل فعلا وَعلمنَا من قَصده أَن وُجُوبه يتَعَدَّى إِلَيْنَا لَوْلَا دَلِيل نَاسخ فَإِن مَا دلّ على إِزَالَته يُوصف بِأَنَّهُ نَاسخ وَإِن لم يرفع مَا ثَبت بِنَصّ وَيلْزم أَن يكون الْعَجز نَاسِخا لِأَنَّهُ يدل على أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ غير ثَابت وَيلْزم أَن تكون الْأمة إِذا اخْتلفت على قَوْلَيْنِ وسوغت للعامي تَقْلِيد كل وَاحِد من الطَّائِفَتَيْنِ ثمَّ أَجمعت على أحد الْقَوْلَيْنِ أَن يكون ذذلك نسخا لِأَنَّهَا كَانَت نصت على إِبَاحَة تَقْلِيد الطَّائِفَة الْأُخْرَى وَيَنْبَغِي أَن نحد الطَّرِيق النَّاسِخ بِأَنَّهُ قَول صادر عَن الله أَو مَنْقُول عَن رَسُول الله أَو فعل مَنْقُول عَن رَسُوله يُفِيد إِزَالَة مثل الحكم الثَّابِت بِنَصّ صادر عَن الله أَو بِنَصّ أَو فعل منقولين عَن رَسُوله مَعَ تراخيه عَنهُ على
стр. 366
وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا وَقد تضمن هَذَا الْحَد أَخْبَار الْآحَاد لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت أَمَارَات فانها مَوْصُوفَة بِأَنَّهَا تفِيد إِزَالَة مثل الحكم الثَّابِت وَأَنَّهَا منقولة عَن الرَّسُول ﷺ وَلَا يلْزم عَلَيْهِ اتِّفَاق الْأمة على أحد الْقَوْلَيْنِ لِأَن قَوْلهَا غير صادر عَن الله وَعَن رَسُوله وَلَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون الشَّرْع نَاسِخا لحك الْعقل لِأَن الْعقل لَيْسَ بقول وَلَا فعل مَنْقُول عَن الرَّسُول وَلِهَذَا لَا يلْزم عَلَيْهِ الْعَجز المزيل للْحكم وَلَا أَيْضا تَقْيِيد الحكم بغاية أَو شَرط أَو اسْتثِْنَاء لِأَن ذَلِك غير متراخ وَلَا يلْزم عَلَيْهِ البداء لأ البداء هُوَ إِزَالَة نفس الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ وَلَا يلْزم إِذا أمرنَا الله سُبْحَانَهُ بِفعل وَاحِد ثمَّ نَهَانَا عَن مثله أَن يكون ذَلِك نسخا وَإِن كَانَ مزيلا لمثل حكم الْأَمر لِأَنَّهُ لَو لم يكن هَذَا النَّهْي لم يكن مثل حكم الْأَمر ثَابتا
فَأَما الْمَنْسُوخ فَهُوَ الحكم المزال إِذا اخْتصَّ بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا وَقد دخل فِي ذَلِك نسخ خطاب الْقُرْآن لِأَن نسخه هُوَ نسخ كَون تِلَاوَته قربَة وَعبادَة وَذَلِكَ نسخ للْحكم
وَأما النّسخ فَهُوَ إِزَالَة مثل الحكم الثَّابِت بقول مَنْقُول عَن الله أَو رَسُوله أَو فعل مَنْقُول عَن رَسُوله وَتَكون الْإِزَالَة بقول مَنْقُول عَن الله أَو عَن رَسُوله أَو بِفعل مَنْقُول عَن رَسُوله مَعَ تراخيه عَنهُ على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا وَقد حد قوم النّسخ بِأَنَّهُ إِزَالَة حكم بعد استقراره وَهَذَا لَا يَصح لِأَن اسْتِقْرَار الحكم هُوَ كَونه مرَادا فازالته بِعَيْنِه بداء وحد أَيْضا بِأَنَّهُ إِزَالَة مثل الحكم بعد استقراره وَهَذَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون مَتى زَالَ الحكم بِالْعَجزِ أَن يكون زَوَاله نسخا وحد أَيْضا بِأَنَّهُ نقل الحكم إِلَى خِلَافه وَهَذَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون نقل الحكم إِلَى خِلَافه بِالشّرطِ والغاية أَو بِالْعَجزِ نسخا وحد أَيْضا بِأَنَّهُ بَيَان مُدَّة الحكم الَّذِي فِي التَّقْدِير والتوهم جَوَاز بَقَائِهِ وَهَذَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون النَّبِي ﷺ لَو أخبر زيدا أَنه يعجز عَن الْفِعْل وَقت كَذَا أَن يكون ذَلِك نسخا
стр. 367
- ﷺ َ - بَاب الْفَصْل بَين البداء والنسخ ﷺ َ -
اعْلَم أَن البداء هُوَ الظُّهُور يُقَال بدا لنا سور الْمَدِينَة إِذا ظهر وَإِنَّمَا يكون الشَّيْء ظَاهرا للْإنْسَان إِذا تجلى لَهُ وَصَارَ مَعَه على وَجه يُعلمهُ أَو يَظُنّهُ فَأَما الْأَمر وَالنَّهْي فليسا من البداء بسبيل لكنهما قد يدلان عَلَيْهِ نَحْو أَن يُنْهِي الْآمِر الْمَأْمُور الْوَاحِد أَن يفعل مَا أمره بِفِعْلِهِ فِي الْوَقْت الَّذِي أمره بِفِعْلِهِ فِيهِ على الْوَجْه الَّذِي أمره أَن يوقعه عَلَيْهِ نَحْو أَن يَقُول زيد لعَمْرو صل رَكْعَتَيْنِ عِنْد زَوَال الشَّمْس من هَذَا الْيَوْم عبَادَة لله لَا تصلهما فِي هَذَا الْوَقْت من هَذَا الْيَوْم عبَادَة لله فالنهي تعلق بِمَا تعلق الْأَمر بِهِ على الْحَد الَّذِي تعلق الْأَمر بِهِ من غير تغايربين متعلقيهما فَيصح أَن تثبت الْمصلحَة مَعَ أَحدهمَا دون الآخر وَذَلِكَ يدل إِمَّا على أَن الْآمِر قد خفى عَنهُ من الصّلاح مَا كَانَ ظَاهرا أَو ظهر لَهُ من الْفساد مَا كَانَ خافيا وَهُوَ البداء فَلذَلِك نهى عَمَّا كَانَ أَمر بِهِ على الْحَد الَّذِي أَمر بِهِ وَإِمَّا أَن يكون مَا خفى عَنهُ شَيْء وَلَا ظهر لَهُ شَيْء لكنه قصد أَن يَأْمر بالقبيح أَو يُنْهِي عَن الْحسن وكل ذَلِك لَا يجوز على الله فَأَما إِذا لم يتكامل الشَّرَائِط الَّتِي ذَكرنَاهَا فانه لَا يجب أَن يدل على البداء وَلَا على تعبد قَبِيح لِأَنَّهُ إِن نهى عَن صُورَة الْفِعْل غير ذَلِك الْمَأْمُور أَو نهى الْمَأْمُور عَن غير مَا أَمر بِهِ نَحْو أَن يَأْمر بِالصَّلَاةِ وَيُنْهِي عَن الزِّنَا أَو يُنْهِي عَمَّا أَمر بِهِ على وَجه آخر نَحْو أَن يَأْمر بِالصَّلَاةِ على طَهَارَة وَيُنْهِي عَنْهَا على غير طَهَارَة فهناك تغاير بَين أَمريْن يُمكن أَن تحصل الْمصلحَة فِي أَحدهمَا والمفسدة فِي الآخر وَكَذَلِكَ لَو نَهَاهُ عَن صُورَة الْفِعْل فِي وَقت آخر والنسخ من هَذَا الْقَبِيل وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يعلم الله فِيمَا لم يزل أَن الْفِعْل من زيد مصلحَة فِي وَقت مفْسدَة فِي وَقت آخر فيأمره بِالْمَصْلَحَةِ فِي وَقتهَا وينهاه عَن الْمفْسدَة فِي وَقتهَا فَلَا يكون قد ظهر لَهُ مَا لم يكن ظَاهرا أَو لَا خَفِي عَنهُ مَا كَانَ ظَاهرا وَلَا أَمر بقبيح وَلَا نهى عَن حسن وَإِنَّمَا أمكن
стр. 368
ذَلِك لِأَنَّهُ قد حصل بَين الْمَأْمُور بِهِ والمنهى عَنهُ تغاير وانفصال فصح أَن تثبت الْمصلحَة مَعَ أَحدهمَا دون الآخر وَإِذا أمكن هَذَا الْقسم الَّذِي ذَكرْنَاهُ بَطل القَوْل بِأَنَّهُ لَا بُد من أَن يدل إِمَّا على البداء وَإِمَّا على تعبد قَبِيح وَالله أعلم ﷺ َ - بَاب فِي شَرَائِط النّسخ ﷺ َ -
اعْلَم أَن لوصف النّسخ نسخا ولصحته وَحسنه شُرُوط وَقد ألحق بهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا أما شُرُوط الْوَصْف فَأن يكون الحكمان النَّاسِخ والمنسوخ شرعيين لِأَن الْعَجز يزِيل التَّعَبُّد الشَّرْعِيّ وَلَا تُوصَف إِزَالَته بِأَنَّهَا نسخ وَالشَّرْع يزِيل حكم الْعقل وَلَا تُوصَف إِزَالَته بِأَنَّهَا نسخ وَمن شُرُوطه أَن يكون النَّاسِخ مُنْفَصِلا عَن الْمَنْسُوخ إِمَّا فِي الْجُمْلَة أَو فِي التَّفْصِيل وَذَلِكَ أَن الْمُتَّصِل بالمنسوخ ضَرْبَان غَايَة وَغير غَايَة فَمَا لَيْسَ بغاية هُوَ أَن يَقُول الله صلوا أَيَّام الْجُمُعَة لَا تصلوا الْجُمُعَة الْفُلَانِيَّة والغاية ضَرْبَان أَحدهمَا غَايَة مجملة وَالْآخر مفصلة فاسم النّسخ لَا يثبت مَعهَا كَقَوْل الله ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ وَأما المجملة فاسم النّسخ يثبت مَعهَا إِذا فصلت نَحْو قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فأمسكوهن فِي الْبيُوت حَتَّى يتوفاهن الْمَوْت﴾ الْآيَة فَلَمَّا دلّ الدَّلِيل على تَفْصِيل هَذَا السَّبِيل ثَبت اسْم النّسخ وَلَيْسَ من شَرط اسْم النّسخ أَن يكون الْكَلَام الْمَنْسُوخ متناولا بِلَفْظَة للمنسوخ أَلا ترى أَن الْأَمر لَا يُفِيد بِلَفْظِهِ التّكْرَار فَلَو أَمر الله بِالْفِعْلِ ثمَّ دلّ الدَّلِيل على أَن المُرَاد بِهِ التّكْرَار وَدلّ الدَّلِيل على رفع بعض المرات كَانَ رَفعه نسخا
وَأما شَرط صِحَة النّسخ فَهُوَ أَن يكون إِزَالَة لحكم الْفِعْل دون نفس الْفِعْل
стр. 369
وَصورته لِأَن صُورَة الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس لَا تصح إِزَالَتهَا بالأدلة الشَّرْعِيَّة وَإِنَّمَا الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة دلّت على زَوَال وُجُوبهَا وَلَيْسَ من شَرط الصِّحَّة أَن يكون الْمَنْسُوخ شَائِعا فِي جملَة الْمُكَلّفين بل يَصح أَن يكون الحكم الْمَنْسُوخ لم يتَوَجَّه جنسه إِلَّا إِلَى مُكَلّف وَاحِد
وَأما حسن النّسخ فَهُوَ أَن لَا يكون إِزَالَة لنَفس مَا تنَاوله التَّعَبُّد على الْحَد الَّذِي تنَاوله بل لَا بُد من أَن يزِيل التَّعَبُّد مثله فِي وَقت آخر أَو على وَجه آخر وَلذَلِك لم يحسن نسخ الشَّيْء قبل وقته وَلَا نسخ مَا لَا يجوز أَن يتَغَيَّر وَجهه نَحْو نسخ وجوب الْمعرفَة بِاللَّه لِأَن كَون ذَلِك لطفا لَا يتَغَيَّر وَلَا نسخ قبح الْجَهْل لِأَن قبحه لَا يتَغَيَّر وَيحسن نسخ قبح بعض الآلام أَو حسن بعض الْمَنَافِع لِأَنَّهُ يجوز مَعَ كَون الْأَلَم ألما أَن يحسن وَمَعَ كَون النَّفْع نفعا أَن يقبح وَمن شَرَائِطه أَن يكون مَا تنَاوله النَّاسِخ متميزا للمكلف من الْمَنْسُوخ وَأَن يكون مَقْدُورًا
فَأَما نسخ الحكم إِلَى بدل هُوَ أخف مِنْهُ أَو مسَاوٍ لَهُ أَو نسخه إِذا لم يُقيد الْأَمر بِهِ بالتأبيد فَلَيْسَ بِشَرْط فِي وُقُوع الِاسْم وَلَا فِي الصِّحَّة وَلَا فِي الْحسن ﷺ َ - بَاب فِي الدّلَالَة على حسن نسخ الشَّرَائِع ﷺ َ -
اتّفق الْمُسلمُونَ على حسن نسخ الشَّرَائِع إِلَّا حِكَايَة شَاذَّة عَن بعض الْمُسلمين أَنه لَا يحسن ذَلِك وَالْيَهُود على فرق ثَلَاث ففرقة منعت من ذَلِك عقلا وَفرْقَة منعت مِنْهُ سمعا وإجازته عقلا وَفرْقَة أجازته عقلا وسمعا
وَالدَّلِيل على حسنه من جِهَة الْعقل أَن مثل مَا تعبد الله سُبْحَانَهُ بِهِ يجوز أَن يقبح فِي الْمُسْتَقْبل فاذا قبح حسن النَّهْي عَنهُ إِذْ النَّهْي عَن الْقَبِيح حسن وَإِنَّمَا قُلْنَا يجوز أَن يكون مثل مَا تعبدنا الله بِهِ قبيحا فِي الْمُسْتَقْبل لِأَنَّهُ
стр. 370
لَو يجز ذَلِك لم يحسن أَن يَقُول الله تمسكوا بالسبت مَا عشتم إِلَّا السبت الْفُلَانِيّ وَأَيْضًا فانه كَمَا يجوز الْعقل أَن يكون التَّمَسُّك بالسبت مصلحَة فانه يجوز كَونه مصلحَة فِي وَقت مفْسدَة فِي وَقت آخر كَمَا يجوز كَون الرِّفْق بِالصَّبِيِّ مصلحَة فِي وَقت مفْسدَة فِي وَقت آخر وكما يجوز كَونه مصلحَة لزيد دون عَمْرو فِي وَقت وَاحِد يجوز أَن يكون مصلحَة لزيد فِي وَقت دون وَقت وكما يجوز كَون الصِّحَّة وَالْمَرَض والغنى والفقر مصلحَة فِي وَقت دون وَقت يجوز كَون التَّمَسُّك بالسبت مصلحَة فِي وَقت دون وَقت لَا فرق فِي الْعقل بَين هَذِه الْأَقْسَام
وللمخالف أَن يحْتَج بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا لَا بِبَيِّنَة على الْأُمُور الْمُقَيد بالتأبيد بل بِبَيِّنَة على النَّهْي عَن مثل مَا تعبدنا بِهِ وَهَذَا أشبه بِأَن يكون وَجها عقليا وَالْآخر بِبَيِّنَة على أَمر قيد بالتأبيد حَتَّى يكون السّمع قد منع من النّسخ
أما الأول فَهُوَ أَن يُقَال لَو نهى الله عَن صُورَة مَا تعبد بِهِ لَكَانَ إِمَّا قد خَفِي عَلَيْهِ صَلَاح مَا أَمر بِهِ مَا كَانَ ظَاهرا أَو ظهر لَهُ من فَسَاد مَا كَانَ خافيا فِيهِ وَهُوَ البداء أَو يكون عَالما بِمَا كَانَ عَالما بِهِ إِلَّا أَنه قصد الْأَمر بالقبيح وَالنَّهْي عَن الْحسن وَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا يلْزم ذَلِك لَو لم يجز كَون مثل الْوَاجِب قبيحا فِي وَقت آخر فَأَما إِذا جَازَ ذَلِك فقد أمكن قسم آخر سوى مَا ذكر وَهُوَ أَن يعلم الله سُبْحَانَهُ فِيمَا لم يزل وجوب مَا أَمر بِهِ فِي الْوَقْت الَّذِي أَمر بِهِ وقبحه فِي الْوَقْت الَّذِي نهى عَنهُ وَلَو كَانَ مثل الْفِعْل حكمه فِي جَمِيع الْحَالَات لَكَانَ حكم نِكَاح الْأَخَوَات والختان فِي جَمِيع الْحَالَات حكما وَاحِدًا وَمَعْلُوم أَن نِكَاح الْأَخَوَات قد كَانَ غير مَحْظُور من قبل ومحظور فِي شرع مُوسَى ﵇
أما الْوَجْه الثَّانِي فتحريره أَن يُقَال إِن الْأَمر بِالْفِعْلِ أبدا يُفِيد وجوب فعله فِي جَمِيع الْأَوْقَات بِشَرْط الْإِمْكَان فَلَو أَمر الله سُبْحَانَهُ بِالْعبَادَة أبدا لم يخل إِمَّا أَن يكون قد أَرَادَ بِالْأَمر فعل الْعِبَادَة أبدا مَا بَقِي الْإِمْكَان أَو لم يرد
стр. 371
فعلهَا أبدا فان لم يردهُ أبدا مَعَ اقْتِضَاء الظَّاهِر لَهُ كَانَ ملبسا لِأَنَّهُ لم يدل فِي الْحَال على خلاف الظَّاهِر وَلَو جَازَ تَأْخِير بَيَان ذَلِك جَازَ تَأْخِير بَيَان الْمُجْمل والعموم وَلما كَانَ فِي الْإِمْكَان تعريفنا تأبيد شَرِيعَة من الشَّرَائِع وَأَن كَانَ قد أَرَادَ فعلهَا أبدا اقْتضى ذَلِك وجوب فعلهَا أبدا وَوُجُوب الْعَزْم على أَدَائِهَا أبدا وَوُجُوب اعْتِقَاد وُجُوبهَا أبدا وَاسْتِحْقَاق الثَّوَاب على فعلهَا أبدا فَلَو نهى الله سُبْحَانَهُ عَنْهَا فِي الْمُسْتَقْبل لدل نَهْيه على أَنه قد خَفِي عَلَيْهِ مَا كَانَ ظَاهرا من وُجُوبهَا أَو ظهر لَهُ مَا كَانَ خافيا من قبحها أَو لِأَنَّهُ قصد النَّهْي عَمَّا يُعلمهُ حسنا وَالْأَمر بِمَا يُعلمهُ قبيحا وكل هَذِه الْأَقْسَام فَاسِدَة وَالْجَوَاب أَن الْأَمر الْمُطلق لَا يُفِيد التّكْرَار وَإِنَّمَا الْمُقَيد بالتأبيد إِذا أَفَادَ التَّأْبِيد بِشَرْط الْإِمْكَان لَا يجوز نسخه إِلَّا أَن يكون الْمُكَلف قد أشعر بالنسخ عِنْد أمره وَقيام الدّلَالَة على نبوة مُحَمَّد ﷺ يَقْتَضِي أَن يكون قد اقْترن بِالْأَمر بالسبت الْإِشْعَار بالنسخ نَحْو أَن يُخْبِرهُمْ لمجيء نَبِي إِلَى غير ذَلِك من وُجُوه الْإِشْعَار فاذا أشعر بالنسخ لم يكن قد أوهمنا الْبَاطِل لأَنا مَعَ الْإِشْعَار لَا نقدم على اعْتِقَاد التَّأْبِيد وَلَا تمْتَنع الْقُدْرَة على تعريفنا بتأبيد الشَّرِيعَة لِأَن طَرِيق إعلامنا ذَلِك أَن يخلى أمره المؤبد من بَيَان النّسخ مفصلا وَمن الْإِشْعَار بِهِ وَقَوْلنَا فِي بَيَان الْمُجْمل الَّذِي لَا يعرف المُرَاد بِهِ أصلا وَفِي بَيَان التَّخْصِيص كَقَوْلِنَا فِي بَيَان النّسخ وَقد تقدم شرح هَذِه الْجُمْلَة عِنْد الْكَلَام فِي تَأْخِير الْبَيَان فاذا أَرَادَ بِالْأَمر المؤبد بعض مَا تنَاوله ونهانا عَمَّا لم يردهُ لم يكن قد أَمر بقبيح وَلَا نهى عَن حسن وَلَا ظهر لَهُ مَا كَانَ خافيا وَلَا خَفِي عَنهُ مَا كَانَ ظَاهرا بل كَانَ عَالما فِيمَا لم يزل بِوُجُوب مَا أَمر بِهِ فِي وقته وقبح مثله فِي وَقت آخر وَلَا يلْزم اسْتِحْقَاق الْعقَاب على مَا اسْتحق بِهِ الثَّوَاب وَإِنَّمَا يلْزم اسْتِحْقَاق الْعقَاب على مثل مَا اسْتحق بِهِ الثَّوَاب
وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن قَوْلهم إِن الْأَمر بِالْفِعْلِ أبدا يَقْتَضِي الدَّوَام فَقَالَ إِنَّه لَا يُفِيد الدَّوَام لعلمنا أَن التَّكْلِيف يَنْقَطِع وَلذَلِك لَا يفهم من قَول الْقَائِل لغيره لَازم فلَانا أبدا أَو احبسه أبدا الدَّوَام وَلقَائِل أَن يَقُول
стр. 372
إِن التَّأْبِيد يُفِيد الدَّوَام فِي الْأَوْقَات كلهَا وَإِنَّمَا يخرج مَا بعد الْوَقْت وَالْعجز من الْخطاب لدلَالَة وَمَا عداهما بَاقٍ على الظَّاهِر كَمَا لَو قَالَ لَهُ افْعَل فِي كل وَقت إِلَّا أَن تعجز أَو تَمُوت حسب مَا نقُوله فِي أَلْفَاظ الْعُمُوم كلهَا وَكَذَلِكَ قَول الْقَائِل احْبِسْ فلَانا أبدا حَتَّى يعْطى الْحق ولازمه أبدا إِلَّا أَنا نعلم من قصد الْمُتَكَلّم أَنه يُرِيد حَبسه حَتَّى يخرج من الْحق مَا دَامَ حَيا لعلمنا أَنه لَا غَرَض لَهُ فِي حبس الْمَوْتَى فان قيل فَالْأَمْر الْمُقَيد بالتأبيد يُفِيد دوَام الْفِعْل مَا دَامَ مصلحَة فالنهي يُفِيد زَوَال الْمصلحَة قيل إِنَّا بِالْأَمر نعلم أَنه مصلحَة فاذا كَانَ مُقَيّدا بالتأبيد أَفَادَ كَونه مصلحَة أبدا كَمَا لَو قَالَ هُوَ مصلحَة أبدا وَأجَاب عَن قَوْلهم بِأَن ذَلِك يمْنَع من الْقُدْرَة على تعريفنا دوَام الشَّرِيعَة بِأَن ذَلِك لَا يمْنَع من ذَلِك لِأَنَّهُ يجوز أَن يضْطَر الْأمة من قصد نبيها إِلَى أَن شَرِيعَته لَا تنسخ وَيجوز أَن يعلمُوا ذَلِك بِأَن يَقُول لَهُم شريعتي مصلحَة مَا بَقِي التَّكْلِيف وَبِأَن يَنْقَطِع الْوَحْي وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه وَإِن جَازَ أَن تعلم الْأمة ذَلِك من قصد نبيها فالنبي ﷺ لَا بُد من أَن يعرف أَن شَرِيعَته لَا تنسخ بخطاب أَو تَنْتَهِي إِلَى خطاب فَإِن جَازَ أَن يعْتَرض الْأَمر المؤبد النّسخ جَازَ مثله فِي ذَلِك الْخطاب الَّذِي عرف بِهِ النَّبِي ﷺ أَو جِبْرِيل أَن الشَّرِيعَة لَا تنسخ وَإِنَّمَا نعلم أَن الْوَحْي مُنْقَطع إِذا قَالَ النَّبِي ﷺ إِن شريعتي دائمة أَو لَا نَبِي بعدِي فان جَازَ تَأْخِير بَيَان النّسخ مَعَ تنَاول الْأَمر لجَمِيع الْأَوْقَات جَازَ أَن يكون مُرَاده لَا نَبِي بعدِي إِلَّا فلَان أَو فلَان ويتأخر بَيَان هَذَا التَّخْصِيص وَقَوله شريعتي مصلحَة مَا بَقِي التَّكْلِيف يُفِيد ظَاهره دوَام الْمصلحَة لشرعه كَمَا يفِيدهُ الْأَمر بهَا أبدا لِأَن أَمر الْحَكِيم بِالْفِعْلِ يدل على كَونه مصلحَة كَمَا أَن خَبره عَن كَونه مصلحَة يدل على ذَلِك فَإِن جَازَ تَأْخِير بَيَان نسخ أَحدهمَا جَازَ مثله فِي الآخر وَأجَاب عَن قَوْله إِن فِي تَأْخِير بَيَان النّسخ إلباس بِأَن الإلباس إِنَّمَا يثبت إِذا لم يبين الْحَكِيم مَا يجب بَيَانه مِمَّا يحْتَاج الْمُكَلف إِلَيْهِ فَأَما مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَلَا يجب بَيَانه وَلَا إلباس فِي فقد بَيَانه وَلَيْسَ يحْتَاج الْمُكَلف فِي حَال الْخطاب إِلَى معرفَة وَقت ارْتِفَاع الْعِبَادَة وَلقَائِل أَن يَقُول وَلَيْسَ يحْتَاج
стр. 373
أَيْضا فِي حَال وُرُود الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَالْخطاب الْمُجْمل إِلَى تعرف صفة الْمُجْمل وَمن لم يدْخل تَحت الْعُمُوم وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك عِنْد الْفِعْل فان قَالَ يحْتَاج فِي تِلْكَ الْحَال إِلَى بَيَان صفة الْعِبَادَة وَتَخْصِيص الْعَام ليعلم أَن من دخل تَحت الْعَام مِمَّن لم يدْخل تَحْتَهُ ليعلم صفة مَا كلف فَعدم بَيَان ذَلِك مخل بِعِلْمِهِ قيل وَكَذَلِكَ تَأْخِير بَيَان النّسخ يخل بِعِلْمِهِ أَن الْعِبَادَة دائمة
وَأجَاب بِأَن الْعِبَادَة تَنْقَطِع بِالْعَجزِ وَلَا يعلم مَتى يطْرَأ وَلم يكن فِي ذَلِك إلباس فَكَذَلِك فِي النّسخ فان قَالَ قَائِل إِن الْأَمر بِالْفِعْلِ هُوَ كَونه مَشْرُوطًا بالتمكن قيل وَالْأَمر بِالْعبَادَة مَشْرُوط بِكَوْنِهَا مصلحَة فان قَالَ إِنَّمَا نعلم كَونهَا مصلحَة بِالْأَمر فاذا كَانَ الْأَمر مُؤَبَّدًا كَانَت الْمصلحَة مُؤَبّدَة قيل إِنَّمَا علمنَا كَون الْفِعْل مصلحَة من حَيْثُ علمنَا أَن الْحَكِيم لَا يَأْمر بِمَا لَيْسَ بمصلحة وكما علمنَا ذَلِك فقد علمنَا أَنه لَا يَأْمر عَمَّا لَا يقدر عَلَيْهِ فان دلّ الْأَمر المؤبد على دوَام الْمصلحَة ليدلن أَيْضا على دوَام التَّمْكِين وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الله إِذا أمرنَا بِفعل فقد أشعرنا فِيهِ بِجَوَاز انْقِطَاع التَّعَبُّد بِهِ بِالْمَوْتِ لأَنا قد علمنَا انْقِطَاع التَّكْلِيف فِيهِ بِالْمَوْتِ وَالْعجز وجوزنا من جِهَة الْعَادة وجود الْعَجز وَلَو علمنَا بِالْأَمر ارْتِفَاع الْمَوْت عَنَّا كُنَّا مغرين بِالْمَعَاصِي فاذا جَوَّزنَا ذَلِك فقد حصل الْإِشْعَار بارتفاع الْعِبَادَة فِي كل وَقت وَلَو لزم على ذَلِك جَوَاز تَأْخِير بَيَان النّسخ للَزِمَ جَوَاز تَأْخِير بَيَان الْعُمُوم لِأَن الله سُبْحَانَهُ لَو أَمر جمَاعَة بِصَلَاة الظّهْر جَازَ أَن يعجز بَعضهم قبل الظّهْر فَيعلم بذلك أَنه سُبْحَانَهُ مَا عناه بِالْخِطَابِ وَأَنه عَنى بعض من تنَاوله الْخطاب وَلم يدلنا على ذَلِك عِنْد الْخطاب وَلم يلْزم من ذَلِك أَن يُخَاطب بِالْعَام وَالْفِعْل مصلحَة لبَعض من تنَاوله الْخطاب دون بعض وَلَا يتَبَيَّن ذَلِك عِنْد الْخطاب
وَأجَاب أَيْضا بِأَن بَيَان تَأْخِير بَيَان النّسخ هُوَ تَأْخِير بَيَان مَا لم يرد بِالْخِطَابِ مِمَّا لَا يُؤثر فِي تمكن الْمُكَلف من الْأَدَاء وَلَيْسَ كَذَلِك تَأْخِير بَيَان صفة الْعِبَادَة وَقد تقدم الْقَوْم منا فِي ذَلِك
стр. 374
وَأجَاب أَيْضا بِأَن الشَّاهِد قد فرق بَينهمَا لِأَن من أَمر عَبده بِأخذ وَظِيفَة لَهُ فِي كل يَوْم لَا يلْزمه أَن يبين لَهُ فِي الْحَال مَتى انْقِطَاع ذَلِك وَلَا يجوز أَن لَا يبين لَهُ فِي الْحَال صفة الْوَظِيفَة وَلقَائِل أَن يَقُول لَا نسلم حسن ذَلِك إِذا كَانَ يعلم وَقت انْقِطَاع أَخذ الْوَظِيفَة بل لَا بُد من بَيَان ذَلِك إِمَّا على جملَة أَو على تَفْصِيل وَأَيْضًا فان الْإِنْسَان قد يَقُول لوَكِيله خُذ لي وَظِيفَة وسأبين لَك غَدا صفتهَا فالعقلاء لَا يستحسنون ذَلِك فَالْوَجْه فِي ذَلِك عَن الشُّبْهَة مَا قدمنَا من الْإِشْعَار
فَأَما من يمْنَع من أهل ملتنا من وُقُوع النّسخ فِي شريعتنا فانه إِن منع من حسن ذَلِك على الْإِطْلَاق فَمَا ذكرنَا على الْيَهُود وَمَا وَجَدْنَاهُ من النّسخ يبطل قَوْله وَإِن منع من النّسخ إِلَّا مَعَ تقدم الْإِشْعَار وَلم يسم مَا تقدم من الْإِشْعَار بنسخة مَنْسُوخا فَهُوَ قَوْلنَا إِلَّا أَنه مُخَالف فِي الِاسْم وَإِن منع من وجود النّسخ فِي شريعتنا أريناه ذَلِك نَحْو نسخ ثبات الْوَاحِد للعشرة وَنسخ التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس بالتوجه إِلَى الْكَعْبَة مَعَ أَن التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس كَانَ مَعْلُوما بشرع النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ ﷺ لم يكن متعبدا بشرع من تقدم وَنسخ صَوْم عَاشُورَاء برمضان فان أقرّ بذلك وَقَالَ لَا أُسَمِّيهِ نسخا لزمَه أَن لَا يُسَمِّي رفع شريعتنا لشرع من تقدم نسخا ﷺ َ - بَاب فِي نسخ الشَّيْء قبل فعله ﷺ َ -
اعْلَم أَن نسخ الشَّيْء قبل فعله ضَرْبَان أَحدهمَا نسخ لَهُ بعد أَن يقْضى وقته وَالْآخر نسخ لَهُ قبل أَن يقْضى وقته
أما الْقسم الأول فَجَائِز لِأَن مثل الْفِعْل يجوز أَن يصير فِي مُسْتَقْبل الْأَوْقَات
стр. 375
مفْسدَة وَلَا فرق فِي جَوَاز ذَلِك فِي الْعقل بَين أَن يعْصى الْمُكَلف أَو يُطِيع فَالْقَوْل بِأَنَّهُ إِذا عصى لَا يجوز أَن لَا يصير مثل مَا عصى فِيهِ مفْسدَة فِيمَا بعد كالقول بِأَنَّهُ إِذا أطَاع لَا يجوز أَن يصير مثله مفْسدَة فاذا جَازَ أَن يصير مفْسدَة فِيمَا بعد جَازَ النَّهْي عَنهُ وان يبين لنا أَن الْأَمر لم يتَنَاوَلهُ
وَأما نسخ الشَّيْء قبل وقته فَغير جَائِز عِنْد شُيُوخنَا الْمُتَكَلِّمين وَبَعض أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵀ وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵀ وَذهب بعض الْفُقَهَاء إِلَى جَوَاز ذَلِك وَدَلِيلنَا أَن الله لَو قَالَ لنا فِي صَبِيحَة يَوْمنَا صلوا عِنْد غرُوب الشَّمْس رَكْعَتَيْنِ بِطَهَارَة ثمَّ قَالَ عِنْد الظّهْر لَا تصلوا عِنْد غرُوب الشَّمْس رَكْعَتَيْنِ بِطَهَارَة لَكَانَ الْأَمر وَالنَّهْي قد تناولا فعلا وَاحِدًا على وَجه وَاحِد فِي وَقت وَاحِد صَدرا من مُكَلّف وَاحِد إِلَى مُكَلّف وَاحِد وَفِي تنَاول النَّهْي لما تنَاوله الْأَمر على الْحَد الَّذِي تنَاوله من غير انْفِصَال دَلِيل إِمَّا على البداء وَإِمَّا على الْقَصْد إِلَى الْأَمر بالقبيح وَالنَّهْي عَن الْحسن إِن قيل لم زعمتم أَن هَذَا الْأَمر وَالنَّهْي تعلقا بِفعل وَاحِد على حد وَاحِد قيل لِأَنَّهُمَا لَو لم يتناولا فعلا وَاحِدًا لم يخل إِمَّا أَن يكون الْأَمر تنَاول الْفِعْل الْمَذْكُور وَالنَّهْي لم يتَنَاوَلهُ أَو تنَاول النَّهْي وَالْفِعْل الْمَذْكُور وَالْأَمر مَا تنَاوله أَو لم يتَنَاوَلهُ وَاحِد مِنْهُمَا فان لم يتَنَاوَلهُ الْأَمر لم يخل إِمَّا أَن يكون قد عني بِالْأَمر شَيْء أَو لم يعن بِهِ شَيْء فان لم يعن بِهِ شَيْء فَهُوَ عَبث وَإِن عني بِهِ شَيْء انقسم إِلَى أَن يكون قد عني بِهِ فعل وَاحِد مثل الْفِعْل الَّذِي تنَاوله النَّهْي أَو مضاد لَهُ أَو مُخَالف لَهُ وَلَا يجوز أَن يتَنَاوَل مثله لِأَن الْمُكَلف لَا يُمَيّز بَين فَعَلَيهِ المثلين فِي وَقت وَاحِد فتكليفه فعل أَحدهمَا بِعَيْنِه وتجنب الآخر المنهى عَنهُ بِعَيْنِه مَعَ أَنَّهُمَا لَا يتميزان لَهُ تَكْلِيف لما لَا يُطَاق وَلَو تميزا لَهُ امْتنع أَن يكون أَحدهمَا مصلحَة وَالْآخر مفْسدَة
وَأَيْضًا لَو انْصَرف الْأَمر إِلَى شَيْء وَالنَّهْي إِلَى غَيره لوَجَبَ على الْمُكَلف فعل الْمَأْمُور بِهِ بعد وجود النَّهْي وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْمَسْأَلَة الْمَفْرُوضَة الَّتِي وَقع فِيهَا
стр. 376
الْخلاف وَكَذَلِكَ لَو قيل إِن الْأَمر تعلق بضد مَا تعلق بِهِ النَّهْي على أَن الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي نهي تعلق بِالصَّلَاةِ لَا بنهي تعلق بضد الصَّلَاة لِأَن النَّهْي لَو تعلق بضد الصَّلَاة لما كَانَ نَاسِخا للصَّلَاة وَلَا منافيا للتعبيد بهَا وَإِن كَانَ الْأَمر تنَاول فعلا مُخَالفا لما تنَاوله النَّهْي نَحْو أَن يُقَال إِنَّه أَمر بالعزم على الصَّلَاة أَو باعتقاد وجوب الصَّلَاة وَكَونهَا مَأْمُورا بهَا أَو أَن الْمُكَلف سيفعلها لَا محَالة كَانَ الله سُبْحَانَهُ قد اسْتعْمل قَوْله صلوا مَكَان قَوْله اعزموا واعتقدوا وَلَيْسَ ذَلِك بِعِبَارَة عَن هَذَا النَّهْي لَا فِي اللُّغَة وَلَا فِي الشَّرْع لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا وَلَو صَار ذَلِك عبارَة عَنهُ فِي الشَّرْع لما تَأَخّر بَيَانه عَن وَقت الْخطاب وَذَلِكَ يخرج عَن مَسْأَلَة النّسخ إِلَى مَسْأَلَة تَأْخِير الْبَيَان
وَأَيْضًا فانه لَا بُد من أَن يكون فِي الْأَمر بالعزم والاعتقاد فَائِدَة وَلَا فَائِدَة فِي ذَلِك إِذا كَانَ المعزوم عَلَيْهِ غير وَاجِب فان قَالُوا الْفَائِدَة فِي ذَلِك أَن يختبر الْمُكَلف قيل حَقِيقَة الاختبار إِنَّمَا تجوز على من لَا يعرف الْعَاقِبَة دون من يعرف الْعَاقِبَة
وَأَيْضًا فايجاب الْعَزْم والاعتقاد على الْإِطْلَاق لَا يحسن والمعزوم عَلَيْهِ غير وَاجِب لِأَنَّهُ لَا يحسن اعْتِقَاد وجوب مَا لَيْسَ بِوَاجِب فان قَالُوا إِنَّمَا أَمر الْمُكَلف بالعزم على الْفِعْل بِشَرْط كَونه وَاجِبا قيل قد كَانَ يمكنكم أَن تَقولُوا إِنَّه أَمر بِالْفِعْلِ بِشَرْط كَونه وَاجِبا وَلَا تضمروا فِي الْأَمر الْعَزْم الَّذِي لَيْسَ بمذكور فان قَالُوا ذَلِك فسنتكلم عَلَيْهِ من بعد
وَأَيْضًا فليسوا بِأَن يَقُولُوا إِنَّه إِنَّمَا أَمر بالعزم على الصَّلَاة بِشَرْط كَونهَا وَاجِبَة ويتوصلوا إِلَى ذَلِك بِظَاهِر النَّهْي أولى من أَن يَقُولُوا إِنَّه إِنَّمَا نهى عَن إِرَادَة الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ بِشَرْط كَونه قبيحا لَا يَتَجَدَّد بِهِ أَمر آخر ويجوزوا وُرُود أَمر آخر بِهِ ويتوصلوا إِلَى ذَلِك بِظَاهِر الْأَمر وَمِمَّا يفْسد القَوْل بِأَن الْأَمر دَلِيل على وجوب اعْتِقَاد فعل الْمَأْمُور بِهِ أَن إِيجَاب ذَلِك يَقْتَضِي الْقطع على بَقَاء الْمُكَلف وَفِي ذَلِك إغراء بِالْمَعَاصِي
стр. 377
فَأَما القَوْل بِأَن الْأَمر تنَاول الْفِعْل الْمَذْكُور وَهُوَ الصَّلَاة وَأَن النَّهْي تنَاول غير مَا تنَاوله الْأَمر إِمَّا مثله أَو ضِدّه أَو مُخَالفا لَهُ فَيبْطل بِمَا ذَكرْنَاهُ الْآن وَيبْطل أَيْضا أَن يكون النَّهْي تنَاول الْعَزْم على أَدَاء الصَّلَاة أَو الِاعْتِقَاد لوُجُوبهَا لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يقبح منا اعْتِقَاد وجوب الصَّلَاة والعزم عَلَيْهَا إِلَّا وَقد ارْتَفع وُجُوبهَا وَفِي ذَلِك تنَاول النَّهْي لما تنَاوله الْأَمر وَهُوَ الَّذِي أردنَا بَيَانه فاذا فسد أَن يكون الْأَمر وَحده تنَاول الْفِعْل أَو النَّهْي وَحده وَوَجَب أَن يَكُونَا قد تناولاه فأحرى أَن يفْسد القَوْل بِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لم يتَنَاوَلهُ فان قَالُوا هَذَا الْأَمر وَهَذَا النَّهْي وَإِن تناولاه فعلا فَإِنَّمَا تناولاه على وَجْهَيْن قيل إِن الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي أَن يَأْمر الله سُبْحَانَهُ بِالصَّلَاةِ بِطَهَارَة ثمَّ ينْهَى عَنْهَا بِطَهَارَة على الْوَجْه الَّذِي أَمر بِهِ فَالْوَجْه وَاحِد فان قَالُوا بل الْوَجْه مُخْتَلف لِأَنَّهُ أمرنَا بِالْفِعْلِ بِشَرْط أَلا ينْهَى عَنهُ قيل البارىء سُبْحَانَهُ عَالم بِأَن هَذَا الشَّرْط لَا يحصل وَالْأَمر بِالشّرطِ إِنَّمَا يحصل مِمَّن لَا يعرف العواقب وَأَيْضًا فان النَّهْي لَيْسَ بِوَجْه يَقع عَلَيْهِ الْفِعْل وَأَيْضًا فَلَيْسَ بِأَن يَقُولُوا أمرنَا بِالْفِعْلِ بِشَرْط أَن لَا ينْهَى عَنهُ أَو بِشَرْط كَونه مصلحَة أَو يكون الْغَرَض بِهِ توطين النَّفس على فعله بِأولى من أَن يَقُولُوا بل نَهَانَا عَنهُ بِشَرْط أَن لَا يَتَجَدَّد أَمر آخر قبل فعله وَيكون الْغَرَض كَرَاهَة فعله إِن لم يَتَجَدَّد أَمر آخر بِهِ وَيُمكن أَن تقرر الدّلَالَة فَيُقَال النَّهْي عَن الشَّيْء قبل وَقت فعله هُوَ نهي عَمَّا تنَاوله الْأَمر على الْحَد الَّذِي تنَاوله فِي الْوَقْت وَالْمَكَان وَالْوَجْه على حسب مَا مثلناه وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى الْفساد الْمُتَقَدّم ذكره فَإِن قيل إِن النَّهْي لم يتَنَاوَل مَا تنَاوله الْأَمر قيل إِن الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي أَن يَأْمُرنَا الله سُبْحَانَهُ بِالصَّلَاةِ عِنْد غرُوب الشَّمْس بِطَهَارَة ثمَّ ينْهَى عَنْهَا فِي ذَلِك الْوَقْت بِعَيْنِه بِطَهَارَة فمتعلقهما وَاحِد فان قَالُوا الْأَمر إِنَّمَا تنَاول الْعَزْم على الصَّلَاة أَو اعْتِقَاد وُجُوبهَا وَالنَّهْي تنَاول نفس الصَّلَاة أجبنا عَنهُ بِمَا تقدم
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
стр. 378
مِنْهَا قَول الله ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب﴾ فَدلَّ على أَنه يمحو كل مَا شَاءَ محوه وَفِي ذَلِك جَوَاز محو الْعِبَادَة قبل وَقتهَا وَالْجَوَاب أَن حَقِيقَة المحو هُوَ محو على كل وَجه الْكِتَابَة وَقد قيل المُرَاد بِهِ مَا يَكْتُبهُ الْملكَانِ من الْمُبَاحَات ويبقيه مَا يَشَاء من الطَّاعَات والمعاصي وَقيل المُرَاد بِهِ محو النكبات والبلايا بِالصَّدَقَةِ على معنى أَنه لولاها لنزل ذَلِك وعَلى أَن الْآيَة تدل على أَنه يمحو مَا يَشَاء وَلَيْسَ فِي الْآيَة أَنه شَاءَ محو الْعِبَادَات قبل أَوْقَاتهَا
وَمِنْهَا أَن إِبْرَاهِيم قَالَ لإسماعيل ﵉ ﴿إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك﴾ فَقَالَ لَهُ ﴿افْعَل مَا تُؤمر﴾ فأضجعه وَأخذ المدية ليذبحه وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا وَقد أَمر بِالذبْحِ ثمَّ إِن الله نَهَاهُ عَن ذبحه قبل وَقت الذّبْح وفداه بذَبْحه وَالْجَوَاب أَنه لم يفعل مَا فعله إِلَّا وَقد أَمر بِشَيْء وَمَعْنَاهُ أَنه أَمر بِالذبْحِ وَلَا رُؤْيَة الذّبْح فِي الْمَنَام أَمر لَهُ بِالذبْحِ فَيحْتَمل أَن يكون أَمر بِالذبْحِ وَيحْتَمل أَن يكون أَمر بِمَا فعله وامتثله وَلِهَذَا قَالَ الله ﴿قد صدقت الرُّؤْيَا﴾ وَلَو كَانَ قد فعل بعض مَا أَمر بِهِ لَكَانَ قد صدق بعض الرُّؤْيَا وَقَول إِسْمَاعِيل ﴿افْعَل مَا تُؤمر﴾ إِنَّمَا يُفِيد الْأَمر فِي الْمُسْتَقْبل وَقَوله ﴿إِن هَذَا لَهو الْبلَاء الْمُبين﴾ لَا يمْنَع مِمَّا ذَكرْنَاهُ لِأَن إضجاع ابْنه وَأخذ المدية مَعَ غَلَبَة الظَّن بِأَنَّهُ يُؤمر بالقبح بلَاء عَظِيم وَإِنَّمَا فدى بِالذبْحِ مَا كَانَ يتوقعه من الْأَمر بِالذبْحِ وَقد قيل إِنَّه أَمر بِصُورَة الذّبْح وَهُوَ الْقطع وَأَنه كَانَ كلما قطع موضعا من الْحق وتعداه إِلَى غَيره وصل الله سُبْحَانَهُ مَا تقدم قطعه فَإِن قيل حَقِيقَة الذّبْح هُوَ قطع مَكَان مَخْصُوص تبطل مَعَه الْحَيَاة
стр. 379
قيل لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْإِنْسَان يُقَال إِنَّه مَذْبُوح قبل بطلَان الْحَيَاة وَلِهَذَا يُقَال قد ذبح هَذَا وَلم يمت بعد وَلَو كَانَ حَقِيقَة الذّبْح مَا ذَكرُوهُ لم يمْتَنع حمل الْآيَة على الْمجَاز بدليلنا الْمُتَقَدّم وَقيل إِنَّه أمره بِالذبْحِ وَالله سُبْحَانَهُ جعل على عُنُقه صفيحة من حَدِيد فَكَانَ إِذا أَمر إِبْرَاهِيم السكين لم يقطع شَيْئا من الْحلق وَهَذَا تَأْوِيل سَائِغ إِذا قُلْنَا إِنَّه أَمر بِمَا يجرى مجْرى الذّبْح من إمرار السكين فَأَما إِذا قيل إِنَّه أَمر بِالذبْحِ على الْحَقِيقَة فانه لَا يسوغ لِأَنَّهُ تَكْلِيف مَا لَا يُقَال
وَمِنْهَا أَن الله نسخ تَقْدِيم الصَّدَقَة بَين يَدي مُنَاجَاة الرَّسُول قبل أَن فعل ذَلِك وَالْجَوَاب أَنه نسخ ذَلِك إِلَّا بعد أَن حضر وَقت الْفِعْل وَلِهَذَا ناجى عَليّ ﵁ رَسُول الله ﷺ بعد أَن قدم الصَّدَقَة فَعلمنَا أَن وَقت الْفِعْل قد كَانَ حضر سَوَاء ناجاه غَيره أَو لم يناجه
وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ صَالح قُريْشًا يَوْم الْحُدَيْبِيَة على رد من هَاجر إِلَيْهِ ثمَّ نسخ الله سُبْحَانَهُ ذَلِك قبل الرَّد بقوله ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار﴾ وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن تكون الْآيَة نزلت بعد مُضِيّ وَقت كَانَ يجوز أَن يهاجرن إِلَيْهِ فيردهن فَيكون النّسخ وَاقعا بعد وَقت الْفِعْل وروى الْوَاقِدِيّ أَن أَبَا بَصِير لما رده النَّبِي ﷺ إِلَى قُرَيْش انحاز مَعَ جمَاعَة مِمَّن أسلم من قُرَيْش فَكَانَ يمْنَع من قدوم الْميرَة على أهل مَكَّة فَأرْسلت قُرَيْش إِلَى النَّبِي ﷺ تقسم عَلَيْهِ بأرحامها إِلَّا رد أَبَا بَصِير والنفر الَّذين مَعَه إِلَيْهِ وَأَن لَا يرد عَلَيْهِم أحداها هَاجر إِلَيْهِ فاذا كَانَ الْعَهْد وَقع على رد الْمُهَاجِرين إِلَيْهِم لأَنهم آثروا ذَلِك وشرطوه فَمَتَى كرهوه زَالَ الشَّرْط فَلم يجب ردهم لم يكن ذَلِك نسخا
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن النَّبِي ﷺ لما عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء فرض الله عَلَيْهِ
стр. 380
وعَلى امته خمسين صَلَاة فَأَشَارَ عَلَيْهِ مُوسَى ﵇ بِالرُّجُوعِ وَأَن يشفع فِي النُّقْصَان وَأَنه قبل مَا أَشَارَ عَلَيْهِ فَردَّتْ الصَّلَاة إِلَى خمس بعد رجعات وَذَلِكَ نسخ قبل الْوَقْت وَالْجَوَاب أَن ذَلِك خبر وَاحِد لَا يجب قبُوله فِيمَا يجب أَن نعلم وَأَيْضًا فان الْخَبَر يتَضَمَّن من أَنْوَاع التَّشْبِيه مَا يدل على أَن أَكْثَره مَوْضُوع وَأَيْضًا فان ذَلِك يَقْتَضِي نسخ الشَّيْء قبل وقته وَقبل تمكن الْمُكَلف من الْعلم وَعلل الْمُخَالف تَقْتَضِي الْمَنْع من ذَلِك لأَنهم يجوزون هَذَا النّسخ على ان يكون الْغَرَض فِي التَّعَبُّد بالمنسوخ الْعَزْم على أَدَائِهِ والاعتقاد لوُجُوبه وَهَذَا لَا يتم إِلَّا مَعَ علم الْمُكَلف بالتعبد بالمنسوخ
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو أمرنَا الله سُبْحَانَهُ بمواصلة الْفِعْل سنة جَازَ أَن ينسخه عَنَّا بعد أشهر وَذَلِكَ نسخ قبل أوقاته الَّتِي هِيَ بَقِيَّة السّنة وَالْجَوَاب أَن نسخه لَهُ يدلنا على أَنه لم يعن بِالسنةِ جمعهَا وَأَنه لم يكن أَرَادَ إِلَّا الْفِعْل فِي بعض السّنة فَيكون النّسخ بَيَانا للمراد بِالْخِطَابِ على وَجه يكون الْأَمر تنَاول غير مَا تنَاوله النَّهْي وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا ورد النّسخ قبل حُضُور كل شَيْء من أَوْقَات الْفِعْل لِأَنَّهُ يكون قد نسخ جَمِيع مَا تنَاوله الْأَمر فَيكون النَّهْي قد تنَاول نفس مَا تنَاوله الْأَمر
وَمِنْهَا أَنه إِذا جَازَ أَن يَأْمر الله تَعَالَى زيدا أَن يفعل غَدا فعلا ثمَّ يمنعهُ مِنْهُ قبل مَجِيء غَد فَيكون مَأْمُورا بِالْفِعْلِ بِشَرْط زَوَال الْمَنْع جَازَ أَن ينهاه عَنهُ قبل الْغَد فَيكون مَأْمُورا بِهِ بِشَرْط زَوَال النَّهْي وَالْجَوَاب أَنه لَا يجوز أَن يَأْمر زيدا أَن يفعل فِي غَد ويمنعه مِنْهُ فِي غَد لِأَنَّهُ أمره بِالْفِعْلِ مُطلقًا وأراده مِنْهُ ثمَّ مَنعه كَانَ قد كلفه مَا لَا يطيقه وَإِن أمره بِشَرْط زَوَال الْمَنْع فَالْأَمْر بِشَرْط لَا يجوز وُقُوعه من الْعَالم بالعواقب فاذا أَمر جمَاعَة أَن يَفْعَلُوا الْفِعْل فِي غَد فانه يجوز أَن يمْنَع بَعضهم من الْفِعْل ويدلنا الْمَنْع على أَن الله مَا عَنى بخطابه من علم أَنه يمْنَع وَلَا يجوز أَن يمْنَع جَمِيعهم بِشَيْء أَو أَمر بِهِ جمَاعَة ثمَّ نهى عَنهُ جَمِيعهم فقد تعلق الْأَمر بِمَا تعلق النَّهْي بِهِ على خد وَاحِد وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى مَا
стр. 381
ذَكرْنَاهُ من الْفساد وَلَيْسَ ذَلِك بموجود فِي منع بعض من أَمر بِالْفِعْلِ
وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي مَكَّة أحلّت لي سَاعَة من نَهَار وَمَعَ ذَلِك منع من الْقِتَال فِيهَا وَهَذَا نسخ قبل وَقت الْفِعْل وَالْجَوَاب أَن إِبَاحَة الْقِتَال فِي تِلْكَ السَّاعَة لَا تَقْتَضِي وُقُوع الْقِتَال فِيهَا لِأَن الْمُبَاح لَا يجب وُقُوعه لَا محَالة فَلَا يمْتَنع أَن يكون نهي عَن الْقِتَال بعد تِلْكَ السَّاعَة وعَلى أَن إِبَاحَة الْقِتَال فِيهَا يُفِيد حسن اخْتِيَاره لَهُ وَحسن كَفه عَنهُ وَمنعه مِنْهُ فَلَا يمْتَنع أَن يحْتَاج الْمَنْع مِنْهُ وَلَا يمْتَنع أَن يكون أُبِيح أَن يقتل فِيهَا قوما مُعينين مثل ابْن خطل وَغَيره وَلم يبح لَهُ الْقِتَال ﷺ َ - بَاب فِي أَنه يحسن نسخ الْعِبَادَة وَإِن كَانَ الْأَمر بهَا مُقَيّدا بِلَفْظ التَّأْبِيد ﷺ َ -
ذهب بعض النَّاس إِلَى أَن الله لَو قَالَ لنا افعلوا هَذَا الْفِعْل أبدا لم يجز نسخه وَالَّذِي يفْسد قَوْلهم هُوَ أَن النّسخ إِنَّمَا يرد على عبَادَة قد أمرنَا بهَا بِلَفْظ يُفِيد الِاسْتِمْرَار أَو يدل الدَّلِيل على أَن المُرَاد بِهِ الِاسْتِمْرَار فَلفظ التَّأْبِيد كَغَيْرِهِ من الْأَدِلَّة والألفاظ المفيدة للاستمرار فَكَمَا جَازَ دُخُول النّسخ على هَذِه الْأَلْفَاظ إِمَّا بمقارنة إِشْعَار النّسخ لَهَا أَو من غير مُقَارنَة ذَلِك جَازَ دُخُوله على لفظ التَّأْبِيد فَلَا معنى للفرقة بَينهمَا وَأَيْضًا فقد قَالَ شُيُوخنَا إِن الْعَادة فِي لفظ التَّأْبِيد الْمُسْتَعْمل فِي الْأَمر الْمُبَالغَة لَا الدَّوَام أَلا ترَاهُ هُوَ الْمَفْهُوم من قَول الْقَائِل لغيره لَازم فلَانا أبدا أَو احبسه أبدا أَو امْضِ إِلَى السُّوق أبدا
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن لفظ التَّأْبِيد يُفِيد اسْتِمْرَار وجوب الْفِعْل فِي كل أَوْقَات الْإِمْكَان فَجرى مجْرى أَن ينص الله سُبْحَانَهُ على وجوب عبَادَة فِي كل وَقت من تِلْكَ الْأَوْقَات فَكَمَا لَا يجوز وُرُود النّسخ على هَذَا فَكَذَلِك ذَاك وَالْجَوَاب أَن
стр. 382
اللَّفْظ إِذا تنَاول جملَة أَشْيَاء جَازَ إِخْرَاج بَعْضهَا مِنْهُ وَإِذا تنَاول شَيْئا وَاحِدًا لم يجز إِخْرَاج شَيْء مِنْهُ وَلِهَذَا كَانَ الْعُمُوم فِي تنَاوله أشخاص الْجِنْس يجْرِي مجْرى أَلْفَاظ تتَنَاوَل كل وَاحِد من تِلْكَ الْأَلْفَاظ فِي امْتنَاع دُخُول التَّخْصِيص فِيهِ على أَن ذَلِك يمْنَع من النّسخ كُله لِأَن الْمَنْسُوخ لَا بُد من كَونه لفظا يُفِيد الاستدامة إِمَّا بِنَفسِهِ وَإِمَّا بِدلَالَة على أَن عِنْد أَصْحَابنَا أَن لفظ التَّأْبِيد فِي التَّعَبُّد لَيْسَ يُفِيد من جِهَة الْعرف كل وَقت من أَوْقَات الْمُسْتَقْبل
وَمِنْهَا قَوْلهم إِنَّا لَو أمرنَا بِالْعبَادَة بِلَفْظ يَقْتَضِي الِاسْتِمْرَار لجَاز دُخُول النّسخ عَلَيْهِ فَلَو جَازَ ذَلِك مَعَ التقيد بالتأبيد لم يكن فِي التَّقْيِيد بِهِ فَائِدَة وَالْجَوَاب أَن التَّقْيِيد بذلك يُفِيد تَأْكِيد الِاسْتِمْرَار أَو تَأْكِيد الْمُبَالغَة فِي الِاسْتِمْرَار فاذا ورد النّسخ عَلَيْهِ علمنَا أَن لفظ التَّأْبِيد كَانَ الْغَرَض بِهِ تَأْكِيد الْمُبَالغَة وَلَو منع ذَلِك من النّسخ لمنع تَأْكِيد الْعُمُوم من التَّخْصِيص
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو جَازَ نسخ مَا ورد بِلَفْظ التَّأْبِيد لم يكن لنا طَرِيق إِلَى الْعلم بدوام الْعِبَادَة فِي أزمان التَّكْلِيف وَالْجَوَاب أَن لنا طرقا إِلَى ذَلِك بِأَن لَا يقْتَرن بِالْأَمر بِالْعبَادَة مَا يدل على ان المُرَاد بِهِ بعض الْأَزْمَان إِمَّا دلَالَة مفصلة أَو مجملة وَعند أَصْحَابنَا أَن طريقنا إِلَى ذَلِك أَن يَقُول الله هَذَا الْعِبَادَة وَاجِبَة عَلَيْكُم إِلَى آخر أَوْقَات التَّكْلِيف
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن لفظ التَّأْبِيد يُفِيد الدَّوَام إِذا وَقع فِي الْخَبَر فَيجب فِي الْأَمر مثله وَالْجَوَاب أَن إِفَادَة الدَّوَام فيهمَا لَا يمْنَع من قيام الدّلَالَة على أَن المُرَاد بِهِ غير ظَاهر كَمَا نقُوله فِي جَمِيع أَلْفَاظ الْعُمُوم ثمَّ نَنْظُر مَتى يجب أَن يقوم الدّلَالَة على ذَلِك فان حسن أَن يتَأَخَّر الدّلَالَة على ذَلِك من غير إِشْعَار جوزناه وَإِن لم يحسن باشعار مُقَارن شرطناه وأصحابنا يمْنَعُونَ من إِفَادَة لفظ التَّأْبِيد الدَّوَام إِذا وَقع فِي التَّعَبُّد
стр. 383
- ﷺ َ - بَاب فِي أَن إِثْبَات بدل فِي الْعِبَادَة لَيْسَ بِشَرْط فِي نسخهَا ﷺ َ -
اعْلَم أَنه يحسن نسخ الْعِبَادَة إِلَى بدل وَلَا إِلَى بدل وَالْبدل ضَرْبَان أَحدهمَا يُنَافِي الْمُبدل نَحْو نسخ التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس بالتوجه إِلَى الْكَعْبَة فالجمع بَينهمَا مُسْتَحِيل فِي صَلَاة وَاحِدَة وَالْآخر لَا يُنَافِي الْمُبدل مثل نسخ صَوْم عَاشُورَاء برمضان وَذهب بعض النَّاس إِلَى الْمَنْع من نسخ الشَّيْء لَا إِلَى بدل وَلَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونُوا منعُوا من تَسْمِيَة دفْعَة لَا إِلَى بدل نسخا أَو يَكُونُوا منعُوا من حسن ذَلِك أَو من وُقُوعه فِي الشَّرِيعَة أَو قَالُوا إِن الشَّرْع ورد بِأَن ذَلِك لم يَقع
أما اشْتِرَاطه فِي الِاسْم فَبَاطِل لِأَن النّسخ هُوَ الْإِزَالَة فِي الأَصْل وَلم يدل دلَالَة على اشْتِرَاط الْبَدَل فِي الِاسْم فَلم نشرطه فِيهِ كَمَا لم نشرط غَيره فِيهِ لِأَن الْأمة سمت رفع تَقْدِيم الصَّدَقَة بَين يَدي مُنَاجَاة الرَّسُول ﷺ لَا إِلَى بدل نسخا
وَأما حسن ذَلِك فُلَانُهُ يجوز فِي الْعقل أَن يكون مثل الْمصلحَة مفْسدَة فِي وَقت آخر من غير أَن يقوم مقَامهَا فعل آخر كَمَا يجوز ذَلِك وَإِن قَامَ مقَامهَا فعل آخر لَا فرق فِي الْعقل بَينهمَا فَجَاز نسخهَا إِلَى بدل وَلَا إِلَى بدل
وَأما الدّلَالَة على وُقُوع ذَلِك فِي الشَّرِيعَة فَهِيَ أَن تَقْدِيم الصَّدَقَة بَين يَدي مُنَاجَاة الرَّسُول قد نسخ لَا إِلَى بدل والاعتداد بالحول قد زَالَ إِلَى أَرْبَعَة أشهر وَعشرا فَمَا زَاد على هَذِه الْمدَّة قد ارْتَفع لَا إِلَى بدل وَهَذَا أَيْضا يدل على أَن الشَّرِيعَة لم ترد بِأَن ذَلِك لم يَقع وَأَيْضًا فلسنا نجد فِي الشَّرِيعَة مَا يدل على أَن ذَلِك لم يَقع فان قَالُوا قَول الله ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ يدل على ذَلِك لِأَنَّهُ أخبر أَنه لَا ينْسَخ إِلَّا وَيَأْتِي
стр. 384
بِخَير مَا نسخ أَو مثله وَالْجَوَاب أَن نسخ الْآيَة يُفِيد نسخ لَفظهَا وَلِهَذَا قَالَ ﴿نأت بِخَير مِنْهَا﴾ فَلَيْسَ لنسخ الحكم ذكر فِي الْآيَة وَلَو تناولت الْآيَة الحكم لجَاز أَن يُقَال إِن نفي الحكم وَإِسْقَاط التَّعَبُّد بِهِ خبر مِنْهُ فِي الْوَقْت الَّذِي تصير الْعِبَادَة فِيهِ مفْسدَة ﷺ َ - بَاب فِي أَن رفع الْعِبَادَة إِلَى مَا هُوَ أخف مِنْهَا لَيْسَ بِشَرْط فِي نسخهَا ﷺ َ -
ذهب قوم من أهل الظَّاهِر إِلَى الْمَنْع من نسخ عبَادَة إِلَى بدل هُوَ أشق مِنْهَا فان كَانُوا منعُوا من وُقُوع اسْم النّسخ إِذا كَانَت الْعِبَادَة الناسخة أشق فَالَّذِي يُفْسِدهُ أَن النّسخ هُوَ الْإِزَالَة وَلَا دَلِيل على اشْتِرَاط مَا ذَكرُوهُ وَقد سمى الْمُسلمُونَ إِزَالَة التَّخْيِير بَين الصَّوْم والفدية بِنَفس الصَّوْم نسخا وَهُوَ أشق وَكَذَلِكَ إِزَالَة الْحَبْس فِي اليوت إِلَى الْجلد وَالرَّجم وَقَوْلهمْ إِن نسخ الْعِبَادَة إِلَى مَا هُوَ أخف مِنْهَا أذهب فِي الْإِزَالَة يَقْتَضِي إِزَالَة نسخهَا لَا إِلَى بدل ليَكُون أذهب فِي الْإِزَالَة على أَن الْعِبَادَة المنسوخة زائل وُجُوبهَا سَوَاء كَانَ بدلهَا أشق أَو أخف وَلَيْسَ يعقل فِي زَوَال الْوُجُوب تزايد وَإِن منعُوا من حسن نسخ الْعِبَادَة إِلَى بدل هُوَ أشق فَالَّذِي يُفْسِدهُ هُوَ أَن مثل الْعِبَادَة إِذا صَار مفْسدَة جَازَ أَن يكون الْمصلحَة مَا هُوَ أشق مِنْهَا وَجَاز أَن يكون مَا هُوَ أخف مِنْهَا هُوَ الصّلاح لَا فرق فِي الْعقل بَينهمَا وَإِن كَانُوا منعُوا من وُقُوع ذَلِك فِي الشَّرِيعَة فَالَّذِي يُبطلهُ نسخ إمْسَاك الزَّانِيَة فِي الْبيُوت إِلَى الْجلد وَالرَّجم
стр. 385
وَنسخ التَّخْيِير بَين الصَّوْم والفدية إِلَى نفس الصَّوْم وَهُوَ أشق وَإِن قَالُوا قد جَاءَت الشَّرِيعَة بِأَن ذَلِك لم يَقع فَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن يُبطلهُ مَعَ أَنا لم نجد فِي ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا وَقَالُوا خير مِنْهَا مَا كَانَ أخف مِنْهَا وَمثلهَا مَا جرى فِي السهولة مجْراهَا قيل إِن ظَاهر الْآيَة يتَنَاوَل نسخ التِّلَاوَة على أَن خيرا من الْعِبَادَة هُوَ مَا كَانَ أَنْفَع مِنْهَا وَأصْلح فِي الدّين وَإِن كَانَ أشق وَإِن احْتَجُّوا بقول الله ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَقَالُوا إِرَادَة مَا هُوَ أشق إِرَادَة الْعسر قيل لَهُم هَذَا يمْنَع من التَّعَبُّد بالمشاق وَأَيْضًا فَإِن إِرَادَة مَا هُوَ أشق مِمَّا هُوَ أصلح وأبلغ فِي التحذر من المضار وَأكْثر ثَوابًا إِرَادَة لليسر لَا للعسر وَإِن احْتَجُّوا بقول الله ﴿يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا﴾ قيل لَيْسَ فِي ذَلِك لفظ عُمُوم حَتَّى يَقْتَضِي أَن يُرِيد التَّخْفِيف فِي كل شَيْء وَمن كل وَجه وعَلى أَن إِرَادَة الأشق الَّذِي يكون مَعَه أبعد من المضار وَأصْلح فِي الدّين إِرَادَة للتَّخْفِيف لِأَنَّهُ يؤول إِلَى التحفيف ﷺ َ - بَاب جَوَاز نسخ التِّلَاوَة دون الحكم وَنسخ الحكم دون التِّلَاوَة ﷺ َ -
يدل على جَوَاز ذَلِك أَن التِّلَاوَة وَالْحكم عبادتان وكل عبادتين فانه يجوز أَن يصير مثلاهما مفسدتين فَيجب النَّهْي عَنْهُمَا وَيجوز أَن يصير كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بانفرادها مفْسدَة دون الْأُخْرَى فَيلْزم النَّهْي عَنْهَا دون الْأُخْرَى وَقد نسخ الله سُبْحَانَهُ الحكم دون التِّلَاوَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج﴾ بقوله سُبْحَانَهُ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾
стр. 386
وَنسخت التِّلَاوَة دون الحكم فِيمَا رُوِيَ أَنه كَانَ مِمَّا أنزل الله وَالشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نكالا من الله وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك مِمَّا أنزل وَحيا وَلم يكن ثَابتا فِي الْمُصحف وَقد رُوِيَ عَن عمر أَنه قَالَ لَوْلَا أَن يُقَال زَاد عمر فِي الْمُصحف لأثبت فِي حَاشِيَته الشَّيْخ وَالشَّيْخَة وَقد نسخت التِّلَاوَة وَالْحكم جَمِيعًا فِيمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت كَانَ مِمَّا أنزل الله سُبْحَانَهُ عشر رَضعَات يحرمن فنسخن بِخمْس وَلَيْسَ يجب إِذا ارْتَفَعت التِّلَاوَة أَن يرْتَفع الحكم لِأَن الدَّلِيل إِذا دلّ على شَيْء فِي أَوْقَات جَازَ عَدمه وَالْحكم ثَابت فان النَّبِي ﷺ لَو قَالَ زيد يعِيش مائَة سنة لم يجز بطلَان حَيَاة زيد عِنْد عدم هَذَا القَوْل من النَّبِي ﷺ وَلِهَذَا جَازَ أَن تتقدم الدّلَالَة على مدلولها وَلَيْسَ يجب إِذا ارْتَفع الحكم أَن ترْتَفع التِّلَاوَة من حَيْثُ كَانَت التِّلَاوَة دلَالَة على الحكم ويستحيل بَقَاء الدّلَالَة مَعَ عدم مدلولها وَذَلِكَ لِأَن التِّلَاوَة دلّت على الحكم فِي عُمُوم الْأَوْقَات بِشَرْط أَن لَا يعارضها مَا يمْنَع من مدلولها كَمَا نقُوله فِي دلَالَة الْعُمُوم على الِاسْتِغْرَاق وَهَذَا الشَّرْط غير قَائِم مَعَ وجود النّسخ إِن قيل لَو بقيت الدّلَالَة مَعَ عدم حكمهَا لَكَانَ الْغَرَض بِالْآيَةِ التَّعَبُّد بالتلاوة فَقَط وَأَنْتُم تأبون ذَلِك قيل إِنَّمَا نأنبى التَّعَبُّد بِتِلَاوَة مَا لَا يفهم فَأَما مَا كَانَ لَهُ حكم ثمَّ زَالَ وَهُوَ مَفْهُوم فِي نَفسه أَو لم يتَضَمَّن حكما أصلا كالأخبار عَن الْأُمَم السالفة فَلَا يمْنَع من التَّعَبُّد بتلاوته فَقَط ﷺ َ - بَاب جَوَاز نسخ الْأَخْبَار ﷺ َ -
منع أَكثر النَّاس من نسخ الْأَخْبَار وَأَجَازَهُ الشَّيْخ أَبُو عبد الله وقاضي الْقُضَاة وَالْكَلَام فِي ذَلِك يكون فِي الْأَخْبَار وَفِي فوائدها وَفِي تَوَابِع فوائدها
أما فَوَائِد الْأَخْبَار فضربان أَحدهمَا لَا يجوز تَغْيِيره وَالْآخر يجوز تَغْيِيره فَالْأول كالأخبار عَن قبح الظُّلم وكالأخبار عَن صِفَات الله الذاتية وَنسخ هَذِه
стр. 387
الْفَوَائِد لَا يَصح لِأَن الْأَخْبَار عَن زَوَالهَا كذب وَأما الْفَوَائِد الَّتِي يجوز تغييرها فضربان احدهما أَحْكَام وَالْآخر غير أَحْكَام وَالثَّانِي ضَرْبَان أَحدهمَا فَوَائِد مُسْتَقْبلَة وَالْآخر مَاضِيَة كِلَاهُمَا يدخلهَا معنى النّسخ وَإِن لم يسم نسخا أما الْمُسْتَقْبلَة فنحو أَن يخبرنا الله سُبْحَانَهُ أَن يعذب العصاة أبدا فانه يجوز أَن يدلنا فِي الْمُسْتَقْبل بِأَنَّهُ أَرَادَ بالتأبيد ألف سنة وَذَلِكَ إِنَّمَا يجوز بِأَن يشعرنا بِهَذَا الْبَيَان عِنْد الْخطاب وَقد منع شُيُوخنَا ﵏ من دُخُول النّسخ فِي الْوَعْد والوعيد وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ غير مُمْتَنع وَأما الْمَاضِي فَيجوز أَن يخبر الله أَنه عمر زيدا ألف سنة ويشعرنا أَنه أَرَادَ الْبَعْض ويدلنا فِي الْمُسْتَقْبل أَنه عمره ألفا إِلَّا خمسين وَأما الْفَوَائِد الَّتِي هِيَ الْأَحْكَام وَيجوز تغيرها فكالأخبار عَن وجوب الْحَج ابدا كَانَ يجوز نسخه فِي الْمُسْتَقْبل لِأَن مَا أجَاز نسخه لَو تعلق بِهِ أَمر هُوَ جَوَاز انْتِقَال كَون ذَلِك مصلحَة إِلَى أَن يكون مفْسدَة وَجَوَاز أَن يدلنا على أَن المُرَاد بِالْخِطَابِ الْمُفِيد لاتصال الْعِبَادَة انقطاعها وَهَذَا قَائِم فِي الْخَبَر وَالْقَوْل بِأَن من شَرط حسن النّسخ كَون الْمَنْسُوخ أمرا أَو نهيا مَعَ أَنه لَا تَأْثِير لذَلِك كالقول بِأَن من شَرطه كَون الْمَنْسُوخ خَبرا
فان قيل لاشتراطنا كَونه أمرا أَو نهيا تَأْثِير لِأَن دُخُول النّسخ على الْخَبَر يُؤذن بِكَوْنِهِ كذبا قيل ودخوله على الْأَمر يُؤذن بالبداء فان قَالُوا لَا يُؤذن بالبداء لِأَن النَّهْي إِنَّمَا دلّ على أَن الْأَمر مَا تنَاول مَا تنَاوله النَّهْي قيل وَالدَّلِيل النَّاسِخ دلّ على أَن الْخَبَر المنسو مَا تنَاول مَا تنَاوله الدَّلِيل النَّاسِخ وَإِذا تغاير متعلقهما ارْتَفع الْكَذِب كَمَا يرْتَفع البداء فِي الْأَمر وَالنَّهْي فَإِن قيل إِنَّمَا يجوز دُخُول النّسخ على الْخَبَر المتناول للْأَحْكَام لِأَنَّهُ فِي معنى الْأَمر بِالْفِعْلِ قيل هَذَا إِقْرَار بِدُخُول معنى النّسخ فِيهِ وَهُوَ مَا أردناه وقولكم إِنَّمَا دخل النّسخ على الْخَبَر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي معنى الْأَمر كَقَوْل من قَالَ إِنَّمَا دخل على الْأَمر لِأَنَّهُ فِي معنى الْخَبَر عَن وجوب الْفِعْل على أَنهم إِن أَرَادوا بقَوْلهمْ الْخَبَر فِي معنى الْأَمر أَنه على صيغته كَانَ الْحس يشْهد بِخِلَافِهِ وَإِن أَرَادوا أَنه يُفِيد فَائِدَة الْأَمر من الْوُجُوب فلسنا نأبى ذَلِك
стр. 388
وَاحْتج الشَّيْخَانِ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم رحمهمَا الله للْمَنْع من نسخ الْخَبَر بِأَن الْقَائِل لَو قَالَ أهلك الله عادا ثمَّ قَالَ مَا أهلكهم كَانَ كذبا وَالْجَوَاب إِن إملاكهم غير متكرر لأَنهم لَا يهْلكُونَ مرّة بعد مرّة بل إِنَّمَا يهْلك كل وَاحِد مِنْهُم مرّة فاذا قَالَ مَا أهلكهم رفع تِلْكَ الْمرة وَهَذَا كذب وَإِن أَرَادَ بقوله مَا أهلكهم مَا أهلك بَعضهم كَانَ تَخْصِيصًا وَلَيْسَ بنسخ وَذَلِكَ يجوز مَعَ اقتران الْبَيَان وَلَيْسَ كَذَلِك الْخَبَر عَن تكْرَار الْفِعْل وتواليه فِي الْأَزْمَان لِأَن قيام الدّلَالَة على أَنه مَا أُرِيد تكرارها فِي بعض الزَّمَان وَهُوَ النّسخ الَّذِي أجزناه فِي الْأَمر وَالنَّهْي فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي نسخ فَوَائِد الْأَخْبَار
فَأَما مَا يتبع فوائدها فَهُوَ الِاسْتِدْلَال بالْخبر عَن فوائدها وَنسخ ذَلِك جَائِز سَوَاء بقيت الْفَوَائِد أَو نسخت أما إِذا نسخت فَلَا شُبْهَة فِي ارْتِفَاع الِاسْتِدْلَال لِأَنَّهُ لَا يجوز الِاسْتِدْلَال على إِثْبَات مَا لَيْسَ بِثَابِت وَأما إِذا لم تنسخ فوائدها فانه يجوز أَن يكون الِاسْتِدْلَال بالْخبر مفْسدَة كالاستدلال بأخبار التَّوْرَاة على أَحْكَام هِيَ الأن ثَابِتَة
وَأما نسخ الْأَخْبَار أَنْفسهَا فضربان أَحدهمَا أَن تنسخ عَنَّا تِلَاوَة الْخَبَر وَالْآخر أَن ينْسَخ عَنَّا الِابْتِدَاء بالْخبر أما نسخ تِلَاوَة الْخَبَر فَجَائِز كنسخ تِلَاوَة أَخْبَار التَّوْرَاة وَغَيرهَا وَأما نسخ الِابْتِدَاء بالْخبر فنحو أَن يَأْمر الله سُبْحَانَهُ أَن نخبر عَن شَيْء فَيجوز أَن ينْسَخ عَنَّا وجوب الْإِخْبَار عَنهُ وَكَونه ندبا ويدلنا على قبحه سَوَاء كَانَ فَائِدَة الْخَبَر مِمَّا يجوز أَن تَتَغَيَّر وَمِمَّا لَا يجوز أَن تَتَغَيَّر كالأخبار عَن صِفَات الله سُبْحَانَهُ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون فِي الْإِخْبَار عَن ذَلِك مفْسدَة كَمَا كَانَ فِي تِلَاوَة الْجنب وَالْحَائِض لِلْقُرْآنِ مفْسدَة وَلَا يجوز أَن نؤمر بنقيض مَا كُنَّا نخبر بِهِ إِن كَانَ ذَلِك مِمَّا لَا يجوز تغيره نَحْو الْأَمر بالإخبار
стр. 389
بِأَن الله سُبْحَانَهُ عَالم ثمَّ الْأَمر بالإخبار بِأَنَّهُ غير عَالم لِأَن ذَلِك كذب لَا يحسن الْأَمر بِهِ وَيجوز أَن نؤمر بالإخبار بِنَفْي مَا أمرنَا أَن نخبر بِهِ إِن جَازَ تغيره نَحْو أَن نؤمر بالإخبار عَن كفر زيد ثمَّ نؤمر بالإخبار عَن إيمَانه فِيمَا بعد وَقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنه يبعد أَن يبْقى وجوب الْفِعْل وَيحرم الْعَزْم على أَدَائِهِ قَالَ إِلَّا أَن يجوز كَون الْعَزْم عَلَيْهِ مفْسدَة ويستحيل أَن يحرم علينا إِرَادَته الْمُقَارنَة لَهُ لِأَن لَا يكون الْفِعْل وَاقعا على مَا أمرنَا أَن نوقعه عَلَيْهِ إِلَّا مَعَ مقارنتها ﷺ َ - بَاب نسخ الْكتاب بِالْكتاب وَالسّنة بِالسنةِ ﷺ َ -
أما الْكتاب فمتساو فِي وُقُوع الْعلم بِهِ وَوُجُوب الْعَمَل وَكَذَلِكَ السّنَن الْمَقْطُوع بهَا واما السّنَن المنقولة بالآحاد فَهِيَ مُتَسَاوِيَة فِي كَونهَا أَمَارَات يلْزم الْعَمَل بِكُل وَاحِد مِنْهَا فَلَو لم يجز مَعَ تَسَاوِي النَّاسِخ والمنسوخ فِي الْقُوَّة وَوُقُوع النّسخ فيهمَا بَطل مَا علمناه من جَوَاز النّسخ فَإِذا ثَبت ذَلِك وَوجدنَا أحد الْخَبَرَيْنِ أَو الْآيَتَيْنِ مُتَأَخِّرًا عَن الآخر وحكمهما متناف لم يُمكن فيهمَا إِلَّا النّسخ وَقد نسخ الله الِاعْتِدَاد بالحول باعتداد أَرْبَعَة أشهر وَنسخ الله سُبْحَانَهُ الصَّدَقَة بَين يَدي مُنَاجَاة الرَّسُول بقوله تَعَالَى ﴿أَأَشْفَقْتُم﴾ الْآيَة وَنسخ ثبات الْوَاحِد للعشرة بقوله ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم﴾ الْآيَة وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه نهى عَن زِيَارَة الْقُبُور ثمَّ قَالَ كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور أَلا فزوروها وَقَالَ فِي شَارِب الْخمر فان شربهَا الرَّابِعَة
стр. 390
فَاقْتُلُوهُ فَحمل إِلَيْهِ من شربهَا الرَّابِعَة فَلم يقْتله
فَأَما نسخ الْخَبَر الْمُتَوَاتر بأخبار الْآحَاد فَجَائِز فِي الْعقل وَالشَّرْع قد منع مِنْهُ ﷺ َ - بَاب نسخ السّنة بِالْكتاب ﷺ َ -
ذهب أَكثر النَّاس إِلَى حسن ذَلِك ووقوعه وَمنع الشَّافِعِي مِنْهُ وَدَلِيلنَا أَنه لَو امْتنع ذَلِك لم يخل إِمَّا أَن يكون امْتِنَاعه من حَيْثُ الْقُدْرَة وَالصِّحَّة أَو من حَيْثُ الْحِكْمَة أما من حَيْثُ الْقُدْرَة وَالصِّحَّة فبأن يُقَال إِن الله لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على كَلَام نَاسخ لسنة نبيه أَو لَو أَتَى بِكَلَام هَذِه سَبيله لم يكن دَالا على النّسخ وَالْأول وَالثَّانِي باطلان لِأَنَّهُ الله سُبْحَانَهُ قَادر على جَمِيع أَقسَام الْكَلَام وَلَا يجوز خُرُوج كَلَامه من أَن يكون دَلِيلا على مَا هُوَ مَوْضُوع وَأما الْحِكْمَة فبأن يُقَال لَو نسخ الله سُبْحَانَهُ كَلَام نبيه لنفر ذَلِك عَنهُ وأوهم أَنه لم يرض بِمَا سنه وَهَذَا بَاطِل لِأَن النّسخ إِنَّمَا يرفع الحكم بعد اسْتِقْرَار مثله وَذَلِكَ يمْنَع من هَذَا التَّوَهُّم لِأَنَّهُ لَو لم يرض بِمَا سنه لم يقر عَلَيْهِ أصلا على أَنه لَو نفر عَنهُ لنفر عَنهُ أَن ينْسَخ سنته بِسنة أُخْرَى لِأَن السّنة الناسخة إِنَّمَا صدرت عَنهُ لأجل الْوَحْي فَجرى مجْرى كَلَام ينزله الله إِن قيل إِن الله إِذا أنزل آيَة ناسخة أَمر نبيه ﷺ أَن يسن سنة تكون هِيَ الناسخة قيل لَا وَجه لوُجُوب مَا ذكرْتُمْ فَلم قطعْتُمْ بِهِ وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لم تكن السّنة بِأَن تكون ناسخة أولى من الْآيَة
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا قَول الله ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ فَدلَّ على أَن كَلَامه بَيَان وَلَو نسخ لارتفع كَونه بَيَانا وَذَلِكَ لَا يجوز قيل إِنَّه لَيْسَ فِي
следующие страницы →