← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6319

المعتمد في أصول الفقه

أبو الحسين البصري المعتزلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وَنسخت التِّلَاوَة دون الحكم فِيمَا رُوِيَ أَنه كَانَ مِمَّا أنزل الله وَالشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نكالا من الله وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك مِمَّا أنزل وَحيا وَلم يكن ثَابتا فِي الْمُصحف وَقد رُوِيَ عَن عمر أَنه قَالَ لَوْلَا أَن يُقَال زَاد عمر فِي الْمُصحف لأثبت فِي حَاشِيَته الشَّيْخ وَالشَّيْخَة وَقد نسخت التِّلَاوَة وَالْحكم جَمِيعًا فِيمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت كَانَ مِمَّا أنزل الله سُبْحَانَهُ عشر رَضعَات يحرمن فنسخن بِخمْس وَلَيْسَ يجب إِذا ارْتَفَعت التِّلَاوَة أَن يرْتَفع الحكم لِأَن الدَّلِيل إِذا دلّ على شَيْء فِي أَوْقَات جَازَ عَدمه وَالْحكم ثَابت فان النَّبِي ﷺ لَو قَالَ زيد يعِيش مائَة سنة لم يجز بطلَان حَيَاة زيد عِنْد عدم هَذَا القَوْل من النَّبِي ﷺ وَلِهَذَا جَازَ أَن تتقدم الدّلَالَة على مدلولها وَلَيْسَ يجب إِذا ارْتَفع الحكم أَن ترْتَفع التِّلَاوَة من حَيْثُ كَانَت التِّلَاوَة دلَالَة على الحكم ويستحيل بَقَاء الدّلَالَة مَعَ عدم مدلولها وَذَلِكَ لِأَن التِّلَاوَة دلّت على الحكم فِي عُمُوم الْأَوْقَات بِشَرْط أَن لَا يعارضها مَا يمْنَع من مدلولها كَمَا نقُوله فِي دلَالَة الْعُمُوم على الِاسْتِغْرَاق وَهَذَا الشَّرْط غير قَائِم مَعَ وجود النّسخ إِن قيل لَو بقيت الدّلَالَة مَعَ عدم حكمهَا لَكَانَ الْغَرَض بِالْآيَةِ التَّعَبُّد بالتلاوة فَقَط وَأَنْتُم تأبون ذَلِك قيل إِنَّمَا نأنبى التَّعَبُّد بِتِلَاوَة مَا لَا يفهم فَأَما مَا كَانَ لَهُ حكم ثمَّ زَالَ وَهُوَ مَفْهُوم فِي نَفسه أَو لم يتَضَمَّن حكما أصلا كالأخبار عَن الْأُمَم السالفة فَلَا يمْنَع من التَّعَبُّد بتلاوته فَقَط ﷺ َ - بَاب جَوَاز نسخ الْأَخْبَار ﷺ َ - منع أَكثر النَّاس من نسخ الْأَخْبَار وَأَجَازَهُ الشَّيْخ أَبُو عبد الله وقاضي الْقُضَاة وَالْكَلَام فِي ذَلِك يكون فِي الْأَخْبَار وَفِي فوائدها وَفِي تَوَابِع فوائدها أما فَوَائِد الْأَخْبَار فضربان أَحدهمَا لَا يجوز تَغْيِيره وَالْآخر يجوز تَغْيِيره فَالْأول كالأخبار عَن قبح الظُّلم وكالأخبار عَن صِفَات الله الذاتية وَنسخ هَذِه

стр. 387

الْفَوَائِد لَا يَصح لِأَن الْأَخْبَار عَن زَوَالهَا كذب وَأما الْفَوَائِد الَّتِي يجوز تغييرها فضربان احدهما أَحْكَام وَالْآخر غير أَحْكَام وَالثَّانِي ضَرْبَان أَحدهمَا فَوَائِد مُسْتَقْبلَة وَالْآخر مَاضِيَة كِلَاهُمَا يدخلهَا معنى النّسخ وَإِن لم يسم نسخا أما الْمُسْتَقْبلَة فنحو أَن يخبرنا الله سُبْحَانَهُ أَن يعذب العصاة أبدا فانه يجوز أَن يدلنا فِي الْمُسْتَقْبل بِأَنَّهُ أَرَادَ بالتأبيد ألف سنة وَذَلِكَ إِنَّمَا يجوز بِأَن يشعرنا بِهَذَا الْبَيَان عِنْد الْخطاب وَقد منع شُيُوخنَا ﵏ من دُخُول النّسخ فِي الْوَعْد والوعيد وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ غير مُمْتَنع وَأما الْمَاضِي فَيجوز أَن يخبر الله أَنه عمر زيدا ألف سنة ويشعرنا أَنه أَرَادَ الْبَعْض ويدلنا فِي الْمُسْتَقْبل أَنه عمره ألفا إِلَّا خمسين وَأما الْفَوَائِد الَّتِي هِيَ الْأَحْكَام وَيجوز تغيرها فكالأخبار عَن وجوب الْحَج ابدا كَانَ يجوز نسخه فِي الْمُسْتَقْبل لِأَن مَا أجَاز نسخه لَو تعلق بِهِ أَمر هُوَ جَوَاز انْتِقَال كَون ذَلِك مصلحَة إِلَى أَن يكون مفْسدَة وَجَوَاز أَن يدلنا على أَن المُرَاد بِالْخِطَابِ الْمُفِيد لاتصال الْعِبَادَة انقطاعها وَهَذَا قَائِم فِي الْخَبَر وَالْقَوْل بِأَن من شَرط حسن النّسخ كَون الْمَنْسُوخ أمرا أَو نهيا مَعَ أَنه لَا تَأْثِير لذَلِك كالقول بِأَن من شَرطه كَون الْمَنْسُوخ خَبرا فان قيل لاشتراطنا كَونه أمرا أَو نهيا تَأْثِير لِأَن دُخُول النّسخ على الْخَبَر يُؤذن بِكَوْنِهِ كذبا قيل ودخوله على الْأَمر يُؤذن بالبداء فان قَالُوا لَا يُؤذن بالبداء لِأَن النَّهْي إِنَّمَا دلّ على أَن الْأَمر مَا تنَاول مَا تنَاوله النَّهْي قيل وَالدَّلِيل النَّاسِخ دلّ على أَن الْخَبَر المنسو مَا تنَاول مَا تنَاوله الدَّلِيل النَّاسِخ وَإِذا تغاير متعلقهما ارْتَفع الْكَذِب كَمَا يرْتَفع البداء فِي الْأَمر وَالنَّهْي فَإِن قيل إِنَّمَا يجوز دُخُول النّسخ على الْخَبَر المتناول للْأَحْكَام لِأَنَّهُ فِي معنى الْأَمر بِالْفِعْلِ قيل هَذَا إِقْرَار بِدُخُول معنى النّسخ فِيهِ وَهُوَ مَا أردناه وقولكم إِنَّمَا دخل النّسخ على الْخَبَر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي معنى الْأَمر كَقَوْل من قَالَ إِنَّمَا دخل على الْأَمر لِأَنَّهُ فِي معنى الْخَبَر عَن وجوب الْفِعْل على أَنهم إِن أَرَادوا بقَوْلهمْ الْخَبَر فِي معنى الْأَمر أَنه على صيغته كَانَ الْحس يشْهد بِخِلَافِهِ وَإِن أَرَادوا أَنه يُفِيد فَائِدَة الْأَمر من الْوُجُوب فلسنا نأبى ذَلِك

стр. 388

وَاحْتج الشَّيْخَانِ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم رحمهمَا الله للْمَنْع من نسخ الْخَبَر بِأَن الْقَائِل لَو قَالَ أهلك الله عادا ثمَّ قَالَ مَا أهلكهم كَانَ كذبا وَالْجَوَاب إِن إملاكهم غير متكرر لأَنهم لَا يهْلكُونَ مرّة بعد مرّة بل إِنَّمَا يهْلك كل وَاحِد مِنْهُم مرّة فاذا قَالَ مَا أهلكهم رفع تِلْكَ الْمرة وَهَذَا كذب وَإِن أَرَادَ بقوله مَا أهلكهم مَا أهلك بَعضهم كَانَ تَخْصِيصًا وَلَيْسَ بنسخ وَذَلِكَ يجوز مَعَ اقتران الْبَيَان وَلَيْسَ كَذَلِك الْخَبَر عَن تكْرَار الْفِعْل وتواليه فِي الْأَزْمَان لِأَن قيام الدّلَالَة على أَنه مَا أُرِيد تكرارها فِي بعض الزَّمَان وَهُوَ النّسخ الَّذِي أجزناه فِي الْأَمر وَالنَّهْي فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي نسخ فَوَائِد الْأَخْبَار فَأَما مَا يتبع فوائدها فَهُوَ الِاسْتِدْلَال بالْخبر عَن فوائدها وَنسخ ذَلِك جَائِز سَوَاء بقيت الْفَوَائِد أَو نسخت أما إِذا نسخت فَلَا شُبْهَة فِي ارْتِفَاع الِاسْتِدْلَال لِأَنَّهُ لَا يجوز الِاسْتِدْلَال على إِثْبَات مَا لَيْسَ بِثَابِت وَأما إِذا لم تنسخ فوائدها فانه يجوز أَن يكون الِاسْتِدْلَال بالْخبر مفْسدَة كالاستدلال بأخبار التَّوْرَاة على أَحْكَام هِيَ الأن ثَابِتَة وَأما نسخ الْأَخْبَار أَنْفسهَا فضربان أَحدهمَا أَن تنسخ عَنَّا تِلَاوَة الْخَبَر وَالْآخر أَن ينْسَخ عَنَّا الِابْتِدَاء بالْخبر أما نسخ تِلَاوَة الْخَبَر فَجَائِز كنسخ تِلَاوَة أَخْبَار التَّوْرَاة وَغَيرهَا وَأما نسخ الِابْتِدَاء بالْخبر فنحو أَن يَأْمر الله سُبْحَانَهُ أَن نخبر عَن شَيْء فَيجوز أَن ينْسَخ عَنَّا وجوب الْإِخْبَار عَنهُ وَكَونه ندبا ويدلنا على قبحه سَوَاء كَانَ فَائِدَة الْخَبَر مِمَّا يجوز أَن تَتَغَيَّر وَمِمَّا لَا يجوز أَن تَتَغَيَّر كالأخبار عَن صِفَات الله سُبْحَانَهُ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون فِي الْإِخْبَار عَن ذَلِك مفْسدَة كَمَا كَانَ فِي تِلَاوَة الْجنب وَالْحَائِض لِلْقُرْآنِ مفْسدَة وَلَا يجوز أَن نؤمر بنقيض مَا كُنَّا نخبر بِهِ إِن كَانَ ذَلِك مِمَّا لَا يجوز تغيره نَحْو الْأَمر بالإخبار

стр. 389

بِأَن الله سُبْحَانَهُ عَالم ثمَّ الْأَمر بالإخبار بِأَنَّهُ غير عَالم لِأَن ذَلِك كذب لَا يحسن الْأَمر بِهِ وَيجوز أَن نؤمر بالإخبار بِنَفْي مَا أمرنَا أَن نخبر بِهِ إِن جَازَ تغيره نَحْو أَن نؤمر بالإخبار عَن كفر زيد ثمَّ نؤمر بالإخبار عَن إيمَانه فِيمَا بعد وَقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنه يبعد أَن يبْقى وجوب الْفِعْل وَيحرم الْعَزْم على أَدَائِهِ قَالَ إِلَّا أَن يجوز كَون الْعَزْم عَلَيْهِ مفْسدَة ويستحيل أَن يحرم علينا إِرَادَته الْمُقَارنَة لَهُ لِأَن لَا يكون الْفِعْل وَاقعا على مَا أمرنَا أَن نوقعه عَلَيْهِ إِلَّا مَعَ مقارنتها ﷺ َ - بَاب نسخ الْكتاب بِالْكتاب وَالسّنة بِالسنةِ ﷺ َ - أما الْكتاب فمتساو فِي وُقُوع الْعلم بِهِ وَوُجُوب الْعَمَل وَكَذَلِكَ السّنَن الْمَقْطُوع بهَا واما السّنَن المنقولة بالآحاد فَهِيَ مُتَسَاوِيَة فِي كَونهَا أَمَارَات يلْزم الْعَمَل بِكُل وَاحِد مِنْهَا فَلَو لم يجز مَعَ تَسَاوِي النَّاسِخ والمنسوخ فِي الْقُوَّة وَوُقُوع النّسخ فيهمَا بَطل مَا علمناه من جَوَاز النّسخ فَإِذا ثَبت ذَلِك وَوجدنَا أحد الْخَبَرَيْنِ أَو الْآيَتَيْنِ مُتَأَخِّرًا عَن الآخر وحكمهما متناف لم يُمكن فيهمَا إِلَّا النّسخ وَقد نسخ الله الِاعْتِدَاد بالحول باعتداد أَرْبَعَة أشهر وَنسخ الله سُبْحَانَهُ الصَّدَقَة بَين يَدي مُنَاجَاة الرَّسُول بقوله تَعَالَى ﴿أَأَشْفَقْتُم﴾ الْآيَة وَنسخ ثبات الْوَاحِد للعشرة بقوله ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم﴾ الْآيَة وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه نهى عَن زِيَارَة الْقُبُور ثمَّ قَالَ كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور أَلا فزوروها وَقَالَ فِي شَارِب الْخمر فان شربهَا الرَّابِعَة

стр. 390

فَاقْتُلُوهُ فَحمل إِلَيْهِ من شربهَا الرَّابِعَة فَلم يقْتله فَأَما نسخ الْخَبَر الْمُتَوَاتر بأخبار الْآحَاد فَجَائِز فِي الْعقل وَالشَّرْع قد منع مِنْهُ ﷺ َ - بَاب نسخ السّنة بِالْكتاب ﷺ َ - ذهب أَكثر النَّاس إِلَى حسن ذَلِك ووقوعه وَمنع الشَّافِعِي مِنْهُ وَدَلِيلنَا أَنه لَو امْتنع ذَلِك لم يخل إِمَّا أَن يكون امْتِنَاعه من حَيْثُ الْقُدْرَة وَالصِّحَّة أَو من حَيْثُ الْحِكْمَة أما من حَيْثُ الْقُدْرَة وَالصِّحَّة فبأن يُقَال إِن الله لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على كَلَام نَاسخ لسنة نبيه أَو لَو أَتَى بِكَلَام هَذِه سَبيله لم يكن دَالا على النّسخ وَالْأول وَالثَّانِي باطلان لِأَنَّهُ الله سُبْحَانَهُ قَادر على جَمِيع أَقسَام الْكَلَام وَلَا يجوز خُرُوج كَلَامه من أَن يكون دَلِيلا على مَا هُوَ مَوْضُوع وَأما الْحِكْمَة فبأن يُقَال لَو نسخ الله سُبْحَانَهُ كَلَام نبيه لنفر ذَلِك عَنهُ وأوهم أَنه لم يرض بِمَا سنه وَهَذَا بَاطِل لِأَن النّسخ إِنَّمَا يرفع الحكم بعد اسْتِقْرَار مثله وَذَلِكَ يمْنَع من هَذَا التَّوَهُّم لِأَنَّهُ لَو لم يرض بِمَا سنه لم يقر عَلَيْهِ أصلا على أَنه لَو نفر عَنهُ لنفر عَنهُ أَن ينْسَخ سنته بِسنة أُخْرَى لِأَن السّنة الناسخة إِنَّمَا صدرت عَنهُ لأجل الْوَحْي فَجرى مجْرى كَلَام ينزله الله إِن قيل إِن الله إِذا أنزل آيَة ناسخة أَمر نبيه ﷺ أَن يسن سنة تكون هِيَ الناسخة قيل لَا وَجه لوُجُوب مَا ذكرْتُمْ فَلم قطعْتُمْ بِهِ وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لم تكن السّنة بِأَن تكون ناسخة أولى من الْآيَة وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء مِنْهَا قَول الله ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ فَدلَّ على أَن كَلَامه بَيَان وَلَو نسخ لارتفع كَونه بَيَانا وَذَلِكَ لَا يجوز قيل إِنَّه لَيْسَ فِي

стр. 391

قَوْله ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ دَلِيل على أَنه لَا يتَكَلَّم إِلَّا بِالْبَيَانِ كَمَا أَنَّك إِذا قلت دخلت الدَّار لأسلم على زيد لَيْسَ فِيهِ أَنَّك لَا تفعل فعلا آخر على أَنه لَيْسَ فِي كَون كَلَامه كُله بَيَانا مَا يمْنَع من نسخه بِالْكتاب كَمَا لَا يمْنَع من نُسْخَة بِالسنةِ وكما لَا يمْنَع كَون بعض الْكتاب بَيَانا من نسخه بِالْكتاب وَمِنْهَا قَوْلهم من شَرط النَّاسِخ أَن يكون من جنس الْمَنْسُوخ وَلِهَذَا لم ينْسَخ الْكتاب الْعقل وَالْجَوَاب أَنه يجوز نسخ حكم الْعقل بِالْكتاب وَإِنَّمَا لَا يُسمى ذَلِك نسخا فَلَيْسَ كلامنا فِي الْأَسْمَاء وإيجابهم كَون النَّاسِخ من قبيل الْمَنْسُوخ دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا وَأما الدّلَالَة على أَنه نسخت السّنة بِالْقُرْآنِ فَهِيَ أَنه كَانَ يجب فِي الِابْتِدَاء التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس بِالسنةِ لِأَن النَّبِي ﷺ لم يكن متعبدا بشريعة من قبله ثمَّ نسخ ذَلِك بقول الله ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ وَلم يكن وجوب التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس مَعْلُوما بقول الله ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ لِأَن هَذَا يَقْتَضِي التَّخْيِير بَين الْجِهَات وَهَذَا دَلِيل على أَن الْآيَة وَردت بعد إِيجَاب التَّوَجُّه إِلَى الْكَعْبَة فِي الْمُسَافِر إِذا صلى بِاجْتِهَاد إِلَى بعض الْجِهَات ثمَّ بَان لَهُ أَن تِلْكَ الْجِهَة لَيست بِجِهَة الْقبْلَة ﷺ َ - بَاب نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ ﷺ َ - السّنة ضَرْبَان أَحدهمَا متواتر وَالْآخر آحَاد أما الْمُتَوَاتر فقد منع الشَّافِعِي

стр. 392

وَطَائِفَة منع بِالْعقلِ من نسخ الْقُرْآن بِهِ وَأَجَازَهُ المتكلمون وَأَصْحَاب أبي حنيفَة من جِهَة الْعقل وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَمنهمْ من قَالَ قد وَقع وَمِنْهُم من قَالَ لم يَقع وَلم يرد الْمَنْع مِنْهُ وَالدَّلِيل على جَوَازه فِي الْعقل أَنه لَو لم يجز لَكَانَ إِمَّا أَن لَا يجوز فِي الْقُدْرَة وَالصِّحَّة أَو فِي الْحِكْمَة وَمَعْلُوم أَن النَّبِي ﷺ يقدر على أَنْوَاع الْكَلَام وَلَو أَتَى بِكَلَام مَوْضُوع لرفع حكم من الْأَحْكَام لدل على مَا هُوَ مَوْضُوع لَهُ وَلَو امْتنع ذَلِك فِي الْحِكْمَة لَكَانَ وَجه امْتِنَاعه أَن يكون منفرا عَنهُ ﷺ وموهما أَن النَّبِي ﷺ يَأْتِي بِالْأَحْكَامِ من قبل نَفسه فَهَذَا لَو نفر عَنهُ لنفر عَنهُ من حَيْثُ أَزَال الحكم وَادّعى أَنه أُوحِي إِلَيْهِ بازالته وَهَذَا قَائِم فِي نسخ الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ وَالسّنة بِالسنةِ وَكَانَ يجب لَو لم يكن الْقُرْآن معجزا أَن يكون نسخ بعضه بِبَعْض منفرا وَأَن يكون نسخ الْآيَة بِمَا لَا يظْهر الإعجاز فِيهِ منفرا فَإِن قَالُوا إِنَّمَا جَازَ نسخ الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ لِأَن اللقرآن معجز قيل إِنَّا لَا نفتقر فِي دليلنا إِلَى تَشْبِيه السّنة الناسخة بِالْقُرْآنِ فَتَفَرَّقُوا بَينهمَا بِمَا ذكرْتُمْ على أَن النّسخ هُوَ رفع الحكم وإزالته وَذَلِكَ هُوَ مَوْقُوف على أَن يدل دَلِيل على رَفعه وَلَيْسَ من شَرط الدَّلِيل أَن يكون معجزا فان قيل إِذا لم يكن كَلَام النَّبِي ﷺ معجزا لم يتَكَلَّم بالنسخ قيل إِنَّمَا لَا يجوز أَن يتَكَلَّم بِهِ لَو كَانَت دلَالَته مَوْقُوفَة على كَونه معجزا وَمَعْلُوم أَن الْقُرْآن ينْسَخ الْقُرْآن وَإِن لم يظْهر فِي النَّاسِخ الإعجاز وتنسخ السّنة بِالسنةِ وَلَا لإعجاز فِيهَا فان قيل إِذا نسخت السّنة الْقُرْآن كَانَ الله قد أنزل آيَة تكون هِيَ الناسخة قيل إِنَّمَا يجب ذَلِك لَو كَانَ لذَلِك وَجه وجوب وَلم تكف السّنة فِي النّسخ وَقد بَينا أَنه لَا وَجه لوُجُوب ذَلِك إِذْ السّنة مُمكنَة وكافية فِي النّسخ من غير تنفير على أَنه إِذا وَردت السّنة وَجب أَن يُضَاف النّسخ إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ إِحْدَاهمَا أولى بذلك من الْأُخْرَى إِن قيل إِذا كَانَ النَّبِي ﷺ لَا ينْسَخ الْآيَة عنْدكُمْ إِلَّا بِوَحْي فَيجب إِضَافَة النّسخ إِلَى الْوَحْي وَإِن لم يظْهر لنا كَمَا أَنه إِذا

стр. 393

أَجمعت الْأمة على نسخ الْآيَة لم يضف النّسخ إِلَيْهَا وَلَكِن إِلَى مَا دلها إِلَى النّسخ وَإِن لم يظْهر لنا وَالْجَوَاب أَن فِي ذَلِك تَسْلِيم لما نريده من الْمَعْنى وَهُوَ نسخ آيَة بِسنة من غير أَن يظْهر لنا الْوَحْي وَإِنَّمَا نازعتم فِي وصف السّنة بِأَنَّهَا ناسخة وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يُفَارق السّنة الْإِجْمَاع لِأَن الْأمة إِذا أَجمعت على حكم لم نقل إِنَّه شرعها وَلذَلِك لَا يُقَال إِنَّهَا نسخت الْكتاب بقولِهَا وَالشَّرْع يُضَاف إِلَى النَّبِي ﷺ فَجَاز أَن يُضَاف النّسخ إِلَيْهِ وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ فوصفه بِأَنَّهُ يبين وَنسخ الْعِبَادَة هُوَ رَفعهَا ورفعها ضد بَيَانهَا وَالْجَوَاب أَن نسخهَا هُوَ بَيَان ارتفاعها وَذَلِكَ بَيَان للمراد بِالْخِطَابِ كالتخصيص هُوَ بَيَان للْعُمُوم وَإِن أخرج بعض مَا تنَاوله وَلَو لم يكن النّسخ بَيَانا لم يكن فِي وصف الله نبيه بِأَنَّهُ مُبين مَا يمْنَع من كَونه على صفة أُخْرَى غير الْبَيَان وَهُوَ كَونه نَاسِخا وَالشَّيْخ أَبُو هَاشم ﵀ يحمل قَوْله تَعَالَى ﴿لتبين للنَّاس﴾ لتظهر لَهُم ذَلِك وتؤديه وَإِذا حملهَا على ذَلِك استوعب جَمِيع مَا أنزل إِلَيْنَا وَإِذا حمل على بَيَان الْمُجْمل لم يستوعبه فَكَانَ هَذَا التَّأْوِيل أولى لمطابقته الْعُمُوم وَمِنْهَا قَوْله ﴿وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة﴾ قَالُوا فَأخْبر أَنه إِنَّمَا يُبدل الْآيَة بِالْآيَةِ وَالْجَوَاب أَنه أخبر بِأَنَّهُ إِذا بدل آيَة مَكَان آيَة قَالَ قَائِلُونَ كَيْت وَكَيْت وَلَيْسَ فِي ذَلِك دَلِيل على أَنه لَا يُبدل الْآيَة إِلَّا بِآيَة كَمَا أَنَّك إِذا قلت إِذا قصدت زيدا رَاكِبًا تكلم فِينَا الْأَعْدَاء لَا يدل على أَنَّك لَا تقصده إِلَّا رَاكِبًا على أَن ظَاهر قَوْله ﴿وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة﴾ يتَنَاوَل تَبْدِيل نَص الْآيَة لَا حكمهَا

стр. 394

وَمِنْهَا أَن الله حكى عَن الْمُشْركين أَنهم قَالُوا عِنْد تَبْدِيل الاية بِالْآيَةِ ﴿إِنَّمَا أَنْت مفتر﴾ وَأَنَّهُمْ وهموا عِنْد ذَلِك وَأَنه أَزَال هَذَا الْإِيهَام بقوله ﴿قل نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ﴾ وَالْجَوَاب أَن ذَلِك لَا يمْنَع من نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ لِأَن النَّبِي ﷺ لَا ينْسَخ الْقُرْآن إِلَّا إِذا أُوحِي إِلَيْهِ بذلك فقد نزله روح الْقُدس وَمِنْهَا قَوْله ﴿قَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا ائْتِ بقرآن غير هَذَا أَو بدله قل مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ﴾ وَالْجَوَاب أَن النَّبِي ﷺ لَا ينْسَخ أَحْكَام الْقُرْآن إِلَّا مُتبعا مَا أُوحِي إِلَيْهِ من ذَلِك على أَن قَوْلهم ائْتِ بقرآن غير هَذَا أَو بدله ينْصَرف إِلَى أَلْفَاظ الْقُرْآن دون أَحْكَامهَا وَمِنْهَا قَول الله ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ وَاحْتَجُّوا بِالْآيَةِ من وُجُوه مِنْهَا أَنه أخبر أَن مَا ينسخه من الْآي يَأْتِ بِخَير مِنْهُ وَذَلِكَ يُفِيد أَنه يَأْتِي من جنسه وجنس الْقُرْآن قُرْآن أَلا ترى أَن الْإِنْسَان إِذْ قَالَ مَا آخذ مِنْك من ثوب آتِيك بِخَير مِنْهُ يُفِيد أَنه يَأْتِيهِ بِثَوْب خير مِنْهُ وَالْجَوَاب أَن ذَلِك لَا يُفِيد مَا قَالُوهُ أَلا ترى أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ مَا آخذ مِنْك من ثوب آتِيك بِمَا هُوَ خير مِنْهُ احْتمل أَن يَأْتِيهِ ببستان وَاحْتمل غَيره فَلَا يمْتَنع أَن يكون المُرَاد بذلك نأت بِخَير مِنْهَا أَي أَنْفَع مِنْهَا أَو مثلهَا فِي النَّفْع من جِنْسهَا أَو من غير جِنْسهَا إِن قيل إِذا قَالَ الْإِنْسَان لغيره مَا آخذ مِنْك من ثوب آتِيك

стр. 395

بِمَا هُوَ خير مِنْهُ إِنَّمَا يُفِيد مَا ذكرْتُمْ لِأَنَّهُ قد ذكر لَفظه مَا وَهَذِه اللَّفْظَة تقع على الثَّوْب وعَلى غَيره مِمَّا لَا يعقل وَلَيْسَ كَذَلِك الْآيَة لِأَن الله لم يقل نأت بِمَا هُوَ خير مِنْهَا وَإِنَّمَا قَالَ نأت بِخَير مِنْهَا فنظيره قَول الْقَائِل مَا آخذ مِنْك من ثوب آتِيك خيرا مِنْهُ فِي أَنه يُفِيد ثوبا خيرا مِنْهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يضمر فِي الْكَلَام اسْم الثَّوْب قيل لَا نسلم أَنه إِذا قَالَ آتِيك بِخَير مِنْهُ كَانَ المُرَاد ثوبا خيرا مِنْهُ بل يجوز أَن يَأْتِيهِ بِشَيْء لَيْسَ بِثَوْب يبين ذَلِك أَنه لَا بُد فِي ذَلِك من إِضْمَار فَلَيْسَ بِأَن يضمر آتِيك بِثَوْب خير بِأولى من أَن يضمر آتِيك بِشَيْء هُوَ خير مِنْهُ وَلَيْسَ يجب إِضْمَار الثَّوْب لِأَنَّهُ قد تقدم ذكره وَلَا يجب إِذا رَجَعَ لَام الْعَهْد إِلَى مَعْهُود قد تقدم ذكره أَن يجب مثله فِي الْإِضْمَار لِأَنَّهُمَا متباينان وَمِنْهَا أَن قَول الله ﴿نأت بِخَير مِنْهَا﴾ يُفِيد أَنه هُوَ الْمُنْفَرد بالإتيان بِخَير من الْآيَة وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا والناسخ قُرْآن وَالْجَوَاب أَن السّنة إِذا دلّت على نسخ الْقُرْآن فَالَّذِي أَتَى بِمَا هُوَ أَنْفَع مِمَّا كَانَ هُوَ الله أَلا ترى أَنه هُوَ النَّاسِخ والموحي إِلَى نبيه بالنسخ وَمِنْهَا قَوْلهم نأت بِخَير مِنْهَا يُفِيد أَن الَّذِي يَأْتِي بِهِ خير من الْآيَة على الْإِطْلَاق وَالسّنة لَا تكون خيرا من الْقُرْآن على الْإِطْلَاق لأجل اخْتِصَاص الْقُرْآن بالإعجاز وَالْجَوَاب أَن مَا تضمنه السنه الناسخة خير وأنفع من الْمَنْسُوخ وَلَيْسَ يجب أَن يكون خيرا من الْآيَة من جَمِيع الْوُجُوه لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْله نأت بِخَير مِنْهَا لفظ يعم جَمِيع وُجُوه الْخَيْر وَمِنْهَا أَن الله قَالَ ﴿ألم تعلم أَن الله على كل شَيْء قدير﴾ فَدلَّ على أَن الَّذِي يَأْتِي بِهِ هُوَ الْمُخْتَص بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْقُرْآن دون غَيره من الْكَلَام وَالْجَوَاب أَن المتمكن من إِزَالَة الحكم إِلَى مَا هُوَ خير مِنْهُ

стр. 396

وأنفع هُوَ الله وَحده لِأَنَّهُ الْمُخْتَص بِالْعلمِ بالمصالح وَحده وَقد منع الشَّيْخ أَبُو هَاشم ﵀ من التَّعَلُّق بالاية بِمَا هُوَ جَوَاب عَن الْوُجُوه الَّتِي ذكروها وَهُوَ أَن قَوْله نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا لَيْسَ فِيهِ أَنه يَأْتِي بِخَير مِنْهَا نَاسِخا بل لَا يمْتَنع أَن يكون الَّذِي يَأْتِي بِهِ مِمَّا هُوَ خير مِنْهَا أَنه فِي حكم آخر بعد نسخ الْآيَة وَيكون النَّاسِخ غير الْآيَة إِن قيل كل من أوجب عِنْد نسخ الْآيَة الْإِتْيَان بِآيَة أُخْرَى قَالَ إِنَّهَا هِيَ الناسخة وَفِي ذَلِك مَا قُلْنَا قيل إِنَّا لَا نوجب ذَلِك من جِهَة الْحِكْمَة وَإِنَّمَا نحكم بذلك لأجل إِخْبَار الله سُبْحَانَهُ فِي هَذِه الْآيَة وَلم يجر هَذَا القَوْل على هَذَا التَّفْصِيل بَين الْأمة قبل أبي هَاشم فيدعى إجماعها فِيهِ وَقد منع من التَّعَلُّق بِالْآيَةِ بِأَن ظَاهر قَوْله ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ نسخ التِّلَاوَة دون الحكم فَقَط إِلَّا أَنه لَا يُطلق فِيمَا نسخ حكمه وَبقيت تِلَاوَته أَنه قد نسخ أَلا ترى أَنه يُقَال مَا نسخت الْآيَة وَإِنَّمَا نسخ حكمهَا وَلَهُم أَن يَقُولُوا بل قد يُطلق ذَلِك لِأَن النَّاس يَقُولُونَ إِن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿إِذا نَاجَيْتُم الرَّسُول فقدموا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة﴾ مَنْسُوخ وَإِن كَانَت التِّلَاوَة بَاقِيَة وَقد قَالُوا أَيْضا أَنْتُم تجيزون نسخ تِلَاوَة الْآيَة بِسنة بِأَن يُنْهِي النَّبِي ﷺ عَن تلاوتها فَإِن ثَبت أَنه لَا يجوز نسخ تلاوتها بِسنة وَجب مثله فِي حكمهَا لِأَن أحدا لم يفرق بَينهمَا فان قُلْنَا لَا يمْتَنع أَن لَا تنسخ التِّلَاوَة إِلَّا وَتَأْتِي آيَة أُخْرَى وَإِن لم تكن ناسخة وَيكون الدَّلِيل على ذَلِك هَذِه الْآيَة كَانَ ذَلِك رُجُوعا إِلَى الْوَجْه الْمُتَقَدّم فَأَما الدّلَالَة على أَن نسخ الْقُرْآن بِالسنةِ قد وَقع فَهِيَ أَنه كَانَ الْوَاجِب على الزَّانِيَة الْحَبْس فِي الْبيُوت بقول الله ﴿فأمسكوهن فِي الْبيُوت حَتَّى يتوفاهن الْمَوْت أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا﴾ ثمَّ نسخ الله ذَلِك بقوله ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾

стр. 397

وَلَيْسَ وَإِن كَانَ الْحَبْس مَوْقُوفا على غَايَة وَكَانَ قَوْله ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي﴾ بَيَانا لتِلْك الْغَايَة مَا يمْنَع أَن يكون ذَلِك نسخا لِأَن بَيَان الْغَايَة المجملة يُسمى نسخا وَهَذَا كَلَام فِي الْأَسْمَاء ثمَّ إِن النَّبِي ﷺ نسخ ذَلِك بِالرَّجمِ فان قيل بل نسخ ذَلِك بِمَا كَانَ قُرْآنًا وَهُوَ قَوْله الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا قيل إِن ذَلِك لم يكن قُرْآنًا يدل على ذَلِك أَن عمر ﵁ قَالَ لَوْلَا أَن يَقُول النَّاس زَاد عمر فِي الْمُصحف لأثبت فِي حَاشِيَته الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَلَو كَانَ ذَلِك قُرْآنًا فِي الْحَال أَو كَانَ قد نسخ لم يكن ليقول ذَلِك فَعلمنَا أَن ذَلِك سنة من النَّبِي ﷺ وَأَرَادَ عمر أَن يخبر بتأكيده فَأَما نسخ الْقُرْآن وَالْأَخْبَار المتواترة بأخبار الْآحَاد فَجَائِز فِي الْعُقُول وَقَالَ بعض النَّاس بورود التَّعَبُّد بِالْمَنْعِ مِنْهُ وَذكر عَن بعض أهل الظَّاهِر أَن ذَلِك غير مَمْنُوع مِنْهُ وَدَلِيلنَا أَن الصَّحَابَة ﵂ كَانَت تتْرك أَخْبَار الْآحَاد إِذا رفعت حكم الْكتاب قَالَ عمر ﵁ لَا نَدع كتاب رَبنَا وَسنة نَبينَا بقول امْرَأَة لَا نَدْرِي اصدقت أم كذبت وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء مِنْهَا أَن الحكم بأخبار الْآحَاد مَعْلُوم بِدَلِيل قَاطع وَالْحكم بِهِ كَالْحكمِ بِالْآيَةِ فَجَاز نسخ الْآيَة بِهِ كَمَا جَازَ نسخ آيَة بِآيَة وَالْجَوَاب أَن مَا ثَبت من الْإِجْمَاع يمْنَع من كَون الحكم بهَا مَعْلُوما إِذا كَانَت رَافِعَة لحكم الْكتاب على أَن الدَّلِيل الْقَاطِع الدَّال على قبُول الْأَخْبَار لم يتَنَاوَل أَخْبَار الْآحَاد إِذا كَانَت ناسخة لدَلِيل الْكتاب فَلَا يُمكن أَن يُقَال إِن الحكم بهَا وَالْحَال هَذِه مَعْلُوم وَمِنْهَا أَنه إِذا جَازَ تَخْصِيص الْقُرْآن بأخبار الْآحَاد مَعَ أَن التَّخْصِيص يُفِيد

стр. 398

أَن مَا تنَاوله مَا كَانَ أُرِيد بِالْعَام فبأن يجوز النّسخ بهَا أولى إِذْ كَانَ النّسخ إِنَّمَا يرفع مثل الحكم بعد كَون الحكم مرَادا بِالْآيَةِ وَالْجَوَاب أَن مَا ذَكرُوهُ يدل على جَوَاز النّسخ بِهِ من جِهَة الْعُقُول وَلَا يدل على أَنه مَا منع مِنْهُ فِي الشَّرِيعَة وَقد بَينا أَن الْإِجْمَاع قد منع مِنْهُ وَمِنْهَا قَوْلهم إِن نسخ الْكتاب قد وَقع بأخبار الْآحَاد من وُجُوه مِنْهَا ان قَوْله ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ﴾ الْآيَة مَنْسُوخ بِمَا رُوِيَ بالآحاد أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن أكل كل ذِي نَاب من السبَاع وَالْجَوَاب أَن قَوْله ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ﴾ إِنَّمَا يتَنَاوَل مَا اوحي إِلَيْهِ إِلَى تِلْكَ الْغَايَة وَلَا يتَنَاوَل مَا بعد ذَلِك فَلم يكن النَّهْي الْوَارِد بعد ذَلِك نسخا وَأَيْضًا فَإِن الْآيَة تمنع من تَحْرِيم كل مَا عدا الْميتَة من الدَّم وَلحم الْخِنْزِير فَنهى النَّبِي ﷺ من أكل كل ذِي نَاب من السبَاع وَلَا يمْتَنع أَن يكون مُقَارنًا لِلْآيَةِ فَيكون مُخَصّصا لَا نَاسِخا وَمِنْهَا أَن قَول الله ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم أَن تَبْتَغُوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ مَنْسُوخ بِمَا رُوِيَ بالآحاد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تنْكح امْرَأَة على عَمَّتهَا وَلَا على خَالَتهَا وَالْجَوَاب أَن ذَلِك مِمَّا تلقى بِالْقبُولِ فَهُوَ لذَلِك مَعْلُوم يجْرِي مجْرى التَّوَاتُر فِي جَوَاز وُقُوع النّسخ بِهِ وَلَا يمْتَنع أَن يكون هَذَا وَمثله مُقَارنًا لِلْآيَةِ فَيكون مُخَصّصا وَمِنْهَا أَن قَول الله ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين﴾ مَنْسُوخ بِمَا رُوِيَ بالآحاد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا وَصِيَّة لوَارث وَالْجَوَاب أَن هَذَا متلقى بِالْقبُولِ فَجرى مجْرى التَّوَاتُر وَقد روى عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر ﵄ انهما نسخا

стр. 399

ذَلِك بقول الله ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ وَقَول النَّبِي ﷺ لَا وَصِيَّة لوَارث بَيَان لوُقُوع النّسخ بقول الله ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ وَلَا يمْتَنع أَن يكون كَانَ ذَلِك فِي صدر الْإِسْلَام جَائِزا ثمَّ منع من ذَلِك كَمَا قُلْنَاهُ فِي نسخ الْقبْلَة عَن أهل قبَاء بِخَبَر وَاحِد وَذَلِكَ يدلنا على أَن النّسخ بأخبار الْآحَاد كَانَ جَائِزا فِي صدر الْإِسْلَام ثمَّ منع مِنْهُ وَمِنْهَا أَن الْجمع بَين وضع الْحمل والمدة مَنْسُوخ بِأحد الْأَجَليْنِ وَالْجَوَاب أَن من النَّاس من قَالَ ذَلِك غير مَنْسُوخ وَمِنْهُم من جعل آيَة الْوَضع ناسخة فِي الْحَامِل خَاصَّة وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود وَغَيره وَمن النَّاس من جعل ذَلِك مُخَصّصا لِأَنَّهُ يُمكن فِيهِ الْبناء وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة نظر لِأَن الْمعول فِيهَا على خبر عمر وَهُوَ خبر وَاحِد ﷺ َ - بَاب فِي نسخ الْإِجْمَاع وَفِي وُقُوع النّسخ بِهِ ﷺ َ - اعْلَم أَنه لَو نسخ الْإِجْمَاع لَكَانَ ينْسَخ بِدَلِيل شَرْعِي من كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع وَمَعْلُوم أَن الْإِجْمَاع إِنَّمَا انْعَقَد بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ فَلم يرد كتاب أَو سنة بنسخانه فان قيل هلا جوزتم أَن تظفر الْأمة بعد اتفاقها بِنَصّ كَانَ قد خَفِي عَنْهَا فتنسخ اتفاقها بِهِ قيل لَو كَانَ فِي الشَّرِيعَة نَص لما خفى عَنْهَا بأجمعها لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن تذْهب بأجمعها عَن الْحق سِيمَا وإجماعها الْحق فِي وَاحِد مِنْهُ وَلَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد فَيُقَال قد وَجب عَلَيْهَا الْعَمَل بِالنَّصِّ بِشَرْط أَن تظفر بِهِ كَمَا قيل ذَلِك فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد على أَنَّهَا لَو كلفت الْعَمَل بِالنَّصِّ بِشَرْط أَن تظفر بِهِ فاذا لم تظفر بِهِ كَانَت مكلفة الْعَمَل باجتهادها لما كَانَ

стр. 400

عدولها عَمَّا أَجمعت عَلَيْهِ لأجل النَّص الَّذِي ظَفرت بِهِ نسخا لِأَن الحكم إِذا ثَبت بِشَرْط وَعلم بِالْعقلِ زَوَال ذَلِك الشَّرْط لم يسم رفع الحكم نسخا إِن قيل ايجوز أَن ينْسَخ الله حكما أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة على عهد رَسُول الله ﷺ قيل يجوز ذَلِك وَإِنَّمَا منعنَا أَن تجمع الْأمة بعد وَفَاة النَّبِي لله حَتَّى يكون إجماعها هُوَ الْمُعْتَبر ثمَّ ينْسَخ فَأَما اتفاقها فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ لأجل توقيفه أَو إِقْرَاره فَالْمُعْتَبر فِيهِ بِتَوْقِيفِهِ وَإِقْرَاره والنسخ يتَوَجَّه إِلَى ذَلِك وَلَا يجوز نسخ الْإِجْمَاع باجماع لِأَن الْإِجْمَاع الثَّانِي إِن دلّ على أَن الْإِجْمَاع الأول كَانَ بَاطِلا لم يجز ذَلِك وَإِن كَانَ الْإِجْمَاع الأول حِين وَقع وَقع صَحِيحا لَكِن الْإِجْمَاع الثَّانِي حرم القَوْل بِهِ من بعد لم يجز ذَلِك إِلَّا لدَلِيل شَرْعِي متجدد وَقع لأَجله الْإِجْمَاع الثَّانِي من كتاب أَو سنة أَو لدَلِيل كَانَ مَوْجُودا وخفي عَلَيْهِم من قبل ثمَّ ظهر لَهُم وكل ذَلِك قد أفسدناه إِن قيل أَلَيْسَ إِذا اخْتلفت الْأمة على قَوْلَيْنِ فِي المسئلة فقد سوغت بأجمعها للعامي أَن يَأْخُذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وسوغت للمجتهد أَن يَأْخُذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ فاذا اتّفقت على أحد الْقَوْلَيْنِ كَانَت قد حظرت بأجمعها على الْعَاميّ والمجتهد الْمصير إِلَى القَوْل الآخر فَهَذَا نسخ إِجْمَاع بِإِجْمَاع قيل إنالا نأبى ذَلِك غير أَنا لَا نُسَمِّيه نسخا لِأَن الْأمة حِين اخْتلفت على الْقَوْلَيْنِ إِنَّمَا سوغت للعامي وللمجتهد الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا بِشَرْط بَقَاء الْخلاف وَكَون الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَهَذَا الشَّرْط مَعْلُوم زَوَاله بِالْعقلِ مَتى اتّفقت الْأمة على أحد الْقَوْلَيْنِ وَمَا هَذِه سَبيله لَا يكون نسخا أَلا ترى أَن الله لما قَالَ ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ فعلق الصَّوْم بغاية يعلم حُصُولهَا بالحس وبالعقل لم يكن ارْتِفَاع الصَّوْم عِنْد ذَلِك نسخا وَلَا يجوز نسخ الْإِجْمَاع بِقِيَاس لِأَن الْقيَاس إِن كَانَ قِيَاسا على أصل مقتدم فذهاب الْأمة عَنهُ وَوُقُوع إجماعها على خِلَافه يدل على فَسَاده لِأَن الْأمة لَا يجوز

стр. 401

ذهابها عَن الْحق وَإِن كَانَ قِيَاسا على اصل متجدد فَلَيْسَ يجوز أَن يَتَجَدَّد الحكم فِيهِ إِلَّا عَن كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع وَلَا يجوز تجدّد كتاب أَو سنة بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ وَإِن كَانَ قِيَاسا على إِجْمَاع فَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْقيَاس عَلَيْهِ حَقًا لما ذهب عَنهُ الْأمة باجمعها فَأَما وُقُوع النّسخ بِالْإِجْمَاع فَلَو حصل دَلِيلا شَرْعِيًّا من كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع إِجْمَاع أَو قِيَاس وَقد بَينا أَن الْإِجْمَاع لَا ينْسَخ الْإِجْمَاع وَأما نَص الْكتاب وَالسّنة فَلَا يجوز أَن ينسخه الْإِجْمَاع لِأَن الْإِجْمَاع لَا يجوز أَن ينْعَقد على خِلَافه إِذْ الْأمة لَا تجمع على خطأ فَلَو اتَّفقُوا على خلاف النَّص لدل ذَلِك على نَص نَاسخ لم ينقلوه نَحْو إجماعها على أَن لَا غسل على من غسل مَيتا وَيَنْبَغِي أَن يُضَاف النّسخ إِلَى ذَلِك النَّص لِأَن الْأمة كالناقلة لَهُ والمخبر بِالنَّصِّ النَّاسِخ لَا يكون هُوَ النَّاسِخ وَالْقَوْل فِي نسخ الْإِجْمَاع بفحوى القَوْل وَنسخ فحوى القَوْل بِهِ كالقول فِي النَّص مَعَ الْإِجْمَاع وَسَيَجِيءُ نسخ الْقيَاس بِالْإِجْمَاع إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب فِي نسخ الْقيَاس وَفِي وُقُوع النّسخ بِهِ ﷺ َ - اعْلَم أَن قَاضِي الْقُضَاة ﵀ منع من نسخ الْقيَاس لِأَنَّهُ تبع لِلْأُصُولِ فَلم يجز مَعَ ثُبُوتهَا رَفعه وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يثبت بعد انْقِطَاع الْوَحْي وَقَالَ فِي الدَّرْس إِن الْقيَاس إِن كَانَ مَعْلُوم الْعلَّة جَازَ نسخه قَالَ لِأَن النَّبِي ﷺ لَو نَص على أَن عِلّة تَحْرِيم الْبر هُوَ الْكَيْل وأمرنا بِالْقِيَاسِ لَكَانَ ذَلِك كالنص فِي تَحْرِيم الْأرز فَكَمَا جَازَ ان يحرم الْأرز ثمَّ ينسخه جَازَ أَن يسنخ عَنَّا تَحْرِيم الْأرز الْمُسْتَفَاد بِهَذِهِ الْعلَّة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا وَيمْنَع من قِيَاسه على الْبر وَالْعلم أَنه لَو نسخ الْقيَاس الْمُتَعَلّق بالأمارات لنسخه إِمَّا كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس وَلَا يَخْلُو الْقيَاس الْمَنْسُوخ إِمَّا أَن يكون ثَابتا فِي حَال حَيَاة النَّبِي ﷺ أَو بعد وَفَاته

стр. 402

فان كَانَ فِي حَال حَيَاته فَلَيْسَ يمْتَنع رَفعه بِالنَّصِّ وبالقياس أما بِالنَّصِّ فنحو أَن ينص النَّبِي ﷺ على تَحْرِيم الْبر وينبه على أَن عِلّة تَحْرِيمه الْكَيْل ويتعبد بِالْقِيَاسِ ونعمل بذلك ثمَّ ينص على إِبَاحَة الْأرز وَيمْنَع من قِيَاسه على الْبر وَأما نسخه بِالْقِيَاسِ فبأن تكون الْمَسْأَلَة بِحَالِهَا إِلَّا أَن النَّبِي ﷺ نَص على إِبَاحَة بعض المأكولات وَنبهَ على أَن علته كَونه مَأْكُولا بأمارة هِيَ أقوى من الأمارة الدَّالَّة على أَن عِلّة تَحْرِيم الْبر هِيَ الْكَيْل فَيلْزم من ذَلِك قِيَاس الْأرز على ذَلِك الْمَأْكُول فَأَما الْقيَاس الْمُسْتَفَاد بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ يمْتَنع نسخه بِنَصّ كتاب أَو سنة متجددين لتعذر ذَلِك بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ وَيجوز نسخه فِي الْمَعْنى بِنَصّ مُتَقَدم وباجماع وبقياس أما بِالنَّصِّ فنحو أَن يجْتَهد بعض النَّاس فَيحرم شَيْئا بِقِيَاس بَعْدَمَا اجْتهد فِي طلب النُّصُوص ثمَّ يظفر بِنَصّ بِخِلَاف قِيَاسه أَو يجمع الْأمة على خلاف قِيَاسه أَو يظفر هُوَ بِقِيَاس أولى من قِيَاسه فَيلْزم فِي كل الْأَحْوَال ترك قِيَاسه الأول وَلَا يُسمى ذَلِك نسخا لِأَن الْقيَاس الأول إِنَّمَا عمل بِهِ بِشَرْط أَن لَا يُعَارضهُ قِيَاس أولى مِنْهُ وَلَا نَص وَلَا إِجْمَاع هَذَا إِنَّمَا يتم على القَوْل بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب لِأَن الْقَائِل بذلك يَقُول إِن هَذَا الْقيَاس قد تعبد بِهِ ثمَّ رفع فَأَما من لَا يَقُول كل مُجْتَهد مُصِيب فانه لَا يَقُول قد تعبد بِهِ فَلَا يُمكن نسخ التَّعَبُّد بِهِ فَأَما وُقُوع النّسخ بِالْقِيَاسِ فَلَو حصل لَكَانَ إِمَّا أَن ينْسَخ قِيَاسا آخر وَقد تكلمنا فِي ذَلِك من قبل أَو ينْسَخ إِجْمَاعًا وَذَلِكَ لَا يجوز لِاتِّفَاق الْأمة على أَن الْإِجْمَاع أولى من الْقيَاس إِلَّا أَن يُرَاد بذلك أَن الْقيَاس على أحد الْقَوْلَيْنِ إِذا وَقع الِاتِّفَاق عَلَيْهِ يرفع الْقيَاس على القَوْل الآخر فَيجوز ذَلِك وَلَا يُسمى نسخا وَلَا يجوز نسخ النَّص بِقِيَاس لِأَن الصَّحَابَة كَانَت تتْرك آراءها بالنصوص وَلِهَذَا صوب النَّبِي ﷺ معَاذًا فِي رُجُوعه إِلَى الِاجْتِهَاد إِذا لم يجد كتابا وَلَا سنة وَبِهَذَا نجيب عَن قياسهم نسخ النَّص بِالْقِيَاسِ على تَخْصِيص النَّص بِالْقِيَاسِ وقياسهم ذَلِك على نسخ خبر الْوَاحِد بِخَبَر الْوَاحِد إِن قيل أَلَيْسَ لما قَالَ الله ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا فَإِن يكن مِنْكُم مائَة صابرة يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم ألف يغلبوا أَلفَيْنِ﴾

стр. 403

علمنَا أَن ثبات الْوَاحِد للعشرة مَنْسُوخ وَإِن كَانَ ذَلِك غير مُصَرح بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ نبه عَلَيْهِ فصح أَن الْقيَاس ينْسَخ النَّص وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة المنسوخة ثبات الْوَاحِد للعشرة فَيكون هَذَا التَّنْبِيه قد نسخه فان كَانَ ذَلِك مَعْلُوما من قَوْله ﴿إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ﴾ من حَيْثُ كَانَ ذَلِك يُفِيد أَن يثبت كل وَاحِد بِإِزَاءِ عشرَة حَتَّى يكون الْعشْرُونَ بِإِزَاءِ مِائَتَيْنِ فمفهوم ايضا من قَوْله ﴿فَإِن يكن مِنْكُم مائَة صابرة﴾ ثبات الْوَاحِد للاثنين لِأَنَّهُ لَا يكون مائَة بِإِزَاءِ مِائَتَيْنِ إِلَّا وكل وَاحِد مِنْهُم بِإِزَاءِ اثْنَيْنِ وَيبين ذَلِك أَنه ورد عقيب قَوْله ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم﴾ يُفِيد رفع ثبات الْعشْرين للمائتين والا لم يكن التَّخْفِيف حَاصِلا وَقد قيل إِن ثبات الْوَاحِد للعشرة مَفْهُوم من الاية المنسوخة من فحوى القَوْل ﷺ َ - بَاب نسخ فحوى القَوْل وَوُقُوع النّسخ بِهِ ﷺ َ - أما وُقُوع النّسخ بِهِ فَجَائِز لِأَنَّهُ إِن كَانَ قَول الله ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ يدل من جِهَة اللُّغَة على الْمَنْع من الضَّرْب فاللفظ الْمُفِيد للشَّيْء من جِهَة اللُّغَة يجوز أَن يَقع النّسخ بِهِ وَإِن كَانَ يدل عَلَيْهِ من جِهَة الأولى فَهُوَ آكِد من اللَّفْظ فَجَاز وُقُوع النّسخ بِهِ أَيْضا وَيجوز أَن ينْسَخ الأَصْل والفحوى إِن كَانَا مِمَّا يجوز نسخهما وَأما نسخ الأَصْل فانه يُفِيد نسخ الفحوى لِأَنَّهُ إِنَّمَا يثبت تبعا لَهُ فاذا ارْتَفع الأَصْل ارْتَفع مَا يتبعهُ وَيجوز أَن تدل دلَالَة على ثُبُوت الفحوى فَلَا يحكم بِثُبُوتِهِ إِذا ارْتَفع الأَصْل إِلَّا لدَلِيل مُسْتَأْنف فَأَما

стр. 404

نسخ الفحوى مَعَ ثبات الأَصْل فقد أجَازه قَاضِي الْقُضَاة فِي كتاب الْعمد وَقَالَ فِي شَرحه يجوز ذَلِك إِلَّا أَن يكون فِيهِ نقض الْغَرَض وَمنع مِنْهُ فِي الدَّرْس وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن فحوى القَوْل لَا يرْتَفع مَعَ بَقَاء الأَصْل إِلَّا وَقد انْتقض الْغَرَض لِأَنَّهُ إِذا حرم علينا التأفيف على سَبِيل الإعظام للابوين كَانَ إِبَاحَة ضربهما نقضا للغرض ﷺ َ - بَاب الزِّيَادَة على النَّص هَل هِيَ نسخ أم لَا ﷺ َ - ذهب شيخانا أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم رحمهمَا الله وَأَصْحَاب الشَّافِعِي إِلَى أَنَّهَا لَيست بنسخ على كل حَال وَقَالَ قوم إِن النَّص إِن أَفَادَ من جِهَة دَلِيل الْخطاب أَو الشَّرْط خلاف مَا أفادته الزِّيَادَة كَانَت الزِّيَادَة نسخا نَحْو قَول النَّبِي ﷺ فِي سَائِمَة الْغنم زَكَاة فانه يُفِيد دَلِيله نفي الزَّكَاة عَن المعلوفة فَمَتَى زيدت الزَّكَاة فِي المعلوفة كَانَ ذَلِك نسخا وَقَالَ شيخانا أَبُو الْحسن وَأَبُو عبد الله رحمهمَا الله إِن كَانَت الزِّيَادَة مُغيرَة حكم الْمَزِيد عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبل كَانَت نسخا وَإِن لم تغير حكمه فِي الْمُسْتَقْبل بل كَانَت مُقَارنَة لَهُ لم تكن نسخا فَزِيَادَة التَّغْرِيب فِي الْمُسْتَقْبل على الْحَد يكون نسخا وَكَذَلِكَ لَو زيد فِي حد الْقَاذِف عشرُون وَأما الزِّيَادَة الَّتِي لَا تنفك من الْمَزِيد عَلَيْهِ فنحو أَن يجب علينا ستر الْفَخْذ فَيجب علينا ستر بعض الرّكْبَة وَلَا يكون وجوب ستر بَعْضهَا نسخا وَلم يجْعَلُوا الزِّيَادَة عِنْد التَّعَذُّر نسخا نَحْو قطع رجل السَّارِق بعد قطع يَده وَإِحْدَى رجلَيْهِ وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة إِن كَانَت الزِّيَادَة قد غيرت الْمَزِيد عَلَيْهِ تغييرا شَرْعِيًّا حَتَّى صَار الْمَزِيد عَلَيْهِ لَو فعل الزِّيَادَة على حد مَا كَانَ يَفْعَلهَا قبلهَا كَانَ وجوده كَعَدَمِهِ وَوَجَب استئنافه فَإِنَّهُ يكون نسخا نَحْو زِيَادَة رَكْعَة على رَكْعَتَيْنِ وَإِن كَانَ الْمَزِيد عَلَيْهِ لَو فعل على حد مَا كَانَ يفعل قبل الزِّيَادَة صَحَّ فعله فاعتد بِهِ وَلم يلْزم اسْتِئْنَاف فعله وَإِنَّمَا يلْزم أَن يضم إِلَيْهِ

стр. 405

غَيره لم يكن نسخا نَحْو زِيَادَة التَّغْرِيب على الْحَد وَزِيَادَة عشْرين على حد الْقَاذِف وَعِنْده أَن زِيَادَة شَرط مُنْفَصِل عَن الْعِبَادَة لَا تكون نسخا نَحْو زِيَادَة الْوضُوء فِي شَرَائِط الصَّلَاة قَالَ وَلَو خير الله سُبْحَانَهُ بَين فعلين كَانَ زِيَادَة فعل ثَالِث نَاسِخا لقبح تَركهمَا وَلم يخْتَلف النَّاس فِي أَن زِيَادَة عبَادَة على الْعِبَادَات لَا يكون نسخا للعبادات وَلَا زِيَادَة صَلَاة على صلوَات وَإِنَّمَا جعل أهل الْعرَاق زِيَادَة صَلَاة على الصَّلَوَات الْخمس نسخا لقَوْله ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ لِأَنَّهُ يَجْعَل مَا كَانَ وسطى غير وسطى وَقد اعْتَرَضَهُمْ قَاضِي الْقُضَاة فَقَالَ يَنْبَغِي أَن تكون زِيَادَة عبَادَة على آخر الْعِبَادَات نسخا لِأَنَّهُ يَجْعَل الْعِبَادَة الْأَخِيرَة غير أخيرة وَإِن كَانَت الْفُرُوض عشرا خرجت من أَن تكون عشرا وَالْخلاف وَاقع فِي زِيَادَة رَكْعَة على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى تصير الصَّلَاة ثَلَاث رَكْعَات وَفِي زِيَادَة التَّغْرِيب على الْحَد فَالْأول يُخَالف فِيهِ أَصْحَاب الشَّافِعِي وَالثَّانِي يُخَالف فِيهِ الشَّيْخَانِ أَبُو الْحسن وَأَبُو عبد الله وَأَنا أَتكَلّم على المذهبين وأذكر مَا ينصر بِهِ كل وَاحِد مِنْهُمَا ثمَّ اذكر مَا أقوله أَنا فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله أما حجَّة من قَالَ زِيَادَة التَّغْرِيب على الْجلد لَيْسَ بنسخ فَهُوَ أَن النّسخ هُوَ الْإِزَالَة للْحكم وَلم يزل بِهَذِهِ الزِّيَادَة حكم عَن الثَّمَانِينَ لِأَنَّهَا وَاجِبَة جَائِزَة كَمَا كَانَت وَإِنَّمَا يلْزم أَن يضم إِلَيْهَا غَيرهَا والمخالف يتَوَصَّل إِلَى ثُبُوت النّسخ فِي ذكر من وُجُوه مِنْهَا أَن الْجلد كَانَ قبل هَذِه الزِّيَادَة كَمَال الْحَد فَصَارَ بعْدهَا بعض الْحَد فقد أزالت الزِّيَادَة كَون الْجلد كَمَال الْحَد الْجَواب أَن قَوْلنَا أَن يجلد جَمِيع الْحَد الْوَاجِب فعله مَعْنَاهُ أَنه لَا يلْزم أَن يضم إِلَيْهِ غَيره وَقَوْلهمْ قد صَار بعض الْحَد الْوَاجِب فعله مَعْنَاهُ أَنه وَجب أَن يضم إِلَيْهِ غَيره فَقَوْلهم إِن هَذِه

стр. 406

الزِّيَادَة نسخ لِأَنَّهَا صيرت الْجلد بعض الْحَد الْوَاجِب فعله مَعْنَاهُ إِنَّمَا كَانَت الزِّيَادَة نسخا لِأَنَّهَا زِيَادَة فَمَعْنَى العبارتين وَاحِد وَقد أجِيبُوا فَقيل بِأَن الْكل وَالْبَعْض من أَحْكَام الْعقل دون الشَّرْع فَلم يفد النّسخ وللمخالف أَن يَقُول إِن الْكل وَالْبَعْض فِي الْجُمْلَة يعلمَانِ بِالْعقلِ فَأَما كَون الشَّيْء كل الحكم الشَّرْعِيّ أَو بعضه فانما يعلم بِالشَّرْعِ وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْجلد قد كَانَ مجزئا وَحده وَالْجَوَاب أَن معنى قَوْلنَا إِنَّه قد صَار غير مَجِيء وَحده هُوَ أَنه يجب ضم شَيْء آخر إِلَيْهِ فَعَاد ذَلِك إِلَى تَعْلِيل الشَّيْء بِنَفسِهِ وَقيل لَهُم أَيْضا إِن زِيَادَة التَّغْرِيب لَو كَانَ نسخا لجَاز أَن يقدر وجوده لَا إِلَى بدل وَهَذَا غير مُمكن هَا هُنَا وَهَذَا لَيْسَ بِجَوَاب عَن كَلَامهم وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِئْنَاف دَلِيل وَهُوَ مَعَ ذَلِك غير صَحِيح لِأَن النّسخ هُوَ الْإِزَالَة ووللخصم أَن يَقُول قد يجوز إِزَالَة أَجزَاء الثَّمَانِينَ لَا إِلَى بدل أصلا وَقد يجوز إِزَالَته إِلَى بدل غير الثَّمَانِينَ وَقد يجوز إِزَالَته بِزِيَادَة على الثَّمَانِينَ وَلَا يجوز إِزَالَته بِالزِّيَادَةِ على الثَّمَانِينَ إِلَى بدل لِأَن قَوْلنَا زِيَادَة على الثَّمَانِينَ إِثْبَات للثمانين فاسقاطها بدل وَالْحَال هَذِه متناقض كَمَا بَينا فِي القَوْل بازالة الْعِبَادَة لَا إِلَى بدل مَعَ ثُبُوت الْمُبدل وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْجلد وَحده كَانَ يتَعَلَّق بِهِ رد الشَّهَادَة فَلَمَّا زيد التَّغْرِيب صَار لَا يتَعَلَّق بِهِ وَحده وَالْجَوَاب أَن مخالفهم لَا يعلق رد الشَّهَادَة بِالْجلدِ وَلَو تعلق بِهِ لَكَانَ الْأَقْرَب أَن يُقَال إِن زِيَادَة بالتغريب قد تنسخ تعلق رد الشَّهَادَة لَا أَنه نسخ للجلد على أَن هَذَا لَا يلْزم أَيْضا لِأَن رد الشَّهَادَة تعلق بِمَا هُوَ حد فَتغير الْحَد إِلَى زِيَادَة أَو نُقْصَان لم يرفع تَعْلِيق رد الشَّهَادَة بِمَا هُوَ حد كَمَا أَن تغير الْعدة بِزِيَادَة أَو نُقْصَان لَا يرفع تعلق أَحْكَامهَا بهَا وَمَعْلُوم أَن الْفُرُوض لَو كَانَت خمْسا لوقف على ادائها قبُول الشَّهَادَة فَلَو زيد فِيهَا

стр. 407

لوقف قبُول الشَّهَادَة على فعل الْفَرْض السَّادِس وَلم يُوجب هَذَا نسخ وقُوف قبُول الشَّهَادَة على أَدَاء الْفُرُوض وللمخالف أَن يَقُول إِنَّه لَو زيد فِي مُدَّة الْعدة لَكَانَ ذَلِك نسخا لتَعلق أَحْكَامهَا بالمدة الْمَزِيد عَلَيْهَا وَلَو زيد فِي الْفَرَائِض فرض آخر نسخ ذَلِك تعلق قبُول الشَّهَادَة بأَدَاء تِلْكَ الْفَرَائِض وَحدهَا لَا أَنه يكون نَاسِخا للفرائض وَله أَن يَقُول إِن كَون الْجلد لَا يجزىء وَحده إِذا زيد عَلَيْهِ التَّغْرِيب لَيْسَ هُوَ معنى قَوْلنَا قد زيد عَلَيْهِ غَيره هُوَ أَنه قد تعبدنا مَعَه بِشَيْء آخر وَذَلِكَ يرجع إِلَى الْأَمر بِالزِّيَادَةِ وَكَون الْجلد وَحده لَا يجزىء مَعْنَاهُ أَنه لَا يسْقط بِهِ الْغَرَض وَهَذَا يتبع نفي التَّعَبُّد بِالزِّيَادَةِ فاذا كَانَت الزِّيَادَة قد أزالت هَذَا الْإِجْزَاء فقد وَقع بهَا النّسخ أَلا ترى أَن الله لَو نَص فَقَالَ الثَّمَانُونَ وَحدهَا مجزئة فِي الْحَد وَهِي كَمَال الْحَد ثمَّ زَاد على الثَّمَانِينَ لَكَانَ ذَلِك نسخا فَكَذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الله لَو صرح بذلك لَكَانَ إِجْزَاء الْجلد وَحده حكما شَرْعِيًّا فَكَانَت إِزَالَته نسخا فَأَما إِذا لم ينص على ذَلِك بل أوجب الْجلد فان إِيجَابه لذَلِك لَا يتَعَرَّض للتغريب بِنَفْي وَلَا إِثْبَات وَإِنَّمَا يعلم نَفْيه بَقَاء على حكم الأَصْل وَإِزَالَة حكم الأَصْل لَيْسَ بنسخ وللمخالف أَن يَقُول إِن هَذَا لَا يمْنَع مِمَّا أفسدنا بِهِ قَوْلكُم إِن رفع الْإِجْزَاء مَعَ الْجلد وَحده هُوَ معنى إِثْبَات الزِّيَادَة وَأَن تَعْلِيل كَون الزِّيَادَة نسخا من حَيْثُ رفع تعلق الْإِجْزَاء بِالْجلدِ وَحده هُوَ تَعْلِيل الشَّيْء بِنَفسِهِ وايضا فقد نقضتم هَذَا الِاعْتِبَار بِمَسْأَلَة وَهُوَ أَن قَاضِي الْقُضَاة قَالَ إِن الله لَو خير بَين فعلين ثمَّ زَاد فِي التَّخْيِير ثَالِثا فصرنا مخيرين بَين ثَلَاثَة أَشْيَاء لَكَانَ قد نسخ قبح تَحْرِيم ترك الشَّيْئَيْنِ الْأَوَّلين وَمَعْلُوم أَنه إِذا خير بَين شَيْئَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يتَعَرَّض تخييره بِمَا عداهما بِتَحْرِيم وَلَا إِيجَاب وَإِنَّمَا نعلم أَن الثَّالِث لَيْسَ بِوَاجِب لِأَن الأَصْل أَنه غير وَاجِب وَلم ينقلنا عَنهُ شرع فَصَارَ نفي وُجُوبه مَعْلُوما بِالْعقلِ وَمَعَ ذَلِك قد قَالَ إِن مَا دلّ على وُجُوبه يكون نَاسِخا فَأَما حجَّة من قَالَ إِن زِيَادَة رَكْعَة على رَكْعَتَيْنِ نسخ فَهُوَ أَن هَذِه الزِّيَادَة جعلت وجود الرَّكْعَتَيْنِ وَحدهمَا كعدمهما وأوجبت الِاسْتِئْنَاف وازالت

стр. 408

الْإِجْزَاء وَمن قبل هَذِه الزِّيَادَة لم تكن الركعتان كَذَلِك وَهَذَا معنى النّسخ وَهَذَا منتقض على قَول قَاضِي الْقُضَاة بِالزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَة فَإِن زِيَادَة عُضْو فِي الطَّهَارَة أَو زِيَادَة طَهَارَة أُخْرَى لَيْسَ بنسخ للصَّلَاة عِنْده وَمَعَ ذَلِك فوجود الصَّلَاة كعدمها إِذا لم يغسل ذَلِك الْعُضْو وَيجب استئنافها وَهِي غير مجزئة وَكَون هَذِه الزِّيَادَة مُنْفَصِلَة لَيْسَ يمْنَع من انْتِقَاض مَا اعتلوا بِهِ فان شرطُوا ذَلِك فِي الْعلَّة قيل لَهُم أَي تَأْثِير لانفصال الشَّرْط واتصاله فِي ذَلِك فَإِن قَالُوا لِأَن الشَّرْط الْمَزِيد إِذا كَانَ مُتَّصِلا كالركعة نسخ جملَة الْعِبَادَة قيل النّسخ إِنَّمَا هُوَ إِزَالَة الْأَحْكَام لَا الْأَفْعَال والإجزاء زائل سَوَاء كَانَ الشَّرْط مُتَّصِلا أَو مُنْفَصِلا فان قَالُوا إِنَّمَا نعني بقولنَا إِن زِيَادَة الرَّكْعَة نسخ أَن الرَّكْعَة نسخت وجوب الْجُلُوس عقيب الرَّكْعَة الثَّانِيَة قيل الْجُلُوس مَوْضِعه آخر الصَّلَاة وَهَذَا لم يتَغَيَّر وَإِنَّمَا تغير آخر الصَّلَاة فَلم ينْسَخ مَوضِع الْجُلُوس كَمَا قُلْتُمْ إِن الزِّيَادَة فِي الْعدة لَا تنسخ تعلق الْأَحْكَام بهَا فان قَالُوا الصَّلَاة بعد زِيَادَة عُضْو فِي الطَّهَارَة يجب فعلهَا كَمَا يجب من قبل وَإِنَّمَا يجب أَن نقدم عَلَيْهَا فعلا آخر فَجرى مجْرى الْجلد فِي أَنه يلْزم بعد زِيَادَة التَّغْرِيب كَمَا كَانَ يلْزم من قبل وَإِنَّمَا يجب أَن نضم إِلَيْهِ فعلا آخر فالمسألتان سَوَاء وَإِنَّمَا تفترقان فِي الْفِعْل الَّذِي يجب فِي الْمَسْأَلَة الأولى يَنْبَغِي أَن يتَقَدَّم وَفِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة يتَأَخَّر وَالْجَوَاب أَن هَذَا لَا يمْنَع من انْتِقَاض علتكم وَهِي أَن وجود الصَّلَاة بعد زِيَادَة رَكْعَة كعدمها على أَن هَذَا يَقْتَضِي أَن لَا تكون زِيَادَة رَكْعَة على رَكْعَتَيْنِ نسخا لِأَن الرَّكْعَتَيْنِ يجب فعلهمَا على مَا كَانَا عَلَيْهِ لكنه يلْزم تَأْخِير التَّشَهُّد وَأَن لَا يتَعَلَّق بالركعتين وَهَذَا إِن كَانَ نسخا فَهُوَ نسخ لموْضِع التَّشَهُّد وَقد بَينا من قبل أَنه يجْرِي مجْرى زِيَادَة الْعدة فِي أَنه لَيْسَ بنسخ كتعلق الْأَحْكَام بالمدة الأولى وَيُمكن من قَالَ إِن زِيَادَة الرَّكْعَة لَيْسَ بنسخ أَن يَقُول لَو كَانَ نسخا لَكَانَ إِمَّا أَن يكون نسخا للركعتين وَمَعْلُوم أَن النّسخ لَا يتَعَلَّق بالأفعال أَو نسخا لموْضِع التَّشَهُّد وَقد بَينا أَنه لَيْسَ بنسخ لذَلِك أَو نسخا لإجزاء الرَّكْعَتَيْنِ وَحدهمَا وَهَذَا يلْزم عَلَيْهِ أَن تكون زِيَادَة غسل عُضْو فِي

стр. 409

الطَّهَارَة نسخا للصَّلَاة وَأَن تكون زِيَادَة التَّغْرِيب نسخا للحد لِأَنَّهُ لَا يجزىء وَحده فَالْكَلَام مترجح على مَا ترى وَأَنا أذكر طَريقَة بَيِّنَة يَزُول مَعهَا كل إِشْكَال فَأَقُول إِن الْكَلَام فِي الزِّيَادَة على النَّص يَقع فِي مَوَاضِع ثَلَاثَة فِي معنى النّسخ وَفِي اسْمه وَفِي حكمه وَلَا رَابِع لذَلِك أما معنى النّسخ فبأن يُقَال هَل الزِّيَادَة على النَّص تفِيد معنى النّسخ أم لَا وَالْجَوَاب أَنَّهَا تفيده لِأَن معنى النّسخ هُوَ الْإِزَالَة وكل زِيَادَة هِيَ مزيلة لحكم من الْأَحْكَام لِأَنَّهَا إِمَّا أَن تكون زِيَادَة فِي الْوُجُوب أَو فِي النّدب أَو فِي الْإِبَاحَة أَو فِي الْحَظْر فَإِن كَانَت زِيَادَة فِي الْوُجُوب فقد رفعت نفي وجوب تِلْكَ الزِّيَادَة وإزالته نَحْو زِيَادَة التَّغْرِيب فِي الْحَد لِأَنَّهُ لم يكن وَاجِبا ثمَّ صَار وَاجِبا وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الزِّيَادَة على النّدب وعَلى الْإِبَاحَة وعَلى الْحَظْر وَأما الْكَلَام فِي الِاسْم فبأن يُقَال هَل الزِّيَادَة على النَّص تسمى نسخا أم لَا وَالْجَوَاب أَن الزِّيَادَة الَّتِي كلامنا فِيهَا هِيَ زِيَادَة شَرْعِيَّة فان كَانَت قد ازالت حكما ثَابتا بِدَلِيل شَرْعِي وَكَانَت متراخية عَنهُ سميت الزِّيَادَة نسخا وَيُسمى الدَّلِيل الْمُثبت للزِّيَادَة نَاسِخا وَإِن كَانَ الحكم الَّذِي رفعته الزِّيَادَة حكما ثَابتا فِي الْعقل لَا فِي الشَّرْع لم تسم الزِّيَادَة نسخا على مَا تقدم بَيَانه وَأما الْكَلَام فِي الحكم فبأن يُقَال هَل يجوز إِثْبَات الزِّيَادَة على النَّص بِخَبَر وَاحِد وَقِيَاس أم لَا وَالْجَوَاب أَنه إِن كَانَ مَا أزالته الزِّيَادَة حكما ثَابتا بِالْعقلِ لَا بِالشَّرْعِ فانه يجوز إثْبَاته بِخَبَر وَاحِد وَقِيَاس إِلَّا أَن يمْنَع من ذَلِك مَانع نَحْو أَن يكون الْبلوى بِمَا أثبتته الزِّيَادَة عَاما فَلَا يقبل فِيهِ خبر وَاحِد على قَول بعض النَّاس أَو يكون حدا أَو كَفَّارَة أَو تَقْديرا فَلَا يثبت بِالْقِيَاسِ على قَول بَعضهم وَلَا يقبل عِنْد هَؤُلَاءِ خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فِي ذَلِك لَا للنسخ لَكِن لأمور أخر وَإِن كَانَ الحكم الَّذِي أزالت الزِّيَادَة مثله ثَابتا بِالشَّرْعِ وَكَانَ دَلِيل الزِّيَادَة مُتَأَخِّرًا عَن ذَلِك الشَّرْع فَإِنَّهُ لَا يجوز إِن كَانَ دَلِيل الزِّيَادَة قِيَاسا لِأَن الْقيَاس الْمُتَأَخر لَا يرفع حكم النَّص على مَا مضى وَإِن كَانَ دَلِيل الزِّيَادَة خبر

стр. 410

وَاحِد وَكَانَ الحكم الَّذِي رفعته ثَابتا بِخَبَر وَاحِد أَيْضا جَازَ أَن يقبل فِي الزِّيَادَة وَإِن كَانَ ثَابتا بقرآن أَو بِخَبَر متواتر لم تجز إِزَالَته بِخَبَر وَاحِد متراخ لِأَن خبر الْوَاحِد لَا يزِيل الحكم الْمُتَوَاتر بعد اسْتِقْرَار مثله وَيجوز أَن يُزِيلهُ الْخَبَر الْمُتَوَاتر فَإِن أَجمعت الْأمة على قبُول خبر الْوَاحِد فِي ذَلِك علمنَا أَنه كَانَ مُقَارنًا وَأَنه مُخَصص وَعند هَذَا التَّفْصِيل تَزُول كل شُبْهَة وَأَنا أنسق عَلَيْهِ الْمسَائِل لتظهر فَائِدَته إِن شَاءَ الله أما زِيَادَة التَّغْرِيب أَو زِيَادَة عشْرين على جلد ثَمَانِينَ فَلَيْسَ بمزيل لوُجُوب الثَّمَانِينَ وَإِنَّمَا يزِيل نفي وجوب مَا زَاد على الثَّمَانِينَ من الْعشْرين والتغريب فَهُوَ من هَذِه الْجِهَة نسخ فِي الْمَعْنى وَلَا يُسمى نسخا لِأَن نفي وجوب مَا زَاد على الثَّمَانِينَ لم يكن مَعْلُوما بِدَلِيل شَرْعِي فَلم تكن إِزَالَته نسخا وَذَلِكَ أَن إِيجَاب الثَّمَانِينَ لم يتَعَرَّض لما زَاد عَلَيْهَا باثبات وَلَا نفي وَإِنَّمَا علمنَا نفي مَا زَاد عَلَيْهَا لِأَن الْعقل يَقْتَضِي نفي وُجُوبه وَلم ينقلنا عَنهُ دَلِيل شَرْعِي وَإِذا كَانَ ذَلِك حكما عقليا جَازَ قبُول خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فِيهِ إِلَّا أَن يمْنَع مِنْهُ مَانع سوى النّسخ وَأما كَون الثَّمَانِينَ مجزئة وَحدهَا وَأَنَّهَا وَحدهَا كَمَال الْحَد وَتعلق رد الشَّهَادَة عَلَيْهَا وَحدهَا فَهُوَ تَابع لنفي وجوب الزِّيَادَة أَلا ترى أَنه لَو وَجب مَا زَاد عَلَيْهَا بِدَلِيل مُقَارن لم تكن الثَّمَانُونَ وَحدهَا مجزئة وَلَا تعلق بهَا وَحدهَا رد الشَّهَادَة وَلَا كَانَت كَمَال الْحَد فاذا كَانَ كَانَ ذَلِك تَابعا لنفي وجوب الزِّيَادَة وَكَانَ نفي وُجُوبهَا مَعْلُوما بِالْعقلِ جَازَ قبُول خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فِي الزِّيَادَة وَفِيمَا يتبعهَا وَلَو أَن الله قَالَ الثَّمَانُونَ كَمَال الْحَد وَعَلَيْهَا وَحدهَا يتَعَلَّق رد الشَّهَادَة لما قبلنَا فِي الزِّيَادَة خبر وَاحِد وَلَا قِيَاسا لِأَن نفي وجوب الزِّيَادَة قد ثَبت بِدَلِيل شَرْعِي متواتر فَلَو كَانَ إِيجَابه الثَّمَانِينَ يَقْتَضِي بِدَلِيل الْخطاب نفي وجوب مَا زَاد عَلَيْهَا لَكَانَ أثبات الزِّيَادَة يُسمى نسخا

стр. 411

وَلما قبلنَا فِيهَا خبر وَاحِد وَلَا قِيَاسا متأخرين فَأَما تَقْيِيد الرَّقَبَة بِالْإِيمَان فَهُوَ فِي معنى التَّخْصِيص لِأَنَّهُ يخرج عتق الْكَافِرَة من الْخطاب فان كَانَ مَا اقْتضى هَذَا التَّقْيِيد خبر وَاحِد أَو قِيَاس وَكَانَ متراخيا لم يقبل لِأَن عُمُوم الْكتاب أجَاز عتق الْكَافِرَة فَتَأَخر حظر عتقهَا فِي الْكَفَّارَة هُوَ النّسخ بِعَيْنِه فَلم يقبل فِيهِ خبر وَاحِد وَلَا قِيَاس وَإِن كَانَ الْقيَاس أَو خبر الْوَاحِد مُقَارنًا فَهُوَ تَخْصِيص والتخصيص يَصح بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فَأَما إِذا قطعت يَد السَّارِق وَإِحْدَى رجلَيْهِ ثمَّ سرق فَإِن إِبَاحَة قطع رجله الْأُخْرَى رفع حظر قطعهمَا وحظر قطعهَا إِنَّمَا يثبت يالعقل فَجَاز رَفعه بِخَبَر وَاحِد وَقِيَاس وَلم يسم نسخا فَأَما إِذا أمرنَا الله بِفعل أَو قَالَ هُوَ وَاجِب عَلَيْكُم ثمَّ خيرنا بَينه وَبَين فعل آخر فَإِن هَذَا التَّخْيِير يكون مزيلا لحظر ترك أوجبه علينا إِلَّا أَن حظر تَركه كَانَ مَعْلُوما بِالْبَقَاءِ على حكم الْعقل وَذَلِكَ لِأَن قَوْله أوجبت هَذَا الْفِعْل عَلَيْكُم يَقْتَضِي أَن للإخلال بِهِ تَأْثِيرا فِي اسْتِحْقَاق الذَّم وَهَذَا لَا يمْنَع من أَن يقوم مقَامه وَاجِب آخر وَإِنَّمَا علم أَن غَيره لَا يقوم مقَامه لِأَن الأَصْل أَنه غير وَاجِب وَلَو كَانَ وَاجِبا بِالشَّرْعِ لدل عَلَيْهِ دَلِيل شَرْعِي فَصَارَ علمنَا بِنَفْي وُجُوبه مَوْقُوفا على أَن يكون الأَصْل يَقْتَضِي نفي وُجُوبه مَعَ نفي دَلِيل شَرْعِي فالمثبت لوُجُوبه إِنَّمَا رفع حكما عقليا فَجَاز أَن نثبته بِقِيَاس أَو خبر وَاحِد مِثَال ذَلِك أَن يُوجب الله علينا غسل الرجلَيْن ثمَّ يخيرنا بَينه وَبَين الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَكَذَلِكَ إِذا خيرنا الله بَين شَيْئَيْنِ ثمَّ أثبت مَعَهُمَا ثَالِثا فَأَما إِذا قَالَ الله هَذَا الْفِعْل وَاجِب وَحده أَو قَالَ لَيْسَ يقوم غَيره مقَامه فَإِن إِثْبَات بدل لَهُ فِيمَا بعد رَافع لما علمنَا بِدَلِيل شَرْعِي لِأَن قَوْله هَذَا وَاجِب وَحده هُوَ صَرِيح فِي نفي وجوب غَيره فالمثبت لوُجُوب غَيره رَافع لحكم شَرْعِي فَلم يجز كَونه خبر وَاحِد وَلَا قِيَاسا فَأَما قَول الله ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ﴾ فَهُوَ تَخْيِير بَين

стр. 412

استشهاد رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَالْحكم بِالشَّهَادَةِ وَالْيَمِين زِيَادَة فِي التَّخْيِير وَقد بَينا أَن الزِّيَادَة فِي التَّخْيِير لَيْسَ بنسخ يمْنَع من قبُول خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فِيهِ وَمن قَالَ إِن الحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين نسخ لهَذِهِ الْآيَة يلْزمه أَن يكون الْوضُوء بالنبيذ نسخا لقَوْله ﴿فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ فَأَما إِذا كَانَت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ فَقَط فزيد فِيهَا رَكْعَة أُخْرَى قبل التَّشَهُّد فان ذَلِك يكون نَاسِخا لوُجُوب التَّشَهُّد عقيب الرَّكْعَتَيْنِ وَذَلِكَ حكم شَرْعِي مَعْلُوم بطريقة مَعْلُومَة فَلم يثبت بِخَبَر وَاحِد وَلَا قِيَاس وَلَيْسَ ذَلِك بنسخ للركعتين لِأَن النّسخ لَا يتَنَاوَل الْأَفْعَال وَلَا هُوَ نسخ لوجوبهما لِأَن وجوبهما ثَابت وَلَا نسخ لإجزائهما لِأَنَّهُمَا مجزئتان وَإِنَّمَا كَانَتَا مجزئتين من دون رَكْعَة أُخْرَى والآن لَا تجزءان إِلَّا مَعَ رَكْعَة أُخْرَى وَذَلِكَ تَابع لوُجُوب ضم رَكْعَة أُخْرَى وَوُجُوب رَكْعَة أُخْرَى لَيْسَ يرفع إِلَّا نفي وُجُوبهَا وَنفي وُجُوبهَا إِنَّمَا حصل بِالْعقلِ فَلم يمْتَنع من هَذِه الْجِهَة أَن يقبل فِي ذَلِك خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فَأَما إِذا زيدت الرَّكْعَة بعد التَّشَهُّد وَقبل التَّحَلُّل فانه يكون نسخا لوُجُوب التَّحَلُّل بِالتَّسْلِيمِ أَو نَاسِخا لكَونه ندبا وَذَلِكَ حكم شَرْعِي مَعْلُوم فَلم يجز أَن يقبل فِيهِ خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فَأَما كَونه نَاسِخا للركعتين أَو لوجوبهما أَو لإجزائهما فَالْقَوْل فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ الْآن فَأَما زِيَادَة غسل عُضْو فِي الطَّهَارَة فَلَيْسَ بنسخ لإجزائها وَلَا لوُجُوبهَا وَإِنَّمَا هُوَ رفع لنفي وجوب غسل ذَلِك الْعُضْو الْمَعْلُوم نفي وُجُوبه بِالْعقلِ وَكَذَلِكَ زِيَادَة شَرط آخر فِي الصَّلَاة لَا تَقْتَضِي نسخ وجوب الصَّلَاة فَأَما كَون الصَّلَاة غير مجزئة بعد زِيَادَة الشَّرْط فَهُوَ تَابع لوُجُوب ذَلِك الشَّرْط وإجزاؤها تَابع لنفي وُجُوبه وَنفي وُجُوبه لم يعلم بِالشَّرْعِ وَكَذَلِكَ مَا يتبعهُ فَجَاز قبُول خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فِيهِ هَذَا إِن لم يكن قد علمنَا نفي وجوب هَذِه الْأَشْيَاء من دين النَّبِي ﷺ باضطرار فَأَما إِن علمناه باضطرار فقد صَار ذَلِك مَعْلُوما بشرع مَقْطُوع بِهِ فَلم يجز رَفعه بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فَأَما قَول الله ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ فانه يُفِيد كَون

стр. 413

أول اللَّيْل طرفا وَغَايَة للصيام كَمَا يفِيدهُ لَو قَالَ آخر الصّيام وغايته اللَّيْل لِأَن لَفظه إِلَى مَوْضُوعَة للغاية فايجاب صَوْم أول اللَّيْل يخرج أَوله من أَن يكون طرفا مَعَ أَن الْخطاب يفِيدهُ وَفِي ذَلِك كَونه نسخا حَقِيقَة لَا يقبل فِيهِ خبر وَاحِد وَلَا قِيَاس لِأَن نفي وجوب صَوْم أول اللَّيْل مَعْلُوم بِدَلِيل قَاطع فَأَما لَو قَالَ الله صلوا إِن كُنْتُم مطهرين فانه لَا يمْنَع أَن يقبل خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فِي إِثْبَات شَرط آخر الصَّلَاة لِأَن إِثْبَات بدل للشّرط لَا يُخرجهُ من أَن يكون شرطا إِذْ لَا يمْتَنع أَن يكون للْحكم الْوَاحِد شَرْطَانِ وَلَيْسَ كَذَلِك إِثْبَات صَوْم جُزْء من اللَّيْل لِأَن ذَلِك يخرج أول اللَّيْل من أَن يكون غَايَة وَأما نفي كَون الشَّرْط الآخر شرطا فَلم نعلمهُ بِالسَّمْعِ وَإِنَّمَا علمناه بِالْعقلِ فَلم يكن رَفعه رفعا لحكم شَرْعِي ﷺ َ - بَاب فِي النُّقْصَان من شُرُوط الْعِبَادَة وأجزائها هَل هُوَ نسخ مَا عداهُ أم لَا ﷺ َ - اعْلَم أَنه لما كَانَ الْغَرَض بِهَذَا الْبَاب ذكر النُّقْصَان من شُرُوط الْعِبَادَة وأجزائها وَجب أَن نذْكر أَولا مَا شَرط الْعِبَادَة وَمَا جزؤها فَشرط الْعِبَادَة مَا يقف صِحَّتهَا عَلَيْهِ وَهُوَ ضَرْبَان احدهما جُزْء مِنْهَا وَالْآخر لَيْسَ بِجُزْء مِنْهَا فالجزء مِنْهَا هُوَ وَاحِد مِمَّا هُوَ مَفْهُوم من الْعِبَادَة كالركوع وَالسُّجُود وَمَا لَيْسَ بِجُزْء فَهُوَ مَا لم يكن وَاحِدًا مِمَّا هُوَ الْمَفْهُوم من الْعِبَادَة كَالْوضُوءِ مَعَ الصَّلَاة وَلَا خلاف فِي أَن النُّقْصَان من الْعِبَادَة هُوَ نسخ لما أسقط مِنْهَا وَاخْتلفُوا هَل هُوَ نسخ لغيره أم لَا فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن إِن نسخ شَرط من شُرُوط الْعِبَادَة أَو جُزْء من أَجْزَائِهَا لَيْسَ بنسخ الْعِبَادَة وَقَالَ إِن نسخ التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس لَيْسَ بنسخ للصَّلَاة وَلَا نسخ صَوْم عَاشُورَاء نسخ للصَّوْم أصلا وَقَالَ عِنْد ذَلِك إِن مَا كَانَ من شُرُوط الصَّوْم وَمَا لم يكن من شُرُوطه لَا يلْحقهُ النّسخ فَلذَلِك لما جَازَ صَوْم عَاشُورَاء بنية غير مبيتة لم يكن ذَلِك مَنْسُوخا وَثَبت مثله فِي شهر رَمَضَان

стр. 414

وَعند قَاضِي الْقُضَاة أَن نسخ شَرط مُنْفَصِل من شَرَائِط الْعِبَادَة لَا يكون نسخا لِلْعِبَادَةِ فنسخ الْوضُوء لَا يكون نسخا للصَّلَاة وَنسخ جُزْء من أَجزَاء الصَّلَاة يكون نسخا للصَّلَاة وَقَالَ إِن نسخ التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس هُوَ نسخ للصَّلَاة وَعِنْدنَا أَن نسخ الشَّرْط الْمُنْفَصِل كنسخ الة وضوء لَو كَانَ نسخا للصَّلَاة لم يخل إِمَّا أَن يكون نسخا لصورة الصَّلَاة وَهَذَا محَال لِأَن النّسخ يرفع الْأَحْكَام دون صُورَة الْأَفْعَال وَإِمَّا أَن يكون نسخا لحكم من احكام الصَّلَاة إِمَّا وُجُوبهَا أَو إجزائها وَكَونهَا عبَادَة أَو نفي إجزائها مَعَ فقد الْوضُوء وَمَعْلُوم أَن وجوب الصَّلَاة وَكَونهَا مجزئة وَعبادَة لَا يَزُول وَإِن زَالَ وجوب الْوضُوء وَأما نفي الْإِجْزَاء مَعَ فقد الطَّهَارَة فقد زَالَ وَذَلِكَ لِأَن الصَّلَاة مَا كَانَت تجزىء بِلَا طَهَارَة فَلَو نسخ وجوب الطَّهَارَة لَصَارَتْ تجزىء وارتفع نفي إجزائها وَذَلِكَ تَابع لسُقُوط وجوب الطَّهَارَة فان أَرَادَ الْإِنْسَان بقوله إِن نسخ الْوضُوء يَقْتَضِي نسخ الصَّلَاة هَذَا الْمَعْنى فَصَحِيح لَكِن الْكَلَام موهم لِأَن إِطْلَاق القَوْل بِأَن الصَّلَاة مَنْسُوخَة هُوَ أَنه قد خرجت عَن الْوُجُوب أَو عَن أَن تكون عبَادَة وَاحْتج قَاضِي الْقُضَاة لقَوْله إِن نسخ الشَّرْط الْمُنْفَصِل لَا يكون نسخا لِلْعِبَادَةِ بِأَن الشَّرْط تَابع للمشروط ونسخخه لَا يكون نسخا للمتبوع وَلِهَذَا لم يكن نسخ طَهَارَة بعض الْمِيَاه نسخه للصَّلَاة وَأما نسخ جُزْء من الْعِبَادَة كنسخ رَكْعَة من الصَّلَاة فَإِنَّهُ لَيْسَ بنسخ لباقي الرَّكْعَات لِأَن النّسخ لَا يتَنَاوَل صُورَة الْفِعْل وَلَا هُوَ نسخ لوُجُوب الرَّكْعَات وَلَا لكَونهَا شَرْعِيَّة مجزئة لِأَن ذَلِك بَاقٍ لم يرْتَفع لكنه رفع لوُجُوب تَأْخِير التَّشَهُّد وَرفع لنفي إجزائها من دون الرَّكْعَة لِأَن قبل النّسخ مَا كَانَ يجوز الصَّلَاة من دون هَذِه الرَّكْعَة وَإِن كَانَت الرَّكْعَة لما نسخت وأوجبت علينا أَن تخلى الصَّلَاة مِنْهَا كَانَ قد ارْتَفع إِجْزَاء الصَّلَاة إِذا فعلناها مَعَ الرَّكْعَة المنسوخة وإجزاء الصَّلَاة مَعَ الرَّكْعَة قد كَانَ حكما شَرْعِيًّا فَجَاز أَن يكون رَفعه نسخا فَأَما التَّوَجُّه نَحْو الْقبْلَة فِي الصَّلَاة فَهُوَ هَيْئَة من هيئاتها لِأَن الْوَاجِب مِنْهُ مَا قَارن التَّكْبِيرَة وَمَا بعْدهَا دون مَا قبلهَا فنسخه لَا يكون نسخا للصَّلَاة وصفاتها وشروطها لِأَن الصَّلَاة

стр. 415

وَاجِبَة فِي كل مَكَان على الْبَدَل على مَا كَانَت عَلَيْهِ وَإِنَّمَا حرم التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَصَارَ التَّوَجُّه مَنْسُوخا وإجزاء الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس ووجوبها مرتفعا دون مَا سوى ذَلِك فَأَما نسخ صَوْم عَاشُورَاء فَهُوَ نسخ للصَّوْم لِأَنَّهُ لم يجب الصَّوْم إِلَّا فِي ذَلِك الْيَوْم نَفسه وَرفع وُجُوبه فِيهِ رفع لوُجُوبه على الْإِطْلَاق لِأَنَّهُ لم يبْق وَقت آخر كَانَ الصَّوْم وَاجِبا فِيهِ فَيبقى وُجُوبه فِيهِ وَيجْرِي مجْرى أَن يجب علينا صَلَاة فِي مَكَان مَخْصُوص ثمَّ يُقَال لنا لَا تصلوا فِيهِ فِي أَنه لَا يبْقى علينا صَلَاة وَاجِبَة وَكَذَلِكَ لَو قيل لنا لَا تصلوا فِي هَذَا الْيَوْم وصلوا فِي يَوْم آخر لكَانَتْ الصَّلَاة الأولى قد نسخت وَإِنَّمَا كوجه إِلَيْنَا إِيجَاب عبَادَة أُخْرَى بِأَمْر آخر فَكَذَلِك نسخ صَوْم عَاشُورَاء برمضان وَإِذا كَانَت جملَة الصَّوْم قد سَقَطت لم تبْق شُرُوطه وَلم يجب أَن تكون شُرُوط الصَّوْم الثَّانِي هِيَ شُرُوط الصَّوْم الْمَنْسُوخ لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع اخْتِلَاف الْعِبَادَات فِي الشُّرُوط واما قَول الشَّيْخ أبي الْحسن إِن النّسخ يتَنَاوَل الْوَقْت فَلَا يَصح ظَاهره لِأَن النّسخ يرفع أَحْكَام الْأَفْعَال دون الْأَوْقَات ﷺ َ - بَاب الطَّرِيق إِلَى معرفَة كَون الحكم مَنْسُوخا ﷺ َ - اعْلَم أَن الطَّرِيق إِلَى ذَلِك شَيْئَانِ احدهما لفظ النّسخ وَالْآخر التأريخ مَعَ التَّنَافِي أما لفظ النّسخ فقد يتَنَاوَل الْمَنْسُوخ وَقد يتَنَاوَل النَّاسِخ أما الأول فنحو أَن يَقُول النَّبِي ﷺ هَذِه الْعِبَادَة مَنْسُوخَة وَأما الثَّانِي فَكَمَا قيل إِن صَوْم شهر رَمَضَان نسخ صَوْم عَاشُورَاء وَأما التَّارِيخ مَعَ التَّنَافِي فَهُوَ أَن يتنافى الحكمان بَان يكون أَحدهمَا نفيا للْآخر أَو بِأَن يتضادا مِثَال التَّنَافِي قَول النَّبِي ﷺ كنت قد نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور أَلا فزوروها وَنَحْو قَوْله لَا وَصِيَّة لوَارث وَقَول الله ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا﴾

стр. 416

الْآيَة فَأَما قَوْله تَعَالَى ﴿أَأَشْفَقْتُم أَن تقدمُوا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صدقَات فَإذْ لم تَفعلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُم فأقيموا الصَّلَاة﴾ فَلَا يدل على نسخ تَقْدِيم الصَّدَقَة على مُنَاجَاة الرَّسُول لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّوْبَة علينا وَلَا فِي الْأَمر بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا يمْنَع من ذَلِك وَإِنَّمَا يعلم النّسخ من قصد النَّبِي ﷺ وَأما الحكمان الضدان فنحو أَن يُوجب الله سُبْحَانَهُ علينا الصَّلَاة فِي أَوْقَات مَخْصُوصَة فِي مَكَان مَخْصُوص ثمَّ يُوجب علينا فِي بعض تِلْكَ الْأَوْقَات صَلَاة فِي مَكَان آخر فَيكون أَحدهمَا نَاسِخا للْآخر وَالْأَحْكَام المتنافية إِمَّا أَن ترجع إِلَى مُكَلّف وَاحِد أَو إِلَى جمَاعَة والراجعة إِلَى جمَاعَة إِنَّمَا أَن ترجع إِلَيْهَا بِأَلْفَاظ الْعُمُوم وَإِنَّمَا يتم ذَلِك بالعمومين إِذا تَعَارضا وَعلم التأريخ فيهمَا فنعلم أَيهمَا هُوَ النَّاسِخ وَأيهمَا هُوَ الْمَنْسُوخ فَيجب بَيَان كلا الْأَمريْنِ أما التأريخ فقد يعلم بقول ينبىء بِنَفسِهِ عَن التَّقَدُّم وَقد يعلم باسناد أَحدهمَا إِلَى شَيْء مُتَقَدم وَهَذَا الثَّانِي ضروب مِنْهَا أَن يسند أَحدهمَا إِلَى زمَان مُتَقَدم فَيُقَال كَانَ فِي السّنة الْفُلَانِيَّة وَالْآخر فِي السّنة الْفُلَانِيَّة وَمِنْهَا أَن يسند كل وَاحِد من الْحَدِيثين إِلَى غزَاة سوى فِي الْغُزَاة الْأُخْرَى وَيعلم تقدم أَحدهمَا على الْأُخْرَى وَمِنْهَا أَن يسند أَحدهمَا إِلَى فعل مُتَقَدم وَمِنْهَا أَن يرْوى أَحدهمَا رجل تقدّمت رُؤْيَته للنَّبِي ﷺ على رُؤْيَة رَاوِي الْخَبَر الآخر وانقطعت رُؤْيَته للنَّبِي ﷺ لما رَوَاهُ الْخَبَر الآخر فَأَما إِذا كَانَت رُؤْيَته قد دَامَت إِلَى رُؤْيَة الرَّاوِي الآخر فَلَيْسَ يجب أَن تكون رِوَايَته مُتَقَدّمَة وَذكر قَاضِي القاضة أَن أحد الْخَبَرَيْنِ إِذا وَافق حكم الْعقل علمنَا أَنه الْمُتَقَدّم وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون ابْتِدَاء الشَّرِيعَة جَاءَت بِخِلَاف مَا فِي الأَصْل ثمَّ نسخ ذَلِك بِمَا يَقْتَضِيهِ الْعقل

стр. 417

وَأما الَّذِي يعلم بِهِ تقدم أَحدهمَا لفظا فضربان أَحدهمَا أَن يصدر من النَّبِي ﷺ لفظ يدل على ذَلِك كَقَوْلِه ﷺ كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور أَلا فزوروها وَالْآخر أَن يصدر ذَلِك من الصَّحَابِيّ وَذَلِكَ ضروب مِنْهَا أَن يَقُول الصَّحَابِيّ كَانَ هَذَا الْخَبَر مُتَقَدما على هَذَا الْخَبَر وَفِي السّنة الْفُلَانِيَّة وَلَا شُبْهَة فِي قبُول ذَلِك إِذا كَانَ الْمَنْسُوخ غير مَنْقُول بالتواتر فان كَانَ مَنْقُولًا بالتواتر قبل ايضا عِنْد قَاضِي الْقُضَاة وَإِن كَانَ خبر الْوَاحِد لَا ينْسَخ بِهِ حكم متواتر كَمَا أَن شَهَادَة الشَّاهِدين لَا يثبت بهَا الزِّنَا وَالْحَد وَيثبت الْإِحْصَان بِشَهَادَتِهِمَا وَإِن كَانَ الْحَد يتَعَلَّق بالإحصان فَلَا يمْتَنع أَن لَا يتَعَلَّق الحكم بالشَّيْء وَيتَعَلَّق بِسَبَب من أَسبَابه وَلقَائِل أَن يَقُول لَيْسَ كل شَيْء لم يمْتَنع فَهُوَ ثَابت لَا محَالة بل يحْتَاج ثُبُوته إِلَى دَلِيل زَائِد على كَونه غير مُمْتَنع فَأَما إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ كَانَ هَذَا الحكم ثمَّ نسخ نَحْو مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ فِي التَّشَهُّد التَّحِيَّات الزاكيات كَانَ ذَلِك مرّة ثمَّ نسخ وَيجوز أَن يَقُول هَذَا نسخ هَذَا كَقَوْلِهِم إِن خبر المَاء نسخ بالتقاء الختانين فانه يجوز أَن يكون قَالَ ذَلِك اجْتِهَادًا فَلَا يلْزمنَا وَحكى الشَّيْخ أَبُو عبد الله عَن الشَّيْخ أبي الْحسن أَن الرَّاوِي إِذا عين النَّاسِخ فَقَالَ هَذَا نسخ هَذَا جَازَ أَن يكون قَالَه اجْتِهَادًا فَلَا يجب الرُّجُوع إِلَيْهِ وَإِن لم يعين النَّاسِخ بل قَالَ هَذَا مَنْسُوخ قبل ذَلِك نَحْو قَول عبد الله فِي التَّشَهُّد كَانَ ذَلِك مرّة ثمَّ نسخ قَالَ لِأَنَّهُ لَوْلَا ظُهُور ذَلِك مَا أطلق النّسخ إطلاقا وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه يجوز أَن يظْهر ذَلِك عِنْده من جِهَة الِاسْتِدْلَال فَلذَلِك أطلقهُ اطلاقا وَيلْزمهُ أَن يرجع إِلَى قَوْله وَإِن عين النَّاسِخ لِأَنَّهُ لَوْلَا ظُهُور كَون الْخَبَر نَاسِخا مَا أطلق ذَلِك إطلاقا ﷺ َ - بَاب فِي العمومين إِذا تَعَارضا ﷺ َ - اعْلَم أَن العمومين إِذا تَعَارضا لم يخل إِمَّا أَن يتعارضا من كل وَجه أَو من

стр. 418

وَجه دون وَجه فان تَعَارضا من كل وَجه فمثاله أَن يكون أَحدهمَا بِنَفْي الحكم عَن كل مَا يثبت الآخر الحكم فِيهِ على ذَلِك الْحَد فِي ذَلِك الْوَقْت أَو يثبت أَحدهمَا ضد مَا يُثبتهُ الآخر من الحكم وَلَا يَخْلُو العمومان المتعارضان من كل وَجه إِمَّا أَن يَكُونَا معلومين أَو مظنونين أَو يكون أَحدهمَا مَعْلُوما وَالْآخر مظنونا فان كَانَا معلومين لم يخل إِمَّا أَن يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر أَو يعلم اقتران أَحدهمَا بِالْآخرِ أَو لَا يعلم شَيْء من ذَلِك فان علم تقدم أَحدهمَا الآخر نسخ الْمُتَأَخر الْمُتَقَدّم وَإِن لم يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر وَلَا أَنَّهُمَا وردا مَعًا فَالْوَجْه أَن يرجع إِلَى غَيرهمَا لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا هُوَ الْمُتَأَخر فَيكون نَاسِخا وَإِن علم أَنَّهُمَا وردا مَعًا وَأمكن التَّعَبُّد بالتخيير فيهمَا كَانَ التَّعَبُّد فيهمَا بالتخيير فَيكون الْمُكَلف مُخَيّرا بَين الْعَمَل وَبِهَذَا الْخَبَر أَو بِهَذَا كالتخيير بَين الْكَفَّارَات لِأَنَّهُ إِذا تعذر الْجمع لم يبْق إِلَّا التَّخْيِير وَسَيَجِيءُ القَوْل فِي جَوَاز التَّعَبُّد بالتخيير عِنْد تعَارض الْأَدِلَّة والأمارات وَلَا يجوز أَن يرجح أَحدهمَا على الآخر بِمَا يرجع إِسْنَاده أَو طَرِيق الْعلم كَشَهَادَة الْأمة لَهُ بِالصِّحَّةِ وَلَا بِمَا يرجع مَا تضمنه أَحدهمَا من كَونه مَحْظُورًا أَو حكما شَرْعِيًّا إِلَى غير ذَلِك لِأَن التَّرْجِيح بِكَثْرَة الروَاة وَغَيرهَا مِمَّا ذَكرْنَاهُ يُؤثر فِي قُوَّة الظَّن فاذا كَانَ كل وَاحِد من الْخَبَرَيْنِ مَعْلُوما غير مظنون لم يكن هُنَاكَ ظن يقويه التَّرْجِيح فان قيل هلا قُلْتُمْ إِن الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد عِنْد تعَارض العمومين المعلومين ثمَّ رجحتم الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا لأمر يرجع إِلَى كَون مَا تضمنه مَحْظُورًا أَو حكما شَرْعِيًّا قيل إِنَّا إِن فعلنَا ذَلِك كُنَّا قد أسقطنا الْخَبَر الآخر مَعَ مُسَاوَاة الآخر لَهُ فِي وُقُوع الْعلم بِصِحَّتِهِ وَلَوْلَا مَا ذكرنَا لم يثبت النّسخ بَين كثير من الْأَلْفَاظ لِأَن كل لفظين تضمنا حكمين متنافيين فانه يُمكن أَن يرجح أَحدهمَا على الآخر فِي أَكثر الْأَمر وَإِن تَأَخّر أَحدهمَا عَن صَاحبه فاما إِذا كَانَ أَحدهمَا مَعْلُوما وَالْآخر مظنونا فانه إِمَّا أَن ينْقل تقدم أَحدهمَا على صَاحبه أَو

стр. 419

لَا ينْقل ذَلِك فان نقل ذَلِك وَكَانَ الْمَعْلُوم مِنْهُمَا هُوَ الْمُتَأَخر كَانَ نَاسِخا للْآخر وَإِن كَانَ المظنون مِنْهُمَا هُوَ الْمُتَأَخر لم ينْسَخ الْمَعْلُوم وَوَجَب الْعَمَل بالمعلوم مِنْهُمَا وَإِن لم ينْقل تقدم أَحدهمَا على صَاحبه وَجب الْعَمَل بالمعلوم مِنْهُمَا لإنه إِن كَانَ الْمَعْلُوم هُوَ الْمُتَقَدّم للمظنون لم يجز أَن ينسخه المظنون وَإِن كَانَ الْمَعْلُوم مُتَأَخِّرًا عَن المظنون فالمعلوم هُوَ النَّاسِخ فَفِي كلا الْحَالين يجب الْعَمَل بالمعلوم فان قيل فجوزوا أَن يَكُونَا وردا مَعًا فَيكون التَّعَبُّد فيهمَا التَّخْيِير قيل هَذَا إِن جوزناه فانه لَا يمْنَع من الرُّجُوع إِلَى الْمَعْلُوم وَحده لأَنا نرجحه بِكَوْنِهِ مَعْلُوما وَأما إِن كَانَا مظنونين فَإِنَّهُ إِن نقل تقدم أَحدهمَا فَالْأول مِنْهُمَا مَنْسُوخ بِالثَّانِي وَإِن نقل أَنَّهُمَا وردا مَعًا رجح بَينهمَا وَعمل على الْأَقْوَى مِنْهُمَا فَإِن تَسَاويا فالتعبد فيهمَا بالتخيير وَكَذَلِكَ إِن لم ينْقل تقدم أَحدهمَا على الآخر وَلَا مقارنته لَهُ أَنه يرجح بَينهمَا وَيعْمل على الْأَقْوَى مِنْهُمَا أَو يكون الْإِنْسَان مُخَيّرا إِن تَسَاويا عِنْد الْمُجْتَهد فَأَما إِذا كَانَ كل وَاحِد من العمومين عَاما من وَجه خَاصّا من وَجه فنحو قَول النَّبِي ﷺ من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا وَنَهْيه ﷺ عَن الصَّلَاة عِنْد قيام الظهيرة وَبعد صَلَاة الْعَصْر وَعند طُلُوع الشَّمْس لِأَن الْخَبَر الأول عَام فِي الْأَوْقَات خَاص فِي الْقَضَاء وَالْخَبَر الثَّانِي خَاص فِي الْأَوْقَات عَام فِي الْقُضَاة وَفِي غَيره من الصَّلَوَات الَّتِي لَا أَسبَاب لَهَا وكل وَاحِد مِنْهُمَا عَام فِيمَا الآخر خَاص فِيهِ وَلَيْسَ يَخْلُو مثل هذَيْن العمومين إِمَّا أَن يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر أَو لَا يعلم ذَلِك فَإِن لم يعلم ذَلِك لم يخل إِمَّا أَن يَكُونَا معلومين أَو مظنونين أَو أَحدهمَا مَعْلُوما وَالْآخر مظنونا فان كَانَا معلومين لم يجز تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر بِقُوَّة الْإِسْنَاد وَيجوز تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر بذلك إِن كَانَا مظنونين وَإِن كَانَ أَحدهمَا مَعْلُوما وَالْآخر مظنونا جَازَ تَرْجِيح الْمَعْلُوم مِنْهُمَا عِنْد التَّعَارُض بِكَوْنِهِ مَعْلُوما فَأَما التَّرْجِيح بِمَا تضمنه أَحدهمَا من كَونه مَحْظُورًا أَو حكما شَرْعِيًّا فانه يجوز ذَلِك سَوَاء كَانَا معلومين أَو مظنونين أَو أَحدهمَا مَعْلُوما وَالْآخر مظنونا لِأَن الحكم بِأَحَدِهِمَا طَريقَة الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ فِي

стр. 420

تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر إطراح الآخر وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا تَعَارضا من كل وَجه فَإِن لم يتَرَجَّح أَحدهمَا على الآخر فالتعبد فيهمَا بالتخيير وَقد رجح بَعضهم التَّعَلُّق بقول الله تَعَالَى ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف﴾ على التَّعَلُّق بقوله ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ من حَيْثُ كَانَ قَوْله وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ أخص بِموضع الْخلاف وَهُوَ الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن مَوضِع الْخلاف هُوَ الْجمع بَين أُخْتَيْنِ مملوكتين فان كَانَت الْآيَة الأولى أخص بِالْخِلَافِ لِأَن فِيهَا ذكر الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ فَيجب أَن تكون الْآيَة الثَّانِيَة أخص بِالْخِلَافِ لِأَن فِيهَا ذكر المماليك وَيُمكن أَن يُجَاب عَن ذَلِك فَيُقَال إِن الْآيَة الأولى فِيهَا ذكر مَسْأَلَة الْخلاف أَكثر مِمَّا فِي الْآيَة الثَّانِيَة لِأَن فِيهَا ذكر الْجمع وَذكر الْأُخْتَيْنِ وَفِي الْآيَة الثَّانِيَة ذكر المملوكات فَقَط فَلهَذَا كَانَت الأولى أخص بِموضع الْخلاف وَأَشد تعلقا بِهِ فَأَما إِن علم تقدم أَحدهمَا على صَاحبه وَكَانَا معلومين أَو مظنونين أَو كَانَ الْمُتَقَدّم مِنْهُمَا مظنونا وَالْآخر مَعْلُوما فان الْمُتَأَخر مِنْهُمَا يجب أَن ينْسَخ الْمُتَقَدّم على قَول من قَالَ إِن الْعَام ينْسَخ الْخَاص الْمُتَقَدّم وَهَكَذَا يَجِيء على قَوْلهم لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عِنْدهم أَن الْعَام الْمُتَأَخر ينْسَخ الْخَاص الْمُتَقَدّم مَا لم يثبت كَونه أَعم من اللَّفْظ الْمُتَقَدّم أولى بِأَن يكون نَاسِخا وَإِن كَانَ الْمُتَقَدّم مَعْلُوما والمتأخر مظنونا لم يجز عِنْدهم أَن ينْسَخ الثَّانِي الأول وَوَجَب الرُّجُوع فيهمَا إِلَى التَّرْجِيح لِأَن المظنون لَا ينْسَخ الْمَعْلُوم وَإِذا لم يجز أَن يكون الثَّانِي مِنْهُمَا نَاسِخا وَأمكن اسْتِعْمَاله مَعَ التَّرْجِيح وَجب الرُّجُوع إِلَى التَّرْجِيح فَأَما من يَقُول إِن الْعَام الْمُتَأَخر يبْنى على الْخَاص الْمُتَأَخر وَأَن الْخَاص الْمُتَأَخر يخرج بعض مَا دخل تَحت الْعَام الْمُتَقَدّم فَالَّذِي يَجِيء على مذْهبه أَن لَا يفرق بَين أَن يَكُونَا معلومين أَو

стр. 421

مظنونين أَو أَحدهمَا مَعْلُوما وَالْآخر مظنونا فِي اسْتِعْمَال التَّرْجِيح وَترك النّسخ بِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ يتَخَلَّص كَون الْمُتَأَخر أخص من الْمُتَقَدّم فَيخرج من الْمُتَقَدّم مَا دخل تَحت الْمُتَأَخر وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 422

الْكَلَام فِي الْإِجْمَاع ﷺ َ - بَاب فِي فُصُول الْإِجْمَاع ﷺ َ - اعْلَم أَن الْغَرَض بذلك هُوَ القَوْل فِي أَن الْإِجْمَاع حجَّة وَلما كَانَ الْإِجْمَاع هُوَ اتِّفَاق من جمَاعَة على أَمر من الْأُمُور إِمَّا فعل أَو ترك وَجَاز أَن يلْحق اتِّفَاقهم اشْتِبَاه فَيخرج مِنْهُ مَا هُوَ مِنْهُ وَيجْعَل مِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَجَاز أَن يكون الِاتِّفَاق حجَّة بِشَرْط وَجَاز أَن يُعَارض قَوْلهم حجَّة أُخْرَى وَوَجَب أَن يكون لَهُم طَرِيق إِلَى مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ أَو يكون لنا طَرِيق إِلَى مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَجب أَن نتكلم فِي كل ذَلِك فندل على أَن الْإِجْمَاع حجَّة ثمَّ فِي الِاتِّفَاق بِمَاذَا يَقع هَل هَذَا بالْقَوْل أَو بِالْفِعْلِ أَو بِالرِّضَا والاعتقاد ثمَّ نتكلم فِي المتفقين فنبين من يعْتَبر قَوْله فِي الْإِجْمَاع وَمن لَا يعْتَبر فِيهِ وَيدخل فِي كلا الْقسمَيْنِ أَبْوَاب وَهِي أَنه لَا يعْتَبر فِي الْإِجْمَاع بِكُل من بعث النَّبِي ﷺ وَلَا بِجَمِيعِ الْمُكَلّفين إِلَى حد التَّكْلِيف وَلَا بالعامة فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد وَيعْتَبر بِأَهْل الْأَعْصَار والامصار وبالمجتهد وَإِن لم يشْتَهر بالفتوى وبالتابعي الْحَدث المعاصر للصحابة وبالواحد من أهل الْعَصْر فَلَا ينْعَقد الْإِجْمَاع دونه ثمَّ نتكلم فِيمَا يتفقون عَلَيْهِ فنبين مَا الَّذِي يكون اتِّفَاقهم فِيهِ حجَّة وَمَا الَّذِي لَا يكون اتِّفَاقهم فِيهِ حجَّة ويشتمل ذَلِك على أَبْوَاب وَهِي أَنه لَا يكون إِجْمَاعهم حجَّة فِيمَا لَا يعلم صِحَة الِاجْتِمَاع إِلَّا بعد الْعلم بِصِحَّتِهِ فَيكون حجَّة فِي إِزَالَة الْخلاف الْمُتَقَدّم وَهل يكون حجَّة فِي أُمُور الدُّنْيَا وَهل يكون حجَّة وَإِن كَانَ سَبَب اجْتِمَاعهم اجْتِهَاد آرائهم فاذا عرفنَا

стр. 423

بِهَذِهِ الْفُصُول الِاتِّفَاق والمتفقين وَمَا يكون الِاتِّفَاق حجَّة فِيهِ تكلمنا فِي شَرط كَونه حجَّة ثمَّ نتكلم فِيمَا أخرج من الْإِجْمَاع وَفِيمَا ألحق بِهِ وَيدخل فِي ذَلِك فُصُول وَهِي هَل اخْتِلَاف الْأمة فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ هُوَ اتِّفَاق على الْمَنْع مِمَّا عداهما وَهل اتِّفَاقهم على الِاسْتِدْلَال بِدَلِيل أَو اعتلال بتعليل أَو تَأْوِيل هُوَ اتِّفَاق على الْمَنْع مِمَّا عدا ذَلِك وَهل اتِّفَاقهم على أَن لَا فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ اتِّفَاق على الْمَنْع بَينهمَا وَهل اخْتلَافهمْ فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ هُوَ اتِّفَاق على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا على كل حَال أم لَا وَبعد ذَلِك نتكلم فِيمَا يُعَارض الْإِجْمَاع ثمَّ فِي طَرِيق المجتمعين إِلَى مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ ويشتمل ذَلِك على أَنه لَا بُد من أَن يتفقوا على طَرِيق وَهل ذَلِك الطَّرِيق الِاجْتِهَاد أم لَا وَكَيف الْحَال فيهم إِذا اتَّفقُوا على مُوجب خبر الْوَاحِد ثمَّ نتكلم فِي طريقنا إِلَى اتِّفَاقهم وَيدخل فِي ذَلِك انْقِرَاض أهل الْعَصْر هَل هُوَ طَرِيق إِلَى اتِّفَاقهم وَهل عدم الْمُخَالف لِلْقَوْلِ الَّذِي لم ينتشر طَرِيق إِلَى الِاتِّفَاق عَلَيْهِ ﷺ َ - بَاب فِي الدّلَالَة على أَن الْإِجْمَاع حجَّة ﷺ َ - اعْلَم أَن إِجْمَاع أهل كل عصر من الْأمة صَوَاب وَحجَّة وَقَالَ النظام لَيْسَ ذَلِك حجَّة وَقَالَت الإمامية ذَلِك صَوَاب لِأَن الإِمَام دَاخل فيهم وَهُوَ الْحجَّة فَقَط وَدَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ وَالْوسط من كل شَيْء خِيَاره والحكيم لَا يخبر بخيرية قوم ليشهدوا وَهُوَ عَالم بِأَنَّهُم كلهم يقدمُونَ على كَبِيرَة فِي تِلْكَ الْحَال فِيمَا يشْهدُونَ بِهِ بل لَا يجوز ذَلِك إِذا علم أَنهم يقدمُونَ فِيمَا يشْهدُونَ بِهِ على قَبِيح صَغِير أَو كَبِير فصح أَن مَا شهدُوا بِهِ أَنه من الدّين فَهُوَ صَوَاب

стр. 424

إِن قيل المُرَاد بذلك أَن يشْهدُوا بذلك فِي الْآخِرَة على الامم السالفة أَن أنبياءهم بلغت إِلَيْهِم الرسَالَة وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَونهم دولا فِي حَال مَا يشْهدُونَ دون حَال الدُّنْيَا وَالْجَوَاب أَنه لَو كَانَ هَذَا هُوَ المُرَاد لقَالَ سنجعلكم أمة وسطا وَأَيْضًا فانهم إِن شهدُوا بتبليغ الرُّسُل إِلَى الامم قبلهم والامم قد شاهدت ذَلِك فعلمهم بذلك أقوى من علم هَذِه الْأمة فَلم يجز أَن يستشهد الْأَنْبِيَاء بِمن علمه أَضْعَف وَأَيْضًا فَجَمِيع الامم عدُول فِي الْآخِرَة على معنى أَنهم لَا يَفْعَلُونَ الْقَبِيح فَلَا معنى لتخصيص هَذِه الْأمة بِالْعَدَالَةِ لَو كَانَ المُرَاد بِهِ الْآخِرَة إِن قيل قَوْله ﴿ليشهدوا﴾ لَيْسَ فِيهِ لفظ عُمُوم فَيَقْضِي أَن يشْهدُوا بِجَمِيعِ أَنْوَاع الشَّهَادَات فَمَا يؤمنكم أَن يكون المُرَاد بذلك ليشهدوا على من بعدهمْ بِإِيجَاب النَّبِي ﷺ الْعِبَادَات عَلَيْهِم قيل لَو كَانَ المُرَاد ذَلِك لم يُؤثر فِيمَا ذَكرْنَاهُ من أَن وَصفهم بِالْعَدَالَةِ يمْنَع من كَونهم مقدمين على كَبِيرَة وعَلى أَنه إِن أُرِيد بذلك إخبارهم من جِهَة التَّوَاتُر فَلَا معنى لجعلهم عُدُولًا لهَذَا الْغَرَض لِأَن بِخَبَر مثلهم يَقع الْعلم إِذا نقلوا بأجمعهم وَإِن لم يَكُونُوا عُدُولًا وَإِن أُرِيد بذلك أَنه جعلهم عُدُولًا ليخبرونا بالآحاد فَذَلِك غير مَوْجُود فِي كل وَاحِد مِنْهُم لِأَنَّهُ لَيْسَ كل وَاحِد من الْأمة عدلا إِذا انْفَرد فان قيل المُرَاد أَن أَكْثَرهم عدل قيل الظَّاهِر من قَوْله جَعَلْنَاكُمْ من وَجه بِالْخِطَابِ إِلَيْهِم وهم أهل الْعَصْر فَيجب أَن يَكُونُوا بأجمعهم عُدُولًا فِي تِلْكَ الْحَال وَفِي الشَّيْء الَّذِي أَجمعُوا عَلَيْهِ ودانوا بِهِ وَلَو ثَبت أَن أَكْثَرهم لَا يواقعون كَبِيرَة صَحَّ أَن الْإِجْمَاع حجَّة لِأَنَّهُ إِن كَانَ كثير من الْأمة لَا يواقعون كَبِيرَة أصلا فقد تحققنا أَنه إِذا اتّفقت الامة كلهَا أَن مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ لَيْسَ بكبير لدُخُول أُولَئِكَ فِي الْجُمْلَة إِن قيل المُرَاد بذلك أَنه جعل أَكْثَرهم عُدُولًا فِي الظَّاهِر لَا فِي الْحَقِيقَة

стр. 425

ليشهدوا من جِهَة الْخَبَر قيل الظَّاهِر من قَوْله ﴿جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ أَنهم كَذَلِك على الْحَقِيقَة لِأَن الْخَبَر يَقْتَضِي كَون الْمخبر على مَا تنَاوله كَمَا لَو أخبر أَنه جعلهم بيضًا أَو سُودًا فان قيل إِن كَانَ المُرَاد بالأمة جَمِيع من صدق بِالنَّبِيِّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لم يثبت مَعَ ذَلِك كَون الْإِجْمَاع حجَّة فان أُرِيد من كَانَ مَوْجُودا حِين نزلت الْآيَة لم يَصح أَن يتعلقوا بِالْإِجْمَاع فِي شَيْء إِلَّا أَن يعلمُوا أَن جَمِيع من كَانَ حَاضرا حِين نزلت الْآيَة قَالَ بذلك القَوْل قيل أما الْقسم الأول فَلَا يَصح لِأَن جَمِيع من صدق بِالنَّبِيِّ إِلَى قيام السَّاعَة لَا يجوز أَن يشْهدُوا بِلُزُوم الْعِبَادَات على غَيرهم لِأَنَّهُ لَيْسَ غَيرهم مُكَلّف بعد تِلْكَ الْحَال وَلَا يجوز الْقسم الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا سَبِيل لنا إِلَى الْعلم بِهِ وَقد أَمرهم الله تَعَالَى أَن يشْهدُوا وَذَلِكَ يَقْتَضِي وجوب الْقبُول علينا وَلَا يجوز أَن يقف وجوب قبولنا مِنْهُم على مَا لَا سَبِيل لنا إِلَى الْعلم بِهِ وَأَيْضًا فان الشَّهَادَة علينا إِنَّمَا تكون بعد حدوثنا وَمَوْت النَّبِي ﵇ وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون المُرَاد بالأمة عصر الصَّحَابَة بعد وَفَاة النَّبِي ﵇ دَلِيل آخر قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ يدل على أَنهم ينهون عَن كل مُنكر لِأَن لَام الْجِنْس يسْتَغْرق الْجِنْس فَلَو أَجمعُوا على مَذْهَب مُنكر لما نهوا عَنهُ بل كَانُوا أمروا بِهِ إِن قيل قَوْله ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ يَقْتَضِي تقدم كَونهم خير أمة وَلَيْسَ فِي الْآيَة دَلِيل على أَنهم يستديمون هَذِه الْحَال وَالْجَوَاب أَنه قد قيل إِنَّه يحْتَمل أَن يكون كَانَ هَا هُنَا هِيَ الزمانية وَيحْتَمل أَن تكون زَائِدَة وَإِن أَفَادَ لَفظهَا نصب قَوْله ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ وَيحْتَمل أَن تكون كَانَ هَا هُنَا تَامَّة بِمَعْنى وجدْتُم وَيكون
следующие страницы →