← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6319

المعتمد في أصول الفقه

أبو الحسين البصري المعتزلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مظنونين أَو أَحدهمَا مَعْلُوما وَالْآخر مظنونا فِي اسْتِعْمَال التَّرْجِيح وَترك النّسخ بِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ يتَخَلَّص كَون الْمُتَأَخر أخص من الْمُتَقَدّم فَيخرج من الْمُتَقَدّم مَا دخل تَحت الْمُتَأَخر وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 422

الْكَلَام فِي الْإِجْمَاع ﷺ َ - بَاب فِي فُصُول الْإِجْمَاع ﷺ َ - اعْلَم أَن الْغَرَض بذلك هُوَ القَوْل فِي أَن الْإِجْمَاع حجَّة وَلما كَانَ الْإِجْمَاع هُوَ اتِّفَاق من جمَاعَة على أَمر من الْأُمُور إِمَّا فعل أَو ترك وَجَاز أَن يلْحق اتِّفَاقهم اشْتِبَاه فَيخرج مِنْهُ مَا هُوَ مِنْهُ وَيجْعَل مِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَجَاز أَن يكون الِاتِّفَاق حجَّة بِشَرْط وَجَاز أَن يُعَارض قَوْلهم حجَّة أُخْرَى وَوَجَب أَن يكون لَهُم طَرِيق إِلَى مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ أَو يكون لنا طَرِيق إِلَى مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَجب أَن نتكلم فِي كل ذَلِك فندل على أَن الْإِجْمَاع حجَّة ثمَّ فِي الِاتِّفَاق بِمَاذَا يَقع هَل هَذَا بالْقَوْل أَو بِالْفِعْلِ أَو بِالرِّضَا والاعتقاد ثمَّ نتكلم فِي المتفقين فنبين من يعْتَبر قَوْله فِي الْإِجْمَاع وَمن لَا يعْتَبر فِيهِ وَيدخل فِي كلا الْقسمَيْنِ أَبْوَاب وَهِي أَنه لَا يعْتَبر فِي الْإِجْمَاع بِكُل من بعث النَّبِي ﷺ وَلَا بِجَمِيعِ الْمُكَلّفين إِلَى حد التَّكْلِيف وَلَا بالعامة فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد وَيعْتَبر بِأَهْل الْأَعْصَار والامصار وبالمجتهد وَإِن لم يشْتَهر بالفتوى وبالتابعي الْحَدث المعاصر للصحابة وبالواحد من أهل الْعَصْر فَلَا ينْعَقد الْإِجْمَاع دونه ثمَّ نتكلم فِيمَا يتفقون عَلَيْهِ فنبين مَا الَّذِي يكون اتِّفَاقهم فِيهِ حجَّة وَمَا الَّذِي لَا يكون اتِّفَاقهم فِيهِ حجَّة ويشتمل ذَلِك على أَبْوَاب وَهِي أَنه لَا يكون إِجْمَاعهم حجَّة فِيمَا لَا يعلم صِحَة الِاجْتِمَاع إِلَّا بعد الْعلم بِصِحَّتِهِ فَيكون حجَّة فِي إِزَالَة الْخلاف الْمُتَقَدّم وَهل يكون حجَّة فِي أُمُور الدُّنْيَا وَهل يكون حجَّة وَإِن كَانَ سَبَب اجْتِمَاعهم اجْتِهَاد آرائهم فاذا عرفنَا

стр. 423

بِهَذِهِ الْفُصُول الِاتِّفَاق والمتفقين وَمَا يكون الِاتِّفَاق حجَّة فِيهِ تكلمنا فِي شَرط كَونه حجَّة ثمَّ نتكلم فِيمَا أخرج من الْإِجْمَاع وَفِيمَا ألحق بِهِ وَيدخل فِي ذَلِك فُصُول وَهِي هَل اخْتِلَاف الْأمة فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ هُوَ اتِّفَاق على الْمَنْع مِمَّا عداهما وَهل اتِّفَاقهم على الِاسْتِدْلَال بِدَلِيل أَو اعتلال بتعليل أَو تَأْوِيل هُوَ اتِّفَاق على الْمَنْع مِمَّا عدا ذَلِك وَهل اتِّفَاقهم على أَن لَا فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ اتِّفَاق على الْمَنْع بَينهمَا وَهل اخْتلَافهمْ فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ هُوَ اتِّفَاق على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا على كل حَال أم لَا وَبعد ذَلِك نتكلم فِيمَا يُعَارض الْإِجْمَاع ثمَّ فِي طَرِيق المجتمعين إِلَى مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ ويشتمل ذَلِك على أَنه لَا بُد من أَن يتفقوا على طَرِيق وَهل ذَلِك الطَّرِيق الِاجْتِهَاد أم لَا وَكَيف الْحَال فيهم إِذا اتَّفقُوا على مُوجب خبر الْوَاحِد ثمَّ نتكلم فِي طريقنا إِلَى اتِّفَاقهم وَيدخل فِي ذَلِك انْقِرَاض أهل الْعَصْر هَل هُوَ طَرِيق إِلَى اتِّفَاقهم وَهل عدم الْمُخَالف لِلْقَوْلِ الَّذِي لم ينتشر طَرِيق إِلَى الِاتِّفَاق عَلَيْهِ ﷺ َ - بَاب فِي الدّلَالَة على أَن الْإِجْمَاع حجَّة ﷺ َ - اعْلَم أَن إِجْمَاع أهل كل عصر من الْأمة صَوَاب وَحجَّة وَقَالَ النظام لَيْسَ ذَلِك حجَّة وَقَالَت الإمامية ذَلِك صَوَاب لِأَن الإِمَام دَاخل فيهم وَهُوَ الْحجَّة فَقَط وَدَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ وَالْوسط من كل شَيْء خِيَاره والحكيم لَا يخبر بخيرية قوم ليشهدوا وَهُوَ عَالم بِأَنَّهُم كلهم يقدمُونَ على كَبِيرَة فِي تِلْكَ الْحَال فِيمَا يشْهدُونَ بِهِ بل لَا يجوز ذَلِك إِذا علم أَنهم يقدمُونَ فِيمَا يشْهدُونَ بِهِ على قَبِيح صَغِير أَو كَبِير فصح أَن مَا شهدُوا بِهِ أَنه من الدّين فَهُوَ صَوَاب

стр. 424

إِن قيل المُرَاد بذلك أَن يشْهدُوا بذلك فِي الْآخِرَة على الامم السالفة أَن أنبياءهم بلغت إِلَيْهِم الرسَالَة وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَونهم دولا فِي حَال مَا يشْهدُونَ دون حَال الدُّنْيَا وَالْجَوَاب أَنه لَو كَانَ هَذَا هُوَ المُرَاد لقَالَ سنجعلكم أمة وسطا وَأَيْضًا فانهم إِن شهدُوا بتبليغ الرُّسُل إِلَى الامم قبلهم والامم قد شاهدت ذَلِك فعلمهم بذلك أقوى من علم هَذِه الْأمة فَلم يجز أَن يستشهد الْأَنْبِيَاء بِمن علمه أَضْعَف وَأَيْضًا فَجَمِيع الامم عدُول فِي الْآخِرَة على معنى أَنهم لَا يَفْعَلُونَ الْقَبِيح فَلَا معنى لتخصيص هَذِه الْأمة بِالْعَدَالَةِ لَو كَانَ المُرَاد بِهِ الْآخِرَة إِن قيل قَوْله ﴿ليشهدوا﴾ لَيْسَ فِيهِ لفظ عُمُوم فَيَقْضِي أَن يشْهدُوا بِجَمِيعِ أَنْوَاع الشَّهَادَات فَمَا يؤمنكم أَن يكون المُرَاد بذلك ليشهدوا على من بعدهمْ بِإِيجَاب النَّبِي ﷺ الْعِبَادَات عَلَيْهِم قيل لَو كَانَ المُرَاد ذَلِك لم يُؤثر فِيمَا ذَكرْنَاهُ من أَن وَصفهم بِالْعَدَالَةِ يمْنَع من كَونهم مقدمين على كَبِيرَة وعَلى أَنه إِن أُرِيد بذلك إخبارهم من جِهَة التَّوَاتُر فَلَا معنى لجعلهم عُدُولًا لهَذَا الْغَرَض لِأَن بِخَبَر مثلهم يَقع الْعلم إِذا نقلوا بأجمعهم وَإِن لم يَكُونُوا عُدُولًا وَإِن أُرِيد بذلك أَنه جعلهم عُدُولًا ليخبرونا بالآحاد فَذَلِك غير مَوْجُود فِي كل وَاحِد مِنْهُم لِأَنَّهُ لَيْسَ كل وَاحِد من الْأمة عدلا إِذا انْفَرد فان قيل المُرَاد أَن أَكْثَرهم عدل قيل الظَّاهِر من قَوْله جَعَلْنَاكُمْ من وَجه بِالْخِطَابِ إِلَيْهِم وهم أهل الْعَصْر فَيجب أَن يَكُونُوا بأجمعهم عُدُولًا فِي تِلْكَ الْحَال وَفِي الشَّيْء الَّذِي أَجمعُوا عَلَيْهِ ودانوا بِهِ وَلَو ثَبت أَن أَكْثَرهم لَا يواقعون كَبِيرَة صَحَّ أَن الْإِجْمَاع حجَّة لِأَنَّهُ إِن كَانَ كثير من الْأمة لَا يواقعون كَبِيرَة أصلا فقد تحققنا أَنه إِذا اتّفقت الامة كلهَا أَن مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ لَيْسَ بكبير لدُخُول أُولَئِكَ فِي الْجُمْلَة إِن قيل المُرَاد بذلك أَنه جعل أَكْثَرهم عُدُولًا فِي الظَّاهِر لَا فِي الْحَقِيقَة

стр. 425

ليشهدوا من جِهَة الْخَبَر قيل الظَّاهِر من قَوْله ﴿جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ أَنهم كَذَلِك على الْحَقِيقَة لِأَن الْخَبَر يَقْتَضِي كَون الْمخبر على مَا تنَاوله كَمَا لَو أخبر أَنه جعلهم بيضًا أَو سُودًا فان قيل إِن كَانَ المُرَاد بالأمة جَمِيع من صدق بِالنَّبِيِّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لم يثبت مَعَ ذَلِك كَون الْإِجْمَاع حجَّة فان أُرِيد من كَانَ مَوْجُودا حِين نزلت الْآيَة لم يَصح أَن يتعلقوا بِالْإِجْمَاع فِي شَيْء إِلَّا أَن يعلمُوا أَن جَمِيع من كَانَ حَاضرا حِين نزلت الْآيَة قَالَ بذلك القَوْل قيل أما الْقسم الأول فَلَا يَصح لِأَن جَمِيع من صدق بِالنَّبِيِّ إِلَى قيام السَّاعَة لَا يجوز أَن يشْهدُوا بِلُزُوم الْعِبَادَات على غَيرهم لِأَنَّهُ لَيْسَ غَيرهم مُكَلّف بعد تِلْكَ الْحَال وَلَا يجوز الْقسم الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا سَبِيل لنا إِلَى الْعلم بِهِ وَقد أَمرهم الله تَعَالَى أَن يشْهدُوا وَذَلِكَ يَقْتَضِي وجوب الْقبُول علينا وَلَا يجوز أَن يقف وجوب قبولنا مِنْهُم على مَا لَا سَبِيل لنا إِلَى الْعلم بِهِ وَأَيْضًا فان الشَّهَادَة علينا إِنَّمَا تكون بعد حدوثنا وَمَوْت النَّبِي ﵇ وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون المُرَاد بالأمة عصر الصَّحَابَة بعد وَفَاة النَّبِي ﵇ دَلِيل آخر قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ يدل على أَنهم ينهون عَن كل مُنكر لِأَن لَام الْجِنْس يسْتَغْرق الْجِنْس فَلَو أَجمعُوا على مَذْهَب مُنكر لما نهوا عَنهُ بل كَانُوا أمروا بِهِ إِن قيل قَوْله ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ يَقْتَضِي تقدم كَونهم خير أمة وَلَيْسَ فِي الْآيَة دَلِيل على أَنهم يستديمون هَذِه الْحَال وَالْجَوَاب أَنه قد قيل إِنَّه يحْتَمل أَن يكون كَانَ هَا هُنَا هِيَ الزمانية وَيحْتَمل أَن تكون زَائِدَة وَإِن أَفَادَ لَفظهَا نصب قَوْله ﴿كُنْتُم خير أمة﴾ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ وَيحْتَمل أَن تكون كَانَ هَا هُنَا تَامَّة بِمَعْنى وجدْتُم وَيكون

стр. 426

قَوْله خير أمة نصب على الْحَال وَأي هَذِه الْوُجُوه ثَبت لم يضرنا لِأَن قَوْله ﴿خير أمة﴾ إِن أَفَادَ تقدم كَونهم كَذَلِك فَقَوله ﴿تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ يَقْتَضِي كَونهم كَذَلِك فِي كل حَال وَمَا ينهون عَن كل مُنكر لأَنهم لَو كَانُوا ينهون عَن بعض الْمُنْكَرَات ويأمرون بِبَعْض وَينْهَوْنَ عَن ذَلِك فِي بعض حالاتهم دون بعض لما كَانُوا خير أمة أخرجت للنَّاس لِأَن الامم السالفة قد نهوا عَن كثير من الْمُنكر وَأمرُوا بِكَثِير من الْمَعْرُوف فِي بعض الْحَالَات دون بعض أَلا ترى أَنهم أمروا بِالتَّوْحِيدِ ونهوا عَن الْإِلْحَاد وَأمرُوا بنبوة أَنْبِيَائهمْ ونهوا عَن تكذيبهم فَوَجَبَ حمل الْآيَة على الْعُمُوم فِي جَمِيع الْحَالَات فَأَما الْوَجْهَانِ الْآخرَانِ فَالْأَمْر فِي صِحَة الِاسْتِدْلَال مَعَهُمَا ظَاهر دَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ فَجمع بَين مشاقة الرَّسُول وَاتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي الْوَعيد فَلَو كَانَ اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ مُبَاحا لما جمع بَينه وَبَين الْمَحْظُور فِي الْوَعيد أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن يَقُول الْحَكِيم لعَبْدِهِ إِن زَنَيْت وشربت المَاء عاقبتك وَإِذا قبح اتِّبَاع غير سبيلهم وَجب تجنبه وَلم يُمكن تجنبه إِلَّا بِاتِّبَاع سبيلهم لِأَنَّهُ لَا وَاسِط بَين اتِّبَاع سبيلهم وَاتِّبَاع غير سبيلهم إِن قيل إِنَّمَا جمع الله بَين مشاقة الرَّسُول وَبَين اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي الْوَعيد لِأَن اتِّبَاع غير سبيلهم قَبِيح بِشَرْط مشاقة الرَّسُول وَغير قَبِيح إِذا لم يُوجد مشاقة الرَّسُول قيل لَهُ هَذَا يَقْتَضِي أَن يكون من شاق الرَّسُول يجب عَلَيْهِ اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ مَعَ مشاقته للرسول ومشاقة الرَّسُول لَيست مَعْصِيّة فَقَط وَإِنَّمَا هِيَ مَعْصِيّة على سَبِيل الرَّد عَلَيْهِ والمعاندة لَهُ لِأَن من صدق بِالنَّبِيِّ وَفعل بعض الْمعاصِي لَا يُقَال إِنَّه مشاق للرسول وَمن كذب بِالنَّبِيِّ ﷺ ورد عَلَيْهِ

стр. 427

لَا يَصح أَن يعلم صِحَة الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ إِنَّمَا يعلم صِحَّته بِالسَّمْعِ وَمن لَا يَصح أَن يعلم صِحَة الْإِجْمَاع لَا يَصح أَن يُؤمر باتباعه فِي تِلْكَ الْحَال فان قيل إِن الله تَعَالَى شَرط فِي لُحُوق الْوَعيد بِمن اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ تبين الْهدى وَاللَّام فِي الْهدى للْجِنْس فاقتضت اسْتِيعَاب الْهدى فَكَانَ معنى الْآيَة من تبين جَمِيع الْهدى وَاتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ لحقه الْوَعيد فَيدْخل مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ فِي جملَة الْهدى فَيجب تقدم بَيَانه بِدَلِيل سوى قَول الْأمة ثمَّ يتبعُون فِيهِ كَمَا أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لغيره إِذا تبين لَك صدق فلَان فَاتبعهُ يَقْتَضِي تبين صدقه بِشَيْء سوى قَوْله وَقد أجيبت عَن ذَلِك بِأَن تبين الْهدى شَرط فِي لُحُوق هَذَا الْوَعيد الْمَذْكُور بمشاقة الرَّسُول فَقَط لَا فِي اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ لِأَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يكون مشاقا ومعاندا إِذا تبين لَهُ الْحق وعرفه فَكَانَ هَذَا الشَّرْط مَقْصُورا على المشاقة فَقَط وَيُجَاب عَن السُّؤَال أَيْضا بِأَن الْهدى الَّذِي تبينه شَرط فِي ثُبُوت مشاقة الرَّسُول وَفِي لُحُوق الْوَعيد هُوَ التَّوْحِيد وَالْعدْل وَصدق الرَّسُول دون تبين الْهدى الَّذِي هُوَ الْفُرُوع أَلا ترى أَن من عرف التَّوْحِيد وَالْعدْل وَصدق النَّبِي ﷺ وحاد عَن نبوته ورد عَلَيْهِ كَانَ مشاقا لَهُ وَإِن لم يعرف أَحْكَام الْفُرُوع وَإِذا أنكر لم تكن الْمعرفَة بِأَحْكَام الْفُرُوع وَغَيرهَا مِمَّا زَاد على التَّوْحِيد وَالْعدْل والنبوات شرطا فِي المشاقة وَفِي لُحُوق الْوَعيد بهَا لم تكن شرطا فِي لُحُوق الْوَعيد بِمن اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ لِأَن الْوَعيد الْمُعَلق بهما وَاحِد وَأَيْضًا فان تَأْوِيل السَّائِل يبطل فَائِدَة تَمْيِيز الْمُؤمنِينَ بِهَذَا الْكَلَام مَعَ علمنَا أَنه خرج مخرج الإعظام لَهُم أَلا ترى أَن غير الْمُؤمنِينَ إِذا عرفنَا أَن قولا من أقاويلهم هَذَا فانه يلْزمنَا أَن نقُول مثل قَوْلهم كَمَا يلْزمنَا مثل ذَلِك فِي قَول الْمُؤمنِينَ عِنْد السَّائِل على أَن اتِّبَاع الْمُؤمنِينَ هُوَ الرُّجُوع إِلَى قَوْلهم لأَنهم قَالُوهُ

стр. 428

وَلَيْسَ اتباعهم هُوَ مشاركتهم فِي قَوْلهم لِأَن دَلِيلا دلّ عَلَيْهِ أَلا ترى أَنا لَا نَكُون متبعين للْيَهُود فِي إِثْبَات الصَّانِع جلّ ثَنَاؤُهُ وَفِي نبوة مُوسَى وَإِن شاركناهم فِي اعْتِقَادهم ذَلِك لما لم نصر إِلَى ذَلِك لأجل قَوْلهم وَأَيْضًا فَهَذَا السَّائِل إِن جعل سَبِيل الْمُؤمنِينَ على كل حَال هَذَا فقد أوجب اتِّبَاعه فِي كل حَال وَفِي ذَلِك الرُّجُوع إِلَى قَوْلنَا وَإِن لم يَجعله هَذَا على كل حَال لزمَه أَن لَا يكون اتِّبَاعه على كل حَال وَاجِبا وَالْأَمر يُفِيد وجوب اتباعهم على كل حَال فَعلمنَا أَنه لم يرد تبين كل الْهدى فان قيل لَسْتُم بِأَن تتركوا الظَّاهِر فِي استغراق الْهدى بِأولى من أَن نَتْرُك نَحن ظَاهر الْآيَة فِي اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي كل حَال ونتمسك بِعُمُوم الْهدى قيل الْفرق بَيْننَا وَبَيْنكُم أَنكُمْ إِذا حملتم الْهدى على الْعُمُوم لزمكم أَن تحملوا الْآيَة على وُجُوه لَا فَائِدَة فِيهَا على مَا بَيناهُ من قبل وَهَذَا الْجَواب لَا يقوم بِنَفسِهِ إِلَّا بِمَا تقدم من الْأَجْوِبَة وفيهَا كِفَايَة إِن قيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يحْتَمل أَن يكون غير فِي هَذَا الْكَلَام بِمَعْنى إِلَّا فَيكون معنى الْآيَة وَيتبع إِلَّا سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَيكون ذَلِك توعدا لمن لم يتبع سبيلهم وَمن شكّ فِيهِ توقف وَلمن اتبع سَبِيلا غير سبيلهم وَيحْتَمل أَن يكون صفة فَيكون معنى الْآيَة وَيتبع سَبِيلا غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَلَا يدْخل فِي هَذَا الْوَعيد من لم يتبع سبيلهم وَلَا سَبِيل غَيرهم بل توقف فَمَا يؤمنكم أَن يكون غير هَا هُنَا صفة فَلَا يكون لكم فِي الاية دلَالَة وَالْجَوَاب أَن هَذَا السُّؤَال يَقْتَضِي أَن تكون الْآيَة قد حظرت على الْإِنْسَان إِذا أَجمعت الامة على إِبَاحَة شَيْء أَن يَقُول بحظره أَو بِوُجُوبِهِ والمخالف لَا يحظر ذَلِك وَأَيْضًا فالمتوقف فِي قَوْلهم يتبع سَبِيلا غير سبيلهم فقد دخل فِي الْوَعيد أَلا ترى أَن من شكّ فِي نبوة النَّبِي ﷺ يُوصف أَنه يتبع

стр. 429

غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ وَأَيْضًا فالمفهوم فِي قَول الْقَائِل لَا تتبع غير سَبِيل الصَّالِحين اتبع سبيلهم فان قَالُوا إِنَّمَا فهم ذَلِك لِأَن اسْم الصَّالِحين مدح قيل لَهُم وَكَذَلِكَ اسْم الْمُؤمنِينَ فَيجب أَن يفهم من قَوْله وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ إِيجَاب اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ إِن قيل قَوْله وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ مَعْنَاهُ وَيتبع سَبِيلا غير سبيلهم وَهَذَا يَقْتَضِي سَبِيلا وَاحِدَة قيل فَيجب أَن يحرم اتِّبَاع هَذِه السَّبِيل لِأَنَّهَا غير سبيلهم والمخالف لَا يحرم ذَلِك على أَن قَوْله غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ إِن أَفَادَ اتِّبَاع غير سبيلهم فَهُوَ عَام فِي كل سَبِيل كَانَ مَوْصُوفا بِأَنَّهُ غير سبيلهم كَمَا أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ من دخل غير دَاري ضَربته فهم مِنْهُ كل دَار غير دَاره إِن قيل السَّبِيل هُوَ الطَّرِيق دون القَوْل وَالْفَتْوَى فَيجب أَن يدْخل فِي ذَلِك مَا استطرقوه دون الْفَتْوَى قيل الْمَعْلُوم أَنه لم يرد مَا استطرقوه من الطّرق الَّتِي يَمْشُونَ فِيهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ يحرم على الْإِنْسَان أَن يمشي فِي طَرِيق لَا يَمْشُونَ فِيهِ فان كَانَ المُرَاد بذلك مَا استطرقوه فِي الْأَدِلَّة فَيجب مَا اعتقدوه دَلِيلا أَن يكون دَلِيلا والمخالف لَا يُوجب ذَلِك على أَن مَا اجتباه الْإِنْسَان لنَفسِهِ وَتمسك بِهِ يُقَال إِنَّه سَبيله سَوَاء كَانَ دَلِيلا أَو غَيره لِأَنَّهُ يُقَال لمن حرم النَّبِيذ إِنَّه لَيْسَ يسْلك سَبِيل ابي حنيفَة وَيُقَال للْإنْسَان اسلك سَبِيل التُّجَّار فيفهم من ذَلِك افْعَل فعلهم فِي زيهم وأخلاقهم وعاداتهم فصح أَن ذَلِك غير مَقْصُور على الْأَدِلَّة فان قيل المجمعون صَارُوا إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ باستدلال واجتهاد فالاجتهاد فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة سبيلهم كَمَا أَن الحكم الَّذِي حكمُوا بِهِ سبيلهم فَلم أوجبتم على من بعدهمْ الْمصير إِلَى مَا حكمُوا بِهِ وأسقطتم عَنهُ الِاجْتِهَاد بِأولى من أَن

стр. 430

توجبوا عَلَيْهِ الِاسْتِدْلَال وَالِاجْتِهَاد وتسقطوا عَنهُ الْمصير إِلَى حكمهم على كل حَال وَالْجَوَاب أَنا إِذا أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْمصير إِلَى حكمهم كُنَّا قد أمرناه بِاتِّبَاع سبيلهم فِي الحكم وَفِي الِاسْتِدْلَال لِأَن من يتبع الْإِجْمَاع فقد اسْتدلَّ على الحكم الَّذِي أَجمعُوا عَلَيْهِ وَإِن كَانَ دَلِيله غير دَلِيل المجمعين وَلَيْسَ يجب على الْإِنْسَان أَن يسْتَدلّ بِنَفس مَا اسْتدلَّ بِهِ غَيره إِذا ظفر بِدَلِيل آخر على أَنه إِن وَجب على الْمُكَلف الِاسْتِدْلَال بِنَفس مَا اسْتدلَّ بِهِ الْأَولونَ على الْحَد الَّذِي استدلوا بِهِ فَذَلِك يُؤَدِّيه إِلَى الحكم الَّذِي اتَّفقُوا عَلَيْهِ لأَنهم إِنَّمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ لأجل الِاسْتِدْلَال وَفِي هَذَا أوجبوا مشاركتهم فِي الحكم فان قيل إِذا اتّفق أهل الْعَصْر على اسْتِبَاحَة شَيْء وفعلوه بأجمعهم أيلزم من بعدهمْ فعله لِأَن فعلهم سبيلهم قيل إِنَّمَا يجب عَلَيْهِ اعْتِقَاد إِبَاحَته فَأَما فعله فَلَو اوجبناه مَعَ أَنهم لم يوجبوه لَكَانَ ذَلِك خلاف سبيلهم إِن قيل قَوْله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ لَا يمْنَع من اجْتِمَاعهم على الْكفْر وَالرِّدَّة فَمن أَيْن أَنه لَا يجوز ذَلِك عَلَيْهِم قيل الْآيَة إِن لم تمنع من ذَلِك فَهِيَ مَانِعَة من مخالفتهم فِيمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ إِذا كَانُوا مُؤمنين وَلَا يمْتَنع أَن تدل على أَنهم لَا يجمعُونَ جَمِيعًا على الرِّدَّة دَلِيل آخر وَأَيْضًا فاذا اجْتمع أهل كل عصر على أَنه لَا يجوز أَن يجتمعوا على الرِّدَّة كَانَ ذَلِك من سبيلهم فَلم يجز مخالفتهم فَمَتَى ثَبت هَذَا الْإِجْمَاع صج الِاسْتِدْلَال بِهِ وَقد أُجِيب عَن السُّؤَال بِأَن إِيجَاب الله علينا اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ يَقْتَضِي أَن لَا يَخْلُو عصر من الْأَعْصَار من مُؤمنين حَتَّى يَصح منا امْتِثَال الْأَمر باتبَاعهمْ وَفِي ذَلِك أَنهم لَا يجمعُونَ جَمِيعًا على الرِّدَّة وَهَذَا الْجَواب غير لَازم لِأَن إِيجَابه علينا اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ يَقْتَضِي وجوب ذَلِك مَتى وجد مُؤمنُونَ كَمَا يَقْتَضِي وجوب ذَلِك مَتى أَجمعُوا فَكَمَا لَا يلْزم بِهَذَا الْإِيجَاب أَن

стр. 431

يجتمعوا فِي كل عصر حَتَّى يَصح اتباعهم فَكَذَلِك لَا يجب أَن يوجدوا فِي كل عصر إِن قيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يَقْتَضِي دُخُول النَّبِي ﷺ فيهم لِأَنَّهُ ﵇ سيد الْمُؤمنِينَ فَيجب إِذا حدث حَادِثَة فِي زمَان الصَّحَابَة فَأَجْمعُوا عَلَيْهَا أَن لَا تكون حجَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ للنَّبِي فِيهَا قَول وَإِنَّمَا يمكنكم أَن تعلمُوا أَن قَول النَّبِي ﵇ فِيهَا هُوَ مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ إِذا ثَبت لكم أَن الْإِجْمَاع حجَّة قيل إِن الله تَعَالَى لم يعن النَّبِي ﷺ بقوله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَإِن كَانَ ﵇ سيدهم لِأَنَّهُ لَو عناه مَعَ كَافَّة الْمُؤمنِينَ لم يكن لذكر من سواهُ من الْمُؤمنِينَ فَائِدَة إِذْ الْحجَّة ثَابِتَة بقوله والوعيد يتَوَجَّه إِلَى من خَالف قَوْله دون مَا عداهُ من الْمُؤمنِينَ فَعلمنَا أَنه أَرَادَ غَيره من الْمُؤمنِينَ ليدلنا على أَنهم حجَّة كَمَا أَن الرَّسُول حجَّة إِن قيل فَيجب أَن لَا يكون مَا أجمع عَلَيْهِ الصَّحَابَة حجَّة فِي زمنهم لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تِلْكَ الْحَادِثَة قَول لمن حضر نزُول هَذِه الْآيَة من الْمُؤمنِينَ الَّذين مَاتُوا قبل وَفَاة النَّبِي ﵇ وَالْجَوَاب أَنا لَو اعْتبرنَا قَول من كَانَ مُؤمنا فِي ذَلِك الْوَقْت فَقَط للَزِمَ أَن لَا نعتبر قَوْلهم لِأَن قَول الامة فِي ذَلِك الْوَقْت لَا بُد من أَن يعرفهُ النَّبِي ﷺ فَيقر عَلَيْهِ فَتكون الْحجَّة هِيَ إِقْرَار النَّبِي ﵇ وَترك إِنْكَاره عَلَيْهِ إِن قيل اسْم الْمُؤمنِينَ يُفِيد أشخاصا يسْتَحقُّونَ الثَّوَاب والمدح فَيجب أَن يكون الْحجَّة هُوَ إِجْمَاع هَؤُلَاءِ دون الْفُسَّاق وَإِن خالفهم غَيرهم قيل كَذَلِك نقُول إِلَّا أَنا إِذا اعْتبرنَا إِجْمَاع جَمِيع أهل الْقبْلَة دخل المستحقون للثَّواب فِي جُمْلَتهمْ فان علمنَا فسق كثير من أهل الْقبْلَة فقد ذكر أَبُو عَليّ أَنه يعْتَبر إِجْمَاع من عداهم مِمَّن ظَاهره أَنه مُسْتَحقّ للثَّواب والمدح وَلَا اعْتِبَار بالباطن لِأَن الله

стр. 432

تَعَالَى لَا يكلفنا اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ إِلَّا وَلنَا طَرِيق إِلَى معرفَة كَونهم مُؤمنين وَإِذا كَانَ قد جعل لنا سَبِيلا إِلَى معرفَة الظَّاهِر دون الْبَاطِن علمنَا أَنه أَرَادَ اتِّبَاع سَبِيل من ظَاهره اسْتِحْقَاق الثَّوَاب والمدح وَأَنه لم يكلفنا الْبَاطِن إِن قيل لَيْسَ يَصح التَّعْلِيق بِالْآيَةِ على قَول شيوخكم وَلَا على قَول غَيرهم أما قَول شيوخكم فالمؤمنون عِنْدهم المستحقون للثَّواب والمدح فَمَا يؤمنكم إِذا اتّفقت الامة على قَول أَن يكون ذَلِك خطأ يخرجُون بِهِ من اسْتِحْقَاق الثَّوَاب والمدح فاذا لم يأمنوا ذَلِك لم يأمنوا كَونهم مُؤمنين إِلَّا بعد الِاسْتِدْلَال بِغَيْر قَوْلهم على أَن ذَلِك القَوْل حق وصواب وَذَلِكَ يخرج قَوْلهم من أَن يكون دَلِيلا على كَونه صَوَابا وَشرط كَون قَوْلهم دَلِيلا أَن يكون قولا صادرا عَن مُؤمنين وَأَنْتُم إِنَّمَا تعلمُونَ هَذَا الشَّرْط بعد الْعلم بالمدلول وَهُوَ صِحَة قَوْلهم فان قُلْتُمْ إِنَّهُم إِذا اتَّفقُوا على حكم هُوَ من الْفُرُوع لم يسْتَحقُّونَ بِهِ الذَّم لِأَن كل مُجْتَهد فِي الْفُرُوع مُصِيب وَلِأَنَّهُ خطأ مغْفُور قيل لكم الْمعول فِي ذَلِك هُوَ على الْإِجْمَاع فَمَتَى لم يثبت أَن الْإِجْمَاع حجَّة لم يَصح أَن يعلم ذَلِك على أَن ذَلِك يمْنَع من الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَة على حجية الْإِجْمَاع فِي غير مسَائِل الِاجْتِهَاد فان قُلْتُمْ إِن الْآيَة تدل على اتِّبَاع قَول الْمُؤمنِينَ لأجل قَوْلهم لَا لدَلِيل آخر على مَا تقدم بَيَانه وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَونهم مُعينين غير موصوفين فَيجب أَن يكون المُرَاد بقوله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ على مُوجب اللُّغَة أَو من كَانَ ظَاهره قبل مَا أَجمعُوا على أَنه مُسْتَحقّ للثَّواب لأَنا إِن لم نحمل الْآيَة على ذَلِك لم يَصح اتِّبَاع قَوْلهم لأجل أَنهم قَالُوهُ قيل لكم لَسْتُم بِأَن تعدلوا عَن الظَّاهِر فَتَحملُوا الْآيَة على التَّصْدِيق أَو تحملوا الْمُؤمنِينَ على من كَانَ قبل ذَلِك الْإِجْمَاع يسْتَحق الْمَدْح فِي الظَّاهِر وتمسكوا بِالظَّاهِرِ فِي وجوب اتباعهم لأجل قَوْلهم بِأولى من أَن تتمسكوا علينا اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ الموصوفين سَوَاء كَانُوا موجودين

стр. 433

أَو غير موجودين كَمَا نقُول اتبع سَبِيل الصَّالِحين وَأَنت تُرِيدُ صالحين موصوفين أَي وَاتبع سَبِيلا من حَقّهَا أَن تكون سَبِيل الصَّالِحين وَهِي الَّتِي كَانُوا بهَا صالحين أَو يكون المُرَاد اتبع سَبِيل الْمُؤمنِينَ فِي ترك مشاقة الرَّسُول فاذا اعتدل التأويلان سقط احتجاجكم بِالْآيَةِ وَأما غير شيوخكم فانهم وَإِن قَالُوا إِن الْمُؤمن فِي الشَّرِيعَة هُوَ الْمُصدق بِاللَّه وبرسوله فانه إِنَّمَا لم يَصح لَهُم الِاحْتِجَاج بِالْآيَةِ لِأَن ظَاهر قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يدل على حظر مُخَالفَة جمَاعَة هم مصدقون بِاللَّه بقلوبهم وَذَلِكَ لَا سَبِيل إِلَيْهِ فان قَالُوا المُرَاد بذلك الْمُؤْمِنُونَ فِي الظَّاهِر دون الْبَاطِن لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُكَلف اتِّبَاع من لَا سَبِيل لنا إِلَى الْعلم بِهِ قيل لَهُم قد تركْتُم الظَّاهِر لِأَن من يظْهر الْإِيمَان وَلَا يَعْتَقِدهُ لَيْسَ بِمُؤْمِن على التَّحْقِيق وَالْآيَة تفِيد تَعْلِيق الْوَعيد على من خَالف من هُوَ مُؤمن على الْحَقِيقَة فان جَازَ لكم أَن تعدلوا عَن هَذَا الظَّاهِر جَازَ لنا أَن نقُول المُرَاد بِالْآيَةِ سَبِيل الْمُؤمنِينَ الموصوفين على مَا تقدم بَيَانه وَترك الظَّاهِر فِي كَون الْمُؤمنِينَ الْمَذْكُورين فِي الْآيَة مُعينين إِن كَانَ الظَّاهِر يُفِيد كَونهم مُعينين فنترك ظَاهرا فِي الاية ونتمسك بِغَيْرِهِ كَمَا تركْتُم ظَاهرا فِي الاية وتمسكتم بِغَيْرِهِ دَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ وَقد قيل إِنَّه اسْتدلَّ بذلك بِأَن أَمر بالاعتصام بِحَبل الله على أَنهم قد اعتصموا بِهِ وَهَذَا بَاطِل لِأَن الْأَمر لَا يدل على وُقُوع امتثاله وَيُمكن أَن يسْتَدلّ بِالْآيَةِ من وُجُوه أخر مِنْهَا أَن يُقَال إِذا أجمع أهل الْعَصْر على قَول لم يجز لبَعْضهِم أَن يتْرك هَذَا

стр. 434

القَوْل لأَنهم إِذا فعلوا ذَلِك كَانُوا قد تفَرقُوا وَالله تَعَالَى قد نهى عَن ذَلِك وَالْجَوَاب أَنه إِن كَانَ مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ حَقًا فقد حرم عَلَيْهِم التَّفَرُّق عَنهُ وَإِن كَانَ خطأ وَجب عَلَيْهِم بأجمعهم الْعدْل عَنهُ وَالْإِجْمَاع على الْحق وَأَن لَا يتفرقوا عَنهُ فقد قَالَ الْمُخَالف إِنَّه يحرم عَلَيْهِم التَّفَرُّق وَإِن لم يحصل الْإِجْمَاع حَقًا وَمِنْهَا أَن يُقَال إِذا أجمع أهل الْعَصْر على قَول لم يجز لأهل الْعَصْر الثَّانِي أَن يخالفوهم لِأَنَّهُ إِذا خالفهم أهل الْعَصْر الثَّانِي كَانَ أهل الْعَصْر الثَّانِي قد تفَرقُوا وَالْجَوَاب أَنه لَا يوصفون بِأَنَّهُم متفرقون إِذا أَجمعُوا على مُخَالفَة أهل الْعَصْر الأول فان افْتَرَقُوا هم على قَوْلَيْنِ فقد نهوا عَن ذَلِك لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِم الِاجْتِمَاع على الْحق وَمِنْهَا أَن يُقَال إِذا خَالف أهل الْعَصْر الثَّانِي لأهل الْعَصْر الأول فقد صَار أهل الْعَصْر الأول مَعَ الثَّانِي مُتَفَرّقين وَالنَّهْي يمْنَع من ذَلِك وَالْجَوَاب أَن أهل الْعَصْر الأول غير موجودين فِي هَذِه الْحَالة فَيُقَال إِنَّهُم مَعَ أهل الْعَصْر الثَّانِي منهيون عَن التَّفَرُّق وَأَيْضًا فان الْمَفْهُوم من قَوْله تَعَالَى ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا﴾ وَقَوله ﴿وَلَا تفَرقُوا﴾ هُوَ أَن لَا يتفرقوا فِي الِاعْتِصَام بِحَبل الله كَمَا أَن الْمَفْهُوم من قَول الْإِنْسَان لعبيده ادخُلُوا الدَّار أَجْمَعِينَ أَي لَا تتفرقوا فِي دُخُول الدَّار فَيجب على الْمُسْتَدلّ أَن يبين مَا أجمع أهل الْعَصْر عَلَيْهِ اعتصام بِحَبل الله تَعَالَى حَتَّى يعلم من بعدهمْ أَنهم قد نهوا عَن مفارقتهم وَهَذَا غير ظَاهر لِأَن قَوْله وَلَا تفَرقُوا مُطلق فِي النَّهْي عَن التَّفَرُّق فَيتَنَاوَل كل شَيْء دَلِيل قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ فَشرط التَّنَازُع فِي وجوب الرَّد إِلَى الْكتاب وَالسّنة فَدلَّ أَنهم إِذا لم يتنازعوا لم يجب الرَّد لِأَن

стр. 435

تَعْلِيق الحكم بِالشّرطِ يدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ وَلقَائِل أَن يَقُول أيسقط وجوب الرَّد إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَيصير ترك ذَلِك مُبَاحا إِذا اتَّفقُوا على الحكم بِالرَّدِّ إِلَى الْكتاب وَالسّنة أَو إِذا اتَّفقُوا على ذَلِك من غير رد إِلَيْهِمَا فان قُلْتُمْ بِالثَّانِي جوزتم وُقُوع الْإِجْمَاع من غير دَلِيل وَجَوَاز ذَلِك يمْنَع صِحَة الْإِجْمَاع وَإِذا قُلْتُمْ بِالْأولِ نسبتم إِلَى الله تَعَالَى مَا لَا يجوز لِأَن طلب الحكم من الْكتاب وَالسّنة بعد مَا وجد مِنْهُمَا محَال إِذْ طلب مَا هُوَ مَوْجُود عِنْد الطّلب مُسْتَحِيل فإباحة ترك المستحيل عَبث لَا يصدر عَن حَكِيم فان قيل فَمَا المُرَاد بِالْآيَةِ قيل المُرَاد بهَا الْحَث على طَاعَة أولى الْأَمر وهم الْأُمَرَاء فَمَا تدبروا بِهِ من أَمر الدّين وَالدُّنْيَا مِمَّا لَا نعلم أَنه خطأ فان ظننا أَنه خطأ ونازعناهم فِيهِ رددناه إِلَى الله وَرَسُوله وَهَذَا كَمَا لَو قَالَ الْإِنْسَان لعبيده أطِيعُوا من أوليه عَلَيْكُم فان تنازعتم وتخالفتم فَردُّوهُ إِلَيّ لفهم مِنْهُ مَا ذَكرْنَاهُ دَلِيل وَهُوَ قَول النَّبِي ﷺ لَا تَجْتَمِع أمتِي على خطأ فنفى جَمِيع الْخَطَأ عَن إِجْمَاعهم لِأَن ذَلِك نفي لنكرة تعم وَمِمَّا أَجمعُوا عَلَيْهِ أَنه لَا يجوز مُخَالفَة مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ فَيجب كَون ذَلِك صَوَابا غير خطأ وَيَنْبَغِي أَن يتشاغل بتثبت الْخَبَر ثمَّ بالْكلَام فِي مَتنه وَقد سلك النَّاس فِي تثبيته وُجُوهًا مِنْهَا أَن الْخَبَر وَإِن نقل بالآحاد فان مَعْنَاهُ بالتواتر رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضلال وَقَالَ يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة وَقَالَ الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الِاثْنَيْنِ ابعد وَقَالَ مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَقَالَ من خَالف الْجَمَاعَة قيد شبر فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه قَالُوا فَجرى ذَلِك مجْرى مَا تناقل بالآحاد من تفاصيل سخاء حَاتِم فِي أَنه قد صَار بإجماعه متواترا وَلقَائِل أَن يَقُول إِن هَذِه الْأَخْبَار تبلغ خَمْسَة أَو سِتَّة وَلَو روى خَمْسَة نفر أَو سِتَّة خَبرا لم يجب أَن يكون مَعْلُوما

стр. 436

وَلَو وَجب أَن يكون بعض هَذِه الْأَخْبَار صَحِيحا لم يمْنَع أَن يكون الصَّحِيح مِنْهَا قَوْله الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الِاثْنَيْنِ ابعد وَذَلِكَ يدل على أَن الْأَغْلَب فِيمَا اجْتمع عَلَيْهِ كَونه صَحِيحا وَلَيْسَ ذَلِك من الْأَخْبَار عَن سخاء حَاتِم بسبيل لِأَنَّهُ لَا يُمكن لأحد أَن يُخَالف فِي سخاء حَاتِم وَيُمكن أَن يُخَالف فِي هَذِه الْأَخْبَار وَمِنْهَا أَن التَّابِعين اعتقدوا بأجمعهم صِحَة الْإِجْمَاع وَلم يظْهر فِيمَا بَينهم شَيْء لأَجله صَارُوا إِلَى هَذَا الرَّأْي إِلَّا هَذَا الْخَبَر فَعلمنَا أَنهم صَارُوا إِلَيْهِ لأَجله وَالْعَادَة فِي أمتنَا أَنَّهَا لَا تَجْتَمِع على مُوجب خبر إِلَّا وَقد قَامَت الْحجَّة بِهِ أَلا ترى أَنه مَا نقل بالآحاد وَلم تقم الْحجَّة بِهِ لم يتفقوا على مُوجبه لما كَانَ حكمهم بِمُوجبِه مَوْقُوفا على الِاجْتِهَاد فِي حَال الرَّاوِي وَلقَائِل أَن يَقُول إِنِّي لَا أعلم أَن جمَاعَة التَّابِعين اعتقدوا كَون الْإِجْمَاع حجَّة كَمَا لَا أعلم ذَلِك فِي أهل هَذَا الْعَصْر سِيمَا وَقد رُوِيَ عَن بَعضهم أَنه قَالَ فِي قَول الْقَائِل لامْرَأَته أَنْت حرَام أَنه لَيْسَ بِشَيْء وَهَذَا بِخِلَاف إِنَّمَا أفتت بِهِ الصَّحَابَة وَلَو ثَبت أَنهم أَجمعُوا على ذَلِك لم نَأْمَن أَن يكون إِنَّمَا اعتقدت صِحَة الْإِجْمَاع لأجل الْآيَات فَقَط لَا للْخَبَر وَلَو علمنَا أَنهم اعتقدوا صِحَة الْإِجْمَاع لأجل الْخَبَر لم نعلم أَنه صَحِيح لأَنهم إِن قَالُوا فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن يعتقدوا صِحَة الْإِجْمَاع بِخَبَر لم يقم بِهِ الْحجَّة لِأَن ذَلِك خطأ والامة لَا تَجْتَمِع على خطأ كَانُوا قد سلمُوا صِحَة الْإِجْمَاع وبنوا عَلَيْهِ الدَّلِيل فان أوجبوا ذَلِك لِأَن الحكم بِخَبَر الْوَاحِد مَوْقُوف على الِاجْتِهَاد فِي حَال الرَّاوِي وَذَلِكَ يمْنَع من اتِّفَاق جَمَاعَتهمْ على مُوجبَة قيل لَهُم أَلَيْسَ يجوز أَن يجمعوا على الحكم من جِهَة الْقيَاس وَالِاجْتِهَاد وَيجوز من جِهَة الْعقل أَن يجمعوا من جِهَة الشّبَه وَإِن أوجبوا ذَلِك لأَنهم استقرءوا الْأَخْبَار فوجدوا مَا كَانَ مِنْهَا قد قَامَت الْحجَّة بِهِ قد اتَّفقُوا على مُوجبه وَمَا لم تقم الْحجَّة بِهِ لم يجمعوا عَلَيْهِ أَلا ترى أَن أَخْبَار الْآحَاد فِي الْفِقْه لم يجمعوا على مُوجبهَا قيل لَهُم وَلم زعمتم أَن عَادَتهم مستمرة بذلك فِي كل مَا لم تقم الْحجَّة بِهِ من الْأَخْبَار وَمَا أنكرتم أَن يكون هَذَا الْخَبَر لم تقم الْحجَّة بِهِ وَأَجْمعُوا على

стр. 437

مُوجبَة وَقد تركت الصَّحَابَة آرائهم بِخَبَر حمل بن مَالك وصاروا إِلَى خبر عبد الرَّحْمَن فِي الْمَجُوس وَأَجْمعُوا على أَنه لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا بِخَبَر وَاحِد وَإِن قَالُوا لم يجمعوا على ذَلِك إِلَّا لقِيَام الْحجَّة بِهِ قيل تثبتوا ذَلِك حَتَّى يَصح استدلالكم وَلَو كَانُوا أَجمعُوا على ذَلِك لقِيَام الْحجَّة بِهَذِهِ الْأَخْبَار لم يَصح الِاسْتِدْلَال بذلك على قبُول الْأَخْبَار المظنونة فان قَالُوا أَلَيْسَ بعض أَخْبَار الْآحَاد لم يجمعوا على مُوجبهَا قيل إِنَّا لم نوجب أَن يجمعوا على مُوجب خبر الْوَاحِد وَإِنَّمَا جَوَّزنَا ذَلِك وجوزنا خِلَافه فَلم يلْزمنَا مَا ذكرْتُمْ فان قيل لَا يجوز على التَّابِعين مَعَ شدَّة تدينهم وإعظامهم للدّين أَن يقطعوا على كَون شَيْء حجَّة فِي الشَّرْع بِمَا لَا يُوجب الْقطع وَالْيَقِين كَمَا لَا يجوز وَالْحَال هَذِه أَن يقبلُوا خبر وَاحِد فِي جَوَاز نسخ الشَّرْع بِحَسب شهوات بَعضهم وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَنهم اعتقدوا ذَلِك لشُبْهَة كَمَا اعْتقد كثير من أَصْحَاب الحَدِيث فِي الله تَعَالَى مَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ لأخبار آحَاد بالتقليد وَلَا يمْتَنع أَن يَكُونُوا ظنُّوا صدق الرَّاوِي وَلم يقطعوا بِهِ فظنوا أَن الْإِجْمَاع حجَّة واعتقدوا وجوب مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ لأَنهم قد ظنُّوا صِحَّته كَمَا اعتقدوا وجوب قبُول خبر الْوَاحِد فِي الْأَحْكَام إِذا ظنُّوا صدق الرَّاوِي وَمَا ذَكرُوهُ من اعْتِقَادهم النّسخ بِحَسب الشَّهَوَات فانه يجوز عَلَيْهِم أَن يقبلُوا خَبرا مرويا فِي ذَلِك إِلَّا أَن يعلم أَن إِجْمَاعهم حجَّة أَو يعلم أَنهم قد استبعدوا تغير الشَّرْع بِحَسب شهوات النَّاس فَمنع هَذَا الاستبعاد من إِجْمَاعهم على صِحَة الْخَبَر وَلَيْسَ اتِّفَاق الامة على الْحق بمستبعد كاستبعاد تغير الشَّرْع بالشهوات بل الْأَغْلَب عِنْد النَّاس أَن الْحق لَا يخفى على الْجمع الْكثير وَالنَّاس الشَّرِيفَة يعظمون الامة فَالْخَبَر الْوَاحِد يَنْفِي الْخَطَأ عَنْهُم ويطابق هَذَا المستقر فِي أنفسهم وورود الْخَبَر بنسخ الشَّرِيعَة بِحسن الشَّهَوَات يُنَافِي لما تكن فِي نفوس الامة

стр. 438

وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يسْتَدلّ مستدل على وجوب الْمصير إِلَى الْإِجْمَاع بأخبار الْآحَاد لِأَن الْعقل عندنَا يدل على وجوب قبُول خبر الْوَاحِد من حَيْثُ التَّحَرُّز عَن المضار فاذا روى الْوَاحِد عَن النَّبِي ﷺ أَن أمته لَا تَجْتَمِع على خطأ ظننا أَنهم كَذَلِك ولزمنا الْعَمَل بِمَا حكمُوا بِهِ كَمَا أَن الْمُسَافِر لَو أخبرهُ من ظَاهره الصدْق عَن بعض من يَثِق بِهِ أَنه يَأْمر بِالرُّجُوعِ فِي سَفَره إِلَى رثد فِي طَرِيقه فانه لَا يغلط أَو أَنه قَلِيل الْغَلَط فِي السّفر لزمَه الرُّجُوع إِلَيْهِ إِذا غلب على ظَنّه صدق الرَّاوِي وإصابته من أمره بِالرُّجُوعِ إِلَى رثد إِلَّا أَن هَذِه الْأَخْبَار لَا تَقْتَضِي الْقطع على إِصَابَة المجتمعين وَإِنَّمَا يسوغ الِاسْتِدْلَال بِالْإِجْمَاع فِي الْأَعْمَال دون الْعُلُوم فَأَما الْكَلَام فِي متن الْخَبَر فقد تقدم طرف مِنْهُ وَهُوَ كَيْفيَّة الِاسْتِدْلَال بِهِ وَيرد عَلَيْهِ وُجُوه مِنْهَا أَن يُقَال هلا كَانَ الْخَطَأ الْمَنْفِيّ عَنْهَا هُوَ السَّهْو وَلَيْسَ هُوَ خلاف الْحق وَالْجَوَاب أَن الْجَمَاعَة المعظمة لَا تَجْتَمِع على السَّهْو كَمَا لَا يجوز أَن تَجْتَمِع على مأكل وَاحِد فَلَو كَانَ المُرَاد مَا ذَكرُوهُ لم يكن فِيهِ فَائِدَة كَمَا لَو قَالَ أمتِي لَا تَجْتَمِع على مأكل وَاحِد وَأَيْضًا فَجَمِيع الامم لَا يجوز أَن يجتمعوا على السَّهْو فمدح هَذِه الْأمة بذلك وتخصيصهم بِهِ لَا فَائِدَة فِيهِ وَمِنْهَا أَنه رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لم يكن الله ليجمع أمتِي على الْخَطَأ قَالُوا وَنحن نقُول بذلك لِأَن الله تَعَالَى لَا يحمل الْعباد على الْخَطَأ وَالْجَوَاب أَنا نجمع بَين الْخَبَرَيْنِ فَنَقُول لَا يَجْتَمعُونَ على الْخَطَأ وَلم يكن الله ليجمعهم على الْخَطَأ على أَن الله تَعَالَى لَا يحمل أحدا على الْخَطَأ فَلَو كَانَ المُرَاد بالْخبر هَذَا لم يكن فِي تَخْصِيص الامة بِهِ معنى وَمِنْهَا أَنه رُوِيَ أَنه قَالَ أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضلال والضلال هُوَ الْكفْر دون غَيره وَالْجَوَاب أَنا نجمع بَين ذَلِك وَبَين الْخَبَر النَّافِي لأنواع الْخَطَأ عَنْهُم

стр. 439

وَأَيْضًا فَكل مَعْصِيّة ضلال لِأَنَّهُ قد عدل بهَا عَن الْحق وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين﴾ وَمِنْهَا أَن يُقَال مَا المُرَاد بِأمة النَّبِي ﷺ فَيُقَال اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ قوم أمته كل من بعث إِلَيْهِ وَقَالَ آخَرُونَ بل هم كل من صدقه وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ الْمَفْهُوم من إِطْلَاق قَوْلنَا أمة النَّبِي وَلِأَن الْمُسلمين يدعونَ لأمة مُحَمَّد وَلَا يدعونَ لكل من بعث النَّبِي إِلَيْهِ فان قيل فَيجب أَن يَقع قَوْله أمتِي على من صدقه إِلَى انْقِطَاع التَّكْلِيف لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بعد ذَلِك تَكْلِيف فيحتج فِيهِ بِالْإِجْمَاع وَالْجَوَاب أَن قَوْله ﵇ أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ لَا يتَنَاوَل إِلَّا من كَانَ فِي ذَلِك الْعَصْر دون من لم يُوجد لِأَن من لم يُوجد لَا يكون مُصدقا فِي تِلْكَ الْحَال وَلقَائِل أَن يَقُول إِن كَانَ المُرَاد بقوله أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ كل من صدقه إِلَى انْقِطَاع التَّكْلِيف لم يكن فِي الْخَبَر دلَالَة على أَن الْإِجْمَاع حجَّة وَوَجَب أَن يكون المُرَاد بالْخبر مَا ذَكرْنَاهُ وَإِن كَانَ المُرَاد بالْخبر من هُوَ مَوْجُود بِمن صدقه وَجب أَن لَا يدْخل تَحت الْخَبَر إِلَّا من كَانَ مَوْجُودا من أمة النَّبِي ﷺ عِنْد قَوْله أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ فَلَا يُمكن وَالْحَال هَذِه أَن تستدلوا باجماع الصَّحَابَة بعده مَعَ علمهمْ أَن كثيرا مِمَّن كَانَ حَيا عِنْد وُرُود هَذَا الْخَبَر من النَّبِي ﷺ قد توفّي أَو تجويزكم أَنه توفى وَمَا تنكرون أَن يكون النَّبِي ﷺ إِنَّمَا عَنى بِهَذَا الْكَلَام أَن من عاصر هَذَا القَوْل فِيهِ لَا يجْتَمع على خطأ وَلم يكن قَصده أَن يجْتَمع بقَوْلهمْ لأَنهم إِذا أجمعو على شَيْء فأقره النَّبِي ﷺ فالحجة هِيَ إِقْرَاره فان قُلْتُمْ إِن المصدقين بِهِ بعد وَفَاته هم أمته فَدَخَلُوا تَحت ظَاهر الْخَبَر قيل لكم إِنَّمَا يدْخلُونَ تَحْتَهُ لَو كَانُوا جَمِيع أمته وَلَيْسوا جَمِيع أمته بل جَمِيع أمته هم مَعَ تقدمهم وَمِنْهَا قَوْلهم وَلم إِذا كَانُوا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ لَيْسَ بخطأ فَيكون حجَّة فان قُلْتُمْ لِأَن الْأمة أَجمعت على أَنه لَا يجوز مُخَالفَة مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ قيل لكم وَمَتى

стр. 440

أَجمعُوا على ذَلِك وَفِيهِمْ من يَقُول يجوز أَن يجتمعوا على خطأ فان أدعيتم أَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كلهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن الامة لَا تَجْتَمِع على خطأ لم يسلم الْخصم لكم ذَلِك قيل قد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن السُّؤَال بِأَن الْمُعْتَبر هُوَ بِإِجْمَاع من يَقُول إِن الْأمة لَا تَجْتَمِع على خطأ وَإِن جَازَ مخالفتهم لَكَانَ هَذَا القَوْل الْحق قد أخرج عَن أقاويل الامة لِأَنَّهُ لَيْسَ فيهم من جمع بَين هذَيْن الْقَوْلَيْنِ وَفِي ذَلِك اتِّفَاقهم على الْخَطَأ فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَسَيَجِيءُ القَوْل فِي ذَلِك دَلِيل الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة على اخْتِلَاف هممهم وأغراضهم لَا يجوز أَن يتفقوا على قَول إِلَّا لداع وَلَا يجوز أَن يكون التَّقْلِيد هُوَ الَّذِي دعاهم لِأَن كثيرا مِنْهُم يبطل التَّقْلِيد وَلَو دعتهم الشُّبْهَة لنقلت وَنقل خوضهم فِيهَا فاذا لم تنقل علمنَا أَنه بِحجَّة قَاطِعَة وَيجْرِي مجْرى اتِّفَاقهم على رِوَايَة مَا شاهدوه فِي أَنه لَا يجوز الْخَطَأ عَلَيْهِم فِيهِ وَالْجَوَاب أَن الْعقل يُجِيز اتِّفَاق الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة على الْخَطَأ من جِهَة الرَّأْي ويلزمهم على مَا قَالُوهُ أَن لَا يجوز اتِّفَاق جَمِيع الْأُمَم على خطأ وَكَذَلِكَ كل جمَاعَة من الْأمة يَقع الْعلم بِخَبَر مثلهَا وَيلْزم إِذا نقلوا مَا أَجمعُوا لأَجله أَن يجوز وَأَن كَونه شُبْهَة لأَنهم إِنَّمَا أحالوا أَن يجمعوا عَن شُبْهَة لَا تنقل وعَلى أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون بَعضهم صَار إِلَى القَوْل بِشُبْهَة ثمَّ قلدهم الْبَاقُونَ لمحبتهم لَهُم وانصراف أهوائهم إِلَيْهِم أَو لاستثقالهم النّظر وتصويبهم التَّقْلِيد وعَلى أَن كثيرا من النَّاس يظْهر القَوْل بِفساد التَّقْلِيد ثمَّ ينظر فِي الدَّلِيل فاذا شقّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَاله قطع النّظر وقلد وَلَا يمْتَنع أَن يَكُونُوا بأجمعهم صَارُوا إِلَى القَوْل بِشُبْهَة فظنوها حجَّة فَأَضْرَبُوا عَن نقلهَا لظنهم أَنَّهَا حجَّة كَمَا يضْربُونَ عَن نقل الْحجَّة إِذا أَجمعُوا على مُوجبهَا وَالْفرق بَين رِوَايَة الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة عَمَّا شاهدته وَإِن لم يَقع اللّبْس فِيهِ وَبَين مَا قالته من جِهَة الرَّأْي أَن الرَّأْي يَعْتَرِضهُ الشُّبْهَة والأهواء فَتَصِير الْأَهْوَاء مَعَ التَّقْصِير فِي النّظر الشُّبْهَة بِصُورَة الْحجَج فَلَا يُؤمن أَن يَكُونُوا اتَّفقُوا لذَلِك وَهَذَا صنف عَمَّا شاهدوه وَزَالَ اللّبْس فِيهِ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم عَالم بِمَا

стр. 441

شاهدوه وَلَا يجوز مَعَ كثرتهم أَن يخبروا بِمَا يعلم كل وَاحِد مِنْهُم أَنه كَانَ فِيهِ وَأَن غَيره يعلم أَنه كَاذِب فِيهِ دَلِيل قد ثَبت دوَام شرعنا إِلَى انْقِضَاء التَّكْلِيف فَوَجَبَ أَن يكون قَول الامة حجَّة ليدوم قيام الدّلَالَة على اتِّصَال الشَّرْع وَالْجَوَاب أَن الْحجَّة فِي ذَلِك الْقُرْآن وَالِاجْتِهَاد وَالْأَخْبَار على أَن شرعنا مُنْقَطع بِانْقِطَاع التَّكْلِيف كانقطاع شرع من قبلنَا بالنسخ فدوام كل وَاحِد من الشرعين كدوام الآخر أَو تقارنه فَكَمَا لَا يجب أَن يكون قَول إِحْدَى الامتين حجَّة لم يجب فِي الْأُخْرَى مثله وَأما من خَالف فِي الْإِجْمَاع فانه يسْلك مسالك ثَلَاثَة أَحدهَا أَن يحِيل وُقُوع الْإِجْمَاع وَالْآخر أَن يحِيل ثُبُوت الطَّرِيق إِلَيْهِ وَالْآخر أَن يَقُول لَيْسَ فِي الْعقل وَلَا فِي السّمع دَلِيل عَلَيْهِ أما إِحَالَة الْإِجْمَاع فَمن وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يَقُول يَسْتَحِيل أَن يجوز على كل وَاحِد من الْأمة الْخَطَأ وَلَا يجوز على جَمَاعَتهمْ كَمَا يَسْتَحِيل أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُم مصيبا وجماعتهم غير مصيبين وَأَن يكون كل وَاحِد مِنْهُم أسود وجماعتهم غير سود وَالْجَوَاب أَن المستحيل هُوَ أَن يُقَال إِن كل وَاحِد من الامة يجوز كَونه مخطئا فِي القَوْل الَّذِي اتَّفقُوا عَلَيْهِ وجماعتهم غير مخطئين فِيهِ وَلم نقل ذَلِك وَإِنَّمَا نقُول إِن كل وَاحِد مِنْهُم يجوز أَن يكون قَوْله خطأ إِذا انْفَرد وَإِذا اجْتمع مَعَ جمَاعَة الامة لم يكن قَوْله خطأ وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يُفَارق الْوَاحِد الْجَمَاعَة أَلا ترى أَن كل وَاحِد مِنْهُم يجوز أَن يَأْكُل الْيَوْم مأكلا مَخْصُوصًا وَلَا يجوز أَن يجتمعوا على أكله فِي ذَلِك الْيَوْم وَنَظِير مَا ذَكرُوهُ أَن نقُول كل وَاحِد مِنْهُم مخطىء وَالْكل فِي ذَلِك القَوْل غير مخطىء وَهُوَ نَظِير قَول الْقَائِل الْكل لَيْسُوا بسود وكل وَاحِد مِنْهُم أسود وَنَظِير قَوْلنَا فِي الْإِجْمَاع أَن نقُول كل وَاحِد من النَّاس

стр. 442

يجوز أَن يكون أسود فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ فان اجْتَمعُوا فِي بلد آخر لم يَكُونُوا سُودًا بل بيضًا وَالْوَجْه الآخر فِي إِحَالَة الْإِجْمَاع قَوْلهم لَو انْعَقَد الْإِجْمَاع لَكَانَ إِن انْعَقَد عَن نَص وَجب نَقله والاستغناء بِهِ وَلَا يجوز انْعِقَاده عَن أَمارَة لأَنهم على كثرتهم وَاخْتِلَاف هممهم لَا يجوز اتِّفَاقهم عَن الأمارات المظنونة وَالْجَوَاب أَنه لَا يمْتَنع أَن يتفقوا عَن نَص لَا ينقلوه اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع أَو ينْقل وَيكون مُحْتملا فيستغنى بِالْإِجْمَاع عَن النّظر فِيهِ وَيجوز اتِّفَاقهم عَن أَمارَة كَمَا جَازَ اتِّفَاق الْجَمَاعَات عَن شُبْهَة وَأما من قَالَ لَا طَرِيق إِلَى إِثْبَات الْإِجْمَاع فسيجيء فِي بَاب مُنْفَرد وَمن قَالَ لَا دَلِيل على صِحَة الْإِجْمَاع فَقَوله بَاطِل لما تقدم من الدَّلِيل ﷺ َ - بَاب فِي الِاتِّفَاق بِمَاذَا يكون ﷺ َ - اعْلَم أَن الِاتِّفَاق يكون من الْجَمَاعَة بِالْفِعْلِ نَحْو أَن يَفْعَلُوا بأجمعهم فعلا وَاحِدًا وَيكون بالْقَوْل وَيكون بِالرِّضَا نَحْو أَن يخبروا عَن أنفسهم بِالرِّضَا وَنَحْو أَن يظْهر القَوْل فيهم وَلَا يظهرون كَرَاهِيَة مَعَ زَوَال التقية وَقد يَجْتَمعُونَ على الْفِعْل وعَلى القَوْل وعَلى الْإِخْبَار عَن الرِّضَا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة وكل هَذِه الْأَشْيَاء أَدِلَّة على الِاعْتِقَاد لحسن مَا رَضوا بِهِ ولوجوبه على أَن اتِّفَاقهم على الْفِعْل يدل على حسنه من حَيْثُ كَانَ الْعقل دَلِيلا على اعْتِقَادهم لحسنه وَمن حَيْثُ كَانُوا قد اتَّفقُوا على فعله لِأَنَّهُ لَو كَانَ خطأ مَا اجْتَمعُوا على فعله كَمَا لَا يَجْتَمعُونَ على اعْتِقَاد حسنه وَقد يَجْتَمعُونَ على ترك القَوْل فِي الشَّيْء وعَلى ترك فعله فَيدل ذَلِك على أَنه غير وَاجِب لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لَكَانَ تَركه مَحْظُورًا وَفِي ذَلِك إِجْمَاعهم على الْمَحْظُور وَيجوز أَن يكون مَا تَرَكُوهُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ

стр. 443

لِأَن تَركه لَيْسَ بمحظور وَذَلِكَ نَحْو أَن يتْركُوا اعْتِقَاد الْأَفْضَل من بعض أهل الْأَعْصَار ﷺ َ - بَاب فِي أَنه لَا اعْتِبَار فِي الاجماع بِجَمِيعِ من بعث النَّبِي ﷺ إِلَيْهِ ﷺ َ - اعْلَم أَن جَمِيع من بعث إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ هم المكلفون إِلَى انْقِضَاء التَّكْلِيف من مُؤمن وَكَافِر ومجتهد وَغير مُجْتَهد وَلَا اعْتِبَار بالكافرين فِي الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُم معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فوقوف الْإِجْمَاع عَلَيْهِم يُؤَدِّي إِلَى تعذر الْإِجْمَاع لوقوفه على مَا هُوَ مُتَعَذر وَلِأَن الْإِجْمَاع لَا تعلم صِحَّته إِلَّا بِالسَّمْعِ وأدلة السّمع لَا تتَنَاوَل الْكَافِر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ الْآيَة وَقَوله ﷺ امتي لَا تَجْتَمِع على خطأ وَهَذَا الِاسْم لَا يفهم من إِطْلَاقه الْكَافِر وَلَا اعْتِبَار فِي الْإِجْمَاع بِكُل الْمُؤمنِينَ إِلَى انْقِضَاء التَّكْلِيف لِأَن فِي أَدِلَّة الْإِجْمَاع مَا يَقْتَضِي أَن أهل الْعَصْر الْوَاحِد حجَّة وَلِأَن الْإِجْمَاع حجَّة فَلَو اعْتبرنَا فِي الْإِجْمَاع جَمِيع الْمُكَلّفين إِلَى آخر التَّكْلِيف لم يكن حجَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ بعدهمْ تَكْلِيف فَيكون إِجْمَاعهم حجَّة فِيهِ فان قيل يكون حجَّة على من أجمع مَعَهم ثمَّ فارقهم قيل كَيفَ يكون حجَّة عَلَيْهِ وَلَا يُؤمن أَن يحدث بعدهمْ من يخالفهم فَلَا يكون جَمِيع الْمُكَلّفين إِلَى انْقِضَاء التَّكْلِيف متفقين على ذَلِك الحكم وَأما غير الْمُجْتَهدين فَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن الْأَقْوَال المنتشرة فِي الامة ضَرْبَان أَحدهمَا منتشر فِي الْخَاصَّة فَقَط كمسائل الِاجْتِهَاد وَالْآخر منتشر فِي

стр. 444

الْخَاصَّة والعامة وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا مَعْلُوم باضطرار من دين النَّبِي ﷺ وَالثَّانِي غير مَعْلُوم من دينه باضطرار فالمعلوم من دينه باضطرار كالصلوات الْخمس وَصَوْم شهر رَمَضَان وَتَحْرِيم الْبِنْت وَمَا أشبه ذَلِك وَمَا هَذِه سَبيله يسْتَغْنى فِي الِاحْتِجَاج عَلَيْهِ عَن قَول مَنْقُول عَن النَّبِي أَو إِجْمَاع وَالصَّحِيح أَن ذَلِك مَعْلُوم من الدّين باستدلال لأَنا لَو نعلم تَوَاتر النَّقْل عَن النَّبِي ﵇ بِتَحْرِيم الْبِنْت أَو تَوَاتر نقل الْقُرْآن وَأَنه لَا يجوز أَن يحرم شَيْئا إِلَّا وَهُوَ مُعْتَقد لتحريمه لم نعلم أَنه يعْتَقد تَحْرِيم ذَلِك أَلا ترى أَنه لَو لم ينْقل إِيجَاب صَوْم شهر رَمَضَان عَنهُ لم يعلم دينه فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ لَو علمنَا النَّقْل فِي ذَلِك وجوزنا أَن يُوجب مَا لَا نعتقد وُجُوبه علينا لم يعلم ذَلِك وَكَذَلِكَ القَوْل فِي كل مَا يدعى أَنه مَعْلُوم باضطرار أَنه من دين النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا اشتبهت الْحَال فِيهِ لِأَن الْعلم بِأَنَّهُ من دينه ظَاهر وَلم يحصل فِيهِ نزاع بَين الامة وَأما الْأَقْوَال المنتشرة فِي الْخَاصَّة والعامة وَهِي مَعْلُومَة من الدّين باستدلال فَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن مِنْهَا تَحْرِيم بنت الْبِنْت وَأَن بنت الْخَالَة مُخَالفَة فِي التَّحْرِيم للخالة وَمَعْرِفَة أَوْقَات الصَّلَوَات وَلقَائِل أَن يَقُول أما معرفَة أَوْقَات الصَّلَوَات على التَّفْصِيل فَمن مسَائِل الِاجْتِهَاد لِأَنَّهُ يدْخل فِي تَفْصِيل ذَلِك معرفَة آخر الْوَقْت وَذَلِكَ مُجْتَهد فِيهِ وَأما معرفَة أَوْقَات الصَّلَوَات على الْجُمْلَة وَتَحْرِيم بنت الْبِنْت فالعامة إِنَّمَا تعرف ذَلِك يالرجوع إِلَى الْعلمَاء لَا بالاستدلال لِأَن الْمُكَلف إِنَّمَا يعرف ذَلِك اسْتِدْلَالا بظواهر تعلم أَنَّهَا قد تجردت عَمَّا يعارضها وَإِنَّمَا يعلم عدم ذَلِك بعد أَن يفتش الشَّرِيعَة والعامة لم تنظر فِي هَذِه الظَّوَاهِر وَلَا فتشت عَمَّا يعارضها فَأَما مسَائِل الِاجْتِهَاد فقد اخْتلف النَّاس فِي اعْتِبَار الْعَامَّة فِيهَا فَقَالَ قوم إِن الْعَامَّة وَإِن وَجب عَلَيْهَا اتِّبَاع الْعلمَاء فان اجماع الْعلمَاء لَا يكون حجَّة على أهل الْعَصْر الثَّانِي حَتَّى لَا تسوغ مخالفتهم إِلَّا بِأَن يتبعهُم الْعَامَّة من أهل عصرهم فان لم يتبعوهم لم يجب على أهل الْعَصْر الثَّانِي من الْعلمَاء اتباعهم وَقَالَ

стр. 445

آخَرُونَ إِجْمَاع الْعلمَاء حجَّة على من بعدهمْ اتبعهم عوام عصرهم أَو لم يتبعوهم وَاحْتج الْأَولونَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ قَول الامة حجَّة لانها بأجمعها معصومة من الْخَطَأ وَلَيْسَ يمْتَنع أَن تكون جَمَاعَتهمْ الْخَاصَّة والعامة معصومة من الْخَطَأ فاذا لم يمْتَنع ذَلِك وَكَانَت ظواهر الْإِجْمَاع تتَنَاوَل الْخَاصَّة والعامة وَجب اشْتِرَاط دُخُول الْعَامَّة وَوَجَب القَوْل بِأَن اللطف إِنَّمَا يثبت للامة بأجمعها وَهَذَا هُوَ الْإِجْمَاع فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَهَذَا يتَنَاوَل الْعلمَاء وَغَيرهم وَقَوله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا﴾ الْآيَة كل ذَلِك خطاب مُوَاجهَة يتَنَاوَل جَمِيع من كَانَ فِي ذَلِك الْعَصْر من الامة كالخطاب بالعبادات وَاحْتج الذاهبون إِلَى القَوْل الثَّانِي بِأَن الْعَامَّة يلْزمهَا الْمصير إِلَى قَول الْعلمَاء فَهُوَ كالمنصرف فِيهَا فَلم يكن بقبولها اعْتِبَار وَلقَائِل أَن يَقُول وَلم إِذا وَجب عَلَيْهَا الْمصير إِلَى قَول غَيرهَا لَا يعْتَبر بقولِهَا وَمَا أنكرتم أَنه وَإِن وَجب ذَلِك عَلَيْهَا فانه لَا يكون حجَّة من دونهَا وَيُمكن أَن يحْتَج فِي الْمَسْأَلَة أَيْضا فَيُقَال إِن الْأمة إِنَّمَا يكون قَوْلهَا حجَّة إِذا قالته بالاستدلال لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن تحكم بِغَيْر دَلِيل فَهِيَ إِنَّمَا عصمت من الْخَطَأ فِي استدلالها والعامة لَيست من أهل النّظر وَالِاسْتِدْلَال على الْحَوَادِث فتعصم مِنْهُ فان قَالُوا لَا يمْنَع أَن يكون اللطف ثَابتا لجَماعَة الامة مجتهدها وَغير الْمُجْتَهد مِنْهَا وَلَا يكون لبعضها لطف يَعْصِمهَا من الْخَطَأ قيل إِذا كَانَ اللطف إِنَّمَا يعْصم من الْخَطَأ فِي الِاسْتِدْلَال وَلم يكن من الْعَامَّة اسْتِدْلَال لم يَصح أَن تكون معصومة فِيهِ وَبِهَذَا الْوَجْه يخص ظواهر الْآيَات

стр. 446

- ﷺ َ - بَاب فِي إِجْمَاع أهل الْأَعْصَار ﷺ َ - ذهب أَكثر النَّاس إِلَى أَن إِجْمَاع أهل كل عصر حجَّة على من بعدهمْ وَقَالَ أهل الظَّاهِر إِجْمَاع الصَّحَابَة وَحده حجَّة دون غَيرهم من إِجْمَاع أهل الْأَعْصَار وَدَلِيل الْأَوَّلين أَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا تخص عصرا دون عصر لقَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ والتابعون مُؤمنُونَ وَكَذَلِكَ أهل كل عصر وَقَوله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﷺ لَا تَجْتَمِع أمتِي على الْخَطَأ والمخالف يحْتَج بأَشْيَاء مِنْهَا الْإِجْمَاع إِنَّمَا عرف كَونه حجَّة بِالشَّرْعِ والأدلة السمعية تخْتَص بالصحابة دون غَيرهم لِأَن قَوْله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ خطاب مُوَاجهَة يتَنَاوَل ظَاهره الْحَاضِرين وهم الصَّحَابَة دون غَيرهم فَلَا يمْتَنع أَن يكون الله تَعَالَى عناهم بِالْخِطَابِ ليميزهم بِهَذَا الْمَدْح وَقَوله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يتَنَاوَل الصحاب فَأَما التابعون فالخطاب لَا يتناولهم وحدهم بل يتناولهم مَعَ مَا تقدم من الصَّحَابَة لِأَن الْمُؤمن هُوَ الْمُسْتَحق للثَّواب سِيمَا وَهَذَا الْخطاب خرج مخرج الْمَدْح وَالصَّحَابَة بعد مَوْتهمْ يسْتَحقُّونَ الْمَدْح وَالثَّوَاب وَإِذا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ هم التابعون مَعَ مَا تقدم من الصَّحَابَة فاستحال أَن يكون لمن تقدم من الصَّحَابَة قَول فِي الْحَادِثَة فِي زمن التَّابِعين واستحال أَن يكون لجَماعَة الْمُؤمنِينَ قَول أَو لم يكن إِذْ الْمُخَالف فِي الْحَالَتَيْنِ مُخَالف لبَعض الْمُؤمنِينَ لَا لجميعهم فان قُلْتُمْ إِذا لم يجز أَن يَعْنِي الله تَعَالَى بقوله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾

стр. 447

من تقدم من الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يكون لَهُم قَول فِيمَا حدث بعدهمْ وَجب أَن يَعْنِي الله تَعَالَى بقوله التَّابِعين دون من تقدم فَيدْخل من خالفهم تَحت الْوَعيد قيل إِنَّه لم يعن من تقدم لما ذكرْتُمْ وَلَا عَنى الْحَاضِرين من التَّابِعين لأَنهم بعض الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا عَنى من يُطلق عَلَيْهِ فِي وقته أَنه جمَاعَة الْمُؤمنِينَ وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الصَّحَابَة فَقُلْنَا إِن إِجْمَاع الصَّحَابَة وحدهم حجَّة وَكَذَلِكَ قَوْله لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضلال لَا يتَنَاوَل التَّابِعين وحدهم لِأَنَّهُ لَا يُطلق عَلَيْهِم فِي عصرهم أَنهم جَمِيع أمة النَّبِي ﵇ بل يُقَال إِنَّهُم بعض أمته وَيُطلق القَوْل فِي عصر الصَّحَابَة بِأَنَّهُم الْآن جَمِيع أمته الْجَواب إِن هَذَا السُّؤَال لَا يتَوَجَّه على من قَالَ إِن اسْم الْمُؤمنِينَ اشتقاق من التَّصْدِيق لِأَن من لم يصدق فِي الْحَال حَتَّى مَاتَ لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم مُؤمن وَلَا يُوصف ايضا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِن لِأَنَّهُ يُوهم أَنه كَانَ مُؤمنا وَلَا يلْزم الشَّيْخ أَبَا هَاشم ﵀ لِأَن لَام الْجِنْس لَا يُوجب الِاسْتِغْرَاق وَيجوز أَن يدْخل تَحْتَهُ ثَلَاثَة فَصَاعِدا فَمَتَى تركنَا وَظَاهر قَطعنَا على أَنه قد أُرِيد بِهِ ثَلَاثَة فَلم يجب أَن يكون أُرِيد بِالْمُؤْمِنِينَ مَجْمُوع الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِلَّا أَن الْإِجْمَاع الَّذِي يعرفهُ الْخصم قد منع أَن يُرَاد بِالْآيَةِ بعض أهل الْعَصْر فأخرجناه فِي الْخطاب وَوَجَب أَن يُرَاد بِهِ جَمِيع أهل الْعَصْر وَأما من يَقُول إِن لَام الْجِنْس استغراق فَلهُ أَن يَقُول لَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَن نُرِيد بِهَذِهِ الْآيَات من حضر عِنْد حُدُوث الْحَادِثَة وَلَا بِغَيْر من تقدم مَوته من الْمُؤمنِينَ وَذَلِكَ قَوْلنَا أَو بِغَيْر من تقدم وَذَلِكَ يمْنَع من كَون إِجْمَاع الصَّحَابَة حجَّة لِأَن من مَاتَ قبل وَفَاة النَّبِي ﷺ هُوَ مُؤمن وَلَيْسَ لَهُ فِي الْحَادِثَة قَول فان قيل فَمَا الْجَواب لمن سَأَلَ عَن هَذَا السُّؤَال مِمَّن لَا يَقُول إِن إِجْمَاع الصَّحَابَة وَلَا غَيرهم حجَّة قيل قد تقدم فِي الْبَاب الأول وَاحْتَجُّوا بقوله ﷺ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ قَالُوا فحكمة بِأَن الِاقْتِدَاء بِأَصْحَابِهِ اهتداء الْجَواب أَن ذَلِك لَا يمْنَع من كَون

стр. 448

التَّابِعين مثلهم فِي ذَلِك على أَن قَوْله بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ يتَنَاوَل آحادهم وَلَيْسَ قَول كل وَاحِد مِنْهُم حجَّة على الْمُجْتَهدين فَعلمنَا أَنه إِنَّمَا حث بذلك الْعَامَّة على استفتاء كل وَاحِد مِنْهُم وَاحْتج بِأَن الصَّحَابَة قد اخْتصّت بمشاهدة النَّبِي ﵇ والحضور عِنْد الْوَحْي فَكَانَ لَهُم مزية بذلك الْجَواب وَلم قُلْتُمْ إِن ذَلِك يُوجب أَن يكون لَهُم مزية فِي كَون قَوْلهم حجَّة دون غَيرهم وَاحْتَجُّوا بِأَن قَول التَّابِعين لَو كَانَ حجَّة لَكَانَ إِنَّمَا صَارُوا إِلَيْهِ عَن نَص متواتر أَو غير متواتر أَو عَن أَمارَة اجتهدوا فِيهَا وَلَو كَانَ كَذَلِك لما ذهب كل ذَلِك على الصَّحَابَة لأَنهم لَا يكونُونَ أدنى رُتْبَة من التَّابِعين الْجَواب أَنه لَا يمْتَنع أَن لَا تحدث الْحَادِثَة فِي الصَّحَابَة فَلَا يفحصوا عَن نَص وَارِد فِيهَا وَلَا عَن أَمارَة مُجْتَهد فِيهَا فَلَا يظفروا بهَا ويظفر التابعون بهَا إِذا اضطروا إِلَى طلبَهَا عِنْد حُدُوث الْحَادِثَة وَلَا يمْتَنع أَن تحدث الْحَادِثَة فِي زمن الصَّحَابَة فيختلفون فِيهَا ويتفق التابعون فِيهَا على أحد أَقْوَالهم فيظفر التابعون فِي ذَلِك القَوْل بِمَا لم يظفر بِهِ أحد الطالبين من الصَّحَابَة لِأَن قَول بعض الصَّحَابَة بِهِ لَيْسَ بِحجَّة ﷺ َ - بَاب فِي وجوب اعْتِبَار الْمُجْتَهدين كلهم من أهل الْعَصْر الْوَاحِد فِي الْإِجْمَاع ﷺ َ - يضمن هَذَا الْبَاب فصولا مِنْهَا أَن أَكثر أهل الْعَصْر لَا يكون إِجْمَاعًا وَمِنْهَا اعْتِبَار الْمُجْتَهد من التَّابِعين إِذا عاصر الصَّحَابَة وَمِنْهَا اعْتِبَار الْمُجْتَهد وَإِن لم يشْتَهر بالفتوى وَمِنْهَا اعْتِبَار أهل الْأَمْصَار كلهم أما الْفَصْل الأول فقد بَين أَكثر النَّاس أَن أهل الْعَصْر إِذا اتَّفقُوا على قَول إِلَّا الْوَاحِد والاثنين من الْمُجْتَهدين لَا يكون حجَّة وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْخياط إِن ذَلِك حجَّة

стр. 449

وَدَلِيل الْأَوَّلين أَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا تتناولهم إِذا خرج عَنْهُم الْوَاحِد لِأَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ لَا يتَنَاوَل إِلَّا جَمِيع أهل الْعَصْر على قَول من قَالَ إِن لَام الْجِنْس تعم وَمن قَالَ لَا تعم فانه لَا يُوجب استغراقها للْأَكْثَر حَتَّى لَا يبْقى إِلَّا الْوَاحِد والاثنان بل يَجْعَلهَا حَقِيقَة فِي الثَّلَاثَة والمخالف لَا يَجْعَل قَول الثَّلَاثَة حجَّة وَقَوله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ وَقَوله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﷺ لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضلال يتَنَاوَل جَمِيع أهل الْعَصْر لِأَن أَكْثَرهم يُقَال لَهُم بعض الْأمة وَلَا يُطلق وَصفهم بِأَنَّهُم الْأمة وَأَيْضًا فَفِي الصَّحَابَة من تفرد بأقاويل لم توافقه عَلَيْهَا الْجَمَاعَة وَلم تنكر عَلَيْهِ كتفرد ابْن عَبَّاس بمسائل فِي الْفَرَائِض وَكَذَلِكَ ابْن مَسْعُود ﵄ وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﵇ لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضلال قَالُوا وَهَذِه الْأَسْمَاء تتَنَاوَل حَقِيقَة جَمِيع الْمُؤمنِينَ وَجَمَاعَة الْأمة وَإِن شَذَّ مِنْهُم الْوَاحِد كَمَا أَن الْإِنْسَان يَقُول رايت بقرة سَوْدَاء وَإِن كَانَ فِيهَا شَعرَات بيض وَيَقُول أكلت رمانة وَإِن سقط مِنْهَا حبات لم يأكلها وَالْجَوَاب أَن أَسمَاء الْجمل والعموم لَا تتَنَاوَل الْأَكْثَر إِلَّا مجَازًا أَلا ترى أَنه يجوز أَن يُقَال فِي الْأمة إِلَّا الْوَاحِد لَيْسَ هَؤُلَاءِ كل الْمُؤمنِينَ وَلَا كل الْأمة فَعلمنَا أَن اسْم الْكل لم يتَنَاوَل إِلَّا الْجَمِيع وَقَول الْإِنْسَان أكلت الرمانة وَهُوَ يُرِيد أَكْثَرهَا مجَاز وَكَذَلِكَ الْوَصْف للبقرة بِالسَّوَادِ إِذا كَانَ فِيهَا شَعرَات بيض وَلَا يمْتَنع أَيْضا أَن يكون الْوَصْف للبقرة بِالسَّوَادِ يُفِيد فِي الْعرف كَونهَا سَوْدَاء فِي

стр. 450

رَأْي الْعين فَلَا يمْنَع ذَلِك وجود شَعرَات بيض فِيهَا وَلَا يمْتَنع أَن يكون قَول الْقَائِل أكلت رمانة مَعْنَاهُ فِي الْعرف أكلت مَا جرت الْعَادة بِأَكْلِهِ وَلَيْسَ يكَاد يَنْفَكّ الرمانة من حبات تتساقط مِنْهَا فَذَلِك خَارج من الْكَلَام بِالْعرْفِ وَلَيْسَ يجب إِذا نقل الْعرف ذَلِك أَن ينْقل غَيرهَا من الْأَسْمَاء وَمِنْهَا قَول النَّبِي ﷺ عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم وَأهل الْعَصْر كلهم إِلَّا الْوَاحِد والاثنان هم السوَاد الاعظم وَيُقَال عَلَيْكُم بملازمة الْجَمَاعَة وَذَلِكَ يتَنَاوَل أهل الْعَصْر إِلَّا الْوَاحِد والاثنين وَالْجَوَاب أَن ذَلِك فِي أَخْبَار الْآحَاد وَيَقْتَضِي أَن يجب اتِّبَاع الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة لأَنهم جمَاعَة وَبطلَان ذَلِك يدل على أَنه عَنى بِالْجَمَاعَة جَمِيع أهل الْعَصْر وَأما السوَاد الْأَعْظَم فهم جَمِيع أهل الْعَصْر لِأَنَّهُ لَيْسَ أعظم مِنْهُ وَلَو لم يكن المُرَاد مَا ذَكرْنَاهُ لدخل تَحْتَهُ النّصْف من أهل الْعَصْر إِذا زادوا على النّصْف الآخر بِوَاحِد أَو اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة فان قيل قَوْله ﵇ عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الاعظم يَقْتَضِي أَن يكون حجَّة على غَيرهم مِمَّن لَيْسَ هُوَ من السوَاد الْأَعْظَم وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بِأَن يكون فِي الْعَصْر غَيرهم مِمَّن لم يجمع مَعَهم وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يكون حجَّة على من يَأْتِي بعدهمْ مِمَّن هُوَ أقل مِنْهُم عددا وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْوَاحِد من أهل الْعَصْر إِذا خَالف من سواهُ من أهل الْعَصْر يُوصف بالشذوذ وَذَلِكَ اسْم ذمّ وَلذَلِك أنْكرت الصَّحَابَة على ابْن عَبَّاس مقَالَته فِي الرِّبَا وَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم أَن الْوَاحِد شَاذ إِلَّا إِذا خَالف بعد مَا وَافق وَابْن عَبَّاس لم يُنكر عَلَيْهِ الصَّحَابَة لِأَن قَول غَيره حجَّة عَلَيْهِ لَكِن لأجل خير ابي سعيد وَمِنْهَا قَوْلهم إِن أهل الْعَصْر إِلَّا الْوَاحِد والاثنان لَو أخبروا بِشَيْء وَقع الْعلم بخبرهم فَيجب مثله فِي إِجْمَاعهم وَالْجَوَاب أَنهم جمعُوا بَين الموضوعين بِغَيْر عِلّة وعَلى أَنه يلْزم أَن يكون أهل بلد وَاحِد حجَّة إِذا أَجمعُوا أَن بروايتهم يَقع الْعلم فان فصلوا بَين إِجْمَاعهم وَبَين خبرهم بِأَن إِجْمَاعهم يَقع عَن رَأْي

стр. 451

واستدلال وخبرهم يَقع عَن إِدْرَاك فَهُوَ فصلنا وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْإِجْمَاع حجَّة فِي الْعَصْر وَفِيمَا بعده وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون فيهم من يخالفهم حَتَّى يَكُونُوا حجَّة عَلَيْهِ وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يَكُونُوا حجَّة على من يَأْتِي من بعد وَحجَّة على آحادهم تمنعهم من الرُّجُوع عَمَّا قَالُوهُ وَلَو وَجب أَن يكون الْإِجْمَاع حجَّة على مُخَالف قد عاصر المجمعين لوَجَبَ إِذا أجمع كلهم على قَول أَن لَا يكون حجَّة فاذا ثَبت أَن خلاف الْوَاحِد والاثنين لَا ينْعَقد مَعَه الْإِجْمَاع فَمَتَى رُوِيَ إِجْمَاع أهل عصر مُتَقَدم على قَول وَرُوِيَ بالتواتر ان وَاحِدًا لم يجْتَمع مَعَهم لم يكن إِجْمَاعًا وَإِن رُوِيَ ذَلِك بالآحاد فان كَانَ قد رُوِيَ عَنهُ بالتواتر الْوِفَاق لم يتْرك التَّوَاتُر لأجل الْآحَاد كَمَا لَا يُعَارض خبر وَاحِد عَن النَّبِي ﷺ بِخَبَر متواتر وَإِن لم يكن قد رُوِيَ مُوَافقَة لَهُم لم يحكم بِأَنَّهُم أَجمعُوا لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي أَن يعلم مُوَافقَة ذَلِك الْوَاحِد لَهُم فَكيف إِذا رويت عَنهُ الْمُخَالفَة وَحكى الشَّيْخ أَبُو عبد الله عَن الشَّيْخ ابي الْحسن أَن الْإِجْمَاع إِذا ظهر فِي الْعَصْر وَرُوِيَ عَن وَاحِد مِنْهُم بالآحاد خِلَافه لم يقْدَح ذَلِك فِي الْإِجْمَاع ذكر ذَلِك فِيمَا رُوِيَ بالآحاد عَن أبي طَلْحَة فِي الْبرد وَإِن علمنَا أَن اتِّفَاق أهل الْعَصْر إِلَّا الْوَاحِد وَعلمنَا أَنه كَانَت لَهُ حَالَة مُوَافقَة فان علمنَا أَنه وافقهم ثمَّ خالفهم ثَبت الْإِجْمَاع وَإِن علمنَا أَنه خَالف تِلْكَ الْمقَالة قبل أَن يجتمعوا لم يثبت الْإِجْمَاع وَإِن لم نعلم هَذَا التَّفْصِيل فَالْأولى أَن لَا يثبت الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ لم يُؤمن أَن لَا يكون إِنَّمَا قَالَ بذلك القَوْل قبل أَن يَقُولُوا بِهِ ثمَّ خَالفه قبل أَن يتفقوا عَلَيْهِ فان حكى عَن بعض أهل الْعَصْر مَا يحْتَمل أَن يكون مُوَافقَة وَمَا يحْتَمل أَن لَا يكون مُوَافقَة لَهُم فان كَانَ ظَاهره الْمُوَافقَة حمل عَلَيْهَا وَإِن كَانَ ظَاهره الْمُخَالفَة حمل عَلَيْهَا وَإِن لم يكن لَهُ ظَاهر فَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنه يحمل على الْمُوَافقَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُخَالفا لقويت دواعيه إِلَى إِظْهَار الْخلاف وَلَيْسَ كَذَلِك لَو كَانَ مُوَافقا لِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الْمُوَافقَة السُّكُوت وَترك

стр. 452

الْإِنْكَار وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك القَوْل بَاطِلا لكانوا قد اتَّفقُوا على ترك الْإِنْكَار الصَّرِيح وَذَلِكَ لَا يجوز وَذكر قَاضِي الْقُضَاة عَن ابْن الإخشيد أَن قوما قَالُوا إِن أهل الْعَصْر إِذا حكمُوا بِحكم وَحكى عَن غَيرهم من أهل الْأَعْصَار خِلَافه فان كَانُوا كَثْرَة لَا يجوز أَن يظهروا خلاف مَا يبطنوه قدح ذَلِك فِي الْإِجْمَاع وَإِن جَازَ أَن يظهروا خلاف مَا يبطنونه لم يقْدَح ذَلِك فِي الْإِجْمَاع وَهَذَا بَاطِل لِأَن جَوَاز إظهارهم خلاف مَا يبطنونه لَا يمْنَع جَوَاز كَون باطنهم مُوَافقا لظاهرهم فَيكون ذَلِك خلافًا قادحا فِي الْإِجْمَاع وَأما الْفَصْل الثَّانِي فَهُوَ أَن الْمُجْتَهد من التَّابِعين إِذا حضر مَعَ الصَّحَابَة فِي وَقت الْحَادِثَة فانه لَا يكون قَوْلهم حجَّة إِذا خالفهم وَعم بَعضهم أَنه يكون حجَّة وَإِن خالفهم وَدَلِيل الْأَوَّلين ان أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا تتناولهم إِلَّا مَعَه نَحْو قَوْله ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﷺ أمتِي لَا تجمع على خطأ وَجرى مجْرى الْحَدث من الصَّحَابَة إِذا كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد لِأَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد من دونه والمخالف يحْتَج بِمَا رُوِيَ أَن عَائِشَة أنْكرت على أبي سَلمَة بن عبد الرحمن بن عَوْف خِلَافه على الصَّحَابَة فِي بعض الْمسَائِل وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن تكون أنْكرت عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خالفها بعد مَا اتّفقت وَكَانَ اتفاقها سَابِقًا لكَونه من أهل الِاجْتِهَاد أَو لم تكن المسالة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وعَلى أَن قَوْلهَا بانفرادها لَيْسَ بِحجَّة وَأما الْفَصْل الثَّالِث فَهُوَ أَن يُخَالف فِي الْمَسْأَلَة بعض الْمُجْتَهدين مِمَّن لم يشْتَهر بالفتوى كواصل بن عَطاء فانه لَا يكون قَول من عداهُ حجَّة وَقَالَ بعض النَّاس يكون حجَّة لِأَن مسَائِل الِاجْتِهَاد يجب الرُّجُوع فِيهَا إِلَى أهل الِاجْتِهَاد فَقَوْل غَيرهم لَا يُؤثر فِي إِجْمَاعهم كَمَا أَن قَول النُّحَاة لَا يُؤثر فِي إِجْمَاعهم يبين

стр. 453

ذَلِك أَنا إِذا أردنَا تَقْوِيم شَيْء وَجب الرُّجُوع فِيهِ إِلَى أهل الْخِبْرَة بأسعار ذَلِك الشَّيْء وَدَلِيلنَا أَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع تتَنَاوَل هَذَا الْإِنْسَان نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ وَقَوله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضلال وَإِنَّمَا أخرجنَا الْعَامَّة من ذَلِك لأَنهم لَيْسُوا بِأَهْل الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ كَذَلِك هَذَا الْمُجْتَهد وَبِهَذَا فَارق النُّحَاة وَمَا ذَكرُوهُ من الرُّجُوع فِي التَّقْوِيم إِلَى الْخِبْرَة بأسعار ذَلِك الشَّيْء فَهُوَ حجَّة لنا لأَنا نرْجِع إِلَى من يخبر ذَلِك وَإِن لم يكن مشتهرا بالتقويم وَلَا منتدبا لتقويم الْأَشْيَاء فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يرجع فِي الْحَوَادِث إِلَى أهل الِاجْتِهَاد وَإِن لم ينتدبوا للْفَتْوَى وَأما الْفَصْل الرَّابِع وَهُوَ إِجْمَاع أهل الْأَعْصَار فَعِنْدَ أَكثر النَّاس أَن الْحجَّة هِيَ إِجْمَاع أهل الْأَعْصَار كلهم من الْمُجْتَهدين فِي الْعَصْر الْوَاحِد وَحكي عَن مَالك أَنه قَالَ إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة وحدهم حجَّة وَقَالَ بعض أَصْحَابه إِنَّمَا جعل نقلهم أولى من نقل غَيرهم دليلنا أَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا تتناولهم وحدهم نَحْو اسْم الْمُؤمن وَاسم الامة وَلِأَن الْأَمَاكِن لَا تُؤثر فِي كَون الْأَقْوَال حجَّة وَقَول النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة طيبَة تخرج خبثها كَمَا يخرج الْكِير خبث الْحَدِيد لَا يدل على أَن إِجْمَاع أَهلهَا حجَّة وَإِنَّمَا هُوَ مدح لَهَا وَلَيْسَ المُرَاد بذلك ذمّ كل من خرج مِنْهَا لإِجْمَاع الْأمة على أَن الْخُرُوج مِنْهَا غير مَذْمُوم وَكَون الْمَدِينَة مهبط الْوَحْي لَا يدل على أَن إِجْمَاع أَهلهَا حق وَأما كَون روايتهم أولى من رِوَايَة غَيرهم فقد ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح والدرس أَن ذَلِك لَا يمْتَنع وَلَا فرق بَين رِوَايَة الْوَاحِد مِنْهُم وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ أَو بغَيْرهَا وَإِنَّمَا المُرَاد بذلك أَن تكون روايتهم بعد عصر الصَّحَابَة أولى من رِوَايَة غَيرهم لِأَن أهل الْبَلَد أعرف بِمَا يجْرِي فِيهِ من غَيرهم وَأَنه يرجع النَّاس فِي مَعْرفَته إِلَى الْبقْعَة الَّتِي حدث فِيهَا ذَلِك لأَنهم إِمَّا أَن يَكُونُوا شاهدوه أَو أخْبرهُم بِهِ جمَاعَة مِمَّن شاهدوه وَيُمكن فيهم من كَثْرَة المخبرين مَا لَا يُمكن فِي غَيرهم بل غَيرهم يرجع إِلَيْهِم

стр. 454

- ﷺ َ - بَاب فِيمَا يكون الْإِجْمَاع حجَّة فِيهِ وَمَا لَا يكون حجَّة فِيهِ ﷺ َ - اعْلَم أَن مَا تجمع الْأمة عَلَيْهِ ضَرْبَان أَحدهمَا لَا يُمكن معرفَة صِحَة الْإِجْمَاع قبل الْمعرفَة بِصِحَّتِهِ وَالْآخر يُمكن معرفَة صِحَة الْإِجْمَاع قبل الْمعرفَة بِصِحَّتِهِ فَالْأول لَا يَصح الِاحْتِجَاج بِالْإِجْمَاع فِيهِ كالإجماع على أَن الله تَعَالَى حَكِيم عَادل وَأَن مُحَمَّدًا نَبِي لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُمكن أَن تعرف صِحَة الْإِجْمَاع بعد أَن يعرف أَن الله تَعَالَى أَو رَسُوله قد شهد بِأَن الْإِجْمَاع حق وأنهما لَا يَشْهَدَانِ بِشَيْء إِلَّا وَهُوَ على مَا شَهدا بِهِ وَإِنَّمَا يعرف ذَلِك إِذا عرفت حِكْمَة الله تَعَالَى وَأَنه لَا يفعل الْقَبِيح وَأَن مُحَمَّدًا صَادِق ليعلم صدقه فِي إخْبَاره أَن الْقُرْآن كَلَام الله تَعَالَى حَتَّى يعلم أَن مَا فِيهِ من الْآيَات الدَّالَّة على الْإِجْمَاع من قبل الله تَعَالَى فاذا كَانَت الْمعرفَة بِصِحَّة الْإِجْمَاع لَا يُمكن أَن تتقدم على الْمعرفَة بِاللَّه وبحكمته وَصدق رَسُوله لم يَصح الِاسْتِدْلَال بِهِ على ذَلِك إِذْ من حق الدَّلِيل أَن يُعلمهُ الْمُسْتَدلّ على الْوَجْه الَّذِي يدل عَلَيْهِ قبل علمه بالمدلول فَأَما مَا يُمكن أَن يعرف صِحَة الْإِجْمَاع قبل الْمعرفَة بِهِ فَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا من أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخر من أُمُور الدّين فَالْأول نَحْو أَن يجتمعوا أَنه لَا يجوز الْحَرْب فِي مَوضِع معِين ذكر قَاضِي الْقُضَاة أَنه يجوز لمن بعدهمْ مخالفتهم فِي ذَلِك لِأَن حَالهم فِي ذَلِك لَيست بأعظم من حَال النَّبِي ﷺ وَمَعْلُوم أَنه ﷺ لَو رأى رَأيا فِي الْحَرْب لساغ مُرَاجعَته فِيهِ وَلَيْسَ إِجْمَاعهم على إِمَامَة أبي بكر من هَذَا الْقَبِيل لِأَن ذَلِك من أُمُور الدّين وَذكر فِي كتاب النِّهَايَة أَنه لَا يجوز مخالفتهم لِأَن أَدِلَّة الْإِجْمَاع منعت من الْخلاف عَلَيْهِم وَلم يفصل بَين أَن يكون قد اتَّفقُوا على أَمر ديني أَو دنياوي ويفارقون النَّبِي ﷺ لِأَن الَّذِي منع من جَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِ هُوَ المعجز وَذَلِكَ لَا يتَعَلَّق بِأُمُور الدُّنْيَا وَلَيْسَ كَذَلِك الْأمة فَأَما أُمُور الدّين فانه يكون اتِّفَاقهم حجَّة فِيهِ سَوَاء كَانَ عقليا نَحْو

стр. 455

رُؤْيَة الله تَعَالَى لَا فِي جِهَة وَنفي ثَان مثله أَو كَانَ شرعيان لِأَنَّهُ يُمكن الْعلم بِصِحَّة الْإِجْمَاع قبل الْعلم بذلك إِذْ الشَّك فِي ذَلِك لَا يخل بِالْعلمِ بِاللَّه تَعَالَى وحكمته وَصدق نبيه وَلَا فرق بَين أَن يكون القَوْل صادرا عَن اجْتِهَاد عَن أَمَارَات أَو اسْتِدْلَالا بأدلة وَلَا فرق بَين أَن يكون قد تقدم ذَلِك الْإِجْمَاع اخْتِلَاف أَو لم يتقدمه اخْتِلَاف وسنتكلم فِي كلا الْمَوْضِعَيْنِ إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب فِي أَن الْإِجْمَاع إِذا انْعَقَد عَن اجْتِهَاد كَانَ حجَّة ﷺ َ - ذكر قَاضِي الْقُضَاة عَن الْحَاكِم صَاحب الْمُخْتَصر أَنه قَالَ إِذا انْعَقَد الْإِجْمَاع لأهل الْعَصْر عَن اجْتِهَاد جَازَ لمن بعدهمْ ان يخالفهم فِيهِ وَعِنْدنَا أَنه حجَّة يحرم خِلَافه لقَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ فاذا اجْتَمعُوا على الحكم بِالِاجْتِهَادِ فخلافه لَيْسَ هُوَ سبيلهم فَلم يجز اتِّبَاعه فان قيل إِنَّمَا لم يكن سبيلهم لِأَنَّهُ لم يؤد الِاجْتِهَاد إِلَيْهِ فاذا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد كَانَ سبيلهم وَإِن كَانَ ذَلِك الِاجْتِهَاد اجْتِهَاد غَيرهم وَالْجَوَاب أَن ذَلِك شَرط لَا دَلِيل عَلَيْهِ فَلم يجز إثْبَاته وَلَو جَازَ مَا ذَكرُوهُ لجَاز أَن يُقَال فِيمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ عَن دَلِيل إِنَّه سبيلهم بِشَرْط أَن يُؤَدِّي الِاسْتِدْلَال إِلَيْهِ وخلافه لَيْسَ هُوَ سبيلهم إِن لم يؤد الِاسْتِدْلَال إِلَيْهِ فَإِن أدّى الِاسْتِدْلَال إِلَيْهِ كَانَ سبيلهم وَإِن كَانَ ذَلِك الِاسْتِدْلَال اسْتِدْلَال غَيرهم فَيبْطل التَّعَلُّق بِالْإِجْمَاع أصلا فان قيل أَلَيْسَ لَو اتَّفقُوا على الحكم اجْتِهَادًا وَلم يعلم كل وَاحِد مِنْهُم أَن غَيره قد وَافقه جَازَ لكل وَاحِد مِنْهُم مُخَالفَة ذَلِك الحكم وَلَا يَأْثَم من خَالفه فقد صَار جَوَاز مُخَالفَة ذَلِك الحكم سبيلهم بأجمعهم قيل هَذَا لَازم فيهم إِذا أَجمعُوا على الحكم بالأدلة

стр. 456

وَالْجَوَاب فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِد وَهُوَ أَنه إِذا كَانَت الْحَال هَذِه فانه إِنَّمَا جوز كل وَاحِد مِنْهُم مُخَالفَة قَوْلهم بِشَرْط كَونه غير مجمع عَلَيْهِ أَلا ترى أَنه لَو علم أَنه مجمع عَلَيْهِ لم يجز ذَلِك فاذا علمنَا أَن الحكم مُتَّفق عَلَيْهِ لم يجز أَن نخالفهم فَأَما من قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد فانه يمْنَع من مُخَالفَة قَوْله سَوَاء اتّفق عَلَيْهِ أَو لم يتَّفق عَلَيْهِ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ وَمِمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ أَنه لَا يجوز مخالفتهم وَلقَائِل أَن يَقُول لم زعمتم أَنهم اجْتَمعُوا على ذَلِك وَإِذا كَانَ فِي النَّاس من يجوز مخالفتهم لم يُؤمن أَن يكون فِي المجمعين عَن اجْتِهَاد من يجوز مخالفتهم فَلَا يَصح ادِّعَاء الْإِجْمَاع فالمخالف يقيس القَوْل الْمجمع عَلَيْهِ بِاجْتِهَاد على الْمُخْتَلف فِيهِ بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا صادر عَن اجْتِهَاد وَالْجَوَاب أَن الْعلَّة فِي الأَصْل أَنه قَول لم يقْتَرن بِهِ دَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك مَا اجْتمع عَلَيْهِ ثمَّ تعارضهم فيقيس الْمَسْأَلَة على مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ مِمَّا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا قَول مُتَّفق عَلَيْهِ ﷺ َ - بَاب فِي الِاتِّفَاق بعد الِاخْتِلَاف وَبعد الِاتِّفَاق وَفِي الِاخْتِلَاف بعد الِاتِّفَاق ﷺ َ - اعْلَم أَن أهل الْعَصْر إِذا اتَّفقُوا على حكم من الْأَحْكَام فانه يجوز أَن يتَّفق من بعدهمْ على متابعتهم وَهُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِم وَيجوز أَن يخالفهم بعض أهل الْعَصْر الثَّانِي وَلَا يحل ذَلِك لَهُم لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِيل من بعض الامة أَن يعدل عَن الْحق وَلَا يجوز أَن يتَّفق أهل الْعَصْر الثَّانِي على مخالفتهم وَحكى قَاضِي الْقُضَاة عَن الشَّيْخ أبي عبد الله أَنه قَالَ إِنَّمَا لم يجز أَن يتفقوا على مخالفتهم لِأَن أهل الْعَصْر الأول أَجمعُوا على أَنه لَا يجوز أَن يَقع الْإِجْمَاع من بعد على مخالفتهم وَلَو لم يجمعوا على ذَلِك لجَاز أَن يتفقوا على مخالفتهم وَيكون الْإِجْمَاع الثَّانِي فِي حكم النَّاسِخ للْأولِ وَحكي عَن الشَّيْخ أبي عَليّ أَنه قَالَ

стр. 457

لَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يخالفهم رجل وَاحِد ولجاز أَن يَنْضَم إِلَيْهِ غَيره إِلَى أَن يتَّفق أهل الْعَصْر الثَّانِي على خلاف قَول الْأَوَّلين وَقَوله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يمْنَع من أَن يتبع أهل الْعَصْر الثَّانِي غير سبيلهم وَلِأَن الْمَسْأَلَة إِن لم تكن من مسَائِل الِاجْتِهَاد فخلاف مَا اجْتمع عَلَيْهِ أهل الْعَصْر الأول فِيهَا ضَلَالَة والامة لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة فَأَما إِذا اخْتلف أهل الْعَصْر فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ فانه يجوز أَن يتَّفق من بعدهمْ على أَحدهمَا فاذا اتَّفقُوا كَانَ صَوَابا وَحجَّة مُحرمَة للأخذ بالْقَوْل الآخر وَفِي كلا الْمَوْضِعَيْنِ اخْتِلَاف أما جَوَاز اتِّفَاق من بعدهمْ على أحد الْقَوْلَيْنِ فقد منع مِنْهُ قوم ظنا مِنْهُم أَن اخْتِلَاف من تقدم فِي ضمنه الْإِجْمَاع على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ على الاطلاق فأدخلوا فِي الْإِجْمَاع مَا لَيْسَ مِنْهُ وَهَذَا سَنذكرُهُ عِنْد الْكَلَام فِيمَا ألحق بِالْإِجْمَاع وَلَيْسَ هُوَ مِنْهُ وَأما إِذا اتَّفقُوا على أحد الْقَوْلَيْنِ فقد حكى قَاضِي الْقُضَاة فِي الْعمد عَن بعض الْمُتَكَلِّمين وَبَعض أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ أَنه لَا يكون حجَّة فِي تَحْرِيك القَوْل الآخر وَحكي عَن شَيخنَا أبي عبد الله وَأبي الْحسن وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي أَنه يكون حجَّة فِي تَحْرِيم القَوْل الآخر وَذكر فِي الشَّرْح أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي ذَلِك فَمنهمْ من جعل ذَلِك محرما للْخلاف على كل حَال وَمِنْهُم من لم يَجعله محرما للْخلاف على كل حَال وَلم يفصل بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمِنْهُم من جعله محرما للْخلاف فِي حَال دون حَال وَالْحَال الَّتِي يحرم فِيهَا الْخلاف هِيَ أَن يكون المتفقون على أحد الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَة هم الَّذين اخْتلفُوا فِيهَا سَوَاء كَانَ ذَلِك عصر الصَّحَابَة أَو غَيرهم وَالْحَال الَّتِي لَا يكون اتِّفَاقهم مَعهَا حجَّة مزيلة للْخلاف هِيَ أَن يخْتَلف أهل عصر ويتفق من بعدهمْ على أحد قوليهم وَالدَّلِيل على أَن الِاتِّفَاق يحرم الِاخْتِلَاف على جَمِيع الْأَحْوَال قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾

стр. 458

وَقد بَينا أَن ذَلِك يتَنَاوَل كل عصر وَلم يفصل فِي تَحْرِيم اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ بَين أَن يكون قد تقدم اخْتِلَاف أَو لم يتَقَدَّم وَاسْتدلَّ قَاضِي الْقُضَاة بقوله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ فَيجب كَون مَا اتّفق عَلَيْهِ أهل الْعَصْر الثَّانِي غير خطأ فان قيل لَيْسَ هُوَ خطأ وَلَيْسَ يحرم بعدهمْ أَن يخالفهم قيل قد أَجمعُوا على أَنه لَا يجوز أَن يخالفهم وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَا يُمكن ادِّعَاء الْإِجْمَاع على ذَلِك لِأَن الْأمة مُخْتَلفَة فِي اتِّفَاق أهل الْعَصْر على أحد الْقَوْلَيْنِ هَل يجوز مُخَالفَته أم لَا وَاسْتدلَّ أَيْضا بِأَن الْإِجْمَاع الْمُبْتَدَأ لَا يجوز خِلَافه وَكَذَلِكَ إِذا اخْتلفت الصَّحَابَة ثمَّ اتّفقت فَيجب مثله فِي التَّابِعين إِذا اتَّفقُوا بعد اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن أوجبتم ذَلِك لدُخُول اتِّفَاقهم تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع فَذَلِك رُجُوع إِلَى الْأَدِلَّة الْمُتَقَدّمَة وَإِن أوجبتم ذَلِك بِالْقِيَاسِ فَمَا الْعلَّة الجامعة فان قُلْتُمْ الْعلَّة فِي ذَلِك أَنه إِجْمَاع قيل لكم لَيست هَذِه عِلّة مَعْلُومَة وَالْأَصْل فِي الْجَمَاعَة أَنه يجوز اتفاقها على الْخَطَأ وَإِنَّمَا امتنعنا من ذَلِك للأدلة فَيجب اعْتِبَارهَا دون الْقيَاس لِأَنَّهُ لَا يظفر فِي ذَلِك بعلة مَعْلُومَة وَلَيْسَ لكم أَن تجْعَلُوا الْعلَّة فِي الأَصْل كَونه إِجْمَاعًا بِأولى من أَن نَجْعَلهَا كَونه إِجْمَاعًا مُبْتَدأ على انه قد حكى قَاضِي الْقُضَاة فِي الدَّرْس أَن قوما قَالُوا إِن اتِّفَاق الصَّحَابَة بعد اختلافها لَا يحرم الْخلاف وَاحْتج الْمُخَالف بِأُمُور مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ فَشرط التَّنَازُع فِي وجوب الرَّد والتنازع قد حصل وَلَيْسَ يخرج بالِاتِّفَاقِ الْوَاقِع

стр. 459

من أَن يكون قد تقدم حُصُوله فَوَجَبَ الرَّد وَالْجَوَاب أَن الرَّد إِلَى الْإِجْمَاع والتعلق بِهِ رد إِلَى الله وَالرَّسُول كَمَا أَن الْأَخْذ بِكِتَاب الله بِحكم الْقيَاس رد إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَأَيْضًا فَأهل الْعَصْر الثَّانِي إِذا اتَّفقُوا وَلم يَكُونُوا متنازعين فَلم يجب عَلَيْهِم الرَّد على قَول من يسْتَدلّ بِهَذِهِ الْآيَة على صِحَة الْإِجْمَاع وَمِنْهَا قَوْلهم إِن فِي ضمن اخْتِلَاف أهل الْعَصْر فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ اتِّفَاق مِنْهُم على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا فِي كل حَال لِأَنَّهُ لَا يخْتَص حَالا دون حَال فَلَو كَانَ اتِّفَاق من بعدهمْ على أحد الْقَوْلَيْنِ محرما للأخذ بالْقَوْل الآخر لم يخل إِمَّا أَن يكْشف عَن تَحْرِيمه فِي الْمُسْتَقْبل فَيكون نسخا وَذَلِكَ لَا يكون بعد انْقِطَاع الْوَحْي وَإِمَّا أَن يكْشف عَن تَحْرِيمه فِي الْمَاضِي والمستقبل فَيدل على خطأ من تقدمه وَذَلِكَ لَا يجوز وَهَذَا هُوَ معنى قَوْلهم لَو حرم الْخلاف فِي الْمُسْتَقْبل لحرمه فِي الْمَاضِي وَالْجَوَاب أَن الْقَائِلين بِأَن الْحق فِي وَاحِد لَا يجوز أَن يحتجوا بِهَذَا الْكَلَام لِأَن عِنْدهم أَن الْمُجْتَهد لَا يجوز أَن يَأْخُذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا يجب عَلَيْهِ أَن يَأْخُذ بِالْحَقِّ مِنْهُمَا والعامي إِنَّمَا يجوز لَهُ أَن يُقَلّد من يفتيه فاذا أَجمعُوا على أَحدهمَا لم يجد من يفتيه بِالْآخرِ فَيُقَال قد حرم عَلَيْهِ الْأَخْذ بِهِ بعد أَن كَانَ حَلَالا وَأما الْقَائِلُونَ بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب فجوابنا لَهُم إِن احْتَجُّوا بذلك هُوَ أَن الْمُخْتَلِفين فِي الْمَسْأَلَة إِنَّمَا سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لِأَن الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا وَهِي من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَيبين ذَلِك أَنهم لَو سئلوا عَن جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لعللوا بذلك فعلى هَذَا الْمُسْتَدلّ أَن يبين أَن الْمَسْأَلَة بعد الِاتِّفَاق هِيَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَأما نَحن فاذا بَينا أَنهم إِذا اتَّفقُوا عَلَيْهَا فقد تناولهم أَدِلَّة الْإِجْمَاع وَحرم خلافهم علمنَا أَن الشَّرْط المجوز للأخذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ قد زَالَ فَزَالَ حكمه وَلَا يُسمى ذَلِك نسخا لِأَن الحكم إِذا وقف على شَرط يعلم زَوَاله وثبوته لَا بِالشَّرْعِ فانه لَا يكون زَوَاله بِزَوَال شَرطه نسخا أَلا ترى أَن زَوَال وجوب الصّيام بِدُخُول اللَّيْل لَا يكون نسخا فان قيل لَسْتُم بِأَن تجْعَلُوا اجْتِمَاع الْمُخْتَلِفين على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ مَشْرُوطًا بِثُبُوت الِاخْتِلَاف بِأولى من أَن نجْعَل نَحن كَون

стр. 460

الِاتِّفَاق حجَّة مَشْرُوطًا بِنَفْي تقدم الْخلاف قيل مَا ذَكرْنَاهُ أولى لأَنا قد بَينا أَن الْمُخْتَلِفين سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِالشّرطِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَكَانَ الأولى مَا قُلْنَاهُ على أَن مَا ذَكرُوهُ ينْتَقض عَلَيْهِم باجماع أهل الْعَصْر بعد النّظر والفحص الطَّوِيل لِأَن ذَلِك اتِّفَاق مِنْهُم على جَوَاز التَّوَقُّف فِي الْمَسْأَلَة وَلَا يسوغ بعد اتِّفَاقهم التَّوَقُّف فِيهَا وينتقض على قَول بَعضهم إِن الصَّحَابَة إِذا اتّفقت بعد مَا اخْتلفت حرم الْأَخْذ بالْقَوْل الآخر ثمَّ يُقَال لَهُم إِذا لم تجْعَلُوا اتِّفَاق أهل الْعَصْر الثَّانِي حجَّة مَعَ أَنه اتِّفَاق صَرِيح فَهَلا قُلْتُمْ إِن اتِّفَاق أهل الْعَصْر الأول على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِحجَّة فِي جَوَاز الْأَخْذ بِهِ مَعَ أَنه اتِّفَاق لَيْسَ بِصَرِيح وَهُوَ مَعَ ذَلِك مَبْنِيّ على القَوْل بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَ قَوْلهم إِذا اتَّفقُوا بعد الِاخْتِلَاف حجَّة لَكَانَ قَول إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ حجَّة إِذا مَاتَت الطَّائِفَة الْأُخْرَى وَفِي ذَلِك كَون قَوْلهم حجَّة بِالْمَوْتِ وَالْجَوَاب أَنا نتبين لمَوْت إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَن قَول الْأُخْرَى حجَّة لدُخُول تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا أَن الْمَوْت يُوجب كَون قَوْلهم حجَّة على أَن مَسْأَلَتنَا جَمِيع الْمُخْتَلِفين قَالُوا باخذ الْقَوْلَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا مَاتَت إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَ اتِّفَاق أهل الْعَصْر الثَّانِي حجَّة لكانوا قد صَارُوا إلبه بِدَلِيل وَحجَّة وَلَو كَانَ كَذَلِك لما خَفِي على الصَّحَابَة وَالْجَوَاب أَنه لَا يجوز أَن يخفى هَذَا وَمثله على جَمِيعهم فَأَما أَن يخفى على بَعضهم فَيجوز لِأَن بَعضهم لَيْسَ بِحجَّة ﷺ َ - بَاب فِي انْقِرَاض الْعَصْر هَل هُوَ شَرط فِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة ﷺ َ - اعْلَم أَن كثيرا من النَّاس لم يعتبروا انْقِرَاض الْعَصْر أصلا واعتبره بَعضهم وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَقَالَ بَعضهم هُوَ طَرِيق إِلَى انْعِقَاد الْإِجْمَاع وَسَيَجِيءُ القَوْل
следующие страницы →