Полный текст (878 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَالْجَوَاب فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِد وَهُوَ أَنه إِذا كَانَت الْحَال هَذِه فانه إِنَّمَا جوز كل وَاحِد مِنْهُم مُخَالفَة قَوْلهم بِشَرْط كَونه غير مجمع عَلَيْهِ أَلا ترى أَنه لَو علم أَنه مجمع عَلَيْهِ لم يجز ذَلِك فاذا علمنَا أَن الحكم مُتَّفق عَلَيْهِ لم يجز أَن نخالفهم
فَأَما من قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد فانه يمْنَع من مُخَالفَة قَوْله سَوَاء اتّفق عَلَيْهِ أَو لم يتَّفق عَلَيْهِ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ وَمِمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ أَنه لَا يجوز مخالفتهم وَلقَائِل أَن يَقُول لم زعمتم أَنهم اجْتَمعُوا على ذَلِك وَإِذا كَانَ فِي النَّاس من يجوز مخالفتهم لم يُؤمن أَن يكون فِي المجمعين عَن اجْتِهَاد من يجوز مخالفتهم فَلَا يَصح ادِّعَاء الْإِجْمَاع فالمخالف يقيس القَوْل الْمجمع عَلَيْهِ بِاجْتِهَاد على الْمُخْتَلف فِيهِ بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا صادر عَن اجْتِهَاد وَالْجَوَاب أَن الْعلَّة فِي الأَصْل أَنه قَول لم يقْتَرن بِهِ دَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك مَا اجْتمع عَلَيْهِ ثمَّ تعارضهم فيقيس الْمَسْأَلَة على مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ مِمَّا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا قَول مُتَّفق عَلَيْهِ ﷺ َ - بَاب فِي الِاتِّفَاق بعد الِاخْتِلَاف وَبعد الِاتِّفَاق وَفِي الِاخْتِلَاف بعد الِاتِّفَاق ﷺ َ -
اعْلَم أَن أهل الْعَصْر إِذا اتَّفقُوا على حكم من الْأَحْكَام فانه يجوز أَن يتَّفق من بعدهمْ على متابعتهم وَهُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِم وَيجوز أَن يخالفهم بعض أهل الْعَصْر الثَّانِي وَلَا يحل ذَلِك لَهُم لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِيل من بعض الامة أَن يعدل عَن الْحق وَلَا يجوز أَن يتَّفق أهل الْعَصْر الثَّانِي على مخالفتهم
وَحكى قَاضِي الْقُضَاة عَن الشَّيْخ أبي عبد الله أَنه قَالَ إِنَّمَا لم يجز أَن يتفقوا على مخالفتهم لِأَن أهل الْعَصْر الأول أَجمعُوا على أَنه لَا يجوز أَن يَقع الْإِجْمَاع من بعد على مخالفتهم وَلَو لم يجمعوا على ذَلِك لجَاز أَن يتفقوا على مخالفتهم وَيكون الْإِجْمَاع الثَّانِي فِي حكم النَّاسِخ للْأولِ وَحكي عَن الشَّيْخ أبي عَليّ أَنه قَالَ
стр. 457
لَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يخالفهم رجل وَاحِد ولجاز أَن يَنْضَم إِلَيْهِ غَيره إِلَى أَن يتَّفق أهل الْعَصْر الثَّانِي على خلاف قَول الْأَوَّلين وَقَوله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ يمْنَع من أَن يتبع أهل الْعَصْر الثَّانِي غير سبيلهم وَلِأَن الْمَسْأَلَة إِن لم تكن من مسَائِل الِاجْتِهَاد فخلاف مَا اجْتمع عَلَيْهِ أهل الْعَصْر الأول فِيهَا ضَلَالَة والامة لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة فَأَما إِذا اخْتلف أهل الْعَصْر فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ فانه يجوز أَن يتَّفق من بعدهمْ على أَحدهمَا فاذا اتَّفقُوا كَانَ صَوَابا وَحجَّة مُحرمَة للأخذ بالْقَوْل الآخر
وَفِي كلا الْمَوْضِعَيْنِ اخْتِلَاف أما جَوَاز اتِّفَاق من بعدهمْ على أحد الْقَوْلَيْنِ فقد منع مِنْهُ قوم ظنا مِنْهُم أَن اخْتِلَاف من تقدم فِي ضمنه الْإِجْمَاع على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ على الاطلاق فأدخلوا فِي الْإِجْمَاع مَا لَيْسَ مِنْهُ وَهَذَا سَنذكرُهُ عِنْد الْكَلَام فِيمَا ألحق بِالْإِجْمَاع وَلَيْسَ هُوَ مِنْهُ وَأما إِذا اتَّفقُوا على أحد الْقَوْلَيْنِ فقد حكى قَاضِي الْقُضَاة فِي الْعمد عَن بعض الْمُتَكَلِّمين وَبَعض أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ أَنه لَا يكون حجَّة فِي تَحْرِيك القَوْل الآخر وَحكي عَن شَيخنَا أبي عبد الله وَأبي الْحسن وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي أَنه يكون حجَّة فِي تَحْرِيم القَوْل الآخر وَذكر فِي الشَّرْح أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي ذَلِك فَمنهمْ من جعل ذَلِك محرما للْخلاف على كل حَال وَمِنْهُم من لم يَجعله محرما للْخلاف على كل حَال وَلم يفصل بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمِنْهُم من جعله محرما للْخلاف فِي حَال دون حَال وَالْحَال الَّتِي يحرم فِيهَا الْخلاف هِيَ أَن يكون المتفقون على أحد الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَة هم الَّذين اخْتلفُوا فِيهَا سَوَاء كَانَ ذَلِك عصر الصَّحَابَة أَو غَيرهم وَالْحَال الَّتِي لَا يكون اتِّفَاقهم مَعهَا حجَّة مزيلة للْخلاف هِيَ أَن يخْتَلف أهل عصر ويتفق من بعدهمْ على أحد قوليهم
وَالدَّلِيل على أَن الِاتِّفَاق يحرم الِاخْتِلَاف على جَمِيع الْأَحْوَال قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾
стр. 458
وَقد بَينا أَن ذَلِك يتَنَاوَل كل عصر وَلم يفصل فِي تَحْرِيم اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ بَين أَن يكون قد تقدم اخْتِلَاف أَو لم يتَقَدَّم
وَاسْتدلَّ قَاضِي الْقُضَاة بقوله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ فَيجب كَون مَا اتّفق عَلَيْهِ أهل الْعَصْر الثَّانِي غير خطأ
فان قيل لَيْسَ هُوَ خطأ وَلَيْسَ يحرم بعدهمْ أَن يخالفهم قيل قد أَجمعُوا على أَنه لَا يجوز أَن يخالفهم وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَا يُمكن ادِّعَاء الْإِجْمَاع على ذَلِك لِأَن الْأمة مُخْتَلفَة فِي اتِّفَاق أهل الْعَصْر على أحد الْقَوْلَيْنِ هَل يجوز مُخَالفَته أم لَا
وَاسْتدلَّ أَيْضا بِأَن الْإِجْمَاع الْمُبْتَدَأ لَا يجوز خِلَافه وَكَذَلِكَ إِذا اخْتلفت الصَّحَابَة ثمَّ اتّفقت فَيجب مثله فِي التَّابِعين إِذا اتَّفقُوا بعد اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن أوجبتم ذَلِك لدُخُول اتِّفَاقهم تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع فَذَلِك رُجُوع إِلَى الْأَدِلَّة الْمُتَقَدّمَة وَإِن أوجبتم ذَلِك بِالْقِيَاسِ فَمَا الْعلَّة الجامعة فان قُلْتُمْ الْعلَّة فِي ذَلِك أَنه إِجْمَاع قيل لكم لَيست هَذِه عِلّة مَعْلُومَة وَالْأَصْل فِي الْجَمَاعَة أَنه يجوز اتفاقها على الْخَطَأ وَإِنَّمَا امتنعنا من ذَلِك للأدلة فَيجب اعْتِبَارهَا دون الْقيَاس لِأَنَّهُ لَا يظفر فِي ذَلِك بعلة مَعْلُومَة وَلَيْسَ لكم أَن تجْعَلُوا الْعلَّة فِي الأَصْل كَونه إِجْمَاعًا بِأولى من أَن نَجْعَلهَا كَونه إِجْمَاعًا مُبْتَدأ على انه قد حكى قَاضِي الْقُضَاة فِي الدَّرْس أَن قوما قَالُوا إِن اتِّفَاق الصَّحَابَة بعد اختلافها لَا يحرم الْخلاف
وَاحْتج الْمُخَالف بِأُمُور
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ فَشرط التَّنَازُع فِي وجوب الرَّد والتنازع قد حصل وَلَيْسَ يخرج بالِاتِّفَاقِ الْوَاقِع
стр. 459
من أَن يكون قد تقدم حُصُوله فَوَجَبَ الرَّد وَالْجَوَاب أَن الرَّد إِلَى الْإِجْمَاع والتعلق بِهِ رد إِلَى الله وَالرَّسُول كَمَا أَن الْأَخْذ بِكِتَاب الله بِحكم الْقيَاس رد إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَأَيْضًا فَأهل الْعَصْر الثَّانِي إِذا اتَّفقُوا وَلم يَكُونُوا متنازعين فَلم يجب عَلَيْهِم الرَّد على قَول من يسْتَدلّ بِهَذِهِ الْآيَة على صِحَة الْإِجْمَاع
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن فِي ضمن اخْتِلَاف أهل الْعَصْر فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ اتِّفَاق مِنْهُم على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا فِي كل حَال لِأَنَّهُ لَا يخْتَص حَالا دون حَال فَلَو كَانَ اتِّفَاق من بعدهمْ على أحد الْقَوْلَيْنِ محرما للأخذ بالْقَوْل الآخر لم يخل إِمَّا أَن يكْشف عَن تَحْرِيمه فِي الْمُسْتَقْبل فَيكون نسخا وَذَلِكَ لَا يكون بعد انْقِطَاع الْوَحْي وَإِمَّا أَن يكْشف عَن تَحْرِيمه فِي الْمَاضِي والمستقبل فَيدل على خطأ من تقدمه وَذَلِكَ لَا يجوز وَهَذَا هُوَ معنى قَوْلهم لَو حرم الْخلاف فِي الْمُسْتَقْبل لحرمه فِي الْمَاضِي وَالْجَوَاب أَن الْقَائِلين بِأَن الْحق فِي وَاحِد لَا يجوز أَن يحتجوا بِهَذَا الْكَلَام لِأَن عِنْدهم أَن الْمُجْتَهد لَا يجوز أَن يَأْخُذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا يجب عَلَيْهِ أَن يَأْخُذ بِالْحَقِّ مِنْهُمَا والعامي إِنَّمَا يجوز لَهُ أَن يُقَلّد من يفتيه فاذا أَجمعُوا على أَحدهمَا لم يجد من يفتيه بِالْآخرِ فَيُقَال قد حرم عَلَيْهِ الْأَخْذ بِهِ بعد أَن كَانَ حَلَالا وَأما الْقَائِلُونَ بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب فجوابنا لَهُم إِن احْتَجُّوا بذلك هُوَ أَن الْمُخْتَلِفين فِي الْمَسْأَلَة إِنَّمَا سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لِأَن الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا وَهِي من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَيبين ذَلِك أَنهم لَو سئلوا عَن جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لعللوا بذلك فعلى هَذَا الْمُسْتَدلّ أَن يبين أَن الْمَسْأَلَة بعد الِاتِّفَاق هِيَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَأما نَحن فاذا بَينا أَنهم إِذا اتَّفقُوا عَلَيْهَا فقد تناولهم أَدِلَّة الْإِجْمَاع وَحرم خلافهم علمنَا أَن الشَّرْط المجوز للأخذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ قد زَالَ فَزَالَ حكمه وَلَا يُسمى ذَلِك نسخا لِأَن الحكم إِذا وقف على شَرط يعلم زَوَاله وثبوته لَا بِالشَّرْعِ فانه لَا يكون زَوَاله بِزَوَال شَرطه نسخا أَلا ترى أَن زَوَال وجوب الصّيام بِدُخُول اللَّيْل لَا يكون نسخا فان قيل لَسْتُم بِأَن تجْعَلُوا اجْتِمَاع الْمُخْتَلِفين على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ مَشْرُوطًا بِثُبُوت الِاخْتِلَاف بِأولى من أَن نجْعَل نَحن كَون
стр. 460
الِاتِّفَاق حجَّة مَشْرُوطًا بِنَفْي تقدم الْخلاف قيل مَا ذَكرْنَاهُ أولى لأَنا قد بَينا أَن الْمُخْتَلِفين سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِالشّرطِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَكَانَ الأولى مَا قُلْنَاهُ على أَن مَا ذَكرُوهُ ينْتَقض عَلَيْهِم باجماع أهل الْعَصْر بعد النّظر والفحص الطَّوِيل لِأَن ذَلِك اتِّفَاق مِنْهُم على جَوَاز التَّوَقُّف فِي الْمَسْأَلَة وَلَا يسوغ بعد اتِّفَاقهم التَّوَقُّف فِيهَا وينتقض على قَول بَعضهم إِن الصَّحَابَة إِذا اتّفقت بعد مَا اخْتلفت حرم الْأَخْذ بالْقَوْل الآخر ثمَّ يُقَال لَهُم إِذا لم تجْعَلُوا اتِّفَاق أهل الْعَصْر الثَّانِي حجَّة مَعَ أَنه اتِّفَاق صَرِيح فَهَلا قُلْتُمْ إِن اتِّفَاق أهل الْعَصْر الأول على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِحجَّة فِي جَوَاز الْأَخْذ بِهِ مَعَ أَنه اتِّفَاق لَيْسَ بِصَرِيح وَهُوَ مَعَ ذَلِك مَبْنِيّ على القَوْل بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَ قَوْلهم إِذا اتَّفقُوا بعد الِاخْتِلَاف حجَّة لَكَانَ قَول إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ حجَّة إِذا مَاتَت الطَّائِفَة الْأُخْرَى وَفِي ذَلِك كَون قَوْلهم حجَّة بِالْمَوْتِ وَالْجَوَاب أَنا نتبين لمَوْت إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَن قَول الْأُخْرَى حجَّة لدُخُول تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَا أَن الْمَوْت يُوجب كَون قَوْلهم حجَّة على أَن مَسْأَلَتنَا جَمِيع الْمُخْتَلِفين قَالُوا باخذ الْقَوْلَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا مَاتَت إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَ اتِّفَاق أهل الْعَصْر الثَّانِي حجَّة لكانوا قد صَارُوا إلبه بِدَلِيل وَحجَّة وَلَو كَانَ كَذَلِك لما خَفِي على الصَّحَابَة وَالْجَوَاب أَنه لَا يجوز أَن يخفى هَذَا وَمثله على جَمِيعهم فَأَما أَن يخفى على بَعضهم فَيجوز لِأَن بَعضهم لَيْسَ بِحجَّة ﷺ َ - بَاب فِي انْقِرَاض الْعَصْر هَل هُوَ شَرط فِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة ﷺ َ -
اعْلَم أَن كثيرا من النَّاس لم يعتبروا انْقِرَاض الْعَصْر أصلا واعتبره بَعضهم وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فَقَالَ بَعضهم هُوَ طَرِيق إِلَى انْعِقَاد الْإِجْمَاع وَسَيَجِيءُ القَوْل
стр. 461
فِيهِ وَمِنْهُم من جعله شرطا فِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة وَجوز لبَعض المجمعين أَن يُخَالف قَوْله
وَدَلِيل الْأَوَّلين قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَوله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقَوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء﴾ وَقَوله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على ضلال وكل ذَلِك يُوجب الرُّجُوع إِلَى الْإِجْمَاع وَلَا يفرق بَين انْقِرَاض الْعَصْر وَنفي انقراضه
دَلِيل لَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَن تكون الْحجَّة هِيَ انْقِرَاض الْعَصْر أَو اتِّفَاقهم بِشَرْط انْقِرَاض الْعَصْر أَو اتِّفَاقهم فَقَط وَالْأول يَقْتَضِي أَن يكون الْعَصْر لَو انقرض من دون اتِّفَاقهم أَن يكون حجَّة وَالثَّانِي يَقْتَضِي أَن يكون لموتهم تَأْثِير فِي كَون قَوْلهم حجَّة وَذَلِكَ لَا يجوز كَمَا لَا يكون لمَوْت النَّبِي ﷺ تَأْثِير فِي كَون قَوْله حجَّة
وَلقَائِل أَن يَقُول أَلَيْسَ موت النَّبِي لَا يصير مَعَه قَوْله حجَّة والامة عنْدكُمْ إِذا اخْتلفت فِي الْمَسْأَلَة على فرْقَتَيْن ثمَّ مَاتَت إِحْدَاهمَا كَانَ قَول الْأُخْرَى حجَّة ففارقت الْأمة النَّبِي ﵇ فِي ذَلِك فَهَلا جَازَ أَن تفترقا فِي الْوَجْه الآخر
دَلِيل آخر لَو اعْتبرنَا انْقِرَاض الْعَصْر لم ينْعَقد الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ قد حدث من التَّابِعين فِي زمن الصَّحَابَة قوم من أهل الِاجْتِهَاد وَذَلِكَ يجوز مخالفتهم لَهُم لِأَن الْعَصْر مَا انقرض وَيجب اعْتِبَار انْقِرَاض عصر التَّابِعين وَمَعْلُوم أَنه لم ينقرض عصرهم إِلَّا بعد أَن حدث من تابعيهم من هُوَ من أهل الِاجْتِهَاد فَجَاز أَن يخالفوهم وَيعْتَبر انْقِرَاض عصرهم ثمَّ كَذَلِك القَوْل فِي كل عصر
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَا يمْتَنع أَن يكون الْمُعْتَبر هُوَ انْقِرَاض عصر من كَانَ
стр. 462
مُجْتَهدا عِنْد حُدُوث الْحَادِثَة لَا من يَتَجَدَّد بعد ذَلِك فَلَا يلْزم اعْتِبَار عصر التَّابِعين إِذا حدث فيهم مُجْتَهد بعد حُدُوث الْحَادِثَة
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن عليا ﵇ سُئِلَ عَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فَقَالَ كَانَ رَأْيِي ورأي عمر أَن لَا يبعن ثمَّ رَأَيْت بيعهنَّ فَقَالَ لَهُ عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ الْجَمَاعَة أحب إِلَيّ من رَأْيك وَحدك فَدلَّ على أَنه كَانَ الْإِجْمَاع قد سبق وَالْجَوَاب أَنه قد رُوِيَ أَن جَابر بن عبد الله كَانَ يرى فِي زمن عمر جَوَاز بيعهنَّ فَلم يكن الْإِجْمَاع قد انْعَقَد وَقَول عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ الْجَمَاعَة أحب إِلَيّ من رَأْيك وَحدك يدل على أَنه قد كَانَ على قَول عمر جمَاعَة وَلَيْسَ قَول كل جمَاعَة هُوَ إِجْمَاع وَإِنَّمَا اخْتَار أَن يَنْضَم قَول عَليّ إِلَى قَول عمر لِأَنَّهُ رجح قَول الْأَكْثَر على قَول الْأَقَل
وَمِنْهَا أَن أَبَا بكر الصّديق كَانَ يرى التَّسْوِيَة فِي الْقِسْمَة وَلم يُخَالِفهُ أحد من الصَّحَابَة ثمَّ خَالفه عمر لما صَار الْأَمر إِلَيْهِ ففضل فِي الْقِسْمَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ السّلف وَالْجَوَاب أَن عمر ﵁ قد كَانَ خَالفه فِي زَمَانه وناظره فَقَالَ لَهُ أَتجْعَلُ من جَاهد فِي سَبِيل الله بِمَالِه وَنَفسه كمن دخل فِي الاسلام كرها فَقَالَ إِنَّمَا عمِلُوا لله وَإِنَّمَا أُجُورهم على الله وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغ وَلم يرو أَن عمر رَجَعَ إِلَى قَول أبي بكر فَلَا يمْتَنع أَنه كَانَ يرى التَّفْضِيل فَلَمَّا صَار الْأَمر إِلَيْهِ فضل
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْإِجْمَاع لَا يسْتَقرّ قبل انْقِرَاض الْعَصْر لِأَن النَّاس يكونُونَ فِي حَال تَأمل وفحص فَوَجَبَ وُقُوعه على انْقِرَاض الْعَصْر وَالْجَوَاب إِن أَرَادوا بِنَفْي الِاسْتِقْرَار نفي كَونه حجَّة فَذَلِك نفس الْمَسْأَلَة وَإِن أَرَادوا أَنه لَا ينْعَقد فَهُوَ خَارج عَمَّا نَحن بسبيله لأَنا إِنَّمَا تكلمنا على من قَالَ إِنَّه ينْعَقد وَلَا يكون حجَّة على أَن الْفَصْل بَين حَال التَّأَمُّل وَحَال الْقطع على الشَّيْء لَا يفْتَقر إِلَى
стр. 463
انْقِرَاض الْعَصْر لأَنا نفصل بَين النَّاظر المتأمل المتوقف وَبَين الْقَاطِع المناضل لِأَن الْإِنْسَان إِذا أخبر عَن نَفسه أَنه مُعْتَقد للشَّيْء فَهُوَ بِخِلَاف أَن يخبر عَن نَفسه أَنه متأمل مُتَوَقف ﷺ َ - بَاب فِيمَا أخرج من الْإِجْمَاع وَهُوَ مِنْهُ ﷺ َ -
أعلم أَن أهل الْعَصْر إِذا اخْتلفُوا فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ متنافيين فَإِنَّهُ يتَضَمَّن اتِّفَاقهم على تخطئة مَا سواهُمَا فَلَا يجوز لمن بعدهمْ إِحْدَاث قَول آخر وَحكي عَن بعض أهل الظَّاهِر أَنه لم يَجْعَل ذَلِك اتِّفَاقًا على تخطئة مَا سواهُمَا فَأجَاز لمن بعدهمْ إِحْدَاث قَول آخر ثَالِث وَالْقَوْل فِي ذَلِك فرع على إِمْكَان إِحْدَاث قَول ثَالِث فَيجب بَيَانه أَولا
فَنَقُول إِن الْقَوْلَيْنِ المتنافيين فِي الْمَسْأَلَة لَا يُمكن أَن يكون بَينهمَا قَول ثَالِث إِلَّا أَن يكون فِيهِ بعض الْمُوَافقَة لكل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ أَو لأَحَدهمَا مِثَاله أَن يَقُول بعض الْأمة النِّيَّة وَاجِبَة فِي الطهارات كلهَا وَيَقُول الْبَاقُونَ لَيست بواجبة فِي شَيْء من الطهارات فَيمكن أَن يَقُول قَائِل هِيَ وَاجِبَة فِي بعض الطهارات دون بعض ومثاله أَيْضا أَن يَقُول بعض الْأمة النِّيَّة وَاجِبَة فِي كل طَهَارَة وَيَقُول بَعضهم هِيَ وَاجِبَة فِي بعض الطهارات دون بعض فَيمكن أَن يَقُول قَائِل لَيست بواجبة فِي شَيْء من الطهارات ومثاله أَيْضا قَول بعض الْأمة الْجد يَرث جَمِيع المَال مَعَ الْأَخ وَفِي قَول البَاقِينَ يقاسم الْأَخ فَيمكن أَن يَقُول قَائِل لَا يَرث شَيْئا أصلا مَعَ الْأَخ فَيكون قد وَافق من قَالَ يقاسم الْأَخ بعض الْمُوَافقَة لِأَنَّهُمَا قد اشْتَركَا فِي أَن منعا الْجد من بعض المَال
وَاحْتج من أجَاز إِحْدَاث قَول ثَالِث بِأَن الْمَمْنُوع مِنْهُ هُوَ مُخَالفَة الْإِجْمَاع وَلَيْسَ مَعَ هَذَا الإختلاف إِجْمَاع وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ فِي امْرَأَة وأبوين إِن للْأُم ثلث جَمِيع المَال وَأَن لَهَا ثلث مَا يبْقى فِي زوج وأبوين
стр. 464
ففصل بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلم يُنكر عَلَيْهِ مَعَ أَن الصَّحَابَة ﵄ لم تفصل بَينهمَا بل قَالَ بَعضهم فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لَهَا ثلث مَا بَقِي وَقَالَ آخَرُونَ لَهَا ثلث جَمِيع المَال وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ إِن الْأكل نَاسِيا لَا يفْطر وَالْجِمَاع نَاسِيا يفْطر وَمن تقدمه مِنْهُم من فطر بهما وَمِنْهُم من لم يفْطر بهما وَهَذَا الِاحْتِجَاج من الْمُخَالف يدل على أَنه أجَاز إِحْدَاث قَول ثَالِث فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة
وَاحْتج قَاضِي الْقُضَاة للْمَنْع من إِحْدَاث قَول ثَالِث بِأَن الْأمة أَجمعت على الْمَنْع من ذَلِك كَمَا أَجمعت على الْمَنْع من إِحْدَاث قَول يُخَالف الْإِجْمَاع الْمُصَرّح والاتفاق على ذَلِك سَابق أَلا تراهم منعُوا من إِحْدَاث قَول آخر فِي الْجد مَعَ الْأَخ حَتَّى يُقَال المَال كُله للْأَخ قَالَ وَلنَا أَن ندعي الْإِجْمَاع فِي ذَلِك مُطلقًا وَلنَا أَن ندعيه فِي الْجد خَاصَّة ونحمل عَلَيْهِ غَيره فَنَقُول إِنَّمَا منعُوا من ذَلِك فِي الْجد لِأَنَّهُ إِحْدَاث قَول آخر لم يقل بِهِ أحد من الْأمة لِأَنَّهُ لَا وَجه لَهُ يُمكن أَن يُعلل فِيهِ إِلَّا بِمَا ذَكرْنَاهُ إِذْ لَا يُمكن أَن يُقَال إِنَّمَا لم يجز أَن يُقَال المَال كُله للْأَخ لِأَنَّهُ لَا أَمارَة لذَلِك لِأَن الأمارة على ذَلِك إِن لم تكن أقوى من الأمارة الدَّالَّة على أَن المَال كُله للْجدّ لم تكن أَضْعَف مِنْهَا
وَلقَائِل أَن يَقُول لَا اسْلَمْ أَن فِي الْمَنْع من إِحْدَاث قَول ثَالِث إِجْمَاعًا سَابِقًا وَلَا سَبِيل لكم إِلَى الْعلم بذلك فَأَما مَسْأَلَة الْجد فَلَا يجوز تَجْدِيد قَول آخر فِيهَا لَيْسَ لأَنهم أَجمعُوا على الْمَنْع من ذَلِك بل لِأَن القَوْل بِأَن المَال كُله للْأَخ يتَضَمَّن مَا أَجمعُوا على خِلَافه
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْأمة إِذا اخْتلفت على قَوْلَيْنِ فقد أَجمعت فِي الْمَعْنى على الْمَنْع من إِحْدَاث قَول ثَالِث لِأَن كل طَائِفَة تحرم الْأَخْذ إِلَّا بِمَا قالته أَو قَالَه مخالفها فَقَط فجواز إِحْدَاث قَول ثَالِث يَقْتَضِي جَوَاز الْأَخْذ بِهِ وَقد منعُوا مِنْهُ
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا حظروا الْأَخْذ إِلَّا بِمَا قَالُوهُ بِشَرْط أَن لَا يُؤَدِّي
стр. 465
اجْتِهَاد غَيرهم إِلَى إِحْدَاث قَول ثَالِث كَمَا يَقُولُونَ إِنَّهُم سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِشَرْط أَن لَا يَقع الإتفاق على أَحدهمَا فَخرج الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد فَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِن كَانَ اخْتلَافهمْ على قَوْلَيْنِ هُوَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ فَالْقَوْل فِي ذَلِك يَأْتِي نَحْو أَن يَقُول بَعضهم كل طَهَارَة تحْتَاج إِلَى نِيَّة وَيَقُول الْبَاقُونَ لَيْسَ شَيْء من الطهارات يحْتَاج إِلَى نِيَّة فَيَقُول قَائِل آخر بَعْضهَا تحْتَاج إِلَى النِّيَّة دون بعض وَإِن كَانَ اخْتلَافهمْ فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة نَحْو مَسْأَلَة الْجد مَعَ الْأَخ لم يجز إِحْدَاث قَول ثَالِث لِأَنَّهُ مُخَالف لصريح إِجْمَاعهم كالقول بِأَن المَال كُله للْأَخ لِأَن فِي ذَلِك سلب المَال كُله عَن الْجد والمختلفون فِي مَسْأَلَة الْجد قد اتَّفقُوا على أَن للْجدّ قسطا من المَال من قَالَ مِنْهُم إِنَّه أَحَق بِجَمِيعِ المَال وَمن قَالَ إِنَّه يقاسم الْإِخْوَة وَهَذَا الْوَجْه يفْسد قَوْلهم إِن الْمَمْنُوع مِنْهُ هُوَ مُخَالفَة الْإِجْمَاع وَلَا إِجْمَاع مَعَ الإختلاف لأَنا قد بَينا أَن إِحْدَاث قَول ثَالِث فِيهِ خلاف لما أَجمعُوا عَلَيْهِ وَأما المحكى عَن ابْن سِيرِين وَالثَّوْري فَلَيْسَ هُوَ من هَذِه الْمَسْأَلَة بل من مَسْأَلَة أُخْرَى وَهِي التَّفْرِقَة بَين مَا أَجمعُوا على أَنه لَا فرق بَينهمَا
واحتجاج أهل الظَّاهِر بقول ابْن سِيرِين وَالثَّوْري يدل على أَنهم جوزوا إِحْدَاث قَول ثَالِث فِي هَذِه الْمسَائِل وأشباهها دون مَا ذَكرْنَاهُ من مَسْأَلَة الْجد وأمثالها وَسَنذكر الْآن القَوْل فِي التَّفْرِقَة بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَفِي غَيرهمَا مِمَّا ألحق بِالْإِجْمَاع وَلَيْسَ مِنْهُ بعون الله ﷺ َ - بَاب فِي أهل الْعَصْر إِذا لم يفصلوا بَين مَسْأَلَتَيْنِ هَل لمن بعدهمْ أَن يفصل بَينهمَا أم لَا ﷺ َ -
اعْلَم أَنهم إِذا لم يفصلوا بَينهمَا فَذَلِك ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يَقُولُوا لَا فصل بَين هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي كل الْأَحْكَام أَو فِي الحكم الْفُلَانِيّ وَالْآخر أَن لَا ينصوا
стр. 466
على ذَلِك لَكِن لَا يكون فيهم من فرق بَينهمَا فِي الحكم فَالْأول لَا يجوز لأحد أَن يفصل بَينهمَا لِأَن الْفَصْل بَينهمَا خلاف لما نصوا عَلَيْهِ واعتقدوه وَلِأَن قَوْلهم لَا فصل بَينهمَا ظَاهره يَقْتَضِي أَنَّهُمَا قد اشْتَركَا فِيمَا يَقْتَضِي الحكم من غير وَجه يفرق بَينهمَا فَمن فصل بَينهمَا فقد خالفهم فِي ذَلِك
وَهَذَا الضَّرْب يَنْقَسِم أقساما ثَلَاثَة أَحدهمَا أَن يرْوى اتِّفَاق الْأمة على حكم الْمَسْأَلَتَيْنِ نَحْو أَن يحكموا فيهمَا بِالتَّحْرِيمِ أَو بالتحليل وَالْآخر أَن يرْوى اخْتِلَاف الْأمة فيهمَا فيحكى عَن طَائِفَة أَنَّهَا حكمت فيهمَا بِالتَّحْرِيمِ وَعَن البَاقِينَ أَنهم حكمُوا فيهمَا بِالْإِبَاحَةِ وَالْآخر أَن لَا يرْوى لنا عَنْهُم اخْتِلَاف فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَا اتِّفَاق فَمَتَى كَانَ كَذَلِك وَدلّ الدَّلِيل فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ على تَحْرِيم أَو إِبَاحَة وَجب أَن يحكم فِي الْمَسْأَلَة الْأُخْرَى بذلك وَلَا يفرق بَينهمَا
فَأَما إِذا لم ينصوا على أَنه لَا فصل بَينهمَا بل لَا يكون فيهم من فرق بَينهمَا نَحْو أَن يحكم بعض الْأمة فِي كلا الْمَسْأَلَتَيْنِ بِحكم وَيحكم الْبَاقُونَ فيهمَا بنقيضه وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يشيروا إِلَى حكم وَاحِد فيثبته أحد الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وينفيه الْآخرُونَ عَنْهُمَا نَحْو أَن يحرم شطر الْأمة كلا الْمَسْأَلَتَيْنِ ويبيحهما الْبَاقُونَ وَالضَّرْب الآخر أَن يشيروا فيهمَا إِلَى حكمين مُخْتَلفين نَحْو أَن يُوجب بعض الْأمة النِّيَّة فِي الْوضُوء وَلَا يَجْعَل الصَّوْم من شَرط الِاعْتِكَاف وَلَا يُوجب الْبَاقُونَ النِّيَّة فِي الْوضُوء ويجعلون الصَّوْم من شَرط الِاعْتِكَاف
أما الْقسم الأول فَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الدَّرْس وَالشَّرْح أَنه إِن كَانَ الْمَعْلُوم أَن طَريقَة الحكم فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدَة لَا يجوز كَونهَا مُتَغَايِرَة فَذَلِك جَار مجْرى أَن يَقُولُوا لَا فصل بَينهمَا لأَنا نعلم أَنهم قد اعتقدوا أَنه لَا يفرق بَينهمَا وَأَنه قد نظمهما طَريقَة وَاحِدَة وَمن فصل بَينهمَا فقد خَالف مَا اعتقدوه من ذَلِك فَأَما إِن جَازَ أَن لَا تكون الطَّرِيقَة فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدَة وَأَنَّهُمْ سووا بَينهمَا لطريقين فَإِنَّهُ يجوز لمن بعدهمْ أَن يفرق بَينهمَا فَيحرم إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ ويبيح الْأُخْرَى فيوافق فِي كل قَول أحد الْفَرِيقَيْنِ لِأَنَّهُ بذلك لَا يكون مُخَالفا لما
стр. 467
أَجمعُوا عَلَيْهِ لَا فِي حكم وَلَا فِي تَعْلِيل لأَنا قد بَينا أَن الْعلَّة يجوز أَن لَا تكون وَاحِدَة وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ إِذا قَالَ بعض الْأمة بِتَحْرِيم مَسْأَلَتَيْنِ متباينتين فِي الْعلَّة وَقَالَ الْبَاقُونَ بإباحتهما قد أَجمعُوا على أَن لَا فصل بَينهمَا لوَجَبَ إِذا حرم بَعضهم إِحْدَى مَسْأَلَتَيْنِ متباينتين وأباح اخرى وَحرم الْبَاقُونَ مَا أَبَاحَهُ هَؤُلَاءِ وأباحوا مَا حظروه أَن يَكُونُوا قد أَجمعُوا على أَن بَينهمَا فرقا فَلَا يجوز لأحد أَن يحرمهما مَعًا أَو يبيحهما مَعًا وَلَو لم يجز ذَلِك لوَجَبَ على من وَافق الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة أَن يُوَافقهُ فِي جَمِيع مذْهبه وَيسْقط عَنهُ الِاجْتِهَاد وَالْأمة مجمعة على خلاف ذَلِك وَمَا حكى عَن ابْن سِيرِين من أَنه فرق بَين زوج وأبوين وَامْرَأَة وأبوين وَأَن الثَّوْريّ فرق بَين جماع الصَّائِم نَاسِيا وَبَين أكله نَاسِيا فَإِن كَانَت طَريقَة الْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فرقا بَينهمَا مُتَغَايِرَة فَمَا فعلاه جَائِز وَإِلَّا لم يجز على أَن ابْن سِيرِين قد عاصر بعض الصَّحَابَة فَلَا يمْتَنع أَن يكون حَاضرا حِين اخْتلفُوا فِي زوج وأبوين وَامْرَأَة وأبوين
وَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الْعمد أَنه لَا يجوز الْفَصْل بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلم يفصل هَذَا التَّفْصِيل ذكر ذَلِك فِي أَن الْأمة لَا يجوز أَن تخطىء فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَذكر فِي شرح هَذَا الْبَاب أَمْثِلَة احْتج بهَا
فَمِنْهَا أَن يعْقد شطر الْأمة لرجل الْإِمَامَة ويسكت الْبَاقُونَ فَلَو لم يكن ذَلِك الرجل مُسْتَحقّا للْإِمَامَة لَكَانَ العاقدون قد اخطأوا بِالْعقدِ وَالْبَاقُونَ قد أخطأوا بِالسُّكُوتِ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن تِلْكَ مَسْأَلَة وَاحِدَة وَهِي إِمَامَة ذَلِك الشَّخْص وَالْكل قد رَضوا بهَا وَأَجْمعُوا على ترك إِنْكَار العقد لَهُ من غير مَانع فَلَو كَانَ خطأ لما أَجمعُوا على ترك إِنْكَاره
وَمِنْهَا أَن يتَّفق نصف الْأمة على مَذْهَب المرجئة فِي غفران مَا دون الشّرك من كَبِير وصغير ويتفق الْبَاقُونَ على مَذْهَب الْخَوَارِج فِي الْمَنْع من غفران جَمِيع الْمعاصِي وَهَذَا الِاتِّفَاق على الْخَطَأ فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن ذَلِك خطأ فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة لِأَن الْقَائِلين بِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ متفقون على أَن الصَّغِيرَة لَا يجب
стр. 468
سُقُوط عقابها لِأَن المرجىء يَقُول إِن غفرانها بِفضل وَجوز عِقَاب فاعلها والخارجي لم يُوجب سُقُوط عقابها فقد اتَّفقُوا على الْبَاطِل وَهُوَ أَن عقابها لَا يجب سُقُوطه
وَمِنْهَا أَن يتَّفق نصف الْأمة على أَن العَبْد يَرث وَالْقَاتِل لَا يَرث ويتفق الْبَاقُونَ على عكس ذَلِك على أَن العَبْد لَا يَرث وَالْقَاتِل يَرث فَيَكُونُوا قد اتَّفقُوا على الْخَطَأ فِي إِرْث العَبْد وَالْقَاتِل إِذْ الصَّوَاب أَنَّهُمَا جَمِيعًا لَا يرثان وَالنَّبِيّ ﷺ منع من اجْتِمَاعهم على الْخَطَأ سَوَاء كَانَ ذَلِك فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة أَو فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه كَانَ لَا يمْتَنع أَن تخْتَلف الْأمة فِي الْقَاتِل وَالْعَبْد على مَا ذكرتموه لِأَن الْخَطَأ إِمَّا أَن يكون هُوَ القَوْل بِإِرْث العَبْد أَو بِإِرْث الْقَاتِل أَو بإرثهما جَمِيعًا وَلم يَقع الِاتِّفَاق على إِرْث أَحدهمَا على انْفِرَاده وَلَا على إرثهما جَمِيعًا لِأَن كل وَاحِد من الْأمة لم يقل بإرثهما جَمِيعًا فَيثبت أَن اتِّفَاق نصف الْأمة على الْخَطَأ فِي مَسْأَلَة واتفاق النّصْف الآخر على الْخَطَأ فِي مَسْأَلَة أُخْرَى لَا يُفِيد اتِّفَاق جَمِيعهم على الْخَطَأ
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْأمة إِذا حرم نصفهَا كلا مَسْأَلَتَيْنِ وأباحهما الْآخرُونَ فقد اتَّفقُوا على أَن لَا فصل بَينهمَا وَإِن لم ينصوا على ذَلِك وَلَيْسَ يقْدَح فِي وُقُوع الِاتِّفَاق على ذَلِك أَن تكون أدلتهم مُخْتَلفَة وَإِذا كَانَ كَذَلِك دخل ذَلِك تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع وَالْجَوَاب أَن قَول هَذَا المحتج إِن الْأمة قد اعتقدت أَنه لَا فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ يفهم مِنْهُ أُمُور
مِنْهَا أَنهم اعتقدوا أَن بَينهمَا تعلقا واشتراكا يَقْتَضِي التَّسْوِيَة فِي الحكم وَأَنه لَيْسَ بَينهمَا مَا يَقْتَضِي التَّفْرِقَة فِي الحكم وَهَذَا بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتفقوا على ذَلِك فِي مَسْأَلَتَيْنِ قد فَرضنَا أَنه لَا تعلق بَينهمَا
وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا قد نصوا على أَنه لَا فرق بَينهمَا وَهَذَا بَاطِل لِأَن كلامنا مَفْرُوض فِي أَنهم لم ينصوا على ذَلِك
وَمِنْهَا أَن يَكُونُوا قد اتَّفقُوا على اسْتِوَاء الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الحكم فِي الْجُمْلَة وَإِن
стр. 469
افْتَرَقُوا فِي تَفْصِيله وَلَا يُمكن أَن يُقَال ذَلِك هَا هُنَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَال اتَّفقُوا على اسْتِوَاء حكم الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْجُمْلَة إِذا دلّ الدَّلِيل على أَن حكم الْمَسْأَلَتَيْنِ حكم وَاحِد إِمَّا التَّحْرِيم وَإِمَّا التَّحْلِيل ثمَّ يَحْتَاجُونَ إِلَى أَن ينْظرُوا فِي حكمهَا على التَّفْصِيل وَإِنَّمَا يدل الدَّلِيل على ذَلِك من حَال الْمَسْأَلَتَيْنِ إِذا كَانَ بَينهمَا تعلق يَقْتَضِي ذَلِك وكلامنا فِي مَسْأَلَتَيْنِ لَا تعلق بَينهمَا وَمَا هَذَا سَبيله لَا يعْتَقد فيهمَا أَنه لَا فرق بَينهمَا يبين ذَلِك أَن شطر الْأمة إِذا أوجب النِّيَّة فِي الْوضُوء لدَلِيل وَأوجب غسل النَّجَاسَة لدَلِيل آخر فَإِنَّهُ لَا يُقَال إِنَّهُم قد اعتقدوا أَنه لَا يجوز افتراقهما فِي الْوُجُوب بل عِنْدهم أَنه يجوز أَن تدل الدّلَالَة على وجوب أَحدهمَا دون الآخر وَإِنَّمَا اتّفق إِن دلّ على وجوب هَذَا دَلِيل وعَلى وجوب ذَلِك دَلِيل فَكَذَلِك لَو دلّ دَلِيل على وجوب النِّيَّة فِي الْوضُوء وَدلّ دَلِيل آخر على نفي وجوب غسل النَّجَاسَة لم يجز أَن يُقَال قد وَجب افتراقهما وَأَن الْأمة أَجمعت على وجوب افتراقهما لِأَن الْمَعْقُول من ذَلِك ثُبُوت تعلق يَقْتَضِي وجوب افتراقهما لَا أَنه اتّفق إِن دلّ على وجوب أَحدهمَا دَلِيل وعَلى نفي وجوب الآخر دَلِيل آخر وَلَو وَجب أَن يفرق بَينهمَا لوَجَبَ على من أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى قَول الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة أَن يُوَافقهُ فِي جَمِيع مسَائِله وَإِن لم يكن بَينهمَا تعلق وَإِذا لم يكن من الْأمة بأجمعها فِيمَا نَحن بسبيله اتِّفَاق على حكم وَلَا على عِلّة لم يدْخل مَا ذَكرُوهُ تَحت أَدِلَّة الْإِجْمَاع وَلَو دخل تَحت قَوْله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ لدل ذَلِك على أَن مَا قَالُوهُ لَيْسَ بخطأ وَلَا يدل على أَن الْفرق بَينهمَا خطأ إِذا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاد مُجْتَهد على قَول من قَالَ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب
وَاحْتج أَيْضا بِأَن الْأمة إِذا اخْتلفت على قَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ فقد أوجبت كل طَائِفَة مِنْهَا على غَيرهَا أَن تَقول بقولِهَا أَو بقول الطَّائِفَة الْأُخْرَى وحظرت مَا سوى ذَلِك وَذَلِكَ يمْنَع من إِحْدَاث قَول مفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالْجَوَاب أَنهم إِنَّمَا أوجبوا ذَلِك بِشَرْط أَن لَا يفرق بعض الْمُجْتَهدين بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ فَلَا نسلم أَنهم
стр. 470
حظروا ذَلِك إِلَّا بِهَذَا الشَّرْط كَمَا أَنهم جوزوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِشَرْط أَن لَا يَقع الِاتِّفَاق على أحد الْقَوْلَيْنِ
فَأَما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ إِذا أشارت الْأمة إِلَى حكمين متباينين فِي مَسْأَلَتَيْنِ كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي إِيجَاب النِّيَّة فِي الطَّهَارَة وَجعل الصَّوْم شرطا فِي الِاعْتِكَاف فَإِنَّهُ إِن جَازَ أَن يكون بَينهمَا فرق يذهب إِلَيْهِ مُجْتَهد جَازَت التَّفْرِقَة بَينهمَا وَإِن لم يجز أَن يكون بَينهمَا فرق بل كَانَ ينظمهما طَريقَة وَاحِدَة تَقْتَضِي فيهمَا الْحكمَيْنِ المتباينين على بعد ذَلِك لم يجز أَن يُخَالف بَين حكميهما بل الْوَاجِب أَن يُقَال فيهمَا مَا قَالُوهُ ﷺ َ - بَاب فِي أهل الْعَصْر إِذا تأولوا الْآيَة بِتَأْوِيل أَو استدلوا على الْمَسْأَلَة بِدَلِيل أَو اعتلوا فِيهَا بعلة هَل يجوز لمن بعدهمْ إِحْدَاث تَأْوِيل أَو دَلِيل أَو عِلّة غير مَا ذَكرُوهُ أم لَا ﷺ َ -
إعلم أَن الْإِنْسَان إِذا اسْتدلَّ بطريقة على حكم من الْأَحْكَام أَو على فَسَاد شُبْهَة أَمارَة كَانَت تِلْكَ الطَّرِيقَة أَو دلَالَة فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يكون أهل الْعَصْر الأول قد نصوا على فَسَاد تِلْكَ الطَّرِيقَة أَو على صِحَّتهَا أَو لم ينصوا على صِحَّتهَا وَلَا على فَسَادهَا فَإِن نصوا على فَسَادهَا أَو على صِحَّتهَا فَهُوَ على مَا نصوا عَلَيْهِ وَإِن لم ينصوا على ذَلِك لم يمْتَنع صِحَة تِلْكَ الطَّرِيقَة إِلَّا أَن يكون فِي صِحَّتهَا إبِْطَال حكم أَجمعُوا عَلَيْهِ وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَاهُ أَن النَّاس فِي كل عصر يستخرجون أَدِلَّة وعللا وَلَا يُنكر عَلَيْهِم فَكَانَ ذَلِك إِجْمَاعًا وَلِأَنَّهُ لَو لم يجز ذَلِك لَكَانَ إِمَّا أَن لَا يجوز لِأَنَّهُ مُخَالف للْإِجْمَاع الْمُتَقَدّم وَمَعْلُوم أَن الْأمة لم تحكم بِفساد الدَّلِيل الثَّانِي نصا وَلَا حكمهَا بِصِحَّة دليلها يَقْتَضِي فَسَاد غَيره إِذْ لَا يمْتَنع أَن يكون على الْمَذْهَب الْوَاحِد أَكثر من دَلِيل وَاحِد
وَيُمكن من منع من ذَلِك أَن يسْتَدلّ بأَشْيَاء
стр. 471
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ وَالدَّلِيل الثَّانِي غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ فالوعيد لَاحق بِمن اتبعهُ وَالْجَوَاب أَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ خرج مخرج الذَّم لمن اتبع غير سبيلهم فالمفهوم مِنْهُ من اتبع مَا نَفَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وحكموا بإبطاله دون مَا لم يحكموا بفساده بل لَو اتّفق لَهُم لجَاز أَن يَقُولُوا بِهِ أَلا ترى أَنه لَو لم تحدث الْمَسْأَلَة فِي الْعَصْر الأول وَحدثت فِي الْعَصْر الثَّانِي جَازَ أَن يَقُول أهل الْعَصْر الثَّانِي فِيهَا قولا وَلَا يُقَال إِن ذَلِك اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ مِمَّن تقدم لما لم يَكُونُوا قد نفوه وحكموا بإبطاله
وَمِنْهَا أَن قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ يدل على أَنهم يأمرون بِكُل مَعْرُوف لأجل لَام الْجِنْس فَلَو كَانَ الدَّلِيل الثَّانِي مَعْرُوفا لأمروا بِهِ وَالْجَوَاب أَن قَوْله وتنهون عَن الْمُنكر يَقْتَضِي أَيْضا أَن ينهوا عَن كل مُنكر فَلَو كَانَ الدَّلِيل الثَّانِي بَاطِلا لَكَانَ مُنْكرا ولنهوا عَنهُ فلنا فِي الظَّاهِر مثل مَا لَهُم
وَمِنْهَا أَن قَوْله ﷺ أمتِي لَا تَجْتَمِع على خطأ يدل على أَن مَا ذَهَبُوا عَنهُ لَيْسَ بخطأ وَقد ذَهَبُوا على الدَّلِيل الثَّانِي فَلم يكن ذهابهم عَنهُ خطأ وَإِذا لم يكن خطأ لم يكن مَا ذَهَبُوا عَنهُ دَلِيلا وَالْجَوَاب إِن أردتم بقولكم ذَهَبُوا عَن الدَّلِيل الثَّانِي أَنهم حكمُوا بفساده لم يُوجد ذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا وَإِن أردتم أَنهم لم ينصوا على أَنه دَلِيل أَو لم يستدلوا بِهِ فَذَلِك صَحِيح وتركهم الِاسْتِدْلَال بِهِ وَالنَّص على كَونه دَلِيلا لَيْسَ بخطأ وَلَا يجب من ذَلِك فَسَاد الدَّلِيل لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ تَركهم الِاسْتِدْلَال بِهِ غير خطأ لاستغنائهم بدليلهم عَنهُ
وَمِنْهَا قَوْلهم إِنَّه لَو جَازَ أَن يذهب على أهل الْعَصْر الأول الدَّلِيل الثَّانِي جَازَ أَن يوحي الله تَعَالَى إِلَى نبيه ﷺ دَلِيلين على حكم وَاحِد فَيسنّ النَّبِي ﷺ ذَلِك الحكم لأجل أحد الدَّلِيلَيْنِ دون الآخر وَالْجَوَاب أَن يُقَال لَهُم قد
стр. 472
جمعتم بَين الْأَمريْنِ بِغَيْر عِلّة وَأَيْضًا فَإِن أوحى الله تَعَالَى إِلَى نبيه بِأحد الدَّلِيلَيْنِ فَيسنّ الحكم عَقِيبه ثمَّ أوحى إِلَيْهِ بِالدَّلِيلِ الثَّانِي فَإِنَّهُ إِنَّمَا يسن الحكم لمَكَان الدَّلِيل الأول لِأَنَّهُ لم يكن سواهُ حِين سنّ الحكم وَيكون الدَّلِيل الثَّانِي تَأْكِيدًا وَإِن كَانَ قد أوحى إِلَيْهِ بهما مَعًا فَلَا بُد من أَن يكلفه فهم المُرَاد بهما وَلَا بُد من أَن يفهم المُرَاد بهما فَلَا يجوز أَن يَدعُوهُ أَحدهمَا إِلَى أَن يسن الحكم دون الآخر لِأَن فِي ذَلِك رفضا للْآخر وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا بُد من أَن يكلفه أَن يفهم المُرَاد بهما لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يخاطبه بِمَا لَا يفهم المُرَاد مِنْهُ وَلِأَنَّهُ إِن كلفه أَن يبلغ كلا الدَّلِيلَيْنِ إِلَى أمته وَجب أَن يفهم المُرَاد بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُؤمن أَن يسْأَل عَنهُ وَإِذا لم يعرف المُرَاد بِهِ نفر عَنهُ
وَمِنْهَا أَنه لَو كَانَ الدَّلِيل الثَّانِي صَحِيحا لما جَازَ أَن يذهب عَن الصَّحَابَة مَعَ تقدمها فِي الْعلم وَالْجَوَاب أَنه يجوز أَن يذهب عَنْهُم إِذا لم يطلبوه اسْتغْنَاء بِمَا ظفروا بِهِ من الدَّلِيل وَأهل الْعَصْر الثَّانِي إِنَّمَا ظفروا بِهِ لأَنهم تنبهوا بِمَا ذكره الْأَولونَ واستغنوا عَن طلب الدَّلِيل الأول فشغلوا أفكارهم وزمانهم فِي طلب غَيره
فَإِن قيل أفكلف الْأَولونَ طلب الدَّلِيل الثَّانِي قيل كلفوا ذَلِك على سَبِيل التَّطَوُّع وَترك ذَلِك جَائِز وَالْقَوْل فِي الْعلَّة كالقول فِي الدّلَالَة لِأَن الْعلَّة دلَالَة على الحكم فِي الْفَرْع إِلَّا أَن تعود الْعلَّة بِالنَّقْضِ على مَا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ بِأَن يُوجد فِي مَوضِع أَجمعت الْأمة فِيهِ على نقيض حكمهَا نَحْو أَن يُعلل مُعَلل تَحْرِيم الْبر بِأَنَّهُ جسم لِأَن ذَلِك مَوْجُود فِيمَا أَجمعُوا على إِبَاحَته فَمن لم يقل بتخصيص الْعلَّة لَا يُجِيز ذَلِك
وَأما إِذا تأولت الْأمة الْآيَة بِتَأْوِيل فَإِنَّهُم إِن نصوا على فَسَاد مَا عداهُ لم يجز إِحْدَاث تَأْوِيل سواهُ وَإِن لم ينصوا على ذَلِك فَمن النَّاس من منع من تاويل زَائِد وأجراه مجْرى الْمَذْهَب الزَّائِد وَمِنْهُم من أجَازه وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن التَّابِعين وَمن بعدهمْ قد أَحْدَثُوا تأويلات لم يكن ذكرهَا السّلف وَلم يُنكر عَلَيْهِم وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إِحْدَاث تَأْوِيل آخر مُخَالفَة لإجماعهم لأَنهم لم ينصوا على إِبْطَاله وَلَيْسَ فِي
стр. 473
إِجْمَاعهم على التَّأْوِيل الأول إبِْطَال الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون الله تَعَالَى قد أَرَادَ كلا التَّأْويلَيْنِ وَأَرَادَ أَن يفهم بِالْخِطَابِ شَيْئا مَا إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا وَإِمَّا كِلَاهُمَا وكل ذَلِك مُخَيّر فِيهِ فَإِذا فهمت الْأمة أَحدهمَا فقد خرجت عَمَّا كلفته لأَنهم كلفوا فهم كلا التَّأْويلَيْنِ بِشَرْط أَن يطلبوه ﷺ َ - بَاب فِي أهل الْعَصْر إِذا اخْتلفُوا فِي الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ هَل يجوز وُقُوع الِاتِّفَاق على أَحدهمَا أم لَا ﷺ َ -
حكى قَاضِي الْقُضَاة عَن الصَّيْرَفِي أَنه منع من اتِّفَاق أهل الْعَصْر الثَّانِي على أحد قولي أهل الْعَصْر الأول وَأَجَازَهُ أَكثر النَّاس وَلم يجْعَلُوا الِاخْتِلَاف الْمُتَقَدّم متضمنا على جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ على كل حَال وَوَجهه انه إِن أُرِيد بِجَوَاز انْعِقَاد الْإِجْمَاع إِمْكَانه فَلَا شُبْهَة فِي أَن الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة يُمكنهَا أَن تتفق على مُوجب الدّلَالَة وَلِهَذَا جَازَ انْعِقَاد الْإِجْمَاع الْمُبْتَدَأ وَإِن أُرِيد بِهِ الْحسن فَلَا شُبْهَة أَيْضا فِي حسن إِجْمَاع الْجَمَاعَة على مُقْتَضى الدّلَالَة وَإِن أُرِيد بِالْجَوَازِ الشَّك فمعلوم أَنه لَا دَلِيل يدل على الْقطع على نفي إِجْمَاعهم على حكم من الْأَحْكَام حَتَّى لَا يشك فِي ذَلِك وَمِمَّا يدل على إِمْكَان ذَلِك وَحسنه أَن الصَّحَابَة توقفت فِي الامامة ثمَّ أطبقت على إِمَامَة أبي بكر ﵁ وَاتفقَ التابعون على الْمَنْع من بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد بعد اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِيهِ
والمخالف يحْتَج بِأَن اخْتِلَاف أهل الْعَصْر الأول فِي ضمنه اتِّفَاق مِنْهُم على جَوَاز تَقْلِيد الْعَاميّ لكل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ وَجَوَاز أَخذ الْمُجْتَهد بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ فَلَو أجمع أهل الْعَصْر الثَّانِي على أحد الْقَوْلَيْنِ لَكَانَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَصح الإجماعان أَو يفسدا أَو يَصح احدهما وَيفْسد الآخر وَلَيْسَ يجوز أَن يفْسد أَولا أَحدهمَا لِأَن الْأمة لَا تَجْتَمِع على خطأ وَلَو كَانَا صَحِيحَيْنِ لَكَانَ الثَّانِي مِنْهُمَا نَاسِخا للْأولِ والنسخ بعد ارْتِفَاع الْوَحْي محَال وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يتَّفق أهل الْعَصْر على قَول ويتفق أهل الْعَصْر الثَّانِي على
стр. 474
خِلَافه وَفَسَاد هَذِه الْأَقْسَام يمْنَع من اتِّفَاقهم على أحد الْقَوْلَيْنِ وَالْجَوَاب أَن الْقَائِلين بِأَن الْحق فِي وَاحِد لَا يجوز لَهُم أَن يحتجوا بِهَذَا الْكَلَام لِأَن عِنْدهم أَن الْمُجْتَهد لَا يجوز أَن يَأْخُذ إِلَّا بِالْحَقِّ من الْقَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا يجوز للعامي أَن يُقَلّد من يفتيه فَإِذا اتَّفقُوا على أَحدهمَا لم يجد الْعَاميّ من يفتيه بِالْآخرِ فَلَا يُمكن أَن يُقَال قد حرم عَلَيْهِ الْأَخْذ بِهِ إِذا أُفْتِي بِهِ بعد أَن كَانَ حَلَالا وَأما الْقَائِلُونَ بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب فجوابهم إِن احْتَجُّوا بذلك هُوَ أَن الْمُخْتَلِفين فِي الْمَسْأَلَة إِنَّمَا سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ لِأَن الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا وَهِي من مسَائِل الإجتهاد لأَنهم لَو سئلوا عَن جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا لعللوا بذلك فعلى هَذَا المحتج أَن يبين أَن الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَإِن وَقع الِاتِّفَاق عَلَيْهَا حَتَّى يَصح دَلِيله وَقد سلف استقصاء هَذَا الْجَواب من قبل فِي بَاب مُتَقَدم
وَأما قَوْلهم لَو جَازَ أَن يجْتَمع أهل الْعَصْر الثَّانِي على خلاف مَا اجْتمع عَلَيْهِ الْأَولونَ من جَوَاز الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ لجَاز اتِّفَاق أهل الْعَصْر الأول على قَول واتفاق أهل الْعَصْر الثَّانِي على قَول خِلَافه فَلَا يسْتَقرّ إِجْمَاع فَبَاطِل لأَنا قد بَينا أَن الْمُخْتَلِفين قد سوغوا الْأَخْذ بِكُل وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ بِشَرْط قد زَالَ وَأهل الْعَصْر الثَّانِي قد اجْمَعُوا على الْمَنْع من ذَلِك مَعَ زَوَال الشَّرْط فَلم يجمع الْآخرُونَ على خلاف مَا أجمع عَلَيْهِ الْأَولونَ وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا أجمع الْأَولونَ على قَول وَأجْمع الْآخرُونَ على خِلَافه ﷺ َ - بَاب فِي الْإِجْمَاع إِذا عارضته الْأَدِلَّة ﷺ َ -
اعْلَم أَنهم قد يجمعُونَ على القَوْل وعَلى الْفِعْل وعَلى الرِّضَا واتفاقهم على الْفِعْل لَا يَقْتَضِي أَن غَيرهم مثلهم فِيهِ إِلَّا لدلَالَة وَإِذا رَضوا بِكَوْن القَوْل قولا لَهُم ولغيرهم كَانَ صَوَابا مِنْهُم وَمن غَيرهم فَأَما إِذا قَالُوا قولا وعارضه قَول
стр. 475
النَّبِي ﷺ فَلَا يجوز أَن نعلم أَن قصد النَّبِي ﷺ بِكَلَامِهِ هُوَ ظَاهره ونعلم أَن قصدهم بكلامهم ظَاهره مَعَ تعَارض الْكَلَامَيْنِ لِأَن الْأَدِلَّة لَا تتناقض ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن نعلم أَن قصد النَّبِي ﷺ ظَاهره أَو نعلم أَن قصد الامة بكلامهم هُوَ ظَاهره أَو لَا نعلم قصد النَّبِي ﷺ وَلَا قصد الامة فان علمنَا قصد النَّبِي ﷺ وَجب تَأْوِيل كَلَام الامة على مُوَافقَة كَلَام النَّبِي ﷺ وَإِن علمنَا قصد الامة بكلامهم وَجب تَأْوِيل قَوْله ﷺ وَإِن لم نعلم قصد أَحدهمَا فان كَانَ أَحدهمَا أخص من الآخر خصصنا الْأَعَمّ بالأخص وَإِن لم يكن أَحدهمَا أخص من الآخر فانهما يتعارضان لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن تكون الامة قد عرفت أَن النَّبِي ﷺ قصد بِكَلَامِهِ غير ظَاهره وَيحْتَمل أَن تكون عرفت أَنه قصد ظَاهر كَلَامه وأرادت هِيَ بكلامها غير ظَاهره وَيحْتَمل أَو يُقَال لَو علمت أَن النَّبِي أَرَادَ بِكَلَامِهِ ظَاهره لما أطلقت كلَاما يُفِيد ظَاهره مُخَالفَته فَلَا بُد وَالْحَال هَذِه من أَن تكون قد علمت أَنه أَرَادَ بِكَلَامِهِ غير ظَاهره
وَأما نسخ أَحدهمَا بِالْآخرِ فَلَا يَصح وَقد تكلمنا فِي ذَلِك فِي بَاب النَّاسِخ والمنسوخ ﷺ َ - بَاب فِي أَن الْأمة لَا تَجْتَمِع إِلَّا عَن طَرِيق ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْأمة لَا تَجْتَمِع إِلَّا عَن دلَالَة أَو أَمارَة وَلَا تَجْتَمِع عَبَثا ذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَن قوما أَجَازُوا انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَن توفيق لَا توفيق بِأَن يوفقهم الله تَعَالَى لاختيار الصَّوَاب وَإِن لم يكن لَهُم دلَالَة وَلَا أَمارَة وَالدَّلِيل على الْمَنْع من ذَلِك أَن مَعَ فقد هَذِه الدّلَالَة والأمارة لَا يجب الْوُصُول إِلَى الْحق وَلِأَنَّهُم لَيْسُوا بآكد حَالا من النَّبِي ﷺ وَمَعْلُوم أَن النَّبِي ﷺ لَا يَقُول الا عَن وَحي فالامة أولى أَن لَا تَقول إِلَّا أَن عَن دَلِيل وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ لَهُم ذَلِك لَكَانَ قد جَازَ لكل وَاحِد مِنْهُم أَن يَقُول بِغَيْر دلَالَة لأَنهم إِنَّمَا يَجْتَمعُونَ على القَوْل بِأَن
стр. 476
يَقُول كل وَاحِد مِنْهُم بِهِ وَإِذ جَازَ ذَلِك لآحادهم لم يكن للمجمعين مزية فِي ذَلِك
فان قيل مزية الْإِجْمَاع فِي ذَلِك أَنه يكون حجَّة وكل وَاحِد مِنْهُم لَهُ أَن يَقُول عَن غير دلَالَة وَلَا يكون قَوْله حجَّة فاذا أجتمعوا كَانَ حجَّة قيل إِنَّمَا أردنَا أَن لَا يكون للْإِجْمَاع مزية فِي جَوَاز القَوْل بِغَيْر دلَالَة وَالْخلاف فِي ذَلِك يرجع إِلَى قَول مويس بن عمرَان من أَنه يجوز للْعَالم أَن يَقُول بِغَيْر دلَالَة بِأَن يعلم الله تَعَالَى أَنه لَا يَقُول إِلَّا بِالصَّوَابِ
وَاحْتج الْمُخَالف بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن الْإِجْمَاع حجَّة فَلَو لم ينْعَقد إِلَّا عَن دلَالَة لكَانَتْ الدّلَالَة هِيَ الْحجَّة وَلم يكن فِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة فَائِدَة وَالْجَوَاب أَن هَذَا يبطل بقول النَّبِي ﷺ فانه حجَّة وَلَا يَقُول إِلَّا عَن دلَالَة وَلَا يلْزم إِذا صدر الْإِجْمَاع عَن حجَّة أَن لَا يكون فِي كَونه حجَّة فَائِدَة وعَلى أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون قَوْلهَا حجَّة وَمَا صدر قَوْلهَا عَنهُ حجَّة فَيكون فِي الْمَسْأَلَة حجتان وَأَيْضًا فالفائدة فِي ذَلِك أَن يسْقط عَنَّا الْبَحْث عَن الْحجَّة وَيسْقط عَنْهَا نقلهَا وَيحرم علينا الْخلاف الَّذِي كَانَ سائغا فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد على قَول من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب
وَمِنْهَا أَن الْإِجْمَاع قد انْعَقَد من غير دَلِيل نَحْو إِجْمَاعهم على بيع المراضاة من غير عقد والاستصناع واجرة الْحمام وَغير ذَلِك وَأخذ الْخراج وَأخذ الزَّكَاة من الْخَيل وَالْجَوَاب أَن كل ذَلِك مَا وَقع إِلَّا عَن دَلِيل وَإِن جَازَ أَن لَا ينْقل لما ذَكرْنَاهُ من أَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد إِلَّا عَن دَلِيل وَأما الاستصناع وَعقد المراضاة فقد كَانَا على عهد النَّبِي ﷺ وَلم يُنكره فَدلَّ على جَوَازه على أَن بيع المراضاة لما جرت الْعَادة بِهِ جرى الْأَخْذ والإعطاء فِي الدّلَالَة على الرِّضَا مجْرى القَوْل وَكَذَلِكَ اجرة الْحمام وَأما قسْمَة أَرض الْعَدو فللإمام أَن يقسمها وَأَن لَا يقسمها وَيعْمل فِيهَا بِحَسب الْمصلحَة وَلِهَذَا لم يقسم النَّبِي ﷺ =
стр. 477
منَازِل مَكَّة وَلَا آبار هوَازن ومياههم وَأما أَخذ الزَّكَاة من الْخَيل فَلَيْسَ باجماع وَلَوْلَا أَنه قد علم من أوجبهَا من النَّبِي ﷺ مِمَّا دلّ على أَخذ الزَّكَاة مِنْهَا إِذا كثرت لَكَانَ إِيجَابه لَهَا نسخا للشريعة وَلما ترك النكير عَلَيْهِ ﷺ َ - بَاب فِي الْأمة إِذا أَجمعت على مُوجب الْخَيْر هَل يكون الْخَبَر طَرِيقا إِلَى مَا أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة أم لَا ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْأمة إِذا أَجمعت على حكم كَانَ فِي الْأَخْبَار مَا يدل عَلَيْهِ فاما أَن يكون خبر وَاحِد أَو متواترا فان كَانَ متواترا فاما أَن يكون نصا لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى اسْتِدْلَال طَوِيل واجتهاد أَو يحْتَاج مَعَه إِلَى ذَلِك فان كَانَ نصا علمنَا أَنهم أَجمعُوا لأَجله لِأَنَّهُ لَا يجوز مَعَ تواتره أَن لَا يقفوا عَلَيْهِ مَعَ طَلَبهمْ لما يدل على الحكم وَلَا يجوز مَعَ ظُهُوره أَن لَا يَدعُوهُم إِلَى الحكم فَيكون طريقهم إِلَيْهِ سَوَاء ظهر فيهم خبر مثله أَو لم يظْهر وَإِن كَانَ يحْتَاج فِي الِاسْتِدْلَال بِهِ إِلَى اجْتِهَاد طَوِيل وَبحث لم يمْتَنع أَن يَكُونُوا اجْمَعُوا لأَجله وَلم يمْتَنع أَجمعُوا لأجل خبر متواتر هُوَ أجلى مِنْهُ لم ينْقل اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع إِذا اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم وَاسْتدلَّ الْبَاقُونَ بِخَبَر آخر أَو بِقِيَاس
وَإِن كَانَ الْخَبَر مَنْقُولًا بالآحاد لم يخل إِمَّا أَن يروي لنا أَنه ظهر فيهم أَو لَا يروي ذَلِك فان لم يرو ذَلِك جَوَّزنَا أَن يكون ظهر فيهم فَلم ينْقل إِلَيْنَا ظُهُوره فَأَجْمعُوا لأَجله وجوزنا أَن يكون ظهر فيهم خبر آخر أَجمعُوا أَو بَعضهم لأَجله وَلم ينْقل إِلَيْنَا اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يكون ذَلِك الْخَبَر كَانَ ظَاهرا فيهم فَلم ينْقل ظُهُوره إِلَيْنَا جَازَ أَن يظْهر فيهم خَبرا آخر فَلَا ينْقل إِلَيْنَا أصلا وَإِن كَانَ قد روى أَن ذَلِك الْخَبَر قد كَانَ ظهر فيهم فإمَّا أَن يروي بالتواتر أَو بالآحاد فان كَانَ قد روى بالآحاد وجوزنا صدق الرَّاوِي وَأَن يَكُونُوا أَجمعُوا لأَجله وجوزنا كذبه فَلَا يقطع على أَنهم أَجمعُوا لأَجله
стр. 478
وَلَكِن يغلب صدقه على الظَّن
وَإِن نقل ظُهُور الْخَبَر فيهم بالتواتر جَازَ أَن يَكُونُوا أَجمعُوا لأَجله وَيقطع على ذَلِك من حَاله إِن قَالُوا أجمعنا لأَجله أَو كَانُوا متوقفين عَن الحكم بأجمعهم أَو كَانَ بَعضهم قد حكم بِخِلَافِهِ فَلَمَّا سمعُوا الْخَبَر قَالُوا بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه يجوز أَن يجمعوا لأجل خبر الْوَاحِد لِأَن خبر الْوَاحِد طَرِيق إِلَى الحكم وَلَيْسَ يمْتَنع فِي الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة أَن يجمعا على الحكم طَرِيق من طرقه وَإِن لم يَقُولُوا أجمعنا لأَجله وَلَا نقل رجوعهم إِلَيْهِ بعد توقفهم جَوَّزنَا أَن يَكُونُوا حكمُوا بِغَيْرِهِ وَلم ينْقل اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع وَبِالْجُمْلَةِ مَتى جَوَّزنَا أَن لَا ينْقل الْخَبَر الْمُتَوَاتر اكْتِفَاء بِالْإِجْمَاع على مُوجبه لم يجز الْقطع على أَن السّلف أَجمعُوا لأجل خبر الْوَاحِد وَلَا خبر متواتر مُحْتَمل إِلَّا أَن يَقُولُوا إِنَّا حكمنَا لأَجله أَو يجمعوا على مُوجبه عِنْد سماعهم لَهُ
فان قيل فاذا أَجمعُوا على مُقْتَضى خبر الْوَاحِد أيقطعون على صدق الْمخبر قيل لَا لِأَنَّهُ يجوز أَن تكون الْمصلحَة أَن نحكم بِمَا ظننا صدقه من الْأَخْبَار سَوَاء كَانَت صَادِقَة فِي أَنْفسهَا أَو كَاذِبَة ﷺ َ - بَاب فِي جَوَاز وُقُوع الْإِجْمَاع عَن اجْتِهَاد ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْقَائِلين بِأَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد إِلَّا عَن طَرِيق اتَّفقُوا على جَوَاز انْعِقَاده عَن دلَالَة لِأَنَّهُ لَو لم يجز انْعِقَاده عَن دلَالَة لم يجز عَن أَمارَة وَفِي ذَلِك تعذر انْعِقَاده وَأَن يكون الله تَعَالَى قد أمرنَا بِاتِّبَاع مَا يتَعَذَّر وُقُوعه وَاخْتلفُوا فِي انْعِقَاده عَن أَمارَة فَمنع قوم من أهل الظَّاهِر من ذَلِك خفيت الدّلَالَة أم ظَهرت وَأَجَازَ أَكثر الْفُقَهَاء انْعِقَاده عَن الْجَلِيّ والخفي من الأمارات وَأَجَازَ قوم انْعِقَاده عَن الْجَلِيّ دون الْخَفي
стр. 479
وَدَلِيلنَا أَن الأمارة طَرِيق إِلَى الحكم كَمَا أَن الدّلَالَة طَرِيق إِلَى الحكم وَلَا مَانع من انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَنْهَا كَمَا لَا مَانع من انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَن الْأَدِلَّة خفيها وجليها فَكَمَا جَازَ مَا أمكن انْعِقَاده عَن جلي الْأَدِلَّة وخفيها جَازَ مثله فِي الأمارات
فان قيل لم قُلْتُمْ لَا مَانع من ذَلِك قيل لِأَنَّهُ لَو منع مَانع من ذَلِك كَانَ معقولا وَكَانَ لَهُ تعلق مَعْقُول وَمَا يعقل من ذَلِك إِمَّا أَن يرجع إِلَى الدَّوَاعِي والصوارف وَإِمَّا أَن يرجع إِلَى أَحْكَام متنافية وَمَا يرجع إِلَى الدَّوَاعِي شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن يُقَال إِن الْأمة على كثرتها وَاخْتِلَاف همها وأغراضها لَا يجوز أَن يجمعها الأمارة مَعَ خفائها وَلِأَن أَمارَة الحكم الْوَاحِد قد تكون متغائرة فَتكون أَمارَة بَعضهم غير أَمارَة الآخرين فَلَا تكون الأمارة الْوَاحِدَة دَاعِيَة لَهُم إِلَى ذَلِك وَلَو جَازَ مَعَ تعذر كَون الأمارة دَاعِيَة لجميعهم إِلَى الحكم أَن يجمعوا عَلَيْهِ جَازَ أَن يجتمعوا على مأكل وَاحِد وعَلى الْكَذِب فِي شَيْء وَاحِد
وَيُفَارق ذَلِك اجْتِمَاعهم عَن دلَالَة أَو شُبْهَة لِأَن الْأَدِلَّة ظَاهِرَة والشبه تتقدر بِتَقْدِير الْأَدِلَّة عِنْد من صَار إِلَيْهَا وَيُفَارق إِجْمَاع الْخلق الْعَظِيم لحضور الأعياد لِأَن الدَّاعِي إِلَى ذَلِك ظَاهر فيهم الْجَواب أَن قَوْلهم إِن كَثْرَة عدد الامة وَاخْتِلَاف اغراضها يمْنَع من اجتماعها على حكم الأمارة مَعَ خفائها دَعْوَى وَلَيْسَ يمْتَنع أَن تجمعهم الأمارة الْوَاحِدَة أَو الأمارات على الحكم الْوَاحِد وَإِن اخْتلفت الْأَغْرَاض وَكثر الْعدَد لأَنهم قد اتَّفقُوا على وجوب الْمصير إِلَى الأمارة فاذا ظَهرت الأمارة لجميعهم دخلت فِي الْجُمْلَة الَّتِي اعتقدوها وَلذَلِك اتّفق اصحاب أبي حنيفَة فِي كثير من الْمسَائِل وهم خلق عَظِيم ويتفق كثير من أهل الحروب فِي كثير من الْحَالَات فِي الآراء وَاتفقَ الْخلق الْعَظِيم على الْمصير إِلَى مَوضِع الأعياد لما تقدم مِنْهُم اعْتِقَاد الْمصير إِلَى ذَلِك
وَيُفَارق ذَلِك اتِّفَاقهم على الْكَذِب فِي شَيْء معِين لِأَنَّهُ لَا دَاعِي لَهُم إِلَى ذَلِك
стр. 480
وَقد بَينا أَن لما ذَكرْنَاهُ دَاعيا وَلِأَنَّهُ لَا يخْطر ببالهم كلهم الشَّيْء الَّذِي يكذبُون فِيهِ إِلَّا بِأَن يتراسلوا فَأَما استنباط الحكم بالأمارة فَلَا يحْتَاج إِلَى تراسل لِأَن الأمارات سَائِغَة فِي الْمُجْتَهدين لَا يَحْتَاجُونَ فِيهَا إِلَى تراسل
وَأما اتِّفَاق جَمِيعهم على مأكل وَاحِد فانما لم يجز لِأَن ذَلِك تَابع لتساوي شهواتهم وتساوي إمكانهم وَقد علمنَا أَنهم مُخْتَلفُونَ فِي الشَّهَوَات وَإِمْكَان نيل مشتهاها فَمنهمْ من يَشْتَهِي مَا ينفر طبع الآخر عَنهُ وَمِنْهُم من تقوى شَهْوَته لما تنقص شَهْوَة الآخر لَهُ فتدعوه قُوَّة شَهْوَته إِلَى تنَاوله دون الآخر وَقد يتَّفق الِاثْنَان فِي شَهْوَة الشَّيْء ويتعذر على أَحدهمَا تَحْصِيله أَو يشق عَلَيْهِ ذَلِك وَلَا يتَعَذَّر على الآخر وَلَا يشق فلهذه الامور لم يتفقوا على مأكل وَاحِد
وَقَوْلهمْ إِن الحكم الْوَاحِد لَا يكون لَهُ إِلَّا أَمارَة بَاطِل لِأَنَّهُ قد يجوز أَن تكون لَهُ أَمارَة وَاحِدَة فَتكون دَاعِيَة لجميعهم إِلَى حكمهَا وَقد تكون لَهُ أمارتان إِحْدَاهمَا أظهر من الْأُخْرَى فتدعو أظهرهمَا جَمِيعهم إِلَى حكمهَا وَقد تتساويان فيستدل بَعضهم باحداهما ويستدل الْبَاقُونَ بالاخرى أَو يسْتَدلّ كل وَاحِد مِنْهُم بكلتيهما فيتفقون فِي الحكم وَإِن تغايرت الأمارات وتفرقتهم بَين الأمارات والشبهة لَا تصح لِأَن الشُّبْهَة لَا تعلق لَهَا والأمارات لَهَا تعلق فاذا جَازَ أَن يجْتَمع الْخلق الْعَظِيم على الْخَطَأ لما لَا تعلق بِهِ فبأن يجوز أَن يجتمعوا لما لَهُ تعلق أولي
وَالْوَجْه الآخر من الدَّوَاعِي هُوَ قَوْلهم إِن من الامة من يعْتَقد بطلَان الحكم بالأمارة وَذَلِكَ يصرفهُ عَن الحكم بهَا وَلَيْسَ فِي مُقَابلَة ذَلِك دَاع فيدعوه إِلَى حكمهَا وَذَلِكَ يمْنَع من اجْتِمَاع كل الامة على حكمهَا وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْخلاف حَادث عندنَا وَالصَّحَابَة كَانَت مجمعة على صِحَة الِاجْتِهَاد فَهَذِهِ الشُّبْهَة لَا تتَنَاوَل عصر الصَّحَابَة وَقد أُجِيب عَن ذَلِك بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع فِيمَن اعْتقد بطلَان الحكم بالأمارة أَن يصير إِلَى حكمهَا إِذا كَانَت ظَاهِرَة لاعْتِقَاده كَونهَا دلَالَة فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى اتِّفَاق الْكل على حكمهَا وَهَذَا الْجَواب لَا يتَوَجَّه إِلَى من منع
стр. 481
من اجْتِمَاعهم على الأمارة الْخفية لهَذِهِ الشُّبْهَة وَأَيْضًا فان من اعْتقد قبح الحكم بالأمارة ثمَّ حكم بهَا لاعْتِقَاده فِيهَا أَنَّهَا دلَالَة فقد أقدم على اعْتِقَاد لَا يَأْمَن كَونه قبيحا وَذَلِكَ قَبِيح وغذا كَانَ كَذَلِك لم تكن كل الْأمة قد أَصَابُوا فِي ذَلِك الحكم وَلَا يجوز أَن تجمع الامة فَلَا يكون كل وَاحِد مِنْهُم مصيبا فِيمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ
وَبِهَذَا يُجَاب من انْفَصل عَن الشُّبْهَة بِأَن قَالَ لَا يمْتَنع فِيمَن اعْتقد قبح الحكم بالأمارة أَن يحكم بهَا وَإِن علم أَنَّهَا أَمارَة إِذا لم يجد سواهَا إِذْ لَا يمْتَنع فِي بعض الامة أَن يُنَاقض
وَأما الْمَنْع من انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَن اجْتِهَاد لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى اجْتِمَاع أَحْكَام متنافية فَهُوَ أَن يُقَال إِن الحكم الصَّادِر عَن اجْتِهَاد لَا يفسق مُخَالفَة وَيجوز مُخَالفَته فَلَا يَجْعَل أصلا وَلَا يقطع عَلَيْهِ وَلَا على تعلقه بالأمارة وَالْحكم الْمجمع عَلَيْهِ لَا يجوز مُخَالفَته ويفسق مخالفه وَيجْعَل أصلا وَيقطع عَلَيْهِ وعَلى تعلقه بطريقه فَلَو صدر الْإِجْمَاع عَن اجْتِهَاد لأجتمعت فِيهِ هَذِه الْأَحْكَام على تنافيها وَالْجَوَاب أما قَوْلهم إِن الحكم الْمُجْتَهد فِيهِ يجوز مُخَالفَته فان الْقَائِلين بِأَن الْحق فِي وَاحِد لَا يجوزون لأحد مُخَالفَة الْحق فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد أَلا تراهم يخطئون من خالفهم وَإِن أسقطوا عَنهُ المأثم وَكثير مِنْهُم يجوز للمقلد أَن يُقَلّد من يفتيه بِخِلَاف الْحق وَلَا يجوز ذَلِك فِيمَا اتّفق عَلَيْهِ وَيَقُول إِن ذَلِك من حق الِاجْتِهَاد إِلَّا أَن يصدر عَنهُ الْإِجْمَاع فان صدر عَنهُ الْإِجْمَاع لم يجز التَّقْلِيد فِي خِلَافه فَأَما الْقَائِلُونَ بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب فانهم يجوزون لغَيرهم من الْمُجْتَهدين أَن يخالفوهم فِي الحكم الَّذِي قَالُوهُ عَن اجْتِهَاد وَلَا يجوزون مثله فِيمَا اتّفق عَلَيْهِ وَيَقُولُونَ إِن جَوَاز الْمُخَالفَة من حكم الِاجْتِهَاد إِذا لم يقْتَرن بِهِ إِجْمَاع وَلَيْسَ هُوَ من حكمه على الْإِطْلَاق فَيلْزم التَّنَافِي كَمَا أَن ذَلِك من حكم الِاجْتِهَاد إِذا لم يقْتَرن بِهِ تصويب النَّبِي ﷺ لِأَن الْمُجْتَهد لَو اجْتهد مَعَ غيبَة النَّبِي ﷺ فَبَلغهُ ذَلِك فصوبه وَحكم بِهِ فانه لَا يجوز مُخَالفَته فَبَان أَن جَوَاز
стр. 482
الْمُخَالفَة لَيْسَ بِحكم الِاجْتِهَاد على الْإِطْلَاق فاذا صوب النَّبِي ﷺ المجمعين كَانَ كتصويبه الْمُجْتَهد فِي الْمَنْع من مُخَالفَة ذَلِك الحكم والعامي لَا يجوز لَهُ مُخَالفَة الحكم الْمُجْتَهد فِيهِ إِذا لم يجد من يفتيه بِغَيْرِهِ وَلَا يجوز للمجتهد أَن يُخَالف مَا حكم بِهِ عَلَيْهِ القَاضِي وَلَا يخرج مِنْهُ فَبَان أَن جَوَاز الْمُخَالفَة لَيْسَ من حق الِاجْتِهَاد على الْإِطْلَاق وَأَيْضًا فالمخالف يجوز أَن ينْعَقد الْإِجْمَاع عَن خبر الْوَاحِد مَعَ أَن الْإِجْمَاع لَا يجوز مُخَالفَته وَيجوز مُخَالفَة الحكم الَّذِي رَوَاهُ الْوَاحِد إِذا أدّى الِاجْتِهَاد فِي حَالَة إِلَى ترك حَدِيثه وترجيح غَيره عَلَيْهِ وَلم يؤد انْعِقَاد الْإِجْمَاع عَنهُ إِلَى التَّنَافِي فَكَذَلِك انْعِقَاده عَن اجْتِهَاد
وَأما قَوْلهم إِنَّه لَا يفسق من خَالف حكم الِاجْتِهَاد ويفسق من خَالف الْإِجْمَاع فجواب الْفَرِيقَيْنِ عَنهُ أَن ذَلِك لَيْسَ من حكم الِاجْتِهَاد على الْإِطْلَاق بل هُوَ من حكمه إِذا لم يقْتَرن بِهِ إِجْمَاع كَمَا أَنه من حكمه إِذا لم يقْتَرن بِهِ تصويب من النَّبِي ﷺ
وَأما قَوْلهم إِن حكم الِاجْتِهَاد لَا يجوز أَن يَجْعَل أصلا يجوز ذَلِك فِي حكم الْإِجْمَاع فان من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب لَا يجوز لمن لم يؤده اجْتِهَاده إِلَى الحكم أَن يَجعله اصلا لِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ غير ذَلِك الحكم فَأَما إِذا أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ فان مِنْهُم من يَجعله أصلا ويقيس عَلَيْهِ فرعا آخر بعلة سوى الْعلَّة الَّتِي ثَبت بهَا الحكم فِي الْمَسْأَلَة الْمُجْتَهد فِيهَا وَمِنْهُم من لَا يَجعله أصلا لَا لِأَنَّهُ مُجْتَهد فِيهِ لَكِن لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُقَاس عَلَيْهِ إِلَّا بعلة وَتلك الْعلَّة يُمكن أَن يُقَاس الْفَرْع بهَا على الأَصْل الأول فَلَا يكون لجعل ذَلِك الْفَرْع أصلا معنى فَأَما الحكم الْمجمع عَلَيْهِ من جِهَة الِاجْتِهَاد فانه قد صَار مَقْطُوعًا بِهِ كالمنصوص عَلَيْهِ فَجَاز أَن يُقَاس عَلَيْهِ فرع من الْفُرُوع بِالْعِلَّةِ الَّتِي ثَبت بهَا الحكم فِيهِ وَيكون قِيَاس الْفَرْع عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْعلَّة كقياسه على الأَصْل الأول لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا طَرِيقه مَقْطُوع بِهِ وَأما الْقَائِلُونَ بِأَن الْحق فِي وَاحِد فانهم لَا يجوزون الْقيَاس على مَا هُوَ خطأ وَمَا لَيْسَ بخطأ فان قَوْلهم فِي جعله أصلا يَنْبَغِي أَن
стр. 483
يكون على مَا ذَكرْنَاهُ الْآن
وَأما قَوْلهم إِن الحكم الصَّادِر عَن اجْتِهَاد غير مَقْطُوع بِهِ وعَلى تعلقه بالأمارة فجواب أَكثر من يَقُول بِأَن الْحق فِي وَاحِد أَن ذَلِك هُوَ من حق الِاجْتِهَاد إِذا انْفَرد عَن إِجْمَاع أَو تصويب من النَّبِي ﷺ فاذا اقْترن بِهِ أَحدهمَا قطع بِهِ وعَلى تعلقه بالأمارة وَإِنَّمَا يعلم تعلقه بالأمارة بِمَا اقْترن بِهِ وَيجْرِي مجْرى أَن يكون وقُوف غُلَام زيد على بَاب الْأَمِير أَمارَة على كَون زيد فِي الدَّار فاذا شَاهَدْنَاهُ فِيهَا أَو أخبرنَا نَبِي قَطعنَا على كَونه فِيهَا وَأَن حكم الأمارة مُتَعَلق بهَا وَكَذَلِكَ إِذا علمنَا صِحَة الْإِجْمَاع ثمَّ أَجمعُوا عَن أَمارَة وَأما الْقَائِلُونَ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب فانهم يَقُولُونَ إِن الْمُجْتَهدين يقطعون على لُزُوم الحكم لمن أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَيْهِ كَمَا يقطعون على لُزُوم الحكم الْمجمع عَلَيْهِ ويقطعون على أَنه غير لَازم لمن لم يؤده اجْتِهَاده إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ هَذَا حكم الِاجْتِهَاد مَا لم يقْتَرن بِهِ إِجْمَاع وَلَا تصويب من النَّبِي ﷺ
وَذكر فِي الشَّرْح أَن الْأمة إِذا أَجمعت على حكم الأمارة لم يقطع على تعلق الحكم بهَا إِلَّا أَن تكون أَمارَة وَاحِدَة وَتجمع الامة على تعلق الحكم بهَا وَمَتى لم يجْتَمع كلا الشَّرْطَيْنِ لم يقطع على ذَلِك وَالْأولَى أَن يُقَال يقطع على تعلق الحكم بهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ لذَلِك معنى أَكثر من ثُبُوت حكمهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي علمنَا بِأَن زيدا فِي دَار الْأَمِير إِذا شَاهَدْنَاهُ فِيهَا بعد مشاهدتنا لوقوف غُلَامه على الْبَاب وَيدل على جَوَاز وُقُوع الْإِجْمَاع عَن اجْتِهَاد أَنه قد وَقع ذَلِك وَلم يكن ليَقَع إِلَّا ووقوعه جَائِز وَيدل على وُقُوعه إِجْمَاع الصَّحَابَة من جِهَة الِاجْتِهَاد على مبلغ حد الشّرْب وإجماعهم على قتال أهل الرِّدَّة وإمامة أبي بكر وَذكرهمْ وَجه اجتهادهم فان أَبَا بكر قَالَ لَا أفرق بَين مَا جمع الله تَعَالَى فقاس الزَّكَاة على الصَّلَاة فِي وجوب قتال المخل بهَا وَلَو كَانَ مَعَهم فِي قتال مَا نعي الزَّكَاة نَص لنقلوه وَقد ذكرُوا فِي إِمَامَة أبي بكر تَقْدِيم النَّبِي ﷺ إِيَّاه فِي الصَّلَاة وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا احْتج أَبُو بكر بِالْآيَةِ على وجوب الزَّكَاة ثمَّ اسْتَفَادَ
стр. 484
وجوب قِتَالهمْ من أجل أَن إِنْكَار الْمُنكر يكون بالْقَوْل فان نفع وَإِلَّا فبالقتال ﷺ َ - بَاب فِي الطَّرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع ﷺ َ -
اعْلَم أَنه إِذا لزمنا الْمصير إِلَى الْإِجْمَاع فَلَا بُد من أَن يكون لنا طَرِيق إِلَى الْعلم بِهِ وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الْإِجْمَاع مَعْلُوما بِالْعقلِ ضَرُورَة أَو اسْتِدْلَالا وَإِمَّا مَعْلُوما بالإدراك وَمَعْلُوم أَنا لَا نعلم بِأول الْعقل أَن الْأمة مجمعة على حكم من الْأَحْكَام وَلَا باستدلال عَقْلِي فَبَقيَ أَن الْإِدْرَاك هُوَ الطَّرِيق إِلَى ذَلِك إِمَّا أَن ندرك قَوْلهم بِالسَّمَاعِ أَو نشاهدهم يَفْعَلُونَ فعلا وَإِمَّا أَن نسْمع الْخَبَر عَنْهُم وَإِذا لم يجز أَن يكون الْمخبر عَنْهُم هُوَ الله وَرَسُوله لِأَن الْوَحْي مُرْتَفع كَانَ الْمخبر عَن الْأمة غَيرهمَا فَثَبت أَن طَرِيق الْإِجْمَاع هُوَ سَمَاعنَا اقاويلهم ومشاهدهم فاعلين أَو النَّقْل عَنْهُم وَالسَّمَاع إِمَّا أَن يتَنَاوَل قَول كل وَاحِد مِنْهُم أَو يتَنَاوَل قَول بَعضهم فان تنَاول قَول كل وَاحِد مِنْهُم كَانَ طَرِيقا كَافِيا وَإِن تنَاول قَول بَعضهم لم يكن طَرِيقا إِلَى إِجْمَاعهم إِلَّا بِأحد أَمريْن إِمَّا أَن ينْقل لنا ذَلِك القَوْل عَن البَاقِينَ وَإِمَّا أَن ينْقل سكُوت البَاقِينَ عَن النكير مَعَ انتشار القَوْل فيهم وارتفاع التقية وَالنَّقْل عَنْهُم إِمَّا أَن يكون نقلا عَن جَمِيعهم فيكتفى بِهِ وَإِمَّا أَن يكون نقلا عَن بَعضهم فَلَا يكون طَرِيقا إِلَّا بِأَن نسْمع من البَاقِينَ مثل ذَلِك القَوْل وَإِمَّا بِأَن نعلم سكُوت البَاقِينَ عَن النكير مَعَ انتشار القَوْل فيهم
وَالْخَبَر عَن المجمعين ضَرْبَان تَوَاتر وآحاد وكل وَاحِد مِنْهُمَا طَرِيق إِلَى الْإِجْمَاع وَنحن نذْكر القَوْل الْمُنْتَشِر فِي الصَّحَابَة لدُخُوله فِي الْجُمْلَة الَّتِي ذَكرنَاهَا ولتعلق شُبْهَة الْمُخَالف بِهِ فَنَقُول إِن قَول بعض أهل الْعَصْر إِذا انْتَشَر فِي جَمِيعهم وَسكت الْبَاقُونَ فَلم يظهروا خلافًا فَأَما أَن يعلم أَن سكوتهم سكُوت رَاض يكون ذَلِك القَوْل قولا لَهُ أَو لَا يعلم ذَلِك من حَالهم فان علم ذَلِك كَانَ إِجْمَاعًا لأَنهم لَو قَالُوا قد رَضِينَا بِهَذَا القَوْل وَنحن معتقدون لَهُ كَانَ
стр. 485
إِجْمَاعًا فاذا علمنَا ذَلِك ضَرُورَة فيهم على قَول من يجوز وُقُوع الْعلم بالمذاهب باضطرار كَانَ آكِد وَإِن لم نعلم باضطرار أَنهم رَضوا بذلك القَوْل قولا لَهُم فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون من مسَائِل الِاجْتِهَاد أَو لَا يكون من مسَائِل الِاجْتِهَاد فان لم يكن من مسَائِل الِاجْتِهَاد فإمَّا أَن يكون على النَّاس فِيهِ تَكْلِيف أَو لَا يكون عَلَيْهِم فِيهِ تَكْلِيف فَإِن لم يكن عَلَيْهِم فِيهِ تَكْلِيف كالقول بِأَن عمارا أفضل من حُذَيْفَة ﵄ جَازَ أَن يكون خطأ لَا يلْزم البَاقِينَ إِنْكَاره لِأَنَّهُ إِنَّمَا يلْزمهُم إِنْكَاره إِذا علمُوا أَنه مُنكر فاذا لم يلْزمهُم النّظر فِي كَونه مُنْكرا جَازَ أَن لَا ينْظرُوا فِيهِ فَلَا يعلمُونَ أَنه مُنكر فَلَا يلْزمهُم إِنْكَاره وَلَيْسَ بممتنع أَن يتطابقوا على ترك إِنْكَار مَا لَا يجب إِنْكَاره أَلا ترى أَنهم لَو سمعُوا من يخبر بِأَن زيدا فِي الدَّار لم يلْزمهُم أَن ينْظرُوا هَل أخبر عَن ثِقَة أَو على حسب ظَنّه أَو أخبر قطعا وَهُوَ لَا يَأْمَن كَونه كَاذِبًا وَإِذا لم يلْزمهُم ذَلِك لم يجب الْإِنْكَار عَلَيْهِم وَإِن كَانَ على النَّاس فِي الْمَسْأَلَة تَكْلِيف فانه إِذا لم يُنكر الْبَاقُونَ ذَلِك القَوْل يكون صَوَابا لِأَنَّهُ لَو كَانَ خطأ لكانوا قد تطابقوا على ترك مَا يجب عَلَيْهِم من إِنْكَار الْمُنكر وَإِذا كَانَ ذَلِك القَوْل صَوَابا فخلافه خطأ لِأَن الْمَسْأَلَة مِمَّا ألحق فِي وَاحِد مِنْهُ
فَإِن قيل أَيجوزُ مَعَ كَون ذَلِك القَوْل صَوَابا أَن يكون من سكت يتَوَقَّف فِيهِ غير قَائِل بِهِ قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَن إطباقهم على ترك الْإِنْكَار يجْرِي مجْرى قَوْلهم إِنَّه لَيْسَ بمنكر فِي الدّلَالَة على أَن ذَلِك القَوْل غير مُنكر وَلَا يجوز أَن يَقُولُوا ذَلِك فَيكون القَوْل غير مُنكر إِلَّا لأَنهم بأجمعهم قَالُوهُ
وَأما إِذا كَانَت الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد فالقائلون بِأَن الْحق فِي وَاحِد وَمَا عداهُ يجب تَركه يَقُولُونَ فِي ذَلِك مَا قُلْنَاهُ الْآن فِيمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد والقائلون بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب اخْتلفُوا فَقَالَ أَبُو عَليّ يكون ذَلِك إِجْمَاعًا إِذا انْتَشَر القَوْل فيهم ثمَّ انقرض الْعَصْر وَقَالَ أَبُو هَاشم لَا يكون إِجْمَاعًا وَلكنه يكون حجَّة وَقَالَ أَبُو عبد الله لَا يكون إِجْمَاعًا وَلَا حجَّة
стр. 486
وَحجَّة أبي عَليّ أَن المتعالم من أهل الِاجْتِهَاد إِذا سمعُوا الْحَادِثَة وَطَالَ بهم الزَّمَان أَن يفكروا فِيهَا فان اعتقدوا خلاف مَا انْتَشَر من القَوْل فِيهَا أظهروه إِذا لم تكن تقية وَلَا بُد إِذا كَانَت تقية أَن يظْهر سَببهَا وَأَيْضًا فانه إِن مَاتَ قبل من يتقيه صَارَت الْمَسْأَلَة إِجْمَاعًا وَإِن مَاتَ من يتقيه قبله وَجب أَن يظْهر قَوْله فَبَان أَنه لَا يجوز أَن ينقرض الْعَصْر من غير ظُهُور خلاف لما انْتَشَر إِلَّا وَهُوَ متفقون عَلَيْهِ وَأَيْضًا فان المتقي قد يظْهر قَوْله عِنْد ثقاته وخاصته فَلَا يلبث القَوْل أَن يظْهر
وَحجَّة من قَالَ إِنَّه لَا يكون حجَّة أَنه لَا يمْتَنع أَن يكون من سكت لم يفكر فِي الْمَسْأَلَة لتشاغله بغَيْرهَا من الأشغال كالجهاد وسياسة النَّاس أَو الْفِكر فِي غَيرهَا من الْمسَائِل فَلَا يكون القَوْل الْمُنْتَشِر إِلَّا قَول بَعضهم وَلَيْسَ يُؤَدِّي ذَلِك إِلَّا أَن تذْهب الْأمة كلهَا عَن الْحق لِأَن ذَلِك القَوْل الْمُنْتَشِر هُوَ حق لِأَن الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وكل مُجْتَهد فِيهَا مُصِيب
وَحجَّة أبي هَاشم فِي أَن ذَلِك حجَّة هِيَ أَن النَّاس فِي كل عصر يحتجون بالْقَوْل الْمُنْتَشِر فِي الصَّحَابَة إِذا لم يعرف لَهُ مُخَالف
وَأَبُو عبد الله لَا يسلم هَذَا الْإِجْمَاع على أَن من يحْتَج بذلك يَجعله إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ يَقُول قد انْتَشَر هَذَا القَوْل وَلَا يعرف لَهُ مُخَالف فَكَانَ إِجْمَاعًا
وَأما نقل الْإِجْمَاع بِخَبَر الْوَاحِد فَمن النَّاس من لم يعْمل بِهِ وَمِنْهُم من عمل بِهِ وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن قَوْلهم حجَّة كَمَا أَن كَلَام النَّبِي ﷺ حجَّة فاذا لزمتنا الْأَحْكَام بِنَقْل كَلَام النَّبِي ﷺ من جِهَة الْآحَاد فَكَذَلِك يلْزمنَا أَن ينْقل كَلَام الامة من جِهَة الْآحَاد فَأَما من قَالَ إِنَّه لَا طَرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع فَلهُ أَن يحْتَج فَيَقُول إِن المجمعين إِمَّا أَن يَكُونُوا هم الصَّحَابَة أَو غَيرهم من أهل الْأَعْصَار أما غَيرهم فان كثرتهم وتباعد دِيَارهمْ يمْنَع أَن نَعْرِف فِي الْحَوَادِث قَوْلهم بأجمعهم أَلا ترى أَن أهل بَغْدَاد لَا يعْرفُونَ أهل الْعلم بالمغرب فضلا أَن
стр. 487
يعرفوا أقاويلهم فِي الْحَوَادِث وَأما الصَّحَابَة فانا لم نشاهدهم فيشافهونا بالحكم وَلم ينْقل عَن كل وَاحِد مِنْهُم قَول فِي الْحَوَادِث لَا بالتواتر وَلَا بالآحاد وَلَيْسَ معنى إِلَّا أَن بَعضهم يَقُول وينتشر قَوْله فِي البَاقِينَ وَلَا يظْهر لَهُ مُخَالف وَلَيْسَ هَذَا باجماع على الصَّحِيح من قَول من قَالَ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب وَلَيْسَ لكم أَن تَقولُوا إِنَّمَا تحصل الْمَسْأَلَة إِجْمَاعًا عِنْد سكُوت البَاقِينَ إِذا علمنَا أَنهم سكتوا سكُوت من يرضى أَن يكون ذَلِك القَوْل قولا لَهُ لِأَن السَّاكِت قد يسكت لهَذَا الْغَرَض وَلِأَنَّهُ لَا قَول لَهُ فِي الْمَسْأَلَة وَإِذا جَازَ كلا الْأَمريْنِ خرج السُّكُوت من أَن يكون طَرِيقا إِلَى أَن السَّاكِت قد رَضِي أَن يكون القَوْل قولا لَهُ وَلَيْسَ يجوز أَن يعلم باضطرار أَنهم يَعْتَقِدُونَ صِحَة ذَلِك القَوْل لأنكم لَا تضطرون من كل وَاحِد مِنْهُم أَنه مُعْتَقد لما يظهره من الْإِسْلَام فَكيف تَكُونُونَ مضطرين إِلَى أَنهم يَعْتَقِدُونَ فرعا من فروعه وَالْجَوَاب أَن هَذِه الشُّبْهَة لَا تمنع من الْعلم بِالْإِجْمَاع أصلا لِأَن من عاصر الصَّحَابَة يُمكنهُ أَن يلتقي بِكُل وَاحِد من الْمُجْتَهدين أَو ببعضهم ويروى لَهُ عَن البَاقِينَ لِأَن أهل الِاجْتِهَاد كَانُوا فِي ذَلِك الْوَقْت مَحْصُورين وَكَذَلِكَ التابعون وانتشار القَوْل فِي هَذَا الْعَصْر من غير مُخَالف دَلِيل على الْإِجْمَاع فِيمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَفِي مسَائِل الِاجْتِهَاد أَيْضا على قَول من قَالَ إِن الْحق فِي وَاحِد مِنْهَا وعَلى قَول أبي عَليّ أَيْضا وَإِن كَانَ يَقُول إِن كل مُجْتَهد مُصِيب فَأَما غَيره فَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن مَا دلّ على الْإِجْمَاع يَقْتَضِي أَن يكون الله تَعَالَى عَنى بِالْإِجْمَاع القَوْل الْمُنْتَشِر لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُوجب علينا اتِّبَاع مَا لَا سَبِيل لنا إِلَيْهِ فاذا لم يُمكن إِلَّا هَذَا الْقدر علمنَا أَن الله تَعَالَى قد عناه
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا أوجب الله تَعَالَى علينا اتِّبَاع الْإِجْمَاع إِذا تمَكنا مِنْهُ وَذَلِكَ يُمكن لمن عاصر الصَّحَابَة وَأمكن أَن يسألهم وَيُمكن أَيْضا فِي القَوْل الْمُنْتَشِر فِيمَا لَيْسَ من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَهَذَا يَكْفِي فِي حسن إِيجَاب الله تَعَالَى اتِّبَاع الْإِجْمَاع إِذْ قد أمكن من بعض النَّاس وعَلى بعض الْوُجُوه
стр. 488
وَقد اجيب عَن الشُّبْهَة أَيْضا بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن نعلم باضطرار شَيْئا طَرِيقه الْخَبَر وَإِن لم نعلم طَرِيقه مفصلا أَلا ترى أَنا نعلم باضطرار اعْتِقَاد أهل بِلَاد الرّوم النَّصْرَانِيَّة وَأَن الْغَالِب على كثير من الْبِلَاد الْجَبْر والتشبيه وَإِن لم نعلم طَرِيق ذَلِك مفصلا وَكَذَلِكَ نَحن نعلم ضَرُورَة أَنه لَيْسَ فِي الصَّحَابَة ﵃ من جعل الْأَخ أولى بِالْمَالِ كُله من الْجد وَلَا يمْتَنع ذَلِك وَإِن لم يعلم طَرِيقه مفصلا
وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّا لَا نعلم أَن أهل بِلَاد الرّوم نَصَارَى كلهم لأَنا نجوز أَن يكون فيهم المتظاهر بالاسلام واليهودية بل يقطع على ذَلِك وَأَن يكون فيهم من يظْهر النَّصْرَانِيَّة ويعتقد غَيرهَا وَإِنَّمَا نعلم أَن الْغَالِب عَلَيْهِم إِظْهَار النَّصْرَانِيَّة وَذَلِكَ قد أخبرنَا بِهِ جمَاعَة نعلم صدقهم وَلَو كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِم إِظْهَار دين الاسلام لما حاربونا وَلما انكتم ذَلِك
وَأما تَشْبِيه مَسْأَلَة الْجد بِمَا نعلمهُ من أَن الْغَالِب على كثير من الْبِلَاد الْجَبْر والتشبيه فانه يَقْتَضِي أَن نعلم أَن الْغَالِب على الصَّحَابَة أَن الْأَخ لَا يَرث جَمِيع المَال مَعَ الْجد على أَنا نعلم أَنه لم يكن فِي الصَّحَابَة من يظْهر ذَلِك لِأَنَّهُ لَو أظهره مظهر لنقل وَلَكِن للمحتج بِهَذِهِ الشُّبْهَة أَن يَقُول لَعَلَّ من سكت عَن القَوْل فِي مَسْأَلَة الْجد وَالْأَخ لم يجْتَهد فِي الْمَسْأَلَة وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا قَول
وَقد اجيب عَن الشُّبْهَة بِجَوَاب آخر وَهُوَ انه لَا يمْتَنع أَن يضْطَر إِلَى أَن السَّاكِت عَن الْإِنْكَار رَاض بِكَوْن مَا سكت عَن إِنْكَاره قولا لَهُ فان لم يكن لنا إِلَى ذَلِك طَرِيق معِين كَمَا نعلم قصد الْمُتَكَلّم عِنْد كَلَامه وَإِن لم يكن لنا طَرِيق معِين إِلَى ذَلِك وَلَيْسَ لأحد ان يَقُول قد لَا يكون السَّاكِت رَاضِيا بذلك القَوْل لنَفسِهِ فَلَا يجوز أَن يحصل الْعلم بِأَنَّهُ قد رَضِي بالْقَوْل لنَفسِهِ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَن يَقُول لَا أعلم قصد الْمُتَكَلّم لِأَن مثل كَلَامه قد يُوجد وَلَا أعرف قَصده أَلا ترى أَنه قد تَجْتَمِع الْجَمَاعَة للرأي فيشير بَعضهم ويسكت الْبَاقُونَ ويفترقون فَيعلم أَنه رَأْي جَمِيعهم فاذا علمنَا باضطرار أَن مَذْهَب جَمِيع السّلف أَن الْأَخ لَيْسَ أولى بِجَمِيعِ المَال من الْجد علمنَا أَنه من هَذَا الْقَبِيل
стр. 489
وَلقَائِل أَن يَقُول لَيْسَ يجب إِذا علمنَا قصد بعض الْمُتَكَلِّمين فِي بعض الْأَحْوَال أَن نعلم قصد بعض الساكتين وَلَا يجب وَلَو علمنَا ذَلِك فِي بعض الْأَحْوَال أَن نعلم قصد من سكت فِي مَسْأَلَة الْجد وَغَيرهَا بل لَا يمْتَنع أَن يكون من سكت عَن النكير إِنَّمَا سكت لِأَنَّهُ لم يجْتَهد فِي الْمَسْأَلَة لِأَن الْفَرْض قد قَامَ بِهِ غَيره وَلَا يكون لَهُ فِي ذَلِك قَول
فاذا ثَبت أَن النَّقْل طَرِيق إِلَى الْإِجْمَاع وَجب على الامة إِظْهَار قَوْلهَا وَوَجَب على من سَمعه ان يَنْقُلهُ كَمَا يجب إِظْهَار الْفَرَائِض على الرَّسُول ﵇ وَيجب على من سَمعهَا مِنْهُ نقلهَا عَنهُ وَإِذا كَانَ من انْتَشَر من الْأَقَاوِيل فِي الْأمة وَلم يظْهر لَهُ مُخَالف حجَّة جَازَ تَخْصِيص الْعُمُوم بِهِ وَإِن لم يكن حجَّة لم يجز ذَلِك ﷺ َ - بَاب فِي انْقِرَاض الْعَصْر هَل هُوَ طَرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع أم لَا ﷺ َ -
عِنْد الشَّيْخ أبي عَليّ أَن أنقراض الْعَصْر طَرِيق إِلَى معرفَة الْإِجْمَاع لِأَن الْعَصْر لَا ينقرض إِلَّا وَقد شاع القَوْل فِي جَمِيع أَهله فَلَو كَانَ فيهم مُخَالف لأظهر خِلَافه وَعند غَيره أَنه لَا اعْتِبَار بانقراض الْعَصْر فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ يَخْلُو أَبُو عَليّ إِمَّا أَن يَقُول لَا طَرِيق إِلَى الْإِجْمَاع سواهُ أَو يَقُول هُوَ طَرِيق وَغَيره طَرِيق وَالْأول لَا يَصح لِأَن المعاصر للصحابة لَو سمع القَوْل من كل وَاحِد من الْمُجْتَهدين أَو سمع من بَعضهم وَأخْبر عَن البَاقِينَ لعلم إِجْمَاعهم وَالثَّانِي أَيْضا لَا يَصح لِأَن مَا ذَكرُوهُ من انتشار القَوْل وَوُجُوب إِظْهَار الْخلاف مَوْقُوف على تمادي الزَّمَان انقرض الْعَصْر أَو لم ينقرض وَلَو كَانَ انتشار القَوْل فِي جَمِيع أهل الْعَصْر مَوْقُوفا على انْقِرَاض الْعَصْر لَكَانَ فِي كَونه طَرِيقا إِلَى الْإِجْمَاع مَا ذَكرْنَاهُ من الْخلاف فِي الْبَاب الْمُتَقَدّم
стр. 490
- ﷺ َ - بَاب فِي قَول بعض الصَّحَابَة إِذا لم ينتشر وَلم يعرف لَهُ مُخَالف ﷺ َ -
اعْلَم أَن القَوْل إِذا لم ينتشر فيهم فإمَّا أَن يكون الْبلوى بِهِ عَاما أَو غير عَام فان لم يكن عَاما لم يكن إِجْمَاعًا وَلَا حجَّة وَلَا كَانَ مَقْطُوعًا على انه صَوَاب وَعند بعض النَّاس أَنه إِجْمَاع يحْتَج بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لَيْسَ بِإِجْمَاع لِأَن القَوْل إِنَّمَا يكون مجمعا عَلَيْهِ إِذا اعتقده كل أهل الْعَصْر وَلَيْسَ يجوز أَن يَعْتَقِدهُ من لم يسمع بِهِ وَلم يخْطر بِبَالِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه لَيْسَ بِحجَّة لِأَنَّهُ لَو كَانَ حجَّة لَكَانَ حجَّة لِأَنَّهُ إِجْمَاع وَقد بَينا إِنَّه لَيْسَ بِإِجْمَاع أَو لِأَنَّهُ قَول بعض السّلف وَسَيَجِيءُ القَوْل فِي ذَلِك أَو لِأَن الامة أَجمعت على الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَيْسَ فِي ذَلِك إِجْمَاع لِأَن كثيرا من النَّاس يُنكر على من يحْتَج بذلك وَإِنَّمَا لم يقطع على أَنه صَوَاب لِأَن من يَقُول إِن الْحق فِي وَاحِد يجوز أَن يكون خطأ وَمن يَقُول إِن كل مُجْتَهد مُصِيب يجوز خطأ غَيره إِذا لم تكن الْمَسْأَلَة من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَإِن كَانَت من مسَائِل الِاجْتِهَاد فانما يحكم بِأَنَّهُ مُصِيب إِذا استوفى الِاجْتِهَاد وَلم يقل بِأول خاطر وَلَيْسَ يعلم أحد من غَيره أَنه لم يضجع فِي اجْتِهَاده فَلذَلِك لم يقطع على أَن القَوْل صَوَاب على الْإِطْلَاق
فان قيل لَو لم يكن القَوْل صَوَابا لَكَانَ الصَّوَاب قد خرج عَن اقاويل الامة وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْكَلَام يُفِيد أَن للْأمة كلهَا فِي الْحَادِثَة أقاويل وَأَن الصَّوَاب سواهَا وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لِأَن الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي قَول لم يظْهر فِي الْأمة خِلَافه وَأَيْضًا فانه يجوز أَن لَا يكون للْأمة فِي الْمَسْأَلَة قَول هُوَ حق إِذا لم يكن عَلَيْهِم فِي ذَلِك تَكْلِيف أَلا ترى أَنه لَيْسَ لَهُم قَول مِمَّا لم يحدث فِي عصرهم وَجَاز ذَلِك لما لم يكن عَلَيْهِم فِي ذَلِك تَكْلِيف فَكَذَلِك لَا تَكْلِيف عَلَيْهِم فِيمَا لم يبلغهم
وَأما إِذا كَانَ الْبلوى بذلك القَوْل عَاما فان لم ينتشر فيهم ذَلِك القَوْل فَلَا بُد من أَن يكون لَهُم فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة قَول إِمَّا مُوَافق لما نقل إِلَيْنَا أَو مُخَالف
стр. 491
وَلَا يجوز مَعَ اهتمام النقلَة بِالنَّقْلِ أَن يستفيض ذَلِك فَلَا ينْقل وَإِذا ثَبت أَن قَول بعض الصَّحَابَة إِذا لم ينتشر لَا يكون حجَّة فَجرى مجْرى قَول الْوَاحِد مِنْهُم إِذا خَالف فِيهِ غَيره فِي أَنه لَا يخص بِهِ الْعُمُوم
стр. 492
الْكَلَام فِي الْأَخْبَار
أَبْوَاب الْأَخْبَار بَاب فِي اسْم الْخَبَر وَحده وَمَا بِهِ يكون الْخَبَر خَبرا وأقسامه الصدْق وَالْكذب بَاب فِي الاخبار الَّتِي يعلم صدقهَا وَالَّتِي يعلم كذبهَا وَالَّتِي لَا يعلم كلا الْأَمريْنِ من حَالهَا بَاب فِي بَيَان وُقُوع الْعلم بالأخبار وَصفَة الْعلم الْوَاقِع بالتواتر بَاب فِي شَرط وُقُوع الْعلم بالأخبار بَاب فِي أَن خبر الْوَاحِد لَا يَقْتَضِي الْعلم بَاب فِيمَا يقبل فِيهِ مَا لَيْسَ بمتواتر من الْأَخْبَار وَمَا لَا يقبل فِيهِ ذَلِك بَاب فِي جَوَاز التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد بَاب فِي وُرُود التَّعَبُّد بأخبار الْآحَاد بَاب فِيمَا يرد لَهُ الْخَبَر وَمَا لَا يرد لَهُ وَيدخل فِي ذَلِك الْمَرَاسِيل وَغَيرهَا بَاب فِي كَيفَ يَنْبَغِي للراوي أَن يروي وَفِي الْمَفْهُوم من رِوَايَته بَاب فِي الْأَخْبَار المتعارضة بَاب فِيمَا يرجح بِهِ الْخَبَر على غَيره فَالْأول ﷺ َ - بَاب فِي اسْم الْخَبَر وَحده وَمَا بِهِ يكون الْخَبَر خَبرا وأقسامه الصدْق وَالْكذب ﷺ َ -
أما قَوْله خبر فواقع على قَول مَخْصُوص وَلَيْسَ بواقع على سَبِيل الْحَقِيقَة على الْإِشَارَة وَالدّلَالَة لِأَن من وصف غَيره بِأَنَّهُ مخبر وَبِأَنَّهُ فَاعل للْخَبَر لم يسْبق إِلَى فهم السَّامع لَهُ إِلَّا أَنه مُتَكَلم بِصِيغَة مَخْصُوصَة
فَأَما مَا مَعَه تكون الصِّيغَة خَبرا مستعملة فِي فائدتها فَيَنْبَغِي أَن يشْتَرط فِيهِ الْإِرَادَة والأغراض لِأَن صِيغَة الْخَبَر قد ترد وَلَا تكون خَبرا بل تكون أمرا وَلَا تشْتَرط الْإِرَادَة والأغراض فِي كَون الْخَبَر على صِيغَة الْخَبَر
стр. 493
وَأما حد الْخَبَر فقد قيل إِن أهل اللُّغَة حدوه بِأَنَّهُ كَلَام يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب فان قيل أَلَيْسَ قَول الْقَائِل مُحَمَّد ومسيلمة صادقان خبر وَلَيْسَ بِصدق وَلَا كذب قيل قد أجَاب الشَّيْخ أَبُو عَليّ بَان هَذَا الْخطاب يُفِيد صدق أَحدهمَا فِي حَال صدق الآخر فَكَأَنَّهُ قَالَ أَحدهمَا صَادِق فِي حَال صدق الآخر وَلَو قَالَ ذَلِك كَانَ قَوْله كذبا فَكَذَلِك إِذا قَالَ هما صادقان وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَيْسَ ينبىء هَذَا الْكَلَام عَن أَن صدق أَحدهمَا حَاصِل فِي حَال صدق الآخر وَلَا أَنه قبله وَلَا بعده فَلَا يكون ذَلِك معنى الْكَلَام
وَأجَاب الشَّيْخ أَبُو هَاشم بِأَن هَذَا الْكَلَام يجْرِي مجْرى خبرين أَحدهمَا خبر بِصدق النَّبِي ﷺ وَالْآخر خبر بِصدق مُسَيْلمَة فَكَمَا لَا يجوز أَن يُقَال فِي مَجْمُوع خبرين متميزين إنَّهُمَا صدق أَو كذب فَكَذَلِك فِي هَذَا الْكَلَام وَلقَائِل أَن يَقُول بِأَن هَذَا الْكَلَام لَا يجْرِي مجْرى خبرين إِلَّا من حَيْثُ أَفَادَ حكما لشخصين وَذَلِكَ لَا يمْنَع من وَصفه بِالصّدقِ وَالْكذب أَلا ترى أَن قَول الْقَائِل كل شَيْء قديم كذب وَإِن أَفَادَ حكما لذوات كَثِيرَة
وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ بِأَن مرادنا بقولنَا مَا دخله الصدْق وَالْكذب هُوَ مَا إِذا قيل للمتكلم بِهِ صدقت أَو كذبت لم يحظره اللُّغَة وَهَذِه صُورَة هَذَا الْكَلَام فَكَانَ دَاخِلا فِي حد الْخَبَر
وَأجَاب الشَّيْخ أَبُو عبد الله بِأَن هَذَا الْكَلَام كذب فانه يُفِيد الْإِخْبَار عَن شَيْء على خلاف مَا هُوَ بِهِ لِأَنَّهُ يُفِيد إِضَافَة الصدْق إِلَيْهِمَا وَلَيْسَ هُوَ مُضَافا إِلَيْهِمَا وَإِن كَانَ مُضَافا إِلَى أَحدهمَا كَانَ أَن قَول الْقَائِل كل إِنْسَان أسود كذب لِأَنَّهُ يُفِيد إِضَافَة السوَاد إِلَى جَمِيعهم وَلَيْسَ هُوَ مُضَافا إِلَى جَمِيعهم
إِن قيل إِذا حددتم الْخَبَر بِأَنَّهُ مَا دخله الصدْق وَالْكذب وحددتم الصدْق بِأَنَّهُ الْإِخْبَار على الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وحددتم الْكَذِب بِأَنَّهُ الْإِخْبَار عَن الشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ كُنْتُم قد عَرَفْتُمْ الْمَجْهُول بِالْمَجْهُولِ قيل قد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة ﵀ بِأَن الْخَبَر قد عَرفْنَاهُ ولسنا نُرِيد بتحديده أَن نعرفه
стр. 494
وَإِنَّمَا نُرِيد أَن نفصله عَن غَيره فَلم يكن فِيمَا فعلنَا تَعْرِيف الْمَجْهُول بِالْمَجْهُولِ وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ إِن كَانَ الْغَرَض بِالْحَدِّ التَّمْيِيز فَنحْن إِذا ميزنا وفصلنا الْخَبَر بِالصّدقِ وَالْكذب وميزنا الصدْق وَالْكذب بالْخبر كُنَّا قد ميزنا وفصلنا كل وَاحِد مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ وكأنا قُلْنَا الْخَبَر يتَمَيَّز بِأَنَّهُ خبر فان صَحَّ ذَلِك فَيجب الِاقْتِصَار على القَوْل بِأَن الْخَبَر هُوَ خبر وَلَا يتَكَلَّف هَذَا التَّطْوِيل وعَلى أَنا إِن كُنَّا قد عرفنَا الْخَبَر وعقلناه فَمن سَأَلنَا عَن حَده فانما سَأَلنَا عَن عبارَة تنبىء عَن هَذَا الْمَعْقُول الْمَعْرُوف لنا فَيجب أَن نأتي بهَا والا لم نَكُنْ قد حددناه وَأَيْضًا فان كُنَّا قد عقلنا جَمِيع معنى الْخَبَر فقد تميز لنا أَيْضا فَيجب أَن نستغني عَن حَده
جَوَاب آخر وَهُوَ أَن قَوْلنَا مَا دخله الصدْق وَالْكذب أردنَا بِهِ مَا لَا يحظر أهل اللُّغَة أَن يُقَال للمتكلم بِهِ صدقت أَو كذبت وَلَيْسَ يقف حظر ذَلِك على معرفَة الصدْق وَالْكذب بل ذَلِك يرجع فِيهِ إِلَى اللُّغَة وَهَذَا لَا يَصح أَيْضا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسوغ أهل اللُّغَة أَن يُقَال للمتكلم صدقت أَو كذبت إِذا عرفونا الصِّيغَة وميزوها مِمَّا لَا يَصح أَن يُقَال لمن تكلم بِهِ صدقت أَو كذبت فَالْخَبَر هُوَ مَا اخْتصَّ بِتِلْكَ الصِّيغَة فَيجب أَن يكون حد الْخَبَر هُوَ مَا أنبأ عَنْهَا
وَالْأولَى أَن نحد الْخَبَر بِأَنَّهُ كَلَام يُفِيد بِنَفسِهِ إِضَافَة أَمر من الامور إِلَى أَمر من الامور نفيا أَو إِثْبَاتًا وَإِنَّمَا قُلْنَا بِنَفسِهِ لِأَن الْأَمر يُفِيد وجوب الْفِعْل لَا بِنَفسِهِ وَإِن مَا يُفِيد هُوَ استدعاء للْفِعْل لَا محَالة لَا يُفِيد إِلَّا ذَلِك بِنَفسِهِ وَإِن مَا يُفِيد كَون الْفِعْل وَاجِبا تبعا لذَلِك ولصدوره عَن حَكِيم وَكَذَلِكَ دلَالَة النَّهْي على قبح الْفِعْل فَأَما قَول الْقَائِل هَذَا الْفِعْل وَاجِب اَوْ قَبِيح فانه يُفِيد تصريحه تَعْلِيق الْوُجُوب والقبح بِالْفِعْلِ
فَأَما أَقسَام الْخَبَر الصدْق وَالْكذب فَعِنْدَ أبي عُثْمَان الجاحظ أَن الْخَبَر المتناول للشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ من شَرط كَونه صدقا أَن يعْتَقد فَاعله أَو يظنّ أَنه كَذَلِك والمتناول للشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ من شَرط كَونه كذبا أَن يَعْتَقِدهُ فَاعله أَو
стр. 495
يَظُنّهُ كَذَلِك وَمَتى لم يَعْتَقِدهُ كَذَلِك وَلم يَظُنّهُ لم يكن صدقا وَلَا كذبا وأجراه مجْرى الِاعْتِقَاد فِي خلوه من كَونه علما أَو جهلا إِذا تنَاول الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَلم يقتض سُكُون النَّفس وَحجَّة أبي عُثْمَان هِيَ أَن زيدا إِذا كَانَ فِي الدَّار فَظن ظان أَنه لَيْسَ فِيهَا فَقَالَ زيد فِي الدَّار لم يصفه أحد بِأَنَّهُ صَادِق فَبَطل أَن يكون الْخَبَر إِذا تنَاول الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ كَانَ صدقا على كل حَال وَلَو قَالَ زيد لَيْسَ فِي الدَّار لم يصفه أحد بِأَنَّهُ كَاذِب فَبَطل ان يكون الْخَبَر مَتى تنَاول الشَّيْء لَا على مَا هُوَ كَانَ كذبا على كل حَال وَلَو أخبر بِأَن زيدا فِي الدَّار وَكَانَ فِيهَا وَهُوَ يَعْتَقِدهُ أَو يَظُنّهُ فِيهَا وصف بِأَنَّهُ صَادِق وَيكون كَاذِبًا إِذا أخبر بانه لَيْسَ فِيهَا وَهُوَ يَظُنّهُ أَو يَعْتَقِدهُ فِيهَا
وَعند جمَاعَة شُيُوخنَا أَن الْخَبَر إِمَّا أَن يكون صدقا أَو كذبا لِأَن الْيَهُودِيّ إِذا قَالَ مُحَمَّد ﷺ لَيْسَ بِنَبِي لم يمْتَنع أحد من وَصفه بِأَنَّهُ كَاذِب وَوصف خَبره بِأَنَّهُ كذب وَإِن جَازَ أَن لَا يكون مُعْتَقدًا وَلَا ظَانّا لنبوته ﷺ وَإِذا قَالَ قَائِل إِنَّه نَبِي لم يمْتَنع أحد من وَصفه بِأَنَّهُ صَادِق وَأَن خَبره صدق فَعلم أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يشْتَرط الظَّن والاعتقاد فِي كَون الْخَبَر صدقا أَو كذبا
وَقد أفسد قَاضِي الْقُضَاة قَول ابي عُثْمَان بِأَن ظن الْمخبر واعتقاده يرجع إِلَيْهِ لَا إِلَى الْخَبَر فَلم يكن شرطا فِي كَونه كذبا وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع ذَلِك كَمَا أَن إِرَادَة الْمخبر رَاجِعَة إِلَيْهِ وَهِي شَرط عِنْده فِي كَون الْخَبَر خَبرا وَالْكَلَام فِي ذَلِك فِي عبارَة وَالْأولَى أَن نفصل القَوْل فِيهِ فَمَتَى سَأَلَ سَائل عَن رجل قَالَ زيد فِي الدَّار وَهُوَ يَظُنّهُ فِيهَا وَلم يكن فِيهَا هَل هُوَ كَاذِب وَكَلَامه كذب أَو لَا فانا نقُول هُوَ كَاذِب وَكَلَامه كذب على معنى أَن مخبره على خلاف مَا تنَاوله ونوصف بِأَنَّهُ لَيْسَ بكاذب وَكَلَامه لَيْسَ بكذب لِمَعْنى أَنه لم يقْصد بِهِ الْإِخْبَار عَن الشَّيْء لَا على مَا هُوَ بِهِ وَإِذا اخْتلف الْقَصْد بوصفنا لهَذَا الْخَبَر بِأَنَّهُ كذب وَجب أَن لَا يُطلق الْوَصْف عَلَيْهِ بذلك وَأَن يُقيد وَكَذَلِكَ القَوْل فِيمَن أخبر بالشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَهُوَ يظنّ أَنه كَاذِب أَن خَبره يُوصف بِأَنَّهُ صدق وَأَنه صَادِق على هَذَا التَّقْيِيد فَأَما وصف الْيَهُودِيّ بِأَنَّهُ كَاذِب فِي
следующие страницы →