← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

(٢٥٤) القَوْل فِي إِجْمَاع الْعَصْر الثَّانِي بعد اخْتِلَاف أهل الْعَصْر الأول) ١٤٤٥ - إِذا اخْتلف أهل عصر الْأَعْصَار على قَوْلَيْنِ مثلا، ثمَّ انقرضوا، وَصَارَ أهل الْعَصْر الَّذِي يَلِي عصر الْأَوَّلين إِلَى أحد الْقَوْلَيْنِ، ورفضوا القَوْل الثَّانِي، فَهَل يكون ذَلِك إِجْمَاعًا. اخْتلف أَرْبَاب الْأُصُول فِي ذَلِك: فَذهب الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم إِلَى أَن ذَلِك لَا يكون إِجْمَاعًا أصلا. وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه يكون إِجْمَاعًا مَقْطُوعًا بِهِ، حَتَّى لَا يجوز بعد إِجْمَاع أهل الْعَصْر الثَّانِي على أحد المذهبين، الْمصير إِلَى الْمَذْهَب الثَّانِي. ١٤٤٦ - وَمن صَار إِلَى أَن ذَلِك لَا يكون إِجْمَاعًا، اخْتلفُوا على مذهبين فِي أَنه هَل يتَصَوَّر من أهل الْعَصْر الثَّانِي، " أصل " الْإِجْمَاع؟ وَلَا يسوغ اجْتِمَاعهم على خطأ. ورفض أحد الْقَوْلَيْنِ خطأ على معنى التخطئة. فَلَا يسوغ هَذَا الْقَائِل اجْتِمَاعهم عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتفقوا على أَن الْأَخْذ بِأَحَدِهِمَا أولى من غير أَن يرفضوا القَوْل الثَّانِي، فَهَذَا مِمَّا يسوغ ويهون أمره.

стр. 1017

١٤٤٧ - وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه يتَصَوَّر من أهل الْعَصْر الثَّانِي، صُورَة الِاتِّفَاق على رفض أحد الْقَوْلَيْنِ وَتَحْرِيم الْمصير إِلَيْهِ، وَلَكِن لَا يكون اتِّفَاقهم حجَّة. لأَنهم فِي مَسْأَلَة الِاخْتِلَاف لَيْسُوا كل الْأمة، إِذْ الَّذين انقرضوا من الْمُخَالفين الآخذين بالْقَوْل المرفوض، فِي تَقْدِير الْأَحْيَاء المصرين على مَذْهَبهم. إِذْ الْمذَاهب " لَا تبطل " بِمَوْت أَصْحَابهَا. وَلَو كَانَ كَذَلِك، لما كَانَ هَؤُلَاءِ إِلَّا بعض الْأمة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. ١٤٤٨ - وَالْقَاضِي ﵁ " يمِيل " تَارَة إِلَى هَذَا الْمَذْهَب: وَهُوَ تصور الِاتِّفَاق مِنْهُم وَتارَة إِلَى " الْمَذْهَب " الأول: وَهُوَ أَنه لَا يتَصَوَّر مِنْهُم الِاتِّفَاق. وَالْمُخْتَار من هَذَا الْبَاب أَن حكم الِاخْتِلَاف لَا يرتفض أصلا.

стр. 1018

١٤٤٩ - وَقد تمسك أَصْحَابنَا فِي نصْرَة هَذَا الْمَذْهَب بطريقتين: أَحدهمَا: أَن الَّذين اخْتلفُوا أَولا، ثمَّ درجوا ومضوا، " يقدرُونَ " أَحيَاء فَإِن / الْمذَاهب لَا تسْقط بِمَوْت أَصْحَابهَا وَلَا تندرس. إِذْ لَو سَاغَ سُقُوط مَذْهَب بِمَوْت الصائرين " إِلَيْهِ " للَزِمَ ارْتِفَاع الْإِجْمَاع أَيْضا، حَتَّى

стр. 1019

يُقَال: إِذا أجمع أهل الْعَصْر الأول، ثمَّ انقرضوا، فقد ارْتَفع حكم إِجْمَاعهم، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ. ١٤٥٠ - والطريقة الْأُخْرَى: - وَهِي الَّتِي اخْتَار القَاضِي ﵁ أَن أهل الْعَصْر الأول إِذا اخْتلفُوا على مذهبين، وَالْمَسْأَلَة مُجْتَهد فِيهَا، فقد سوغ كلهم - مَعَ تَسَاوِي صِفَات الْمُجْتَهدين - للعوام الْأَخْذ بقول أَي الْفَرِيقَيْنِ شَاءُوا، وَأَحلُّوا ذَلِك لَهُم " اتِّفَاقًا " مِنْهُم، فَلَو جَوَّزنَا الْإِجْمَاع على أحد الْقَوْلَيْنِ ورفض القَوْل الثَّانِي، لَكَانَ الْإِجْمَاع الثَّانِي قادحا فِي إِجْمَاع الصَّحَابَة، إِذْ قد " فرط " مِنْهُم الْإِجْمَاع على تَحْلِيل الْأَخْذ بِأَيّ الْقَوْلَيْنِ، اتّفق " للعوام ". فَإِن رفض أحد المذهبين، فقد حرم مَا أحلوه. وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ. ١٤٥١ - فَإِذا قَالَ قَائِل: بعد تمسكنا بِهَذِهِ الطَّرِيق: فَهَل تجوزون إِجْمَاع أهل الْعَصْر الثَّانِي على رفض أحد الْقَوْلَيْنِ؟ كَانَ الْأَصَح والأقطع للشغب، أَن نقُول: لَا يجوز ذَلِك، وَهَذَا مِمَّا لَا يتَّفق كَمَا يتَّفق أهل الْعَصْر الأول على مَذْهَب وَاحِد، ثمَّ إِجْمَاع أهل الْعَصْر على نقيضه.

стр. 1020

١٤٥٢ - وَإِن سلكنا طَرِيق تصور الِاتِّفَاق مِنْهُم، وجعلناهم فِي ذَلِك بعض الْأمة، وَإِن كَانَ " لَو " حدثت حَادِثَة، لم يقل فِيهَا الْأَولونَ شَيْئا، وَاتَّفَقُوا فِيهَا على حكم، كَانَ ذَلِك حجَّة مَقْطُوعًا بهَا، لأَنهم فِيهَا كل الْأمة، وَلم يسْبقُوا فِيهَا بقول وَمذهب، فيلزمنا أَن نقُول على هَذِه الطَّرِيقَة: إِذا رفضوا أحد الْقَوْلَيْنِ فَيكون ذَلِك تعرضاً مِنْهُم لخرق الْإِجْمَاع، وَلَا يجوز لَهُم ذَلِك أصلا. وَالَّذِي أوثره لَك، التَّمَسُّك بالطريقة الأولى، وَهُوَ: أَنه لَا يتَصَوَّر مِنْهُم الِاتِّفَاق على أحد الْقَوْلَيْنِ، ورفض القَوْل الثَّانِي. ١٤٥٣ - فَإِن قيل: بِمَ تنكرون على من يزْعم: أَن أهل الْعَصْر الأول مَا اتَّفقُوا على الحكم، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا، فَلَا سَبِيل إِلَى استنباط وفَاق من خلاف؟ قُلْنَا: قد قَررنَا الْإِجْمَاع، إِذْ قُلْنَا: فِي تَصْوِير الِاخْتِلَاف " إِجْمَاعًا " على تسويغ الْأَخْذ بِأَيّ الْقَوْلَيْنِ اتّفق فِي حق الْعَوام، مَعَ تَسَاوِي صِفَات الْمُجْتَهدين. وَهَذَا إِجْمَاع لَا خَفَاء بِهِ. وَاعْلَم أَن ذَلِك يقوى مَعَ القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين، على مَا نعقده. ١٤٥٤ - فَإِن قَالَ قَائِل: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَنهم إِنَّمَا أحلُّوا للعوام الْأَخْذ بِأحد الْقَوْلَيْنِ، بِشَرْط أَلا تتضح دلَالَة فِي تعْيين أحد الْقَوْلَيْنِ، وارتفاض الثَّانِي، فَكَأَنَّهُ إِجْمَاع مُعَلّق على شَرط!

стр. 1021

قُلْنَا: هَذَا مَا لَا وَجه فِيهِ. و " فِيهِ " التَّسَبُّب إِلَى الْقدح فِي كل إِجْمَاع. وَذَلِكَ أَنه لَو سَاغَ مَا قَالُوهُ فِي هَذِه الصُّورَة، لساغ فِي كل إِجْمَاع، حَتَّى يُقَال: يجوز أَن يجمع " أهل الْعَصْر الأول " على قَول، بِشَرْط أَن لَا تعن لأهل الْعَصْر الثَّانِي دلَالَة على خلاف مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ، وَلَو فتحنا هَذَا الْبَاب، لسقطت الثِّقَة بِكُل إِجْمَاع. ولساغ التَّعَرُّض لنفيه، بِمَا يظْهر من الْأَدِلَّة السمعية. ١٤٥٥ - وَالَّذِي يُحَقّق الْمَقْصد فِي ذَلِك: أَن أهل الْعَصْر الأول، إِذا اخْتلفُوا وَجعلُوا الْمَسْأَلَة مُجْتَهدا فِيهَا، ثمَّ انقرضوا، فَلَا يسوغ فِي " تِلْكَ " الْمَسْأَلَة ظُهُور دلَالَة يقطع بهَا فِي الْعَصْر الثَّانِي. إِذْ لَو كَانَ فِي الْمَسْأَلَة دلَالَة / مَقْطُوع بهَا، لما ذهل عَنْهَا أهل الْأَعْصَار الخلية من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَنحن مخاطبون بالبحث " عَنْهَا ". وَقد أجمع من قَالَ بِحجَّة الْإِجْمَاع أَن ذَلِك لَا " يجوز " أصلا. فَإِذا كَانَت الدّلَالَة المقطوعة " لَا تتفق فِي الْعَصْر " الثَّانِي، فقد سوغ الْأَولونَ الِاخْتِلَاف، وَأَحلُّوا للعوام الْمصير إِلَى كل مَذْهَب، وَلَا يتَصَوَّر مَعَ ذَلِك التَّعَلُّق على شَرط ظُهُور دَلِيل، فَإِن ذَلِك الَّذِي قدرتموه من الدَّلِيل، إِن

стр. 1022

لم يكن مَقْطُوعًا بِهِ، فَلَا يرْتَفع الِاجْتِهَاد بِمثلِهِ، وَإِن كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ، فَلَا يجوز انْقِرَاض أهل الْعَصْر الأول مَعَ الذهول عَنهُ، وَهَذَا وَاضح، غير " خافي ". ١٤٥٦ - وَرَأَيْت لبَعض المنتمين إِلَى الْأُصُول قولا، خطأ فِي أَرْبَاب الْحَقَائِق، و " أزرى " عَلَيْهِم بِهِ، ونسبهم إِلَى الذّهاب عَمَّا أدْركهُ. وَهَذَا على التَّحْقِيق " غر " من الأغرار. وَذَلِكَ أَنه قَالَ: يجوز انْعِقَاد الْإِجْمَاع على شَرط. قَالَ: وَالدَّلِيل عَلَيْهِ، أَن الْأمة مجمعة على جَوَاز الصَّلَاة " بِالتَّيَمُّمِ " وَهَذَا مَشْرُوط بِالسَّفرِ وإعواز المَاء. وَيَا عجبا! كَيفَ يحل " لغر " الانتساب إِلَى الْأُصُول، مَعَ الذهول عَن هَذَا الْقدر الَّذِي يُدْرِكهُ من شدا طرفا من الْعلم، فَلَيْسَ الْمَعْنى بقول الْمُحَقِّقين: إِن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد على شَرط " مَا خيل إِلَيْهِ، فَإِنَّهُم إِذا أَجمعُوا على جَوَاز الصَّلَاة بِالتَّيَمُّمِ فِي حَالَة مَخْصُوصَة، فكأنهم أَجمعُوا على حكم فِي حَال مَخْصُوص. وكل الشَّرِيعَة إِذا تتبعتها، تجدها كَذَلِك، فَإِنَّهُم أَجمعُوا على وجوب الصَّلَاة بِشَرْط دُخُول الْوَقْت والتمكن. وعَلى وجوب الْحَج بِشَرْط

стр. 1023

الِاسْتِطَاعَة، وعَلى وجوب الزَّكَاة بشرائط يطول تعدادها. وكل ذَلِك يرجع إِلَى إِجْمَاعهم فِي حكم على حَال مَخْصُوص. وَلَا يرجع الشَّرْط إِلَى نفس الْإِجْمَاع أصلا. وَإِنَّمَا الَّذِي نَحن فِيهِ، تَبْيِين اسْتِحَالَة انْعِقَاد الْإِجْمَاع على حكم، بِشَرْط أَن يرْتَفع أصل الْإِجْمَاع عَن ذَلِك الحكم عُمُوما، بِسَبَب دلَالَة تظهر لغير المجمعين فِي الْعَصْر الأول. وَلَو سَاغَ ذَلِك لساغ فِي كل إِجْمَاع. وَفِيه سُقُوط الثِّقَة بِإِجْمَاع المجمعين. وعَلى الدّلَالَة الَّتِي طردناها، أسئلة تلِيق بتصويب الْمُجْتَهدين، فَرَأَيْنَا تَأْخِيرهَا إِلَى الْكَلَام فِي مَسْأَلَة التصويب. ١٤٥٧ - وَقد اسْتدلَّ المخالفون فِي الْمَسْأَلَة، بالأدلة الدَّالَّة على أصل الْإِجْمَاع، وَزَعَمُوا أَن كل مَا دلّ على أصل الْإِجْمَاع، دَال على هَذِه الْمَسْأَلَة. وَلَكِن فِي ذَلِك طَرِيقَانِ: [الأول] : أَن يمْنَع تصور إِجْمَاع أهل الْعَصْر الثَّانِي على رفض أحد الْقَوْلَيْنِ، وَيُطَالب الْخصم " بتصويره " أَولا، وَلَا يقدر على تَصْوِيره فِي عصر من الْأَعْصَار على وَجه لَا يُنَازع فِيهِ. وَالْوَجْه الآخر فِي الْجَواب، أَن نقُول: كل مَا اعْتصمَ بِهِ من أَدِلَّة الْإِجْمَاع، ينعكس عَلَيْكُم فِي حكم الْعَصْر الأول، إِنَّا " صورنا " عَلَيْكُم

стр. 1024

إِجْمَاعهم فِي حَال اخْتلَافهمْ، فلئن سَاغَ لكم التَّمَسُّك بأدلة الْإِجْمَاع فِي الْعَصْر الثَّانِي، لساغ لنا التَّمَسُّك بالعصر الأول. وَالْأَخْذ بِالْأولِ أولى من الْأَخْذ بِالثَّانِي. وَالْوَجْه الثَّالِث من الْجَواب، أَن نقُول: أهل الْعَصْر الثَّانِي بعض الْأمة فِي مَسْأَلَة الِاخْتِلَاف، لما قدمْنَاهُ من أَن الْمذَاهب لَا تسْقط بِمَوْت أَصْحَابهَا. فَنَجْعَل " الْمُخَالفين " فِي الْمَسْأَلَة بِمَنْزِلَة البَاقِينَ. فليسوا إِذا كل الْأمة من هَذَا الْوَجْه. ١٤٥٨ - وَمِمَّا استدلوا بِهِ / وعدوه من عمدهم: أَن قَالُوا: إِذا اخْتلف أهل عصر فِي أول الزَّمَان، ثمَّ اتَّفقُوا على أحد الْمذَاهب، فاتفاقهم يرفع حكم اخْتلَافهمْ. فَلَو كَانَ فِي الِاخْتِلَاف تضمن إِجْمَاع - كَمَا ادعيتموه - لَكَانَ ذَلِك إجماعين متناقضين، فَلَمَّا لم يكن ذَلِك كَذَلِك - وَالْعصر وَاحِد - فَكَذَلِك إِذا اخْتلف العصران. وَقد تخبط فِي ذَلِك بعض النَّاس، وسلموه، وَلَا يَتَأَتَّى تَسْلِيمه إِلَّا إِذا اشترطنا فِي انْعِقَاد الْإِجْمَاع انْقِرَاض المجمعين، فَنَقُول: لَا يسْتَقرّ إِجْمَاعهم الأول إِلَّا بِأَن ينقرضوا عَلَيْهِ، وَهَذَا بَاطِل، لَا سَبِيل إِلَى الْمصير إِلَيْهِ. فَإنَّا قد أوضحنا - بِمَا قدمْنَاهُ - أَن اشْتِرَاط [انْقِرَاض] المجمعين، لَا سَبِيل إِلَيْهِ.

стр. 1025

وَالْجَوَاب السديد فِي ذَلِك أَن نقُول: إِذا اخْتلفُوا أَولا، وَاسْتقر اخْتلَافهمْ، واستبد كل حزب بِمذهب، وَلم يكن ذَلِك ترددا مِنْهُم فِي مهلة الناظرين، فَلَا يجوز أَن يتفقوا على أحد الْمذَاهب، وَإِبْطَال سائرها. وَمن سلك " غير " هَذِه الطَّرِيقَة، شوش على بَقِيَّة أصُول الْأَبْوَاب. ١٤٥٩ - فَإِن قيل: فقد وجد فِي الصَّحَابَة إِجْمَاع بعد الِاخْتِلَاف، وَهُوَ نَحْو اخْتلَافهمْ فِي قتال مانعي الزَّكَاة أَولا، ثمَّ أَجمعُوا على رَأْي أبي بكر ﵃، فِي قِتَالهمْ آخرا. قُلْنَا: هَذَا لَا يتَّجه، من أوجه: أَحدهَا: إِن دَعْوَى الْإِجْمَاع فِي ذَلِك " لَا تَنْعَقِد " مَعَ أَن من الْعلمَاء فِي عصرنا، من منع قتال مانعي الزَّكَاة. فَلَا وَجه لادعاء الْإِجْمَاع، وَالْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا.

стр. 1026

وَالْوَجْه الآخر، أَن نقُول: لَعَلَّهُم تشاوروا " فِي " تردد الناظرين، ثمَّ اسْتَقَرَّتْ آراؤهم. أَو نقُول: لَعَلَّهُم بقوا على الِاخْتِلَاف، وَلَكِن لم يَجدوا بدا من اتِّبَاع إِمَام الزَّمَان وَخَلِيفَة الرَّسُول [ ﷺ ] . وَهَكَذَا القَوْل فِي كل مَسْأَلَة مُجْتَهد فِيهَا، رأى الإِمَام فِيهَا رَأيا، يتَعَلَّق بمصالح الْعَامَّة، فَيجب على الكافة اتِّبَاعه. ١٤٦٠ - على أَنه لَو قوبل هَؤُلَاءِ، وَقيل لَهُم: لَو اخْتلف عُلَمَاء عصر من الْأَعْصَار على قَوْلَيْنِ، ثمَّ انقرض أحد الفئتين، وَبَقِي الثَّانِي: فَهَل تَقولُونَ: إِن ذَلِك صَار إِجْمَاعًا؟ فَإِن لم يَقُولُوا بذلك - وَلَا مُخَالف فِي الْمَسْأَلَة - فقد نقضوا أصلهم. وَإِن قَالُوا بِهِ، فقد زادوا فِي الإغراب والإبداع علينا، حَيْثُ قَالُوا: بِمَوْت قوم تصير الْمَسْأَلَة مَسْأَلَة إِجْمَاع، من غير تجدّد معنى، سوى الْمَوْت فِي فِئَة!

стр. 1027

(٢٥٥) بَاب يجمع أصولا مُتَفَرِّقَة فِي أَحْكَام الْإِجْمَاع هَل يجوز إِحْدَاث قَول ثَالِث بعد الْإِجْمَاع على قَوْلَيْنِ ١٤٦١ - إِذا أجمع أهل الْعَصْر على قَوْلَيْنِ: فالمصير إِلَى قَول ثَالِث، خرق الْإِجْمَاع، هَذَا مَا صَار إِلَيْهِ مُعظم الْعلمَاء. ١٤٦٢ - وَذهب بعض أهل الظَّاهِر إِلَى أَن ذَلِك لَا يكون خرقا للْإِجْمَاع، وَقد يسند ذَلِك إِلَى طَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين.

стр. 1028

١٤٦٣ - وَالدَّلِيل على بُطْلَانه: أَن عُلَمَاء الْعَصْر إِذا اتَّفقُوا على قَول، فَلَا يسوغ اختراع قَول " ثَان " فَكَذَلِك إِذا أَجمعُوا على قَوْلَيْنِ. وَالْجَامِع بَينهمَا أَن نفس الْمصير إِلَى القَوْل الْوَاحِد، إِجْمَاع على نفي مَا عداهُ. / وَكَذَلِكَ إِذا حصروا الْمذَاهب فِي قَوْلَيْنِ: فقد نفوا مَا عداهما. ١٤٦٥ - وَمِمَّا يُقَوي التَّمَسُّك بِهِ /، أَن نقُول: لَو اتَّفقُوا على قَوْلَيْنِ، وصرحوا بِنَفْي مَا عداهما: " فَلَا يَخْلُو " الْخصم فِي هَذِه الْحَالة، من أَن يجوز إِحْدَاث قَول ثَالِث أَو لَا يجوز. فَإِن لم يجوز إِحْدَاث قَول ثَالِث، فَلْيقل بذلك، وَإِن لم يصرحوا بنفيه. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَنهم لَو أَجمعُوا على قَول وَاحِد، فَلَا يجوز اختراع قَول

стр. 1029

ثَان " سَوَاء " نقل عَنْهُم نفي مَا عداهُ، أَو لم ينْقل ذَلِك عَنْهُم /. [فَإِن] قَالَ الْخصم: يجوز اختراع قَول ثَالِث، مَعَ تصريحهم بنفيه، فَهَذَا تَصْرِيح بخرق الْإِجْمَاع، لَا خَفَاء بِهِ. ١٤٦٦ - وَإِن قَالُوا: يجوز لأهل الْعَصْر الثَّانِي، أَن يَتَمَسَّكُوا بِدَلِيل لم يتَمَسَّك بِهِ الْأَولونَ وفَاقا - وَلَا يعد ذَلِك خرقا لإجماعهم - فَكَذَلِك وَجب تَجْوِيز قَول ثَالِث، وَإِن لم يقل بِهِ الْأَولونَ. قُلْنَا: فَقولُوا على طرد ذَلِك، إِنَّه يجوز إِحْدَاث قَول ثَان عِنْد إِجْمَاع الْأَوَّلين على قَول وَاحِد، كَمَا يجوز التَّمَسُّك بِدَلِيل ثَان. ثمَّ نقُول: طرق الاستنباطات لَا تَنْحَصِر، وَأما الْمذَاهب فَإِنَّهَا منحصرة، وَأَهْلهَا يَنْفِي مَا سواهَا، وَمَا نفى أهل عصر من الْأَعْصَار ضربا من الاستنباط لنصرة مَا صَارُوا إِلَيْهِ، سوى مَا ذَكرُوهُ، حَتَّى لَو قَالُوا: لَا دَلِيل فِي الْمَسْأَلَة سوى مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ، وَأَجْمعُوا عَلَيْهِ، لم يجز التَّمَسُّك بِغَيْرِهِ. ١٤٦٧ - فَإِن قَالُوا: لما اخْتلف أهل الْعَصْر الأول، فقد جعلُوا للِاجْتِهَاد مساغاً، فَجَاز لذَلِك اخْتِيَار قَول ثَالِث. قُلْنَا: إِنَّمَا جعلُوا للِاجْتِهَاد مساغاً فِي الْقَوْلَيْنِ اللَّذين " ذكروهما ". فَأَما أَن يجوزوا تعديهما؛ " فَلَا ". فكأنهم لم يجْعَلُوا الْمَسْأَلَة مُجْتَهدا فِيهَا،

стр. 1030

" وَفِي منع الزِّيَادَة على الْقَوْلَيْنِ ". وَإِنَّمَا جعلُوا الْمَسْأَلَة مُجْتَهدا فِيهَا فِي تَرْجِيح أحد الْقَوْلَيْنِ على الثَّانِي. ١٤٦٨ - وَالَّذِي يُوضح ذَلِك: أَن الْأمة إِذا اجتهدت، ثمَّ أطبقت على حكم وَاحِد بعد الِاجْتِهَاد، فَلَا يسوغ إِظْهَار قَول ثَان، وَإِن تبين عندنَا أَنهم قَالُوا مَا قَالُوهُ اجْتِهَادًا، وَلَا نجْعَل خوضهم فِي الِاجْتِهَاد تسويفاً وتجويزاً " للأخذ " " بطرقها " المؤدية الى قَول ثَان، سوى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ. فَبَطل مَا قَالُوهُ. (٢٥٦) فصل (الْأمة إِذا لم تفصل بَين مَسْأَلَتَيْنِ، فَهَل لمن بعدهمْ أَن يفصل بَينهمَا ؟) ١٤٦٩ - إِذا ظهر فِي الْأمة مَسْأَلَتَانِ: وَاخْتلف قَول الْأمة " فيهمَا "، فَذهب بعض الْأمة إِلَى الْحل " فيهمَا " مثلا، وَذهب آخَرُونَ إِلَى التَّحْرِيم فيهمَا فَلَو أَرَادَ بعض الْعلمَاء فِي " إِحْدَى " الْمَسْأَلَتَيْنِ أَن يَأْخُذ بالتحليل، وَفِي الْأُخْرَى بِالتَّحْرِيمِ، فَهَل ذَلِك لَهُ؟ فَلَا يَخْلُو من أَمريْن:

стр. 1031

إِمَّا أَن يجمع الْأمة على أَنه لَا فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَلَا يسوغ الْفَصْل بَينهمَا. فإمَّا التَّحْلِيل فِيهَا، وَإِمَّا التَّحْرِيم. وَأما التَّحْلِيل فِي " إِحْدَاهمَا " وَالتَّحْرِيم فِي الْأُخْرَى، فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ، لما عَلَيْهِ الْأمة من الإطباق فِي الِاتِّفَاق. ١٤٧٠ - وَذهب بعض النَّاس إِلَى أَنه يجوز التَّفْرِقَة بَينهمَا، وَإِن أَجمعت الْأمة على منعهَا. فَإِن الْإِجْمَاع على منع التَّفْرِقَة، لَيْسَ بِإِجْمَاع على حكم من الْأَحْكَام، فَلَا معول عَلَيْهِ. ١٤٧١ - وَهَذَا غلط و " مراغمة " لما " عَلَيْهِ " الْأمة صَرِيحًا. وَلَو سَاغَ ذَلِك فِي شَيْء، لساغ فِي كل شَيْء. وَمَا ذَكرُوهُ من أَن منع التَّفْرِقَة، لَيْسَ من الْأَحْكَام، فَهُوَ بَاطِل. فَإِنَّهُ حكم لَا خَفَاء بِهِ، لأَنهم إِذا أَجمعُوا على منع الْفَصْل، فقد أَجمعُوا على منع التَّحْلِيل فِي إِحْدَاهمَا مَعَ التَّحْرِيم فِي الْأُخْرَى. وَهَذَا تعرض لحكم نفيا وإثباتاً. فَهَذَا إِذا نقل عَنْهُم منع التَّفْرِقَة. ١٤٧٢ - وَأما إِذا لم ينْقل ذَلِك عَنْهُم، فَالصَّحِيح: أَنه يجوز لبَعض الْعلمَاء الْأَخْذ بالتحليل فِي " إِحْدَى " الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَالتَّحْرِيم فِي الْأُخْرَى.

стр. 1032

وَذَلِكَ أَنه إِذا أَخذ " بِالْحلِّ " فِي إِحْدَاهمَا، فقد قَالَ بالتحليل فِيهَا قَائِلُونَ، وَكَذَلِكَ إِذا أَخذ بِالتَّحْرِيمِ فِي الثَّانِيَة، وَلم ينْقل عَن الْأمة منع الْ فَصْل ، وَلَا تعلق " لإحدى " الْمَسْأَلَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، بِوَجْه من الْوُجُوه /. ١٤٧٣ - وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى منع الْفَصْل بَين الشقتَيْنِ، إِذا لم يتَّفق لأحد من السَّابِقين الْفَصْل بَينهمَا، وَفِيمَا أومأنا إِلَيْهِ مَا يُوضح فَسَاد ذَلِك. (٢٥٧) فصل لَا يتَصَوَّر انْعِقَاد الْإِجْمَاع بِخِلَاف الْخَبَر الثَّابِت ١٤٧٤ - فَإِن قَالَ قَائِل: لَو أَن " وَاحِدًا " فِي زمَان رَسُول الله [ ﷺ ] ، سَمعه يَقُول قولا فِي حكمه، وَلم يسمع ذَلِك القَوْل غَيره، وَكَانَ نصا لَا يقبل

стр. 1033

التَّأْوِيل، وَلم يكن السَّامع من حزب الْمُجْتَهدين وَلَا من طوائف الْعلمَاء، ثمَّ اتّفقت تِلْكَ الْحَادِثَة بعد أَن اسْتَأْثر الله بالرسول [ ﷺ ] ، فأجمع عُلَمَاء الْأمة على خلاف مَضْمُون الْخَبَر الَّذِي سَمعه الْوَاحِد، وَلم ينْقل ذَلِك الْوَاحِد مَا سَمعه، أَو لم يكن من أهل النَّقْل، بل كَانَ مطعوناً، " فَهُوَ " فِي نَفسه، بِمَاذَا يَأْخُذ؟ فَإِن أَخذ بِمُوجب الْخَبَر الَّذِي سَمعه من رَسُول الله [ ﷺ ] فَمَا وَجه الْجَواب فِي ذَلِك؟ قُلْنَا: إِن كَانَ ذَلِك الْخَبَر ثَابتا فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى، وَلم يكن مَنْسُوخا مرتفعاً، فَيجب وقُوف أهل الْإِجْمَاع عَلَيْهِ بِوَجْه من الْوُجُوه، حَتَّى لَو لم " يسمعهُ " إِلَّا وَاحِد، لوَجَبَ فِي الحكم الَّذِي ذَكرْنَاهُ، أَن يُبرئهُ الله تَعَالَى عَمَّا يقْدَح فِي رِوَايَته، وَيعرف دواعيه إِلَيْهَا، لينقل مَا سَمعه، ولسنا نثبت ذَلِك عقلا، وَلَكِن لما ثَبت عندنَا بِدلَالَة السّمع اسْتِحَالَة إِجْمَاع الْأمة على الْخَطَأ،

стр. 1034

وَكَانَ من أعظم الْخَطَأ مُخَالفَة رَسُول الله [ ﷺ ] فِي خبر يجب اتِّبَاعه، فَلَا يجوز أَن يشذ عَن أهل الْإِجْمَاع، وَإِن شَذَّ عَنْهُم، فَذَلِك لِأَنَّهُ مَنْسُوخ. فَخرج من مَضْمُون مَا قُلْنَاهُ. لِأَنَّهُ إِن تصور انْعِقَاد إِجْمَاعهم، وَلم ينْقل " الْخَبَر إِلَيْهِم "، فَيجب لُزُوم إِجْمَاعهم، لعلمنا أَنهم لَا يجمعُونَ إِلَّا على حق. وَلَو لم يكن الْخَبَر نسخ لعثروا عَلَيْهِ وَعمِلُوا بِهِ. إِذْ الْعِصْمَة تجب لكافتهم. فَاعْلَم هَذِه الْجُمْلَة، واحسم بَاب السُّؤَال عَن نَفسك. فَإِنَّهُ مِمَّا زل فِيهِ كثير من النَّاس. ١٤٧٥ - فَإِن قَالَ قَائِل: " فقود " مَا ذكرتموه عَلَيْكُم عصمَة الْوَاحِد عَن الْكَفّ عَن النَّقْل، إِذا كَانَ الْخَبَر فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى ثَابت الحكم؟ قُلْنَا: هَذَا قَوْلنَا، وَلَا نتحاشى مِنْهُ، وَلَيْسَ وجوب الْعِصْمَة للْوَاحِد فِي حكم الْمَعْقُول بِأَكْثَرَ من وجوب الْعِصْمَة للْجَمِيع، فأحط بذلك علما، وَلَا تجبن عَمَّا يرد عَلَيْك. (٢٥٨) القَوْل فِي مَذْهَب الصَّحَابِيّ: إِذا انْتَشَر، أَو لم ينتشر) ١٤٧٦ - اعْلَم، وفقك الله، أَن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ قولا، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن ينتشر قَوْله فِي الصَّحَابَة، أَو لَا ينتشر. فَإِن لم ينتشر، فَلَا ريب أَنه لَيْسَ بِإِجْمَاع.

стр. 1035

١٤٧٧ - وَلَكِن قد اخْتلف الْعلمَاء فِي أَنه هَل هُوَ حجَّة؟ وَالْمُخْتَار عندنَا: أَنه لَيْسَ بِحجَّة وَهَذِه الْمَسْأَلَة تذكر فِي أَحْكَام التَّقْلِيد، فِي آخر الْكتاب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ١٤٧٨ - وَأما إِذا قَالَ وَاحِد من الصَّحَابَة قولا، وانتشر فِي سَائِر الصَّحَابَة، وَلم يظهروا عَلَيْهِ " نكيراً " بل سكتوا عَنهُ، وَلم يتكلموا بوفاق وَلَا خلاف، فَهَل يكون ذَلِك إِجْمَاعًا؟ فَاخْتلف الأصوليون فِيهِ، فَذهب بَعضهم إِلَى أَن ذَلِك إِجْمَاع مَقْطُوع بِهِ. وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه لَيْسَ بِإِجْمَاع. ١٤٧٩ - وَللشَّافِعِيّ ﵁ مَا يدل على المذهبين، وَآخر أَقْوَاله " اسْتَقر " على أَنه لَيْسَ بِإِجْمَاع. فَإِنَّهُ قَالَ: لَا ينْسب إِلَى سَاكِت قَول. وَهُوَ يَعْنِي هَذِه الْمَسْأَلَة. ١٤٨٠ - ثمَّ الَّذين قَالُوا: إِنَّه إِجْمَاع /، افْتَرَقُوا فرْقَتَيْن: فَمنهمْ من لم يشْتَرط " فِي تحقق " الْإِجْمَاع انْقِرَاض الْعَصْر، كَمَا لَا يشْتَرط إِذا صرح الكافة بقول، وَمِنْهُم من قَالَ: يشْتَرط فِي هَذَا الضَّرْب

стр. 1036

انْقِرَاض الْعَصْر، وَلَيْسَ كَمَا لَو بدر مِنْهُم قَول مُتَّفق عَلَيْهِ. فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط انْقِرَاض الْعَصْر فِيهِ. وَإِلَى هَذَا مَال الجبائي وَابْنه، وكأنهما صَارا إِلَى تَجْوِيز نطقهم بِخِلَاف مَا يَقُول. فَإِذا انقرضوا، زَالَ هَذَا الْمَعْنى. ١٤٨١ - وَالَّذين قَالُوا: إِن ذَلِك لَيْسَ بِإِجْمَاع، افْتَرَقُوا فرْقَتَيْن: فَمنهمْ من قَالَ: إِذا لم يكن إِجْمَاعًا، فَلَيْسَ بِحجَّة أَيْضا. وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن قَول الصَّحَابِيّ إِذا انْتَشَر، وَلم يظْهر من أحد خلاف، فَهُوَ حجَّة يعتصم بهَا، وَإِن لم يكن إِجْمَاعًا. ١٤٨٢ - وَالَّذِي نرتضيه فِي ذَلِك إِنَّه لَيْسَ بِإِجْمَاع " إِذْ " انقسم سكُوت الساكتين إِلَى وُجُوه، فَجَاز أَن يكون السُّكُوت رضى مِنْهُم بالْقَوْل الْمُنْتَشِر فيهم، وَجَاز " غير ذَلِك ". فتقابلت الِاحْتِمَالَات

стр. 1037

[و] لم يكن الْأَخْذ ببعضهما أولى. ١٤٨٣ - وَهَا نَحن نقرر وُجُوه الِاحْتِمَال، وَقد ذكر القَاضِي ﵁ جملَة مِنْهَا، وَنحن نقتصر على مَا يَقع الِاسْتِقْلَال من جُمْلَتهَا فَنَقُول: لَعَلَّهُم سكتوا، مصيراً مِنْهُم إِلَى تصويب كل مُجْتَهد، وذهابا مِنْهُم إِلَى أَن مَا قَالَه، حق فِي حَقه. فَإِذا اعتقدوا ذَلِك، لم يلْزمهُم " الْإِنْكَار " عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ ذَلِك رُبمَا لَا يتَحَقَّق فِي حُقُوقهم. وَهَذَا كَمَا أَن عُلَمَاء الْأمة فِي حَال اختيارهم، لَو رَأَوْا مُضْطَرّا يَأْكُل الْميتَة، فَسَكَتُوا على فعله، كَانَ ذَلِك غير دَال على تَجْوِيز أكل الْمَيِّت فِي حق الكافة، مَعَ ثُبُوت الِاخْتِيَار وَانْتِفَاء الِاضْطِرَار، فَهَذَا وَجه. وَإِن نوزعنا فِي تصويب الْمُجْتَهدين، فسنقرره بأوضح الْوُجُوه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ١٤٨٤ - وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنا إِن قدرناهم غير قائلين بتصويب الْمُجْتَهدين إِجْمَاعًا، لَكَانَ فيهم من لَا يَقُول بذلك، فَيحْتَمل ذَلِك أَنهم مهما سكتوا. فَإِنَّمَا سكتوا لعلمهم بِأَن الْمُصِيب لَا يتَعَيَّن، فجوزوا أَن يكون ذَلِك الْقَائِل، هُوَ الْمُصِيب، وَإِن اعتقدوا أَن الْمُصِيب وَاحِد. فَلَمَّا لم يتَعَيَّن لَهُم ذَلِك، وَلم يُمكنهُم الْإِنْكَار، سكتوا وصمتوا. ١٤٥٨ - وَالْوَجْه الآخر فِي الِاحْتِمَال: أَن يبدر القَوْل من وَاحِد، قد قطع اجْتِهَاده فِيهِ على غَلَبَة الظَّن، فَلَمَّا بَلغهُمْ ترددوا فِيهِ - وَكَانُوا فِي مهلة

стр. 1038

الناظرين - ثمَّ ذهلوا عَن الْمَسْأَلَة وذهلت عَنْهُم، وَلَا يستبعد عقلا وَلَا سمعا. أما منع استبعاده عقلا: فَوَاضِح. وَأما استبعاده سمعا: فَذَلِك أَنا لَا نوجب أَن تكون كل الْمسَائِل مجتمعاً عَلَيْهَا، بل يجوز أَن يثبت بَعْضهَا مُجْتَهدا فِيهَا، وَبَعضهَا مَقْطُوعًا بهَا، فَلهَذَا الْوَجْه جَازَ أَن يسكتوا مترددين عَن جَوَاب الْمَسْأَلَة، ثمَّ يذهلوا عَنْهَا. ١٤٨٦ - وَمن وُجُوه الِاحْتِمَال، أَن نقُول: إِذا كَانَت الْمَسْأَلَة مُجْتَهدا فِيهَا، فَلَا يجب على الْعلمَاء إِظْهَار إِنْكَار على من قَالَ فِيهَا بقول، لم يراغم فِيهَا حجَّة مَقْطُوعًا بهَا. فَلَا يتحتم على بَقِيَّة الْعلمَاء " صد " الْقَائِل عَن قَوْله، فحملهم على سكوتهم علمهمْ. بِأَنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِم إِظْهَار الْإِنْكَار، وَلَا يكون سكوتهم عَلَيْهِ للرضا بِهِ وَالِاعْتِرَاف. فَأنى يتَحَقَّق مَعَ هَذِه الْوُجُوه حمل سكوتهم على التصويب قطعا؟ ١٤٨٧ - وَلَا [تتمّ] هَذِه الدّلَالَة، إِلَّا بِالْجَوَابِ عَن سُؤال: - وَهُوَ عُمْدَة الْمُخَالفين - وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا: لَا يجوز فِي مُسْتَقر الْعَادة أَن ينتشر / قَول فِي قوم تقوم بهم الْحجَّة، وهم لَا يوافقونه، وَلَا تحملهم رَغْبَة وَلَا رهبة على السُّكُوت عَنهُ، ثمَّ لَا يظْهر فِيهِ خلاف - إِن اعتقدوه!

стр. 1039

فكفهم عَن إِظْهَار الْخلاف فِي مُسْتَقر الْعَادة واطرادها، دَلِيل على أَنهم لم يعتقدوا الْخلاف. قُلْنَا: فقد ذكرنَا وُجُوهًا تحملهم على السُّكُوت، من تصويب الْمُجْتَهدين، والتردد فِي مهلة الناظرين، وَالْعلم بِعَدَمِ وجوب الْإِنْكَار، وَإِنَّمَا يستبعد إطباق الْأمة على " سكت " أَو قَول من غير سَبَب يحملهم عَلَيْهِ. ١٤٨٨ - ثمَّ نقُول لَهُم: مَا ذكرتموه، ينعكس عَلَيْكُم. فَإنَّا نقُول: يبعد فِي مُسْتَقر الْعَادة [أَن] ينتشر فِي أهل الْإِجْمَاع قَول، وهم يَعْتَقِدُونَ صِحَّته، وَلَا يبدر مِنْهُم فِي ذَلِك نطق بالوفاق، مَعَ اعْتِقَادهم بذلك، وارتفاع الْمَوَانِع عَن " إِظْهَاره ". فَهَذَا أبعد فِي الْعَادَات مِمَّا ذَكرُوهُ، وَهَذَا مَا لَا جَوَاب عَنهُ، فَهَذَا وَجه الرَّد على هَؤُلَاءِ. ١٤٨٩ - وَأما من يشْتَرط انْقِرَاض الْعَصْر، فَهُوَ وَاضح الْفساد. فَإنَّا نقُول: إِن لم يدل سكُوت الْعلمَاء على قَول، خمسين سنة فَصَاعِدا _ وَالْقَوْل منتشر فيهم - على الرِّضَا بِهِ وتصديق قَائِله وَتَقْرِيره على مذْهبه، فبأن يموتوا عَلَيْهِ، لَا يدل سكوتهم عَلَيْهِ أَيْضا، وكل مَا قدمْنَاهُ من الْأَدِلَّة على أَن انْقِرَاض الْعَصْر لَا أثر فِي الْإِجْمَاع، فَيَعُود فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. وَإِن سلمُوا لنا، أَن انْقِرَاض الْعَصْر لَا يشْتَرط فِيمَا أطبقوا عَلَيْهِ قولا، " فَلَا حجَّة " فِيهِ مَعَ ذَلِك فصلا أصلا.

стр. 1040

١٤٩٠ - وَأما من قَالَ: إِن القَوْل الْمُنْتَشِر حجَّة، وَإِن لم يكن إِجْمَاعًا. فَيُقَال لهَذَا الْقَائِل: إِن عنيت بذلك أَن قَول الْوَاحِد من الصَّحَابَة حجَّة، فسنبطل ذَلِك فِي كتاب التَّقْلِيد، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَإِن انتحيت فِي مذهبك نَحْو مَذْهَب المجمعين، وَجعلت قَوْله حجَّة، لاعتقاد لَهُ أَن سكُوت المجمعين تَقْرِير مِنْهُم وتصويب، فقد أوضحنا إبِْطَال ذَلِك القَوْل. على أَنا نقُول: إِن اعتقدت ذَلِك، فَيجب عَلَيْك الْقطع بِكَوْنِهِ إِجْمَاعًا، إِذْ لَا فصل بَين أَن يدل على الِاتِّفَاق سكُوت، أَو يدل عَلَيْهِ نطق. ١٤٩١ - وَمِمَّا تمسك بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَن السُّكُوت إِجْمَاع، أَن قَالُوا: الْعِصْمَة وَاجِبَة لكافة الْأمة، كَمَا أَنَّهَا وَاجِبَة للرسول [ ﷺ ] . وَمن تجب لَهُ الْعِصْمَة فسكوته تَقْرِير، كالرسول [ ﷺ ] . وَاعْلَم أَن هَذَا اقْتِصَار على طرد " لَا يرتضى " فِي مسَائِل الْقطع. فَأول مَا نطالبهم بِهِ، أَن نقُول: لم قُلْتُمْ أَن تَقْرِير رَسُول الله [ ﷺ ] كَانَ شرعا لوُجُوب عصمته؟ وَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَن تَقْرِيره كَانَ شرعا لدلَالَة أُخْرَى، سوى وجوب عصمته؟ وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك: أَن وجوب الْعِصْمَة يَخُصُّهُ، وَلَا يتَعَدَّى إِلَى غَيره. " ثمَّ " يُقَال: إِن سكته على فعل غَيره شرع، لعصمته فِي نَفسه.

стр. 1041

فَإِن قَالُوا: يثبت وجوب عصمته عَن السُّكُوت على الْبَاطِل. قُلْنَا: الْأَمر على مَا قلتموه، وَكَذَلِكَ فِي الْأمة، وَلَكِن من أَيْن وضوح الْبطلَان واستيقانه، أَو ثُبُوت الصِّحَّة وَالْقطع بهَا. ١٤٩٢ - وَالَّذِي يحسم الْبَاب فِي ذَلِك، أَن نقُول: لَا يجوز مَعَ الرَّسُول [ ﷺ ] وَتَقْرِيره بَقَاء الريب وَالِاجْتِهَاد، وَلَا خلاف أَنه يسوغ فِي الْأمة " ترديد " القَوْل، والتمسك بطرق الِاجْتِهَاد فَمن / هَذَا الْوَجْه افترق الْأَمْرَانِ افتراقاً وَاضحا. وَذكر القَاضِي ﵁ فِي خلل الْكَلَام أسئلة تلِيق بتصويب الْمُجْتَهدين وأحال، ثمَّ استقصاها، على مَا سَيَأْتِي، وَنحن رَأينَا تَأْخِيرهَا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. (٢٥٩) القَوْل فِي جَوَاز انْعِقَاد إِجْمَاع الْأمة من جِهَة الْقيَاس والرأي وَوجه الْخلاف فِيهِ ١٤٩٣ - الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب يخْتَص بالقائلين بِالْقِيَاسِ. فَإِن

стр. 1042

المنكرين لَهُ " قاطعون " بِبُطْلَان الْقيَاس - فِي اعْتِقَادهم -. فَإِذا قطعُوا بذلك، أحالوا إِجْمَاع الْأمة على بَاطِل. وَأما الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ: افْتَرَقُوا فرقا. ١٤٩٤ - فَصَارَ ابْن جرير الطَّبَرِيّ إِلَى أَنه لَا يتَصَوَّر إِجْمَاع الْأمة على قِيَاس، وَلَو قدر خرق الْعَادة، واجتمعوا عَلَيْهِ، كَانَ حجَّة قَاطِعَة. ١٤٩٥ - وَصَارَ آخَرُونَ إِلَى أَن الِاجْتِمَاع على قِيَاس وَاحِد مُتَصَوّر، وَلَكِن مهما اتّفق ذَلِك، لم يقتض الْإِجْمَاع قَاطِعَة.

стр. 1043

١٤٩٦ - وَالصَّحِيح: تصور الْإِجْمَاع على حكم وَاحِد صادر من قِيَاس، ثمَّ إِذا تصور ذَلِك الْإِجْمَاع [فَهُوَ] حجَّة قَاطِعَة. ١٤٩٧ - وَالدَّلِيل على تصور الْإِجْمَاع - على خلاف مَا قَالَه ابْن جرير الطَّبَرِيّ - أَنا نرى طوائف من الْعلمَاء، مُجْمِعِينَ على عِلّة وَاحِدَة، مَعَ خُرُوجهمْ عَن الْحصْر، وَلَو قدرُوا عدد الْإِجْمَاع عِنْد فقد من سواهُم وعداهم، لم يبعد ذَلِك فيهم، وَذَلِكَ نَحْو أَصْحَاب الشَّافِعِي، حَيْثُ أَجمعُوا على أَن الطّعْم عِلّة فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة، وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ. وَالَّذِي يجوز الْإِجْمَاع على الحكم الْوَاحِد، لَا يدْرك لَوْلَا الْإِجْمَاع، بِدلَالَة من أَدِلَّة الْقطع، يجوز الْإِجْمَاع على قِيَاس وَاحِد. ١٤٩٨ - وَمن الدَّلِيل على تصور الْإِجْمَاع، أَنا نجد من الْكَفَرَة أَقْوَامًا، يزِيد عَددهمْ على أَضْعَاف عدد الْمُسلمين، وهم مَعَ ذَلِك متفقون على رد الْإِسْلَام " شُبْهَة "، اعتقدوها بَاطِلَة قطعا، فلئن سَاغَ الِاجْتِمَاع على شُبْهَة وَاحِدَة من أَقوام [هَذِه] عدتهمْ، فَلَا يبعد ذَلِك فِي الْمُسلمين أَيْضا. فَهَذَا وَجه الرَّد على منع تصور الْإِجْمَاع على قِيَاس وَاحِد. ١٤٩٩ - وَالدَّلِيل على أَن الْإِجْمَاع إِذا تصور، كَانَ حجَّة قَاطِعَة: " وَهُوَ

стр. 1044

مَا تمسكنا بِهِ " فِي إِثْبَات أصل الْإِجْمَاع، مَعَ ضروب من الْأَدِلَّة، وَمن يقْدَح فِي شَيْء مِنْهَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، لزمَه الْقدح فِي سائرها فِي أصل الْإِجْمَاع. ١٥٠٠ - وَمن الدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه قد ثَبت بالأدلة القاطعة، كَون الْقيَاس الشَّرْعِيّ حجَّة من حجج الله تَعَالَى. كَمَا ثَبت ذَلِك فِي نُصُوص الْكتاب وَالسّنة المتواترة. فَكَمَا تقوم حجَّة الْإِجْمَاع عَن النُّصُوص، لكَونهَا أَدِلَّة على الْأَحْكَام، فَيجب نَحْو ذَلِك فِي الْقيَاس، وَالْجَامِع بَينهمَا فِي طَرِيق السبر والتقسيم [كَون] كل وَاحِد دَلِيلا. شُبْهَة الْمُخَالفين فِي منع كَون الْقيَاس مُسْتَند الْإِجْمَاع ١٥٠١ - فمما اسْتدلَّ بِهِ ابْن جرير الطَّبَرِيّ، أَن قَالَ: الْقيَاس مِمَّا لَا يسْتَدرك قطعا، فيبعد فِي اطراد الْعَادَات، أَن يجمع أهل الْإِجْمَاع على ضرب وَاحِد من الاستنباط، - مَعَ أَنه لَا يقطع بِهِ - وَمَعَ تفَاوت الخواطر والأفهام فِي بطئها وذكائها. فَيُقَال: مَا ذكرته، يبطل عَلَيْك باجتماع مثل أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵀ على الْعلَّة الْوَاحِدَة، وَكَذَلِكَ يبطل بالاجتماع على الشُّبْهَة الْوَاحِدَة. فَإِنَّمَا فَرضنَا الْكَلَام فِي الشُّبْهَة، حَتَّى لَا يُمكنهُ الْفَصْل بَين الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة وَالْقِيَاس. بِكَوْن الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة مَقْطُوعًا بهَا فَبَطل مَا قَالَه. على أَنا لسنا " نتصور " الْإِجْمَاع من كَافَّة الْعلمَاء / فِي جَمِيع

стр. 1045

الْأَعْصَار فِي لَحْظَة وَاحِدَة، بل إِنَّمَا نتصور ذَلِك فِي مهلة ونظرة وانتشار من الْأَخْبَار. والتصوير مَعَ ذَلِك لَا يبعد. ١٥٠٢ - وَمِمَّا اسْتدلَّ بِهِ أَيْضا، أَن قَالَ: الْعَصْر لَا يَخْلُو عَن طَائِفَة من الْعلمَاء يُنكرُونَ الْقيَاس. فَكيف يتَصَوَّر من كافتهم الْإِجْمَاع على قِيَاس وَاحِد؟ قُلْنَا: سنبين فِي كتاب أَحْكَام المقايس، أَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي عصرهم كَانُوا مُجْمِعِينَ " على " الْأَخْذ بِالْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا حدث رد الْقيَاس فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة. فَهَذَا وَجه بَين فِي التفصي. ١٥٠٣ - على أَنا نقُول: إِذا كَانَ الْكَلَام فِي التَّصَوُّر، فيتصور من رادى الْقيَاس الرُّجُوع الى مَنْهَج الْحق فِي القَوْل بِالْقِيَاسِ، حَتَّى إِذا تصور ذَلِك، تصور بعد الْإِجْمَاع على قِيَاس وَاحِد، إِذْ هَذِه الْمَسْأَلَة - وَهِي إِثْبَات الْقيَاس حجَّة - من الْمسَائِل القطعية، فيسوغ ارْتِفَاع الْخلاف فِيهَا، كَمَا يسوغ ارْتِفَاع الْخلاف فِي جملَة مَا يقطع بِهِ فِي أصُول العقائد.

стр. 1046

١٥٠٤ - فَأَما من قَالَ: يتَصَوَّر الْإِجْمَاع على الْقيَاس الْوَاحِد، وَمنع كَونه حجَّة، فَكَذَا اسْتدلَّ بطرق: مِنْهَا: أَن القائسين فِي الشَّرِيعَة مجمعون على أَن كل قِيَاس مستنبط لَا يقطع بِهِ. فَكيف يتَصَوَّر كَون الْإِجْمَاع حجَّة قَاطِعَة، مَعَ اتِّفَاق القائسين على أَن الأقيسة لَا تُؤدِّي إِلَى الْعلم وَالْقطع! ؟ قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه، تلبيس مِنْكُم. وَذَلِكَ أَنا لَا نقطع بِمُقْتَضى الْقيَاس الْوَاحِد، إِذا لم يجْتَمع عَلَيْهِ أهل الْإِجْمَاع، وَأما إِذا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ وَقَطعُوا بِكَوْنِهِ حجَّة، فَلَا نسلم مَعَ ذَلِك التَّرَدُّد فِيهِ. على أَنا نقُول: الْقيَاس يُفْضِي إِلَى وجوب الْعَمَل. وَإِن كَانَ لَا يفضى إِلَى الْعلم. وَنحن " أثبتنا " تصور الْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل قطعا. وَهَذَا وَاضح فِي رد مَا قَالُوهُ. ١٥٠٥ - وَمِمَّا عولوا عَلَيْهِ أَن قَالُوا: مهما أَجمعُوا على حكم صادر عَن قِيَاس، فقد سوغوا الِاجْتِهَاد فِيهِ، وَجعلُوا للاعتبار مجالاً فَلَو أَوجَبْنَا الِاقْتِصَار على مَنْهَج وَاحِد فِي الْقيَاس، مَعَ إِجْمَاعهم على أَن " للاعتبار " وَالنَّظَر فِيهِ مجالاً، كَانَ ذَلِك خلاف مُقْتَضى الْإِجْمَاع. فَنَقُول: أَرَأَيْتُم لَو أَجمعُوا على قِيَاس وَاحِد، وَزَعَمُوا أَنه الدَّلِيل دون مَا عداهُ، فَكيف يتَحَقَّق مَعَ هَذَا التَّصْوِير، تسويفهم بجملة طرق

стр. 1047

الِاجْتِهَاد؟ وَقد جَوَّزنَا عَلَيْهِم - كَمَا ترَوْنَ - الْقطع بِنَفْي " مَا عدا " قِيَاس وَاحِد. على أَنا نقُول: إِذا أَجمعُوا على حكم وَاحِد، وَقَطعُوا بِهِ على قِيَاس، فَلَا يخلون إِمَّا أَن يجمعوا مَعَ ذَلِك، على منع مَا عدا ذَلِك الْقيَاس الْوَاحِد، فَلَا يسوغ التَّمَسُّك بِغَيْرِهِ، وَإِن تمسكوا بِقِيَاس وَاحِد وَحكم وَاحِد فَلَا يسوغ إِثْبَات حكم زَائِد على ذَلِك الحكم، وَلَكِن إِن تمسك متمسك بطرِيق آخر من طرق الْقيَاس، يُؤَدِّي إِلَى غير ذَلِك الحكم الَّذِي أَجمعُوا عَلَيْهِ، فَلَا حرج عَلَيْهِ حِينَئِذٍ. فَهَذَا وَجه تَفْصِيل الْمذَاهب. فقد " أوضح " الرَّد على مَا قَالُوهُ. ١٥٠٦ - وَمِمَّا استدلوا بِهِ أَيْضا، أَن قَالُوا: من حكم مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ جَوَاز الاستنباط وَالْقِيَاس عَلَيْهِ. فَلَو جَوَّزنَا الْإِجْمَاع على قِيَاس، لامتنع الْقيَاس على مورد الْإِجْمَاع، فَإِن مَا ثَبت قِيَاسا لَا يُقَاس على مَا ثَبت نصا. قُلْنَا: هَذَا الْآن تعرض مِنْكُم لتفصيل الْقيَاس. والخوض فِيهِ يصدنا عَن الْمَقْصد، وَنحن نجوز الاسنباطات مِمَّا ثَبت قِيَاسا، كَمَا نجوز ذَلِك فِيمَا ثَبت نصا.

стр. 1048

(٢٦٠) (الرَّد على الظَّاهِرِيَّة فِي تَخْصِيص حجية الْإِجْمَاع بالصحابة) ١٥٠٧ - قد حكينا فِيمَا قدمْنَاهُ / عَن أَصْحَاب الظَّاهِر تَخْصِيص حجية الْإِجْمَاع بالصحابة، مَعَ مصيرهم إِلَى نفي الْقيَاس، وَقَوْلهمْ إِن الْإِجْمَاع لَا يتَصَوَّر انْعِقَاده، إِلَّا عَن نَص يقطع بِهِ. ١٥٠٨ - وَقد وَجه عَلَيْهِم أَصْحَابنَا مَا تخبطوا فِيهِ. فَقَالُوا: إِذا قُلْتُمْ إِن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد فِي الْأَحْكَام عَن اجْتِهَاد وَقِيَاس، [و] إِنَّمَا ينْعَقد عَن نَص مَقْطُوع بِهِ، فسبيله إِذا سَبِيل النَّقْل الْمُتَوَاتر، وَمَا كَانَ سَبيله النَّقْل، فيستوي فِيهِ أهل الْأَعْصَار أجمع. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَن أهل عصرنا لَو قدر مِنْهُم الِاجْتِمَاع على خبر عَن مُشَاهدَة، اقْتضى ذَلِك الْعلم قطعا، وَهَذَا مِمَّا يدْرك ضَرُورَة، وجاحده ينْسب إِلَى جحد البديهة. كَيفَ! وَقد قدمنَا فِي كتاب الْأَخْبَار المتواترة وإفضاءها إِلَى الْقطع لَا يخْتَص بِالْمُسْلِمين، بل يتَصَوَّر ذَلِك بالكفار، تصَوره بالأبرار من الْمُسلمين. " فَلَو صَحَّ " مَا قلتموه من حصر الْإِجْمَاع فِي النَّص الْمَقْطُوع بِهِ، اسْتَحَالَ مَعَ ذَلِك تَخْصِيص الْإِجْمَاع بِالْمُسْلِمين فِي الْعَصْر الأول.

стр. 1049

١٥٠٩ - وَهَذَا لعمري صَعب موقعه عَلَيْهِم، وَلَا مخلص لَهُم عَنهُ إِلَّا شَيْء وَاحِد - أَوْمَأ إِلَيْهِ القَاضِي ﵁ وَهُوَ أَنه قَالَ: إِنَّمَا يظْهر " الْفضل " بَين الْعَصْر الأول، وَمَا بعده فِي شَيْء وَاحِد. وَهُوَ أَن أهل الْعَصْر الأول، لَو رجعُوا إِلَى عدد يقصر عَن أقل عدد التَّوَاتُر، نَحْو الْأَرْبَعَة فَمَا دونه، ثمَّ أَجمعُوا مَعَ ذَلِك على حكم " على نَص " لزم الْقطع بِمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ، وَإِن لم يَكُونُوا عدد التَّوَاتُر مصيراً إِلَى حجَّة الْإِجْمَاع. ١٥١٠ - وَلَو تصور ذَلِك فِي سَائِر الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة، لم تقم الْحجَّة. وَهَذَا الَّذِي ذكره القَاضِي ﵁، انْفِصَال - لَو قَالَ بِهِ أَصْحَاب الظَّاهِر، وَهُوَ الْمَنْقُول عَنْهُم، أَن سَائِر الْأَعْصَار لَا تكون حجَّة سَوَاء كَانُوا بالغين عدد التَّوَاتُر، أَو منحطين فِي الْعدَد عَن هَذِه الرتب، فَمَعَ ذَلِك يتَّجه عَلَيْهِم السُّؤَال. وَإِن قَالُوا بِمَا قَالَه القَاضِي ﵁، فيتضح انفصالهم، وَيجب بعد ذَلِك التعويل على مَا قدمْنَاهُ، فِي وُجُوه الرَّد عَلَيْهِم، فِي بَاب سبق.

стр. 1050

(٢٦١) بَاب القَوْل فِي إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة، وَوجه الْخلاف فِيهِ ١٥١١ - اعْلَم، أَن مَا صَار إِلَيْهِ المحصلون من أَرْبَاب الْأُصُول: أَن أهل الْمَدِينَة - يَعْنِي " علماءها " - إِذا أَجمعُوا على حكم، لم يساعدهم عَلَيْهِ عُلَمَاء سَائِر الْأَمْصَار، فَلَا تقوم الْحجَّة باتفاقهم، وَإِنَّمَا تقوم الْحجَّة بِاتِّفَاق عُلَمَاء الْمُسلمين قاطبة، حَيْثُ مَا كَانُوا من بِلَاد الله. ١٥١٢ - وَذهب بعض المنتمين إِلَى الْأُصُول، إِلَى أَن الْإِجْمَاع الْمَفْرُوض اتِّبَاعه وَهُوَ إِجْمَاع أهل الْحَرَمَيْنِ، و " البصرتين "، عنوا بالحرمين - مَكَّة وَالْمَدينَة وبالبصرتين - الْبَصْرَة والكوفة. وَإِنَّمَا " صَارُوا " إِلَى ذَلِك لاعتقادهم تَخْصِيص الْإِجْمَاع بالصحابة، وَلَقَد كَانَ موطن الصَّحَابَة " هَذِه " الْبِلَاد، وَمَا خرج مِنْهَا إِلَّا الشذوذ مِنْهُم.

стр. 1051

١٥١٣ - ويحكى عَن مَالك ﵁، أَنه قَالَ: مهما اتّفق أهل الْمَدِينَة - يَعْنِي علماءها - على حكم، فَهُوَ مَقْطُوع بِهِ.

стр. 1052

وَقد ذكر أَصْحَاب مَالك لذَلِك طرقاً من التَّأْوِيل، سنذكرها فِي أثْنَاء الْحجَّاج، ونبين فَسَادهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ١٥١٤ - وَالصَّحِيح من الْمذَاهب: اعْتِبَار إِجْمَاع كَافَّة الْعلمَاء فِي كل عصر، من غير تَخْصِيص بِأَهْل بلد، وَفِي مَا قدمْنَاهُ من الدَّلِيل على أَن مُخَالفَة الْوَاحِد من الْعلمَاء يمْنَع انْعِقَاد الْإِجْمَاع، أوضح الدَّلِيل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. وَجُمْلَة مَا " قَالَه " من الْأَدِلَّة على أصل الْإِجْمَاع، تَنْفِي التَّخْصِيص بِأَهْل بلد، وتوجب تعلق الْحجَّة بالأمة قاطبة، فَلَو سَاغَ إِزَالَة ظواهرها، أَو تخصيصها بِبَعْض عُلَمَاء الْأَمْصَار، سَاغَ لبَعض النَّاس / تخصيصها بِالْعشرَةِ المسمين فِي " الْجنَّة " من الصَّحَابَة، أَو سَاغَ تخصيصها بِأَهْل الرضْوَان، أَو بِأَهْل بدر، أَو غَيرهم من الَّذين تخصصوا بضروب من الْفَضَائِل. ١٥١٥ - وَمن الدَّلِيل على بطلَان ذَلِك، أَن نقُول: نَحن نعلم أَن مَالِكًا ﵁، لم يعن بِأَهْل الْمَدِينَة الَّذين ولدُوا فِيهَا، وَإِنَّمَا يَعْنِي الْعلمَاء الَّذين اجْتَمعُوا فِيهَا. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَن مُعظم الْمُهَاجِرين، مَا كَانَ مولدهم بِالْمَدِينَةِ، مَعَ كَونهم من أهل الْإِجْمَاع فَإِذا ثَبت أَنه لم يعْتَبر المولد، وَإِنَّمَا اعْتبر اجْتِمَاعهم مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] فِي الْمَدِينَة، وتلقيهم الْأَحْكَام مِنْهُ، فَنَقُول على ذَلِك: فَإِذا اسْتَأْثر الله برَسُول الله [ ﷺ ] فِي الْمَدِينَة، ثمَّ تفرق النَّاس عَن الْمَدِينَة بعد

стр. 1053

استوائهم فِي التلقي عَن رَسُول الله [ ﷺ ] ، أَي شَيْء الَّذِي يُوجب خُرُوج " الخارجين " عَن أهل الْإِجْمَاع؟ ١٥١٦ - أَو نقُول: الَّذين تلقوهُ عَن رَسُول الله [ ﷺ ]- وَهُوَ بِمَكَّة، أَو فِي بعض أَسْفَاره وغزواته مَا " تلقوهُ "، وَلم تتفق لَهُم الرّجْعَة إِلَى الْمَدِينَة فقد " يُسَاوِي " القاطنين بهَا فِي " الْأَخْذ " من رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَمَعَ ذَلِك أخرجه مَالك ﵁ عَن الِاعْتِدَاد بِهِ! ١٥١٧ - وَمِمَّا يُوضح مَا قُلْنَاهُ، أَيْضا أَن نقُول: قَود هَذَا الأَصْل يَقْتَضِي، أَن عليا وَابْن مَسْعُود وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وَغَيرهم من جملَة الصَّحَابَة لما فارقوا الْمَدِينَة، لَو قَالُوا قولا، وَقَالَ القاطنون بِالْمَدِينَةِ قولا: فَلَا يكترث بقول الخارجين من الْمَدِينَة - لَو اتّفقت لَهُم " دَعْوَى " وعنت لَهُم مَسْأَلَة - عِنْد خلافهم حِينَئِذٍ، وَهَذَا بعد عَظِيم. فَلَمَّا وضح لكل نَاظر، بطلَان تَخْصِيص الْإِجْمَاع بِأَهْل الْمَدِينَة، " احتال " منتحل مَذْهَب مَالك فِي تَأْوِيل مذْهبه، وَحمله على طرق، وَلَا يكَاد يَسْتَقِيم شَيْء مِنْهَا.

стр. 1054

١٥١٨ - مِنْهَا: أَنهم قَالُوا: إِنَّمَا أَرَادَ مَالك ﵁ اتِّفَاق أهل الْمَدِينَة على مَا شاهدوه من رَسُول الله [ ﷺ ] ونقلوه " تواترا "، نَحْو نقلهم مَوضِع الْمِنْبَر والقبر وَغَيرهمَا. فتقوم الْحجَّة بهم. وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ، قَبِيح جدا. " فَإِنَّهُ " صَحَّ من مَالك تَخْصِيص أهل الْمَدِينَة، تَعْظِيمًا لقدرهم وتمييزاً لَهُم عَن سَائِر الْبِلَاد، وَإِذا حمل مذْهبه على نقل التَّوَاتُر، فَفِيهِ إبِْطَال هَذَا الأَصْل، فَإِن الْكفَّار إِذا بلغُوا عدد التَّوَاتُر، ونقلوا عَن بلدهم خَبرا متواتراً، أفْضى ذَلِك إِلَى الْقطع وَالْعلم الضَّرُورِيّ. وَكَذَلِكَ القَوْل [فِي] أهل كل بلد، فَلَا معنى للتخصيص إِذا. ١٥١٩ - وَذهب قوم من أَصْحَاب مَالك ﵁، إِلَى حمل مَا قَالَه على محمل آخر، فَقَالُوا: إِنَّمَا خصص أهل الْمَدِينَة فِيمَا يتَعَلَّق بالناسخ

стр. 1055

والمنسوخ، فَإِنَّهُ يعْتَبر فِيهِ بالتقدم والتأخر، وَالْمَدينَة بَلْدَة وَفَاة رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَأَهْلهَا شاهدوا مَا تَأَخّر من أَفعاله وأقواله، وَمَا تقدم مِنْهَا، وَكَانُوا بذلك أعرف النَّاس بالناسخ والمنسوخ. و " لزمَه " لأَجله الْمصير إِلَى مَا قَالُوهُ. وَهَذَا أَيْضا ظَاهر الْفساد، وَذَلِكَ أَنا نقُول لَهُم: هَل تَقولُونَ إِن من شَرط النَّاسِخ أَن يَقع شَائِعا، حَتَّى لَا ينْقل إِلَّا تواتراً؟ أم تجوزون أَن يَقع على الْوَجْهَيْنِ، متواتراً تَارَة وآحاداً أُخْرَى؟ فَإِن أوجبتم وُقُوعه شَائِعا، فقد أحلتم فِيمَا قُلْتُمْ. إِذْ لَو سَاغَ ذَلِك فِيمَا ينْسَخ بِهِ، لساغ فِيمَا يتَضَمَّن إِثْبَات حكم ابْتِدَاء. فَدلَّ على أَن النَّاسِخ يَنْقَسِم فِي مورده، فَمِنْهُ الْمُتَوَاتر، وَمِنْه الْمَنْقُول آحاداً. " فَإنَّا " / نجد النَّاسِخ منقسماً، وَلم ينْقل كُله نقل الصَّلَوَات وَمَا عَداهَا، مِمَّا نقل استفاضة، فَإِذا ثَبت ذَلِك، فَلم لَا يجوز [علم] عَليّ وَطَلْحَة وَغَيرهمَا من الَّذين خَرجُوا من الْمَدِينَة، بضروب من النَّاسِخ والمنسوخ، واستقلوا بِهِ دون غَيرهم، ونقلوه لأهل الْبِلَاد الَّتِي قطنوها، على أَن الَّذين تبددوا فِي الْبِلَاد من الصَّحَابَة كَانُوا زائدين على أقل عدد التَّوَاتُر. فَبَطل من هَذَا الْوَجْه تَخْصِيص أهل الْمَدِينَة. وَالَّذِي يُحَقّق الْمَقْصد: أَن من النَّاسِخ مَا ثَبت بِمَكَّة، مُدَّة إِقَامَة رَسُول الله [ ﷺ ] بهَا، وَمِنْه مَا ثَبت فِي بعض أَسْفَاره، فَبَطل من كل وَجه تَخْصِيص أهل الْمَدِينَة. ١٥٢٠ - فَإِن قَالَ قَائِل: من منتحلي مَذْهَب / مَالك: إِنَّمَا قَالَ رَضِي
следующие страницы →