Полный текст (1 418 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
١٣٨٤ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَل يسوغ لأرباب الْأُصُول إِذا قَالَ الْفُقَهَاء قولا، أَن يقلدوهم فِيمَا قَالُوهُ، من غير تفحص وَتَحْقِيق؟
قُلْنَا: لَو فعلوا ذَلِك مَعَ الْقُدْرَة على الفحص على طَرِيق الِاجْتِهَاد، لم يَكُونُوا معذورين، بل عَلَيْهِم بذل " كنه "
стр. 982
المجهود، ويستقصى القَوْل فِي ذَلِك عِنْد ذكرنَا التَّقْلِيد، وتجويز اتِّبَاع الْعَالم الْعَالم، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(٢٤٧ فصل)
(من تَقْتَضِي الْأَدِلَّة تكفيره، فَلَا يكترث بِخِلَافِهِ ووفاقه)
١٣٨٥ - اعْلَم، وفقك الله، أَن من أَجمعت الْأمة على تكفيره وانسلاله عَن الدّين، فَلَا مُعْتَبر بِخِلَافِهِ ووفاقه.
فَأَما الَّذين اقْتَضَت الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة تكفيرهم بِمَا اعتقدوه وأبدعوه، وَرُبمَا لَا يدْرك وَجه تكفيرهم إِلَّا المميزون بِعلم الْأُصُول - فَإِن التَّكْفِير مِمَّا يدق النّظر فِيهِ - فَمَا حكمهم؟ وَهل يعْتد بخلافهم ووفاقهم؟
١٣٨٦ - قَالَ القَاضِي ﵁: من تَقْتَضِي الْأَدِلَّة تكفيره، فَلَا يكترث بِخِلَافِهِ ووفاقه أصلا، فَإِنَّهُ قد وضح بالأدلة خُرُوجه عَن الدّين، فلحق / بالكفار الْمُجَاهدين بالْكفْر، وَهَذَا ثَبت إِجْمَاعًا، فَإِن الْأمة مجمعة، على أَن من ثَبت كفره، لَا يعْتد بِخِلَافِهِ فِي الْمسَائِل " الْحكمِيَّة ".
стр. 983
١٣٨٧ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا اعتبرتم فِي التَّكْفِير الْإِجْمَاع؟ حَتَّى لَا تكفرُوا إِلَّا من أَجمعت الْأمة على تكفيره.
قُلْنَا: الْكَلَام فِي التَّكْفِير يطول تتبعه، وَهُوَ مِمَّا يستقصى فِي الديانَات.
وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك: أَن من وضح عِنْده كفر قوم بِالدّلَالَةِ الْعَقْلِيَّة، فَلَا تحْتَاج الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة إِلَى الاعتضاد بِالْإِجْمَاع.
١٣٨٨ - فَإِن قَالَ قَائِل: فمعظم الْفُقَهَاء الَّذين لم يحيطوا بالأصول، لَا يكفرون الَّذين يكفرهم المتكلمون، فَهَل تَقولُونَ: إِن الَّذين لم يحيطوا علما بتكفيرهم مخاطبون مكلفون بالاعتقاد بخلافهم، وَالَّذين علمُوا من الْمُتَكَلِّمين وَجه تكفيرهم، فَلَا يعتدون بخلافهم؟
стр. 984
١٣٨٩ - قَالَ القَاضِي ﵁: ذكرنَا فِي بعض مصنفاتنا أَنا لَو قُلْنَا بذلك، لم يبعد حَتَّى نقُول: من أحَاط علما بِمَا يَقْتَضِي تَكْفِير قوم، فَهُوَ يقطع أَنه لَا يعْتد بخلافهم وَمن ذهب عَنهُ مدرك ذَلِك من عُلَمَاء الْأمة، فَهُوَ مُخَاطب بالاعتداد بخلافهم، وَهَذَا كَمَا أَن من بلغه النَّاسِخ، فَهُوَ مُخَاطب بِحكمِهِ، وَمن لم يبلغهُ النَّاسِخ، فَيجب عَلَيْهِ الْإِصْرَار على الحكم.
١٣٩٠ - قَالَ القَاضِي ﵁: ثمَّ وضح عندنَا أَن ذَلِك محَال، فَإِن من دلّت الدّلَالَة على وجوب تكفيره، فَلَا يعْتَبر بِخِلَافِهِ فِي جملَة وَلَا تَفْصِيل، وَأما الْفُقَهَاء الَّذين ذهب عَنْهُم مدرك ذَلِك، فَلَا يخاطبون بالاعتداد بخلافهم، وَلَكنهُمْ مخاطبون بِأَن يَجدوا ويجتهدوا فِي مدرك أَوْصَاف من يعْتد " خِلَافه " ووفاقه، وليعلموا مَا يَقع بِهِ التَّكْفِير، ليتميز الْمَقْصد فِي ذَلِك، فَإِن هَذَا مَا يقدر عَلَيْهِ ويتوصل إِلَيْهِ، إِذْ لَو لم نقل ذَلِك، لزمنا أَن نقُول: قد ينْعَقد الْإِجْمَاع مَقْطُوعًا بِهِ فِي حق الْمُتَكَلِّمين، وَهُوَ غير مَقْطُوع مُنْعَقد فِي حق الْفُقَهَاء، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ، فَإِن الْإِجْمَاع لَا يَتَبَعَّض فِي انْعِقَاده وَلَيْسَ كَذَلِك الَّذِي لم يبلغهُ النَّاسِخ، فَإِنَّهُ غير مقتدر على الْوُصُول إِلَيْهِ، وَالْفُقَهَاء موصوفون بالاقتدار على الْوُصُول إِلَى مُوجب التَّكْفِير، فليجدوا فِيهِ وليحضوا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُم " موصوفون " بالاقتدار عَلَيْهِ على قرب، حَتَّى لَا " يضْطَر " إِلَى تبعيض حكم الْإِجْمَاع، فَيحكم من خص بالأصول بانعقاد الْإِجْمَاع فِي مَسْأَلَة لَعَلَّه بِأَنَّهُ لم يبْق فِيهَا إِلَّا الَّذين تَقْتَضِي
стр. 985
دلَالَة الْعقل تكفيرهم. وَيحكم الَّذين لم يتدبروا مَا يَقع بِهِ التَّكْفِير، بِأَن الْإِجْمَاع لم ينْعَقد بعد.
وَكَذَلِكَ من الْمَعْنى أَوجَبْنَا على الْفُقَهَاء تتبع مَا يُوجب التَّكْفِير، حَتَّى لَا يتوقفوا فِي الحكم بانعقاد الْإِجْمَاع فِي أَمْثَال هَذِه الصُّورَة.
١٣٩١ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الَّذِي يُوجب التَّكْفِير؟
قُلْنَا: هَذَا لَا مطمع فِي تَقْرِيره فِي هَذَا الْفَنّ.
١٣٩٢ - فَإِن قيل: أَفَرَأَيْتُم لَو صَار صائرون من الَّذين " تكفرونهم " إِلَى مَذْهَب يُخَالف مَا عَلَيْهِ الْبَاقُونَ، ثمَّ إِنَّهُم تَابُوا وأنابوا وَرَجَعُوا عَمَّا يُوجب تكفيرهم، وهم مصرون على الْمَذْهَب الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ، فَهَل يقْدَح ذَلِك الْآن فِي الْإِجْمَاع؟
قُلْنَا: لَا يقْدَح ذَلِك فِي الْإِجْمَاع، وَذَلِكَ أَن الْإِجْمَاع قد انْعَقَد قبل إنابتهم. فَلَا مُعْتَبر بمذهبهم. وَعَلِيهِ مُوَافقَة مَا عَلَيْهِ الْأمة، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم على قَوْلنَا إِن انْقِرَاض الْعَصْر لَا يشْتَرط فِي انْعِقَاد الْإِجْمَاع - على مَا سنوضحه بعد ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى /.
стр. 986
(٢٤٨ فصل)
(هَل عدد التَّوَاتُر شَرط فِي المجمعين)
١٣٩٣ - فَإِن قَالَ قَائِل: أَفَرَأَيْتُم لَو غلب الْكفْر - وَالْعِيَاذ بِاللَّه - فِي آخر الزَّمَان كَمَا وعده رَسُول الله [ ﷺ ] وَلم يبْق من الْمُؤمنِينَ إِلَّا شرذمة قَليلَة، بِحَيْثُ لَو نقلوا خَبرا فِيمَا شاهدوه، لم يقتض الْعلم الضَّرُورِيّ، إِذْ لم يبلغُوا أقل عدد التَّوَاتُر، فَهَل يتَصَوَّر مِنْهُم الْإِجْمَاع - وَهَذَا وَصفهم؟ [و] هَل يقطع بِأَن مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ حق؟
قَالُوا: فَإِن قُلْتُمْ: مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ حق - وَالْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِي الصُّورَة الَّتِي ذَكرنَاهَا - أدّى ذَلِك إِلَى محَال، وَهُوَ أَن المجمعين لَو أخبروا عَن أنفسهم بِالْإِيمَان والإيقان، لم يَقع لنا الْعلم بصدقهم فِي أصل الْإِيمَان، لعلمنا بقصورهم عَن مبلغ عدد التَّوَاتُر: فَإِذا كُنَّا نستريب فِي إِيمَانهم، فَكيف نقطع القَوْل بِأَن مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ حق؟ وَإِن قُلْتُمْ إِنَّه لَا حكم لاتفاقهم، فقد
стр. 987
جوزتم أَن " يَخْلُو " عصر من الْأَعْصَار عَن أهل الْإِجْمَاع.
قُلْنَا: هَذَا مِمَّا اخْتلف فِيهِ أَصْحَابنَا قَدِيما وحديثا، فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَن أهل الْإِيمَان لَا يرجعُونَ إِلَى الْعدَد الَّذِي ذكرتموه، إِذْ قد ثَبت بالأدلة القاطعة وَإِجْمَاع الْأمة أَن أهل هَذِه الْملَّة لَا ينقرضون، إِلَى أَن ينْفخ فِي الصُّور. وَقد قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين بِالْحَقِّ، لَا يضرهم خلاف من خالفهم) فعلى هَذَا لَا يجوز أَن يَخْلُو عصر من الْأَعْصَار عَن طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ يبلغون عدد أهل التَّوَاتُر، فَسقط مَا قَالُوهُ على هَذَا الْمَذْهَب.
وَمن أَصْحَابنَا من جوز رُجُوع أهل الْملَّة فِي آخر الزَّمَان إِلَى عدد لَا يبلغون عدد التَّوَاتُر، ثمَّ هَؤُلَاءِ أَجمعُوا على أَنهم - وَإِن رجعُوا الى هَذَا الْعدَد - فَمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ، حجَّة قَاطِعَة عِنْد الله. حَتَّى لَا يَخْلُو الزَّمَان عَن حجَّة قَائِمَة.
١٣٩٤ - وَأما مَا ذَكرُوهُ من أَنهم لَو أخبروا عَن أنفسهم بِالْإِيمَان، لم نعلم حَقِيقَة صدقهم، فَكيف نعلم ثُبُوت مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ مَعَ الاسترابة فِي إِيمَانهم؟
الْجَواب عَن ذَلِك أَن نقُول: إِذا جَوَّزنَا رُجُوع أهل الْملَّة الى الْعدَد الَّذِي وصفتموه، فَإِنَّمَا يكون ذَلِك فِي آخر الزَّمَان، عِنْد ظُهُور
стр. 988
" أَشْرَاط " السَّاعَة وبدو آيَات قِيَامهَا، فَلَا يبعد حِينَئِذٍ - وَقد ظَهرت الْآيَات و " بدا " انخراق الْعَادَات - أَن يخرق الله الْعَادة فِي أَمر التَّوَاتُر، حَتَّى إِذا أخبروا عَن أنفسهم، أَو عَن غَيرهَا من المشاهدات: أوجب ذَلِك الصِّحَّة فِيمَا نقلوه، على خلاف الْعَادة " أَيْضا ".
١٣٩٥ - وَإِن استنكر السَّائِل انخراق الْعَادة، قُلْنَا: فَنحْن إِنَّمَا نجوز مَا قلتموه فِي الْوَقْت " الَّذِي " تنخرق فِيهِ الْعَادَات بِالْآيَاتِ، نَحْو خُرُوج الدَّجَّال ودابة الأَرْض وَمَا أشبههما.
فَهَذَا مَا يجب تَحْصِيله فِي هَذَا الْبَاب.
стр. 989
(٢٤٩ فصل)
(هَل الْإِجْمَاع حجَّة فِي الاعتقادات، كالشرعيات ؟)
١٣٩٦ - فَإِن قيل: فَإِذا حكمتم بِأَن الْإِجْمَاع حجَّة قَاطِعَة، فَهَل تقبلونها فِي كل مَوضِع؟ وَهل تقيمون الْحجَّة بِالْإِجْمَاع فِي الديانَات وأصول الاعتقادات، كَمَا أقمتم ذَلِك فِي الشرعيات؟ فصلوا قَوْلكُم فِي ذَلِك.
قُلْنَا: مَا يجب التعويل عَلَيْهِ أَن نقُول: كل مَا [لَا] يتَصَوَّر ثُبُوت الْإِجْمَاع وَالْعلم بِصِحَّتِهِ، إِلَّا مَعَ تقدم الْعلم بِهِ، فانعقاد الْإِجْمَاع لَا يكون حجَّة فِيهِ.
وَذَلِكَ نَحْو معرفَة الصَّانِع، وَثُبُوت صِفَاته الَّتِي تدل عَلَيْهَا الْأَفْعَال، وَكَذَلِكَ ثُبُوت النبوات، فَهَذَا الْقَبِيل، مَا لَا يكون انْعِقَاد الْإِجْمَاع فِيهِ حجَّة، وَذَلِكَ أَن الْإِجْمَاع لَا يثبت إِلَّا سمعا، وَلَا دَلِيل فِي الْعقل عَلَيْهِ، وَلَا تثبت / الدّلَالَة السمعية إِلَّا بعد الْعلم بالصانع والنبوات، فَكيف يتَصَوَّر كَون الْإِجْمَاع حجَّة فِي هَذِه الْأُصُول، مَعَ الْعلم بِأَن الْإِجْمَاع لَا يتَصَوَّر أَن يعلم إِلَّا بعد تقدم هَذِه المعارف؟
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك: أَنه لَا يسوغ الِاحْتِجَاج بِكِتَاب الله تَعَالَى فِي هَذِه
стр. 990
الْأُصُول إِذْ لَا نعلم صِحَة الْكتاب، إِلَّا بعد تقدم الْعلم بهَا.
((٢٥٠) القَوْل فِي إِجْمَاع كل عصر وتبيين بطلَان)
(اخْتِصَاص حكم الْإِجْمَاع فِي عصر دون عصر)
١٣٩٧ - اعْلَم، وفقك الله، أَن مَا صَار إِلَيْهِ " الدهماء " من الْعلمَاء الْقَائِلين بِالْإِجْمَاع: أَن الْإِجْمَاع لَا يخْتَص بِأَهْل الصَّدْر الأول، وَلَكِن لَو اجْتمع التابعون على حكم، لقامت الْحجَّة بإجماعهم، كَمَا تقوم بِإِجْمَاع الصَّحَابَة، وَهَكَذَا كل عصر بعدهمْ.
١٣٩٨ - وَذهب دَاوُد وَمن تبعه من أهل الظَّاهِر، إِلَى أَن الْإِجْمَاع الَّذِي تقوم بِهِ الْحجَّة، يخْتَص بالصحابة، فَلَا إِجْمَاع بعدهمْ.
١٣٩٩ - وَالدَّلِيل على فَسَاد مَا قَالُوهُ أَن نقُول: الْإِجْمَاع لَا يثبت عقلا أصلا، وَإِنَّمَا الدَّلِيل عَلَيْهِ السّمع، وكل مَا دلّ على إِجْمَاع الصَّحَابَة، فَهُوَ بِعَيْنِه دَال على إِجْمَاع غَيرهم.
стр. 991
وكل مَا رام بِهِ الْخصم قدحا فِي إِجْمَاع بعض أهل الْأَعْصَار فَذَلِك يتداعى إِلَى إِجْمَاع الصَّحَابَة.
وإيضاح ذَلِك: أَن من الْأَدِلَّة على الْإِجْمَاع، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ . وَهَذَا اسْم لَا يخْتَص بالصدر الأول، بل يتَحَقَّق فِيمَن بعدهمْ تحَققه فيهم.
١٤٠٠ - فَإِن قَالُوا: فَهَذِهِ الْآيَات من أوضح الْحجَج وأثبتها على اخْتِصَاص الْإِجْمَاع بهم وَذَلِكَ أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي زمانهم، فَانْطَلق عَلَيْهِم اسْم " الْمُؤمنِينَ " على التحقق، إِذْ كَانُوا يَوْمئِذٍ موجودين، وَمن عداهم وسواهم لم يَكُونُوا موجودين يَوْمئِذٍ، ليسموا مُؤمنين، فَمن هَذَا الْوَجْه لزم تَخْصِيص الْإِجْمَاع بهم.
قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه ظن مِنْكُم، وَذَلِكَ أَنه لَيْسَ الْمَقْصد من سِيَاق الْآيَة مَا وَقع لكم، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود مِنْهَا تَعْظِيم رُتْبَة الْمُؤمنِينَ من غير تَخْصِيص بِزَمَان.
١٤٠١ - وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك: أَنه لَو صَحَّ مَا قلتموه، للزمكم مِنْهُ شَيْئَانِ:
أَحدهمَا: أَن تَقولُوا: إِذا اسْتشْهد بعض الصَّحَابَة بعد نزُول الْآيَة، لم ينْعَقد الْإِجْمَاع بالباقين، فَإِنَّهُم بعض الْمُؤمنِينَ، فيلزمكم على هَذَا أَن تَقولُوا: إِذا اسْتشْهد قوم من الصَّحَابَة ﵃، ثمَّ عنت حَادِثَة أَجمعُوا على حكمهَا، فَلَا حجَّة فِي إِجْمَاعهم! وَمِمَّا يلزمكم على مَا قلتموه من
стр. 992
تَخْصِيص الْمُؤمنِينَ بالذين كَانُوا مُؤمنين عِنْد نزُول الْآيَة، أَن تَقولُوا لمن أسلم بعد نزُول هَذِه الْآيَة، [و] عاصر رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَأدْركَ زَمَانه، وَبلغ أعظم المبالغ فِي الدّين، وَاسْتَجْمَعَ شَرَائِط الْمُجْتَهدين، فَيَنْبَغِي أَن لَا يكون من أهل الْإِجْمَاع. لِأَنَّهُ لم يكن منعوتا بِالْإِيمَان عِنْد نزُول الْآيَة، فَلَمَّا اسْتَحَالَ ذَلِك، تبين أَنه لَيْسَ الْمَقْصد من الْآيَة مَا " ذهبتم " إِلَيْهِ، وَعلمنَا أَن الْمَقْصد من الْآيَة، كل الْمُؤمنِينَ فِي كل الْأَعْصَار.
وَمن تدبر ظَاهر الْآيَة حق " التدبر " علم على اضطرار على أَنه لَيْسَ الْمَقْصُود بهَا مَا قَالُوهُ، كَمَا نعلم أَن النَّص " على " النَّهْي عَن التأفيف، مُؤذن بِالنَّهْي عَمَّا فَوْقه من ضروب التعنيف.
١٤٠٢ - وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ: مَا روى عَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَنه قَالَ: (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق / لَا يضرهم خلاف من خالفهم) . وكل مَا قدمْنَاهُ من الْأَخْبَار الدَّالَّة، فَلَا تتخصص بعصر دون عصر.
١٤٠٣ - فَإِن اعتل أهل الظَّاهِر بطرق:
مِنْهَا أَن قَالُوا: الصَّحَابَة هم الَّذين عاصروا صَاحب الشَّرِيعَة، وشاهدوا مسْقط الْوَحْي، فهم الأَصْل، دون غَيرهم.
وَالْجَوَاب عَن هَذَا أَن نقُول: هَذَا اجتزاء مِنْكُم بِالدَّعْوَى. فَلم قُلْتُمْ،
стр. 993
وَمَا دليلكم عَلَيْهِ؟ وَمَا لكم اقْتصر على الدَّعْوَى فِيهِ؟
ثمَّ نقُول: فَالَّذِينَ شاهدوا قوما، تقوم بهم الْحجَّة فَيَنْبَغِي أَن تنزل مشاهدتهم إيَّاهُم منزلَة مُشَاهدَة الصَّحَابَة الرَّسُول [ ﷺ ] ومعاصرتهم إِيَّاه، فَإِن كلا الْفَرِيقَيْنِ أدْرك من تقوم بِهِ الْحجَّة.
١٤٠٤ - وَرُبمَا يستدلون بظواهر من الْآثَار:
نَحْو قَوْله [ ﷺ ] (إِن إصحابي كَالنُّجُومِ) .
وَنَحْو قَوْله: (خير النَّاس قَرْني، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ،
стр. 994
ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ يفشو الْكَذِب، فَيحلف الرجل وَلم يسْتَحْلف) الحَدِيث.
قَالُوا: فَهَذَا يدل على الميز بَين الْأَعْصَار.
قُلْنَا: لَا مستروح لكم فِيمَا قلتموه، وَذَلِكَ أَن قَوْله [ ﷺ ] : (إِن أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ) لم يرد بِهِ التَّعْرِيض إِلَى حكم الْإِجْمَاع.
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَنه قَالَ فِي تَمام الحَدِيث: (بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ) على أَن أَكثر مَا فِيهِ أَنه تمسك بِمَفْهُوم الْخطاب، وَقد قدمنَا، من أصلنَا: بطلَان القَوْل بِدَلِيل الْخطاب.
١٤٠٥ - وَأما قَوْله [ ﷺ ] : (خير النَّاس قَرْني) فَهُوَ من أوضح الْأَدِلَّة عَلَيْكُم، وَذَلِكَ أَنه تتبع ذكر الصَّحَابَة بِذكر التَّابِعين، فَقولُوا: إِنَّهُم يحلونَ مَحل الصَّحَابَة عِنْد عدمهم.
ثمَّ نقُول " لَيْسَ " الْمَقْصد من الْخَبَر، التَّعَرُّض لإِثْبَات الْإِجْمَاع ونفيه،
стр. 995
وَإِنَّمَا الْمَقْصُود مِنْهُ، تَبْيِين تفاضل أهل الْأَعْصَار فِي حسن الْعَمَل والمحافظة على الطَّاعَات. وَلِلْقَوْمِ شبه تداني مَا قُلْنَاهُ يسهل مأخذها.
(٢٥١) فصل
(مُخَالفَة التَّابِعِيّ المعاصر للصحابة مُعْتَبرَة)
١٤٠٦ - إِذا ثَبت مُسَاوَاة أهل الْأَعْصَار، فَلَو خالفوا فِي حكمهَا، لم تبعد مخالفتهم.
١٤٠٧ - وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَنه لَا يعْتَمد بِخِلَاف التَّابِعِيّ، وَقد أجمع من فِي الْعَصْر من الصَّحَابَة، وَهَذَا ظَاهر الْبطلَان.
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ شَيْئَانِ:
أَحدهَا: إِن الْإِجْمَاع لم يثبت عقلا، وَإِنَّمَا يثبت سمعا، وكل سمع دلّ على إِجْمَاع الصَّحَابَة، فَهُوَ دَال على الَّذين مَعَهم من التَّابِعين.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك: أَن أحد الْأَدِلَّة عَلَيْهِ، قَوْله : ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ ، وَاسم الْمُؤمنِينَ منطلق على الصَّحَابَة، وعَلى من مَعَهم من التَّابِعين. فَإِن حمل " الْمُؤمنِينَ " على الْجَمِيع، لزم إدخالهم فِي
стр. 996
المجمعين. وَإِن سَاغَ حمل الْآيَة على بعض الْمُؤمنِينَ، سَاغَ حملهَا على بعض الصَّحَابَة، وَهَذَا مَا لَا محيص لَهُم عَنهُ.
١٤٠٨ - وَمن أوضح مَا يسْتَدلّ بِهِ أَيْضا: أَن طَائِفَة من التَّابِعين انفردوا، بآراء فِي زمن الصَّحَابَة، وبلغوا مبلغ الْمُجْتَهدين، وتصدوا للْفَتْوَى، وَلم يُنكر الصَّحَابَة عَلَيْهِم الاستعداد بِالِاجْتِهَادِ، وَإِظْهَار الْخلاف لآحاد الصَّحَابَة وجماعتهم، وَذَلِكَ نَحْو شُرَيْح القَاضِي، فَإِنَّهُ كَانَ ينْفَرد بمذاهب يُخَالف فِيهَا عليا وَغَيره من الصَّحَابَة، وَكَذَلِكَ عَلْقَمَة من تلاميذ ابْن مَسْعُود، وَهَذَا أَكثر من أَن يُحْصى.
١٤٠٩ - فَإِن قَالُوا: أَلَيْسَ قد رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂، أَنَّهَا
стр. 997
قَالَت فِي أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، لما خَالف أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقَالَت: " فروج يصقع مَعَ الديكة "، وأعظمت لَهُ القَوْل فِي ذَلِك.
قُلْنَا: لَا مُعْتَبر بقول وَاحِد من الصَّحَابَة، فَأكْثر مَا / فِي ذَلِك أَن تقدر عَائِشَة ﵂ قائلة بِمَا ذكرتموه. أَو نقُول: لَعَلَّهَا قَالَت مَا قَالَت لمُخَالفَة أبي عبد الرَّحْمَن طرق الْحجَّاج، ولفساد مَا آثره وَاخْتَارَهُ، فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه.
стр. 998
(٢٥٢) القَوْل فِيمَن يعْتد بِخِلَافِهِ
١٤١٠ - اعْلَم، وفقك الله، أَن مَا صَار إِلَيْهِ مُعظم الْعلمَاء: أَن خلاف الْوَاحِد والاثنين فَصَاعِدا، يمْنَع انْعِقَاد الْإِجْمَاع، فَلَو اتّفق أهل الْعَصْر فِي حكمه، خلا وَاحِد، فَإِنَّهُ خَالف فِيهِ، فَلَا ينْعَقد الْإِجْمَاع مَعَ خِلَافه.
١٤١١ - وَذهب بعض الْعلمَاء: إِلَى أَن خلاف الْوَاحِد والاثنين لَا يمْنَع انْعِقَاد الْإِجْمَاع، وَلَا مُعْتَبر لخلافهم هَذَا بعد مَا اتّفق غَيرهم، ويؤثر ذَلِك عَن ابْن جرير.
وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِي الثَّلَاثَة، وَالَّذِي يَصح عَنهُ، أَن كل عدد لَا يبلغون عدد التَّوَاتُر، فَلَو خالفوا، لم يعْتد بخلافهم.
стр. 999
١٤١٢ - وَالدَّلِيل على صِحَة مَا صرنا إِلَيْهِ، مَا قدمْنَاهُ من [أَن] الْإِجْمَاع لَا يثبت بأدلة الْعُقُول، وَإِنَّمَا يثبت سمعا، والأدلة السمعية تَتَضَمَّن قيام الْحجَّة بِإِجْمَاع الْمُؤمنِينَ. فَإِذا خَالف فِي ذَلِك وَاحِد لم يتَحَقَّق اتِّفَاق الْمُؤمنِينَ عُمُوما، وَإِن سَاغَ حمل " الْمُؤمنِينَ " على الْبَعْض، سَاغَ حملهمْ على نصف أهل الْعَصْر أَو معظمهم، مَعَ مُخَالفَة قوم إيَّاهُم تقوم بهم حجَّة التَّوَاتُر.
١٤١٣ - فَإِن قَالُوا: فَمن أَدِلَّة الْإِجْمَاع قَوْله [ ﷺ ] : (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق) .
قُلْنَا: اعلموا أَن آحَاد " هَذِه " الْأَخْبَار لَا تدل على الْإِجْمَاع، فَإِنَّهَا آحَاد لَا تفضى إِلَى الْقطع، وَإِنَّمَا الدَّال على الْإِجْمَاع، مَجْمُوع الْأَخْبَار، ثمَّ معظمها منبئ عَن استغراق الْمُؤمنِينَ مَعَ انْتِفَاء الِاخْتِصَاص، فَبَطل مَا قَالُوهُ.
стр. 1000
على أَنا نقُول: الْمَعْنى بقوله [ ﷺ ] : (لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي) يَعْنِي عُلَمَاء أمته، دون من عداهم من الِاتِّبَاع والعوام.
١٤١٤ - وَمن أوضح مَا يسْتَدلّ بِهِ فِي الْمَسْأَلَة أَن نقُول: قد انْفَرد ابْن عَبَّاس وَغَيره من أَئِمَّة الصَّحَابَة، بمخالفة الصَّحَابَة. نَحْو انْفِرَاد ابْن عَبَّاس بمذاهب فِي مسَائِل الْفَرَائِض، كالعول وَنَحْوه. ثمَّ لم يُنكر الصَّحَابَة ذَلِك، وَلم يعدوه خارقا للْإِجْمَاع. وَهَذَا مَا لَا حِيلَة للخصم مَعَه.
١٤١٥ - فَإِن قَالُوا: قد أَنْكَرُوا عَلَيْهِ مَا انْفَرد بِهِ، نَحْو إنكارهم عَلَيْهِ
стр. 1001
إحلال الْمُتْعَة وَتَخْصِيص الرِّبَا بِالنَّسِيئَةِ.
قُلْنَا: مَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ شَيْئا مِمَّا انْفَرد بِهِ لنسبتهم إِيَّاه لخرق الْإِجْمَاع، وَلَكِن حاجوه، وبينوا لَهُ وَجه الْحجَّة فِي تَحْرِيم الْمُتْعَة والربا. فَإِن ابْن عَبَّاس أعظم قدرا من أَن ينتسب إِلَى خرق الْإِجْمَاع مَعَ " عظم " الْخطر فِيهِ، فَإِنَّهُ
стр. 1002
رُبمَا يبلغ " خطر " [خرق] الْإِجْمَاع مبلغ التَّكْفِير، على مَا سنوضح القَوْل فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه.
١٤١٦ - فَإِن قَالُوا: مهما انْفَرد بِالْخِلَافِ الْوَاحِد والأثنان. فَنحْن لَا نقطع بإيمَانهمْ، بل نستريب فِي صِحَة " اعْتِقَادهم "، وَالَّذين أَجمعُوا سواهُمَا زائدون على أقل أهل [عدد] التَّوَاتُر، وَنحن نقطع بإيمَانهمْ، فَكيف يقْدَح من نستريب فِي إيمَانه فِي مَذَاهِب جمع نقطع بصدقهم فِي إخبارهم " عَن " إِيمَانهم؟ وَهل نَحن فِي ذَلِك - لَو قُلْنَا بِهِ - إِلَّا بِمَنْزِلَة من يقْدَح فِي الْخَبَر المستفيض الْمُتَوَاتر لخَبر الْوَاحِد؟
قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه لَا حجَّة فِيهِ من أوجه:
أَحدهَا: أَن الَّذِي وَقع فِيهِ الْخلاف، مِمَّا لَا نقطع فِيهِ بصدقهم مَعَ خلاف من خالفهم، وَإِن كَانَ وَاحِدًا. فثبوت صدقهم على الْقطع فِي إِيمَانهم / لَا يُنبئ عَن مثل ذَلِك فِيمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ تحريا واجتهادا، فَلَو كَانَ الِاخْتِلَاف مصورا فِي مَنْقُول عَن مُشَاهدَة، لَكَانَ الْأَمر على مَا ادعيتموه.
١٤١٧ - ثمَّ نقُول: هَذَا الَّذِي ذكرتموه لَا يَسْتَقِيم. إِذْ لَو اخْتلفت طَائِفَتَانِ من الْأمة، وَبلغ عدد كل وَاحِدَة مِنْهُمَا مبلغ أهل عدد التَّوَاتُر، فَيصح
стр. 1003
هَذَا الِاخْتِلَاف. وَإِن كُنَّا نقطع بِإِيمَان كل وَاحِدَة من الطَّائِفَتَيْنِ، فَلَو كَانَ سَبِيل الِاخْتِلَاف فِي مثل ذَلِك " متلقى " من الْأَخْبَار، لما تصور الِاخْتِلَاف فِي الصُّورَة الَّتِي فَرضنَا الْكَلَام فِيهَا، إِذْ لَا يتَصَوَّر أَن ينْقل أهل [أحد] جَانِبي بَغْدَاد شَيْئا عَن مُشَاهدَة، من غير ظُهُور سَبَب يحملهم عَلَيْهِ، وينقل أهل الْجَانِب الثَّانِي ضد ذَلِك عَن سَبَب يحملهم عَلَيْهِ، فَبَطل اعْتِبَار الِاخْتِلَاف فِي مواقع الْإِجْمَاع " وَغَيرهَا " بِثُبُوت الصدْق عِنْد النَّقْل " عَن " المحسوسات والمشاهدات.
١٤١٨ - فَإِن قيل: فَإِذا كَانَ لَا يعْتَبر حكم الْإِجْمَاع بِثُبُوت الصدْق فِي الْإِخْبَار عَن المشاهدات، أفتجوزون على ذَلِك أَن يجمع الله الْأمة على حكم، وهم لَا يَعْتَقِدُونَ ذَلِك بَاطِنا، كَمَا " أبدوه " ظَاهرا؟
قُلْنَا: هَذَا مِمَّا لَا يجوز فِي مُسْتَقر الْعَادة من غير سَبَب يحملهم عَلَيْهِ، فَإِنَّهُم أخبروا عَن معتقداتهم، ومعتقد الْمَرْء ثَابت " عِنْده " ضَرُورَة. فَلَا سَبِيل إِلَى أَن ينْقل أهل التَّوَاتُر عَمَّا علموه من أنفسهم ضَرُورَة، وتتفق آراؤهم عَلَيْهِ فِي اطراد الْعَادة من غير " سَبَب " يحملهم عَلَيْهِ.
١٤١٩ - فَإِن قَالُوا: فاتفاقهم على كَون مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ حَقًا لَيْسَ بإنباء
стр. 1004
عَن محسوس. بل هُوَ إِسْنَاد مِنْهُم القَوْل إِلَى اجْتِهَاد أَو خبر من أَخْبَار الْآحَاد، فجوزوا أَن يزلوا فِي ذَلِك ويضلوا.
قُلْنَا: لَو " رددنا " إِلَى الْمَعْقُول لم يستنكر ذَلِك أصلا، وَلَكِن ثَبت بالأدلة القاطعة كَون مَا أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة حجَّة قَاطِعَة، فَلَا يتَحَقَّق ذَلِك مَعَ خلاف وَاحِد، فَصَاعِدا.
١٤٢٠ - فَإِن استدلوا بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] ، أَنه قَالَ: (عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم) . فَلم يشْتَرط فِي الِاتِّبَاع اتِّفَاق الكافة، بل اكْتفى بالجماهير والمعظم.
قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه من أَخْبَار الْآحَاد، وَلَا يحسن التَّمَسُّك بِهِ فِي القطعيات.
١٤٢١ - فَإِن قَالُوا: ألستم استدللتم بِهِ فِي إِثْبَات أصل الْإِجْمَاع؟
قُلْنَا: مَا استدللنا بِخَبَر وَاحِد، وَلَكِن نقلنا جملَة من الْأَخْبَار، وادعينا استفاضة مَعْنَاهَا، وَإِن لم يستفض كل لَفْظَة على حيالها، فَإِذا أردتم تَحْدِيد لَفْظَة وتخصيصها بالاستدلال، " لكنتم " معتصمين بالآحاد.
стр. 1005
١٤٢٢ - على أَنا نقُول: قد وافقتمونا أَن الْألف فَصَاعِدا. لَو خالفوا فِي حكم مَسْأَلَة، لم يثبت الْإِجْمَاع، وَإِن كَانَ الَّذين اتَّفقُوا الآفا مؤلفة، وَهُوَ السوَاد الْأَعْظَم، وَقَوْلنَا فِي خلاف الْوَاحِد والاثنين كقولكم فِي هَذِه الصُّورَة.
١٤٢٣ - على أَنا نقُول: لَيْسَ الْمَعْنى بقوله [ ﷺ ] (عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم) التَّعَرُّض للْإِجْمَاع وَالِاخْتِلَاف الرَّاجِع إِلَى مسَائِل الْفُرُوع الَّتِي الِاخْتِلَاف فِيهَا رَحْمَة، وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك مُلَازمَة جمَاعَة الْأمة، وَترك اقْتِضَاء المبتدعة فِي عقائدها.
وَقد قيل: إِنَّه [ ﷺ ] أَرَادَ بذلك إِيجَاب اتِّبَاع الشاردين الخارجين عَن طَاعَة الإِمَام، فَبَطل استدلالهم. وَتبين أَن الَّذِي تمسكوا [بِهِ] عرضة للتأويلات /.
(٢٥٣) القَوْل فِي اعْتِبَار الانقراض
(فِي انْعِقَاد الْإِجْمَاع وَذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ)
١٤٢٤ - اخْتلف الأصوليون فِي أَن أهل الْعَصْر إِذا اجْمَعُوا على حكم حَادِثَة، وَقَطعُوا القَوْل بِهِ، فَهَل تقوم حجَّة الْإِجْمَاع قبل انْقِرَاض المجمعين؟
١٤٢٥ - فَذهب بعض النَّاس إِلَى أَن الْحجَّة " لَا تقوم " إِلَّا عِنْد انْقِرَاض المجمعين وتفانيهم، وَمَا داموا باقين، فيسوغ الْخلاف من بَعضهم، وَمن طَائِفَة يبلغون بعد إِجْمَاعهم مبلغ الْعلمَاء.
стр. 1006
١٤٢٦ - وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فِي أَنه هَل يتَصَوَّر من المجمعين أَن " ينصرفوا " بأجمعهم عَمَّا أَجمعُوا عَلَيْهِ ويتفقوا على ضِدّه؟ فَمنهمْ من لم يجوز ذَلِك، وَلَكِن جوز أَن يرجع مِنْهُم طَائِفَة، فَأَما رُجُوع الْكل، فَلَا يسوغ.
فَمنهمْ من جوز رُجُوع الْكل، وَهُوَ قِيَاس هَذَا الْمَذْهَب.
١٤٢٧ - وَمِنْهُم من سلك طَريقَة ثَالِثَة، فَقَالَ: إِن شرطُوا عِنْد الْإِجْمَاع جَوَاز الرُّجُوع عَمَّا أَجمعُوا عَلَيْهِ، جَازَ لَهُم الرُّجُوع، وَإِن لم يكن " الْأُخْرَى " وأطلقوا الْإِجْمَاع وَلم يشترطوا جَوَاز الرُّجُوع، فَلَا يَصح من كافتهم أَن يرجِعوا، وَهَذَا أَضْعَف الْمذَاهب.
١٤٢٨ - وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْحجَّة لَا تقوم مَا لم ينقرض " المجمعون " حَتَّى لَو بَقِي وَاحِد مِنْهُم، فَلَا يثبت الْإِجْمَاع.
١٤٢٩ - وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه إِذا لم يبْق من المجمعين إِلَّا عدد ينقصُونَ عَن أقل عدد التَّوَاتُر، فَلَا يكترث ببقائهم، وَيحكم بانعقاد الْإِجْمَاع.
١٤٣٠ - وَالصَّحِيح من الْمذَاهب: أَن لَا يشْتَرط فِي انْعِقَاد الْإِجْمَاع
стр. 1007
الانقراض. وَلَكِن مهما أجمع عُلَمَاء الْأمة على حكم فِي حَادِثَة، فَهُوَ الْحق عِنْد الله قطعا، وَقد قَامَت حجَّة الْإِجْمَاع، وَيحرم الْخلاف، وَلَا يتَصَوَّر مِنْهُم بأجمعهم أَن يرجِعوا عَمَّا أَجمعُوا عَلَيْهِ. إِذْ لَو رجعُوا لكانوا مخالفين للْإِجْمَاع الأول، وَهُوَ ضلال، وَلَا تَجْتَمِع الْأمة على الضَّلَالَة.
وَيتَصَوَّر أَن يُخَالف بَعضهم بعد انْعِقَاد الْإِجْمَاع. وَلَكنَّا نعلم أَنه خطأ وضلال وابتداع بعد انْعِقَاد الْإِجْمَاع، كَمَا نعلم ذَلِك بعد انْقِرَاض المجمعين. وَكَذَلِكَ فَلَا يجوز أَن يجمعوا ويقطعوا بِحكم، ويجوزوا لأَنْفُسِهِمْ الرُّجُوع شرطا مِنْهُم، كَمَا لَا يَصح فيهم أَن يشترطوا الرُّجُوع، ويجوزه لمن بعدهمْ بعد انْعِقَاد إِجْمَاعهم وانقراضهم.
١٤٣١ - وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن نقُول: الْإِجْمَاع مِمَّا لَا يثبت عقلا كَمَا
стр. 1008
قدمْنَاهُ وَإِنَّمَا يثبت سمعا. والطرق الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى إِثْبَات الْإِجْمَاع مضبوطة. وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا مَا يتَضَمَّن اشْتِرَاط الانقراض. فَلَو سَاغَ اشْتِرَاطه عَن غير دلَالَة قَاطِعَة من جِهَة السّمع، لساغ تَخْصِيص الْإِجْمَاع، تصورا بِبَعْض مسَائِل الْفُرُوع، حَتَّى يُقَال: إِنَّمَا تقوم الْحجَّة بِالْإِجْمَاع فِي مسَائِل الْمُعَامَلَات دون مسَائِل الْعِبَادَات! فَلَمَّا لم يكن إِلَى ذَلِك سَبِيل، تبين مَا قُلْنَاهُ.
وإيضاحه: أَن من الْأَدِلَّة على الْإِجْمَاع، الْآيَة الَّتِي قدمنَا ذكرهَا، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ . وَهَذَا لَا تَخْصِيص [فِيهِ] بالانقراض، فِي منظومه وَمَفْهُومه، وَكَذَلِكَ طرق الْأَخْبَار الَّتِي استدللنا بهَا، لَا تنبئ عَن شَيْء فِي ذَلِك.
وَرُبمَا يتمسكون بآي وأخبار، لَيْسَ فِيهَا معتصم، على مَا سَنذكرُهُ فِي شبههم.
١٤٣٢ - وَمِمَّا نستدل بِهِ أَيْضا، أَن نقُول: المجمعون لَا يتَحَقَّق اتِّفَاقهم [بعد انقراضهم] . وَإِنَّمَا يتَحَقَّق اتِّفَاقهم بإجماعهم فِي حياتهم. والانقراض يخرجهم عَن اعْتِقَاد / الْإِجْمَاع. فَإِذا كَانُوا مصرين ثابتين على مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ، فَهَذِهِ الْحَالة أولى بِنِسْبَة الْمذَاهب إِلَيْهِم مِنْهُ إِذا انقرضوا.
١٤٣٣ - فَإِن قَالُوا: أمنا رجوعهم، وَلَيْسَ كَذَلِك مَا داموا أَحيَاء. فَإنَّا لَا نَأْمَن رجوعهم.
стр. 1009
قُلْنَا: أما رُجُوع جَمِيعهم، فمأمون، لَا خَفَاء بِهِ، على أصلنَا، وَأما خلاف بَعضهم، فمتصور. مَعَ قَطعنَا بِأَنَّهُ خطأ، فَهَلا سلمتم هَذَا المسلك؟ على أَنه يتَصَوَّر بعد الانقراض مُخَالفَة بعض أهل الْعَصْر الثَّانِي، ثمَّ يتَصَوَّر ذَلِك لَا يقْدَح فِي الْإِجْمَاع، فَبَطل مَا قَالُوهُ.
١٤٣٤ - وَمِمَّا نعتصم بِهِ أَن نقُول " على " من زعم أَن الْإِجْمَاع لَا يسْتَقرّ مَا بَقِي من المجمعين وَاحِد [و] هَذَا يُؤَدِّي الى خرق إِجْمَاع الْأمة، فَإِن التَّابِعين كَانُوا يستدلون بِإِجْمَاع الصَّحَابَة، وَإِن كَانَ بَقِي مِنْهُم الْعدَد والشرذمة. كَمَا كَانُوا يستدلون بإجماعهم بَعْدَمَا تفانوا، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى جَحده.
وَمِمَّا نستدل بِهِ أَيْضا، أَن نقُول: قد تَبينا فِيمَا قدمنَا، أَن التَّابِعِيّ إِذا خَالف الصَّحَابَة فِي حكم حَادِثَة وَقعت، فَيقبل خِلَافه، كَمَا يقبل خلاف الصَّحَابِيّ.
١٤٣٥ - فَإِذا ثَبت هَذَا الأَصْل - فَلَو شرطنا الانقراض فِي المجمعين " أدّى " ذَلِك إِلَى أَن لَا يسْتَقرّ إِجْمَاع أصلا، وَذَلِكَ أَن الصَّحَابَة لَو اتَّفقُوا مثلا على حكم، ثمَّ لم يتفانوا حَتَّى " تلاحق " بهم جمَاعَة من التَّابِعين وبلغوا مبلغ الْعلمَاء، فقد صَارُوا من أهل الْإِجْمَاع، إِذا فَيجب أَن يشْتَرط انقراضهم مَعَ انْقِرَاض الصَّحَابَة. فَإنَّا لَو قَدرنَا مِنْهُم خلافًا، كَانَ كتقديرنا ذَلِك
стр. 1010
من بعض الصَّحَابَة، ثمَّ إِذا اشترطنا انْقِرَاض التَّابِعين مَعَ الصَّحَابَة، فَلَا يتَّفق انقراضهم - فِي مجْرى الْعَادة - إِلَّا بعد أَن يلحقهم أَقوام من أهل الْعَصْر الثَّالِث. فتتلاحق الْأَعْصَار وتتداخل، وَلَا يسلم الْإِجْمَاع قطّ، وَذَلِكَ يسبب إِلَى نفي الْإِجْمَاع.
١٤٣٦ - وَمِمَّا اسْتدلَّ بِهِ القَاضِي ﵁، أَن قَالَ: أجمع الْمُسلمُونَ على أَن مَا أَجمعت عَلَيْهِ الْأمة حق! وَهَذَا الْمَعْنى يتَحَقَّق قبل الانقراض.
وَهَذَا فِيهِ نظر.
وللخصم أَن يَقُول: لسنا نوافقكم على مَا ادعيتموه من الْإِجْمَاع. فَإنَّا نقُول: مَا اتّفقت عَلَيْهِ الْأمة لَا تقوم بِهِ الْحجَّة حَتَّى ينقرضوا على اتِّفَاقهم. فَلم ادعيتم الْإِجْمَاع مُطلقًا؟
وَالْأولَى: التعويل على الطَّرِيقَة الأولى، الَّتِي صدرنا الْأَدِلَّة بهَا.
(شُبْهَة الْمُخَالفين)
١٤٣٧ - فمما استدلوا بِهِ، أَن قَالُوا: إِذا اتّفقت آراء أهل الْأَعْصَار على شَيْء اجْتِهَادًا وتحرياً، فَكل مِنْهُم مَا قَالَ، إِلَّا وَهُوَ مُجْتَهد، غير قَاطع بِاجْتِهَادِهِ. فَلَو لم يتَصَوَّر لَهُم الرُّجُوع أصلا، أدّى ذَلِك إِلَى أَن يستد عَلَيْهِم طَرِيق التَّحَرِّي. فَلَزِمَ أَن نقُول: لَو انْفَرد الْمَرْء بِالِاجْتِهَادِ، لم يسغْ لَهُ الرُّجُوع
стр. 1011
عَمَّا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وَمَعْلُوم أَن مواقع الِاجْتِهَاد لَا تخْتَلف، بِأَن يتَقَدَّر فِيهَا وفَاق أَو لَا يتَقَدَّر.
قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه، تعرض مِنْكُم لشُبْهَة نفاة الْإِجْمَاع، وَلَو صَحَّ مَا قلتموه، لزمكم على طرده، أَن تَقولُوا: " لم يسع المجمعين مخالفتهم " فَإِن طرق الِاجْتِهَاد لَا تنضبط وَلَا تَنْحَصِر على الْمُجْتَهدين، وَلَا تخْتَلف مداركها، وَإِن سبق بطرِيق من الِاجْتِهَاد سَابِقُونَ.
١٤٣٨ - فَإِن قَالُوا: لَا يجوز ذَلِك بعد سبق انْعِقَاد الْإِجْمَاع، لقِيَام حجَّته.
قُلْنَا: فاقبلوا منا مثل ذَلِك فِي حَال " حَيَاة " المجمعين، فَنَقُول: إِذا اجْتهد الْمُجْتَهد، وَلم يُوَافق عَلَيْهِ، " فَلهُ " فِي طرق الِاجْتِهَاد / مساغ ومجال. فَإِن اتّفق عَلَيْهِ اتِّفَاق، فقد انحسم " التجويز " وَلَا يجد جِهَة للحق. وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ.
١٤٣٩ - وَمِمَّا يُؤثر عَنْهُم، الِاسْتِدْلَال، وَهُوَ من أهم مَا تعرف الْعِنَايَة
стр. 1012
إِلَيْهِ أَن قَالُوا: لَو لم يشْتَرط الانقراض فِي الْإِجْمَاع، لزمنا أَن نقُول: إِذا اخْتلفت الصَّحَابَة على قَوْلَيْنِ أَولا، ثمَّ أَجمعُوا على أَحدهمَا، ورفضوا القَوْل الثَّانِي، فَيَنْبَغِي أَن لَا يتَصَوَّر ذَلِك مِنْهُم. وَنحن نعلم أَن أهل الْعَصْر قد يَخْتَلِفُونَ فِي شَيْء أَولا، ثمَّ تتفق آراؤهم على أحد الْمذَاهب.
وَوجه الْإِلْزَام فِي ذَلِك، أَن قَالُوا: مهما اخْتلفُوا أَولا، فقد سوغوا الِاخْتِلَاف، وَأَجْمعُوا على عدم قطع القَوْل. فَيَنْبَغِي أَن لَا يتَصَوَّر بعد ذَلِك قطع القَوْل، إِلَّا على الأَصْل الَّذِي اخترناه، فَإنَّا نقُول: وَإِن سوغوا الْخلاف أَولا اتِّفَاقًا، فَمَا انقرضوا على ذَلِك، لتقوم الْحجَّة بتسويغ الْخلاف، فَأنْتم إِذا لم تشترطوا الانقراض، فَلَا تَجِدُونَ عَن ذَلِك محيصا.
١٤٤٠ - وَاعْلَم أَن من موافقينا من يستحقر هَذَا السُّؤَال، ويعده من أَضْعَف " سُؤال " الْقَوْم. ويجيب عَنهُ، بِأَن اخْتلَافهمْ لَيْسَ اتِّفَاقًا مِنْهُم على حكم. وَمَا قَالُوهُ من " تَصْوِير " الْخلاف، لَا معنى لَهُ، فَإِنَّهُ لَا يزِيد تسويغ الْخلاف على تصَوره، وَثُبُوت الْخلاف فِي صُورَة لَيْسَ بِحكم مجمع عَلَيْهِ، ليعد ذَلِك مذهبا مُتَّفقا عَلَيْهِ.
قَالُوا: وسبيل ذَلِك، سَبِيل مَا لَو " وَقعت " الْحَادِثَة أَولا، فتردد فيهمَا الْعلمَاء كالمستريبين، ثمَّ اسْتَقَرَّتْ آراؤهم. فتصور " الريب " أَولا، لَا يعد مذهبا.
стр. 1013
١٤٤١ - وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، وَلَو " سلكنا " هَذِه الطَّرِيقَة، لم نجد عَمَّا ألزمونا محيصا. وَذَلِكَ أَن لَهُم أَن يَقُولُوا: مهما اخْتلفُوا الصَّحَابَة، واتفقت مثلا رتب الْمُجْتَهدين مِنْهُم، فقد أَجمعُوا على أَنه يحل للعوام أَن " يتبع " من شَاءَ مِنْهُم، عِنْد اسْتِوَاء أوصافهم، فَهَذَا اتِّفَاق مِنْهُم على حكم، وَقطع مِنْهُم القَوْل فِيهِ، فَلَو أَجمعُوا على أحد الْقَوْلَيْنِ، وحرموا على الْعَوام تَجْوِيز اتِّبَاع القَوْل الثَّانِي، فَيكون ذَلِك تَحْرِيمًا مِنْهُم لعين مَا أحلوه، وَذَلِكَ مُسْتَحِيل على أصُول من لم يشْتَرط الانقراض فِي الْإِجْمَاع.
فَلَا وَجه إِلَّا أَن نقُول: لَا يتَصَوَّر اتِّفَاق أهل الْعَصْر بعد اخْتلَافهمْ، فَإِن فِي تَجْوِيز ذَلِك تصور " اجتماعين " متضادين، فَتَأَمّله، تَجدهُ صَحِيحا.
١٤٤٢ - فَإِن قيل: بِمَ تنكرون على من يزْعم، أَنهم لما اخْتلفُوا وسوغوا للعوام اتِّبَاع أحد الْقَوْلَيْنِ، لَا بِعَيْنِه، أَو التَّخْيِير فِي الِاتِّبَاع عِنْد اسْتِوَاء أَوْصَاف الْمُجْتَهدين، فَهَذَا إِجْمَاع مِنْهُم على شَرط: فكأنهم قَالُوا: لكم الْخيرَة، مَا لم يتَّفق إِجْمَاع الْأمة على أحد الْقَوْلَيْنِ؟
قُلْنَا: هَذَا تَخْلِيط مِنْكُم عَظِيم فِي مسَائِل الْإِجْمَاع، وَلَو سَاغَ تثبيت إِجْمَاع مَشْرُوط بِشَرْط مرقوب، لجَاز ذَلِك فِي كل إِجْمَاع، حَتَّى نقُول: لَو أجمع أهل الْعَصْر على حكم، يجوز رجوعهم عَنهُ، ثمَّ يُقَال عِنْد تصور رجوعهم: إِنَّمَا أَجمعُوا أَولا بِشَرْط أَن لَا يَتَّضِح لَهُم وَجه فِي الِاسْتِدْلَال
стр. 1014
وَطَرِيق الِاجْتِهَاد. فَلَا وَجه إِلَّا مَا قُلْنَاهُ من منع الِاتِّفَاق بعد الْخلاف.
وسنوضح ذَلِك فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٤٤٣ - وَمِمَّا استدلوا بِهِ: مَا رُوِيَ عَن عَليّ ﵁، أَنه قَالَ: " اتّفق رَأْيِي ورأي أبي بكر وَعمر فِي / منع بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد. وَإِنِّي أرى أَن يبعن "، فَقيل لَهُ: " رَأْيك فِي الْجَمَاعَة، خير من رَأْيك فِي الْوحدَة ".
стр. 1015
قَالُوا: فسوغ عَليّ ﵁ الْخلاف بعد الْإِجْمَاع.
قُلْنَا: لم ينْقل عَليّ ﵁، إِجْمَاع الصَّحَابَة، وَلكنه نقل مَذْهَب أبي بكر وَعمر، فاتضح سُقُوط استدلالهم.
١٤٤٤ - وَمِمَّا استدلوا بِهِ: قَوْله تعالي: ﴿وَكَذَلِكَ جعلنكم أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ ، قَالُوا: وَجه الدَّلِيل من ذَلِك، أَنه تَعَالَى أثبت الْأمة شُهَدَاء على غَيرهَا، وَلم يَجْعَلهَا شاهدة على نَفسهَا. فَدلَّ ذَلِك على إِن إِجْمَاع كل عصر حجَّة على أهل الْعَصْر الَّذِي يَلِيهِ، وَلَيْسَ بِحجَّة فِي ذَلِك الْعَصْر بِعَيْنِه.
قُلْنَا: التَّمَسُّك بِهَذِهِ الْآيَة فِي حكم الْإِجْمَاع، فِيهِ نظر: إِذْ أَرْبَاب التَّأْوِيل متفقون على أَن المُرَاد بِالْآيَةِ، شَهَادَة هَذِه الْأمة على سَائِر الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك: قَوْله : ﴿وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا﴾ فَجمع بَين كَونهم شَهِيدا وَبَين كَون الرَّسُول [ ﷺ ] شَهِيدا، وَإِنَّمَا يجْتَمع ذَلِك فِي الْقِيَامَة.
ثمَّ لَيْسَ فِي الْآيَة تعمد كَونهم شُهَدَاء [على] أنفسهم، إِلَّا على طَرِيق التَّمَسُّك بِدَلِيل الْخطاب.
стр. 1016
(٢٥٤) القَوْل فِي إِجْمَاع الْعَصْر الثَّانِي بعد اخْتِلَاف أهل الْعَصْر الأول)
١٤٤٥ - إِذا اخْتلف أهل عصر الْأَعْصَار على قَوْلَيْنِ مثلا، ثمَّ انقرضوا، وَصَارَ أهل الْعَصْر الَّذِي يَلِي عصر الْأَوَّلين إِلَى أحد الْقَوْلَيْنِ، ورفضوا القَوْل الثَّانِي، فَهَل يكون ذَلِك إِجْمَاعًا.
اخْتلف أَرْبَاب الْأُصُول فِي ذَلِك:
فَذهب الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم إِلَى أَن ذَلِك لَا يكون إِجْمَاعًا أصلا.
وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه يكون إِجْمَاعًا مَقْطُوعًا بِهِ، حَتَّى لَا يجوز بعد إِجْمَاع أهل الْعَصْر الثَّانِي على أحد المذهبين، الْمصير إِلَى الْمَذْهَب الثَّانِي.
١٤٤٦ - وَمن صَار إِلَى أَن ذَلِك لَا يكون إِجْمَاعًا، اخْتلفُوا على مذهبين فِي أَنه هَل يتَصَوَّر من أهل الْعَصْر الثَّانِي، " أصل " الْإِجْمَاع؟ وَلَا يسوغ اجْتِمَاعهم على خطأ. ورفض أحد الْقَوْلَيْنِ خطأ على معنى التخطئة. فَلَا يسوغ هَذَا الْقَائِل اجْتِمَاعهم عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتفقوا على أَن الْأَخْذ بِأَحَدِهِمَا أولى من غير أَن يرفضوا القَوْل الثَّانِي، فَهَذَا مِمَّا يسوغ ويهون أمره.
стр. 1017
١٤٤٧ - وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه يتَصَوَّر من أهل الْعَصْر الثَّانِي، صُورَة الِاتِّفَاق على رفض أحد الْقَوْلَيْنِ وَتَحْرِيم الْمصير إِلَيْهِ، وَلَكِن لَا يكون اتِّفَاقهم حجَّة. لأَنهم فِي مَسْأَلَة الِاخْتِلَاف لَيْسُوا كل الْأمة، إِذْ الَّذين انقرضوا من الْمُخَالفين الآخذين بالْقَوْل المرفوض، فِي تَقْدِير الْأَحْيَاء المصرين على مَذْهَبهم. إِذْ الْمذَاهب " لَا تبطل " بِمَوْت أَصْحَابهَا.
وَلَو كَانَ كَذَلِك، لما كَانَ هَؤُلَاءِ إِلَّا بعض الْأمة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
١٤٤٨ - وَالْقَاضِي ﵁ " يمِيل " تَارَة إِلَى هَذَا الْمَذْهَب: وَهُوَ تصور الِاتِّفَاق مِنْهُم وَتارَة إِلَى " الْمَذْهَب " الأول: وَهُوَ أَنه لَا يتَصَوَّر مِنْهُم الِاتِّفَاق.
وَالْمُخْتَار من هَذَا الْبَاب أَن حكم الِاخْتِلَاف لَا يرتفض أصلا.
стр. 1018
١٤٤٩ - وَقد تمسك أَصْحَابنَا فِي نصْرَة هَذَا الْمَذْهَب بطريقتين:
أَحدهمَا: أَن الَّذين اخْتلفُوا أَولا، ثمَّ درجوا ومضوا، " يقدرُونَ " أَحيَاء فَإِن / الْمذَاهب لَا تسْقط بِمَوْت أَصْحَابهَا وَلَا تندرس. إِذْ لَو سَاغَ سُقُوط مَذْهَب بِمَوْت الصائرين " إِلَيْهِ " للَزِمَ ارْتِفَاع الْإِجْمَاع أَيْضا، حَتَّى
стр. 1019
يُقَال: إِذا أجمع أهل الْعَصْر الأول، ثمَّ انقرضوا، فقد ارْتَفع حكم إِجْمَاعهم، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ.
١٤٥٠ - والطريقة الْأُخْرَى: - وَهِي الَّتِي اخْتَار القَاضِي ﵁ أَن أهل الْعَصْر الأول إِذا اخْتلفُوا على مذهبين، وَالْمَسْأَلَة مُجْتَهد فِيهَا، فقد سوغ كلهم - مَعَ تَسَاوِي صِفَات الْمُجْتَهدين - للعوام الْأَخْذ بقول أَي الْفَرِيقَيْنِ شَاءُوا، وَأَحلُّوا ذَلِك لَهُم " اتِّفَاقًا " مِنْهُم، فَلَو جَوَّزنَا الْإِجْمَاع على أحد الْقَوْلَيْنِ ورفض القَوْل الثَّانِي، لَكَانَ الْإِجْمَاع الثَّانِي قادحا فِي إِجْمَاع الصَّحَابَة، إِذْ قد " فرط " مِنْهُم الْإِجْمَاع على تَحْلِيل الْأَخْذ بِأَيّ الْقَوْلَيْنِ، اتّفق " للعوام ". فَإِن رفض أحد المذهبين، فقد حرم مَا أحلوه. وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ.
١٤٥١ - فَإِذا قَالَ قَائِل: بعد تمسكنا بِهَذِهِ الطَّرِيق: فَهَل تجوزون إِجْمَاع أهل الْعَصْر الثَّانِي على رفض أحد الْقَوْلَيْنِ؟
كَانَ الْأَصَح والأقطع للشغب، أَن نقُول: لَا يجوز ذَلِك، وَهَذَا مِمَّا لَا يتَّفق كَمَا يتَّفق أهل الْعَصْر الأول على مَذْهَب وَاحِد، ثمَّ إِجْمَاع أهل الْعَصْر على نقيضه.
стр. 1020
١٤٥٢ - وَإِن سلكنا طَرِيق تصور الِاتِّفَاق مِنْهُم، وجعلناهم فِي ذَلِك بعض الْأمة، وَإِن كَانَ " لَو " حدثت حَادِثَة، لم يقل فِيهَا الْأَولونَ شَيْئا، وَاتَّفَقُوا فِيهَا على حكم، كَانَ ذَلِك حجَّة مَقْطُوعًا بهَا، لأَنهم فِيهَا كل الْأمة، وَلم يسْبقُوا فِيهَا بقول وَمذهب، فيلزمنا أَن نقُول على هَذِه الطَّرِيقَة: إِذا رفضوا أحد الْقَوْلَيْنِ فَيكون ذَلِك تعرضاً مِنْهُم لخرق الْإِجْمَاع، وَلَا يجوز لَهُم ذَلِك أصلا.
وَالَّذِي أوثره لَك، التَّمَسُّك بالطريقة الأولى، وَهُوَ: أَنه لَا يتَصَوَّر مِنْهُم الِاتِّفَاق على أحد الْقَوْلَيْنِ، ورفض القَوْل الثَّانِي.
١٤٥٣ - فَإِن قيل: بِمَ تنكرون على من يزْعم: أَن أهل الْعَصْر الأول مَا اتَّفقُوا على الحكم، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا، فَلَا سَبِيل إِلَى استنباط وفَاق من خلاف؟
قُلْنَا: قد قَررنَا الْإِجْمَاع، إِذْ قُلْنَا: فِي تَصْوِير الِاخْتِلَاف " إِجْمَاعًا " على تسويغ الْأَخْذ بِأَيّ الْقَوْلَيْنِ اتّفق فِي حق الْعَوام، مَعَ تَسَاوِي صِفَات الْمُجْتَهدين. وَهَذَا إِجْمَاع لَا خَفَاء بِهِ.
وَاعْلَم أَن ذَلِك يقوى مَعَ القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين، على مَا نعقده.
١٤٥٤ - فَإِن قَالَ قَائِل: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَنهم إِنَّمَا أحلُّوا للعوام الْأَخْذ بِأحد الْقَوْلَيْنِ، بِشَرْط أَلا تتضح دلَالَة فِي تعْيين أحد الْقَوْلَيْنِ، وارتفاض الثَّانِي، فَكَأَنَّهُ إِجْمَاع مُعَلّق على شَرط!
следующие страницы →