← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

١٥١٣ - ويحكى عَن مَالك ﵁، أَنه قَالَ: مهما اتّفق أهل الْمَدِينَة - يَعْنِي علماءها - على حكم، فَهُوَ مَقْطُوع بِهِ.

стр. 1052

وَقد ذكر أَصْحَاب مَالك لذَلِك طرقاً من التَّأْوِيل، سنذكرها فِي أثْنَاء الْحجَّاج، ونبين فَسَادهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ١٥١٤ - وَالصَّحِيح من الْمذَاهب: اعْتِبَار إِجْمَاع كَافَّة الْعلمَاء فِي كل عصر، من غير تَخْصِيص بِأَهْل بلد، وَفِي مَا قدمْنَاهُ من الدَّلِيل على أَن مُخَالفَة الْوَاحِد من الْعلمَاء يمْنَع انْعِقَاد الْإِجْمَاع، أوضح الدَّلِيل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. وَجُمْلَة مَا " قَالَه " من الْأَدِلَّة على أصل الْإِجْمَاع، تَنْفِي التَّخْصِيص بِأَهْل بلد، وتوجب تعلق الْحجَّة بالأمة قاطبة، فَلَو سَاغَ إِزَالَة ظواهرها، أَو تخصيصها بِبَعْض عُلَمَاء الْأَمْصَار، سَاغَ لبَعض النَّاس / تخصيصها بِالْعشرَةِ المسمين فِي " الْجنَّة " من الصَّحَابَة، أَو سَاغَ تخصيصها بِأَهْل الرضْوَان، أَو بِأَهْل بدر، أَو غَيرهم من الَّذين تخصصوا بضروب من الْفَضَائِل. ١٥١٥ - وَمن الدَّلِيل على بطلَان ذَلِك، أَن نقُول: نَحن نعلم أَن مَالِكًا ﵁، لم يعن بِأَهْل الْمَدِينَة الَّذين ولدُوا فِيهَا، وَإِنَّمَا يَعْنِي الْعلمَاء الَّذين اجْتَمعُوا فِيهَا. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَن مُعظم الْمُهَاجِرين، مَا كَانَ مولدهم بِالْمَدِينَةِ، مَعَ كَونهم من أهل الْإِجْمَاع فَإِذا ثَبت أَنه لم يعْتَبر المولد، وَإِنَّمَا اعْتبر اجْتِمَاعهم مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] فِي الْمَدِينَة، وتلقيهم الْأَحْكَام مِنْهُ، فَنَقُول على ذَلِك: فَإِذا اسْتَأْثر الله برَسُول الله [ ﷺ ] فِي الْمَدِينَة، ثمَّ تفرق النَّاس عَن الْمَدِينَة بعد

стр. 1053

استوائهم فِي التلقي عَن رَسُول الله [ ﷺ ] ، أَي شَيْء الَّذِي يُوجب خُرُوج " الخارجين " عَن أهل الْإِجْمَاع؟ ١٥١٦ - أَو نقُول: الَّذين تلقوهُ عَن رَسُول الله [ ﷺ ]- وَهُوَ بِمَكَّة، أَو فِي بعض أَسْفَاره وغزواته مَا " تلقوهُ "، وَلم تتفق لَهُم الرّجْعَة إِلَى الْمَدِينَة فقد " يُسَاوِي " القاطنين بهَا فِي " الْأَخْذ " من رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَمَعَ ذَلِك أخرجه مَالك ﵁ عَن الِاعْتِدَاد بِهِ! ١٥١٧ - وَمِمَّا يُوضح مَا قُلْنَاهُ، أَيْضا أَن نقُول: قَود هَذَا الأَصْل يَقْتَضِي، أَن عليا وَابْن مَسْعُود وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وَغَيرهم من جملَة الصَّحَابَة لما فارقوا الْمَدِينَة، لَو قَالُوا قولا، وَقَالَ القاطنون بِالْمَدِينَةِ قولا: فَلَا يكترث بقول الخارجين من الْمَدِينَة - لَو اتّفقت لَهُم " دَعْوَى " وعنت لَهُم مَسْأَلَة - عِنْد خلافهم حِينَئِذٍ، وَهَذَا بعد عَظِيم. فَلَمَّا وضح لكل نَاظر، بطلَان تَخْصِيص الْإِجْمَاع بِأَهْل الْمَدِينَة، " احتال " منتحل مَذْهَب مَالك فِي تَأْوِيل مذْهبه، وَحمله على طرق، وَلَا يكَاد يَسْتَقِيم شَيْء مِنْهَا.

стр. 1054

١٥١٨ - مِنْهَا: أَنهم قَالُوا: إِنَّمَا أَرَادَ مَالك ﵁ اتِّفَاق أهل الْمَدِينَة على مَا شاهدوه من رَسُول الله [ ﷺ ] ونقلوه " تواترا "، نَحْو نقلهم مَوضِع الْمِنْبَر والقبر وَغَيرهمَا. فتقوم الْحجَّة بهم. وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ، قَبِيح جدا. " فَإِنَّهُ " صَحَّ من مَالك تَخْصِيص أهل الْمَدِينَة، تَعْظِيمًا لقدرهم وتمييزاً لَهُم عَن سَائِر الْبِلَاد، وَإِذا حمل مذْهبه على نقل التَّوَاتُر، فَفِيهِ إبِْطَال هَذَا الأَصْل، فَإِن الْكفَّار إِذا بلغُوا عدد التَّوَاتُر، ونقلوا عَن بلدهم خَبرا متواتراً، أفْضى ذَلِك إِلَى الْقطع وَالْعلم الضَّرُورِيّ. وَكَذَلِكَ القَوْل [فِي] أهل كل بلد، فَلَا معنى للتخصيص إِذا. ١٥١٩ - وَذهب قوم من أَصْحَاب مَالك ﵁، إِلَى حمل مَا قَالَه على محمل آخر، فَقَالُوا: إِنَّمَا خصص أهل الْمَدِينَة فِيمَا يتَعَلَّق بالناسخ

стр. 1055

والمنسوخ، فَإِنَّهُ يعْتَبر فِيهِ بالتقدم والتأخر، وَالْمَدينَة بَلْدَة وَفَاة رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَأَهْلهَا شاهدوا مَا تَأَخّر من أَفعاله وأقواله، وَمَا تقدم مِنْهَا، وَكَانُوا بذلك أعرف النَّاس بالناسخ والمنسوخ. و " لزمَه " لأَجله الْمصير إِلَى مَا قَالُوهُ. وَهَذَا أَيْضا ظَاهر الْفساد، وَذَلِكَ أَنا نقُول لَهُم: هَل تَقولُونَ إِن من شَرط النَّاسِخ أَن يَقع شَائِعا، حَتَّى لَا ينْقل إِلَّا تواتراً؟ أم تجوزون أَن يَقع على الْوَجْهَيْنِ، متواتراً تَارَة وآحاداً أُخْرَى؟ فَإِن أوجبتم وُقُوعه شَائِعا، فقد أحلتم فِيمَا قُلْتُمْ. إِذْ لَو سَاغَ ذَلِك فِيمَا ينْسَخ بِهِ، لساغ فِيمَا يتَضَمَّن إِثْبَات حكم ابْتِدَاء. فَدلَّ على أَن النَّاسِخ يَنْقَسِم فِي مورده، فَمِنْهُ الْمُتَوَاتر، وَمِنْه الْمَنْقُول آحاداً. " فَإنَّا " / نجد النَّاسِخ منقسماً، وَلم ينْقل كُله نقل الصَّلَوَات وَمَا عَداهَا، مِمَّا نقل استفاضة، فَإِذا ثَبت ذَلِك، فَلم لَا يجوز [علم] عَليّ وَطَلْحَة وَغَيرهمَا من الَّذين خَرجُوا من الْمَدِينَة، بضروب من النَّاسِخ والمنسوخ، واستقلوا بِهِ دون غَيرهم، ونقلوه لأهل الْبِلَاد الَّتِي قطنوها، على أَن الَّذين تبددوا فِي الْبِلَاد من الصَّحَابَة كَانُوا زائدين على أقل عدد التَّوَاتُر. فَبَطل من هَذَا الْوَجْه تَخْصِيص أهل الْمَدِينَة. وَالَّذِي يُحَقّق الْمَقْصد: أَن من النَّاسِخ مَا ثَبت بِمَكَّة، مُدَّة إِقَامَة رَسُول الله [ ﷺ ] بهَا، وَمِنْه مَا ثَبت فِي بعض أَسْفَاره، فَبَطل من كل وَجه تَخْصِيص أهل الْمَدِينَة. ١٥٢٠ - فَإِن قَالَ قَائِل: من منتحلي مَذْهَب / مَالك: إِنَّمَا قَالَ رَضِي

стр. 1056

الله عَنهُ مَا قَالَ لعلمه بِأَن أهل الْمَدِينَة كَانُوا كل الْعلمَاء فِي الصَّدْر الأول / وَإِنَّمَا قَالَ مَا قَالَه فِي الصَّدْر الأول، دون مَا عداهُ من الْأَعْصَار المتعاقبة. فَنَقُول: مَالك ﵁ أعرف بِالْآيَاتِ ومواقع الْأَخْبَار، من أَن يَقُول ذَلِك، فَإِنَّهُ إِن قَالَه وَرَسُول الله [ ﷺ ] بَين أظهر الصَّحَابَة، فَلَا معنى للْإِجْمَاع مَعَ بَقَائِهِ [ ﷺ ] . وَلما اسْتَأْثر الله بِرَسُولِهِ [ ﷺ ] ، تبدد أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] فِي الأقطار، لإِظْهَار الدعْوَة وإبداء كلمة الْإِسْلَام، وَكَانَ قد خرج طوائف مِنْهُم فِي زمَان رَسُول الله [ ﷺ ] فِي الرسالات وَالْقِيَام على الْأَعْمَال وجباية الْأَمْوَال، فَمَا كَانَت الْمَدِينَة - مذ كَانَت - جَامِعَة لكل الصَّحَابَة. ١٥٢١ - فَإِن قَالَ من أَصْحَاب مَالك قَائِل: إِنَّمَا عَنى مَالك ﵁ بِمَا قَالَ: تَرْجِيح قَول أهل الْمَدِينَة على قَول غَيرهم، لقربهم من رَسُول الله [ ﷺ ] ، ومشاهدتهم مُرَاد الْوَحْي، فَكَانُوا أولى بِالْحِفْظِ وَالرِّعَايَة من غَيرهم. وَهَذَا أَيْضا سَاقِط من أوجه. مِنْهَا: أَن الْكَلَام إِذا آل إِلَى التَّرْجِيح، خرج عَن الْقطع، وَإِنَّمَا عَنى مَالك " بقوله " الْقطع بقول أهل الْمَدِينَة، حَتَّى كَانَ يتْرك الْأَخْبَار الصَّحِيحَة لقَولهم وَالتَّرْجِيح والتلويح لَا يَقْتَضِي ذَلِك. ثمَّ نقُول: لَو سَاغَ [تَقْدِيم قَول أهل الْمَدِينَة، لساغ] تَقْدِيم أقاويل

стр. 1057

الْعشْرَة المسمين بِالْجنَّةِ، ولساغ تَقْدِيم أَقْوَال الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، وَتَقْدِيم مَذْهَب من لَهُ هجرتان، ولساغ تَقْدِيم قَول الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار على مُسْلِمِي الْفَتْح. وكل ذَلِك بَاطِل بالحقائق بَيْننَا وَبَين مَالك، وَمَا ذَكرْنَاهُ أولى بالترجيح مِمَّا ذكره، على أَن التَّرْجِيح إِنَّمَا يسْتَعْمل بَين الدَّلِيلَيْنِ، فثبتوا أَن قَول أهل الْمَدِينَة حجَّة! لترجحوه على غَيره. ١٥٢٢ - وَمن أَصْحَاب مَالك مِمَّن أفْصح بمذهبه، وَجعل قَول أهل الْمَدِينَة حجَّة قَاطِعَة، وَاسْتدلَّ لذَلِك بجمل من الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي الْمَدِينَة وَأَهْلهَا. مِنْهَا: مَا روى عَنهُ [ ﷺ ] : (إِن الْإِسْلَام ليأرز إِلَى الْمَدِينَة، كَمَا تأرز الْحَيَّة إِلَى جحرها) . و (إِن الْمَدِينَة تَنْفِي خبثها، كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد) .

стр. 1058

و " سَمَّاهَا " رَسُول الله [ ﷺ ] طابة. وَقَالَ: (مَا بَين قَبْرِي ومنبري رَوْضَة من رياض الْجنَّة) . ثمَّ قَالَ: (لَا يكيد أهل الْمَدِينَة [أحد] إِلَّا انماع، كَمَا ينماع الْملح فِي المَاء) . وَقَالَ [ ﷺ ] : (إِن الدَّجَّال لَا يدْخل الْمَدِينَة، فَإِن على كل فج مِنْهَا ملكا موكلاً) .

стр. 1059

وَقَالَ: (الْمَدِينَة محفوفة بِالْمَلَائِكَةِ) ، إِلَى غير ذَلِك. وَلَا معتصم فِي شَيْء مِنْهَا، فَإِنَّهَا آحَاد، وَلَا تكَاد تبلغ مبلغ الاستفاضة. ١٥٢٣ - على أَنه لَا حجَّة فِي شَيْء مِنْهَا، فَأَما قَوْله [ ﷺ ] : (إِن الْإِسْلَام ليأرز إِلَى الْمَدِينَة) فَإِنَّهُ قَالَ ذَلِك فِي زَمَانه [ ﷺ ] : " إِذا " كَانَ المنقلبون الَّذين يفدون عَلَيْهَا من الجوانب، وُفُود الطير على وَكرها. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك: أَنا نقطع بِأَنَّهُ [ ﷺ ] لم يرد بذلك كل زمَان أَو أَحْوَال، فالمدينة بعده [ ﷺ ] [مرت بهَا] أزمنة شغرت عَن الْعلمَاء فِيهَا، وَلم يقطنها إِلَّا أهل الْبدع.

стр. 1060

وَمَا عدا ذَلِك من الْأَخْبَار، لَا حجَّة فِي شَيْء مِنْهَا، وَلَو تتبعتها، هان عَلَيْك مدركها. (٢٦٢) فصل القَوْل فِي تَقْدِيم قَول الْخُلَفَاء الرَّاشِدين أَو الشَّيْخَيْنِ، على غَيرهم ١٥٢٤ - ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى تَقْدِيم أقاويل الْخُلَفَاء الرَّاشِدين على غَيرهم. ١٥٢٥ - وَذهب بَعضهم إِلَى تَخْصِيص أبي بكر وَعمر ﵁ بذلك.

стр. 1061

١٥٢٦ - وَاعْلَم أَن ذَلِك يبتني على أصل، سنقرره فِي بَاب التَّقْلِيد إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهُوَ أَن قَول آحَاد الصَّحَابَة - من كَانُوا لَيْسَ بِحجَّة فَإِن نَفينَا كَونه حجَّة، انْتَفَى التَّرْجِيح أَيْضا. ١٥٢٧ - وَإِن رام هَذَا الْقَائِل بِمَا قَالَه: أَن قَول هَؤُلَاءِ لَا يَقع إِلَّا إِجْمَاعًا، وَلَا يسوغ خلافهم، فقد خرق - بِمَا قَالَه إِجْمَاع الصَّحَابَة، فَإنَّا نعلم أَن أَبَا بكر وَعمر ﵄ كَانَا يخالفان فِي كثير من الْأَحْكَام، وَهَذَا مِمَّا نعرفه نقلا متواتراً، وَكَانَا ﵄ لَا ينكران تخالفاً، بل كثيرا مَا رجعا عَن مَذْهَبهمَا فَبَطل ادِّعَاء الْإِجْمَاع بِمُجَرَّد مذاهبهم، وسنشرح القَوْل فِي كتاب التَّقْلِيد إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ١٥٢٨ - وَرُبمَا ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن مَا انْتَشَر من قَول الْخَلِيفَة وَلم يظْهر عَلَيْهِ نَكِير، فَهُوَ إِجْمَاع، وَمَا انْتَشَر من قَول غَيره فَلَيْسَ بِإِجْمَاع. ١٥٢٩ - وَمِنْهُم من قلب فَقَالَ: مَا انْتَشَر من قَول غَيره من غير نَكِير، فَهُوَ إِجْمَاع وَمَا انْتَشَر من قَول الْخَلِيفَة، وَلم يظْهر عَلَيْهِ نَكِير، فَلَيْسَ بِإِجْمَاع، فَإِنَّهُ رُبمَا يهاب فَلَا يُخَالف. وَهَذَا كَمَا روى أَن ابْن عَبَّاس ﵁ أظهر مذْهبه فِي الْعَوْل فِي الْفَرَائِض، فَقَالَ لَهُ بعض الصَّحَابَة: مَا بالك! لم تبد ذَلِك فِي زمَان عمر؟ فَقَالَ: كَانَ رجلا مهيباً، فهبته.

стр. 1062

١٥٣٠ - وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن مَا صدر مصدر الْقَضَاء وانتشر، فَهُوَ اجماع وَمَا صدر مصدر الْفَتْوَى، فَلَيْسَ كَذَلِك. ١٥٣١ - وَصَارَ بَعضهم إِلَى قلب ذَلِك. فصير الْفَتْوَى المنتشرة إِجْمَاعًا، وَمَا صدر مصدر الْقَضَاء، لَيْسَ بِإِجْمَاع. ١٥٣٢ - وكل هَذِه الْمذَاهب بَاطِلَة عندنَا، وَمَا قدمْنَاهُ عِنْد القَوْل بِأَن القَوْل الْمُنْتَشِر مَعَ سكُوت الْعلمَاء عَنهُ، لَيْسَ بِإِجْمَاع. يرد على هَؤُلَاءِ. ١٥٣٣ - وَرُبمَا يسْتَدلّ بعض هَذِه الطوائف، بأخبار فِي أبي بكر وَعمر ﵄، نَحْو قَوْله [ ﷺ ] : " اقتدوا باللذين من بعدِي، أبي بكر وَعمر ". وَالْكَلَام على مثل هَذَا الْخَبَر يستقصى فِي التَّقْلِيد. ١٥٣٤ - على أَنا نقابلهم الْآن بأخبار تعَارض مَا تمسكوا: مِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: (إِن أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ) وَهَذَا يَنْفِي التَّخْصِيص الَّذِي ادعوهُ.

стр. 1063

وَقَالَ فِي معَاذ: " أعرفكُم بالحلال وَالْحرَام معَاذ ". وَقَالَ فِي عَليّ: " أَنا مَدِينَة الْعلم وَعلي بَابهَا ". وَقَالَ لَهُ: " أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى، وَلَكِن لَا نَبِي من بعدِي ". إِلَى غير ذَلِك من الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي جَمِيع الصَّحَابَة عُمُوما، أَو فِي بَعضهم خُصُوصا.

стр. 1064

(٢٦٣) بَاب القَوْل فِي اسْتِصْحَاب الْحَال، وَالْأَخْذ بِالْأَقَلِّ، وَمَا يتَّصل بِهِ

стр. 1065

١٥٣٥ - اعْلَم، وفقك الله، أَن القَوْل فِي ذَلِك يَنْقَسِم: فَرُبمَا يَصح فِي بعض الْأَحْوَال. وَرُبمَا لَا يَصح فِي بَعْضهَا. وَهَا نَحن نفصل القَوْل الْآن فِيهَا. فَنَقُول: التَّمَسُّك بِبَرَاءَة الذمم على اسْتِصْحَاب، سَائِغ.

стр. 1066

١٥٣٦ - وَوجه القَوْل فِيهِ، مَعَ التَّصْوِير فِي صُورَة منصوصة، أَن نقُول: إِذا / سَأَلَ الْوَاحِد من أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵁، عَن وجوب الضحية، أَو الْوتر، فنفى الْوُجُوب وَلما طُولِبَ بِالدَّلِيلِ، قَالَ: الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة عَن كل وَاجِب، إِلَى أَن تقوم الدّلَالَة على ثُبُوت

стр. 1067

الْوَاجِبَات. وَإِلَّا فَحكم الْعقل، انْتِفَاء الْأَحْكَام قبل وُرُود الشَّرَائِع، وَهُوَ مستصحب إِلَى أَن يثبت بالأدلة إشغال الذمم. ١٥٣٧ - وَإِذا قَالَ السَّائِل: فَمَا يُؤمنك أَن دلَالَة قَامَت على وجوب الْوتر، وَلم تعثروا عَلَيْهَا؟ فَعِنْدَ ذَلِك اخْتلف. فَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْمُجيب، إِذا قَالَ: لَيْسَ عَليّ إِلَّا شدَّة التفحص والبحث على طلب الْأَدِلَّة، وَقد بذلت فِيهَا كنه جهدي، وَلم أكلف إِلَّا ذَلِك، فلئن كَانَ عنْدك دلَالَة، فَعَلَيْك إظهارها. وَهَذَا كَمَا أَن الْمُجيب، إِذا تمسك بِلَفْظَة عَامَّة، فَقَالَ السَّائِل: فَمَا يُؤمنك أَن دلَالَة من أَدِلَّة الشَّرْع تخصصها، وَقد ذهلت عَنْهَا، فَهَذَا تعد من السَّائِل للحد الْمَحْدُود لَهُ، وَعَلِيهِ إِقَامَة الْمُخَصّص إِذا كَانَ، فَكَذَلِك سَبِيل التَّمَسُّك بِبَرَاءَة الذِّمَّة، وَهَذَا لعمري مِمَّا يُقَوي مَعَ القَوْل بِالْعُمُومِ. ١٥٣٨ - وَالَّذِي اخْتَارَهُ القَاضِي ﵁، أَن قَالَ: إِذا عنت حَادِثَة لمجتهد، فَلم تقم عِنْده دلَالَة مقتضية وجوبا - بعد طلبه جهده، فَلهُ الْأَخْذ بِنَفْي الْوُجُوب فِي حق. فَإِنَّهُ لم يُكَلف إِلَّا أقْصَى الطّلب الدَّاخِل فِي مقدوره على اسْتِمْرَار الْعَادة، فَإِذا فعل ذَلِك، فَلم يجده كَانَ لَهُ الْأَخْذ بِنَفْي الْوُجُوب. فَأَما إِذا انتصب مسؤولاً، وَأَرَادَ نصب دلَالَة يناظر عَلَيْهَا، فَلَا يَسْتَقِيم لَهُ التَّمَسُّك بذلك. فَإِن الْمُجْتَهدين إِذا تناظرا وتذكرا طرق الِاجْتِهَاد، فَمَا

стр. 1068

" يَفِي " الْمُجيب مِنْهُمَا، أَن يَقُول: لَا دَلِيل على الْوُجُوب، وَهل هُوَ فِي ذَلِك إِلَّا مُدع، فَلَا تسْقط عَنهُ عُهْدَة الطّلب بِالدّلَالَةِ، وَإِن كَانَ يسوغ التعويل على مَا قَالَه فِي حق نَفسه، فَتَأمل ذَلِك. ونزله على هَذِه الرُّتْبَة، فَهِيَ المرضية من الْأَقَاوِيل. ١٥٣٩ - فَإِن قيل: فَمَا قَوْلكُم فِي التَّمَسُّك بِالْعُمُومِ، مَعَ اعْتِقَاد جَوَاز مَا يخصصه؟ قُلْنَا: أما الْعُمُوم فَلَا نقُول بِهِ، وَإِن اقْتَضَت قرينَة حَال تعميمها. وَهُوَ مَا نقطع بِهِ، وَلَا يجوز وُرُود مَا يخصصه إِلَّا على سَبِيل النّسخ. ١٥٤٠ - فَإِن قيل: فَلَو قَالَ السَّائِل، " فليبدي " النَّاسِخ، إِن كَانَ، فَإِن الْمُكَلّفين " متعبدون " بالتمسك بالأخبار الصَّحِيحَة، وَلَا يمنعهُم عَنهُ تَجْوِيز النّسخ، وَيُقَوِّي ذَلِك على الأَصْل الَّذِي قدمْنَاهُ، من أَن النّسخ لَا يثبت

стр. 1069

[فِي] حق من لم يبلغهُ. ١٥٤١ - وَمَا يَلِيق بمضمون اسْتِصْحَاب حكم. " وتصوير " ذَلِك أَن قَائِلا لَو قَالَ: من شرع فِي الصَّلَاة بِتَيَمُّم، وَإِجْمَاع الْعلمَاء على انْعِقَاد صلَاته، فَإِذا تمكن من اسْتِعْمَال المَاء أثْنَاء الصَّلَاة، فَمَا سبق من الْإِجْمَاع فِي صِحَة الصَّلَاة، يستصحب، فَهَل يكون ذَلِك حجَّة، يسوغ التَّمَسُّك بهَا؟ . مَا صَار إِلَيْهِ كَافَّة الْمُحَقِّقين: أَن ذَلِك لَيْسَ بِحجَّة. ١٥٤٢ - وَذهب أَصْحَاب الظَّاهِر إِلَى أَنه حجَّة، ونراهم يشغفون بهَا فِي كثير من الْمسَائِل. ١٥٤٣ - وَالدَّلِيل على بطلَان مَا صَارُوا إِلَيْهِ، أَن نقُول: إِذا انْعَقَد الْإِجْمَاع على انْعِقَاد الصَّلَاة، باستدامتها عِنْد رُؤْيَة المَاء، لَا تخلون فِيهَا، إِمَّا أَن تَقولُوا: هِيَ على الضَّرُورَة الَّتِي أَجمعُوا على الحكم فِيهَا، أَو تَقولُوا: هِيَ غَيرهَا. فَإِن قُلْتُمْ إِنَّهَا عينهَا، فَهَذَا جحد الضَّرُورَة، فَإنَّا نعلم أَن اسْتِدَامَة /

стр. 1070

الصَّلَاة عِنْد رُؤْيَة المَاء " عِنْد " انْعِقَاد الصَّلَاة عِنْد عدم المَاء. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك: أَن القَوْل بانعقاد الصَّلَاة مَعَ القَوْل بِعَدَمِ انْعِقَادهَا وَتَقْدِير ذَلِك مَعَ وضوحه تكلّف. وَإِن هم قَالُوا: إنَّهُمَا حادثتان. فَيُقَال " لَهُم ": فموضع الْإِجْمَاع، الْحَادِثَة " الأولى " فَلم قُلْتُمْ: إِن الْإِجْمَاع إِذا استيقن فِي حَادِثَة، وَجب " نقلهَا " إِلَى أُخْرَى. ١٥٤٤ - فَإِن قَالُوا: لِأَن الْإِجْمَاع، إِذا انْعَقَد، فَالْأَصْل بَقَاؤُهُ. إِلَّا أَن يقوم دَلِيل على ارتفاعه. قُلْنَا الْأَمر على مَا ذكرتموه، وَلَكِن لَا سَبِيل إِلَى رفع الْإِجْمَاع عَن مَحل الْإِجْمَاع، فَأَما تَقْدِير إِجْمَاع فِي غير مَحل الْإِجْمَاع، فتحكم لَا خَفَاء بِهِ. وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك: أَنه لَو كَانَ مَا ذكرتموه، تمسكاً بِإِجْمَاع لما سَاغَ الِاعْتِصَام بأخبار الْآحَاد فِيهِ، وَقد وافقتمونا أَنه لَو صَحَّ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] خبر نَقله الْآحَاد، وَاقْتضى الْخُرُوج من الصَّلَاة عِنْد رُؤْيَة المَاء، فيتمسك بِهِ. وَإِن كَانَ لَا يسوغ التَّمَسُّك بِخَبَر الْوَاحِد فِي مَوضِع الْإِجْمَاع. ١٥٤٥ - فَإِن قَالُوا: فالحادثة الثَّانِيَة، تعْتَبر بموقع الْإِجْمَاع!

стр. 1071

قُلْنَا: فَهَذَا تَصْرِيح مِنْكُم بِقِيَاس، وَلَا نصدكم عَنهُ، بعد أَن توفروا عَلَيْهِ شَرَائِط، من " التجويز " والطرد وتثبيت " معنى الأَصْل "، وأنى يَصح ذَلِك مِنْكُم، مَعَ إنكاركم الْقيَاس. فاجتزئ بِهَذَا الْقدر فِي الرَّد عَلَيْهِم، وَاعْلَم أَنه محتو على كل مَا شَرطه القَاضِي ﵀ " تكريراً " أَو تَقْديرا. ثمَّ ذكر ﵁، لَهُم شبها، يَتَّضِح فَسَادهَا، وَالَّذِي يعولون عَلَيْهِ، مَا ذَكرْنَاهُ أسئلة على دليلنا، فمما نَقله القَاضِي ﵁، أَن قَالَ. ١٥٤٦ - فَإِن قَالُوا: إِذا ثَبت عندنَا موت خَليفَة فِي زمَان، فيستصحب ذَلِك فِي جملَة الْأَزْمَان الْمُسْتَقْبلَة، وَإِن نقل إِلَيْنَا الْمَوْت فِي وَقت مَخْصُوص، فِي هذيان طَوِيل. وَلَوْلَا أَن القَاضِي أوردهُ، لَكَانَ الإضراب عَنهُ أولى. فَنَقُول: إِنَّمَا علمنَا اسْتِمْرَار الْمَوْت، لأننا علمنَا ضَرُورَة فِي اطراد الْعَادَات أَن الْأَمْوَات لَا يحيون إِلَى قيام السَّاعَة، وَلِهَذَا من " الْمَعْنى " اعتقدنا اسْتِمْرَار الْمَوْت، لَا لما ذكرتموه، من اسْتِصْحَاب الْحَالة [الَّتِي] سبقت. وَلَهُم من هَذِه " الطرز " جمل، لَا تعجز عَن التفصي عَنْهَا، بعد مَا أحطت علما بمقصود الْبَاب.

стр. 1072

(٢٦٤) فصل الْأَخْذ بِالْأَقَلِّ ١٥٤٧ - وَمِمَّا يتَعَلَّق بِمَا نَحن فِيهِ، الْأَخْذ بِالْأَقَلِّ. وتصويره: أَن من صَار إِلَى أَن دِيَة الْيَهُودِيّ ثلث دِيَة الْمُسلم، فَلَو طُولِبَ بِإِقَامَة الدّلَالَة عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا الْقدر مُتَّفق عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَقَل، وَالْبَاقِي مُخْتَلف فِيهِ، فَهَل يكون ذَلِك دلَالَة؟ ١٥٤٨ - قَالَ القَاضِي ﵁: حكى عَن الشَّافِعِي ﵁، التَّمَسُّك بِمثل ذَلِك. ثمَّ قَالَ: وَالظَّن بِهِ خلاف ذَلِك، وَلَعَلَّ النَّاقِل عَنهُ زل فِي نقل كَلَامه.

стр. 1073

١٥٤٩ - فَالَّذِي نرتضي من الْمذَاهب، أَن يُقَال: أما الْأَقَل فثابت إِجْمَاعًا. وَأما نفي مَا عداهُ، فموقوف على الدَّلِيل، فَإِن قَامَت دلَالَة على نفي مَا سواهُ، انْتَفَى، وَإِن قَامَت دلَالَة على نفي الْوُجُوب ... . وَأما أَن يُقَال: لَيْسَ الْإِجْمَاع على ثلث الدِّيَة يتَضَمَّن نفي الزَّائِد عَلَيْهِ، فَلَا وَجه لَهُ، وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ، فَإِن الْإِجْمَاع على الشَّيْء لَا يدل على نفي سواهُ. ١٥٥٠ - ويتصل بِهَذِهِ الْجُمْلَة، أَن الْإِجْمَاع على الْأَقَل / إِذا ثَبت وتفحص الْمُجْتَهد عَن الْأَدِلَّة، فَلم يعثر على دلَالَة يَقْتَضِي إِيجَابا، فِيمَا وَرَاء

стр. 1074

الْأَقَل / فيسوغ لَهُ التَّمَسُّك بِحكم الْعقل فِي بَرَاءَة الذِّمَّة، على التَّرْتِيب الَّذِي بَعَثْنَاهُ لَك فِي صدر الْبَاب، فَهَذَا مَقْصُود الْبَاب وسره فتدبره. ١٥٥١ - وَاعْلَم أَن الْمَقْصُود لَا يثبت إِلَّا بطريقتين: " إِحْدَاهمَا ": انتصاب دلَالَة مقتضية حكما. وَالْأُخْرَى: انْتِفَاء الْأَدِلَّة الْمُقْتَضِيَة شغل الذِّمَّة، فَإِذا انْتَفَت استصحب حكم الْعقل. (٢٦٥) فصل (تَحْقِيق القَوْل فِي أَن الْيَقِين لَا يتْرك بِالشَّكِّ) ١٥٥٢ - قَالَ القَاضِي ﵁: قد بنى الْفُقَهَاء جملا من مسائلهم على أَن الْيَقِين لَا يتْرك بِالشَّكِّ. وَهَذَا مِمَّا يجب تَحْصِيل القَوْل فِيهِ. فَنَقُول: الْيَقِين إِذا تحقق، لم يتَصَوَّر مَعَه شكّ، فضلا عَن ترك الْيَقِين بِهِ إِذا تَيَقّن! وَالشَّكّ " يُنَافِيهِ ". فَلَيْسَ الْمَعْنى بقول الْفُقَهَاء " لَا يتْرك الْيَقِين بِالشَّكِّ " الْمُتَيَقن الْمَقْطُوع بِهِ. وَلَكِن عنوا بذلك، أَن مَا سبق استيقانه، ثمَّ انْقَضى الْيَقِين، وَلم يستيقن

стр. 1075

ارْتِفَاع مَا " استيقناه " أَولا فطرق الشَّك لَا يتَضَمَّن ارْتِفَاع الحكم مِمَّا استيقناه أَولا وَهَذَا نَحْو من يتَطَهَّر يَقِينا، ثمَّ يشك بعد ذَلِك فِي انْتِقَاض الطَّهَارَة، فَلَا يرْتَفع حكم مَا سبق من الطَّهَارَة المستيقنة، بِالْحَدَثِ الْمَشْكُوك فِيهِ. ١٥٥٣ - ثمَّ اعْلَم، أَن هَذَا مَا لَا يطرد القَوْل فِيهِ، فقد تقوم الدّلَالَة بترك حكم مَا سبق " مِنْهُنَّ " عِنْد طروء الشَّك والالتباس، وَذَلِكَ نَحْو أَن يتَزَوَّج الرجل نسْوَة، ثمَّ يُطلق وَاحِدَة مِنْهُنَّ، لَا بِعَينهَا، فَلَا يجوز لَهُ أَن يقرب وَاحِدَة مِنْهُنَّ، حَتَّى تبين الْمُطلقَة مِنْهُنَّ، وَإِن كَانَت كل وَاحِدَة، قد سبق فِيهَا استيقان النِّكَاح، وَلم نقطع " بِطَلَاق ". ١٥٥٤ - وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ مَعَ الرجل آنِية، فِيهَا مَاء طَاهِر، فاختلطت تِلْكَ الْآنِية بأواني، بَعْضهَا طَاهِرَة وَبَعضهَا نَجِسَة، وكل " آنِية " سبق فِيهَا استيقان الطَّهَارَة، وَإِنَّمَا النَّجَاسَة طارئة عَلَيْهَا، وَمَعَ ذَلِك لَا يجوز التَّمَسُّك

стр. 1076

بِحكم مَا سبق من الْيَقِين. فَيخرج لَك عَمَّا قُلْنَاهُ: أَن اسْتِصْحَاب حكم الْيَقِين مِمَّا يَنْقَسِم حكم الشَّرْع فِيهِ: وَلَا يجوز التَّمَسُّك بِهِ فِي منَازِل الْأَدِلَّة، وَأَن استحصابه نَازل منزلَة اسْتِصْحَاب الْإِجْمَاع، وَمَا قدمنَا القَوْل فِيهِ أَولا. (٢٦٦) القَوْل فِي أَن " النَّافِي " هَل تتَوَجَّه عَلَيْهِ الطّلبَة بِإِقَامَة الدّلَالَة ١٥٥٥ - مَا صَار إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من الْأُصُولِيِّينَ، أَن من نفى حكما عقلياً أَو شَرْعِيًّا. فَهُوَ فِي توجه الطّلبَة عَلَيْهِ بِإِقَامَة الدَّلِيل، نَازل منزلَة الْمُثبت. ١٥٥٦ - وَذَهَبت شرذمة من النَّاس إِلَى أَن من نفى حكما شَرْعِيًّا أَو عقلياً، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِقَامَة الدّلَالَة.

стр. 1077

١٥٥٧ - وَالدَّلِيل على بطلَان ذَلِك، أَن نقُول: من نفى حكما، لم تخل حَالَته فِيمَا نفى، إِمَّا أَن يكون جَاهِلا بِمَا نَفَاهُ، أَو مشككا، أَو عَالما بِهِ. فَإِن كَانَ جَاهِلا بِمَا نَفَاهُ أَو مستريباً فِيهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِقَامَة دلَالَة فِي إِثْبَات الريب وَالشَّكّ. إِذْ لَا تدل الْأَدِلَّة على الاسترابة، وَقد قدمنَا فِي صدر الْكتاب بِأَن الشُّبْهَة " لَا تَتَضَمَّن " الْإِفْضَاء إِلَى الْجَهْل وَالشَّكّ وغلبات الظنون وَلَكِن الْأَدِلَّة هِيَ الَّتِي تُؤدِّي إِلَى الْعلم بمدلولاتها. فَهَذَا لَو زعم النَّافِي أَنه جَاهِل أَو مستريب. وَإِن زعم أَنه عَالم بِمَا نَفَاهُ /، فالنفي مِمَّا يعلم كالإثبات، فَيُقَال لَهُ: للْعلم بالمعلوم طَرِيقَانِ: أَحدهمَا: الضَّرُورَة، وَالْآخر: الِاسْتِدْلَال. فَإِن كنت تعلم نفي مَا نفيته ضَرُورَة، فَيجب أَن تشاركه فِيهِ، وَلَو سَاغَ ادِّعَاء، الضَّرُورَة فِي " نفي " المنفيات، سَاغَ ادعاؤها فِي إِثْبَات المثبتات. فتتعارض الْأَقْوَال، وَيسْقط الْجِدَال. فَإذْ بَطل ادِّعَاء الضَّرُورَة فِي غير مَوْضِعه، فَلَا طَرِيق للْعلم بِالنَّفْيِ، إِلَّا الِاسْتِدْلَال، وَهَذَا مَا لَا محيص للخصم عَنهُ. ١٥٥٨ - ثمَّ نقُول: لَو صحت هَذِه الطَّرِيقَة، لصَحَّ أَن يُقَال: إِن من أنكر حدث الْعَالم، أَو جحد الصَّانِع، فَلَا تتَوَجَّه عَلَيْهِ طلبة بِإِقَامَة حجَّة! وَكَذَلِكَ من نفي صِفَات الله تَعَالَى، أَو نفي وجوده من الباطنية، وَفِي هَذَا اجتراء عَظِيم على أصُول الدّين.

стр. 1078

١٥٥٩ - ثمَّ نقُول: " مَا " من إِثْبَات يدل عَلَيْهِ، إِلَّا وَيُمكن أَن يعبر عَنهُ بِالنَّفْيِ توصلاً إِلَى إِسْقَاط الْحجَّاج حَتَّى يُقَال: من سُئِلَ عَن حدث الْعَالم، فَلَا دَلِيل عَلَيْهِ، إِذْ مَقْصُوده نفي الْقدَم، وَهَذَا " يطرد " لَك فِي مُعظم مسَائِل الْإِثْبَات، فَتبين أَن الْمصير إِلَى هَذَا الْمَذْهَب، خبط وَجَهل من قَائِله بحقائق الْأُصُول. ١٥٦٠ - وَرُبمَا اسْتدلَّ نَاصِر هَذَا الْمَذْهَب، بِأَن قَالَ: إِذا ادّعى رجل مَالا. فالحجة وَالْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي، وَلَا حجَّة على الْمُدعى عَلَيْهِ، قَالُوا: وَمَا ذَلِك إِلَّا لِأَن الْمُدعى عَلَيْهِ ناف، وَالْمُدَّعِي مُثبت. وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ، بَاطِل من أوجه: - أَحدهَا: أَن الْمُدعى عَلَيْهِ قد يكون مثبتاً، وَالْحكم مَعَ ذَلِك كَمَا قَالُوهُ، فَإِن من ادّعى على رجل دَارا فِي يَده، قَالَ: " هَذِه الدَّار الَّتِي فِي يدك. لي وَلَيْسَت لَك أَيهَا الْمُدَّعِي "، وَقَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ: " لَا، بل هِيَ " لي "، وَلَيْسَت لَك أَيهَا الْمُدَّعِي ". " فقد " أثبت كل وَاحِد مِنْهُمَا الْملك لنَفسِهِ، ونفاه عَن صَاحبه، واستويا فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات. ويتخصص الْمُدَّعِي مَعَ ذَلِك، بِإِقَامَة الْبَيِّنَة، دون الْمُدعى [عَلَيْهِ] . على أَن كثيرا من الْفُقَهَاء صَارُوا إِلَى أَن يَمِين الْمُدعى عَلَيْهِ، مَعَ الظَّاهِر

стр. 1079

الَّذِي يُقَوي حَاله، نَازل منزلَة الْبَيِّنَة فِي حَقه، إِذْ الْمُدعى عَلَيْهِ، هُوَ الَّذِي تقوى " جنبته "، إِمَّا بيد، أَو بِنَفْي، وَالْأَصْل الانتفاء، فَسقط مَا قَالُوهُ من هَذَا الْوَجْه. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك: أَن " الْمُدعى عَلَيْهِ " إِذا أَقَامَ الْبَيِّنَة، وَضعف بهَا جنبة الْمُدعى عَلَيْهِ، فيتصور مِنْهُ إِقَامَة الْبَيِّنَة حِينَئِذٍ، على الِاخْتِلَاف بَين الْعلمَاء فِي بَيِّنَة الْخَارِج والداخل. على أَنا نقُول: لَيْسَ مَا تمسكتم بِهِ، من قبيل مَا نَحن فِيهِ، وَذَلِكَ أَن إِثْبَات الشَّهَادَة فِي جنبه الْمُدَّعِي مِمَّا يثبت شرعا، وَنحن نجوز تَقْديرا، أَن يرد الشَّرْع بتخصيص الْمُدعى عَلَيْهِ - إِذا اخْتصَّ بِالْيَدِ - بِالْبَيِّنَةِ، دون الْمُدَّعِي. فَإِذا كُنَّا نجوز كل وَاحِدَة مِنْهَا، فَلَيْسَتْ الشَّهَادَة من قبيل الْحجَج على التَّحْقِيق فَإِنَّهَا لَا تفضى إِلَى الْعلم، وَإِنَّمَا نَحن مَعكُمْ فِيمَن يدعى الْعلم بِنَفْي " فَإِن " عَلَيْهِ إِقَامَة الدّلَالَة على مَا علمه، إِذا لم يكن مِمَّا يعلم اضطراراً، فَبَطل مَا عولوا عَلَيْهِ من كل وَجه. (٢٦٧) فصل لَا يُمكن إِثْبَات الْإِجْمَاع بِخَبَر من أَخْبَار الْآحَاد ١٥٦١ - ذكر القَاضِي ﵁ خلل الْكَلَام فصلا لَا يكَاد يخفي، أَنه قَالَ: من أَرَادَ أَن يثبت الْإِجْمَاع وَيبين أَنه حجَّة قَاطِعَة، بِخَبَر من أَخْبَار

стр. 1080

الْآحَاد، فَلَا يجد إِلَى ذَلِك طَرِيقا. وَذَلِكَ أَن الْإِجْمَاع إِذا ثَبت، فَهُوَ حجَّة مَقْطُوع بهَا. وَالْخَبَر إِذا نَقله الْوَاحِد لَا يُفْضِي إِلَى الْعلم. وَالَّذِي / يُحَقّق ذَلِك أَن خبر الْوَاحِد لَا يسوغ اتِّبَاعه حجَّة قَاطِعَة مقتضية عملا بمالا يَقْتَضِي الْعلم، وَلَكِن إِنَّمَا يسْتَدلّ على كَون الْخَبَر مقتضياً الْعَمَل بِدلَالَة قَاطِعَة وَإِن لم [يكن] الْخَبَر فِي نَفسه مقتضيا للْعلم. ١٥٦٢ - وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك أَن إِثْبَات الأمارات على الْأَحْكَام لَا يَتَقَرَّر إِلَّا بالأدلة القاطعة وَإِن لم تكن الأمارات فِي أَنْفسهَا قَاطِعَة وَلَا مقتضية علما. وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ بَين الْأُصُولِيِّينَ، وسنقرره فِي كتاب التَّقْلِيد، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فَإِذا كَانَ الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْعلم لَا يثبت حجَّة إِلَّا بِدلَالَة قَاطِعَة، فَلِأَن نقُول: لَا يثبت الْإِجْمَاع مَعَ كَونه قَاطعا إِلَّا بِدلَالَة قَاطِعَة، أولى وَأَحْرَى. وَاعْلَم أَنه قد شَذَّ عَنَّا أَطْرَاف من الْكَلَام فِي أَحْكَام الْإِجْمَاع. كلهَا محَالة على القَوْل فِي وجوب الْعَمَل بقول الصَّحَابِيّ. وَسَيَرِدُ ذَلِك مستقصى إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

стр. 1081

(كتاب الْقيَاس) (٢٦٨) القَوْل فِي حَقِيقَة الْقيَاس ١٥٦٣ - قَالَ القَاضِي ﵁ أهم مَا نبدأ بِهِ فِي أَحْكَام الْقيَاس، ذكر حَقِيقَة الْقيَاس وَمَعْنَاهُ وَالَّذِي يتَمَيَّز بِهِ عَن غَيره " ويتعرف " بِهِ فِي نَفسه. فَإِن طرق الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام تَنْقَسِم إِلَى ضروب من الِاسْتِدْلَال، يَقُول بهَا منكروا الْقيَاس فِي الشَّرِيعَة، فنحقق الْقيَاس وَحده ليَكُون خوضنا فِي إثْبَاته وَالرَّدّ على من رده، على بَصِيرَة.

стр. 1082

(٢٦٩) تَعْرِيف القَاضِي للْقِيَاس ١٥٦٤ - فَالَّذِي اخْتَارَهُ القَاضِي فِي الْقيَاس وَالتَّعْبِير عَنهُ أَن قَالَ: الْقيَاس حمل أحد المعلومين على الآخر، فِي إِيجَاب بعض الْأَحْكَام لَهما، أَو فِي إِسْقَاطه عَنْهُمَا، بِأَمْر جمع بَينهمَا من إِثْبَات صفة وَحكم لَهما، أَو نفي ذَلِك عَنْهُمَا. فَكل مَا تجمعت فِيهِ هَذِه الْأَوْصَاف فَهُوَ قِيَاس، وَمَا انخرم فِيهِ وصف من هَذِه الْأَوْصَاف، فَلَيْسَ بِقِيَاس. وَقد كثرت عِبَارَات الْأُصُولِيِّينَ فِي تَحْدِيد الْقيَاس، وَنحن نومئ إِلَى جمهورها إِذا ذكرنَا معنى الْحَد الَّذِي ذكرنَا. (٢٧٠) شرح التَّعْرِيف، مَعَ رد التعاريف الْأُخْرَى للْقِيَاس ١٥٦٥ - فَأَما قَوْلنَا: هُوَ حمل أحد المعلومين على الآخر، فقد آثرناه واخترناه دون عِبَارَات أُقِيمَت مقَامه. فَإِن من النَّاس من قَالَ: هُوَ حمل شَيْء على شَيْء وَمِنْهُم من قَالَ هُوَ حمل الشَّيْء على شبيهه. وَمِنْهُم من قَالَ هُوَ حمل الْفَرْع على أَصله.

стр. 1083

وكل هَذِه الْعبارَات مدخولة فِي شَرط الْحُدُود، فَإِن من شَرطهَا أَن تكون جَامِعَة لأقسام، لَا يشذ عَنْهَا شَيْء مِنْهَا. وَمن أَقسَام الْقيَاس اعْتِبَار مَعْدُوم بمعدوم وَحمل مُنْتَفٍ على مُنْتَفٍ، كَمَا أَن من أقسامه حمل مَوْجُود على مَوْجُود. وَاسم الشَّيْء يتخصص بالموجود على أصُول أهل الْحق. فَإِذا قيل فِي حد الْقيَاس هُوَ حمل مَوْجُود على مَوْجُود، كَانَ ذَلِك ضربا من التَّخْصِيص وَكَذَلِكَ إِذا قيل: حمل شَيْء على شَيْء. وَكَذَلِكَ وَجه الدخل فِي قَول من قَالَ: هُوَ حمل الشَّيْء على شبيهه، فَإِن الِاشْتِبَاه إِنَّمَا يتَحَقَّق بَين موجودين، وَلَا يتَصَوَّر أَن شابه مَعْدُوما مَعْدُوم، وَإِن كَانَ حمل الْمَعْدُوم من ضروب الْقيَاس. وَكَذَلِكَ الْفَرْع وَالْأَصْل، فَإِنَّهُمَا اسمان خاصان، وَلَا يطلقان إِلَّا على موجودين مستدعياً فِي إطلاقهما الْوُجُود. وَالْأولَى مَا قدمْنَاهُ عَن ذكر الْمَعْلُوم. فَإِن ذكر الْمَعْلُوم ينْطَلق على الْمَعْلُوم انطلاقه على الْمَوْجُود.

стр. 1084

١٥٦٦ - فَأَما قَوْلنَا فِي إِيجَاب بعض الْأَحْكَام لَهما أَو فِي إِسْقَاطه عَنْهُمَا، فَإِن مَا رمنا بِهَذِهِ الْجُمْلَة شيآن / اثْنَان. أَحدهمَا: أَن الْجمع بَين شَيْئَيْنِ من غير إِيجَاب حكم لَهما أَو نفي حكم عَنْهُمَا لَا يكون قِيَاسا وَذَلِكَ نَحْو قَول الْقَائِل: المَاء وَالْخمر مائعان، مَعَ الِاقْتِصَار على هَذَا الْقدر. وَأَمْثَاله لَا يعد قِيَاسا. فَإِن قَائِله لم يُوجب لَهما فِي كَونهمَا مائعين حكما وَلم ينف عَنْهُمَا حكما. والمقصد الآخر أَنا لم نخصص قَوْلنَا بِإِثْبَات الحكم، بل جَمعنَا بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات، فَإِن من الأقيسة مَا يتَضَمَّن نفيا كَمَا أَن مِنْهُمَا مَا يتَضَمَّن إِثْبَاتًا. وَمن الحادين من يقْتَصر فِي حَده على الْإِثْبَات فَيَقُول: هُوَ حمل الشَّيْء على شبيهه فِي إِثْبَات حكم لَهما. ويقتصر على ذَلِك، وَفِيه إِخْرَاج بعض الْمَحْدُود عَن قَضِيَّة الْحَد. ١٥٦٧ - وَأما قَوْلنَا: " بِأَمْر جمع بَينهمَا " فقد اخترنا هَذِه الْعبارَة دون عِبَارَات أطلقها كثير من الْأُصُولِيِّينَ فِي هَذِه الْمنزلَة. وَمِنْهَا أَن قَالُوا: " بِأَمْر يُوجب الْجمع بَينهمَا ". وَمِنْهُم من قَالَ: " بِأَمْر يتَضَمَّن الْجمع بَينهمَا " أَو " يَقْتَضِي الْجمع بَينهمَا " وكل عبارَة من هَذِه الْعبارَات مدخولة. وَذَلِكَ أَنَّك قلت: بِأَمْر يُوجب الْجمع بَينهمَا، اقْتضى ذَلِك التَّعْبِير عَن الْقيَاس الصَّحِيح الَّذِي اجْتمع فِيهِ الْفَرْع وَالْأَصْل فِي أَمر يُوجب اجتماعها.

стр. 1085

وَشرط الْحَد - إِذا أطلقته - أَن " ينطوي " على الْفَاسِد حَقِيقَة كَمَا ينْطَلق على الصَّحِيح. فَلَا معنى لتخصيص الصَّحِيح بِالْحَدِّ، عِنْد الْمُطَالبَة بتحديد الْقيَاس الْمُطلق، وَهَذَا كَمَا إِذا سئلنا عَن حد النّظر لم نخصص فِي الْحَد النّظر الصَّحِيح عَن الْفَاسِد من النّظر. فَإِذا قُلْنَا: " لأمر جمع بَينهمَا فيهمَا " وَلم نتعرض لإِيجَاب واقتضاء بِالْحَدِّ - كَمَا ذكره آخَرُونَ - كُنَّا قَاصِدين إِلَى استغراق أَنْوَاع الْقيَاس بِالْحَدِّ. فَلَو قَالَ قَائِل: لَا ينْطَلق اسْم الْقيَاس إِلَّا على الصَّحِيح، كَانَ متحكماً، لَا يكترث بقوله. فَإنَّا نعلم أَن اسْم الْقيَاس ينْطَلق عَلَيْهِمَا جَمِيعًا فَيُقَال لَهُ: هَذَا قِيَاس فَاسد وَهَذَا صَحِيح. فَإِن انْدَفَعُوا فِي تثبيت مَا قَالُوهُ فِي الاستشهاد بمسائل من الْفُرُوع، نَحْو قَول الْقَائِل " وَالله لَا أُصَلِّي " ثمَّ عقد صَلَاة فَاسِدَة، فَلَا يَحْنَث فِي يَمِينه، فَهَذَا ضرب من الهذيان. فَإِن الإطلاقات واللغات لَا تثبت بآحاد الْمسَائِل فِي الشَّرِيعَة، وَنحن نعلم قطعا فِي حَقِيقَة اللُّغَة أَن اسْم الْقيَاس يتَنَاوَل الَّذِي يحكم بِصِحَّتِهِ، كَمَا يتَنَاوَل الَّذِي يحكم بفساده. فَمَا يُغني خصومنا التَّمَسُّك بآحاد الْمسَائِل. فقد ذكرنَا إِذا جملا من الْعبارَات الْمَذْكُورَة فِي حد الْقيَاس فِي خلل الْكَلَام، وَبينا اختلالها. (٢٧١) ذكر بعض التعاريف الْأُخْرَى للْقِيَاس، وإبطالها وَهَا نَحن نذْكر عِبَارَات ذكرهَا آخَرُونَ فِي تَحْدِيد الْقيَاس. ١٥٦٨ - فمما قَالُوهُ: أَن الْقيَاس هُوَ إِصَابَة الْحق، إِذا وَقع عَن

стр. 1086

نظر وَهَذَا غير مُسْتَقِيم من أوجه: أَحدهَا: أَن إِصَابَة الْحق هِيَ الْعلم بِالْحَقِّ، فَكَانَ محصول مَا قَالُوهُ تَسْمِيَة الْعلم الْوَاقِع عَن النّظر قِيَاسا، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ. فَإِن النّظر الْمُؤَدِّي إِلَى الْعلم أولى بِهَذَا الِاسْم من الْعلم. وَهَذَا كَمَا أَن قَائِلا لوحد الدَّلِيل الْمُؤَدِّي إِلَى الْعلم بالمدلول، كَانَ مخطئا. فَكَذَلِك سَبِيل مَا نَحن فِيهِ. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الْعلم بالشَّيْء إِذا وَقع ضَرُورَة فَهُوَ مجانس للْعلم بِهِ إِذا وَقع اسْتِدْلَالا، وَمن حكم المتماثلين أَن يستويا فِي الْأَوْصَاف الْجَائِزَة والواجبة والأوصاف المستحيلة، وَلَا يَنْبَغِي فِي حكم الْحَد أَن يشْتَمل على الشَّيْء وينفي مثله. وَالْوَجْه الآخر أَن الْقيَاس / عبارَة / عَن اعْتِبَار / الْمَعْلُوم بالمعلوم وَالْجمع بَينهمَا. وَالنَّظَر إِذا أطلق مَعَ إِصَابَة الْحق، فَلَا يتَضَمَّن ذَلِك. فَإِن من أَقسَام النّظر مَا لَا ينطوي على تَمْثِيل وتشبيه، وَحمل مَعْلُوم على مَعْلُوم. ١٥٦٩ - وَمن النَّاس من حد الْقيَاس، فَقَالَ: هُوَ اسْتِخْرَاج الْحق من الْبَاطِل. وَهَذَا هُوَ شَيْء لَا يداني مقصدنا فِي حد الْقيَاس، فَإِن الْقَائِل بذلك إِن

стр. 1087

عَنى بالاستخراج العثور على الْحق فَهُوَ بِعَيْنِه الْكَلَام بِالَّذِي " فَرغْنَا " عَنهُ آنِفا. وَفِيه ضرب آخر من الْخلَل، وَهُوَ أَن من عثر على الْحق من النُّصُوص، فَلَا يُسمى قائساً وَإِن تحقق العثور على الْحق واستخراجه، وكل مَا قدمْنَاهُ من وَجه الرَّد على القَوْل الَّذِي قبيل ذَلِك فَهُوَ رد على ذَلِك. ١٥٧٠ - وَمن النَّاس من قَالَ: الْقيَاس هُوَ الِاجْتِهَاد فِي طلب الحكم. وَهَذَا مَدْخُول أَيْضا، وَذَلِكَ أَن من عنت لَهُ حَادِثَة، فابتدأ فِي طلب شَاهد ... ١٥٧١ - ... وَالِاسْتِدْلَال بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب، وَهَذِه الْعبارَة غير مرضية أَيْضا فَإِن الشَّاهِد وَالْغَائِب وَإِن كَانَا من عِبَارَات الْمُتَكَلِّمين فِي بعض الْمنَازل فلسنا نستحبهما فِي منَازِل الْحُدُود لانطوائها على الْمجَاز والتوسع والإجمال، مَعَ أَن الْمَقْصُود من التَّحْدِيد الْكَشْف وَالْبَيَان. فَلَا يَنْبَغِي أَن يكون الْحَد أغمض من الْمَحْدُود. على أَن الشَّاهِد يُنبئ عَمَّا يُشَاهِدهُ. وَقد ذكرنَا أَن الْقيَاس لَا يتخصص بِشَيْء من ذَلِك.

стр. 1088

وَفِي الْعبارَة اختلال من وَجه، وَهُوَ: إِذا قيل: الْقيَاس هُوَ الِاسْتِدْلَال بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب، فينبئ ظَاهر ذَلِك عَن اعْتِبَار كل غَائِب بِشَاهِد، وَلَيْسَ من الْقيَاس اعْتِبَار كل غَائِب بِشَاهِد. على مَا نفصل القَوْل فِيهِ. فَهَذَا جُمْهُور عِبَارَات الإسلاميين فِي تَحْدِيد الْقيَاس وَمَعْنَاهَا. (٢٧٢) ذكر مزاعم الفلاسفة والمناطقة فِي تَحْدِيد الْقيَاس، وتفنيدها ١٥٧٢ - وَقد زعمت الفلاسفة أَن الْقيَاس قرينتان مقدمتان ونتيجة. ومثلوا ذَلِك بِأَن قَالُوا: إِذا قَالَ: الْقيَاس، كل حَيّ قَادر فَهَذِهِ مُقَدّمَة. فَإِذا قَالَ بعْدهَا: وكل قَادر فَاعل، فَهَذِهِ مُقَدّمَة أُخْرَى. وَإِذا قرن بَينهمَا فهما قرينتان مقدمتان. ونتيجتهما أَنه إِذا كَانَ كل حَيّ قَادِرًا وكل قَادر فَاعل فَكل حَيّ فَاعل. وَهَذَا مَا أطلقهُ الفلسفيون والمنطقيون. ثمَّ قَالُوا: وتتحقق المقدمتان والنتيجة فِي تثبيت وَنفي كَمَا تحقق فِي إِثْبَات.

стр. 1089

١٥٧٣ - فَيُقَال لهَؤُلَاء: الْقيَاس كلمة عَرَبِيَّة، وَإِذا سئلنا عَن تحديده لم نجد بدا من تحديده على قَضِيَّة اللُّغَة وَمُوجب الْعَرَبيَّة. وَمَا ذكرتموه خَارج عَن قَضِيَّة اللُّغَة. فَإِن الْقيَاس يُنبئ عَن تَمْثِيل بَين شَيْئَيْنِ أَو حمل بَين معلومين، وَهَذَا مَا لَا يتَحَقَّق فِيمَا ذكرتموه من المقدمتين والنتيجة أصلا. على أَنا نقُول، مَا ذكرتموه من النتيجة بعد المقدمتين، لَا معنى لَهَا، وَإِنَّمَا هِيَ إِعَادَة مُوجب المقدمتين بِعِبَارَة أُخْرَى. وَبَيَان ذَلِك أَنا إِذا قُلْنَا: كل حَيّ قَادر، وكل قَادر فَاعل فقد صرحنا بِأَن كل حَيّ فَاعل فَلَا معنى لتقدير ذَلِك نتيجة زَائِدَة على المقدمتين. وَلَو سَاغَ تَقْدِير هَذَا نتيجة وَفَائِدَة جَدِيدَة لتصور من هَذَا الْقَبِيل ضروب مِنْهَا أَن نقُول: إِذا ثَبت أَن كل حَيّ قَادر وكل قَادر فَاعل فنتيجة ذَلِك أَن كل قَادر حَيّ، وكل فَاعل " قَادر " وكل قَادر حَيّ إِلَى غير ذَلِك من ترديد الْعبارَات. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الْقيَاس إِنَّمَا على مَا فِيهِ ضرب من التَّحَرِّي والتآخي وَمَا ذكرتموه من النتيجة مدرك ضَرُورَة، بعد تَقْدِير المقدمتين وثبوتهما. ١٥٧٤ - على أَنا نقُول: لم كنيتم بتخصيص الْقيَاس بِهَاتَيْنِ المقدمتين، ونتيجتهما أولى من تَصْوِير / مقدمتين، وَفَائِدَة مستفادة مِنْهُمَا على غير الْوَجْه الَّذِي صورتموه.

стр. 1090

وَذَلِكَ نَحْو أَن نقُول: الْمَوْجُود لَا يَخْلُو أَن يكون حَدِيثا أَو قَدِيما فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثمَّ نقُول بعْدهَا: وَهَذَا لَيْسَ بقديم. فنعلم من هَاتين القرينتين أَنه حَادث. فَلَيْسَ " من قبيل " مَا قدروه من قبيل الْقَرَائِن والنتائج، فَهَلا جَازَ تَسْمِيَتهَا أقيسة وَكَذَلِكَ لَو قَالَ قَائِل، لزيد وَعَمْرو عِنْدِي عشرَة، ولزيد مِنْهَا دِرْهَم. فهاتان مقدمتان. ونتيجتهما أَن لعَمْرو تِسْعَة. وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ: فِي يَمِيني أَو يساري دِرْهَم وَلَيْسَ هُوَ فِي يساري. فنتيجتهما أَنه فِي يَمِينه. فسموا ذَلِك أقيسة. وَهَذَا مِمَّا لَا محيص لَهُم عَنهُ. إِلَّا أَن يستروحوا إِلَى اصطلاحهم ويزعموا أَن هَذَا مَا اصطلحنا عَلَيْهِ بَين أظهرنَا وَلم نرم بِهِ الجري على الْحَقَائِق وَمُوجب الْحُدُود، فيخلون حِينَئِذٍ وَمَا يتواطئون عَلَيْهِ. ٤ (٢٧٣) فصل فِي ذكر معنى الْجمع بَين المعلومين ١٥٧٥ - فَإِن قَالَ قَائِل. قد ذكرْتُمْ فِي الْحَد الَّذِي ارتضيتم أَنه حمل مَعْلُوم على مَعْلُوم ثمَّ ذكرْتُمْ أَنه " بِأَمْر يجمع بَينهمَا ". فَمَا معنى الْجمع بَينهمَا؟ قيل لَهُ. هُوَ قَول الْقَائِل فِي نَفسه واعتقاده اجْتِمَاع الْفَرْع وَالْأَصْل فِي إِثْبَات حكم أَو نفي حكم نَفْيه. وَيدخل فِي هَذِه الْجُمْلَة اعْتِقَاده وجوب الْجمع بَينهمَا فِي إِثْبَات حكم أَو فِي نفي حكم. فَيَنْصَرِف الْجمع بَينهمَا إِلَى اعْتِقَاد.
следующие страницы →