Полный текст (1 418 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
نظر وَهَذَا غير مُسْتَقِيم من أوجه:
أَحدهَا: أَن إِصَابَة الْحق هِيَ الْعلم بِالْحَقِّ، فَكَانَ محصول مَا قَالُوهُ تَسْمِيَة الْعلم الْوَاقِع عَن النّظر قِيَاسا، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ.
فَإِن النّظر الْمُؤَدِّي إِلَى الْعلم أولى بِهَذَا الِاسْم من الْعلم. وَهَذَا كَمَا أَن قَائِلا لوحد الدَّلِيل الْمُؤَدِّي إِلَى الْعلم بالمدلول، كَانَ مخطئا. فَكَذَلِك سَبِيل مَا نَحن فِيهِ.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الْعلم بالشَّيْء إِذا وَقع ضَرُورَة فَهُوَ مجانس للْعلم بِهِ إِذا وَقع اسْتِدْلَالا، وَمن حكم المتماثلين أَن يستويا فِي الْأَوْصَاف الْجَائِزَة والواجبة والأوصاف المستحيلة، وَلَا يَنْبَغِي فِي حكم الْحَد أَن يشْتَمل على الشَّيْء وينفي مثله.
وَالْوَجْه الآخر أَن الْقيَاس / عبارَة / عَن اعْتِبَار / الْمَعْلُوم بالمعلوم وَالْجمع بَينهمَا. وَالنَّظَر إِذا أطلق مَعَ إِصَابَة الْحق، فَلَا يتَضَمَّن ذَلِك.
فَإِن من أَقسَام النّظر مَا لَا ينطوي على تَمْثِيل وتشبيه، وَحمل مَعْلُوم على مَعْلُوم.
١٥٦٩ - وَمن النَّاس من حد الْقيَاس، فَقَالَ: هُوَ اسْتِخْرَاج الْحق من الْبَاطِل. وَهَذَا هُوَ شَيْء لَا يداني مقصدنا فِي حد الْقيَاس، فَإِن الْقَائِل بذلك إِن
стр. 1087
عَنى بالاستخراج العثور على الْحق فَهُوَ بِعَيْنِه الْكَلَام بِالَّذِي " فَرغْنَا " عَنهُ آنِفا. وَفِيه ضرب آخر من الْخلَل، وَهُوَ أَن من عثر على الْحق من النُّصُوص، فَلَا يُسمى قائساً وَإِن تحقق العثور على الْحق واستخراجه، وكل مَا قدمْنَاهُ من وَجه الرَّد على القَوْل الَّذِي قبيل ذَلِك فَهُوَ رد على ذَلِك.
١٥٧٠ - وَمن النَّاس من قَالَ: الْقيَاس هُوَ الِاجْتِهَاد فِي طلب الحكم.
وَهَذَا مَدْخُول أَيْضا، وَذَلِكَ أَن من عنت لَهُ حَادِثَة، فابتدأ فِي طلب شَاهد ...
١٥٧١ - ... وَالِاسْتِدْلَال بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب، وَهَذِه الْعبارَة غير مرضية أَيْضا فَإِن الشَّاهِد وَالْغَائِب وَإِن كَانَا من عِبَارَات الْمُتَكَلِّمين فِي بعض الْمنَازل فلسنا نستحبهما فِي منَازِل الْحُدُود لانطوائها على الْمجَاز والتوسع والإجمال، مَعَ أَن الْمَقْصُود من التَّحْدِيد الْكَشْف وَالْبَيَان. فَلَا يَنْبَغِي أَن يكون الْحَد أغمض من الْمَحْدُود. على أَن الشَّاهِد يُنبئ عَمَّا يُشَاهِدهُ. وَقد ذكرنَا أَن الْقيَاس لَا يتخصص بِشَيْء من ذَلِك.
стр. 1088
وَفِي الْعبارَة اختلال من وَجه، وَهُوَ: إِذا قيل: الْقيَاس هُوَ الِاسْتِدْلَال بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب، فينبئ ظَاهر ذَلِك عَن اعْتِبَار كل غَائِب بِشَاهِد، وَلَيْسَ من الْقيَاس اعْتِبَار كل غَائِب بِشَاهِد. على مَا نفصل القَوْل فِيهِ.
فَهَذَا جُمْهُور عِبَارَات الإسلاميين فِي تَحْدِيد الْقيَاس وَمَعْنَاهَا.
(٢٧٢) ذكر مزاعم الفلاسفة والمناطقة فِي تَحْدِيد الْقيَاس، وتفنيدها
١٥٧٢ - وَقد زعمت الفلاسفة أَن الْقيَاس قرينتان مقدمتان ونتيجة.
ومثلوا ذَلِك بِأَن قَالُوا: إِذا قَالَ: الْقيَاس، كل حَيّ قَادر فَهَذِهِ مُقَدّمَة.
فَإِذا قَالَ بعْدهَا: وكل قَادر فَاعل، فَهَذِهِ مُقَدّمَة أُخْرَى. وَإِذا قرن بَينهمَا فهما قرينتان مقدمتان. ونتيجتهما أَنه إِذا كَانَ كل حَيّ قَادِرًا وكل قَادر فَاعل فَكل حَيّ فَاعل. وَهَذَا مَا أطلقهُ الفلسفيون والمنطقيون.
ثمَّ قَالُوا: وتتحقق المقدمتان والنتيجة فِي تثبيت وَنفي كَمَا تحقق فِي إِثْبَات.
стр. 1089
١٥٧٣ - فَيُقَال لهَؤُلَاء: الْقيَاس كلمة عَرَبِيَّة، وَإِذا سئلنا عَن تحديده لم نجد بدا من تحديده على قَضِيَّة اللُّغَة وَمُوجب الْعَرَبيَّة. وَمَا ذكرتموه خَارج عَن قَضِيَّة اللُّغَة. فَإِن الْقيَاس يُنبئ عَن تَمْثِيل بَين شَيْئَيْنِ أَو حمل بَين معلومين، وَهَذَا مَا لَا يتَحَقَّق فِيمَا ذكرتموه من المقدمتين والنتيجة أصلا.
على أَنا نقُول، مَا ذكرتموه من النتيجة بعد المقدمتين، لَا معنى لَهَا، وَإِنَّمَا هِيَ إِعَادَة مُوجب المقدمتين بِعِبَارَة أُخْرَى.
وَبَيَان ذَلِك أَنا إِذا قُلْنَا: كل حَيّ قَادر، وكل قَادر فَاعل فقد صرحنا بِأَن كل حَيّ فَاعل فَلَا معنى لتقدير ذَلِك نتيجة زَائِدَة على المقدمتين.
وَلَو سَاغَ تَقْدِير هَذَا نتيجة وَفَائِدَة جَدِيدَة لتصور من هَذَا الْقَبِيل ضروب مِنْهَا أَن نقُول: إِذا ثَبت أَن كل حَيّ قَادر وكل قَادر فَاعل فنتيجة ذَلِك أَن كل قَادر حَيّ، وكل فَاعل " قَادر " وكل قَادر حَيّ إِلَى غير ذَلِك من ترديد الْعبارَات.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الْقيَاس إِنَّمَا على مَا فِيهِ ضرب من التَّحَرِّي والتآخي وَمَا ذكرتموه من النتيجة مدرك ضَرُورَة، بعد تَقْدِير المقدمتين وثبوتهما.
١٥٧٤ - على أَنا نقُول: لم كنيتم بتخصيص الْقيَاس بِهَاتَيْنِ المقدمتين، ونتيجتهما أولى من تَصْوِير / مقدمتين، وَفَائِدَة مستفادة مِنْهُمَا على غير الْوَجْه الَّذِي صورتموه.
стр. 1090
وَذَلِكَ نَحْو أَن نقُول: الْمَوْجُود لَا يَخْلُو أَن يكون حَدِيثا أَو قَدِيما فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثمَّ نقُول بعْدهَا: وَهَذَا لَيْسَ بقديم. فنعلم من هَاتين القرينتين أَنه حَادث. فَلَيْسَ " من قبيل " مَا قدروه من قبيل الْقَرَائِن والنتائج، فَهَلا جَازَ تَسْمِيَتهَا أقيسة وَكَذَلِكَ لَو قَالَ قَائِل، لزيد وَعَمْرو عِنْدِي عشرَة، ولزيد مِنْهَا دِرْهَم. فهاتان مقدمتان. ونتيجتهما أَن لعَمْرو تِسْعَة.
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ: فِي يَمِيني أَو يساري دِرْهَم وَلَيْسَ هُوَ فِي يساري. فنتيجتهما أَنه فِي يَمِينه. فسموا ذَلِك أقيسة. وَهَذَا مِمَّا لَا محيص لَهُم عَنهُ.
إِلَّا أَن يستروحوا إِلَى اصطلاحهم ويزعموا أَن هَذَا مَا اصطلحنا عَلَيْهِ بَين أظهرنَا وَلم نرم بِهِ الجري على الْحَقَائِق وَمُوجب الْحُدُود، فيخلون حِينَئِذٍ وَمَا يتواطئون عَلَيْهِ. ٤ (٢٧٣) فصل
فِي ذكر معنى الْجمع بَين المعلومين
١٥٧٥ - فَإِن قَالَ قَائِل. قد ذكرْتُمْ فِي الْحَد الَّذِي ارتضيتم أَنه حمل مَعْلُوم على مَعْلُوم ثمَّ ذكرْتُمْ أَنه " بِأَمْر يجمع بَينهمَا ". فَمَا معنى الْجمع بَينهمَا؟
قيل لَهُ. هُوَ قَول الْقَائِل فِي نَفسه واعتقاده اجْتِمَاع الْفَرْع وَالْأَصْل فِي إِثْبَات حكم أَو نفي حكم نَفْيه. وَيدخل فِي هَذِه الْجُمْلَة اعْتِقَاده وجوب الْجمع بَينهمَا فِي إِثْبَات حكم أَو فِي نفي حكم. فَيَنْصَرِف الْجمع بَينهمَا إِلَى اعْتِقَاد.
стр. 1091
وَالْقَوْل الَّذِي فِي النَّفس - الَّذِي الْعبارَات منبئة عَنهُ - وَقد تسمى الْعبارَات جمعا أَيْضا. ويقوى ذَلِك إِذا سميناها كلَاما حَقِيقَة، فَهَذِهِ جملَة مقنعة فِي حد الْقيَاس. فَأَما الْكَلَام فِي تَفْصِيله من ذكر فَرعه وَأَصله، وَعلة، أَصله، وَوجه تحريره، ووجوه استنباطه، ومدارك مورده، وإبانة صِحَّته، ومحامل فَسَاده، وَطَرِيق إِثْبَات علته فمما يرد مستقصى بعد ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَإِنَّمَا قدمنَا حد الْقيَاس لتَكون على ضرب من الْخِبْرَة.
إِذا ثَبت الْقيَاس على منكريه:
(٢٧٤) القَوْل فِي ذكر اخْتِلَاف النَّاس فِي صِحَة الْقيَاس وَوُجُوب القَوْل بِهِ ورده
١٥٧٦ - اعْلَم، - أحسن الله إرشادك - أَن مَا أجمع عَلَيْهِ عُلَمَاء الْأَعْصَار السَّابِقَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من جَمَاهِير الْفُقَهَاء والمتكلمين، القَوْل بالأقيسة الشَّرْعِيَّة، وَجَوَاز التَّعَبُّد بهَا عقلا، ووجوبه سمعا.
١٥٧٧ - وَذَهَبت الشِّيعَة خلفهَا وسلفها إِلَى إبِْطَال الأقيسة الشَّرْعِيَّة.
وَإِلَيْهِ صَار النظام، وشرذمة من معتزلة بَغْدَاد، الَّذين قائدهم الْبَلْخِي
стр. 1092
وَذهب من الْفُقَهَاء إِلَى رد الْقيَاس دَاوُد بن عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ، والقاساني والنهرواني وَغَيرهم من أتباعهم.
١٥٧٨ - ثمَّ الَّذين قَالُوا برد الْقيَاس افْتَرَقُوا فرْقَتَيْن:
فَذهب بَعضهم إِلَى رد الْقيَاس عقلا، وصاروا إِلَى اسْتِحَالَة وُرُود التَّعَبُّد بِهِ. وَذهب آخَرُونَ إِلَى جَوَاز وُرُود التَّعَبُّد بِهِ عقلا، وَلَكنهُمْ زَعَمُوا أَن الشَّرْع منع من ذَلِك على مَا سنذكر مَا اغتروا بِهِ من ظواهر الْكتاب وَالسّنة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَإِلَى هَذَا مَال دَاوُد وأشياعه من الْفُقَهَاء.
стр. 1093
١٥٧٩ - وَأما الَّذين صَارُوا إِلَى منع التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ عقلا، من الشِّيعَة والمعتزلة، فقد افْتَرَقُوا فرْقَتَيْن.
فَذهب النظام إِلَى أَن الرب تَعَالَى لم يتعبد بِالْقِيَاسِ، علما مِنْهُ بِأَن لَا صَلَاح فِيهِ للمكلفين وَفِي تكليفهم استفسادهم. وَكَانَ يجوز أَن يَقع فِي الْمَعْلُوم أَن يصلحوا إِذا تعبدوا بِالْقِيَاسِ، وَلَكِن مَا لم يتعبد بِهِ، " عرفنَا " أَنه أَيقَن فِي الْمَعْلُوم أَن التَّعَبُّد بِهِ مفْسدَة.
وَذهب آخَرُونَ من الْقَائِلين بالأصلح إِلَى أَنا لَا نجوز وُقُوع التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ صلاحاً. ولسنا نقُول: مَا يَقُوله النظام من جَوَاز تَقْدِير وُقُوعه فِي الْمَعْلُوم صلاحاً أصلا. بل نقُول لَا يجوز أَن يَقع التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ صلاحاً أصلا.
وَهَذَا افْتِرَاق عَظِيم بَين المذهبين، فَلَا تحسبنهما شَيْئا وَاحِدًا.
стр. 1094
وَنحن الْآن " نبدأ " بِالرَّدِّ على النظام، ثمَّ ننعطف بِالرَّدِّ على إخوانه.
(٢٧٥) مناقشة النظام فِي موقفه من الْقيَاس
١٥٨٠ - فَنَقُول للنظام: أول مَا نناقشك فِيهِ أصل الصّلاح والإصلاح.
فَمن أصل أهل الْحق أَنه لَا يجب على الله تَعَالَى أَن يتعبد عباده بِمَا فِيهِ مصلحتهم بل لَهُ أَن يعرضهم للعطب والثوي وَله تعريضهم للصلاح واللطف، فَلَا وَاجِب عَلَيْهِ أصلا بل يفعل بعباده مَا يَشَاء.
وَهَذَا من أعظم الْأُصُول فِي التَّعْدِيل والتجوير. وَهُوَ مِمَّا يستقصى فِي الديانَات. وَإِذا صددت الْخُصُوم عَنهُ لم يسْتَمر لَهُم الْمَنْع عَن القَوْل بِأَصْل الصّلاح شُبْهَة فِي رد الْقيَاس، فَإِن كل مَا سيذكرونه، أَو جلها مَبْنِيّ على القَوْل بالصلاح على أصولهم فِي أصولهم فِي الْكَلَام ونسلم لَهُم القَوْل بالصلاح فِي أصل التَّكْلِيف. وَيبْطل مَعَ ذَلِك تعلقهم بالشبه.
١٥٨١ - فَأَما النظام فَنَقُول لَهُ: قد قلت إِنَّه كَانَ يجوز أَن يَقع فِي الْمَعْلُوم التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ مصلحَة، وَيجوز أَن لَا يَقع كَذَلِك. فَلَمَّا نهى الله تَعَالَى عباده عَن الْقيَاس وَحَملهمْ على التَّمَسُّك بالنصوص استدللنا بذلك على أَن التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ وَقع فِي الْمَعْلُوم مفْسدَة.
стр. 1095
فَنَقُول لَهُ: بِمَ تنكر على من يَقُول لَك إِن الله تَعَالَى علم أَنه لَو جمعهم على الِاعْتِصَام بالنصوص وَترك تتبع الْعِلَل استنباطاً وتحرياً واجتهاداً، كَانَ ذَلِك صلاحاً. وَلَو تعبدهم بِالْقِيَاسِ كَانَ ذَلِك صلاحاً أَيْضا.
فَلَمَّا اسْتَوَى وَجه طلب الصّلاح فِي الْقسمَيْنِ فعل الرب أَحدهمَا، فَلم زعمت أَن إِيثَار أَحدهمَا مَعَ استوائهما فِي حكم الصّلاح، يبين لَك اتِّفَاق وُقُوعه مفْسدَة فِي الْمَعْلُوم.
١٥٨٢ - فَإِن قَالَ النظام، إِنَّمَا قلت ذَلِك. لِأَنَّهُ لَا يُنْهِي إِلَّا عَن الْمحرم. وكل مَا كَانَ محرما فَهُوَ قَبِيح لوصف هُوَ فِي نَفسه لعَينه وَقد ثَبت أَنه نهى عَن الْأَخْذ بِالْقِيَاسِ.
فَنَقُول: هَذَا الَّذِي ذكرته خُرُوج عَن مُقْتَضى أصلك. فَإنَّك إِذا قلت أَن التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ مِمَّا لَا يقبح لعَينه، وَيجوز تَقْدِير وُقُوعه مصلحَة فِي الْمَعْلُوم. فَكيف يَسْتَقِيم فِي هَذَا الأَصْل القَوْل بِأَن الْقيَاس والتمسك بِهِ قَبِيح لوصف هُوَ فِي نَفسه " لعَينه ".
١٥٨٣ - على أَنا نقُول: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَنه لما كَانَ الْحمل على النُّصُوص وَالْأَخْذ بموجباتها مصلحَة، وَكَانَ التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ مصلحَة أَيْضا، واستويا فِي اقْتِضَاء الْمصلحَة، وَعلم الرب تَعَالَى أَن التَّخْيِير بَينهمَا مفْسدَة، وَرُبمَا يتَّفق ذَلِك فِي الْمَعْلُوم، فَلَمَّا علم بذلك أَمر بِأَحَدِهِمَا وَنهى
стр. 1096
عَن الثَّانِي. وَلَو قدر الْأَمر على الضِّدّ لَكَانَ السُّؤَال يتَوَجَّه كَمَا يتَوَجَّه الْآن. فَبَطل من هَذَا الْوَجْه ادِّعَاء النظام كَون التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ مفْسدَة لوُقُوع النَّهْي عَنهُ وَالْأَمر بالتمسك بالنصوص. وَهَذَا مِمَّا لَا محيص عَنهُ على الْوَجْه الَّذِي طردناه.
ثمَّ نقُول: كل مَا ذكرته مَبْنِيّ على أَن النَّهْي عَن الْقيَاس ورد سمعا، وهيهات فَكيف يَسْتَقِيم ذَلِك / وسنوضح الْأَدِلَّة السمعية القاطعة التَّعَبُّد / بِهِ / و " نَبْنِي " بطلَان تعلقهم بجملة الْأَدِلَّة السمعية.
١٥٨٤ - فَإِن قَالَ قَائِل: لَو كَانَ وَجه الصّلاح فِي الْحمل على النُّصُوص مُسَاوِيا لوجه الصّلاح بالتعبد بِالْقِيَاسِ، لَكَانَ الرب تَعَالَى يُخَيّر بَينهمَا. كَمَا خير فِي كثير من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، نَحْو الْكَفَّارَات بِبَعْض الْمنَازل وَغَيرهَا.
قُلْنَا: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الرب سُبْحَانَهُ علم تَسَاوِي وَجه الصّلاح فِي التَّعَلُّق بالنصوص وَالْقِيَاس، وَعلم من ذَلِك أَنه لَو خير بَينهمَا، لفسد عِنْد ذَلِك المكلفون، وَهَذَا مِمَّا لَا يستبعد وُقُوعه فِي الْمَعْلُوم، وَلَا معنى لكَون الشَّيْء لطفاً، إِلَّا أَن يعلم الرب تَعَالَى أَنه لَو وَقع لتعقبته مفْسدَة، ثمَّ إِن وجد التَّخْيِير فِي مورد من موارد الشَّرِيعَة، فَعدم التَّخْيِير أغلب " عَلَيْهَا "
стр. 1097
فَبَطل من كل وَجه مَذْهَب النظام بطلاناً، لَا خَفَاء بِهِ، فَهَذَا وَجه مغن فِي الْكَلَام عَلَيْهِ.
فَمَا وَجه الْكَلَام على من عداهُ من الْقَائِلين بالصلاح والإصلاح.
(٢٧٦)
(مناقشة الْقَائِلين بالصلاح والإصلاح)
١٥٨٥ - فَمن أصلهم قطع القَوْل بِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يَقع التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فِي الْمَعْلُوم مصلحَة لَا تجويزاً وَلَا تَحْقِيقا. وَإِن التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ قَبِيح لعَينه.
فَيُقَال، لم قُلْتُمْ ذَلِك، وَمَا دليلكم عَلَيْهِ؟
وَنحن الْآن نذْكر كل شُبْهَة لَهُم، ونستقصي الْجَواب إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٥٨٦ - فمما تمسكوا بِهِ أَن قَالُوا: الأقيسة السمعية / الَّتِي / فِيهَا تنازعنا لَا تُفْضِي إِلَى الْعلم وَالْقطع أصلا. وَلَيْسَت كالأدلة الْعَقْلِيَّة فِي إفضائها إِلَى المدلولات، وَلَيْسَت كالنصوص الثَّابِتَة قطعا، فَإِذا كَانَت لَا تُؤدِّي إِلَى الْمَعْلُوم قطعا، بل يقارنها الْجَهْل وَعدم الْقطع وَالْعلم بالمقاصد. وَمَا يقارنه الْجَهْل فَهُوَ قَبِيح فِي عينه.
فَيُقَال لَهُم: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَولا: أَن الأقيسة السمعية تتَعَلَّق بمقتضياتها قطعا. وَذَلِكَ أَنا نقُول: قد ثَبت بالأدلة القاطعة نصبها إمارات على الْأَحْكَام فَكَأَن الرب تَعَالَى خَاطب عباده صَرِيحًا، وَقَالَ لَهُم " مهما " حرمت عَلَيْكُم التَّفَاضُل فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة الربوية، فاعلموا أَنكُمْ مخاطبون بِأَن تَطْلُبُوا لذَلِك عِلّة. هِيَ صفة من صِفَات الْأَعْيَان الْمَنْصُوص
стр. 1098
عَلَيْهَا. واحرصوا فِي طلبَهَا - بالطرق الَّتِي سَوف نذكرها فِي وصف الاستنباط - حَتَّى إِذا غلب على ظنكم بعد التَّحَرِّي وَالِاجْتِهَاد أَن وَصفا من الْأَوْصَاف هُوَ الْعلَّة، فَاقْطَعُوا عِنْد ذَلِك بِأَن حكمي عَلَيْكُم مَا غلب على ظنكم، فَإِن غَلَبَة ظنونكم فِي ذَلِك آيَة تقطعون عِنْدهَا " بِوُجُوب " الْعَمَل، بِمُوجب اجتهادكم، فَيُؤَدِّي التَّمَسُّك بالأقيسة إِلَى الْمَقْصُود قطعا كَمَا سقناه وطردناه. ويتنزل ذَلِك منزلَة تَكْلِيفه تَعَالَى أيانا الحكم بإبرام الْقَضَاء عِنْد شَهَادَة اثْنَيْنِ ظاهرهما الْعَدَالَة، وَإِن كُنَّا لَا نقطع بعدالتها. وَلَو قَطعنَا بهَا مثلا. لم نقطع بعصمتها، وَمَعَ ذَلِك يجب علينا الحكم.
فَكَأَن الرب تَعَالَى قَالَ: شَهَادَة الشَّاهِدين الَّذين يغلب على ظنكم عدالتهما وصدقهما آيَة تقطعون عِنْدهَا بِأَن حكمي عَلَيْكُم إبرام الْقَضَاء بهَا، فَهَذَا سَبِيل الأقيسة.
١٥٨٧ - فَإِن قَالُوا: فَإِذا غلب على ظن مُجْتَهد أَن الطّعْم هُوَ الْعلَّة فِي تَحْرِيم الرِّبَا فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة، واعتقد آخَرُونَ أَن الْكَيْل هُوَ الْعلَّة، وتحققت الْغَلَبَة على الظنون فِي كل وَاحِد من الْجَانِبَيْنِ / فَكيف يتَحَقَّق مَعَ ذَلِك الْعلم بِثُبُوت الْحكمَيْنِ المتضادين؟
قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ألزمتمونا عين أصلنَا، إِذا قُلْنَا بتصويب الْمُجْتَهدين. وَذَلِكَ أَنا نقُول: حكم الله تَعَالَى على كل وَاحِد مِنْهُمَا اتِّبَاع مُوجب اجْتِهَاده، وَلَيْسَ فِيهِ تنَاقض، على مَا سنشرحه فِي تصويب الْمُجْتَهدين. إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فَبَطل مَا ادعوهُ من الْجَهَالَة.
стр. 1099
وَهَذَا فصل، إِذا طردته بَطل استرواحهم إِلَى كَون الأقيسة السمعية مقترنة بِالْجَهْلِ وَتبين اقترانها بِالْعلمِ.
فَإِن قيل: فَمن أَيْن لكم أَن الرب تَعَالَى نصب غلبات الظنون أَمَارَات لأحكامه قطعا؟
قُلْنَا: سنقيم على ذَلِك وَاضح الْأَدِلَّة بعد أَن نفرغ عَن إبِْطَال كل شُبْهَة لكم.
(٢٨٠) (شُبْهَة أُخْرَى مَبْنِيَّة على القَوْل بالصلاح)
١٥٨٨ - فَإِن قَالُوا: لَو كَانَ التَّعَبُّد بالأقيسة السمعية صلاحاً، لعقل ذَلِك. وَتحقّق الْعلم بِوَجْه الْمصلحَة فِيهِ. وَنحن نعلم أَن كَون الشَّيْء مطعوماً أَو كَون الْخمر مشتدة عِلّة " على التَّحْرِيم " مِمَّا لَا يعقل وَجهه فِي الْمصلحَة واللطف.
فَلَو قَالَ قَائِل: فَمَا وَجه نصب الطّعْم عِلّة مصلحَة يجوز تَقْدِير وصف آخر من الْأَوْصَاف عِلّة.
قُلْنَا: هَذَا الْكَلَام مِمَّن لم يحط علما بِحَقِيقَة الصّلاح والإصلاح على أصُول الْمُعْتَزلَة.
١٥٨٩ - وَهَا نَحن الْآن نكشف عَن حَقِيقَة مَا قَالُوهُ فِي ذَلِك. ونقول لَيْسَ الْمَعْنى بِكَوْن الشَّيْء مصلحَة ولطفاً، أَنه " فِي عينه " يُوجب الصّلاح،
стр. 1100
كَمَا توجب الْعلَّة معلولها لذاتها ونفسها وَلِهَذَا " من " الْمَعْنى قَالُوا: أَن الصّلاح واللطف لَا يتخصصان بِجِنْس من أَجنَاس الْأَفْعَال، وَلَكِن كلما علم الرب أَنه لَو أثْبته، لَا تفق عِنْده الصّلاح للمكلفين، فَهُوَ مصلحَة ثمَّ يخْتَلف وُقُوعه للمعلوم. فَرُبمَا يَقع فِي الْمَعْلُوم اتِّفَاقًا كَون الشَّيْء مصلحَة فِي حق زيد مَعَ أَنه مفْسدَة بِعَيْنِه فِي حق عَمْرو.
وَهَذَا كَمَا أَن الرب تَعَالَى قد علم أَنه لَو أفقر شخصا لكفر، وَلَو أغناه لشكر وَعلم أَنه لَو بسط الرزق لغيره لبغى فِي الأَرْض. فالصلاح فِي حق أَحدهمَا الإغناء وَفِي حق الآخر الافقار. فمقصدنا من ذَلِك أَن نبين لَك / أَنه / لَيْسَ من شَرط كَون الشَّيْء مصلحَة، أَن يَقع فِي ذَاته على وَجه يَقْتَضِي الصّلاح، ويوجبه لجنسه وذاته اقْتِضَاء الْعلَّة معلولها، فَإِذا وضح ذَلِك بَطل مَا عولوا عَلَيْهِ بطلاناً ظَاهرا.
١٥٩٠ - على أَنا نقُول لهَؤُلَاء: فَلَو قَالَ لكم قَائِل: فبينوا وَجه الْمصلحَة فِي الصَّلَوَات الْخمس مَعَ تباينها فِي الْأَوْقَات وأعداد الرَّكْعَات وَغير ذَلِك من الصِّفَات، فَلَا يَجدونَ إِظْهَار وَجه الْمصلحَة - يتَوَصَّل إِلَيْهَا عقلا، كَمَا يتَوَصَّل إِلَى الْوَجْه الَّذِي يدل مِنْهُ الدَّلِيل الْعقلِيّ.
فَإِن قَالُوا: لكل مَا ذكرتموه وَجه فِي الْمَعْقُول، وَلَكِن لَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ.
قُلْنَا: فَبِمَ تنكرون على من يلزمكم مثل ذَلِك، وَيَقُول فِيمَا ألزمتمونا فِي الْقيَاس وَجه من الْمصلحَة، ذهلنا عَنهُ، واستأثر الرب تَعَالَى بِعِلْمِهِ.
стр. 1101
فَإِن قَالُوا: لَيْسَ الْمَعْنى / بِكَوْن / الصَّلَوَات مصلحَة " وُقُوعهَا " على صِفَات مَخْصُوصَة فِي الْعقل، وَلَكِن الْمَعْنى بِكَوْنِهَا مصلحَة اتِّفَاق وُقُوعهَا كَذَلِك فِي الْمَعْلُوم، وَكَانَ يجوز أَن يَقع فِي الْمَعْلُوم خلاف ذَلِك. فَإِذا صَرَّحُوا بذلك وَهُوَ حَقِيقَة أصلهم، فينعكس عَلَيْهِم مثل ذَلِك فِي موارد الأقيسة.
(شُبْهَة أُخْرَى لَهُم)
١٥٩١ - فَإِن قَالُوا: من شَرط الْأَدِلَّة أَن تتَعَلَّق / بمدلولاتها على وَجه كَمَا أَن الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة، لما كَانَت أَدِلَّة على مدلولاتها، عقل مِنْهَا وَجه مَعْلُوم فِي التَّعَلُّق بالمدلول، وَهَذَا نَحْو دلَالَة الْفِعْل على الْفَاعِل والإتقان على الْعَالم والتخصيص على المريد. ولسنا نعقل وَجها فِي الطّعْم يَقْتَضِي تَحْرِيم التَّفَاضُل، كَمَا عقلنا مثل ذَلِك فِي الْأَدِلَّة الْمُتَعَلّقَة بمدلولاتها.
فَنَقُول: هَذَا الَّذِي ذكرتموه ينعكس عَلَيْكُم " أَولا " بالمنصوصات الَّتِي علق الحكم فِيهَا بأسماء الألقاب. وَذَلِكَ أَن قَائِلا لَو قَالَ: لَيْسَ يتَحَقَّق وَجه من الصّلاح فِيمَا ورد مَنْصُوصا فِي الشَّرَائِع، كَمَا يتَحَقَّق ذَلِك فِي الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة، فَمَا وَجه تَعْلِيق الْأَحْكَام على الْأَسْمَاء فِي موارد النُّصُوص؟
١٥٩٢ - فَإِن انفصلوا عَن ذَلِك قَالُوا: مَا جعلت الْأَسْمَاء عللاً فِي الْأَحْكَام، مُتَعَلقَة بهَا تعلق الدَّلِيل بالمدلول وَالْعلَّة بالمعلول.
стр. 1102
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ قَوْلنَا فِي الْعِلَل السمعية. فَإِنَّهَا نصبت أَمَارَات على الْأَحْكَام من غير أَن يكون لَهَا وَجه فِي التَّعَلُّق بهَا. ودلت على نصبها أَدِلَّة قَاطِعَة، كَمَا دلّ على التَّمَسُّك بالنصوص أَدِلَّة قَاطِعَة، وَإِذا كَانَ سَبِيلهَا سَبِيل الأمارات المنصوبة / فَلَا / تطلب فِي الأمارات وُجُوه التَّعَلُّق كَمَا تطلب فِي الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة.
١٥٩٣ - وَرُبمَا يطردون مَا ذَكرُوهُ من أوجه، أَحدهَا أَن يَقُولُوا: لَو كَانَت الْعِلَل السمعية مقتضيات للْأَحْكَام لاقتضتها وُرُود الشَّرَائِع كَمَا تَقْتَضِي الْعلَّة الْعَقْلِيَّة معلولها.
وَوجه الْخلاف فِي ذَلِك مَا قدمْنَاهُ آنِفا، من أَن الْعِلَل السمعية، لَيست " بأدلة " لأنفسها، وَإِنَّمَا نصبت أَمَارَات على الْأَحْكَام وَمَا كَانَ سَبيله سَبِيل الأمارة المنصوبة فتوقف فِي كَونهَا أَمارَة - على مَا تقدم - لواضع " لَهَا "
стр. 1103
وَنصب عَلَيْهَا. وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ.
(شُبْهَة أُخْرَى لَهُم)
١٥٩٤ - فَإِن قَالُوا: لَو جَازَ نصب مَا ذكرتموه من الْأَوْصَاف إعلاماً - عِنْد غلبات الظنون - على الْأَحْكَام، لجَاز نصبها إعلاماً للأنباء عَن الغيوب حَتَّى يُقَال: إِذا ثَبت الْوَصْف الْفُلَانِيّ، وَغلب على ظنكم شَيْء، فَهُوَ آيَة فِي أَمر سَيكون ﴿
قَالُوا: فَإِذا لم يجز نصبها أَمَارَات فِي دَرك الغيوب، لم يجز ذَلِك فِي الْأَحْكَام. وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ بَاطِل من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا أَن نقُول: لم جمعتم بَينهمَا، وَلم زعمتم أَن الْأَحْكَام تنزل فِيمَا ذكرتموه منزلَة الغيوب؟ فَلَا يَجدونَ فِي تَحْقِيق الْجمع سَبِيلا.
على أَنا نقُول: مَا أنكرتموه لَيْسَ بمستنكر عندنَا فاعلموا﴾ فَلَو قَالَ الرب تَعَالَى: مهما غلب على ظنكم حمل أَمارَة وترجيح أحد اعتقاداتكم على الْأُخْرَى فَاقْطَعُوا عِنْد ذَلِك بحملها. فَإِنِّي لَا أقدر غلبات ظنونكم - إِلَّا وَالْأَمر كَمَا ظننتموه. فَلَا يبعد فِي الْعقل إِذا نصب أَمَارَات على الغيوب.
стр. 1104
(شُبْهَة أُخْرَى لَهُم)
١٥٩٥ - فَإِن قَالُوا: لَو جَازَ التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فِي الْفُرُوع، لجَاز التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فِي أصُول الشَّرِيعَة كتثبيت أصُول الصَّلَوَات والزكوات ومقادير المقدرات بطرق الأقيسة. فَلَمَّا لم يجز ذَلِك فِي الْأُصُول، لم يجز فِي الْفُرُوع.
فَيُقَال لَهُم: أول مَا نطالبكم بِهِ أَن نقُول: لم شبهتم الْأُصُول بالفروع؟ وَلم زعمتم أَنه إِذا لم يتَمَسَّك بِالْقِيَاسِ فِي الْأُصُول لم يتَمَسَّك بِهِ فِي الْفُرُوع؟ وَهل أَنْتُم فِي هَذَا الْجمع إِلَّا متحكمون.
وَالَّذِي يُحَقّق تحكمكم فِي ذَلِك أَن نقُول: لَو قَالَ قَائِل: يجب أَن يكون كل المعلومات محسوسة، كَمَا أَن بَعْضهَا محسوس. أَو يجب أَن تكون كلهَا ضَرُورِيَّة / بديهية، اعْتِبَارا بتحقق ذَلِك فِي بعض الْمَعْلُوم، فَبَطل الْمصير إِلَى مَا قَالُوهُ.
فَإِذا انْدَفَعُوا للفصل بَين بعض الْمَعْلُوم وَبَين بعض - وهيهات - قوبلوا تَقْرِيبًا من ذَلِك فِي الْمُتَنَازع فِيهِ.
стр. 1105
١٥٩٦ - على أَن الْجَواب السديد فِي ذَلِك، أَن نقُول كل صُورَة " تصور " أَن ينصب صَاحب الشَّرِيعَة فِيهَا علما دَالا على الحكم يتَوَصَّل إِلَيْهِ نصا واستدلالاً، فَيجوز تَقْدِير الْقيَاس أصلا أَو فرعا ن وكل مَوضِع لَا يتَحَقَّق ذَلِك فِيهِ، فَلَا يتَمَسَّك فِيهِ بالأقيسة، فَهَذَا عقد الْبَاب. وَلَيْسَ علينا تَفْصِيله مَعَ من يُنكر أَصله.
١٥٩٧ - ثمَّ نقُول: إِذا قُلْنَا أَن سَبِيل الأقيسة السمعية سَبِيل الأمارات الَّتِي تنصب فلسنا نقُول ذَلِك من تِلْقَاء أَنْفُسنَا. وَلَكِن كل صُورَة دلّت الدّلَالَة القطعية على نصب وصف من الْأَوْصَاف فِيهَا علما على حكم، فنقدره علما. وكل صُورَة قَامَت فِيهَا دلَالَة قَطْعِيَّة سمعية على منع الْعِلَل وَامْتِنَاع نصب الأمارات، فَلَا نقدرها وَلَا نتمسك بهَا.
وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك الأقيسة السمعية لَا تدل لأعيانها عقلا، وَإِنَّمَا تدل بِأَن تنصب أَدِلَّة مواضعة وتوقيفاً. فَإِن عَادوا بعد ذَلِك وَقَالُوا: فَمَا الدَّلِيل على انتصابها امارات، حَيْثُ تطردونها.
قُلْنَا: سنذكر ذَلِك بعد فراغنا عَن تتبع شبهكم بِمَا ينقصها ويبطلها إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(شُبْهَة أُخْرَى لَهُم)
١٥٩٨ - فَإِن قَالُوا: لَو كَانَت الْعِلَل السمعية تدل على الْأَحْكَام، لوَجَبَ أَن تتَعَلَّق بمدلولاتها تعلق الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة بالمدلولات، وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك، لزم مِنْهُ شَيْئَانِ.
стр. 1106
أَحدهمَا: ثُبُوت الْأَحْكَام بهَا، قبل وُرُود الشَّرَائِع.
وَالثَّانِي: اسْتِحَالَة رفع موجباتها نسخا وتبديلاً.
وَلِلْقَوْمِ فِي هَذَا الْقَبِيل أسئلة، يجمعها جَوَاب وَاحِد، وَهُوَ أَن يُقَال: الْعِلَل السمعية لَا تدل لأعيانها، وَإِنَّمَا تدل على الْأَحْكَام، لِأَنَّهَا نصبت أَمَارَات فِيهَا وَلَيْسَ من شَرط الأمارة أَن تتَعَلَّق تعلق الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة بل نصب الشَّيْء أَمارَة مَوْقُوف على الْوَضع. وَهَذَا متضح لكل ذِي متأمل.
وَأما الْعِلَل الْعَقْلِيَّة فَإِنَّهَا تدل على مدلولاتها لذواتها، حَتَّى لَا يسوغ فِي الْمَعْقُول تقديرها غير دَالَّة.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك من طَرِيق الْأَمْثِلَة أَن الْفِعْل لما دلّ على الْفَاعِل، لم يتَقَدَّر فِي الْمَعْقُول فعل غير دَال. واللغات لما دلّت على الْمعَانِي اصْطِلَاحا تصور تَقْدِير تبديلها.
(شُبْهَة أُخْرَى لَهُم)
١٥٩٩ - وَهِي من عمدهم فَإِن قَالُوا: اتفقتم معاشر القائسين على أَن الْقيَاس لَا يَصح دون استنباط عِلّة الأَصْل الْمَرْدُود إِلَيْهِ، ثمَّ عِلّة الأَصْل وصف
стр. 1107
من أَوْصَاف لَا يسْتَدرك عقلا كَونه عِلّة، وَرُبمَا لَا يدل عَلَيْهِ نَص كتاب وَلَا سنة. فَإِذا استدت طرق الْعلم بِكَوْن مَا " يرتضيه " القائسون عِلّة، وَلَيْسَ بعض الْأَوْصَاف بعد انحسام طرق الْعلم عَنْهَا أولى من بعض، فَمَا وَجه التَّوَصُّل إِلَى عِلّة مَعَ انسداد السبل؟
" قيل " إِن نسبتموها إِلَى الْقطع بعلة الأَصْل، فَهَذَا مِمَّا لَا نشترطه، والطرق الَّتِي ذكرتموها، طرق الْقطع. وَعلة الأَصْل فِي السمعيات لَا ترام قطعا وَإِنَّمَا يجتزي فِيهَا بِغَلَبَة الظَّن. " وَالظَّن " الَّتِي يعتصم بهَا، ويعقبها على مجْرى الْعَادَات غلبات الظنون مِمَّا سنذكرها.
١٦٠٠ - وَالْجُمْلَة الدافعة لما عولوا عَلَيْهِ أَن نقُول: إِن استبعدتم ثُبُوت أَمارَة على غَلَبَة الظَّن، فَهُوَ مَا لَا بعد فِيهِ. إِذْ يسوغ فِي / الْمَعْقُول نصب غَلَبَة الظَّن علما، كَمَا يسوغ ذَلِك فِي الْمَعْلُوم قطعا. وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ أَن قَائِلا لَو قَالَ لمن يخاطبه، والمخاطب من الْمُرْسلين مثلا: إِذا غلب على ظنكم كَون زيد فِي الدَّار وَوجدت ذَلِك، فَاعْلَم أَن وجود غَلَبَة الظَّن أَمارَة فِي تَحْرِيم الْكَلَام عَلَيْك، فَهَذَا مَا لَا بعد فِيهِ. كَمَا لَو قَالَ: إِذا علمت ان زيدا فِي الدَّار، فَهُوَ عَلامَة تَحْرِيم الْكَلَام عَلَيْك.
١٦٠١ - وسبيل الأقيسة السمعية سَبِيل الأمارات، فَكَأَن الرب تَعَالَى قَالَ للمكلفين: إِذا غلب على ظنكم كَون وصف من أَوْصَاف الأَصْل عِلّة،
стр. 1108
بالطرق الَّتِي عهدتموها من الصَّحَابَة وَغَيرهم فاعلموا أَن ذَلِك إِيجَاب أَو حظر أَو تَحْلِيل أَو ندب.
وَاعْلَم أَن هَذَا لَا يقوى مَعَ القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين، وَلَا محيص لِلْقَائِلين بِأَن الْمُصِيب فِي الْفُرُوع وَاحِد عَن هَذِه الشُّبْهَة وأمثالها. وسنقرر وَجه الأسئلة عَلَيْهِم، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(شُبْهَة أُخْرَى لَهُم)
١٦٠٢ - فَإِن قَالُوا: الأَصْل إِذا كَانَ لَهُ أَوْصَاف، وَلم يكن بَعْضهَا مَنْصُوبًا عَلَيْهِ، وَلَا إِلَى الْعلم بِهِ طَرِيق قَاطع، فَمَا من طَرِيق يرتضيه قائس، إِلَّا والغير بمثابته. فَلَزِمَ من ذَلِك تكافؤ الْعِلَل وتساوي الْأَقْوَال. وفرضوا ذَلِك فِي الْكَيْل والطعم فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة.
قُلْنَا: اعلموا أَولا أَن مُجَرّد الْأَوْصَاف لَا تنصب عللاً، إِلَّا بطرِيق من الِاعْتِبَار سنقررها إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقد ثَبت بِالدّلَالَةِ القاطعة أصُول الِاعْتِبَار وَترك الِاقْتِصَار على الْأَوْصَاف فِي التَّعَلُّق " عَلَيْهَا " على أَنا نقُول: قصارى مَا ذكرتموه غير مستنكر عندنَا فِي الْعِلَل السمعية.
فَإنَّا نقُول: قد يكون للْأَصْل الْوَاحِد أَوْصَاف، و " يرتضي " بعض الْمُجْتَهدين نصب بَعْضهَا عِلّة، ويرتضي آخَرُونَ نصب وصف آخر - غَيرهَا عِلّة. وكل مُجْتَهد " وَاحِد " فَلَا يتَصَوَّر. فَإنَّا نراعي غلبات الظنون فِي أثر
стр. 1109
سبل مضبوطة وَلَا يتَصَوَّر أَن يغلب على ظن الْمُجْتَهد كَون وصف عِلّة التَّخْصِيص - وَفِي تِلْكَ الْحَالة بِعَينهَا يغلب على الظَّن كَون وصف آخر عِلّة، وَهَذَا وَاضح إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(شُبْهَة أُخْرَى لَهُم)
١٦٠٣ - فَإِن قَالُوا: القائس الْمُجْتَهد لَيْسَ يَقُول من تِلْقَاء نَفسه شَيْئا، وَإِنَّمَا هُوَ مخبر عَن الله تَعَالَى. وَإِلَّا فَلَيْسَ لأحد أَن يشرع ويبتدئ إِثْبَات حكم اسْتِدْلَالا.
قَالُوا: فَإِذا ثَبت ذَلِك، فَكيف يَصح للمجتهد أَن يخبر عَن الله تَعَالَى فِي حكم، وَهُوَ متشكك فِي أَصله؟
قُلْنَا: هَذَا تلبيس مِنْكُم. وَذَلِكَ أَنا قد أوضحنا أَن سَبِيل الأقيسة سَبِيل الأمارات، والقائس لَا يَقُول مَا يَقُول بِغَلَبَة ظن، وَلَكِن قد قَامَت عِنْده دلَالَة قَاطِعَة على أَنه مهما غلب على ظَنّه صِحَة طَرِيق فِي الْقيَاس، فَحكم الله عَلَيْهِ قطعا أَن يفعل بِمُوجبِه، فالدليل الْقَاطِع الَّذِي تضمن نصب غَلَبَة الظَّن أَمارَة هُوَ الَّذِي يسوغ للقائس الْإِخْبَار عَن الله تَعَالَى دون الأمارة الَّتِي " نصبت ".
وَهَذَا وَاضح وَالْحَمْد لله على القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين. وَلَا يسْتَمر للمخالفين فِي ذَلِك جَوَاب سديد.
(شُبْهَة أُخْرَى لَهُم)
١٦٠٤ - فَإِن قَالُوا: كل قائس مُجْتَهد على زعمكم يجوز أَن يكون مخطئاً فِي طرد الْقيَاس، وَيجوز أَن يكون مصيباً وَلَا نقطع بِإِصَابَة نَفسه أصلا.
стр. 1110
فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمَا وَجه الحكم بِمَا هَذَا طَرِيقه على الْأَرْوَاح / وَسَفك الدِّمَاء وَاسْتِحْلَال الْمُحرمَات.
وأوضحوا ذَلِك بِأَن قَالُوا: قد ثَبت بِاتِّفَاق الْفُقَهَاء أَن الرجل إِذا كَانَ تَحْتَهُ نسْوَة فَوَقَعت على وَاحِدَة مِنْهُنَّ بَائِنَة. والتبس أمرهَا على الزَّوْج فَيجب عَلَيْهِ اجْتِنَاب سائرهن. وَلَا يسوغ لَهُ التَّمَسُّك بغلبات الظنون فِي تَمْيِيز عَن المحللات.
قُلْنَا: بنيتم دليلكم هَذَا على أصل، لَا نساعدكم عَلَيْهِ، فَإنَّا نقُول: من قَاس من الْمُجْتَهدين وبذل جهده، حَتَّى قدر نَفسه غير مقصر، فَلَا يتَصَوَّر أَن يكون قِيَاسه خطأ فِي الْمَطْلُوب بِالْقِيَاسِ على القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين. فَإِن الْمَطْلُوب بِهِ الْعَمَل عِنْد حُصُول غَلَبَة الظَّن، وَقد تحققا جَمِيعًا، فَخرج لَك من ذَلِك أَن الَّذِي اجْتهد، لَا يجوز الْخَطَأ فِي قِيَاسه.
فأحط ذَلِك علما، إِلَى أَن تَأْتِيك أَحْكَام الِاجْتِهَاد.
١٦٠٥ - فَأَما الَّذين قَالُوا: إِن الْمُصِيب وَاحِد، فيجوزون الْخَطَأ فِي قِيَاسه، وَالصَّوَاب كَمَا ألزموه، وَلَيْسَ لَهُم عَن هَذِه الشُّبْهَة محيص متضح.
ثمَّ نقُول مَا ذكرتموه يبطل بأخبار الْآحَاد، إِن كُنْتُم من الْقَائِلين بهَا فَإنَّا نسفك الدِّمَاء ونحكم بهَا فِي كل معضلة، مَعَ استرابتنا فِي النقلَة، وتجويز غلطهم وتعمد كذبهمْ.
وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الحكم بِشَهَادَة الشُّهُود مَعَ تَجْوِيز كَونهم " كذبة " شَاهِدين بزور.
стр. 1111
(شُبْهَة أُخْرَى لَهُم)
١٦٠٦ - فَإِن قَالُوا: عِلّة الأَصْل لَا تثبت عِنْد القائسين بِمُجَرَّد الدَّعْوَى، وَلَا بُد من إِقَامَة الدّلَالَة عَلَيْهَا، فَمَا وَجه نصب الْأَدِلَّة عَلَيْهَا؟
قُلْنَا: هَذَا الْآن تعرض مِنْكُم للْكَلَام فِي تَفْصِيل الْقيَاس مَعَ إنكاركم لأصله وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ، فَاعْتَرفُوا بِالْأَصْلِ وسائلونا بعده عَن التفاصيل، وسنقرر الطّرق الَّتِي تثبت الْعِلَل إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(شُبْهَة أُخْرَى لَهُم)
١٦٠٧ - فَإِن قَالُوا: إِذا علقتم الحكم بِوَصْف من أَوْصَاف الأَصْل وقدرتموه عِلّة، فَمَا قَوْلكُم فِيهِ إِذا اسْتَوَى وصفان من أَوْصَاف الأَصْل، فجوز الْمُجْتَهد أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة، وَكَانَ الْمَقْصد " مُخْتَلفا " وَلم يتَرَجَّح أَحدهمَا على الثَّانِي فَكيف يفعل الْمُجْتَهد؟
وَكَذَلِكَ الْفَرْع الْوَاحِد إِذا تجاذبه أصلان، واستوت أشباهه من كل وَاحِد مِنْهُمَا فَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى إِيجَاب، من حَيْثُ يجتذبه أصل الْإِيجَاب. وَإِلَى إِبَاحَته من حَيْثُ يجتذبه أصل الْإِبَاحَة. وَذَلِكَ محَال. فَإِذا كَانَ القَوْل بِالْقِيَاسِ يُفْضِي إِلَى هَذَا الْمحَال فَيجب سد بَابه.
وَالْجَوَاب عَن هَذَا من وَجْهَيْن.
أَحدهمَا: أَن نقُول: ذهب بعض القائسين إِلَى أَن مَا ذكرتموه لَا يتَصَوَّر. وَمِنْهَا تجاذب الْفَرْع الْوَاحِد أصلان، فَلَا بُد أَن يتَرَجَّح أَحدهمَا وَلَا يسوغ استواؤهما فِي حكم الْمُجْتَهدين من كل وَجه. فَإِذا سلكنا هَذِه الطَّرِيقَة، فقد بَطل مَا قَالُوهُ.
стр. 1112
وسلك القَاضِي ﵁ طَريقَة أُخْرَى. فَقَالَ: إِن تصور مَا قلتموه فالمجتهد عِنْد تصَوره بِالْخِيَارِ، إِن أحب ألحقهُ بِهَذَا الأَصْل، وَإِن أحب ألحقهُ بِالْأَصْلِ الآخر.
وَلَا يستبعد ذَلِك فِي مواقع الشَّرِيعَة على مَا نذكرهُ فِي أَحْكَام الِاجْتِهَاد وتصويب الْمُجْتَهدين فِي مسَائِل الْفُرُوع - إِن شَاءَ الله تَعَالَى /.
وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن مفتيين إِذا تَسَاوَت صفاتها. وَقد عنت مسئلة للعامي وَنحن نعلم أَن جوابي المفتيين يَخْتَلِفَانِ نفيا وإثباتاً، أَو حظراً وإيجاباً فالمستفتى بِالْخِيَارِ فِي استفتاء أَيهمَا شَاءَ.
(شُبْهَة أُخْرَى لَهُم)
١٦٠٨ - فَإِن قَالُوا: قصارى مَا ذكرْتُمْ، أَنكُمْ ادعيتم نصب غَلَبَة الظَّن علما على الحكم وَذَلِكَ غير مُسْتَقِيم. وَذَلِكَ أَن الرب تَعَالَى مَوْصُوف بالاقتدار على تَبْيِين الْأَحْكَام تنصيصاً مِنْهُ تَعَالَى، فَإِذا تصور التَّنْصِيص،
стр. 1113
فالتعريض إِلَى غَلَبَة الظنون ترك لأوضح الطَّرِيقَيْنِ واجتزاء بأدونهما، وَذَلِكَ لَا يسوغ.
وَالْجَوَاب عَن ذَلِك من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا أَن نقُول: لم زعمتم أَنه لَا يسوغ ترك أوضح الطَّرِيقَيْنِ للَّذي ينحط عَنهُ فِي الرُّتْبَة. وَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَن ذَلِك سَائِغ، إِذا كَانَ التَّكْلِيف يَسْتَقِيم فِي كل وَاحِد من الطَّرِيقَيْنِ؟
فَإِن فرغوا بعد ذَلِك أَن " بَين " الطَّرِيقَيْنِ أصلح لِلْعِبَادَةِ وَالْحكمَة تَقْتَضِي إيثاره الْأَصْلَح للعباد.
قُلْنَا: فِي عين هَذَا تنازعون فَإِن التَّكْلِيف عندنَا لَا يَنْبَنِي على الصّلاح والأصلح وَهَذَا مِمَّا يُقرر فِي الديانَات.
١٦٠٩ - على أَنا نقُول لكم: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَنه رُبمَا يتَّفق فِي الْمَعْلُوم كَون التَّكْلِيف بغلبات الظنون أصلح، من حَيْثُ ينطوي على تحر واجتهاد، وَلَو وضحت النُّصُوص وَاسْتغْنى المكلفون عَن طرق الِاجْتِهَاد. لَكَانَ فِي ذَلِك مفْسدَة للعباد.
وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك نُكْتَة يجب أَن لَا تغفل عَنْهَا، مهما فاوضت الْقَوْم فِي الصّلاح والإصلاح، وَهِي أَن تَقول: لَيْسَ الْمَعْنى بِكَوْن الشَّيْء صلاحاً
стр. 1114
ولطفاً للمكلف أَن يَقْتَضِي " دَابَّة " لَهُ استصلاحه ويوفر لَهُ دواعيه على الطَّاعَة ويتابع صوارفه على الْمعْصِيَة، وَلَكِن الْمَعْنى بذلك أَن الرب تَعَالَى إِذا علم أَن فعلا من الْأَفْعَال لَو أوجده صلح المكلفون.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الشَّيْء الْوَاحِد قد يتَّفق صلاحاً فِي حق شخص مفْسدَة فِي حق غَيره، وَذَلِكَ نَحْو الإغناء والإفقار. وَيخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف الْوُقُوع فِي الْمَعْلُوم. ومقصودنا من ذَلِك كُله أَن نبين للْقَوْم أَن تصور التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ أصلح فِي حكم الْمَعْلُوم.
١٦١٠ - وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن نقُول: قد ثبتَتْ ضروب من التَّحَرِّي فِي موارد الشَّرِيعَة وَلم يقتض ذَلِك مَا ذكرتموه، مِنْهَا اعْتِبَار أروش الْجِنَايَات وقيم الْمُتْلفَات ودرك مبالغ الحكومات، والإقدام على التَّعْزِير الَّذِي لَا يَنْضَبِط لَهُ قدر عِنْد مُقَارنَة الزلات إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يتَعَيَّن فِيهِ تتبع الاجتهادات مَعَ تصور النُّصُوص فِي أعظمها. فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه.
стр. 1115
فَهَذِهِ جملَة كَافِيَة فِي ذكر شبه الَّذين أحالوا التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ، وَقد أوضحنا سَبِيل الِانْفِصَال عَنْهَا، وَلَا يرد عَلَيْك من أصُول كَلَام الْقَوْم شَيْء إِلَّا تستقل فِي التفصي عَنهُ بِمَا قدمْنَاهُ لَك.
وَنحن الْآن نذْكر الطّرق الَّتِي توصلنا بهَا إِلَى التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ بعد مَا تبين جَوَاز التَّعَبُّد بِهِ.
(٢٨١) القَوْل فِي إِيضَاح الطّرق الموصولة الى التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ
١٦١١ - اعْلَم، وفقك الله، أَولا، أَن الَّذِي يسْتَدرك بِالْعقلِ جَوَاز وُرُود التَّكْلِيف بالتعبد بِالْقِيَاسِ، وَلَا يسْتَدرك بِالْعقلِ إِلَّا جَوَاز ذَلِك.
فَأَما تحقق ثُبُوته وَوُجُوب تعلق الْأَحْكَام / بِهِ على قطع، فمما لَا يسْتَدرك عقلا.
١٦١٢ - وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ ثَبت عقلا، والأدلة السمعية وَردت فِي ذَلِك مُؤَكدَة للدلالة الْعَقْلِيَّة، وَلَو قَدرنَا عدم وُرُودهَا، لَكنا نتوصل بِمُجَرَّد الْعُقُول إِلَى انتصاب الأقيسة عللاً فِي الْأَحْكَام.
стр. 1116
١٦١٣ - وَاعْلَم أَن القَوْل فِي ذَلِك يَنْقَسِم، فَإِن عَنى الْخُصُوم بِمَا قَالُوهُ، أَن اعْتِبَار " الْأَشْيَاء " وطرق التَّرْجِيح والاعتصام بغلبات الظنون، مِمَّا يصور من غير تَقْدِير دلَالَة سمعية فِي ذَلِك، فَهَذَا مَا لَا نستنكره كَمَا لَا نستنكر اسْتِقْلَال الْعُقَلَاء بِأَنْفسِهِم فِي تَقْدِير الْقيم وَالِاجْتِهَاد فِي التعزيرات عِنْد اخْتِلَاف الرتب فِي الذُّنُوب والجرائم، وَلَا نستبعد اعتبارهم تَقْدِير الكافة فِي النَّفَقَات والمؤنات، كَمَا لَا نستبعد فِي الْعَادَات من الْعُقَلَاء ضروب التَّحَرِّي والتأخي فِي مصَالح الدُّنْيَا نَحْو التِّجَارَات وطرق المكاسب واستصلاح الْأَمْوَال، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تعداده.
فَإِن قَالَ الْخصم الِاعْتِبَار مُتَصَوّر فِي ذَلِك عقلا. فَالْأَمْر على مَا ذكر إِذْ لَا يتَصَوَّر على الْمَنْع بتكليف الْمحَال وَمَا لَا يُطَاق وَمَا ورد التَّكْلِيف بالشَّيْء إِلَّا وَهُوَ مِمَّا يتَصَوَّر الْإِقْدَام عَلَيْهِ. فَإِن عنوا بِمَا قَالُوهُ أَن الاعتبارات فِي طرق الِاجْتِهَاد إِذا تصورت، فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَحْكَام التَّكْلِيف عقلا، فَهَذَا مِمَّا ننكره فَإنَّا نقُول: لَا يثبت كَون الِاجْتِهَاد على مَا " تيقناه " مقتضية أحكاماً، إِلَّا
стр. 1117
بورود السّمع.
١٦١٤ - وَقد ذهب ذاهبون، وهم الأقلون، إِلَى أَنا نستدرك بالعقول، التَّوَصُّل إِلَى الْأَحْكَام بطرق الِاعْتِبَار من غير وُرُود سمع فِي ذَلِك، ومعظم المستروحين إِلَى الْعُقُول فِي المقاييس إِذا فتشت عَن مذاهبهم، ألفيتهم مجتزين بتصوير الِاعْتِبَار وَتَقْدِيره عقلا. وَإِذا أوضحت لَهُ وَجه الصَّوَاب وطالبتهم بتثبيت الْأَحْكَام بِالِاعْتِبَارِ وجوبا لَا جَوَازًا، فيوافقوا فِي الْمَقْصد، ويرتفع عِنْد ذَلِك الْخلاف.
١٦١٥ - وَصرح شرذمة بِالْخِلَافِ، فَقَالُوا: الْعِلَل الْحكمِيَّة تَقْتَضِي أَحْكَامهَا عقلا.
حَتَّى قَالُوا: إِنَّهَا تتَعَلَّق بهَا تعلق الْعلَّة بمعلولاتها، وَهَذَا وَاضح الْبطلَان. وَأول مَا نفاتحهم بِهِ أَن نقُول: أَنْتُم لَا تخلون، إِمَّا أَن تزعموا أَن الشدَّة مقتضية تَحْرِيم الْخمر لعينها. كَمَا يَقْتَضِي الْعلم كَون الْمحل الَّذِي قَامَ بِهِ عَالما، وَالْقُدْرَة كَون الْمحل الَّذِي قَامَت بِهِ قَادِرًا إِلَى غير ذَلِك من طرق الْعِلَل العقليات وَهَذَا من أَسف الْمذَاهب. وَإِمَّا أَن تزعموا أَن الشدَّة أَمارَة على التَّحْرِيم مَنْصُوبَة لَهُ وضعا، مَعَ جَوَاز تقديرك عدم نصبها أَمارَة.
فَإِن أَنْتُم آثرتم هَذَا الْقسم الْأَخير فقد حصحص الْحق ووضح حَيْثُ صرحتم بِكَوْنِهَا أَمارَة مَوْقُوفَة على نصب ناصب وَوضع وَاضع (مَعَ أَن الَّذِي لَا ينتحم فِيهَا فَإنَّا نستدرك بِعَينهَا للتَّحْرِيم مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا) .
стр. 1118
١٦١٦ - وَإِن أَنْتُم زعمتم أَن الشدَّة تَقْتَضِي التَّحْرِيم لعينها اقْتِضَاء الْعِلَل الْعَقْلِيَّة معلولاتها فَهَذَا بَاطِل من أوجه.
أَحدهَا أَن نقُول: تَحْلِيل الْخمر مِمَّا لَا يستبعد عقلا، وَلَقَد عهِدت محللة فِي صدر الْإِسْلَام /. فَلم كَانَت الشدَّة أولى بِأَن تكون عِلّة فِي التَّحْرِيم من الحموضة والحلاوة؟ فَمَا وَجه اقْتِضَاء الْعقل / تَخْصِيص وصف من هَذِه الْأَوْصَاف؟ وَلَا يبعد فِي الْعقل تَحْرِيم الحامض وَتَحْلِيل المشتد، وَهَذَا مِمَّا لَا منجى لَهُم عَنهُ، إِلَّا أَن يعتصموا بهذيان الْمُعْتَزلَة فِي الصّلاح والإصلاح. ويزعموا أَنه لَيْسَ الصّلاح التَّسَبُّب إِلَى إِزَالَة الْعُقُول، فيضعف الْكَلَام حِينَئِذٍ غَايَة الضعْف ويلزمون عِنْده الِاقْتِصَار على الْقَلِيل الَّذِي لَا يسكر من الْخمر النيء.
١٦١٧ - على أَن من قَالَ باستدراك الْأَحْكَام بطرق الْعقل، فَلَا يدعى ذَلِك عُمُوما فِيمَا قل وَجل من الْأَحْكَام، وَإِنَّمَا يدعى ذَلِك فِي أصُول التَّعَبُّد نَحْو وجوب شكر الْمُنعم والمعرفة و " حظر " الظُّلم وَالْكفْر.
стр. 1119
فَأَما التفاصيل ودقائق الْأَحْكَام فِي أَعْيَان الخائضين فِي هَذَا الْفَنّ وَالَّذِي يُوضح بطلَان ذَلِك، أَنه لَو كَانَ سَبِيل الْعِلَل فِي الْأَحْكَام سَبِيل الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، لما تحقق وجودهَا إِلَّا مقتضية لأحكامها. فَلَزِمَ من ذَلِك ثُبُوت تفاصيل الْأَحْكَام قبل وُرُود الشَّرَائِع وَثُبُوت النبوات. وَهَذَا بَاطِل لما سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي نفي الْأَحْكَام قبل وُرُود الشَّرَائِع، وَهَذَا يُوجب أَيْضا منع النّسخ فِي التَّحْرِيم والتحليل، إِذا كَانَ الحكم مُعَلّقا فِيهِ بعلة. وَقد اتّفق الْعلمَاء على أَن الحكم الْمُتَعَلّق بضروب من الِاعْتِبَار - إِذا لم يكن من أصُول التَّعَبُّد والتكليف - فَيجوز تَقْدِير النّسخ فِيهِ.
١٦١٨ - فقد صورنا على الْخُصُوم تقدم الْعِلَل مَعَ انْتِفَاء " المعلومات " ثمَّ صورنا عَلَيْهِم بقاءها مَعَ نسخ أَحْكَامهَا. وَلَيْسَ ذَلِك من قضايا الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، فَإِن من شَرط الْعلَّة الْعَقْلِيَّة أَن لَا تَنْقَطِع عَن معلولها وَلَا تقدر إِلَّا مُوجبَة، فَإِنَّهَا إِذا كَانَت توجب الحكم لعينها، ثمَّ تصورت الحكم لعينها، ثمَّ تصورت عينهَا غير مُوجبَة، فَهَذَا يُفْضِي إِلَى قلب جِنْسهَا. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الْعِلَل فِي الْأَحْكَام لَو كَانَ سَبِيلهَا سَبِيل الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة، فَهِيَ تدل لَهُ بذواتها أَيْضا، فَلَا يتَصَوَّر حدث غير دَال على مُحدث، وَلَا اتقان غير دَال على عَالم، وَقد صورنا ثُبُوت الْأَوْصَاف قبل وُرُود الشَّرَائِع، وَبعد النّسخ مَعَ انْتِفَاء الْأَحْكَام.
١٦١٩ - فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا تدل الْعِلَل السمعية، كَمَا تدل الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة،
стр. 1120
وَلَا تتنزل منزلَة الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، بل تتنزل منزلَة الْأَدِلَّة، وَمن شَرطهَا ثُبُوت أصل الشَّرِيعَة وَعدم النّسخ قد يثبت دلَالَة عقلية مَشْرُوطَة بِشَرْط. وَلَا يستبعد ذَلِك فِيهَا.
قُلْنَا: هَذَا هذيان لَا تَحْصِيل وَرَاءه. فَإِن الدَّال على حدث الْعَالم إِذا وضح الْوَجْه الَّذِي مِنْهُ يدل، فَلَا يتَصَوَّر وُقُوعه على قَول من قَائِل، وَلَا شرع من شَارِع غير دَال وَلَا يتَصَوَّر نسخ مُوجبه ورفض " مُقْتَضَاهُ " وَلَيْسَ فِيهِ شَرط، إِنَّمَا هُوَ تثبيت فَإِذا ثَبت لم يتَقَدَّر انْتِفَاء مُوجبه، فَمَا يغنيكم التَّمَسُّك بالعبارات فِي كَون الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة مَشْرُوطَة.
١٦٢٠ - وَمِمَّا نتمسك بِهِ أَن نقُول: إِذا قدرتم الشدَّة عِلّة فِي التَّحْرِيم عقلا. فمدارك الْعُقُول تَنْقَسِم إِلَى ضَرُورَة واستدلال. وَلَا نستريب أَنكُمْ لَا تدعون كَون الشدَّة عِلّة ضَرُورَة. وَإِن تجاهلتم فِيهِ قوبلتم بِمثلِهِ. وَإِن ادعيتم ثُبُوته عِلّة اسْتِدْلَالا، فَمَا وَجه كَونه دَلِيلا أَو عِلّة عقلا؟ مَعَ تَجْوِيز الْعقل تَحْرِيم الحلو والشديد والحامض، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ وَلَا / يَجدونَ عَنهُ مهرباً.
فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك، لِأَن الشدَّة لَا نجدها، إِلَّا ويقارنها التَّحْرِيم قُلْنَا: فَلَيْسَ ذَلِك لِلْعَقْلِ، فتنبهوا وَإِنَّمَا هُوَ للشَّرْع، فثبتوا - لَو كَانَ سَبيله الْعقل - لم تبدل وَجه كَونه دَلِيلا أَو عِلّة؟
١٦٢١ - وَمِمَّا نستدل بِهِ أَيْضا، أَن نقُول: أَنْتُم لَا تخلون إِذا ادعيتم،
стр. 1121
أَن الْأَوْصَاف تَقْتَضِي الْأَحْكَام عقلا " أما " أَن تَقولُوا أَن ذَلِك ثَبت قطعا، أَو تسلكوا فِيهِ مَسْلَك غلبات الظنون.
فَإِن قُلْتُمْ: أَن ذَلِك ثَبت قطعا حَتَّى تَقولُوا على طرده أَن الطّعْم عِلّة الرِّبَا فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة عِلّة قطعا فِي التَّحْرِيم، فَهَذَا نِهَايَة التجاهل.
وَالَّذِي يَدعِي الْكَيْل يقطع بِمَا يَدعِيهِ عِلّة، وَلَا يكَاد يَتَّضِح فِي ذَلِك وَجه يَقْتَضِي الْقطع من جِهَة الْعقل، وَأَن يتَحَقَّق ذَلِك والمسئلة مجتهدة فِيهَا.
فَإِن قَالُوا: إِنَّا نسلك فِي ذَلِك غلبات الظنون.
فَنَقُول: " فالمحصول " إِذا، أَنا نجوز كَون الطّعْم عِلّة، ونجوز أَن لَا يكون عِلّة. فَأنى يتَحَقَّق مَعَ ذَلِك الْمصير إِلَى أَن الطّعْم يَقْتَضِي الحكم اقْتِضَاء الْعلَّة الْعَقْلِيَّة معلولها. وَهَذَا بَين فِي سُقُوط مَا قَالُوهُ.
وَقد أورد القَاضِي ﵁ على الْقَوْم طرقاً، وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ غنية إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٦٢٢ - فَإِن قَالُوا: الطَّرِيق الَّذِي يعرف بِهِ كَون الطَّرِيقَة الْعَقْلِيَّة عِلّة، أَو الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة دلَالَة، فنعرف بِهِ بِعَيْنِه كَون الْعِلَل الْحكمِيَّة عللاً، وأوضحوا ذَلِك بِأَن قَالُوا: إِذا أردنَا أَن نَعْرِف عِلّة كَون الْعَالم عَالما، فالطريق فِي ذَلِك، أَن نضبط أَولا، جَوَاز تَعْلِيل هَذَا الحكم وَعدم اسْتِحَالَة التَّعْلِيل بِهِ، حَتَّى إِذا ثَبت ذَلِك، سبرنا بعده الْأَحْوَال. وعرفنا بطلَان كَون الْعَالم عَالما لنَفسِهِ،
стр. 1122
أَو لِمَعْنى غير الْعلم من الْمعَانِي الْقَائِمَة بِالذَّاتِ، فَلَا نزال نسبر ونبطل الْأَقْسَام، حَتَّى ننتهي إِلَى تَعْلِيل هَذَا الحكم بِالْعلمِ. وَكَذَلِكَ القَوْل فِي كل حكم عَقْلِي مُعَلل بعلة عقلية، ثمَّ " إِن " اعْتِبَار الْعلَّة أَن يثبت الحكم عِنْد ثُبُوتهَا ويعدم عِنْد عدمهَا.
وحققوا ذَلِك بِأَن قَالُوا: لَا معنى لكَون الْعلم عِلّة فِي حكمهَا، إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ من الِاعْتِبَار، وَهَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه مَوْجُود فِي عِلّة الحكم. فَإنَّا إِذا نَظرنَا إِلَى تَحْرِيم الْخمر وأثبتنا أَولا جَوَاز تَعْلِيله، وَتبين لنا ارْتِفَاع الْمَوَانِع عَن التَّعْلِيل، ثمَّ قَدرنَا الشدَّة عِلّة فِي اقْتِضَاء التَّحْرِيم، بعد أَن اعْتبرنَا مَا عَداهَا من الْأَوْصَاف فَبَطل الِاعْتِبَار فِيمَا سواهَا، ثمَّ ألفينا الحكم يتَحَقَّق بِوُجُود الشدَّة - وَرُبمَا ينعكس أَيْضا، فَيَنْتَفِي الحكم بِانْتِفَاء الشدَّة - فقد ضاهى علل الْعُقُول وأدلتها. إِذْ أَدِلَّة الْعُقُول لَا يشْتَرط فِيهَا الانعكاس وَإِن اشْترط فِي الْعِلَل الْعَقْلِيَّة الانعكاس.
١٦٢٣ - وَالْجَوَاب عَن ذَلِك من أوجه. أقربها أَن نقُول: لَا مشابهة بَين المقاييس الشَّرْعِيَّة وَبَين الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، إِذْ كل حكم مُعَلل فِي الْعقل لَا يسوغ تَقْدِير ثُبُوته مَعَ اعْتِقَاد انْتِفَاء علته إِذْ لَا يجوز أَن تقدر عَالما لَا علم لَهُ. وَلَا " كَائِنا " لَا كَون لَهُ.
وَأما التَّحْرِيم الَّذِي فِي الصُّورَة الَّتِي فرضتم الْكَلَام فِيهَا، فَيجوز
стр. 1123
الْعقل تَقْدِير تَحْقِيقه، مَعَ وُرُود الشَّيْء ثمَّ نصا بِالْمَنْعِ من تَعْلِيله، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى جَحده فَلَو كَانَت الشدَّة تنزل منزلَة الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، لما سَاغَ تَجْوِيز وُرُود الشَّرْع بِمَنْع التَّعْلِيل بهَا وبغيرها / من الْأَوْصَاف. إِذْ الْعلم لما كَانَ عِلّة فِي كَون مَحَله عَالما، لم نجد فِي قضايا الْعُقُول قيام الدّلَالَة على خُرُوجه عَن كَونه عِلّة، وَقد ثَبت التَّحْرِيم فِي مَوَاضِع فِي الشَّرْع غير مُعَلل نَحْو تَحْرِيم الْخِنْزِير، وَمَا عداهُ مِمَّا يضاهيه فِي انْتِفَاء التَّعْلِيل. وَهَذَا وَاضح فِي إِسْقَاط مَا راموه.
١٦٢٤ - وَالْوَجْه الثَّانِي فِي الْجَواب أَن نقُول: لَا يَسْتَقِيم التَّعْلِيل عقلا، إِلَّا بِأَن نقدر حكما زَائِدا على الْعلَّة الْمُقْتَضِيَة للْحكم. فَنَقُول: كَون الْعَالم عَالما حكم زَائِد على الذَّات وعَلى نفس الْعلم، وَهُوَ مُعَلل بِالْعلمِ. وَهَذَا الحكم هُوَ الْحَال الَّذِي عظم فِيهِ اخْتِلَاف الْمُحَقِّقين نفيا وإثباتاً، والخوض فِيهِ يصدنا عَن الْمَقْصد.
ومطلبنا فِي هَذَا الْموضع أَن نبين، أَن الْعلَّة الْعَقْلِيَّة لَا يستر إِلَّا بِأَن نقدر لَهَا حكما زَائِدا عَلَيْهَا، إِذْ لَو لم نقل ذَلِك، وصرفنا الحكم إِلَى نفس الْعلم، أفْضى محصول القَوْل إِلَى أَن الْعلم عِلّة فِي الْعلم! وَهَذَا سَاقِط من الْكَلَام.
فَإِذا ثَبت ذَلِك قُلْنَا بعده للخصوم: فثبتوا التَّحْرِيم وَصفا زَائِدا وعللوه ليَكُون ذَلِك قِيَاس الْعِلَل ومعلولاتها عقلا.
стр. 1124
وَقد أوضحنا فِي صدر الْكتاب فِي غير مَوضِع، أَن التَّحْرِيم وَمَا عداهُ من أَحْكَام التَّكْلِيف لَيست بأوصاف ثَابِتَة للذوات، وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَة إِلَى أوَامِر الله تَعَالَى وزواجره وتحليله وندبه.
فَإِذا آل ذَلِك إِلَى نفس الْكَلَام، فكأنكم عللتم كَلَام الله المنعوت بالقدم بِوَصْف فِي الشَّرَاب المشتد. وَهَذَا نِهَايَة الإحالة. فأحط بِهِ علما.
١٦٢٥ - وَالْوَجْه الثَّالِث فِي الْجَواب أَن نقُول: لَو سَاغَ لكم الْمصير إِلَى أَن علل الْأَحْكَام مستدركة عقلا، لمضاهاتها الْعِلَل الْعَقْلِيَّة فِيمَا صدرتم الْكَلَام بِهِ فَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَنَّهَا لَا تضاهي الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، لمخالفتها إِيَّاهَا فِي الْجمل الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي أدلتها.
مِنْهَا: أَن الْأَوْصَاف الَّتِي تقدر عللا فِي الْأَحْكَام، قد كَانَت قبل وُرُود الشَّرَائِع وَهِي لَيست بعلل، وَتسَمى عِلّة بعد نسخ الحكم، وَهِي لَيست بعلة. وَمن شَأْن الْعِلَل الْعَقْلِيَّة أَلا تُوجد إِلَّا وَهِي علل، فَلَو سَاغَ لكم الْمصير إِلَى أَنَّهَا عقلية لمشابهتها الْعِلَل الْعَقْلِيَّة فِي وَجه، لساغ لنا أَن لَا نقدرها عللا عقلية، لخروجها عَن مشابهة الْعِلَل الْعَقْلِيَّة فِي وُجُوه. وَهَذَا مَا لَا مخلص للخصم عَنهُ.
١٦٢٦ - فَإِن قَالُوا: فطرد مَا ذكرتموه يَقْتَضِي إِحَالَة التعلل بالأوصاف الَّتِي استشهدنا بهَا وَقد وافقتمونا على جَوَاز وُرُود الشَّرَائِع بنصبها عللا، فَلَو كَانَ كَونهَا عللا مستحيلا عقلا، لما ذكرتموه - لما جَازَ وُرُود الشَّرَائِع بنصبها عللا. إِذْ الْأَدِلَّة السمعية لَا ترد إِلَّا بجائزات الْعُقُول.
فَنَقُول: هَذَا تمويه مِنْكُم فَإِن الَّذِي أحلنا عقلا، لَا يجوز وُرُود الشَّرْع بتجويزه، وَالَّذِي جَوَّزنَا وُرُود الشَّرْع بِهِ، غير ذَلِك. فَإنَّا جَوَّزنَا وُرُود الشَّرَائِع
стр. 1125
بِأَن تنصب بعض الْأَوْصَاف أَمَارَات فِي الْأَحْكَام، من غير أَن تكون أَعْيَان الأمارات مُوجبَة للْأَحْكَام ونزلنا ذَلِك منزلَة التَّوَاضُع على نصب الْإِعْلَام مَعَ اعْتِقَاد جَوَاز انتفائها وَثُبُوت / " اعْتِبَارهَا " آنذاك. فَخرج من ذَلِك أَن الَّذِي جَوَّزنَا وُرُود الشَّرْع بِهِ غير الَّذِي نفيناه وأثبتنا استحالته وَأَنْتُم معاشر الْمُحَقِّقين لَا تجيزون كَون الْأَوْصَاف أَمَارَات بل تَزْعُمُونَ أَنَّهَا مُوجبَات لذواتها. وَأَنَّهَا كالعلل الْعَقْلِيَّة وَهَذَا " مَا سمناكم " إِبْطَاله قبل وُرُود الشَّرَائِع وَبعدهَا، فافهموا الْفَصْل بَين المنزلتين وجانبوا التلبيس، ترشدوا. فَإِذا ثَبت بِمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا، اسْتِحَالَة كَون الأمارات الْحكمِيَّة نازلة منزلَة الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، وَتبين أَنه لَا يتَوَصَّل إِلَى كَونهَا أَدِلَّة " عقلا " وَإِنَّمَا يتَوَصَّل إِلَى كَونهَا أَدِلَّة، سمعا فَنحْن الْآن نذْكر الطّرق السمعية الدَّالَّة على ثُبُوت المقاييس فِي الْأَحْكَام.
(٢٨٢) القَوْل فِي ذكر مَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِي إِثْبَات العبر والمقاييس السمعية
١٦٢٧ - اعْلَم، وفقك الله، أَن آكِد مَا يعْتَمد فِي تثبيت الِاجْتِهَاد والتمسك بِالرَّأْيِ وغلبات الظنون، إِجْمَاع الصَّحَابَة ﵃.
وَذَلِكَ أَنهم ﵃ اخْتلفُوا فِي امتداد عصرهم فِي مسَائِل من الْأَحْكَام " عدموا " فِيهَا النُّصُوص، فَتمسكُوا فِيهَا بطرق الِاجْتِهَاد.
следующие страницы →