Полный текст (1 418 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
أَن الْأَوْصَاف تَقْتَضِي الْأَحْكَام عقلا " أما " أَن تَقولُوا أَن ذَلِك ثَبت قطعا، أَو تسلكوا فِيهِ مَسْلَك غلبات الظنون.
فَإِن قُلْتُمْ: أَن ذَلِك ثَبت قطعا حَتَّى تَقولُوا على طرده أَن الطّعْم عِلّة الرِّبَا فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة عِلّة قطعا فِي التَّحْرِيم، فَهَذَا نِهَايَة التجاهل.
وَالَّذِي يَدعِي الْكَيْل يقطع بِمَا يَدعِيهِ عِلّة، وَلَا يكَاد يَتَّضِح فِي ذَلِك وَجه يَقْتَضِي الْقطع من جِهَة الْعقل، وَأَن يتَحَقَّق ذَلِك والمسئلة مجتهدة فِيهَا.
فَإِن قَالُوا: إِنَّا نسلك فِي ذَلِك غلبات الظنون.
فَنَقُول: " فالمحصول " إِذا، أَنا نجوز كَون الطّعْم عِلّة، ونجوز أَن لَا يكون عِلّة. فَأنى يتَحَقَّق مَعَ ذَلِك الْمصير إِلَى أَن الطّعْم يَقْتَضِي الحكم اقْتِضَاء الْعلَّة الْعَقْلِيَّة معلولها. وَهَذَا بَين فِي سُقُوط مَا قَالُوهُ.
وَقد أورد القَاضِي ﵁ على الْقَوْم طرقاً، وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ غنية إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٦٢٢ - فَإِن قَالُوا: الطَّرِيق الَّذِي يعرف بِهِ كَون الطَّرِيقَة الْعَقْلِيَّة عِلّة، أَو الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة دلَالَة، فنعرف بِهِ بِعَيْنِه كَون الْعِلَل الْحكمِيَّة عللاً، وأوضحوا ذَلِك بِأَن قَالُوا: إِذا أردنَا أَن نَعْرِف عِلّة كَون الْعَالم عَالما، فالطريق فِي ذَلِك، أَن نضبط أَولا، جَوَاز تَعْلِيل هَذَا الحكم وَعدم اسْتِحَالَة التَّعْلِيل بِهِ، حَتَّى إِذا ثَبت ذَلِك، سبرنا بعده الْأَحْوَال. وعرفنا بطلَان كَون الْعَالم عَالما لنَفسِهِ،
стр. 1122
أَو لِمَعْنى غير الْعلم من الْمعَانِي الْقَائِمَة بِالذَّاتِ، فَلَا نزال نسبر ونبطل الْأَقْسَام، حَتَّى ننتهي إِلَى تَعْلِيل هَذَا الحكم بِالْعلمِ. وَكَذَلِكَ القَوْل فِي كل حكم عَقْلِي مُعَلل بعلة عقلية، ثمَّ " إِن " اعْتِبَار الْعلَّة أَن يثبت الحكم عِنْد ثُبُوتهَا ويعدم عِنْد عدمهَا.
وحققوا ذَلِك بِأَن قَالُوا: لَا معنى لكَون الْعلم عِلّة فِي حكمهَا، إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ من الِاعْتِبَار، وَهَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه مَوْجُود فِي عِلّة الحكم. فَإنَّا إِذا نَظرنَا إِلَى تَحْرِيم الْخمر وأثبتنا أَولا جَوَاز تَعْلِيله، وَتبين لنا ارْتِفَاع الْمَوَانِع عَن التَّعْلِيل، ثمَّ قَدرنَا الشدَّة عِلّة فِي اقْتِضَاء التَّحْرِيم، بعد أَن اعْتبرنَا مَا عَداهَا من الْأَوْصَاف فَبَطل الِاعْتِبَار فِيمَا سواهَا، ثمَّ ألفينا الحكم يتَحَقَّق بِوُجُود الشدَّة - وَرُبمَا ينعكس أَيْضا، فَيَنْتَفِي الحكم بِانْتِفَاء الشدَّة - فقد ضاهى علل الْعُقُول وأدلتها. إِذْ أَدِلَّة الْعُقُول لَا يشْتَرط فِيهَا الانعكاس وَإِن اشْترط فِي الْعِلَل الْعَقْلِيَّة الانعكاس.
١٦٢٣ - وَالْجَوَاب عَن ذَلِك من أوجه. أقربها أَن نقُول: لَا مشابهة بَين المقاييس الشَّرْعِيَّة وَبَين الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، إِذْ كل حكم مُعَلل فِي الْعقل لَا يسوغ تَقْدِير ثُبُوته مَعَ اعْتِقَاد انْتِفَاء علته إِذْ لَا يجوز أَن تقدر عَالما لَا علم لَهُ. وَلَا " كَائِنا " لَا كَون لَهُ.
وَأما التَّحْرِيم الَّذِي فِي الصُّورَة الَّتِي فرضتم الْكَلَام فِيهَا، فَيجوز
стр. 1123
الْعقل تَقْدِير تَحْقِيقه، مَعَ وُرُود الشَّيْء ثمَّ نصا بِالْمَنْعِ من تَعْلِيله، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى جَحده فَلَو كَانَت الشدَّة تنزل منزلَة الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، لما سَاغَ تَجْوِيز وُرُود الشَّرْع بِمَنْع التَّعْلِيل بهَا وبغيرها / من الْأَوْصَاف. إِذْ الْعلم لما كَانَ عِلّة فِي كَون مَحَله عَالما، لم نجد فِي قضايا الْعُقُول قيام الدّلَالَة على خُرُوجه عَن كَونه عِلّة، وَقد ثَبت التَّحْرِيم فِي مَوَاضِع فِي الشَّرْع غير مُعَلل نَحْو تَحْرِيم الْخِنْزِير، وَمَا عداهُ مِمَّا يضاهيه فِي انْتِفَاء التَّعْلِيل. وَهَذَا وَاضح فِي إِسْقَاط مَا راموه.
١٦٢٤ - وَالْوَجْه الثَّانِي فِي الْجَواب أَن نقُول: لَا يَسْتَقِيم التَّعْلِيل عقلا، إِلَّا بِأَن نقدر حكما زَائِدا على الْعلَّة الْمُقْتَضِيَة للْحكم. فَنَقُول: كَون الْعَالم عَالما حكم زَائِد على الذَّات وعَلى نفس الْعلم، وَهُوَ مُعَلل بِالْعلمِ. وَهَذَا الحكم هُوَ الْحَال الَّذِي عظم فِيهِ اخْتِلَاف الْمُحَقِّقين نفيا وإثباتاً، والخوض فِيهِ يصدنا عَن الْمَقْصد.
ومطلبنا فِي هَذَا الْموضع أَن نبين، أَن الْعلَّة الْعَقْلِيَّة لَا يستر إِلَّا بِأَن نقدر لَهَا حكما زَائِدا عَلَيْهَا، إِذْ لَو لم نقل ذَلِك، وصرفنا الحكم إِلَى نفس الْعلم، أفْضى محصول القَوْل إِلَى أَن الْعلم عِلّة فِي الْعلم! وَهَذَا سَاقِط من الْكَلَام.
فَإِذا ثَبت ذَلِك قُلْنَا بعده للخصوم: فثبتوا التَّحْرِيم وَصفا زَائِدا وعللوه ليَكُون ذَلِك قِيَاس الْعِلَل ومعلولاتها عقلا.
стр. 1124
وَقد أوضحنا فِي صدر الْكتاب فِي غير مَوضِع، أَن التَّحْرِيم وَمَا عداهُ من أَحْكَام التَّكْلِيف لَيست بأوصاف ثَابِتَة للذوات، وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَة إِلَى أوَامِر الله تَعَالَى وزواجره وتحليله وندبه.
فَإِذا آل ذَلِك إِلَى نفس الْكَلَام، فكأنكم عللتم كَلَام الله المنعوت بالقدم بِوَصْف فِي الشَّرَاب المشتد. وَهَذَا نِهَايَة الإحالة. فأحط بِهِ علما.
١٦٢٥ - وَالْوَجْه الثَّالِث فِي الْجَواب أَن نقُول: لَو سَاغَ لكم الْمصير إِلَى أَن علل الْأَحْكَام مستدركة عقلا، لمضاهاتها الْعِلَل الْعَقْلِيَّة فِيمَا صدرتم الْكَلَام بِهِ فَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَنَّهَا لَا تضاهي الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، لمخالفتها إِيَّاهَا فِي الْجمل الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي أدلتها.
مِنْهَا: أَن الْأَوْصَاف الَّتِي تقدر عللا فِي الْأَحْكَام، قد كَانَت قبل وُرُود الشَّرَائِع وَهِي لَيست بعلل، وَتسَمى عِلّة بعد نسخ الحكم، وَهِي لَيست بعلة. وَمن شَأْن الْعِلَل الْعَقْلِيَّة أَلا تُوجد إِلَّا وَهِي علل، فَلَو سَاغَ لكم الْمصير إِلَى أَنَّهَا عقلية لمشابهتها الْعِلَل الْعَقْلِيَّة فِي وَجه، لساغ لنا أَن لَا نقدرها عللا عقلية، لخروجها عَن مشابهة الْعِلَل الْعَقْلِيَّة فِي وُجُوه. وَهَذَا مَا لَا مخلص للخصم عَنهُ.
١٦٢٦ - فَإِن قَالُوا: فطرد مَا ذكرتموه يَقْتَضِي إِحَالَة التعلل بالأوصاف الَّتِي استشهدنا بهَا وَقد وافقتمونا على جَوَاز وُرُود الشَّرَائِع بنصبها عللا، فَلَو كَانَ كَونهَا عللا مستحيلا عقلا، لما ذكرتموه - لما جَازَ وُرُود الشَّرَائِع بنصبها عللا. إِذْ الْأَدِلَّة السمعية لَا ترد إِلَّا بجائزات الْعُقُول.
فَنَقُول: هَذَا تمويه مِنْكُم فَإِن الَّذِي أحلنا عقلا، لَا يجوز وُرُود الشَّرْع بتجويزه، وَالَّذِي جَوَّزنَا وُرُود الشَّرْع بِهِ، غير ذَلِك. فَإنَّا جَوَّزنَا وُرُود الشَّرَائِع
стр. 1125
بِأَن تنصب بعض الْأَوْصَاف أَمَارَات فِي الْأَحْكَام، من غير أَن تكون أَعْيَان الأمارات مُوجبَة للْأَحْكَام ونزلنا ذَلِك منزلَة التَّوَاضُع على نصب الْإِعْلَام مَعَ اعْتِقَاد جَوَاز انتفائها وَثُبُوت / " اعْتِبَارهَا " آنذاك. فَخرج من ذَلِك أَن الَّذِي جَوَّزنَا وُرُود الشَّرْع بِهِ غير الَّذِي نفيناه وأثبتنا استحالته وَأَنْتُم معاشر الْمُحَقِّقين لَا تجيزون كَون الْأَوْصَاف أَمَارَات بل تَزْعُمُونَ أَنَّهَا مُوجبَات لذواتها. وَأَنَّهَا كالعلل الْعَقْلِيَّة وَهَذَا " مَا سمناكم " إِبْطَاله قبل وُرُود الشَّرَائِع وَبعدهَا، فافهموا الْفَصْل بَين المنزلتين وجانبوا التلبيس، ترشدوا. فَإِذا ثَبت بِمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا، اسْتِحَالَة كَون الأمارات الْحكمِيَّة نازلة منزلَة الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، وَتبين أَنه لَا يتَوَصَّل إِلَى كَونهَا أَدِلَّة " عقلا " وَإِنَّمَا يتَوَصَّل إِلَى كَونهَا أَدِلَّة، سمعا فَنحْن الْآن نذْكر الطّرق السمعية الدَّالَّة على ثُبُوت المقاييس فِي الْأَحْكَام.
(٢٨٢) القَوْل فِي ذكر مَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِي إِثْبَات العبر والمقاييس السمعية
١٦٢٧ - اعْلَم، وفقك الله، أَن آكِد مَا يعْتَمد فِي تثبيت الِاجْتِهَاد والتمسك بِالرَّأْيِ وغلبات الظنون، إِجْمَاع الصَّحَابَة ﵃.
وَذَلِكَ أَنهم ﵃ اخْتلفُوا فِي امتداد عصرهم فِي مسَائِل من الْأَحْكَام " عدموا " فِيهَا النُّصُوص، فَتمسكُوا فِيهَا بطرق الِاجْتِهَاد.
стр. 1126
وَاخْتلفت فِيهَا آراؤهم. وَقد اشْتهر ذَلِك مِنْهُم، وَظهر مِنْهُم على انْقِضَاء الدَّهْر وَالْعصر، وَلم يجحدوا الِاجْتِهَاد عِنْد عدم النُّصُوص.
وَهَذَا فِي ظُهُوره مستغن عَن نقل قصَص وآحاد مسَائِل.
١٦٢٨ - غير أَن القَاضِي ﵁، أَشَارَ إِلَى حوادث تمسكوا فِيهَا بِالرَّأْيِ، وَهِي أَكثر من أَن تحصى. فَمِنْهَا: اخْتلَافهمْ فِي الْجد وتوريثه مَعَ الْأَخ، فَذهب بَعضهم إِلَى تَقْدِيم الْجد، مصيرا إِلَى كَونه كَالْأَبِ. وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن الْإِخْوَة مَعَ الْجد، ذَهَابًا مِنْهُم إِلَى أَن طَرِيق إدلائه بالبنوة. وَمَا زَالُوا يتحاورون فِي ذَلِك طرق الْمعَانِي، ويتمثلون فِي " الإدلاء " بِالْقربِ والبعد " بالأمثال " من نَحْو تَمْثِيل الْأَشْجَار وغصونها، وتشعب الخليج عَن
стр. 1127
النَّهر الْكَبِير، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا استفاض عَنْهُم ﵃.
وَمِنْهَا تمسكهم بسبيل الِاجْتِهَاد نفيا وإثباتا.
وَمِنْهَا اخْتلَافهمْ فِي حد الشَّارِب، مَعَ استرواحهم إِلَى مَحْض الرَّأْي مِنْهُم حَتَّى قَالَ عَليّ ﵁ أَنه إِذا شرب سكر، وَإِذا سكر هذى، وَإِذا هذى افترى، فَأرى عَلَيْهِ حد المفتري، ثَمَانِينَ جلدَة.
ثمَّ كَانَ يَقُول مَا أحد " يُقَام " عَلَيْهِ حد، فَيَمُوت فأجد فِي نَفسِي مِنْهُ شَيْئا أتخوفه. إِلَّا شَارِب الْخمر. فَإِنَّهُ شَيْء رَأَيْنَاهُ بعد رَسُول الله [ ﷺ ] .
واشتهر فِي زمن الرَّسُول [ ﷺ ] ضرب الشَّارِب بالنعل وأطراف الثِّيَاب، ثمَّ
стр. 1128
إِن الصَّحَابَة ﵃ ردُّوهُ إِلَى الْجلد، وقوموه بمبلغ مِنْهُ، على خلاف فِيهِ. وَمِنْهَا تمسكهم بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد فِي جمع الْقُرْآن فِي الْمُصحف، وَلم يصادفوا فِي ذَلِك نصا، وَلَو صادفوا لابتدروا إِلَيْهِ فِي أول الزَّمَان، ومشهور أَن كتبة الْمَصَاحِف تمت فِي زمن عُثْمَان ﵁.
стр. 1129
وَمِمَّا تمسكوا فِيهِ بِالرَّأْيِ مسَائِل من الطَّلَاق، نَحْو تَخْيِير الزَّوْجَة والتلفظ بِلَفْظ التَّحْرِيم إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى " كَثْرَة ".
وعد القَاضِي ﵁ من هَذِه الْجُمْلَة كَلَامهم الْمَأْثُور فِي عقد الْخلَافَة لأبي بكر ﵁ فَإِنَّهُم تمسكوا فِي بَدْء الْأَمر بأطراف
стр. 1130
الِاجْتِهَاد وَنحن " نرى " لَك أَن تجتزئ بِمَا قدمْنَاهُ حَتَّى لَا ينجر الْكَلَام إِلَى الْإِمَامَة والتنصيص عَلَيْهَا، وَوجه الِاخْتِيَار فِيهَا / فَثَبت بِمَا ذَكرْنَاهُ تمسك أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] وَرَضي عَنْهُم بِالِاجْتِهَادِ والتحري فِيمَا ذَكرْنَاهُ من الْمسَائِل وأمثالها.
١٦٢٩ - وَالَّذِي يعضد الْأَدِلَّة شَيْئَانِ اثْنَان هما كالركنين للدليل.
أَحدهمَا أَن نقُول: لَا يَخْلُو حَال الصَّحَابَة فِي الْحَوَادِث الَّتِي ذَكرنَاهَا وأمثالها: إِمَّا أَن لَا تكون مَعَهم فِيهَا نُصُوص قواطع، وَإِمَّا أَن تكون مَعَهم فِيهَا نُصُوص عثروا بأجمعهم عَلَيْهَا، وَإِمَّا أَن يَكُونُوا مَعَ بَعضهم فِيهَا نُصُوص.
وَيبْطل ادِّعَاء عثورهم بأجمعهم على النُّصُوص، فَإِنَّهُ ظهر واشتهر مِنْهُم التَّمَسُّك بِالِاجْتِهَادِ فِي طرق الِاعْتِبَار، ووضح عَنْهُم الِاخْتِلَاف، وَلَو كَانَت مَعَهم نُصُوص قواطع لما اخْتلفُوا وَلما سوغ بَعضهم لبَعض التَّمَسُّك بِرَأْيهِ فِي فَتَاوِيهِ واجتهاداته. إِذْ لَا عذر لمن يُخَالف النَّص الْمَقْطُوع بِهِ.
وَأَيْضًا، فَلَو علمُوا نصوصا، لنقلت عَنْهُم، كَمَا نقلت سَائِر النُّصُوص " فَبَطل " أَن تكون فِي المسئلة نُصُوص وَقد ذهلوا بأجمعهم عَنْهَا، فَإِنَّهُ لَو
стр. 1131
كَانَ كَذَلِك وَقد اخْتلفُوا وسوغ كل وَاحِد مِنْهُم لصَاحبه اتِّبَاع رَأْيه وحظر عَلَيْهِ التَّقْلِيد لَكَانَ ذَلِك اتِّفَاقًا مِنْهُم على الْبَاطِل.
وَلَو سَاغَ ذهولهم عَن النُّصُوص فِي الْحَوَادِث الَّتِي ذَكرنَاهَا، لم نَأْمَن ذهولهم عَن أصُول الشَّرِيعَة، " لم ينقلوها " وَلم نَأْمَن تحريفهم مَا نقلوه متعمدين أَو مقصرين فِي ذَلِك. وَهَذَا أعظم الافتراء على أَصْحَاب الرَّسُول [ ﷺ ] . وَفِيمَا قدمْنَاهُ من أَدِلَّة الْإِجْمَاع مَا يحسم هَذِه التجويزات.
فَإِن قيل: فَمَا يؤمنكم أَن النَّص كَانَ مَعَ بَعضهم دون بعض؟
قُلْنَا: فَهَذَا أَيْضا تورط فِيمَا ذَكرْنَاهُ، فَإِن الَّذِي يقدر " مَعَه " النَّص كَانَ من حَقه أَن يمْنَع الكافة من مُخَالفَة مُقْتَضَاهُ، وَلَا يسوغ لَهُم تتبع اجتهادهم فَلَو قدر مِنْهُم الصمت على نقل النَّص وتسويغ الْخلاف، وَقدر من البَاقِينَ عدم العثور على ذَلِك النَّص، فَهَذَا بِعَيْنِه يُفْضِي إِلَى مصيرهم إِلَى خلاف الْحق وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ، فَهَذَا أحد الرُّكْنَيْنِ.
١٦٣٠ - والركن الثَّانِي مَا ذَكرْنَاهُ فِي خلل الْكَلَام من أَن الصَّحَابَة مَعَ اخْتلَافهمْ وتناظرهم فِي الْمسَائِل، مَا كَانَ يحسم وَاحِد عَن أَصْحَابه بَاب الْفَتْوَى بِرَأْيهِ واجتهاده.
قَالَ القَاضِي ﵁. وَهَذَا مَنْقُول عَنْهُم ضَرُورَة، فَكَمَا نعلم من أهل عصرنا أَن الْمُخْتَلِفين فِي الْمسَائِل المجتهدة يجوز كل طَائِفَة للباقين اتِّبَاع الِاجْتِهَاد فَكَذَلِك نعلم ذَلِك قطعا من عادات أَصْحَاب الرَّسُول [ ﷺ ] .
стр. 1132
فالمقصد من الْأَدِلَّة إِذا، أَنا فَرضنَا إِثْبَات الْأَحْكَام فِي عصر الصَّحَابَة مَعَ عدم النُّصُوص وَتحقّق جِهَات الِاحْتِمَالَات.
١٦٣١ - وَدَاوُد ومتبعوه من نفاة الْقيَاس لَا يرَوْنَ إِلَّا التَّمَسُّك بالنصوص فَإِن عدمت فَلَا حكم لله على الْمُكَلّفين من الْحَوَادِث الشاغرة عَن النُّصُوص. وَهِي كجملة الْأَفْعَال قبل وُرُود الشَّرَائِع.
١٦٣٢ - وللمخالفين على هَذِه الدّلَالَة أسولة.
مِنْهَا أَن قَالُوا: قد عولتم فِي تمهيد الدّلَالَة على أَن الصَّحَابَة، كَانَ يسوغ بَعضهم لبَعض اتِّبَاع اجْتِهَاده من غير منع فِيهِ. وَهَذَا لَيْسَ كَمَا ادعيتموه.
فَإِنَّهُم كَانُوا يعظمون النكير فِي صور الِاخْتِلَاف.
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن عَائِشَة ﵂، قَالَت لزيد بن أَرقم - وَقد جوز زيد بيع الْعينَة - / لقد أبطل جهاده مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] .
стр. 1133
وَكَذَلِكَ تناكر أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] فِي مسَائِل من الْفَرَائِض اخْتلفُوا فِيهَا حَتَّى قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ إِن الَّذِي أحصى رمل عالج عددا، لم يَجْعَل فِي المَال نصفا وثلثين إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يُؤثر عَنْهُم.
١٦٣٣ - " فَنَقُول " لَيْسَ لكم فِيمَا ذكرتموه معتصم، من أوجه: -
أَحدهَا أَن التَّمَسُّك بآحاد هَذِه الْأَخْبَار لَا يقْدَح فِيمَا اعتصمنا بِهِ من اختلافاتهم وَعدم منع كل وَاحِد مِنْهُم أَصْحَابه فِي اتِّبَاع اجْتِهَاده، وَقد ادعينا الضَّرُورَة فِي ذَلِك وَمثل هَذَا الأَصْل لَا يخرم بآحاد الْأَلْفَاظ تذكر وتوثر.
وَهَذَا كَمَا أَنه تجْرِي فِي زَمَاننَا بَين المتناظرين من الْفُقَهَاء التخطئة وَرُبمَا
стр. 1134
يتعدونها، وَرُبمَا يَقُول شَافِعِيّ الْمَذْهَب، أَخطَأ أَبُو حنيفَة، وَكَذَلِكَ الْحَنَفِيّ.
ثمَّ هَذَا إِذا اتّفق التَّلَفُّظ بِهِ، لَيْسَ بقادح فِي الْإِجْمَاع المنعقد على أَن كل إِمَام لَا يمْنَع اتِّبَاع اجْتِهَاده فِي مسَائِل الْفُرُوع، فَهَذَا وَجه فِي الْجَواب.
وَالْوَجْه الآخر أَن نقُول: لَيْسَ فِي شئ مِمَّا ذكرتموه، الْمَنْع من التَّعَلُّق بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَاد، بل اتَّفقُوا كلهم بطرق الِاجْتِهَاد. ثمَّ تلفظ بَعضهم بِمَا ذكرتموه وَلم يقل أحد مِنْهُم أَن التَّمَسُّك بِالِاجْتِهَادِ غير سَائِغ. ومقصدنا فِي طرد الدلالات إِثْبَات التَّمَسُّك بِأَصْل الِاجْتِهَاد عِنْد عدم النُّصُوص، وَلم يُؤثر فِي أصل الِاجْتِهَاد " تناكر ".
على أَنا سنفرد لتأويل مَا تمسكوا بِهِ من الْأَخْبَار فصلا، نطلعك فِيهِ على الْوُجُوه الَّتِي تناكروا لأَجلهَا.
١٦٣٤ - ثمَّ نقُول: هَذَا الَّذِي ذكرتموه من تناكرهم لَا يغنيكم.
وَذَلِكَ أَنا نقُول: قد عدم النُّصُوص فِي حوادث، وَمن ادّعى أَن كل صُورَة تكلم فِيهَا الصَّحَابَة وَاخْتلفُوا فِيهَا كَانَ الحكم فِيهَا مَنْصُوصا " عَلَيْهِ " من الْكتاب وَالسّنة، فقد افترى عَلَيْهِم افتراء عَظِيما، واقترب من جحد الضَّرُورَة. فَإنَّا نعلم بالطرق المستفيضة، أَنهم تكلمُوا فِي شذوذ من الْمسَائِل،
стр. 1135
وَكَانَت تعن على " مر " الدهور وَمَا صادفوا فِيهَا خَبرا مَنْقُولًا نصا، وَلَا آيَة من كتاب الله تَعَالَى. فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه.
١٦٣٥ - سُؤال آخر لَهُم.
فَإِن قَالَ قَائِل: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَنهم إِنَّمَا اخْتلفُوا لوجه آخر، سوى مَا ادعيتموه. وَذَلِكَ أَن بَعضهم رُبمَا تمسك بِعُمُوم، وَرَأى التَّمَسُّك بِالْعُمُومِ وَاجِبا قطعا، و " لم ير " بَعضهم " جملَة " التَّمَسُّك بِالْعُمُومِ أصلا ورى على الْأَقَل. وَذهب بَعضهم إِلَى التَّمَسُّك بِمَفْهُوم الْخطاب، وَأنكر بَعضهم القَوْل بِدَلِيل الْخطاب، وآثر بَعضهم القَوْل بقضية الْعقل مستصحبا إِيَّاهَا. فَكَأَن اخْتلَافهمْ لهَذِهِ الْوُجُوه، لَا للتمسك بالآراء والاجتهادات.
وَالْجَوَاب عَن ذَلِك من أوجه، أَحدهَا أَن نقُول: قد نقلنا عَنْهُم ﵃ التَّمَسُّك بالاجتهادات وطرق التآخي والتحري والتمثيلات نقلا مستفيضا، من أنكر ذَلِك كَانَ معاندا وَكَانَ بِمَنْزِلَة من أنكر أصلا اخْتلَافهمْ.
وَالْوَجْه الآخر فِي الْجَواب أَن نقُول: إِن لم تساعدونا على نقل الِاجْتِهَاد من جَمِيعهم، " فَلم " تنكرون أَن بَعضهم تمسك بِالِاجْتِهَادِ فِي زمن الصَّحَابَة وانتشر ذَلِك فيهم، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى / جَحده.
стр. 1136
ثمَّ مَعَ ذَلِك لم يُنكر أحد أصل الِاجْتِهَاد، وَإِنَّمَا تكلمُوا فِي تفاصيله.
١٦٣٦ - فَإِن قَالُوا: ألستم قدمتم فِي مسَائِل الْإِجْمَاع، أَن القَوْل الْمُنْتَشِر الَّذِي لم يبد عَلَيْهِ نَكِير، لَا ينزل منزلَة الْإِجْمَاع؟
قُلْنَا: إِن سلكنا طَريقَة بعض أَصْحَابنَا فِي تَنْزِيل ذَلِك منزلَة الْإِجْمَاع فَفِيهِ دفع السُّؤَال. على أَنا وَإِن سلكنا الطَّرِيقَة الْأُخْرَى، فَلَيْسَ فِيمَا ذكرتموه مخلص. وَذَلِكَ أَنا إِنَّمَا نجوز تَقْدِير الصمت وَالسُّكُوت على القَوْل الْمُنْتَشِر إِذا لم يكن فَسَاده وَصِحَّته مَقْطُوعًا بِهِ، فَيحمل صمت الصامتين على وُجُوه ذَكرنَاهَا.
وَأما إِذا كَانَت المسئلة مَقْطُوعًا بهَا، فَلَا يسوغ أَن يظْهر الْوَاحِد خلاف الْحق فِيهَا. ويصمت عَنهُ الْبَاقُونَ وَالْقَوْل بِالِاجْتِهَادِ وَالْكَلَام فِيهِ نفيا وإثباتا من القطعيات.
١٦٣٧ - وَالْجَوَاب الآخر أَن نقُول: مَا ذكرتموه من تمسككم بالطرق الَّتِي أشرتم إِلَيْهَا، لَا تَحْقِيق وَرَاءه وَذَلِكَ أَن نقُول: تِلْكَ الطّرق لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون قواطع فَإِن ادعيتم أَنَّهَا كَانَت قواطع، فقد خرقتم الْإِجْمَاع. فَإِن الْأمة مجمعة على اسْتِحَالَة اجْتِمَاع أَدِلَّة قَطْعِيَّة على أَحْكَام مُخْتَلفَة فِي حَادِثَة وَاحِدَة.
وَأَنْتُم معاشر نفاة الْقيَاس لَا تَقولُونَ بتصويب الْمُجْتَهدين، والقائلون بتصويب الِاجْتِهَاد إِنَّمَا يَقُولُونَ بِهِ عِنْد غلبات الظنون وفقد أَدِلَّة قَاطِعَة.
فَبَطل أَن يُقَال: كل مَا تمسكوا بِهِ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ.
١٦٣٨ - وَإِن زَعَمُوا أَن وَاحِدًا من الطّرق الَّتِي تمسكوا بهَا كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ، فقد عَاد بِنَا الْكَلَام إِلَى أَن العاثر عَلَيْهِ لَا يمْنَع مخالفيه عَن اجتهادهم وَلم
стр. 1137
يحسم عَلَيْهِم بَاب التَّحَرِّي، فيجتمع من عدم عثور البَاقِينَ على الدّلَالَة القاطعة من تسويغ العاثر عَلَيْهَا الِاخْتِلَاف، تَجْوِيز اجْتِمَاعهم على الضلال، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ مَعَ القَوْل بِحجَّة الْإِجْمَاع. فَثَبت بجملة مَا ذَكرْنَاهُ أَن مَا أومأوا إِلَيْهِ وادعوه لَيست بأدلة قَاطِعَة وَإِذا ثَبت أَنَّهَا لَيست بنصوص فقد وضح اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي الْأَحْكَام مَعَ عدم النُّصُوص ووضوح طرق الِاحْتِمَالَات.
(٢٨٣) فصل
ذكر بعض الْأَخْبَار والْآثَار فِي مصير أَئِمَّة الصَّحَابَة إِلَى الرَّأْي
١٦٣٩ - ذكر القَاضِي ﵁ بعد مَا طرد الْأَدِلَّة آحادا من الْأَخْبَار فِي مصير أَئِمَّة الصَّحَابَة إِلَى الرَّأْي، وكل وَاحِد مِنْهَا لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَلَكِن يتَبَيَّن بجملتها استفاضة الْمَعْنى، وَإِن لم يستفض كل خبر على حياله.
فَمِنْهَا مَا يرويهِ مَيْمُون بن مهْرَان عَن أبي بكر الصّديق ﵁ أَنه قَالَ: " إِذا ورد حكم. نظرت فِي كتاب الله تَعَالَى فَإِن وجدت فِيهِ مَا " أقضى " بِهِ نظرت فِي سنة رَسُول [ ﷺ ] فَإِن وجدت فِيهَا مَا اقضى بِهِ قضيت بِهِ، وَإِن أعياني ذَلِك، سَأَلت النَّاس، هَل علمْتُم أَن نَبِي الله [ ﷺ ] قَالَ
стр. 1138
فِي ذَلِك قولا، فَإِن لم أجد استشرت الْعلمَاء. فَإِن أجمع رَأْيهمْ على شَيْء قضيت بِهِ وَهَذَا تَصْرِيح بإجماعهم على الرَّأْي.
وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان وَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يفعل مثل ذَلِك. وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ: من عرض لَهُ قَضَاء فليقض بِمَا فِي كتاب الله تَعَالَى فَإِن جَاءَهُ أَمر لَيْسَ فِي كتاب الله / فليقض بِمَا قضى بِهِ نبيه [ ﷺ ] (فَإِن جَاءَهُ أَمر لَيْسَ فِي كتاب الله تَعَالَى) وَلم يقْض بِهِ نبيه وَلَا الصالحون فليجتهد بِرَأْيهِ.
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عَبَّاس ﵁ أَنه كَانَ يفعل ذَلِك على التَّرْتِيب الَّذِي روينَاهُ.
стр. 1139
وَكتب عمر بن الْخطاب ﵁ إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ كتابا مَشْهُورا، وَفِيه " الْفَهم الْفَهم فِيمَا " أدلى " إِلَيْك مِمَّا لَيْسَ فِي قُرْآن وَلَا سنة. ثمَّ قايس الْأُمُور عِنْد ذَلِك، واعرف الْأَمْثَال والأشباه، واعمد إِلَى أشبههَا بِالْحَقِّ " وَهَذَا تَصْرِيح بِالْأَمر بِالْقِيَاسِ.
وَقَالَ عمر لعُثْمَان ﵄ " إِنِّي رَأَيْت فِي الْجد رَأيا، فَاتبعُوني " فَقَالَ عُثْمَان: " إِن نتبع رَأْيك فرأيك سديد، وَإِن نتبع رَأْي من كَانَ قبلك يَعْنِي أَبَا بكر ﵁ فَنعم ذُو الرَّأْي كَانَ ".
وَرُوِيَ عَن زَاذَان أَنه قَالَ: تَذَاكر الْعلمَاء الْخِيَار عِنْد عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَقَالَ عَليّ: " إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر قد سَأَلَني عَنهُ،
стр. 1140
فَقلت لَهُ: إِن اخْتَارَتْ زَوجهَا فَهِيَ وَاحِدَة وَهُوَ أَحَق بهَا فَبَايَعته. فَلَمَّا خلص الْأَمر إِلَيّ وَعلمت أَنِّي أسئل عَن الْفروج، عدت إِلَى مَا كنت أرى فَقَالُوا: أَمر جامعت عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَتركت رَأْيك لَهُ، أحب إِلَيْنَا من أَمر تفردت بِهِ، فَضَحِك وَقَالَ: أما أَنه أرسل إِلَى زيد بن ثَابت فخالقي وإياه، فَقَالَ: إِن اخْتَارَتْ زَوجهَا فَهِيَ وَاحِدَة وَزوجهَا أَحَق بهَا، وَإِن اخْتَارَتْ نَفسهَا فَهِيَ ثَلَاثَة لَا تحل لَهُ حَتَّى تنْكح زوجا غَيره.
وروى عُبَيْدَة عَن عَليّ بن / أبي / طَالب ﵁ أَنه قَالَ: استشارني عمر فِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد، فأجمعت أَنا وَهُوَ على عتقهَا، ثمَّ رَأَيْت بعد، أَن أرقهن. فَقَالَ لَهُ عُبَيْدَة: رأى ذَوي عدل أحب إِلَى من رأى عدل
стр. 1141
وَاحِد.
وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود فِي قصَّة بروع بنت واشق أَقُول فِيهَا برأيي فَإِن كَانَ صَوَابا فَمن الله، وَإِن كَانَ خطأ فمني وَمن الشَّيْطَان.
وَقَالَ عبد الله بن عَبَّاس فِي ديات الْأَسْنَان لما قسمهَا عمر ﵁ على اخْتِلَاف مَنَافِعهَا هلا اعتبرها بالأصابع، عقلهَا سَوَاء وَإِن اخْتلفت مَنَافِعهَا.
стр. 1142
وَقَالَ ابْن عَبَّاس " أَلا يَتَّقِي الله زيد بن ثَابت يَجْعَل ابْن الإبن ابْنا وَلَا يَجْعَل / أَب / الْأَب أَبَا.
فَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَأَمْثَاله مِمَّا أضربنا عَنهُ، يَقْتَضِي خوض الصَّحَابَة ﵃ فِي طرق الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد فِي " الْحَوَادِث " الَّتِي عدموا فِيهَا النُّصُوص.
١٦٤٠ - قَالَ القَاضِي ﵁ قد صَار تمسكهم بِالرَّأْيِ وتسويغهم التَّعَلُّق بطرق الإجتهاد مدْركا ضَرُورَة كَمَا أدْرك اخْتلَافهمْ على الْجُمْلَة ضَرُورَة، وَإِن كَانَت صُورَة الِاخْتِلَاف نقلت آحادا.
١٦٤١ - وَمِمَّا اعْترض بِهِ نفاة الْقيَاس على هَذِه الدّلَالَة أَن قَالُوا: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَنهم كَانُوا يجتهدون ويعملون بِمَا يرَوْنَ، بيد أَن طَرِيق إجتهادهم كَانَ جمع النُّصُوص والبحث عَنْهَا وَحمل الْعُمُوم على الْخُصُوص، وَذكر النَّاسِخ والمنسوخ، واستنباط دَلِيل الْخطاب، وَمَفْهُومه من الْمَنْطُوق بِهِ إِلَى غير ذَلِك من طرق التَّصَرُّف والألفاظ والظواهر؟
стр. 1143
فَيُقَال لَهُم: قد " فرط " مِنْكُم هَذَا السُّؤَال. وَنحن الْآن نقُول فِي جَوَابه، إِن زعمتم معاشرة نفاة الْقيَاس أَنه لم يتَّفق فِي زمن أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] وَرَضي عَنْهُم حَادِثَة شاغرة عَن النُّصُوص ووجوه خطاب الْكتاب وَالسّنة منطوقا ومفهوما وخصوصا وعموما، فقد جحدتم الضَّرُورَة.
وَكَذَلِكَ إِن أنكرتم تمسكهم / فِي " أَمْثَال " هَذِه الْحَوَادِث بطرق الْأَمْثَال والأشباه، فقد باهتم مباهتة عَظِيمَة. وأفصحتم بمراغمة الضَّرُورَة. وَلَيْسَ علينا إِلَّا إِيضَاح الطّرق. فَإِن باهتم، قطع الْكَلَام عَنْكُم.
على أَنا نقُول: وَالَّذِي تمسكوا بِهِ كَانَ من الْأَدِلَّة القطعية أَو لم يكن مِنْهَا؟ وَقد سبق إستقصاونا لذَلِك " مَا يُغني " عَن إِعَادَته.
(٢٨٤ فصل)
(مُشْتَمل على ذكر مَا يتَمَسَّك بِهِ نفاة الْقيَاس من الظَّوَاهِر)
١٦٤٢ - فمما تمسكوا بِهِ، مَا رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعا من صُدُور الرِّجَال، وَلَكِن يقبض الْعلمَاء، فَإِذا لم يبْقى عَالم، اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا، فأفتوا برأيهم، فضلوا وأضلوا. فَجعل
стр. 1144
الْفَتْوَى بِالرَّأْيِ ضلالا.
وَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " تعْمل هَذِه الْأمة بُرْهَة بِكِتَاب الله، وبرهة بِسنة رَسُول الله [ ﷺ ] ، وبرهة بِالرَّأْيِ، فَإِذا فعلوا ذَلِك، فقد ضلوا ".
وَرُوِيَ عَنهُ [ ﷺ ] أَنه قَالَ " تفترق أمتِي على بضع وَسبعين فرقة أضرها على أمتِي قوم يقيسون الْأُمُور بآرائهم، فيحللون الْحَرَام ويحرمون الْحَلَال ".
وَرُوِيَ عَن معَاذ بن جبل عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ حِين بَعثه إِلَى الْيمن " إِذا جَاءَك مَا لَيْسَ فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَاكْتُبْ إِلَيّ فِي ذَلِك ".
стр. 1145
قَالُوا: وروى وَاثِلَة بن الْأَسْقَع عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " لم يزل أَمر بني إِسْرَائِيل مُسْتَقِيمًا حَتَّى حدث فيهم السبايا، فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلو ".
وَرُوِيَ / عَن / عمر ﵁ أَنه قَالَ. قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " مَا تركت شَيْئا مِمَّا " أَمركُم " الله بِهِ إِلَّا وَقد أَمرتكُم بِهِ، وَلَا شَيْئا مِمَّا نهاكم عَنهُ إِلَّا وَقد نَهَيْتُكُمْ عَنهُ ".
قَالُوا: فَهَذَا دَلِيل على أَن مَقَاصِد الْأَحْكَام محصورة فِي كتاب الله وَسنة نبيه، وَلَا تعدوهما.
١٦٤٣ - وَمِمَّا اعتصموا بِهِ من وَجه الْآثَار، مَا رُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق ﵁، أَنه قَالَ: " أَي سَمَاء تُظِلنِي وَأي أَرض تُقِلني، إِذا قلت فِي كتاب الله برأيي ".
وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ " إيَّاكُمْ وَأَصْحَاب الرَّأْي، فَإِنَّهُم أَعدَاء السّنَن، أعيتهم الْأَحَادِيث أَن يحفظوها، فَقَالُوا بِالرَّأْيِ، فضلوا وأضلوا ".
стр. 1146
وَعَن عمر وَعلي ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا " لَو كَانَ الدّين بِالْقِيَاسِ لَكَانَ مسح بَاطِن الْخُف أولى من ظَاهره ". قَالَ عَليّ ﵁: وَلَكِنِّي رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] يمسح ظاهرهما.
وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود ﵁ " إِذا مضى قراؤكم وعلماؤكم فيتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا فيقيسون مَا لم يكن بِمَا كَانَ، فَإِن علمْتُم بِالْقِيَاسِ أحللتم كثيرا مِمَّا حرم الله، وحرمتم كثيرا مِمَّا أحل الله.
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁ " أَن الله لم يَجْعَل لأحد أَن يحكم فِي دين الله بِرَأْيهِ، وَقَالَ لنَبيه [ ﷺ ] ﴿لتَحكم بَين النَّاس بِمَا أرك الله﴾ وَلم يقل بِمَا رَأَيْت.
فَهَذَا وَأَمْثَاله مِمَّا تمسكوا بِهِ.
стр. 1147
١٦٤٤ - وَالْجَوَاب عَن ذَلِك من أوجه:
أَحدهَا أَن نقُول: هَذَا تعرض مِنْك لمعارضة مَا " نقل " عَن الصَّحَابَة ضَرُورَة وتواترا، بآحاد من الْآثَار، وَهَذَا لَا يَسْتَقِيم. ويداني مَا تمسكتم بِهِ من الْآثَار مَا نقل عَن الصَّحَابَة من ذمّ الإختلاف وَالنَّدْب إِلَى اتِّحَاد الْكَلِمَة، مَعَ علمنَا ضَرُورَة فِي بعض الْحَوَادِث باختلافهم.
على أَن مُعظم مَا رَوَوْهُ من الْأَخْبَار والْآثَار مطعونة، لم يتقبلها أهل " الصِّنَاعَة " فإياك وَأَن / تكثرت بِمَا تمسكوا بِهِ من الْآثَار، فَإِنَّهُم عارضوا بهَا المستفيض الْمُتَوَاتر. على أَنا سنؤمن إِلَى طرق تَأْوِيلهَا.
١٦٤٥ - فَأَما مَا تمسكوا بِهِ من الْأَخْبَار، فنعارضهم أَولا، بِمَا هُوَ أثبت مِنْهَا نقلا وَأَصَح رِوَايَة من الْأَخْبَار الْمَشْهُورَة عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ لِمعَاذ حِين بَعثه إِلَى الْيمن " بِمَ تحكم يَا معَاذ؟ قَالَ بِكِتَاب الله. قَالَ: فَإِن لم تَجِد؟ قَالَ: فبسنة رَسُول الله [ ﷺ ] / قَالَ / فَإِن لم تَجِد؟ قَالَ: فأجتهد رَأْيِي فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُوله لما يرضاه / الله / وَرَسُوله.
стр. 1148
وَهَذَا حَدِيث صَحِيح متلقى بِالْقبُولِ، صَرِيح فِي إِثْبَات الْقيَاس.
وَقد حكم رَسُول الله [ ﷺ ] للسَّائِل عَن قبْلَة الصَّائِم " أَرَأَيْت لَو تمضمضت؟ " وَهَذَا قِيَاس مِنْهُ [ ﷺ ] .
وَقَالَ للخثعمية الَّتِي أَحرمت عَن أَبِيهَا " أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيته؟ " وَهَذَا تَشْبِيه مِنْهُ [ ﷺ ] لِلْحَجِّ بِالدّينِ. إِلَى غير
стр. 1149
ذَلِك من الْأَخْبَار الَّتِي يطول تتبعها.
١٦٤٦ - " وَأما " مَا اعتصموا بِهِ من الْأَخْبَار، فلك " فِيهَا " طَرِيقَانِ.
أَحدهمَا: أَن لَا تقبلهَا لكَونهَا آحادا. وَقد ثَبت الْإِجْمَاع الْمَقْطُوع بِهِ كَمَا ذَكرْنَاهُ.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن تتأولها أسهل المرام، و " لَهَا " طرق.
أَحدهَا: أَن يحمل على قِيَاس الْجُهَّال، الذاهبين عَن النُّصُوص مَعَ ثُبُوتهَا الذاهلين عَن طرق الإستنباط. وعَلى هَذَا يدل فحوى مُعظم الْأَحَادِيث الَّتِي تمسكوا بهَا. وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] " اتَّخذُوا رُؤَسَاء جُهَّالًا " وَنحن نعلم أَنه لَا سَبِيل إِلَى حمل ذَلِك على عُلَمَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، فَهَذَا وَجه.
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يحمل على الْقيَاس مَعَ وجود النُّصُوص، وَترك الْبَحْث عَنْهَا، وَعَلِيهِ تدل أخبارهم إِذا تتبعتها.
وَالْوَجْه الآخر أَن يحمل على الرَّأْي الْمُجَرّد، والإستحسان الَّذِي هُوَ آئل إِلَى التشهي دون سَبِيل الاستنباط.
١٦٤٧ - وَمِمَّا حمل القَاضِي ﵁ إخبارهم عَلَيْهِ أَن قَالَ / مَا / يؤمنكم أَنكُمْ لما اعتبرتم منع الْقيَاس عِنْد فقد النُّصُوص
стр. 1150
" بِمَنْعه " عِنْد وجودهَا كُنْتُم من هَذَا الْوَجْه قائسين، وَإِيَّاكُم عَنى رَسُول الله [ ﷺ ] بِالْمَنْعِ من الْقيَاس.
فوضح طَرِيق التَّأْوِيل، وَتبين أَن مَا اعتصموا بِهِ مِمَّا لَا يسوغ مُعَارضَة الْإِجْمَاع بِهِ.
١٦٤٨ - وَقد ذكر الطَّبَرِيّ فِي خلل الِاسْتِدْلَال بِحَدِيث معَاذ فِي إِثْبَات الْقيَاس، ثمَّ وَجه على نَفسه سؤالا فَقَالَ: فَلَو قَالُوا: هَذَا من أَخْبَار الْآحَاد، لَقلت فِي جوابهم: يجوز الِاسْتِدْلَال بأخبار الْآحَاد (فِي إِثْبَات الْقيَاس) كَمَا يجوز الِاسْتِدْلَال بهَا فِي إِثْبَات الْأَحْكَام.
وَهَذِه هفوة عَظِيمَة. وَسَنذكر فِي كتاب الِاجْتِهَاد أَن أصُول أَدِلَّة الشَّرِيعَة لَا تثبت إِلَّا بِمَا يَقْتَضِي الْعلم من الْأَدِلَّة القاطعة، وَمن قَالَ غير ذَلِك فقد زل زلَّة عَظِيمَة.
وَإِنَّمَا أوردنا ذَلِك لننبهك على وَجه خطئه.
وَقد ذكر ﵁ جملَة من الظَّوَاهِر لمنكري الْقيَاس والفصل عَنْهَا وقابلها بظواهر أوضح مِنْهَا فِي الْآي وَالْأَخْبَار. وَلَو تتبعناها لخرج الْمَذْهَب عَن حد الْمطلب. وَفِيمَا قدمْنَاهُ غنية إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(٢٨٥ القَوْل فِي الْكَلَام على القاساني والنهرواني وَمن تبعهما وَقَالَ بقولهمَا)
١٦٤٩ - اعْلَم أَن هذَيْن قد ذَهَبا مذهبا آخر فِي أَمر الأقيسمة فَقَالُوا: كل
стр. 1151
حكم نقل عَن رَسُول الله [ ﷺ ] فِي شخص بِعَيْنِه / أَو قَضِيَّة بِعَينهَا وَنقل عَنهُ [ ﷺ ] تَعْلِيل الحكم فِي ذَلِك الشَّخْص الْمعِين، فنعلم أَن الْعلَّة الْمَذْكُورَة فِيهِ تعم فِيهِ وَفِي غَيره وَإِن لم يعمها رَسُول الله [ ﷺ ] " بِلَفْظَة " قَالُوا: وَكَذَلِكَ إِذا وَردت عَنهُ لَفْظَة منبئة عَن التَّعْلِيل وَإِن لم يكن صَرِيحًا فِيهَا. وَكَذَلِكَ إِذا نَقله الرَّاوِي الموثوق بِهِ فِي معرض يَقْتَضِي التَّحْلِيل، كَمَا روى أَن ماعزا زنا، فرجمه رَسُول الله [ ﷺ ] وكما روى أَنه سَهَا فَسجدَ وَهَذِه الْأَلْفَاظ وأمثالها منبئة عَن التَّعْلِيل، إِذْ لَا فصل بَين قَول الْقَائِل. رجم رَسُول الله [ ﷺ ] ماعزا لزناه وَبَين أَن يَقُول زنا فرجمه.
١٦٥٠ - ثمَّ اخْتلف الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ فيهمَا وَفِي مَذْهَبهمَا.
فَذهب بَعضهم إِلَى أَن مَا صَارُوا إِلَيْهِ لَيْسَ بقول بِالْقِيَاسِ. وَإِنَّمَا هُوَ تتبع مِنْهُم للنَّص وَذهب بعض القائسين إِلَى أَن مَا قَالُوهُ، قَول بِالْقِيَاسِ على تَفْصِيل
стр. 1152
فكأنهم قبلوا بعض أَنْوَاع الْقيَاس، وردوا بَعْضهَا.
١٦٥١ - قَالَ القَاضِي ﵁: الصَّحِيح عندنَا أَن نقُول: إِن قَالُوا: أَن رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا نَص على تَعْلِيل حكم فِي شخص معِين. وَلم يعمم الْعلَّة فِي النَّاس كَافَّة، وَلم يسْبق مِنْهُ [ ﷺ ] تنصيص صَرِيح على طرد علله الوارده فِي الْأَشْخَاص المعينين، فَمن " عدى " الْعِلَل - وَالْحَالة هَذِه - عَن مواردها، فَهُوَ قَائِل بطرد الْقيَاس لَا محَالة.
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنا لَو تتبعنا النُّصُوص لم ترد على مقتضياتها فِي اختصاصها وعمومها، فَإِذا وَردت الْعلَّة مُخْتَصَّة بشخص معِين، فَلَيْسَ فِي قَضِيَّة اللَّفْظ وصيغته تعميمها.
стр. 1153
فَمن عَداهَا عَن موردها، لم يكن متمسكا بِمُوجب اللَّفْظ، بل كَانَ معتصما بِضَرْب من الِاعْتِبَار وَالْقِيَاس.
١٦٥٢ - فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : رجمت ماعزا لانه زنا، فنعلم بِمُقْتَضى اللُّغَة وَمُوجب الْعَرَبيَّة أَن لفظ رَسُول الله [ ﷺ ] يقتضى أَن يرْجم كل زَان.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك فِي مُوجب الاطلاق، أَن من قَالَ لمن يخاطبه: لَا تَأْكُل هَذِه البقلة، فَإِنَّهَا سم. فنعلم أَن ذَلِك يتَضَمَّن النَّهْي عَن تنَاول جملَة السم وَأَن نَص الْمُخَاطب على عين وَاحِدَة.
فَكَذَلِك القَوْل فِيمَا فِيهِ كلامنا.
قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه اقْتِصَار مِنْكُم على مُجَرّد الدَّعْوَى، فلسنا نسلم أَن لفظ رَسُول الله [ ﷺ ] فِي تَعْلِيل رجم مَاعِز لزناه يَقْتَضِي تَعْمِيم ذَلِك الحكم فِيمَن عداهُ. وَلَكِن إِذا خصص تَعْلِيله بِهِ، فيسوغ أَن يحمل ذَلِك على أَنه جعل الزِّنَا فِي حَقه عَلامَة للْحكم الَّذِي جرى عَلَيْهِ تَخْصِيصًا.
والأقيسة الشَّرْعِيَّة أَمَارَات تنصب وَلَا يجب تعميمها، بل يسوغ نصبها فِي حق اقوام مخصوصين، ويسوغ نصبها عُمُوما وشمولا فَإِذا كَانَ الْأَمر على هَذَا الْوَجْه فِي الأمارات من حَيْثُ الْجَوَاز الْعقلِيّ، فيتقابل الْجَوَاز، وَلَا يبْقى لنا إِلَّا اتِّبَاع صِيغَة اللَّفْظ.
وَأما مَا تمثلها بِهِ من قَول الْقَائِل لمن يخاطبه لَا تَأْكُل ذَلِك فَإِنَّهُ سم، فَلَا معتصم لَهُم فِيهِ، وَأول مَا نذكرهُ أَن نقابله بِمثلِهِ، فَنَقُول: لَو قَالَ سيد
стр. 1154
العَبْد لوَكِيله " بِعْ هَذَا العَبْد فَإِنَّهُ أسود " لم يكن للْوَكِيل أَن يَبِيع جملَة العبيد السود فِي ملكه، وَإِن علل بيع " العَبْد " الْمعِين لكَونه أسود، فَهَذَا فِي مُقَابلَة مَا قَالُوا.
١٦٥٣ - ثمَّ نقُول: مَا ذكرتموه لَو سلم لكم فَذَاك لأَنا علمنَا أَن بَعْضنَا فِي مجاري الْعَادَات يرق لبَعض ويبتغي مصْلحَته، ويضبط ذَلِك نظرا من الْأَحْوَال. فَإِذا زجر الزاجر صَاحبه عَن تنَاول السم المجهز، وَقد تقررت من الْأَحْوَال الْمُقْتَضِيَة " التوقي " بمحاذرة المهالك / فِي إشفاق الْبَعْض على الْبَعْض لرقة الجنسية، أَو غَيرهَا من الْأَحْوَال.
فَرُبمَا يفهم مِمَّا ذكرتموه التَّعْلِيل فِي السمُوم أجمع، فَأَما الفاظ صَاحب الشَّرِيعَة فَلَا يسوغ حملهَا على قضايا الْمصَالح، فَإِن الشَّرَائِع على مَذْهَب أهل الْحق، لم تبن على الْمصَالح. وَلم يَتَقَرَّر فِي موارد الشَّرِيعَة من قَرَائِن الْأَحْوَال مَا تحقق بَين أظهرنَا فَلم يكن لنا أَن نتبع مُوجب اللَّفْظ، خص أَو عَم. وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ.
فَتبين بجملة مَا قُلْنَاهُ، أَن مَا صَار إِلَيْهِ الْقَوْم، ضرب من الاعتطاف وَلَو قَدرنَا أَن نرد إِلَى النُّصُوص وَالنَّهْي وَالِاعْتِبَار وَالْقِيَاس، لَكنا نخصص الْعِلَل بمواردها.
١٦٥٤ - فَإِن قيل: الستم قُلْتُمْ أَن الرَّسُول [ ﷺ ] ، إِذا خَاطب وَاحِدًا من
стр. 1155
الصَّحَابَة بِحكم وَلم يُوضح اخْتِصَاصه، فَالْحكم يثبت فِي حق الْأمة وهم فِيهِ شرع.
قُلْنَا: هَذَا الَّذِي قلتموه من مَذْهَب الْفُقَهَاء. وَالَّذِي صَار إِلَيْهِ المحصلون أَن الحكم يخْتَص بالمخاطب إِن لم تقم دلَالَة على وجوب تعميمه. وَقد قدمنَا فِي ذَلِك قولا بَينا.
١٦٥٥ - فَإِن قيل: إِذا رَأَيْتُمْ التَّنْصِيص كَمَا قلتموه، فَقولُوا: أَن الْمنْهِي عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ وَلَا تنهرهما﴾ التأفيف، دون الضَّرْب وأنواع التعنيف، اتبَاعا للنَّص.
قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه، خُرُوج مِنْكُم عَن حد النّظر، فَإِنَّكُم لم تجمعُوا بَين الْمُخْتَلف فِيهِ وَبَين مَا ذكرتموه بِجَامِع يتَعَيَّن علينا فِي حكم النّظر بعده الْفرق والفصل وَلم توردوه نقضا على دلَالَة تمسكنا بهَا.
١٦٥٦ - ثمَّ نقُول: اللُّغَات لَا تثبت بالطرق الَّتِي رمتموها من الِاعْتِبَار، والتمسك بالصور وَلَكِن الْمرجع فِيهَا إِلَى السماع. وَقد عرفنَا ضَرُورَة وبديهة، أَن من وصّى مَأْمُورا بإكرام وَالِديهِ والاجتناب عَن أذاهما، ثمَّ نَص فِي التَّحْرِيم على أقل الرتب، وَهُوَ التأفيف.
فَيعلم مَعَ ذَلِك أَنه رام تَحْرِيم الْقَتْل وَالضَّرْب وضروب التعنيف " إِيمَاء " مِنْهُ بِذكر الادنى على الْأَعْلَى وَمن جحد ذَلِك فِي موقع اللُّغَة، كَانَ مباهتا.
стр. 1156
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنه لَو قدر الْجمع بَين النَّهْي عَن التأفيف والترخص فِي جملَة أَنْوَاع التعنيف مَعَ تَقْدِيم الْأَمر بالإكرام على الْجُمْلَة، عد ذَلِك من متناقض الْكَلَام. وَلَو نَص رَسُول الله [ ﷺ ] على تَخْصِيص التَّعْلِيل بشخص معِين، لم يعد ذَلِك من مُضْطَرب الْكَلَام. فَبَطل مَا قَالُوهُ.
(٢٨٦ فصل)
١٦٥٧ - فَإِن قَالَ قَائِل: قد ثبتمْ بِمَا قدمتم طرق الأقيسمة، وأوضحتموها فِي الرَّد على منكريها، فَإِذا نقل عَن رَسُول الله [ ﷺ ]- وَقد ثَبت وجوب الْقيَاس وَالِاعْتِبَار - عِلّة فِي شخص معِين، فَهَل يحْتَاج فِي رد غَيره إِلَيْهِ إِلَى استنباط وتحر واجتهاد؟
قُلْنَا: إِذا ثَبت التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ وتصورت الْحَالة على مَا قلتموه " فَكل " صُورَة تحقق فِيهَا مثل " الْعلَّة " الَّتِي ذكرهَا رَسُول الله [ ﷺ ] فِي الشَّخْص الْمعِين " فتردها فِي الحكم إِلَى مورد النَّص فَسَادًا " وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى سلوك طرق الِاجْتِهَاد فِي إِقَامَة الْأَدِلَّة على اثبات عِلّة الاصل، وَرُبمَا يغمض النّظر فِي تَصْوِير الْعِلَل فِي بعض الصُّور، فَإِذا تصورت وَهِي مَنْصُوبَة فِي صور منصوصة، ابتدرنا إِلَى رد الصُّور الَّتِي وجدت فِيهَا الْعِلَل، إِلَى الصُّور المنصوصة فِي التَّعْلِيل، وَلَو لم تكن الْعِلَل منصوصة، لم يسغْ لنا طرد الْقيَاس إِلَّا بعد إِقَامَة الْأَدِلَّة على إِثْبَات
стр. 1157
عِلّة الأَصْل، على مَا سنوضح طرقها، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٦٥٨ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَذَا الَّذِي قلتموه آنِفا، ينْقض عَلَيْكُم مَا قدمتموه فِي الْ فَصْل الاول، فَإِنَّكُم مهما / قُلْتُمْ أَن من وجدت فِيهِ مثل الْعلَّة المنصوبة، لزم إِثْبَات الحكم فِيهِ على البديهة، من غير استنباط اجْتِهَاد فقد وافقتم من قَالَ أَن التَّنْصِيص على الْعلَّة فِي شخص معِين يتَضَمَّن تعديتها.
قُلْنَا: هَذَا سُؤال من لم يحط علما بمحصول الْبَاب. فَإنَّا إِنَّمَا قُلْنَا مَا قُلْنَاهُ مَعَ تقديرنا ثُبُوت الأقيسة بالأدلة القاطعة، فَلَو قَدرنَا عدم قيام الْأَدِلَّة على وجوب التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ وطرق الِاعْتِبَار، وَردت - وَالْحَالة هَذِه - عِلّة منصوصة فِي شخص معِين، لَكَانَ قَضيته اللَّفْظ لَا تَقْتَضِي تَعديَة الحكم إِلَى من سواهُ. وَهَذَا وَاضح لكل متأمل إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(٢٨٧ فصل)
١٦٥٩ - ذهب بعض الْقَدَرِيَّة إِلَى الْفَصْل بَين المحللات والمحرمات.
стр. 1158
فَقَالَ: إِذا حرم رَسُول الله [ ﷺ ] شَيْئا، وَبَين حظره وقبحه وَعلله بعلة، فَيلْزم مِنْهُ طردها. وَإِن أوجب [ ﷺ ] شَيْئا، أَو إِبَاحَة، أَو ندب إِلَيْهِ، وَعلله بعلة، فَلَا يجب طردها.
وَإِنَّمَا حملهمْ على هَذَا الْفَصْل، أصل لَهُم فِي التَّوْبَة، وَهِي من فروع التَّعْدِيل والتجوير وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا: أَمر بالقبائح يعم وَلَا يتخصص.
وَلذَلِك قَالُوا: أَنه لَا تصح التَّوْبَة عَن قَبِيح، مَعَ الاصرار على آخر، وَيصِح التَّلَبُّس بِعبَادة، مَعَ ترك أُخْرَى، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَا طائل تَحْتَهُ، والخوض / فِيهِ / لَا يَلِيق بِهَذَا الْفَنّ.
القَوْل فِي أَن الْقيَاس على عِلّة الحكم إِنَّمَا " يَنْبَنِي " على ثُبُوت الحكم بثبوتها، وَلَا " يتحتم " انتفاؤه عِنْد انتفائها.
١٦٦٠ - اخْتلف الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ فِي اشْتِرَاط الانعكاس فِي الْعِلَل السمعية وَالَّذِي صَار إِلَيْهِ الْجُمْهُور، أَنه لَا يشْتَرط فِيهَا الانعكاس.
стр. 1159
وَلَكِن إِذا اقْتضى الِاعْتِبَار والاستنباط " تَعْلِيق " حكم بعلة، وَالْحكم يثبت عِنْد ثُبُوتهَا وَلَيْسَ من شَرط الْعلَّة انْتِفَاء الحكم عِنْد انتفائها. بل يسوغ أَن تَنْتفِي تِلْكَ الْعلَّة، وتعقبها عِلّة أُخْرَى، فِي اقْتِضَاء " قبيل " الحكم الأول.
١٦٦١ - وَذهب بعض الْفُقَهَاء إِلَى أَن من شَرط الْعلَّة أَن يرتبط الحكم بهَا، حَتَّى يُؤثر وجودهَا فِي ثُبُوت الحكم، ويتضمن فقدها انْتِفَاء الحكم.
قَالُوا: وَإِنَّمَا يتَحَقَّق تعلق الحكم بِالْعِلَّةِ على هَذَا الْوَجْه، فَلَو كَانَ الحكم يثبت عِنْد ثُبُوت الْعلَّة، وَلَا يَنْتَفِي عِنْد انتفائها، لما تحقق بَينهمَا تعلق.
стр. 1160
١٦٦٢ - مِمَّا لَا بُد من الْإِيمَاء إِلَيْهِ أَن تعلم / أَن / الْعِلَل الْعَقْلِيَّة يشْتَرط فِيهَا الاطراد والانعكاس. بِاتِّفَاق الْعُقَلَاء الْقَائِلين بالعلل. وَالْعلَّة الْعَقْلِيَّة مُوجبَة لمعلولها لذاتها وعينها، وَلَا يتَوَقَّف كَونهَا مُوجبَة لمعلولها بعد تحقق وجودهَا، على جعل جَاعل وَنصب ناصب. وَهِي نَحْو الْعلم، الْمُوجب لمحل كَونه عَالما، وَالْقُدْرَة الْمُوجبَة لما قَامَت بِهِ كَونه قَادِرًا، إِلَى غير ذَلِك.
فَمَا هَذَا سَبيله يلْزم فِيهِ الطَّرْد وَالْعَكْس، فَمن قَامَ بِهِ الْعلم، لزم كَونه عَالما، وَمن لم يقم بِهِ الْعلم، لزم خُرُوجه عَن كَونه عَالما. فَمن صَار إِلَى أَن الأقيسة الشَّرْعِيَّة يشْتَرط فِيهَا الاطراد والانعكاس. فَإِنَّهُ ذهب بهَا مَذْهَب الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، وَقد أوضحنا فِي ذَلِك صَدرا من الْكَلَام.
١٦٦٣ - على أَنا نقُول: أَن الْعِلَل السمعية لَا توجب حكما لعينها إِذْ يسوغ فِي الْمَعْقُول تَقْدِير تَعْلِيق ضد حكمهَا عَلَيْهَا، بَدَلا من حكمهَا. وَلَيْسَت بموجبة لذواتها وَلكنهَا انتصبت إِمَارَة فِيمَا نصبت فِيهِ.
فَإِذا نصب ثُبُوت وصف علما فِي ثُبُوت حكم، فَلَيْسَ من شَرط ذَلِك أَن ينصب عَدمه أَيْضا / علما فِي انْتِفَاء الحكم. وَلَكِن " من " شَرط كَونه علما لَا يتَحَقَّق إِلَّا وَيثبت الحكم.
وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك، إِنَّا بعد مَا حققنا أَن الْعِلَل السمعية، لَا توجب أحكاما لذواتها، وَبينا مفارقتها للعلل، فقد تبين أَنَّهَا بمضاضاة الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة أولى، إِن لم يكن بُد من التَّشْبِيه.
следующие страницы →