← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تَقول للسَّائِل إِن رمت بِمَا قلت طلب تَعْلِيل، فالمسؤول عَنهُ مِمَّا لَا يُعلل. وَوجه إيجاز الْجَواب أَن الْعلم علم لنَفسِهِ، ثمَّ يعود الْكَلَام عِنْد الْإِيضَاح إِلَى أَنه علم لَا لعِلَّة. [١٩٤] وَأما الْمُعْتَزلَة فقد أطبقوا على أَن أَقسَام الْكَلَام رَاجِعَة إِلَى الْعبارَات وأنكروا مَا عَداهَا من كَلَام النَّفس الَّذِي نثبته. وصرفوا الْأَمر إِلَى الْعبارَة نَفسهَا ثمَّ الْأَكْثَرُونَ صَارُوا إِلَى أَن قَول الْقَائِل: افْعَل، لَيْسَ بِأَمْر لنَفسِهِ وجنسه فَإِنَّهُ قد يُوجد والمقصد مِنْهُ الْوَعيد والتهديد. وَقد يبدر جنسه من الهاذي فَلَا يُسمى أمرا مَعَ صُدُور اللَّفْظ مِنْهُ. قَالُوا: فَإِنَّمَا يصير أمرا بِثَلَاث إرادات، إِحْدَاهَا: تتَعَلَّق بحدوث هَذِه اللفظية. وَالْأُخْرَى: تتَعَلَّق بِكَوْنِهَا أمرا. وَالثَّالِثَة: تتَعَلَّق بالمأمور بِهِ، إِذْ الْأَمر لَا يتَحَقَّق عِنْد الْقَوْم إِلَّا مَعَ كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا للْآمِر. [١٩٥] وأبدع الكعبي مِنْهُم مذهبا لم يُتَابع عَلَيْهِ. . [فَقَالَ] قَول الْقَائِل افْعَل أَمر لنَفسِهِ وجنسه، وَيكون أمرا لذاته. فَإِذا قيل لَهُ: فقد ترد هَذِه الْعبارَة بِعَينهَا وَالْمرَاد بهَا الْإِبَاحَة. فَقَالَ مرتكبا: الْإِبَاحَة أَمر والمباح مَأْمُور بِهِ وسنوضح وَجه الرَّد عَلَيْهِم فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله .

стр. 142

فَقيل لَهُ: فقد يرد وَالْمرَاد بِهِ التهديد نَحْو قَوْله عز اسْمه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ . فَقَالَ: إِذا ورد لاقْتِضَاء هَذَا المُرَاد فَهُوَ فِي جنسه مُخَالف للَّذي يَقْتَضِيهِ الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة. وَهَذَا الَّذِي ذكره [قَول بَين فِي] جحد الضروريات فَإنَّا نعلم أَن هَذِه الْأَصْوَات مجانسة للَّتِي ترد مورد الْأَمر، والصائر إِلَى أَنَّهَا تخالفها فِي الْجِنْس منتسب إِلَى الْمصير إِلَى اخْتِلَاف المتجانسات المتماثلات. [١٩٦] وَقد زعم كثير من الْفُقَهَاء الَّذين لم يحظوا بِحَقِيقَة الْأُصُول أَن الْأَمر يرجع إِلَى هَذِه الْأَصْوَات المتقطعة والحروف المنتظمة. ثمَّ زَعَمُوا أَن قَول افْعَل يكون أمرا إِذا تجرد عَن الْقَرَائِن الصارفة لَهُ عَن اقْتِضَاء الْوُجُوب [٢١ / أ] فَإِذا سئلوا وَقيل لَهُم لم كَانَ / الْأَمر أمرا؟ قَالُوا: إِنَّمَا كَانَ أمرا بصيغته وتجرده عَن الْقَرَائِن. [١٩٧] وَالدَّلِيل على تَحْقِيق الرَّد على هَؤُلَاءِ أَن نقُول: أَنْتُم لَا تخلون إِمَّا أَن تَقولُوا: إِن الصِّيغَة الَّتِي ذكرتموها أَمر لنَفسهَا، أَو تَقولُوا: إِنَّمَا تصير أمرا لتجردها عَن الْقَرَائِن أَو تَقولُوا تصير أمرا لنَفسهَا ولتجردها عَن الْقَرَائِن.

стр. 143

وَالْأولَى لَك بعد مَا قدمت هَذِه الْأَقْسَام أَن تعقبه بتقسيم يجمع الْمَقَاصِد. فَتَقول هَذَا الْوَصْف الَّذِي ثبتموه لهَذِهِ الصِّيغَة فَلَا يَخْلُو من أحد أَمريْن أما أَن يرجع إِلَيْهَا رُجُوع الْأَوْصَاف إِلَى الذوات والأجناس حَقِيقَة. وَإِمَّا أَن تزعموا أَنه ينْصَرف إِلَيْهَا تواضعا وَاصْطِلَاحا، فَإِن زعمتم أَن الْوَصْف الَّذِي فِيهِ الْكَلَام يثبت بِهَذِهِ الصِّيغَة من غير تواضع واصطلاح فيلزمكم عَلَيْهِ مَا لَا قبل لكم بِهِ، مِنْهَا: أَن هَذِه اللَّفْظَة تبدر من النَّائِم والمغشى عَلَيْهِ وَلَا تسمى أمرا فَلَو كَانَت أمرا لنَفسهَا وجنسها وَجب تَحْقِيق هَذَا الْوَصْف كلما تحقق نَفسه اللَّفْظ. [١٩٨] فَإِن قيل: إِنَّمَا اتصفت هَذِه الصِّيغَة بِكَوْنِهَا أمرا عِنْد تجردها عَن الْقَرَائِن، وَمن الْقَرَائِن الَّتِي يشْتَرط تجرد الصِّيغَة عَنْهَا الْمعَانِي المضادة لكَمَال الْعقل. قيل: فَمَا قدمْنَاهُ من التَّقْسِيم فِي صدر الْكتاب يعود. فإننا نقُول: إِن كَانَت الصِّيغَة أمرا لنَفسهَا لزمكم مَا ألزمناكم. وَإِن كَانَ كَونهَا أمرا مُعَللا بِانْتِفَاء الْقَرَائِن كَانَ ذَلِك مستحيلا فَإِن الانتفاء لَا يَقْتَضِي تثبيت وصف وَإِنَّمَا الْمُقْتَضى للْأَحْكَام ثُبُوت الْعِلَل والذوات. فَإِن أَنْتُم زعمتم أَن الْمُقْتَضى لهَذَا الْوَصْف نفس الصِّيغَة مَعَ انْتِفَاء الْقَرَائِن كَانَ ذَلِك مستحيلا أَيْضا. فَإِن الانتفاء إنباء عَن عدم، ويستحيل تَأْثِير الْعَدَم والانتفاء فِي إِيجَاب الْأَحْكَام لَا على سَبِيل الِاسْتِقْلَال وَلَا على سَبِيل الانضمام إِلَى غَيره، فَإِن مَا لَا يكون كَيفَ يتَصَرَّف بالتأثير اسْتِقْلَالا أَو انضماما. ولعلنا نوضح القَوْل فِي ذَلِك فِي بَاب الْعِلَل عَن قَضِيَّة الْمَعْقُول لَهُم الْقَرَائِن الَّتِي شرطتم تجرد الصِّيغَة اللفظية عَنْهَا:

стр. 144

هِيَ الْقَرَائِن الدَّالَّة على خلاف الْإِلْزَام والإيجاب نَحْو مَا يدل على الْإِبَاحَة وَالنَّدْب أَو اقْتِضَاء التهديد. وَقد تحقق انْتِفَاء هَذِه الْقَرَائِن فِي حق الهاذي. فَهَذَا لَو زَعَمُوا أَن هَذِه الصِّيغَة تكون أمرا لَا على جِهَة التَّوَاضُع والاصطلاح. [١٩٩] فَإِن قَالُوا: إِنَّهَا أَمر تواضعا وَلَيْسَ ينْصَرف وصفهَا بِكَوْنِهَا أمرا إِلَى نَفسهَا وجنسها. وَلَكِن اصْطلحَ أَرْبَاب اللُّغَات على تثبيت هَذَا الْوَصْف لَهَا عِنْد تعريها عَن الْمَوَانِع والدوافع. وَجُمْلَة الْقَرَائِن المنافية لاقْتِضَاء الْإِلْزَام وَهَذَا مَا يعول عَلَيْهِ من ينتمي إِلَى التَّحْقِيق من هَذِه الفئة. فَنَقُول: إِذا زعمتم أَن أهل اللُّغَة اصْطَلحُوا على تَسْمِيَة هَذِه الصِّيغَة أمرا وإلزاما وإيجابا عِنْد فقد قَرَائِن الْإِبَاحَة وَالنَّدْب والوعيد فَبِمَ تنكرون على من [٢١ / ب] يعكس عَلَيْكُم / دعواكم. وَيَقُول لَا بل وضعوها للاذن وَالْإِطْلَاق وَالْإِبَاحَة عِنْد تجردها عَن قَرَائِن الْإِلْزَام وَالنَّدْب والوعيد. فتتقابل الدعوتان وتتساقطان على مَا سنوضحه فِي بَاب الْوَقْف إِن شَاءَ الله . [٢٠٠] ثمَّ يَتَّضِح ذَلِك بِمَا عَلَيْهِ الْمعول فِي إِثْبَات اللُّغَات ونفيها فَنَقُول: معاشر الْمُخَالفين! إِلَى مَا تسندون علمكُم بِمَا ادعيتموه فَإِن أسندتموه إِلَى اضطرار انتسبتم إِلَى التَّصْرِيح بالعناد. وَأول مَا يلزمكم عَلَيْهِ أَن تقابلوا دعواكم فِي ضد مقصودها فتتقابل دعوتا الِاضْطِرَار وتتساقطان. وَإِن أَنْتُم أسندتم علمكُم إِلَى دلَالَة عقلية فقد أخطاتم مقصدكم، فَإِن الْعُقُول لَا يتَوَصَّل بهَا إِلَى مجاري اللُّغَات، وَتَخْصِيص الْأَسَامِي بالمسميات. وَإِن أَنْتُم أسندتم علمكُم إِلَى سَماع وَهُوَ مَا يتلَقَّى مِنْهُ اللُّغَات فَلَا تخلون إِمَّا أَن تزعموا: أَن

стр. 145

أَرْبَاب اللُّغَات نقلوا مَا ذكرتموه نقل تَوَاتر وإطباق، [أَو تزعموا] أَنه نقل آحَاد، فَإِن ادعيتم نقلا عَن سَبِيل الِاتِّفَاق والإطباق أحلتم بِمَا قُلْتُمْ وانتسبتم إِلَى مُجَرّد الدَّعْوَى. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الواقفين والحاملين الْأَمر على النّدب والحاملين على الْإِبَاحَة لَو جمعت فرقهم لأربوا فِي أعدادهم على الْقَائِلين بِالْوُجُوب فَمَا لهَذَا النَّقْل المطبق عَلَيْهِ اخْتصَّ بكم وَذهل عَنهُ مخالفكم، فَلَا يستتب نقل مَا ادعوهُ عَن اللُّغَة. وَإِن هم زَعَمُوا أَن ذَلِك نقل آحَاد فَالْكَلَام عَلَيْهِم من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن نقُول لم يَصح أَيْضا عندنَا على سَبِيل الْآحَاد عَن أحد مِمَّن يوثق بِهِ من أَئِمَّة اللُّغَات أَن الصِّيغَة الَّتِي فِيهَا تنازعنا عِنْد تجردها عَن الْقَرَائِن تَقْتَضِي الْإِيجَاب، فَهَذَا مِمَّا لَا يُؤثر عَن أحد من أَرْبَاب اللُّغَات. وَلم يسطر ذَلِك مَعَ إِرَادَته مصنفاتهم. فقد بَطل مَا ادعوهُ على سَبِيل النَّقْل إِجْمَاعًا وآحادا على أَنا نقُول: اللُّغَات لَا تثبت آحادا وَقد أومأنا إِلَى ذَلِك فِي بَاب مَأْخَذ

стр. 146

اللُّغَات. (٥٩) فصل [٢٠١] فَإِن قيل: فقد ذكرْتُمْ حَقِيقَة الْأَمر فَمَا حَقِيقَة النَّهْي. قيل: مَا قدمْنَاهُ فِي حَقِيقَة الْأَمر يرشد إِلَى حَقِيقَة النَّهْي فحقيقته القَوْل الْمُقْتَضى طَاعَة المنهى بترك الْفِعْل المنهى عَنهُ. فَيدْخل تَحت النَّهْي التَّنْزِيه وَالتَّحْرِيم كَمَا دخل تَحت الْأَمر الِاسْتِحْبَاب والإيجاب. (٦٠) القَوْل فِي الْفرق بَين الْإِبَاحَة وَالْأَمر [٢٠٢] اعْلَم أَن الْإِبَاحَة هِيَ الْإِذْن المتضمن تَخْيِير الْمُخَاطب بَين فعل الشَّيْء وَتَركه الْجَارِي مجْرَاه فِي الْإِبَاحَة من غير تَخْصِيص ذمّ وَلَا مدح

стр. 147

بِأَحَدِهِمَا وَأما الْأَمر فقد سبق تَحْقِيقه وَإِذا جمعت بَين الحقيقتين تميزتا / [٢٢ / أ] وامتاز أحد الْبَابَيْنِ عَن الآخر. [٢٠٣] وَذهب الكعبي وشيعته إِلَى أَن الْمُبَاح مَأْمُور بِهِ وَأَن الْأَمر بِهِ دون رُتْبَة الْإِيجَاب وَالنَّدْب. وَالْأَمر على سَبِيل النّدب دون الْأَمر على سَبِيل الْإِيجَاب. [٢٠٤] ثمَّ اعْلَم أَنه [و] إِن أطلق اسْم الْأَمر على الْإِبَاحَة وَاسم الْمَأْمُور بِهِ على الْمُبَاح فَلَا يُسمى الْمُبَاح وَاجِبا وَلَا الْإِبَاحَة

стр. 148

إِيجَابا. [٢٠٥] فَأول مَا نفاتحه أَن نقُول الْأَمر عندنَا هُوَ اقْتِضَاء الطَّاعَة، وَالْإِبَاحَة هِيَ الْإِذْن على النَّعْت الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي صدر الْبَاب. فَأَنت أَيهَا الكعبي هَل تدرج الْإِبَاحَة فِي حَقِيقَة الْأَمر حَتَّى تزْعم أَنَّهَا اقْتِضَاء للطاعة أَو لَا تَقول ذَلِك. فَإِن أَنْت زعمت أَنَّهَا اقْتِضَاء الْفِعْل على سَبِيل الطَّاعَة فقد راغمت الْحَقَائِق، فَإنَّا نعلم بديهة وقطعا أَن تَخْيِير الْمُخَاطب بَين الشَّيْء وَتَركه المتساويين فِي جملَة أَحْكَام التَّكْلِيف لَا يتَضَمَّن اقْتِضَاء طَاعَة بل هُوَ تَخْيِير وَلَيْسَ باقتضاء وَدُعَاء إِلَى فعل، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك مَا لَا محيص عَنهُ. وَهُوَ أَن نقُول إِن اقْتَضَت الْإِبَاحَة اقْتِضَاء وَدُعَاء فَلَا تَخْلُو إِمَّا أَن تَقْتَضِي دُعَاء إِلَى الْفِعْل وَتَركه جَمِيعًا. وَذَلِكَ متضاد يَسْتَحِيل الدُّعَاء إِلَيْهِ. وَإِمَّا أَن تَتَضَمَّن اقْتِضَاء أَحدهمَا وَذَلِكَ محَال، فَإِنَّهُ لَا يعين وَاحِد مِنْهُمَا فِي حكم الِاقْتِضَاء إِلَّا ويسوغ قلب الدَّعْوَى فِي الثَّانِي. وَإِن قَالَ الْخصم: هُوَ اقْتِضَاء لأَحَدهمَا لَا بِعَيْنِه كَانَ محالا. وَذَلِكَ أَن الْإِبَاحَة تَقْتَضِي تَفْوِيض الْأَمر إِلَى مشْيَة من أُبِيح لَهُ وَلَيْسَ فِيهَا دعاؤه إِلَى مَا فوض إِلَى خيرته لَا على سَبِيل الْإِجْمَال وَلَا على سَبِيل التَّعْيِين. وَمن أنصف علم أَن قَول الْقَائِل: أَدْعُوك إِلَى أحد الْفِعْلَيْنِ، فَهَذَا القَوْل مُخَالف لقَوْل الْقَائِل: أبحث لَك الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا، وجاحد ذَلِك ينْسب إِلَى العناد وَالْخُرُوج. [٢٠٦] فَإِن قَالَ الكعبي: ترك الْمَحْظُور مَأْمُور بِهِ وفَاقا وَمَا من مُبَاح إِلَّا وَهُوَ ترك لمحظور فَلَزِمَ من ذَلِك كَونه مَأْمُورا بِهِ.

стр. 149

قيل لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه بَاطِل. فَأول مَا يلزمكم عَلَيْهِ أَن نقُول: قد وافقتمونا على أَن الْمُبَاح لَا يُوصف بِالْوُجُوب وزعمتم أَنه فِي كَونه مَأْمُورا بِهِ ينحط عَن الْمَنْدُوب إِلَيْهِ فضلا عَن الْوَاجِب. فَإِذا تمهد ذَلِك من أصلكم قُلْنَا: فَترك الْمَحْظُور وَاجِب كَمَا أَنه مَأْمُور بِهِ فَهَلا زعمتم أَن الْمُبَاح وَاجِب من حَيْثُ أَنه ترك للمحظور وَترك الْمَحْظُور وَاجِب وفَاقا، فقد انعكس عَلَيْكُم فِي الْوُجُوب مَا ألزمتمونا فِي كَون الْمُبَاح مَأْمُورا بِهِ. وسنوضح القَوْل إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي ذَلِك بعد مَا كَفَيْنَاك مُؤنَة الْخصم فِي الْبَاب المنطوي على إِيجَاب شَيْء من جملَة أَشْيَاء لَا بِعَيْنِه. (٦١) فصل [٢٠٧] فَإِن قيل: قد ذكرْتُمْ فِي تَحْقِيق الْإِبَاحَة أَنَّهَا / الْإِذْن فِي الْفِعْل [٢٢ / ب] وَتَركه الْجَارِي مجْرَاه فَمَا الْمَعْنى بقولكم الْجَارِي مجْرَاه؟ قُلْنَا: مقصدنا من ذَلِك التَّحَرُّز من أصل وَهُوَ أَن من الْمَحْظُور مَا هُوَ ترك للمباح ومضاد لَهُ. فَلَو أطلقنا التّرْك لم نَأْمَن اللّبْس فِي الْكَلَام فخصصنا القَوْل فِي التّرْك باقتضاء الْإِبَاحَة لدفع اللّبْس. [٢٠٨] فَإِن قيل: أفتزعمون أَن الْمُبَاح دَاخل تَحت التَّكْلِيف.

стр. 150

قُلْنَا: إِن عنيتم بذلك أَن على الْمُكَلف فِي الْمُبَاح شَيْئا فَلَا. وَإِن عنيتم بذلك وُرُود السّمع بِالْإِذْنِ فَهُوَ مِمَّا نقُول بِهِ. وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك أَن الْإِبَاحَة لَا تدخل فِي إِلْزَام وَندب وَتَحْرِيم، وَلَا يتَعَلَّق بهَا من العواقب المرقوبة فِي الشَّرْع شَيْء من وعد ووعيد وذم وثناء وثواب وعقاب، وَإِنَّمَا الْإِبَاحَة مُجَرّد إِذن وَإِطْلَاق وإنباء عَن رفع حرج. وَمن أحَاط علما بحقيقتها على هَذَا الْوَجْه هان عَلَيْهِ مدرك السُّؤَال. [٢٠٩] فَإِن قيل: أفتقولون إِن الْمُبَاح من الْأَفْعَال حسن أَو قَبِيح؟

стр. 151

قُلْنَا: لَا نصفه بِوَاحِد من الوصفين فَإنَّا ذكرنَا فِي حد الْحسن أَنه الْفِعْل الَّذِي ورد الشَّرْع باقتضاء الثَّنَاء على فَاعله والقبيح على الضِّدّ من ذَلِك. والمباح خَارج عَن النعتين والوصفين جَمِيعًا. (٦٢) فصل [٢١٠] أطبق أهل الْحق على أَن الرب مُرِيد للْفِعْل الْمُبَاح إِذا وَقع وَحدث جَريا على الأَصْل الْمَأْثُور عَن أهل الْحق فِي وجوب تعلق الْإِرَادَة الْقَدِيمَة بِكُل المرادات. وَزَعَمت الْقَدَرِيَّة أَن الرب غير مُرِيد للمباح وَلَا كَارِه.

стр. 152

[٢١١] ونشأت مسئلة فِي هَذِه الْقَاعِدَة. وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا [لَو] أَرَادَ الله فعل شَيْء ووردت فِيهِ صِيغَة الْأَمر لم يكن ذَلِك إِلَّا اقْتِضَاء تَكْلِيف. فَقيل لَهُم: فَمَا قَوْلكُم معاشر الْمُعْتَزلَة هَل يُرِيد الرب تَعَالَى دُخُول أهل الْجنان الْجنان. فَإِذا قَالُوا: أجل قيل لَهُم: فقد ورد فِي ذَلِك مَعَ إِرَادَته مَا هُوَ صِيغَة الْأَمر وَذَلِكَ قَوْله: ﴿ادخلوها بِسَلام آمِنين﴾ فاضطربت الْقَدَرِيَّة غَايَة الِاضْطِرَاب عِنْد هَذَا الْإِلْزَام. فَذهب الْجُمْهُور مِنْهُم إِلَى أَنه تَعَالَى غير مُرِيد لدُخُول أهل الْجنَّة الْجنَّة وَهُوَ إفصاح لكشف القناع، وَإِنَّمَا ألجأهم إِلَى ذَلِك مَا قدمْنَاهُ من السُّؤَال الْمُتَرَتب على فَسَاد أصلهم. وَزعم ابْن الجبائي أَنه مُرِيد لدُخُول أهل الْجنان الْجنان وَهُوَ آمُر لَهُم بِالدُّخُولِ تَحْقِيقا، ثمَّ قرر ذَلِك من أصل لَهُم فَقَالَ إِدْخَال أهل الْجنَّة الْجنَّة إثابة، وَترك ذَلِك ظلم فَيلْزم تعلق الْإِرَادَة بِمَا لَو قدر تَركه لَكَانَ ظلما، فَقيل لَهُ: فَأهل الْجنان إِذا مكلفون مخاطبون وَإِذا ثَبت التَّكْلِيف تبعه توابعه من ترقب الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَتحقّق الْوَعْد والوعيد فَيلْزم من مَضْمُون ذَلِك أَن يثبت الِابْتِلَاء والتكليف والامتحان [٢٣ / أ] فِي الدَّار الْآخِرَة كَمَا ثَبت فِي دارالدنيا ثمَّ مَا / ألزمناهم فِي دُخُول الْجنان يلْزمهُم مثله فِي التَّمَتُّع بنعيمها فَإِن الرب تَعَالَى قَالَ: ﴿كلوا وتمتعوا﴾ فِي الإنباء عَن تمتعهم بنعيم الْجنان.

стр. 153

(٦٣) القَوْل فِي الدّلَالَة على أَن النّدب مَأْمُور بِهِ [٢١٢] فَإِن قيل: قد ذكرْتُمْ فِيمَا قد قدمتم أَن الْمَنْدُوب إِلَيْهِ مَأْمُور بِهِ على الْحَقِيقَة. وزعمتم أَن الْأَمر الْقَائِم بِالنَّفسِ يتضمنه كَمَا يتَضَمَّن

стр. 154

الْإِلْزَام فَمَا دليلكم عَلَيْهِ؟ قُلْنَا: الَّذِي يدل على ذَلِك اتِّفَاق الْأمة قاطبة على أَن الْمَنْدُوب طَاعَة وَأَن النَّوَافِل وَسَائِر التطوعات تتصف بِكَوْنِهَا طاعات فَلَا تَخْلُو إِمَّا تصير طَاعَة لنفوسها وأجناسها، وَذَلِكَ مُسْتَحِيل، فَإِن أَمْثَالهَا قد تقع غير طَاعَة قبل وُرُود الشَّرَائِع وَبعد وُرُودهَا عِنْد اختلال بعض الشُّرُوط، وإيضاح ذَلِك بَين لَا يحوجك إِلَى الإطناب. وَإِمَّا أَن تصير طَاعَة لحدوثها ووجودها وَذَلِكَ بَاطِل بِمَا يبطل بِهِ الْقسم الأول. وَإِمَّا أَن تكون طَاعَة لكَونهَا مُرَادة للمطاع وَهَذَا بَاطِل أَيْضا بِمَا ثَبت من أصل أهل الْحق أَن الْمُحرمَات مُرَادة للرب سُبْحَانَهُ وَأَن إرداته الْقَدِيمَة تتَعَلَّق بحدوث الْمَحْظُورَات والمباحات تعلقهَا بالطاعات. وَهَذَا مِمَّا يستقصى فِي أصُول الديانَات، فَبَطل تلقي كَونهَا طَاعَة من كَونهَا مُرَادة. وَإِمَّا أَن تصير طَاعَة لضمان الثَّوَاب ووعده عَلَيْهَا. وَذَلِكَ بَاطِل لِأَنَّهُ قد تقرر من أصل أهل الْحق جَوَاز ثُبُوت الطَّاعَات من الْوَاجِبَات والتطوعات دون وعد الثَّوَاب عَلَيْهَا، فَإِن الثَّوَاب من الرب تَعَالَى فضل وَالْعِقَاب عدل، فَلَا يَتَّصِف وَاحِد مِنْهُمَا بالتحتم وَالْوُجُوب عِنْد تحقق الطَّاعَات أَو عِنْد تحقق تَركهَا، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك من أصُول الْخصم أَن

стр. 155

الْمُطِيع قد تقع طَاعَته محبطة الثَّوَاب لكبيرة يقارفها مَعَ إقدامهم على الصَّلَوَات وَسَائِر الطَّاعَات، وَالْحكم بِصِحَّتِهَا مِنْهُ، فَتبين اسْتِحَالَة تلقي كَونهَا طَاعَة من هَذَا المأخذ، وَإِمَّا أَن تصير طَاعَة لعلم الله بِكَوْنِهَا طَاعَة وإخباره على نعتها بذلك، وَهَذَا بَاطِل أَيْضا لِأَن الْخَبَر وَالْعلم يتعلقان بمتعلقهما على مَا هما عَلَيْهِ وَلَا يقتضيان للمخبر [عَنهُ] والمعلوم إِثْبَات وصف، إِذْ الْعلم وَالْخَبَر فِي تعلقهما يتبعان الْمَعْلُوم والمخبر عَنهُ، وَلَو سَاغَ الْمصير إِلَى ذَلِك لساغ أَن يُقَال إِن الْمُحدث إِنَّمَا يثبت لَهُ وصف الْحُدُوث للْعلم بحدوثه والإخبار عَنهُ والمختص بِأحد الْأَوْصَاف الْجَائِزَة إِنَّمَا صَحَّ تخصصه بِهِ للْعلم بِوُقُوعِهِ على ذَلِك الْوَجْه مَعَ الْخَبَر عَنهُ إِلَى غير ذَلِك فَلم يبْق بعد بطلَان هَذِه الْأَقْسَام إِلَّا الْمصير إِلَى أَنَّهَا إِنَّمَا اتصفت بِكَوْنِهَا طَاعَة لكَونهَا مَأْمُورا بهَا واتصاف الْمُقدم عَلَيْهَا

стр. 156

بِكَوْن [هـ] ممتثلا لِلْأَمْرِ، وَإِذا استمرت الدّلَالَة أوضحناها بِالْإِطْلَاقِ [٢٣ / ب] الْمُتَعَارف لُغَة وَعرفا فَإِن / الْعَرَب تقرن فِي إِطْلَاقهَا بَين الْأَمر وَالطَّاعَة من الْمَأْمُور بِهِ. وَمِنْه يَقُولُونَ فلَان مُطَاع الْأَمر وَلَا يَأْمر إِلَّا يطاع وَفُلَان مُطِيع لأمر فلَان فيطلقون الطَّاعَة على الْمَأْمُور بِهِ - والمطاع على الْآمِر والمطيع على الممتثل الْأَمر وَإِذا أنبأوا عَن نقيض ذَلِك قَالُوا عصى فلَان فلَانا. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿أفعصيت أَمْرِي﴾ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى فِي الْإِخْبَار عَن مواظبة الْمَلَائِكَة على الطَّاعَة: ﴿ويفعلون مَا يؤمرون﴾ وَمن هَذِه الْجِهَة يبطل

стр. 157

تلقي الطَّاعَة من الْإِرَادَة. فَإِن الْعَرَب لَا تَقول فِي إِطْلَاقهَا فلَان مُطَاع الْإِرَادَة وَفُلَان أَرَادَ فأطيع فَثَبت حَقِيقَة وَعرفا كَون الطَّاعَة مَأْمُورا بهَا. وَقد تقرر بِاتِّفَاق الْأمة تَسْمِيَة الْمَنْدُوب طَاعَة. [٢١٣] وَاعْلَم، وفقك الله أَن الدهماء من الْمُعْتَزلَة يوافقون أهل الْحق فِي أَن الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ، وَلَكِن تخْتَلف الطّرق فِي المأخذ، فمأخذ أهل الْحق مَا سلف، وَمَا يعولون هم عَلَيْهِ فِي تثبيت الْمَنْدُوب طَاعَة كَونه مرَادا للْآمِر فَهَذَا يطرد على أصلهم فِي الطَّاعَات، وينعكس فِي الْمَحْظُورَات والمباحات. والخوض فِي ذَلِك يشغلنا عَن الْمَقْصد فَالْأولى إحالته على الديانَات. (٦٤) القَوْل فِي استقصاء الْمذَاهب فِي مُقْتَضى الْأَمر ووجوه الرَّد على غير مَا نرتضيه مِنْهَا [٢١٤] قد قدمنَا من مَذَاهِب أهل الْحق أَن الْأَمر الْحَقِيقِيّ معنى قَائِم بِالنَّفسِ وَحَقِيقَته اقْتِضَاء الطَّاعَة على مَا قدمْنَاهُ ثمَّ ذَلِك يَنْقَسِم إِلَى ندب وَوُجُوب لتحَقّق الِاقْتِضَاء فيهمَا. وَأما الْعبارَة الدَّالَّة على الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ نَحْو قَول الْقَائِل: ((افْعَل)) فمترددة بَين الدّلَالَة على الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة والتهديد. فَيتَوَقَّف فِيهَا

стр. 158

حَتَّى يثبت بقيود الْمقَال أَو قَرَائِن الْحَال تخصصها بِبَعْض المقتضيات فَهَذَا مَا نرتضيه من الْمذَاهب. [٢١٥] وَذهب الْجُمْهُور من الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن الْأَمر المتجرد عَن الْقَرَائِن يَقْتَضِي كَون الْمَأْمُور بِهِ ندبا وَإِنَّمَا يعرف الْوُجُوب بِقَرِينَة تنضم إِلَيْهَا، وَحَقِيقَة أصلهم مَا ذكره عبد الْجَبَّار فِي شرح الْعمد وَذَلِكَ أَنه قَالَ وَالْأَمر يُنبئ عَن كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا للْآمِر. فَهَذَا مُقْتَضَاهُ، وَمَا سواهُ لَا يثبت إِلَّا بالقرائن. فَإِذا قيل لَهُ: أفتجوز إِرَادَة الْوُجُوب بِالْأَمر الْمُطلق من غير قرينَة، امْتنع من تجويزه. وصاروا إِلَى أَن الْأَمر لَا يَقْتَضِي إِلَّا كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا للْآمِر، وَهَذَا لَا يُنبئ عَن الْوُجُوب. ثمَّ قَالَ: إِنَّمَا يعرف الْوُجُوب بوعيد أَو بتهديد يقترنان بِالْأَمر. فَقيل لَهُ: فَإِذا اقْترن الْوَعْد بِالْأَمر فَهَل تزْعم أَن المُرَاد بِالْأَمر مَعَ الْوَعيد

стр. 159

الْإِيجَاب؟ فَقَالَ: لَا أصير إِلَى ذَلِك بل الْأَمر اقْتضى كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا للْآمِر. والوعيد اقْتضى وصف الْوُجُوب لَهُ، وَلَيْسَ / الْوُجُوب من مُقْتَضى [٢٤ / أ] الْأَمر بِحَال، سَوَاء ورد مُطلقًا أَو مُقَيّدا. وَكَذَلِكَ قيل لَهُ: أفيجوز اسْتِعْمَال الْأَمر الْمُطلق فِي الْإِيجَاب مجَازًا تمنع مِنْهُ. وَلم يجوزه مصيرا مِنْهُ إِلَى أَن الْوُجُوب وصف زَائِد للْمَأْمُور لَا يتلَقَّى من الْأَمر لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا. [٢١٦] وَذهب بعض الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن مُقْتَضى الْأَمر الْمُطلق الْإِبَاحَة وَالْإِذْن، وَإِنَّمَا يثبت مَا عداهُ بالقرائن والقيود. [٢١٧] وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن الْأَمر الْمُطلق يَقْتَضِي وجوب الْمَأْمُور بِهِ مَا لم تقترن بِهِ قرينَة مَانِعَة من اسْتِعْمَاله باقتضاء الْوُجُوب. وَإِلَى هَذَا صَار الْجُمْهُور من الْفُقَهَاء.

стр. 160

[٢١٨] وَأما الشَّافِعِي ﵁ فقد ادّعى كل من أهل الْمذَاهب أَنه على وفاقه وتمسكوا بعبارات مُتَفَرِّقَة لَهُ فِي كتبه: حَتَّى اعْتصمَ القَاضِي ﵁ بِأَلْفَاظ لَهُ من كتبه واستنبط مِنْهَا مصيره إِلَى الْوَقْف وَهَذَا عدُول عَن سنَن الْإِنْصَاف. فَإِن الظَّاهِر والمأثور من مذْهبه حمل مُطلق الْأَمر على الْوُجُوب. [٢١٩] فمما يلْزم تَجْدِيد الْعَهْد بِهِ عودا على بَدْء ان تعلم أَن الْخلاف مَعَ الْقَوْم فِي الْعبارَات والصيغ دون مَا هُوَ حَقِيقَة الْأَمر عندنَا. فَإِذا أحطت علما بذلك فَالْأولى بِنَا أَن نذْكر نُكْتَة نعول عَلَيْهَا إبِْطَال كل مَذْهَب سوى مَا ارتضيناه حَتَّى إِذا استثبت انعطفنا على شبه كل فِئَة وتتبعناها بِالنَّقْضِ وَالَّذِي نعول عَلَيْهِ مَا سبق الْإِيمَاء إِلَيْهِ فِي بعض الْأَبْوَاب السالفة وَذَلِكَ أَن نقُول لمن يُخَالف من أهل الْمذَاهب المفترقة فِي حمل الصِّيغَة الْمُطلقَة على اقْتِضَاء معنى بِعَيْنِه لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يتلَقَّى علمه بذلك من قضايا الْعُقُول أَو يتلقاه من أَدِلَّة السّمع وَلم ندرج فِي الدّلَالَة ادِّعَاء الِاضْطِرَار علما منا بِأَن أحدا

стр. 161

لَا يصير إِلَى إدعائه، فَلَا مدرك للعلوم بعد انْتِفَاء الضرورات والبداية إِلَّا الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة والسمعية فَبَطل إِسْنَاد هَذَا الْعلم إِلَى دلالات الْعُقُول وَذَلِكَ أَنه لَيْسَ فِيهَا دلَالَة على مجاري اللُّغَات الثَّابِتَة توقيفا أَو اصْطِلَاحا. وَهَذَا ثَابت وفَاقا لَا حَاجَة لَك إِلَى الْأَطْنَاب فِي إثْبَاته فَلَا يبْقى إِلَّا إِسْنَاد الْعلم إِلَى الدلالات السمعية. فَنَقُول للخصم أَنْتُم لَا تخلون إِمَّا أَن تثبتوا إِفَادَة الصِّيغَة لِمَعْنى بِعَيْنِه من قَضِيَّة اللُّغَة أَو من أَدِلَّة السّمع فَإِن أَنْتُم رمتم إِثْبَات ذَلِك من مُقْتَضى اللُّغَة قيل لكم مدارك اللُّغَات مضبوطة يحصرها وَجْهَان: أَحدهمَا: معاصرة أهل الْوَضع ومشاهدة اصطلاحهم أصلا وإحاطة الْعلم بمرادهم وقرائن أَحْوَالهم الْمُشَاهدَة، فَهَذَا وَجه. وَلَا سَبِيل لمن يُكَلِّمنَا فِي نفي أَو إِثْبَات إِلَى التَّمَسُّك بِهَذَا الْوَجْه للْعلم بِأَنَّهُ لَا أحد مِمَّن يدْرك على مَذَاهِب الْمُخَالفين عاصر الواضعين اللُّغَة. وَالْوَجْه الثَّانِي: النَّقْل عَن أهل اللُّغَة. ثمَّ النَّقْل يَنْقَسِم إِلَى تَوَاتر يعقب الْعلم الضَّرُورِيّ وَإِلَى غَيره. وَلَا سَبِيل للخصم إِلَى ادِّعَاء هَذَا الضَّرْب من النَّقْل لبُطْلَان دَعْوَى الِاضْطِرَار مَعَ ظُهُور الِاخْتِلَاف ووضوحه بَين أَرْبَاب الْعقل وَالشَّرْع فَلم يبْق بعد ذَلِك إِلَّا نقل استفاضة تدل الدّلَالَة على الْقطع بِصِحَّتِهِ أَو نقل آحَاد. وَلَيْسَ مَعَ الْخصم نقل مستفيض يَقْتَضِي الْعلم فِيمَا يرومه ويلتمسه. وإيضاح ذَلِك أَنه لَا يُمكن أَن يُؤثر عَن أَئِمَّة اللُّغَة صُورَة هَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي فِيهَا التَّنَازُع. وَلَو قلت لأرباب اللُّغَة وَقد جمعهم محفل وَاحِد وفَاقا: الْأَمر هَل يَقْتَضِي الْإِيجَاب وَالنَّدْب أَو الْإِبَاحَة وَالْإِطْلَاق وَمَا مُقْتَضَاهُ إِذا تجرد عَن الْقَرَائِن وَإِذا انضمت إِلَيْهِ الْقَرَائِن؟ فَلَا تراهم فِي سؤالك إِلَّا حيارى، فَلَا يَصح بِوَجْه من الْوُجُوه نقل عين هَذِه المسئلة عَنْهُم. [٢٢٠] فَإِن توصل الْخصم إِلَى مقْصده لوُرُود أوَامِر على إِرَادَة الْإِيجَاب فيقابل بصيغ أَمْثَالهَا، وَالْمرَاد بهَا الْإِبَاحَة وَالْإِطْلَاق.

стр. 162

[٢٢١] فَإِن زعم الْخصم بِأَن مَا اعْتصمَ بِهِ معرى عَن قَرَائِن الْإِبَاحَة فَلذَلِك اقْتضى الْوُجُوب أَو النّدب عِنْد إِطْلَاقه قيل لَهُ: وَالَّذِي يَقْتَضِي الْإِبَاحَة متجرد عَن قَرَائِن الْإِيجَاب. وَإِنَّمَا اقْتضى الْإِبَاحَة عَن إِطْلَاقه لتعريه عَن قَرَائِن الْإِيجَاب وَالنَّدْب فتتقابل الدعاوي فِي موارد الصِّيَغ وَقد تبين بطلَان نقل صُورَة المسئلة عَنْهُم فَلم يبْق للنَّقْل عَنْهُم وَجه. [٢٢٢] وَمن سَبِيل النَّقْل أَيْضا أَن يخبر الْمخبر عَن قَضِيَّة من اللُّغَة بِحَيْثُ يشْتَهر ذَلِك بَين أَهلهَا. فيصمتون ويسكتون وَلَا يبدون إنكارا فَرُبمَا يعد ذَلِك من النَّقْل الْمَقْطُوع بِهِ على مَا سَنذكرُهُ فِي أَبْوَاب الْأَخْبَار إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذَا الضَّرْب أَيْضا لم يتَحَقَّق فَإِنَّهُ كَمَا اشْتهر فيهم قَول الْقَائِلين بِالْوُجُوب فَكَذَلِك اشْتهر فيهم قَول الْقَائِلين بِالْإِبَاحَةِ أَو النّدب وَلم يُؤثر عَنْهُم رد على التَّصْرِيح والإفصاح على قيد فَهَذَا لَو ادعوا تثبيت مذاهبهم من قَضِيَّة اللُّغَة. [٢٢٣] وَإِن هم ادعوا تثبيته من أَدِلَّة السّمع فَلَيْسَ فِي أَدِلَّة السّمع نَص قَاطع يَقْتَضِي مَا قَالُوهُ وَإِنَّمَا نراهم يعتصمون فِي إِثْبَات مُقْتَضى الصِّيَغ والألفاظ المحتملة بِأَلْفَاظ مُحْتَملَة من الْكتاب وَالسّنة على مَا نتقصاها فِي شبههم إِن شَاءَ الله فانسدت موارد الْعُلُوم، وَتبين وُرُود هَذِه الصِّيغَة المتنازعة فِيهَا على موارد متباينة فَلَا يبْقى إِلَّا التَّوَقُّف لتعين المُرَاد بهَا.

стр. 163

[٢٢٤] فَإِن قيل: مَا طردتموه ينعكس عَلَيْكُم فِي ادِّعَاء الْوَقْف فَإِنَّهُ كَمَا لم يُؤثر عَنْهُم مَا ذَكرْنَاهُ، فَكَذَلِك لم ينْقل عَنْهُم الْوَقْف. وَالْجَوَاب عَن ذَلِك فِي وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن نقُول: تثبيت أنباء الْأَسَامِي عَن المسميات فِي وضع اللُّغَات يحوج مدعيه إِلَى النَّقْل. وَحَقِيقَة الْمصير إِلَى الْوَقْف عدم النَّقْل، فإننا نقُول / إِذا لم ينْقل وَجه مُتَعَيّن من [٢٥ / أ] الْوُجُوه الَّتِي ادعيتموها فنتوقف، ولسنا نجْعَل التَّوَقُّف لُغَة لنحتاج إِلَى نقلهَا. وَاحْذَرْ أَن تزْعم أَن مُقْتَضى الصِّيغَة الْوَقْف، فَإنَّا نتبرأ عَن ذَلِك، بل نقُول: إِذا لم يَصح وَجه مُتَعَيّن فِي النَّقْل فنرقب تَعْيِينه بطرِيق يقطع بِهِ فمحصول هَذَا إِذا يؤول إِلَى أَنا لم نثبت لُغَة لننقلها. وَالْوَجْه الآخر من الْجَواب أَن نقُول: إِذا رَأينَا صِيغَة وَاحِدَة ترد على موارد مُخْتَلفَة ومعاني متباينة فَإِذا وَردت مُطلقَة فَلَا نحتاج فِي التَّوَقُّف فِي مَعْنَاهَا إِلَى نقل مُجَرّد من أهل اللُّغَات. وإيضاح ذَلِك بالمثال أَن الْعين لما ورد منقسما بَين معَان فَإِذا أطلق فِي المورد لم يحْتَج فِي التَّوَقُّف فِي مَعْنَاهُ إِلَى نقل متجرد وَإِذا وَردت لَفْظَة الْوُجُود مَعَ انطلاقها على الْحُدُوث والقدم

стр. 164

لم يحْتَج فِي التَّوَقُّف إِلَى نقل متجرد من أهل اللُّغَة. فَتبين مَا قُلْنَاهُ وَلكُل قلب الْخصم وَعَكسه الدّلَالَة علينا. فَهَذَا أقوى مَا نعول عَلَيْهِ وَسَنذكر بَقِيَّة أدلتنا فِي تَرْتِيب الْأَبْوَاب إِن شَاءَ الله. [٢٢٥] عمد من صَار إِلَى أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي الْإِيجَاب. اعْلَم، أَن الصائرين إِلَى هَذَا الْمَذْهَب تحزبوا حزبين فَمن صائرين إِلَى أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي الْإِيجَاب لُغَة ووضعا وَمن ذَاهِبين إِلَى أَن اللُّغَة لَا تدل على ذَلِك وَلَكِن دلالات السّمع تدل على وجوب حمل الْأَوَامِر الشَّرْعِيَّة المتجردة عَن الْقَرَائِن على الْوُجُوب.

стр. 165

[٢٢٦] فَأَما من ادّعى أصل الْوَضع وهم الْأَكْثَرُونَ فقد استدلوا على ذَلِك بأَشْيَاء مِنْهَا: أَنهم قَالُوا قد ثَبت فِي إِطْلَاق أهل اللُّغَة تَسْمِيَة من خَالف مُطلق الْأَمر عَاصِيا، وَثَبت مِنْهُم تقريعه وتوبيخه بالعصيان عِنْد مُجَرّد ذكر الْأَمر، فَإِن الْوَاحِد مِنْهُم يَقُول لمن دونه أَمرتك فعصيت أَمْرِي وَهَذَا شَائِع ذائع فيهم. ومساقه أَنه لما جَازَ التوبيخ بسمة الْعِصْيَان عِنْد ذكر مُطلق الْأَمر، وَلَا يسْتَوْجب التوبيخ إِلَّا بترك وَاجِب اقْتضى مَجْمُوع ذَلِك دلَالَة الْأَمر الْمُطلق على الْوُجُوب. فَيُقَال لَهُم: لسنا نسلم لكم مَا أطلقتموه من دعواكم، وَذَلِكَ أَن النزاع مَعكُمْ فِي الصِّيغَة الْمُطلقَة المعراة من الْقَرَائِن. وَلَيْسَ فِي إِطْلَاق اللُّغَة وتحاور أَهلهَا مَا يدل على مَا رمتموه فَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَنهم إِن وبخوا تَارِك الأمتثال لسمة الْعِصْيَان فَإِنَّمَا وبخوه عِنْد تَركه امْتِثَال أَمر شَاهد قَرَائِن أَحْوَال الْأَمر بِهِ دَالَّة على اقْتِضَاء الْوُجُوب فَلَيْسَ يمكنكم أَن تزعموا أَنهم يوبخون بالعصيان فِي الْأَمر الْمُجَرّد عَن الْقَرَائِن وَاسم الْأَمر ينْطَلق على الْمُجَرّد والمقترن جَمِيعًا، فَمن أَيْن لكم أَن مَا أَطْلقُوهُ

стр. 166

[٢٥ / ب] ينْصَرف إِلَى الصِّيغَة الْمُطلقَة / وَلم ينْقل عَنْهُم فِي توبيخ التارك عصيت مُطلق أَمْرِي المعرى عَن الْقَرَائِن، وَهَذِه دَعْوَى لم تقرن ببرهان، ثمَّ نقُول لسنا نسلم أَن تثبيت سمة الْعِصْيَان وصف ذمّ على الْإِطْلَاق إِذْ قد يرد ذَلِك فِي غير مَوضِع اسْتِحْقَاق الذَّم. فَإنَّك تَقول أَشرت على فلَان بِكَذَا فعصاني وَعصى مشورتي، وَإِن لم يكن بمشورتك مُوجب على من أَشرت إِلَيْهِ. [٢٢٧] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم وَهِي من عمدهم. فَإِن قَالُوا: قَول الْقَائِل: ((افْعَل)) يتَضَمَّن إِثْبَات الْفِعْل وَحصر الْمَقْصد فِي ثُبُوته، إِذْ لَيْسَ فِي قَول الْقَائِل ((افْعَل)) إِلَّا اقْتِضَاء ثُبُوت الْفِعْل فَلَو حمل على النّدب وَالْإِبَاحَة اقْتضى جَوَاز التّرْك وَهَذَا يُنَاقض ثُبُوت الْفِعْل. وَهَذَا مِمَّا يشغفون بِهِ. وَلَو رد إِلَى التَّحْقِيق اضمحل، وَذَلِكَ أَنا نقُول إِن عنيتم بقولكم: إِنَّه يَقْتَضِي ثُبُوت الْفِعْل أَنه يُنبئ عَن ثُبُوته لَا

стр. 167

محَالة. فَهَذَا عين مَا تنازعنا فِيهِ، فكأنكم عبرتم بِثُبُوتِهِ لَا محَالة عَن الْوُجُوب، وَآل قصاري كلامكم فِي تثبيت الْمَذْهَب إِلَى نفس نقل الْمَذْهَب، فكأنكم قُلْتُمْ الْأَمر على الْوُجُوب لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوب فَأَنِّي يَسْتَقِيم هَذَا مِنْكُم؟ والخصم يزْعم أَنه قد يرد وَالْمرَاد بِهِ التَّخْيِير وَقد يرد وَالْمرَاد بِهِ التهديد، فَبَطل مَا قَالُوهُ جملَة وتفصيلا. [٢٢٨] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم: فَإِن قَالُوا: الْوُجُوب معنى صَحِيح يتَصَوَّر فِي الْقُلُوب ويتخالج فِي الصُّدُور فَيعلم أَنه مِمَّا يخْطر بِهِ لأرباب اللُّغَات فَيجب لَا محَالة أَن يضعوا لَهُ لفظا يُنبئ عَنهُ وَلَا لفظ يُنبئ عَنهُ إِن لم يُنبئ الْأَمر.

стр. 168

وَهَذَا وَاضح الْبطلَان وَلَوْلَا أَن الْأَئِمَّة تمسكوا بِهِ لاقتضى الْحَال ترك نَقله لوهايته وَضَعفه. فَأول مَا نفاتحهم بِهِ أَن نقُول: لم زعمتم أَولا أَنه يجب تَسْمِيَة كل معنى يتخالج فِي الصُّدُور، وَبِمَ تنكرون على من يجوز بَقَاء معَان لَيْسَ فِي اللُّغَات إنباء عَنْهَا على التَّنْصِيص والتخصيص؟ فَهَذَا وَجه فِي الْإِبْطَال. وَالْوَجْه الآخر أَن نقُول بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن النّدب أحد الْمعَانِي المتقدرة فِي الصُّدُور فَلَا بُد من قصد أهل اللُّغَة إِلَى وضع لفظ يتضمنه؟ فَإِن قيل: اللَّفْظ المتضمن لَهُ قَوْلهم: أندبك إِلَى كَذَا وأحثك عَلَيْهِ إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يَقْتَضِي هَذَا الْمَعْنى. فَيُقَال لَهُم: وَبِمَ تنكرون على من طرد مَا قلتموه أَن يكون اللَّفْظ الْمَوْضُوع باقتضاء الْإِيجَاب قَوْلهم أوجبت عَلَيْك وافترضت عَلَيْك وألزمتك حتما عَلَيْك إِلَى مَا يضاهي ذَلِك من الْأَلْفَاظ؟ [٢٢٩] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم: زلوا فِي إلزامها، وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا النَّهْي عَن الشَّيْء يتَضَمَّن وجوب الْكَفّ عَنهُ، فَالْأَمْر بِهِ وَاجِب أَن يتَضَمَّن وجوب الْإِقْدَام

стр. 169

عَلَيْهِ وحققوا ذَلِك بِأَن الْأَمر بالشي نهي عَن أضداد الْمَأْمُور / بِهِ فَإِذا ثَبت [٢٦ / أ] اقْتِضَاء النَّهْي وجوب التّرْك ترَتّب عَلَيْهِ اقْتِضَاء الْأَمر وجوب الْإِقْدَام. فَيُقَال لَهُم: أقصروا فقد زللتم فِي الْإِلْزَام وَذَلِكَ أَنكُمْ إِن عنيتم بِالنَّهْي قَول الْقَائِل: ((لَا تفعل)) فَهَذَا من الْأَلْفَاظ المحتملة عندنَا المترددة بَين معَان على مَا سَنذكرُهُ فِي بَاب النواهي إِن شَاءَ الله ولسنا نقطع أَيْضا باقتضاء اللَّفْظ وجوب الْكَفّ. [٢٣٠] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم: فَإِن قَالُوا: إِذا أَمر السَّيِّد عَبده بِشَيْء فَلم يمتثل أمره حسن مِنْهُ توبيخه بِمُجَرَّد ذكر الْأَمر، فَإِنَّهُ يَقُول أَمرتك فخالفتني فلولا أَن مجرده يَقْتَضِي الِامْتِثَال لما حسن ذَلِك. وَهَذَا يداني الشُّبْهَة الأولى، وَمَا قدمْنَاهُ من الْجَواب عَنْهَا يبطل ذَلِك. ونجدد آنِفا كلَاما يتَضَمَّن بطلَان مَا قَالُوهُ وَيصْلح لابتداء اسْتِدْلَال فِي الرَّد على من عين لهَذَا اللَّفْظ مُوجبا. وَذَلِكَ أَنا نقُول إِذا بدرت من السَّيِّد الصِّيغَة الَّتِي فِيهَا نزاعنا فَيحسن من العَبْد تَقْسِيم الْكَلَام وتنويعه فِي استفصال الْمَقْصد بِهِ فَيَقُول: للسَّيِّد هَذَا الَّذِي بدر مِنْك إِلْزَام لَا محيص عَنهُ أَو هُوَ ندب أتخير

стр. 170

فِيهِ؟ فَلَمَّا حسن مِنْهُ الاستفصال والاستفسار دلّ ذَلِك على خُرُوج اللَّفْظَة من اقْتِضَاء معنى معِين. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَنه لَو قَالَ لعَبْدِهِ: رَأَيْت إنْسَانا، لم يحسن مِنْهُ أَن يَقُول مستفسرا: تَعْنِي بِهِ شخصا من بني آدم أم حمارا؟ لِأَن اللَّفْظَة أنباء عَن جنس بني آدم فَلم يحسن الاستفصال فِيهِ. فَهَذَا مَا يعولون عَلَيْهِ من الشّبَه. [٢٣١] وَمِمَّا يعولون عَلَيْهِ من آي الْكتب وَسنَن الرَّسُول ﵇ جمل من الظَّوَاهِر نومئ إِلَى أظهرها فِي مقصدكم مقصدهم ونتقصى عَنهُ لنستدل بِهِ على مثله. [٢٣٢] فَمن أظهر مَا يتمسكون بِهِ قَوْله تَعَالَى فِي تقريع إِبْلِيس: ﴿مَا مَنعك أَلا تسْجد إِذْ أَمرتك﴾ وَوجه التَّمَسُّك بِهِ أَنه تَعَالَى وبخه بالامتناع عَن السُّجُود بعد توجه الْأَمر عَلَيْهِ وَأطلق تَعَالَى ذكره الْأَمر وَلم يقل إِذْ أَمرتك أَمر إِيجَاب. فَاقْتضى ذَلِك إنباء مُطلق الْأَمر عَن الْإِلْزَام والإيجاب. وَأَشد الْأَجْوِبَة عَلَيْهِم عَن ذَلِك أَن نقُول: كَانَ أَمر الله الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود متقيدا بقرائن اقْتِضَاء الْإِيجَاب. وَاسم الْأَمر ينْطَلق على

стр. 171

المتقيد بالقرائن كَمَا ينْطَلق على الْمُطلق، فيسمى الْأَمر مَعَ قيوده المتضمنة الْإِيجَاب أمرا كَمَا يُسمى الأمرالمجرد المعري عَنْهَا أمرا. [٢٣٣] فَإِن قيل: فَمَا الْقَرَائِن الدَّالَّة على اقْتِضَاء الْإِيجَاب؟ قُلْنَا: الْجَواب عَن ذَلِك من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن نقُول: من الْقَرَائِن مَا يتَحَقَّق عِنْد صُدُور الْأَمر من الْآمِر ويحيط المأمورعلما بهَا، وَلَا يُمكن التَّعْبِير عَنْهَا على التَّفْصِيل والتخصيص / [٢٦ / ب] وَهَذَا مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى جَحده. وَالْوَجْه الثَّانِي: من الْجَواب أَن نقُول قد قدمنَا فِي بعض الْأَبْوَاب السالفة أَن من خاطبه الرب سُبْحَانَهُ بأَمْره لم يتَصَوَّر توصل الْمُخَاطب إِلَى الْعلم بقضية الْخطاب إِلَّا اضطرارا وَقد أوضحنا القَوْل فِي ذَلِك وَلَقَد كَانَ الرب تَعَالَى خَاطب الْمَلَائِكَة بِالْأَمر بِالسُّجُود مَعَ ارْتِفَاع الوسائط وتبليغ المبلغين فاضطرهم الله إِلَى الْعلم بِمُقْتَضى مَا توجه عَلَيْهِم من الْأَمر. وَالْوَجْه الثَّالِث من الْجَواب: أَن نقُول: أَنْتُم لَا تخلون معاشر المتمسكين بِهَذَا الظَّاهِر إِمَّا أَن تَقولُوا: نعلم أَن الْأَمر المتوجه عَلَيْهِم كَانَ متجردا عَن الْقَرَائِن أَو تَقولُوا: لَا نعلم ذَلِك، فَإِن زعمتم أَنا لَا نعلم تجرده عَن الْقَرَائِن عِنْد توجهه عَلَيْهِم فقد استربتم فِيمَا بِهِ استدللتم. وَإِن أَنْتُم زعمتم أَنا نَعْرِف تجرده عَن الْقَرَائِن، فَيُقَال لكم: فَبِمَ عَرَفْتُمْ ذَلِك؟ وطرق الْعلم ومداركها مضبوطة، ونعيد عَلَيْهِم فِي ذَلِك التَّقْسِيم الَّذِي ذكرنَا فِيمَا عَلَيْهِ عولنا من الدَّلِيل على الْوَقْف. وَهَذَا مَا لَا محيص لَهُم عَنهُ.

стр. 172

[٢٣٤] فَإِن قَالُوا: مَا ظهر مِنْهَا شَيْء يدل على تجرد الْأَمر عَنْهَا. قيل لَهُم: فَمَا يؤمنكم أَنَّهَا ظَهرت لغيركم وَإِن لم تظهر لكم؟ أَو بِمَ تنكرون على من يزْعم أَنَّهَا كَانَت وَلم تظهر لكم وَلَا لغيركم. إِذْ لَيْسَ من شَرط كل مَا سبق أَن ينْقل إِلَيْكُم وَإِلَى أمثالكم وَهَذَا مَا يحسم عَلَيْهِم وَجه الِاعْتِصَام بالظواهر. [٢٣٥] فَإِن قيل: إِنَّمَا عرفنَا ذَلِك من ذكر الله تَعَالَى الْأَمر مُطلقًا فِي قَوْله: ﴿إِذْ أَمرتك﴾ . قُلْنَا: فاسم الْأَمر ينْطَلق على المقترن إِطْلَاقه على الْمُجَرّد عَن الْقَرَائِن. وَهَذَا أوضح من استدلالهم. [٢٣٦] وَمِمَّا يتشبثون بِهِ قَوْله : ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ . قَالُوا: فَهَذَا يَقْتَضِي وجوب كل امْتِثَال وَطَاعَة. فَيُقَال: لَهُم مَا أغفلكم عَمَّا يُرَاد بكم، أَو لسنا نازعناكم فِي أَمْثَال مَا بِهِ استدللتم، فَهَذَا الَّذِي اعْتصمَ بِهِ آنِفا من الْأَلْفَاظ الَّتِي يتَوَقَّف فِي مَعْنَاهَا وفحواها، وَكَيف تتشبثون على الْقَائِلين بِالْوَقْفِ بِمَا يتوقفون فِيهِ؟ [٢٣٧] وَمِمَّا يتمسكون من السّنَن مَا روى أَنه [ ﷺ ] قَالَ

стр. 173

لبريرة وَقد أعتقت تَحت زَوجهَا: ((لَو أَقمت تَحت هَذَا العَبْد. قَالَ: أبأمر مِنْك يَا رَسُول الله! فَقَالَ ﵇: لَا بل إِنَّمَا أَنا شَافِع)) وَوجه استدلالهم بِهَذَا الْخَبَر أَنَّهَا اعتقدت وجوب الِامْتِثَال لَو كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] لَهَا آمرا، وَلم يُنكر رَسُول الله [ ﷺ ] عَلَيْهَا فِي اعتقادها بل بَين لَهَا أَنه لَيْسَ بآمر. قُلْنَا: هَذَا وَأَمْثَاله من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يَصح التَّمَسُّك بِهِ فِي مسَائِل الْقطع وَهَذِه الَّتِي نَحن فِيهَا مِنْهَا. ثمَّ نقُول إِطْلَاقهَا الْأَمر يتَنَاوَل الْأَمر الْمُقَيد / وَالْمُطلق، فنحمله على الْمُقَيد كَمَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا قبل، أَو نقُول لَيْسَ [٢٧ / أ] فِيمَا قَالَت إنباء عَن اعْتِقَاد الْوُجُوب عِنْد تَقْدِير الْأَمر، فَإِنَّهَا لم تقل أفبأمر مِنْك

стр. 174

فألتزم مُوجبه، فلعلها عنت بذلك أفبأمر مِنْك موكد على التحريض وَالنَّدْب فِي الْمقَام تَحت هَذَا العَبْد. [٢٣٨] فَإِن قيل: فالشفاعة تنبئ عَن النّدب. قُلْنَا: للوكادات رتب ودرجات والشفاعة لَا تنبئ عَن أَعْلَاهَا، فَعَاد استفصالها إِلَى ذَلِك. وَالَّذِي يُحَقّق مَا قُلْنَاهُ أَن الْمَنْقُول عَنهُ [ ﷺ ] لم يكن من قبيل مَا يستراب فِي أَنه لَا يَقْتَضِي الْإِيجَاب، فَإِنَّهُ ﵇ قَالَ: ((لَو أَقمت تَحت هَذَا العَبْد)) وَهَذَا مُصَرح بِنَفْي التحتم والإيجاب، مُتَرَدّد فِي دَرَجَات النّدب، وعَلى هَذَا الْوَجْه يستدلون بجمل من الْأَخْبَار، وَمَا قدمْنَاهُ ويرشدك إِلَى الِانْفِصَال عَنْهَا إِن شَاءَ الله . [٢٣٩] وَمِمَّا تعلقوا بِهِ من جِهَة الْإِجْمَاع وعدوه من أقوى عصمهم أَو أَشد الْكَلَام فِي الْمَسْأَلَة، أَن قَالُوا: نعلم استرواح الْأمة قاطبة فِي تثبيت وجوب الصَّلَاة وَالصِّيَام وَمَا ضاهاهما من الْعِبَادَات إِلَى قَوْله عز اسْمه: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة﴾ فلولا أَنهم اعتقدوا إنباء الْأَوَامِر عَن الْإِيجَاب لما استروحوا فِي تثبيت الْإِيجَاب إِلَى الْأَوَامِر، ووكدوا ذَلِك بِأَن قَالُوا مَا أومأنا

стр. 175

إِلَيْهِ من الْأَوَامِر غير مقترنة بِشَيْء من الْقُيُود الدَّالَّة عنْدكُمْ، فَيُقَال لَهُم: هَذَا الَّذِي ختمتم بِهِ كلامكم فِيهِ أَشد النزاع، فَإِن الْأَوَامِر الَّتِي اعْتصمَ بهَا وقررتم استرواح أهل الْإِجْمَاع إِلَيْهَا مقترنة بقرائن الشَّرْع فِي اقْتِضَاء الْإِيجَاب. ثمَّ نعيد عَلَيْهِم مَا قدمْنَاهُ من التَّقْسِيم فَنَقُول: بِمَ عَرَفْتُمْ تجرد مَا ذكرْتُمْ من الْأَوَامِر عَن الْقَرَائِن؟ فَلَا يرجعُونَ إِذا حقق عَلَيْهِم إِلَّا إِلَى عدم النَّقْل، فَيُقَال لَهُم: وَلَيْسَ كل مَا اسْتندَ إِلَيْهِ الْإِجْمَاع يتَعَيَّن على المجمعين نَقله وَكم من مَسْأَلَة أجمع الْعلمَاء على حكمهَا عَن خبر أَو قِيَاس، وَلَو أردنَا نقل الأَصْل الَّذِي مِنْهُ انْعَقَد الْإِجْمَاع على التَّعْيِين لم نقدر على ذَلِك، وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ فَمَا أنكرتم أَن أهل الْإِجْمَاع أحاطوا بِهِ علما بقراين الْأَوَامِر الدَّالَّة على الْوُجُوب، واعتقدوا الْوُجُوب وَلم ينقلوها، فَهَذِهِ جمل مقنعة فِي شبه الْقَائِلين بِالْوُجُوب والتقصي عَنْهَا. [٢٤٠] فَأَما الْقَائِلُونَ بِأَن الْأَمر يَقْتَضِي النّدب فقد اعتصموا بِأَن قَالُوا: قد ثَبت بِاتِّفَاق بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن الْأَمر يَقْتَضِي طَاعَة الْمَأْمُور واقتضاء الطَّاعَة يتَحَقَّق فِي النّدب وَإِنَّمَا يتَبَيَّن الْوُجُوب بِذكر الذَّم على ترك الْوَاجِب، فَإِذا ورد مُطلق الْأَمر حمل على الِاقْتِضَاء الْمُجَرّد والاقتضاء الْمُجَرّد يتَحَقَّق فِي النّدب، فَإِن الْوُجُوب يثبت بِقَرِينَة زَائِدَة، والملطق متعر عَنْهَا، وحقق الْمُعْتَزلَة ذَلِك عِنْد أنفسهم بِأَن قَالُوا: الْأَمر يتَضَمَّن كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا للْآمِر فَلَا يُنبئ عَن غير ذَلِك / وَأَقل الرتب فِي هَذَا الْمَعْنى النّدب فَحمل الْأَمر على الْأَقَل [٢٧ / ب] المستيقن. فَيُقَال لَهُم: أول مَا نناقشكم فِيهِ أَنا لَا نَلْتَقِي على مَذْهَب فِي الْأَمر

стр. 176

فَإِن الَّذِي نصفه بِكَوْنِهِ أمرا وننعته بِكَوْنِهِ مقتضيا للطاعة هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ، وَأَنْتُم معاشر الْمُخَالفين تنكرون أصل ذَلِك، وَالَّذِي تثبتونه أمرا إِيمَاء مِنْكُم إِلَى الصِّيَغ والعبارات فلسنا نسلم أَنه يتَضَمَّن اقْتِضَاء الْفِعْل فَإِنَّهُ يتَرَدَّد بَين الدّلَالَة على الِاقْتِضَاء وَالْإِبَاحَة والحظر كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي صدر الْمَسْأَلَة فتصدهم هَذِه الْمُنَازعَة من مقصدهم، وَأما مَا أسندت الْمُعْتَزلَة قَوْلهَا إِلَيْهِ من كَون الْمَأْمُور مرَادا للْآمِر فَهَذَا من أعظم أصل نخالفهم فِيهِ فَإنَّا لَا نشترط تعلق الْإِرَادَة بالمأمور بِهِ، ثمَّ نقُول لَهُم بعد التعري عَن هَذِه المناقشة معولكم فِي مَا طردتموه على كَون الْأَمر مقتضيا للطاعة ثمَّ أردفتم ذَلِك بِأَن قُلْتُمْ اسْتِحْقَاق الذَّم مِمَّا لَا يُنبئ عَنهُ الِاقْتِضَاء الْمُطلق فحملناه على مُجَرّد الِاقْتِضَاء دون اسْتِحْقَاق الذَّم فَإِن اللَّفْظ لَا يُنبئ عَنهُ. فَيُقَال لكم فَإِذا حملتموه على النّدب فقد صرحتم جَوَاز تَركه وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ إنباء عَن جَوَاز التّرْك كَمَا لَيْسَ فِي اللَّفْظ إنباء عَن اسْتِحْقَاق الذَّم وَهَذَا مَا لَا جَوَاب عَنهُ. [٢٤١] فَإِن قيل: إِذا أطلق الله تَعَالَى الْأَمر وجوزنا حمله على النّدب، وَلم يبين سُبْحَانَهُ كَون تَركه مَحْظُورًا حملناه على النّدب، إِذْ لَو كَانَ مَحْظُورًا لبينه. قيل لَهُم: فَبِمَ تنكرون على من يعكس عَلَيْكُم مَا قلتموه؟ وَيَقُول: لَو كَانَ ترك الْمَأْمُور بِهِ غير مَحْظُور لبين الله تَعَالَى نفي سمة الْحَظْر عَنهُ فيتقابل الْقَوْلَانِ على هَذَا الْمنْهَج ويتساقطان. [٢٤٢] فَإِن قَالُوا يثبت بورود الْأَمر كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا للْآمِر وَلَا يتَضَمَّن نفس الْأَمر جَوَاز التّرْك وَلَكنَّا نقُول: إِذا لم يكن فِي الْأَمر

стр. 177

وَمُقْتَضَاهُ تعرض لتَحْرِيم التّرْك وَلَا إِبَاحَته فَيحمل ترك الْمَأْمُور بِهِ على مَا علمناه عقلا قبل وُرُود الشَّرَائِع، قَالُوا: وَقد علمنَا الْإِبَاحَة فِيمَا لَا يسْتَدرك بِالْعقلِ تَحْرِيمه، ومحصول هَذَا الْكَلَام يؤول إِلَى أَن الْأَمر يتَضَمَّن كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا وَلَا يتَضَمَّن تعريضا لتَركه ويتوصل بِالْعقلِ استصحابا للْحَال إِلَى حكم الْإِبَاحَة فِي ترك الْمَأْمُور بِهِ. قُلْنَا: لَو ناقشناكم فِيمَا ابتديتموه من أَحْكَام الْأَفْعَال قبل وُرُود الشَّرَائِع طَال الْكَلَام بيد أَنا نشغلكم عَن الِاعْتِصَام جملَة فَنَقُول: إِذا زعمتم أَن الْأَمر يتَضَمَّن كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا على التجرد، فَكل مَا تجرد فِيهِ كَونه مرَادا أنبأ تجرد هَذَا الْوَصْف فِيهِ عَن جَوَاز تَركه لَا محَالة، وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ. [٢٤٣] ثمَّ نقُول: مقصدنا التَّوَصُّل إِلَى الرَّد عَلَيْكُم فِي مصيركم إِلَى أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي النّدب فَإِذا اعترفتم على أَنفسكُم فِي أَنه لَا يَقْتَضِي التّرْك فقد صرحتم بِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي النّدب وصرفتم قصارى كلامكم إِلَى كَون / [٢٨ / أ] الْمَأْمُور بِهِ مرَادا للْآمِر. وَنحن ننكر اشْتِرَاط ذَلِك، ولعلنا نوضحه، فَأول مَا يعتصم بِهِ فِي إبِْطَال تعويلهم على كَون الْمَأْمُور مرَادا دلَالَة تحجزهم عَن إِثْبَات أصل الْإِرَادَة فَإنَّا نقُول لَهُم: قد وافقتمونا معاشر الْمُعْتَزلَة أَن الرب مُرِيد بِإِرَادَة وأحلتم كَونه مرِيدا لنَفسِهِ على مَنْهَج أصلكم فِي الْحَيّ والعالم والقادر ثمَّ لما قُلْتُمْ: إِنَّه مُرِيد بِإِرَادَة أحلتم كَونه سُبْحَانَهُ مرِيدا بِإِرَادَة قديمَة وزعمتم أَنه مُرِيد بِإِرَادَة حَادِثَة فَإِذا أوضحنا بطلَان هَذَا التَّقْسِيم الَّذِي ارتضيتموه وَقد ثَبت من مذهبكم الْمصير إِلَى بطلَان مَا سواهُ من الْأَقْسَام، فَلَا يبْقى إِلَّا نفي الْإِرَادَة.

стр. 178

[٢٤٤] فالدليل على بطلَان مَا ارتضوه أَن نقُول: قد ثَبت أَن الدَّلِيل الدَّال على الْإِرَادَة يخصص الْحَادِث بِبَعْض الصِّفَات والأوقات مَعَ تَقْدِير جَوَاز أَمْثَالهَا إبدالا عَنْهَا، فَبِمَ تنكرون على من يلزمكم فِي مثل ذَلِك فِي الْإِرَادَة نَفسهَا فَإِنَّهَا حَادِثَة متخصصة بالوجود عَن الْعَدَم فلئن سَاغَ استغناؤها فِي تخصصها عَن إِرَادَة سَاغَ اسْتغْنَاء كل مُرَاد عَن الْإِرَادَة. [٢٤٥] وَمِمَّا يُوضح بطلَان مَا اختاروه أَن نقُول: الْإِرَادَة الْحَادِثَة الَّتِي أثبتموها لَا تخلون فِيهَا إِمَّا أَن تزعموا أَنَّهَا قَائِمَة بِمحل مخترع، أَو ثَابِتَة لَا بِمحل فَإِن أَنْتُم زعمتم أَنَّهَا تقوم بِذَاتِهِ فقد صرحتم بِقبُول ذَاته الْحَوَادِث، وَهَذَا مِمَّا تحاشوا مِنْهُ فَلَا فَائِدَة فِي نصب الدَّلِيل عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أحالوا قيام الْإِرَادَة بِمحل مخترع فَلم يبْق إِلَّا تثبيت الْإِرَادَة لَا فِي مَحل وَأول مَا يلْزمهُم على ذَلِك تَجْوِيز قيام إرادتنا لَا فِي مَحل، وَقد أطبقوا على اسْتِحَالَة ذَلِك وَلَا محيص لَهُم عَن هَذَا. ثمَّ نقُول: الْإِرَادَة من قبيل الْأَعْرَاض وفَاقا فَإِن سَاغَ تثبيت عرض لَا فِي مَحل سَاغَ طرد ذَلِك فِي كل الْأَعْرَاض، ويستقصى ذَلِك فِي الديانَات إِن شَاءَ الله . (٦٥) فصل يلْتَحق بِمَا قدمْنَاهُ [٢٤٦] وَاعْلَم، وفقك الله أَن الْأَمر لَا يَقْتَضِي حسن الْمَأْمُور بِهِ

стр. 179

وَذَلِكَ أَن الْأَمر الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ يَقْتَضِي طَاعَة الْمَأْمُور بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ اقْتِضَاء حسن الْمَأْمُور بِهِ، وَذَلِكَ أَن الْحسن على قَضِيَّة أصُول أهل الْحق لَيْسَ يرجع إِلَى وصف الْفِعْل وَنَفسه، لكنه يرجع إِلَى الْأَمر بالثناء على فَاعله على مَا سبق استقصاءه فِي بَاب الْحسن والقبيح، وَلَيْسَ فِي اقْتِضَاء الطَّاعَة أَمر بالثناء على الطَّاعَة، وَهُوَ الْمَعْنى بالْحسنِ لَا غير. [٢٤٧] وَالَّذِي صَحَّ من مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة مثل مَا ذَكرْنَاهُ وَمن المنتمين إِلَى الْأُصُول من يَحْكِي عَن الْمُعْتَزلَة اقْتِضَاء الْأَمر حسن الْمَأْمُور بِهِ، وحكاية ذَلِك على هَذَا الْإِطْلَاق غلط، وَذَلِكَ أَن الْأَمر قد يصدر من الْوَاحِد منا مُتَعَلقا بقبيح كالأمير يَأْمر أَتْبَاعه بالظلم الصَّرِيح وَرُبمَا / يُقيد أمره بِفعل الْقَبِيح [٢٨ / ب] وَيُسمى ذَلِك أمرا على التَّحْقِيق، فمحصول أصل القَوْل أَن الْأَمر يَقْتَضِي كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا للْآمِر ثمَّ قَالُوا بعد ذَلِك لما تعلّقت إرادتنا بالْحسنِ والقبيح

стр. 180

لم يدل تعلق أمرنَا بالمأمور بِهِ على حسنه، والرب لَا يُرِيد إِلَّا الْحسن وَتعلق أمره بالمأمور بِهِ يَقْتَضِي كَونه مرَادا لَهُ، ثمَّ من حَيْثُ عرفنَا أَنه لَا يُرِيد الْقَبِيح توصلنا إِلَى كَون الْمَأْمُور بِهِ حسنا فَافْهَم ذَلِك من مذاهبهم فَأَما نَحن فَلَا نصير إِلَى أَن الْأَمر بِالْفِعْلِ يَقْتَضِي حسنه وَلَكِن إِن ورد الْأَمر بالثناء لفَاعِله فَيحكم بحسنه لِلْأَمْرِ الثَّانِي. (٦٦) فصل [٢٤٨] اعْلَم، أرشدك الله أَن الْأَوَامِر الْمقيدَة باقتضاء الْإِيجَاب لَا يتَعَيَّن امتثالها إِلَّا بِأَمْر الله وَإِذا اتَّصل بِنَا أَمر من صَاحب الشَّرِيعَة أَو من الإِمَام الْقَائِم على النَّاس فامتثالنا لأوامره امْتِثَال لأمر الله تَعَالَى وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن الرَّسُول [ ﷺ ] إِنَّمَا يتَمَيَّز عَن أَمْثَاله وَأَضْرَابه بالمعجزة الدَّالَّة على صدقه فالمعجزة تَتَضَمَّن تَصْدِيقه وَقبُول أنبائه وتحقيقها وَلَيْسَ فِيهَا تضمن وجوب قبُول أوامره. فَيجب أَن نصدقه فِي كل مَا يخبر بِهِ وَالْأَمر الصَّادِر مِنْهُ على الاستبداد لَا يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب، وَلَكِن نقل عَن ربه أمرا دلّت المعجزة على صدقه فِي نَقله فدلتك هَذِه الْجُمْلَة على ان الممتثل على الْوُجُوب أَمر الله ، وَإِذا أطلق ذَلِك فِي غَيره كَانَ توسعا. (٦٧) فصل [٢٤٩] اعْلَم، أَن أَمر الله قديم على مَذَاهِب أهل الْحق وَمن حكم ثُبُوت الْقدَم اسْتِحَالَة وَصفه بالْحسنِ والقبح، فَإِنَّهُمَا نعتان
следующие страницы →