← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنه لَو قدر الْجمع بَين النَّهْي عَن التأفيف والترخص فِي جملَة أَنْوَاع التعنيف مَعَ تَقْدِيم الْأَمر بالإكرام على الْجُمْلَة، عد ذَلِك من متناقض الْكَلَام. وَلَو نَص رَسُول الله [ ﷺ ] على تَخْصِيص التَّعْلِيل بشخص معِين، لم يعد ذَلِك من مُضْطَرب الْكَلَام. فَبَطل مَا قَالُوهُ. (٢٨٦ فصل) ١٦٥٧ - فَإِن قَالَ قَائِل: قد ثبتمْ بِمَا قدمتم طرق الأقيسمة، وأوضحتموها فِي الرَّد على منكريها، فَإِذا نقل عَن رَسُول الله [ ﷺ ]- وَقد ثَبت وجوب الْقيَاس وَالِاعْتِبَار - عِلّة فِي شخص معِين، فَهَل يحْتَاج فِي رد غَيره إِلَيْهِ إِلَى استنباط وتحر واجتهاد؟ قُلْنَا: إِذا ثَبت التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ وتصورت الْحَالة على مَا قلتموه " فَكل " صُورَة تحقق فِيهَا مثل " الْعلَّة " الَّتِي ذكرهَا رَسُول الله [ ﷺ ] فِي الشَّخْص الْمعِين " فتردها فِي الحكم إِلَى مورد النَّص فَسَادًا " وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى سلوك طرق الِاجْتِهَاد فِي إِقَامَة الْأَدِلَّة على اثبات عِلّة الاصل، وَرُبمَا يغمض النّظر فِي تَصْوِير الْعِلَل فِي بعض الصُّور، فَإِذا تصورت وَهِي مَنْصُوبَة فِي صور منصوصة، ابتدرنا إِلَى رد الصُّور الَّتِي وجدت فِيهَا الْعِلَل، إِلَى الصُّور المنصوصة فِي التَّعْلِيل، وَلَو لم تكن الْعِلَل منصوصة، لم يسغْ لنا طرد الْقيَاس إِلَّا بعد إِقَامَة الْأَدِلَّة على إِثْبَات

стр. 1157

عِلّة الأَصْل، على مَا سنوضح طرقها، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ١٦٥٨ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَذَا الَّذِي قلتموه آنِفا، ينْقض عَلَيْكُم مَا قدمتموه فِي الْ فَصْل الاول، فَإِنَّكُم مهما / قُلْتُمْ أَن من وجدت فِيهِ مثل الْعلَّة المنصوبة، لزم إِثْبَات الحكم فِيهِ على البديهة، من غير استنباط اجْتِهَاد فقد وافقتم من قَالَ أَن التَّنْصِيص على الْعلَّة فِي شخص معِين يتَضَمَّن تعديتها. قُلْنَا: هَذَا سُؤال من لم يحط علما بمحصول الْبَاب. فَإنَّا إِنَّمَا قُلْنَا مَا قُلْنَاهُ مَعَ تقديرنا ثُبُوت الأقيسة بالأدلة القاطعة، فَلَو قَدرنَا عدم قيام الْأَدِلَّة على وجوب التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ وطرق الِاعْتِبَار، وَردت - وَالْحَالة هَذِه - عِلّة منصوصة فِي شخص معِين، لَكَانَ قَضيته اللَّفْظ لَا تَقْتَضِي تَعديَة الحكم إِلَى من سواهُ. وَهَذَا وَاضح لكل متأمل إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (٢٨٧ فصل) ١٦٥٩ - ذهب بعض الْقَدَرِيَّة إِلَى الْفَصْل بَين المحللات والمحرمات.

стр. 1158

فَقَالَ: إِذا حرم رَسُول الله [ ﷺ ] شَيْئا، وَبَين حظره وقبحه وَعلله بعلة، فَيلْزم مِنْهُ طردها. وَإِن أوجب [ ﷺ ] شَيْئا، أَو إِبَاحَة، أَو ندب إِلَيْهِ، وَعلله بعلة، فَلَا يجب طردها. وَإِنَّمَا حملهمْ على هَذَا الْفَصْل، أصل لَهُم فِي التَّوْبَة، وَهِي من فروع التَّعْدِيل والتجوير وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا: أَمر بالقبائح يعم وَلَا يتخصص. وَلذَلِك قَالُوا: أَنه لَا تصح التَّوْبَة عَن قَبِيح، مَعَ الاصرار على آخر، وَيصِح التَّلَبُّس بِعبَادة، مَعَ ترك أُخْرَى، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَا طائل تَحْتَهُ، والخوض / فِيهِ / لَا يَلِيق بِهَذَا الْفَنّ. القَوْل فِي أَن الْقيَاس على عِلّة الحكم إِنَّمَا " يَنْبَنِي " على ثُبُوت الحكم بثبوتها، وَلَا " يتحتم " انتفاؤه عِنْد انتفائها. ١٦٦٠ - اخْتلف الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ فِي اشْتِرَاط الانعكاس فِي الْعِلَل السمعية وَالَّذِي صَار إِلَيْهِ الْجُمْهُور، أَنه لَا يشْتَرط فِيهَا الانعكاس.

стр. 1159

وَلَكِن إِذا اقْتضى الِاعْتِبَار والاستنباط " تَعْلِيق " حكم بعلة، وَالْحكم يثبت عِنْد ثُبُوتهَا وَلَيْسَ من شَرط الْعلَّة انْتِفَاء الحكم عِنْد انتفائها. بل يسوغ أَن تَنْتفِي تِلْكَ الْعلَّة، وتعقبها عِلّة أُخْرَى، فِي اقْتِضَاء " قبيل " الحكم الأول. ١٦٦١ - وَذهب بعض الْفُقَهَاء إِلَى أَن من شَرط الْعلَّة أَن يرتبط الحكم بهَا، حَتَّى يُؤثر وجودهَا فِي ثُبُوت الحكم، ويتضمن فقدها انْتِفَاء الحكم. قَالُوا: وَإِنَّمَا يتَحَقَّق تعلق الحكم بِالْعِلَّةِ على هَذَا الْوَجْه، فَلَو كَانَ الحكم يثبت عِنْد ثُبُوت الْعلَّة، وَلَا يَنْتَفِي عِنْد انتفائها، لما تحقق بَينهمَا تعلق.

стр. 1160

١٦٦٢ - مِمَّا لَا بُد من الْإِيمَاء إِلَيْهِ أَن تعلم / أَن / الْعِلَل الْعَقْلِيَّة يشْتَرط فِيهَا الاطراد والانعكاس. بِاتِّفَاق الْعُقَلَاء الْقَائِلين بالعلل. وَالْعلَّة الْعَقْلِيَّة مُوجبَة لمعلولها لذاتها وعينها، وَلَا يتَوَقَّف كَونهَا مُوجبَة لمعلولها بعد تحقق وجودهَا، على جعل جَاعل وَنصب ناصب. وَهِي نَحْو الْعلم، الْمُوجب لمحل كَونه عَالما، وَالْقُدْرَة الْمُوجبَة لما قَامَت بِهِ كَونه قَادِرًا، إِلَى غير ذَلِك. فَمَا هَذَا سَبيله يلْزم فِيهِ الطَّرْد وَالْعَكْس، فَمن قَامَ بِهِ الْعلم، لزم كَونه عَالما، وَمن لم يقم بِهِ الْعلم، لزم خُرُوجه عَن كَونه عَالما. فَمن صَار إِلَى أَن الأقيسة الشَّرْعِيَّة يشْتَرط فِيهَا الاطراد والانعكاس. فَإِنَّهُ ذهب بهَا مَذْهَب الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، وَقد أوضحنا فِي ذَلِك صَدرا من الْكَلَام. ١٦٦٣ - على أَنا نقُول: أَن الْعِلَل السمعية لَا توجب حكما لعينها إِذْ يسوغ فِي الْمَعْقُول تَقْدِير تَعْلِيق ضد حكمهَا عَلَيْهَا، بَدَلا من حكمهَا. وَلَيْسَت بموجبة لذواتها وَلكنهَا انتصبت إِمَارَة فِيمَا نصبت فِيهِ. فَإِذا نصب ثُبُوت وصف علما فِي ثُبُوت حكم، فَلَيْسَ من شَرط ذَلِك أَن ينصب عَدمه أَيْضا / علما فِي انْتِفَاء الحكم. وَلَكِن " من " شَرط كَونه علما لَا يتَحَقَّق إِلَّا وَيثبت الحكم. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك، إِنَّا بعد مَا حققنا أَن الْعِلَل السمعية، لَا توجب أحكاما لذواتها، وَبينا مفارقتها للعلل، فقد تبين أَنَّهَا بمضاضاة الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة أولى، إِن لم يكن بُد من التَّشْبِيه.

стр. 1161

ثمَّ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة، لَا يشْتَرط فِيهَا الانعكاس وفَاقا. فَإِن حدث الْعَالم إِذا دلّ على وجود الْبَارِي لم يدل فَقده على فَقده - تَعَالَى - وَإِذا دلّ الإتقان على المتقن، لم يدل عدم الإتقان على جَهله. وَسَائِر الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة تجْرِي على هَذَا الْمنْهَج فوضح بطلَان اشْتِرَاط الانعكاس فِي الْعِلَل السمعية. ١٦٦٤ - وَمِمَّا نتمسك بِهِ أَن نقُول: معاشر الْمُخَالفين خبرونا هَل " الْقَتْل " بِغَيْر حق وجوب الْكَفّ وَانْتِفَاء الْقصاص، مُوجب للْقَتْل؟ فَإِن قَالُوا: " أجل ". قيل لَهُم: فَإِذا عقلتم وجوب الْقَتْل بقتل منعوت بالأوصاف الَّتِي يذكرهَا الْفُقَهَاء. فقد نصبتم الْقَتْل عِلّة لوُجُوب الْقَتْل فَأوجب عَلَيْكُم قَود أصلكم أَن تَقولُوا: إِذا عدم الْقَتْل، انْتَفَى وجوب الْقَتْل. حَتَّى لَا يتَصَوَّر أَن يقتل الْمُرْتَد، وَلَا تَارِك الصَّلَاة، وَلَا الزَّانِي الْمُحصن. وَإِن أَنْتُم زعمتم أَن الْقَتْل لَيْسَ بعلة، فِي إِيجَاب الْقَتْل، فقد شققتم الْعَصَا، وخرقتم الْإِجْمَاع المنعقد من الْقَائِلين بِالْقِيَاسِ. ١٦٦٥ - فَإِن قَالُوا: مَا ألزمتموه منعكس حَقِيقَة. وَلَكِن الْعَكْس فِي وَجْهَيْن وَنحن الْآن نبين مَذْهَب الْقَوْم. فأحد الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَكْس، الانعكاس الْمُطلق. وَهُوَ الَّذِي يجب / فِي / الْعِلَل الْعَقْلِيَّة. فَإِذا قُلْنَا: الْعلم

стр. 1162

يُوجب كَون مَحَله عَالما، " فَإِذا " انْتَفَى قبيل الْعلم، لزم انْتِفَاء كَونه عَالما مُطلقًا، من كل وَجه، من غير تَقْيِيد. فَهَذَا هُوَ الْعَكْس الْمُطلق. وَهُوَ لَا يشْتَرط فِي الْعِلَل السمعية. وَأما الْعَكْس الْمُقَيد، فَهُوَ الَّذِي نقرره الْآن، فِيمَا ألزمتمونا. فَنَقُول: الْقَتْل يُوجب الْقَتْل، وَالرِّدَّة أَيْضا توجب الْقَتْل، وَكَذَلِكَ زنا الْمُحصن. وَلَكِن الْقَتْل الَّذِي يُوجِبهُ الْقَتْل غير الْقَتْل الَّذِي توجبه الرِّدَّة. وَكَذَلِكَ القَوْل فِي قتل الْمُحصن الزَّانِي، فَهُوَ إِذا أَنْوَاع فِي الْقَتْل مُخْتَلفَة. فَخرج من ذَلِك، أَن الْقَتْل الَّذِي يُوجِبهُ الْقَتْل - وَهُوَ قتل الْقصاص - يَنْتَفِي بِانْتِفَاء الْقَتْل فلئن وَجب " قتل " الرِّدَّة، فَهُوَ غير الْقَتْل الَّذِي يجب بِالْقَتْلِ قَالُوا: فقد تبين الانعكاس على التَّقْيِيد، فِيمَا ألزمتمونا. وَإِن لم يتَحَقَّق مُطلقًا. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه هذيان بدينكم من جحد الْحَقَائِق والبدائه، فَإِن معولكم على قَوْلكُم أَن الْقَتْل مُخْتَلف. وَهَذَا مَعْلُوم الْفساد ضَرُورَة. فَإنَّا نعلم أَن الْقَتْل فِي الرِّدَّة مجانس للْقَتْل فِي الْقصاص، وَلَا يخْتَلف المثلان فِي حقيقتيهما، فالمصير إِلَى ادِّعَاء " اخْتِلَافهمَا " جحد الضَّرُورَة. وَلَو سَاغَ ذَلِك لساغ أَن يُقَال فِي العقليات، أَن الْعلم إِذا قَامَ بزيد أوجب كَونه عَالما، " و " إِذا قَامَ بِعَمْرو " لم يُوجب " ذَلِك. فَإِن كَون عَمْرو عَالما

стр. 1163

حكم آخر، يُخَالف كَون زيد عَالما. إِذْ قد تغاير المحلان وتباين الذاتان. وَهَذَا يُفْضِي إِلَى طي الْحَقَائِق وقلب الْأَجْنَاس، فاستحال الْمصير إِلَى القَوْل بمغايرة الْقَتْل. فَلَا يبْقى لَهُم بعد ذَلِك معتصم، إِلَّا الِاعْتِرَاف بِعَين مَا أُرِيد بهم. وَهُوَ أَن يَقُولُوا: قتل الْقصاص يُخَالف قتل الْمُرْتَد، من حَيْثُ أَنه وَجب بِالْقَتْلِ، وَذَلِكَ وَجب بِالرّدَّةِ فَالْآن وضح الْحق ونطقتم بِهِ، وَلم تشعروا. فَإنَّا / أوضحنا تماثل الْقَتْل حَقِيقَة، فَإِذا اوجبتموه بعلة، فانفوه عِنْد انتفائها حَتَّى لَا يجب أصلا بِسَبَب آخر. وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ. ١٦٦٦ - وَمِمَّا يُوضح الْحق عَلَيْهِم أَن يَقُول: هَل تجوزون أَن يثبت الحكم الْوَاحِد بعلتين، لَو قدرت كل وَاحِدَة مِنْهَا على حيالها، لاقتضت الحكم؟ فَإِن قَالُوا: نجوز ذَلِك. وَلَا بُد مِنْهُ، نَحْو من يسْتَحق الْقَتْل بِأَسْبَاب، لَو انْفَرد وَاحِد " مِنْهَا " لأوجبه. فَيُقَال لَهُم: فقد الْعلَّة عنْدكُمْ يُؤثر فِي انْتِفَاء الحكم، فَقولُوا: لَو انْتَفَت عِلّة مِمَّا لَو قدر ثُبُوتهَا، لكَانَتْ مُوجبَة، وَثبتت عِلّة انْتِفَاء الحكم، وثبوته من حَيْثُ انْتَفَت علته، فَيلْزم من ذَلِك التَّنَاقُض والتنافي. ١٦٦٧ - فَإِن قَالُوا: فقد يُوجد مثل ذَلِك فِي الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، فَإِنَّهُ إِذا قَامَت حياتان بِمحل وَاحِد، فانتفاء أَحدهمَا يُوجب كَون الْمحل مَيتا وَثُبُوت

стр. 1164

الثَّانِيَة يُوجب كَون الْمحل حَيا فَيلْزم فِي ذَلِك مَا قلتموه من التَّنَاقُض. قُلْنَا: هَذَا سُؤال من يجهل مَذَاهِب أهل التَّحْقِيق. وَالَّذِي صَار إِلَيْهِ أهل الْحق قاطبة، إِنَّه لَا يجوز أَن يقوم مثلان بِمحل وَاحِد، وهما " متضادان " على الْمحل تضَاد السوَاد وَالْبَيَاض. فَبَطل مَا قَالُوهُ. وَإِن استروحوا إِلَى مَا قدموه أَولا، من أَن الحكم يَنْتَفِي بِانْتِفَاء الْعلَّة على التَّقْيِيد وَإِن لم ينتف على الاطلاق. فقد أوضحنا أَن هَذَا سَاقِط من القَوْل بِمَا فِيهِ غنى، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

стр. 1165

(٢٨٨) بَاب الْكَلَام فِي الْقيَاس ١٦٦٨ - الأقيسة تَنْقَسِم أَولا، إِلَى عقلية وسمعية. فَأَما الْعَقْلِيَّة، فنبسط القَوْل فِيهَا، فِي غير هَذَا الْفَنّ. وَأما السمعية، فقد قسمهَا القائسون من أوجه، وَنحن نذْكر جَمِيع مذاهبهم فِي وَجه التَّقْسِيم، ثمَّ ننعطف على الْمُخْتَار الصَّحِيح عندنَا. ١٦٦٩ - فَأول مَا قسموا إِلَيْهِ الْعِلَل السمعية، الْجَلِيّ والخفي. فَقَالُوا: الأقيسة تَنْقَسِم: فَمِنْهَا: الْجَلِيّ والخفي. وَزَاد بعض القائسين بَين الْجَلِيّ والخفي قسما ثَالِثا وَهُوَ الْوَاضِح. فَقَالُوا: الأقيسة ثَلَاثَة جلي وواضح وخفي. ثمَّ اخْتلفت مذاهبهم فِي الْجَلِيّ والخفي. ١٦٧٠ - فَذهب الأقلون مِنْهُم إِلَى أَن الْجَلِيّ هُوَ الْقيَاس الَّذِي ثبتَتْ علته بطريقة نقطع بهَا من نَص أَو مَا يقوم مقَامه فِي الْإِفْضَاء إِلَى الْقطع، وَهُوَ مثل أَن ينص صَاحب الشَّرِيعَة على نصب الشَّيْء عِلّة أَو ثبتَتْ ذَلِك بِاتِّفَاق من الْأمة.

стр. 1166

وَالضَّرْب الثَّانِي من الْقيَاس هُوَ الَّذِي لَا تثبت علته بطريقة يقطع بهَا، وَلَكِن يتَوَصَّل إِلَيْهَا تحريا واجتهادا. فَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ خَفِي عِنْد القائيسن ثمَّ مَا تتباين " رتبها " فبعضها أخْفى من بعض. ١٦٧١ - وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن الْقيَاس الْجَلِيّ، هُوَ المتلقى من فحوى قَوْله: ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ وَلَا تنهرهما﴾ فاعتبار سَائِر ضروب التعنيف بالتأفيف تمسكا بفحوى الْخطاب من الْقيَاس الْجَلِيّ وَكَذَلِكَ مَا يضاهيه. وَمَا يُصَار إِلَيْهِ استنباطا، فَهُوَ خَفِي وَهَذَا يداني الطَّرِيقَة الأولى. ١٦٧٢ - وَذهب الْجُمْهُور من القائسين الْقَائِلين بِأَن الْمُصِيب وَاحِد من الْمُجْتَهدين إِلَى أَن الأقيسة الَّتِي تدْرك عللها " تحريا " واستنباطا، تَنْقَسِم إِلَى جلي وخفي. فالجلي مَا تتضح وُجُوه الاستنباط فِيهِ وتقل وُجُوه اللّبْس، وَلَا تقَابل " الْأَشْبَاه " فِي مداركها، فَمَا هَذَا " قَبيلَة " فيقود المستنبط إِلَى الْعلم الظَّاهِر بِتَعْيِين عِلّة الْقيَاس وَإِن لم يحصل لَهُ الْعلم الْبَاطِن الْمَقْطُوع بِهِ. وَأما الْخَفي فَهُوَ الَّذِي لَا تتضح وُجُوه الاستنباط فِيهِ. إِمَّا لتقابل / الْأَشْبَاه وتجاذب الْأُصُول، أَو غَيرهَا من أَسبَاب الخفاء. فَمَا هَذَا سَبيله فَهُوَ

стр. 1167

خَفِي، لَا يتَضَمَّن الْعلم، لَا ظَاهرا وَلَا بَاطِنا. وَالَّذين قسموا الأقيسة ثَلَاثَة أَقسَام، جعلُوا الْجَلِيّ مَا ثبتَتْ " علته " نصا وفسروا الْوَاضِح والخفي بِنَحْوِ مَا فسرنا الْجَلِيّ والخفي آنِفا. فَهَذِهِ مَذَاهِب الْقَوْم. ١٦٧٣ - قَالَ القَاضِي ﵁: وَالَّذِي نختاره، مَعَ مَا علمْتُم من أصلنَا فِي القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين، أَن نقُول: كل قِيَاس ثبتَتْ علته نصا وتحققت طَريقَة تُفْضِي إِلَى الْقطع فِي تعْيين الْعلَّة فَمَا هَذَا سَبيله، فَهُوَ يودي التَّمَسُّك بِهِ إِلَى الْعلم وَالْقطع. وَتخرج الْمَسْأَلَة من حيّز الِاجْتِهَاد. فَأَما إِذا لم يكن مَعنا طَرِيق يُفْضِي إِلَى الْقطع وَالْعلم، لتعيين عِلّة الْقيَاس، وَكَانَ الْفَزع إِلَى غلبات الظنون، فمهما حصلت غَلَبَة الظَّن للمجتهد بِمَا يستنبط من الْقيَاس، فَحكم الله الْأَخْذ بِمَا غلب عَلَيْهِ الظَّن قطعا. فَلَا يتَحَقَّق مَعَ هَذَا الأَصْل تَقْسِيم الْقيَاس إِلَى الْجَلِيّ والخفي قطعا على مَا قَالَه المتقدمون من الْقَائِلين بِأَن الْمُصِيب وَاحِد. وَذَلِكَ أَن وَاحِدًا من " القياسين " لَا يُفْضِي إِلَى الْعلم، فَإِذا لم يتَحَقَّق الْعلم فِي وَاحِد مِنْهُمَا، لم يَتَقَرَّر تباينهما. وَمَا ذَكرُوهُ من أَن الْعلم فِي الْقيَاس الْجَلِيّ يحصل ظَاهرا بعلة الأَصْل فَهُوَ وَاضح الْفساد، فَإِن الْعلم إِذا تحقق

стр. 1168

لم يخْتَلف فِيهِ الظَّاهِر وَالْبَاطِن، على أَنه لَيْسَ فِي مجاري الأقيسة فِي الْمسَائِل الاجتهادية، طَريقَة تُفْضِي بسالكها إِلَى الْعلم. فادعاء الْعلم من " أمحل " الْمحَال. فَحصل بِمَا ذَكرْنَاهُ ابطال القَوْل بتباين الضربين من الْقيَاس فِي قبيل الْعلم، وَتبين أَن وَاحِدًا مِنْهُمَا لَا يودي إِلَى الْعلم، فَلَا يبْقى بعد ذَلِك إِلَّا غلبات الظنون، وَعِنْدنَا أَن الأقيسة السمعية كَمَا لَا توجب الْعلم لَا توجب غلبات الظنون. وَقد قدمنَا فِي ذَلِك صَدرا من الْكَلَام فِي أول الْكتاب. ١٦٧٤ - فَرجع مآل الْمقَال إِلَى أَن الله اجرى الْعَادة بإيداع غلبات الظنون فِي اعتقاب الأقيسة الَّتِي تعبدنا بِالْعَمَلِ بهَا، ثمَّ لَا تستمر الْعَادَات فِيهَا، فَرُبمَا تحصل غَلَبَة الظَّن لبَعض الْمُجْتَهدين، بِالْقِيَاسِ الَّذِي يلْحقهُ مخالفونا بالخفي وَرُبمَا لَا تحصل غلبات الظنون بِالَّذِي يلْحقهُ بالجلي. فَتبين لَك أَن " الْفَصْل " بَين القياسين لَا يَتَقَرَّر إِذا ورد إِلَى التَّحْقِيق ولعمرنا فَلَا ننكر على الْجُمْلَة أَن يكون الرب عز اسْمه، قد أجْرى الْعَادة فِي

стр. 1169

ضروب من الأمارات بِأَن تتسارع إِلَيْهَا غلبات الظنون. وتتباطؤ عَن بَعْضهَا، فَهَذَا الْقدر مِمَّا نسلمه على الْجُمْلَة، فأحط علما بذلك. (٢٨٩ فصل) (لَو أجمع القائسون على تَعْلِيق الحكم بعلة مُعينَة، هَل يقطع بِأَنَّهَا الْعلَّة) ١٦٧٥ - فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا ثَبت الحكم فِي عين من الْأَعْيَان، وَأجْمع القائسون على تَعْلِيق الحكم بعلة وَاحِدَة عينوها، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهَا، فَهَل تقطعون بِأَنَّهَا الْعلَّة؟ قُلْنَا: لَا نقطع بِأَنَّهَا الْعلَّة، فَإِن اجماع كَافَّة الْأمة هُوَ المفضي إِلَى الْعلم وَالْقطع. والقائلون بِالْقِيَاسِ لَيْسُوا كل الْأمة. فَلَو قَدرنَا رُجُوع نفاة الْقيَاس عَن مذاهبهم، وموافقتهم لِلْقَائِلين بِالْقِيَاسِ فِي القَوْل بِالْقِيَاسِ، ثمَّ اتَّفقُوا بعد ذَلِك قاطبة على تعْيين عِلّة فِي الأَصْل، وَنَفَوْا مَا عَداهَا، فنقطع الْآن " بِأَنَّهَا " الْعلَّة عِنْد الله تَعَالَى إِذْ يتَعَيَّن نفي الْخَطَأ عَن أهل الْإِجْمَاع. ١٦٧٦ - وَذهب جُمْهُور الْقَائِلين بِأَن الْحق فِي وَاحِد من الْمُجْتَهدين، إِلَى أَن القائسين مهما أَجمعُوا على تعْيين عِلّة فِي الأَصْل. فنقطع القَوْل بِأَنَّهَا الْعلَّة وَإِن لم يرجع نفاة الْقيَاس عَن مذاهبهم /. وَهَذَا بَين الْفساد. فَإِن القائسين لَيْسُوا كل الْأمة، وَهَذَا أوضح من أَن يحْتَاج إِلَى إطناب.

стр. 1170

(٢٩٠) فصل) (أوجه تطرق الْخَطَأ إِلَى الْقيَاس) ١٦٧٧ - اعْلَم أَن الْقَائِلين بِأَن الْمُصِيب " وَاحِد " ذكرُوا وُجُوهًا من الِاحْتِمَالَات فِي الأقيسة وَزَعَمُوا أَن الزلل فِيهَا يتَوَقَّع. فَقَالُوا: إِذا قَاس القائس فرعا على أصل، بعلة فِي الأَصْل يعتقدها عِلّة " فيعتور " قِيَاسه ضروب من الِاحْتِمَالَات. أَحدهَا: أَن يكون الحكم مَقْصُورا على الأَصْل، غير معد عَنهُ، فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى، وَهُوَ بقياسه رام تعديته إِلَى الْفَرْع من الْمَقِيس عَلَيْهِ. وَالْوَجْه الثَّانِي فِي الِاحْتِمَال: أَن يكون الأَصْل معلولا، وَالْحكم غير مَقْصُور عَلَيْهِ. وَلَكِن اخطأ القائس الْعلَّة " الَّتِي هِيَ " عِلّة عِنْد الله تَعَالَى، وحاد عَنْهَا / إِلَى غَيرهَا /. وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن يركب القائس عِلّة الأَصْل من وصفين، وَهِي عِنْد الله ثَلَاثَة أَوْصَاف وَقد أخل القائس " بِالثلَاثِ ". وَالْوَجْه الرَّابِع: أَن يركب القائس عِلّة الأَصْل، وَهِي غير مركبة فِي علم الله تَعَالَى، بل هِيَ ذَات وصف وَاحِد. وَالْوَجْه الْخَامِس: أَن يَصح استنباطه لعِلَّة الأَصْل، وَلَكِن تخيل إِلَيْهِ

стр. 1171

تِلْكَ الْعلَّة متحققة فِي الْفَرْع، وَالْأَمر على خلاف مَا ظن. فَهَذِهِ المداخل هِيَ الَّتِي مِنْهَا يتَوَقَّع فَسَاد الاستنباط. ١٦٧٨ - وَزعم بَعضهم أَنه " قد دلّ " على المستنبطة وَجه سادس، وَهُوَ أَن إِثْبَات أصل الْقيَاس، مُخْتَلف فِيهِ، فَيجوز عدم ثُبُوته. وَهَذَا فَاسد لَا وَجه لَهُ. فَإِن إِثْبَات الْقيَاس مَقْطُوع بِهِ. وَلَو سَاغَ تَقْدِير الِاخْتِلَاف بشبه لساغ أَن يقدر الِاخْتِلَاف فِي العقائد بِشُبْهَة. فَإِذا وضحت هَذِه الْجُمْلَة، فقد قَالُوا: أَن الْقيَاس الْجَلِيّ، هُوَ الَّذِي تبعد عَنهُ الِاحْتِمَالَات مَعَ إمكانها، والخفي هُوَ الَّذِي " تقرب " مِنْهُ هَذِه الِاحْتِمَالَات. ١٦٧٩ - قَالَ القَاضِي ﵁ وَنحن إِذا قُلْنَا بتصويب الْمُجْتَهدين فَيبْطل كل مَا قَالُوهُ من الِاحْتِمَالَات. فَإنَّا لَا نعتقد أَن فِي الأَصْل الَّذِي يرد إِلَيْهِ الْفَرْع الْمَطْلُوب حكمه، عِلّة متعينة عِنْد الله تَعَالَى، وَقد كلفنا العثور عَلَيْهَا بِعَينهَا وَمن أخطأها فَهُوَ مُخطئ فِيمَا كلف. وَلَكنَّا نقُول: لَيْسَ " للْأَصْل " عِلّة متعينة عِنْد الله تَعَالَى، وَلَكِن كلف كل مُجْتَهد أَن يعْمل بِمَا غلب على

стр. 1172

ظَنّه، وَجعل غَلَبَة ظن كل مُجْتَهد علما مَقْطُوعًا فِي أَن الحكم عَلَيْهِ مُوجب غَلَبَة الظَّن. وَهَذَا مِمَّا نستقصيه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي كتاب الاجتهادات. (٢٩١) فصل (تَقْسِيم الأقيسة إِلَى قِيَاس عِلّة وَقِيَاس شبه) ١٦٨٠ - قد ذكرنَا فِيمَا قدنا، تَقْسِيم القائسين الأقيسة إِلَى الْجَلِيّ والخفي وَقد قسموها على وَجه آخر، فَقَالُوا: الْقيَاس يَنْقَسِم إِلَى قِيَاس عِلّة وَقِيَاس شبه. فَأَما قِيَاس الْعلَّة، فَهُوَ أَن تستنبط عِلّة الأَصْل، وَيرد الْفَرْع إِلَى الأَصْل بعلة الأَصْل. وَهَذَا هُوَ الْقيَاس الْمُتَّفق عَلَيْهِ عِنْد الْقَائِلين بِالْقِيَاسِ. ١٦٨١ - وَالضَّرْب الثَّانِي من الْقيَاس قِيَاس الشّبَه وَهُوَ أَن يلْحق فرع

стр. 1173

بِأَصْل، لِكَثْرَة إشباهه " بِالْأَصْلِ " فِي الْأَوْصَاف، من غير أَن يعْتَقد أَن الْأَوْصَاف الَّتِي شابه الْفَرْع فِيهَا الأَصْل، هِيَ عِلّة حكم الأَصْل. وَذَلِكَ نَحْو إِلْحَاق العَبْد بِالْحرِّ فِي بعض الْأَحْكَام لشبهه بِهِ فِي جمل من الْأَحْكَام. وَقد اخْتلف القائسون فِي هَذَا الضَّرْب. فَذهب الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُم إِلَى / بُطْلَانه، وَإِلَيْهِ ذهب الصَّيْرَفِي وَأَبُو إِسْحَاق الْمروزِي وَغَيرهمَا من القائسين.

стр. 1174

ويحكى عَن ابْن سُرَيج أَنه صحّح قِيَاس الشّبَه. ويؤثر ذَلِك عَن الشَّافِعِي. قَالَ القَاضِي ﵁ وَلَا يكَاد يَصح ذَلِك عَن الشَّافِعِي ﵁ مَعَ علو رتبته فِي الْأُصُول.

стр. 1175

١٦٨٢ - ثمَّ الْقَائِلُونَ بِقِيَاس الشّبَه أَجمعُوا على أَنه لَا يُصَار إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَان الْمصير إِلَى قِيَاس الْعلَّة. وَلَكِن إِذا " استد " على الْمُجْتَهد طَرِيق قِيَاس الْعلَّة، سَاغَ لَهُ التَّمَسُّك بالأشباه. وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه لَا يسوغ الْمصير إِلَى قِيَاس الشّبَه إِلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحدهمَا: مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ أَن لَا يُصَار إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَان الْمصير إِلَى الْقيَاس عِلّة. وَالثَّانِي: أَن يجتذب الْفَرْع أصلان فَيلْحق بِأَحَدِهِمَا بِغَلَبَة الْأَشْبَاه. وَمِمَّا اخْتلفُوا فِيهِ أَن قَالُوا: الْأَشْبَاه الْحكمِيَّة أولى، ثمَّ الْأَشْبَاه الراجعة إِلَى الصّفة " ويليه مُعظم " أشبه الحكم. وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه لَا فرق بَينهمَا.

стр. 1176

١٦٨٣ - وَنحن الْآن نذْكر الِاحْتِجَاج لكل فريق فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَعَ القَوْل بِأَن الْمُصِيب وَاحِد من الْمُجْتَهدين، ثمَّ نوضح الْحق على القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين. فَأَما الَّذِي ردوا قِيَاس الشّبَه، فقد عولوا على أَن قَالُوا: إِذا ألحق " القائس " الْفَرْع بِالْأَصْلِ بأشباه، فَيُقَال لَهُ: هَذِه الْأَشْبَاه الَّتِي ذكرتها، هَل وَجب الحكم فِي الأَصْل لأَجلهَا؟ فَإِن زعم أَن الحكم فِي الأَصْل، وَجب لأَجلهَا، فَهُوَ إِذا قِيَاس عِلّة، فَإِنَّهُ يرد / فِيهِ / الْفَرْع الى الأَصْل. وَإِن قَالُوا: إِن هَذِه الْأَشْبَاه، لَيست بعلة فِي حكم الأَصْل، وَمَا ثَبت الحكم فِي الأَصْل " لأَجله " فَيُقَال لَهُ: فَمَا وَجه إلحاقك الْفَرْع بِالْأَصْلِ بالأشباه الَّتِي اعْترفت بِأَن الحكم لم يجب لَهَا فِي الأَصْل. وَلَو سَاغَ ذَلِك لساغ أَن يجمع بَينهمَا من غير وصف أصلا، وَهَذَا وضح الْبطلَان. ١٦٨٤ - فَإِن قَالَ قَائِل: بِمَ تنكر على من يزْعم أَن الرب تَعَالَى تعبد الْمُجْتَهدين بطريقتين أحداهما: قِيَاس الْعلَّة، وَالثَّانيَِة. إِذا عجزوا عَن قِيَاس الْعلَّة أَن ينْظرُوا إِلَى غَلَبَة الْأَشْبَاه ويعتقدوا أَن ذَلِك عَلامَة استوائهما فِي الحكم، أَو يعتقدا أَن استوائهما فِي الْأَشْبَاه لاجتماعهما فِي الْعلَّة الكامنة، المستأثرة بهَا علم الله تَعَالَى. وَهَذَا لعمري سُؤال. وَلَكِن الْوَجْه فِي الْجَواب عندنَا أَن نقُول: نَحن

стр. 1177

لَا ننكر وُرُود التَّعَبُّد بِمَا قلتموه. وَلَكِن مَا ثبتناه الْقيَاس فِي الأَصْل إِلَّا بالأدلة القاطعة، وَنحن نعلم قطعا أَن الصَّحَابَة تمسكوا بِقِيَاس الْعلَّة فِي " الْحَوَادِث " الَّتِي تقررت فِي زمانهم، وألحقوا الْفُرُوع بالأصول فِي الْمعَانِي الَّتِي اعتقدوها أَمَارَات للْأَحْكَام فِي الْأُصُول. وَلم تقم دلَالَة قَاطِعَة فِي هَذَا الضَّرْب من الِاعْتِبَار، فَلم يسغْ التَّمَسُّك بِهِ، وَلم تدل عَلَيْهِ دلَالَة سمعية. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنه كَمَا يسوغ مَا قَالُوهُ فِي تَجْوِيز الْعُقُول، فتسوغ ضروب من الأمارات سواهَا، فِي تَجْوِيز الْعُقُول. وَلَكِن لَا يجوز التَّمَسُّك بهَا إِذْ لم يرد فِيهَا تعبد. فَهَذَا أقوى مَا تمسك بِهِ هَؤُلَاءِ. ١٦٨٥ - واعتصم الْقَائِلُونَ بِقِيَاس الشّبَه، بطرق من الظَّوَاهِر وَغَيرهَا.

стр. 1178

وَلم نذكرها لركاكة معظمها وَلَكنَّا نذْكر مَا عولوا عَلَيْهِ، فَمِنْهَا أَنهم قَالُوا: ورد فِي الشَّرْع اعْتِبَار الْأَشْبَاه فِي جَزَاء الصَّيْد، كَمَا نطق بِهِ نَص الْكتاب، وَكَذَلِكَ يعْتَبر فِيمَن تقبل شَهَادَته / الْأَكْثَر والأغلب من أَحْوَاله، فَإِن كَانَ فِي أغلب أَحْوَاله متشبثا بِأَسْبَاب الْعَدَالَة قبلت شَهَادَته، وَإِن تكن الْأُخْرَى ردَّتْ، إِلَى غير ذَلِك. قيل لَهُم هَذَا الَّذِي ذكرتموه، لَا منجى فِيهِ، فَإِن أَكثر مَا فِي الْبَاب أَن سلم لكم أَن اعْتِبَار الْأَغْلَب فِي بعض موارد الشَّرِيعَة إِمَّا لنَصّ كتاب أَو إِجْمَاع أَو غَيرهمَا من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة، فَلم ادعيتم نصب اعْتِبَار الْأَشْبَاه علما فِي مَوَاضِع النزاع وَهل هَذَا إِلَّا إِثْبَات ضروب من الْأَدِلَّة بطرد مَا تمسكتم بِهِ. وكل مَا يتمسكون بِهِ فَهَذَا سَبيله. ١٦٨٦ - فَإِن قَالُوا: بِمَ تنكرون على من يقيس اعْتِبَار الْأَشْبَاه على قِيَاس الْعلَّة؟ قيل: أصُول الْأَدِلَّة لَا تثبت بِمثل هَذَا الطَّرْد الواهي. على أَنا لَو رددنا إِلَى الْعقل لم يكن فِي مُقْتَضَاهُ، إِثْبَات أقيسة الشَّرْع، وَلَكِن لما قَامَت دلَالَة الْإِجْمَاع على التَّمَسُّك بِالْقِيَاسِ، صرنا إِلَيْهِ، وَهَذَا الضَّرْب الَّذِي فِيهِ نزاعنا، لم ينْقل عَن أَصْحَاب الرَّسُول [ ﷺ ] ، على التَّخْصِيص. فَهَذَا وَجه الْكَلَام على القَوْل، بِأَن الْمُصِيب وَاحِد من الْمُجْتَهدين فَإِذا كنت تذب عَن ذَلِك، فَالْأولى بك إبِْطَال قِيَاس الشّبَه. ١٦٨٧ - وَأما إِذا قُلْنَا بتصويب الْمُجْتَهدين، فقد قَالَ القَاضِي ﵁، فَلَو رأى الْمُجْتَهد التَّمَسُّك بالأشباه فِي بعض الْحَوَادِث وَغلب على ظَنّه

стр. 1179

ثُبُوت حكم من قَضِيَّة أعتبار الْأَشْبَاه فَهُوَ مَأْمُور بِمَا غلب على ظَنّه قطعا عِنْد الله تَعَالَى. ١٦٨٨ - وَأَوْمَأَ ﵁ إِلَى أَن رد قِيَاس الشّبَه وَالْقَوْل بِهِ، لَا يبلغ إِلَى الْقطع وَهُوَ من مسَائِل الِاحْتِمَال. وَهَذَا فِيهِ نظر عندنَا. فَإِن الْأَلْيَق بِمَا " مهده " ﵁ من الْأُصُول أَن يُقَال: كل مَا آل إِلَى إِثْبَات دَلِيل من الْأَدِلَّة فيطلب فِيهِ الْقطع، وسنوضح ذَلِك فِي كتاب الِاجْتِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى. على أَن مَا قَالَه فِي كَون الْمُجْتَهد مَأْمُورا بِمَا غلب على ظَنّه سديد فِيمَا رامه فَإنَّا رُبمَا نقُول: إِن الْمُجْتَهد المتمسك بِضَرْب من الْقيَاس إِذا غلب على ظَنّه شَيْء وَفِي الْحَادِثَة نَص لم يبلغهُ " فَهُوَ مَأْمُور قطعا عِنْد الله بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده. وَإِن كَانَ الْقيَاس فِي مُخَالفَة النَّص مردودا.

стр. 1180

(٢٩٢) فصل ١٦٨٩ - قَالَ القَاضِي ﵁ ذهب بعض الضعفة من أهل خُرَاسَان إِلَى أَنه لَا يُرَاعى فِي الْجمع بَين الْفَرْع وَالْأَصْل نوع من " التَّحَرِّي " على التَّعْيِين وَلَكِن مهما رأى الْمُجْتَهد أَن يجمع بَين فرع وأصل، فَلَا يواخذ بِضَرْب الْجمع. وَنَفَوْا اعْتِبَار الْعلَّة فِي الأَصْل الْمَرْدُود إِلَيْهِ. ١٦٩٠ - وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ / فِيهِ / هدم المقايس والعبر، وتسبب إِلَى إبِْطَال طرد الِاجْتِهَاد. وَالْأولَى لَك أَن تدخل دُخُول مقسم، فَتَقول: إِذا نفيتم اعْتِبَار عِلّة الأَصْل فَلَا تخلون أما أَن تَقولُوا: أَنه لَيْسَ فِي الأَصْل عِلّة منصوصة أَو مجمع عَلَيْهَا، فتوافقون على مذهبكم.

стр. 1181

وَكَذَلِكَ إِن قُلْتُمْ: لم يتعبد الله عباده بِطَلَب عِلّة متعينة فِي معلومه، وَإِنَّمَا كلف الْمُجْتَهد أَن يعْمل على مَا يرَاهُ عِلّة فِي غَلَبَة الظَّن فَهَذَا مُسْتَقِيم بالْقَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين وَهُوَ أليق. وَإِن عنيتم بِنَفْي عِلّة الأَصْل، أَنه لَا اعْتِبَار لَهَا بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَيْسَ على الْمُجْتَهد إِلَّا الِاعْتِبَار بِضَرْب من التَّحَرِّي، فَهَذَا بهت عَظِيم. وَأول مَا يلزمكم / عَلَيْهِ أَن يُقَال: فسوغوا لكل عَامي أَن يلْحق الْفَرْع بِالْأَصْلِ وَلَا تخصصوا الْقيَاس بالمجتهدين، إِن لم تراعوا وَجها مَخْصُوصًا فِي الِاجْتِهَاد والتحري وإلحاق الْفَرْع بِالْأَصْلِ. فَإِن أحدا لَا يعجز عَن إِلْحَاق فرع بِأَصْل، إِذا رفض عَنهُ " التَّحَرِّي " والتدبر فِي طرق الِاجْتِهَاد. وَمن أوضح مَا يسْتَدلّ بِهِ عَلَيْهِم، أَن نقُول لَهُم: لم جوزتم إِلْحَاق الْفَرْع بِالْأَصْلِ من غير رِعَايَة وَجه من التَّحَرِّي. فَإِن قلتموه عقلا، فَلَيْسَ فِي الْعقل إِلَّا تَجْوِيز الأقيسة المجوزة شرعا وفَاقا فَمَا الظَّن بِمَا اخترعتموه؟ وَإِن جوزتم ذَلِك سمعا فأقيموا عَلَيْهِ دلَالَة سمعية، وهيهات! . ١٦٩١ - وَقد ضرب القَاضِي ﵁ أَمْثِلَة مِنْهَا: أَنه قَالَ: فَلَو قَالَ قَائِل فِي إِجْرَاء الْأَحْكَام على السَّكْرَان فِي طَلَاقه وَغَيره، لما كَانَ السَّكْرَان معاقبا، وَجب أَن يكون معاقبا بِالطَّلَاق فَإِذا قيل لهَؤُلَاء: فَمَا وَجه الْجمع بَينهمَا؟ قَالُوا: لم يلْزمنَا أَكثر مِمَّا قُلْنَاهُ.

стр. 1182

فَيُقَال لَهُم: وَلم قُلْتُمْ أَنه لما لحقه ضرب من الْعقَاب، يلْحقهُ هَذَا الضَّرْب الَّذِي نَحن فِيهِ؟ وَإِذا حققت عَلَيْهِم الطّلب فِي أَمْثَال ذَلِك، لم يبْق بِأَيْدِيهِم إِلَّا دَعْوَى عَارِية. وَمن هَذَا الْقَبِيل أَيْضا، اسْتدلَّ من اسْتدلَّ على جَوَاز الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي حق الْمَرِيض فَيَقُول: لما جَازَ لَهُ أَن يُصَلِّي جَالِسا - وَهُوَ ضرب من التَّخْفِيف - فَيَنْبَغِي أَن يجوز لَهُ الْجمع. فَيُقَال لَهُم: فَمَا / وَجه / الْجمع بَين الْفَرْع وَالْأَصْل؟ فَإِن اقتصروا على الدَّعْوَى وضح بطلَان قَوْلهم وَإِن قَالُوا: إِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك، لِأَن الْمُقْتَضى لجَوَاز الْقعُود فِي حق الْمَرِيض التَّخْفِيف. وَهَذَا الْمَعْنى مُتَحَقق فِيمَا نَحن فِيهِ. قُلْنَا لَهُم: الْآن قد " اعترفتم " بِاعْتِبَار ضرب من " التَّحَرِّي " وَهُوَ الْمَطْلُوب مِنْكُم ثمَّ يعرض مَا ذكرتموه على قوادح الْعِلَل، فَإِن سلمت صحت، وَإِلَّا حكم ببطلانها. (٢٩٣) القَوْل فِي ذكر اخْتِلَاف القائسين فِي طرق إِدْرَاك الْعِلَل ١٦٩٢ - مَا صَار إِلَيْهِ الْجُمْهُور من الْقَائِلين بِالْقِيَاسِ، أَنه لَا يشْتَرط فِي إِثْبَات عِلّة الأَصْل دلَالَة مَقْطُوعَة بهَا من نَص أَو إِجْمَاع. ١٦٩٣ - وَذَهَبت شرذمة من الْقَائِلين بِالْقِيَاسِ، إِلَى أَن الْقيَاس

стр. 1183

لَا يَصح، حَتَّى تكون عِلّة الأَصْل مَنْصُوصا عَلَيْهَا. وَأما إِذا لم يكن نَص وَلَا إِجْمَاع، فَلَا معنى لإستثارة عِلّة بالإجتهاد من الأَصْل بِنَاء على غَلَبَة الظَّن. ثمَّ اعتبروا فِي الْإِجْمَاع الَّذِي ذَكرُوهُ إِجْمَاع القائسين. وَقد أوضحنا بطلَان ذَلِك، وَبينا أَنهم لَيْسُوا كل الْأمة، وَلَا تقوم الْحجَّة بقَوْلهمْ. فَلَا نعيد مَا سبق. ١٦٩٤ - وَهَا نَحن نُقِيم الْأَدِلَّة على بطلَان اشْتِرَاط النَّص على عِلّة الأَصْل، بعد تَقْدِيم، فَنَقُول: إِذا نَص صَاحب الشَّرِيعَة على عِلّة الأَصْل، فَهَل تَقولُونَ أَنه يجب طرد الْعلَّة / و / إِن لم / يتعبد بِالْقِيَاسِ أم لَا تَقولُونَ ذَلِك؟ فَإِن قُلْتُمْ: أَنه يجب طرد الْعلَّة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا، وَإِن لم يتعبد بِالْقِيَاسِ تمسكا " بِمُقْتَضى " اللَّفْظ وموجبه " فَالْكَلَام " عَلَيْكُم من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَن هَذَا إفصاح برد الْقيَاس وَتمسك بِمُوجب اللَّفْظ على زعمكم فَكيف تعتزون إِلَى الْقيَاس ثمَّ تنفونه؟ على أَنا قد قدمنَا بطلَان هَذَا الْمَذْهَب عِنْد ردنا على القاساني والنهرواني. وَإِن قُلْتُمْ أَن الْعلَّة الْمَنْصُوص

стр. 1184

عَلَيْهَا، لَا تطرد إِلَّا بعد ثُبُوت التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ فأوضحوا بِمَ عَرَفْتُمْ التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ؟ فَلَا يزالون فِي تردد حَتَّى يعتصموا بِالْإِجْمَاع وَنحن نعلم أَن الصَّحَابَة ﵃ كَانَ " يبتدرون " إِلَى الْقيَاس فِي الْحَوَادِث / مَا شَذَّ مِنْهَا وَمَا ظهر، ونعلم قطعا أَنهم كَانُوا لَا يتوقفون فِي إِلْحَاق الْفُرُوع بالأصول على ثُبُوت علل منصوصة بِأَلْفَاظ مُصَرح بهَا وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى جَحده. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنهم اعتبروا طرق الْقيَاس فِي غوامض الْمسَائِل مَعَ " شغورها " عَن الْعِلَل المنصوصة فِي أُصُولهَا. فَبَطل مَا قَالُوهُ وَتبين أَن الطَّرِيق الَّذِي عرف بِهِ إِثْبَات أصل الْقيَاس، لَا يتَضَمَّن اشْتِرَاط مَا شرطوه. ١٦٩٥ - وَمِمَّا نستدل بِهِ أَيْضا، فِي إبِْطَال اشْتِرَاط النَّص. أَن نقُول: إِذا اشترطتم كَون الْعلَّة فِي الأَصْل مَنْصُوصا عَلَيْهَا، وزعمتم أَن الْفَرْع يلْحق بِالْأَصْلِ قِيَاسا من غير توَسط، بِمُوجب " اللَّفْظ " فَبِمَ تنكرون على من يشْتَرط النَّص فِي أَن عِلّة الأَصْل معداة إِلَى الْفَرْع، كَمَا شرطتم النَّص فِي عِلّة الأَصْل؟ فَمَا " الْفَصْل " بَين المقالتين؟ فَإِن لم يكن / بُد / من اعْتِبَار النَّص فعموا. ثمَّ قَوْلكُم هَذَا يسوقكم إِلَى إبِْطَال الِاجْتِهَاد لَا محَالة. وَلَهُم كَلَام يتَّصل بِأَحْكَام الِاجْتِهَاد وَذَلِكَ أَنهم زَعَمُوا أَن عِلّة الأَصْل يجب أَن تكون

стр. 1185

مَقْطُوعًا بهَا، وَإِلَّا فتكليف طلبَهَا، مَعَ أَن الْعقل لَا يدل عَلَيْهَا بِعَينهَا - وَلَيْسَت عَلَيْهَا دلَالَة سمعية - فالتكليف فِي طلبَهَا تَكْلِيف مَا لَا يقدر عَلَيْهِ. وَهَذَا لَا يتَوَجَّه على الْقَائِلين بتصويب الْمُجْتَهدين وَذَلِكَ أَنهم لَا يَقُولُونَ بِأَن عِلّة الأَصْل متعينة فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى فَتعين طلب العثور عَلَيْهَا. وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ يتَوَجَّه على الْقَائِلين بِأَن الْمُصِيب وَاحِد. (٢٩٤) فصل سالك الْعلَّة ١٦٩٦ - اعْلَم، أَن عِلّة الأَصْل تثبت بطرق، وَنحن نشِير إِلَيْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى، ثمَّ نذْكر بعد ذكر الصَّحِيح مِنْهَا، طرقا فَاسِدَة، تمسك بهَا بعض الْفُقَهَاء فِي إِثْبَات عِلّة الأَصْل، ونوضح فَسَادهَا. ١٦٩٧ - فأقوى الطّرق فِي إِثْبَات عِلّة الأَصْل أَن يتضمنها كتاب أَو سنة. ثمَّ ذَلِك يَنْقَسِم: فَمِنْهُ مَا يكون مُصَرحًا بِهِ وَمِنْه مَا يُنبئ عَنهُ ضمنا. فَأَما مَا يكون مُصَرحًا بِهِ فنحو قَوْله تَعَالَى: ﴿كي لَا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿من أجل ذَلِك كتبنَا على بني إسرءيل﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم شاقوا الله وَرَسُوله وَمن يُشَاقق الله وَرَسُوله﴾

стр. 1186

فَهَذِهِ الظَّوَاهِر وأمثالها من السّنة مصرحة بِإِثْبَات الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة فِيهَا عللا. وَالَّذِي يُنبئ عَن التَّعْلِيل ضمنا فتكثر أمثلته، وَلَكنَّا نذْكر مَا يَقع بِهِ الِاسْتِقْلَال. فَمِنْهُ مَا روى عَن نَبِي الله [ ﷺ ] أَنه قَالَ: (لايقضي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان) ففهم كَافَّة الْعلمَاء من ذَلِك، أَن الَّذِي راعاه رَسُول الله [ ﷺ ] شغل الْغَضَب جاشه واقتضاه لرده عَن تَمام فكره فِي طلب الْحق فَكل مَا يحل ممحله فِي مَعْنَاهُ من غَلَبَة النّوم والجوع وَنَحْوهمَا فَهُوَ مثله. وألحقوا بِهَذَا الْقَبِيل مَا رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه لما سُئِلَ عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ، فَقَالَ: أينقص الرطب إِذا يبس؟ فَقَالُوا: نعم قَالَ: فَلَا إِذا. وَهَذَا بِأَن يلْحق بِالصَّرِيحِ أولى. وَمِمَّا يتَّصل بذلك، مَا رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: من أعتق شركا لَهُ

стр. 1187

فِي " عبد " قوم عَلَيْهِ ففهم من مَضْمُون خطابه رِعَايَة الرّقّ، ثمَّ اقْتضى إِلْحَاق الْأمة بِالْعَبدِ. وَمِمَّا يتَّصل بالأنبياء عَن التَّعْلِيل، وَإِن لم يكن مُصَرحًا بِهِ، أَن يذكر صَاحب الشَّرِيعَة صفة فِي شَيْء ثمَّ يعقب تِلْكَ الصّفة بِإِثْبَات حكم، بِحَيْثُ يعلم فِي قَضيته الْخطاب أَن الحكم مُرْتَبِط بِالْوَصْفِ الْمُتَقَدّم. وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى /. ﴿ويسئلونك عَن الْمَحِيض قل هُوَ أَذَى فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض﴾ فعلق الاعتزال الَّذِي قدمه من ذكر الْأَذَى بِحرف الْفَاء. وَهُوَ يَقْتَضِي جَوَابا عَن أَمر سبق، ويتضمن ارتباطا بِمَا فرط من الْكَلَام. وألحقوا بذلك تَعْلِيق الحكم بِكُل اسْم مُشْتَقّ، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ وَمِنْه قَوْله [ ﷺ ] (وَلَا تَبِيعُوا الطَّعَام إِلَّا مثلا

стр. 1188

بِمثل) فَهُوَ مُشْتَقّ من الطّعْم، وَالْخطاب دَال على نَصبه عِلّة. وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ على ثُبُوت عِلّة الأَصْل، مَا تحقق من قضايا أَفعَال رَسُول الله [ ﷺ ] فِي قَضِيَّة التَّعْلِيق والارتباط. وَذَلِكَ نَحْو مَا تقرر لصحبه ﵃ من تعلق سُجُوده بسهوه، وَمن تعلق سُجُوده عِنْد تِلَاوَة بعض الْآيَات لتلاوتها، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا أدركوه بقرائن الْأَحْوَال. فَهَذِهِ الطّرق الَّتِي يسْتَدلّ بهَا فِي إِثْبَات علل الْأُصُول. ١٦٩٨ - فَإِن قَالَ قَائِل: فشيء مِمَّا ذكرتموه، لَيْسَ بِنَصّ غير قَابل للتأويل. إِذْ قد ترد لَفظه صيغتها التَّعْلِيل، وَلَا يُرَاد بهَا التَّعْلِيل. وتكثر نَظَائِر ذَلِك فِي مجاري الْخطاب فَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ التَّعْلِيل بالدلوك. فَمَا يؤمنكم أَن تكون الْأَلْفَاظ الَّتِي تمسكتم بهَا فِي إِثْبَات علل الْأُصُول، وقسمتموها إِلَى الصَّرِيح والمتضمن، معدولة عَن ظواهرها مَحْمُولَة على وُجُوه التَّجَوُّز. قيل لَهُم: نَحن لَا ننكر جَوَاز حملهَا على المحامل الَّتِي ذكرتموها، وَلَكِن ظواهرها تَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ فَلَا يجوز إِزَالَة ظواهرها، إِلَّا بِدلَالَة تقوم. إِذْ قد أجمع الْمُسلمُونَ على أَن مَا ذَكرنَاهَا من الظَّوَاهِر، لَيست من قبيل

стр. 1189

المجملات الَّتِي لَا يجوز التَّمَسُّك بهَا. فَإِذا لم يكن من التَّمَسُّك بهَا بُد فيستحيل أَن يُقَال: أَنَّهَا تحمل على " وُجُوه " التَّجَوُّز فَتعين إجراؤها على ظواهرها. ١٦٩٩ - فَلَو قَالَ قَائِل: فَإِذا تمسكتم بِشَيْء مِمَّا ذكرتموه فِي إِثْبَات عِلّة الأَصْل فَزعم الْخصم أَنِّي أزيل مَا تمسكتم بِهِ، بِدلَالَة قِيَاس فَهَل تجوزون ذَلِك؟ قَالَ القَاضِي ﵁: هَيْهَات أَن نجوز ذَلِك! فَإِن الَّذِي يزِيل الظَّاهِر بِالْقِيَاسِ مطَالب بتصحيح عِلّة أصل قِيَاسه وَأقوى مَا يسْتَدلّ بِهِ المتمسك بِالْقِيَاسِ فِي إِثْبَات عِلّة أَصله ظَاهر مَا ذكرنَا، ثمَّ لَا نسلم اعتلاله عَن مثل مَا ألزمهُ. فَيُقَال لَهُ: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن مَا استدللت بِهِ فِي تثبيت عِلّة أصلك هُوَ إِزَالَة الظَّاهِر، بِالْقِيَاسِ الَّذِي اعترضت عَلَيْهِ؟ فانحسم هَذَا الْبَاب وَتعين إِجْرَاء الظَّوَاهِر فِي إِثْبَات علل الْأُصُول مَعَ مقتضياتها وَلَا يقْدَح فِيهَا بالأقيسة الَّتِي لم تثبت عللها قطعا. فأحط بذلك علما فَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ، أقوى الطّرق فِي إِثْبَات علل الْأُصُول. ١٧٠٠ - وَألْحق مُعظم الْأُصُولِيِّينَ بذلك أَن يجمع القائسون على تعْيين عِلّة فِي الأَصْل فَجعلُوا إِجْمَاعهم دلَالَة على ثُبُوت عِلّة الأَصْل. قَالَ القَاضِي ﵁ وَهَذَا لَا يَصح عندنَا. فَإِن القائسين لَيْسُوا كل الْأمة وَلَا تقوم الْحجَّة بقَوْلهمْ. ثمَّ ردد القَاضِي جَوَابه فِي أثْنَاء الْكَلَام فَقَالَ: لَو جعلنَا إِجْمَاع القائسين إِمَارَة تبين غَلَبَة الظَّن فِي المقاييس كَانَ مُحْتملا وَإِن لم نقل أَنه يُفْضِي إِلَى الْقطع.

стр. 1190

وَالَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ جَوَابه أَنه لَا أثر لإِجْمَاع القائسين اللَّهُمَّ / وَإِن تصور رُجُوع منكري الْقيَاس " عَن " الْإِنْكَار، ثمَّ يجمع الكافة على عِلّة، فَتثبت حِينَئِذٍ. ١٧٠١ - قطعا / وَمِمَّا / يسْتَدلّ بِهِ على ثُبُوت عِلّة الأَصْل أَن يحصر صِفَاته فِي تقديرها عللا، فَيبْطل كلهَا بطرِيق من طرق الْبطلَان إِلَّا صفة وَاحِدَة ويستدل بِبُطْلَان جَمِيعهَا، وَعدم بطلَان مَا نَصبه أَنه عِلّة سديدة. ١٧٠٢ - وَلم يذكر القَاضِي ﵁ فِي تثبيت علل الْأُصُول طَريقَة، سوى مَا ذَكرنَاهَا. ثمَّ انعطف بعد ذَلِك على إبِْطَال طَرِيق يتَمَسَّك بهَا بعض الْفُقَهَاء فِي إِثْبَات علل الْأُصُول. ١٧٠٣ - فمما أبْطلهُ مَا ذكره الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَق ﵁ وَقدره

стр. 1191

طَريقَة فِي إِثْبَات عِلّة الأَصْل وَذَلِكَ أَنه قَالَ: لَيْسَ على " القائس " إِذا لم يجد شَيْئا مِمَّا قدمْنَاهُ إِلَّا أَن يعرض الْعلَّة الَّتِي استنبطها من الأَصْل، على مبطلات الْعِلَل فَإِن لم يجد مَا يقْدَح فِيهَا، وعرضها على أصُول الشَّرِيعَة فَلم يجد فِيهَا مَا يُنَافِي علته، فَيحكم بسلامة الْعلَّة، إِذا لم يبطل لَدَى الْعرض على الْأُصُول والقوادح. قَالَ القَاضِي ﵁: وَهَذَا بَاطِل لَا أصل لَهُ، وقصاره الإجتزاء بِدَعْوَى مُجَرّدَة فَيُقَال للمتمسك بِهَذِهِ الطَّرِيقَة قصارى كلامك الإستدلال على صِحَة الْعلَّة بِعَدَمِ الدَّلِيل على فَسَادهَا فَلم زعمتم أَنَّهَا صحت إِذا لم تقم دلَالَة على فَسَادهَا وَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَنَّهَا تفْسد بِعَدَمِ الدّلَالَة على صِحَّتهَا. فَإِن قلت: عدم دلَالَة الْفساد دلَالَة على صِحَّتهَا قيل لَك: بل عدم الدّلَالَة على صِحَّتهَا، دلَالَة على فَسَادهَا. فيتقابل الْقَوْلَانِ وتتجرد دَعْوَى. وَقد أطنب القَاضِي ﵁ فِي إبِْطَال ذَلِك. وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ غنية. (الطَّرْد أَو الاطراد) ١٧٠٤ - من الطّرق الَّتِي تمسك بهَا بعض الْفُقَهَاء من أَصْحَاب

стр. 1192

الشَّافِعِي وَجَمِيع أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي إِثْبَات عِلّة الأَصْل، اطرادها وَهَذَا من أَوْهَى الطّرق وأضعفها.

стр. 1193

فَإِنَّهُم يَقُولُونَ " إِذا طُولِبَ التثبت عِلّة الأَصْل " الدَّلِيل عَلَيْهَا إطرادها وَإِن الحكم يُوجد مَتى وجدت. فَيُقَال " لَهُم " هَذَا الَّذِي ذكرتموه إعتصام مِنْكُم بِنَفس الْخلاف، فَإِنَّكُم طردتم عِلّة الأَصْل فِي الحكم الْمُتَنَازع فِيهِ، والخصم لَا يساعد على ثُبُوت الحكم فِي الْفَرْع إِلَّا مَعَ تَحْقِيق الْعلَّة، فَلم طردتم الْعلَّة فِي الصُّورَة الَّتِي نوزعتم فِيهَا، وَلم نصبتموها عِلّة فِيهَا؟ فَإِذا قُلْتُمْ: إِنَّمَا نصبناها لاطرادها، فمحصوله: إِنَّمَا طردناها لإطرادها. فَهُوَ تَعْلِيل الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى، وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ. ١٧٠٥ - وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك أَن نقُول: الْعِلَل السمعية لَيست بأدلة فِي أَنْفسهَا، وَلَيْسَت كالأدلة الْعَقْلِيَّة الَّتِي تدل بذواتها، وَلَا تتَصَوَّر فِي الْعقل أَنْفسهَا إِلَّا دَالَّة. ومآل القَوْل فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة آئل إِلَى نصب صَاحب الشَّرِيعَة إِيَّاهَا امارات، وَلَا يثبت بقضايا الْعقل. وَإِنَّمَا يثبت بِدلَالَة السّمع. فَخرج من ذَلِك، أَن أصل الحكم الْمَطْلُوب لما افْتقر إِلَى دلَالَة سمعية لكَونه غير مدرك بقضية الْعقل، فَكَذَلِك انتصاب بعض الْأَوْصَاف إِمَارَة، يَنْبَغِي أَن يفْتَقر إِلَى دلَالَة سمعية. ١٧٠٦ - فَإِذا طرد الطارد عِلّة فِي مسَائِل، فَيُقَال لَهُ: مَا الدَّلِيل على أَن

стр. 1194

مَا طردته " باختيارك " نصب امارة فِي الصُّورَة الَّتِي طردت فِيهَا، وَهَذَا لَا مخلص مِنْهُ. (الاطراد والانعكاس) ١٧٠٧ - وَمِمَّا يتَمَسَّك بِهِ مُعظم الْفُقَهَاء فِي / تثبيت عِلّة الأَصْل، أطرادها وانعكاسها قَالُوا: فَإِذا وجدنَا الحكم فِي الأَصْل، يُوجد بِوُجُود الْعلَّة / وَلَو قدر فقد الْعلَّة، انْتَفَى الحكم، فينصب ذَلِك آيَة فِي تثبيت مَا قدرناه عِلّة فِي الأَصْل. وَهَذَا مِمَّا ارْتَضَاهُ الطَّبَرِيّ وَغَيره. حَتَّى قَالُوا: الإنعكاس لَيْسَ بِشَرْط فِي الْعِلَل، كَمَا قدمْنَاهُ وَلكنه مَعَ الطَّرْد يدل على صِحَة الْعلَّة.

стр. 1195

ثمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: لَا يشْتَرط فِي تثبيت عِلّة الأَصْل أَن تطرد فِي انعكاسها كَمَا اطردت فِي طردها، وَلَكِن لَو ثَبت الحكم عِنْد ثُبُوت مَا قدرناه عِلّة، وانتفى الحكم عِنْد انتفائها وَلَو فِي صُورَة وَاحِدَة. فَيَقَع الإستقلال بذلك فِي تثبيت عِلّة الأَصْل. فَأَما الَّذِي يطرد وينعكس فنحو الشدَّة فِي الْخمر، فَإِن تَحْرِيمهَا يثبت عِنْد الشدَّة المسكرة، وينتفي عِنْد انتفائها فانتصبت الشدَّة - يَعْنِي الشدَّة المسكرة - علما " على " الحكم. وَأما انعكاس الْعلَّة فِي بعض الصُّور من غير اطراد، فنحو قَوْلنَا فِي مَسْأَلَة الرّجْعَة وَإِنَّهَا لَا تحصل بِالْوَطْءِ، فعل من يقدر على القَوْل، فَلَا تصح بِهِ الرّجْعَة، قِيَاسا على الْخلْوَة وَسَائِر الْأَفْعَال. فَإذْ قيل: أما فِي الْخلْوَة
следующие страницы →