← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

طَريقَة فِي إِثْبَات عِلّة الأَصْل وَذَلِكَ أَنه قَالَ: لَيْسَ على " القائس " إِذا لم يجد شَيْئا مِمَّا قدمْنَاهُ إِلَّا أَن يعرض الْعلَّة الَّتِي استنبطها من الأَصْل، على مبطلات الْعِلَل فَإِن لم يجد مَا يقْدَح فِيهَا، وعرضها على أصُول الشَّرِيعَة فَلم يجد فِيهَا مَا يُنَافِي علته، فَيحكم بسلامة الْعلَّة، إِذا لم يبطل لَدَى الْعرض على الْأُصُول والقوادح. قَالَ القَاضِي ﵁: وَهَذَا بَاطِل لَا أصل لَهُ، وقصاره الإجتزاء بِدَعْوَى مُجَرّدَة فَيُقَال للمتمسك بِهَذِهِ الطَّرِيقَة قصارى كلامك الإستدلال على صِحَة الْعلَّة بِعَدَمِ الدَّلِيل على فَسَادهَا فَلم زعمتم أَنَّهَا صحت إِذا لم تقم دلَالَة على فَسَادهَا وَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَنَّهَا تفْسد بِعَدَمِ الدّلَالَة على صِحَّتهَا. فَإِن قلت: عدم دلَالَة الْفساد دلَالَة على صِحَّتهَا قيل لَك: بل عدم الدّلَالَة على صِحَّتهَا، دلَالَة على فَسَادهَا. فيتقابل الْقَوْلَانِ وتتجرد دَعْوَى. وَقد أطنب القَاضِي ﵁ فِي إبِْطَال ذَلِك. وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ غنية. (الطَّرْد أَو الاطراد) ١٧٠٤ - من الطّرق الَّتِي تمسك بهَا بعض الْفُقَهَاء من أَصْحَاب

стр. 1192

الشَّافِعِي وَجَمِيع أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي إِثْبَات عِلّة الأَصْل، اطرادها وَهَذَا من أَوْهَى الطّرق وأضعفها.

стр. 1193

فَإِنَّهُم يَقُولُونَ " إِذا طُولِبَ التثبت عِلّة الأَصْل " الدَّلِيل عَلَيْهَا إطرادها وَإِن الحكم يُوجد مَتى وجدت. فَيُقَال " لَهُم " هَذَا الَّذِي ذكرتموه إعتصام مِنْكُم بِنَفس الْخلاف، فَإِنَّكُم طردتم عِلّة الأَصْل فِي الحكم الْمُتَنَازع فِيهِ، والخصم لَا يساعد على ثُبُوت الحكم فِي الْفَرْع إِلَّا مَعَ تَحْقِيق الْعلَّة، فَلم طردتم الْعلَّة فِي الصُّورَة الَّتِي نوزعتم فِيهَا، وَلم نصبتموها عِلّة فِيهَا؟ فَإِذا قُلْتُمْ: إِنَّمَا نصبناها لاطرادها، فمحصوله: إِنَّمَا طردناها لإطرادها. فَهُوَ تَعْلِيل الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى، وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ. ١٧٠٥ - وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك أَن نقُول: الْعِلَل السمعية لَيست بأدلة فِي أَنْفسهَا، وَلَيْسَت كالأدلة الْعَقْلِيَّة الَّتِي تدل بذواتها، وَلَا تتَصَوَّر فِي الْعقل أَنْفسهَا إِلَّا دَالَّة. ومآل القَوْل فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة آئل إِلَى نصب صَاحب الشَّرِيعَة إِيَّاهَا امارات، وَلَا يثبت بقضايا الْعقل. وَإِنَّمَا يثبت بِدلَالَة السّمع. فَخرج من ذَلِك، أَن أصل الحكم الْمَطْلُوب لما افْتقر إِلَى دلَالَة سمعية لكَونه غير مدرك بقضية الْعقل، فَكَذَلِك انتصاب بعض الْأَوْصَاف إِمَارَة، يَنْبَغِي أَن يفْتَقر إِلَى دلَالَة سمعية. ١٧٠٦ - فَإِذا طرد الطارد عِلّة فِي مسَائِل، فَيُقَال لَهُ: مَا الدَّلِيل على أَن

стр. 1194

مَا طردته " باختيارك " نصب امارة فِي الصُّورَة الَّتِي طردت فِيهَا، وَهَذَا لَا مخلص مِنْهُ. (الاطراد والانعكاس) ١٧٠٧ - وَمِمَّا يتَمَسَّك بِهِ مُعظم الْفُقَهَاء فِي / تثبيت عِلّة الأَصْل، أطرادها وانعكاسها قَالُوا: فَإِذا وجدنَا الحكم فِي الأَصْل، يُوجد بِوُجُود الْعلَّة / وَلَو قدر فقد الْعلَّة، انْتَفَى الحكم، فينصب ذَلِك آيَة فِي تثبيت مَا قدرناه عِلّة فِي الأَصْل. وَهَذَا مِمَّا ارْتَضَاهُ الطَّبَرِيّ وَغَيره. حَتَّى قَالُوا: الإنعكاس لَيْسَ بِشَرْط فِي الْعِلَل، كَمَا قدمْنَاهُ وَلكنه مَعَ الطَّرْد يدل على صِحَة الْعلَّة.

стр. 1195

ثمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: لَا يشْتَرط فِي تثبيت عِلّة الأَصْل أَن تطرد فِي انعكاسها كَمَا اطردت فِي طردها، وَلَكِن لَو ثَبت الحكم عِنْد ثُبُوت مَا قدرناه عِلّة، وانتفى الحكم عِنْد انتفائها وَلَو فِي صُورَة وَاحِدَة. فَيَقَع الإستقلال بذلك فِي تثبيت عِلّة الأَصْل. فَأَما الَّذِي يطرد وينعكس فنحو الشدَّة فِي الْخمر، فَإِن تَحْرِيمهَا يثبت عِنْد الشدَّة المسكرة، وينتفي عِنْد انتفائها فانتصبت الشدَّة - يَعْنِي الشدَّة المسكرة - علما " على " الحكم. وَأما انعكاس الْعلَّة فِي بعض الصُّور من غير اطراد، فنحو قَوْلنَا فِي مَسْأَلَة الرّجْعَة وَإِنَّهَا لَا تحصل بِالْوَطْءِ، فعل من يقدر على القَوْل، فَلَا تصح بِهِ الرّجْعَة، قِيَاسا على الْخلْوَة وَسَائِر الْأَفْعَال. فَإذْ قيل: أما فِي الْخلْوَة

стр. 1196

" فَإِنَّهُ " لَا تصح الرّجْعَة بهَا، مِمَّن قدر على القَوْل لَا مِمَّن لم يقدر عَلَيْهِ لِأَن الْأَخْرَس لَو خلا بالرجعية، لم تكن خلوته رَجْعَة. وَلَكنَّا نقُول: لهَذَا الْوَصْف تَأْثِير فِي الْجُمْلَة فِي إِشَارَة الْأَخْرَس، فَإِنَّهَا فعل وَاقع موقع القَوْل، وَلَو قدر الإقتدار على القَوْل، لم يَقع موقعه، فَيَقَع الِاكْتِفَاء بالانعكاس فِي هَذِه الصُّورَة الْوَاحِدَة. وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْمُرْتَد، ترك الصَّلَاة لمعصية بعد إِسْلَامه، فَوَجَبَ عَلَيْهِ " الْقَضَاء " أَصله الْمُسلم، إِذا أسلم وَترك الصَّلَاة. فَإِن قيل لنا: فَلَو سكر مكْرها، وَترك الصَّلَاة، لزمَه الْقَضَاء. قُلْنَا: يظْهر تَأْثِير مَا ذَكرْنَاهُ فِي زَوَال الْعقل بالجنون، فَإِنَّهُ إِن كَانَ سَببه مَعْصِيّة، فَلَا يُؤثر فِي إِسْقَاط الْقَضَاء، وَإِن كَانَ سَببه غير مَعْصِيّة أثر فِي إِسْقَاط الْقَضَاء. فنكتفي بِظُهُور التَّأْثِير فِي هَذِه الصُّورَة الْوَاحِدَة. إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تتبعه. ١٧٠٨ - وَوجه هَذِه الطَّرِيقَة. أَنا وجدنَا الحكم يساوق وَصفا من الْأَوْصَاف فِي الأَصْل، ثمَّ وَجَدْنَاهُ يَنْتَفِي عِنْد انْتِفَاء ذَلِك الْوَصْف، أما على الاطراد، وَأما فِي بعض الصُّور، فنعلم ارتباط الحكم بذلك الْوَصْف، وتأثير ذَلِك الْوَصْف فِيهِ. وَلَيْسَ ذَلِك كالطرد الْمُجَرّد. فَإِنَّهُ اكْتِفَاء بِدَعْوَى. قَالَ القَاضِي ﵁ وَهَذِه الطَّرِيقَة لَيست بمرضية فِي إِثْبَات الْعِلَل أَيْضا وَذَلِكَ أَن الْعَكْس لَا يشْتَرط فِي صِحَة الْأَدِلَّة. كَيفَ؟ وَلَا يشْتَرط فِي

стр. 1197

الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة فوجود الانعكاس وَعَدَمه بِمَثَابَة وَاحِدَة. ١٧٠٩ - وَوجه التَّحْقِيق فِيهِ، أَنه إِذا علق الحكم على وجود أَمارَة، فَلَيْسَ من شَرط التَّعْلِيق بهَا. أَن يعلق ضد ذَلِك الحكم على عدم تِلْكَ الأمارة فَإِن وجود الْعلَّة وَعدمهَا إمارتان " فِي " تثبيت الحكم ونفيه. وَلَيْسَ سَبِيل " استشارة " الحكم من الْعِلَل فِي الشرعيات سَبِيل إثارة الْعِلَل الْعَقْلِيَّة معلولاتها، من حَيْثُ أَنَّهَا توجبها لذواتها. فَلَا تعلق لأحدى الأمارتين وَالْحكم المنوط بهَا بالأمارة الثَّانِيَة وَحكمهَا. وَوجه الْإِيضَاح فِيهِ أَن نقُول: لَو قَدرنَا ثُبُوت الحكم عِنْد ثُبُوت وصف وانتفاءه عِنْد انتفائه، وقدرنا مَعَ ذَلِك نصا من صَاحب الشَّرِيعَة، على أَن ذَلِك الْوَصْف لَيْسَ بعلة فِي الحكم، وَإِنَّمَا الْعلَّة فِيهِ غَيره / كَانَ ذَلِك سائغا فَإِذا جَازَ تَقْدِير نَصبه عِلّة شرعا، وَلم يَقْتَضِي الْعقل نَصبه عِلّة فَإِذا تقَابل جَوَاز نَصبه عِلّة، وَجَوَاز خُرُوجه عَن كَونه عِلّة مَعَ اطراده وانعكاسه، فعلى الَّذِي ينصبه عِلّة فِي الاطراد والإنعكاس، إِقَامَة الدَّلِيل على نَصبه عِلّة. وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ.

стр. 1198

١٧١٠ - ثمَّ قَالَ القَاضِي ﵁: إِذا قدرتم الشدَّة عِلّة لاطرادها وانعكاسها فقد تقارنها أَوْصَاف تُوجد بِوُجُود الشدَّة وتعدم بعدمها، وَذَلِكَ لَا يُوجب تَعْلِيق الحكم على بَعْضهَا. وَذَلِكَ نَحْو الرَّائِحَة الْمَخْصُوصَة الَّتِي تكون فِي الْخمر للشدة فَإِن هَذَا الضَّرْب مِمَّا يُوجد بِوُجُود الشدَّة ويعدم بعدمها. ثمَّ لَا يعلق الحكم عَلَيْهِ، فَبَطل رِعَايَة الاطراد والانعكاس. وَهَذَا فِيهِ نظر عِنْدِي، فَإِن الَّذِي يعْتَبر الشدَّة، لَيْسَ يعْنى بِهِ ضربا مَخْصُوصًا من الْأَعْرَاض وَلكنه يُشِير إِلَى هَذَا الضَّرْب من التَّغْيِير، وينطوي قَوْله على جمل من الْأَوْصَاف وَكلهَا تسمى شدَّة. فَمِنْهَا الرَّائِحَة الَّتِي تمثل بهَا القَاضِي ﵁. وَفِيمَا قدمْنَاهُ أكمل غنية فِي إبِْطَال رِعَايَة الاطراد والانعكاس. ١٧١١ - فَإِن قَالَ قَائِل: " آيَة " صِحَة الْعِلَل الْعَقْلِيَّة، أَن يُوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها فَإِذا تحقق مثل هَذِه الطَّرِيقَة فِي الْعِلَل السمعية، فَيجب أَن يَقع الِاكْتِفَاء بهَا. قيل لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه بَاطِل، من أوجه. مِنْهَا: أَن الاطراد والانعكاس ليسَا بأمارة فِي صِحَة الْعِلَل الْعَقْلِيَّة " ...

стр. 1199

يصدنا عَن هَذَا الْمَقْصد ". ثمَّ نقُول: هلا قُلْتُمْ أَنه يَكْتَفِي فِي الْعِلَل السمعية بالاطراد وَلَا يشْتَرط فِي تصحيحها الأنعكاس، كَمَا لَا يشْتَرط فِي تَصْحِيح الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة انعكاس، فَتبين خبطهم بِمَا قَالُوهُ. ١٧١٢ - فَإِن قَالُوا: إِذا وجدنَا الحكم يساوق وَصفا فَيتَحَقَّق عِنْد وجوده، وينتفي عِنْد عَدمه، فيغلب على الظَّن ارتباطه بِهِ. والعلل السمعية مَبْنِيَّة على غلبات الظنون. قُلْنَا: هَذِه دَعْوَى. فَإِن غلب ذَلِك على ظَنك لم يغلب على ظن من لَا يعْتَبر الاطراد والانعكاس، فَمَا يُغْنِيك ادِّعَاء غَلَبَة ظن، وخصمك لَا يساعدك. (٢٩٥) فصل (اتِّفَاق الْخَصْمَيْنِ على حكم الأَصْل لَا يَقع بِهِ الِاكْتِفَاء) ١٧١٣ - إِذا نصب الْمُعَلل قِيَاسا، وَوَافَقَهُ خَصمه فِي حكم الأَصْل، فموافقة الْخصم إِيَّاه، لَا يَقع الِاكْتِفَاء بهَا حَتَّى يثبت الحكم فِي الأَصْل بطرِيق الشَّرْع. وَلَكِن استمرت الْعَادة بَين المتناظرين على الإجتزاء بالوفاق فِي حكم

стр. 1200

الأَصْل، وَلَيْسَ كَذَلِك لمصير أهل النّظر إِلَى وفَاق الْخصم آيَة فِي صِحَة ثُبُوت الحكم فِي الأَصْل. إِذْ قدمنَا، أَن إِجْمَاع القائسين بأسرها حجَّة فِيهِ، فَمَا الظَّن بموافقة خصم لخصم! وَلَكِن لأهل النّظر " تواضع " بَين أظهرهم، يتبعونه لأغراض لَهُم. فكأنهم عِنْد الإتفاق على حكم الأَصْل، علمُوا ثُبُوت حكمه بِدلَالَة، سوى اتِّفَاقهم. وَلم يتناقشوا. إِذْ لم يقصدوها بالْكلَام. ١٧١٤ - ثمَّ اعْلَم أَن عِلّة الأَصْل لَا بُد من تقديرها فِي نَفسهَا أَولا. حَتَّى إِذا قدرت أُقِيمَت الدّلَالَة على كَونهَا عِلّة. ثمَّ عِلّة الأَصْل قد تكون " مدركة " بِالضَّرُورَةِ مثل أَن تنصب حلاوة الشَّيْء أَو شدته أَو مرارته عللا فِي الْأَحْكَام وَقد تكون عِلّة الأَصْل حكما من الْأَحْكَام، ثَابِتَة بأدلة السّمع. وَذَلِكَ نَحْو اعْتِبَار الْأكل عَامِدًا فِي صِيَام رَمَضَان، بِالْجِمَاعِ. وَالْجَامِع بَينهمَا يقدر الْعلَّة فِي الأَصْل كَونه إبطالا بِمَعْصِيَة، وَذَلِكَ حكم. وَقد تثبت عِلّة الأَصْل بغلبات الظنون. فَلَيْسَ من شَرط ثُبُوت / عِلّة الأَصْل الْقطع، كَمَا لَيْسَ من شَرط ثُبُوت كَونهَا عِلّة، الْقطع. فَلَو قدر القائس فِي أصل حكما، وَنصب عِلّة مَا تُفْضِي إِلَى غَلَبَة الظَّن فِي مجْرى الْعَادة، ثمَّ قدر ذَلِك الَّذِي غلب على ظَنّه عِلّة فِي حكم وُرُود عَلَيْهَا غَيرهَا. فيسوغ لَهُ ذَلِك كَمَا يسوغ ذَلِك فِي حكم الأَصْل. فَإِنَّهُ لَو نوزع فِي حكم الأَصْل، فثبته، ثمَّ قَاس عَلَيْهِ كَانَ سديدا.

стр. 1201

١٧١٥ - ويتصل بذلك أَنه إِذا قدر فِي الأَصْل عِلّة، فَلَا يشْتَرط تحقق تِلْكَ الْعلَّة قطعا فِي الْفَرْع، وَلَكِن لَو غلب على ظَنّه ثُبُوتهَا فِي الْفَرْع بطرِيق يُفْضِي إِلَى غلبات الظنون، فَلهُ الْجمع بَين الْفَرْع وَالْأَصْل. فَخرج من هَذِه الْجُمْلَة أَنا لَا نشترط الْقطع فِي شَيْء من أَرْكَان الْقيَاس فَهَذِهِ جملَة مقنعة، تمهد لَك علل الْأُصُول وَمَا يَصح مِنْهَا وَمَا يفْسد. (٢٩٦) القَوْل فِيمَا يثبت بِهِ فَسَاد الْعِلَل السمعية وبطلانها ١٧١٦ - اعْلَم، أَن الْكَلَام يَنْقَسِم فِي هَذَا الْبَاب إِلَى قطع وَغَلَبَة ظن. وَنحن نبدأ بالطرق الَّتِي تَقْتَضِي الْعلم بِفساد بعض الْعِلَل، ثمَّ نذْكر مَا نسلك مِنْهَا طرق غلبات الظنون. ١٧١٧ - فمما يعرف بِهِ فَسَاد الْعلَّة قطعا، مخالفتها للنَّص فِي مجْرى من مجاريها فَلَو ادّعى القائس حكما فِي الأَصْل على خلاف النَّص فِي الْكتاب أَو السّنة، أَو ادّعى تعليلا بِوَصْف، على خلاف النَّص أَو جمع فِي مَوضِع تَفْرِيق النَّص، أَو فرق فِي مَوضِع جمع النَّص. فَهُوَ بَاطِل مهما خَالف النَّص فِي ركن من أَرْكَانه. وَمِمَّا يعلم بِهِ فَسَاد الْعلَّة قطعا، مخالفتها الْإِجْمَاع فِي بعض مجاريه. وَالتَّفْصِيل فِيهِ كالتفصيل فِي النَّص. ١٧١٨ - وَمِمَّا ألحقهُ القَاضِي ﵁ بِالْقطعِ فِي إِفْسَاد الْعلَّة، أَن تخَالف عِلّة صَاحب الشَّرِيعَة نَحْو مَا روينَا عَنهُ [ ﷺ ] فِي أَنه علل بِالنُّقْصَانِ فِي

стр. 1202

الرطب فَكل عِلّة تخَالف هَذِه الْعلَّة فَهِيَ بَاطِلَة قطعا. هَكَذَا قَالَ ﵁. وَلم ينظر أَن ثُبُوت الْخَبَر بطرِيق يقطع بِهِ من تَوَاتر واستفاضة وَذَلِكَ أَن الروَاة وَإِن كَانُوا بصدد الزلل - فقد كلفنا قطعا - الْعَمَل بِمَا " يَرْوُونَهُ " وَالْخَبَر مقدم على الْقيَاس قطعا. وسنفرد هَذِه الْمَسْأَلَة بالْكلَام فِي آخر المقايس إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَلم ينظر أَيْضا ﵁ أَن كَون لفظ الرَّسُول [ ﷺ ] قَابلا للتأويل، وَلم يجز تَأْوِيله بِالْقِيَاسِ. وَألْحق ذَلِك بالقطعيات وَقد قدمنَا فِي ذَلِك قولا كَافِيا. قلت وَفِي إِلْحَاقه بالقطعيات أدنى نظر، وَالله أعلم. وَمِمَّا ألحقهُ القَاضِي ﵁ بِالْقطعِ فِي إِفْسَاد الْعلَّة أَن لَا يقوم على ثُبُوتهَا عِلّة علم أصلا بِوَجْه من الْوُجُوه فنقطع بفسادها. وَمِمَّا يلْتَحق بِالْقطعِ أَيْضا، أَن يحيد القائس عَن سنَن الْقيَاس ويسلك بالإستنباط مَسْلَك الْعقل، وَلَا يعْتَبر بمورد الشَّرْع. وَذَلِكَ نَحْو كَلَام الْمُعْتَزلَة فِيمَا يحرم وَيحل عقلا. وبنائهم الاستنباط / عَلَيْهِ / وإلحاقهم الْفُرُوع بالأصول فِي قَضِيَّة الْعقل فَهَذَا السَّبِيل بَاطِل قطعا. وسنستقصي القَوْل فِيهِ فِي آخر الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَالَ القَاضِي ﵁. فَهَذِهِ طرق الْقطع.

стр. 1203

١٧١٩ - وَتثبت فِي رد الْعِلَل طرق، ومسلكها غلبات الظنون، وَلَا يبلغ مبلغ الْقطع والتحق بذلك انتفاض الْعلَّة، وَتَخْصِيص الْمُعَلل / إِيَّاهَا فَكل من اعْتقد جَوَاز تَخْصِيص الْعلَّة كَانَ مُكَلّفا بالجري على مَا ثَبت عِنْده فِي حكم الْعلَّة. وكل من / اعْتقد منع التَّخْصِيص، كَانَ مُخَاطبا بقضية اعْتِقَاده. وسنفرد مَسْأَلَة التَّخْصِيص بالْكلَام. وَمِمَّا يلْحق بغلبات الظنون فِي ذَلِك مُقَابلَة الْقيَاس عُمُوما، فَمن النَّاس من يُسَلِّطهُ على الْعُمُوم وَمِنْهُم من يُسَلط الْعُمُوم عَلَيْهِ. وَمِمَّا يتَّصل بذلك قُصُور الْعلَّة وَعدم تعديها فَإِنَّهُ على اخْتِلَاف نذكرهُ وَيتبع كل فِيهِ بِمَا يَعْتَقِدهُ. ١٧٢٠ - قَالَ القَاضِي ﵁. وَمن ذَلِك مُعَارضَة الْعلَّة مَعَ " تنافيهما " فِي الظَّاهِر فَالَّذِي صَار إِلَيْهِ الْقَائِلُونَ، بِأَن الْمُصِيب " وَاحِد " أَن الْعلَّة مهما عارضتها عِلّة " فِي خلاف حكمهَا " فَإِن رجح المسؤول

стр. 1204

" علته " بِوَجْه يتَّجه فِي مجاري الترجيحات وأفسد عِلّة الْمسَائِل سلمت علته. وَإِن تكن الْأُخْرَى فَسدتْ " علته " وَكَانَ ذَلِك انْقِطَاعًا مِنْهُ. قَالَ القَاضِي ﵁ وَالَّذِي عندنَا - معاشر الْقَائِلين بتصويب الْمُجْتَهدين - أَن الْعلَّة لَا تقدح فِيهَا الْمُعَارضَة. وَلَكِن كل عِلّة تَقْتَضِي حكمهَا فِي حق مستنبطها، وَلَو " تساوتا " فِي حق مستنبط وَاحِد تخير بِالْأَخْذِ " بِأَيِّهِمَا " شَاءَ مَا نذكرهُ فِي كتاب الِاجْتِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فَخرج من ذَلِك أَن مُعَارضَة الْعلَّة بِالْعِلَّةِ لَيست من القوادح. وَلَكِن من قَالَ بتصويب وَاحِد من الْمُجْتَهدين، عد مُعَارضَة الْعلَّة بِالْعِلَّةِ من ضروب القوادح وتكثر نَظَائِر مَا اخْتلف فِيهِ من القوادح، وَقد أَشَرنَا إِلَى بَعْضهَا وَنَذْكُر على تَرْتِيب الْكتاب بَابا فِيهَا. إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (٢٩٧) فصل طرق الاعتراضات على الْعلَّة ١٧٢١ - جمع بعض أَرْبَاب الْأُصُول طرق الإعتراضات على الْعلَّة،

стр. 1205

فبلغوها اثْنَي عشر وَجها وَنحن نشِير إِلَيْهَا، ونوضح الْحق فِيهَا، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فَمِنْهَا: إِنْكَار عِلّة الأَصْل ومثاله: قَول أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي إِخْرَاج الْفطْرَة عَن العَبْد الْكَافِر، كل زَكَاة وَجب إخْرَاجهَا عَن العَبْد الْمُسلم، وَجب إخْرَاجهَا عَن العَبْد الْكَافِر، كَزَكَاة عبد التِّجَارَة. فَيُقَال لَهُم: مَا ذكرتموه مَمْنُوع فِي الأَصْل. فَإِن زَكَاة عبد التِّجَارَة لَا يجب إخْرَاجهَا عَن العَبْد، وَإِنَّمَا تخرج عَن قِيمَته. وَمِنْهَا: إِنْكَار عِلّة الْفَرْع. وَذَلِكَ مثل قَول أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي لعان الْأَخْرَس معنى يفْتَقر إِلَى الشَّهَادَة، فَلَا يَصح من الْأَخْرَس كَالشَّهَادَةِ. وَلَا نسلم لَهُم مَا قَالُوهُ فِي الْفَرْع من افتقار اللّعان إِلَى لفظ الشَّهَادَة. وَاعْلَم أَن كل مَا ذَكرْنَاهُ، لَيْسَ بقادح فِي نَفسه وَإِنَّمَا هُوَ سُؤال موجه يلجئ المعتمل فِي حكم الجدل إِلَى إِقَامَة الدّلَالَة، فَإِن عجز عَنْهَا " عد " مُنْقَطِعًا حِينَئِذٍ. وَمِنْهَا: إِنْكَار الْعلَّة فِي الأَصْل وَالْفرع. وَذَلِكَ نَحْو قَوْلهم فِي الْمُتَمَتّع إِذا لم يصم سقط عَنهُ الصَّوْم، لِأَنَّهُ بدل مُؤَقّت، فَسقط بِفَوَات وقته كَالْجُمُعَةِ

стр. 1206

فَنَقُول: أما الْجُمُعَة فَلَيْسَتْ بِبَدَل. فَهَذَا منع عِلّة الأَصْل. وَعلة الْفَرْع مَمْنُوع من وَجه آخر وَذَلِكَ أَن الصَّوْم لَا يسلم فِيهِ التَّوْقِيت. إِذْ الصَّوْم الْمُؤَقت هُوَ الْمُخْتَص بِزَمَان. وَمِنْهَا: إِنْكَار الحكم فِي الأَصْل. وَذَلِكَ نَحْو قياسهم اللّعان على الشَّهَادَة فِي أَنه لَا يَصح من الْأَخْرَس، فَإِذا جَوَّزنَا شَهَادَة الْأَخْرَس كَانَ ذَلِك منعا لحكم الأَصْل. وَمِنْهَا: أَن لَا يتَعَدَّى الحكم من الأَصْل إِلَى الْفَرْع وَذَلِكَ نَحْو قَوْلهم فِي ضم الدَّنَانِير إِلَى الدَّرَاهِم فِي تَكْمِيل النّصاب، لِأَن زكاتهما ربع الْعشْر / فيضم أَحدهمَا إِلَى الآخر كالصحاح والمكسرة. فَنَقُول: الضَّم الَّذِي فِي الأَصْل هُوَ ضم بالأجزاء وَالضَّم فِي " الْفَرْع " هُوَ ضم بِاعْتِبَار الْقيمَة. فَلم " يعْتد " الضَّم الَّذِي فِي الأَصْل، إِلَى الْفَرْع. وَهَذَا الِاعْتِرَاض فِيهِ نظر. إِذْ يجوز الْجمع بَين الْفَرْع وَالْأَصْل فِي أصل الضَّم وَإِن اخْتلفَا فِي الْكَيْفِيَّة. وَمِنْهَا: الْمُطَالبَة بتصحيح الْعلَّة فِي الأَصْل، وَإِقَامَة الدّلَالَة عَلَيْهَا. وَمِنْهَا: القَوْل بِمُوجب الْعلَّة. وَمِنْهَا: نقض الْعلَّة، على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: الْمُطَالبَة بتفسير لفظ الْعلَّة. نَحْو قَوْلنَا لأَصْحَاب أبي حنيفَة، إِذْ

стр. 1207

قَالُوا: الْجِنْس أحد وصفي الْعلَّة / فِي / تَحْرِيم التَّفَاضُل فَيحرم النسأ كالوصف الثَّانِي. فَنَقُول: إِن إردتم بِالْوَصْفِ الثَّانِي الْمكيل لم نسلمه. وَإِن أردتم الطّعْم لم يَصح على أصلكم وكل تَفْسِير يُفْضِي تَفْصِيله إِلَى تمانع، فَهُوَ من الأسئلة الَّتِي تلجئ المسؤول إِلَى التَّفْسِير ثمَّ الدَّلِيل على مَا يتنازع فِيهِ. وَمِنْهَا: أَن يُخَالف الْقيَاس نصا " أَو " إِجْمَاعًا. وَمِنْهَا: قلب الْعلَّة، على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهَا: معارضتها بِمِثْلِهَا. ١٧٢٢ - وَاعْلَم أَن هَذَا التَّرْتِيب غير مرضِي، فَإِنَّهُ منطو على مختلفات. فَأَما الممانعات فِي الْعِلَل وَالْأَحْكَام فَلَا سَبِيل إِلَى عدهَا فِي القوادح. وَلَكِن الممانعات تلْزم الْمَسْئُول نصب الْأَدِلَّة. وَأما القَوْل بِالْمُوجبِ فَلَا يبطل العة فَإِن الْوِفَاق على مُوجب عِلّة

стр. 1208

لَا يُبْطِلهَا أصلا. وَلَكِن إِذا رام الْمُعَلل بهَا إِثْبَات مُخْتَلف، فقوبل بِمُوجب علته، لم يستتب مُرَاده إِلَّا وَالْعلَّة صَحِيحَة. فَلَا وَجه لعد القَوْل بِالْمُوجبِ فِي قوادح الْعِلَل، وَلكنه يقْدَح فِي مَقَاصِد المعللين. وعجبا لهَذَا الْمُرَتّب كَيفَ أخر أقوى القوادح المفضي إِلَى الْقطع بِفساد الْعلَّة، وَهُوَ مُخَالفَة النُّصُوص وَالْإِجْمَاع. وَأما الْقلب فَسَيَأْتِي فِيهِ كَلَام، وَقد سبق الْكَلَام فِي مُعَارضَة الْعلَّة بِالْعِلَّةِ وَهَا نَحن فِي النَّقْض وَتَخْصِيص الْعلَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (٢٩٨) القَوْل فِي تَخْصِيص الْعلَّة السمعية ١٧٢٣ - اعْلَم، أَن الْعِلَل الْعَقْلِيَّة لَا يسوغ تخصيصها، وَمن شَرط صِحَّتهَا اطرادها. فَإِذا انتصب الْعلم عِلّة فِي كَون الْعَالم عَالما، وَجب طرد ذَلِك. فَلَا يَتَقَرَّر علم إِلَّا يُوجب هَذَا الحكم. وَلَا يَتَقَرَّر هَذَا الحكم إِلَّا مُوجبا عَن الْعلم شَاهدا غَائِبا. وَهَذَا يستقصى فِي غير هَذَا الْفَنّ. ١٧٢٤ - وَإِنَّمَا مقصدنا الْعِلَل السمعية. وَقد اخْتلف النَّاس فِي جَوَاز تخصيصها فَمَا صَار إِلَيْهِ الْجُمْهُور من القائسين منع التَّخْصِيص والمصير

стр. 1209

إِلَى / أَن / الانتقاض آيَة بطلَان الْعلَّة. والانتقاض هُوَ " وجود " مَا قدره المستنبط عِلّة مَعَ انْتِفَاء الحكم. وَذهب " أَصْحَاب " أبي حنيفَة إِلَى تَجْوِيز تَخْصِيص الْعلَّة، ويؤثر ذَلِك عَن أبي حنيفَة، وَقد حُكيَ عَن مَالك أَيْضا. وَحَقِيقَة هَذَا الأَصْل تؤول إِلَى مَا نبنيه. وَهُوَ أَن الْمُعَلل إِذا ناط بِالْعِلَّةِ حكما، فَكَأَنَّهُ يَقُول: هَذِه الْعلَّة علم للْحكم فِي كل صُورَة " عدمنا " فِيهَا النَّص فنقدرها أَمارَة بِشَرْط انْتِفَاء مَا يُبْطِلهَا. قَالُوا: وَهَذَا كَمَا يَقُول الْقَائِل مَا أخْبركُم بِهِ فلَان عني - وَأَنا صَاحبه - فاعلموا أَنه صَادِق فَإِن رددت عَلَيْهِ فاعلموا كذبه. فَهَذَا مَنْهَج مَذْهَبهم.

стр. 1210

١٧٢٥ - ثمَّ اعلموا بعد ذَلِك إِن الَّذين / جوزوا / تَخْصِيص الْعلَّة المستأثرة المستنبطة، اخْتلفُوا فِي جَوَاز تَخْصِيص عِلّة صَاحب الشَّرِيعَة. فَذهب ذاهبون إِلَى جَوَاز ذَلِك /. وَذهب آخَرُونَ إِلَى منع تَخْصِيص عِلّة صَاحب الشَّرِيعَة، وَقَالُوا: إِذا وَردت لَفْظَة عَن صِيغَة التَّعْلِيل من صَاحب الشَّرِيعَة، فَإِن اطردت، جَازَ أَن تكون عِلّة. وَإِن عدم الحكم مَعَ وجودهَا، تبين لنا أَن صَاحب الشَّرِيعَة لم يُعلل بهَا أصلا، وَيحمل لَفظه فِي التَّعْلِيل على خلاف ظَاهره فَإِن لفظ التَّعْلِيل قد يرد، وَلَا يُرَاد بِهِ التَّعْلِيل. وَذَهَبت طَائِفَة من الْمُعْتَزلَة إِلَى الْفرق بَين الْحَظْر والتحليل. فَقَالُوا: مَا نصب علما للحظر " لم يجز " وَلَو اخْتصَّ بَطل. وَمَا نصب علما لتحليل أَو إِيجَاب أَو نَحْوهمَا مِمَّا لَا يكون حظرا، فتخصيصه لَا يُبطلهُ فَهَذَا بَيَان الْمذَاهب. ١٧٢٦ - وَمَا صَار إِلَيْهِ الْفُقَهَاء وَمن لم يحصل حقائق الْأُصُول أَن هَذِه الْمَسْأَلَة من القطعيات حَتَّى قطعُوا بِبُطْلَان الْعلَّة إِذا انتقضت، كَمَا

стр. 1211

" قطعُوا " ببطلانها إِذا ضادت نصا. قَالَ القَاضِي ﵁. وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك عندنَا، بل الْمَسْأَلَة من المجتهدات، فَلَا نقطع فِيهَا بِجَوَاب. وكل من أَخذ فِيهَا بِمُوجب غَلَبَة ظَنّه فَهُوَ مُصِيب. وَإِنَّمَا ذكرنَا لَك هَذَا، لِئَلَّا تطالب نَفسك بشرائط أَدِلَّة الْقطع " إِذا " توسطت الْمَسْأَلَة. ١٧٢٧ - وَمن الْعلمَاء من يذكر فِي ذَلِك تَفْصِيلًا، فَيَقُول: إِن نصب الْمُعَلل الْعلَّة وأطلقها فنقضت عَلَيْهِ، كَانَ ذَلِك إبطالا. وَإِن قَالَ عِنْد نصب الْعلَّة إِلَّا أَن يمْنَع مِنْهَا مَانع، فَلَا يقْدَح النَّقْض فِي اعتلاله قلت: وَهَذَا تَفْصِيل يتَعَلَّق بتأديب الجدل، وَإِلَّا فَمن يعْتَقد أَن النَّقْص لَا يقْدَح فِي الْعلَّة، فَلَا يَنْبَغِي أَن يفصل بَين الْإِطْلَاق وَالِاسْتِثْنَاء. وَالَّذِي نختاره منع تَخْصِيص الْعِلَل المستفادة والواردة شرعا. ١٧٢٨ - وَقد ذكر أَصْحَابنَا فِي ذَلِك " طرقا " مدخولة، مِنْهَا. مَا حُكيَ عَن " عَليّ بن حَمْزَة الطَّبَرِيّ " أَنه قَالَ فِي القَوْل بتخصيص الْعلَّة تكافؤ

стр. 1212

الْأَدِلَّة، فَإِن قَائِلا لَو قَالَ: النَّبِيذ شراب مَائِع فَيحل كَالْمَاءِ. فَنَقُول لَهُ. بل هُوَ شراب مايع فَلَا يحل، كَالْخمرِ، فَلَا يكون أحد المعللين أولى من الثَّانِي مَعَ تنَاقض العلتين. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء. فَإِن كل مُعَلل مطَالب بتصحيح عِلّة أَصله، سَوَاء قَالَ التَّخْصِيص، أَو لم يقل. ثمَّ إِذا علل وَأثبت عِلّة الأَصْل، فَيكون قَول الْخصم بعد ذَلِك بِمَنْزِلَة مُعَارضَة الْعلَّة بِالْعِلَّةِ، وَقد سبق القَوْل فِيهِ. ١٧٢٩ - وَقد ذكر القَاضِي ﵁ وَغَيره طَريقَة أُخْرَى فِي الِاسْتِدْلَال فَقَالُوا: لمن نصب عِلّة منتصبة " لَا بُد لَك " من إِثْبَات الْعلَّة بِالدَّلِيلِ. فَإِذا أثبت عِلّة الأَصْل بِالدَّلِيلِ ثمَّ جوزت اخْتِصَاص الْعلَّة فِي بعض الصُّور، فخصص الدّلَالَة بِالْأَصْلِ. وَقل أَن كل صُورَة تنصب فِيهَا هَذِه الْعلَّة، فَلَا بُد من إِقَامَة الدّلَالَة عَلَيْهَا على التَّخْصِيص. فَلَا نستفيد بِالْعِلَّةِ جمع الْفَرْع وَالْأَصْل فِي عِلّة دلّت عَلَيْهَا دلَالَة وَاحِدَة.

стр. 1213

وَأَطْنَبَ القَاضِي ﵁ وَغَيره من ذَلِك أَن من اسْتَأْثر عِلّة وَإِنَّمَا نقصد جعلهَا أَمارَة فِي الحكم عَلَيْهَا. وَهَذَا فِيهِ نظر أَيْضا فَإِن لَهُم أَن يَقُولُوا: يقْصد المستنبط جعلهَا أَمارَة فِي كل صُورَة شغر عَن مَانع. ١٧٣٠ - وَقد ألحق بعض أَصْحَابنَا الْعِلَل السمعية بالأدلة الْعَقْلِيَّة فَقَالُوا: مَا علق عَلَيْهِ الحكم فِي الشَّرِيعَة وَجعل علما فِيهِ، يصير بعد تعلق الحكم بِهِ بِمَنْزِلَة الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة. " وَلَا يصفوا اعْتِبَار طَريقَة " / من هَذِه الطّرق فَلَا فَائِدَة فِي الإسهاب فِيهَا. ١٧٣١ - وَالَّذِي أوثره لَك إِذا انتقضت عِلّة خصمك، وَقَالَ بالتخصيص أَن تطالبه فِي إِثْبَات عِلّة الأَصْل بِالدَّلِيلِ، وَهَذَا إِنَّمَا يتَبَيَّن بالإمتحان، وَأولى الطّرق هَذَا وَلم نقل إِلَّا بعد التنقير والتفحص. وَمِمَّا يُقَوي التَّمَسُّك بِهِ، أَن تَقول: الْعلَّة المطردة مِمَّا تمسك بهَا أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] فَلَا ريب " فِيهِ " وَلم تقم دلَالَة تَقْتَضِي تعبدنا بِكُل مَا يُسمى قِيَاسا، فَمَا وَقع الِاتِّفَاق عَلَيْهِ، فَهُوَ الثَّابِت. وَمَا لم تقم فِيهِ دلَالَة يلْتَحق بِمَا لَا يدل.

стр. 1214

فَإِن شَرط مَا يتَمَسَّك بِهِ فِي إِثْبَات الحكم أَن يدل عَلَيْهِ مَا يقطع بِهِ وَهَذَا أَسد الطّرق إِن أثرت طرق الْحجَّاج. ١٧٣٢ - وَمِمَّا تمسك بِهِ الْقَائِلُونَ بِجَوَاز التَّخْصِيص، مَا ذَكرْنَاهُ فِي خلال الْكَلَام من قَوْلهم أَنه لَا يبعد فِي الْعقل نصب الشَّيْء عِلّة إِلَّا أَن يمْنَع مِنْهُ مَانع. وَالْجَوَاب عَنهُ أَن نقُول: لَو سلم لكم ذَلِك، فَلَا حرج فِيهِ فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ من مجوزات الْعُقُول، فَلم تقم عَلَيْهِ دلَالَة تَقْتَضِي تثبيتها دَلِيلا. وَلَيْسَ كل مَا كَانَ من مجوزات الْعُقُول يحكم بتقريره، فَبَطل مَا قَالُوهُ. ١٧٣٣ - وَمِمَّا استدلوا بِهِ أَن قَالُوا: إِذا جَازَ لصَاحب الشَّرْع أَن يُطلق لفظا عَاما فِي ظَاهره، ثمَّ يخصصه فَيجوز ذَلِك للمعلل. فَيُقَال: إِذا منعنَا القَوْل بِالْعُمُومِ، لم يستقم مَا قلتموه. على أَن منع تَأْخِير " الْبَيَان " عَن وَقت الْحَاجة منع تَأْخِير التَّخْصِيص. ثمَّ نَظِير نصب الْعلَّة تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة إِذْ الْمُعَلل يحْتَاج إِلَى طرد علته، أَو تخصيصها فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه.

стр. 1215

(٢٩٩) فصل الرَّد على من فرق بَين المنصوصة والمستنبطة وَمن فرق بَين عِلّة الْإِيجَاب وَعلة التَّحْرِيم ١٧٣٤ - من قَالَ بِالْفَصْلِ بَين الْعلَّة " المستأثرة " " و " بَين عِلّة صَاحب الشَّرِيعَة فقد تحكم. وَالصَّحِيح التَّسْوِيَة بَينهمَا. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك، أَنه إِذا منع تَخْصِيص الْعلَّة المستأثرة - مَعَ علمنَا قطعا أَنَّهَا لَا توجب حكمهَا لعينها، وَلَكِن المستنبط يغلب على ظَنّه جعل صَاحب الشَّرِيعَة إِيَّاهَا عِلّة وأمارة - فَإِذا جوز تَخْصِيص الْمُصَرّح بِهِ من الْعِلَل فَلِأَن يجوز تَخْصِيص مَا نقدره شرعا أولى، وَهَذَا مَا لَا خَفَاء بِهِ. ١٧٣٥ - فَإِن قَالُوا: إِذا كَانَت الْعلَّة منصوصة، فَلَا حَاجَة ينافيها إِلَى استنباط لنحتاج فِي الاستنباط إِلَى طرد. وَلَيْسَ كَذَلِك الْعلَّة المستأثرة. فَنَقُول: هَذَا لَا طائل تَحْتَهُ. فَإِنَّهُ إِذا جوزتم عدم الاطراد فِي الْعلَّة المنصوصة - ومقصده تَقْدِير النَّص على نصب الْعلَّة المستأثرة - فَيَنْبَغِي أَلا يُطَالب نَفسه فِي طَرِيق الاستنباط بالطرد. فَبَطل مَا قَالُوهُ جملَة وتفصيلا.

стр. 1216

١٧٣٦ - وَأما من قَالَ من الْمُعْتَزلَة بِجَوَاز تَخْصِيص عِلّة التَّحْلِيل وَالْوُجُوب وَمنع ذَلِك فِي عِلّة الْخطر، فَإِنَّمَا يحملهُ على ذَلِك أصل أَوْمَأ إِلَيْهِ فِيمَا سبق. وَهُوَ أَنهم قَالُوا: لَا تصح التَّوْبَة عَن قَبِيح مَعَ الْإِصْرَار على قَبِيح وَيصِح الْإِقْدَام على عبَادَة مَعَ ترك أُخْرَى. وَهَذَا يستقصى فِي غير هَذَا الْفَنّ. فَهَذَا جملَة القَوْل فِي تَخْصِيص الْعلَّة، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. (٣٠٠ فصل) ١٧٣٧ - إِذا منعنَا تَخْصِيص الْعلَّة وقدرنا اختصاصها " انتفاضا " وبطلانا، فَلَو علل الْمُعَلل، فَوجه القادح عَلَيْهِ نقضا، فرام الْمُعَلل دَفعه بالتفصيل وَالتَّفْسِير فَكل تَفْسِير يُنبئ عَنهُ ظَاهر اللَّفْظ وَقَضيته " فالتمسك " بِهِ بوضح اندفاع النَّقْض. وَمِثَال ذَلِك: إِنَّا إِذا قُلْنَا فِي الْمُتَوَلد بَين الشَّاء / والظباء " حَيَوَان تولد بَين حيوانين وَلَا زَكَاة فِي أَحدهمَا. فَلَا زَكَاة فِيهِ ". فَإِذا " ألزم الملزم " على هَذَا الاعتلال " بالمتولد " بَين المعلوفة والسائمة. كَانَ للمعلل أَن يَقُول: المعلوفة مِمَّا تجب الزَّكَاة فِيهَا على الْجُمْلَة وَلَيْسَ كَذَلِك الظبأ، وَقد قيدت الاعتلال بِنَفْي الزَّكَاة. وَظَاهر النَّفْي الْمُطلق.

стр. 1217

١٧٣٨ - يُنبئ عَن الْعُمُوم. فَهَذَا الضَّرْب مَقْبُول. وَلَا تَظنن أَن النَّقْض ينْدَفع بالتفسير وَلكنه ينْدَفع بقضية اللَّفْظ. اقْتِضَاء عُمُوم اللَّفْظ، وَالتَّفْسِير إِيضَاح لَهُ. وكل تَفْسِير لَا يُنبئ عَنهُ قَضِيَّة اللَّفْظ بِإِطْلَاقِهِ، فَلَا معول عَلَيْهِ فِي دفع النَّقْض. وَهُوَ مثل أَن يَقُول الْقَائِل مطعوم فَلَا يجوز بيع بعضه بِبَعْض مُتَفَاضلا فَإِذا نقض عَلَيْهِ اعتلاله بِالْبرِّ مَعَ الشّعير، فَلَا يَنْفَعهُ دفع النَّقْض أَن يَقُول اسْم المطعوم ينْطَلق على مَا يتحد جنسه وعَلى مَا يخْتَلف جنسه وَإِنَّمَا أخصصه وأفسره بِجِهَة من جِهَات احْتِمَاله، وَهِي إِذا اتَّحد الْجِنْس. وَلَا يقبل ذَلِك مِنْهُ. إِذْ ظَاهر لَفظه لَا يُنبئ عَن هَذَا التَّفْصِيل. وَلَو سَاغَ قبُول مثل ذَلِك لما تصور لَهُ لُزُوم نقضا أصلا، فَإِن كل مُعَلل نقضت علته، لَا يعجز عَن حمل الْعلَّة على صُورَة يطرد فِيهَا.

стр. 1218

(بَاب يجمع أصولا مُتَفَرِّقَة فِي أَحْكَام الْقيَاس) (٣٠١) فصل جَوَاز تَعْلِيل الحكم بِأَكْثَرَ من عِلّة ١٧٣٩ - مَا صَار إِلَيْهِ مُعظم القائسين أَنه يجوز ثُبُوت الحكم بعلل تستقل كل وَاحِدَة مِنْهَا - لَو قدرت مُنْفَرِدَة - فِي اقْتِضَاء الحكم. نَحْو

стр. 1219

الْمَرْأَة يجْتَمع فِيهَا الصَّوْم وَالْإِحْرَام وَالْحيض فَكل سَبَب من هَذِه الْأَسْبَاب - لَو قدر مُنْفَردا - تعلق بِهِ اقْتِضَاء تَحْرِيم الوطى، فَإِذا اجْتمعت فَالْحكم ثَابت بهَا " جمع ". ١٧٤٠ - وَذهب بعض من لم يحصل مجاري الْقيَاس، إِلَى أَن الحكم لَا يُعلل بِأَكْثَرَ من عِلّة وَاحِدَة فَنَقُول: قد قدمنَا فِي أَبْوَاب سلفت، أَن سَبِيل الْعِلَل الشَّرْعِيَّة سَبِيل الأمارات وَذكرنَا أَنَّهَا لَا توجب الحكم لذواتها وأنفسها وَلَا يستبعد عقلا وَلَا سمعا أَن ينصب على تحقق الشَّيْء أَمَارَات، كَمَا لَا يستبعد نصب أَمارَة وَاحِدَة. وَهَذَا مَا لَا خَفَاء بِهِ.

стр. 1220

١٧٤١ - ثمَّ نفرض الْكَلَام فِي أَمْثَال الصُّور الَّتِي صدرنا الْبَاب بهَا، ونقسم الْكَلَام فَنَقُول: تَحْرِيم الوطئ مُعَلل بِاتِّفَاق بَيْننَا وَبَين من يخالفنا فِي هَذَا الْفَصْل، فَمَا علته؟ فَإِن عين معنى من تِلْكَ الْمعَانِي، وَنفى مَا عداهُ قوبل قَوْله بِمثلِهِ. فَإِن عين معنى آخر سوى مَا عينه وَنفى مَا عداهُ عِلّة، فيتقابل الْقَوْلَانِ. وَإِن جعل جَمِيعهَا عِلّة وَاحِدَة كَانَ ذَلِك مستحيلا فَإنَّا نعلم أَن من حكم الْعلَّة، أَنَّهَا إِذا انخرمت لعدم وصف من أوصافها فَلَا يثبت الحكم بهَا، وَلَو فقد بعض مَعَاني الأَصْل، لم يرْتَفع الحكم فَدلَّ أَنَّهَا لَيست عِلّة. فَلَا يبْقى بعد بطلَان هَذِه الْأَقْسَام إِلَّا مَا قُلْنَاهُ. ١٧٤٢ - فَإِن قَالُوا: كل هَذِه الْمعَانِي علل. وَلَكِن لَهَا أَحْكَام. وَإِنَّمَا المستنكر ثُبُوت حكم وَاحِد بعلل قَالُوا: فَحكم التَّحْرِيم بِالْحيضِ غير حكم التَّحْرِيم بالاحرام، فهما إِذا حكمان. وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ رَكِيك جدا، فَإِن تَحْرِيم الوطئ لَا يعقل تعدده فِي الصُّورَة الَّتِي فَرضنَا الْكَلَام فِيهَا، وَقد قدمنَا فِي ذَلِك مَا فِيهِ غنى، عِنْد نَفينَا اشْتِرَاط الإنعكاس فِي الْعِلَل السمعية. ١٧٤٣ - فَإِن قيل لَو جَازَ ثُبُوت حكم بعلل مُخْتَلفَة، لجَاز ذَلِك فِي الْعِلَل الْعَقْلِيَّة وَلَا خلاف أَن الحكم الْوَاحِد، لَا يثبت بعلل عقلية مُخْتَلفَة. قيل لَهُم: لم جمعتم بَينهمَا؟ وَمَا وَجه تَحْقِيق هَذِه الدَّعْوَى فَلَا / يرجعُونَ إِلَى تَحْصِيل عِنْد توجه الطّلب.

стр. 1221

(٣٠٢) فصل جَوَاز التَّعْلِيل بِالْعِلَّةِ القاصرة ١٧٤٤ - لَيْسَ من شَرط صِحَة الْعلَّة، تعديها عَن الْمحل الَّذِي قدرت عِلّة فِيهِ. هَذَا مَا صَار إِلَيْهِ الشَّافِعِي وَمَالك ومعظم الْمُحَقِّقين من الْأُصُولِيِّينَ، ﵃.

стр. 1222

١٧٤٥ - وَذهب بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة إِلَى منع ذَلِك. وشرطوا فِي صِحَة الْعلَّة تعديتها وَمِثَال صُورَة الْخلاف. تَعْلِيل الرِّبَا فِي الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم فِي كَونهمَا ثمنين. فَهَذَا صَحِيح، مَعَ أَن الْعلَّة لَا تعدوهما. وأبطل أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵏ ذَلِك. ١٧٤٦ - وَالدَّلِيل على تجويزه أَن نقُول: قد أوضحنا فِيمَا قدمنَا أَن الْعِلَل السمعية تحل مَحل الأمارات وَلَا اسْتِيعَاب فِي نصب الأمارات أَن نصبت فِي الشَّيْء: امارة تتخصص بِهِ وَلَا تعدوه. فَإِن نصب الأمارة يَنْقَسِم فَرُبمَا ينصب الناصب أَمارَة فِي أَشْيَاء، وَرُبمَا ينصبها فِي شَيْء وَاحِد، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك ويكشف الْحق فِيهِ، أَن نقُول: إِذا طردت عِلّة فِي مسَائِل فَهِيَ لَا تعدو تِلْكَ الْمسَائِل، كَمَا أَن الْعلَّة، لم تعد الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم. فَمَا من عِلّة يتَمَسَّك بهَا، إِلَّا وَهِي مُخْتَصَّة من وَجه، غير متعدية. ١٧٤٧ - ومعول الْقَوْم فِي الْمَسْأَلَة على نُكْتَة وَاحِدَة. أَنهم قَالُوا: إِذا ثَبت الرِّبَا فِي الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم نصا. فَلَا فَائِدَة فِي تعليلها. فَإِن الْعلَّة إِنَّمَا تطلب لتفيد مَا لم يفده النَّص، فَإِذا اسْتَقل النَّص بِإِثْبَات حكم، فَلَا يبْقى لِلْعِلَّةِ الْمُطَابقَة لَهُ فَائِدَة. قيل لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه نِهَايَة الْمحَال. فَإِن مُطَابقَة الْعلَّة النَّص يقويها وَلَا يضعفها، إِذْ لَو كَانَ فِي مَسْأَلَة نَص. فاطرد فِيهَا قِيَاس لم يكن النَّص مُبْطلًا للْقِيَاس بل كَانَ عاضدا لَهُ. وَكَذَلِكَ سَبِيل كل دَلِيلين، يَجْتَمِعَانِ فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة.

стр. 1223

على أَنا نقُول: إِنَّمَا الْمَقْصُود من طلب الْعلَّة - وَإِن قصرت - أَن يعلم أَن الله تَعَالَى علق الحكم فِيهَا بِطَلَب تَعْلِيله بِوَصْف من الْأَوْصَاف. وَهَذَا مَا لَا استنكار فِيهِ أصلا. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك، اتِّفَاق الكافة على جَوَاز وُرُود الشَّرْع بِالتَّعْلِيلِ الْقَاصِر إِذْ لَو قَالَ صَاحب الشَّرِيعَة. حرمت عَلَيْكُم الرِّبَا فِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير لِكَوْنِهِمَا نقدين كَانَ ذَلِك جَائِزا، فَإِذا جَازَ وُرُود الشَّرْع بِهِ على صِحَة الْقُصُور، لم يستنكر استثارته واستنباطه. ١٧٤٨ - ثمَّ ذكر أَصْحَابنَا فِي إِيضَاح فَائِدَة الْعلَّة القاصرة طرقا نَحن نذْكر مَا نرتضي مِنْهَا. فَمِنْهَا أَن قَالُوا: فائدتها ثُبُوت الحكم عِنْد ثُبُوتهَا وانتفاؤه عِنْد انتفائها. وَهَذَا الْقَائِل لَا يجوز تَعْلِيل الحكم بِالْعِلَّةِ اللَّازِمَة الَّتِي يتَوَقَّع زَوَالهَا مَعَ " وجود مَا " علل حكمه. وَهَذِه الطَّرِيقَة فِيهَا نظر. وَالصَّحِيح جَوَاز التَّعْلِيل بِالْعِلَّةِ اللَّازِمَة والمتحولة. وَذكر بَعضهم أَن فَائِدَة التَّعْلِيل بالثمنية نفي الرِّبَا عَن الْجَوَاهِر الَّتِي لَا تتَحَقَّق فِيهَا الثمنية. ١٧٤٩ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَالَّذِي ذكرتموه هُوَ " الْعَكْس " بِعَيْنِه، وَالْعَكْس لَيْسَ من شَرط صِحَة الْعلَّة، فكأنكم حصرتم فَائِدَة الْعلَّة فِي عكسها.

стр. 1224

وَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن نقُول: لسنا نشترط الإنعكاس أصلا. وَلَا مهما ثَبت حكم فِي صُورَة بِنَصّ أَو غَيره، وانتفى الدَّلِيل عَن مثل ذَلِك الحكم فِي غير تِلْكَ الصُّورَة وَاقْتضى السبر جلب عِلّة قَاصِرَة فنعلم عِنْد بطلَان طرد الْعلَّة تعديها وَانْتِفَاء سَائِر الْأَدِلَّة فِي غير الصُّورَة الْمَطْلُوب تعليلها، أَن الحكم يَنْتَفِي بِغَيْر الصُّورَة المعللة. فَتدبر ذَلِك. ١٧٥٠ - وَاعْلَم أَنا لَا نعلم بطرد الْعلَّة انْتِفَاء الحكم عِنْد انتفائها، وَلَكنَّا نعلم ذَلِك بالشرائط الَّتِي ذَكرنَاهَا وَالَّذِي / " نؤثر " لَك التعويل عَلَيْهِ، مَا قدمْنَاهُ من أَن طلب الْفَوَائِد على الْمنْهَج الَّذِي راموه ضرب من التعسف، وَالَّذِي يطْلب فِي الْعلَّة أَن يقدر ثُبُوتهَا أَمارَة لحكم، أما فِي صُورَة " إِذْ " نصب الأمارة إِلَى اخْتِيَار الناصب فَإِن شَاءَ عَداهَا وَإِن شَاءَ خصها. وَلذَلِك يَسْتَحِيل عِنْد ذَوي التَّحْقِيق وُرُود النُّطْق بِالتَّعْلِيلِ الْخَاص شرعا. فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه. فَإِنَّهَا أَمَارَات لَا يشْتَرط فِيهَا مَا قدمْنَاهُ. ١٧٥١ - وَمِنْهَا أَن الحكم الْوَاحِد فِي الْعقل لَا يُعلل بالعلتين، لَا متماثلتين وَلَا مختلفتين غير متضادتين. وَأما الْعِلَل السمعية، فَلَيْسَتْ كَذَلِك، إِذْ قد تثبت علل مُخْتَلفَة لحكم وَاحِد، كَمَا قدمْنَاهُ. قَالَ القَاضِي ﵁ وَإِذا جَوَّزنَا الْعلَّة القاصرة، فَلَا ننكر أَن تكون فِي الأَصْل عِلَّتَانِ، إِحْدَاهمَا قَاصِرَة وَالْأُخْرَى متعدية، فيقاس عَلَيْهِ بِالْعِلَّةِ

стр. 1225

المتعدية. ثمَّ ثُبُوت الْعلَّة المتعدية فِي الأَصْل، لَا يمْنَع من الحكم بِصِحَّة القاصرة مَعهَا. ١٧٥٢ - فَإِن قَالَ قَائِل: ألستم قُلْتُمْ: أَن فَائِدَة الْعلَّة القاصرة انْتِفَاء الحكم عِنْد انتفائها وَقد أبطلتم ذَلِك الأَصْل بِمَا ذكرتموه. قُلْنَا: لَو أحطت علما بِمَا سبق لأغناك ذَلِك عَن هَذَا السُّؤَال. فَإنَّا ذكرنَا أَن الْعلَّة القاصرة لَا توجب الحكم عِنْد انتفائها، وَلَكِن إِذا لم نجد عِلّة متعدية وَمَا قَامَت دلَالَة تَقْتَضِي مثل حكم الأَصْل لغيره. فَعِنْدَ اجْتِمَاع هَذِه الْأَوْصَاف، يَنْتَفِي الحكم " فِيمَا " عدا الأَصْل الْمُعَلل بِالْعِلَّةِ القاصرة. فَهَذَا قَوْلنَا فِي ثُبُوت الحكم الْوَاحِد بالعلل الْمُخْتَلفَة. ١٧٥٣ - وَأما ثُبُوت الحكم الْوَاحِد بعلل " متضادة " فَلَا يَتَقَرَّر مَعَ تَصْوِير اجْتِمَاع الْعِلَل، لتضادها. وَلَكِن لَو قدرت ثُبُوت حكم عِنْد ثُبُوت معنى / ثمَّ قدر ذَلِك الحكم بِعَيْنِه مَعَ ضد ذَلِك الْمَعْنى، مُعَللا بذلك الضِّدّ، فَلَا يستبعد ذَلِك فِي حق مجتهدين، على قَوْلنَا بتصويب الْمُجْتَهدين. أَو فِي حق مُجْتَهد مَعَ تغاير الْوَقْت وتبدل الِاجْتِهَاد. (٣٠٣) فصل (فِي ذكر جمل من أَحْكَام الْعِلَل الْعَقْلِيَّة وَالْفرق بَينهَا وَبَين الْعِلَل السمعية) ١٧٥٤ - قد ذكر القَاضِي ﵁ جملا من أَحْكَام الْعِلَل

стр. 1226

الْعَقْلِيَّة، وَمَا رام بذلك استقصاء القَوْل فِيهَا، وَلَكِن قصد التَّنْبِيه على مَا تفترق فِيهِ الْعِلَل الْعَقْلِيَّة والسمعية. فيحيط بذلك علما فِي مجاري الْكَلَام. ١٧٥٥ - فَاعْلَم أَن الْعلَّة الْعَقْلِيَّة تفارق السمعية من أوجه: أَحدهَا: أَن الْعِلَل الْعَقْلِيَّة توجب أَحْكَامهَا لذواتها وأنفسها، حَتَّى لَا يسوغ تقديرها مَعَ انْتِفَاء الْأَحْكَام، وَلَيْسَ كَذَلِك السمعية، وَقد سبق القَوْل فِيهِ. وَمِنْهَا أَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة قد تفْتَقر فِي اقْتِضَاء الْأَحْكَام إِلَى شَرط، حَتَّى لَا تَقْتَضِيه دون الشَّرْط، وَلَيْسَ كَذَلِك الْعَقْلِيَّة. فَإِن قيل: أَلَيْسَ الْعلم يفْتَقر إِلَى الْحَيَاة فِي كَونه مُوجبا لحكمه؟ قُلْنَا: هَذَا زلل. فَإِن الْعلم لَا يفْتَقر إِلَى الْحَيَاة فِي إِيجَابه الحكم، وَلَكِن يفْتَقر إِلَى الْحَيَاة فِي ثُبُوته ووجوده، ثمَّ إِذا وجد، لم يكن إِلَّا مُوجبا. وَالْعلَّة السمعية قد تُوجد وَلَا توجب الحكم بِشَرْطِهِ. وَذَلِكَ نَحْو وجود الطّعْم فِي الجنسين، مَعَ انْتِفَاء شَرطه وَهُوَ اتِّحَاد الْجِنْس. وَمِنْهَا أَن الْعلَّة الْعَقْلِيَّة، لَا تكون إِلَّا معنى ثَابتا، وَلَا يسوغ أَن يكون النَّفْي عِلّة عقلا، وَيجوز أَن ينْتَصب الانتفاء عِلّة سمعا، فَإِن سَبِيلهَا سَبِيل " الْإِمَارَة " وَالنَّفْي قد يدل كَمَا يدل الْوُجُود وَمِنْهَا أَن الْعلَّة الْعَقْلِيَّة تخْتَص بِذَات من لَهُ الحكم مِنْهَا، اخْتِصَاص الْعلم الْقَائِم بمحله فَإِنَّمَا يُوجب الْعلم حكمه، للمحل الَّذِي قَامَ بِهِ. على مَذْهَب أهل الْحق، وَلَيْسَ كَذَلِك علل السّمع.

стр. 1227

فَأَما إِذا اتَّحد الْمُجْتَهد، وَقدر معنى عِلّة وَقدر ضِدّه أَيْضا عِلّة، وكل وَاحِدَة من العلتين مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا فَهَذَا يبعد. على أَنا لَا نقطع فِي بُطْلَانه وَذَلِكَ نَحْو أَن يعلق حكم بِقِيَام " و " يعلق ذَلِك الحكم بِعَيْنِه بضد الْقيام وَهُوَ الْقعُود، وَهُوَ يستبعد ذَلِك. وَهَذَا مِمَّا يستقصى فِي كتاب الِاجْتِهَاد، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ١٧٥٦ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَل يسوغ ثُبُوت الحكم الْوَاحِد بأمارتين متماثلتين، لَو قدرت كل " وَاحِدَة " مِنْهُمَا مُنْفَرِدَة. لأفادت الحكم. قُلْنَا: هَذَا لَا معنى لَهُ. فَإِنَّهُمَا إِذا كَانَتَا متماثلتين، لَا يظْهر فيهمَا سَبِيل التَّعَدُّد فِي مَنْهَج الْقيَاس، فَإِن القائس يعلم كَون ذَلِك الْجِنْس علما " قدرَة " متحدا أَو مُتَعَددًا. فَلَيْسَ يُؤثر الِاتِّحَاد والتعدد فِيمَا هَذَا سَبيله فَهَذَا وَاضح. ١٧٥٧ - ويتصل بِهَذَا الْفَصْل الَّذِي انتهينا إِلَيْهِ، أَن نعلم أَن الْعلَّة السمعية لَا تَتَضَمَّن حكمين مثلين على الْمُكَلف، مثل أَن نقُول: الشدَّة فِي الْخمر تَتَضَمَّن تحريمين. فَذَلِك بَاطِل. فَإِن التَّحْرِيم لَا يتزايد وَلَا يتَحَقَّق فِي الشَّيْء الْوَاحِد ثُبُوت عدد من التَّحْرِيم وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ. " فَهَذَا الَّذِي حمل " فِي التَّفْرِقَة بَين الْعِلَل الْعَقْلِيَّة والسمعية، وَقد

стр. 1228

يفْتَقر البابان من غير الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَلَيْسَ فِي استيعابها كَبِير غَرَض فِي هَذَا الْفَنّ. وَلَكِن من أحَاط علما بحقائق الْعِلَل الْعَقْلِيَّة فِي فن الْكَلَام عرف جملَة وُجُوه الِافْتِرَاق. (٣٠٤) فصل (جَوَاز إِثْبَات الْكَفَّارَات وَالْحُدُود بِالْقِيَاسِ) ١٧٥٨ - مَا صَار إِلَيْهِ مُعظم القائسين، تسويغ إِثْبَات الْكَفَّارَات وَالْحُدُود بالأقيسة إِذا لم يمْنَع مِنْهَا بعض الْمَوَانِع الَّتِي قدمناها وَلَا فصل بَينهَا و / بَين / مَا عَداهَا من الْأُصُول الَّتِي تستنبط عللها.

стр. 1229

١٧٥٩ - وَذهب بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵀ إِلَى منع الْقيَاس فِي الْكَفَّارَات وَالْحُدُود ثمَّ لَهُم مناقضات واضطراب يبين فِي أثْنَاء الْفَصْل فَنَقُول: قدمنَا إِن الأقيسة سَبِيلهَا نصب الأمارات وَلَا تدل بذواتها على الْأَحْكَام لَوْلَا تَقْدِير نصبها عللا. فَإِذا وضح ذَلِك، فَلَا اسْتِحَالَة فِي نصب الأمارات فِي الْكَفَّارَات والعقوبات كَمَا لَا اسْتِحَالَة فِيهَا فِي " الْمُعَاوَضَات " وَالطَّلَاق وَالْعِتْق، وَمَا أشبههَا مِمَّا اتفقنا على اجراء الأقيسة فِيهَا، واستنباط مَعَانِيهَا. ١٧٦٠ - وَمِمَّا نعول عَلَيْهِ أَن نقُول: من يمْنَع الْقيَاس فِيمَا فِيهِ نتكلم، لم يخل أما أَن يمنعهُ لكَون الْقيَاس غير مفض إِلَى الْعلم، فَيلْزم على ذَلِك إِلَّا نقبل فِيهِ اخبار الْآحَاد. وَأَن لَا نثبت الْعُقُوبَات بِشَهَادَة الشُّهُود، من حَيْثُ إِن شَهَادَة الشُّهُود لَا تفضى إِلَى الْقطع، مَعَ تَجْوِيز كذبهمْ. وَإِن منع الْقيَاس لاتساعه فِي أَصْلَب من أصُول من أصُول الشَّرِيعَة، فَهَذَا ادِّعَاء لَيْسَ فِي أصُول الشَّرِيعَة مَا يمْنَع من طرد الْقيَاس فِيهَا، فَلَا يذكرُونَ معنى يرومون بِهِ " منع " الْقيَاس إِلَّا ويلجيهم ذَلِك إِلَى رد أصل الْقيَاس. ثمَّ نقُول لَهُم: ألستم " قستم " " لُزُوم " الْكَفَّارَات بِالْأَكْلِ عَامِدًا فِي

стр. 1230

نَهَار رَمَضَان على لُزُومهَا فِي المواقعة. فَهَل ذَلِك مِنْكُم، إِلَّا إِثْبَات كَفَّارَة فِي حق الطاعم بِالْقِيَاسِ. ١٧٦١ - فَإِن قَالُوا: ثَبت أصل الْكَفَّارَات بِالْقِيَاسِ وَلَكِن أثبتنا لَهَا محلا فِي الإلتزام وَهَذَا مَا لَا " استنكار " فِيهِ. فَيُقَال لَهُم: هَذَا ضرب من التَّدْلِيس، فَإِنَّكُم أثبتم وجوب الْكَفَّارَة قِيَاسا فِي حق / الطاعم، فَهُوَ تَصْرِيح مِنْكُم بِإِثْبَات الْكَفَّارَة بطرِيق الِاعْتِبَار. وَهَذَا سَبِيل قياسنا. فَإنَّا لَا نروم بِالْقِيَاسِ إِثْبَات كَفَّارَة زَائِدَة على الْكَفَّارَات، إِذْ قد منع الْإِجْمَاع ذَلِك، كَمَا منع إِثْبَات صَلَاة سادسة، وَحج ثَان، وَصَوْم شهر سوى رَمَضَان. فَبَطل مَا قَالُوهُ وَصحت مناقضتهم. ١٧٦٢ - فَإِن قَالُوا: الْكَفَّارَات تدرأ بِالشُّبُهَاتِ وَكَذَلِكَ الْعُقُوبَات. والأقيسة لَا تُفْضِي إِلَّا إِلَى غلبات الظنون، فَلَا يثبت بهَا مَا يدْرَأ بِالشُّبْهَةِ. قيل لَهُم: فَلَا تثبتوها بِخَبَر الْوَاحِد وَلَا تحكموا فِيهَا بِشَهَادَة الشُّهُود على إِنَّا نقُول: الأقيسة، وَإِن كَانَت من غلبات الظنون، فقد قَامَت الدّلَالَة القاطعة على انتصاب غَلَبَة الظَّن، أَمارَة على الحكم. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الأَصْل برآءة الذمم عَن الدُّيُون والحقوق، ثمَّ تطرد فِيهَا الأقيسة. فَبَطل مَا قَالُوهُ. ١٧٦٣ - فَإِن قَالُوا: الْعُقُوبَات وَجَبت لمقارنة الجرائم، وَالْكَفَّارَات وَجَبت تمحيصا للذنوب. ثمَّ مبالغ الذُّنُوب والآثام لَا يعلمهَا إِلَّا الله تَعَالَى. وَكَذَلِكَ مُوجبَات الْعُقُوبَات فَلَا سَبِيل إِلَى دركها بالعبر.
следующие страницы →