Полный текст (1 418 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
الْعَقْلِيَّة، وَمَا رام بذلك استقصاء القَوْل فِيهَا، وَلَكِن قصد التَّنْبِيه على مَا تفترق فِيهِ الْعِلَل الْعَقْلِيَّة والسمعية. فيحيط بذلك علما فِي مجاري الْكَلَام.
١٧٥٥ - فَاعْلَم أَن الْعلَّة الْعَقْلِيَّة تفارق السمعية من أوجه:
أَحدهَا: أَن الْعِلَل الْعَقْلِيَّة توجب أَحْكَامهَا لذواتها وأنفسها، حَتَّى لَا يسوغ تقديرها مَعَ انْتِفَاء الْأَحْكَام، وَلَيْسَ كَذَلِك السمعية، وَقد سبق القَوْل فِيهِ. وَمِنْهَا أَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة قد تفْتَقر فِي اقْتِضَاء الْأَحْكَام إِلَى شَرط، حَتَّى لَا تَقْتَضِيه دون الشَّرْط، وَلَيْسَ كَذَلِك الْعَقْلِيَّة.
فَإِن قيل: أَلَيْسَ الْعلم يفْتَقر إِلَى الْحَيَاة فِي كَونه مُوجبا لحكمه؟
قُلْنَا: هَذَا زلل. فَإِن الْعلم لَا يفْتَقر إِلَى الْحَيَاة فِي إِيجَابه الحكم، وَلَكِن يفْتَقر إِلَى الْحَيَاة فِي ثُبُوته ووجوده، ثمَّ إِذا وجد، لم يكن إِلَّا مُوجبا. وَالْعلَّة السمعية قد تُوجد وَلَا توجب الحكم بِشَرْطِهِ. وَذَلِكَ نَحْو وجود الطّعْم فِي الجنسين، مَعَ انْتِفَاء شَرطه وَهُوَ اتِّحَاد الْجِنْس. وَمِنْهَا أَن الْعلَّة الْعَقْلِيَّة، لَا تكون إِلَّا معنى ثَابتا، وَلَا يسوغ أَن يكون النَّفْي عِلّة عقلا، وَيجوز أَن ينْتَصب الانتفاء عِلّة سمعا، فَإِن سَبِيلهَا سَبِيل " الْإِمَارَة " وَالنَّفْي قد يدل كَمَا يدل الْوُجُود
وَمِنْهَا أَن الْعلَّة الْعَقْلِيَّة تخْتَص بِذَات من لَهُ الحكم مِنْهَا، اخْتِصَاص الْعلم الْقَائِم بمحله فَإِنَّمَا يُوجب الْعلم حكمه، للمحل الَّذِي قَامَ بِهِ. على مَذْهَب أهل الْحق، وَلَيْسَ كَذَلِك علل السّمع.
стр. 1227
فَأَما إِذا اتَّحد الْمُجْتَهد، وَقدر معنى عِلّة وَقدر ضِدّه أَيْضا عِلّة، وكل وَاحِدَة من العلتين مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا فَهَذَا يبعد. على أَنا لَا نقطع فِي بُطْلَانه وَذَلِكَ نَحْو أَن يعلق حكم بِقِيَام " و " يعلق ذَلِك الحكم بِعَيْنِه بضد الْقيام وَهُوَ الْقعُود، وَهُوَ يستبعد ذَلِك.
وَهَذَا مِمَّا يستقصى فِي كتاب الِاجْتِهَاد، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٧٥٦ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَل يسوغ ثُبُوت الحكم الْوَاحِد بأمارتين متماثلتين، لَو قدرت كل " وَاحِدَة " مِنْهُمَا مُنْفَرِدَة. لأفادت الحكم.
قُلْنَا: هَذَا لَا معنى لَهُ. فَإِنَّهُمَا إِذا كَانَتَا متماثلتين، لَا يظْهر فيهمَا سَبِيل التَّعَدُّد فِي مَنْهَج الْقيَاس، فَإِن القائس يعلم كَون ذَلِك الْجِنْس علما " قدرَة " متحدا أَو مُتَعَددًا. فَلَيْسَ يُؤثر الِاتِّحَاد والتعدد فِيمَا هَذَا سَبيله فَهَذَا وَاضح.
١٧٥٧ - ويتصل بِهَذَا الْفَصْل الَّذِي انتهينا إِلَيْهِ، أَن نعلم أَن الْعلَّة السمعية لَا تَتَضَمَّن حكمين مثلين على الْمُكَلف، مثل أَن نقُول: الشدَّة فِي الْخمر تَتَضَمَّن تحريمين. فَذَلِك بَاطِل. فَإِن التَّحْرِيم لَا يتزايد وَلَا يتَحَقَّق فِي الشَّيْء الْوَاحِد ثُبُوت عدد من التَّحْرِيم وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ.
" فَهَذَا الَّذِي حمل " فِي التَّفْرِقَة بَين الْعِلَل الْعَقْلِيَّة والسمعية، وَقد
стр. 1228
يفْتَقر البابان من غير الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَلَيْسَ فِي استيعابها كَبِير غَرَض فِي هَذَا الْفَنّ. وَلَكِن من أحَاط علما بحقائق الْعِلَل الْعَقْلِيَّة فِي فن الْكَلَام عرف جملَة وُجُوه الِافْتِرَاق.
(٣٠٤) فصل
(جَوَاز إِثْبَات الْكَفَّارَات وَالْحُدُود بِالْقِيَاسِ)
١٧٥٨ - مَا صَار إِلَيْهِ مُعظم القائسين، تسويغ إِثْبَات الْكَفَّارَات وَالْحُدُود بالأقيسة إِذا لم يمْنَع مِنْهَا بعض الْمَوَانِع الَّتِي قدمناها وَلَا فصل بَينهَا و / بَين / مَا عَداهَا من الْأُصُول الَّتِي تستنبط عللها.
стр. 1229
١٧٥٩ - وَذهب بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵀ إِلَى منع الْقيَاس فِي الْكَفَّارَات وَالْحُدُود ثمَّ لَهُم مناقضات واضطراب يبين فِي أثْنَاء الْفَصْل فَنَقُول: قدمنَا إِن الأقيسة سَبِيلهَا نصب الأمارات وَلَا تدل بذواتها على الْأَحْكَام لَوْلَا تَقْدِير نصبها عللا.
فَإِذا وضح ذَلِك، فَلَا اسْتِحَالَة فِي نصب الأمارات فِي الْكَفَّارَات والعقوبات كَمَا لَا اسْتِحَالَة فِيهَا فِي " الْمُعَاوَضَات " وَالطَّلَاق وَالْعِتْق، وَمَا أشبههَا مِمَّا اتفقنا على اجراء الأقيسة فِيهَا، واستنباط مَعَانِيهَا.
١٧٦٠ - وَمِمَّا نعول عَلَيْهِ أَن نقُول: من يمْنَع الْقيَاس فِيمَا فِيهِ نتكلم، لم يخل أما أَن يمنعهُ لكَون الْقيَاس غير مفض إِلَى الْعلم، فَيلْزم على ذَلِك إِلَّا نقبل فِيهِ اخبار الْآحَاد. وَأَن لَا نثبت الْعُقُوبَات بِشَهَادَة الشُّهُود، من حَيْثُ إِن شَهَادَة الشُّهُود لَا تفضى إِلَى الْقطع، مَعَ تَجْوِيز كذبهمْ.
وَإِن منع الْقيَاس لاتساعه فِي أَصْلَب من أصُول من أصُول الشَّرِيعَة، فَهَذَا ادِّعَاء لَيْسَ فِي أصُول الشَّرِيعَة مَا يمْنَع من طرد الْقيَاس فِيهَا، فَلَا يذكرُونَ معنى يرومون بِهِ " منع " الْقيَاس إِلَّا ويلجيهم ذَلِك إِلَى رد أصل الْقيَاس.
ثمَّ نقُول لَهُم: ألستم " قستم " " لُزُوم " الْكَفَّارَات بِالْأَكْلِ عَامِدًا فِي
стр. 1230
نَهَار رَمَضَان على لُزُومهَا فِي المواقعة. فَهَل ذَلِك مِنْكُم، إِلَّا إِثْبَات كَفَّارَة فِي حق الطاعم بِالْقِيَاسِ.
١٧٦١ - فَإِن قَالُوا: ثَبت أصل الْكَفَّارَات بِالْقِيَاسِ وَلَكِن أثبتنا لَهَا محلا فِي الإلتزام وَهَذَا مَا لَا " استنكار " فِيهِ.
فَيُقَال لَهُم: هَذَا ضرب من التَّدْلِيس، فَإِنَّكُم أثبتم وجوب الْكَفَّارَة قِيَاسا فِي حق / الطاعم، فَهُوَ تَصْرِيح مِنْكُم بِإِثْبَات الْكَفَّارَة بطرِيق الِاعْتِبَار. وَهَذَا سَبِيل قياسنا. فَإنَّا لَا نروم بِالْقِيَاسِ إِثْبَات كَفَّارَة زَائِدَة على الْكَفَّارَات، إِذْ قد منع الْإِجْمَاع ذَلِك، كَمَا منع إِثْبَات صَلَاة سادسة، وَحج ثَان، وَصَوْم شهر سوى رَمَضَان. فَبَطل مَا قَالُوهُ وَصحت مناقضتهم.
١٧٦٢ - فَإِن قَالُوا: الْكَفَّارَات تدرأ بِالشُّبُهَاتِ وَكَذَلِكَ الْعُقُوبَات. والأقيسة لَا تُفْضِي إِلَّا إِلَى غلبات الظنون، فَلَا يثبت بهَا مَا يدْرَأ بِالشُّبْهَةِ.
قيل لَهُم: فَلَا تثبتوها بِخَبَر الْوَاحِد وَلَا تحكموا فِيهَا بِشَهَادَة الشُّهُود على إِنَّا نقُول: الأقيسة، وَإِن كَانَت من غلبات الظنون، فقد قَامَت الدّلَالَة القاطعة على انتصاب غَلَبَة الظَّن، أَمارَة على الحكم.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الأَصْل برآءة الذمم عَن الدُّيُون والحقوق، ثمَّ تطرد فِيهَا الأقيسة. فَبَطل مَا قَالُوهُ.
١٧٦٣ - فَإِن قَالُوا: الْعُقُوبَات وَجَبت لمقارنة الجرائم، وَالْكَفَّارَات وَجَبت تمحيصا للذنوب. ثمَّ مبالغ الذُّنُوب والآثام لَا يعلمهَا إِلَّا الله تَعَالَى. وَكَذَلِكَ مُوجبَات الْعُقُوبَات فَلَا سَبِيل إِلَى دركها بالعبر.
стр. 1231
قيل لَهُم: هَذَا حدس مِنْكُم، وَتمسك بِبَعْض شبه نفاة الْقيَاس.
فَإِن " لنفاة الْقيَاس أَن يَقُولُوا " إِن الْأَوْصَاف الَّتِي تعلقون الْأَحْكَام عَلَيْهَا لَا تنضبط وَلَا تَنْحَصِر، فليزم من ذَلِك حسم أَبْوَاب الْقيَاس جمع. فَبَطل مَا قَالُوهُ.
١٧٦٤ - فَإِن قَالُوا: لَو جَازَ إِثْبَات كَفَّارَة بِالْقِيَاسِ، لجَاز إِثْبَات صَلَاة سادسة بِالْقِيَاسِ.
قُلْنَا: كل مَا يمْنَع مِنْهُ الْمَوَانِع الْمُتَقَدّمَة، فَلَا تمسك فِيهِ بطرق الْقيَاس وكل مَا لَا يمْنَع مَانع جرى الْقيَاس فِيهِ. وَإِثْبَات صَلَاة سادسة يمْنَع مِنْهُ إِجْمَاع الْأمة، وَكَذَلِكَ إِثْبَات كَفَّارَة سوى الْكَفَّارَات الثَّابِتَة فِي الشَّرِيعَة.
(٣٠٥) فصل الْقلب
١٧٦٥ - ذكر القَاضِي ﵁ فصولا مُتَفَرِّقَة فِي الْقلب، وَمَا
стр. 1232
يقْدَح مِنْهُ، وَمَا لَا يقْدَح مِنْهُ. إعلم، إِنَّا نَبْنِي القَوْل فِي الْقلب على القَوْل بإن الْمُصِيب وَاحِد ثمَّ نذْكر حكمه على القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين. إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٧٦٦ - وَأول مَا نحتاج أَن نبدأ بِهِ: الْإِيمَاء إِلَى تعَارض الْعِلَل. فَإِذا عورضت عِلّة بعلة، وهما متباينتان فِي " أصليهما " وفرعيهما، فعلى المسؤول فِي ذَلِك أَن يبطل عِلّة خَصمه لتسلم علته عَن الْمُعَارضَة. أَو يسْلك طرق الرجيح على مَا سَنذكرُهُ / فِي / سَبِيل تَرْجِيح الْعِلَل، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
فَلَو عجز عَن الْإِبْطَال وَالتَّرْجِيح، كَانَ مُنْقَطِعًا.
١٧٦٧ - فَإِذا وضح ذَلِك على هَذَا الأَصْل، فَمن قبيل الْمُعَارضَة أَيْضا مُعَارضَة عِلّة الأَصْل. مثل أَن يستنبط القائس من أَصله عِلّة وَيجمع بهَا بَين فرع وأصل، فَيَقُول الْمُعْتَرض: لَيست الْعلَّة فِي الأَصْل مَا علقت الحكم عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْعلَّة كَذَا. فعلى الْمُعَلل أَن يثبت عِلّة الأَصْل بطرِيق من الطّرق الَّتِي قدمناها فِي " بَاب إِثْبَات " الْعِلَل. فَإِذا قَامَت الدّلَالَة على علته، فَلَا يقْدَح
стр. 1233
فِي قِيَاسه ذكر الْخصم عِلّة أُخْرَى اللَّهُمَّ / إِلَّا / وَإِن ثَبت للخصم مَا ادَّعَاهُ عِلّة، بطرِيق من طرق إِثْبَات الْعلَّة فتتعارض الْأَدِلَّة، وعَلى المسؤول إبِْطَال مَا قَالَه الْخصم، أَو سلوك طَرِيق التَّرْجِيح.
١٧٦٨ - وَمِمَّا يَلِيق بذلك، إِن الْخصم لَو ذكر فِي الأَصْل عِلّة غير متعدية، وَقد ذكر الْمُعَلل عِلّة عَداهَا إِلَى الْفَرْع فَلَا يقْدَح مَا قَالَه فِي الْقيَاس.
وللمعلل فِي الْجَواب طَرِيقَانِ أَحدهمَا: أَن يَقُول بالعلتين جَمِيعًا فِي الأَصْل. وَلَا يستنكر أَن يكون فِي الأَصْل عِلّة قَاصِرَة وَأُخْرَى متعدية. فتقاس عَلَيْهَا المتعدية وَإِن امْتنع الْقيَاس بالقاصرة.
وَالْوَجْه الآخر أَن يَقُول: إِنَّمَا يقْدَح تعَارض العلتين إِذا تنافيا، وَلَيْسَ بَين الْعلَّة القاصرة وَالْعلَّة المتعدية تناف فِي مُوجب الْعلَّة القاصرة. وَلَيْسَ من شَرط الْعلَّة أَن يعْدم الحكم بعدمها، حَتَّى نقُول: إِن الْعلَّة القاصرة إِذا " لم يتَعَدَّى " فِي الْفَرْع لزم انْتِفَاء الحكم عَن الْفُرُوع. وَهَذَا بَين لكل متأمل.
ومثاله إِنَّا إِذا قُلْنَا فِي ظِهَار الذمى: كل من صَحَّ طَلَاقه صَحَّ ظِهَاره كَالْمُسلمِ.
فَإِذا قَالَ الْخصم: الْمَعْنى فِي الْمُسلم أَنه يَصح مِنْهُ التفكير فَيُقَال للسَّائِل إِن كَانَ حنفيا: هَذِه عِلّة قَاصِرَة، وأصلكم القَوْل بإبطالها، فَكيف نصبتموها
стр. 1234
عِلّة؟ وَإِن لم يكن من نفاة الْعلَّة القاصرة، فكلا منا عَلَيْهِ بِمَا قدمْنَاهُ من الطَّرِيقَيْنِ.
١٧٦٩ - فَإِذا ثبتَتْ هَذِه الْأُصُول، فالقلب يَنْقَسِم انقساما.
فَمِنْهَا: أَن يقلب القالب عِلّة الْمُعَلل وَلَا يزِيد على تَبْدِيل الحكم. ويقر وصف الْعلَّة وَأَصلهَا قرارهما، وَذَلِكَ نَحْو قَول الْقَائِل: الرَّأْس عُضْو من اعضاء الْوضُوء، فَلَا يجزى فِي إِيصَال المَاء مَا يَقع عَلَيْهِ الإسم. كَالْيَدِ وَالرجل وَالْوَجْه. فيقلب القالب وَيَقُول: فَلَا يتَقَدَّر بِالربعِ، كالأصول الَّتِي ذكرهَا الْمُعَلل. وتكثر نَظَائِر ذَلِك.
وَقد اخْتلف أَرْبَاب الْأُصُول فِي ذَلِك، فَمنهمْ من قَالَ: لَا يقْدَح الْقلب فِي الْقيَاس فَإِنَّهُ مُعَارضَة فِي غير مَقْصُود " الْمُعَلل " إِذْ مَقْصُود " الْمُعَلل " نفى الِاكْتِفَاء بِمَا يَقع عَلَيْهِ الإسم فَإِذا ذكر القالب نفي التَّقْدِير بِالربعِ، فقد تعرض لما لم يتَعَرَّض لَهُ الْمُعَلل، فَلم يقْدَح فِي اعتلال.
وَذهب مُعظم الْأُصُولِيِّينَ إِلَى كَونه قادحا وَذَلِكَ إِن مُعَارضَة الْعلَّة بعلة أُخْرَى، يتَعَذَّر على الْمُعَلل الْجمع بَين موجبي العلتين. فتقرره قَادِح فِي الاعتلال، كَمَا قدمْنَاهُ.
وَالْقلب لَا ينحط رتبته عَن الْمُعَارضَة، بل الْمُشَاركَة فِي الأَصْل الْوَاحِد أولى بالقدح وَمَا ذكره الْقَائِل الأول من أَن " القالب " لم يتَعَرَّض لما تعرض لَهُ الْمُعَلل، غير سديد. فَإِن الْمُعَلل إِن عدم الِاكْتِفَاء بِمَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم
стр. 1235
فاصلة التقدر بمبلغ، وَلَا يُمكنهُ أَن يجمع بَين عدم اعْتِبَار الِاسْم، وَبَين نفي التقدر بِالربعِ، أَو غَيره من المبالغ.
وللأولين أَن ينفصلوا عَن ذَلِك ويقولوا: لَا مُعْتَبر بأصول الْمذَاهب وَإِنَّمَا الْمُعْتَبر بمقصود الْمُعَلل: فَإِذا كَانَ مَقْصُود الْمُعَلل مباينا لمقصود " القالب " لم يحكم بِبُطْلَان الْعلَّة. وَهَذَا الْقَائِل يَقُول لَو تَعَارَضَت عِلَّتَانِ مشتملتان على أصلين " متباينين " على نَحْو هَذَا، لم يكن ذَلِك تَعَارضا قادحا. وَإِنَّمَا التَّعَارُض القادح أَن تشْتَمل إِحْدَى العلتين على إِثْبَات حكم، وتشتمل الثَّانِيَة على مَا يتَضَمَّن نَفْيه فِي قَضِيَّة الْعلَّة لَا مُوجب الْمَذْهَب. وَاعْلَم إِن الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لَا يَنْتَهِي إِلَى الْقطع، فَكل " يَأْخُذ " بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَاده على مَا قدمْنَاهُ فِي تَخْصِيص الْعلَّة. فَهَذَا ضرب من الْقلب.
١٧٧٠ - وَمن ضروب الْقلب قلب التَّسْوِيَة. نَحْو أَن يَقُول الْمُعَلل فِي طَلَاق الْمُكْره مُكَلّف مَالك للطَّلَاق، فَلَا ينفذ طَلَاقه، كالمختار.
فَيَقُول القالب: فيستوي إِقْرَاره وإنشاؤه، كالمختار.
فَالَّذِينَ ردوا الضَّرْب الأول من الْقلب، ردوا هَذَا الضَّرْب الثَّانِي وَهُوَ
стр. 1236
أولى بالإبطال. وَالَّذين حكمُوا بِأَن الضَّرْب الأول من الْقلب قَادِح فِي الْعلَّة اخْتلفُوا فِي هَذَا النَّوْع.
فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى إِنَّه بَاطِل، غير قَادِح فِي الْعلَّة. وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ القَاضِي ﵁. وَذَلِكَ لِأَن مآل الْكَلَام فِيهِ اسْتِوَاء الْفَرْع وَالْأَصْل فِي عبارَة / مَعَ اخْتِلَافهمَا فِي الحكم فَإِن إِقْرَار الْمُخْتَار و " إنشاءه " للطَّلَاق نافذان. ورام " القالب " مِمَّا ذَكرُوهُ من التَّسْوِيَة، أَلا ينفذ أَمر الْمُكْره فَكَأَنَّهُ فِي التَّحْقِيق اسْتِيفَاء حكم الشَّيْء من ضِدّه.
١٧٧١ - وَالصَّحِيح عندنَا أَنا إِذا قُلْنَا: بالنوع الأول من الْقلب تَصْحِيح قلب التَّسْوِيَة على الْجُمْلَة. فَإِن القالب يَقُول حكم الاعتلال الاسْتوَاء فِي الْفَرْع وَالْأَصْل.
وَهَذَا مَا لَا اخْتِلَاف فِيهِ، وَلَيْسَ على الْمُعَلل إِلَّا تَشْبِيه الْفَرْع بِالْأَصْلِ فِي الحكم الَّذِي يرومه.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك، أَنه يجوز وُرُود الشَّرْع بذلك، إِذْ لَو قَالَ صَاحب الشَّرِيعَة، حكم الْإِقْرَار والإنشاء مستويان، قبولا وردا. كَانَ ذَلِك مُسْتَقِيمًا.
стр. 1237
وَيدخل على ذَلِك إِن الْمَقْصُود بالعلل إِثْبَات الْأَحْكَام. وَإِذا " تحقق " الاسْتوَاء الْمُجَرّد، فَلَيْسَ هُوَ بِحكم فِي نَفسه. وَإِنَّمَا هُوَ عبارَة عَن ثُبُوت حكمين وَلَيْسَ الاسْتوَاء حكما زَائِدا على ثبوتهما " ليقدر " ذَلِك حكما على حياله ويعول عَلَيْهِ فِي مُسَاوَاة الْفَرْع الأَصْل. فَإِن أَحْكَام الشَّرْع مضبوطة. وَلَيْسَ من جُمْلَتهَا الاسْتوَاء. فَتدبر ذَلِك. فَإِنَّهُ يقربك من الْقطع بِبُطْلَان قلب التَّسْوِيَة على مَا اخْتَارَهُ القَاضِي ﵀ فَأَما إِذا أبطلنا كَون الاسْتوَاء حكما فَحكمه مُخْتَلف نفيا وإثباتا، فَيبْطل اسْتِيفَاء حكم الشَّيْء من ضِدّه، وَيَقَع فِي الْقلب ضروب يحكم بفسادها وسنشير إِلَيْهَا عِنْد ذكر جملَة من الاعتراضات الْفَاسِدَة.
(٣٠٦) فصل جعل الْمَعْلُول عِلّة وَالْعلَّة معلولا
١٧٧٢ - إِذا قَالَ الْقَائِل من صَحَّ طَلَاقه، صَحَّ ظِهَاره
стр. 1238
كَالْمُسلمِ.
فَقَالَ الْمُعْتَرض: اجْعَل الْمَعْلُول عِلّة وَالْعلَّة معلولا فَإِنَّمَا صَحَّ طَلَاق الْمُسلم لإنه صَحَّ ظِهَاره وَلَا نقُول صَحَّ ظِهَاره لِأَنَّهُ صَحَّ طَلَاقه.
فَهَذَا ضرب متداول بَين الْفُقَهَاء من الِاعْتِرَاض. وَهُوَ فَاسد عِنْد الْأُصُولِيِّينَ.
١٧٧٣ - " وَلَك " فِي التفصي عَنهُ طرق:
أَحدهَا أَن تَقول: أثبت عِلّة الأَصْل بِالدَّلِيلِ، وَلَا يلْزَمنِي أَكثر من ذَلِك فَإِن رام السَّائِل الدّلَالَة " فَلَيْسَ " عَلَيْهِ بعد إِقَامَة الدّلَالَة على الْعلَّة المستأثرة طلب ويؤول محصول الْكَلَام فِي ذَلِك إِلَى مُعَارضَة عِلّة الأَصْل بعلة. وَقد تقصينا القَوْل.
١٧٧٤ - وسلك بعض الْأَئِمَّة طَريقَة أُخْرَى فَقَالُوا: لَا نستبعد الْجمع بَين الْقَوْلَيْنِ فيسوغ تَقْدِير الطَّلَاق معلولا بالظهار وَعلة فِيهِ، وَكَذَلِكَ يسوغ مثل ذَلِك فِي الظِّهَار.
وَذَلِكَ لِأَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة، لَا توجب معلولاتها بأنفسها. وَإِنَّمَا هِيَ أَمَارَات مَنْصُوبَة على الْأَحْكَام " مُقَيّدَة " فِي انتصابها أَدِلَّة إِلَى نصب صَاحب
стр. 1239
الشَّرِيعَة إِيَّاهَا إعلاما. فَلَا يبعد إِذا على هَذَا الأَصْل تَقْدِير شَيْئَيْنِ، كل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة فِي الثَّانِي وَدلَالَة عَلَيْهِ، ليَكُون دَالا على قرينَة مدلولاته.
وَإِنَّمَا يستنكر جعل الْمَعْلُول عِلّة فِي العقليات. إِذْ الْعِلَل فِيهَا مُوجبَة معلولاتها بأنفسها وَجُمْلَة القَوْل فِي ذَلِك كُله، إِثْبَات عِلّة الأَصْل بطريقة من الطّرق الَّتِي فرطت.
(٣٠٧) فصل مُشْتَمل على طرق من الاعتراضات الْفَاسِدَة يتَوَصَّل بهَا إِلَى مَا ضاهاها إِن شَاءَ الله تَعَالَى
١٧٧٥ - فَمِنْهَا أَن يَقُول الْقَائِل - وَقد نصبت عِلّة فِي إِيجَاب - نصب وَصفا من الْأَوْصَاف علما على حكم، وَسلم اعْتِبَاره من القوادح، وَلم يلْزمه أَن يَجعله علما / فِي كل حكم.
١٧٧٦ - وَمن الاعتراضات الْفَاسِدَة مَا يُعَارض بِهِ كثير من الْفُقَهَاء فِي
стр. 1240
مَسْأَلَة افتقار الطَّهَارَة إِلَى النِّيَّة، حَيْثُ قيس الْوضُوء بِالتَّيَمُّمِ.
فَيَقُول: الْمُعْتَرض: الْوضُوء تقرر فِي الشَّرْع قبل التَّيَمُّم. فَلَو كَانَ التَّيَمُّم بِمَا فِيهِ من الْأَوْصَاف، عِلّة الْوضُوء لما تَأَخَّرت الْعلَّة عَن معلولاتها، وَهَذَا ضرب من الهذيان. فَإِن الْعِلَل السمعية لَا توجب الحكم لذواتها ليراعي ذَلِك فِيهَا، بل إِنَّمَا تنتصب أَدِلَّة إِذا نصبت وَهَذَا مِمَّا يسوغ فِيهَا تَقْدِير التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير.
فَإِن قَالَ السَّائِل فبماذا كَانَ كل يعرف وجوب النِّيَّة فِي الْوضُوء، قبل شرع التيمم؟ قُلْنَا هَذَا تَكْلِيف شطط من الْمسَائِل، إِذْ لَيْسَ على المسؤول إِلَّا إِقَامَة الدّلَالَة فِي الْحَالة، والتعدي للأزمان السالفة حيد عَن حد النّظر.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن المعجزات تدل على صدق الرُّسُل قطعا، ثمَّ يسوغ تَقْدِير آيَات حَادِثَة، فتدل على الصدْق، وَإِن لم يكن قبل ذَلِك فوضح فَسَاد مَا قَالُوهُ من كل وَجه.
١٧٧٧ - وَمن الاعتراضات الْفَاسِدَة، إِنَّا إِذا منعنَا النِّكَاح الْمَوْقُوف وَقُلْنَا: نِكَاح لَا يتَعَلَّق بِهِ الْحل، وَالْأَحْكَام المختصة بِهِ، فَلَا يحكم بِصِحَّتِهِ " كالمتفق " عَلَيْهِ من كل نِكَاح فَاسد. فَإِذا قَالَ السَّائِل الْحل الحكم. وخصائص النِّكَاح، فروعه وَلَا يسوغ الِاسْتِدْلَال على وصف الأَصْل بالفروع.
стр. 1241
فَيُقَال لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه تعسف مِنْكُم. إِذْ يجوز أَن يقوم ثُبُوت هَذِه الْأَحْكَام علما لصِحَّة النِّكَاح. ويعد انتفاؤها علما لفساد النِّكَاح.
١٧٧٨ - وَمن الاعتراضات الْفَاسِدَة، مَا يعْتَرض بِهِ على قَوْلك فِي تَحْرِيم النَّبِيذ مشتد مطرب فَيحرم كَالْخمرِ. فَيَقُول الْمُعْتَرض الْخمر يفسق شَارِب قليلها بِخِلَاف النَّبِيذ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء. فَإِن " افْتِرَاق " الأَصْل وَالْفرع فِي هَذَا الحكم لَا يمْنَع إجتماعهما فِي وصف التَّحْرِيم، إِذْ يُرَاعى فِي التفسيق الِاعْتِقَاد. وَلَو شربه مُعْتَقدًا تَحْرِيمه، فسق.
١٧٧٩ - وَمن الاعتراضات الْفَاسِدَة أَن يَقُول الْمُعْتَرض لَا يجوز اسْتثِْنَاء الْإِثْبَات من النَّفْي من الْإِثْبَات. وَهَذَا سَاقِط من الْكَلَام. إِذْ يجوز نصب انْتِفَاء الشَّيْء أَمارَة لثُبُوت حكم آخر. وَكَذَلِكَ على الْعَكْس مِنْهُ.
والاعتراضات الْفَاسِدَة لَا تَنْحَصِر، وَإِنَّمَا ذكرنَا بَعْضهَا لجريانها على أَلْسِنَة الْفُقَهَاء.
١٧٨٠ - وَذكر القَاضِي ﵁ أنواعا من الْقلب وألحقها بالاعتراضات الْفَاسِدَة مِنْهَا أَن تكون عِلّة الْخصم مبينَة عَن مَقْصُوده فتعكس
стр. 1242
عَلَيْهِ " بإبهام " نَحْو أَن يعتل معتل فِي إِسْقَاط الركوعين فِي كل رَكْعَة من صَلَاة الْكُسُوف فَيَقُول صَلَاة تُؤَدّى فِي جمَاعَة، فَلَا يتَكَرَّر فِي الرَّكْعَة الْوَاحِدَة ركوعان، كَالْجُمُعَةِ وَصَلَاة الْعِيدَيْنِ.
فَإِن عكس عاكس فَقَالَ: فتختص بِزِيَادَة من بَين الصَّلَوَات، كصلوات الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ، وعنى بِالزِّيَادَةِ فِي الْجُمُعَة الْخطْبَة وَنَحْوهَا.
فَهَذَا الضَّرْب فَاسد على كل مَذْهَب، وَسَوَاء قُلْنَا بتصويب الْمُجْتَهدين أَو لم نقل ذَلِك. وَذَلِكَ إِن الْمُعَلل صرح بمقصوده، والعاكس لم يتَعَرَّض لمقصوده، بل أبهم الاعتلال، فَلَيْسَ بَينهمَا تناف. وَهُوَ حيد عَن مَقْصُود الاعتلال.
وَالَّذِي يُوضح بطلَان هَذَا الْعَكْس، إِن الزِّيَادَة الَّتِي أطلقها العاكس إِن رام فِيهَا تتبع إسم، فَلَا فَائِدَة فِيهِ. إِذْ الْمَقْصُود من الاعتلال إِثْبَات الْأَحْكَام. وَإِن رام بذلك إِثْبَات حكم فَالْحكم الَّذِي ثَبت فِي الْفَرْع هُوَ " مُنْتَفٍ " فِي الأَصْل حَقِيقَة وَهُوَ مَقْصُود الْمُخْتَلِفين.
وَالَّذِي يُوضح بطلَان هَذَا الْفَنّ أَيْضا إِن الْمُعَلل يُمكنهُ عكس هَذَا
стр. 1243
الْعَكْس بِأَن يَقُول: فَلَا تخْتَص بِزِيَادَة " فِي " رَكْعَات كالأصل الْمَقِيس عَلَيْهِ. فَيبْطل الْقلب بانقلابه. وتسلم الْعلَّة.
١٧٨١ - وَألْحق القَاضِي ﵁ بِهَذَا الْفَنّ ضربا آخر من الْقلب، وَهُوَ أَنه قَالَ: إِذا قَالَ الْحَنَفِيّ فِي تَقْدِير الْمهْر، إِنَّه مَال مُقَابل لعضو، فيتقدر فِي أَصله كالنصاب فِي السّرقَة. فَلَو قَالَ القالب لَا تتقدر استباحته بِعشْرَة كَالْيَدِ، فَإِنَّهَا لَا تستباح قصاصا بِعشر، وَإِذا قطعت حدا، فَلَيْسَ ذَلِك باستباحته.
قَالَ فَهَذَا الضَّرْب من الْقلب مَرْدُود فَإِنَّهُ حائد عَن قصد الْمُعَلل إِذْ قَصده إِثْبَات التَّقْدِير فِي الأَصْل. فَلَا يقْدَح فِي اعتلاله، التَّعَرُّض لنفي مبلغ مَعْلُوم.
وَهَذَا الَّذِي ذكره تشبث مِنْهُ برد أصل الْقلب، وَقد ذكرنَا فِيهِ اخْتِلَافا وَمن قدر الْقلب قادحا يعد هَذَا من القوادح.
١٧٨٢ - فَإِن قَالَ قَائِل: قد وعدتم فِيمَا قدمتم، وَجه الْكَلَام فِي الْقلب مَعَ تصويب الْمُجْتَهدين.
قُلْنَا: لَا يزِيد الْقلب على الْمُعَارضَة، وَقد ذكرنَا حكم الْمُعَارضَة مَعَ القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين. وسنزيده إيضاحا فِي كتاب الِاجْتِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٧٨٣ - وَمِمَّا يلْتَحق بالْكلَام الْفَاسِد الْجَارِي بَين أظهر الْفُقَهَاء دفع النَّقْض بالتسوية بَين الْفَرْع وَالْأَصْل وَذَلِكَ نَحْو أَن يَقُول الْحَنَفِيّ من صَحَّ مِنْهُ
стр. 1244
الابتياع صَحَّ مِنْهُ النِّكَاح كالحلال. فَيُقَال لَهُ: هَذَا ينْتَقض عَلَيْك مِمَّن تَحْتَهُ أَربع نسْوَة. وَمِمَّا يحاولون بِهِ دفع مثل هَذَا النَّقْض بِأَن يَقُولُوا: إِنَّمَا غرضنا التَّسْوِيَة بَين الْحَلَال وَالْحرَام. وَالَّذِي أوردتموه نقضا مِمَّا يَسْتَوِي / فِيهِ / الْمحل وَالْمحرم فَأَي رجل مِنْهُمَا كَانَ تَحْتَهُ أَربع نسْوَة لم يَصح مِنْهُ النِّكَاح. وَهَذَا فِي نِهَايَة الْبطلَان.
مَعَ القَوْل بِأَن تَخْصِيص الْعلَّة انتقاضها. ويتضح فَسَاد ذَلِك من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا أَن نقُول: لَا تخلون إِمَّا أَن تقيسوا على مَحل، لَيْسَ تَحْتَهُ أَربع نسْوَة، أَو تقيسوا على مَحل تَحْتَهُ أَربع نسْوَة.
فَإِن قستم على مَحل تَحْتَهُ أَربع نسْوَة، فَكيف يَسْتَقِيم لَك مَعَ ذَلِك، ادِّعَاء الْحل فِي الأَصْل وَهُوَ مَمْنُوع إِجْمَاعًا، وَإِن قستم على من لَيْسَ تَحْتَهُ أَربع نسْوَة، فَكيف يتَحَقَّق مَا ذكرتموه من التَّسْوِيَة؟ وَهَذَا أصلكم! على إِن مَا ذكرتموه زِيَادَة نقص وَهَذَا بَين " للمتأمل ".
١٧٨٤ - وَمِمَّا يذكرُونَ من هَذَا الْقَبِيل الدَّلِيل على النَّقْض. فمهما منع المعتل مَا ألزم نقضا، فقد انْدفع عَنهُ ذَلِك. وَلَو رام الْخصم إثْبَاته بِالدَّلِيلِ، حَتَّى إِذا ثَبت كَانَ نقضا، فَالْأَصَحّ إِن ذَلِك لَا يقبل فِي حكم النّظر.
وَذهب بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة إِلَى إِن ذَلِك يقبل. وَكَانَ ينصره
стр. 1245
الْحَرْبِيّ وَحكى عَن القَاضِي ابْن " نبوية " إِنَّه رأى إِن ذَلِك " مُحْتَمل " وَالأَصَح مَنعه فَإِن المعتل بِوَاحِد يحكم الْعلَّة على قَضِيَّة أَصله، وَلَو دلّ المناقض كَانَ منتقلا وسنتسقصي هَذَا الضَّرْب من الْكَلَام فِي الجدل إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(٣٠٨) القَوْل فِي الِاسْتِحْسَان وَالرَّدّ على الْقَائِلين بِهِ
стр. 1246
فارغة
стр. 1247
١٧٨٥ - اعْلَم إِن مَا صَار إِلَيْهِ مُعظم الْعلمَاء: تتبع الْأَدِلَّة وَبِنَاء الْأَحْكَام عَلَيْهَا، وَإِبْطَال الِاسْتِحْسَان إِذا لم يَتَرَتَّب على قَاعِدَة من قَوَاعِد الْأَدِلَّة. وَإِلَيْهِ صَار مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا حَتَّى قَالَ الشَّافِعِي " من اسْتحْسنَ فَكَأَنَّمَا يشرع فِي الدّين ".
١٧٨٦ - واشتهر عَن أبي حنيفَة القَوْل بالاستحسان، ثمَّ اخْتلف أَصْحَابه " فجماهير بَعضهم بِالْخِلَافِ " وَقَالَ: هُوَ ترك الْقيَاس بِمَا يستحسن عقلا. وَلَيْسَ على المستحسن إِقَامَة دلَالَة توجه عَلَيْهَا القوادح. وَإِنَّمَا هُوَ تلويح يعن فِي الْعقل.
وَقَالَ بَعضهم الِاسْتِحْسَان إمالة فرع إِلَى أصل هُوَ ادّعى بِهِ. قَالُوا: وَمعنى ذَلِك إِنَّه تَخْصِيص الْعلَّة لِمَعْنى تَقْتَضِيه على قَوْلهم بِجَوَاز تَخْصِيص / الْعِلَل.
стр. 1248
وَقَالَ الْكَرْخِي من متأخرى أَصْحَاب أبي حنيفَة الِاسْتِحْسَان ترك مَا يقدر دَلِيلا، بِمَا هُوَ أقوى مِنْهُ وَإِن يكون المستحسن غير مطَالب بِدَلِيل يَصح على مُقْتَضى السّير. ثمَّ إِنَّه مثل ذَلِك بأمثلة: فَقَالَ: إِذا طردنا عِلّة فاقتضت تِلْكَ الْعلَّة حكما فِي موردها بِخِلَاف مُوجب الْقيَاس ... . قد يكون ذَلِك كتابا أَو سنة أَو اتِّفَاقًا أَو وَجها من الِاسْتِدْلَال وَالِاعْتِبَار.
فَأَما مَا اقْتضى الظِّهَار، وَفِيه الْعدْل عَن الْقيَاس فَهُوَ نَحْو خبر القهقهة
стр. 1249
ونبيذ التَّمْر.
فالتمسك بالْخبر " أحسن ".
стр. 1250
وَكَذَلِكَ الْقيَاس يَقْتَضِي تَخْصِيص الاجتزاء بالتعاطي فِي المستحقرات، من غير إِنْكَار مِمَّن سبق وَبَقِي. فالتمسك بِهِ أحسن من طرد الْقيَاس.
وَأما مَا ترك فِيهِ الْقيَاس بِضَرْب من الِاسْتِدْلَال فنحو قَوْلهم: إِن من قَالَ: إِن فعلت كَذَا فَأَنا يَهُودِيّ. فَتلْزمهُ الْكَفَّارَة. فَإِن الْقيَاس - وَإِن اقْتضى - أَن لَا يَجْعَل ذَلِك يَمِينا فقد علمنَا إِن الْكَفَّارَة، إِنَّمَا وَجَبت فِي الْيَمين للتعرض لهتك الْحُرْمَة. والتبري من الدّين أعظم مِنْهُ إِلَى غير ذَلِك، فَجَائِز ثُبُوته.
١٧٨٧ - فَإِذا أحطت علما بِمَا قُلْنَاهُ، فَوجه الْكَلَام فِي ذَلِك أَن نقُول: من زعم مِنْهُم أَنا نحيد من دَلِيل إِلَى دَلِيل هُوَ أقوى مِنْهُ وَهُوَ مِمَّا يظْهر ويعترض عَلَيْهِ وَيُجَاب عَن الاعتراضات فِيهِ فَلَا خلاف مَعَ هَؤُلَاءِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي تَرْجِيح الْأَدِلَّة وإفسادها على مَا سبق من مَرَاتِب الْأَدِلَّة وَسَيَأْتِي طَرِيق التَّرْجِيح إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٧٨٨ - فَأَما من " يلْتَزم " مِنْهُم إِقَامَة الدّلَالَة، فَهُوَ الَّذِي نقصد
стр. 1251
بالْكلَام، فَيُقَال: أَجمعت الْأمة قاطبة على إِن من قَالَ قولا بِغَيْر دَلِيل أَو أَمارَة مَنْصُوبَة شرعا فَالَّذِي يتَمَسَّك بِهِ بَاطِل. ثمَّ اجْمَعُوا على بطلَان اتِّبَاع الْهوى ومحصول مَا قلتموه ترك الدَّلِيل بِغَيْر دَلِيل. وَلَو سَاغَ ذَلِك لساغ لكل عَامي أَن يستحسن من غير وَجه الِاسْتِدْلَال ويرجح فِي طرق الْأَدِلَّة.
فَإِن قَالَ قَائِل: أفتدركون بطلَان ذَلِك عقلا.
قُلْنَا: " حاشا " أَن نقُول ذَلِك! إِذْ يسوغ فِي الْعقل تَجْوِيز مَا يخْطر للْعُلَمَاء وَغَيرهم اعلاما على أَحْكَام الله تَعَالَى لَو نصبت اعلاما، كَمَا نصبت غلبات الظنون اعلاما وَلَكِن اجمعت الْأمة على بطلَان ذَلِك. وَلَا تَجْتَمِع الْأمة على الضَّلَالَة، وَلَقَد قُلْنَا مَا قُلْنَاهُ شرعا. على أَنا نقُول لكل مستحسن بِمَ تنكر على من يستحسن ضد مَا استحسنت؟ فَلَا يجد لَهُ مدفعا.
فَإِن سلك طرق التَّرْجِيح وَالِاسْتِدْلَال، فقد خرج عَن الِاسْتِحْسَان إِلَى طلب الدَّلِيل.
١٧٨٩ - وَقد تمسك من صمم مِنْهُم على الْخُلُو فِي القَوْل بالاستحسان بظواهر الْكتاب مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه﴾ ، وَقَوله: ﴿وَاتبعُوا أحسن مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ . قَالُوا: فَهَذَا أَمر بِالْأَخْذِ بالأحسن.
قُلْنَا: ثبتوا أَولا كَون مَا قلتموه منزلا، ثمَّ رتبوا عَلَيْهِ تخير الْأَحْسَن
стр. 1252
وإيثاره. فَإِن الظَّاهِر من الْقُرْآن يدل على الْأَخْذ بالأحسن مِمَّا أنزل. على أَنا نقُول: فثبتوا إِن المُرَاد بِهِ الْأَحْسَن فِي توهم كل مستحسن وَبِمَ تنكرون على من يزْعم إِن الْأَحْسَن فِي الشَّرْع هُوَ الَّذِي يلائم الْأَدِلَّة ثمَّ نعارض هَذِه الْآيَة بِالْآيِ الَّتِي فِيهَا الْأَمر بِطَلَب الْأَدِلَّة. نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَفلا يتدبون القرءان﴾ ... إِلَى غير ذَلِك وَقد أطنب الْأَصْحَاب فِي طرق الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. وَرَأَيْت الْقدر الَّذِي ذكرنَا كَافِيا فِي مَقْصُوده.
(٣٠٩) القَوْل فِي جَوَاز تَعْلِيل مَا ورد بِخِلَاف قِيَاس الأَصْل
١٧٩٠ - إِذا اطرد ضرب من الْقيَاس فِي أصُول، ثمَّ ثَبت أصل كتاب أَو سنة أَو وفَاق، وَهُوَ على خلاف قِيَاس / الْأُصُول، فَهَل يسوغ استنباط عِلّة مِمَّا ورد، ليجمع بهَا بَين الْفَرْع وَالْأَصْل الْوَارِد على خلاف قِيَاس الْأُصُول.
مَا صَار إِلَيْهِ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة فِي أصح الرِّوَايَات، وَغَيرهمَا من الْعلمَاء جَوَاز الْقيَاس " عَلَيْهَا " وَذهب بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَاب أبي حنيفه كالكرخي وَغَيره إِلَى أَن لَا يُقَاس على مَا هَذَا سَبيله. فمنعوا
стр. 1253
الْقيَاس على مثل القهقهة فِي الصَّلَاة فِي كَونهَا مبطلة للطَّهَارَة، وَكَذَلِكَ نَبِيذ التَّمْر. منعُوا الْقيَاس عَلَيْهِ.
١٧٩١ - وَالدَّلِيل على جَوَاز الْقيَاس فَرضنَا الْكَلَام فِيهِ، أَن نقُول: قد ثَبت أصل الْقيَاس بِالدّلَالَةِ القاطعة، وسبيل الْقيَاس فِي الْمُخْتَلف فِيهِ كسبيل كل قِيَاس. فَإِن تَقْدِير عِلّة فِي الأَصْل مِمَّا لَا يبعد عقلا. وَلَا يمْنَع مِنْهُ مَانع شرعا، إِذا استجمعت شَرَائِط الصِّحَّة.
стр. 1254
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك، إِن الْقيَاس المطرد إِنَّمَا سَاغَ التَّمَسُّك / بِهِ / لكَونه مستنبطا من أصُول ثَابِتَة. وَالْأَصْل الَّذِي فِيهِ نتكلم، أحد الْأُصُول الثَّابِتَة. فَلَا مَانع من الاستنباط مِنْهَا، كَمَا لَا مَانع من الاستنباط من كل أصل قدروه.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك اتِّفَاقًا على جَوَاز وُرُود الشَّرْع بتعليل مثل " هَذَا " الأَصْل. فَإِذا سَاغَ وُرُود الشَّرْع بتعليله سَاغَ " تطلب " جملَته بطرِيق الاستثارة والاستنباط.
وَمِمَّا نتمسك بِهِ أَيْضا أَن نقُول: إِذا وَردت لَفْظَة عَامَّة عَن صَاحب الشَّرِيعَة وَقَامَت دلَالَة على تخصيصها، فَلَا خلاف فِي جَوَاز الاستنباط " مِمَّا " خص عَن الْعُمُوم وَإِن أفْضى الاستنباط إِلَى الزِّيَادَة بالتخصيص، فَهُوَ سَائِغ فَإِذا لم يمْتَنع ذَلِك فَمَا الْمَانِع مِمَّا نَحن فِيهِ؟
١٧٩٢ - وَقد عولوا فِي منع الْقيَاس فِي الْمُخْتَلف فِيهِ على أَن قَالُوا: إِذا طردنا قِيَاس الْأُصُول وطرد طارد الْقيَاس " بِمَا شَذَّ " عَن الْأُصُول فَإِن كَانَ قِيَاس الْأُصُول أقوى فيلزمكم ترك الضَّرْب الآخر. وَكَذَلِكَ إِن كَانَ مثله. فَإِن تعَارض الْعِلَل يبطل الِاحْتِجَاج بهَا ويستحيل أَن يكون الْقيَاس المستنبط من الأَصْل الشاذ أقوى.
стр. 1255
قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه تحكم وَبِنَاء على مُجَرّد الدَّعْوَى، فَلَا نسلم لكم معنى الشذوذ فَإِن كل مَا ثَبت، فَهُوَ أصل فِي نَفسه. وَعدد الْأُصُول لَا يُغير أَحْكَام المغير على مَا سَنذكرُهُ فِي أَحْكَام التَّرْجِيح. فعلى هَذَا لَا يمْتَنع أَن يكون الْقيَاس المستنبط من هَذَا الأَصْل أقوى من غَيره. وشأن النَّاظر أَن يعرض علته على " مَا بِهِ " تمتحن الْعِلَل. فَبَطل مَا قَالُوهُ جملَة وتفصيلا.
(٣١٠) فصل لَا يجوز ترك الْخَبَر الصَّحِيح إِذا ورد بِخِلَاف قِيَاس الْأُصُول
١٧٩٣ - فِي متعسفي أَصْحَاب أبي حنيفَة من ترك الْخَبَر الصَّحِيح، إِذا ورد بِخِلَاف قِيَاس الْأُصُول. وَلذَلِك ردوا خبر الْمُصراة والعرايا وَهَذَا
стр. 1256
مِمَّا لم يحدثه إِلَّا من نبغ من " نابغيهم " وَهِي مشابهة مِنْهُم لمنكري الْأَخْبَار.
فَنَقُول لَهُم: قد أَقَمْنَا الدّلَالَة على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَهَذَا قد استجمع شَرَائِط الصِّحَّة، وَالْقِيَاس على التَّحْقِيق تَقْدِير خبر فَإِن القائس يغلب على ظَنّه، إِن مَا نَصبه عِلّة، قد نَصبه صَاحب الشَّرِيعَة عِلّة، فالنص الْمُصَرّح بِهِ أولى من خبر مُقَدّر فافهمه واجتز بِهِ.
على أَنا نقُول: لَا تَحْصِيل لما قلتموه من الْأُصُول فَكل مَا يثبت بِدلَالَة شَرْعِيَّة فَهُوَ أصل فَلَا يبْقى مَعَهم إِلَّا عدد الْأُصُول. وسنتكلم على بطلَان الِاعْتِبَار بهَا ثمَّ نقُول: فَمَا وَجه قبولكم لخَبر نَبِيذ التَّمْر وَخبر القهقهة؟ وَلَو اتبعت طرقهم لوجتهم دارين لكل خبر صَحِيح، متسرعين إِلَى قَول كل ضَعِيف وَعند ذَلِك يهذون بأصول الْقيَاس وَقِيَاس الْأُصُول فَيَقُولُونَ: تركْتُم فِي مَسْأَلَة الْمُصراة أصُول الْقيَاس، وَنحن تركنَا فِي القهقهة قِيَاس الْأُصُول. فَيُقَال لَهُم: أصُول الْقيَاس الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع فأوضحوا لنا
стр. 1257
مخالفتنا لشَيْء مِنْهَا فِي مَسْأَلَة الْمُصراة. وَهَذَا أوضح من أَن يحْتَاج فِيهِ إِلَى بَيَان وَالْأولَى أَن " نشغل " كتَابنَا هَذَا بترهات من لَا يحصل هَذَا الْفَنّ.
(٣١١) فصل
١٧٩٤ - إِذا اقْتصر على الِاسْتِدْلَال وحكموا بِصِحَّتِهَا وَنحن نشِير إِلَيْهِمَا فأحدهما: التَّقْسِيم الصَّحِيح. وَذَلِكَ إِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة أَقسَام فَإِذا بَين الْمُسْتَدلّ بطلَان جَمِيعهَا إِلَّا الْقسم الَّذِي يرتضيه فَيثبت مَقْصُوده.
قَالُوا: وَمِثَال ذَلِك أَن نقُول فِي مَسْأَلَة الصُّلْح على الْإِنْكَار، المَال المبذول لَا يَخْلُو أما أَن يكون مُقَابلا " للشَّيْء " أَو لَا يكون مُقَابلا لشَيْء وباطلا إِلَّا يكون مُقَابلا، فَإِنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ سَبيله سَبِيل التَّبَرُّعَات والهبات. وَقد اتَّفقُوا على خِلَافه. فَإِذا كَانَ مُقَابلا للشَّيْء، لم يخل أما أَن يُقَابل الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَة فَيبْطل، إِذْ لَو جَازَ ذَلِك، لجازت الْمُصَالحَة على دَعْوَى حد الْقَذْف وَإِمَّا أَن يكون مُقَابلا بالتحليف الَّذِي يثبت للْمُدَّعِي وَذَلِكَ بَاطِل. لإنهم قَالُوا بِصِحَّة الصُّلْح فِي دَعْوَى النِّكَاح، وَإِن لم يَصح عِنْدهم فِيهَا تَحْلِيف، فَثَبت إِن المَال المبذول، مُقَابل بِالْمَالِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي وَأنْكرهُ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ. وَهُوَ مَال لم يثبت فِيهِ " ملك " الْمُدَّعِي، فيستحيل لُزُوم الِاعْتِيَاض عَنهُ، فَهَذَا هُوَ وَجه فِي الِاسْتِدْلَال. وَقد صَححهُ أَرْبَاب الْأُصُول وَلم يتَعَرَّض لَهُ القَاضِي ﵁.
стр. 1258
١٧٩٥ - فَالصَّحِيح فِي ذَلِك عندنَا، على قِيَاس أُصُوله أَن نقُول: إِذا اشْتَمَلت الْمَسْأَلَة على أَقسَام، فأوضح المسؤول إِبْطَالهَا بآي من كتاب الله تَعَالَى أَو سنة من سنَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَو تمسك فِي بَعْضهَا بالِاتِّفَاقِ، فيسوغ ذَلِك مِنْهُ.
وَأما إِذا رام إِبْطَاله ابْتِدَاء بِضَرْب من الِاعْتِبَار، مثل أَن يَقُول: لَو كَانَ مُقَابلا بِدَعْوَى، لوُجُوب أَن يَصح الصُّلْح عَن دَعْوَى حد الْقَذْف، فَمثل هَذَا الْكَلَام لَا يَقع بِهِ الِاسْتِقْلَال فِي الِاسْتِدْلَال. وَقد صَححهُ مُعظم أَرْبَاب الْأُصُول فِي الِاسْتِدْلَال.
وللخصم أَن يَقُول: فَمَا الْجَامِع بَين الدعوتين ثمَّ إِذا جمع بَينهمَا فَلهُ مُطَالبَته بتثبيت عِلّة الأَصْل وكل مَا يُطَالب الْمُحَرر بِهِ. فَإِن أَرَادَ الَّذين قَالُوا بتصحيح هَذَا الضَّرْب فِي الِاسْتِدْلَال أَن يجوزه لكل اعْتِبَار يتَمَسَّك بِهِ فِي أَقسَام. فَهَذَا سديد وَلكنه تمسك بِالْقِيَاسِ وَلَا يَسْتَقِيم إنشاؤه مِنْهُم. وَإِن جوزوا الِاسْتِدْلَال بِهِ من غير تَحْرِير فَلَا نرى ذَلِك " صَحِيحا " وَهَذَا بَين إِذا تأملته. فَهَذَا أحد الضربين فِي الِاسْتِدْلَال.
١٧٩٦ - وَالضَّرْب الثَّانِي الِاسْتِدْلَال بِالْأولَى، فقد صَححهُ مُعظم الْأُصُولِيِّينَ ومثاله: أَن يَقُول الْمُسْتَدلّ فِي مَسْأَلَة التَّيَمُّم، إِن التَّيَمُّم لَا يَصح لصَلَاة الْجِنَازَة مَعَ وجود المَاء، إِذا لم يَصح التَّيَمُّم خوفًا " أولى من صَلَاة الْجَمَاعَة " فَلِأَن لَا يجوز ذَلِك فِي صَلَاة الْجِنَازَة أولى.
стр. 1259
وكما قَالَ الشَّافِعِي، إِذا وَجَبت الْكَفَّارَة فِي الْقَتْل خطأ، فَلِأَن تجب فِي الْعمد أولى. وَهَذَا الضَّرْب فِيهِ نظر أَيْضا. فَإِن للخصم أَن يَقُول: لم زعمت إِن التَّيَمُّم إِذا لم يجز لخوف / فَوَات / وَقت صَلَاة الْجَمَاعَة فَلَا يجوز لخوف فَوَات صَلَاة الْجِنَازَة، فيطالبه بِالْجمعِ وَيُوجه عَلَيْهِ القوادح فَلَا يمنعهُ من ذَلِك مَانع، فَلم يسْتَقلّ الأول فِي أَن يكون دَلِيلا بل هُوَ ضرب من التَّرْجِيح على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله.
(٣١٢) القَوْل فِي تَرْجِيح الْعِلَل وطرقها
١٧٩٧ - اعْلَم، وفقك الله، إِن التَّرْجِيح إِنَّمَا يَقع فِي الأمارات الَّتِي تَقْتَضِي غلبات الظنون، فَإِذا تَعَارَضَت مِنْهَا عِلَّتَانِ، فالمجتهد مُكَلّف بِأَن يرجح إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى.
١٧٩٨ - وَالدَّلِيل / على ثُبُوت التَّرْجِيح، هُوَ الدَّلِيل على ثُبُوت أصل الْقيَاس فَإِن الَّذِي عولنا عَلَيْهِ فِي إثْبَاته إِجْمَاع الصَّحَابَة. وَكلما علمنَا تمسكهم بالأقيسة، فَكَذَلِك علمنَا تعلقهم بترجيح بَعْضهَا على بعض بِذكر وُجُوه الشّبَه
стр. 1260
وَغَيرهَا من ضروب التَّرْجِيح فَإِذا ثَبت التَّمَسُّك بِأَصْل التَّرْجِيح. وَقد أكثروها وَنحن نشِير إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِلَى جمل ترشد إِلَى أَمْثَالهَا.
١٧٩٩ - فَمن أقوى مَا يَقع بهَا التَّرْجِيح أَن تكون إِحْدَى العلتين مُوَافقَة لكتاب الله تَعَالَى أَو سنة رَسُول الله [ ﷺ ] أَو لقَوْل صَحَابِيّ، عِنْد من يرى الِاحْتِجَاج بقول الصَّحَابِيّ.
وَمِمَّا يقوى التَّرْجِيح بِهِ أَن تكون إِحْدَى العلتين منصوصة وَالْأُخْرَى مستنبطة بِالِاجْتِهَادِ.
وَمِمَّا يَقع بِهِ التَّرْجِيح انعكاس الْعلَّة. وَهُوَ أَن يَنْتَفِي الحكم بانتفائها، فيغلب على الْقلب كَون الحكم مَنُوطًا بِهِ.
وَمن ضروب التَّرْجِيح أَن يكون الحكم أحد الْأَصْلَيْنِ ثَابتا قطعا وَالْحكم فِي الأَصْل الثَّانِي مُخْتَلف فِيهِ على الْجُمْلَة وَإِن اتّفق الخصمان فَإِنَّهُ مَحل اجْتِهَاد والمجتهد لَا يوازي التَّمَسُّك بِالْقطعِ، فَلَو قَالَ الْخصم لخصمه، قد
стр. 1261
اتفقنا على حكم الأَصْل، فَلَا يقْدَح خلاف من خَالف فَيُقَال لَهُ. إِنَّمَا وَقع التَّرْجِيح بِالْقطعِ وَعدم الْقطع، واتفاقنا على حكم الأَصْل لَا يلْحقهُ بالقطعيات.
وَمن ضروب التَّرْجِيح أَن يكون أصل / أحد / القائسين، ثَابتا من غير قِيَاس وأصل قِيَاس ثَابتا بِقِيَاس. فَالَّذِي ثَبت أَصله نصا، أقوى وَهَذَا يداني الَّذِي فَرغْنَا مِنْهُ.
وَمن ضروب التَّرْجِيح، أَن يستنبط أثنان من مُسَمّى بإسم مُطلق فِي الشَّرِيعَة فيخصص أَحدهمَا الأَصْل الْمُطلق فِي موارد استنباط الْعلَّة وَلَا يخصصه الثَّانِي فَالَّذِي لَا يخصص أولى.
وَذَلِكَ نَحْو استنباط الشَّافِعِي من الْبر كَونه مطعوما واستنباط أبي حنيفَة كَونه مَكِيلًا. مَعَ علمنَا بإن هَذِه الْعلَّة تسوقه إِلَى الرِّبَا فِيمَا لَا يحصره الْكَيْل. فَهَذَا وَجه قوي فِي التَّرْجِيح. وَمن طرق التَّرْجِيح الأول كَمَا قدمْنَاهُ.
وَمِنْهَا أَن تكون إِحْدَى العلتين صفة محسوسة، وَالْأُخْرَى حكما فَمن النَّاس من زعم أَن المحسوسة أولى وَمِنْهُم من زعم إِن الحكم أولى. فَإِن الْمَقْصد من الْقيَاس الحكم. وإلحاق الحكم بالحكم أولى. وَهَذِه مَسْأَلَة اجْتِهَاد وكل مؤاخذ فِيهَا بِمَا يُؤَدِّي اجْتِهَاده إِلَيْهِ.
وَمِنْهَا أَن تكون عِلّة أَحدهمَا بِحَيْثُ لَا يسبقها الحكم الَّذِي ناط بهَا وَالْعلَّة الثَّانِيَة يسبقها حكمهَا وَذَلِكَ نَحْو قَوْلنَا فِي ثُبُوت نَجَاسَة الْكَلْب حَيَوَان
стр. 1262
نجس فِي حَيَاته أَو نجس السُّور، فَلَا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير. فَهَذَا مقدم على قَول أَصْحَاب أبي حنيفَة، إِذْ قَالُوا: حَيَوَان يجوز الِانْتِفَاع بِهِ. فَإِن حكم الدّباغ قد يثبت قبل أَن يبلغ مبلغ الِانْتِفَاع. فالعلة الَّتِي يساوقها الحكم، أولى وَأظْهر تَأْثِيرا وَهَذَا يداني مَا قدمْنَاهُ من التَّرْجِيح بالانعكاس.
وَمِنْهَا التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأَشْبَاه، على مَا قدمْنَاهُ فِي أَقسَام الْقيَاس وَإِلَّا ظهر إِنَّا وَإِن لم نجوز التَّمَسُّك بِهِ ابْتِدَاء، فَيجوز التَّرْجِيح بِهِ.
وَمِنْهَا أَن تكون إِحْدَاهمَا مفسرة فِي مقصودها، وَالْأُخْرَى " مُبْهمَة " نَحْو أَن نقُول: أفطر بِغَيْر جماع، فَلَا تلْزمهُ الْكَفَّارَة، فَهَذَا أولى من قَول الْحَنَفِيّ أفطر بممنوع جنسه لما فِيهِ من " الْإِبْهَام ".
وَمِنْهَا أَن تَقْتَضِي " إِحْدَى " العلتين النَّقْل عَن الْعَادة، وَالْأُخْرَى " الْبَقَاء " عَلَيْهَا فَمن النَّاس من جعل الناقلة أولى وَمِنْهُم من جعل
стр. 1263
المبقية أولى، وَلكُل قَول وَجه. وَلَا يبلغان الْقطع، لنطنب فِيهِ.
وَمِنْهَا: أَن يكون مَحل الِاجْتِهَاد عبَادَة يحْتَاط / لَهَا. فالتمسك بِالْعِلَّةِ الَّتِي تَتَضَمَّن الِاحْتِيَاط أولى. وَمِنْهُم من قَالَ: التَّمَسُّك " بِالَّتِي " توجب بَرَاءَة الذِّمَّة أولى.
وعَلى هَذَا اخْتلفُوا فِي علتين توجب إِحْدَاهمَا " حدا " وَالْأُخْرَى تدرأه فَمنهمْ من قَالَ: الَّتِي تدرأ الْحَد أولى، فَإِن الْحُدُود تدرأ بِالشُّبُهَاتِ.
وَمِنْهُم من قَالَ: الَّتِي تثبت أولى، لاشتمالها على زِيَادَة حكم. وَمِنْهَا أَن تكون إِحْدَاهمَا حاظرة مُحرمَة. وَالْأُخْرَى مبيحة.
فَمنهمْ من جعل الحاظرة أولى لاشتمالها على زِيَادَة حكم، وَالأَصَح أَن لَا يَقع بذلك تَرْجِيح. فَإِن الْحل حكم، كَمَا أَن التَّحْرِيم حكم.
стр. 1264
وَمِنْهَا أَن تكون إِحْدَاهمَا متعدية وَالْأُخْرَى قَاصِرَة. فقد اخْتلفُوا فِي ذَلِك فَمنهمْ من جعل المتعدية أولى، لاشتمالها على زِيَادَة حكم.
وَمِنْهُم من لم ير تَرْجِيح المتعدية وغلا بعض أَصْحَابنَا فرجح القاصرة على المتعدية، من حَيْثُ لَزِمت أَصْلهَا، وَهَذَا سَاقِط من الْكَلَام.
وَمِنْهَا أَن تكون إِحْدَى العلتين مستوعبة لأطراف الْمَسْأَلَة. وَالْأُخْرَى مُخْتَصَّة بِبَعْضِهَا وَيجمع ضروبا من التَّرْجِيح " فصل " وَاحِد. وَهُوَ أَن تشْتَمل إِحْدَى العلتين على زِيَادَة حكم، فالمشتملة على الزِّيَادَة أولى عِنْد بَعضهم.
وَأَشَارَ القَاضِي ﵁ إِلَى أَنه لَا يَقع بذلك التَّرْجِيح. فَإِن زِيَادَة الحكم لَيْسَ من علم الصِّحَّة إِذْ الْمُعَلل مطَالب بتصحيح علته. سَوَاء انطوت على حكم أَو على أَحْكَام.
١٨٠٠ - وَمِمَّا خَاضَ فِيهِ الخائضون كَثْرَة الْأُصُول. مثل أَن تنطوي إِحْدَى العلتين على أصُول. وتنطوي الْأُخْرَى على وَاحِد.
فَمنهمْ من جعل كَثْرَة الْأُصُول بِمَنْزِلَة كَثْرَة الروَاة فِي الحَدِيث، وَقد ذكرنَا فِي ذَلِك اخْتلَافهمْ. وَمِنْهُم من لم يرجح بِكَثْرَة الْأُصُول. وَهَذَا
стр. 1265
مَا اخْتَارَهُ القَاضِي.
فَإِن أَعْيَان الْأُصُول من الطَّرِيقَة " الْوَاحِدَة " فَلَا شكّ فِيهِ.
وَلَو قَاس على أصل بِوَجْه وَاحِد، فَكَذَلِك لَا يُوجب تَرْجِيحا. فَإِن الدَّلِيل هُوَ مَا نَصبه عِلّة اتَّحد أَو تعدد.
ثمَّ الَّذين جعلُوا عدد الْأُصُول تَرْجِيحا، اخْتلفُوا فِيهِ إِذا كثرت تعدد الْأَوْصَاف أولى من التَّمَسُّك بِعَدَد الْأُصُول.
فالأكثرون صَارُوا إِلَى عدد الْأَوْصَاف أولى " فَإِنَّهَا " الْعِلَل. وَالْأُصُول هِيَ الْمحَال الَّتِي تطلب مِنْهَا الْعِلَل. فأنفس الْعِلَل أولى من محالها.
следующие страницы →