Полный текст (1 418 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
اتفقنا على حكم الأَصْل، فَلَا يقْدَح خلاف من خَالف فَيُقَال لَهُ. إِنَّمَا وَقع التَّرْجِيح بِالْقطعِ وَعدم الْقطع، واتفاقنا على حكم الأَصْل لَا يلْحقهُ بالقطعيات.
وَمن ضروب التَّرْجِيح أَن يكون أصل / أحد / القائسين، ثَابتا من غير قِيَاس وأصل قِيَاس ثَابتا بِقِيَاس. فَالَّذِي ثَبت أَصله نصا، أقوى وَهَذَا يداني الَّذِي فَرغْنَا مِنْهُ.
وَمن ضروب التَّرْجِيح، أَن يستنبط أثنان من مُسَمّى بإسم مُطلق فِي الشَّرِيعَة فيخصص أَحدهمَا الأَصْل الْمُطلق فِي موارد استنباط الْعلَّة وَلَا يخصصه الثَّانِي فَالَّذِي لَا يخصص أولى.
وَذَلِكَ نَحْو استنباط الشَّافِعِي من الْبر كَونه مطعوما واستنباط أبي حنيفَة كَونه مَكِيلًا. مَعَ علمنَا بإن هَذِه الْعلَّة تسوقه إِلَى الرِّبَا فِيمَا لَا يحصره الْكَيْل. فَهَذَا وَجه قوي فِي التَّرْجِيح. وَمن طرق التَّرْجِيح الأول كَمَا قدمْنَاهُ.
وَمِنْهَا أَن تكون إِحْدَى العلتين صفة محسوسة، وَالْأُخْرَى حكما فَمن النَّاس من زعم أَن المحسوسة أولى وَمِنْهُم من زعم إِن الحكم أولى. فَإِن الْمَقْصد من الْقيَاس الحكم. وإلحاق الحكم بالحكم أولى. وَهَذِه مَسْأَلَة اجْتِهَاد وكل مؤاخذ فِيهَا بِمَا يُؤَدِّي اجْتِهَاده إِلَيْهِ.
وَمِنْهَا أَن تكون عِلّة أَحدهمَا بِحَيْثُ لَا يسبقها الحكم الَّذِي ناط بهَا وَالْعلَّة الثَّانِيَة يسبقها حكمهَا وَذَلِكَ نَحْو قَوْلنَا فِي ثُبُوت نَجَاسَة الْكَلْب حَيَوَان
стр. 1262
نجس فِي حَيَاته أَو نجس السُّور، فَلَا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير. فَهَذَا مقدم على قَول أَصْحَاب أبي حنيفَة، إِذْ قَالُوا: حَيَوَان يجوز الِانْتِفَاع بِهِ. فَإِن حكم الدّباغ قد يثبت قبل أَن يبلغ مبلغ الِانْتِفَاع. فالعلة الَّتِي يساوقها الحكم، أولى وَأظْهر تَأْثِيرا وَهَذَا يداني مَا قدمْنَاهُ من التَّرْجِيح بالانعكاس.
وَمِنْهَا التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأَشْبَاه، على مَا قدمْنَاهُ فِي أَقسَام الْقيَاس وَإِلَّا ظهر إِنَّا وَإِن لم نجوز التَّمَسُّك بِهِ ابْتِدَاء، فَيجوز التَّرْجِيح بِهِ.
وَمِنْهَا أَن تكون إِحْدَاهمَا مفسرة فِي مقصودها، وَالْأُخْرَى " مُبْهمَة " نَحْو أَن نقُول: أفطر بِغَيْر جماع، فَلَا تلْزمهُ الْكَفَّارَة، فَهَذَا أولى من قَول الْحَنَفِيّ أفطر بممنوع جنسه لما فِيهِ من " الْإِبْهَام ".
وَمِنْهَا أَن تَقْتَضِي " إِحْدَى " العلتين النَّقْل عَن الْعَادة، وَالْأُخْرَى " الْبَقَاء " عَلَيْهَا فَمن النَّاس من جعل الناقلة أولى وَمِنْهُم من جعل
стр. 1263
المبقية أولى، وَلكُل قَول وَجه. وَلَا يبلغان الْقطع، لنطنب فِيهِ.
وَمِنْهَا: أَن يكون مَحل الِاجْتِهَاد عبَادَة يحْتَاط / لَهَا. فالتمسك بِالْعِلَّةِ الَّتِي تَتَضَمَّن الِاحْتِيَاط أولى. وَمِنْهُم من قَالَ: التَّمَسُّك " بِالَّتِي " توجب بَرَاءَة الذِّمَّة أولى.
وعَلى هَذَا اخْتلفُوا فِي علتين توجب إِحْدَاهمَا " حدا " وَالْأُخْرَى تدرأه فَمنهمْ من قَالَ: الَّتِي تدرأ الْحَد أولى، فَإِن الْحُدُود تدرأ بِالشُّبُهَاتِ.
وَمِنْهُم من قَالَ: الَّتِي تثبت أولى، لاشتمالها على زِيَادَة حكم. وَمِنْهَا أَن تكون إِحْدَاهمَا حاظرة مُحرمَة. وَالْأُخْرَى مبيحة.
فَمنهمْ من جعل الحاظرة أولى لاشتمالها على زِيَادَة حكم، وَالأَصَح أَن لَا يَقع بذلك تَرْجِيح. فَإِن الْحل حكم، كَمَا أَن التَّحْرِيم حكم.
стр. 1264
وَمِنْهَا أَن تكون إِحْدَاهمَا متعدية وَالْأُخْرَى قَاصِرَة. فقد اخْتلفُوا فِي ذَلِك فَمنهمْ من جعل المتعدية أولى، لاشتمالها على زِيَادَة حكم.
وَمِنْهُم من لم ير تَرْجِيح المتعدية وغلا بعض أَصْحَابنَا فرجح القاصرة على المتعدية، من حَيْثُ لَزِمت أَصْلهَا، وَهَذَا سَاقِط من الْكَلَام.
وَمِنْهَا أَن تكون إِحْدَى العلتين مستوعبة لأطراف الْمَسْأَلَة. وَالْأُخْرَى مُخْتَصَّة بِبَعْضِهَا وَيجمع ضروبا من التَّرْجِيح " فصل " وَاحِد. وَهُوَ أَن تشْتَمل إِحْدَى العلتين على زِيَادَة حكم، فالمشتملة على الزِّيَادَة أولى عِنْد بَعضهم.
وَأَشَارَ القَاضِي ﵁ إِلَى أَنه لَا يَقع بذلك التَّرْجِيح. فَإِن زِيَادَة الحكم لَيْسَ من علم الصِّحَّة إِذْ الْمُعَلل مطَالب بتصحيح علته. سَوَاء انطوت على حكم أَو على أَحْكَام.
١٨٠٠ - وَمِمَّا خَاضَ فِيهِ الخائضون كَثْرَة الْأُصُول. مثل أَن تنطوي إِحْدَى العلتين على أصُول. وتنطوي الْأُخْرَى على وَاحِد.
فَمنهمْ من جعل كَثْرَة الْأُصُول بِمَنْزِلَة كَثْرَة الروَاة فِي الحَدِيث، وَقد ذكرنَا فِي ذَلِك اخْتلَافهمْ. وَمِنْهُم من لم يرجح بِكَثْرَة الْأُصُول. وَهَذَا
стр. 1265
مَا اخْتَارَهُ القَاضِي.
فَإِن أَعْيَان الْأُصُول من الطَّرِيقَة " الْوَاحِدَة " فَلَا شكّ فِيهِ.
وَلَو قَاس على أصل بِوَجْه وَاحِد، فَكَذَلِك لَا يُوجب تَرْجِيحا. فَإِن الدَّلِيل هُوَ مَا نَصبه عِلّة اتَّحد أَو تعدد.
ثمَّ الَّذين جعلُوا عدد الْأُصُول تَرْجِيحا، اخْتلفُوا فِيهِ إِذا كثرت تعدد الْأَوْصَاف أولى من التَّمَسُّك بِعَدَد الْأُصُول.
فالأكثرون صَارُوا إِلَى عدد الْأَوْصَاف أولى " فَإِنَّهَا " الْعِلَل. وَالْأُصُول هِيَ الْمحَال الَّتِي تطلب مِنْهَا الْعِلَل. فأنفس الْعِلَل أولى من محالها.
стр. 1266
١٨٠١ - وَمِمَّا خَاضُوا فِيهِ أَن إِحْدَى العلتين إِذا كَانَت مركبة من أَوْصَاف وَالْأُخْرَى ذَات وصف فالأكثرون صَارُوا إِلَى أَن مَا يتحد وَصفه أولى لِأَنَّهُ يقل فِيهِ الِاجْتِهَاد وتكثر فروعه. فينطوي على زِيَادَة الحكم، ويضاهي علل الْعقل.
وَمِنْهُم من قَالَ: لَا فرق بَينهمَا وَلَعَلَّه الصَّحِيح. فَإِن سَبِيل الْعِلَل السمعية سَبِيل الأمارات وَيجوز تَقْدِير وصفين أَمارَة. كَمَا يجوز ذَلِك فِي الْوَصْف الْوَاحِد.
وَأما زِيَادَة الحكم فقد ذكرنَا أَنه لَا مَعْلُول عَلَيْهِ. وَأما مضاهاة الْعِلَل الْعَقْلِيَّة فَلَا أصل لَهُ فَإِن السمعية لَا تضاهي الْعَقْلِيَّة قطّ. فَتدبر ذَلِك.
وَمن النَّاس من قدم المركبة على ذَات وصف. وَهَذَا بعيد جدا.
١٨٠٢ - وَمِمَّا اخْتلفُوا فِيهِ أَن يكون لفظ عَام عَن صَاحب الشَّرِيعَة، واشتملت الْمَسْأَلَة على علتين إِحْدَاهمَا مخصصة، وَالْأُخْرَى " مبقية " للْعُمُوم فَمنهمْ من جعل المخصصة أولى وَمِنْهُم من جعل المستديمة للْعُمُوم أولى. وَهَذَا هُوَ الأولى عندنَا. فَإِنَّهَا تَتَضَمَّن تبقية ظَاهر على حَقِيقَته.
стр. 1267
١٨٠٣ - وَمِمَّا خَاضُوا فِيهِ أَيْضا أَن تشْتَمل إِحْدَى العلتين على إِيجَاب وَالْأُخْرَى على ندب. فَمنهمْ من قَالَ: الْمُوجبَة أولى، لاشتمالها على زِيَادَة. وَهَذَا فِيهِ نظر. فَإنَّا ذكرنَا أَن الاشتمال على زِيَادَة لَا يرجح بِهِ على الْوُجُوب لَيْسَ معنى النّدب وَزِيَادَة بل هُوَ حكم على حياله كالندب.
١٨٠٤ - وَمِمَّا يذكر فِي التَّرْجِيح أَن تَتَضَمَّن / إِحْدَى العلتين النَّقْل عَن حكم الْعقل، عِنْد من يرى أَن الْأَحْكَام قبل وُرُود الشَّرَائِع على حل أَو حظر. فَمنهمْ من جعل " الناقلة " أولى. وَمِنْهُم من جعل المبقية أولى. وَهَذَا فَاسد. لما ندل عَلَيْهِ أَن من الْأَحْكَام / مَا / لَا يسْتَدرك قبل وُرُود الشَّرَائِع عقلا.
وَاعْلَم أَن طرق التَّرْجِيح لَا تَنْحَصِر. فَإِنَّهَا تلويحات " تجول " فِيهَا الاجتهادات، ويتوسع فِيهَا من توسع فِي فن الْفِقْه.
стр. 1268
(كتاب الِاجْتِهَاد)
(٣١٣) القَوْل فِي تصويب الْمُجْتَهدين وَذكر وُجُوه الْخلاف فِيهِ
١٨٠٥ - اعْلَم، وفقك الله أَن مَا " يجْرِي " فِيهِ كَلَام الْعلمَاء يَنْقَسِم إِلَى الْمسَائِل القطعية وَإِلَى الْمسَائِل " المجتهدة " الْعَارِية " عَن " أَدِلَّة الْقطع.
стр. 1269
١٨٠٦ - / فَأَما الْمسَائِل القطعية فتنقسم إِلَى الْعَقْلِيَّة والسمعية / فَأَما الْعَقْلِيَّة " فَهِيَ " الَّتِي تنتصب فِيهَا أَدِلَّة الْقطع على الِاسْتِقْلَال وتفضى إِلَى الْمطلب من غير افتقار إِلَى تَقْدِير الشَّرْع، وَذَلِكَ مُعظم مسَائِل العقائد نَحْو / إِثْبَات حدث الْعَالم، و / إِثْبَات الْمُحدث و " قدمه " وَصِفَاته، وتبيين تنزيهه عَمَّا تلْزم فِيهِ مضاهاة الْحَوَادِث، وَإِثْبَات الْقدر وَإِثْبَات جَوَاز الرُّؤْيَة، وَإِبْطَال القَوْل بِخلق الْقُرْآن، وَتَحْقِيق " قدم " الْإِرَادَة. إِلَى غير ذَلِك من الْأُصُول.
وَأما الشَّرْعِيَّة فَكل مَسْأَلَة، تنطوي على حكم من أَحْكَام التَّكْلِيف مَدْلُول " عَلَيْهَا " بِدلَالَة قَاطِعَة، من نَص أَو إِجْمَاع.
١٨٠٧ - وَقد اخْتلفت " عِبَارَات " أَصْحَابنَا، إِذْ سئلوا عَن تَحْدِيد مسَائِل الْأُصُول.
فَذكر القَاضِي ﵁، عِبَارَات فِي مصنفاته، فَقَالَ فِي بَعْضهَا: حد الأَصْل " مَا لَا يجوز " وُرُود التَّعَبُّد فِيهِ إِلَّا بِأَمْر وَاحِد. فيندرج تَحت هَذَا الْحَد مسَائِل الِاعْتِقَاد. وَتخرج عَنهُ مسَائِل الشَّرْع أجمع قطعيها ومجتهدها.
стр. 1270
وَقَالَ مرّة أُخْرَى: حد الأَصْل: مَا يَصح من النَّاظر العثور فِيهِ على الْعلم من غير تَقْدِير وُرُود الشَّرْع وزينت فِي هَذَا الْكتاب مَا ذكره فِي كتبه. وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَن يحد بهَا وأمثالها أصُول الدّين. " إِذْ " يدْخل عَلَيْهَا وجوب معرفَة الله تَعَالَى وَمَعْرِفَة صِفَاته، وَوُجُوب معرفَة النُّبُوَّة. " وَوُجُوب " معرفَة هَذِه الْأُصُول، من أصُول الدّين. فَلَا سَبِيل إِلَى إِلْحَاق هَذَا الْقَبِيل بمسائل الْفُرُوع. مَعَ علمنَا بِأَن الْوُجُوب لَا يثبت إِلَّا شرعا فَبَطل من هَذَا الْوَجْه حصر مسَائِل الْأُصُول فِي العقليات / وَكَذَلِكَ يجوز تَقْدِير نسخ وجوب الْمعرفَة عندنَا / لِأَن مَا ثَبت أَصله بِالشَّرْعِ يجوز فِيهِ تَقْدِير النّسخ.
فالحد الصَّحِيح الَّذِي عول عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ من أصُول الدّين أَن قَالَ: كل مَسْأَلَة يحرم الْخلاف فِيهَا مَعَ اسْتِقْرَار الشَّرْع / وَيكون مُعْتَقد خِلَافه جَاهِلا، فَهِيَ من الْأُصُول سَوَاء استندت إِلَى العقليات، أَو لم تستند إِلَيْهَا /.
стр. 1271
١٨٠٨ - فَإِن قَالَ / قَائِل: فالعقليات الَّتِي يتَكَلَّم فِيهَا أَرْبَاب الْكَلَام، وَيَقَع الِاسْتِقْلَال بذواتها / فِي العقائد، تعد من الْأُصُول، وَلَا يتَحَقَّق فِيهَا تَحْرِيم الْخلاف.
قُلْنَا: إِن كَانَت " منوطة " بقاعدة / من قَوَاعِد الدّين. فَإِن كَانَت من الدقائق فَيحرم الْخلاف فِيهَا. وَإِن كَانَت لَا تتَعَلَّق بِشَيْء من الْقَوَاعِد فَلَا تعد من أصُول الدّين. وَإِنَّمَا اعتبارنا بأصول الدّين.
١٨٠٩ - فَإِذا عرفت مَا هُوَ " الأَصْل " فَلَا تقل فِيمَا هَذَا سَبيله إِن كل مُجْتَهد مُصِيب بل الْمُصِيب وَاحِد وَمن عداهُ جَاهِل مُخطئ. وَهَذَا مَا صَار إِلَيْهِ كَافَّة الْأُصُولِيِّينَ، ... ... . .
стр. 1272
إِلَّا عبيد الله بن الْحسن الْعَنْبَري. فَإِنَّهُ ذهب إِلَى أَن كل مُجْتَهد مُصِيب فِي الْأُصُول كَمَا أَن كل مُجْتَهد مُصِيب فِي الْفُرُوع.
١٨١٠ - ثمَّ اخْتلفت " الرِّوَايَة " عَنهُ فَقَالَ فِي أشهر / الرِّوَايَتَيْنِ: أَنا أصوب كل مُجْتَهد فِي الدّين تجمعهم الْملَّة، و " أما " الْكَفَرَة فَلَا يصوبون.
وغلا بعض الروَاة عَنهُ [نصوب] الكافة من الْمُجْتَهدين دون الراكنين إِلَى " الْبِدْعَة " والمعرضين عَن أَمر الِاجْتِهَاد.
وَحَقِيقَة مذْهبه تبين فِي الْخلاف.
стр. 1273
فَهَذَا / بَيَان / أحد الْقسمَيْنِ وَهُوَ مسَائِل الْأُصُول.
١٨١١ - فَأَما مسَائِل الْفُرُوع فَنَذْكُر حَدهَا أَولا.
وَأَصَح مَا يُقَال فِيهَا أَن نقُول: كل حكم " فِي " أَفعَال الْمُكَلّفين، لم تقم عَلَيْهِ دلَالَة عقل وَلَا " ورد " فِي حكمه الْمُخْتَلف فِيهِ، دلَالَة سمعية قَاطِعَة فَهُوَ من الْفُرُوع.
стр. 1274
١٨١٢ - " فَإِن " اخْتلفت فِيهِ الْعلمَاء فِي " مباينة " اجتهادهم، فَمَا حكمهم فِي التصويب والتخطئة؟ فَأَما نفاة الْقيَاس فقد قطعُوا، بِأَن الْمُصِيب وَاحِد " عينوه ".
وَزَعَمُوا أَن من أَخطَأ الْحق الْمعِين فَهُوَ مأثوم مأزور! وَلم يقل " بِهَذَا " الْمَذْهَب من القائسين / إِلَّا / الْأَصَم وَبشر المريسي فَإِنَّهُمَا زعما أَن الْمُصِيب وَاحِد وَأَن الْمَطْلُوب وَاحِد وَمن تعداه
стр. 1275
مأثوم.
١٨١٣ - وَصَارَ كَافَّة الْعلمَاء إِلَى نفي الْإِثْم والحرج فِي مسَائِل الْفُرُوع. وَاخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي التصويب.
١٨١٤ - فَأَما الشَّافِعِي ﵀، فَلَيْسَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَة نَص على التَّخْصِيص لَا نفيا وَلَا إِثْبَاتًا. وَلَكِن اخْتلفت النقلَة عَنهُ " و " المستنبطون من قضايا " كَلَامه ".
فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنه يَقُول: الْمُصِيب وَاحِد.
ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ. فَذهب بَعضهم إِلَى أَنه كَانَ يَقُول: الْمُجْتَهد كلف الِاجْتِهَاد والعثور على الْحق، وَنصب لَهُ الدَّلِيل المفضي إِلَى الْعلم بِمَا كلف فَإِن أَصَابَهُ فَلهُ أَجْرَانِ. وَإِن أخطأه فالوزر محطوط عَنهُ لغموض الدَّلِيل.
وَإِلَى هَذَا " الْمَذْهَب " صَار مُعظم الْقَائِلين بِأَن الْمُصِيب وَاحِد.
وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن الْحق لَا دَلِيل عَلَيْهِ يُفْضِي " إِلَى الْعلم " بِهِ وَلكنه كالشيء " الْمكنون " يتَّفق العثور عَلَيْهِ، ويتفق تعديه. وَلَيْسَ على
стр. 1276
الْعلم بِهِ دَلِيل.
ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ. فَذهب بَعضهم إِلَى أَن العثور عَلَيْهِ مِمَّا يجب / على الْمُكَلف وَإِن لم يكن عَلَيْهِ دَلِيل يُفْضِي إِلَى الْعلم.
وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن العثور " عَلَيْهِ " لَيْسَ بِوَاجِب. وَإِنَّمَا الْوَاجِب الِاجْتِهَاد وَهَذَا حَقِيقَة مَذْهَب من يَقُول " إِن " كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده.
١٨١٥ - وَأما أَبُو حنيفَة فقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَنهُ. وَالَّذِي يَصح عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول: كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده، وأحدهم عاثر على الْحق وَالْبَاقُونَ مخطئون فِيهِ، وَكلهمْ على الصَّوَاب فِي الِاجْتِهَاد.
١٨١٦ - قَالَ القَاضِي ﵁ وَالَّذِي توضح عندنَا من فحوى كَلَام الشَّافِعِي ﵁ القَوْل " بتصويب " الْمُجْتَهدين. وَقد نقل ذَلِك
стр. 1277
بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي عَنهُ صَرِيحًا، وعد نصوصا منبئة عَمَّا " قَالَه ".
وَالصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي أَن الْمُصِيب وَاحِد.
١٨١٧ - وَذَهَبت طَائِفَة من الْعلمَاء إِلَى أَن الْمُجْتَهد مَأْمُور بِطَلَب الْأَشْبَه. وَإِلَيْهِ صَار مُحَمَّد بن الْحسن وَأَبُو يُوسُف وَابْن شُرَيْح فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ.
وَلَا يتَبَيَّن الْأَشْبَه إِلَّا بتفصيل. وسنفرد فِيهِ بَابا.
فَهَذِهِ جملَة الْمذَاهب الَّتِي عدت القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين اجْتِهَادًا وَحكما.
١٨١٨ - وَمَا صَار إِلَيْهِ الْمُعْتَزلَة قاطبة أَن كل مُجْتَهد مُصِيب اجْتِهَادًا وَحكما. وَمَال شَيخنَا ﵁ إِلَى ذَلِك. وَهُوَ اخْتِيَار القَاضِي رَضِي
стр. 1278
الله عَنهُ وكل من انْتَمَى إِلَى الْأُصُول. إِلَّا الْأُسْتَاذ أَبَا إِسْحَاق فَإِنَّهُ صَار إِلَى أَن الْمُصِيب وَاحِد.
وَحكى الطَّبَرِيّ فِي ذَلِك عَن ابْن فورك وَالَّذِي عندنَا أَنه كَانَ يَقُول بتصويب الْمُجْتَهدين.
١٨١٩ - " وَنحن " الْآن نرد على الْعَنْبَري أَولا ثمَّ نذْكر شبه الْقَائِلين بِأَن الْمُصِيب وَاحِد ونتفصى عَن / جَمِيعهَا ثمَّ نذْكر أدلتنا ثمَّ نفرد بعد
стр. 1279
ذَلِك ثَلَاثَة أَبْوَاب:
أَحدهَا: فِي الرَّد على من قَالَ: كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده.
وَالثَّانِي: فِي الْقَائِلين بالأشبه.
وَالثَّالِث: فِي القَوْل بالتخيير، مَعَ تصويب الْمُجْتَهدين.
(٣١٤) مَسْأَلَة فِي الرَّد على الْعَنْبَري حَيْثُ قَالَ بتصويب الْمُجْتَهدين فِي مسَائِل الْأُصُول
١٨٢٠ - فَنَقُول: لَا تَخْلُو من أحد أَمريْن فِي الْمُخْتَلِفين فِي نفي الصِّفَات وإثباتها وَالْقَوْل " بِخلق " الْقُرْآن وَقدمه، وَغَيرهمَا من مسَائِل الْأُصُول.
إِمَّا أَن تَقول: كل وَاحِد من المذهبين حق وَهُوَ علم ثَابت مُتَعَلق بالمعلوم على مَا هُوَ بِهِ فَإِن قَالَ ذَلِك، فَهُوَ خُرُوج مِنْهُ إِلَى السفسطة، وَترك الضروريات وَجحد البدائه.
فَإنَّا نعلم بضرورة الْعقل اسْتِحَالَة كَون الشَّيْء قَدِيما " حَادِثا " ثَابتا منفيا، جَائِزا مستحيلا. فَبَطل الْمصير إِلَى هَذَا الْقسم. وَتبين أَن أحد الْمُجْتَهدين هُوَ الْعَالم بِحَقِيقَة مَا فِيهِ الْكَلَام، وَالثَّانِي جَاهِل.
وَإِن زعمت أَن كل مُجْتَهد مُصِيب فِي الْأُصُول تَعْنِي أَنه لم يُكَلف / إِلَّا الِاجْتِهَاد فَأَما العثور على الْحق، فَلم يتَعَلَّق بِهِ التَّكْلِيف لصعوبة مدركه
стр. 1280
وَاخْتِلَاف " الأمارات " وغموض طرق الْأَدِلَّة فَإِن سلك هَذَا المسلك فِي القَوْل بالتصويب، وَقَالَ مَعَ ذَلِك بطرد مذْهبه فِي الْكفْر، فقد انْسَلَّ " من " الدّين. حَيْثُ عذر " الْكَفَرَة " فِي الْإِصْرَار على الْكفْر.
١٨٢١ - فَإِن قَالَ ذَلِك فِي الَّذين تجمعهم الْملَّة، كَانَ الْكَلَام عَلَيْهِ من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا أَن نقُول: مَا الَّذِي حجرك عَن القَوْل بِأَن الْمُصِيب وَاحِد؟ فَإِن تمسك بغموض الْأَدِلَّة قيل لَهُ - فَالْكَلَام فِي النبوات والإحاطة بِصِفَات المعجزات، وتمييزها من " المخاريق " والكرامات " أغمض " عَن العارفين بأصول الديانَات من الْكَلَام فِي الْقدر وَغَيره مِمَّا " يخْتَلف " فِيهِ أهل الْملَّة، فَهَلا عذرت الْكَفَرَة بِمَا ذكرت؟
وَهَذَا مَا لَا محيص لَهُ عَنهُ.
وَالْوَجْه الآخر من الْكَلَام أَن نقُول: مِمَّا خَاضَ فِيهِ أهل الْملَّة القَوْل بالتشبيه - تَعَالَى الله " عَن ذَلِك " علوا كَبِيرا - وَالْقَوْل بِخلق الْقُرْآن " إِلَى غير ذَلِك " مِمَّا يعظم خطره.
стр. 1281
وَقد أجمع الْمُسلمُونَ قبل الْعَنْبَري على أَنه يجب على " الْمُسلم " إِدْرَاك " بطلَان " القَوْل بالتشبيه، وَلَا يسوغ الاضراب عَن معرفَة هَذَا وَأَمْثَاله من أصُول الْحَقَائِق. وَمَا قَالَ أحد مِمَّن مضى وَبَقِي إِنَّه لَا تجب معرفَة العقائد على الْحَقِيقَة، بل قَالُوا قاطبة، بِأَن معرفَة العقائد وَاجِبَة على كل مُكَلّف، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى رده. فَبَطل " مَا قَالَه " من كل وَجه.
وَقد ذكرنَا فِي خلال الْكَلَام مَا عَلَيْهِ معول الرجل.
(٣١٥) مَسْأَلَة فِي تصويب الْمُجْتَهدين فِي الْفُرُوع
١٨٢٢ - " و " قدمنَا ذكر الْمذَاهب، و " هَا " نَحن الْآن نذْكر شبه الْقَائِلين بِأَن الْمُصِيب وَاحِد. فمما سبق إِلَى التَّمَسُّك بِهِ الْفُقَهَاء " الَّذين " لَا يحصلون حقائق الْأُصُول " أَن " قَالُوا: إِذا اخْتلف الْعلمَاء فِي تَحْلِيل وَتَحْرِيم، فَلَو قُلْنَا: إِن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُصِيب، كَانَ ذَلِك محالا من القَوْل وجمعا بَين متنافيين، فَإِن الشَّيْء الْوَاحِد يَسْتَحِيل " أَن يكون " حَلَالا حَرَامًا.
стр. 1282
وأطنبوا فِيهِ. وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ، يُؤَدِّي إِلَى مقصودهم.
" فَيُقَال " لَهُم: أول مَا " فتحتم " بِهِ كلامكم غلط. فَإِن الْعين الْوَاحِدَة لَا تحل وَلَا تحرم " إِذْ التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم لَا يتعلقان بالأعيان " وَإِنَّمَا يتعلقان بِأَفْعَال الْمُكَلّفين، فالمحرم فعل الْمُكَلف فِي الْعين والمحلل فعله فِيهِ. فهما إِذا شَيْئَانِ حرم أَحدهمَا وَحل الثَّانِي فَهَذَا وَجه لمفاتحتهم / بالْكلَام.
١٨٢٣ - على أَنا نقُول: لَو تتبعناكم، فَإِنَّمَا المتنافي أَن يحرم الشَّيْء ويحلل على الشَّخْص الْوَاحِد فِي الْحَالة الْوَاحِدَة. وَلَيْسَ هَذَا سَبِيل الْمُجْتَهدين. فَإِن كل مُجْتَهد مؤاخذ بِاجْتِهَادِهِ، وتنزلت الْعين الدائرة " فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات " / بَينهمَا مَعَ اخْتِلَاف اجتهاديهما منزلَة الْعين الْمَمْلُوكَة بَين مَالِكهَا / وَغير مَالِكهَا، وَهِي محللة مُحرمَة على غَيره وَكَذَلِكَ الْميتَة بَين الْمُضْطَر وَالْمُخْتَار / فَهَذَا أَكثر " من " أَن يُحْصى. فَبَطل
стр. 1283
" ادِّعَاء " التَّنَاقُض.
١٨٢٤ - وَرُبمَا يفْرض من قَالَ إِن الْمُصِيب وَاحِدًا صورا فِي " عين " دَعْوَى التَّنَاقُض وَنحن نذْكر مَا يَقع بِهِ الِاسْتِقْلَال حَتَّى " نستدل بطرق الْجَواب مِنْهَا على أَمْثَالهَا ".
فمما تمسكوا بِهِ أَن قَالُوا: " إِذا قَالَ للْمَرْأَة زَوجهَا " فِي حَال الْغَضَب وَسَأَلته الطَّلَاق أَنْت بَائِن وَالزَّوْج شَافِعِيّ، يعْتَقد أَن الطَّلَاق لَا يَقع بذلك وَالْمَرْأَة حنفية، تعتقد وُقُوع الطَّلَاق.
" قَالُوا ": فَإِذا زعمتم أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُصِيب، وَلَعَلَّهُمَا كَانَا مجتهدين. فالجمع بَين " القَوْل " بتصويبهما وتصويبه، يَقْتَضِي الْجمع بَين التسليط على الِاسْتِمْتَاع، وَالْمَنْع مِنْهُ.
فَإِن الرجل متسلط على قَضِيَّة اجْتِهَاده على الِاسْتِمْتَاع. وَمن مُوجب اعْتِقَاده أَنه لَا يجوز " لَهَا أَن تَمنعهُ " استمتاعا مُبَاحا مِنْهَا لَهُ، وَمن مُوجب اعتقادها التَّحْرِيم وَوُجُوب الِامْتِنَاع وَهَذَا متناقض جدا.
стр. 1284
" فَأول " مَا نفاتحهم بِهِ، أَن نقُول: " فَأنْتم " معاشر الْقَائِلين بِأَن الْمُصِيب وَاحِد لَا سَبِيل لكم إِلَى إِن " تنزل " الْمَرْأَة على قَوْله، أَو ينزل الرجل على قَوْلهَا، فَإِنَّكُم " لَا تعينون " فِي الظَّاهِر الْمُصِيب مِنْهُمَا فَمَا وَجه جوابكم، إِذا عنت هَذِه الْحَادِثَة فَكل مَا قدرتموه جَوَابا ظَاهرا فِي " حَقّهمَا " فَهُوَ حكم الله تَعَالَى / عندنَا ظَاهرا وَبَاطنا.
فَإِن زَعَمُوا أَن الْأَمر بَينهمَا يُوقف إِلَى أَن يرفعا إِلَى حَاكم، فَيَقْضِي عَلَيْهِمَا بِمُوجب اعْتِقَاده قُلْنَا: فالوقف قبل الرّفْع حكم الله تَعَالَى عَلَيْهِمَا قطعا. وَإِذا رفعا إِلَيْهِ، فَمَا حكم بِهِ القَاضِي، فَهُوَ حكم الله تَعَالَى / قطعا وَإِن زَعَمُوا أَن الْمَرْأَة مأمورة بالإمتناع جهدها، وَالرجل مُبَاح لَهُ " الطّلب للاستمتاع " وَإِن ادى إِلَى قهرها، وَلم " يعدوا " ذَلِك " تناقضا " فِي ظَاهر الْجَواب، فَهُوَ الحكم عِنْد الله تَعَالَى " وَعِنْدنَا " ظَاهرا وَبَاطنا.
стр. 1285
" وَالْجُمْلَة " الكافية " فِي ذَلِك " " حكما " وتحقيقا مَا قدمْنَاهُ من أَن كل مَا " يقدره " الْقَائِلُونَ بِأَن الْمُصِيب وَاحِد " فِي " أَمْثَال هَذِه الْمسَائِل ويزعمون " أَن مَا وَقع " مِنْهُم فِي الظَّاهِر، فَهُوَ الحكم عندنَا فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن.
١٨٢٥ - وَمِمَّا يتمسكون بِهِ من الصُّور، أَن الْمَرْأَة إِذا نكحت بِغَيْر ولي " أَولا " ثمَّ زَوجهَا وَليهَا ثَانِيًا، وَالَّذِي " تزوج " بهَا ثَانِيًا، شَافِعِيّ الْمَذْهَب يعْتَقد بطلَان نِكَاح الأول وَالَّذِي تزوج بهَا أَولا حَنَفِيّ يعْتَقد " صِحَة " النِّكَاح / الأول وَبطلَان الثَّانِي، وَالْمَرْأَة مترددة بَين دعويهما / وهما مجتهدان مثلا، فَمَا وَجه تصويبهما / فِي الْإِفْضَاء إِلَى تحليلها " لَهما " وتحريمها عَلَيْهِمَا " أَو " جمع الْحل وَالتَّحْرِيم فِي حق كل وَاحِد مِنْهُمَا؟
стр. 1286
قُلْنَا: فَلَو حدثت هَذِه الْمَسْأَلَة وسئلتم عَنْهَا " فبماذا " كُنْتُم تفصلون الحكم فِيهَا ظَاهرا. فَكل مَا أوجبتم بِهِ فِي ظَاهر الْأَمر وَلم " تعدوه " تناقضا، فَهُوَ حكم الله تَعَالَى عندنَا.
وَإِن اجتزيت بِهَذَا الْقدر كَفاك. " و " إِن أردْت التَّفْصِيل / فِي الْجَواب قلت / من الْقَائِلين بِأَن الْمُصِيب وَاحِد من صَار فِي هَذِه الصُّورَة إِلَى الْوَقْف، حَتَّى يرفع الْأَمر إِلَى القَاضِي كَمَا قدمْنَاهُ فِي " الصُّورَة الأولى ".
فعلى هَذَا نقُول حكم الله تَعَالَى " فِيهَا " الْوَقْف ظَاهرا وَبَاطنا حَتَّى يرفع " أَمرهمَا " إِلَى القَاضِي فينزلهما على اعْتِقَاد نَفسه. فَحكم الله تَعَالَى حِينَئِذٍ " عَلَيْهِمَا " ذَلِك.
وَمِنْهُم من قَالَ: تسلم الْمَرْأَة إِلَى الزَّوْج الأول، فَإِنَّهُ نَكَحَهَا نِكَاحا يعْتَقد صِحَّته، وَهُوَ السَّابِق " بِهِ " فَلَا يبعد أَن نقُول: إِن هَذَا هُوَ الحكم.
وَاعْلَم إِن هَذِه الْمَسْأَلَة وأمثالها من المجتهدات، وفيهَا " تقَابل "
стр. 1287
الِاحْتِمَالَات، " فيجتهد " الْمُجْتَهد / فِيهَا عندنَا وَمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، فَهُوَ حق، من وقف أَو تَقْدِيم أَو غَيرهمَا من وُجُوه الْجَواب.
وَقد أَكْثرُوا فِي إِيرَاد الصُّور، وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ " أكمل الْغنى " إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٨٢٦ - وَالَّذِي عول عَلَيْهِ الْأُسْتَاذ / أَبُو إِسْحَاق ﵁ / فِي الْمَسْأَلَة، لما رأى أَن ادِّعَاء التَّنَاقُض فِي " الْأَحْكَام " لَا وَجه لَهُ فالتزم التَّنَاقُض فِي الْأَدِلَّة. فَقَالَ: " لَا تثبت " الْأَحْكَام فِي آحَاد الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة إِلَّا بالأدلة، كَمَا لَا يثبت اصل الشَّرِيعَة المتلقاة من " تَبْلِيغ " الرَّسُول ﵇ إِلَّا بالمعجزة الدَّالَّة على صدقه. وَقد اتّفق الْعلمَاء قاطبة على أَن الْأَحْكَام فِي جَوَاز الِاجْتِهَاد تستند إِلَى أَدِلَّة وأمارات.
فَإِذا ثَبت هَذَا الأَصْل فَالَّذِي " اداه " اجْتِهَاده إِلَى الْحل متمسك بأمارة أَو دلَالَة تعم فِي قضيتها / وَلَا تخص هَذَا الْمُجْتَهد بِعَيْنِه، " وَكَذَلِكَ قَالَ "
стр. 1288
بِالتَّحْرِيمِ معتصم بطريقة عَامَّة فِي قضيتها / إِذْ لَيْسَ فِي قَضيته دلَالَة من " الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة " اخْتِصَاص لبَعض الْمُجْتَهدين. فَالْقَوْل بتصويبهما فِي الْحل وَالتَّحْرِيم، مَعَ مَا مهدناه من أَنَّهُمَا لَا يثبتان إِلَّا بدلالتين وأمارتين ذهَاب إِلَى تَحْقِيق الأمارتين العامتين وتصحيحهما، وهما متناقضان. وَإِن لم يتناقض الْحل وَالتَّحْرِيم فِي حق رجلَيْنِ /.
١٨٢٧ - وَقد انْفَصل بعض من لَا يُحَقّق مَقْصُود هَذِه الْمَسْأَلَة عَن هَذِه الدّلَالَة بِأَن قَالَ: إِنَّمَا يَسْتَقِيم هَذَا إِن لَو قُلْنَا: إِن مَا يتَمَسَّك بِهِ فِي صور " الاجتهادات " أَدِلَّة. " وَأما " وَقد قدمنَا " أَنَّهَا " لَيست بأدلة " فَلَا يلْزم " فِيهَا التَّنَاقُض.
وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء. فَإِن التَّنَاقُض فِي الأمارات المنصوبة على الْأَحْكَام كالتناقض فِي الدَّلَائِل الدَّالَّة على مدلولاتها بأنفسها من غير نصب فِيهَا. وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ.
١٨٢٨ - وَطَرِيق الْجَواب عَن ذَلِك، مَا ذكره القَاضِي ﵁ فِي خلل الْأَحْكَام، وَذَلِكَ أَنه قَالَ: إِذا اخْتلف المجتهدان فِي تَعْلِيل الْبر فِي حكم الرِّبَا، فَألْحق أَحدهمَا بِهِ " فرعا " ونفاه الثَّانِي ومرجعهما إِلَى الِاجْتِهَاد
стр. 1289
" فِي " وصف الْبر، فَلَيْسَ فِي وصف الْبر دلالتان دالتان بأنفسهما على النَّفْي وَالْإِثْبَات. ولسنا نقُول أَيْضا إِن صَاحب الشَّرْع نصب فِي الْبر عَلامَة مَعْلُومَة عِنْده وكلفنا العثور عَلَيْهَا " أَو " نصب فِيهِ " أمارتين " حَتَّى نقدر الأمارتين المنصوبتين متناقضتين أَو " متماثلتين " إِذْ لَو قُلْنَا بذلك، كُنَّا قائلين بِطَلَب شَيْء والعثور عَلَيْهِ، سوى الْعَمَل وَهَذَا قَول بِأَن الْحق طلب علم أَو " هُوَ " طلب الْأَشْبَه، وَنحن نبطل الطريقتين جَمِيعًا " فَخرج " من ذَلِك أَلا نقدر دلالتين وَلَا أمارتين منصوبتين على الْوَجْه الَّذِي فَرْضه الْمُسْتَدلّ علينا وَلَكِن نقُول: أَمارَة الحكم فِي حق كل وَاحِد غَلَبَة ظَنّه.
كَأَن الرب تَعَالَى جعل " غَلَبَة " ظن كل مُجْتَهد علما على الحكم بِمُوجب ظَنّه. وَهَذَا مَا لَا يتَحَقَّق فِيهِ تنَاقض. فَتبين ذَلِك واعلمه فَإِنَّهُ " سر " الْمَسْأَلَة وَلَا يُحِيط بِهِ إِلَّا من تَأَكد غَرَضه فِيهَا.
١٨٢٩ - وَلَا " تبقى " بعْدهَا علينا مؤونة، إِلَّا شَيْء وَاحِد. وَهُوَ
стр. 1290
أَنهم إِن قَالُوا: إِذا زعمتم إِن الَّذِي يتَمَسَّك بِهِ الْمُجْتَهد " لَا نقدره " أَمارَة مَنْصُوبَة شرعا، فَمَاذَا " يَطْلُبهُ " الْمُجْتَهد؟ وَلَيْسَ عِنْده فِيمَا يطْلب عِلّة مَنْصُوبَة عِنْد الله تَعَالَى قبل طلبه، وَلَا يتَحَقَّق طلب من غير مَطْلُوب.
وَهَذَا أصعب سُؤال لَهُم. وَلَو قَامَت - للقائل " بِأَن " الْمُصِيب وَاحِد - " حجَّة " لكَانَتْ هَذِه. وَلَا تحسبن ذَلِك تشككا. فَنحْن من القاطعين بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب. وسنتقصى عَن هَذَا السُّؤَال عِنْد ذكرنَا " الْأَشْبَه " إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٨٣٠ - وَمِمَّا / استدلوا بِهِ / فِي الْمَسْأَلَة أَن / قَالُوا: إِذا قُلْتُمْ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب فَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الْقَائِل بِأَن الْمُصِيب وَاحِد، مُصِيب " أَيْضا ".
وَهَذَا " لَا طائل " وَرَاءه. فَإنَّا " إِنَّمَا " نقُول بتصويب
стр. 1291
الْمُجْتَهدين / فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد. وَهَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي نَحن فِيهَا من مسَائِل الْقطع، وَهِي " ملتحقة " بالقطعيات الَّتِي الْمُصِيب فِيهَا وَاحِد مُتَعَيّن.
١٨٣١ - وَمِمَّا تمسكوا بِهِ أَيْضا أَن قَالُوا: إِذا كَانَ مُجْتَهد مصيبا فَمَا فَائِدَة " التناظر وَالْحجاج "؟ وَمَا زَالَ الْعلمَاء من عهد الرَّسُول [ ﷺ ] إِلَى عصرنا يتحاجون. ومطلب كل وَاحِد من المتناظرين دُعَاء خَصمه إِلَى مَا ينصره من الْمذَاهب. فَلَو كَانَ كل مُجْتَهد مصيبا مَأْمُورا بملازمة اجْتِهَاده، وَهُوَ الْحق عِنْد الله لما كَانَ فِي " طرق " الْحجَّاج وَالنَّظَر فَائِدَة. وَفِي إِجْمَاع الْعلمَاء على التناظر دَلِيل فَسَاد هَذَا الأَصْل. وأوضحوا ذَلِك أَن قَالُوا: كَمَا وجدناهم " يتحاجون " فِي أصُول الديانَات / فَكَذَلِك سبيلهم فِي الشرعيات، ثمَّ كَانَ نظرهم فِي العقليات لطلب الْعلم بالمنظور فِيهِ / فَكَذَلِك سَبِيل النّظر فِي الشرعيات.
وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ بَاطِل من أوجه: - مِنْهَا أَن نقُول - " إِن أَنْتُم زعمتم " أَن الْمُصِيب وَاحِد. قيل لكم: فَإِذا اجْتهد الْمُجْتَهد، " فأداه " اجْتِهَاده إِلَى التَّحْرِيم فَهَل لَهُ فِي ظَاهر الحكم، الْأَخْذ بالتحليل؟ فَيَقُولُونَ فِي
стр. 1292
جَوَاب ذَلِك أَن لَيْسَ لَهُ مُخَالفَة اجْتِهَاده فِي ظَاهر الْأَمر، والتناظر على زعمكم يتَضَمَّن خلاف ذَلِك. فقد لزمكم مَا ألزمتمونا.
" وَالْوَجْه الآخر فِي الْجَواب " أَن نقُول: " مَا تلزمونه " من التناظر. ثَابت إِجْمَاعًا وَمَا ادعيتموه من غَرَض المتناظرين فَأنْتم منازعون فِيهِ. ولسنا نسلم أَن الْعلمَاء إِنَّمَا " يتناظرون " ليدعو كل وَاحِد " مِنْهُم " خَصمه إِلَى مذْهبه. فثبتوا ذَلِك! فَفِيهِ أَشد النزاع وَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى إثْبَاته. فَإِن تمسكوا " بِبَعْض " عادات أهل الْعَصْر، قوبلوا بعادات الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. فَإِنَّهُم مَا تنَاظرُوا ليدعو " كل " صَاحبه إِلَى مذْهبه، وَإِنَّمَا تنَاظرُوا " لوجوه ". مِنْهَا التَّوَصُّل إِلَى التدرب فِي طرق الِاجْتِهَاد فَإِن التذاكر والتناظر من " أقوى المرشدين إِلَيْهِ " وَمن فَوَائِد النّظر أَيْضا، العثور على مَا يقطع بِهِ، والبحث عَن النُّصُوص، وَعَما يحل محلهَا.
وإبداء فَوَائِد النّظر تبرع منا، فَلَيْسَ علينا إِلَّا ممانعتهم عَمَّا " ادعوهُ " من الْغَرَض.
стр. 1293
١٨٣٢ - وَلِلْقَوْمِ طرق " فِي " الِاسْتِدْلَال " تتَعَلَّق " بالسمعيات. مِنْهَا: أَنهم تمسكوا بقوله تَعَالَى فِي قصَّة دَاوُد وَسليمَان ﵉ ﴿ففهمنها سليمن وكلا ءاتينا حكما وعلما﴾ / " قَالُوا " فَدلَّ الظَّاهِر على أَنَّهُمَا اجتهدا، صلوَات الله عَلَيْهِمَا و " وفْق " سُلَيْمَان للعثور على الْحق، وَهَذَا الْمَعْنى بقوله تَعَالَى: ﴿ففهمنها سليمن﴾ .
وأكدوا الِاسْتِدْلَال بِأَن قَالُوا " كَانَت " الْوَاقِعَة من سَائل الْفُرُوع فَإِنَّهَا كَانَت فِي زرع نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم، فأفسدته.
" و " الْجَواب عَن ذَلِك من أوجه. أَحدهَا أَن نقُول: من أنكر اجْتِهَاد الْأَنْبِيَاء، لم يساعدكم على أَن الْمَسْأَلَة " كَانَت " اجتهادية وَكَذَلِكَ من نفى الزلل عَن الْأَنْبِيَاء، فينكر ذَلِك أَشد الْإِنْكَار، ثمَّ لَيْسَ فِي ظَاهر الْآيَة دَلِيل خطأ دَاوُد ﵇، بل فِي ظَاهرهَا مَا يدل على إِصَابَته. فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وكلا ءاتينا حكما وعلما﴾ " فقد سقط " استدلالهم جملَة. وَأكْثر مَا تنبئ
стр. 1294
عَنهُ الْآيَة " كَونهمَا " مصيبين، وَكَون مَا حكم " بِهِ " سُلَيْمَان أولى وَأحسن. " فَإِن " طالبونا بعد ذَلِك بِتَأْوِيل الْآيَة، لم تلزمنا إجابتهم / بعد مَا بَينا أَنه لَا اعتصام لَهُم فِي الْآيَة.
ثمَّ إِن " تبرعنا " بالتأويل فَالْوَجْه فِيهِ أَنَّهُمَا صلوَات الله عَلَيْهِمَا اجتهدوا وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا على حكم وَعلم. وَثَبت الحكمان بِمُوجب " اجتهاديهما " ﵉ " عَلَيْهِمَا " ثمَّ نسخ حكم دَاوُد بعد ثُبُوته. وَنزل النَّص بتقرير حكم سُلَيْمَان. فَهَذَا وَجه التَّأْوِيل.
١٨٣٣ - وَمِمَّا استدلوا بِهِ " أَيْضا " وحسبوه من عمدهم، مَا رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " إِذا اجْتهد الْحَاكِم، فَأصَاب، فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن " اجْتهد " وَأَخْطَأ فَلهُ أجر " وَاحِد " / قَالُوا: فَثَبت
стр. 1295
" أَن " رَسُول الله [ ﷺ ] خطأ " الْمُجْتَهد " وَلَا يتَصَوَّر مَعَ القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين ثُبُوت خطأ الْمُجْتَهد /.
قُلْنَا: هَذَا من أَخْبَار الْآحَاد، وَالْمَسْأَلَة قَطْعِيَّة. ثمَّ نقُول. الْخَبَر مَحْمُول على مَا إِذا اجْتهد وَأَخْطَأ النَّص بعد بذل كنه مجهوده.
١٨٣٤ - فَإِن قَالُوا: فَالَّذِي بذل مجهوده فِي طلب النَّص " وَلم يعثر عَلَيْهِ " فَحكم الله " عنْدكُمْ " مُوجب اجْتِهَاده، فَمَا معنى الْخَطَأ؟
قُلْنَا: لَيْسَ الْمَعْنى بالْخَطَأ أَنه " أَخطَأ " مَا كلف، وَلَكِن الْمَعْنى بِهِ " أَنه " أَخطَأ النَّص فَلم يصبهُ. ثمَّ نقُول: ظَاهر الْخَبَر يدل عَلَيْكُم فَإِنَّهُ [ ﷺ ] أثبت الْأجر فِي " حق " كل وَاحِد من الْمُجْتَهدين. " فَالَّذِي " أَخطَأ مَا كلف " فحط " الْوزر عَنهُ أَجْدَر مِنْهُ بِالْأَجْرِ " فَترك " التَّعَرُّض
стр. 1296
" لحط " الْوزر والإفصاح بِإِثْبَات الْأجر، من أبين الْأَدِلَّة على انْتِفَاء الْخَطَأ الَّذِي فِيهِ " نزاعنا " فَبَطل مَا قَالُوهُ.
فَهَذِهِ جمل عمدهم وَهِي ترشدك إِلَى أَمْثَالهَا.
١٨٣٥ - " وَأما " أَدِلَّة الْقَائِل بتصويب الْمُجْتَهدين، فقد ذكر القَاضِي ﵁ طرقا فِي الدَّلِيل " وَقد " تأملتها فَرَأَيْت بَعْضهَا " مفتقرا " فِي ثُبُوتهَا إِلَى بعض، وَكَأَنَّهَا فِي التَّحْقِيق " أَرْكَان " دلَالَة وَاحِدَة " فنرى أَن نركب " مِنْهَا دلَالَة، ونستقصي " فِيهَا " وُجُوه الْكَلَام على السَّبِيل الَّتِي " اتبعها " القَاضِي.
١٨٣٦ - فَنَقُول لمخالفينا: " الْحق الَّذِي " ادعيتم اتحاده عِنْد الله تَعَالَى لَا تخلون إِمَّا أَن تزعموا أَنا كلفنا العثور عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَن تزعموا أَنه لم يتَعَلَّق بِهِ حكم " التَّكْلِيف ".
стр. 1297
فَإِن زعمتم أَنا لم نكلف العثور " عَلَيْهِ " فوجوده وَعَدَمه فِي حق الْمُكَلّفين بِمَثَابَة " وَاحِدَة " إِذْ لَيْسَ هُوَ " حَقًا " عَلَيْهِم وَهَذَا الْقسم مِمَّا لَا يَقُول " بِهِ الْخصم " فَلَا فَائِدَة فِي الإطناب.
١٨٣٧ - " وَإِن " زَعَمُوا أَن الَّذِي هُوَ عِنْد الله تَعَالَى، قد كلفنا العثور عَلَيْهِ وَالْعَمَل بِمُوجبِه وَهُوَ مَذْهَب الْقَوْم، " فَهَذَا " بَاطِل لأصلين " نمهدهما ". " أَحدهمَا ": إِجْمَاع الْمُسلمين قاطبة على أَن كل مُجْتَهد مَأْمُور بِالْعَمَلِ على قَضيته اجْتِهَاده " فَإِذا " غلب على ظن أحد الْمُجْتَهدين " فِي واقعه الْحل " وَغلب على ظن الآخر، التَّحْرِيم فَلَا يسوغ للْمحرمِ الْأَخْذ بِغَيْر مُوجب اجْتِهَاده /. وَلَو حاد عَنهُ عصى واقترب إِلَى المأثم فَإِذا تقرر باطلاق الْأمة كَون كل مُجْتَهد مواخذا بِالْعَمَلِ بقضية اجْتِهَاده / " فَلَا
стр. 1298
يَخْلُو " إِمَّا أَن يكون مَا عمل بِهِ حَقًا عِنْد الله تَعَالَى وَإِمَّا أَن لَا يكون " كَذَلِك ". فَإِن كَانَ حَقًا عِنْد الله تَعَالَى فَهُوَ الَّذِي نلتمسه، " فَلْيَكُن " على هَذَا الأَصْل " كل وَاحِد من الْمُجْتَهدين مصيبا ".
" وَإِن " زَعَمُوا أَنه يجب عَلَيْهِ الْعَمَل ظَاهرا، وَيجوز أَن يكون مَنْهِيّا " عَنهُ " عِنْد الله تَعَالَى. فَهَذَا بَاب من الْجَهَالَة، لَا يرتضي الْمُحَقِّقُونَ سلوكه. فَإِن الْأمة أَجمعت على أَن " الْمُجْتَهد " مَأْمُور بِالْعَمَلِ بقضية اجْتِهَاده، حَتَّى لَو مَال " عَنْهَا " " لنسب " إِلَى المأثم وَإِن تغير اجْتِهَاده فِي الثَّانِي. فَكيف تجمع الْأمة على وجوب مَا يجوز كَونه مَنْهِيّا عَنهُ. وَهل هُوَ إِلَّا التَّنَاقُض الَّذِي ادعوهُ علينا فِي صدر شبههم فَهَذَا تمهيد أحد الْأَصْلَيْنِ.
١٨٣٨ - وَأما الأَصْل / الثَّانِي فَهُوَ أَن نقُول: إِذا " قدرتم وُرُود الْعَمَل " بِمُوجب الِاجْتِهَاد حكما " و "
стр. 1299
هُوَ الْحق / " فَلَا تخلون " إِمَّا أَن تزعموا أَنه مِمَّا يعلم، وَإِلَى الْعلم بِهِ سَبِيل، وَقد نصب عَلَيْهِ دَلِيل. وَإِمَّا أَن تَقولُوا: " هُوَ " مِمَّا أمرنَا بِالْعلمِ بِهِ، وَلَا دَلِيل " يفضى " إِلَيْهِ. وَإِمَّا أَن تَقولُوا: مَا كلفنا الْعلم بِهِ أصلا.
فَإِن زعمتم أَنا كلفنا الْعلم بِهِ - وَإِلَيْهِ صَار مُعظم الْمُخَالفين - وَزَعَمُوا أَن عَلَيْهِ أَدِلَّة مَنْصُوبَة " و " لَو تمسك بهَا النَّاظر " لأفضت " بِهِ إِلَيْهِ، فَهَذَا بَاطِل من أوجه.
أقربها: أَن الْأَدِلَّة فِي المجتهدات الْحكمِيَّة مضبوطة الْأَوْصَاف " وَلَيْسَت " تَقْتَضِي علما لذواتها، بِخِلَاف أَدِلَّة الْعُقُول، فَإِنَّهَا لَو اقْتَضَت علما لذواتها، لاقتضته من غير نصب. وَقد استقصينا القَوْل فِي ذَلِك فِي أَحْكَام الْقيَاس. فَإِذا بَطل تنزلها منزلَة الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة فِي اقتضائها الْعلم لذواتها " دلّ " " على " أَنَّهَا إِنَّمَا انتصبت " إمارات " شرعا ثمَّ نعلم أَنَّهَا فِي قَضِيَّة الشَّرْع لَيست مِمَّا يقطع " بهَا " إِذْ
стр. 1300
" مِنْهَا " خبر الْوَاحِد، وَلَا يسوغ الْقطع بنقله. وَمِنْهَا " طرق " الأقيسة وَلَا يسوغ الْقطع " أَيْضا " بِإِصَابَة المستنبط لَهَا على مَنْهَج أصل مخالفينا / فَأنى يَسْتَقِيم كَونهَا مفضية إِلَى الْعلم مَعَ التشكك / والاسترابة فِي أُصُولهَا. وَهَذَا مَا لَا جَوَاب عَنهُ. فَبَطل من هَذَا الْوَجْه مَا ادعوهُ من أَنا كلفنا الْعلم بِالْحَقِّ، و " أَن " نصب عَلَيْهِ الدَّلِيل المفضي إِلَيْهِ.
١٨٣٩ - وَمِمَّا يبطل ادِّعَاء الْعلم، مَا ذكره القَاضِي ﵁ من " أَن " الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من التَّابِعين مَا زَالُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد وكل مِنْهُم يزْعم أَن كل مُجْتَهد " يتبع اجْتِهَاده " وَلَا يسوغ لَهُ الإضراب عَنهُ، وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُم لَا يقطع بِأَن الَّذِي تمسك بِهِ هُوَ الْحق / وَالْكل مدعوون إِلَيْهِ / " وَمن لم يصل " إِلَيْهِ فقد أَخطَأ الْحق. وَأكْثر مَا كَانَ يَدعِيهِ " الْمُجْتَهد " مِنْهُم غَلَبَة الظَّن وترجيح الأمارات. " فَأَما " الْقطع، فَلم
следующие страницы →