← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

" لحط " الْوزر والإفصاح بِإِثْبَات الْأجر، من أبين الْأَدِلَّة على انْتِفَاء الْخَطَأ الَّذِي فِيهِ " نزاعنا " فَبَطل مَا قَالُوهُ. فَهَذِهِ جمل عمدهم وَهِي ترشدك إِلَى أَمْثَالهَا. ١٨٣٥ - " وَأما " أَدِلَّة الْقَائِل بتصويب الْمُجْتَهدين، فقد ذكر القَاضِي ﵁ طرقا فِي الدَّلِيل " وَقد " تأملتها فَرَأَيْت بَعْضهَا " مفتقرا " فِي ثُبُوتهَا إِلَى بعض، وَكَأَنَّهَا فِي التَّحْقِيق " أَرْكَان " دلَالَة وَاحِدَة " فنرى أَن نركب " مِنْهَا دلَالَة، ونستقصي " فِيهَا " وُجُوه الْكَلَام على السَّبِيل الَّتِي " اتبعها " القَاضِي. ١٨٣٦ - فَنَقُول لمخالفينا: " الْحق الَّذِي " ادعيتم اتحاده عِنْد الله تَعَالَى لَا تخلون إِمَّا أَن تزعموا أَنا كلفنا العثور عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَن تزعموا أَنه لم يتَعَلَّق بِهِ حكم " التَّكْلِيف ".

стр. 1297

فَإِن زعمتم أَنا لم نكلف العثور " عَلَيْهِ " فوجوده وَعَدَمه فِي حق الْمُكَلّفين بِمَثَابَة " وَاحِدَة " إِذْ لَيْسَ هُوَ " حَقًا " عَلَيْهِم وَهَذَا الْقسم مِمَّا لَا يَقُول " بِهِ الْخصم " فَلَا فَائِدَة فِي الإطناب. ١٨٣٧ - " وَإِن " زَعَمُوا أَن الَّذِي هُوَ عِنْد الله تَعَالَى، قد كلفنا العثور عَلَيْهِ وَالْعَمَل بِمُوجبِه وَهُوَ مَذْهَب الْقَوْم، " فَهَذَا " بَاطِل لأصلين " نمهدهما ". " أَحدهمَا ": إِجْمَاع الْمُسلمين قاطبة على أَن كل مُجْتَهد مَأْمُور بِالْعَمَلِ على قَضيته اجْتِهَاده " فَإِذا " غلب على ظن أحد الْمُجْتَهدين " فِي واقعه الْحل " وَغلب على ظن الآخر، التَّحْرِيم فَلَا يسوغ للْمحرمِ الْأَخْذ بِغَيْر مُوجب اجْتِهَاده /. وَلَو حاد عَنهُ عصى واقترب إِلَى المأثم فَإِذا تقرر باطلاق الْأمة كَون كل مُجْتَهد مواخذا بِالْعَمَلِ بقضية اجْتِهَاده / " فَلَا

стр. 1298

يَخْلُو " إِمَّا أَن يكون مَا عمل بِهِ حَقًا عِنْد الله تَعَالَى وَإِمَّا أَن لَا يكون " كَذَلِك ". فَإِن كَانَ حَقًا عِنْد الله تَعَالَى فَهُوَ الَّذِي نلتمسه، " فَلْيَكُن " على هَذَا الأَصْل " كل وَاحِد من الْمُجْتَهدين مصيبا ". " وَإِن " زَعَمُوا أَنه يجب عَلَيْهِ الْعَمَل ظَاهرا، وَيجوز أَن يكون مَنْهِيّا " عَنهُ " عِنْد الله تَعَالَى. فَهَذَا بَاب من الْجَهَالَة، لَا يرتضي الْمُحَقِّقُونَ سلوكه. فَإِن الْأمة أَجمعت على أَن " الْمُجْتَهد " مَأْمُور بِالْعَمَلِ بقضية اجْتِهَاده، حَتَّى لَو مَال " عَنْهَا " " لنسب " إِلَى المأثم وَإِن تغير اجْتِهَاده فِي الثَّانِي. فَكيف تجمع الْأمة على وجوب مَا يجوز كَونه مَنْهِيّا عَنهُ. وَهل هُوَ إِلَّا التَّنَاقُض الَّذِي ادعوهُ علينا فِي صدر شبههم فَهَذَا تمهيد أحد الْأَصْلَيْنِ. ١٨٣٨ - وَأما الأَصْل / الثَّانِي فَهُوَ أَن نقُول: إِذا " قدرتم وُرُود الْعَمَل " بِمُوجب الِاجْتِهَاد حكما " و "

стр. 1299

هُوَ الْحق / " فَلَا تخلون " إِمَّا أَن تزعموا أَنه مِمَّا يعلم، وَإِلَى الْعلم بِهِ سَبِيل، وَقد نصب عَلَيْهِ دَلِيل. وَإِمَّا أَن تَقولُوا: " هُوَ " مِمَّا أمرنَا بِالْعلمِ بِهِ، وَلَا دَلِيل " يفضى " إِلَيْهِ. وَإِمَّا أَن تَقولُوا: مَا كلفنا الْعلم بِهِ أصلا. فَإِن زعمتم أَنا كلفنا الْعلم بِهِ - وَإِلَيْهِ صَار مُعظم الْمُخَالفين - وَزَعَمُوا أَن عَلَيْهِ أَدِلَّة مَنْصُوبَة " و " لَو تمسك بهَا النَّاظر " لأفضت " بِهِ إِلَيْهِ، فَهَذَا بَاطِل من أوجه. أقربها: أَن الْأَدِلَّة فِي المجتهدات الْحكمِيَّة مضبوطة الْأَوْصَاف " وَلَيْسَت " تَقْتَضِي علما لذواتها، بِخِلَاف أَدِلَّة الْعُقُول، فَإِنَّهَا لَو اقْتَضَت علما لذواتها، لاقتضته من غير نصب. وَقد استقصينا القَوْل فِي ذَلِك فِي أَحْكَام الْقيَاس. فَإِذا بَطل تنزلها منزلَة الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة فِي اقتضائها الْعلم لذواتها " دلّ " " على " أَنَّهَا إِنَّمَا انتصبت " إمارات " شرعا ثمَّ نعلم أَنَّهَا فِي قَضِيَّة الشَّرْع لَيست مِمَّا يقطع " بهَا " إِذْ

стр. 1300

" مِنْهَا " خبر الْوَاحِد، وَلَا يسوغ الْقطع بنقله. وَمِنْهَا " طرق " الأقيسة وَلَا يسوغ الْقطع " أَيْضا " بِإِصَابَة المستنبط لَهَا على مَنْهَج أصل مخالفينا / فَأنى يَسْتَقِيم كَونهَا مفضية إِلَى الْعلم مَعَ التشكك / والاسترابة فِي أُصُولهَا. وَهَذَا مَا لَا جَوَاب عَنهُ. فَبَطل من هَذَا الْوَجْه مَا ادعوهُ من أَنا كلفنا الْعلم بِالْحَقِّ، و " أَن " نصب عَلَيْهِ الدَّلِيل المفضي إِلَيْهِ. ١٨٣٩ - وَمِمَّا يبطل ادِّعَاء الْعلم، مَا ذكره القَاضِي ﵁ من " أَن " الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من التَّابِعين مَا زَالُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد وكل مِنْهُم يزْعم أَن كل مُجْتَهد " يتبع اجْتِهَاده " وَلَا يسوغ لَهُ الإضراب عَنهُ، وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُم لَا يقطع بِأَن الَّذِي تمسك بِهِ هُوَ الْحق / وَالْكل مدعوون إِلَيْهِ / " وَمن لم يصل " إِلَيْهِ فقد أَخطَأ الْحق. وَأكْثر مَا كَانَ يَدعِيهِ " الْمُجْتَهد " مِنْهُم غَلَبَة الظَّن وترجيح الأمارات. " فَأَما " الْقطع، فَلم

стр. 1301

يصر إِلَيْهِ أحد مِنْهُم " وَكَذَلِكَ " كل علم مَقْطُوع بِهِ. ١٨٤٠ - " فَثَبت " بذلك ثبوتا وَاضحا انْتِفَاء الْعلم " من " المجتهدات، إِذْ لَو كُنَّا كلفنا إِصَابَته لما ذهب " عَنهُ من " فرطنا، وَلَو ذَهَبُوا عَنهُ كَانُوا متفقين على خلاف الْحق / وَلَا تَجْتَمِع الْأمة على الضَّلَالَة، وَالَّذِي يُحَقّق لَك مَا ذكرنَا، أَن أحدا مَا كَانَ يؤثم أَصْحَابه " بالعدول " عَن الْحق / فَلَو كَانَ الْوُصُول إِلَى الْحق متصورا، وَهُوَ وَاجِب / لَكَانَ من مَال عَنهُ وحاد عَن " إِصَابَته " تَارِكًا لواجب / يقدر على الْوُصُول إِلَيْهِ، فَلَمَّا لم يؤثم بعض الصَّحَابَة بَعْضًا " فِي المجتهدات " فَكَذَلِك / عُلَمَاء عصرنا، لَا يوثم بَعضهم " فِي المجتهدات " بَعْضًا على أَنهم قَالُوا من حكم الْوَاجِب أَن " يعْصى " الْمُكَلف بِتَرْكِهِ.

стр. 1302

١٨٤١ - وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن النَّاس لما " افْتَرَقُوا " فِيمَا يَلِيق بالديانات دعوا " إِلَى الْحق، طَوْعًا أَو قهرا " وَذَلِكَ نَحْو مُخَالفَة الْخَوَارِج وخروجهم على " إِمَام الْحق " إِلَى غير ذَلِك. فَهَذَا عقد الدّلَالَة على الَّذين قَالُوا: إِنَّا كلفنا فِي المجتهدات الْعلم " و " نصب لنا عَلَيْهِ دَلِيل. ١٨٤٢ - فَإِن قَالُوا: إِنَّا كلفنا الْعلم، وَلم ينصب عَلَيْهِ " دَلِيل " يُوصل إِلَيْهِ المتمسك بِهِ فَهَذَا " خرق لإِجْمَاع " الْأمة وَذَلِكَ أَنهم أَجمعُوا على أَن الْمُكَلف إِنَّمَا يُكَلف الْعلم فِيمَا يتَصَوَّر فِيهِ الِاسْتِدْلَال المفضي إِلَى الْعلم. على أَن أَرْبَاب التَّحْقِيق قَالُوا من أَحْكَام النّظر: أَن " الْعُلُوم تَنْقَسِم إِلَى ضَرُورِيّ وكسبي " فَأَما الضَّرُورِيّ فَلَا يفْتَقر فِي حُصُوله إِلَى دَلِيل / وَلكنه يحصل " بِفعل " الله تَعَالَى بديا غير مَقْدُور للْعَبد وَمَا هَذَا سَبيله، لَا يجوز أَن يتَعَلَّق التَّكْلِيف بِهِ. إِذْ التَّكْلِيف إِنَّمَا يتَعَلَّق بِمَا يدْخل تَحت الْمَقْدُور.

стр. 1303

وَأما الكسبي من الْعُلُوم " فَلَا يسوغ " حُصُوله مَقْدُورًا، إِلَّا أَن يكون مدلولا، إِذْ لَو لم نقل ذَلِك أدّى إِلَى بطلَان ارتباط النّظر بِالْعلمِ. وَهَذَا مِمَّا يستقصى فِي غير هَذَا الْفَنّ، على أَنه مجمع عَلَيْهِ من الْقَوْم. فَبَطل بِمَا ذَكرْنَاهُ أجمع، تَقْدِير علم " فِي الْوَاقِعَة " سوى الَّذِي " يعلم " فِي ظَاهر الامر. وَتبين أَن الْحق مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَاد كل مُجْتَهد. ١٨٤٣ - وَقد وَجه المخالفون على أصل وَاحِد مِمَّا ذكرنَا أسولة، وَالدّلَالَة " تستقل " دون ذَلِك الأَصْل. وَذَلِكَ أَنهم " سألونا " أسولة فِي تمسكنا " بِأَن " الصَّحَابَة لم يوثم " بَعضهم " بَعْضًا، وَنحن نذكرها ونتقصى عَنْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى - على أَنا لَا نحتاج إِلَى هَذَا الأَصْل فِي " عقد " الدّلَالَة. وَفِيمَا عداهُ غنية. وَلَكِن لَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ شَيْء من أسئلة الْخصم. ١٨٤٤ - فَمَا سَأَلُوهُ أَن قَالُوا: " بِمَ " تنكرون على من يزْعم أَن بَعضهم كَانَ يؤثم بَعْضًا " وَلم " ادعيتم الْإِجْمَاع فِي ذَلِك. وَمَا دليلكم عَلَيْهِ؟

стр. 1304

وَالْجَوَاب عَن ذَلِك من وَجْهَيْن: - أَحدهمَا أَنا نعلم قطعا، أَن أَئِمَّة الصَّحَابَة كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي الْمسَائِل ثمَّ يعظم / بَعضهم بَعْضًا وَلَا يستجيز إِطْلَاق اللِّسَان فِي أَصْحَابه بِهِ بل يُبرئهُ عَن كل " شين " على أَنهم كَانُوا لَا يَغُضُّونَ على مَا لَا يجوز الإغضاء عَلَيْهِ كَيفَ! " وَقد " كَانُوا يوجبون على كل مُجْتَهد أَن يَأْخُذ بِمُوجب اجْتِهَاده. وَهَذَا ثَابت قطعا فِي مذاهبهم ومذاهب أهل عصرنا. " فَأنى " يَسْتَقِيم مَعَ ذَلِك الحكم بالتأثيم؟ ثمَّ نقُول: إِن بعد عَلَيْكُم أَمر الصَّحَابَة، فإجماع أهل الْعَصْر يغنيكم. فَإِن أحدا مِنْهُم لَا يؤثم الْعلمَاء فِي المجتهدات. بل يسوغ " لكل مُجْتَهد تتبع " اجْتِهَاده بعد أَن لَا يألو " جهده ". ١٨٤٥ - فَإِن قَالُوا: " قد " اشْتهر عَن أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] التناكر والتغليظ " فِي القَوْل " فِي المجتهدات، واشتهر " عَنْهُم أَيْضا " الانتساب

стр. 1305

إِلَى الْخَطَأ ونسبته. " فمما " روى فِي ذَلِك. " مَا روى " عَن ابْن عَبَّاس ﵁، أَنه قَالَ فِي تَوْرِيث الْجد مَعَ الْأَخ: أَلا يَتَّقِي " الله " زيد بن ثَابت يَجْعَل ابْن الابْن " ابْنا " وَلَا يَجْعَل " أَب " الابْن أَبَا. وَقَالَ فِي الْعَوْل: من شَاءَ باهلته وَالَّذِي أحصى رمل عالج عددا لم يَجْعَل فِي المَال نصفا وثلثين والمباهلة هِيَ الْمُلَاعنَة / من قَوْله (نبتهل) أَي نلتعن /. وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ فِي قصَّة الْمَرْأَة الَّتِي أرسل إِلَيْهَا عمر بن الْخطاب ﵁ رَسُوله يَنْهَاهَا عَن " الْفُجُور " وَكَانَت ترتقي سلما، فأجهضت جَنِينهَا لما بلغتهَا الرسَالَة. فَأَشَارَ بعض الصَّحَابَة على عمر ﵁ بأنك مؤدب، وَلَا

стр. 1306

" عزم " عَلَيْك. فَقَالَ عَليّ عِنْد ذَلِك: " إِن " اجتهدوا فقد اخطأوا وَإِن لم يجتهدوا فقد غشوك، أرى عَلَيْك الدِّيَة. وَهَذَا تَصْرِيح " مِنْهُم " بتخطئتهم. وَبَاعَ زيد بن أَرقم عبدا لَهُ بيع الْعينَة. فَقَالَت عَائِشَة ﵂ أَلا أخبروا زيد بن أَرقم، أَنه أبطل جهاده مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] / إِن لم يثبت /.

стр. 1307

وَنهى عمر ﵁ عَن المغالاة فِي " المهور " وَهُوَ يخْطب فَقَامَتْ إِلَيْهِ امْرَأَة " فَقَالَت " مَالك تحجر علينا فِي خيرة الله. فَقَالَ عمر صدقت. وكل النَّاس أفقه من عمر. " فاعترف " على نَفسه بالْخَطَأ. ١٨٤٦ - واشتهر " عَن " الصَّحَابَة فِي المجتهدات " تَجْوِيز " الْخَطَأ على أنفسهم. فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ " فِي كثير " مِنْهَا / إِن أصبت فَمن الله، وَإِن أَخْطَأت فَمن نَفسِي. وَقَالَ ابْن مَسْعُود فِي قصَّة بروع بنت واشق، إِن أصبت فَمن الله وَإِن / أَخْطَأت فَمن الشَّيْطَان. وَهَذِه الْقَبِيل " قد " اشْتهر عَنْهُم اشتهارا بَينا وَلَا معنى للخطأ فِي المجتهدات مَعَ القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين. هَذَا مَا تمسكوا بِهِ من الْآثَار.

стр. 1308

١٨٧٤ - وَأول مَا نفاتحهم، أَن نقُول: كَيفَ يَسْتَقِيم مِنْكُم حمل عادات " الصَّحَابَة " وشيمهم على خلاف مَا اجْمَعْ عَلَيْهِ أهل الْعَصْر؟ وَقد اجْمَعْ أهل الْعَصْر قاطبة على " أَن " مسَائِل الِاجْتِهَاد لَا يجْرِي / فِيهَا التأثيم وَإِنَّمَا يجْرِي التأثيم فِي أَن يُخَالف الرجل مُوجب اجْتِهَاده وَكَيف يسوغ مَعَ هَذَا الْإِجْمَاع أَن يَقع / التأثيم فِي الصَّحَابَة، مَعَ تنزههم عَمَّا يشينهم و " يحطهم " " عَمَّا " فَضلهمْ الله تَعَالَى " بِهِ ". فَتعين بعد ذَلِك علينا وَعَلَيْهِم تتبع مَا ذَكرُوهُ من الْآثَار بالتأويل. ١٨٤٨ - وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن مَا " نقلوا " " فِيهِ " تَغْلِيظ القَوْل " مُخْتَلف فِيهِ " " وَقد اتّفق " أهل الْعَصْر على أَنه لَا يجْرِي فِيهِ التَّغْلِيظ مَعَ كَونه مُخْتَلفا فِيهِ. وَمِمَّا ذكر فِيهِ التَّغْلِيظ بيع الْعينَة. وَقد " أجمع " الْمُسلمُونَ على

стр. 1309

" أَن " من بَاعَ على الْوَجْه الْمُخْتَلف فِيهِ " فَهَذَا " لَا يحبط " جهاده " مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] . وَمِمَّا يُؤثر فِي التَّغْلِيظ، مسَائِل الْجد. " إِذْ " رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: من أحب أَن يقتحم جراثيم جَهَنَّم فَلْيَتَكَلَّمْ فِي الْجد " بِرَأْيهِ " / وَهَذَا مَتْرُوك الظَّاهِر من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَن التَّكَلُّم فِي

стр. 1310

الْجد لَا بُد مِنْهُ. وَالثَّانِي: أَن الْخلاف فِيهِ لَا يحل مَحل تقحم الجراثيم، فقد انْدفع عَنَّا " مَا ذكره " من التأثيم، " حجاجا " " إِذْ " قد بَينا افتقار الْخصم إِلَى التَّأْوِيل وَإِزَالَة الظَّاهِر. ١٨٤٩ - ثمَّ الْكَلَام على مَا ذَكرُوهُ من الْآثَار " من " أوجه: - أَحدهَا - أَن نقُول إِنَّهَا آحَاد. وَلَا تكَاد أَن تبلغ مبلغ الْقطع. وَالَّذِي تمسكنا بِهِ من اجماع أهل الْعَصْر فِي ترك التأثيم. واجماع الصَّحَابَة قطع لَا ريب فِيهِ. وَالْوَجْه الثَّانِي من الْكَلَام أَن نقُول: إِن صَحَّ التأثيم وتغليظ القَوْل فِي بعض الصُّور، فَذَلِك لِأَن المغلظ المؤثم اعْتقد أَن الَّذِي جرى الْكَلَام فِيهِ لَيْسَ من المجتهدات وحسبه من القطعيات " وَلذَلِك " غلظ القَوْل. وَالْأَمر على خلاف مَا " قدره " " فَأَما " الَّذِي يتفقون على كَونه مُجْتَهدا، فَيجْمَعُونَ على ترك التأثيم فِيهِ.

стр. 1311

١٨٥٠ - فَإِن قَالُوا: " فَكيف " حسب ابْن عَبَّاس مسئلة الْعَوْل قَطْعِيَّة؟ قُلْنَا: فلسنا نضمن / عصمَة ابْن عَبَّاس، وَلَا عصمَة من هُوَ أجل " مِنْهُ " من الصَّحَابَة. وغرضنا " بسياق " هَذَا الْكَلَام أَن نصرف " التَّغْلِيظ " عَن المجتهدات " فتدبرها ". ١٨٥١ - وَأما مَا تمسكوا بِهِ من الْآثَار المنطوية على " الانتساب " إِلَى الْخَطَأ وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ، فَلَيْسَ يَلِيق بِمَا " اصلناه " من كفهم عَن " التأثيم " وَلَكِن " إِنَّمَا " تمسكوا بِهِ " بديا " فَنَقُول: لَا معتصم فِيهَا فَإِنَّهَا آحَاد. وَهِي مَعَ ذَلِك عرضة للتأويل. وَأما مَا " تعلقوا بِهِ "

стр. 1312

من النَّقْل من قَول بَعضهم، إِن أَخْطَأت فَمن نَفسِي، فَمَعْنَاه إِن أَخْطَأت نصا لم يبلغنِي، وَلَيْسَ الْمَعْنى بِهِ الْخَطَأ فِيمَا كلف. وَمَا روى عَن عمر بن الْخطاب ﵁ من الِاعْتِرَاف بالْخَطَأ فِي " المغالاة " فِي الْمهْر فَهُوَ على وَجهه. فَإِن ظَاهر نَهْيه ﵁ فِي خلال الْخطْبَة على مَلأ " من " الصَّحَابَة يُنبئ عَن الزّجر والردع وَفِيه الْإِفْضَاء إِلَى تَحْرِيم الْمُبَاح مَعَ " مهابة " عمر ﵁ فِي الْقُلُوب فَلَمَّا صدر مِنْهُ النَّهْي الْمُطلق، رأى استدراكه وَالِاعْتِرَاف على نَفسه. وَمَا روى عَن عَليّ ﵁ فَهُوَ بصدد التَّأْوِيل أَيْضا. فَإِنَّهُ قَالَ: إِن اجتهدوا / فقد أخطاوا. مَعْنَاهُ: أخطأوا وَجه الرَّأْي الَّذِي " أبديته " ورأيته وَلَيْسَ الْمَعْنى أَنهم أخطأوا مَا كلفوا. فَهَذَا وَجه مَا تمسكوا بِهِ من الْآثَار. فقد نجزت الدّلَالَة الَّتِي " عقدناها ".

стр. 1313

١٨٥٢ - وَالْأولَى عندنَا إِذا خضت فِي الِاسْتِدْلَال أَن تقسم الْكَلَام على " خصمك " فَتَقول: فتصويب الْمُجْتَهدين عنْدك " مِمَّا يَسْتَحِيل الْمصير إِلَيْهِ عقلا، أَو هُوَ مِمَّا يمْتَنع شرعا، فان قَالَ: " هُوَ " مِمَّا يَسْتَحِيل عقلا " فقد " ألحق جَائِزا بالمحالات. فَإِن الَّذِي صَار إِلَيْهِ المصوبون لَو قدر " وُرُود " الشَّرْع بِهِ، لم يسْتَحل. فَإِن الرب تَعَالَى لَو قَالَ: آيَات احكامي على الْمُكَلّفين غلبات " ظنونهم " فَمن غلب على ظَنّه شَيْء " فَالْعَمَل بِمُوجبِه حكمي عَلَيْهِ ". فَهَذَا لَا يعد من المستحيلات. فَإِن عَادوا وتمسكوا فِي تَحْقِيق الاستحالة بِمَا ادعوهُ من طرق المناقضات، فَالْجَوَاب عَنْهَا هَين على مَا سبق. وَإِن زَعَمُوا أَن ذَلِك لَا يَسْتَحِيل عقلا، وَإِنَّمَا يمْتَنع شرعا فنقيم عَلَيْهِم الدّلَالَة الَّتِي سبقت، حِينَئِذٍ. وَإِنَّمَا رَأينَا هَذَا التَّقْسِيم لِأَن الْمُخَالفين يتسرعون إِلَى ادِّعَاء اسْتِحَالَة تصويب / الْمُجْتَهدين عقلا، حَتَّى إِذا سلكوا هَذَا الْمنْهَج هان الْكَلَام عَلَيْهِم، وَإِن ردوا الْأَمر إِلَى الشَّرْع " تمسكا "

стр. 1314

بِالدّلَالَةِ السَّابِقَة.

стр. 1315

١٨٥٣ - " نجز " " الْكَلَام " على الْقَائِلين بِأَن الْمُجْتَهد مَأْمُور بالعثور على الْحق وَأَن الْمُصِيب من الْمُجْتَهدين " وَاحِد ". " وَبَقِي علينا الْكَلَام فِي ثَلَاثَة فُصُول " احدها: " فِي " الرَّد على من قَالَ: كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده. وَالثَّانِي: تَفْصِيل القَوْل فِي الْأَشْبَه. وَالثَّالِث: القَوْل بالتخيير / إِذا قُلْنَا بتصويب الْمُجْتَهدين / عِنْد تقَابل الأمارات. (٣١٦) فصل فِي الرَّد على من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده ١٨٥٤ - ذهب بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة / إِلَى أَن كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده واحدهما مُصِيب فِي الحكم. وَالثَّانِي مُخطئ فِيهِ، ويؤثر ذَلِك

стр. 1316

عَن أبي حنيفَة / ويحكى عَن الْمُزنِيّ وَغَيره من أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵁ " مثله " وَذكر القَاضِي ﵁ عَن الشَّافِعِي نصوصا دَالَّة على الْأَخْذ " فِيهَا " بِهَذَا المأخذ. ١٨٥٥ - وَأول مَا نفاتح الْقَوْم بِهِ أَن نقُول " هَل يُكَلف " الْمُجْتَهد العثور على الْحق الْمَطْلُوب بِالِاجْتِهَادِ؟ فَلَا يخلون عِنْد ذَلِك إِمَّا أَن يَقُولُوا: لَا يتَعَيَّن على الْمُجْتَهد " إِلَّا " الِاجْتِهَاد، فَأَما العثور على الْحق فَلَا يُكَلف.

стр. 1317

فَإِن سلكوا هَذِه " الطَّرِيقَة " فقد أفصحوا بمذهبنا " فَإِنَّهُم صوبوا كل مُجْتَهد فِيمَا كلف. على أَن " عباراتهم " " شنيعة " جدا كَأَنَّهُمْ أثبتوا حكما يتَعَلَّق بِهِ التَّكْلِيف وَهَذَا مَرْدُود بِاتِّفَاق. فَإِن الْأَحْكَام فِي المجتهدات وَغَيرهَا من الشرعيات " يتَعَلَّق " التَّكْلِيف بهَا إِجْمَاعًا إِذْ المستحيل ثُبُوت تَحْرِيم وَتَحْلِيل وَإِيجَاب وَندب من غير أَن يتَعَلَّق بِهِ تَكْلِيف مُكَلّف. ١٨٥٦ - فَإِن قَالُوا: إِن الْمُجْتَهد مَأْمُور " بِالِاجْتِهَادِ " والعثور على الْحق كَمَا " قَالَه " الْأَولونَ. فَيُقَال لَهُم: فَهَل على الْحق دَلِيل؟ فَإِن قَالُوا: أجل! قيل لَهُم فَكيف يكون الْمُجْتَهد مصيبا فِي اجْتِهَاده، وَهُوَ لم يتَمَسَّك بِمَا يُفْضِي بِهِ إِلَى الْحق - إِمَّا بِأَن حاد عَن الدّلَالَة فَلم يتَعَلَّق بهَا، أَو فرط فَلم يكمل النّظر فِيهَا. فَلَا يَسْتَقِيم مَعَ هَذَا الأَصْل القَوْل بِأَن الْمُجْتَهد أدّى مَا كلف فِي اجْتِهَاده. ١٨٥٧ - فَإِن قَالُوا: إِن بعض مَا أَتَى بِهِ من الِاجْتِهَاد، فقد أدّى مَا كلف فِيهِ وَلكنه " لم يتممه " فَنَقُول: فَمَا يُؤمنهُ أَنه لم يسْلك طَرِيق النّظر

стр. 1318

فِي الدّلَالَة وَلم / يضع نظره أَولا إِلَّا فِي شُبْهَة. مَعَ تَجْوِيز ذَلِك كَيفَ تطلقون القَوْل بتصويبه فِي الِاجْتِهَاد، على أَن الِاجْتِهَاد مِمَّا " لَا يَتَبَعَّض " فَإِذا " لم يكمل " لم يَصح شَيْء مِنْهُ. فَإِنَّهُ يطْلب لغيره، ويتنزل منزلَة الصَّلَاة يُؤَدِّي بَعْضهَا ثمَّ يطْرَأ عَلَيْهَا / " مَا " يُبْطِلهَا. على أَنا " نقُول " بعد مَا بَينا تناقضهم، نتمسك عَلَيْهِم بِالدّلَالَةِ القاطعة الَّتِي " لَا مخلص " مِنْهَا، " بِأَن نقُول " أَلَيْسَ مُجْتَهدا مَأْمُورا بِأَن يعْمل بِمُوجب اجْتِهَاده، مأثوما بالانكفاف عَنهُ، عَاصِيا بِتَرْكِهِ؟ / وَهَذَا حَقِيقَة الْوُجُوب وَلَا مُوجب إِلَّا الله، فَكيف يتَحَقَّق مَعَ ذَلِك أَن يَأْمُرهُ بالشَّيْء ويعصيه بِتَرْكِهِ / وَيجوز أَن يكون " مَنْهِيّا عَمَّا أَمر بِهِ " فَهَل هَذَا إِلَّا تنَاقض. لَا يستريب " فِيهِ " ذُو عقل! . ١٨٥٨ - فَإِن قَالُوا: فَالَّذِي ذكرتموه يبطل عَلَيْكُم بِمَا لَو اجْتهد وَعمل

стр. 1319

بِمُوجب اجْتِهَاده ثمَّ تبين " لَهُ " أَنه أَخطَأ " نصا " فَإِنَّهُ كَانَ مَأْمُورا بِمُوجب اجْتِهَاده. ثمَّ تبين " لَهُ " أَنه كَانَ مخطئا. وَهَذَا مِمَّا يعدونه من أعظم القوادح فِيمَا تمسكنا بِهِ. فَنَقُول: إِذا لم يفرط الْمُجْتَهد فِي الطّلب وَشدَّة الْبَحْث عَن النُّصُوص، وَلم يتَمَكَّن من العثور عَلَيْهِ، فَحكم الله " تَعَالَى " عَلَيْهِ مُوجب اجْتِهَاده قطعا. ويتنزل منزلَة من لم يبلغهُ النَّاسِخ للْحكم. فَيكون " مُخَاطبا " - على الْأَصَح - بِمُوجب الْمَنْسُوخ إِلَى أَن يبلغهُ النَّاسِخ. وَإِذا صددناهم عَن ذَلِك ضَاقَ عَلَيْهِم كل مَسْلَك، وَاسْتمرّ لنا مَا طردناه من " الدَّلَائِل ". (٣١٧) فصل فِي القَوْل بالأشبه، وَذكر اخْتِلَاف النَّاس فِيهِ ١٨٥٩ - ذهب طَائِفَة من الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن كل مُجْتَهد مُصِيب. وَلَا يُكَلف إِلَّا الْعَمَل بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده " لكنه " مَأْمُور عِنْد وضع الِاجْتِهَاد بِطَلَب الْأَشْبَه عِنْد الله تَعَالَى. ثمَّ إِذا طرد اجْتِهَاده فَلَا يُكَلف أَن يُصِيب الْأَشْبَه

стр. 1320

عِنْد الله تَعَالَى، وَلَكِن يعْمل بقضية اجْتِهَاده وَلم يقل بالأشبه إِلَّا المصوبون. وَإِلَيْهِ مَال عِيسَى بن أبان والكرخي فِي بعض رواياته. وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ مُحَمَّد بن الْحُسَيْن. ١٨٦٠ - ثمَّ روجعوا فِي الْأَشْبَه، اخْتلفت أجوبتهم فِي بَيَانه. فَذهب بَعضهم إِلَى الْكَفّ عَن بَيَانه. وَهَذَا نِهَايَة " الْعين ". فَإِن مَا ذَكرُوهُ إِن كَانَ مَجْهُولا عِنْدهم / " فيستحيل " اعْتِقَاده وَإِن كَانَ

стр. 1321

مَعْلُوما، يَأْتِي بِبَيِّنَتِهِ. وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْأَشْبَه عِنْد الله تَعَالَى " أولى " طرق الشّبَه فِي المقايس والعبر. ومثلوا ذَلِك بِأَن قَالُوا: إِذا ألحق القايس الْأرز بِالْبرِّ بِوَصْف " الطّعْم " أَو بِوَصْف الْقُوت أَو الْكَيْل " فأحد " هَذِه الْأَوْصَاف أشبه عِنْد الله تَعَالَى وَأقرب فِي التَّمْثِيل. والمجتهد يُكَلف نَفسه بِالِاجْتِهَادِ، العثور عَلَيْهِ. ثمَّ لَا عَلَيْهِ أَن " لَو " أخطأه. وَذهب آخَرُونَ " فِي " تَفْسِير الْأَشْبَه إِلَى أَن قَالُوا: الْأَشْبَه عِنْد الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي لَو ورد النَّص تَقْديرا لما ورد إِلَّا بِهِ. ١٨٦١ - فَنَقُول لَهُم: إِذا صوبنا الْمُجْتَهدين، وأوجبنا على كل " وَاحِد " تتبع مُوجب اجْتِهَاده، وَجَعَلنَا كل وَاحِد على حق عِنْد الله تَعَالَى فَلَا معنى لتقدير الْأَشْبَه مَعَ ذَلِك. " على أَنا نقُول لَهُم ": هَل يُكَلف الْمُجْتَهد العثور على الْأَشْبَه، أم لَا يُكَلف ذَلِك؟ فَإِن لم يُكَلف العثور عَلَيْهِ، فَكيف يجب طلبه، مَعَ أَن الْمُجْتَهد يعْتَقد أَنه لَا يُكَلف العثور عَلَيْهِ.

стр. 1322

وَإِن قُلْتُمْ: إِنَّه يجب العثور عَلَيْهِ، فَإِذا لم يعثر عَلَيْهِ الا وَاحِد من الْمُجْتَهدين، وَجب تخطئة البَاقِينَ. وَهَذَا خوض فِي الْمَذْهَب الأول الَّذِي ابطلناه " إِذْ لَا فصل " بَين تَقْدِير الْأَشْبَه، وَلَا دَلِيل يُوصل إِلَيْهِ / وَبَين تَقْدِير الْعلم، وَلَا دَلِيل يُوصل إِلَيْهِ / على أَن مَا " عولنا " عَلَيْهِ، يهدم الْمصير إِلَى الْأَشْبَه. فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل الْجمع بَين قَول الْقَائِل: يجب على كل مُكَلّف / أَن يعْمل بِمُوجب اجْتِهَاده ويعصي بِتَرْكِهِ، وَيجوز أَن " يكون " " الأمثل " لَهُ غَيره. وَالْأَشْبَه عِنْد الله تَعَالَى ترك مَا " يعصيه " بِتَرْكِهِ. ١٨٦٢ - ثمَّ نقُول: مَا ذكرتموه فِي الْأَشْبَه لَا معنى لَهُ. فَإِنَّكُم إِن عنيتم بِهِ مشابهة الْفَرْع الأَصْل فِي أَوْصَاف الذَّات فَهَذَا مُسْتَحِيل فِي طَرِيق اجْتِهَاد الشرعيات. فَإِن الشَّيْء خِلَافه كَمَا يُقَاس على مثله " فَلَا يعول فِي العبر " الشَّرْعِيَّة على تماثل الْأَوْصَاف

стр. 1323

" الذاتية ". وَإِن عنوا بالأشبه أَن الرب تَعَالَى نصب وَصفا من الْأَوْصَاف علما دون غَيره، فَكيف يَقُولُونَ مَعَ ذَلِك بتصويب الْمُجْتَهدين. وَهَذَا مَا لَا مخلص لَهُم مِنْهُ. ١٨٦٣ - ثمَّ نقُول: لم يُؤثر عَن الْقَائِلين بالأشبه، إِلَّا المقالات الثَّلَاث الَّتِي حكيناها أَحدهَا الْكَفّ عَن التَّفْسِير، وَهُوَ " تورط " فِي الْجَهَالَة. وَالثَّانِي: التَّفْسِير " بِأولى " وُجُوه الْقيَاس وَهُوَ بَاطِل، فَإِن " الأول " لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون أولى عقلا، وَهُوَ بَاطِل، وَإِمَّا أَن يكون أولى بِمَعْنى أَنه علم " على الحكم " دون غَيره. فَهُوَ الْحق " إِذا " وَمَا سواهُ فخطأ. وَلَا معنى للاشبه سوى مَا قُلْنَاهُ. وان خسروا الْأَشْبَه بِأَنَّهُ الَّذِي لَو ورد النَّص لم يرد إِلَّا بِهِ. فَنَقُول: " فَقولُوا " إِن من أخطأه مَعَ أَنه " وَجب عَلَيْهِ طلبه " فَهُوَ

стр. 1324

مُخطئ فَإِن قَالُوا: لَا نجعله مخطئا، لِأَنَّهُ " لم يرد " بِهِ النَّص قُلْنَا: فَلَا تجعلوه الْأَشْبَه " فَإِنَّهُ " لم يرد بِهِ النَّص. فَإِنَّهُ لَا معنى لكَونه أشبه / إِن / يرجع إِلَى ذَاته، " و " إِنَّمَا يكون اشبه بِنصب الشَّرِيعَة إِيَّاه علما على الحكم. فَإِذا لم ينصبه لم يكن لكَونه أشبه معنى. ١٨٦٤ - فَإِن اسْتدلَّ الْقَائِلُونَ بالأشبه بنكتة وَاحِدَة على المصوبين فَقَالُوا: لَا بُد " للمجتهد " من مَطْلُوب " وَلَا يتَصَوَّر " طلب من غير مَطْلُوب. وَقد منعتم أَن يكون المبطلون علما، وانكرتم أَن يكون لله تَعَالَى " حكم معِين فِي الْحَادِثَة " أَو أَمارَة مَنْصُوبَة على الحكم يتَعَيَّن " العثور " عَلَيْهَا. فَإِذا أبطلتم مَعَ ذَلِك الْأَشْبَه، فَمَا الَّذِي تطلبونه؟ وَهَذَا أعظم سُؤال على المصوبين. وَرُبمَا يوضحون ذَلِك بِالِاجْتِهَادِ فِي الْقبْلَة فَيَقُولُونَ من خفيت عَلَيْهِ أَدِلَّة " الْقبْلَة " " فَهُوَ " مَأْمُور بطلبها، ثمَّ إِنَّا نكلفه أَن يُصَلِّي إِلَى الْجِهَة الَّتِي أدّى اجْتِهَاده إِلَيْهَا، وَلَكِن

стр. 1325

" يتأسس " اجْتِهَاده على طلب الْقبْلَة ثمَّ يعْمل بقضيتها. وَلَا يُكَلف سوى قَضِيَّة اجْتِهَاده. وَكَذَلِكَ قَوْلنَا فِي الْأَشْبَه. وَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن نقُول: هَذَا الَّذِي ذكرتموه لَا يَصح مِنْكُم أَولا فَإِن معولكم فِيمَا ذكرتموه على أَن الطّلب من غير مَطْلُوب لَا يتَحَقَّق وَهَذَا ينعكس عَلَيْكُم مَعَ قَوْلكُم بِأَن العثور يجب على الْمَطْلُوب. فَإِذا لم توجبوا العثور على الْمَطْلُوب، وَعلم كل مُجْتَهد ذَلِك من نَفسه، فَأَي معنى لوُجُوب الطّلب؟ ثمَّ " يُقَال " " بِمَ " تنكرون على من يزْعم أَن الْمَطْلُوب بِالِاجْتِهَادِ غَلَبَة الظَّن! فمهما غلب " بطرِيق الِاجْتِهَاد " على ظن الْمُجْتَهد " ضرب " من الحكم فغلبة " ظَنّه " أَنه حكم لله تَعَالَى عَلَيْهِ. ١٨٦٥ - فَإِن قَالُوا: " فمجرد " غَلَبَة الظَّن لَا ينْتَصب آيَة وفَاقا، حَتَّى تقع غَلَبَة الظَّن عَن اجْتِهَاد. وَالِاجْتِهَاد يَنْبَغِي أَن يَنْبَنِي على " قصد " مَطْلُوب. ويستحيل أَن يكون مَطْلُوب الْمُجْتَهد غَلَبَة " الظَّن " بل يطْلب شَيْئا

стр. 1326

ويغلب على ظَنّه أَنه أَصَابَهُ فَيكون ذَلِك ظن صدر عَن اجْتِهَاده " مُتَعَلق " بمطلوب وانتم إِذا لم تثبتوا مَطْلُوبا أصلا فَلَا يتَقَدَّر الِاجْتِهَاد. قُلْنَا: سَبِيل التَّوَصُّل إِلَى غَلَبَة الظَّن / مَا نذكرهُ الْآن وَهُوَ " أَن الْمُجْتَهد " يعلم أَن الصَّحَابَة ﵃ تمسكوا بِاعْتِبَار / الْعِلَل وَغَلَبَة الْأَشْبَاه وحكموا بِمَا يخْطر لَهُم من قضاياها فيسلك الْمُجْتَهد مسلكهم، مَعَ أَنه يعْتَقد عدم تعْيين " حكم " مُحَقّق أَو مُقَدّر فمهما قدر نَفسه سالكا مسلكهم فِي الْحَادِثَة الْوَاقِعَة فيغلب على ظَنّه عِنْد " ذَلِك " مُوجب اجْتِهَاده فقد وضح وَجه التَّوَصُّل إِلَى غَلَبَة الظَّن، من غير تَقْدِير الْأَشْبَه كَمَا صرتم إِلَيْهِ. " و " من غير تَقْدِير الْحق الكامن، كَمَا صَار إِلَيْهِ الْأَولونَ.

стр. 1327

(٣١٨) فصل القَوْل بالتخيير عِنْد تقَابل الأمارات / ١٨٦٦ - فَإِن قَالَ " قَائِل " " إِذا " اجْتهد الْمُجْتَهد، " فتقابل " فِي ظَنّه وَجْهَان من الِاجْتِهَاد وَلم يتَرَجَّح أَحدهمَا على الآخر وهما متعلقان بحكمين متنافيين فَمَا قَوْلكُم فِي هَذِه الصُّور؟ قُلْنَا: أما من زعم أَن الْمُصِيب وَاحِد، فقد اخْتلفت أَقْوَالهم فِي هَذِه الصُّورَة. فَذهب بَعضهم إِلَى أَنه يُقَلّد عَالما " قد " قطع بِأحد وَجْهي اجْتِهَاده.

стр. 1328

وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه لَا يُقَلّد " عَالما " وَلَا يَأْخُذ بِاجْتِهَاد نَفسه وَلَكِن يتَوَقَّف، ويصمم على طرق التَّرْجِيح. ١٨٦٧ - فَإِن تضيق الْأَمر فقد اخْتلف مانعوا التَّقْلِيد عِنْد ذَلِك. فَذهب ذاهبون إِلَى جَوَاز التَّقْلِيد فِي هَذِه الْحَالة، وَإِن " منعُوا " فِي غَيرهَا من الْأَحْوَال. وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنه لَا يُقَلّد وَلَكِن يعْمل بِأَحَدِهِمَا. ويستقصى القَوْل فِي ذَلِك فِي كتاب التَّقْلِيد. إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأما " المصوبون " فقد خير بَعضهم، وَمنع بَعضهم القَوْل بالتخيير " وصاروا " إِلَى التَّوَقُّف " أَو " التَّقْلِيد. وَزعم أَنه حكم الله تَعَالَى عَلَيْهِ قطعا. قَالَ القَاضِي ﵁: وَالصَّحِيح فِي ذَلِك عندنَا مَا صَار إِلَيْهِ شَيخنَا ﵁. وَهُوَ أَن الْمُجْتَهد يتَخَيَّر فِي الْأَخْذ بِأَيّ الاجتهادين شَاءَ. وَالدَّلِيل " على ذَلِك " بطلَان التَّقْلِيد، على مَا نوضحه. فَإِذا بَطل التَّقْلِيد وَقد أوضحنا بِمَا قدمْنَاهُ أَن كل مُجْتَهد مُصِيب وَقد

стр. 1329

اسْتَوَى فِي حَقه / الاجتهادان، فَلَا سَبِيل إِلَى الْأَخْذ بِمَا شَاءَ الا بِضيق الْوَقْت. فَينزل الحكمان فِي حَقه / منزلَة الْكَفَّارَة فِي حق الحانث. ١٨٦٨ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَفِي الْمصير إِلَى التَّخْيِير خرق الْإِجْمَاع. وَذَلِكَ أَنه إِذا نقل عَن الصَّحَابَة قَولَانِ فِي الْمَسْأَلَة فاجتهد فيهمَا الْمُجْتَهد و " تقاوم " الاجتهادان فِي حَقه، فَلَو صَار التَّخْيِير كَانَ قولا ثَالِثا وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَن من صَار إِلَى إِيجَاب رَقَبَة فِي حَادِثَة، مَعَ من صَار إِلَى إِيجَاب الْكسْوَة، لَا يوافقان من خير بَينهمَا. فَإِن الْمُخَير سلك مسلكا سوى مسلكهما. " فَمن " هَذَا الْوَجْه لزم اختراع قَول ثَالِث. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن التَّخْيِير / من الْأَحْكَام المعدودة فِي مَرَاتِب أَحْكَام الشَّرِيعَة ويتميز " بِهِ " بعض الْكَفَّارَات عَن بعض. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه يَنْقَلِب عَلَيْكُم على وَجه " لَا تَجِدُونَ " عَنهُ " مخلصا فَإنَّا نقُول: " إِذا " تقَابل الاجتهادان، وتضيق الحكم، وَلم يجد الْمُجْتَهد من يقلده. فَمَا

стр. 1330

قَوْلكُم فِي هَذِه الصُّورَة؟ فيضطرون إِلَى القَوْل بِأَنَّهُ يَأْخُذ " بِأَحَدِهِمَا و " يلْزمهُم " فِي هَذِه الصُّورَة مَا ألزمونا. فَإِن قَالُوا: يتَوَقَّف! فَكيف يُمكنهُم ذَلِك؟ وَقد صور عَلَيْهِم التَّضْيِيق وَمنع التَّأْخِير بِإِجْمَاع على أَن للخصم أَن يَقُول: التَّوَقُّف حكم " ثَالِث ". ١٨٦٩ - ثمَّ نقُول: لسنا نقُول " إِن " التَّخْيِير يثبت " حكما " فِي حق الْمُجْتَهد حَتَّى يعْتَقد أَنه " ثَالِث " وَلَكِن يَأْخُذ بِأَحَدِهِمَا. و " يُوَافق من يَشَاء " من الْمُخْتَلِفين فِي الْعَصْر الْمَاضِي. وَهُوَ كالمستفتي يتَصَدَّى " لَهُ " مفتيان مستويان فِي كل الْأَوْصَاف " وفتوياهما " " لَهُ " مُخْتَلِفَانِ. فَيَأْخُذ بفتوى أَحدهمَا، وَلَا يكون ذَلِك تخييرا.

стр. 1331

فوضح / الِانْفِصَال عَمَّا ألزموه. ١٨٧٠ - فَإِن قَالُوا: أَلَيْسَ معولكم على غَلَبَة الظَّن فِي كل مَا قدمتموه. " فَإِذا " تقَابل الاجتهادان فقد خلت الْمَسْأَلَة " عَن " غَلَبَة الظَّن. قُلْنَا: " إِذا " تقَابل الاجتهادان فتقابلهما أَمارَة فِي " إثارة " غَلَبَة الظَّن بالتخيير. وَهَذَا وَاضح / فافهمه وَقد انْقَضى الْكَلَام فِي تصويب الْمُجْتَهدين /.

стр. 1332

(٣١٩) بَاب " القَوْل " فِي جَوَاز " التَّعَبُّد " بِالْقِيَاسِ فِي حَضْرَة الرَّسُول [ ﷺ ] ١٨٧١ - اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَذهب ذاهبون إِلَى منع " التَّعَبُّد " بِالْقِيَاسِ فِي " حَضْرَة " الرَّسُول [ ﷺ ] ، وَذهب آخَرُونَ إِلَى جَوَاز ذَلِك عقلا

стр. 1333

وَهُوَ الَّذِي نرتضيه. " فَإِن " الْجَائِز يتَمَيَّز عَن المستحيل بِانْتِفَاء وُجُوه الاستحالة. وَجُمْلَة وُجُوه الاستحالة منتفية فِي جَوَاز " وُرُود " " التَّعَبُّد " بِالْقِيَاسِ بِحَضْرَة الرَّسُول [ ﷺ ] " و " لَو قدر مُصَرحًا بِهِ، لم يسْتَحل بِأَن يَقُول صَاحب الشَّرِيعَة، إِذا عنت لكم حَادِثَة فَأنْتم بِالْخِيَارِ فِيهَا. " إِن " " أَحْبَبْتُم "

стр. 1334

" راجعتموني " لأخبركم بِحكم الله تَعَالَى " وَحيا " واجتهادا. " وَإِن " " أَحْبَبْتُم " فاجتهدوا. " فغلبة " ظنكم أَمارَة حكم الله تَعَالَى عَلَيْكُم. فَهَذَا لَا يَسْتَحِيل عقلا. لَا فِي صفة المتعبد تَعَالَى وَجل، وَلَا فِي صفة المتعبد / وَلَا فِي صفة التَّعَبُّد /. ١٨٧٢ - فَإِن قَالُوا: من كَانَ بِحَضْرَة الرَّسُول، فَهُوَ قَادر على " التَّوَصُّل " إِلَى النَّص. وَلَا يسوغ الِاجْتِهَاد مَعَ الْقُدْرَة على الْوُصُول إِلَى النَّص. قُلْنَا: فَهَذَا أَيْضا دَعْوَى مِنْكُم. على أَنا نقُول: لَيْسَ كلامنا فِيمَا اسْتَقر فِيهِ نَص. وَإِنَّمَا كلامنا فِي حَادِثَة لم يُؤثر فِيهَا عَن الرَّسُول [ ﷺ ] جَوَاب. فَهِيَ قبل مُرَاجعَة الرَّسُول [ ﷺ ] خَالِيَة عَن النَّص.

стр. 1335

(٣٢٠ فصل فِي بَيَان وُقُوع الِاجْتِهَاد فِي عصر النَّبِي [ ﷺ ] ) ١٨٣٧ - فَإِن قَالَ قَائِل: قد ذكرْتُمْ جَوَاز التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ عقلا. " فَهَل ورد الشَّرْع بِهِ "؟ قَالَ القَاضِي ﵁: أما " الَّذين " غَابُوا عَن مَجْلِسه [ ﷺ ] فقد صَحَّ تعبدهم بِالْقِيَاسِ فِي أَخْبَار " تلقتها " الْأمة بِالْقبُولِ. مِنْهَا حَدِيث معَاذ بن جبل ﵁ حَيْثُ قَالَ لَهُ رَسُول [ ﷺ ] / بِمَ تحكم؟ قَالَ: بِكِتَاب الله. قَالَ: فَإِن لم تَجِد؟ قَالَ: فبسنة رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: / فَإِن لم تَجِد؟ قَالَ: فاجتهد رَأْيِي " وَلَا آلو " فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] الْحَمد لله الَّذِي وفْق " رَسُول " رَسُول الله لما يرضاه رَسُول الله. ونعلم أَيْضا أَن الَّذين " بعدوا " عَن مَجْلِسه من ولَايَة " و " مستخلفيه
следующие страницы →