Полный текст (1 418 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
وَلم يُغْنِهِم تقاعسهم حَتَّى أزروا على ذَوي الْحجَّاج السالكين أَسد المناهج. وطرق الرَّد عَلَيْهِم كَثِيرَة. وَالْوَاحد مِنْهَا يَجْزِي " من " تَأمل.
١٩٠٩ - فَنَقُول لَهُم: معاشر المقلدين! هَل علمْتُم أَن التَّقْلِيد يُفْضِي إِلَى الْعلم، أم لم تعلمُوا ذَلِك؟ فَإِن قُلْتُمْ: أَنا " لم نعلمهُ " - هُوَ كلمة الْحق - " فَفِي ضلال " تعمهون. و " بِهِ على أَنفسكُم " تعترفون وَإِن زعمتم: أَنا نعلم افضاءه إِلَى الْحق - فَلَا تخلون " اما " أَن تعلمُوا ذَلِك ضَرُورَة " و " بديهة أَو " لاتعلمون " ضَرُورَة و " لَا " بديهة.
فَإِن ادعيتم الْعلم الضَّرُورِيّ، سَقَطت مكالمتكم ووضحت " مباهتتكم " وَلم تسلموا من معارضتكم بِدَعْوَى الضَّرُورَة فِي صد مَقَالَتَكُمْ.
وَإِن هم زَعَمُوا أَنا " نعلم " إفضاء التَّقْلِيد إِلَى طرق التسديد بِالدّلَالَةِ
стр. 1367
سئلوا عَن إِقَامَتهَا " وهيهات ".
" فَإِن " خَاضُوا فِي ابتغائها وانتحائها، فقد خَاضُوا فِي النّظر من حَيْثُ لم يشعروا.
١٩١٠ - فَإِن " قَالُوا ": " إِنَّمَا " علمنَا إفضاء التَّقْلِيد إِلَى الْعلم بالتقليد، سئلوا عَن إِقَامَة الدَّلِيل على التَّقْلِيد الَّذِي جَعَلُوهُ أصلا للتقليد فيتسلسل عَلَيْهِم القَوْل، وَلَا يَجدونَ عَنهُ مخرجا.
١٩١١ - فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا علمنَا افضاء التَّقْلِيد إِلَى الْعلم بِمَا فِي الْكتاب وَالسّنة من الْأَمر بالاتباع.
قيل " لَهُم ": " وأنى " لكم التَّمَسُّك بِكِتَاب الله. وَلَا يثبت كتاب الله تَعَالَى إِلَّا بِحجَّة. فَبِمَ علمْتُم أَن الَّذِي " اعْتَصَمْتُمْ " بِهِ كتاب الله تَعَالَى.
فَهَذِهِ ورطة لَا مخلص لَهُم " عَنْهَا ".
стр. 1368
١٩١٢ - ثمَّ نقُول لَهُم: إِذا قلدتم فِي أصُول الدّين وَاحِدًا مِنْكُم، فَلَا شكّ أَنكُمْ لَا توجبون لمن اتبعتموه الْعِصْمَة وتجوزون عَلَيْهِ الزلل. فَمَا الَّذِي حملكم على اتِّبَاعه و " هَذَا " حَاله! فَإِن رجعتم إِلَى مُجَرّد القَوْل " فقد " " وسعتم " مَذَاهِب الدّين. وَأَقل مَا يلزمكم عَلَيْهِ، كف النكير عَن معتقدي الْبدع إِذا قلدوا " أَصْحَابهم ". فَإِن وَاحِدًا مِنْكُم لم يعول على حجاج.
١٩١٣ - فَإِن قَالُوا: " مَعنا " السوَاد الْأَعْظَم. وَقد وصّى رَسُول الله [ ﷺ ] بِاتِّبَاع السوَاد الْأَعْظَم.
قُلْنَا: فَلَا جهل يزِيد على " الْفَنّ الَّذِي " أظهرتموه. فَإِنَّكُم " تنازعون فِي إِثْبَات رب الْمُرْسل " وتطالبون بِمَا فِيهِ " عصمتهم " فتستدلون فِيهِ بقول
стр. 1369
الرَّسُول [ ﷺ ] .
ثمَّ لَا معول على السوَاد الْأَعْظَم فِي أصل الدّين. فَإِن سَواد الْكَفَرَة أعظم من سوادنا وَلَقَد كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] فِي صدر الْإِسْلَام فِي شرذمة قَليلَة الْعدَد.
وَلَيْسَ الْمَعْنى بِاتِّبَاع السوَاد الْأَعْظَم الِاتِّبَاع فِي أصُول الدّين. فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه. ووضحت / فِي أصُول الدّين " غرتهم " " وشدحت " فِي أصُول العقائد " عورتهم ".
١٩١٤ - ثمَّ نقُول " لَهُم ": خبرونا! هَل فِي السَّمَوَات وَالْأَرضين حجَّة على ثُبُوت الصَّانِع؟ /.
فَإِن أَنْكَرُوا ذَلِك انتسبوا إِلَى رد الْكتاب، وَهُوَ مفزعهم وَإِن أثبتوا الْحجَّة، سئلوا عَن وَجههَا. فيضطرون إِلَى الْخَوْض فِي الْحجَّاج. وَالْكَلَام عَلَيْهِم طَوِيل، وَهَذَا قَلِيل من كثير. ١٩١٥ واعتصم أَصْحَابنَا بِكُل ظَاهر فِي الْكتاب وَالسّنة يتَضَمَّن
стр. 1370
" الْأَمر " بِالِاعْتِبَارِ والاحتجاج وَلَهُم جمل من الظَّوَاهِر، يهون الْكَلَام " عَلَيْهِم فِيهَا ".
فَرَأَيْنَا الإضراب عَن تمسكهم " بهَا ".
(٣٢٦) القَوْل فِي منع التَّقْلِيد فِي الْفُرُوع
١٩١٦ - اعْلَم أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي جَوَاز التَّقْلِيد فِي الْفُرُوع.
وَالْكَلَام فِي " هَذَا " يَنْقَسِم إِلَى أصلين.
أَحدهمَا: تَقْلِيد الصَّحَابَة / وَالثَّانِي: تَقْلِيد من عداهم من الْعلمَاء فَأَما تَقْلِيد الصَّحَابَة / فسنفرده بالْكلَام بعد ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٩١٧ - وَأما تَقْلِيد " من " سواهُم - فقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ.
فَذهب بَعضهم إِلَى أَنه يجوز للْعَالم / إِذا عنت حَادِثَة أَن يُقَلّد عَالما مَعَ اقتداره أَن يجْتَهد لنَفسِهِ، ثمَّ الَّذين سوغوا التَّقْلِيد فِي هَذِه الصُّورَة اخْتلفُوا فِي أَنه هَل يجوز / أَن يُقَلّد ليفتي بِمَا قلد " فِيهِ "؟ فَمنهمْ من
стр. 1371
" جوز " ذَلِك. وَمِنْهُم من " أَبَاهُ ".
١٩١٨ - وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَنه لَا يجوز للْعَالم أَن يُقَلّد " عَالما " فِي مثل دَرَجَته. وَيجوز لَهُ أَن يُقَلّد من هُوَ أعلم " مِنْهُ " " مَعَ " استوائهما فِي كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا " مُجْتَهدا ". وَإِلَى ذَلِك مَال مُحَمَّد بن الْحسن.
١٩١٩ - وَأَبُو حنيفَة كَانَ يجوز التَّقْلِيد مُطلقًا.
١٩٢٠ - وَذهب الشَّافِعِي ومعظم الْعلمَاء إِلَى أَنه لَا يجوز للْعَالم " أَن يُقَلّد " الْعَالم. من غير الصَّحَابَة.
١٩٢١ - ثمَّ هَؤُلَاءِ اخْتلفُوا فِي صُورَة " وَاحِدَة ".
" وَهِي " أَن الْعَالم إِذا استدت " عَلَيْهِ طرق الِاجْتِهَاد وتضيق عَلَيْهِ حكم الْحَادِثَة نَحْو الِاجْتِهَاد فِي الْقبْلَة مَعَ تضييق وَقت الصَّلَاة فَهَل يسوغ لَهُ - وَالْحَالة هَذِه - أَن يُقَلّد عَالما؟ .
стр. 1372
فَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي منع التَّقْلِيد فِي هَذِه الصُّورَة أَيْضا وَأَجَازَ الْمُزنِيّ التَّقْلِيد فِي هَذِه الصُّورَة.
١٩٢٢ - قَالَ القَاضِي ﵁ وَالَّذِي نختاره / منع التَّقْلِيد.
стр. 1373
وَإِذا قيل لنا: فَهَل فِي الشَّرْع " من " تَقْلِيد مُبَاح؟ أبيناه. فَإِن " ألزمونا " تَقْلِيد الْعَاميّ المستفتى - لم نجعله مُقَلدًا، على مَا أوضحنا القَوْل " فِيهِ " فِي الْبَاب السَّابِق.
١٩٢٣ - وَنحن نقدم على الْخَوْض فِي الْحجَّاج فصلا، ذهل عَنهُ مُعظم الْمُتَكَلِّمين فِي هَذَا الْبَاب.
فَنَقُول: لَو رددنا إِلَى جائزات الْعُقُول، لَكَانَ أَخذ الْعَالم بقول " عَالم " آخر من الجائزات - لَو قَامَت بِهِ حجَّة سمعية - وَلَيْسَ من المستحيلات. فَكَانَ يجوز أَن يَقُول الرب تَعَالَى، لكل عَالم " أَن يَأْخُذ " " بقول " عَالم مثله وَيتْرك
стр. 1374
" الِاجْتِهَاد. " ثمَّ " لَو ثَبت ذَلِك لم يكن ذَلِك تقليدا.
بل يصير قَول الْعَالم الْمُفْتِي علما وأمارة فِي حق الْعَالم المستفتى " وَيكون " متمسكا بِمَا نَصبه الله تَعَالَى حجَّة لَهُ.
١٩٢٤ - ومعظم من خَاضَ فِي هَذَا " الْفَنّ " بنى الْأَدِلَّة بِنَاء يدل على منع التَّقْلِيد عقلا، وَنحن نذْكر مَا ذكره مانعوا التَّقْلِيد ونبين فَسَاده. ثمَّ نذْكر مَا عَلَيْهِ الْمعول، إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَجل.
١٩٢٥ - فمما عولوا " عَلَيْهِ " أَن قَالُوا: كل عَالم بصدد " أَن يزل " فَإِذا لم تجب لَهُ الْعِصْمَة لم تقم بقوله الْحجَّة. " إِذا " كَانَ الْمُجْتَهد قَادِرًا على التَّمَسُّك بالحجاج / وَالِاجْتِهَاد. فَذَلِك / أَحْرَى لَهُ. وَهَذِه دَعْوَى مُجَرّدَة.
فَيُقَال " لَهُم ": لم زعمتم أَن من لَا تجب لَهُ الْعِصْمَة
стр. 1375
لَا يجوز الرُّجُوع إِلَى قَوْله. وَهل تنازعون إِلَّا فِي هَذَا؟ فَلَو قَالَ الرب تَعَالَى مهما صدر قَول من عَالم فاقبلوه. فَإِن جوزتم خطأه فَحكى " عَلَيْكُم " مُوجب " قَوْله " وَلَا عَلَيْكُم لَو أَخطَأ فِي نَفسه - كَانَ ذَلِك غير مُسْتَحِيل.
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنا نرْجِع إِلَى قَول الروَاة " مَعَ " جَوَاز زللهم وَنَرْجِع إِلَى طرق الِاعْتِبَار فِي المجتهدات، وَإِن كُنَّا لَا نقطع بهَا. وَنَرْجِع إِلَى قَول الشُّهُود فِي الحكومات والخصومات، مَعَ أَنا لَا نقطع بصدقهم. فَبَطل التعويل على هَذِه الطَّرِيقَة.
١٩٢٦ - وَمِمَّا عولوا " عَلَيْهِ " أَيْضا، أَن قَالُوا: إِذا / اسْتَوَى " العالمان " فِي " التَّمَكُّن من " الِاجْتِهَاد، " فيتنزلان " فِي ذَلِك منزلَة الْعَاميّ والعالم فِي أصل الدّين. فَإِنَّهُمَا لما اسْتَويَا فِي تصور الِاسْتِدْلَال / وَالنَّظَر من كل وَاحِد، مِنْهُمَا فِي أصل الدّين، لم يجز للعامي تَقْلِيد الْعَالم فِيمَا يقدر على الِاجْتِهَاد فِيهِ. فَكَذَلِك العالمان فِي الْفُرُوع فَيُقَال
стр. 1376
" لَهُم ": هَذَا غير مُسْتَقِيم. " فَإنَّا " لَو قَدرنَا وُرُود الشَّرْع بتقليد الْعَالم الْعَالم فِي الْفُرُوع " لم يسْتَحل " كَمَا قدمْنَاهُ فِي صدر الْبَاب. وَلَو قَدرنَا وُرُود الشَّرْع بالتقليد " فِي " معرفَة الله تَعَالَى، لَكَانَ مستحيلا. فَإِن من شَرط وُرُود التَّكْلِيف معرفَة الْمُكَلف و " لن يعلم من طَرِيق " التَّقْلِيد. فَلَو قَالَ الله تَعَالَى - لَا تستدلوا و " أعلموني " لَكَانَ " ذَلِك " من قبيل تَكْلِيف الْمحَال. وَهَذَا بَين لكل من تَأمله.
على أَن الِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع، إِنَّمَا هُوَ تمسك بِمَا لَا يقطع بِهِ، وَلَيْسَ كالاستدلال فِي الْأُصُول. فَكل مَا يوردونه يبطل بقريب من الطّرق الَّتِي ذَكرنَاهَا.
١٩٢٧ - وَمِمَّا يستدلون بِهِ أَيْضا، أَن قَالُوا: لَو جَازَ للْعَالم تَقْلِيد الْعَالم لما افترق " المتبع " والمتبع. وَالشّرط أَن يُفَارق التَّابِع الْمَتْبُوع إِمَّا فِي علم وَإِمَّا فِي عصمَة. وَقد " عدما " جَمِيعًا فِي الْمُتَنَازع فِيهِ.
стр. 1377
فَيُقَال " لَهُم " / وَهَذِه دَعْوَى أَيْضا.
ثمَّ نقُول " و " / لم شرطتم اخْتِلَاف التَّابِع والمتبوع فِي الْعِصْمَة وَالْعلم؟ وَعَن هَذَا " تسئلون " فيضعف كل مَا " يعتصمون " بِهِ.
وَرُبمَا يستدلون بظواهر، لَا تقوم بهَا حجَّة. وَهِي كَثِيرَة.
١٩٢٨ - وَالَّذِي يجب " التعويل " عَلَيْهِ، أَن نقُول: لَو جَوَّزنَا للْعَالم أَن يُقَلّد الْعَالم، لَكَانَ قَوْله فِي حَقه علما مَنْصُوبًا على الحكم الْوَاجِب " عَلَيْهِ " و " ينزل " ذَلِك منزلَة سَائِر الْأَدِلَّة " المنصوبة " فِي الشرعيات، على مَا أوضحناه فِيمَا سبق.
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فيستحيل إثْبَاته دَلِيلا، عقلا. فَإِن الْأَدِلَّة السمعية يدْرك جَوَاز كَونهَا أَدِلَّة، بالعقول. فَأَما أَن يدْرك " ثُبُوتهَا " أَدِلَّة بالعقول " فَلَا ".
стр. 1378
فَإِنَّهَا لَا تدل على مدلولاتها لأنفسها. وَإِنَّمَا تدل بِنصب صَاحب الشَّرِيعَة إِيَّاهَا أَدِلَّة.
١٩٢٩ - فَإِذا أوضح ذَلِك قُلْنَا: قد قَامَت " الدّلَالَة " القاطعة على انتصاب المقاييس والعبر وَغَيرهَا من طرق " الِاجْتِهَاد " " أَدِلَّة ". وَبَقِي التَّقْلِيد على النزاع.
وموارد الشَّرْع الَّتِي تلتمس / مِنْهَا دلالات الْقطع مضبوطة مِنْهَا: نُصُوص الْكتاب و " السّنة المستفيضة " واجماع الْأمة. وَلَيْسَ مَعَ خصومنا نَص كتاب وَلَا نَص سنة مستفيضة. وَلَا يَنْبَغِي الْإِجْمَاع فِي مَوضِع الْخلاف.
" فَهَذِهِ مصَادر الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة القطعية، فَإِذا انسدت بَطل " كَون " قَول الْعَالم حجَّة فِي " حق " عَالم مثله.
١٩٣٠ - فَإِن قَالُوا: أما الْإِجْمَاع فَلَا ندعيه.
وَأما نُصُوص الْكتاب فَلم زعمتم انتفائها؟ وَهل هَذَا إِلَّا تمسك مِنْكُم بِالدَّعْوَى! وَكَذَلِكَ الْمُطَالبَة " فِي " السّنَن.
стр. 1379
قيل لَهُم: هَذَا " الْآن " تعنت مِنْكُم وعناد. فَإنَّا قُلْنَا: لَيْسَ مَعكُمْ " نَص " كتاب لَا يقبل التَّأْوِيل، فِي إِثْبَات التَّقْلِيد، وَلَا يمكننا أَن نتلو الْقُرْآن عَلَيْكُم من أَوله إِلَى آخِره. و " لَكِن " تأملنا مَا " بِهِ " اعتصامكم من آي الْكتاب. فرأيناها لَا تبلغ " مبلغ " النُّصُوص. ويعارضها مَا هُوَ " أقوى " مِنْهَا فِي الِاحْتِجَاج.
وَمَا قُلْنَاهُ فِي السّنَن يتَحَقَّق على هَذَا الْمنْهَج. إِذْ لَيْسَ " فِيهَا " " نَص ". وَلَو قدر كَانَ سَبيله الْآحَاد. وتتأكد هَذِه الدّلَالَة بِأَصْل نوضحه فَنَقُول: لَا ينْتَصب " الشَّيْء " دَلِيلا وعلما فِي الشرعيات إِلَّا بِدلَالَة قَاطِعَة. فَإِنَّهُ لَو ثَبت بِمَا لَا يقطع بِهِ " لاحتيج " إِلَى إِثْبَات " مثبته "
стр. 1380
" ثمَّ " يتسلسل القَوْل فِيهِ إِلَى " مَا لَا يتناهى "
فَهَذِهِ هِيَ الدّلَالَة السديدة، وَمَا عَلَيْهَا معترض.
١٩٣١ - فَإِن قَالُوا: " أَكثر " / مَا ادعيتموه انْتِفَاء وُرُود الشَّرْع بِنصب الْعَالم علما فِي حق الْعَالم. وَعدم وُرُود الشَّرْع لَا يدل على تَحْرِيم التَّقْلِيد. فَإِن التَّحْرِيم يفْتَقر إِلَى دَلِيل. كَمَا أَن الْإِبَاحَة تفْتَقر إِلَى دَلِيل. " وَانْتِفَاء " دَلِيل الْإِبَاحَة لَا يدل على التَّحْرِيم.
وَهَذَا لعمري سُؤال يجب الاعتناء بِالْجَوَابِ عَنهُ.
فَنَقُول: إِذا ثَبت أَن قَول الْعَالم لم ينْتَصب علما وَشرعا، وَلم تقم " عَلَيْهِ " حجَّة وَمثل ذَلِك لَو قدر " لَكَانَ " " سَبيله " الشَّرْع. وَقد وضح " وجوب " الِاجْتِهَاد " بالأدلة " القاطعة. فَلَا سَبِيل إِلَى ترك مَا ثَبت قطعا، بِمَا لم يثبت.
١٩٣٢ - هَذَا بِأَن نقُول: أجمع الْمُسلمُونَ على أَن من تصدى
стр. 1381
" لَهُ " طَرِيقَانِ شرعيان / " و " وضح طَرِيق الشَّرْع فِي أَحدهمَا وجوبا، وَلم يرد الشَّرْع فِي الثَّانِي، لَا نفيا وَلَا إِثْبَاتًا فَيجب التَّمَسُّك بِمَا وضح الشَّرْع فِيهِ. وَهَذَا إِجْمَاع. فَإِذا ثَبت لنا انْتِفَاء الْأَدِلَّة السمعية، فَتثبت مُلَازمَة الِاجْتِهَاد بطرِيق الْإِجْمَاع. وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ.
١٩٣٣ - وَأَوْمَأَ القَاضِي ﵁ إِلَى الِاسْتِدْلَال بالظواهر المنصوبة على الْأَمر بِالِاعْتِبَارِ، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿فاعتبروا يأولي الأبصر﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَفلا يتدبرون القرءان﴾ إِلَى غير ذَلِك من الظَّوَاهِر الدَّالَّة على وجوب الِاعْتِبَار. وَهِي سهلة الْمدْرك إِذا تتبعتها. وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم﴾ .
وَكَذَلِكَ شَوَاهِد من سنة رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَلكنهَا آحَاد.
١٩٣٤ - وكل مَا ذَكرْنَاهُ " دَلِيلا " فِي هَذَا الْفَصْل، فَهُوَ دَلِيل فِي جملَة فُصُول الْبَاب، فَيرد بِهِ على من جوز الْفَتْوَى بالتقليد، وعَلى من جوز تَقْلِيد الأعلم. و " طَرِيق " الرَّد على جَمِيعهم وَاحِد، غير مُخْتَلف.
стр. 1382
(٣٢٧) شبه الْمُخَالفين
١٩٣٥ - فمما تمسكوا بِهِ، أَن قَالُوا: " إِذا " جَازَ للعامي أَن يُقَلّد الْعَالم لم يستبعد ذَلِك فِي الْعَالم. فَإِنَّهُ فِي حَال تَقْلِيده، غير عَالم بِمَا " قلد فِيهِ " كَمَا أَن الْعَاميّ غير عَالم بِمَا يستفتي " فِيهِ ".
/ وَهَذَا سَاقِط من الْكَلَام. إِذْ ذكرنَا أَن الْعَاميّ لَا يكون مُقَلدًا فِي استفتائه / وَلَكِن ينزل قَول الْعَالم فِي حَقه، منزلَة الْأَدِلَّة فِي حق الْمُجْتَهدين. وَقد قَامَت دلَالَة الاجماع على انتصاب قَول الْعَالم " علما " عَلَيْهِ، " وَلَا دَلِيل " على كَونه علما فِي حق الْعَالم.
وَلَيْسَت هَذِه الْمَسْأَلَة مِمَّا يتَمَسَّك فِيهَا بالطرديات. " وسبيلك " فِي مفاتحة الْكَلَام عَلَيْهِم، إِذا تمسكوا بِهَذَا الطَّرْد أَن تطالبهم بِإِثْبَات عِلّة الأَصْل لتحَقّق بعد ذَلِك الْجمع بَين الْفَرْع وَالْأَصْل. وَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى ذَلِك.
١٩٣٦ - وَقد استدلوا بجملة من الظَّوَاهِر، أقواها قَوْله تَعَالَى:
стр. 1383
﴿فسئلوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَهَذَا الْمُجْتَهد غير عَالم بالحادثة الَّتِي وَقعت، إِذْ لم يتَّفق اجْتِهَاده فِيهَا فَيَنْبَغِي أَن يسْأَل من يعلمهَا.
فَنَقُول: هَذَا الَّذِي ذكرتموه " يُخَالف " الظَّاهِر، وأقوال الْمُفَسّرين وَذَلِكَ أَن الْمَعْنى بِالْآيَةِ " تَوْجِيه " الْأَمر بالسؤال على الَّذين لَا يتمكنون من الِاجْتِهَاد. وفحوى الْآيَة / يُنبئ " عَن " ذَلِك. فَإِنَّهُ تَعَالَى قسم السَّائِل والمسؤول قسمَيْنِ.
فوصف المسؤول بِكَوْنِهِ من أهل الذّكر. وَوصف السَّائِل بِأَنَّهُ لَا يعلم.
" و " هَذَا الضَّرْب من التَّقْسِيم " مُصَرح " بِأَن السَّائِل من الَّذين " لَا يعدون " من الْعلمَاء. وَلَا ينْدَرج تَحْتَهُ " من " وَقعت لَهُ حَادِثَة، وَهُوَ قَادر على " دَرك " الحكم فِيهَا.
وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك، أَن من جوز تَقْلِيد " الْعَاميّ "
стр. 1384
" للْعَالم " لم يشْتَرط أَن يكون الْمُقَلّد قد سبق مِنْهُ النّظر وَالِاجْتِهَاد قبل " استفتائه " " وَليكن " عَالما عِنْد " الاستفتاء " بل جوز أَن يبتدي المسؤول الِاجْتِهَاد بعد السُّؤَال فَيكون المسؤول " إِذا " على قَول المستدلين بِظَاهِر الْآيَة / " مِمَّن " لَا يعلم. وَهَذَا وَاضح جدا فِي رد استدلالهم.
(٣٢٨) فصل مَا الحكم فِيمَا إِذا تضيق الْوَقْت فِي حق الْمُجْتَهد وخشي الْفَوات ؟
١٩٣٧ - إِذا وَقعت حَادِثَة، وفيهَا على الْمُجْتَهد " تَكْلِيف " وَلَو اجْتهد لفات مَا كلف - إِذْ الْوَقْت مضيق - وَلَو قلد عَالما قد فرغ من الِاجْتِهَاد لتمكن من إِقَامَة الْفَرْض. فَهَل " لَهُ " التَّقْلِيد فِي هَذِه الصُّورَة اخْتلف
стр. 1385
أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵁ " فِيهِ ".
١٩٣٨ - فَذهب الْمُزنِيّ إِلَى جَوَاز التَّقْلِيد، وَذهب غَيره إِلَى منع التَّقْلِيد. وَمن منع التَّقْلِيد اسْتدلَّ بِأَنَّهُ من الْمُجْتَهدين. وَقد " ثَبت " منع تَقْلِيد الْمُجْتَهدين فَلَا يعْتَبر ذَلِك " بِضيق " الْوَقْت و " لَا " سعته. " أَيْضا " " فَإنَّا نقدر " الِاجْتِهَاد - على القَوْل بِمَنْع التَّقْلِيد - شرطا فِيمَا " يقيمه " الْمُجْتَهد من " الحكم ".
وَمَا كَانَ من الشَّرَائِط فَلَا يخْتَلف الحكم فِيهِ بخشية الْفَوات وَالدَّلِيل عَلَيْهِ ستر الْعَوْرَة وَالطَّهَارَة وَمَا عَداهَا من شَرَائِط الصَّلَاة.
١٩٣٩ - قَالَ القَاضِي ﵁ وَالْكَلَام فِي " هَذَا الضَّرْب " لَا يكَاد يلْحق " الْقطع " فَإنَّا وَإِن منعناه من التَّقْلِيد، فَيتَعَيَّن عَلَيْهِ إِقَامَة الْفَرْض من غير اجْتِهَاد على مَا يتَّفق. وَلَا نجْعَل الِاجْتِهَاد شرطا فِي إِقَامَة فرض.
стр. 1386
فَإِذا كَانَ يُصَلِّي على الِاتِّفَاق عِنْد " التباس " أَمَارَات الْقبْلَة، فَلَا يبعد أَن يُصَلِّي مُقَلدًا وَالْمَسْأَلَة من الْفُرُوع فتدبرها.
فَهَذَا " أحد " " قسمي " الْكَلَام فِي التَّقْلِيد. فَإنَّا " ذكرنَا " فِي صدر الْبَاب " أَن " نتكلم فِي فصلين:
أَحدهمَا: تَقْلِيد الْعلمَاء بَعضهم بَعْضًا / من غير الصَّحَابَة.
وَالثَّانِي: تَقْلِيد الصَّحَابَة ﵃.
/ وَبَقِي علينا الْكَلَام فِي تَقْلِيد الصَّحَابَة /.
(٣٢٩) القَوْل فِي تَقْلِيد الصَّحَابِيّ و " هَل " ينْتَصب قَوْله حجَّة؟ وَذكر " الْخلاف " فِيهِ
стр. 1387
١٩٤٠ - اخْتلف الْعلمَاء فِي قَول الصَّحَابِيّ الْمُجْتَهد.
стр. 1388
١٩٤١ - " فَذهب " الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم إِلَى أَنه حجَّة، يجب على الْمُجْتَهدين من " سَائِر أهل الْأَعْصَار " التَّمَسُّك بِهِ.
ثمَّ قَالَ ﵁ وَإِنَّمَا يكون حجَّة، إِذا لم يخْتَلف الصَّحَابَة وَلَكِن " نقل " قَول وَاحِد عَن وَاحِد. وَلم يظْهر بِخِلَاف. فَيكون حِينَئِذٍ حجَّة. وَإِن لم ينتشر.
١٩٤٢ - وَقَالَ فِي بعض أَقْوَاله: إِذا اخْتلف الصَّحَابَة، فالتمسك بقول الْخُلَفَاء أولى وَهَذَا كالدليل على أَنه لم يسْقط الِاحْتِجَاج " بأقوال " الصَّحَابَة لأجل الِاخْتِلَاف.
١٩٤٣ - وَقَالَ فِي بعض أَقْوَاله: الْقيَاس الْجَلِيّ يقدم على قَول الصَّحَابِيّ.
стр. 1389
١٩٤٤ - وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: إِن قَول الصَّحَابِيّ مقدم على الْقيَاس.
стр. 1390
١٩٤٥ - وَأَجْمعُوا " على " أَن قَول الصَّحَابِيّ لَا يكون حجَّة على الصَّحَابِيّ، وَالظَّاهِر من الْمذَاهب أَنهم إِذا اخْتلفُوا، سقط الِاحْتِجَاج بأقوالهم.
١٩٤٦ - فنبدأ بِمَا تمسك بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَن قَول الصَّحَابِيّ حجَّة.
فمما استدلوا بِهِ، مَا رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي ".
فَنَقُول لَهُم: إِنَّمَا عَنى بِالسنةِ " و " الْأَمر " بالاتباع " فِيهَا لُزُوم الطَّاعَة للخلفاء والتحضيض على الانقياد وَالطَّاعَة بأقصى الْجهد.
وَإِن زَعَمُوا أَن الْأَمر بالاقتداء عَام. فَمَا ذَكرُوهُ سَاقِط من وَجْهَيْن.
أَحدهمَا: أَنا لَا نقُول بِالْعُمُومِ.
وَالثَّانِي: أَن الحَدِيث غير منطو على صِيغَة عُمُوم. فَإِن السّنة لَيْسَ فِيهَا قَضِيَّة عُمُوم. بل هِيَ لَفْظَة مُحْتَملَة.
стр. 1391
وَالدَّلِيل على ذَلِك، أَنه [ ﷺ ] لَو كَانَ يُرِيد الِاحْتِجَاج بقول الصَّحَابِيّ على مَا يَعْتَقِدهُ المخالفون، لما خصص الْخُلَفَاء بِالذكر فَلَمَّا أَرَادَ بِمَا قَالَه الطَّاعَة، خصصه بالخلفاء.
١٩٤٧ - وَمِمَّا استدلوا بِهِ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ ".
فَنَقُول لَهُم: بِمَ تنكرون على من يزْعم، أَنه أَرَادَ بذلك أَمر الْعَوام فِي عصره بالاقتداء بالعلماء؟
فَإِن / قَالُوا: فاللفظة عَامَّة!
قيل لَهُم: وَنحن لَا نقُول بِالْعُمُومِ على أَنكُمْ خصصتم اللَّفْظ فِي حق الصَّحَابَة، بَعضهم مَعَ بعض.
وَالَّذِي يُوضح بطلَان احتجاجهم أَن اللَّفْظَة منبئة عَن تَخْيِير. وَالدَّلِيل على ذَلِك - أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ " /.
فَهَذَا فِي " ظَاهره " يُنبئ عَن احتجاجهم فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة " ثمَّ " يُخَيّر الْمُجْتَهد فِي الْأَخْذ بقول أَيهمْ شَاءَ / فَلَو اخْتلفُوا لسقط الِاحْتِجَاج بقَوْلهمْ عِنْد " مخالفينا " فَسقط استدلالهم من كل وَجه.
стр. 1392
١٩٤٨ - وَرُبمَا يتمسكون بجمل من الظَّوَاهِر، يؤول مرجعها إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ و " رُبمَا " يتمسكون " بطرق " من الْمَعْنى. فَيَقُولُونَ: أَصْحَاب الرَّسُول [ ﷺ ] وَرَضي عَنْهُم، " شهدُوا " الْوَحْي والتنزيل ومواقع الْخطاب / وشهدوا قَرَائِن الْأَحْوَال / فَلَا يصدر القَوْل مِنْهُم - " مَعَ " وُرُود الشراع بِإِحْسَان الظَّن بهم - إِلَّا وَهُوَ حق.
وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ لَا طائل " وَرَاءه " فَإِنَّهُم مَعَ مَا " ذَكرُوهُ " بصدد الزلل. وَلم تقم حجَّة قَاطِعَة على الِاسْتِدْلَال بقَوْلهمْ. وَلَا يدل الْعقل على ذَلِك أَيْضا.
فَلم يبْق فِيمَا ذَكرُوهُ معتصم.
١٩٤٩ - وَدَلِيلنَا فِي هَذِه " هُوَ " الَّذِي قدمْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَة الأولى فِي منع التَّقْلِيد فاطردها على وَجههَا.
و" اعْتبر " بعض المعتبرين بِمَا إِذا اخْتلف الصَّحَابَة.
وَاعْتبر بَعضهم ذَلِك بقول الصَّحَابَة بَعضهم على " بعض ".
стр. 1393
و " الأولى " التعويل على النُّكْتَة الَّتِي قدمناها. " فَإنَّك " إِذا قست على صُورَة الِاخْتِلَاف " لم يسلم " قياسك " من سُؤال " إِذْ يَقُول الْمُخَالف: لَا استبعاد فِي " أَن " ينصب قَول الصَّحَابَة علما وَحجَّة شرعا من غير " اخْتِلَاف " وَإِذا ظهر " اخْتلَافهمْ " لم ينْتَصب حجَّة. وَالْجمع بَينهمَا ضرب من الطَّرْد.
وَالْأَحْسَن - إِن أردْت التَّمَسُّك بِهَذَا الْفَصْل - أَن تورده مستفصلا مستفرقا. وَلَا تستدل بِهِ بديا. " فَقل مَا " يَسْتَقِيم للخصم طَرِيق من " الطّرق ".
وَقد أطنب القَاضِي ﵁ فِي كَلَام بعض " مخالفينا " على بعض. وَمن أحكم مَا قُلْنَاهُ، هان عَلَيْهِ " مَا " سواهُ.
стр. 1394
(٣٣٠) القَوْل فِي صفة الْعَالم الَّذِي يسوغ لَهُ الْفَتْوَى فِي الْأَحْكَام
١٩٥٠ - اجْمَعُوا أَنه لَا يحل " لكل من " شدا شَيْئا من الْعلم أَن يُفْتِي. وَإِنَّمَا " يحل " لَهُ " الْفَتْوَى " وَيحل للْغَيْر قبُول قَوْله فِي الْفَتْوَى، إِذا استجمع " أوصافا ".
١٩٥١ - مِنْهَا: أَن يكون " عَالما " بطرق الْأَدِلَّة، ووجوهها الَّتِي مِنْهَا تدل وَالْفرق بَين عقليها وسمعيها وَيكون عَالما بقضايا الْخطاب مَا يحْتَمل مِنْهُ وَمَا لَا يحْتَمل، ووجوه الِاحْتِمَال وَالْخُصُوص والعموم. والمجمل والمفسر، والصريح والفحوى.
وَالْجُمْلَة الجامعة لما " شَرطه " القَاضِي فِي هَذَا الْقَبِيل أَن يكون / عَالما / بأصول الْفِقْه. وَقد حددنا أصُول الْفِقْه بِمَا يتَمَيَّز بِهِ عَن سَائِر الْفُنُون.
١٩٥٢ - وَمِمَّا يَشْتَرِطه فِي الْمُجْتَهد أَن يكون عَالما / بِالْآيَاتِ
стр. 1395
الْمُتَعَلّقَة بِالْأَحْكَامِ من كتاب الله تَعَالَى. وَلَا يشْتَرط حفظ مَا عَداهَا من الْآيَات.
١٩٥٣ - وَمِمَّا يَشْتَرِطه أَن يُحِيط " بِهِ " من سنَن الرَّسُول [ ﷺ ] مَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ حَتَّى لَا يشذ مِنْهَا " إِلَّا " الْأَقَل. وَلَا يُكَلف الْإِحَاطَة بجميعها. فَإِن ذَلِك مِمَّا " لَا يَنْضَبِط ".
стр. 1396
١٩٥٤ - وَمِمَّا يشْتَرط أَن يكون ذَا دراية فِي " اللُّغَة والعربية " / وَلَا يشْتَرط أَن يُحِيط بمعظمها وفَاقا، فَإِن الْإِحَاطَة بمعظم اللُّغَة والعربية يستوعب الْعُمر، وَهَذِه رُتْبَة لم يَدعهَا أَئِمَّة اللُّغَة والعربية وَأَهْلهَا. وَإِنَّمَا يشْتَرط من اللُّغَة والعربية / قدر مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى معرفَة الْكتاب وَالسّنة.
وَلَا يجتزي بِأَن يَأْخُذ تَفْسِير الْآيَات وَالْأَخْبَار تقليدا. بل يشْتَرط أَن " يتدرب " فِي اللُّغَة والعربية بِحَيْثُ يكون مِنْهَا على ثِقَة و " خبْرَة ".
١٩٥٥ - وَمِمَّا يشْتَرط أَن يكون عَالما بمطاعن الْأَخْبَار الْمُتَعَلّقَة بِالْأَحْكَامِ. وَلَا يشْتَرط " أَن يجمع " علم الحَدِيث. فَإِنَّهُ " يُجزئ " أَن
стр. 1397
يُحِيط علما بِمَا / قَالَه أَئِمَّة الحَدِيث فِي الْأَخْبَار " الْمُتَّصِلَة " بِالْأَحْكَامِ.
١٩٥٦ - وَمِمَّا يَشْتَرِطه: أَن يُحِيط علما بمعظم مَذَاهِب السّلف، فَإِنَّهُ لَو لم يحط بهَا، لم يَأْمَن خرق الْإِجْمَاع فِي الْفَتَاوَى.
١٩٥٧ - ثمَّ يشْتَرط بعد ذَلِك أَن يكون ورعا فِي دينه.
١٩٥٨ - وَقد " قَالَ " القَاضِي ﵁ فِي " خلل " كَلَامه، مَا يدل على أَن " التبحر " فِي " فن " الْكَلَام، شَرط " فِي " استجماع أَوْصَاف الْمُجْتَهدين.
" قلت " وَلست أرى ذَلِك شرطا. إِذْ الْأَئِمَّة فِي
стр. 1398
" الْأَعْصَار " الخالية مَا زَالُوا " يفتون " فِي الْحَوَادِث وَكَانُوا لَا يستقلون بطرق حجاج الْمُتَكَلِّمين.
وَقد اسْتدلَّ " الْأُسْتَاذ " أَبُو إِسْحَق " بقريب " مِمَّا ذكره القَاضِي ﵄. وَمَا صَار إِلَيْهِ الْفُقَهَاء قاطبة عدم اشْتِرَاط ذَلِك.
(٣٣١) القَوْل فِي صفة المستفتى وَمَا عَلَيْهِ من الِاجْتِهَاد
١٩٥٩ - أجمع الْعلمَاء على أَن الْعَاميّ لَا يجب عَلَيْهِ " سبر " طرق
стр. 1399
الْأَدِلَّة فِي آحَاد الْمسَائِل. فَإِنَّهُ لَا " يبلغ " إِلَى ذَلِك، إِلَّا بِأَن يستجمع أَوْصَاف الْمُجْتَهدين.
وَلَو كلفنا النَّاس " أَجْمَعِينَ " أَن " يبلغُوا " أنفسهم رُتْبَة الْمُفْتِينَ، لانقطعوا عَن أَسبَاب " المعاش " وأفضى ذَلِك إِلَى امْتنَاع الطّلب على الطّلبَة أَيْضا.
١٩٦٠ - فَإِذا ثَبت " أَنه " لَا يجب " عَلَيْهِ " الِاجْتِهَاد فِي
стр. 1400
" آحَاد " الْمسَائِل، وَإِنَّمَا فَرْضه الرُّجُوع / إِلَى قَول الْمُفْتِي، فَهَل عَلَيْهِ أَن يجْتَهد فِي أَعْيَان الْمُفْتِينَ؟
١٩٦١ - ذهب بعض الْمُعْتَزلَة إِلَى أَنه لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء من الِاجْتِهَاد وَهَذَا " اجتراء " مِنْهُم على خرق الْإِجْمَاع. فَإِن الْأمة " مجمعة " على أَن من عنت لَهُ حَادِثَة، " لم يسغْ " لَهُ أَن يستفتي فِيهَا كل من يتلقاه. وَلَو " نَفينَا " وجوب " الِاجْتِهَاد " جملَة، أفْضى ذَلِك إِلَى تَجْوِيز الاستفتاء من غير فحص وتنقير عَن أَحْوَال الْمُفْتِينَ.
وَهَذَا تورط فِي مراغمة الِاتِّفَاق.
١٩٦٢ - فَإِذا وضح بِمَا قدمْنَاهُ وجوب ضرب من الِاجْتِهَاد " فمبلغه " أَن " يسائل " عَن أَحْوَال الْعلمَاء، حَتَّى إِذا تقرر " لَدَيْهِ " بقول الْأَثْبَات والثقات " أَن " الَّذِي يستفتي " مِنْهُم " بَالغ مبلغ الِاجْتِهَاد،
стр. 1401
" فيستفتيه " حِينَئِذٍ.
١٩٦٣ - ثمَّ " ردد " القَاضِي ﵁ جَوَابه فَقَالَ:
لَو قَالَ قَائِل: إِذا أخبرهُ بذلك عَدْلَانِ " متهديان " إِلَى مَا يخبران عَنهُ، فَلهُ الاجتزاء " بأخبارهما " كَانَ ذَلِك مُحْتملا.
وَلَو قَالَ الْقَائِل: " إِنَّه " لَا يستفتي إِلَّا من " استفاضت " الْأَخْبَار عَن بُلُوغه مبلغ الِاجْتِهَاد، كَانَ مُحْتملا.
وَإِلَى الْجَواب الْأَخير مَال " القَاضِي ﵁ ". وَالْمَسْأَلَة على الِاحْتِمَال كَمَا ترَاهَا.
стр. 1402
(٣٣٢) فصل هَل يجب تَقْلِيد الأعلم؟ وَالْقَوْل فِي تعَارض الْفتيا
١٩٦٤ - إِذا لم يكن فِي الْبَلدة " الَّتِي " فِيهَا المستفتى، إِلَّا عَالم وَاحِد فيقلده، و " لَا يُكَلف " الِانْتِقَال عَنهُ.
١٩٦٥ - وَإِن جمعت الْبَلدة الْعلمَاء وكل مِنْهُم بَالغ مبلغ الِاجْتِهَاد، فقد ذهب " بعض الْعلمَاء " إِلَى " أَن الْوَاجِب " عَلَيْهِ أَن يُقَلّد الأعلم مِنْهُم، وَلَا يسوغ " لَهُ " تَقْلِيد من عداهُ.
стр. 1403
وَهَذَا غير " سديد " " وَالصَّحِيح " أَنه لَهُ أَن يُقَلّد من شَاءَ مِنْهُم.
وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن الَّذِي ثَبت فِي شَرَائِط الْمُفْتِي مَا قدمْنَاهُ فَإِذا اتّصف الْمَرْء بِهِ سَاغَ تَقْلِيده، وَلم يثبت " فِي " أصُول الشَّرِيعَة رِعَايَة مَا " يزِيد " على الشَّرَائِط " الَّتِي " قدمناها.
وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك أَن الصَّحَابَة ﵃ انقسموا إِلَى الْفَاضِل والمفضول. وَكَانَ الصّديق ﵁ أفضلهم " على " مَذَاهِب أهل الْحق. " ثمَّ " لم يكلفوا المستفتين أَلا يستفتوا غَيره. بل " لم " يجمعوا السَّائِلين على أحد مِنْهُم تعيينا مِنْهُم وتخصيصا.
فوضح بذلك أَنه لَا يتَعَيَّن على المستفتي التَّعَرُّض للأعلم.
١٩٦٦ - فَإِن قَالَ قَائِل: فجوزوا على مَا ذكرتموه إِمَامَة الْمَفْضُول!
стр. 1404
قُلْنَا: هَذَا " خوض " / مِنْكُم فِي غير هَذَا الْفَنّ.
وَقد أَقَمْنَا / " فِيمَا " نَحن فِيهِ أوضح دلَالَة. فَمَا وَجه تمسككم بِالْإِمَامَةِ؟ .
١٩٦٧ - وَذهب بعض من لَا حَظّ لَهُ فِي الْأُصُول إِلَى أَن المستفتى يَأْخُذ بأثقل الْأَجْوِبَة ويغلظ الْأَمر على نَفسه، إِذا تَعَارَضَت أجوبة الْعلمَاء: إِذْ الْحق ثقيل.
стр. 1405
وَهَذَا تحكم من هَذَا الْقَائِل. فَإِن الثّقل " لَيْسَ " عَلامَة " الصِّحَّة " / فَرب ثقيل بَاطِل / وَرب سمح صَحِيح كَيفَ وَقد قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] " بعثت بالحنيفية السمحة ".
١٩٦٨ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِن تعَارض " فتويان " فِي تَحْلِيل وَتَحْرِيم فَبِمَ يَأْخُذ المستفتى؟
قُلْنَا: يَأْخُذ بأسبقهما إِلَيْهِ. فَإِن بَدْرًا من عَالمين جَمِيعًا أَخذ بِأَيِّهِمَا شَاءَ.
следующие страницы →