← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فَإِن الَّذِي نصفه بِكَوْنِهِ أمرا وننعته بِكَوْنِهِ مقتضيا للطاعة هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ، وَأَنْتُم معاشر الْمُخَالفين تنكرون أصل ذَلِك، وَالَّذِي تثبتونه أمرا إِيمَاء مِنْكُم إِلَى الصِّيَغ والعبارات فلسنا نسلم أَنه يتَضَمَّن اقْتِضَاء الْفِعْل فَإِنَّهُ يتَرَدَّد بَين الدّلَالَة على الِاقْتِضَاء وَالْإِبَاحَة والحظر كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي صدر الْمَسْأَلَة فتصدهم هَذِه الْمُنَازعَة من مقصدهم، وَأما مَا أسندت الْمُعْتَزلَة قَوْلهَا إِلَيْهِ من كَون الْمَأْمُور مرَادا للْآمِر فَهَذَا من أعظم أصل نخالفهم فِيهِ فَإنَّا لَا نشترط تعلق الْإِرَادَة بالمأمور بِهِ، ثمَّ نقُول لَهُم بعد التعري عَن هَذِه المناقشة معولكم فِي مَا طردتموه على كَون الْأَمر مقتضيا للطاعة ثمَّ أردفتم ذَلِك بِأَن قُلْتُمْ اسْتِحْقَاق الذَّم مِمَّا لَا يُنبئ عَنهُ الِاقْتِضَاء الْمُطلق فحملناه على مُجَرّد الِاقْتِضَاء دون اسْتِحْقَاق الذَّم فَإِن اللَّفْظ لَا يُنبئ عَنهُ. فَيُقَال لكم فَإِذا حملتموه على النّدب فقد صرحتم جَوَاز تَركه وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ إنباء عَن جَوَاز التّرْك كَمَا لَيْسَ فِي اللَّفْظ إنباء عَن اسْتِحْقَاق الذَّم وَهَذَا مَا لَا جَوَاب عَنهُ. [٢٤١] فَإِن قيل: إِذا أطلق الله تَعَالَى الْأَمر وجوزنا حمله على النّدب، وَلم يبين سُبْحَانَهُ كَون تَركه مَحْظُورًا حملناه على النّدب، إِذْ لَو كَانَ مَحْظُورًا لبينه. قيل لَهُم: فَبِمَ تنكرون على من يعكس عَلَيْكُم مَا قلتموه؟ وَيَقُول: لَو كَانَ ترك الْمَأْمُور بِهِ غير مَحْظُور لبين الله تَعَالَى نفي سمة الْحَظْر عَنهُ فيتقابل الْقَوْلَانِ على هَذَا الْمنْهَج ويتساقطان. [٢٤٢] فَإِن قَالُوا يثبت بورود الْأَمر كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا للْآمِر وَلَا يتَضَمَّن نفس الْأَمر جَوَاز التّرْك وَلَكنَّا نقُول: إِذا لم يكن فِي الْأَمر

стр. 177

وَمُقْتَضَاهُ تعرض لتَحْرِيم التّرْك وَلَا إِبَاحَته فَيحمل ترك الْمَأْمُور بِهِ على مَا علمناه عقلا قبل وُرُود الشَّرَائِع، قَالُوا: وَقد علمنَا الْإِبَاحَة فِيمَا لَا يسْتَدرك بِالْعقلِ تَحْرِيمه، ومحصول هَذَا الْكَلَام يؤول إِلَى أَن الْأَمر يتَضَمَّن كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا وَلَا يتَضَمَّن تعريضا لتَركه ويتوصل بِالْعقلِ استصحابا للْحَال إِلَى حكم الْإِبَاحَة فِي ترك الْمَأْمُور بِهِ. قُلْنَا: لَو ناقشناكم فِيمَا ابتديتموه من أَحْكَام الْأَفْعَال قبل وُرُود الشَّرَائِع طَال الْكَلَام بيد أَنا نشغلكم عَن الِاعْتِصَام جملَة فَنَقُول: إِذا زعمتم أَن الْأَمر يتَضَمَّن كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا على التجرد، فَكل مَا تجرد فِيهِ كَونه مرَادا أنبأ تجرد هَذَا الْوَصْف فِيهِ عَن جَوَاز تَركه لَا محَالة، وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ. [٢٤٣] ثمَّ نقُول: مقصدنا التَّوَصُّل إِلَى الرَّد عَلَيْكُم فِي مصيركم إِلَى أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي النّدب فَإِذا اعترفتم على أَنفسكُم فِي أَنه لَا يَقْتَضِي التّرْك فقد صرحتم بِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي النّدب وصرفتم قصارى كلامكم إِلَى كَون / [٢٨ / أ] الْمَأْمُور بِهِ مرَادا للْآمِر. وَنحن ننكر اشْتِرَاط ذَلِك، ولعلنا نوضحه، فَأول مَا يعتصم بِهِ فِي إبِْطَال تعويلهم على كَون الْمَأْمُور مرَادا دلَالَة تحجزهم عَن إِثْبَات أصل الْإِرَادَة فَإنَّا نقُول لَهُم: قد وافقتمونا معاشر الْمُعْتَزلَة أَن الرب مُرِيد بِإِرَادَة وأحلتم كَونه مرِيدا لنَفسِهِ على مَنْهَج أصلكم فِي الْحَيّ والعالم والقادر ثمَّ لما قُلْتُمْ: إِنَّه مُرِيد بِإِرَادَة أحلتم كَونه سُبْحَانَهُ مرِيدا بِإِرَادَة قديمَة وزعمتم أَنه مُرِيد بِإِرَادَة حَادِثَة فَإِذا أوضحنا بطلَان هَذَا التَّقْسِيم الَّذِي ارتضيتموه وَقد ثَبت من مذهبكم الْمصير إِلَى بطلَان مَا سواهُ من الْأَقْسَام، فَلَا يبْقى إِلَّا نفي الْإِرَادَة.

стр. 178

[٢٤٤] فالدليل على بطلَان مَا ارتضوه أَن نقُول: قد ثَبت أَن الدَّلِيل الدَّال على الْإِرَادَة يخصص الْحَادِث بِبَعْض الصِّفَات والأوقات مَعَ تَقْدِير جَوَاز أَمْثَالهَا إبدالا عَنْهَا، فَبِمَ تنكرون على من يلزمكم فِي مثل ذَلِك فِي الْإِرَادَة نَفسهَا فَإِنَّهَا حَادِثَة متخصصة بالوجود عَن الْعَدَم فلئن سَاغَ استغناؤها فِي تخصصها عَن إِرَادَة سَاغَ اسْتغْنَاء كل مُرَاد عَن الْإِرَادَة. [٢٤٥] وَمِمَّا يُوضح بطلَان مَا اختاروه أَن نقُول: الْإِرَادَة الْحَادِثَة الَّتِي أثبتموها لَا تخلون فِيهَا إِمَّا أَن تزعموا أَنَّهَا قَائِمَة بِمحل مخترع، أَو ثَابِتَة لَا بِمحل فَإِن أَنْتُم زعمتم أَنَّهَا تقوم بِذَاتِهِ فقد صرحتم بِقبُول ذَاته الْحَوَادِث، وَهَذَا مِمَّا تحاشوا مِنْهُ فَلَا فَائِدَة فِي نصب الدَّلِيل عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أحالوا قيام الْإِرَادَة بِمحل مخترع فَلم يبْق إِلَّا تثبيت الْإِرَادَة لَا فِي مَحل وَأول مَا يلْزمهُم على ذَلِك تَجْوِيز قيام إرادتنا لَا فِي مَحل، وَقد أطبقوا على اسْتِحَالَة ذَلِك وَلَا محيص لَهُم عَن هَذَا. ثمَّ نقُول: الْإِرَادَة من قبيل الْأَعْرَاض وفَاقا فَإِن سَاغَ تثبيت عرض لَا فِي مَحل سَاغَ طرد ذَلِك فِي كل الْأَعْرَاض، ويستقصى ذَلِك فِي الديانَات إِن شَاءَ الله . (٦٥) فصل يلْتَحق بِمَا قدمْنَاهُ [٢٤٦] وَاعْلَم، وفقك الله أَن الْأَمر لَا يَقْتَضِي حسن الْمَأْمُور بِهِ

стр. 179

وَذَلِكَ أَن الْأَمر الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ يَقْتَضِي طَاعَة الْمَأْمُور بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ اقْتِضَاء حسن الْمَأْمُور بِهِ، وَذَلِكَ أَن الْحسن على قَضِيَّة أصُول أهل الْحق لَيْسَ يرجع إِلَى وصف الْفِعْل وَنَفسه، لكنه يرجع إِلَى الْأَمر بالثناء على فَاعله على مَا سبق استقصاءه فِي بَاب الْحسن والقبيح، وَلَيْسَ فِي اقْتِضَاء الطَّاعَة أَمر بالثناء على الطَّاعَة، وَهُوَ الْمَعْنى بالْحسنِ لَا غير. [٢٤٧] وَالَّذِي صَحَّ من مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة مثل مَا ذَكرْنَاهُ وَمن المنتمين إِلَى الْأُصُول من يَحْكِي عَن الْمُعْتَزلَة اقْتِضَاء الْأَمر حسن الْمَأْمُور بِهِ، وحكاية ذَلِك على هَذَا الْإِطْلَاق غلط، وَذَلِكَ أَن الْأَمر قد يصدر من الْوَاحِد منا مُتَعَلقا بقبيح كالأمير يَأْمر أَتْبَاعه بالظلم الصَّرِيح وَرُبمَا / يُقيد أمره بِفعل الْقَبِيح [٢٨ / ب] وَيُسمى ذَلِك أمرا على التَّحْقِيق، فمحصول أصل القَوْل أَن الْأَمر يَقْتَضِي كَون الْمَأْمُور بِهِ مرَادا للْآمِر ثمَّ قَالُوا بعد ذَلِك لما تعلّقت إرادتنا بالْحسنِ والقبيح

стр. 180

لم يدل تعلق أمرنَا بالمأمور بِهِ على حسنه، والرب لَا يُرِيد إِلَّا الْحسن وَتعلق أمره بالمأمور بِهِ يَقْتَضِي كَونه مرَادا لَهُ، ثمَّ من حَيْثُ عرفنَا أَنه لَا يُرِيد الْقَبِيح توصلنا إِلَى كَون الْمَأْمُور بِهِ حسنا فَافْهَم ذَلِك من مذاهبهم فَأَما نَحن فَلَا نصير إِلَى أَن الْأَمر بِالْفِعْلِ يَقْتَضِي حسنه وَلَكِن إِن ورد الْأَمر بالثناء لفَاعِله فَيحكم بحسنه لِلْأَمْرِ الثَّانِي. (٦٦) فصل [٢٤٨] اعْلَم، أرشدك الله أَن الْأَوَامِر الْمقيدَة باقتضاء الْإِيجَاب لَا يتَعَيَّن امتثالها إِلَّا بِأَمْر الله وَإِذا اتَّصل بِنَا أَمر من صَاحب الشَّرِيعَة أَو من الإِمَام الْقَائِم على النَّاس فامتثالنا لأوامره امْتِثَال لأمر الله تَعَالَى وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن الرَّسُول [ ﷺ ] إِنَّمَا يتَمَيَّز عَن أَمْثَاله وَأَضْرَابه بالمعجزة الدَّالَّة على صدقه فالمعجزة تَتَضَمَّن تَصْدِيقه وَقبُول أنبائه وتحقيقها وَلَيْسَ فِيهَا تضمن وجوب قبُول أوامره. فَيجب أَن نصدقه فِي كل مَا يخبر بِهِ وَالْأَمر الصَّادِر مِنْهُ على الاستبداد لَا يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب، وَلَكِن نقل عَن ربه أمرا دلّت المعجزة على صدقه فِي نَقله فدلتك هَذِه الْجُمْلَة على ان الممتثل على الْوُجُوب أَمر الله ، وَإِذا أطلق ذَلِك فِي غَيره كَانَ توسعا. (٦٧) فصل [٢٤٩] اعْلَم، أَن أَمر الله قديم على مَذَاهِب أهل الْحق وَمن حكم ثُبُوت الْقدَم اسْتِحَالَة وَصفه بالْحسنِ والقبح، فَإِنَّهُمَا نعتان

стр. 181

يعتوران على الْحَوَادِث، إِذْ الْحسن رُبمَا يفهم مِنْهُ انتظام التَّرْتِيب فِي معرض يحلو فِي الأسماع، والأبصار، وَذَلِكَ بِمَا يتقدس عَنهُ الْكَلَام الْقَدِيم. وَقد يُطلق فِي اصْطِلَاح الْمُحَقِّقين وَالْمرَاد بِهِ مَا ورد الْأَمر بالثناء على فَاعله وَإِنَّمَا يتَحَقَّق ذَلِك فِيمَا يَتَّصِف بِكَوْنِهِ فعلا، فَكَذَلِك لَا يُوصف أَمر الْقَدِيم بِكَوْنِهِ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ أَو مُبَاحا أَو وَاجِبا أَو صَوَابا فَإِن هَذِه الصِّفَات كلهَا تتخصص بالحادثات ويجل عَنْهَا الْقَدِيم، وَأما الْأَوَامِر الْحَادِثَة الصادرة من الْمُحدثين مقدورة لَهُم فتتصف بالْحسنِ والقبح وَالْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة، فَإِنَّهَا من أفعالهم فَيجوز أَن تتصف بِمَا تتصف بِهِ سَائِر أفعالهم الدَّاخِلَة تَحت التَّكْلِيف. [٢٥٠] ثمَّ اعْلَم أَن الْمَأْمُور بِهِ قد يكون ندبا وَالْأَمر بِهِ وَاجِب فَإنَّا لَا نستبعد أَن يُوجب الرب تَعَالَى على الرَّسُول ﵇ الْأَمر بالندب فَيكون الْأَمر وَاجِبا عَلَيْهِ والمأمور بِهِ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ فِي حق الْمَأْمُور. (٦٨) القَوْل فِي حكم القَوْل ((افْعَل)) إِذا ورد / بعد الْحَظْر وَالْمَنْع [٢٩ / أ] [٢٥١] إِذا ثَبت الْحَظْر فِي شَيْء ثمَّ يعقبه قَول: ((افْعَل)) فقد اخْتلف الْعلمَاء، فَمَا صَار إِلَيْهِ الشَّافِعِي ﵁ فِي أظهر أجوبته أَن وُرُود هَذَا

стр. 182

اللَّفْظ بعد تقدم الْحَظْر يَقْتَضِي الْإِبَاحَة وَإِلَى نَحْو ذَلِك صَار جمَاعَة من الْمُتَكَلِّمين وَمن الْعلمَاء من فصل القَوْل فِي ذَلِك فَقَالَ: إِن ثَبت الْحَظْر ابْتِدَاء غير مُعَلّق بِسَبَب ثمَّ تعقبه لفظ الْأَمر اقْتضى لفظ الْأَمر الْوُجُوب وَإِن علق التَّحَرُّم بِسَبَب ثمَّ عقب ارْتِفَاع ذَلِك السَّبَب بِلَفْظ الْأَمر اقْتضى ذَلِك الْإِبَاحَة. وإيضاح ذَلِك بالمثال أَن الرب لما حرم الصَّيْد

стр. 183

وعلق تَحْرِيمه بِالْإِحْرَامِ ثمَّ قَالَ عِنْد انقضائه: ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ اقْتضى ذَلِك الْإِبَاحَة وَكَأن جملَة الْكَلَام تتنزل منزلَة تَعْلِيق الحكم على الْغَايَة وَمن حكم التَّعْلِيق على الْغَايَة ارْتِفَاع الحكم بارتفاعها وَهَذَا أَسد مَذْهَب لهَؤُلَاء. فَأَما الَّذِي نختاره فَهُوَ أَن الْأَمر بعد سبق الْحَظْر كالأمر من غير سبقه وَإِن فَرضنَا الْكَلَام فِي الْعبارَة فَهِيَ بعد الْحَظْر كهي من غير حظر يسْبق وَقد فرط من أصلنَا الْمصير إِلَى الْوَقْف وَهَا نَحن عَلَيْهِ فِي صُورَة التَّنَازُع كَمَا ارتضيناه فِي صُورَة الْإِطْلَاق من غير تقدم حظر.

стр. 184

[٢٥٢] وَالدَّلِيل على فَسَاد مَا صَار إِلَيْهِ من زعم أَن لفظ الْأَمر يَقْتَضِي الْإِبَاحَة بعد الْحَظْر، أَن نقُول: تَقْدِير إِثْبَات الْإِيجَاب بعد الْحَظْر مِمَّا لَا يَسْتَحِيل كَمَا لَا يَسْتَحِيل تَقْدِير ثُبُوته ابْتِدَاء وَكَذَلِكَ القَوْل فِي النّدب وَاللَّفْظ الَّذِي فِيهِ الْكَلَام بعد الْحَظْر يضاهي اللَّفْظ الْوَارِد ابْتِدَاء فَلَا اثر للحظر السَّابِق فِي نفي الْوُجُوب تصورا وَلَا [حَظّ] فِي تَغْيِير نفس الصِّيغَة. [٢٥٣] فَإِن قيل: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الْحَظْر السَّابِق قرينَة تَقْتَضِي حمل اللَّفْظ المتعقب لَهُ على الْإِبَاحَة. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي قلتموه بَاطِل من أوجه: أَحدهَا: أَن نقُول: الْحَظْر كَمَا يُنَافِي الْوُجُوب فَكَذَلِك يُنَافِي الْإِبَاحَة وَمن المستحيل أَن يكون الشَّيْء قرينَة فِي ثُبُوت نقيضه، وَلَئِن سَاغَ أَن يكون قرينَة فِي الْإِبَاحَة وَهُوَ نقيضها سَاغَ أَن يكون قرينَة فِي اقْتِضَاء الْإِيجَاب فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا يناقضه. وَالْجَوَاب الآخر: أَن نقُول: لَو صَحَّ مَا قلتموه للَزِمَ أَن تَقولُوا: إِذا فرط الْإِيجَاب وَسبق التحتم ثمَّ تعقبته لَفْظَة تَقْتَضِي تَحْرِيمًا لَو قدرت مُطلقَة أَنَّهَا

стр. 185

لَا تحمل على التَّحْرِيم وَقد قُلْتُمْ جَمِيعًا أَنَّهَا مَحْمُولَة على التَّحْرِيم فَبَطل مَا قلتموه جملَة وتفصيلا. [٢٥٤] فَإِن استروحوا إِلَى أَن قَالُوا: إِذا علق التَّحْرِيم بِسَبَب ثمَّ عقب ارتفاعه بِلَفْظ الْأَمر تنزل ذَلِك منزلَة تَعْلِيق الحكم على الْغَايَة قيل لَهُم: هَذِه دَعْوَى مِنْكُم فَإِن صِيغَة التَّعْلِيق / على الْغَايَة أَن يَقُول الْقَائِل: حرمت عَلَيْك [٢٩ / ب] الصَّيْد مَا دمت محرما، فَهَذَا هُوَ التَّعْلِيق على الْغَايَة فَأَما ذكر لفظ الْأَمر بعد تَقْدِير ارْتِفَاع سَبَب فَلَيْسَ من صِيغَة التَّعْلِيق على الْغَايَة، لَا صَرِيحًا وَلَا ضمنا، ثمَّ هَذَا يَنْقَلِب عَلَيْهِم فِي وجوب سَابق تعقبه لفظ التَّحْرِيم فَإِنَّهُ لَا يحمل على نفي الْوُجُوب على التجرد بل يحمل على الْحَظْر الْمُحَقق عِنْدهم. [٢٥٥] فَإِن تمسكوا بظواهر من الْكتاب مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ . وَقَوله: ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا﴾ . فَيُقَال لَهُم زعمتم أَنه إِذا ورد لفظ على الندور والشذوذ فِي مورد مَخْصُوص وَجب طرده عُمُوما، وَأول مَا يلزمكم من ذَلِك معاشر الْقَائِلين

стр. 186

بِالْعُمُومِ أَن مُعظم الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة لاستيعاب الْأَجْنَاس عنْدكُمْ وَردت مخصصة بِبَعْض المحتملات ثمَّ لم يقتض ذَلِك نفي الْعُمُوم عنْدكُمْ، وَهَذَا بَين الْبطلَان. ثمَّ مَا اعتضدوا بِهِ يُعَارضهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ . (٦٩) القَوْل فِي أَن الْأَمر بِالْفِعْلِ أَمر بِفعل مَا لَا يتم إِلَّا بِهِ [٢٥٦] اعلموا، وفقكم الله أَن الَّذِي لَا يتم فعل الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا بِهِ يَنْقَسِم، فَمِنْهُ مَا هُوَ من فعل الله تَعَالَى، وَلَيْسَ من قبيل مقدورات الْعباد، وَمِنْه مَا هُوَ من جنس مقدورات الْعباد. فَأَما مَا هُوَ من فعل الله تَعَالَى فينقسم قسمَيْنِ: فَمِنْهُ مَا لَا يتم فعل الْمَأْمُور بِهِ وَلَا تَركه إِلَّا بِهِ، وَمِنْه مَا لَا يتم فعل الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا بِهِ ويتقدر تَركه دونه، فَأَما مَا لَا يحصل الْمَأْمُور بِهِ وَلَا تَركه إِلَّا بِهِ فينقسم قسمَيْنِ:

стр. 187

أَحدهمَا: مَا يتَضَمَّن الْخُرُوج عَن تصور فهم الْخطاب فَمَا هَذَا سَبيله فيستحيل مَعَه ثُبُوت الْخطاب وَهَذَا كَمَا نحيل تَكْلِيف الْمَيِّت والجماد والبهائم، فَإِن فِيهَا مَعَاني تضَاد فهم الْخطاب. وَمن أجَاز من أَصْحَابنَا تَكْلِيف الْمحَال منع من هَذَا الْقَبِيل، فَأَما مَا لَا يُنَافِي فهم الْخطاب وَلَكِن لَا يتَحَقَّق فعل الْمَأْمُور بِهِ وَلَا تَركه إِلَّا بمحصوله وَذَلِكَ نَحْو تَكْلِيف الْعلم الَّذِي يَقع مَقْدُورًا عَن دَلِيل من غير نصب دَلِيل نَحْو تَكْلِيف الْمَشْي مَعَ عدم الْآلَة من الرجل وَغَيرهَا من الْجَوَارِح، فَمَا هَذَا سَبيله فَهَل يجوز وُرُود التَّكْلِيف بِهِ مَعَ عدم مَا هُوَ شَرط فِي وُقُوعه وَوُقُوع تَركه؟ هَذَا يَنْبَنِي على تَجْوِيز تَكْلِيف الْمحَال وَمَا لَا يُطَاق، فَمن جوزه - وَهُوَ مَذْهَب شَيخنَا ﵁ وَهُوَ أصح - أجَاز ذَلِك. وَمن منع تَكْلِيف الْمحَال منع التَّكْلِيف فِي الْقَبِيل الَّذِي أومأنا إِلَيْهِ.

стр. 188

[٢٥٧] فَإِن قيل: التَّوَصُّل إِلَى الْعلم الْوَاقِع عَن النّظر يتَحَقَّق تعذره من غير دَلِيل، فَمَا وَجه تَحْقِيق تعذر الْإِقْدَام على تَركه ليتَحَقَّق قَوْلكُم: إِن انْتِفَاء الدَّلِيل يَنْفِي تصور الْعلم وَتَركه؟ [٣٠ / أ] قيل: التّرْك الْمُطلق فِي / أَحْكَام التَّكْلِيف هُوَ التّرْك الْوَاقِع مَقْدُورًا، وَترك الْعلم فِي المسؤول عَنهُ لَا يتَصَوَّر ان يَقع مَقْدُورًا، فَإِن الدَّلِيل إِذا انْتَفَى تعين ضد الْعلم اضطرارا، من غير تَقْدِير اقتدار وَاخْتِيَار، وَكَذَلِكَ فقد الْجَارِحَة الَّتِي هِيَ آلَة الْمَشْي تمنع تصور الْمَشْي وَتَركه جَمِيعًا على الْوَجْه الَّذِي جوزناه من كَون التّرْك مَقْدُورًا دَاخِلا تَحت التَّكْلِيف. وَهَذَا كَلَام فِي قسم وَاحِد وَهُوَ أَن يكون وُقُوع الْمَأْمُور بِهِ وَتَركه جَمِيعًا على حكم التَّكْلِيف مَوْقُوفا على فعل من أَفعَال الله جلّ اسْمه خَارج عَن مقدورات الْمُكَلّفين.

стр. 189

[٢٥٨] فَأَما مَا هُوَ من فعل الله وَلَكِن فَقده يمْنَع من تصور الْمَأْمُور بِهِ، وَلَا يمْنَع تَصْوِير تَركه مَقْدُورًا مُخْتَارًا، فَهُوَ نَحْو الْقُدْرَة فَإِن عدم الْقُدْرَة على الْقيام يمْنَع تصور الْقيام مَقْدُورًا وَلَا يمْنَع تصور ضِدّه مَقْدُورًا، فَمَا هَذَا سَبيله لَا يَنْفِي التَّكْلِيف وجوازه، وَلذَلِك جَوَّزنَا وُرُود الْأَمر بِالْقيامِ فِي حَال قعُود الْمُكَلف وَإِن كَانَت الْقُدْرَة على الْقيام مفقودة فِي حَال الْقعُود فَهَذِهِ جملَة فِيمَا هُوَ من فعل الله مقنعة إِن شَاءَ الله . [٢٥٩] فَأَما مَا لَا يتم وُقُوع الْمَأْمُور بِهِ موقع الْأَجْزَاء إِلَّا بِهِ وَهُوَ من فعل الْمُكَلف فَهُوَ نَحْو الطَّهَارَة وَالصَّلَاة، وَمَا ضاهاهما من الْعِبَادَة الْمَشْرُوطَة وشرائطها فَإِذا تقرر فِي الشَّرْع وجوب الصَّلَاة وتقرر توقف أَجْزَائِهَا على الطَّهَارَة فَالْأَمْر بِالصَّلَاةِ على اقْتِضَاء الْإِيجَاب يتَضَمَّن الْأَمر بِالطَّهَارَةِ لَا محَالة، وَقد أنكر ذَلِك شرذمة من الْمُعْتَزلَة ولقب المسئلة يُغْنِيك عَن نصب الدّلَالَة عَلَيْهَا، بيد أَنا نحرر مَا يُوضح الْحق فِي ذَلِك فَنَقُول: إِذا تقرر وقُوف وُقُوع الصَّلَاة موقع الْأَجْزَاء على الطَّهَارَة ثمَّ ثَبت إِيجَاب صَلَاة مجزئة وَاقعَة موقع الْأَجْزَاء فَلَا يتَقَدَّر فِي الْعقل إِيجَابهَا على هَذَا النَّعْت مَعَ تَجْوِيز الْإِبَاحَة أَو النّدب فِيمَا هُوَ مَشْرُوط فِي أَجْزَائِهِ إِذْ لَو قدر ذَلِك فِي شَرطه تداعى ذَلِك إِلَيْهِ. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن النُّطْق بِغَيْر ذَلِك مُسْتَحِيل فِي الْمَعْنى إِذْ لَو قَالَ الْقَائِل: فرضت عَلَيْك الصَّلَاة الصَّحِيحَة تحتما وتعينا وَلَا تصح مِنْك إِلَّا بِالطَّهَارَةِ وَأَنت بِالْخِيَارِ فِيهَا، كَانَ ذَلِك من متناقض الْكَلَام، فَإِذا اسْتَحَالَ تَقْدِير الْإِبَاحَة والحظر وَالنَّدْب فِي شَرط صِحَة الصَّلَاة لم يبْق إِلَّا تثبيت الْوُجُوب.

стр. 190

[٢٦٠] فَإِن قيل: أفتقولون على طرد مَا عهدتموه أَن الْأَمر بِالصَّلَاةِ أَمر بِطَلَب المَاء وانتزاحه والتسبب إِلَى تَحْصِيله بالتردد والتطلب. قيل لَهُم: هَذَا مَا نقُوله طرد لما قدمْنَاهُ، فَإِن قيل: فأوجبوا ابتياع المَاء بِثمن غال مَعَ الاقتدار. قيل لَهُم: قد ورد الشَّرْع بِنَفْي وجوب ابتياع المَاء فِي الصُّورَة الَّتِي ذكرتموها [وَورد] الشَّرْع بِأَن الصَّلَاة دون اسْتِعْمَال المَاء وَالتَّيَمُّم يقوم

стр. 191

مقَامه، فتبعنا مورد الشَّرْع، وَإِنَّمَا / الْمَقْصد من سِيَاق المسئلة تثبيت كَون [٣٠ / ب] الطَّهَارَة مندرجة تَحت الْأَمر بِالصَّلَاةِ حَيْثُ يدل الشَّرْع على توقف صِحَة الصَّلَاة الْوَاجِبَة عَلَيْهَا وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ. [٢٦١] فَإِن قيل: فأوجبوا على الْمَرْء التَّسَبُّب إِلَى جَمِيع أَسبَاب الْجُمُعَة مَعَ الاقتدار حَتَّى يلْزم من ذَلِك أَن يبتنى دَار مقَام وَيجمع فِيهَا أَرْبَعِينَ من القاطنين الموصوفين بِالصِّفَاتِ المضبوطة فِي شَرَائِط انعاقد الْجُمُعَة. قيل لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه لَا يلْزم فَإِنَّهُ كَمَا ورد الشَّرْع بتوقيف صِحَة

стр. 192

الْجُمُعَة على وجوب مَا أومأتم إِلَيْهِ من الشَّرَائِط، فَكَذَلِك وُرُود الشَّرْع بتوقيف وُجُوبهَا على تحقق الشَّرَائِط فَلَو قَدرنَا أمرا بِالْجمعَةِ مُوجبا من غير شَرط ثُبُوت الشَّرَائِط مَعَ التَّنْصِيص على أَنَّهَا لَا تصح دونهَا لاقتضى الْأَمر بِالْجمعَةِ وَالْحَالة هَذِه وجوب التَّسَبُّب إِلَى كل مَا يقتدر عَلَيْهِ. [٢٦٢] فَإِن قيل: أَو لَيْسَ الْفُقَهَاء قَالُوا: إِن اسْتِيعَاب أَجزَاء الْوَجْه فِي الْوضُوء لما لم يتأت إِلَّا بِأخذ أَجزَاء من الرَّأْس فَيكون إِيصَال المَاء إِلَى أَجزَاء من الرَّأْس [مَنْدُوبًا] وَإِن كَانَ لَا يتَوَصَّل إِلَى اسْتِيعَاب الْوَجْه إِلَّا بإيصال المَاء إِلَيْهَا. قُلْنَا: هَذَا مِمَّا لَا نرتضيه، وَذَلِكَ أَنا نقُول: مَا لَا يتم غسل الْوَجْه إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب فِي نَفسه وعَلى هَذَا يجْرِي فِي اسْتِصْحَاب الْإِمْسَاك عَن المفطرات فِي أَجزَاء لَطِيفَة من أول اللَّيْل فَإِنَّهُ لَا يقتدر على إِيقَاع الْفطر مَعَ أول جُزْء من اللَّيْل وَيكثر نَظَائِر ذَلِك فِي الشَّرْع، وَمن صَار إِلَى أَن ذَلِك ندب فقد صرف بِمَا لم يعرف فَإِنَّهُ إِذا رد إِلَى التَّحْقِيق، وَقيل لَهُ: إِذا لم يقتدر على الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَلَو قدر تَركه تعطل الْوَاجِب لَا محَالة فَمَا معنى نَعته بالتطوع وَهَذَا وَصفه، فَلَا يُبْدِي مَعَ هَذَا السُّؤَال مقَالا لَهُ تَحْقِيق. [٢٦٣] فَإِن قيل: فَهَل تحدون الْأَجْزَاء الَّتِي تغسل من الرَّأْس؟

стр. 193

قيل: هَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى تحديده فِي مجاري الْعَادَات وَإِنَّمَا الْمرجع فِيهِ إِلَى إِطْلَاق القَوْل بِأَن مَا لَا بُد مِنْهُ فِي التَّوَصُّل إِلَى أَدَاء الْوَاجِب فَهُوَ وَاجِب وَلَا يتَقَدَّر بمبلغ تحيط بِهِ الْعبارَة وَهَذَا كَمَا أَن الرُّكُوع وَالسُّجُود وَنَحْوهمَا من أَرْكَان الصَّلَاة قد أوجب مُعظم الْعلمَاء فِيهَا الطُّمَأْنِينَة وَلَو أردنَا أَن نضبط مبلغ مَا فِي الرُّكُوع، من الحركات والسكنات لم نجد إِلَى ذَلِك طَرِيقا. [٢٦٤] فَإِن قيل: إِذا اخْتَلَط محرم بِمُحَلل كالمايع الطَّاهِر يخالط المَاء النَّجس فَهَل تحكمون بِتَحْرِيم الْكل أم تحكمون بِتَحْرِيم النَّجس؟ قيل لَهُم: إِن تعذر التَّمْيِيز وتعسر الإفزاز فَالْكل محرم إطلاقا

стр. 194

وَلَا يتخصص التَّحْرِيم بالأجزاء النَّجِسَة أَولا، وفروع الِاخْتِلَاط تطول واستقصاؤها يَلِيق بِغَيْر هَذَا الْفَنّ وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ مقنع فِي مقصدنا. (٧٠) القَوْل فِي أَن مُطلق الْأَمر هَل يَقْتَضِي التكرارا [أم] يَقْتَضِي الْفِعْل مرّة وَاحِدَة [٢٦٥] اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الْأَمر إِذا تضمن اقْتِضَاء الْفِعْل وَكَانَ مُطلقًا متعريا عَن الْقَرَائِن الدَّالَّة على اقْتِضَاء التّكْرَار فَلَا يَقْتَضِي الْفِعْل إِلَّا مرّة وَاحِدَة، وتبرأ الذِّمَّة بهَا عَن مُوجب الْأَمر، وَإِلَى ذَلِك صَار الجماهير من الْفُقَهَاء. وَذهب الأقلون إِلَى أَن الْأَمر الْمُطلق فِي مورده

стр. 195

يتَضَمَّن تكْرَار الِامْتِثَال فِي الْمَأْمُور بِهِ واستغراق جملَة الْأَوْقَاف على الِاتِّصَال مَعَ انتقاء الِاضْطِرَار والاعتذار. [٢٦٦] وَمن صَار إِلَى حمل الْأَمر مرّة وَاحِدَة زعم ان مطلقه يَقْتَضِي الْمرة الْوَاحِدَة دون مَا عَداهَا، فَلَا تحْتَمل اللَّفْظَة الْمُطلقَة إِلَّا الْمرة الْوَاحِدَة دون مَا عَداهَا. [٢٦٧] وَقَالَ القَاضِي ﵁ وَالَّذِي يجب أَن نرتضي أَن يُقَال إِذا ثَبت اقْتِضَاء الْفِعْل بِالْأَمر الْوَاصِل مُطلقًا فَيحمل على وجوب الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة وَهُوَ لَا يُنبئ عَن نفي مَا عَداهَا وسواها، وَلَكِن يتَرَدَّد الْأَمر فِي الزَّائِد على الْمَرْء الْوَاحِدَة.

стр. 196

[٢٦٨] وَهَذَا الْمَذْهَب يُخَالف مَذْهَب الْأَوَّلين فَإِنَّهُم قطعُوا بِأَن الْأَمر العاري المتجرد عَن قَرَائِن التّكْرَار يحمل على الْمرة الْوَاحِدَة وَلَا يحمل تضمن غَيرهَا، فَافْهَم ذَلِك الْفَصْل بَين الْمذَاهب. [٢٦٩] وَالدَّلِيل على مَا ارْتَضَاهُ القَاضِي ﵀ أَن نقُول: إِذا بدر الْأَمر وَاللَّفْظ الدَّال عَلَيْهِ من الْآمِر مُطلقًا حسن الاستفصال والاستفهام والاستعلام فِي تَكْرِير الِامْتِثَال والاكتفاء بالمرة الْوَاحِدَة فَإِن الرجل إِذا قَالَ

стр. 197

لعَبْدِهِ: ((اضْرِب زيدا)) حسن مِنْهُ أَن يَقُول: ((اضربه مرّة وَاحِدَة ثمَّ أكرر عَلَيْهِ عودا على بَدْء)) ؟ فَلَمَّا حسن الِاسْتِفْهَام دلّ على أَن مُطلق اللَّفْظ لَا يُنبئ عَنهُ، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنه لَو قَالَ: ((اضربه عشر مَرَّات)) ، لم يحسن مِنْهُ أَن يَقُول: ((أضربه خَمْسَة، أم عشرَة)) ؟ ويعتضد مَا ذَكرْنَاهُ بقول سراقَة بن مَالك لرَسُول الله [ ﷺ ] وَقد اتَّصل بِهِ الْأَمر بِالْحَجِّ فَقَالَ: ((احجتنا هَذِه لِعَامِنَا أم لِلْأَبَد)) وَهَذَا استفصال مِنْهُ فِي تكْرَار الْمِثَال: فَلَو كَانَ مُطلق الْأَمر

стр. 198

يَقْتَضِيهِ لما خَفِي على مثل سراقَة هَذَا مَعَ مَكَانَهُ من صميم الْعَرَب العاربة، وَلما أقره رَسُول الله [ ﷺ ] على تردده فِي الصِّيغَة، وللخصوم أسئلة على مَا ذَكرْنَاهُ، نومي إِلَيْهَا فِي بَاب التَّرَاخِي والفور إِن شَاءَ الله . [٢٧٠] وَقد تمسك نفاة التّكْرَار بحروف لَا يَصح معظمها وَهَا نَحن نذكرها ونتتبعها بِالنَّقْضِ فمما عولوا عَلَيْهِ أَن قَالُوا الِامْتِثَال والمخالفة فِي الْأَمر وَالنَّهْي يتنزلان منزلَة الْبر والحنث فِي الْقسم، ثمَّ نَحن نعلم أَن من قَالَ: وَالله لأصلين ثمَّ صلى مرّة وَاحِدَة برت يَمِينه، وَلم يتَوَقَّف برهَا على مَا عَداهَا، فَكَذَلِك الِامْتِثَال، وَهَذَا مَا لَا معتصم فِيهِ، فَإِن قصاراه قِيَاس الْأَمر على الْقسم. واللغة لَا تثبت قِيَاسا لما أوضحنا فِي بَابه. [٣١ / ب] [٢٧١] وَمِمَّا / عدوه من عمدهم قَوْلهم: الْفِعْل لَا يُنبئ عَن التّكْرَار إِذا كَانَ خَبرا، فَكَذَلِك الْأَمر الْمُطلق لَا يُنبئ عَن تَكْرِير الِامْتِثَال، وعنوا بذلك أَن من قَالَ: ((فعل فلَان)) لم يُنبئ ذَلِك عَن إقدامه على الْفِعْل استغراقا

стр. 199

للأوقات واللحظات. وَهَذَا يفْسد بِمَا فسد بِهِ الِاعْتِبَار بالقسم فَإِن مآله التَّمَسُّك بالمقاييس فِي اللُّغَات، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ. [٢٧٢] وَمِمَّا عولوا عَلَيْهِ أَن قَالُوا لَو قَالَ الرجل لامْرَأَته: ((طَلِّقِي نَفسك)) لم تستفد إِلَّا تَطْلِيقَة وَاحِدَة، فَهَذَا أقرب مِمَّا قدمْنَاهُ فَإِن تمسك بِمَا هُوَ على صِيغَة الْأَمر، وَيدخل عَلَيْهِ شَيْء، وَهُوَ أَن يُقَال ظَاهر اللَّفْظ يَقْتَضِي التسليط على التّكْرَار وَلَكِن منع مِنْهُ دَلِيل الشَّرْع، وَمَا هَذَا أول لفظ أزيل عَن ظَاهره، وَهَذَا كَمَا أَن الرجل إِذا قَالَ: لفُلَان عَليّ ثَلَاثَة دَرَاهِم، ثمَّ فَسرهَا بالمعدودة لم يقبل مِنْهُ حَتَّى يُفَسِّرهَا بالوازنة وَإِن [كَانَ] الِاسْم ينْطَلق على المعدودة فِي حَقِيقَة اللُّغَة وَكَذَلِكَ ينْطَلق على المغشوشة، وَلَا يقبل مِنْهُ إِلَّا النقرة الْخَالِصَة، والتعويل على مَا قدمْنَاهُ.

стр. 200

[٢٧٣] شُبْهَة الصائرين إِلَى أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي التّكْرَار فمما تمسكوا بِهِ أَن قَالُوا النَّهْي يَقْتَضِي الْكَفّ عَن المنهى عَنهُ فِي عُمُوم الْأَوْقَات فَكَذَلِك الْأَمر وَجب أَن يَقْتَضِي الِامْتِثَال عُمُوما، وقرنوا ذَلِك بِأَن قَالُوا الْأَمر فِي الْوَضع على مضادة النَّهْي فَوَجَبَ أَن يكون الْمَعْقُول من الْأَمر ضد الْمَعْقُول من النَّهْي فَإِذا فهم من النَّهْي وجوب الْكَفّ عُمُوما وَجب أَن يفهم من الْأَمر وجوب الْإِقْدَام عُمُوما. وأوضحوا ذَلِك بِأَن قَالُوا: الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن أضداد الْمَأْمُور بِهِ فَإِذا ثَبت كَون النَّهْي مستوعبا للأوقات فِي اقْتِضَاء الْكَفّ، وَالْأَمر يتَضَمَّن النَّهْي، فَهَذَا تَصْرِيح باقتضاء الْأَمر بالتكرار على الِاسْتِغْرَاق. [٢٧٤] وَقد أجَاب أَصْحَابنَا عَن ذَلِك بأوجه مدخولة، مِنْهَا: أَن قَالُوا: نفصل بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات فِي الْأَمر وَالنَّهْي كَمَا فصلنا بَينهمَا فِي الْقسم، وإيضاح ذَلِك أَنه قَالَ: ((وَالله لَا تفعل) فَيتَعَلَّق بره فِي يَمِينه بامتناعه عَن الْفِعْل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ عُمُوما، وَإِذا قَالَ: ((وَالله لَأَفْعَلَنَّ)) لم يتخصص الْبر بالمداومة على الْفِعْل. وَلَا يَصح الِاعْتِمَاد على ذَلِك اسْتِدْلَالا وَلَا انفصالا لما قدمْنَاهُ ذكره. [٢٧٥] وَمن أَصْحَابنَا من أجَاب عَن النَّهْي بِأَن قَالَ: لما وجدنَا النَّهْي

стр. 201

فِي مُطلق اللُّغَة متضمنا كفا على الْعُمُوم حملناه عَلَيْهِ استغراقا، وَلما وجدنَا الْأَمر على خلاف ذَلِك اقْتِضَاء الِاسْتِيعَاب جرينا على الْمَعْهُود مِنْهُ. / ويتضح ذَلِك بالمثال فَإِن الرجل إِذا قَالَ لعَبْدِهِ: لَا تضرب زيدا، [٣٢ / أ] وَلَا تدخل الدَّار، فهم من ذَلِك عِنْد الاطلاق الدُّعَاء إِلَى الْكَفّ عُمُوما، وَمثله لَو قَالَ ادخل الدَّار أَو اضْرِب زيدا، لم يفهم من ذَلِك إدمان الدُّخُول والمواظبة على الضَّرْب ففرقنا بَينهمَا رُجُوعا منا إِلَى مُقْتَضى اللُّغَة فِي الْإِطْلَاق وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن من قَالَ لعَبْدِهِ: اضْرِب زيدا، فَضَربهُ ضَرْبَة وَاحِدَة سمي مُطيعًا ممتثلا لِلْأَمْرِ وَلَو نَهَاهُ عَن ضربه فَضَربهُ مرّة وَاحِدَة سمي مُخَالفا لقضية النَّهْي، وَهَذَا مِمَّا ذكره الْأَصْحَاب ((أشبههَا وأمثلها، وَهُوَ مَدْخُول أَيْضا فَإِن التَّمَسُّك بأعيان الْأَوَامِر فِي خُصُوص الْحَوَادِث لَا يَلِيق بالتحقيق، إِذْ يسوغ للخصم ادِّعَاء الْقَرَائِن فِيهَا)) . وَلَو طرقنا هَذَا الْقَبِيل إِلَى قَوَاعِد الْأُصُول لتشاكلت الْأَقْوَال فَإِن الْأَمر قد يحمل على التّكْرَار فِي بعض موارده. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك مَا يتَمَسَّك بِهِ الْقَائِلُونَ بالتكرار من الحَدِيث الْمَشْهُور فِي الْأَمر بِضَرْب الشَّارِب فَإِنَّهُ [ ﷺ ] أَمر أَصْحَابه بِضَرْب شَارِب الْخمر الْمَرْفُوع إِلَى مَجْلِسه فوالو عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ حَتَّى نَهَاهُم، وَلم يفهموا من مُطلق الْأَمر الضَّرْب مرّة وَاحِدَة وَكَذَلِكَ إِذا

стр. 202

قَالَ الْإِنْسَان لمن دونه احفظ هَذِه الدَّابَّة وَمر الْآمِر على وَجهه فَلَو أَن الْمَأْمُور حفظهَا لَحْظَة ثمَّ سيبها لم يعد ممتثلا فالتمسك بِمَا هَذَا وَصفه حيد عَن سَبِيل التَّحْقِيق. [٢٧٦] وَالْأولَى عندنَا فِي التَّقَصِّي عَمَّا عولوا عَلَيْهِ عَن النَّهْي شَيْئَانِ، أَوْمَأ إِلَيْهِمَا القَاضِي ﵁، أَحدهمَا أَن قَالَ: لست أسلم أَن النَّهْي يسْتَغْرق الْأَوْقَات بِوُجُوب الْكَفّ وَلَكِن يَقْتَضِي الِانْتِهَاء مرّة وَاحِدَة وَإِن حمل على الدَّوَام فَهُوَ بقرائن تَقْتَضِيه كَمَا حملت جملَة من الْأَوَامِر فِي الشَّرِيعَة على التّكْرَار كالأمر بِالْإِيمَان وَنَحْوه، ثمَّ لم يدل ذَلِك على اقْتِضَاء الْأَمر للتكرار وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَنه كَمَا يحسن الاستفصال على الدَّوَام والاكتفاء بالمرة الْوَاحِدَة فَكَذَلِك يحسن ذَلِك فِي النَّهْي، فَإِن الرجل إِذا قَالَ لعَبْدِهِ: ((لَا تضرب زيدا وَلَا تشتر لَحْمًا)) فَيحسن من العَبْد أَن يَقُول لَا أضربه أبدا، وَلَا أَشْتَرِي اللَّحْم سرمدا أم أكف عَنْهُمَا زَمنا؟ فَلَمَّا حسن الاستفصال، كَانَ ذَلِك على مَا قُلْنَاهُ، وَلَا يبْقى للخصوم إِلَّا التثبت بدعاوى التشنيع. ثمَّ قَالَ القَاضِي ﵁ وَلَو قدر تَسْلِيم ذَلِك بِمَا فِيهِ مستروح فَإِن قصارى مَا فِيهِ قِيَاس الْأَمر على النَّهْي. وقضايا اللُّغَة لَا تثبت قِيَاسا لما أوضحناه فِي بَاب مُفْرد.

стр. 203

[٢٧٧] فَإِن قَالَ قايل: الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن أضداده وأعادوا مَا قدروه فِي دليلهم وراموا بذلك / الْخُرُوج والتنصل عَن تثبيت اللُّغَات [٣٢ / ب] بِالْقِيَاسِ. فَنَقُول لَهُم: الْمصير إِلَى الْقيَاس فِي تَقْرِير هَذَا الْكَلَام ألزم لكم من طوق الْحمام للحمام. وَذَلِكَ أَنا رُبمَا لَا نسلم أَن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي نهيا عَن ضِدّه، وَكَيف نسلم ذَلِك مَعَ مصيرنا إِلَى تَجْوِيز الْأَمر بِجمع الضدين، فَكيف يكون الْأَمر بالشَّيْء يتَضَمَّن نهيا عَن ضِدّه، ثمَّ نقُول لَهُم: لَو سلم لكم ذَلِك، فَلم زعمتم أَن مَا يَقْتَضِيهِ الْأَمر ضمنا يتنزل منزلَة مَا يُصَرح بِهِ من النَّهْي، فَهَل هُوَ إِلَّا اعْتِبَار الضمن بِالصَّرِيحِ وَهُوَ عين الْقيَاس وَالله أعلم. ثمَّ نقُول إِنَّمَا يتَضَمَّن الْأَمر بالشَّيْء النَّهْي عَن الْوَجْه الَّذِي يتَضَمَّن الِامْتِثَال فَإِذا اقْتضى الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة تضمن نهيا عَن التّرْك مرّة وَاحِدَة. وَهَذَا لِابْنِ مُجَاهِد ﵀.

стр. 204

[٢٧٨] وَمِمَّنْ ينتمي إِلَى الْأُصُول من يفرق بَين الْأَمر وَالنَّهْي وَيَقُول الْكَفّ عَن المنهى عَنهُ لَا مشقة فِيهِ عُمُوما وَفِي امْتِثَال الْأَمر على الْعُمُوم أعظم الْمَشَقَّة وَهَذَا مَدْخُول فَإِن قضايا الْأَلْفَاظ لَا تخْتَلف بالمشقات والتيسير، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْأَمر لَو كَانَ متقيدا باقتضاء التّكْرَار حمل على مَا قدمْنَاهُ. [٢٧٩] وَمِمَّا يتَمَسَّك بِهِ الْقَائِلُونَ بالتكرار أَن قَالُوا: الْأَمر إِذا ورد مقتضيا إِيجَابا يتَضَمَّن ثَلَاثَة أَشْيَاء. أَحدهَا: امْتِثَال الْأَمر. وَالثَّانِي: اعْتِقَاد الْوُجُوب فِي فعل الْمَأْمُور، وَالثَّالِث: إبرام الْعَزْم على الِامْتِثَال. ثمَّ لَا يتخصص الْعَزْم واعتقاد الْوُجُوب والإلزام بأوان وزمان، فَكَذَلِك الِامْتِثَال وَهَذَا واه جدا، وَذَلِكَ أَنا نقُول:

стр. 205

أما اعْتِقَاد الْإِيجَاب فمرتب على الْإِيجَاب والإبرام فَكَمَا ثبتنا أَن وجوب الِامْتِثَال عِنْد تَقْيِيد الْأَمر بِالْإِيجَابِ وَإِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الْمرة الْوَاحِدَة والمصير إِلَى أَن إدامة الِاعْتِقَاد مُتَعَيّن كَذَلِك. فَإِنَّهُ لَو اتَّصل بِهِ الْأَمر الْمُقْتَضى وجوب الِامْتِثَال واعتقد الْوُجُوب ثمَّ أخر الِامْتِثَال وذهلت نَفسه عَن الِاعْتِقَاد فَلَا يعْصى بترك الِاعْتِقَاد، فَبَطل مَا قلتموه من ادِّعَاء وجوب الِاعْتِقَاد دواما. [٢٨٠] وَهَذَا الَّذِي طردناه فِي الِاعْتِقَاد يطرد فِي الْعَزْم فَإِنَّهُ لَو ذهلت نَفسه عَنهُ أَو تناساه قَاصِدا لم يعْص عندنَا إِذا سوغنا لَهُ تَأْخِير الِامْتِثَال ثمَّ مَا ذكره على الْمنْهَج الَّذِي أوردهُ يبطل عَلَيْهِم صَرِيحًا بِالْأَمر المتقيد باقتضاء الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة على التَّرَاخِي وَالتَّأْخِير فَإِن مَا قدروه من الِاعْتِقَاد والعزم على الِامْتِثَال يتَحَقَّق فِي هَذِه الصُّورَة مَعَ اتِّحَاد الِامْتِثَال فَبَطل مَا قَالُوهُ جملَة وتفصيلا. (٧١) القَوْل فِي الْأَمر الْمُعَلق بِالشّرطِ [٢٨١] اعْلَم، وفقك الله أَن الْأَمر إِذا ورد متقضيا تعلق الْمَأْمُور بِهِ بِشَرْط، فَالَّذِينَ صَارُوا إِلَى حمل مطلقه على التّكْرَار يتفقون على وجوب تكْرَار الِامْتِثَال عِنْد تكْرَار الشَّرَائِط المنعوتة فِي الْأَمر وَمن صَار إِلَى حمل

стр. 206

[٣٣ / أ] الْمُطلق من الْأَمر على اقْتِضَاء الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة / افْتَرَقُوا فِي الْمُقَيد بِالشّرطِ فَمن صائرين إِلَى أَن الِامْتِثَال يتَكَرَّر بِتَكَرُّر الشَّرْط وَإِن كَانَ مطلقه لَا يَقْتَضِي التّكْرَار. [٢٨٢] وَالَّذِي يَصح وَهُوَ مَا ارْتَضَاهُ القَاضِي ﵁ أَن الْأَمر الْمُقَيد بِالشّرطِ لَا يتَضَمَّن تَكْرِير الِامْتِثَال عِنْد تَكْرِير الشَّرْط وَإِنَّمَا الميز بَين الْمُطلق والمقيد بِالشّرطِ أَن الْمُطلق يَقْتَضِي الْأَمر من غير تخصص بِصفة وَشرط والمقيد بِالشّرطِ يَقْتَضِي الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة على قَضِيَّة الشَّرْط وَهُوَ على الْوَقْف فِيمَا عدا الْمرة الْوَاحِدَة. وكل مَا نصبناه دَلِيلا فِي الْأَمر الْمُطلق يدل على الْمُقَيد بِالشّرطِ وَكَذَلِكَ كل مَا عول عَلَيْهِ الْخصم فِي المسئلة الْمُتَقَدّمَة يعود فِي هَذِه وتعود وُجُوه الِانْفِصَال عَنْهَا. [٢٨٣] وَمِمَّا ذَكرُوهُ فِي هَذِه المسئلة أَن قَالُوا الحكم يتَعَلَّق بِالْعِلَّةِ وَالشّرط ثمَّ إِذا علق بِالْعِلَّةِ تكَرر بتكررها فَكَذَلِك إِذا علق

стр. 207

بِالشّرطِ وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ اجتراء مِنْهُم بِدَعْوَى مُجَرّدَة. فإننا نقُول لَهُم: خلافنا يؤول إِلَى صِيغَة عَرَبِيَّة، وَقَضِيَّة مفهومة، وَقد أوضحنا فِي بَاب مُفْرد منع إِثْبَات اللُّغَات بالمقاييس ومعظم كَلَامهم يتَرَدَّد على الْقيَاس فَلم قُلْتُمْ إِن الصِّيغَة المنبئة عَن التَّعْلِيل تضاهيها الصِّيغَة المنبئة عَن الشَّرْط

стр. 208

فاكتف بِهَذَا الْقدر، وسنوضح الْمَقْصد فِي الْعلَّة وَالشّرط وَالْفرق بَينهمَا فِي بَاب الْقيَاس إِن شَاءَ الله . (٧٢) فصل [٢٨٤] فَإِن قَالَ قَائِلُونَ: مَا تعنون بِالشّرطِ الَّذِي تطلقونه فِي أصُول الشَّرْع؟ قيل: الشَّرْط كالأمر علق إِيقَاع الِامْتِثَال والكف بِهِ على وَجه [يتَعَذَّر] وُقُوعه على مُوجب الشَّرْع دونه، ثمَّ قد يكون من فعل الله تَعَالَى وَقد يكون من كسب العَبْد. فَأَما الَّذِي يكون من فعل الله ، فنحو الْقُدْرَة، وَالصِّحَّة، وَكَمَال الْعقل، وَمَا ضاهاها من شَرَائِط للعبادات الآئلة إِلَى أَفعَال الله جلّ اسْمه. وَمِنْهَا مَا يكون من كسب الْمُكَلف كالطهارات والتوصل إِلَى أَسبَاب الاستطاعات إِلَى مَا يطول تتبعه. [٢٨٥] فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا جوزتم عقلا وُرُود التَّكْلِيف بالمحال نَحْو تَقْدِير وُرُود الْأَمر بج يعتضد؟ ا؟ ٠ كرناه؟ (قَول؟ ٣ راقة؟ (ن؟ الك؟ رَسُول؟ " لله؟ [ ﷺ ] قد؟ " صتل؟ (هـ؟ " لأمر؟ (الْحَج؟ قالغ ((" حجتنا؟ ذه؟ عامنا؟ م؟ لأبدة) هَذَا؟ " ستفصال؟ نه؟ ي؟ كرار؟ " لمثالغ لَو؟ ان؟ طلق؟ " لأمر؟

стр. 209

قيل: نَحن وَإِن سوغنا تَكْلِيف الْمحَال فَلَا يجوز ذَلِك. واستقصاء الْفَصْل بَينهمَا يتَعَلَّق بالديانات، بيد أَنا نبدي مِنْهُ مَا فِيهِ غشاء فَنَقُول: لَو قدر الْأَمر مُتَعَلقا بِجمع الضدين كَانَ الْمَقْصد مِنْهُ تعجيز الْمَأْمُور وَتَحْقِيق إِلْمَام الْعقَاب بِهِ على مَا سنوضحه فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله ، وَلم يتَحَقَّق فِي / ذَلِك اسْتِحَالَة الشَّرْط، وَهَذَا يتَبَيَّن لكل متأمل. [٣٣ / ب] [٢٨٦] وَمن أَصْحَابنَا الْقَائِلين بتكليف مَا لَا يُطَاق من جوز تَعْلِيق الْمَأْمُور بِهِ بِشَرْط مُسْتَحِيل كَمَا يجوز تعلق الْأَمر بِنَفس المستحيل. [٢٨٧] وَمَا ارْتَضَاهُ القَاضِي ﵁ ذَلِك الَّذِي قدمْنَاهُ أَولا، وَهُوَ الْأَصَح، وَوجه التَّحْقِيق فِيهِ أَن الْأَمر هُوَ اقْتِضَاء الطَّاعَة على الْجُمْلَة، فَإِن تعلق بممكن مَقْدُور أنبأ عَن اقتضائه، وَإِن تعلق بمحال فالصيغة تَقْتَضِي اقتضاءه مَعَ استحالته على الْمنْهَج الَّذِي سنقرره إِن شَاءَ الله . [٢٨٨] فَأَما إِذا كَانَ الشَّرْط الَّذِي يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْأَمر فِي تقرره مستحيلا فيؤول الانتفاء وَعدم التَّعَذُّر إِلَى نفس الْأَمر، فَإِذا قَالَ الْقَائِل لمخاطبه: إِن تحرّك زيد فِي حَال سكونه فَقُمْ، فتقدير الْخطاب أَن ذَلِك لَا يكون فَلَا تقم فيؤول الانتفاء إِلَى نفس الْأَمر ويسلبه سمة الِاقْتِضَاء وَهَذَا بَين إِن شَاءَ الله .

стр. 210

(٧٣) فصل [٢٨٩] اعْلَم أَن أَرْبَاب الْكَلَام يطلقون لفظ الشَّرْط وأرباب الشَّرَائِع يطلقونه أَيْضا وَقد تتباين بهم الْمَقَاصِد، فَإِن أَرْبَاب الْكَلَام إِذا أطْلقُوا الشَّرْط عنوا بِهِ مَا كَانَ شرطا لنَفسِهِ، حَتَّى لَا يتَقَدَّر ثُبُوته إِلَّا وَهُوَ شَرط، كالحياة لما كَانَت شرطا للأوصاف الَّتِي لَا تثبت دونهَا، وَآل ذَلِك إِلَى أَنْفسهَا وذواتها لم يتَحَقَّق ثُبُوت نَفسهَا غيرمنعوت بِكَوْنِهَا شرطا، وَكَذَلِكَ وجود الْجَوَاهِر لما كَانَ شرطا فِي ثُبُوت الْأَعْرَاض وقيامها بهَا لم يتَقَدَّر ثُبُوته إِلَّا شرطا فِي الْمَشْرُوط، وَأما أَرْبَاب الشَّرَائِع إِذا أطْلقُوا الشَّرْط فَلَا يخصصونه فِي الْإِطْلَاق بِمَا يكون شرطا لنَفسِهِ بل يطلقونه على مَا ثَبت شرطا شرعا، وَإِن لم يكن شرطا لنَفسِهِ، كالطهارة، والاستطاعة فِي الْمَنَاسِك وَمَا ضاهاها من الشَّرَائِط الْمَشْرُوعَة. (٧٤) فصل [٢٩٠] اعْلَم أَن الْفِعْل الْمُسْتَقْبل الْمَأْمُور بِهِ إِذا كَانَ مُعَلّقا على شَرط لزم أَن يكون الشَّرْط مترقبا فِي الِاسْتِقْبَال غير مَاض، وأيضاح ذَلِك بالمثال أَن الْقَائِل إِذا قَالَ لمن يخاطبه: إِذا قَامَ زيد فَاضْرِبْهُ، فقد أنبأ اللَّفْظ عَن ضرب فِي الْمَآل مَعْقُود بِشَرْط مرقوب فِي ثَانِي الْحَال، وَلَو قَالَ فِي حَال قيام زيد: إِذا قَامَ زيد فَاضْرِبْهُ كَانَ ذَلِك من متناقض الْكَلَام فِي إِرَادَة الشَّرْط والإنباء عَنهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَعْنِي بقوله إِذا قَامَ زيد قد قَامَ زيد إِقَامَة لبَعض الْحُرُوف مقَام بعض، على بعد فِي المأخذ. ومقصدنا من هَذَا الْفَصْل تَبْيِين أَن من شَرط الشَّرْط فِي الْفِعْل الْمُسْتَقْبل تَقْدِير استقباله.

стр. 211

(٧٥) القَوْل فِي الْأَمر إِذا تكَرر هَل يَقْتَضِي تكْرَار الْمَأْمُور بِهِ ؟ [٢٩١] اعْلَم أَن هَذَا الْبَاب، لَا يُفِيد على مَذْهَب الصائرين إِلَى تضمن التّكْرَار فِي مُقْتَضى الْأَمر الْمُفْرد الْمُجَرّد. فَأَما الَّذِي قَالُوا: إِن الْمُطلق من الْأَمر الْمُفْرد لَا يتَضَمَّن / تكْرَار الِامْتِثَال فَلَو تكَرر الْأَمر فَمَا حكمه على [٣٤ / أ] مَذَاهِب هَؤُلَاءِ؟ . التَّفْصِيل فِيهِ أَن يُقَال: إِن لم يَتَقَرَّر امْتِثَال معقب لِلْأَمْرِ الأول ثمَّ تلاه الْأَمر ثَانِيًا مِمَّا يُخَالف جنس الْمَأْمُور بِهِ الأول فيتضمن ذَلِك اقْتِضَاء مُجَردا بيد أَنا نستبشع فِي هَذَا الْقَبِيل إِطْلَاق القَوْل بتكرار الْأَمر، فَإِن لفظ تكْرَار الْأَمر إِنَّمَا يُطلق عِنْد اتِّحَاد الْجِنْس الْمَأْمُور بِهِ. فَأَما إِذا اخْتلف الْمَأْمُور بِهِ فالأوامر متعاقبة أَو مترادفة فَأَما أَن ينعَت بالتكرر فَفِيهِ بعد. [٢٩٢] وَأما إِذا ورد الْأَمر ثَانِيًا بِمثل مَا ورد بِهِ الْأَمر الأول فَهَل يتَضَمَّن ذَلِك اقْتِضَاء مُجَردا أم يَقْتَضِي تَأْكِيدًا ام يتَوَقَّف فِيهِ، فَمَا صارإليه الْأَكْثَرُونَ أَنه يحمل على اقْتِضَاء مُجَرّد حملا على التّكْرَار عِنْد تكَرر الْأَمر فِي مورده وَذهب أَصْحَاب الْوَقْف إِلَى أَنه مُتَرَدّد بَين اقْتِضَاء التَّأْكِيد لِلْأَمْرِ

стр. 212

الأول، وَبَين تثبيت حكم على التَّجْرِيد فَيتَوَقَّف فِيهِ على مَا يتَبَيَّن بالقرائن. [٢٩٣] وَقد ردد القَاضِي ﵁ جَوَابه فِي هَذِه المسئلة، وَهَا نَحن نؤمى إِلَى جوابيه ونستخير الله فِي ارتضاء أصَحهمَا إِن شَاءَ الله . فَالَّذِي صدر بِهِ الْبَاب أَن قَالَ: إِن اقْترن بمورد الْأَمر ثَانِيًا مَا ينفى حمله على التكرارفلا نحمله عَلَيْهِ. والموانع من حمله على التّكْرَار تَنْحَصِر فِي أَرْبَعَة أَقسَام: أَحدهَا: أَن يكون التّكْرَار مُمْتَنعا عقلا وَذَلِكَ نَحْو الْأَمر بِالْقَتْلِ إِذا سبق ثمَّ ورد ثَانِيًا فنعلم أَن الْقَتْل لَا يثنى فَلَا يَتَعَدَّد، وَالثَّانِي: أَن يمْتَنع التّكْرَار شرعا وَذَلِكَ نَحْو الْأَمر بِالْعِتْقِ فِي عبد معِين مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ لَا يتَكَرَّر إِلَى غير ذَلِك من أمثلته فِي الشَّرْع، وَالثَّالِث: أَن يكون الْأَمر متضمنا اسْتِيعَاب جنس الْمَأْمُور بِهِ فَيعلم أَن الْأَمر الثَّانِي لَا يَقْتَضِي

стр. 213

تحديدا فَإِن الأول استغرق جملَة مَا قدر فِي الْجِنْس الْمُسَمّى، وَالرَّابِع: قرينَة حَال تقترن بِتَكَرُّر الْأَوَامِر تنبئ عَن التَّأْكِيد، وَذَلِكَ نَحْو قَول السَّيِّد لعَبْدِهِ وَقد أجهده الْعَطش: / ((اسْقِنِي)) ، فَلَيْسَ يقْصد بذلك إِلَّا تحريضه على الابتدار إِلَى السَّقْي. وَيلْحق بِهَذَا الْقَبِيل عهد سبق بَين الْآمِر والمأمور وَذَلِكَ بِأَن يَقُول: ((إِذا كررت عَلَيْك الْأَمر فِي الْفِعْل فَاعْلَم أَنِّي أُرِيد بتكرار الْأَمر الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة)) . فَهَذِهِ قَرَائِن التَّأْكِيد وَمَا يذكر من الْفُنُون المتنوعة يداني مَا قدمْنَاهُ، وَلَا يخرج مِنْهُ. [٢٩٤] وَقَالَ القَاضِي فِي أحد جوابيه: إِن اقترنت الْأَوَامِر المتكررة بِقَرِينَة من الْقَرَائِن الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي اقْتِضَاء التَّأْكِيد فَهِيَ مَحْمُولَة عَلَيْهِ، وَإِن تعرت عَنْهَا حمل كل أَمر على اقْتِضَاء امْتِثَال مُجَرّد فيتعدد الِامْتِثَال بِتَعَدُّد الْأَوَامِر الْمُطلقَة، وَأَوْمَأَ فِي تضاعيف كَلَامه إِلَى مَا هُوَ الْأَصَح عندنَا على الأَصْل الَّذِي مهدناه فِي الْوَقْف، وَذَلِكَ أَن لَا تحمل الْأَوَامِر المتكررة على اقْتِضَاء مُجَرّد الِامْتِثَال بل يتَوَقَّف فِيهَا وَيثبت الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة / ويتوقف [٣٤ / ب] فِيمَا عَداهَا، فَيجوز التّكْرَار فِي الِامْتِثَال وَيجوز قصد التَّأْكِيد. [٢٩٥] فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا فرقتم بَين أَن تتصل الْأَوَامِر وتتعاقب من غير تخَلّل زمن ممتد بَين كل أَمريْن وَبَين أَن يَتَخَلَّل بَينهمَا أزمان ممتدة؟ .

стр. 214

قيل: إِن كَانَ الْكَلَام فِي الْأَوَامِر البادرة منا فَمَا ذكرتموه مُحْتَمل فَيجوز قطع القَوْل عِنْد تخَلّل الْأَزْمَان بتجديد الِامْتِثَال وَيجوز الْمصير إِلَى الْوَقْف كَمَا قدمْنَاهُ. [٢٩٦] فَإِن قَالَ الْقَائِل: أَلسنا فِي أَلْفَاظ الطَّلَاق نفصل بَين الْأَلْفَاظ المتعاقبة وَبَين الْأَلْفَاظ الَّتِي تتخللها مُدَّة؟ . قُلْنَا: لَا مُعْتَبر بآحاد الْأَلْفَاظ فِي الشَّرَائِع لما قدمْنَاهُ غير مرّة، فَهَذَا فِيمَا يَبْدُو منا من الْأَوَامِر. [٢٩٧] فَأَما مَا يتَّصل بِنَا من أوَامِر الله تَعَالَى فَلَا فرق بَين متعاقبها فِي الِاتِّصَال بِنَا وَبَين أَن يَتَخَلَّل فِي الِاتِّصَال بِنَا زمن، فَإِن جملَة مَا يتَّصل بِنَا كَلَام وَاحِد لَا يَتَّصِف بالتبعيض وَلذَلِك سَاغَ تَأَخّر الِاتِّصَال فِي الْمُخَصّص عَن

стр. 215

اللَّفْظ الَّذِي يَقْتَضِي عُمُوما، إِن قُلْنَا بِالْعُمُومِ، وَإِن كُنَّا لَا نجوز تَأْخِير الِاسْتِثْنَاء فِي كلامنا عَن الْمُسْتَثْنى. [٢٩٨] وَقد اسْتدلَّ القَاضِي فِيمَا ذَكرْنَاهُ عَنهُ أَولا بِأَن قَالَ: كل أَمر من الْأَوَامِر الْمُتَّصِلَة بِنَا لَو قدر مُجَردا اقْتضى امتثالا، فَتقدم الْأَوَامِر عَلَيْهِ وتأخرها عَنهُ لَا يُوجب تَغْيِيره عَن مُقْتَضَاهُ إِذا ارْتَفَعت الْقَرَائِن الَّتِي نوعناها. [٢٩٩] وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك أَن يقدر فِي كل أَمر مُقْتَضَاهُ وَلَا ينظر إِلَى مَا سواهُ فَيحصل من مضمونها امتثالات مُتعَدِّدَة وطاعات متجددة. [٣٠٠] ثمَّ وَجه على نَفسه سؤالا، وانفصل عَنهُ، وَقَالَ: ألستم قُلْتُمْ بِالْوَقْفِ فِي الصِّيغَة الْمُطلقَة وَهِي قَول الْقَائِل: ((افْعَل)) ، وصرتم فِي تثبيت ذَلِك إِلَى انقسام الْمَوَارِد وَهَذَا الْمَعْنى مُتَحَقق فِي الْأَوَامِر المتكررة فَإِن مواردها فِي التَّأْكِيد والتكرار تَنْقَسِم، وَلَئِن سَاغَ أَن يُقَال: إِنَّمَا يحمل على التَّأْكِيد لقَرِينَة، سَاغَ أَن يُقَال إِنَّمَا يحمل على التّكْرَار لقَرِينَة، فَالَّذِي دلّ عنْدكُمْ على الْوَقْف فِي كل مَا تتوقفون فِيهِ يدل عَلَيْهِ فِي التّكْرَار والتأكيد، ثمَّ تفصى عَن ذَلِك وَقَالَ: الصِّيغَة الَّتِي ذكرتموها فِي نَفسهَا مُحْتَملَة فتوقف فِي مَعْنَاهُ. وَهَذِه المسئلة مَفْرُوضَة فِيهِ إِذا كَانَ كل أَمر من الْأَوَامِر وَصِيغَة من الصِّيَغ مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ فِي إثارة ندب أَو إِيجَاب فَلَا احْتِمَال فِي كل أَمر، والأوامر السَّابِقَة لَهُ والمتأخرة عَنهُ لَا توجب تغير مُقْتَضَاهُ، فانفصلا من هَذَا الْوَجْه، فَهَذَا نِهَايَة كَلَامه وقصاراه.
следующие страницы →