← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عِنْده من ملكه مَا يسد بِهِ رمقه فَيجب عَلَيْهِ الْأكل، فَلَو أكل من ملك غَيره فقد أقدم على نفس الْمعْصِيَة، وَسقط عَنهُ الْفَرْض فِي وجوب الْأكل. فَإِن عَادوا فِي استبعاد سُقُوط الْوَاجِب بالمحرم عدنا لَهُم وَبينا اقتصارهم على مُجَرّد الدَّعْوَى. [٥٣٢] فَإِن قَالُوا: فَالْأَصْل بَقَاء الْأَمر على اقْتِضَاء الِامْتِثَال وَلَا يسْقط امتثاله وجوبا من غير إقدام على الْمَأْمُور بِهِ وَمن غير دلَالَة قَائِمَة على سُقُوط الْوُجُوب عِنْد ثُبُوت مَا هُوَ محرم. قُلْنَا: الْآن إِن نطقتم بِالْحَقِّ فَإنَّا نقُول: إِذا ورد الْأَمر مقتضيا للْإِيجَاب فَلَا يَتَقَرَّر سُقُوط الْوُجُوب من غير إقدام على الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا بِدلَالَة تقوم دَالَّة على سُقُوط الْوُجُوب من غير إقدام، فَمَا الدَّلِيل على السُّقُوط؟ قُلْنَا: قد تبين عجزكم عَن إِقَامَة الدّلَالَة واتضح جَوَاز ذَلِك ثمَّ نوضح مَا بِهِ اعتصامنا من الدَّلِيل فِي المسئلة إِن شَاءَ الله تَعَالَى. [٥٣٣] ثمَّ اعْلَم أَن مُعظم الْفُقَهَاء حادوا عَن سنَن التَّحْقِيق فِي التَّقَصِّي عَن شبه الْقَوْم فسلك كل فريق مِنْهُم طَرِيقا، وَنحن ننبئك عَن طرقهم وَنَذْكُر وَجه الدخل فِيهَا إِن شَاءَ الله، فمما عول فِيهِ بعض الْفُقَهَاء فِي التَّقَصِّي عَمَّا قدمْنَاهُ أَن قَالَ: الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة طَاعَة مَأْمُور بهَا مفترضة لَا يُوصف بِأَنَّهَا مُحرمَة فَإِنَّمَا الْمحرم الْغَصْب، وَالْغَصْب غير الصَّلَاة، فَقيل لَهُ: فالقعود فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة على حكم التَّعَدِّي غصب وقعود

стр. 387

الْمُصَلِّي فِيهَا قعُود على حكم الْغَصْب، فَلم يَجدوا عَن ذَلِك محيصا غير أَن قَالُوا: الدَّلِيل على انْفِصَال الْغَصْب عَن الصَّلَاة، وَالصَّلَاة عَن الْغَصْب أَنه قد يفصل الْكَوْن فِي الدَّار مغتصبا وَإِن لم يكن مُصَليا فِيهَا. وَمن حق مثل هَذَا الْكَلَام أَن لَا نتشاغل بنقله لوضوح فَسَاده بيد أَنا لما رَأينَا الْفُقَهَاء يشغفون بذلك لم نجد بدا من ذكره، فَيُقَال لهَذَا الْقَائِل: وَإِن صَحَّ أَن يكون كَائِنا غير مصل فَلَا يَصح أَن يكون مُصَليا فِي الدَّار إِلَّا وَهُوَ كَائِن فِيهَا وَهَذَا بِمَثَابَة من قَالَ الْقعُود فِي الدَّار لَيْسَ بِكَوْن فِيهَا فَإِنَّهُ قد يتَصَوَّر كَون لَيْسَ بقعود، وَلَو قَالَ قَائِل: الْحَرَكَة لَيست بِكَوْن فَإِنَّهُ قد يتَصَوَّر كَون لَيْسَ بحركة وَهُوَ السّكُون والسواد لَيْسَ بِكَوْن فِيهَا لِأَنَّهُ قد يتَصَوَّر كَون لَيْسَ بسواد وَالصَّلَاة لَيست بِطَاعَة لتصوره طَاعَة لَيست بِصَلَاة /. [٦٣ / ب] [٥٣٤] وَاعْلَم أَن من زعم أَن قعُود الْمُصَلِّي فِي صلَاته لَيست بِكَوْن فِي الدَّار فقد جحد الضَّرُورَة وَقد بَينا بِاتِّفَاق الْأمة أَن الْقعُود فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة محرم. [٥٣٥] وَمِمَّا اعْتصمَ بِهِ بعض الْفُقَهَاء أَن قَالَ: الاغتصاب يتَعَلَّق بِعَين الدَّار وذاتها وأنفس أبعاضها وأجزائها، وَالصَّلَاة من فعل الْمُصَلِّي ومقدوراته وَهِي لَا تتصف بِكَوْنِهَا مُحرمَة، وَهَذَا أوضح فَسَادًا من كل مَا قدمْنَاهُ، وَذَلِكَ أَنا نقُول: إِذا صرفتم الاغتصاب إِلَى أَعْيَان الدَّار، وزعمتم أَن الصَّلَاة من مقدوراته وَالْغَصْب لَا يتَعَلَّق بِمَا يخرج من قبيل مقدوراته فَأول مَا فِيهِ أَن نقُول: هَل تسلمون أَن الْغَصْب محرم مَنْهِيّ عَن معاقبته عَلَيْهِ فَإِن لم يسلمُوا

стр. 388

انتسبوا إِلَى جحد الْإِجْمَاع وَإِن سلمُوا قيل لَهُم: فَكيف يُعَاقب الْمَرْء على مَا يدْخل تَحت مقدوره، وَلَا يجوز دُخُوله تَحْتَهُ فتتعلق جملَة أَحْكَام التَّكْلِيف بِأَفْعَال الْمُكَلّفين، ومصير هَؤُلَاءِ إِلَى أَن الصَّلَاة من أَفعَال الْغَاصِب ومقدوراته لَا ينجيهم فَإِن الْغَصْب من مقدوراته وَلَو لم يكن مَنْهِيّا لما تعلق حكم التَّكْلِيف بِهِ فِي التَّحْرِيم. [٥٣٦] ثمَّ نقُول: الْأَمْلَاك الْمُطلقَة والغصوب الْمَانِعَة مِنْهَا كلهَا آئلة إِلَى الأوحال المقدورة للْمَالِك والمغتصبين فَإِذا أطلق الْملك أُرِيد بِهِ تصرف صَاحب الدَّار وتقلبه فِي عين الدَّار، وَيرجع ذَلِك إِلَى أكوانه، فَأَما أَعْيَان الدَّار وجواهرها وأجسامها فَلَا يملكهَا إِلَّا الله تَعَالَى، وَلَا يتَصَوَّر الْغَصْب فِيهَا، وَالْجُمْلَة الجامعة لما قدمْنَاهُ أَن تثبت الْملك وَالْمَنْع مِنْهُ مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ التَّكْلِيف وَلَا يتَصَوَّر التَّكْلِيف فِي شَيْء من قضاياه إِيجَابا وندبا وحظرا وَإِبَاحَة إِلَّا بِمَا هُوَ من قبيل مقدورات العبيد وَهِي أفعالهم فَبَطل مَا قَالُوهُ جملَة وتفصيلا، وَتبين أَن الْغَصْب يرجع إِلَى مَا يَفْعَله الْغَاصِب من الأكوان فِي شغله أَجزَاء الدَّار وَمنعه الْمَالِك من التَّصَرُّف فِي الْموضع الَّذِي شغله. [٥٣٧] وَمن الْفُقَهَاء من سلك أُخْرَى وَهِي أَنه قَالَ: تَحْرِيم الْغَصْب مِمَّا لَا يتخصص بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ محرم قبل شُرُوعه فِي الصَّلَاة وَلَيْسَت كالطهارة فَإِنَّهَا شَرط لأجل الصَّلَاة، فَيُقَال: قد قدر عَلَيْكُم ان نفس قعوده وقيامه فِي الصَّلَاة عين الْغَصْب فَكيف يخلص من هَذَا السُّؤَال قَوْلكُم إِن

стр. 389

الْغَصْب مَا حرم لأجل الصَّلَاة وَقد وضح أَن بعض أَرْكَانهَا عين الْغَصْب، فاضمحل مَا قَالُوهُ. ثمَّ يُقَال لَهُم: ستر الْعَوْرَة مِمَّا لم يخْتَص وُجُوبه بِالصَّلَاةِ وَلم تقدر الاختلال بهَا على قصد وَاخْتِيَار حكم بِبُطْلَان الصَّلَاة. [٥٣٨] وَمن الْفُقَهَاء من تمسك بطريقة أُخْرَى فَقَالَ إِنَّمَا صحت صلَاته لِأَنَّهُ لَا بُد من مُسْتَقر يقر فِيهِ، إِلَى غير ذَلِك. [٥٣٩] فَإِن قيل: يُمكنهُ أَن يقر فِي غير الدَّار الْمَغْصُوبَة؟ . قيل: ويمكنه أَن يُصَلِّي فِي غَيرهمَا فَبَطل جملَة مَا عولوا عَلَيْهِ، وَفِيمَا قدمْنَاهُ من طرق الْجَواب غنية إِن شَاءَ الله تَعَالَى. [٥٤٠] فَإِن قيل فَمَا دليلكم على وُقُوع الصَّلَاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة مَوضِع الْإِجْزَاء تثبتون ذَلِك عقلا أم سمعا؟ . قُلْنَا: لَا تدل الْعُقُول على أَحْكَام الشَّرَائِع، وَإِنَّمَا الدَّال عَلَيْهَا الْأَدِلَّة السمعية، فَإِن قَالُوا: / فَلَيْسَ فِي تَجْوِيز الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة نَص [٦٤ / أ] كتاب وَلَا نَص مستفيض عَن الرَّسُول [ ﷺ ] فعلى مَاذَا معولكم؟ قُلْنَا: معولنا على إِجْمَاع الْأمة فِي الْعَصْر الخالية قبل ظُهُور هَذَا

стр. 390

الْخلاف من أبي شمر المرجي ونوابته الْمُعْتَزلَة، وَوجه تَحْقِيق ادِّعَاء الْإِجْمَاع أَن نقُول: الصَّلَوَات فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة كَانَت تتفق فِي زمن رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَفِي زمن أَصْحَابه بعد أَن اسْتَأْثر الله تَعَالَى بِهِ. وكما نعلم اطراد سَائِر الْعَادَات الَّتِي لَا تنخرق، فَكَذَلِك نعلم أَن الْعَصْر لَا يَخْلُو عَن تقدر ذَلِك من المعتصمين المشتغلين المتمسكين بضروب الْعدوان، ثمَّ لم يصر أحد من أهل الْحل وَالْعقد إِلَى إِفْسَاد الصَّلَوَات فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة وَلم يوجبوا قضاءها وَلَا يسوغ من المجمعين الصمت وَالسُّكُوت على خلاف الْحق إِذْ الْعِصْمَة تجب لَهُم كَافَّة كَمَا تجب للرسول [ ﷺ ] .

стр. 391

وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن طَائِفَة من المغتصبين كَانُوا ينيبون ويتوبون ويرجعون عَن طغيانهم وعدوانهم فِي زمن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَكَانُوا يتلافون مَا فرط مِنْهُم من الظُّلم بالتدارك، وَلم يُؤثر عَن أحد من الْأَئِمَّة فِي الْعَصْر المنقضية أَنه أوجب على منيب إِعَادَة مَا فرط مِنْهُ من الصَّلَوَات وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ، وجاحد ذَلِك يُقَابل بجحد كل إِجْمَاع. [٥٤١] فَإِن قَالَ أَبُو هَاشم: أَلَيْسَ ذهب أَبُو شمر إِلَى إِيجَاب الْقَضَاء؟ قُلْنَا: إِنَّمَا استدللنا عَلَيْهِ بانعقاد الْإِجْمَاع قبل الَّذين نسبتموهم فِي زمن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، ثمَّ هَذَا الرجل الَّذِي سميتموه لم يُوضح كَونه من المتسجمعين للشرائط الْمَذْكُورَة فيعد خِلَافه ويقدح فِي عقد الْإِجْمَاع. فَبَطل مَا قَالُوهُ. [٥٤٢] فَإِن قيل: فقد أجمع الْمُسلمُونَ على أَن غير الْمَأْمُور بِهِ لَا يتَأَدَّى بِهِ الْمَأْمُور بِهِ؟ قيل لَهُم: هَذَا تلبيس مِنْكُم فَإنَّا أوضحنا عَلَيْكُم الْإِجْمَاع فِي إِجْزَاء الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة ثمَّ لَو كَانَ لَا يخفى عَلَيْكُم كَونهَا مَعْصِيّة فَكيف خَفِي عَمَّن كَانَ قبلكُمْ فَإِذا ثَبت إِجْمَاعهم على إجزائها مَعَ الْعلم بتحريمها فَأنى يَسْتَقِيم مَعَ ذَلِك ادِّعَاء الْإِجْمَاع على الْجُمْلَة فِي أَن الْمحرم لَا تقع

стр. 392

موقع الْمَأْمُور بِهِ، ثمَّ مَا قَوْلكُم فِي الْمُصَلِّي وَفِي وَقت وجوب رد الْوَدِيعَة وَالْغَصْب عَلَيْهِ، هَل تصح صلَاته؟ فَإِن قَالُوا: تصح صلَاته مَعَ كَونهَا تركا للْوَاجِب فقد أبطلوا ادِّعَاء الْإِجْمَاع وَإِن زَعَمُوا أَن الصَّلَاة لَا تصح فِي هَذِه الْحَالة ظهر عنادهم وخرقهم لإِجْمَاع الْأمة، وأفضى ذَلِك بهم إِلَى القَوْل بِأَن كل مديون عَلَيْهِ دين مقتدر على أَدَاء مَا عَلَيْهِ مماطل مُسْرِف بِتَأْخِير لَا تصح لَهُ صَلَاة مَا بَقِي الدّين عَلَيْهِ. وَهَذَا كشف القناع والتصرخ برفض الْإِجْمَاع. [٥٤٣] فَإِذا ثبتَتْ هَذِه المسئلة فِي مُقَدّمَة الْبَاب فنخوض بعْدهَا فِي إِيضَاح فَسَاد قَول من قَالَ: إِن النَّهْي يدل على الْفساد. وَاعْلَم أَن أَكثر الصائرين إِلَى هَذَا الْمَذْهَب من أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَمَالك وَأبي حنيفَة وَغَيرهم يوافقون فِي وُقُوع الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة موقع الْإِجْزَاء فَإِذا تمهدت لَك هَذِه الْقَاعِدَة قُلْنَا بعْدهَا: ألستم وافقتمونا على صِحَة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة؟ وَقد أوضحنا كَون الْقيام وَالْقعُود وَجُمْلَة [٦٤ / ب] الأكوان فِيهَا / مُحرمَة مَنْهِيّا عَنْهَا، معاقبا عَلَيْهَا، وَبينا أَن جَاحد ذَلِك ينتسب إِلَى جحد الْحَقَائِق فقد ثَبت مَنْهِيّ عَنهُ تَحْقِيقا مَعَ كَونه مجزيا. [٥٤٤] فَإِن قيل: نَحن وَإِن قُلْنَا: إِن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة جَائِزَة، قُلْنَا مَعَ ذَلِك إِن النَّهْي يدل على الْفساد فَلَا تنَاقض بَين الْأَصْلَيْنِ، فَإنَّا وَإِن جعلنَا الْفساد من مُقْتَضى النَّهْي فَيجوز أَن يحمل النَّهْي على غَيره بِدلَالَة تقوم، وَهَذَا كَمَا أَنا نقُول النَّهْي يَقْتَضِي التَّحْرِيم ثمَّ قد يرد وَيحمل على غير التَّحْرِيم. وَالْأَمر يَقْتَضِي الْوُجُوب، ثمَّ قد يرد وَيحمل على غير الْوُجُوب؟

стр. 393

قُلْنَا: هَذَا مَا روح فِيهِ، وَذَلِكَ أَنكُمْ زعمتم أَن النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد وَإِذا حمل على غير ظَاهره فقد عدل بِهِ على حَقِيقَته، وَصرف عَن قَضيته وَاسْتعْمل فِيمَا اسْتعْمل فِيهِ مجَازًا وتوسعا، واستعماله من غير اقْتِضَاء الْإِيجَاب كاستعمال صِيغَة الْأَمر فِي اقْتِضَاء الْإِبَاحَة. ومآل ذَلِك يرجع إِلَى القَوْل بِأَن النَّهْي إِذا لم يحمل على الْفساد كَانَ مجَازًا وَيلْزم من ذَلِك أَن يكون النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة مجَازًا لَا حَقِيقَة، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِهِ، وَلَو سَاغَ ذَلِك سَاغَ الْمصير إِلَى أَنَّهَا مُحرمَة مجَازًا لَا حَقِيقَة وَقد أطبق الْمُحَقِّقُونَ على أَن كل مَا كَانَ محرما على الْحَقِيقَة يجب أَن يكون مَنْهِيّا عَنهُ على الْحَقِيقَة. [٥٤٥] وَمِمَّا نتسمك بِهِ فِي المسئلة أَن نقُول: معاشر الْخُصُوم فصلوا لنا قَوْلكُم فِي الْفساد ومتعلق النَّهْي فَإِن عنيتم بذلك الْمنْهِي بنهي يَقْتَضِي التَّحْرِيم محرم فَهَذَا مِمَّا نساعدكم عَلَيْهِ، ونقول بِهِ، إِمَّا مصيرا إِلَى أَن مُطلق النَّهْي يَقْتَضِي التَّحْرِيم، أَو فرضا للْكَلَام فِي النَّهْي الْمُقَيد بالقرائن الدَّالَّة على التَّحْرِيم، وَإِن عنيتم بِالْفَسَادِ أَن الْمنْهِي عَنهُ غير الْمَأْمُور، فَهَذَا مِمَّا نساعدكم عَلَيْهِ، وَإِن عنيتم بِالْفَسَادِ أَن مثل مَا وَقع مَنْهِيّا تجب إِعَادَته على وَجه كَونه مَنْهِيّا فالنهي لَيْسَ يُنبئ عَن ذَلِك لَا بصريحه، وَلَا بضمنه فَإِن يتَضَمَّن الزّجر عَن الْمنْهِي عَنهُ فَحسب، وَأما أَن يتَضَمَّن إِعَادَة مثله فَلَمَّا. [٥٤٦] فَإِن قَالُوا: الْمُقْتَضى لإعادة مثله الْأَمر السَّابِق فَإِن الْأَمر يَقْتَضِي الِامْتِثَال وَالْمحرم لَيْسَ بامتثال. قُلْنَا: فقد بَطل دعواكم فِي قَوْلكُم نفس الْمنْهِي يَقْتَضِي الْفساد، وَتبين استرواحكم إِلَى الْأَمر السَّابِق دون النَّهْي، ثمَّ قد أشبعنا القَوْل فِي ذَلِك فِي

стр. 394

الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة، وأوضحنا القَوْل فِيهَا. [٥٤٧] فَإِن قَالُوا: الْجَوَاز والإجزاء يُنبئ عَن الْإِبَاحَة وَالْأَمر بِهِ فَإِذا ارْتَفَعت الْإِبَاحَة لم يتَحَقَّق ثُبُوته لم يكن للإجزاء معنى. قيل لَهُم: فَمَا قَوْلكُم فِي الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة، فَإِن التَّحْرِيم مُتَحَقق فِيهَا مَعَ وُقُوعهَا موقع الْإِجْزَاء ثمَّ كل مَا قدمْنَاهُ فِي تِلْكَ المسئلة من المطالبات يعود فِي هَذِه. [٥٤٨] فَإِن قَالَ قَائِل: دَعونَا عَن طَرِيق الْجِدَال وبينوا لنا مَا يدل على وُقُوع الْمحرم موقع الْإِجْزَاء عِنْد ارتفاض الْإِبَاحَة وَالْأَمر. قُلْنَا: لَيْسَ الْمَعْنى بالإجزاء عندنَا إِلَّا سُقُوط الْفَرْض، وَالدَّال على ذَلِك أَن يخبرنا الرب تَعَالَى أَو نتوصل إِلَى إخْبَاره بِدلَالَة قَاطِعَة: إِنِّي أسقطت عَنْكُم [٦٥ / أ] الْفَرْض عِنْد إقدامكم على هَذَا / الْفِعْل الْمحرم وَجَعَلته آيَة فِي سُقُوط الْفَرْض عَنْكُم فَهَذَا وَاضح لَا استبعاد فِيهِ. [٥٤٩] وَقد اسْتدلَّ الصائرون إِلَى أَن النَّهْي يدل على الْفساد بِخَبَر شغبوا بالاستدلال بِهِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: كل عمل لَيْسَ فِيهِ أمرنَا فَهُوَ رد.

стр. 395

قَالُوا: فَلَا معنى لكَونه ردا إِلَّا أَن يكون بَاطِلا غير مجزئ. وَاعْلَم أَن هَذَا اعتصام بأخبار الْأَفْرَاد وَالْمطلب فِي المسئلة الْقطع مَعَ أَنه لَا معتصم فِيهِ، وَأَن الرَّد يَنْقَسِم إِلَى معَان وَلَيْسَ من مَعَانِيه فِي إِطْلَاق اللُّغَة وجوب إِعَادَة مثله، وَلَكِن من أظهر مَعَانِيه أَنه لَا يَقع طَاعَة وَعبادَة متقبلة مثابا عَلَيْهَا. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن من صدرت مِنْهُ الصَّلَوَات مستجمعة للشرائط الْمَشْرُوطَة فِي صِحَّتهَا فَيحسن مِنْهُ أَن يَقُول فِي دعواته: اللَّهُمَّ تقبلهَا وَلَا تردها وَلَيْسَ يَعْنِي بذلك إِبْطَالهَا فِي حكم الشَّرْع على وَجه يجب إِعَادَتهَا فَتبين أَنه لَا معول على ظَاهر الْخَبَر، وَأَقل مَا فِيهِ تردده بَين مَا قَالُوهُ، وَبَين مَا أبديناه، وَلَا يسوغ الِاسْتِدْلَال بالمحتملات فِي مسَائِل الْقطع. [٥٥٠] وَمِمَّا عولوا عَلَيْهِ فِي المسئلة ادِّعَاء اتِّفَاق سلف الْأمة فَإِنَّهُم قَالُوا: مَا زَالَ الْعلمَاء فِي الْعَصْر الخالية يستدلون على تثبيت الْفساد بظواهر

стр. 396

النَّهْي وَهَذَا نَحْو استدلالهم إِلَى إِثْبَات فَسَاد الْعُقُود المنطوية على الرِّبَا بقوله تَعَالَى: ﴿وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا﴾ . واعتصموا أجمع بنهيه [ ﷺ ] عَنْهَا فِيمَا نقل عَنهُ [ ﷺ ] أَنه قَالَ: ((لَا تَبِيعُوا الْوَرق بالورق)) الحَدِيث، واعتصم من اعْتقد بطلَان نِكَاح الشّغَار بِالنَّهْي عَنهُ وَمَا زَالَت الصَّحَابَة يسْتَدلّ بَعضهم على بعض فِي طلب الْفساد بِالنَّهْي،

стр. 397

وَمَا قَالَ أحد مِنْهُم فِي رد اسْتِعْمَال خَصمه أَن النَّهْي لَا يدل على الْفساد، وَهَذَا مِمَّا يعدونه من أقوى عمدهم. وَالْجَوَاب عَنهُ أَن يُقَال: هَذَا الَّذِي احتملتموه فِي النَّقْل لَا يثبت الْإِجْمَاع بِمثلِهِ فَإِنَّكُم أوصيتم إِلَى آحَاد من الظَّوَاهِر، وزعمتم ان الماضين استدلوا بهَا وَأَنْتُم تنازعون فِي ذَلِك إِن ادعيتم الإطباق والاتفاق، وَإِن ادعيتم التَّسَبُّب إِلَى آحَاد وأفراد فَلَا يثبت مقصدكم، ثمَّ نقُول لَهُم: بِمَ تنكرون على [من] زعم [أَنهم] وَإِن استدلوا بالمناهي فَإِنَّمَا استدلوا بإفضائها إِلَى الْفساد لإحاطة علمهمْ بقرائن مقترنة بالألفاظ دَالَّة على اقْتِضَاء الْفساد، فَإِن قَالُوا: لَو كَانَت تِلْكَ قَرَائِن لنقلت. قُلْنَا: لَا يتَعَيَّن نقل أسْند الْعلم إِلَيْهِ وَهَذَا كَمَا أَن انْعِقَاد الْإِجْمَاع قد يتَّفق فِي الْحَوَادِث وَإِن لم تنقل دلَالَة يسْتَند انْعِقَاد الْإِجْمَاع إِلَيْهَا، وَوجه الْجَواب عَمَّا ذَكرُوهُ كوجه الْجَواب عَن الشّبَه الَّتِي قدمناها من الصائرين

стр. 398

إِلَى مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي الْوُجُوب ثمَّ توصلوا فِي ذَلِك إِلَى دَعْوَى مثل هَذَا الْإِجْمَاع، وَقد سبق استقصاء الْجَواب. (١١٢) فصل [٥٥١] فَإِن قَالَ قَائِل: قدمتم من أصلكم أَن النَّهْي لَا يدل على الْفساد ثمَّ لَا يخفى عَلَيْكُم أَن الْمُحرمَات منقسمة فِي موارد الشَّرِيعَة فَمِنْهَا مَا حكم [٦٥ / ب] بفساده، وَمِنْهَا مَا لم يحكم بفساده كَالصَّلَاةِ / فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَنَحْوهَا وَقد وضح من أصلكم أَن نفس النَّهْي لَا يدل على فَسَاد، وَلَا على إِجْزَاء فَهَل ينْفَصل الْفَاسِد من الْمُحرمَات من غير الْفَاسِد بِحَدّ فاصل عنْدكُمْ؟ قُلْنَا: أما بَعْدَمَا اعترفتم بِأَن مَا تسْأَلُون عَنهُ لَيْسَ هُوَ من قَضِيَّة النَّهْي وَأما سوالكم آئل إِلَى حد فاصل مضبوط ثَبت بالأدلة السمعية دون ظواهر النَّهْي، فعندنا حد يفصل بَين الْبَابَيْنِ وَهُوَ أَن نقُول: كل مَا ثَبت مَشْرُوطًا من عبَادَة مفترضة أَو مَنْدُوبًا إِلَيْهَا، أَو عقد وَثَبت بِالشَّرْعِ فِيهِ مقترنا بالشرائط وَتبين كَونهَا مَشْرُوطَة فِي ثُبُوت الْأَحْكَام فَإِذا تقدر الشَّيْء على خلاف مورد الشَّرِيعَة وَاخْتلف شريطة من الشَّرَائِط المقترنة بِالشَّرْعِ فَمَا هَذَا سَبيله فَهُوَ فَاسد. فَأَما مَا تعلق بِهِ حكم من أَحْكَام الشَّرْع وَلم يقْتَرن بِهِ شَرط ثمَّ اتّفق وُقُوعه فِي صُورَة مَنْهِيّا عَنهُ محرما وَلَكِن لم يثبت اختلال شَرط فَمَا هَذَا سَبيله لَا نحكم بفساده.

стр. 399

ويتبين ذَلِك بالأمثلة أَنه ثَبت اشْتِرَاط الطَّهَارَة عَن الْحَدث والخبث فِي الصَّلَاة شرعا، واقترن الْأَمر بذلك نصا، فَإِذا وَقعت الصَّلَاة فِي صورتهَا مَعَ اختلال شَرط من هَذِه الشَّرَائِط عِنْد تَقْدِير ارْتِفَاع الْأَعْذَار وَكَانَ محرما فَهُوَ فَاسد، وعَلى الْقيَاس يجْرِي فِي الْعُقُود وشروطها وَلَا وَجه فِي حصرها، فَأَما إِيقَاع الصَّلَاة فِي تِلْكَ فَلم ينْطَلق بِهِ أصل من أصُول الشَّرِيعَة، فَقُلْنَا وَإِن وَقعت مُحرمَة فَتَقَع موقع الْإِجْزَاء. [٥٥٢] فَإِن قيل: هَذَا الَّذِي ذكرتموه تصرف مِنْكُم فِي مُقْتَضى الْأَلْفَاظ أم لَا؟ . قُلْنَا: قد قدمنَا فِي صدر الْفَصْل أَن مُجَرّد الْأَلْفَاظ الْمُطلقَة تنبئ عَن شَيْء مِمَّا قلتموه، وَلَكِن سبرنا الْمُحرمَات فِي الشَّرِيعَة فَوَجَدنَا الْحَد الَّذِي ذَكرْنَاهُ حاصرا لَهَا. [٥٥٣] فَإِن قيل: فَمَا قَوْلكُم فِيمَن نقل عَن الشَّافِعِي ﵁ أَنه قَالَ فِي تَحْدِيد الْفَاسِد ((وَهُوَ كل فعل محرم يقْصد بِهِ التَّوَصُّل إِلَى اسْتِبَاحَة مَا جعل الشَّرْع أَصله على التَّحْرِيم)) ؟ . قُلْنَا: لَعَلَّ ذَلِك لَا يَسْتَقِيم على الأَصْل الَّذِي اخترناه وَأول مَا يدْخل عَلَيْهِ العقد فِي وَقت تضييق الصَّلَاة فَإِن المتلفظ بِالْعقدِ تَارِك لتكبيرة التَّحْرِيم، وَنَفس لَفظه بِالْعقدِ ترك التَّكْبِير، وَترك التَّكْبِير محرم، فَهَذَا محرم يتَوَصَّل بِهِ إِلَى اسْتِبَاحَة الْأَمْلَاك، والأبضاع، وأصولها فِي الشَّرِيعَة، على الْحَظْر وَالْأولَى عندنَا مَا قدمْنَاهُ.

стр. 400

(١١٣) بَاب الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَمَا يتَّصل بهما) من الْوِفَاق وَالْخلاف بَين الْأُصُولِيِّينَ) [٥٥٤] اعْلَم، وفّقك الله، أَن ذَلِك يحْتَاج إِلَى مُقَدّمَة قبل الْخَوْض فِي مسَائِل الْعُمُوم وَالْخُصُوص بشرح عِبَارَات متأولة بَين أَرْبَاب الاصول فِي أَبْوَاب أصُول الْعُمُوم وَالْخُصُوص يَسْتَعِين بشرحها المسترشد على ذَلِك المطالب. [٥٥٥] فَإِن قيل: فَمَا الْعَام وَحَقِيقَته؟ قيل: الْعَام هُوَ القَوْل الْمُشْتَمل على شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا، وَإِنَّمَا سمي

стр. 401

عَاما لتَعَلُّقه بشيئين عُمُوما فَصَاعِدا وَهَذَا اوضح من أَن يحْتَاج إِلَى تَقْرِير فِي (٦٦ / أ] قَضِيَّة / اللُّغَة، وَمن هَذَا قيل عمّم فلَان الْجَمَاعَة بِالْبرِّ وَالْعدْل وعمم الْوَالِي الأقاليم بالظلم والجور إِلَى غير ذَلِك. [٥٥٦] فَإِن قيل: فَمَا الْخَاص؟

стр. 402

قيل: هُوَ القَوْل الْمُخْتَص بِبَعْض المسميات الَّتِي قد شملها مَعَ غَيرهَا اسْم. [٥٥٧] فَإِن قيل: فَأول طلبة تتَوَجَّه عَلَيْكُم فِي تقييدكم قَوْلكُم " بالْقَوْل " فَلم قيدتم حد الْبَابَيْنِ بالْقَوْل؟ قُلْنَا: لِأَن الْعُمُوم وَالْخُصُوص على [المعرض] الَّذِي يتفاوض فِيهِ الأصوليون لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي الْأَقْوَال، فَأَما الْأَفْعَال فَلَا يتَحَقَّق فِيهَا

стр. 403

عُمُوم بِحَال، وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَن من برَّ جمَاعَة بطَائفَة من مَاله فَمَا من أحد مِنْهُم إِلَّا وَقد تخصص بِمَا ناله وَمَا ناله لَا يتعداه وَمَا نَالَ غَيره لَا يتَعَدَّى إِلَيْهِ أَيْضا، فَكل وَاحِد من الَّذين تعلّقت الْأَفْعَال بهم متخصص بِمَا ناله مِنْهَا وَمَا ناله لَا يتَعَدَّى إِلَى غَيره، وَإِذا بدرت أَفعَال متماثلة من أشخاص فَنَفْس فعل كل وَاحِد مِنْهُم لَا يتَعَدَّى إِلَى الآخر بل كل يخْتَص بِفِعْلِهِ وَإِن تماثلت الْأَفْعَال وَلَكِن تَسْمِيَة الْفِعْل هِيَ قَول ينطوي على الْأَفْعَال ويتحقق فِيهَا الْعُمُوم وَالْخُصُوص فَأَما أَنْفسهَا فَلَا يتَحَقَّق فِيهَا عُمُوما. [٥٥٨] فَإِن قيل: ألستم قُلْتُمْ إِن وصف الْوُجُود يعم المختلفات وَإِن كَانَ الْوُجُود لَا يرجع إِلَى قَول. قُلْنَا: قَوْلنَا فِي الْوُجُود نَحْو قَوْلنَا فِيمَا فَرغْنَا مِنْهُ فَلَا يتَحَقَّق فِي نفس الْوُجُود عُمُوما بِحَال فَإِن وجود كل مَوْجُود ذَاته وَنَفسه، وَنَفسه لَا تتعدى إِلَى أنفس غَيره، وَلَكِن تَسْمِيَة الْوُجُود تعم الموجودات فِي مَعَاني اللُّغَات، ثمَّ كَمَا لَا يتَحَقَّق الْعُمُوم فِي الْأَفْعَال والذوات فَكَذَلِك لَا يتَحَقَّق فِي الْأَحْكَام.

стр. 404

[٥٥٩] فَإِذا قَالَ الْقَائِل: حكم الله تَعَالَى فِي قطع السَّارِق عَاما فِي كل سَارِق. قيل لَهُ: إِن لم ترد بالحكم كَلَام الله تَعَالَى فَلَا يتَحَقَّق فِيهِ عُمُوم، فَإِن كل سَارِق يخْتَص بِمَا خصص بِهِ من الحكم وَمَا أثبت لَهُ مِنْهُ لم يثبت لغيره بل أثبت لغيره مثله. [[٥٦٠] وَاعْلَم أَن هَذَا إِنَّمَا يشْتَمل على مَذْهَب من لم يصرف الْأَحْكَام إِلَى كَلَام الرب، وَقد قدمنَا فِي بَاب مُفْرد انصراف الْأَحْكَام إِلَى الْكَلَام وَهَذَا مِمَّا يتَصَوَّر فِيهِ الْعُمُوم وَالْخُصُوص. وَالْقَاضِي أطلق القَوْل بِأَن الْعُمُوم لَا يتَحَقَّق فِي الْأَحْكَام، وَهَذَا مَدْخُول عِنْدِي للْأَصْل الَّذِي ذكرته من انصراف الْأَحْكَام إِلَى القَوْل الَّذِي يعم ويخص. وَلَعَلَّه ﵁ قَالَ بِمَا قَالَ على مَذْهَب الصائرين إِلَى أَن الْأَحْكَام رَاجعه إِلَى أَوْصَاف الْأَنْفس، فأبدى مَا ابدى على قَضِيَّة مَذْهَب الْقَوْم، وَالله أعلم. [٥٦١] فَإِن قيل: أَلَيْسَ الْقَائِل يَقُول عَم الْأَمِير الرّعية بِالْعَدْلِ وَعم الْمَطَر الإقليم إِلَى غير ذَلِك مِمَّا نطلق فِي الْأَفْعَال. قيل: إِنَّمَا يعنون بذلك أَن اسْم الْعدْل عَم كلهم فَمن ضَرُورَة ذَلِك تحقق الْمُسَمّى فِي حُقُوقهم وَإِن كَانَ لَا يَتَقَرَّر فِيهِ عُمُوم ثمَّ لَا يَأْمَن أَن يكون ذَلِك من التوسعات والتجوزات فعلى الْخصم أَن يثبت أَن ذَلِك حَقِيقَة

стр. 405

ليستمر مَقْصُوده. [٥٦٢] فَإِن قيل: فلفظه التَّثْنِيَة يجب أَن تكون عُمُوما لاشتمالها على الِاثْنَيْنِ. قُلْنَا: هَذَا لَا ننكره، فَإِن قيل وَيجب أَن يكون خَاصّا أَيْضا فَإِنَّكُم قُلْتُمْ فِي حَقِيقَة الْخُصُوص إِنَّه القَوْل الْمُخْتَص بِبَعْض المسميات الَّتِي قد شملها مَعَ غَيرهَا اسْم وَهَذَا الْمَعْنى يتَحَقَّق فِي الِاثْنَيْنِ من الْجِنْس فَإِن اللَّفْظ مُخْتَصّ بهما [٦٦ / ب] دون مَا عداهما / فَيلْزم من ذَلِك أَن تكون اللَّفْظَة عَاما خَاصّا. قُلْنَا: لَا ننكر أَن نقُول: يكون اللَّفْظ عَام من وَجه وخاص من وَجه وَلَكِن لَا يتَصَوَّر أَن يكون عَاما من وَجه خَاصّا من ذَلِك الْوَجْه بِعَيْنِه، فَلَا يجْتَمع فِي ذَلِك الْوَجْه الْوَاحِد اقْتِضَاء خُصُوص وَعُمُوم، فاللفظ إِذا كَانَ عَاما فِي تنَاوله أَكثر من وَاحِد خَاصّا فِي اخْتِصَاصه بالاثنين فَمَا تحقق فِيهِ الْعُمُوم لم يتَحَقَّق فِيهِ الْخُصُوص وَمَا تقرر فِيهِ الْخُصُوص لم يَتَقَرَّر فِيهِ الْعُمُوم ". [٥٦٣] فَإِن قيل: فقد اشْتهر القَوْل بَين الْفُقَهَاء فِي أَن الْعُمُوم قد يرد وَالْمرَاد بِهِ الْخُصُوص وَالْخُصُوص قد يرد وَالْمرَاد بِهِ الْعُمُوم فَمَا قَوْلكُم فِيهِ.

стр. 406

قُلْنَا: مَا كَانَ عَاما يَسْتَحِيل أَن يكون خَاصّا من الْوَجْه الَّذِي هُوَ عَام فِيهِ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ خَاصّا لَا يعم] فِي وَجه خصوصه على مَذْهَب من الْمذَاهب فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص. فَإِن الَّذين صَارُوا إِلَى حمل الجموع على أقل الْجمع زَعَمُوا أَنه حَقِيقَة فِيهِ وَلَو حمل على تعديه كَانَ مجَازًا وتوسعا وَقد سلك هَؤُلَاءِ طريقتين إِحْدَاهمَا أَن اللَّفْظَة الْمَوْضُوعَة للْعُمُوم فِي استغراق الْجِنْس إِذا وَردت وَالْمرَاد بهَا بعض المسميات فَهِيَ مجَاز فِي التَّخْصِيص، حَقِيقَة فِي الْعُمُوم والطريقة الْأُخْرَى أَن صِيغَة الْعُمُوم ان كَانَت مُطلقَة مُجَرّدَة عَمَّا يَقْتَضِي التَّخْصِيص فَتحمل على الِاسْتِيعَاب وَلَا تحمل على غَيره لَا مجَازًا وَلَا حَقِيقَة، وَإِن وَردت مُقَيّدَة بِمَا يَقْتَضِي التَّخْصِيص فَهِيَ مَعَ تقييدها مَوْضُوعَة للتخصيص لَا تسْتَعْمل فِي الْعُمُوم فَيخرج من ذَلِك أَن الْمُسْتَعْمل فِي الْعُمُوم لَا يسْتَعْمل فِي الْخُصُوص وَكَذَلِكَ ضِدّه. وَأما الَّذين قَالُوا بِالْوَقْفِ فمحصول أصلهم يؤول إِلَى أَن الصِّيغَة الَّتِي

стр. 407

نَحن فِي مَعْنَاهَا بعد ذَلِك تصلح للاستيعاب وَتَصِح لبَعض المسميات من غير استغراق وَلَيْسَ فِي قَضِيَّة اللُّغَة لَفظه مُخْتَصَّة للْعُمُوم فَإِذا سلكوا هَذِه الطَّرِيقَة قَالُوا إِنَّمَا يحمل على الْعُمُوم عِنْد الْقَرَائِن وَلَا يحمل مَعهَا على الْخُصُوص، وَيحمل على الْخُصُوص عِنْد قَرَائِن الْخُصُوص وَلَا يحمل مَعهَا على الْعُمُوم فَبَطل على كل الْفرق أَن يكون اللَّفْظ عَاما من الْوَجْه الَّذِي هُوَ خَاص مِنْهُ وَكَذَلِكَ على الضِّدّ من ذَلِك. [٥٦٤] وتبيين ذَلِك أَنه لَو سَاغَ اطلاق ذَلِك فَإِنَّمَا يُطلق فِي وَجْهَيْن كالاسم يعم فِي مسميات وَيخْتَص بهَا فَهُوَ فِي تعديه إِلَى مضمونه عَام فِيهِ وَفِي اخْتِصَاصه خَاص فَيرجع الْخُصُوص الى عدم التَّعَرُّض لغير الْمُسَمّى والعموم يرجع إِلَى الشُّمُول فِي الْمُسَمّى فَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق. [٥٦٥] ثمَّ ترد متعادلة بَين الْفُقَهَاء على أغراض لَهُم فَيَقُولُونَ: فلَان يحصر الْعُمُوم ويعنون بذلك أَنه يعْتَقد حمل الجموع على الْأَقَل وَيَقُولُونَ حصر فلَان عُمُوما، ويعنون بذلك إخْبَاره عَن تَخْصِيصه بِذكرِهِ الدَّلِيل عَلَيْهِ وَلَيْسَ يَعْنِي بِهِ إنْشَاء التَّخْصِيص إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطلقونه فِي تجاوزهم وَإِذا راموا التَّحْقِيق اعتبروا مَا قدمْنَاهُ من الْأُصُول. [٥٦٦] فَإِن قَالَ قَائِل: فَالَّذِينَ قَالُوا بِالْعُمُومِ وحملوا صِيغَة بِعَينهَا عَلَيْهِ وَتلك الصِّيغَة مَعَ الْقَرَائِن فَهِيَ لَو قدرت مُجَرّدَة معراة، فَمَا بالها ترد على بعض المسميات مَعَ الْقَرَائِن وتعم عِنْد الْإِطْلَاق وفرضوا الْكَلَام فِي قَرَائِن [٦٧ / أ] الْأَحْوَال حَتَّى لَا نقُول فِي الْجَواب أَن اللَّفْظَة / إِذا كَانَت مُقَيّدَة بقيود الْمقَال

стр. 408

فهن فِي اللُّغَة مَعَ قيودها مَوْضُوعَة لإتارة معنى وَهِي عِنْد إِطْلَاقهَا مَوْضُوعَة لإِفَادَة التَّعْمِيم وفرضوا الْكَلَام فِي قَرَائِن الْأَحْوَال فَإِنَّهَا لَا تتَعَلَّق بقضية اللُّغَات ووجهوا مثل هَذَا السُّؤَال على الواقفية وَقَالُوا إِذا كَانَت الصِّيغَة الْوَاحِدَة صَالِحَة عنْدكُمْ للْعُمُوم وَالْخُصُوص جَمِيعًا صَلَاح الْقُرْء للْحيض وَالطُّهْر وَغَيره من الْأَسَامِي الْمُشْتَركَة فبماذا يتخصص قَرَائِن الْأَحْوَال بِأحد المحتملين. قُلْنَا: لَا وَجه لما قلتموه إِلَّا أَن نقُول يتخصص بِمَعْنى فِي اقْتِضَاء عُمُوم أَو خُصُوص بِقصد الْمُتَكَلّم وإرادته اسْتِعْمَاله على الْوَجْه الَّذِي يرتاده ثمَّ تدل قَرَائِن أَحْوَاله على مُرَاده. [٥٦٧] وَذهب من لَا خبْرَة لَهُ بالحقائق من أَصْحَاب الْعُمُوم إِلَى أَن الصِّيغَة مَعَ قَرَائِن الْأَحْوَال تخَالف الصِّيغَة الْمُطلقَة وَهَذَا قَول من لم يعرف حَقِيقَة المثلين والخلافين فَإِن كل من أحَاط بِطرف من ذَلِك علما يتَبَيَّن لَهُ تَسَاوِي الصيغتين فِي الْحَالَتَيْنِ وتماثلهما فِي جملَة الصِّفَات الَّتِي يَقع التَّمَاثُل فِيهَا. (١١٤) فصل [[٥٦٨] اعْلَم، وفقك الله، أَن الْعُمُوم وَالْخُصُوص يرجعان إِلَى الْكَلَام ثمَّ الْكَلَام الْحَقِيقِيّ هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ، وَهُوَ يعم ويخص والصيغ والعبارات دلالات عَلَيْهَا، وَلَا تسمى بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوص إِلَّا تجوزا. كَمَا أَن الْأَمر وَالنَّهْي يرجعان إِلَى الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ دون الصِّيَغ. وَذهب جُمْهُور الْفُقَهَاء إِلَى أَن الْعُمُوم وَالْخُصُوص وصفان راجعان إِلَى الْعبارَات والصيغ كَمَا حكينا ذَلِك عَنْهُم فِي الْأَمر.

стр. 409

( (١١٥) فصل مُشْتَمل على جمل الْأَلْفَاظ الَّتِي تعم على مَذْهَب الْقَائِلين بِالْعُمُومِ، مَعَ اخْتلَافهمْ فِي بَعْضهَا [[٥٦٩] فَمن جملَة أَلْفَاظ الْعُمُوم عِنْدهم الجموع الْمُنكرَة والمعرفة، فالمنكرة نَحْو قَوْلك: رجال وأناس وأنبياء ومشركون، والمعرفة نَحْو قَوْلك: الرِّجَال وَالنَّاس ثمَّ قَالُوا مَا دخله الْألف وَاللَّام وَلم تثبت دلَالَة على أَن المُرَاد تَعْرِيف أَقوام مخصوصين معهودين فَتحمل اللَّفْظَة على الِاسْتِغْرَاق عِنْد انْتِفَاء دلَالَة الْخُصُوص والعهود.

стр. 410

[[٥٧٠] أما الجموع الْمُنكرَة فقد صَار الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهَا لَا تحمل على الِاسْتِغْرَاق إِذا لم يتَّصل بهَا نفي، وَذهب الجبائي وَغَيره إِلَى أَن الجموع الْمُنكرَة كالمعرفة فِي استغراق الْجِنْس فَإِنَّهُ يَصح أَن يسْتَثْنى مِنْهَا كَمَا يَصح أَن يسْتَثْنى من الْمعرفَة. [٥٧١] وَمن أَلْفَاظ الْعُمُوم " من " و " مَا " إِذا وردتا للْخَبَر وَالْجَزَاء والاستعلام. وَكَذَا مَتى وَأَيْنَ فِي ظرف الْمَكَان وَالزَّمَان، فَإِذا قَالَ قَائِل:

стр. 411

من دخل الدَّار أكرمته. اقْتضى " من " تعميما، وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ قَائِل: مَا دخل ملكي تَصَدَّقت بِهِ اقْتضى ذَلِك تعميما، وَكَذَلِكَ لَو قَالَ: أكْرم فلَانا مَتى رَأَيْته، اقْتضى ذَلِك تَعْمِيم الْأَزْمِنَة، وَإِذا قَالَ: أهنه أَيْن رَأَيْته، اقْتضى ذَلِك اسْتِيعَاب الْأَمْكِنَة وَمن إِذا ورد مَعَ الْألف وَاللَّام من غير إِرَادَة عهد وشخص مَخْصُوص نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾ و ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي﴾ فَمَا صَار إِلَيْهِ مُعظم الْقَائِلين بِالْعُمُومِ أَنه لَا يُرَاد بِهِ الِاسْتِيعَاب إِلَّا بِدلَالَة تدل، وَذهب بعض الْقَائِلين

стр. 412

بِالْعُمُومِ إِلَى أَنه يحمل على الْعُمُوم [٥٧٣] وَمن أَلْفَاظ الْعُمُوم / أَيْضا مَا ترد مُؤَكدَة نَحْو قَوْلهم كل [٦٧ / ب]

стр. 413

النَّاس وسائرهم وأجمعون وأكتعون إِلَى غير ذَلِك. فَهَذِهِ جمل الْأَلْفَاظ لَا يشذ مِنْهَا إِلَّا شذوذ وَسَيَرِدُ فِي معظمها إِن شَاءَ الله تَعَالَى. [٥٧٤] وَقد اخْتلف الأصوليون فِيهَا كَمَا أومأنا إِلَيْهِ فَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهَا تحمل على أقل الْجمع وَهَؤُلَاء هم المعروفون بأصحاب الْخُصُوص. وَمَال فِي ذَلِك بعض الْمُتَكَلِّمين.

стр. 414

وَقَالَ آخَرُونَ هَذِه الْأَلْفَاظ الْمُطلقَة إِذا لم يقْتَرن بهَا مَا يدل على تخصيصها فَتحمل على استغراق الْجِنْس. [٥٧٥] ذهب شَيخنَا ﵁ فِي مُعظم الْمُحَقِّقين من أَصْحَابه إِلَى التَّوَقُّف. وَحَقِيقَة ذَلِك أَنهم قَالُوا سبرنا اللُّغَة ووضعها فَلم نجد فِي وضع اللُّغَة صِيغَة دَالَّة على الْعُمُوم سَوَاء وَردت مُطلقَة أَو مُقَيّدَة بضروب من التَّأْكِيد. [٥٧٦] وَقد ظن بعض من لَا خبْرَة لَهُ بطريقة الْوَقْف أَنا إِذا لم نسلم تنَاول النَّاس الْجِنْس فنسلم إِذا قيد النَّاس بضروب من التَّأْكِيد، مثل قَول الْقَائِل: النَّاس أَجْمَعُونَ عَن آخِرهم صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ لَا يشذ مِنْهُم أحد، إِلَى غير ذَلِك، والمحققون من الواقفية يَقُولُونَ: وَإِن قيدت بِهَذِهِ الْقُيُود فَلَيْسَتْ مَوْضُوعَة للاستغراق فِي

стр. 415

اللُّغَة. وَلَكِن قد يعرف عمومها بقرائن الْأَحْوَال المقترنة بالمقال، وَهِي مِمَّا لَا تَنْحَصِر بالعبارة، كَمَا تعرف القرآئن خجل الخجل ووجل الوجل وَإِن كَانَت الْقُرْآن لَا توجب مَعْرفَتهَا وَلَكِن أجْرى الله الْعَادة بِخلق الْعلم الضَّرُورِيّ عِنْدهَا فَكَذَلِك قد تتَصَوَّر قَرَائِن تقترن بِاللَّفْظِ وَتعلم عِنْدهَا إِرَادَة مُطلق اللَّفْظ فِي خُصُوص أَو عُمُوم، فَلَا تكون معرفَة ذَلِك بِأَصْل اللُّغَة ووضعها. [٥٥٧] ثمَّ من حقق من الواقفية طرد هَذَا الْمَذْهَب فِي الْمصير إِلَى الْوَقْف فِي الْأَوَامِر والنواهي والاخبار، لِأَن مَا يدل على إبِْطَال القَوْل بِالْعُمُومِ فِي الْأَخْبَار يدل ذَلِك على مثله فِي الْأَوَامِر. [٥٧٨] وَقد زعم بعض الواقفية أَن الْوَقْف يصير إِلَيْهِ فِي الْأَخْبَار

стр. 416

والأسامي دون الْأَوَامِر وتوصلوا بذلك إِلَى الْأَخْبَار المنطوية على الْوَعْد والوعيد فِي الْكتاب وَالسّنة. وَهَذَا الَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل بَاطِل لَا تَحْقِيق وَرَاءه. ٥٧٩] وَزعم بعض الواقفية أَن الْخَبَر إِذا انطوى على وَعِيد العصاة من أهل الْملَّة لزم التَّوَقُّف فِيهِ وَلَا يتَوَقَّف فِي غَيره. وَهَذَا وَاضح الْبطلَان أَيْضا. وَمِمَّا يتَمَسَّك بِهِ فِي نصْرَة الْوَقْف مَا يبطل هَذِه التفصيلات. [٥٨٠] وَقَالَ الْفَرِيق من أهل الْوَقْف: الْوَقْف فِي الْوَعيد ثَابت دون [الْوَعْد] وَفصل بَينهمَا بِمَا يَلِيق بالشطح والترهات دون الْحَقَائِق. [٥٨١] وَزعم آخَرُونَ من المنتمين إِلَى الواقفية إِلَى أَن الْأَخْبَار إِذا وَردت ومخرجها مخرج الْعُمُوم على مَذْهَب الْقَائِلين بِهِ وسمعها السَّامع وَكَانَت وَعدا أَو وعيدا، وَلم يسمع من آي الْكتاب وَسنَن الرَّسُول ﷺ ومواقع أَدِلَّة السّمع شَيْئا فَيعلم أَن المُرَاد بهَا الْعُمُوم، وَإِن كَانَت قد سمع قبل اتصالهما بِهِ أَدِلَّة الشَّرْع وَعلم انقسامها للخصوص والعموم فَلَا

стр. 417

نعلم حِينَئِذٍ الْعُمُوم فِي الْأَخْبَار [الَّتِي] اتَّصَلت بِهِ وَاعْلَم أَن هَذِه الفئة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَائِلين بِالْعُمُومِ أولى مِنْهُم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الواقفية. [ [٥٨٢] وَالْأولَى بِنَا أَن / نقدم شبه الْقَائِلين بِالْعُمُومِ ونعترض عَلَيْهَا ثمَّ نثبت الْوَقْف بأوضح الْأَدِلَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فَمن عمدهم فِي الْمَسْأَلَة أَن قَالُوا: الْعُمُوم واستغراق الْجِنْس من الْمعَانِي المعقولة الْجَارِيَة فِي الخواطر عُمُوما كَسَائِر الْمعَانِي وحاجات أهل اللُّغَة ماسة إِلَى التفاهم فِيهَا كَمَا تمس إِلَى التفاهم فِي سَائِر الْمعَانِي الْمُسَمَّاة بالأسامي فَإِذا تحققت حَاجَة أهل اللُّغَة كَمَا وصفناه وَكَانُوا مقتدرين على وضع لفظ الِاسْتِغْرَاق وَلَا يَتَقَرَّر إِلَّا أَن يوصفوه مَعَ مَا قَررنَا من الْأَوْصَاف. [ [٥٨٣] وأوضحوا ذَلِك بَان قَالُوا: الْعَادة مطردَة على أصل لَو قدحنا

стр. 418

فِيهِ أفْضى ذَلِك إِلَى انخراقها، وَهُوَ أَن من ظَهرت حَاجته واقتدر على دَفعهَا مَعَ ارْتِفَاع الْمَوَانِع وانصراف الصوارف وتوفر الدَّوَاعِي فَلَا يعقل فِي الْعَادة أَن لَا تدفع الْحَاجة، وَذَلِكَ كالعاطش الْوَاجِد للْمَاء الْبَارِد مَعَ ارْتِفَاع الْمَوَانِع واندفاع الصوارف فَإِذا توفرت الدَّوَاعِي فيشرب لَا محَالة. وَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن نقُول هَذَا الَّذِي ذكرتموه اسْتِدْلَال مِنْكُم فِي إِثْبَات اللُّغَات بِغَيْر النَّقْل، واللغات لَا تثبت إِلَّا نقلا، فَأَما طرق الِاسْتِدْلَال وسبل الاعتلال فَلَا يتَوَصَّل بهَا إِلَى تثبيت اللُّغَات أصلا وَأما مَا قَالُوهُ من عُمُوم الْحَاجة وَظُهُور الْمَعْنى فَهُوَ اعتصام مِنْهُم بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ، فَإنَّا نقُول لَهُم: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَنهم مَا اخْتَارُوا وضع اسْم لَهُ على التَّعْيِين مَعَ كل مَا ذكرتموه فَمَا دليلكم؟ [[٥٨٤] فَإِن قَالُوا: هَذَا يُؤَدِّي إِلَى خرق الْعَادَات كَمَا قدروه. فَالْجَوَاب عَن ذَلِك من أوجه: أَحدهَا: أَن نقُول فَيلْزم على طرد ذَلِك أَن تثبت الْأَخْبَار الَّتِي لم تنقل، إِذا عرفنَا أَن مثل تِلْكَ الْحَادِثَة كَانَت تعم فِي الْعَصْر الخالية وَكَانَت الْحَاجة ماسة إِلَيْهِ، فَيجب أَن تقدر فِي كل مَا هَذَا سَبيله خَبرا عَن الرَّسُول ﷺ أَو أثرا عَن أَصْحَابه ﵃ وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ. ثمَّ نقُول لَهُم: إِنَّمَا الْكَلَام فِي أصل وضع اللُّغَات، وأصل وَضعهَا غير منبئ عَن الْعَادَات فَإنَّا لَو أردنَا أَن نقدر فِي زَمَاننَا هَذَا اتِّفَاق جملَة أهل الْعَصْر على فعله وَاحِدَة مثل أَن يتَقَدَّر من كلهم الْقيام وَالْقعُود فِي حَالَة وَاحِدَة كَانَ ذَلِك خرقا للْعَادَة، والأسامي الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا أهل اللُّغَات ابْتِدَاء كَانَ تواطؤا مِنْهُم على معَان متجددة مَعَ اخْتِلَاف الإرادات وتباين القصود، فَتبين

стр. 419

بذلك أَن أصل وضع اللُّغَات إِن قدرت اصْطِلَاحا لَا يُرَاعِي فِيهَا اطراد الْعَادَات، وَإِن قدرت ثَابِتَة توقيفا فَلَا يمْنَع أَن يثبت التَّوْقِيف فِي الْبَعْض دون الْبَعْض، فَأَما مَا عولوا عَلَيْهِ من أطراد الْعَادة فِي نفي الْمُحْتَاج الحلفة عَن نَفسه، فَهَذَا قرع أَبْوَاب قوم آخَرين وهم الْمُعْتَزلَة فِي فَسَاد أصولهم فِي الدَّوَاعِي والصوارف وَأما نَحن لَا نستبعد أَن يكف عَن الشَّرّ مَعَ انْتِفَاء الْمَوَانِع والدوافع. فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه. ثمَّ نقُول: تنكرون على من يزْعم أَنهم لما عرفُوا أَن هَذِه الصِّيغَة الَّتِي فِيهَا الْكَلَام وَإِن كَانَت مُشْتَركَة فَإِنَّهَا تتَمَيَّز [[٦٨ / ب] بقرائن الْأَحْوَال وَيَقَع الْعلم بهَا على مَقَاصِد مطلقيها عِنْد الْقَرَائِن على / اضطرار اكتفوا بهَا فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه. [٥٨٥] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم: وَهِي أَنهم قَالُوا: إِذا وَردت أَلْفَاظ الجموع فَيصح اسْتثِْنَاء الْآحَاد مِنْهَا بِاتِّفَاق أهل اللُّغَة بِشَرْط اسْتِبْقَاء بعض الْجِنْس إِذْ لَا خلاف فِي صِحَة قَول من يَقُول: من دخل دَاري أكرمته إِلَّا من عَصَانِي، وَمن أجرم عاقبته إِلَّا من تَابَ، واقتلوا الْمُشْركين إِلَّا أهل الذِّمَّة

стр. 420

والمعاهدين وَمَا من صنف من آحَاد الْجِنْس إِلَّا وَيحسن استثناؤها. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَنه لَا يحسن فِي نظم الْكَلَام أَن نقُول أكْرم الْمُؤمنِينَ إِلَّا الْمُشْركين، واقتل كل سبع إِلَّا الْبَقَرَة، وَإِنَّمَا لم يحسن الِاسْتِثْنَاء فِيمَا أومأنا إِلَيْهِ لِأَن مُطلق اللَّفْظ لَو قدرناه مُجَردا [لم ينطو] على شَيْء من ذَلِك، فَلم يحسن الِاسْتِثْنَاء لَا جرم. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه بَاطِل، وَذَلِكَ أَنا نقُول: إِنَّمَا يحسن الِاسْتِثْنَاء لصلاح اللَّفْظ لجملة مَا يسْتَثْنى مِنْهُ وَنحن وَإِن نَفينَا اقْتِضَاء الصِّيغَة الَّتِي [خَالَفنَا] فِيهَا الِاسْتِغْرَاق على التَّعْيِين فِي أصل الْوَضع فلسنا ننكر كَون الصِّيغَة صَالِحَة للاستيعاب وَالْخُصُوص جَمِيعًا صَلَاح الِاسْم الْمُشْتَرك لجمل من المسميات، فالمقصد بِالِاسْتِثْنَاءِ إِذا قطع الْوَهم والتجويز فِيمَا اسْتثْنى من اللَّفْظ، ليعلم قطعا عدم دُخُوله فِيهِ، ثمَّ نقُول: لَو قَالَ اقْتُلُوا الْمُشْركين إِلَّا نَفرا، فَمَا من طَائِفَة مِنْهُم وَإِلَّا ينْطَلق اسْم النَّفر عَلَيْهِم، فيلزمكم أَن تَقولُوا: لَا يجوز قتل أحد مِنْهُم لتحَقّق اسْم النَّفر فِي طوائفهم، فَيلْزم من ذَلِك الْكَفّ عَن قلتهم، فَإِن قَالُوا يحمل ذَلِك على بَعضهم. قُلْنَا: مَا من [شخص] مِنْهُم إِلَّا وَاسم النَّفر يتَنَاوَلهُ فلئن جَازَ لكم

стр. 421

حمله على التَّخْصِيص فَلَا تستبعدوا مثل ذَلِك فِي الِاسْتِثْنَاء من خصمكم، فَمَا من جملَة من الْآحَاد إِلَّا وَيصِح اسْتِثْنَاؤُهُ، ثمَّ لَا يقتضى ذَلِك اندراج الْكَلَام جمعا تَحت اللَّفْظ فِي وضع اللُّغَة وتفاهم أَهلهَا. ثمَّ نقُول لَهُم: إِذا قَالَ الْقَائِل: كل إِنْسَان معاقب إِلَّا من آمن وَإِلَّا الْمُؤمنِينَ فَيصح الِاسْتِثْنَاء عَن مثل هَذِه اللَّفْظَة مَعَ مصير أَكْثَرَكُم إِلَى انها لَا تعم، وَإِن صَارُوا إِلَى الْعُمُوم بِلَفْظ كل فنفرض عَلَيْهِم القَوْل فِي قَول الْقَائِل: إِن الْإِنْسَان مُرْتَهن [بصنيعه] إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ. [٥٨٦] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم: فَإِن قَالُوا: يَصح تَأْكِيد الْقَوْم وَالنَّاس بِمَا يَقْتَضِي استغراقا وَذَلِكَ مثل أَن يَقُول النَّاس كلهم أَجْمَعُونَ إِلَى غير ذَلِك من ضروب التَّأْكِيد، قَالُوا: وَقد قَالَ أهل اللِّسَان: التَّأْكِيد لفق الْمُؤَكّد. ومطابقه، وَمن المستحيل أَن يتَضَمَّن التَّأْكِيد معنى وَلَا ينبىء أصل اللَّفْظ عَنهُ. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك اسْتِحَالَة مول الْقَائِل: رَأَيْت زيدا أَجْمَعِينَ، وَحسن قَوْله رَأَيْت النَّاس أَجْمَعِينَ. وأطنبوا فِي ذَلِك بِمَا الْقَلِيل مغن عَنهُ. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه غَفلَة مِنْكُم عَن مَذْهَب الْخصم فَإنَّا لَا نصير إِلَى أَن هَذِه الْأَلْفَاظ تَتَضَمَّن الِاسْتِغْرَاق وَإِن تَتَابَعَت، فَإِن من أصلنَا أَنه لَيْسَ

стр. 422

فِي اللُّغَة / صِيغَة لَا مُطلقَة وَلَا مُقَيّدَة تدل من حَيْثُ الْوَضع على الِاسْتِغْرَاق، [٦٩ / أ] فَبَطل مَا قَالُوهُ. ثمَّ نقُول: اللَّفْظَة الَّتِي فِيهَا الْكَلَام وَإِن لم تكن مَوْضُوعَة للْعُمُوم نصا فَهِيَ صَالِحَة، فَإِذا اقترنت بتوابع وقرائن فتقضي تَخْصِيصًا بِمَعْنى يصلح اللَّفْظ لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِك قَول الْقَائِل: زيد أَجْمَعُونَ، وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ. [ [٥٨] وَقد عكس الواقفية ذَلِك عَلَيْهِم فَقَالَ: لَو كَانَت اللَّفْظَة مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا فِي إثارة الْعُمُوم لم تكن للتوابع فَائِدَة وَكَانَت أَلْفَاظ شاغرة لَا طائل وَرَاءَهَا. وَالْأولَى لَك الاجتزاء بِمَا قدمْنَاهُ مَعَ أَن تَقْدِير هَذَا الَّذِي قَالُوهُ مُمكن، فَإِن التَّأْكِيد إِنَّمَا يسْتَعْمل لنفي الريب وَقطع الجائزات وضروب الِاحْتِمَالَات، فَلَو كَانَت الصِّيغَة الفردة منبئة عَن الِاسْتِغْرَاق لم يكن للتَّأْكِيد معنى. ٣ [٥٨٨] شُبْهَة أُخْرَى: فَإِن قَالُوا: اللَّفْظ الَّذِي فِيهِ الْكَلَام لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون للْعُمُوم كَمَا قُلْنَاهُ، أَو للخصوص وَقد اتفقنا على بُطْلَانه، فَأَما أَن يكون مُشْتَركا كَمَا قلتموه، فَلَو كَانَ كَذَلِك لم يخل إِمَّا أَن يكون على تَخْصِيصه بِأحد الْمَعْنيين دَلِيل أَو لَا يكون عَلَيْهِ دَلِيل، فَإِن لم يكن فِي تَخْصِيص أحد الْمَعْنيين دَلِيل لم يتَصَوَّر أَن يعقل مِنْهُ عُمُوم وخصوص بل الْتحق [بالمبهمات] وَإِن كَانَ على حمله على أحد الْمَعْنيين دَلِيل لم يخل

стр. 423

إِمَّا أَن يكون ذَلِك لفظا أَو قرينَة، فَإِن كَانَ لفظا فقد ثَبت أَن فِي فِي الْأَلْفَاظ مَا يدل على الْعُمُوم، وَمَا من لفظ يقدر اقترانه بِمَا فِيهِ التَّنَازُع إِلَّا وَيُمكن أَن يذكر فِيهِ كل مَا تذكرونه فِي غير الْمُخْتَلف فِيهِ، فَإِن كَانَ ذَلِك لَا يدل فتوابعه كَيفَ تدل؟ قيل لَهُم: قد أطنبتم فِي هذيان لَا تَحْقِيق وَرَاءه، فَأَما مَا ذكرْتُمْ من أَن الدَّال يَنْبَغِي أَن يكون لفظا، فَلَيْسَ كَمَا قلتموه، ولسنا نسلم أَن فِي الْأَلْفَاظ اللُّغَوِيَّة مَا يدل من حَيْثُ الْوَضع على الِاسْتِيعَاب والاستغراق وَإِنَّمَا يسْتَدرك الْعُمُوم وَالْخُصُوص بِمَا يضْطَر إِلَيْهِ السَّامع ابْتِدَاء عِنْد قَرَائِن الْأَحْوَال، وَهِي مِمَّا لَا تنضبط وَلَا سَبِيل إِلَى حصر أجناسها وتمييزها بالنعوت والأوصاف عَن أغيارها وَهَذَا كَمَا أَن خجل الخجل ووجل الوجل وَجبن الجبان وبسالة الباسل تعلم ضَرُورَة عِنْد ثُبُوت الْأَوْصَاف، فَلَو أردنَا نعتها لم نقدر عَلَيْهَا، وَهَذَا كَمَا أَن من خجل لبادرة بدرت مِنْهُ واحمرت لَهَا وجنتاه فَرُبمَا يعلم ضَرُورَة خجله فَلَا يمكننا أَن نسند ذَلِك إِلَى احمراره إِذْ قد يتَصَوَّر كل وصف بِعَيْنِه من غير خجل فقد تكون الْقَرَائِن ضربا من الرموز والإشارات، واختلاجا فِي محاجر الْعَينَيْنِ والحاجبين، وَقد تكون حَاله نَحْو كَون الْمَرْء على الطَّعَام إِذا اقْترن بقوله لغلامه عَليّ بِالْمَاءِ وَقد بَدَت نهمته إِلَى المَاء، فَيعلم ضَرُورَة إِنَّمَا يطْلب مَاء الشّرْب، وَإِن كَانَ اسْم المَاء على مَذَاهِب الْقَائِلين بِالْعُمُومِ يعم الْجِنْس، فَثَبت بذلك أَن الَّذِي يعين الْمَعْنى الْمعِين من اللَّفْظ الْمُحْتَمل [[٦٩ / ب] قَرَائِن الْأَحْوَال. وَقد يبدر من / المتلفظ ضروب من التَّأْكِيد فَيعلم عِنْدهَا

стр. 424

ضَرُورَة مُرَاده لَا أَن تِلْكَ الْأَلْفَاظ مَوْضُوعَة فِي اللُّغَة لذَلِك، وَلَكِن إِذا اقترنت بهَا أَحْوَال علم مِنْهَا مَا يعلم. [ [٥٨٩] والتحقق فِي ذَلِك أَن يعلم أَن شَيْئا من هَذِه الْقَرَائِن لَا تدل لأنفسها، وَلَا التَّوَاضُع سَابق عَلَيْهَا، وَلَكِن أجْرى لله الْعَادة بِخلق الْعلم الضَّرُورِيّ عِنْدهَا، وَهَذَا كَمَا أَن قَول الْقَائِلين: أَي شَيْء يحسن زيد، فَهَذَا يتَرَدَّد بَين الِاسْتِفْهَام، وَبَين ازدراء بزيد على معرض الاستخفاف، وَبَين تَعْظِيم الْأَمر فِيمَا يعنيه، ثمَّ المقصودمن هَذِه اللَّفْظَة رُبمَا يتَعَيَّن بِقَرِينَة حَال لَا يَنْضَبِط بِالْوَصْفِ. [ [٥٩٠] وَأما مَا قَالُوهُ من كَون الْقَرَائِن تَوَابِع وَكَون اللَّفْظ متبوعا فَلَا طائل تَحْتَهُ وَلَا معنى لكَونهَا تَوَابِع وَلَا لكَون اللَّفْظ متبوعا، وَلَكِن يؤول محصول الْكَلَام إِلَى أَن الْمَقْصُود يفهم عِنْد الْقَرَائِن وتسميتها تَوَابِع لَا حَقِيقَة لَهُ. [ [٥٩١] فان قَالُوا: قد اجْتمعت الْأمة على تَعْمِيم جمل من الْأَلْفَاظ فِي الْكتاب وَالسّنة فَمن أَيْن عرفُوا ذَلِك. قُلْنَا: أما أهل الْعَصْر الأول فقد عرفُوا التَّعْمِيم بِمَا شاهدوا من الْقَرَائِن، وَالَّذين نقلوا عَنْهُم شاهدوا مِنْهُم مَا شاهدوه هم من مبلغ الْأَلْفَاظ.

стр. 425

[٥٩٢] فَإِن قيل: فبماذا عرف الرَّسُول ﷺ ؟ قُلْنَا: بقرائن حَال المنبىء إِلَيْهِ. [ [٥٩٣ ي فَإِن قَالُوا: فبماذا عرف جِبْرِيل ﵇؟ قُلْنَا: لَعَلَّ الله اضطره ابْتِدَاء أَو عِنْد قَرَائِن أبدعها أَو عرفه باللغة الملائكية، وَلَعَلَّ فِي لغتهم صِيغَة الْعُمُوم فِي الْمقَال مجَال، والتمسك بِهَذِهِ الشُّبْهَة خبط. [٥٩٤] . شُبْهَة اخرى لَهُم يتشبث بهَا من شغر عَن التَّحْقِيق، وَهِي أَنهم قالو: هَل تصفون الرب تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ على أَن يدلنا على الْعُمُوم من حَيْثُ اللَّفْظ، فَإِن وصفتموه بذلك وَجب مِنْكُم القَوْل بتصوره، وَإِن لم تصفوه بذلك تعجيز الرب تَعَالَى. قيل لَهُم: تَعَالَى مقتدر على مَا شَاءَ، وَمَا قلتموه من أَنه هَل يقدر لَو رد إِلَى التَّحْقِيق لم يتَحَصَّل مِنْهُ معنى. فَإِن الْقُدْرَة تتَعَلَّق بالأحداث والرب تَعَالَى مقتدر على أَن يحدث لنا علما على عقب اللَّفْظ الْمُجَرّد وَهُوَ مقتدر على أَن يصرف دواعي الخلقية إِلَى التَّوَاضُع على اللَّفْظ الْمُجَرّد فِي إِرَادَة الْعُمُوم. وكل هَذَا مِمَّا نقُول، وَلَكِن الْكَلَام فِي اللُّغَة الثَّابِتَة الكائنة، وَهَذَا كَمَا أَنا نصف الرب تَعَالَى بالاقتدار على تثبيت ضروب من اللُّغَات والزيادات فِي لُغَة الْعَرَب، ثمَّ كل مَا هُوَ من قبيل مقتدراته لَا يجوز أَن نقدره كَائِنا.
следующие страницы →