← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

حمله على التَّخْصِيص فَلَا تستبعدوا مثل ذَلِك فِي الِاسْتِثْنَاء من خصمكم، فَمَا من جملَة من الْآحَاد إِلَّا وَيصِح اسْتِثْنَاؤُهُ، ثمَّ لَا يقتضى ذَلِك اندراج الْكَلَام جمعا تَحت اللَّفْظ فِي وضع اللُّغَة وتفاهم أَهلهَا. ثمَّ نقُول لَهُم: إِذا قَالَ الْقَائِل: كل إِنْسَان معاقب إِلَّا من آمن وَإِلَّا الْمُؤمنِينَ فَيصح الِاسْتِثْنَاء عَن مثل هَذِه اللَّفْظَة مَعَ مصير أَكْثَرَكُم إِلَى انها لَا تعم، وَإِن صَارُوا إِلَى الْعُمُوم بِلَفْظ كل فنفرض عَلَيْهِم القَوْل فِي قَول الْقَائِل: إِن الْإِنْسَان مُرْتَهن [بصنيعه] إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ. [٥٨٦] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم: فَإِن قَالُوا: يَصح تَأْكِيد الْقَوْم وَالنَّاس بِمَا يَقْتَضِي استغراقا وَذَلِكَ مثل أَن يَقُول النَّاس كلهم أَجْمَعُونَ إِلَى غير ذَلِك من ضروب التَّأْكِيد، قَالُوا: وَقد قَالَ أهل اللِّسَان: التَّأْكِيد لفق الْمُؤَكّد. ومطابقه، وَمن المستحيل أَن يتَضَمَّن التَّأْكِيد معنى وَلَا ينبىء أصل اللَّفْظ عَنهُ. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك اسْتِحَالَة مول الْقَائِل: رَأَيْت زيدا أَجْمَعِينَ، وَحسن قَوْله رَأَيْت النَّاس أَجْمَعِينَ. وأطنبوا فِي ذَلِك بِمَا الْقَلِيل مغن عَنهُ. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه غَفلَة مِنْكُم عَن مَذْهَب الْخصم فَإنَّا لَا نصير إِلَى أَن هَذِه الْأَلْفَاظ تَتَضَمَّن الِاسْتِغْرَاق وَإِن تَتَابَعَت، فَإِن من أصلنَا أَنه لَيْسَ

стр. 422

فِي اللُّغَة / صِيغَة لَا مُطلقَة وَلَا مُقَيّدَة تدل من حَيْثُ الْوَضع على الِاسْتِغْرَاق، [٦٩ / أ] فَبَطل مَا قَالُوهُ. ثمَّ نقُول: اللَّفْظَة الَّتِي فِيهَا الْكَلَام وَإِن لم تكن مَوْضُوعَة للْعُمُوم نصا فَهِيَ صَالِحَة، فَإِذا اقترنت بتوابع وقرائن فتقضي تَخْصِيصًا بِمَعْنى يصلح اللَّفْظ لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِك قَول الْقَائِل: زيد أَجْمَعُونَ، وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ. [ [٥٨] وَقد عكس الواقفية ذَلِك عَلَيْهِم فَقَالَ: لَو كَانَت اللَّفْظَة مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا فِي إثارة الْعُمُوم لم تكن للتوابع فَائِدَة وَكَانَت أَلْفَاظ شاغرة لَا طائل وَرَاءَهَا. وَالْأولَى لَك الاجتزاء بِمَا قدمْنَاهُ مَعَ أَن تَقْدِير هَذَا الَّذِي قَالُوهُ مُمكن، فَإِن التَّأْكِيد إِنَّمَا يسْتَعْمل لنفي الريب وَقطع الجائزات وضروب الِاحْتِمَالَات، فَلَو كَانَت الصِّيغَة الفردة منبئة عَن الِاسْتِغْرَاق لم يكن للتَّأْكِيد معنى. ٣ [٥٨٨] شُبْهَة أُخْرَى: فَإِن قَالُوا: اللَّفْظ الَّذِي فِيهِ الْكَلَام لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون للْعُمُوم كَمَا قُلْنَاهُ، أَو للخصوص وَقد اتفقنا على بُطْلَانه، فَأَما أَن يكون مُشْتَركا كَمَا قلتموه، فَلَو كَانَ كَذَلِك لم يخل إِمَّا أَن يكون على تَخْصِيصه بِأحد الْمَعْنيين دَلِيل أَو لَا يكون عَلَيْهِ دَلِيل، فَإِن لم يكن فِي تَخْصِيص أحد الْمَعْنيين دَلِيل لم يتَصَوَّر أَن يعقل مِنْهُ عُمُوم وخصوص بل الْتحق [بالمبهمات] وَإِن كَانَ على حمله على أحد الْمَعْنيين دَلِيل لم يخل

стр. 423

إِمَّا أَن يكون ذَلِك لفظا أَو قرينَة، فَإِن كَانَ لفظا فقد ثَبت أَن فِي فِي الْأَلْفَاظ مَا يدل على الْعُمُوم، وَمَا من لفظ يقدر اقترانه بِمَا فِيهِ التَّنَازُع إِلَّا وَيُمكن أَن يذكر فِيهِ كل مَا تذكرونه فِي غير الْمُخْتَلف فِيهِ، فَإِن كَانَ ذَلِك لَا يدل فتوابعه كَيفَ تدل؟ قيل لَهُم: قد أطنبتم فِي هذيان لَا تَحْقِيق وَرَاءه، فَأَما مَا ذكرْتُمْ من أَن الدَّال يَنْبَغِي أَن يكون لفظا، فَلَيْسَ كَمَا قلتموه، ولسنا نسلم أَن فِي الْأَلْفَاظ اللُّغَوِيَّة مَا يدل من حَيْثُ الْوَضع على الِاسْتِيعَاب والاستغراق وَإِنَّمَا يسْتَدرك الْعُمُوم وَالْخُصُوص بِمَا يضْطَر إِلَيْهِ السَّامع ابْتِدَاء عِنْد قَرَائِن الْأَحْوَال، وَهِي مِمَّا لَا تنضبط وَلَا سَبِيل إِلَى حصر أجناسها وتمييزها بالنعوت والأوصاف عَن أغيارها وَهَذَا كَمَا أَن خجل الخجل ووجل الوجل وَجبن الجبان وبسالة الباسل تعلم ضَرُورَة عِنْد ثُبُوت الْأَوْصَاف، فَلَو أردنَا نعتها لم نقدر عَلَيْهَا، وَهَذَا كَمَا أَن من خجل لبادرة بدرت مِنْهُ واحمرت لَهَا وجنتاه فَرُبمَا يعلم ضَرُورَة خجله فَلَا يمكننا أَن نسند ذَلِك إِلَى احمراره إِذْ قد يتَصَوَّر كل وصف بِعَيْنِه من غير خجل فقد تكون الْقَرَائِن ضربا من الرموز والإشارات، واختلاجا فِي محاجر الْعَينَيْنِ والحاجبين، وَقد تكون حَاله نَحْو كَون الْمَرْء على الطَّعَام إِذا اقْترن بقوله لغلامه عَليّ بِالْمَاءِ وَقد بَدَت نهمته إِلَى المَاء، فَيعلم ضَرُورَة إِنَّمَا يطْلب مَاء الشّرْب، وَإِن كَانَ اسْم المَاء على مَذَاهِب الْقَائِلين بِالْعُمُومِ يعم الْجِنْس، فَثَبت بذلك أَن الَّذِي يعين الْمَعْنى الْمعِين من اللَّفْظ الْمُحْتَمل [[٦٩ / ب] قَرَائِن الْأَحْوَال. وَقد يبدر من / المتلفظ ضروب من التَّأْكِيد فَيعلم عِنْدهَا

стр. 424

ضَرُورَة مُرَاده لَا أَن تِلْكَ الْأَلْفَاظ مَوْضُوعَة فِي اللُّغَة لذَلِك، وَلَكِن إِذا اقترنت بهَا أَحْوَال علم مِنْهَا مَا يعلم. [ [٥٨٩] والتحقق فِي ذَلِك أَن يعلم أَن شَيْئا من هَذِه الْقَرَائِن لَا تدل لأنفسها، وَلَا التَّوَاضُع سَابق عَلَيْهَا، وَلَكِن أجْرى لله الْعَادة بِخلق الْعلم الضَّرُورِيّ عِنْدهَا، وَهَذَا كَمَا أَن قَول الْقَائِلين: أَي شَيْء يحسن زيد، فَهَذَا يتَرَدَّد بَين الِاسْتِفْهَام، وَبَين ازدراء بزيد على معرض الاستخفاف، وَبَين تَعْظِيم الْأَمر فِيمَا يعنيه، ثمَّ المقصودمن هَذِه اللَّفْظَة رُبمَا يتَعَيَّن بِقَرِينَة حَال لَا يَنْضَبِط بِالْوَصْفِ. [ [٥٩٠] وَأما مَا قَالُوهُ من كَون الْقَرَائِن تَوَابِع وَكَون اللَّفْظ متبوعا فَلَا طائل تَحْتَهُ وَلَا معنى لكَونهَا تَوَابِع وَلَا لكَون اللَّفْظ متبوعا، وَلَكِن يؤول محصول الْكَلَام إِلَى أَن الْمَقْصُود يفهم عِنْد الْقَرَائِن وتسميتها تَوَابِع لَا حَقِيقَة لَهُ. [ [٥٩١] فان قَالُوا: قد اجْتمعت الْأمة على تَعْمِيم جمل من الْأَلْفَاظ فِي الْكتاب وَالسّنة فَمن أَيْن عرفُوا ذَلِك. قُلْنَا: أما أهل الْعَصْر الأول فقد عرفُوا التَّعْمِيم بِمَا شاهدوا من الْقَرَائِن، وَالَّذين نقلوا عَنْهُم شاهدوا مِنْهُم مَا شاهدوه هم من مبلغ الْأَلْفَاظ.

стр. 425

[٥٩٢] فَإِن قيل: فبماذا عرف الرَّسُول ﷺ ؟ قُلْنَا: بقرائن حَال المنبىء إِلَيْهِ. [ [٥٩٣ ي فَإِن قَالُوا: فبماذا عرف جِبْرِيل ﵇؟ قُلْنَا: لَعَلَّ الله اضطره ابْتِدَاء أَو عِنْد قَرَائِن أبدعها أَو عرفه باللغة الملائكية، وَلَعَلَّ فِي لغتهم صِيغَة الْعُمُوم فِي الْمقَال مجَال، والتمسك بِهَذِهِ الشُّبْهَة خبط. [٥٩٤] . شُبْهَة اخرى لَهُم يتشبث بهَا من شغر عَن التَّحْقِيق، وَهِي أَنهم قالو: هَل تصفون الرب تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ على أَن يدلنا على الْعُمُوم من حَيْثُ اللَّفْظ، فَإِن وصفتموه بذلك وَجب مِنْكُم القَوْل بتصوره، وَإِن لم تصفوه بذلك تعجيز الرب تَعَالَى. قيل لَهُم: تَعَالَى مقتدر على مَا شَاءَ، وَمَا قلتموه من أَنه هَل يقدر لَو رد إِلَى التَّحْقِيق لم يتَحَصَّل مِنْهُ معنى. فَإِن الْقُدْرَة تتَعَلَّق بالأحداث والرب تَعَالَى مقتدر على أَن يحدث لنا علما على عقب اللَّفْظ الْمُجَرّد وَهُوَ مقتدر على أَن يصرف دواعي الخلقية إِلَى التَّوَاضُع على اللَّفْظ الْمُجَرّد فِي إِرَادَة الْعُمُوم. وكل هَذَا مِمَّا نقُول، وَلَكِن الْكَلَام فِي اللُّغَة الثَّابِتَة الكائنة، وَهَذَا كَمَا أَنا نصف الرب تَعَالَى بالاقتدار على تثبيت ضروب من اللُّغَات والزيادات فِي لُغَة الْعَرَب، ثمَّ كل مَا هُوَ من قبيل مقتدراته لَا يجوز أَن نقدره كَائِنا.

стр. 426

فَإِن زعمتم أَن اللَّفْظ مَعَ لفظ لَا يدل فِي الْوَضع يَجعله دَالا وَهُوَ غير دَال، فَهَذَا تثبيت اقتدار على الْمحَال. [[٥٩٥] وَمن عمدهم أَن قَالُوا: نرى أهل اللُّغَة وأرباب الشَّرِيعَة مطبقين على تفاهم الْعُمُوم من الْأَلْفَاظ الَّتِي فِيهَا تنازعنا، وَمَا زَالَت الصَّحَابَة ﵃ تستدل بَعْضًا على بعض فِي الْمسَائِل بالألفاظ الْعَامَّة نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ ، و ﴿لَا تقتلُوا الصَّيْد وَأَنْتُم حرم﴾ ، و " لَا وَصِيَّة لوَارث "، " وَلَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا "، " وَمن ألْقى [٧٠ / أ] سلاحه فَهُوَ آمن "، إِلَى غير ذَلِك، وَكَذَلِكَ مَا زَالَت الْعَرَب تتفاهم بِنَحْوِ ذَلِك حَتَّى رُوِيَ أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي القعدون من الْمُؤمنِينَ﴾ لما نزل شقّ

стр. 427

ذَلِك على ابْن [أم] مَكْتُوم وَكَانَ مكفوفا عَاجِزا عَن النهوض للْجِهَاد وَأبْدى للرسول مَا بِهِ حَتَّى نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿غير أولي الضَّرَر﴾ ، وَلم يُنكر عَلَيْهِ مَا فهمه من مُطلق اللَّفْظ من الْعُمُوم، وكذل رُوِيَ أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ﴾ . قَالَ ابْن الزبعري: وَكَانَ خصما جدلا: لأخص من الْيَوْم مُحَمَّدًا فجَاء النَّبِي وَقَالَ لَهُ: أَلَيْسَ عبدت الْمَلَائِكَة وأبن مَرْيَم أفهم حصب جَهَنَّم؟ فَنزل قَوْله تَعَالَى: (ان الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى﴾ ، وحاج

стр. 428

عمر ﵁ أَبَا بكر ﵄ فِي قتل مَا نعي الزَّكَاة، وَاسْتدلَّ فِي منع قِتَالهمْ بِظَاهِر قَوْله: أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله " فَلم يُنكر عَلَيْهِ أَبُو بكر ﵁ تمسكه بِعُمُوم اللَّفْظ وَلَكِن انْفَصل عَن استدلاله بِقَيْد الحَدِيث وَهُوَ قَوْله: بِحَقِّهَا، وَقَالَ إِن الزَّكَاة من حَقّهَا. [٥٩٦] ومقصدهم من ذَلِك مَا اسْتشْهدُوا بِهِ من الْآثَار وَالْأَخْبَار أَن أَرْبَاب الشَّرَائِع واللغات مَا زَالُوا يتفاهمون من الصِّيَغ الَّتِي فِيهَا كلامنا الْعُمُوم والشمول، وَمَا كَانَ يُنكر بَعضهم على بعض. [٧ [٥٩] فَيُقَال لَهُم: مَا تمسكتم بِهِ بَاطِل من أوجه:

стр. 429

أَحدهَا أَنكُمْ ادعيتم الْإِجْمَاع وأسندتم دعواكم إِلَى أَفْرَاد من الْأَخْبَار، والآحاد لَا تُفْضِي الى الْعلم كَحَدِيث ابْن الزِّبَعْرَى وَنَحْوه وَلَو كَانَ الْإِجْمَاع يثبت بأمثال ذَلِك لعم ادِّعَاء الْإِجْمَاع فِي مُعظم مسَائِل الِاجْتِهَاد، ثمَّ لم تَنقلُوا عَن أحد أَنه تمسك بِمُجَرَّد اللَّفْظ فلعلهم فَهموا مَعَ الْأَلْفَاظ قَرَائِن علمُوا عِنْدهَا إِرَادَة الْعُمُوم. [٥٩٨] فَإِن قيل: فَلَو كَانَت تِلْكَ الْقَرَائِن لنقلت. فقد سبق الْكَلَام على مثل هَذَا بِمَا يُغني عَن إِعَادَته. ثمَّ نقُول: يجوز تَقْدِير الْقَرَائِن فِي بعض مَا استدللتم بِهِ وَلَا ننكر أَيْضا أَن يكون بَعضهم قد اعْتقد الْمصير إِلَى الْعُمُوم كَمَا اعتقدتموه وَذهب بَعضهم إِلَى أَن اللَّفْظ إِذا كَانَ صَالحا للْعُمُوم وَالْخُصُوص فَيجوز أَن يحمل على الْعُمُوم، فَإِذا تصور انقسام قصودهم وإرادتهم فَمنهمْ من يعْتَقد عَن قرينَة وَمِنْهُم من يعْتَقد كَمَا اعتقدتموه وَمِنْهُم من يسْتَدلّ اسْتِدْلَالا فَاسِدا مَعَ تصور تنوع القصود كَمَا قدر عَلَيْكُم، كَيفَ يتَصَوَّر ادِّعَاء الإطباق والاتفاق من أهل الْعَصْر المفترضة على أَن اللَّفْظَة المفردة مَوْضُوعَة للاستغراق، فهيهات لما طلبوه فقد أبعدوا النجعة وَمَا ذَكرْنَاهُ من شبه الْقَوْم تغني عَن ذكر كثير من الترهات، وتشتغل بِذكر التفصي عَمَّا ذَكرْنَاهُ كَمَا ذَكرنَاهَا فِي الِانْفِصَال عَن

стр. 430

كل مَا يرد عَلَيْك من قبيلها /. [٧٠ / ب] [٥٩٩] فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا دليلكم على الْوَقْف؟ قُلْنَا: كل دلَالَة طردناها فِي تثبيت الْوَقْف فِي صِيغَة الْأَمر فتطرد بِعَينهَا فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص وتعود عَلَيْهَا أسئلتها، وَوجه الِانْفِصَال عَنْهَا. فَمن عمدنا وَهُوَ مَا صدر القَاضِي ﵁ بِهِ إِثْبَات الْوَقْف فِي كل مسئلة أَن يَقُول فِيهَا بِالْوَقْفِ أَن يَقُول: مدارك الْعُلُوم مضبوطة وَالَّذِي فِيهِ تنازعنا لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون من مدارك الْعُقُول اَوْ مدارك اللُّغَات واللغات لَا تثبت عقلا وَإِمَّا أَن يكون من مدارك السّمع وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى تَوَاتر فِي الْأَخْبَار وَغير تَوَاتر واطرد الدَّلِيل فِيهِ على الْمنْهَج الَّذِي سبق. [٦٠٠] فَإِن قَالُوا: فكون اللَّفْظَة مُشْتَركَة لُغَة أَيْضا فثبتوا نقل ذَلِك. التَّوَجُّه عَلَيْكُم الانقسام فِيهِ مَا وجهتموه فِي أصل الْمَسْأَلَة. فَيُقَال: هَذَا سُؤال من لم يعقل حَقِيقَة الْوَقْف من مَذْهَب الْقَائِلين بِهِ، فلسنا نعني بالاشتراك ثُبُوت اللُّغَات فِي ذَلِك، ولكننا نعني بِهِ أَنا وجدنَا هَذِه الصِّيغَة الَّتِي فِيهَا تنازعنا ترد على موارد، مِنْهَا الْعُمُوم وَمِنْهَا الْخُصُوص

стр. 431

فتوقفنا فِي المُرَاد فِيهَا عِنْد الْإِطْلَاق والتجرد عَن الْقَرَائِن، فَهَذَا مَا نعنيه، فَأَما أَن ندعى نقل الِاشْتِرَاك من أهل اللُّغَة كَمَا نقل عَنْهُم الِاشْتِرَاك فِي الْعين والقرء وَغَيرهمَا فَلَا، فَافْهَم ذَلِك كي لَا تزل فِيهِ. [٦٠١] وَمن عمدنا فِي الْمَسْأَلَة حسن الاستفصال بعد صُدُور اللَّفْظَة من مُطلقهَا فَلَو كَانَت منبئة عَن الْعُمُوم مَا حسن الاستفصال فِيهَا. فَإِن قَالُوا: لسنا نسلم حسن الاستفصال، قطع الْكَلَام عَنْهُم، وَتبين عنادهم، وَإِن سلمُوا وَزَعَمُوا أَن الاستفصال إِنَّمَا يحسن عِنْد بدور الْكَلَام. مِمَّن لَيْسَ بِحَكِيم، فَيُقَال لَهُم وَهَذَا خبط مِنْكُم وَذَلِكَ أَنا نقُول: كلامنا مَعكُمْ فِي وضع اللُّغَة، والاستفصال يَتَرَتَّب عَلَيْهِ، واللغة الْمَوْضُوعَة لاقْتِضَاء الْعُمُوم فِي حق الْحَكِيم يَقْتَضِيهِ فِي حق السَّفِيه، وَإِن الْعَرَب فِي أصل وَضعهَا مَا خصصت الْأَسَامِي فِي مقتضاتها بِبَعْض المطلقين دون بعض فيستحيل أَن تكون لَفْظَة مُجَرّدَة لِمَعْنى إِذا بدرت من وَاحِد وَهِي بِعَينهَا مَوْضُوعَة للاشتراك إِذا بدرت من غَيره وَقَامَت الدّلَالَة عَلَيْهِم. [٦٠٢] وَمن أقوى مَا يسْتَدلّ بِهِ أَن نقُول: تأملنا موارد الْأَلْفَاظ فَوَجَدنَا

стр. 432

على الانقسام فِي نظم الْعَرَب ونثرها، وَسَائِر كَلَامهَا، وَكَذَلِكَ وجدنَا أَلْفَاظ صاحبالشريعة منقسمة فِي اقْتِضَاء الْعُمُوم وَالْخُصُوص، والألفاظ المحمولة على خلاف الشُّمُول تربي وتزيد على الْأَلْفَاظ المحمولة على الشُّمُول، وَقد تتبع الْمُحَقِّقُونَ على أقْصَى جهدهمْ أَلْفَاظ الْكتاب فَلم يَجدوا فِيهَا إِلَّا الفاظا محصورة على الْعُمُوم مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ ، وَمِنْهَا: ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها﴾ وَلَو تكلفت لم يبلغ هَذَا الْقَبِيل من الْأَلْفَاظ عشرا فَقَالَ أَرْبَاب التَّحْقِيق: اللُّغَات إِنَّمَا تثبت بالتوصل إِلَى أصل الْوَضع. فَإنَّا أَخْطَأنَا ذَلِك فِيمَا يتفاهم مِنْهُ ارباب اللُّغَات، وَإِنَّمَا يعرف تفاهمهم بالْكلَام الْمَأْثُور الْمَنْقُول عَنْهُم / فِي مفاوضاتهم ومحاوراتهم، وَقد [٧١ / أ] استد طَرِيق نقل أصل الْوَضع لما قدمْنَاهُ أَولا، فَلم نجد مفزعا إِلَّا طَرِيق المحاورات فَوَجَدنَا مَا فِيهِ كلامنا على الانقسام. [٦٠٣] فَإِن قيل: فَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الْمُسْتَعْمل من الصِّيَغ على الْخُصُوص مجَاز؟ قيل: فَبِمَ تنكرون على من يَقُول لكم من أَصْحَاب الْخُصُوص إِن الْمُسْتَعْمل على الشُّمُول مجَاز، فَلَا تفزعون فِي ادِّعَاء الْحَقِيقَة إِلَى أصل الْوَضع وَلَا إِلَى اسْتِعْمَال، فَإِنَّكُم إِن فزعتم إِلَى أصل الْوَضع لم تَجدوا فِي تَحْقِيقه طَرِيقا، وَإِن فزعتم إِلَى الِاسْتِعْمَال وجدْتُم الصِّيَغ

стр. 433

الْخَاصَّة فِي الِاسْتِعْمَال أَكثر من الصِّيَغ الْعَامَّة، وَإِن زعتمتم أَن الَّذِي خص مِنْهَا خص بِقَرِينَة، لم تجيبوا عَن تقابلكم بِمثلِهِ، فَيَقُول مَا حمل مِنْهُ على الْعُمُوم حمل بِقَرِينَة، فتتقاوم الْأَقْوَال وتتساقط بَعْضهَا بِبَعْض فَلَا يبْقى عِنْد سُقُوطهَا إِلَّا التَّوَقُّف وَترك قطع القَوْل. [٦٠٤] إِن قَالَ قَائِل: فَإِذا لم تَقولُوا بِالْعُمُومِ فَبِمَ تعرفُون [امتداد] الشَّرْع فِي الْأَزْمَان الْمُسْتَقْبلَة إِذْ السَّبِيل إِلَى معرفَة عُمُوم الْأَزْمَان كالسبيل إِلَى معرفَة عُمُوم المسميات فَإِذا سددتم طرق الْقطع بِالْعُمُومِ لزمكم طرد ذَلِك فِي الْأَزْمَان. قُلْنَا: الزمتمونا مَا لَا نتحاشى مِنْهُ وَذَلِكَ أَنا لَا نَعْرِف بصيغ الْأَلْفَاظ الشُّمُول فِي الْأَزْمَان وَإِنَّمَا نَعْرِف ذَلِك بطرق التَّوْقِيف المقترنة بالألفاظ وبقرائن الْأَحْوَال وَهِي مِمَّا لَا تنضبط وَلَا تَنْحَصِر، ثمَّ نقُول لَهُم: فَلَو كَانَ سَبِيل اسْتِدْرَاك الْعُمُوم فِي الْأَزْمَان كسبيل اسْتِدْرَاك الْعُمُوم فِي المسميات لزمكم معشر الْقَائِلين بِالْعُمُومِ أَن تَقولُوا: يجوز تَخْصِيص اللَّفْظ فِي بعض الْأَزْمَان بِالدَّلِيلِ الَّذِي يجوز تَخْصِيص اللَّفْظ بِهِ بِبَعْض المسميات لتجوزوا على قَود ذَلِك حصر الْأَحْكَام الثَّابِتَة فِي بعض الْأَعْصَار بطرق المقاييس، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ. واستقصاء القَوْل فِيهِ يَتَأَتَّى عِنْد احاطة الْعلم وَحَقِيقَته وسنشيع القَوْل إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْفرق بَين التَّخْصِيص والنسخ فِي ابواب النّسخ.

стр. 434

[٦٠٥] فَإِن قُلْتُمْ: فَإِذا نفيتم صِيغ الْعُمُوم فَهَل تنفون التَّخْصِيص وَمَعْنَاهُ؟ قُلْنَا: الْوَجْه الَّذِي يَقُول بِهِ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ فِي التَّخْصِيص لَا نقُول بِهِ إِذا نَفينَا الْعُمُوم، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ التَّخْصِيص اسْتِخْرَاج بعض المسميات من قَضِيَّة اللَّفْظَة الْمَوْضُوعَة للاستغراق وَلَوْلَا دلَالَة التَّخْصِيص لعمت. وَنحن لَا نصير إِلَى ذَلِك، وَلَكنَّا نقُول: اللَّفْظَة مترددة بَين أقل الْجمع وَمَا زَاد عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِظَاهِر فِي التَّخْصِيص بِأَقَلّ الْجمع وَلَا فِي الشُّمُول، فَإِذا دلّت دلَالَة فِي ثُبُوت أحد الْمَعْنيين لم نقل لولاها لثبت غير الْمَعْنى الثَّابِت بهَا. فَإِن اكْتفى السَّائِل من معنى التَّخْصِيص بِتَعْيِين المُرَاد وتحقيقه من غير أَن يقدر عِنْد عدم الدَّلِيل ظَاهر اللَّفْظ فِي شُمُول أَو خُصُوص، فَهَذَا مِمَّا نقُول بِهِ وسنعقد بَابا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حَقِيقَة التَّخْصِيص بعد الْفَرَاغ من ابواب الْخُصُوص والعموم إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (١١٦) القَوْل فِي ان لفظ الْعُمُوم على مَذْهَب الْقَائِلين بِهِ إِذا خصص / هَل يصير مجَازًا؟) [٧١ / ٥] [٦٠٦] اعْلَم، وفقك الله، أَن أَرْبَاب [الْأُصُول] اخْتلفُوا فِي مَضْمُون هَذَا الْبَاب فَمَا صَار إِلَيْهِ الواقفية أَن الصِّيغَة الَّتِي يَدعِي الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ شمولها إِذا قَامَت الدّلَالَة على خُرُوج بعض المسميات عَن قضيتها فَيتَوَقَّف فِي الْبَاقِي كَمَا توقفنا فِي الأَصْل فَيجوز اختصاصها بِأَقَلّ الْجمع [وَيجوز] تعديها إِلَى مَا يزِيد عَلَيْهِ مِمَّا لم يخصص وَلم يسْتَثْن.

стр. 435

[٦٠٧] ثمَّ الصائرون إِلَى الْوَقْف لَا يفصلون فِيمَا حكيناه عَنْهُم بَين أَن يثبت خُرُوج بعض المسميات باستثناء مُتَّصِل بِالْخِطَابِ أَو دلَالَة دَالَّة عَلَيْهَا عقلية أَو سمعية مِمَّا لَا يتَّصل بالألفاظ اتِّصَال الِاسْتِثْنَاء بالمستثنى مِنْهُ. [٦٠٨] فَأَما الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ فقد افْتَرَقُوا فِي ذَلِك فَذهب كثير من الْفُقَهَاء من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَمَالك وَأبي حنيفَة ﵏ وَطَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين، مِنْهُم الجبائي وَابْنه إِلَى أَن الصِّيغَة الْمَوْضُوعَة للْعُمُوم إِذا خصصت صَارَت مجملة لَا يجوز الِاسْتِدْلَال بهَا فِي بَقِيَّة المسميات وَإِلَيْهِ مَال عِيسَى بن أبان وَذهب طَائِفَة من الْفُقَهَاء مِنْهُم الْكَرْخِي وَغَيره إِلَى

стр. 436

أَن التَّخْصِيص إِن وَقع بِكَلَام مُتَّصِل وَهُوَ الِاسْتِثْنَاء وَمَا جرى مجْرَاه وَاللَّفْظ الْمُسْتَثْنى من مقتضاها حَقِيقَة فِي بَقِيَّة المسميات وَإِن ثَبت التَّخْصِيص ص بِدلَالَة - مُنْفَصِلَة من حجَّة عقل أَو دَلِيل سمع صَار مجَازًا وَمَا صَار إِلَيْهِ الْجُمْهُور من الْفُقَهَاء أَنه لَا يصير مجَازًا، سَوَاء وَقع التَّخْصِيص باستثناء أَو دلَالَة مُنْفَصِلَة، بل هُوَ حَقِيقَة فِي بَقِيَّة المسميات. [٦٠٩] قَالَ القَاضِي ﵁ وَهَذَا إِنَّمَا يَقُوله هَؤُلَاءِ إِذا بَقِي من المسميات أقل الْجمع فَأَما إِذا بَقِي وَاحِد وَقد فرط لفظ الْجمع وَمِنْه اسْتثْنى فَيلْزم الْقطع على مَذَاهِب الكافة بِأَن لفظ الْجمع يكون حَقِيقَة فِي الْوَاحِد بل يسْتَعْمل فِيهِ مجَازًا. [٦١٠] وَقد ذكر القَاضِي بن الطّيب ﵁ عَن بعض أَصْحَابنَا بِأَن اللَّفْظَة حَقِيقَة فِيمَا يبْقى وَإِن كَانَ أقل [من] الْجمع

стр. 437

وَهَذَا بعيد جدا. [٦١١] وَذهب بعض الأصوليون إِلَّا أَن الصِّيغَة إِذا كَانَت مُجَرّدَة عممت فَإِن لحقها التَّخْصِيص حملت على أقل الْجمع. [٦١٢] قَالَ القَاضِي ﵁ وَلَو قَررنَا القَوْل بِالْعُمُومِ فَالصَّحِيح عندنَا من هَذِه الْمذَاهب أَن نقُول إِذا تقرر التَّخْصِيص باستثناء مُتَّصِل فاللفظ حَقِيقَة فِي بَقِيَّة المسميات، وَإِن تقرر التَّخْصِيص بِدلَالَة مُنْفَصِلَة فاللفظ مجَاز وَلَكِن ليستدل بِهِ فِي بَقِيَّة المسميات فَيحْتَاج أَن تدل على طَرِيقين أَحدهمَا تثبيت كَونه مجَازًا فِي الصُّورَة الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَالثَّانِي ثُبُوت الِاسْتِدْلَال بِهِ وَإِن حكمنَا بِكَوْنِهِ مجَازًا.

стр. 438

[٦١٣] فَأَما الدَّلِيل على كَونه مجَازًا فَهُوَ أَن الْمجَاز مَا تجوز بِهِ عَن أصل وضع اللُّغَة وَاسْتعْمل عَن غير قَضِيَّة أصل الْوَضع، وَهَذَا يطرد فِي جملَة المجازات على مَا قَرَّرْنَاهُ فِي بَابه وَإِنَّمَا تنفصل الْحَقِيقَة عَن الْمجَاز / بِكَوْنِهَا [٧٢ / أ] مستعملة على اصل الْوَضع من غير تجوز عَنهُ إِلَى غَيره فَإِذا ثَبت ذَلِك فالصيغة الَّتِي فِيهَا الْكَلَام مَوْضُوعَة للْعُمُوم وشمول آحَاد الْجِنْس، فَإِذا تبين أَنَّهَا لَيست بعامة فقد تبين أَنَّهَا اسْتعْملت فِي غير مَا وضعت لَهُ فِي أصل اللُّغَة فَينزل ذَلِك منزلَة استعمالك لفظ الْحمار فِي البليد الأحمق وَلَفظ الْأسد فِي البطل الشجاع إِلَى غير ذَلِك. [٦١٤] فَإِن قيل: إِذا خصص بعض المسميات فاستعمال اللَّفْظَة فِي الْبَاقِي لَيْسَ بمجاز، وَلَكِن إِنَّمَا التَّجَوُّز فِي نفس الشُّمُول، فَلَا مجَاز إِذا فِي بَقِيَّة المسميات، وَإِنَّمَا الْكَلَام مَعَ الذابين عَن هَذَا الْمَذْهَب الَّذين ينصرونه فِي أَن اللَّفْظَة لَيست بمجاز فِي بَقِيَّة الْأَسْمَاء. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه سَاقِط من الْكَلَام، فَأَما الْمجَاز إِنَّمَا يُطلق على مُسْتَعْمل فِي غير وضع اللُّغَة، وَترك الِاسْتِعْمَال فِي الْمَخْصُوص من مُسْتَعْمل

стр. 439

المسميات لَا يتَحَقَّق التَّجَوُّز فِيهِ فَإِذا اثبتا عَلَيْكُم كَون اللَّفْظ مجَازًا وَجب أَن يكون فِي اسْتِعْمَاله مجَازًا لَا فِيمَا ترك اسْتِعْمَاله فِيهِ فَإِن لفظ الْحمار إِذا اطلق على البليد لم يكن مجَازًا لعدم اسْتِعْمَاله فِي الْبَهِيمَة الْمَخْصُوصَة وَإِنَّمَا كَانَ مجَازًا لاستعماله فِي غير مَا وضع لَهُ، وَكَذَلِكَ مَا نَحن فِيهِ فَإِذا بَطل صرف وَجه التَّجَوُّز إِلَى الْعَدَم وَجب أَن يكون مجَازًا فِي بَقِيَّة الْأَسْمَاء. [٦١٥] وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك أَنه لَو لم يبْق من المسميات إِلَّا وَاحِد فَلفظ الْجمع مجَاز فِيهِ وفَاقا وَإِن كَانَ يتَنَاوَلهُ اللَّفْظ مَعَ غَيره لَو قدر عَاما فصرف الْجمع إِلَى الْوَاحِد كصرف الْجمع إِلَى غير الشُّمُول إِذا كَانَ مَوْضُوعا للشمول. [٦١٦] فَإِن قيل: فَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَنه مجَاز فِي تَخْصِيصه بِبَقِيَّة المسميات. قيل: هَذِه عبارَة لَا طائل وَرَاءَهَا فَإِنَّكُم إِن عنيتم بالتخصيص تنَاولهَا لبَقيَّة المسميات فقد صرحتم بِأَن اللَّفْظ مجَاز فِي تنَاول بَقِيَّة المسميات وَإِن عنيتم بالتخصيص انْتِفَاء مَا سوى المسميات الْبَاقِيَة فقد وَقَعْتُمْ فِيمَا قدمْنَاهُ من كلامكم وَهُوَ صرف التَّجَوُّز إِلَى النَّفْي وَلَو سَاغَ ذَلِك لساغ مثله فِيهِ إِذا لم يبْق أقل الْجمع فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه، وَتبين أَن الصِّيغَة الْعَامَّة لَو قدرت مُجَرّدَة إِذا خصصت صَارَت مجَازًا. [٦١٧] فَإِن قَالُوا: فَمَا قَوْلكُم فِي الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل هَل يخرج اللَّفْظ عَن حَقِيقَته حَتَّى يحكم بِكَوْنِهِ مجَازًا فِي بَقِيَّة المسميات.

стр. 440

قَالَ القَاضِي ﵁ مَا نصرناه فِي المصنفات أَنه يصير مجَازًا مَعَ الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل فِي بَقِيَّة المسميات، كَمَا يصير كَذَلِك عِنْد ثُبُوت التَّخْصِيص بالدلالات الْمُنْفَصِلَة وَإِلَيْهِ صَار الجبائي وَابْنه وَالَّذِي اخْتَارَهُ فِي التَّقْرِيب أَنه لَا يصير مجَازًا، هَذَا هُوَ الصَّحِيح فَإِن اللفظتين إِذا كَانَت إِحْدَاهمَا اسْتثِْنَاء وَالْأُخْرَى مُسْتَثْنى مِنْهَا، فهما فِي لُغَة الْعَرَب موضوعتان حَقِيقَة للمفهوم مِنْهُمَا، لَا تجوز فيهمَا، فَإِذا قَالَ الْقَائِل: لفُلَان عَليّ عشرَة إِلَّا دِرْهَم، كَانَت اللفظتان حقيقتين فِي إِرَادَة التِّسْعَة فَكَذَلِك الصِّيغَة الْعَامَّة مَعَ الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل بهَا تنزل منزلَة اللَّفْظ المنبىء / عَن الْعدَد مَعَ الِاسْتِثْنَاء عَنهُ، واللفظة قد ترد [٧٢ / ب] فَتكون حَقِيقَة فِي معنى فيتصل بهَا غَيرهَا فيصيران حقيقتان فِي معنى غير الْمَعْنى الأول وَمِثَال ذَلِك أَنَّك إِذا قلت: زيد، أنبأ ذَلِك عَن شخص مُتحد، فَإِذا وصلت ذَلِك واوا ونونا فَقلت: زيدون، أنبأ ذَلِك بمجموعة عَن جمع حَقِيقَة، وَإِذا قلت: رجل، أنبأ ذَلِك عَن تنكيره، فَإِذا أدخلت الْألف وَاللَّام أنبأ عَن عهد، إِلَى غير ذَلِك من ضروب الصلات فِي مجاري اللُّغَات، وَلَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل الدلالات الْمُنْفَصِلَة عَن الْخطاب، فَإِنَّهَا لَا تعد فِي اللُّغَة قرينَة فِي الْكَلَام. [٦١٨] فَإِن قَالَ قَائِل: أَفَرَأَيْتُم لَو اتَّصل بِنَا من الرب تَعَالَى كَلَام ثمَّ اسْتثْنى مِنْهُ الرَّسُول على عقيب الِاتِّصَال فَمَا قَوْلكُم فِي هَذَا الضَّرْب؟ قُلْنَا: من الْأُصُولِيِّينَ السالكين لما سلكناه من الطَّرِيق من صَار إِلَى أَن اسْتثِْنَاء الرَّسُول

стр. 441

إِذا اتَّصل بِالْخِطَابِ ينزل منزلَة الِاسْتِثْنَاء الْمُصَرّح بِهِ فِي كَلَام الله تَعَالَى. قَالَ القَاضِي ﵁ وَالَّذِي نرتضيه انه ﷺ إِن ابْتَدَأَ من تِلْقَاء نَفسه كلَاما وَلم يضفه إِلَى كَلَام الله تَعَالَى فليلتحق ذَلِك بالتخصيص الْمُرَتّب على الدلالات الْمُنْفَصِلَة وَلَا يَجْعَل كَلَامه ﷺ اسْتثِْنَاء [حَقِيقِيًّا] بل هُوَ تَخْصِيص سَوَاء قدر مُتَّصِلا أَو مُنْفَصِلا فَهَذَا كلامنا فِي اُحْدُ الْفَرِيقَيْنِ. [٦١٩] فَأَما الْكَلَام فِي جَوَاز الِاسْتِدْلَال بالصيغة الْعَامَّة إِذا دَخلهَا التَّخْصِيص فَهُوَ أَن نقُول: إِذا قُلْنَا بِالْعُمُومِ فَمن حكم القَوْل بِهِ أَن نتمسك بقضية الشُّمُول مَا لم تقم دلَالَة مخصصة مَانِعَة من طردا لعُمُوم، فَإِذا قَامَت الدّلَالَة فِي بعض المسميات فقد ثَبت اللَّفْظ لم يسْتَثْن على قَضِيَّة لَا مَانع فِي اسْتِعْمَاله فِيمَا لم يخصص فِيهِ وَلَو سَاغَ التَّوَقُّف فِي بَقِيَّة المسميات لقِيَام الدّلَالَة فِي غَيرهَا سَاغَ التَّوَقُّف فِي صِيغَة لتخصيص أُخْرَى. فَإِن قيل: فَكيف يَسْتَقِيم لكم ذَلِك وَقد سلمتم لنا كَون اللَّفْظَة مجَازًا؟ قُلْنَا: وَإِن سلمنَا ذَلِك فَلَا نمْنَع من الِاسْتِدْلَال بِهِ، وَكثير من الْأَلْفَاظ

стр. 442

مَا يتَحَقَّق التَّجَوُّز فِيهَا وَإِن كَانَ يسْتَدلّ بهَا لعُمُوم استعمالهما، وَذَلِكَ نَحْو الْغَائِط والعذرة وَغَيرهمَا من الْأَسَامِي الْغَالِبَة عرفا فِي الِاسْتِعْمَال وَإِن كنت تعلم أَن الْغَائِط فِي أصل الْوَضع المنخفض من الأَرْض وَيكثر أمثله ذَلِك ثمَّ نقُول: لَيْسَ الْمَعْنى بقولنَا أَن اللَّفْظ مجَاز إِنَّا نستريب فِي اسْتِعْمَاله فِي بَقِيَّة المسميات وَلَكِن محصول قَوْلنَا فِي وَصفنَا إِيَّاه بالمجاز يؤول إِلَى أَنه اسْتعْمل على غير مَا وضع لَهُ فِي أصل اللُّغَة، فَإِن مَوْضُوعه للْعُمُوم، فَإِذا اسْتعْمل على غير معنى الْعُمُوم كَانَ مجَازًا، فَافْهَم ذَلِك. [٦٢٠] وَمن الدَّلِيل على وجوب اسْتِعْمَاله إطباق الْعلمَاء قاطبة فَإِنَّهُم مَا زَالُوا مذ كَانُوا يتمسكون بالألفاظ الْعَامَّة الَّتِي دَخلهَا التَّخْصِيص وَلَو تتبعت جملَة أَلْفَاظ الشَّرِيعَة الْمُتَعَلّقَة بِالْأَحْكَامِ ألفيت كلهَا أَو جلها مخصصة وَلَيْسَ فِي الْعلمَاء من يمْتَنع / عَن الِاسْتِدْلَال بهَا إِمَّا لاعتقاد [٧٣ / أ] الْعُمُوم وَالْقَوْل بِهِ أَو لتقرر قَرَائِن عِنْدهم دَالَّة على الْعُمُوم، هَذِه فَاطِمَة ﵂ استدلت على أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي ادعائها الْمِيرَاث بِعُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُم الله فِي اولدكم﴾ ، فَمَا زَالَت الْعلمَاء يستدلون بِهَذِهِ الْآيَة وأمثالها مَعَ تحقق التَّخْصِيص فِيهَا فَإِن الْكَافِر وَالْقَاتِل وَالرَّقِيق ينطبق عَلَيْهِم اسْم الْأَوْلَاد وَلَا يَرِثُونَ فَتبين بذلك حُصُول الِاتِّفَاق على جَوَاز الِاسْتِدْلَال، وَثَبت بِمَا قدمنَا التَّجَوُّز، فَافْهَم فِي هَذِه على الْجُمْلَة.

стр. 443

(١١٧) بَاب ينطوي على جمل يدعى الْعُمُوم وَالْخُصُوص فِيهَا وَفِي بَعْضهَا اخْتِلَاف [٦٢١] قد قدمنَا فِيمَا فرط أَن العمموم لَا يتَحَقَّق ادعاؤه فِيمَا هُوَ من قبيل الْأَفْعَال وَإِنَّمَا يتَحَقَّق الْعُمُوم فِي الْأَقْوَال، وأوضحنا فِي ذَلِك مَا فِيهِ غنية، وحققنا أَن اسْم الْأَفْعَال إِذا كَانَ اسْم جنس فَهُوَ الَّذِي يعم، فَأَما ذَوَات الْأَفْعَال فَلَا يتَحَقَّق الْعُمُوم فِيهَا، وكما لَا يتَحَقَّق الْعُمُوم فِي افعال الْمُكَلّفين فَكَذَلِك لَا يتَحَقَّق ادِّعَاء الْعُمُوم فِي أَفعَال الرَّسُول ﷺ على مَا سنوضح القَوْل فِي مُوجب أَفعاله بعد ذَلِك. وإيضاح ذَلِك بالمثال أَن من اسْتدلَّ فِي أَن أول وَقت الْعشَاء يدْخل بغيبوبة الشَّفق الْأَحْمَر بِمَا رُوِيَ أَنه ﷺ صلَّى الْعشَاء بعد مَا غَابَ

стр. 444

الشَّفق، وَاسم الشَّفق على الْأَحْمَر، فَإِذا تحققت غيبوبة فقد تحقق الِاسْم، وَهَذَا لَا تَحْقِيق لَهُ فَإِن مرجع الِاسْتِدْلَال إِلَى فعله ﷺ واقامته الصَّلَاة، وَنحن نعلم أَنه أَقَامَ الصَّلَاة بعد أحد الشفقين أَو بعدهمَا، فادعاء الْعُمُوم فِيمَا يتَعَلَّق بالأفعال لَا معنى لَهُ، وَلَكِن لَو نقل عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: إِذا غَابَ الشَّفق دخل أول الْوَقْت، فَرُبمَا كَانَ يجوز التَّمَسُّك بِهِ. [٦٢٢] وَمِمَّا لَا يسوغ الْعُمُوم فِيهِ مَا قدمْنَاهُ فِي صدر الْكتاب من أَلْفَاظ النَّفْي نَحْو قَوْله ﷺ : " لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد " وَقَوله: " لَا عمل إِلَّا بِالنِّيَّةِ " فقد ذهب ذاهبون إِلَى أَن النَّفْي عَام فِي الْوُجُود وَالْحكم فِي كَلَام طَوِيل قدمْنَاهُ وأبطلناه.

стр. 445

[٦٢٣] وَمِمَّا يجب تَفْصِيل القَوْل فِيهِ أقضية رَسُول الله ﷺ فِي الحكومات وأجوبته فِي الْمسَائِل، فَأَما الْأَقْضِيَة فَاعْلَم أَولا أَن الْقَضَاء اسْم عَرَبِيّ متناول لجمل من المسميات فقد يرد وَالْمرَاد بِهِ الْخلق والابتداع وَهُوَ الْمَعْنى بقوله تَعَالَى: ﴿فقضهن سبع سموات﴾ ، فَمَعْنَاه فطرهن وبدأهن، وَقد يرد الْقَضَاء وَالْمرَاد بِهِ الْإِعْلَام وَهُوَ المُرَاد ﴿إِذا قضينا إِلَى مُوسَى الْأَمر﴾ مَعْنَاهُ أعلمناه وآذاناه، وَقد يرد وَالْمرَاد بِهِ إِرَادَة الله للمرادات، وَقد يحمل فِي بعض الْمَوَارِد على صِفَات الْأَفْعَال، واستقصاء هَذِه الْوُجُوه فِي الديانَات. [٦٢٤] فَأَما الْقَضَاء فِي حق الرَّسُول ﷺ فينقسم إِلَى قَول وَفعل فَتَارَة يُسمى أمره لأحد الْخَصْمَيْنِ أَو نَهْيه قَضَاء، وَتارَة يُسمى الْفِعْل البادر مِنْهُ [٧٣ / ب] قَضَاء، فَإِذا عرفت وُجُوه الْأَقْضِيَة فَاعْلَم أننا نتتبع / مواقعها. فَإِن كَانَ الْقَضَاء فعلا لم يسغْ دَعْوَى الْعُمُوم. وَإِن كَانَ لفظا مُخْتَصًّا فِي شخص بِعَيْنِه فِي خُصُوص بِعَينهَا فَلَا يسوغ دَعْوَى الْعُمُوم

стр. 446

وَكَذَلِكَ إِن خصص أَقْوَامًا مُعينين، إِلَّا أَن تقوم دلَالَة شَرِيعَة على أَن الكافة فِي ذَلِك الحكم شرع سَوَاء. وَإِن كَانَت لفظته ﷺ عَامَّة فِي وضع اللُّغَة تمسكنا بعمومها. [٦٢٥] فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ قضى رَسُول الله ﷺ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين وَقضى للْجَار بِالشُّفْعَة فَهَل تعممون ذَلِك؟ قُلْنَا: هَذَا مِمَّا لَا نعممه فَإِن الرواي اطلق اسْم الْقَضَاء وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى فعل لَا يتَحَقَّق عُمُومه وَإِلَى قَول قد يعم وَقد يخص وَلَو نقل النَّاقِل عَنهُ ﷺ من لَفظه أَنه

стр. 447

قَالَ الشُّفْعَة للْجَار كَانَ ذَلِك عَاما عِنْد الْقَائِلين بِالْعُمُومِ، وَإِذا نقل عَنهُ إِن الْخراج بِالضَّمَانِ عَم من غير تَخْصِيص.

стр. 448

فَأَما اطلاق الرواي لفظ القضايا فَمَا لَا نعممه بل نتوقف فِيهِ إِلَّا أَن ينْقل صفة الْقَضَاء. فَهَذَا فِي أقضيته ﷺ . [٦٢٦] فَأَما أجوبته فتضاهي أقضيته فَمَا عَم من لَفظه فِي جَوَاب الْمسَائِل عممناه وَمَا اخْتصَّ خصصناه إِلَى أَن تقوم الدّلَالَة فِي التَّعْمِيم على التَّخْصِيص أَو فِي التَّخْصِيص على التَّعْمِيم فيزال عَن ظَاهره حِينَئِذٍ، وَقد قدمنَا ذَلِك فِي مَا سبق. [٦٢٧] ويليق بِهَذَا الْفَصْل مَسْأَلَة ستأتي إِن شَاءَ الله وَهِي أَن اللَّفْظَة إِذا صدرت عَن رَسُول الله ﷺ عَامَّة فِي سَبَب خَاص أَو خَاصَّة فِي سَبَب عَام فالاعتبار بِمَا ينبىء عَنهُ السَّبَب من الِاخْتِصَاص أَو الشُّمُول، أم الِاعْتِبَار بِلَفْظ الرَّسُول ﷺ ؟ وَجُمْلَة مَا نرتضيه فِي ذَلِك إِلَى ان نستقصي فِي أدلته فِي بَابه أَن نقُول: الْأَجْوِبَة الصادرة عَن رَسُول الله ﷺ منقسمة، فَمِنْهَا: مَا تستقل بأنفسها من غير تَقْدِير تقدم الأسئلة، وَذَلِكَ نَحْو قَوْله ﷺ : " المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شَيْء إِلَّا مَا غير رِيحه أَو طعمه " فِي سُؤال السَّائِل عَن مَاء بِئْر بضَاعَة فَقَوله ﷺ بِنَفسِهِ

стр. 449

مُسْتَقل فتمسكنا بعامة صيغته وَلم نجْعَل لاخْتِصَاص السُّؤَال أثرا فِي الْخطاب. فَأَما إِذا كَانَ الْجَواب لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ لَو قدر مُفردا عَن السُّؤَال فترتيب الْجَواب عَن قَضيته السُّؤَال فِي مُوجبه وَذَلِكَ نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم﴾ ، فمجرد ذَلِك لَا يسْتَقلّ فَحمل على السُّؤَال أَو عمم لعُمُوم السُّؤَال. [٦٢٨] قَالَ القَاضِي ﵁: وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا لَو قَالَ الْقَائِل لرَسُول الله لَهُ ﷺ مَا على المواقع فِي نَهَار رَمَضَان؟ فَقَالَ ﷺ : عتق رَقَبَة فَهَذَا خَاص وَلَكِن لَيْسَ يسْتَعْمل بِنَفسِهِ فِي تَبْيِين حكم الْكَفَّارَة فقدرناه مَنُوطًا بالسؤال، وَالسُّؤَال عَام فَكَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: " من جَامع فِي نَهَار رَمَضَان فليعتق رَقَبَة ".

стр. 450

[٦٢٩] فَإِن قيل: فَقَوله ﷺ أعتق رَقَبَة مَفْهُوم فِي نَفسه، قيل: لَيْسَ يسْتَقلّ بِذَاتِهِ فِي حكم / الْكَفَّارَة وَإِنَّمَا الْمَسْئُول عَنهُ حكم الْكَفَّارَة، وَلَيْسَ فِي [٧٤ / أ] كَلَامه ﷺ تعريضا لَهَا، فَهَذَا إِذا تَعْمِيم لقَوْله ﷺ من جِهَة الْمَعْنى دون اللَّفْظ، فَإِن نفس لَفظه لَيْسَ ينبىء عَن تَعْمِيم. (١١٨) فصل [٦٣٠] اعْلَم أَن كل مَا قدمْنَاهُ من تتبع الْخُصُوص والعموم فِي الْأَقْضِيَة والأجوبة فِيمَا إِذا نقل إِلَيْنَا لفظ مُطلق، فَأَما إِذا اقْترن بشيئي مِنْهَا من قَرَائِن الْأَحْوَال مَا يضْطَر عِنْدهَا الْمشَاهد وَالسَّامِع إِلَى معرفَة عُمُوم أَو خُصُوص، فَنقل مَا اضْطر إِلَيْهِ فَيقبل نَقله إِذا كَانَ موثوقا بِهِ، فَأَما إِذا نقل اللَّفْظَة بِعَينهَا وَلم يتَعَرَّض للقرائن فيتمسك بقضيتها فِي اصل وَضعهَا، وَقد ينْقل النَّاقِل لَفظه فَيعلم بقرائن أَحْوَاله أَنه يروم بِالنَّقْلِ تعميمه أَو تَخْصِيصه، فقرائن أَحْوَال النَّاقِل فِيمَا ثَبت عِنْده لقرائن أَحْوَال الْمَنْقُول عَنهُ فِي الأَصْل. (١١٩) مَسْأَلَة [٦٣١] من الْقَائِلين بِالْعُمُومِ من يَدعِي الْإِجْمَال فِي بعض الْأَلْفَاظ، ويتمسك فِي ادعائه بِمَا لَا تَحْقِيق وَرَاءه، وَقد يغلب مثله على أَلْسِنَة الْفُقَهَاء، وَنحن ننبهك للتحقيق فِيهِ. وَاعْلَم أَن من الْقَائِلين بِالْعُمُومِ مَعَ الْمصير إِلَى أَن تَخْصِيص الْعُمُوم لَا يمْنَع الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي بقيات المسميات من يصير إِلَى ادِّعَاء الْإِجْمَال فِي

стр. 451

مَوَاضِع مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ قَالُوا: لما وجدنَا السَّارِق لما دون النّصاب لَا يقطع، وَكَذَلِكَ الَّذِي سرق من غير حرز وجري ٠ إِلَى غير ذَلِك من الْأَوْصَاف الْمَشْرُوطَة فِي ثُبُوت الْقطع، فقد تبين أَن الْقطع لَا يتَعَلَّق بِمُجَرَّد اسْم السَّارِق حَتَّى يَنْضَم إِلَيْهِ جمل من الْأَوْصَاف كالبلوغ، وَالْعقل، وسرقة النّصاب الْكَامِل من حرز مثله، مَعَ انْتِفَاء الشُّبُهَات، فَيخرج من ذَلِك أَن إِطْلَاق اسْم السَّارِق لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ. فَيُقَال لهَؤُلَاء: إِن كُنْتُم من الصائرين إِلَى أَن الْعُمُوم إِذا خصص لَا يسوغ الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي بَقِيَّة المسميات فقد أَقَمْنَا الْحجَّة عَلَيْكُم، وَإِن أَنْتُم سلمتم لنا جَوَاز الِاعْتِصَام باللفظة الَّتِي دَخلهَا التَّخْصِيص فَالَّذِي مثلتم بِهِ من هَذَا الْقَبِيل وَذَلِكَ أَن اللَّفْظ بِظَاهِرِهِ يدل على ثُبُوت الْقطع فِي حق من يَتَّصِف بِكَوْنِهِ سَارِقا سَوَاء كَانَ صَغِيرا أَو بَالغا، وَسَوَاء بلغت سَرقته نِصَابا أَو انحطت عَنهُ فَقَامَتْ الْأَدِلَّة فِي بعض السارقين وَبَقِي بعض المسميات على

стр. 452

قَضِيَّة الظَّاهِرَة. [٦٣٢] وَلَو سَاغَ فتح هَذَا الْبَاب لزم مِنْهُ التَّوَصُّل إِلَى إبِْطَال جملَة العمومات الَّتِي يتَّصل بهَا التَّخْصِيص فِي الْكتاب وَالسّنة، وَفِيمَا يتَّصل بالوعد والوعيد، حَتَّى تَقولُوا أَن قَوْله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ مُجمل لأَنا عرفنَا بِالدَّلِيلِ أَن ثُبُوت الْقَتْل لَا يَتَقَرَّر بِمُجَرَّد اسْم [الْمُشرك] فَإِن أهل الذِّمَّة وَأولُوا الْعَهْد لَا يقتلُون وَقَوله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُم الله فِي أولدكم﴾ الْتحق بالمجملات على هَذَا الأَصْل فَإِن التوريث لَا يَقع بِمُجَرَّد اسْم الْوَلَد، واطرد ذَلِك فِي كل عُمُوم دخله التَّخْصِيص تَجدهُ كَذَلِك، وَكَذَلِكَ وعد المطيعين على الطَّاعَات فَإِنَّهُ يتخصص مِنْهُ الْبَقَاء عَلَيْهَا فِي الْعَاقِبَة، ويخصص من الْوَعيد الْإِصْرَار على الْمعْصِيَة / فَلَنْ يَسْتَقِيم الْجمع بَين القَوْل بالتمسك بِالْعُمُومِ [٧٤ / ب] الَّذِي دخله التَّخْصِيص، وَبَين هَذَا الأَصْل. (١٢٠) فصل [٦٣٣] فَإِن قَالَ قَائِل: قد ذكرْتُمْ جملا مِمَّا يعم ويخص فَمَا قَوْلكُم فِي

стр. 453

فحوى الْخطاب هَل يدْخلهُ التَّخْصِيص، وعنوا بذلك غير الْمَفْهُوم الْمُخْتَلف فِيهِ وأموا إِلَى مثل ذَلِك قَوْله : ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ وَلَا تنهرهما﴾ فَهَذَا بفحواه يَقْتَضِي النَّهْي عَن التعنيف الزَّائِد على التأفيف نَحْو الضَّرْب فَمَا فَوْقه. وَإِن قَالُوا يسوغ ترك الفحوى بِمَا يسوغ التَّخْصِيص بِهِ، قُلْنَا: لَا يجوز ذَلِك أصلا، وَسَيَرِدُ فِي الفحوى ومنزلته من الْكَلَام بَاب مُفْرد، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. [٦٣٤] وَالْقدر الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ هُنَا أَن نقُول: قد ثَبت عندنَا من وضع أصل اللُّغَة قطعا إنباء النَّهْي عَن التأفيف فِي معرض التحريض على الْبر عَن النَّهْي عَمَّا فَوْقه فَهَذَا هُوَ الْمَفْهُوم من قَضِيَّة اللُّغَة نصا، وَلَيْسَ هُوَ عرضة

стр. 454

للتأويل، والنصوص ومقتضياتها لَا يجوز تَركهَا إِنَّمَا يجوز التَّخْصِيص بِهِ وسنشبع القَوْل فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله . (١٢١) بَاب

стр. 455

الْكَلَام فِي الِاسْتِثْنَاء فَإِن قَالَ قَائِل مَا حَقِيقَة الِاسْتِثْنَاء؟ قُلْنَا: قد اخْتلفت عِبَارَات أَصْحَابنَا فِي ذَلِك فَذهب بَعضهم إِلَى أَن الِاسْتِثْنَاء إِخْرَاج بعض مَا يجب دُخُوله فِي اللَّفْظ بِلَفْظ مُتَّصِل، وَهَذَا مَا أوردهُ الطَّبَرِيّ. وَهُوَ مَدْخُول من أوجه:

стр. 456

أَحدهَا: أَن الْإِخْرَاج فِي إِطْلَاقه ينبىء عَن فعل لَا يضاهي الْأَقْوَال فَكَانَ من حَقه أَن يُقيد كَون الِاسْتِثْنَاء بِلَفْظ، وَأَيْضًا فَإِن حَقِيقَة الْإِخْرَاج: الْإِزَالَة بعد الثُّبُوت، وَنحن لَا نقُول إِن اللَّفْظ السَّابِق يثبت على الْجُمْلَة حَقِيقَة، ثمَّ يخرج الِاسْتِثْنَاء بعض مَا اقْتَضَاهُ، وَلَكنَّا نقُول: الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَعَ الِاسْتِثْنَاء لَا يرادان إِلَّا على المورد الْبَاقِي، وَمَا ذكره يبطل أَيْضا بقول الْقَائِل: رَأَيْت الْمُؤمنِينَ

стр. 457

وَلم ار زيدا فَكل مَا ذكره يتَحَقَّق فِي هَذِه الصُّورَة، ثمَّ هَذَا لَا يعد اسْتثِْنَاء اتِّفَاقًا من أهل اللُّغَة. [٦٣٦] فالحد المرضي إِذا أَن نقُول: الِاسْتِثْنَاء كَلَام دَال على أَن الْمَذْكُور فِيهِ لم يرد بالْقَوْل الْمُسْتَثْنى. وصيغته فِي الْعَرَبيَّة " إِلَّا " أَو مَا حل مَحَله وأقيم مقَامه فَهَذَا هُوَ الِاسْتِثْنَاء وَلَا يدْخل عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا قدمْنَاهُ. [٦٣٧] فَإِن قيل: أفليس الِاسْتِثْنَاء مُشْتَقّ من قَوْلهم: " ثنيت عَن رَأْيه " إِذا صرفته عَن [عزمه] وثنيت الْعود إِذا حنيته، وأثنيت عَمَّا كُنَّا عَلَيْهِ وَهَذَا الأَصْل مُتَضَمّن حمل الِاسْتِثْنَاء على معنى الْإِخْرَاج، وَإِزَالَة مُقْتَضى اللَّفْظ. قُلْنَا: لَا يبعد أَن يكون اشتقاق الِاسْتِثْنَاء مِمَّا ذكرتموه وَلَكِن الْعَرَب لَا تراعي فِي حَقِيقَة الِاشْتِقَاق الموازاة فِي الْمَعْنى على التَّحْقِيق على حسب مَا تراعي فِي الْعِلَل الَّتِي تطرد

стр. 458

وَمن تَأمل فِي أصُول كَلَامهم / عرف ذَلِك مِنْهَا، فَإِذا اشتققناه من [٧٥ / أ] قَوْلهم: " ثنيت فلَانا عَن عزمه " فَوجه تَقْدِيره على الْمَعْنى الَّذِي رمناه: أَن اللَّفْظ الأول لَو قَدرنَا مُجَردا لاقتضى عُمُوما فِيمَا أُرِيد بِهِ، فَإِذا تعقبه الِاسْتِثْنَاء فَكَأَنَّهُ يثنيه عَمَّا يُرَاد بِهِ لَو قدر مُطلقًا، فَهَذَا وَجه التَّقْرِيب من الأَصْل فِي الِاشْتِقَاق، وَهَذَا حَقِيقَة الِاسْتِثْنَاء. [٦٣٨] وَيخرج مِنْهُ أَدِلَّة التَّخْصِيص وَيخرج مِنْهُ قَول الْقَائِل: رَأَيْت الْمُؤمنِينَ وَلم أَو زيدا فَإنَّا قُلْنَا فِي تَحْدِيد الِاسْتِثْنَاء إِن صيغته " إِلَّا " أَو [مَا أقيم] مقَامهَا نَحْو " ير " و " سوى " و " عدا " و " خلا " وَنَحْوهَا. (١٢٢) فصل [٦٣٩] شَرط صِحَة الِاسْتِثْنَاء اتِّصَاله بالمستثنى مِنْهُ على قرب من الزَّمَان مَعْهُود فِي الْعَهْد، وَهَذَا مَا صَار إِلَيْهِ أَئِمَّة الشَّرْع واللغة وَلم يُؤثر فِيهِ خلاف أحد من الْأَئِمَّة إِلَّا شَيْئا بَعيدا يحْكى عَن ابْن

стр. 459

عَبَّاس ﵁ أَنه كَانَ يصحح الِاسْتِثْنَاء الْمُنْفَصِل، وَالظَّن بِهِ أَنه لم يقل ذَلِك على مَا ظَنّه الجهلة من النقلَة على مَا سنوضح تَأْوِيل كَلَامه فِي أثْنَاء الْفَصْل. وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَاهُ: إطباق أهل اللُّغَة على أَن الِاسْتِثْنَاء الْمُنْفَصِل إِذا تخَلّل بَينه وَبَين الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فصل متطاول، فَإِن الْقَائِل إِذا قَالَ: رَأَيْت النَّاس

стр. 460

ثمَّ قَالَ بعد شهر أَو حول: إِلَّا زيدا أَو غير زيد، لم يعد ذَلِك كلَاما مُفِيدا وعد ملغى، وَهَذَا بَين فِي كَلَامهم لَا يحْتَاج إِلَى إيضاحه. وَالَّذِي يتَحَقَّق الْمَقْصد فِي ذَلِك مِنْهُ أَن الْعَرَب مَا زَالَت واثقة وتهيئة [بالعهود] والعقود فِيمَا بَين أظهرنَا إِذا جزمت وعزمت عَن الشَّرَائِط، وَلَو كَانَت ترقب صِحَة الِاسْتِثْنَاء مَعَ الِانْفِصَال وتطاول الزَّمَان لما حصل لَهَا الثِّقَة بِشَيْء من عهودها المجزومة، وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ. [٦٤٠] فَإِن قيل: وَكَيف خَفِي ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس ﵁ وَقد كَانَ حبر الشَّرْع واللغة؟ قُلْنَا: إِمَّا أَن نقُول: لَا تصح الرِّوَايَة عَنهُ وَإِمَّا أَن نحمله على محمل
следующие страницы →