Полный текст (1 418 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
أَحدهَا: أَن الْإِخْرَاج فِي إِطْلَاقه ينبىء عَن فعل لَا يضاهي الْأَقْوَال فَكَانَ من حَقه أَن يُقيد كَون الِاسْتِثْنَاء بِلَفْظ، وَأَيْضًا فَإِن حَقِيقَة الْإِخْرَاج: الْإِزَالَة بعد الثُّبُوت، وَنحن لَا نقُول إِن اللَّفْظ السَّابِق يثبت على الْجُمْلَة حَقِيقَة، ثمَّ يخرج الِاسْتِثْنَاء بعض مَا اقْتَضَاهُ، وَلَكنَّا نقُول: الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَعَ الِاسْتِثْنَاء لَا يرادان إِلَّا على المورد الْبَاقِي، وَمَا ذكره يبطل أَيْضا بقول الْقَائِل: رَأَيْت الْمُؤمنِينَ
стр. 457
وَلم ار زيدا فَكل مَا ذكره يتَحَقَّق فِي هَذِه الصُّورَة، ثمَّ هَذَا لَا يعد اسْتثِْنَاء اتِّفَاقًا من أهل اللُّغَة.
[٦٣٦] فالحد المرضي إِذا أَن نقُول: الِاسْتِثْنَاء كَلَام دَال على أَن الْمَذْكُور فِيهِ لم يرد بالْقَوْل الْمُسْتَثْنى.
وصيغته فِي الْعَرَبيَّة " إِلَّا " أَو مَا حل مَحَله وأقيم مقَامه فَهَذَا هُوَ الِاسْتِثْنَاء وَلَا يدْخل عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا قدمْنَاهُ. [٦٣٧] فَإِن قيل: أفليس الِاسْتِثْنَاء مُشْتَقّ من قَوْلهم: " ثنيت عَن رَأْيه " إِذا صرفته عَن [عزمه] وثنيت الْعود إِذا حنيته، وأثنيت عَمَّا كُنَّا عَلَيْهِ وَهَذَا الأَصْل مُتَضَمّن حمل الِاسْتِثْنَاء على معنى الْإِخْرَاج، وَإِزَالَة مُقْتَضى اللَّفْظ.
قُلْنَا: لَا يبعد أَن يكون اشتقاق الِاسْتِثْنَاء مِمَّا ذكرتموه وَلَكِن الْعَرَب لَا تراعي فِي حَقِيقَة الِاشْتِقَاق الموازاة فِي الْمَعْنى على التَّحْقِيق على حسب مَا تراعي فِي الْعِلَل الَّتِي تطرد
стр. 458
وَمن تَأمل فِي أصُول كَلَامهم / عرف ذَلِك مِنْهَا، فَإِذا اشتققناه من [٧٥ / أ] قَوْلهم: " ثنيت فلَانا عَن عزمه " فَوجه تَقْدِيره على الْمَعْنى الَّذِي رمناه: أَن اللَّفْظ الأول لَو قَدرنَا مُجَردا لاقتضى عُمُوما فِيمَا أُرِيد بِهِ، فَإِذا تعقبه الِاسْتِثْنَاء فَكَأَنَّهُ يثنيه عَمَّا يُرَاد بِهِ لَو قدر مُطلقًا، فَهَذَا وَجه التَّقْرِيب من الأَصْل فِي الِاشْتِقَاق، وَهَذَا حَقِيقَة الِاسْتِثْنَاء.
[٦٣٨] وَيخرج مِنْهُ أَدِلَّة التَّخْصِيص وَيخرج مِنْهُ قَول الْقَائِل: رَأَيْت الْمُؤمنِينَ وَلم أَو زيدا فَإنَّا قُلْنَا فِي تَحْدِيد الِاسْتِثْنَاء إِن صيغته " إِلَّا " أَو [مَا أقيم] مقَامهَا نَحْو " ير " و " سوى " و " عدا " و " خلا " وَنَحْوهَا.
(١٢٢) فصل
[٦٣٩] شَرط صِحَة الِاسْتِثْنَاء اتِّصَاله بالمستثنى مِنْهُ على قرب من الزَّمَان مَعْهُود فِي الْعَهْد، وَهَذَا مَا صَار إِلَيْهِ أَئِمَّة الشَّرْع واللغة وَلم يُؤثر فِيهِ خلاف أحد من الْأَئِمَّة إِلَّا شَيْئا بَعيدا يحْكى عَن ابْن
стр. 459
عَبَّاس ﵁ أَنه كَانَ يصحح الِاسْتِثْنَاء الْمُنْفَصِل، وَالظَّن بِهِ أَنه لم يقل ذَلِك على مَا ظَنّه الجهلة من النقلَة على مَا سنوضح تَأْوِيل كَلَامه فِي أثْنَاء الْفَصْل.
وَالدَّلِيل على مَا قُلْنَاهُ: إطباق أهل اللُّغَة على أَن الِاسْتِثْنَاء الْمُنْفَصِل إِذا تخَلّل بَينه وَبَين الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فصل متطاول، فَإِن الْقَائِل إِذا قَالَ: رَأَيْت النَّاس
стр. 460
ثمَّ قَالَ بعد شهر أَو حول: إِلَّا زيدا أَو غير زيد، لم يعد ذَلِك كلَاما مُفِيدا وعد ملغى، وَهَذَا بَين فِي كَلَامهم لَا يحْتَاج إِلَى إيضاحه.
وَالَّذِي يتَحَقَّق الْمَقْصد فِي ذَلِك مِنْهُ أَن الْعَرَب مَا زَالَت واثقة وتهيئة [بالعهود] والعقود فِيمَا بَين أظهرنَا إِذا جزمت وعزمت عَن الشَّرَائِط، وَلَو كَانَت ترقب صِحَة الِاسْتِثْنَاء مَعَ الِانْفِصَال وتطاول الزَّمَان لما حصل لَهَا الثِّقَة بِشَيْء من عهودها المجزومة، وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ.
[٦٤٠] فَإِن قيل: وَكَيف خَفِي ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس ﵁ وَقد كَانَ حبر الشَّرْع واللغة؟
قُلْنَا: إِمَّا أَن نقُول: لَا تصح الرِّوَايَة عَنهُ وَإِمَّا أَن نحمله على محمل
стр. 461
قريب، وَهُوَ أَن نقُول: لَعَلَّه ﵁ كَانَ يجوز الِاسْتِثْنَاء من اللَّفْظ مَا يُنكر فِي الضَّمِير ثمَّ كَانَ يَقُول: من أخبر بعد زمَان أَنِّي كنت اضمرت اسْتثِْنَاء فنقبل هَذِه الْأَخْبَار ونصدق فِيمَا ادَّعَاهُ، وَهَذَا لعمرنا أقرب وَإِن كَانَ لَا يرتضيه مُعظم الْفُقَهَاء.
[٦٤١] فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ يجوز تَأْخِير أَدِلَّة التَّخْصِيص عَن الْكَلَام الْمَخْصُوص وانفصاله عَنهُ، فَبِمَ أنكرتم من مثل ذَلِك فِي الِاسْتِثْنَاء؟ وَهَذِه عمدتهم.
فَنَقُول: هَذَا من قبيل إثباب اللُّغَات بالمقاييس، وَهَذَا مَا لَا وَجه لَهُ،
стр. 462
فَلم قُلْتُمْ إِن أَدِلَّة التَّخْصِيص لما سَاغَ تَأْخِيرهَا، سَاغَ تَأَخّر الِاسْتِثْنَاء، ثمَّ نقُول: نرى الْعَرَب تطلق عُمُوما ثمَّ تبدي بعد زمَان دلَالَة تخصصه وَلَا يُنكر ذَلِك فِي كَلَامهَا، فَأَما أَن تَقول طلقت امْرَأَتي، ثمَّ تَقول بعد زمَان إِن شَاءَ الله، فَلَا تعد الْعَرَب ذَلِك اسْتثِْنَاء صَحِيحا، فتتبعنا لغتهم فِي الْأَصْلَيْنِ.
ثمَّ نقُول: إِن جَازَ لكم تَشْبِيه الِاسْتِثْنَاء بأدلة التَّخْصِيص فَهَلا شبهتموه بِالشُّرُوطِ والقيود والأوصاف والنعوت فَإِنَّهُ لَا يسوغ / تَأْخِيرهَا وفَاقا إِذْ لَو قَالَ [٧٥ / ب] الْقَائِل [أضْرب زيدا، ثمَّ قَالَ بعد شهر: إِن قَامَ، أَو قَالَ بعد حول: إِذا كَانَ قَائِما أَو رَاكِبًا، عد ذَلِك لَغوا، وَلذَلِك لَو قَالَ: زيد، ثمَّ قَالَ بعد بُرْهَة من دهره: منطلق، لم يعد ذَلِك خَبرا، وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ، فلئن سَاغَ لَهُم التَّشْبِيه بِمَا ذَكرُوهُ سَاغَ مقابلتهم، وَإِن كَانَ التَّحْقِيق يَقْتَضِي أَن لَا يسْلك طَرِيق المقاييس فِي اللُّغَات ومقتضياتها.
[٦٤٢] فَإِن قيل: تسوغون تقدم الِاسْتِثْنَاء على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ؟
قُلْنَا: نجوز ذَلِك مَعَ الِاتِّصَال فَكَمَا يحسن مِنْك أَن تَقول: مَا جَاءَنِي أحد غلا أَخَاك، وَيحسن م مِنْك أَن تَقول: مَا جَاءَنِي إِلَّا أَخَاك أحد، وَالِاسْتِثْنَاء إِذا تقدم يتَضَمَّن النصب على أصُول النَّحْوِيين وَمن ذَلِك قَول الْكُمَيْت.
стр. 463
(فَمَا لي إِلَّا آل [أَحْمد] شيعَة ... وَمَا لي إِلَّا مشعب الْحق مشعب)
فَقدم الِاسْتِثْنَاء على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، وَيكثر ذَلِك فِي نظم الْعَرَب ونثرها ثمَّ نشترط فِي ذَلِك من الِاتِّصَال مَا نشترطه فِي تَأْخِير الِاسْتِثْنَاء.
(١٢٣) فصل
[٦٤٣] الِاسْتِثْنَاء إِذا انطوى على التَّعْرِيض لما يبنىء عَنهُ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ جِنْسا فَهُوَ الِاسْتِثْنَاء الْحَقِيقِيّ، نَحْو قَوْلك رَأَيْت النَّاس إِلَّا زيدا، وَضربت العبيد إِلَّا نَافِعًا، فَهَذَا يتَضَمَّن تَخْصِيص اللَّفْظ السَّابِق الْمُسْتَثْنى مِنْهُ بِبَعْض مَا يتَنَاوَلهُ لَو قدر مُطلقًا.
[٦٤٤] وَقد ترد صِيغَة الِاسْتِثْنَاء مَعَ اخْتِلَاف الْجِنْس فِي مَضْمُون الِاسْتِثْنَاء والمستثنى مِنْهُ.
وَنحن نذْكر أَمْثِلَة ذَلِك، ثمَّ نذْكر حَقِيقَته فِي الْكَلَام ومجازه، فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾ إِلَّا إِبْلِيس﴾ ، وَالأَصَح أَنه
стр. 464
لَيْسَ من الْمَلَائِكَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين﴾ ، وَنحن أَن الرب سُبْحَانَهُ لَا يفهم من القَوْل السَّابِق وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُم عَدو لي﴾ ، وَإِن قدر مُجَردا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا إِلَّا خطأ﴾ ، وَلَا شكّ أَن ذَلِك لم يدْخل تَحت قَوْله: (وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن
стр. 465
يقتل مُؤمنا إِلَّا خطئاً﴾ لتقدير إِخْرَاجه مِنْهُ، فَإِن الْخَطَأ لَا ينْدَرج تَحت قَضِيَّة التَّكْلِيف وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة﴾ ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا لَهُم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن﴾ ، وَهُوَ لَيْسَ من جنس الْعلم ونظائر ذَلِك لَا تحصى فِي الْكتاب وَالسّنة.
وَيكثر ذَلِك فِي نظم الشّعْر، وَمِنْه قَول النَّابِغَة:
(وقفت بهَا أصيلالاً الا أسائلها ... أعيت جَوَابا وَمَا بِالربعِ من أحد)
стр. 466
(إِلَّا أواري لأيا مَا تكلمنا ... والنؤى [كالحوض] بالمظلومة الْجلد)
فاستثنى الأواري من أحد، وَلَا يفهم من مُطلق أحد.
وعدوا من ذَلِك قَول الشَّاعِر:
(وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس)
وَهَذَا فِيهِ نظر، فَإِن الأنيس رُبمَا يتَحَقَّق بِشَيْء من ذَلِك.
стр. 467
وعدوا من ذَلِك قَول الْقَائِل:
(وَلَا عيب فِينَا غير ان سُيُوفنَا ... بِهن فلول من قراع الْكَتَائِب)
[٧٦ / أ] فاستثنى تفلل السيوف من كَثْرَة القراع من الْعُيُوب، وَإِن لم يكن مِنْهَا /.
[٦٤٥] فَإِذا عرفت صُورَة ذَلِك فَاعْلَم أَنا نستيقن أَن هَذِه الْأَلْفَاظ لَا تَتَضَمَّن تَخْصِيص مَا سبق من اللَّفْظ، وَلَا تَقْتَضِي تَغْيِير مَعَانِيهَا عَن عُمُوم وخصوص فَإِنَّهَا تنطوي على مَا انطوت عَلَيْهِ الْأَلْفَاظ الْمُتَقَدّمَة لتجعل مخصصة بهَا على مضادتها نفيا كَانَت أَو إِثْبَاتًا، فَهَذَا مَعْقُول لَا خَفَاء بِهِ، وَلَا وَجه لجحده، وَلَكِن اخْتلف االأصوليون فِي أَنَّهَا هَل تسمى اسْتثِْنَاء على الْحَقِيقَة؟ فَمنهمْ من سَمَّاهَا اسْتثِْنَاء، وَالأَصَح أَن لَا تسمى اسْتثِْنَاء
стр. 468
اسْتثِْنَاء.
стр. 469
فَإِن تتبعنا طرق الْمعَانِي فَلَيْسَ فِيهَا معنى الِاسْتِثْنَاء، وَإِن تتبعنا وضع اللُّغَة فَلَيْسَ فِي وَضعهَا تَسْمِيَة ذَلِك اسْتثِْنَاء.
[٦٤٦] فَإِن قيل: أَلَيْسَ مَذْهَب الشَّافِعِي أَن اسْتثِْنَاء الشَّيْء من غير جنسه سَائِغ. قُلْنَا: هَذِه مَسْأَلَة تتَعَلَّق بالفروع على أَن الشَّافِعِي إِذا صحّح الِاسْتِثْنَاء فَيصْرف الْمَذْكُور فِي الِاسْتِثْنَاء إِلَى قِيمَته وَيجْعَل اللَّفْظ وَإِن كَانَ منبئا عَن جنس يُخَالف الْمُسْتَثْنى مِنْهُ دلَالَة على قِيمَته المتناولة لَهُ.
(١٢٤) فصل
[٦٤٧] اخْتلف أهل اللِّسَان فِي صِحَة اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر مِمَّا تقدم ذكره فجوزه مُعظم الْفُقَهَاء، وَمنعه آخَرُونَ.
стр. 470
قَالَ القَاضِي ﵁: وَكُنَّا على تَجْوِيز ذَلِك دهرا، وَالَّذِي صَحَّ عندنَا آنِفا منع ذَلِك وَذَلِكَ أَن الْعَرَب كَمَا استبعدت الِاسْتِثْنَاء الْمُنْفَصِل عَن الْكَلَام فِي زمن متطاول، وَفصل متخلل، فَكَذَلِك استبعدوا واستقبحوا أَن
стр. 471
يَقُول الْقَائِل: لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِلَّا تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين وَنصف دِرْهَم. فيعدون ذَلِك من مستهجن الْكَلَام، وَلَا ينْطق بِهِ إِلَّا هازل، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى جَحده، فبالطريق الَّذِي أَنْكَرُوا انْفِصَال الِاسْتِثْنَاء أَنْكَرُوا ذَلِك.
[٦٤٨] فَإِن قيل يجوز أَنهم استقبحوا اسْتِقْلَالا بِقِيَاس اللُّغَة.
قُلْنَا: نفس هَذَا الِاسْتِثْنَاء يُوجد فِي لغتهم وَلم يقم فِي نظمهم ونثرهم ليدعى انه من أصل الْوَضع، وَإِذا عرض عَلَيْهِم أنكروه، وَالْأَصْل انْتِفَاء اللُّغَات إِلَى أَن تقوم دلالات النَّقْل على ثُبُوتهَا وَلَو سَاغَ هَذَا الدَّعْوَى فِي مَا قُلْنَاهُ سَاغَ مثله فِي كل مَا أنكروه.
[٦٤٩] فَأَما الَّذين جوزوا اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر مِمَّا سبق فَنحْن نذْكر عمدهم ونومىء إِلَى الأولى وَالْأَقْرَب مِنْهَا.
فمما عولوا عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا نصفه أَو انقص مِنْهُ قَلِيلا أَو زد عَلَيْهِ﴾ قَالُوا: فَجعل النّصْف فزائد اسْتثِْنَاء، وَهَذَا فِيهِ نظر، فَإِن الِاسْتِثْنَاء الْحَقِيقِيّ هُوَ قَوْله ﴿إِلَّا قَلِيلا﴾ فَأَما بعده فاستدراكات، وَلَيْسَت باسثتناءات على الْحَقِيقَة.
[٦٥٠] وَرُبمَا تمسك نَاصِر ذَلِك بِأَن الْعَرَب قد تَقول لفُلَان عَليّ عشرَة إِلَّا سِتَّة، وَهَذَا فِيهِ نظر، فَإِن ذَلِك لم ينْقل عَن الْعَرَب فِي شَيْء من كَلَامهَا، وَلَو عرض على الفصحاء لأنكروه فَلم تقم بذلك حجَّة.
стр. 472
[٦٥١] وَرُبمَا يتمسكون بقول الشَّاعِر:
(أَدّوا الَّتِي نقصت تسعين من مائَة ... ثمَّ ابْعَثُوا حكما بِالْحَقِّ قوالا)
قَالُوا فَهَذَا اسْتثِْنَاء تسعين من مائَة، وَهَذَا فِيهِ نظر أَيْضا، فَإِن كلامنا فِيمَا هُوَ فِي صِيغَة الِاسْتِثْنَاء، وَهَذَا لَيست لَهُ صِيغَة الِاسْتِثْنَاء، وايضا فَإِنَّهُ من قبيل الْقود والديات / الَّتِي لَا يعول عَلَيْهَا فِي أصُول اللُّغَات مَعَ أَنه لَا يسند هَذَا [٧٦ / ب] الْبَيْت إِلَى أَن يقوم بقوله الْحجَّة.
[٦٥٢] وَرُبمَا استدلوا بقوله تَعَالَى: ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ وَقَالَ فِي آيَة اخرى مُبينًا عَن قَول إِبْلِيس: ﴿فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين) ، فاستثنى
стр. 473
الغاوين فِي الْآيَة الأولى، والمخلصين فِي الْأُخْرَى، فَإِن قدر المخلصين أَكثر الْعباد، فقد صَحَّ استثناؤهم وَإِن قدر " الْغَاوُونَ " أَكثر الْعباد وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر فقد صَحَّ استثناؤهم وَهَذَا مثل مَا يستدلون بِهِ مَعَ ان لِلْقَوْلِ فِيهِ مجالا، وَالله اعْلَم.
(١٢٥ (القَوْل فِي أَن الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل بجمل معطوفة بعضه على بعض يرجع إِلَى جَمِيع مَا تقدم، وَذكر الْخلاف فِيهِ
[٦٥٣] وَاعْلَم أَن مَا ذكر بِصِيغَة وَاحِدَة، ثمَّ عقب باستثناء يَصح رُجُوعه إِلَى آحَاد مَا انطوت عَلَيْهِ الصِّيغَة الأولى، فالاستثناء ينْصَرف إِلَى
стр. 474
مَضْمُون الصِّيغَة، وَكَذَلِكَ إِذا توالت اعتبارات كلهَا منبئة عَن معنى وَاحِد، ثمَّ عقبت باستثناء، وَذَلِكَ نَحْو قَول الْقَائِل لعَبْدِهِ اضْرِب العصاة، والطغاة، والجناة إِلَّا من تَابَ فَكل هَذِه الْعبارَات آئلة إِلَى العصاة، وَلَا يَجْعَل لكل عبارَة مَضْمُونا على حياله لتقدرها جملَة متعاقبة. فَأَما إِذا اشْتَمَل الْكَلَام على جمل مُنْقَطِعَة تنبىء كل وَاحِدَة عَمَّا لَا تنبىء عَنهُ الْأُخْرَى، وَلكنهَا جمعت فِي حرف من حُرُوف الْعَطف جَامع فِي مُقْتَضى الْوَضع ثمَّ عقب باستثناء، فَهَل ينْصَرف إِلَى الْجَمِيع أَو ينْصَرف إِلَى مَا يلبس الْجمل، دون مَا سبق؟ هَذَا مَوضِع اخْتِلَاف الْعلمَاء فَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَنه ينْصَرف إِلَى الْجُمْلَة الَّتِي تليه، دون الْجُمْلَة
стр. 475
السَّابِقَة وَذهب مُعظم الْعلمَاء الْقَائِلين بِالْعُمُومِ إِلَى أَن الِاسْتِثْنَاء يرجع إِلَى جَمِيع الْجمل السَّابِقَة.
[٦٥٤] ونفرض الْكَلَام فِي أَمْثِلَة، فَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين ير يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة ابدا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ فَمن صرف الِاسْتِثْنَاء إِلَى أقرب الْمَذْكُور من الْجمل ل - وَإِلَيْهِ مَال الْمُتَأَخّرُونَ من أَصْحَاب أبي حنيفَة وشرذمة من الْقَدَرِيَّة - صرف الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْفَاسِقين دون مَا فرط من الْجمل، وَمن ذَلِك ردوا شَهَادَة الْمَحْدُود.
стр. 476
وَمن صرف الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْجمل السَّابِقَة أدرج فِي حكم الِاسْتِثْنَاء أَمر الشَّهَادَة.
[٦٥٥] قَالَ القَاضِي ﵁: وَمن ارتضى الْوَقْف كَمَا ارتضيناه فَيلْزمهُ القَوْل بِالْوَقْفِ فِي ذَلِك فَإنَّا رَأينَا أَقسَام الْكَلَام على الِاخْتِلَاف
стр. 477
والتنوع فِي مواردها وَرُبمَا يرد الِاسْتِثْنَاء متخصصا بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَة، وَرُبمَا يرد منصرفا إِلَى الْجمل السَّابِقَة، وَرُبمَا يرد منصرفا إِلَى جملَة متوسطة، وَلم يَصح عَن أحد من أهل اللُّغَة فِي ذَلِك نقل موثوق بِهِ فَلَزِمَ التَّوَقُّف بالطرق الَّتِي بهَا يجب التَّوَقُّف فِي صِيغ الْعُمُوم، والأوامر والنواهي، وَالْأَخْبَار.
[٦٥٦] وكل دَلِيل طردناه فِيمَا قدمْنَاهُ من الْمسَائِل يطرد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
[٦٥٧] فَإِن قَالَ قَائِل: هَذَا الَّذِي صرتم إِلَيْهِ من الْوَقْف خرق الْإِجْمَاع [٧٧ / أ] وَذَلِكَ أَن النَّاس / اخْتلفُوا فِي الِاسْتِثْنَاء المعقب بجمل متعاقبة فَذهب بَعضهم إِلَى [تَخْصِيصه] بالأخيرة، وَذهب آخَرُونَ إِلَى صرفه إِلَى كل مَا سبق، وَأما الْوَقْف فَلم يصر إِلَيْهِ صائر.
قيل: هَذِه غَفلَة عَظِيمَة فَإِن مَذْهَب الواقفية فِي هَذِه الْمسَائِل أوضح من كل وَاضح فَلَا وَجه لادعائكم حصر الْمذَاهب فِي قَوْلَيْنِ، وَمذهب الواقفية فِي جملَة المصنفات مقرون بهَا، وَهل أَنْتُم فِي ذَلِك إِلَّا بِمَنْزِلَة من يَقُول إِن الصائر إِلَى الْوَقْف فِي صِيغ الْعُمُوم خارق للْإِجْمَاع من حَيْثُ أَن النَّاس انقسموا فِيهَا، فَمن صائر إِلَى الشُّمُول، وذاهب إِلَى الْخُصُوص، وَكَذَلِكَ لَو قدر مثل هَذَا الدَّعْوَى فِي الْأَمر وَكَونه على الْوُجُوب وَالنَّدْب فَبَطل مَا قَالُوهُ، وَتبين بطلَان ادِّعَاء الْإِجْمَاع.
стр. 478
[٦٥٨] ثمَّ قَالَ القَاضِي ﵁: وَإِن نصرنَا القَوْل بِالْعُمُومِ فأوضح المذهبين صرف الِاسْتِثْنَاء إِلَى جَمِيع ذَلِك، وَذكر القَاضِي مُعْتَمد كل قوم، وَاعْترض عَلَيْهِ.
[٦٥٩] فَأَما عُمْدَة الصائرين إِلَى أَن الِاسْتِثْنَاء ينْصَرف إِلَى جَمِيع الْجمل فَهِيَ أَن أَرْبَاب اللُّغَات وَأهل الْخِبْرَة بمعانيها صَارُوا إِلَى أَن الْجمل المنعطفة بِحرف عاطف تنزل منزلَة الْجُمْلَة الْوَاحِدَة، والعطف يَقْتَضِي لَهَا حكم الِاشْتِرَاك، فَإِذا قَالَ الْقَائِل: رَأَيْت زيدا وعمرا، كَانَ كَمَا لَو قَالَ: رأيتهما، وَلَو قَالَ: أعْط زيد بن مُحَمَّد، وَزيد بن بكر، وَزيد بن جَعْفَر كَانَ ذَلِك كَقَوْلِه أعْط الزيدين. فَإِذا تمهد ذَلِك من أصل اللُّغَة، تبين أَن الْجمل إِذا انعطف بَعْضهَا على بعض تنزلت منزلَة جملَة وَاحِدَة مَجْمُوعَة بِصِيغَة جَامِعَة يعقبها اسْتثِْنَاء، وَهَذَا
стр. 479
[أمثل] مَا يستدلون بِهِ.
[٦٦٠] وَيرد عَلَيْهِ سُؤال الواقفية فَإِنَّهُم قَالُوا: هَذَا اسْتِدْلَال فِي إِثْبَات اللُّغَات بِالْقِيَاسِ، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك أَنا لَو قَدرنَا جَوَاز افْتِرَاق أَمر الْجمل المتعاقبة المنعطفة فِي حكم الِاسْتِثْنَاء، وَالْجُمْلَة الْوَاحِدَة لم يكن ذَلِك مستبعدا لَا عقلا وَلَا وضعا، فَمَا يُنكر المعتصم بِهَذِهِ النُّكْتَة على من يَقُول إِن مَا ادعيته فِي الْجُمْلَة الْوَاحِدَة إِن سلم ذَلِك فَلم تَدعِي مثله فِي الْجمل المتعاقبة فتضطره طَريقَة الْحجَّاج والطلبات إِلَى الْقيَاس، وَلَا تثبت اللُّغَات قِيَاسا، وَإِنَّمَا تثبت نقلا من أَهلهَا.
[٦٦١] وَاسْتدلَّ من نصر هَذَا الْمَذْهَب أَيْضا بِأَن قَالَ: لَا خلاف أَن الْجمل الْمُخْتَلفَة إِذا تعقبها الِاسْتِثْنَاء بِمَشِيئَة الله تَعَالَى أنصرف إِلَى جَمِيعهَا فَلَو قَالَ: وَالله لَا أكلت وَلَا دخلت الدَّار وَلَا كلمت زيدا إِن شَاءَ الله انْصَرف إِلَى كل مَا سبق، وَلم ينْعَقد يَمِينه فِي شَيْء وَكَذَلِكَ سَائِر ضروب الِاسْتِثْنَاء وَهَذَا يدْخل عَلَيْهِ مَا قدمْنَاهُ من التَّوَصُّل إِلَى إِثْبَات اللُّغَات بِالْقِيَاسِ.
[٦٦٢] قَالَ القَاضِي ﵁: وَلم يثبت عِنْدِي مَا ادعوهُ من انصراف الِاسْتِثْنَاء بِالْمَشِيئَةِ إِلَى الْجمل فِي حكم اللُّغَة وَلم ينْقل ذَلِك عَن أَهلهَا وَلست أسلم ذَلِك لُغَة وَلَا يتبع قِيَاس عَلَيْهِ، وَإِن ثَبت حكم بَين أَرْبَاب
стр. 480
الشَّرَائِع فالشرع مُتبع وَلَا يخرج الْكَلَام عَن احْتِمَاله فِي أصل وضع اللُّغَة.
[٦٦٣] وَاسْتدلَّ آخَرُونَ فِي صرف الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْجمل بِاتِّفَاق أهل اللُّغَة على رُجُوع الشَّرْط فِي صُورَة ذكروها / إِلَى الْجمل وَهِي نَحْو قَول [٧٧ / ب] الْقَائِل لَا تضرب زيدا إِذا أكل الطَّعَام، وَدخل الدَّار، وَركب الْحمار، إِلَّا أَن يكون قَائِما، أَو قَالَ: اضْرِب زيدا إِذا دخل الدَّار، وَأكل، وَركب إِن كَانَ قَائِما، وَإِذا كَانَ قَائِما، فَيَنْصَرِف ذَلِك إِلَى جملَة مَا تقدم.
[٦٦٤] قَالَ القَاضِي ﵁: وَهَذَا مَا لَا يقطع القَوْل بِهِ أَيْضا وَلم يثبت فِيهِ نقل يعول عَلَيْهِ، وَالْكَلَام على احْتِمَاله.
[٦٦٥] شُبْهَة الْقَائِلين بِأَن الِاسْتِثْنَاء ينْصَرف إِلَى الْجُمْلَة الْأَخِيرَة: فَإِن قَالُوا: الِاسْتِثْنَاء لَو قدر مُفردا لم يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي إِفَادَة الْمَعْنى، وَإِذا وصل بجملة هُوَ اسْتثِْنَاء عَنْهَا اسْتَقل وافاد فتظهر فَائِدَة الِاسْتِثْنَاء إِذا بَان يتَّصل بجملة وَاحِدَة فيكتفي بهَا إِذْ لَا ضَرُورَة إِلَى صرفهَا إِلَى غَيرهَا.
وَهَذَا لَا تَحْقِيق وَرَاءه وَذَلِكَ ان من خَالف هَذِه الفئة يَدعِي أَن الِاسْتِثْنَاء فِي وضع اللُّغَة ينْصَرف إِلَى جَمِيع مَا تقدم، وَلَيْسَ يصرفهُ إِلَيْهَا للضَّرُورَة
стр. 481
لتحَقّق ارْتِفَاع الضَّرُورَة بجملة وَاحِدَة وَلَكِن يصرفهُ إِلَيْهَا وَضعهَا، فَبَطل التعويل على الضَّرُورَة.
ثمَّ نقُول: فَإِن كَانَ الْمعول على الضَّرُورَة فَهَلا صرفتموه إِلَى الْجُمْلَة الأولى أَو إِلَى الْجُمْلَة المتوسطة فَمَا لكم خصصتموه بالأخير؟
[٦٦٦] وَالَّذِي يُوضح فَسَاد مَا قَالُوهُ إِن الْجمل إِذا تعاقبت فَلَو قدرت الْجُمْلَة الْأَخِيرَة مُنْفَرِدَة على صدر الْكَلَام وسوابقه لم يكن منتظما إِنَّمَا يَنْتَظِم الْكَلَام بمفتحه، وهلا صرفتم الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْجُمْلَة الَّتِي صدر بهَا الْكَلَام.
ثمَّ نقُول: إِن كُنْتُم من الْقَائِلين بِالْعُمُومِ فبمَا تنكرون على من يزْعم من أَرْبَاب الْخُصُوص أَن اقل الْجمع هُوَ الَّذِي يحمل عَلَيْهِ اللَّفْظ، وتنتفي الضَّرُورَة فِي قَضِيَّة الصِّيغَة بِهِ فَيجب الِاكْتِفَاء بِهِ، فيلزمكم على طرد مَا قلتموه نفي الْعُمُوم، ثمَّ يبطل مَا قَالُوهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَة الله، فَإِنَّهُم وافقوا مخالفيهم فِي انْصِرَافه إِلَى سَائِر الْجمل؟
[٦٦٧] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم، فَإِن قَالُوا: إِذا اشْتَمَل الْكَلَام على أَحْكَام فِي جمل فقضية الْخطاب استيفاؤها، وَالِاسْتِثْنَاء لَو قدر ثُبُوته تضمن الْإِزَالَة فِي بَعْضهَا وَالْجُمْلَة الْأَخِيرَة مستيقنة، وَسَائِر الْجمل مستصحبة الْأَحْكَام إِلَى أَن يلْحقهَا اسْتثِْنَاء مستيقن.
стр. 482
فَيُقَال لهَؤُلَاء: هَذَا الَّذِي ذكرتموه لَيْسَ باستدلال وَإِنَّمَا هُوَ إِظْهَار استرابة وَتوقف لظُهُور دَلِيل، أَو يَقُول خصمكم: قد وضحتم الْأَدِلَّة على انصراف الِاسْتِثْنَاء إِلَى جَمِيع الْجمل السَّابِقَة فيؤول محصول كلامكم إِلَى استكشفاف عَن أَدِلَّة الْخصم فَثَبت أَن مَا قلتموه طلب دَلِيل وَلَيْسَ بِدَلِيل.
ثمَّ يبطل مَا قَالُوهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَة الله تَعَالَى كَمَا قدمْنَاهُ.
[٦٦٨] قَالَ القَاضِي ﵁: وَلَيْسَ يَتَّضِح لوَاحِد من الفئتين دَلِيل بل تصادم الْقَوْلَانِ وَلم يبْق بعدهمَا إِلَّا الْمصير إِلَى الْوَقْف، وآيات الْكتاب منقسمة الْمَوَارِد فِي ذَلِك أَيْضا فَإِن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلَا تقبلُوا لَهُم شهدة أبدا وَأُولَئِكَ / هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ فقد ذكر حكم الْحَد وَالشَّهَادَة، [٧٨ / أ] وَالْوَصْف بالفسوق، ثمَّ الِاسْتِثْنَاء لَا يرجع إِلَى الْحَد وفَاقا وَإنَّك وان كَانَ من الْجمل السَّابِقَة، وانما الْخلاف فِي صرف الِاسْتِثْنَاء إِلَى الشَّهَادَة وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة ودية مسلمة إِلَى أَهله إِلَّا أَن يصدقُوا﴾ مَعْنَاهُ يتبرعوا بِالْعَفو، ثمَّ لم ينْصَرف هَذَا الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْكفَّار فَإِنَّهَا لاتسقط بالإسقاط وَقد يرد الِاسْتِثْنَاء وَلَا يصرف إِلَى أقرب الْجمل إِلَيْهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلَوْلَا فصل الله وَرَحمته لاتبعتم الشيطن إِلَّا قَلِيلا﴾ فَقَوله:
стр. 483
﴿إِلَّا قَلِيلا ٨٣﴾ لَا ينْصَرف إِلَى الشَّيْطَان مَعَ اتِّصَاله بِالِاسْتِثْنَاءِ وَإِنَّمَا ينْصَرف هَذَا الِاسْتِثْنَاء عِنْد الْمُحَقِّقين إِلَى قَوْله: ﴿لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلا ٨٣﴾ فَتبين بِكُل مَا ذَكرْنَاهُ اخْتِلَاف موارد الِاسْتِثْنَاء فِي الْخطاب، وتكافأت حجج الْفَرِيقَيْنِ فَلم يسْتَقرّ مِنْهَا وَاحِدَة فَتعين بعْدهَا الْوَقْف.
(١٢٦) القَوْل فِي تَخْصِيص [الْعَام] بِالشُّرُوطِ
[٦٦٩] اعْلَم ان الشُّرُوط تَنْقَسِم إِلَى عَقْلِي وَغَيره، فَأَما الشُّرُوط
стр. 484
الْعَقْلِيَّة فَكل مَا لَا يَصح ثَبت مشروطه دوه، وَلَا يجب بحصوله، فَهُوَ شَرط فِيهِ، وَذَلِكَ نَحْو الْحَيَاة لما كَانَت شرطا فِي الْعُلُوم والإرادات وَنَحْوهَا لم يَصح ثُبُوتهَا دون الْحَيَاة وَإِذا حصلت الْحَيَاة لم يُوجب حُصُولهَا وجود الْعلم والإرادات، وَبِذَلِك تتَمَيَّز الْعِلَل عَن الشُّرُوط فَإِن الْعِلَل توجب معلولاتها حكما لَا يَتَقَرَّر دون الشُّرُوط وَالشّرط يَصح ثُبُوته دون الْمَشْرُوط.
[٦٧٠] ثمَّ اعْلَم أَن كل مَا كَانَ شرطا بِحكم عَقْلِي فَإِنَّهُ يكون شرطا لنَفسِهِ، وَلَا يجوز تَقْدِير نَفسه إِلَّا كَذَلِك، كَمَا إِن الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة تدل لأنفسها لَا عَن تواضع وَوضع وَاضع فَلم يَتَقَرَّر أَنْفسهَا إِلَّا دَالَّة، وَالْكَلَام فِي الشَّرَائِط الْعَقْلِيَّة يستقصى فِي الديانَات.
[٦٧١] فَأَما الشَّرَائِط الَّتِي لَيست بعقلية فتنقسم إِلَى شَرط شَرْعِي غير مُسْتَند إِلَى نطق وَإِلَى شَرط مُصَرح بِهِ نطقي، فَأَما الشَّرْعِيّ فَكل مَا اقْتضى الشَّرْع توقف حكم شَرْعِي عَلَيْهِ كَمَا توقفت صِحَة الصَّلَاة على الطَّهَارَة وَالْإِيمَان، وَالْقَوْل فِي هَذَا الْقَبِيل من الشَّرَائِط يداني القَوْل فِي الشَّرَائِط الْعَقْلِيَّة، فَإِن الشَّرْع يَقْتَضِي أَن لَا يَصح الْمَشْرُوط دون الشَّرْط، وَثُبُوت الشَّرْط بِمُجَرَّدِهِ لَا يتَضَمَّن تثبيت الْمَشْرُوط إِذْ لَا يتَحَقَّق مصل على الصِّحَّة فِي الرَّفَاهِيَة إِلَّا وَهُوَ متطهر، ويتقرر متطهر غير مصل.
стр. 485
[٦٧٢] وتتباين الشَّرَائِط الشَّرْعِيَّة والشرائط الْعَقْلِيَّة فِي أَنَّهَا لَا تنتصب شَرَائِط لأنفسها وذواتها، وَلم هِيَ عَلَيْهَا من صِفَات أجناسها.
وَإِنَّمَا تصير شَرَائِط بِنصب صَاحب الشَّرِيعَة، وَيجوز فِي الْعقل تَقْدِير انْتِفَاء الشَّرَائِط وقلب الْمَشْرُوط شرطا، وَالشّرط مَشْرُوطًا، وَأما الشَّرَائِط [٧٨ / ب] الْعَقْلِيَّة فَلَا يجوز تَقْدِير انقلابها عَمَّا هِيَ عَلَيْهَا من كَونهَا مَشْرُوطًا فَهَذِهِ هِيَ / الشَّرَائِط الشَّرْعِيَّة.
[٦٧٣] وَأما الشَّرَائِط النطقية فَهُوَ كل لفظ ينبىء عَن تعلق شَيْء بِشَيْء على معنى، وَلَا يَصح الْمَشْرُوط دون الْوَصْف الْمَنْصُوب شرطا، ثمَّ هُوَ بعد ذَلِك صِيغ مُخْتَلفَة فِي مجاري الْعَادَات.
وَهِي تَنْقَسِم إِلَى نُصُوص غير مُحْتَملَة، وَإِلَى ظواهر قد تحْتَمل على الْمجَاز والشرائط النطقية مثل قَول الْقَائِل: لَا أقوم اليك حَتَّى تقوم، وَإِن قُمْت قُمْت، وَإِن جئتي جئْتُك، وَلنْ أجيئك حَتَّى تَجِيء.
ثمَّ قد تثبت نطقا للشَّيْء الْوَاحِد شُرُوط فَيُقَال: إِذا مطرَت السَّمَاء وَقَامَ زيد جئْتُك، وَهَذِه الشُّرُوط تنزل منزلَة الِاسْتِثْنَاء فِي تَخْصِيص اللَّفْظ الَّذِي كَانَ يعم لَو قدر مُجَردا عَنهُ، إِذْ لَا فرق بَين ان يَقُول: اقْتُلُوا الْمُشْركين إِن لم يَكُونُوا معاهدين، وَبَين أَن يَقُول: اقْتُلُوا الْمُشْركين إِلَّا المعاهدين.
[٦٧٤] ثمَّ اعْلَم أَن مَا نصب شرطا إِمَّا شرعا وَإِمَّا نطقا وَلم يثبت فِيهِ
стр. 486
إِلَّا كَونه شرطا فَذَلِك ينبىء عَن توقف الْمَشْرُوط عَلَيْهِ، وَلَا يَقْتَضِي ذَلِك وجود الْمَشْرُوط لَا محَالة إِذا وجد الشَّرْط إِلَيْهِم وَأَن يُصَرح فِي اللَّفْظ بذلك، وإيضاح ذَلِك أَنه إِذا جعل انْقِطَاع الْحيض شرطا فِي استحلال الوطىء دلّ ذَلِك على أَن حل الوطىء لَا يثبت من غير انْقِطَاع، وَلَا يدل ذَلِك على أَن الْحل يثبت لَا محَالة عِنْد الِانْقِطَاع، وَقد ذهب من لَا تَحْقِيق لَهُ إِلَى انه إِذا ثَبت كَون الشَّيْء شرطا شرعا فَنَفْس كَونه شرطا يَقْتَضِي أَن يثبت الحكم بِثُبُوتِهِ وينتفي بانتفائه، وَهَذَا سَاقِط من القَوْل، وَشبه الْمَشْرُوط بالعلل الْعَقْلِيَّة، وَالشّرط الشَّرْعِيّ لَا يزِيد على الْعقلِيّ، ثمَّ لَا يَقْتَضِي الشَّرْط الْعقلِيّ ثُبُوت مَشْرُوطَة لَا محَالة ".
وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الحكم قد ثَبت بجملة من الشَّرَائِط، وَذَلِكَ نَحْو الصَّلَاة يشْتَرط فِي صِحَّتهَا طَهَارَة الْحَدث والخبث وَستر الْعَوْرَة وَالْإِيمَان وَيُسمى كل وَاحِد من ذَلِك شرطا، وَإِن كَانَ لَو وجد وَحده مَا اقْتضى صِحَة الصَّلَاة فَدلَّ ذَلِك على أَن كَون الشَّيْء مَشْرُوطًا لَا يَقْتَضِي حُصُول مشروطه عِنْد حُصُوله، غير أَنا إِذا قُلْنَا فِي تضاعيف الْكَلَام: إِن اللَّفْظ إِذا دلّ على وجود الْمَشْرُوط عِنْد وجود مَا علق بِهِ فَيتبع ظَاهر اللَّفْظ، وَهُوَ نَحْو أَن يَقُول إِن جئتني جئْتُك فَهَذَا يَقْتَضِي ثُبُوت مَجِيء الْمَشْرُوط عِنْد ثُبُوت شَرطه، فَافْهَم ذَلِك، وتتبع بصيغ الْأَلْفَاظ، وَلَو [ورد] اللَّفْظ بِأَن وطىء الْحَائِض لَا يحل مَا دَامَت حَائِضًا، فَلَا يفهم من ذَلِك حلّه إِذا انْقَطَعت حَيْضَتهَا، فَإِنَّهُ لم يُصَرح بذلك، وَلَا يتضمنه أَيْضا كَونه شرطا.
стр. 487
((١٢٧) فصل)
[٦٧٥] اعْلَم أَن مَا جعل مَشْرُوطًا وَقَضِيَّة الْكَلَام، فَإِنَّمَا يتَحَقَّق ذَلِك فِيهِ إِذا كَانَ متوقع الْكَوْن من قرب الْوُجُود فِي الِاسْتِقْبَال، وَلَا يتَحَقَّق ثُبُوته إِثْبَات [٧٩ - أ] شَرط متوقع فِي الِاسْتِقْبَال فَلَا يحسن مِنْك أَن تَقول: لَا أضْرب زيدا / بالْأَمْس حَتَّى يقوم عَمْرو، فَإِن الشَّرْط المتوقع لَا يسْتَند إِلَى مَاض، وَكَذَلِكَ لَا يحسن من الْقَائِم فِي قِيَامه الْكَائِن فِي الْحَال، وإيضاح ذَلِك بالمثال، أَن تَقول لَا أضْرب زيدا حَتَّى يقوم عَمْرو، إِنَّمَا أردْت نفي الضَّرْب فِي الِاسْتِقْبَال، وَلَا يحسن مِنْك أَن تَقول: لَا أضْرب زيدا بالْأَمْس حَتَّى يقوم عَمْرو، فَإِن الشَّرْط المتوقع لَا يسْتَند إِلَى مَاض وَكَذَلِكَ لَا يحسن من الْقَائِم فِي قِيَامه أَن يَقُول: لَا أقوم حَتَّى يقوم زيد، وَهُوَ قَائِم فِي حَال صُدُور القَوْل مِنْهُ، وَإِنَّمَا ذَلِك لِأَن مَا جعل مَشْرُوطًا لَا يتَحَقَّق ثُبُوته إِلَّا مَعَ شَرطه، فَإِذا علق على مَا انْقَضى مَشْرُوط سَيكون فقد أحَال، فَإِن مَا مضى كَانَ عَارِيا عَن الشَّرْط فَكيف يحسن الْجمع بَين ذَلِك وَبَين نِسْبَة الشَّرْط إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْمَعْنى الْكَائِن فِي الْحَال كَيفَ يجوز أَن يشْتَرط فِيهِ مَا سَيكون، وَلَو كَانَ شرطا فِيهِ لقارنه. فَهَذَا فِي الْمَشْرُوط.
[٦٧٦] فَأَما الشَّرْط فقد زعم قوم أَنه لَا يجوز أَن يكون شرطا إِلَّا بعد أَن يكون متوقعا فِي الِاسْتِقْبَال كَمَا لَا يكون الْمَشْرُوط إِلَّا مُسْتَقْبلا.
قَالَ القَاضِي ﵁: وَهَذَا فِيهِ نظر، فقد يَقع الشَّرْط كَائِنا فِي
стр. 488
الْحَال وَذَلِكَ أَنه يحسن مِنْك أَن تَقول: إِن كَانَ زيد الْيَوْم رَاكِبًا قُمْت غَدا فيوافق وجود الشَّرْط لفظك ويتقدم على الْمَشْرُوط.
[٦٧٧] وأغلب الشُّرُوط تقع مُسْتَقْبلَة كالمشروط وَقد تقع مُقَارنَة اللَّفْظ مُتَقَدّمَة على الْمَشْرُوط كَمَا صورنا فِي قَوْله: إِن كَانَ زيد السَّاعَة قَائِما قُمْت غَدا وَلَكِن فِي هَذَا الْقسم شَرط وَهُوَ أَن يكون فِي الْكَلَام إنباء عَن إِضَافَة إِلَى انطواء عَاقِبَة أَو عدم علم إِمَّا فِي الْمُخَاطب وَإِمَّا فِي الْمُخَاطب وَإِن لم يكن كَذَلِك كَانَ تَحْقِيقا، وَلم يكن شرطا. وَبَيَان ذَلِك أَن زيدا لَو كَانَ قَائِما بِمحضر من خَالِد، وَبكر، فَقَالَ خَالِد لبكر: إِن كَانَ زيد قَائِما فسأقوم غَدا فَهَذَا لَا يُسمى شرطا بل هُوَ تَحْقِيق، فَكَأَنَّهُ يَقُول: فَكَمَا تحقق لَك قِيَامه فسيتحقق لَك قيامي.
وَأما إِذا كَانَ قيام زيد مغيبا عَن الْمُخَاطب مجوزا فِي حَقه أَو فِي حق الْمُخَاطب فَيجوز أَن يكون ذَلِك شرطا.
((١٢٨) فصل)
[٦٧٨] الشَّرَائِط الْعَقْلِيَّة والشرعية والنطقية لَا تخْتَص بِوُجُود، فقد يكون الْعَدَم شرطا لحكم لحكم عقلا وَشرعا ونطقا، ويتبين ذَلِك فِي الْعقل أَنا كَمَا نشترط فِي وجود السوَاد وجود مَحَله فَكَذَلِك نشترط عدم ضِدّه لتصور قِيَامه بِالْمحل، وتصوير ذَلِك فِي الشرعيات والنطقيات مِمَّا لَا ينْحَصر لكثرته وَهُوَ كَمَا أَنا نشترط عدم الْقُدْرَة فِي اسْتِعْمَال المَاء فِي جَوَاز التَّيَمُّم، وَعدم الْقُدْرَة على الرَّقَبَة فِي الْمصير إِلَى الصَّوْم، إِلَى غير ذَلِك.
стр. 489
(١٢٩) فصل
[٦٧٩] اعْلَم أَن الشَّرْط قد يكون زمانيا، رب وَقد يكون مكانيا، وَقد يكون فعلا، [٧٩] وَقد يكون وَصفا / ونعتا، وَقد يكون دَاخِلا تَحت مَقْدُور الْمُخَاطب، وَقد يكون خَارِجا عَن مقدوره.
وَبَيَان ذَلِك بالأمثلة:
فَأَما الشَّرْط بِالزَّمَانِ فنحو قَوْله تَعَالَى: ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ ، فقد جعل دلوك الشَّمْس شرطا فِي إِقَامَة الصَّلَاة.
وَأما الشَّرْط الْمُتَعَلّق بِالْمَكَانِ فنحو قَول الْقَائِل: إِذا رَأَيْت فلَانا بالعراق فَأكْرمه، وَنَحْو شَرط الْمَسْجِد فِي صِحَة الِاعْتِكَاف.
وَأما كَون الصُّوف شرطا فنحو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ .
стр. 490
وَقد يكون الْوَصْف فِي الْمُخَاطب، وَقد يكون فِي غَيره، نَحْو قَوْلك: اشرب المَاء إِن كَانَ عذبا، وتجنبه إِن كَانَ أجاجا.
وَقد يكون الشَّرْط مُتَعَلقا بِغَيْر الْمُكَلف خَارِجا عَن مقدوره وَهُوَ نَحْو شرطنا فِي وجوب الْجُمُعَة حُضُور أَرْبَعِينَ فِي أَوْصَاف مضبوطة وحضورهم لَا يتَعَلَّق باقتدار كل مُكَلّف.
(١٣٠) فصل
[٦٨٠] اعْلَم أَن كل مَا ثَبت شرطا فِي كَون الشَّيْء مَأْمُورا بِهِ لَا يدل بِنَفسِهِ على إجزائه، وَكَذَلِكَ الشَّرْط فِيهِ لَا ينبىء عَن الْإِجْزَاء فِيهِ أَيْضا، وَهَذَا مِمَّا قدمْنَاهُ.
(١٣١) فصل
(٦٨١] اعْلَم أَن الْخطاب إِذا اشْتَمَل على جمل تستقل كل وَاحِدَة مِنْهَا لَو قدرت مُفْردَة وَقد نيطت وَاحِدَة مِنْهَا بِشَرْط فَلَا يَقْتَضِي ذَلِك تعلق الشَّرْط
стр. 491
بِالْكُلِّ وَكَذَلِكَ إِذا تَتَابَعَت أَلْفَاظ عَامَّة ثمَّ ثَبت التَّخْصِيص فِي بَعْضهَا فَلَا يُوجب تَخْصِيصه تَخْصِيص مَا عداهُ إِذا اسْتَقَلت كل جملَة بِنَفسِهَا، وَكَذَلِكَ قد يتوالى أَمْرَانِ، وَأَحَدهمَا عِنْد الْقَائِلين بِالْوُجُوب مَحْمُول على حَقِيقَته فِي اقْتِضَاء الْإِيجَاب، وَالثَّانِي مَصْرُوف عَن حَقِيقَته، وأمثلة ذَلِك.
فَأَما إِذا قُلْنَا أَن بعض الْخطاب قد يخْتَص مَعَ تَعْمِيم بعضه فَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلثة قُرُوء﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن فِي ذَلِك﴾ .
فالمطلقات فِي صدر الْآيَة تعم الباينات والرجعيات. وَقَوله: ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن﴾ مُخْتَصّ بالرجعيات وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرشتم﴾ فَهَذَا يعم الصَّغَائِر والكبائر والمحجورات والمطلقات، ثمَّ قَالَ فِي آخر الْآيَة: ﴿إِلَّا أَن يعفون﴾ ، فاختص ذَلِك بالمطلقات العاقلات.
[٦٨٢] وَأما تتَابع الْأَوَامِر فِي سِيَاق من الْكَلَام مَعَ اخْتِلَاف الْمَقَاصِد فنحو قَوْله تَعَالَى: ﴿كلوا منثمره إِذا أثمر وءاتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾
стр. 492
فَقَوله تَعَالَى:: ﴿كلوا من ثمره﴾ على الْإِبَاحَة أَو النّدب دون الْإِيجَاب، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وءاتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ مَحْمُول على الْوُجُوب، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا واءتوهم﴾ .
فَمن زعم من الْفُقَهَاء أَن الإيتاء وَاجِب حمل قَوْله: ﴿فكاتبوهم﴾ . على النّدب وَقَوله: ﴿وءاتوهم﴾ على الْإِيجَاب، وَكَذَلِكَ قَوْله: (فطلقوهن
стр. 493
[٨٠ / أ] لعدتهن / وأحصوا وَالْعدة) وتكثر نَظَائِر ذَلِك فِي السّنة، مِنْهَا: قَوْله ﷺ : " أَلا فزوروها وَلَا تَقولُوا هجرا " وَمِنْهَا: قَوْله: " انتبذوا فِي الظروف " وَاجْتَنبُوا كل مُسكر " وتكثر نَظَائِر ذَلِك.
стр. 494
(١٣٢) بَاب
ذكر جمل مَا يخصص بِهِ مَعَ تَبْيِين أقسامها
[٦٨٣] اعْلَم أَن مَا يَقع بِهِ تَخْصِيص الْأَلْفَاظ الْعَامَّة على مَذَاهِب الْقَائِلين بِالْعُمُومِ يَنْقَسِم إِلَى أَدِلَّة يقطع بهَا، وتفضي إِلَى الْعلم، وَإِلَى مَالا تُفْضِي إِلَى الْقطع، وَلَا يُفْضِي إِلَى الْعلم.
فَأَما الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْقطع فَمِنْهُ أَدِلَّة الْعقل، وَمِنْه النُّصُوص الْمَقْطُوع بهَا الَّتِي لَا تقبل التَّأْوِيل وَالصرْف عَن مقتضاها وفحواها، لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا، وَمِنْهَا الْإِجْمَاع.
وَأما الإمارات المنصوبة على اقْتِضَاء الْأَفْعَال دون الْعُلُوم فَهِيَ كأخبار الْآحَاد الَّتِي مِنْهَا الْأَقْوَال.
وَمِنْهَا أَفعَال الرَّسُول ﷺ الْقَائِمَة مقَام الْأَقْوَال، على مَا سنفصل القَوْل فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَمِنْهَا: المقاييس مَعَ اخْتِلَاف رتبها.
وَمِنْهَا: آثَار الصَّحَابَة على مَذْهَب من يَرَاهَا حجَّة.
وَنحن نتكلم أَولا فِي الْأَدِلَّة القاطعة، ثمَّ ننعطف على الإمارات الدَّالَّة على الْأَفْعَال دون الْعُلُوم
стр. 495
[٦٨٤] ونبدأ بِدلَالَة الْعقل.
فَاعْلَم أَن الْعقل مِمَّا يخصص بِهِ الْعُمُوم وَالْمعْنَى بقولنَا أَنه يخصص بِهِ الْعُمُوم، أَن الصِّيغَة الْعَامَّة فِي مَذَاهِب الْقَائِلين بِالْعُمُومِ إِذا وَردت وَاقْتضى الْعُقَلَاء امْتنَاع تعميمها فنعلم من جِهَة الْعقل أَن المُرَاد خُصُوص فِيمَا لَا يحيله الْعقل، فَهَذَا هُوَ الْمَعْنى بالتخصيص، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ أَن الْعقل صلَة
следующие страницы →