← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6323

التلخيص في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (1 418 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

دلَالَة. ثمَّ جوزتم أَن تِلْكَ الدّلَالَة خبر من أَخْبَار الْآحَاد، أَو " قِيَاس مستنبط " يخفى مدركه! وَنحن نعلم أَن عُلَمَاء الأقطار يَسْتَحِيل مِنْهُم العثور فِي مجاري الْعَادَات على قِيَاس وَاحِد أَو خبر وَاحِد. فَيُقَال / لهَؤُلَاء: " الَّذِي ذكرتموه تحكم على الْعَادة. وَذَلِكَ أَن عُلَمَاء الشَّرْع متعبدون بِشدَّة الفحص و " التنقير " عَن الْأَدِلَّة، وتتبع الأمارات المنصوبة على الْأَحْكَام. وهم " دائبون " فِيهِ فِي مُعظم الْأَوْقَات فِي غلبات ظنونهم، وتطلب مِنْهُم فِيمَا تعبدوا بِهِ. وَهَذَا الْمَعْنى فيهم أَشد الدَّوَاعِي على العثور على الْمَقَاصِد. فَلَا يبعد فِي مجاري الْعَادَات عثورهم جَمِيعًا على خبر أَو قِيَاس. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الَّذين يزِيد عَددهمْ على عدد الْمُسلمين، تراهم فِي شَرق الأَرْض وغربها. فقد اتّفقت كلمتهم واتفقت " دَارهم " على شُبْهَة وَاحِدَة تَقْتَضِي فِي مجْرى الْعَادة قودهم إِلَى الْكفْر وحيدهم عَن الْحق، نَحْو اجْتِمَاع " الملحدة " على الدَّهْر، واجتماع النَّصَارَى على التَّثْلِيث مَعَ اتِّحَاد الأقنومية.

стр. 947

فَإِذا كَانَ يتَصَوَّر فِي مجاري الْعَادَات اجْتِمَاع الْمَلأ الْعَظِيم على الشُّبْهَة الْوَاحِدَة، فَلَا وَجه يمْنَع لما تصور اجْتِمَاع الْمُسلمين على أَمارَة من الأمارات. (إِثْبَات صِحَة نقل الْإِجْمَاع، وَالرَّدّ على الإيرادات) ١٣٣٢ - فَإِن قيل: إِذا سلم لكم تصور انْعِقَاد الْإِجْمَاع، فَلَا نسلم لكم صِحَة نَقله فِي حق آحَاد الْأمة. وَذَلِكَ أَنا نعلم كَثْرَة عُلَمَاء الْإِسْلَام فِي أقطار الدُّنْيَا، نَحْو أقاصي الشرق والغرب وجزائر وَسَائِر الأقطار. فَكيف يتَحَقَّق للْوَاحِد الطّواف على كَافَّة الْعلمَاء، وَأخذ أَقْوَالهم متفقة فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة؟ وَإِن " تصور " ذَلِك " فَمَا " يومن وَأَن لم ينْتَه إِلَى الثَّانِي إِلَّا رَجَعَ الأول عَن قَوْله؟ وَإِذا لم يتَصَوَّر من هَذَا الْوَجْه، فَلَا يتَصَوَّر أَيْضا نقل. فَإِن طرق النَّقْل تبدأ من الْآحَاد، وَإِذا لم يتَصَوَّر ذَلِك فيهم، لم يتَصَوَّر نَقله أصلا. قُلْنَا: هَذَا عناد مِنْكُم ومراغمة لما عهد فِي مجاري الْعَادَات ضَرُورَة وبديهة. فَإنَّا نعلم أَنه قد تتواصل الْأَخْبَار على امتداد الْأَعْصَار من أقْصَى الْأَمْصَار والأقطار باتحاد أقاويل الْعلمَاء فِي مَسْأَلَة من الْمسَائِل. وَهَذَا كَمَا أَنه قد تحقق عندنَا اتِّفَاق الْعلمَاء على عدد الصَّلَوَات وركعاتها وسجداتها، إِلَى غير [ذَلِك] من أَحْكَامهَا. والمستريب فِي ذَلِك متعرض لجحد الضَّرُورَة. وَكَذَلِكَ نعلم قطعا اتِّفَاق النَّصَارَى على التَّثْلِيث وَجحد نبوة مُحَمَّد [ ﷺ ] ،

стр. 948

وَمَا " قدره " من الاستحالة يتَحَقَّق فِي كل مَا تمثلنا بِهِ. وَكَذَلِكَ نعلم أَن الْمُعْتَزلَة قَائِلُونَ بِخلق الْقُرْآن. فَلَا أحد مِنْهُم إِلَّا يَقُول بذلك فَبَطل مَا قَالُوهُ. ١٣٣٣ - فَإِن قَالُوا: كَمَا يبعد فِي مُسْتَقر الْعَادة اتِّفَاق الْعلمَاء المتبددين فِي الْأَمْصَار مَعَ اخْتِلَاف أغراضهم وتباين آرائهم، أَن يجتمعوا على اخْتِلَاف من القَوْل، وزور وَكذب، على تواضع وتواطئ، أَو وفَاقا من غير سَبَب، فَهَذَا مستنكر فِي الْعَادة. كَمَا يستنكر أَن يتَّفق فِي الْوَقْت الْوَاحِد لكافة الْبَريَّة قعُود على صفة وَاحِدَة أَو قيام، أَو نَحْوهمَا من الْأَوْصَاف. وكما يَسْتَحِيل ذَلِك، فَكَذَلِك يَسْتَحِيل اتِّفَاقهم على حكم وَاحِد، قولا أَو فعلا. وَهَذَا الَّذِي ذكرتموه، تحكم، على الْعَادَات، واقتراب من المطاعن فِي الضروريات. وَذَلِكَ أَن نقُول لَهُم: أَلَيْسَ قد ثَبت جَوَاز اتِّفَاق أهل التَّوَاتُر على نقل شَيْء عاينوه وشاهدوه؟ ثمَّ نعلم مَا نقلوه صدقا ضَرُورَة. على مَا قدمْنَاهُ فِي كتاب الْأَخْبَار. فَلَو قَالَ الْقَائِل: إِذا تصور اجْتِمَاعهم على نقل صدق / فَيَنْبَغِي أَن يتَصَوَّر اتِّفَاقهم على نقل كذب! فَإِن كل وَاحِد مِنْهُم لَو قدر مُفردا، بصدد أَن يتَصَوَّر مِنْهُ ذَلِك. فَإِن قَالُوا: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك، لِأَن النُّفُوس مجبولة على نقل الصدْق، مَحْمُولَة على خلاف طباعها إِذا نقلت الْكَذِب. قُلْنَا هَذَا تحكم. فَرب متطبع بِالْكَذِبِ لَا يصدق، إِلَّا بعد كدَ مِنْهُ

стр. 949

لطباعه، ثمَّ مَا أنكرتم من مثل ذَلِك فِي الْمُتَنَازع فِيهِ، فَنَقُول: يتَصَوَّر اجْتِمَاعهم على صَوَاب لكَوْنهم متعبدين بِطَلَبِهِ واتصاف الدعاوي فِيهِ، فوضحت هَذِه الْأُصُول، واستندت فِي وضوحها الى الضروريات. (الرَّد على من زعم أَن يكون أَن حجية الْإِجْمَاع يدْرك بقضية الْعقل) ١٣٣٤ - وَأما وَجه الرَّد على من زعم أَن كَون الْإِجْمَاع يدْرك بقضية الْعقل، فَهُوَ أَن نقُول: الْعُقُول لَا تَفْضِيل فِي قضاياها بَين فِئَة وَفِئَة، وَأهل مِلَّة وملة. " فَكَمَا " يجوز فِي الْمَعْقُول اتِّفَاق النَّصَارَى وَسَائِر الْكَفَرَة على جحد نبوة مُحَمَّد [ ﷺ ] مَعَ خطئهم فِي إنكارهم وجحدهم. فَكَذَلِك لَيْسَ من الْمَعْقُول منع من تَجْوِيز مثل ذَلِك فِي أمة مُحَمَّد [ ﷺ ] .

стр. 950

وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَيْضا، أَنه لما اسْتَحَالَ فِي مُسْتَقر الْعَادة أَن ينْقل أهل التَّوَاتُر مَا شاهدوه، وَلَا يُوجب نقلهم الْعلم الضَّرُورِيّ. مَعَ الْأَوْصَاف الْمَشْرُوطَة فِي أَخْبَار التَّوَاتُر. فَلم يفصل فِي ذَلِك بَين أمة وَأمة. وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ. فَإِن قَالُوا: الْعقل يحِيل اجْتِمَاع الْعلمَاء على بَاطِل وافتعال وكتمان حق وَوضع كذب. وَهَذَا مُسْتَدْرك فِي مجْرى الْعَادة. قُلْنَا: فَأهل الْملَل [إِذا] قيسوا بعلماء الْإِسْلَام [فَإِنَّهُم] يزِيدُونَ عَلَيْهِم أضعافا مضاعفة. ثمَّ نراهم قد اتّحدت كلمتهم فِي ضروب من الْخَطَأ والضلال وَالْكفْر والمحال. والعادات لَا تخْتَلف باخْتلَاف الْأَدْيَان. فَمَا ذَكرُوهُ من رَكِيك من القَوْل. ١٣٣٥ - وَمِمَّا عولوا عَلَيْهِ أَيْضا، أَن قَالُوا: قد ثَبت اسْتِمْرَار شرع رَسُول الله [ ﷺ ] إِلَى أَن ينْفخ فِي الصُّور، وَلَا تقوم الشَّرِيعَة إِلَّا بِحجَّة قَاطِعَة. وَلما كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] بَين أظهر أَصْحَابه كَانَ قَوْله مَقْطُوعًا بِهِ. فَلَمَّا اسْتَأْثر الله بِهِ [ ﷺ ] إِلَى رَحمته، فَيجب تَقْدِير حجَّة يقطع بهَا فِي التباس المشكلات وإتمام المعضلات. وَمَا هُوَ [إِلَّا] الْإِجْمَاع. قُلْنَا: هَذَا أوضح فَسَادًا من كل فَاسد، والإطناب فِيهِ بعد عَن الْمَقْصد، وَالَّذِي يُبطلهُ على قرب، أَن النَّبِي [ ﷺ ] قد خلف فِينَا الْكتاب وَالسّنة المتواترة المستفيضة، وَيقوم الْقطع بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا. فَهَلا وَقع الاجتزاء بهما؟ وَكَذَلِكَ أَخْبَار الْآحَاد وطرق المقايس يقطع بهَا فِي إِيجَاب الْعَمَل. فَوَقع بهَا الاجتزاء.

стр. 951

فَإِن قَالُوا: فنصوص الْكتاب وَالسّنة لَا تعم كل صُورَة! قُلْنَا: فَكَانَ الْإِجْمَاع يعم كل صُورَة أم يخْتَص بِبَعْضِهَا؟ فَإِن زَعَمُوا أَنه يعمها، بهتُوا. وَإِن زَعَمُوا أَنه يخص بعض الصُّور، بَطل اعتلالهم.

стр. 952

(الْأَدِلَّة على ثُبُوت الْإِجْمَاع سمعا وَشرعا) ١٣٣٦ - فَإِن قَالَ قَائِل: قد أنكرتم إِثْبَات الْإِجْمَاع عقلا. فَمَا الَّذِي تعتصمون بِهِ فِي إثْبَاته سمعا وَشرعا؟ وَلَا مطمع فِي مدارك الْعُقُول. ويستحيل إِثْبَات الْإِجْمَاع بِالْإِجْمَاع، وَلَيْسَ مَعكُمْ نَص كتاب وَلَا نَص سنة! قُلْنَا: الَّذِي نعول عَلَيْهِ فِي إِثْبَات الْإِجْمَاع، نَص الْكتاب وَالسّنة المستفيضة من الرَّسُول [ ﷺ ] . ١٣٣٧ - فَأَما نَص الْكتاب /، فَقَوله ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ . وَوجه الدَّلِيل من الْآيَة: أَن الرب زجر عَن اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ، وتوعد عَلَيْهِ بأعظم الْوَعيد، وقرنه بمشاقة الرَّسُول [ ﷺ ] . ١٣٣٨ - فَإِن قيل: هَذَا تمسك مِنْكُم " بِالْمَفْهُومِ " من الْآيَة أَولا، فَإِن مَضْمُون الْآيَة: النَّهْي عَن اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ، فَلم زعمتم أَنه يجب اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ؟ قُلْنَا: هَذَا سِيَاقه من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه سُبْحَانَهُ أخرج هَذَا الْكَلَام مخرج التَّقْسِيم الضَّرُورِيّ. فَإِنَّهُ إِذا ثَبت الزّجر عَن اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ، فَلَا محيص عَن " الْمنْهِي " إِلَّا

стр. 953

بِاتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَإِن السَّبِيل إِمَّا أَن يكون سَبِيل الْمُؤمنِينَ، وَإِمَّا أَن يكون غير سبيلهم. فَتبين أَن هَذَا لَيْسَ من الْمَفْهُوم فِي شَيْء. على أَنا نقُول: مواقع الْكَلَام تخْتَلف بسياق الْخطاب، وَنحن نعلم ضَرُورَة، بِحَيْثُ لَا نستجيز الريب فيهمَا، أَن الْمَقْصد من الْآيَة، تَعْظِيم أَمر الْمُؤمنِينَ وتفخيم شَأْنهمْ، والحث على اتِّبَاع سبيلهم، والزجر عَن إبداء صِحَة الْخلاف عَلَيْهِم. وَهَذَا حَال مَحل الفحوى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ . ١٣٣٩ - فَإِن قَالُوا: كَيفَ يَسْتَقِيم مِنْكُم التَّمَسُّك بِالْآيَةِ، وَلَيْسَ لهَذِهِ الصِّيغَة ظَاهر عنْدكُمْ فِي اقْتِضَاء الْوُجُوب؟ قُلْنَا: أما من حمل مُطلق هَذِه الصِّيغَة على الْوُجُوب، فيصدكم عَن سؤال كم " بِمُجَرَّد الْمَذْهَب "، وَأما نَحن: فَإنَّا نقُول باقتضاء الْوُجُوب بعد وضوح الْقَرَائِن. وَمن أوضحها، الْوَعيد والتهديد وَالْآيَة منطوية على ذَلِك. (سُؤال) ١٣٤٠ - فَإِن قَالُوا: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الْمَعْنى بقوله تَعَالَى: ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ " أَنه " غير سبيلهم الَّذِي صَارُوا موصوفين بِالْإِيمَان بِسَبَبِهِ.

стр. 954

فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يحث " المعرض " على الْإِيمَان، ومتابعة الْمُؤمنِينَ فِي إِيمَانهم، وَالرجز عَن الْكفْر. وَالْجَوَاب عَن ذَلِك: " أَنا " نقُول: هَذِه مُخَالفَة ظَاهِرَة لظَاهِر الْخطاب، ذَلِك لِأَن الرب تَعَالَى سمى أَقْوَامًا، ونعتهم بنعت تميزوا بِهِ عَن غَيرهم، وَأثبت لَهُم سَبِيلا بعد أَن نعتهم وميزهم، وَأوجب اتِّبَاع سبيلهم، فَمن أَرَادَ أَن يَجْعَل السَّبِيل الْمُثبت بعد النَّعْت رَاجعا الى نفس النَّعْت، فقد خَالف الْعَرَبيَّة. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك، أَنَّك إِذا قلت: من يتبع سَبِيل الْأَطِبَّاء أَو المهندسين أَو نحوهم، كَانَ كَذَا وَكَذَا، فَلَا يفهم من ذَلِك " التطبب " وَلَا الْخَوْض فِي علم الهندسة، وَلَكِن الْمَعْنى بِهِ مَا يرسمونه، وَكَذَلِكَ إِذا قلت: من يتبع سَبِيل الْمَلَائِكَة، فَأَنت " تَعْنِي " بِهِ اتباعهم فِي كَونهم مَلَائِكَة، وَهَذَا بَين فِي فحوى الْكَلَام. ١٣٤١ - ثمَّ نقُول: هَذَا الَّذِي ذكرتموه، تسرع مِنْكُم الى ترك الظَّاهِر، وَذَلِكَ أَن الْإِيمَان - على اخْتِلَاف الْعلمَاء فِيمَا يثبت - لَا يثبت بِشَيْء من

стр. 955

أَرْكَانه [بالاتباع] ، إِجْمَاعًا مِنْكُم عنْدكُمْ، وَلَكِن إِنَّمَا يدْرك بمدارك الْعُقُول الى غَيرهَا مِمَّا تهذون بِهِ، فَكل مَا يبلغ مبلغ التَّكْلِيف بِهِ، فَلَا يتبع الْأمة أصلا، بل يشْتَغل بالطرق الَّتِي يثبتونها، وَيُخَالف الْأمة أَولا، ثمَّ إِن اطردت لَهُ الدّلَالَة اتبعها. فَهَذَا تَصْرِيح بِمَنْع اتِّبَاع الْمُؤمنِينَ أَولا فِيمَا صَارُوا بِهِ مُؤمنين. على أَنا نقُول: فحوى الْخطاب مطرح بِكَوْن سَبِيل الْمُؤمنِينَ ملاذا يعتصم بِهِ ويلجأ إِلَيْهِ. ويتضمن ظَاهر الْخطاب جعل سَبِيل الْمُؤمنِينَ أصلا مُتبعا، وَلَا معنى لذَلِك عنْدكُمْ، فَإِن المتبع طرق الْأَدِلَّة الَّتِي تقررت مُوَافقَة الْمُؤمنِينَ إِيَّاهَا، فَالْكل متعبدون بهَا دون السبل. وعندكم أَن مُوَافقَة الْمُؤمنِينَ فِي مُقْتَضى الْأَدِلَّة، كموافقة الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي إِثْبَات التَّوْحِيد وَإِثْبَات الصَّانِع، وَلَا يثبت شَيْء من ذَلِك باتباعهما. وَإِنَّمَا يثبت عقلا، أَو سمعا بطرق غير الِاتِّبَاع، فَلَا يكون هَذَا الْكَلَام مُفِيدا فَتبين أَن مَا قَالُوهُ تعسف. (سُؤال) ١٣٤٢ - فَإِن قَالُوا: السَّبِيل فِي حَقِيقَة اللُّغَة، هُوَ الطَّرِيق المسلوك وَالْقَارِعَة الْمَوْطُوءَة بالأقدام، وَهُوَ مجَاز فِيمَا رمتموه، فَكيف يجوز التَّمَسُّك بمجاز فِي مَسْأَلَة قَطْعِيَّة يعظم خطر الْخلاف فِيهَا؟

стр. 956

قُلْنَا: لَا فَائِدَة فِي الإطناب بِذكر الْحَقَائِق وضروب الْمجَاز، وَالَّذِي يقطع مَادَّة هَذَا ال سُّؤَال: الرُّجُوع الى الْمَفْهُوم من الْخطاب قطعا ويقينا، حَقِيقَة كَانَ أَو مجَازًا غَالِبا، أَو سمعا عرفيا أَو شَرْعِيًّا. وَقد يُطلق الْمجَاز فِي بعض منَازِل الْكَلَام، فنعلم ضَرُورَة مقصد " الْخطاب ". وَذَلِكَ نَحْو قَول الْقَائِل: فلَان بَطل شُجَاع مِقْدَام أَسد هزبر. فَهَذَا متجوز بِهِ، وَنحن نعلم قطعا أَن المُرَاد بِهِ فِي جرْأَة الْأسد وبطشه، وَإِن كَانَ مجَازًا. وَكَذَلِكَ نعلم ضَرُورَة أَنه لَيْسَ الْمَعْنى بِالْآيَةِ تتبع الطّرق والقوارع، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود اتِّبَاع طرائق الدّين، وجاحد ذَلِك متعنت. على أَنا نقُول: مَتى سلم لكم كَون السَّبِيل مجَازًا فِي غير مَا ادعيتموه، وَإِنَّمَا يتَمَيَّز الْمجَاز عندنَا من الْحَقَائِق عِنْد طرق الْإِشْكَال لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال. وَاسْتِعْمَال السَّبِيل فِي المناهج وطرق الشَّرَائِع أَعم من اسْتِعْمَاله فِيمَا ذكرتموه. (سُؤال) ١٣٤٣ - فَإِن قَالُوا: لَا يَسْتَقِيم مِنْكُم التَّمَسُّك بِالْآيَةِ مَعَ إنكاركم الْعُمُوم وصيغته، على أَنكُمْ لَو كُنْتُم " قائلين " بِهِ، فَلَيْسَ فِي الْآيَة صِيغَة، فَإِنَّهُ

стр. 957

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذكر السَّبِيل بِلَفْظ الْوَاحِد، وَلَيْسَ فِيهِ إنباء عَن شُمُول، فَمَا يؤمنكم أَنه سَبِيل وَاحِد؟ وَالْجَوَاب عَن هَذَا أَن نقُول: أول مَا نفاتحكم بِهِ أَن نقُول: قد وضح بِمَا قَرَّرْنَاهُ، جَوَاز اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ، فَقولُوا بِهِ وَلَو فِي سَبِيل وَاحِد، سوى ماقلتموه أول، واعتقدوا اتباعهم وَلَو فِي سَبِيل وَاحِد. ١٣٤٤ - ثمَّ نقُول: من مذهبكم، منع تَأْخِير الْبَيَان الْوَارِد إِلَى وَقت الْحَاجة، وَمن مَذْهَبنَا منع تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة، وَأجْمع " الكافة " على اسْتِحَالَة بَقَاء إِجْمَال فِي خطاب، بعد [أنٍ أكمل الله الدّين، واستأثر بِرَسُولِهِ خَاتم النَّبِيين [ ﷺ ] ، فَلَو صَحَّ مَا قلتموه، لَكَانَ بَين ذَلِك السَّبِيل. على أَنا نقُول: إِذا أطلق السَّبِيل فِي مثل هَذِه الْمنزلَة، فَإِن قَرَائِن الْأَحْوَال وقيود الْمقَال دَالَّة على الِاسْتِغْرَاق والاستيعاب. وَالَّذِي يُحَقّق ذَلِك: أَن من قَالَ لغيره: " اتبع سَبِيل الصَّالِحين، وَلَا تتبع غير سبيلهم "، فَلَيْسَ يحمل هَذَا الْخطاب على سَبِيل وَاحِد بجمل من جملَة السبل، وَمن قَالَ بِالْعُمُومِ هان عَلَيْهِ دفع السُّؤَال بِمُجَرَّد الْمَذْهَب. ثمَّ نقُول: أَكثر مَا فِي ذَلِك أَنه قد أوجب علينا اتِّبَاع الْمُؤمنِينَ فِي سَبِيل، وَقد اسْتَقر علينا الْخطاب المقرون بعظيم الْوَعيد " فِي ذَلِك ". فَلَا

стр. 958

خُرُوج عَن مُقْتَضَاهُ إِلَّا بِأَن يتبع الْمُؤمنِينَ فِي كل سَبِيل، فَيتَحَقَّق الْخُرُوج من مُقْتَضى الشَّرْع /، فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه. ١٣٤٥ - وَرُبمَا يوجهون هَذَا ال سُّؤَال الَّذِي ذَكرُوهُ فِي السَّبِيل، فِي الْمُؤمنِينَ، فَيَقُولُونَ: الْمُؤْمِنُونَ من الجموع الَّتِي لَا يثبت فِي قضيتها الْعُمُوم عنْدكُمْ، فَمَا بالكم حملتموه على كَافَّة الْمُؤمنِينَ؟ وَطَرِيق الْجَواب مَا قدمْنَاهُ أَولا. (سُؤال) ١٣٤٦ - فَإِن قَالُوا: ظَاهر الْآيَة يدل على زعمكم - يَقْتَضِي وجوب اتِّبَاع الْمُؤمنِينَ، وهم الموحدون المصدقون ظَاهرا وَبَاطنا. إِذا الْإِيمَان عنْدكُمْ لَا يرجع إِلَى مُجَرّد النُّطْق، حَتَّى يقْتَرن بخلوص الِاعْتِقَاد، فَمَا أدراكم بِأَن المعتقدين المخلصين من أهل الْقبْلَة مِنْهُم؟ فَهَذَا إِجْمَال فِي مُقْتَضى الْآيَة من هَذَا الْوَجْه، فَلَا يسوغ الِاسْتِدْلَال بِهِ. قُلْنَا: هَذَا " احتيال " مِنْكُم فِي رد الْآيَة، لَا ينجيكم عَمَّا أُرِيد بكم، وَذَلِكَ أَن مثل هَذَا الْخطاب إِذا أطلق، فَلَا يفهم من فحواه " التحسس " على

стр. 959

البواطن والتعريض للأسرار، بل الْمَفْهُوم من فحواه تَكْلِيف الجري على الظَّوَاهِر. وخطاب الْقُرْآن وَاجِب حمله على مُقْتَضى الْعَرَبيَّة. وَنحن نعلم أَن من قَالَ لمن يخاطبه: أكْرم الْمُؤمنِينَ. وَأعْطِ الْمُؤمنِينَ. الى غير ذَلِك من ضروب الْخطاب الْمُعَلق بهم، فَلَيْسَ يَعْنِي بذلك " التحسس " والتنقير عَن بواطنهم، وجاحد ذَلِك متحكم على اللُّغَة. على أَنا نقُول: أَكثر مَا فِي سؤال كم أَن يحمل الْخطاب على المعتقدين المخلصين فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى، فَلَا توصل إِلَى ذَلِك إِلَّا بِأَن يتبع جمَاعَة المعتزين المنتمين إِلَى الْإِيمَان ليستيقن عِنْد ذَلِك الجري على حَقِيقَة الْآيَة. على أَنا نقُول: فِي حمل الْآيَة على هَذَا الْمحمل، مَعَ الْعلم بانطواء الغيوب وقضايا الْأَسْرَار عَنَّا، تسبب إِلَى تَكْلِيف الْمحَال وَمَا لَا يُطَاق، وَهَذَا من أقبح القبائح عنْدكُمْ. (سُؤال) ١٣٤٧ - فَإِن قيل: فقد قرن الله تَعَالَى الزّجر والوعيد بخصلتين: إِحْدَاهمَا: مشاقة الرَّسُول [ ﷺ ] . وَالْأُخْرَى: اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ. فَإِذا أردتم تَحْقِيق الزّجر والوعيد فِي إِحْدَاهمَا إِذا تجردت، كُنْتُم متحكمين على مُقْتَضى الْآيَة. قَالُوا: وَبَيَان ذَلِك أَنه عز اسْمه قَالَ: ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ . فَذكر الْأَمريْنِ بِحرف عاطف جَامع، ثمَّ

стр. 960

عقبهما بالوعيد. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه إِسْقَاط مِنْكُم لمقْتَضى الْآيَة، فَإِنَّهُ قد وضح من موجبهما تَأْثِير اتِّفَاق الْمُؤمنِينَ على سَبِيل، فَإِذا حملتم الْآيَة على هَذَا الْمحمل - مَعَ مَا وضح من اعتقادكم أَن إِجْمَاع الْمُؤمنِينَ، لَا حكم لَهُ أصلا - فَينزل ذَلِك منزلَة الْجمع بَين شَيْئَيْنِ فِي الْخطاب، لَا تَأْثِير لأَحَدهمَا بِحَال فِيمَا " سبق " الْخطاب لَهُ. وَيكون ذَلِك كَمَا لَو قَالَ: من ظلم وَأحسن فَلهُ سوء الْعَاقِبَة، وَمن جَازَ وَتصدق نوله مَا تولى، وَهَذَا يعد من لَغْو الْكَلَام. وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك: أَن ذكر الْمُؤمنِينَ - مَعَ أَنه لَا أثر لذكرهم - كذكر كل مَذْكُور سواهُم، مِمَّا لَا أثر لَهُم، وَهَذَا تَصْرِيح بإلغاء الْخطاب. ثمَّ " يقوم " فِيمَا ذكرتموه مُخَالفَة مِنْكُم لاعتقادكم. وَذَلِكَ أَن مشاقة الرَّسُول [ ﷺ ] تَقْتَضِي الْوَعيد لَو تجردت، فَإِذا ... . . قرن المشاقة بِوَصْف آخر. فَكَمَا يلْزمنَا على قَود كلامكم رِعَايَة الاقتران فِي الْإِجْمَاع بالمشاقة، فيلزمكم من ضَرُورَة هَذَا الْكَلَام رِعَايَة اقتران المشاقة بِمَا قرن لَهَا، وَهَذَا وَاضح فِي إِسْقَاط السُّؤَال. ١٣٤٨ - فَإِن قَالُوا: " تحمل " الْآيَة على سَبِيل يتَّفق فِيهِ مشاقة الرَّسُول [ ﷺ ] .

стр. 961

قُلْنَا: هَذَا إِعَادَة / مِنْكُم لل سؤال الأول بِعِبَارَة أُخْرَى. على أَنا نقُول: ثَبت من فحوى الْخطاب ضَرُورَة، أَن الْمَقْصُود تَعْظِيم أَمر الْمُؤمنِينَ وتوبيخ " مخالفيهم ". وَهَذَا الَّذِي ذكرتموه يبطل هَذَا الْمَعْنى، فَإِن الْيَهُود لَو اتَّخذت سَبِيلا فِي فعل من أفعالها وَقَول من أقوالها، ومخالفتهم تجر الْمُخَالف الى مشاقة الرَّسُول [ ﷺ ] فَلَا يسوغ إِظْهَار مَا يَقْتَضِي الْمُخَالفَة، فَلَا معنى لتخصيص الْمُؤمنِينَ بِالذكر، فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه. (سُؤال) ١٣٤٩ - فَإِن قَالُوا: إِن خصصتم الْمُؤمنِينَ بالموجودين فِي زمن رَسُول الله [ ﷺ ] فيلزمكم تَخْصِيص الْإِجْمَاع بِأَهْل عصر رَسُول الله [ ﷺ ] . وَإِن حملتم الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِم وعَلى غَيرهم، فيلزمكم أَن تَقولُوا: إِن ذَلِك مَحْمُول على كل مُؤمن سَيكون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. فَلَا يتَبَيَّن الْإِجْمَاع إِلَّا بعد انْقِضَاء " الدُّنْيَا ". قُلْنَا: كل مَا ذكرتموه " مفض " لإِسْقَاط مُوجب الْآيَة، وحيد مِنْكُم عَن المُرَاد بهَا. فَإنَّا نعلم قطعا، إِنَّه لَيْسَ المُرَاد تَوْقِيف المخاطبين فِي امْتِثَال مُوجب الْخطاب إِلَى قيام السَّاعَة. وَمن حمل الْآيَة على هَذَا الْمحمل، فنعلم بضرورة الْعقل بِحَيْثُ لَا نستجيز " الريب " فِيهِ أَنه حمل الْآيَة على غير مَا أُرِيد بهَا.

стр. 962

وَالَّذِي يُوضح ذَلِك: أَن من قَالَ لغيره: " اتبع سَبِيل الصَّالِحين "، فَلَيْسَ يُرِيد بذلك من سَيكون من الصَّالِحين الى يَوْم الْقِيَامَة! على أَنا نقُول: لَو حملنَا الْآيَة على أهل عصر الرَّسُول [ ﷺ ]- فَإِنَّهُم الَّذين كَانُوا منعوتين بِحَقِيقَة الْإِيمَان عِنْد وُرُود الْخطاب - فتقوم الْحجَّة بِإِثْبَات إِجْمَاعهم حجَّة قَاطِعَة. وَالْمَقْصُود إِثْبَات الِاسْتِدْلَال فِي إِثْبَات الْإِجْمَاع، إِمَّا خُصُوصا وَإِمَّا عُمُوما. فَهَذِهِ جمل من الأسئلة ترشدك الى امتثالها، ويهون عَلَيْك وَجه الِانْفِصَال عَن كل محَال من سُؤال. (عود على ذكر أَدِلَّة ثُبُوت الْإِجْمَاع) ١٣٥٠ - وَرُبمَا يسْتَدلّ مُثبت الْإِجْمَاع بآي من كتاب الله تَعَالَى: وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ .

стр. 963

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ خلقنَا أمة يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ﴾ . (طَريقَة أُخْرَى فِي إِثْبَات الْإِجْمَاع) ١٣٥١ - وَهِي الِاسْتِدْلَال بِالْمَعْنَى المتظافر فِي الْأَلْفَاظ [الَّتِي] نقلهَا الثِّقَات عَن رَسُول الله [ ﷺ ] . مِنْهَا: مَا يرويهِ عمر بن الْخطاب ﵁ وَعبد الله بن مَسْعُود وَغَيرهمَا من كبراء الصَّحَابَة الَّذين [لَا يُحصونَ] كَثْرَة أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " لَا تَجْتَمِع أمتِي على خطأ " وَفِي بَعْضهَا: " لَا تَجْتَمِع أمتِي على الضلال "، وَفِي بَعْضهَا: " لم يكن الله ليجمع أمتِي على الضَّلَالَة، وَسَأَلت الله لَا يجمع أمتِي على الضَّلَالَة، فَأَعْطَانِيهَا ". وَفِي بَعْضهَا: " من سره أَن يدْخل الْجنَّة فليلزم الْجَمَاعَة ". وَقَالَ [ ﷺ ] " لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي على الْحق ظَاهِرين، لَا يضرهم خلاف من خالفهم "، وَفِي بَعْضهَا: " من فَارق الْجَمَاعَة قيد شبر فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه " إِلَى غير ذَلِك من الْأَلْفَاظ الَّتِي يطول تعدادها.

стр. 964

١٣٥٣ - وَالْأولَى أَن نقُول: قد علمنَا قطعا انتشار احتجاج السّلف، فِي الْحَث على مُوَافقَة الْأمة واتباعها والزجر على مخالفتها، بِهَذِهِ الْأَخْبَار الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَمَا أبدع مبدع فِي " الْعَصْر " الخالية بِدعَة إِلَّا وبخه عُلَمَاء عصره على ترك الِاتِّبَاع وإيثار الابتداع، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بالألفاظ الَّتِي قدمناها، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَى جَحده، وَقد تحقق ذَلِك فِي زمن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ، وَلم يظْهر أحد قبل النظام مطعنا فِي الْأَحَادِيث. فلولا أَنهم علمُوا قطعا صدق الروَاة، لوَجَبَ فِي مُسْتَقر الْعَادة أَن [يَبْدُو]- وَلَو شرذمة - فِي الْأَخْبَار ضربا من المطاعن. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك، أَن هَذِه الْأَخْبَار لَو كَانَت سَبِيلهَا الْآحَاد - وَهِي لَا توجب الْقطع - لذكر بعض من سبق: أَن الِاحْتِجَاج بالآحاد لَا يسوغ، فَلَمَّا لم يظْهر ذَلِك مِنْهُم، علمنَا قطعا اعْتِقَادهم صدق الروَاة فِيمَا نقلوه. (دفع شُبْهَة أَن أحدا قبل النظام أنكر الْإِجْمَاع) ١٣٥٤ - فَإِن قَالَ قَائِل: هَذَا الَّذِي ذكرتموه مَبْنِيّ على دَعْوَى، لَا توافقون عَلَيْهَا، وَهُوَ أَن أحدا قبل النظام لم يُنكر الْإِجْمَاع، وَلم يقْدَح فِي الْأَخْبَار الَّتِي نقلتموها.

стр. 965

فَلم قُلْتُمْ ذَلِك؟ وَمَا يؤمنكم أَن ذَلِك كَانَ، وَلم ينْقل ﴿أَو نقل وَلم يَصح عنْدكُمْ؟ قُلْنَا: نَعْرِف ذَلِك بقضية الْعَادة وَوُجُوب استمرارها فِي حكم الْمَعْقُول. فَإِن تَجْوِيز " خلف " الْإِجْمَاع وَترك اتِّبَاع الْأمة مِمَّا يعظم خطره، إِذْ على الْإِجْمَاع ابتنى مُعظم أصُول الشَّرِيعَة، فَلَو خَالف فِيهِ مُخَالف، لنقل خِلَافه فِي هَذَا الْأَمر الْعَظِيم والخطب الجسيم. فَإِن مَا هَذَا سَبيله، لَا يجوز خفاؤه فِي طَرِيق النَّقْل. ١٣٥٥ - وبمثل هَذِه الطَّرِيقَة نرد على قَول من يَقُول من أهل الزيغ: إِن الْقُرْآن عورض فِيمَا سبق من الْأَعْصَار، وَلم تنقل معارضته نقل صِحَة﴾ فَنَقُول: لَو كَانَ ذَلِك - مَعَ توفر دواعي الْكَفَرَة فِي التَّسَبُّب إِلَى هدم الدّين وتتبع حججه الباهرة " وبيناته " الزاهرة - لنقل ذَلِك فِي مُسْتَقر الْعَادة. هَذَا، والنظام - مَعَ خموله وَقلة خطره فِي النُّفُوس، وَكَونه معدودا فِي أحزاب الْفُسَّاق - لما أظهر الْخلاف فِي الْإِجْمَاع، اشْتهر عَنهُ، وَتَقْرِير مَا ذَكرْنَاهُ فِي اسْتِقْرَار الْعَادة، سهل. ١٣٥٦ - فَإِن قيل: هَذَا الَّذِي ذكرتموه، إِن سلم لكم، فَهُوَ بِنَاء مِنْكُم على حكم الْعَادة الثَّابِتَة فِي الْحَال، فَمَا يؤمنكم أَن عادات من قبلكُمْ لم تكن مشابهة لعاداتنا! ؟ قُلْنَا: هَذَا الْآن تعرض مِنْكُم لجحد الضَّرُورَة، فَإنَّا كَمَا نعلم اسْتِمْرَار الْعَادَات فِي زمننا، فنعلم ذَلِك فِي زمن من قبلنَا ضَرُورَة، وَهَذَا كَمَا أَنا لما

стр. 966

علمنَا بمجرى الْعَادة، أَن أهل التَّوَاتُر لَا يخبرون عَن مُشَاهدَة، وهم كاذبون، فَهَذَا مِمَّا اسْتَوَت عَلَيْهِ الْأَعْصَار، وَكَذَلِكَ نعلم ضَرُورَة أَن الطَّعَام وَالشرَاب / كَانَا يشبعان ويرويان من قبلنَا، على اطراد الْعَادة، فَلَو سَاغَ " تنفيض " الْعَادة، لأفضى بذلك إِلَى ضروب من الجهالات. ١٣٥٧ - فَإِن قيل: هَذَا الَّذِي ذكرتموه، لَو ثَبت لكم، [لَكَانَ] اسْتِدْلَالا مِنْكُم فِي إِثْبَات الْإِجْمَاع بِنَفس الْإِجْمَاع، وَهَذَا من أهم الأسئلة، فَتَأَمّله. قَالُوا: فَأكْثر مَا فِي الْبَاب أَن نسلم لكم اتِّفَاق من قبل النظام على مَا ادعيتموه، فَمن أَيْن لكم أَن اتِّفَاقهم يدل على تَصْدِيق الروَاة قطعا؟ وَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَنهم وَإِن اتَّفقُوا على مَا ادعيتموه، فهم كَانُوا مخطئين فِيمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ! ؟ قُلْنَا: لم نستدل عَلَيْكُم من الْوَجْه الَّذِي ظننتموه، وَإِنَّمَا استدللنا عَلَيْكُم بقضية الْعَادة الَّتِي ينتسب جاحدها الى رفض الضَّرُورَة، فَقُلْنَا: لَو كَانَ فِيمَا تمسك بِهِ من قبل النظام ريب - كَمَا ادعيتموه - لوَجَبَ فِي مُسْتَقر الْعَادة أَن يظْهر ذَلِك عَن أحد، فَإِنَّهُ يبعد فِي قَضِيَّة الْعَادة أَن يخفي الشَّيْء الظَّاهِر على أهل الْإِجْمَاع مَعَ شدَّة فحصهم واعتنائهم بتمييز الْحق عَن الْبَاطِل. فَهَذَا مِمَّا لَا يسوغ فِي الْعَادَات، وَلَيْسَ سَبيله سَبِيل الْإِجْمَاع الَّذِي ظننتموه. وبمثل هَذِه الطَّرِيقَة تقرر عندنَا أَن الْقُرْآن لم يُعَارض، كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي

стр. 967

صدر الدّلَالَة، فَلَمَّا لم يظْهر من أحد طعن فِي الحَدِيث، فَمَا ذَاك إِلَّا لثُبُوت الصدْق فِيهِ قطعا. ١٣٥٨ - فَإِن قيل: فَمَا يؤمنكم أَن الَّذين قبل النظام اعتقدوا صِحَة الْإِجْمَاع، وَلَكِن لَا عَن الحَدِيث الَّذِي تمسكتم بِهِ، فَمن أَيْن لكم أَنهم اعتقدوا مَا اعتقدوه عَمَّا نقلتموه؟ قُلْنَا: قد بَينا ظُهُور التَّمَسُّك بِمَا قدمْنَاهُ من الْأَخْبَار ووضوحه " عَن الانتشار " وَلَو لم يكن الْخَبَر مَقْطُوعًا لَهُ، لقَالَ بعض أهل الْأَعْصَار: إِنَّه لَا يتَمَسَّك فِيمَا يطْلب فِيهِ الْقطع بِمَا لَا يَقْتَضِي الْقطع، فَلَمَّا لم يبد هَذَا الضَّرْب من النكير فِي الْعَصْر الخاليه، دلّ على مَا قُلْنَاهُ دلَالَة ظَاهِرَة. (ذكر أسولة الْقَوْم فِي تَأْوِيل الْأَحَادِيث وصرفها عَن ظواهرها) ١٣٥٩ - فَإِن قَالُوا: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الْمَعْنى بقوله [ ﷺ ] : (لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضَلَالَة) أَن الله لَا يجمعها على الضَّلَالَة إِذْ لَا يسوغ فِي حكمته وعدله عَن ذَلِك، فَهَذَا هُوَ المُرَاد بالْخبر، وَأما الْعباد لَو اجْتَمعُوا بِأَنْفسِهِم على الضَّلَالَة فَلَا استنكار فِيهِ، وبنوا هَذَا السُّؤَال [على] جحد الْقدر. فَنَقُول: إِنَّمَا يسْتَقرّ هَذَا السُّؤَال لَو ثَبت لكم مَا تهذون بِهِ فِي التَّعْدِيل

стр. 968

والتجوير، وهيهات! فَرد أَسبَاب أَهْون من إثْبَاته. ١٣٦٠ - على أَنا نقُول: لَو كَانَ الْأَمر على مَا قلتموه، لم يكن لتخصيص الْأمة فَائِدَة. فَإِن مَا ذكرتموه يَتَقَرَّر فِي الْوَاحِد تقرره فِي الْأمة، إِذْ لَا يسوغ فِي حكمته - تَعَالَى عَن قَوْلهم - أَن يضل وَاحِدًا، كَمَا لَا يسوغ أَن يضل السّريَّة، وَكَذَلِكَ فَلَا اخْتِصَاص لهَذِهِ الْأمة فِي مُقْتَضى أصلكم، فَتبين بطلَان مَا قلتموه. ١٣٦١ - على أَنا نقُول: قد أوضحنا بِمَا قدمنَا، أَن الَّذين سبقوا كَانُوا يحرصون على الِاتِّبَاع، ويزجرون عَن الابتداع، ويأمرون بموافقة أهل الْإِجْمَاع، ويوبخون مخالفيهم بالأخبار المنطوية على اقْتِضَاء الِاتِّبَاع، فَلَو كَانَ معنى الْأَحَادِيث مَا ذكرتموه، لما خفى ذَلِك فِي مُسْتَقر الْعَادة على الَّذين سبقُونَا. ١٣٦٢ - فَإِن قَالُوا: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن النَّبِي [ ﷺ ] أَرَادَ بالضلال الْكفْر وَالْخُرُوج عَن الدّين، وَبَين أَن أمته لَا يخرجُون عَن الدّين / جملَة، ويبقون عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَمن أَيْن لكم وجوب اتباعهم فِي أَحْكَام الشَّرَائِع وآحاد الْمسَائِل، إِذا اتَّفقُوا على أَحْكَامهَا؟ وأوضحوا ذَلِك بِأَن قَالُوا: الضلال لَا يُنبئ إِلَّا عَمَّا قُلْنَاهُ، وَالْخَطَأ فِي أَحْكَام الْفُرُوع لَا يُسمى ضلالا. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه بَاطِل من أوجه:

стр. 969

أَحدهَا: إِن من أصل النظام، أَنه يجوز أَن تَجْتَمِع الْأمة على ضلال، فَإِنَّهُ لايسوغ التَّمَسُّك بِالْإِجْمَاع فِي الديانَات، كَمَا لَا يسوغه فِي الشرعيات. فَهَذَا تحكم مِنْهُم لَا يُوَافق " مَذْهَبهم ". على أَنا نقُول: كل حيد عَن السّنَن المرسوم عقلا وسمعا، سمي ضلالا على الْحَقِيقَة. وَمِنْه سمي الضال عَن الطَّرِيق ضَالًّا، واللفظة ضَالَّة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة مُوسَى ﵇، قَالَ: ﴿فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين﴾ ، وَلم يرد من الْكَافرين، إِنَّمَا أَرَادَ من المخطئين. ثمَّ نقُول: قد ورد فِي بعض " الْأَلْفَاظ " مُشْتَمِلًا على " الْخَطَأ "، فلئن [اسْتمرّ] فِي الضلال مَا قلتموه، فَلَا يسْتَمر فِي الْخَطَأ. على أَنا أوضحنا: أَن من قبلنَا استدلوا [بِهِ] فِي وجوب الِاتِّبَاع عُمُوما، وَلم يخصصوه بضروب من الْأَشْيَاء، بِمَا قدمْنَاهُ من الْأَخْبَار، وَلم يُؤثر عَنْهُم تَخْصِيص التحريض على الِاتِّبَاع بِحكم دون حكم. ١٣٦٣ - فَإِن قَالُوا: بِمَ تنكرون على من يزْعم، أَن النَّبِي [ ﷺ ] إِنَّمَا أمرنَا بِاتِّبَاع الْأمة، فِيمَا وَافَقت فِيهِ نَص كتاب؟ قُلْنَا: هَذَا تَخْصِيص مِنْكُم للْعُمُوم، وَمن يَقُول بِهِ، يصدكم عَن ذَلِك من غير إِقَامَة الدّلَالَة.

стр. 970

على أَنا نقُول: " الْعلم " من مُقْتَضى الْأَخْبَار: وجوب الِاتِّبَاع فِيمَا يُؤثر فِيهِ الْإِجْمَاع، ويقتضيه الْإِجْمَاع، فَإِذا فرضتم الْكَلَام فِي مَسْأَلَة فِيهَا نَص، فَلَا أثر للْإِجْمَاع إِذا، بل النَّص يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فِي إثارة الحكم، ثمَّ كل مَا ذكرتموه تحكم مِنْكُم، فَإنَّا نعلم أَن من قبلنَا، لم يخصص التحريض على الِاتِّبَاع والتمسك فِي تَحْقِيقه بالأخبار بمورد نَص، بل عمموا ذَلِك. فَلَو صَحَّ مَا قَالُوهُ، لأبداه أهل الْعَصْر السَّابِقَة وأظهروه. ١٣٦٤ - فَإِن قَالُوا: بِمَ تنكرون على من يزْعم: إِنَّه أَرَادَ بالأمة من سَيكون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة؟ فَلَا يسْتَقرّ الْإِجْمَاع إِذا إِلَّا بانتهاء الدُّنْيَا. قُلْنَا: هَذَا تَصْرِيح مِنْكُم برد الْأَخْبَار، وَوجه من تمسك قبلنَا بهَا، فَإنَّا نعلم أَن الَّذين سبقُونَا، تمسكوا بهَا فِي الْأَمر بالاتباع، وَلَو كَانَ مَعْنَاهُ مَا قلتموه، لما تحقق استفادة الِاتِّبَاع مِنْهَا بِحَال، فَتبين أَن مَا ذَكرُوهُ تعنت مِنْهُم، وحيد عَن المُرَاد بالأخبار. وَلَهُم أسولة سوى مَا ذَكرْنَاهُ ويسهل " التفصي " عَنْهَا. (ذكر ضرب آخر من مطاعنهم فِي الْأَخْبَار الَّتِي ذكروها) ١٣٦٥ - فَإِن قَالُوا: لَئِن سَاغَ لكم التَّمَسُّك بِمَا قلتموه، فَنحْن نقابله بِمَا يُضعفهُ ويوهنه من كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله [ ﷺ ] .

стр. 971

فمما اعتصموا بِهِ: الظَّوَاهِر الدَّالَّة فِي كتاب الله تَعَالَى على النَّهْي عَن المزاجر وضروب التحذير فِيهِ، و " أموا " إِلَى كل آيَة فِيهَا وزجر، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الربوا﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال اليتمى ظلما﴾ وَغَيرهَا من مرادع الْقُرْآن. قَالُوا: وَقد ثَبت أَن كَافَّة الْأمة مخاطبون بذلك، منهيون [عَنهُ] فَلَو كَانَ لَا يتَصَوَّر من جَمِيعهم الْإِجْمَاع عَلَيْهِ، لما تعلق الْخطاب بهم! فَإِن الْخطاب يتَعَلَّق بِمن يتَصَوَّر مِنْهُ مُخَالفَته وموافقته. ١٣٦٦ - قُلْنَا: هَذَا الَّذِي ذكرتموه، تحكم مِنْكُم، فَمن أَيْن لكم أَن من شَرط توجه الْخطاب تصور الْمُخَالفَة من المخاطبين؟ فَهَذَا مِمَّا ننازعكم فِيهِ أَشد الْمُنَازعَة. هَذَا رَسُول الله [ ﷺ ] تَوَجَّهت عَلَيْهِ مناه " تجب " عصمته فِيهَا / [مِنْهَا] قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿فاستقم كَمَا أمرت﴾

стр. 972

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تتبع أهواءهم﴾ . وَقَالَ تَعَالَى لنوح ﵇: ﴿إِنِّي أعظك أَن تكون من الْجَاهِلين﴾ إِلَى غير ذَلِك مِمَّا توجه على الْأَنْبِيَاء، صلوَات الله عَلَيْهِم من ضروب المزاجر، مَعَ وجوب عصمتهم عَنْهَا. ١٣٦٧ - وَرُبمَا يستدلون بِمَا رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع: (لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا، يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض) ، وَرُبمَا استروحوا إِلَى قَوْله [ ﷺ ] : (لَا تقوم السَّاعَة إِلَّا على شرار النَّاس) وَقَول: (بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبا، وَسَيَعُودُ غَرِيبا) ، وَلَا مستروح لَهُم فِي شَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ

стр. 973

من الْآحَاد، الَّتِي لَا تكَاد تبلغ مبلغ الاستفاضة، لَا فِي اللَّفْظ وَلَا فِي الْمَعْنى. فَأَما قَوْله [ ﷺ ] : (لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا) ، فَلم يرد بِهِ جَمِيعهم، و " إِنَّمَا " أَرَادَ طَائِفَة مِنْهُم لَا بأعيانهم، ويقوى ذَلِك على نفي الْعُمُوم. ١٣٦٨ - على أَنا نقُول للنظام: أَلَسْت قلت فِي تَأْوِيل الْأَخْبَار الَّتِي تمسكنا بهَا أَن الْمَعْنى بهَا " فِي " أَن الْأمة لَا تَجْتَمِع على كفر وضلالة؟ فَمَا وَجه احتجاجك الْآن بِهَذَا الْخَبَر؟ ١٣٦٩ - وَإِن كَانَ الِاحْتِجَاج من الإمامية، فَيُقَال لَهُم: أَلَيْسَ من أصلكم أَن قَول الإِمَام الْمَعْصُوم حجَّة قَاطِعَة؟ وَهُوَ مِمَّن تجب عصمته! فَبِمَ تنكرون أَنه دَاخل تَحت هَذِه المزاجر الَّتِي تمسكتم بهَا؟ فَإِن زَعَمُوا أَن لَا يدْخل تحتهَا، وَهُوَ مُسْتَثْنى مَخْصُوص عَن النَّاس، فَيَنْبَغِي أَن لَا ينكروا منا التَّخْصِيص أَيْضا. ١٣٧٠ - وَرُبمَا يسْتَدلّ منكروا الْإِجْمَاع، بِمَا قدمنَا من دَعْوَى اسْتِحَالَة الْإِجْمَاع، ووجوه اسْتِحَالَة النَّقْل عَن الْأمة وَإِن تصور إِجْمَاعهم، وَقد استقصينا القَوْل فِي ذَلِك بِمَا فِيهِ بَلَاغ. ١٣٧١ - فَإِن قَالُوا: مَا من أحد من أهل الْإِجْمَاع إِلَّا وَهُوَ بصدد الزلل، فَمَا بالهم إِذا اجْتَمعُوا خَرجُوا عَن هَذَا الْجَوَاز؟ وَالْجَوَاب عَن هَذَا أَن نقُول: مَا ذكرتموه يبطل عَلَيْكُم بِنَقْل أهل التَّوَاتُر الْأَخْبَار عَن المشاهدات، فَإِنَّهُ ثَبت صدقهم ضَرُورَة - والنظام لَا يُنكر ذَلِك - وكل وَاحِد مَوْصُوف بِأَنَّهُ لَو انْفَرد بِالنَّقْلِ جَازَ عَلَيْهِ.

стр. 974

١٣٧٢ - ثمَّ نقُول: خبرونا، هَل فِي مقدورات الرب تَعَالَى أَن يعْصم الْأمة إِذا اتّفقت، مَعَ أَن حيدها عَن الْحق من قبيل المقدورات؟ فَإِن قَالُوا: ذَلِك فِي الْمَقْدُور. قُلْنَا: فَلَا نستنكره إِذا دلّت عَلَيْهِ الدّلَالَة. (٢٤٤) فصل (فِي أَن الْإِجْمَاع إِذا ثَبت فَيجب اتِّبَاعه) ١٣٧٣ - فَإِن قَالَ قَائِل: إِن سلم لكم مَا ادعيتموه من أَن مَا اجْتمعت عَلَيْهِ الْأمة صَوَاب حق، فَلم قُلْتُمْ: إِنَّه يجب اتباعهم؟ وَرب صَوَاب يصدر، وَلَا يجب اتِّبَاع صَاحبه فِيهِ؟ قَالُوا: وَهَذَا كَقَوْلِهِم: إِن كل مُجْتَهد مُصِيب ثمَّ لَا يجب اتِّبَاع كلهم، وَكَذَلِكَ الْمُسَافِر، يُصِيب فِي اسْتِبَاحَة الرُّخص، وَلَا يتبعهُ الْمُقِيم، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يكثر عده. قُلْنَا: كل مَا قدمْنَاهُ من الْأَدِلَّة على إِثْبَات الْإِجْمَاع، فَهُوَ مَبْنِيّ على وجوب الِاتِّبَاع. وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ فصريح فِي الْأَمر بالاتباع، كَمَا قدمْنَاهُ وَكَذَلِكَ الْأَخْبَار الَّتِي اعتصمنا بهَا. " فَلم نقل " إِن الْأمة يجب اتباعها لكَون مَا اجْتمعت عَلَيْهِ حَقًا، ليلزمنا مَا قلتموه. ١٣٧٤ - ثمَّ نقُول: إِذا ثَبت إِجْمَاع الْأمة لَا يكون إِلَّا على صَوَاب،

стр. 975

فمما اجْتمعت عَلَيْهِ، وجوب الِاتِّبَاع عِنْد تَقْدِير الِاجْتِمَاع، فَإِن النَّاس حزبان: مِنْهُم من يُنكر الْإِجْمَاع، وَيَزْعُم أَن مَا أجمع [عَلَيْهِ] أهل الْإِجْمَاع، يجوز أَن يكون خطأ، وَمِنْهُم من يقطع بِكَوْنِهِ صَوَابا. وَلَا قَائِل / بِأَنَّهُ صَوَاب غير متتبع فالمصير إِلَى تثبيت الصَّوَاب، مَعَ القَوْل بِنَفْي وجوب الِاتِّبَاع، إِحْدَاث قَول ثَالِث، مفض إِلَى خرق " الْإِجْمَاع " فَبَطل مَا قَالُوهُ من كل وَجه. ((٢٤٥) القَوْل فِي أَوْصَاف المجمعين وَذكر من يعد خِلَافه، وَمن لَا يعد خِلَافه) ١٣٧٥ - اعْلَم، وفقك الله، أَن الِاعْتِبَار فِي الْإِجْمَاع بعلماء الْأمة، حَتَّى لَو قَدرنَا من وَاحِد من الْعَوام، اخْتِلَاف مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء، لم يكترث بِخِلَافِهِ، وَهَذَا ثَابت اتِّفَاقًا وإطباقا. إِذْ لَو قُلْنَا: إِن " خلاف " الْعَوام يقْدَح فِي الْإِجْمَاع - مَعَ أَنهم لَا يَقُولُونَ مَا يَقُولُونَ إِلَّا عَن جهل وحدس، وَلَا يصدرون " أَقْوَالهم عَن الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة - أفْضى هَذَا الى اعْتِبَار خلاف من يعلم أَنه قَالَ مَا قَالَه عَن غير أصل وَدَلِيل، على أَن الْأمة أَجمعت علماؤها وعوامها أَن خلاف الْعَوام لَا مُعْتَبر بِهِ، وَقد مر على هَذَا الْإِجْمَاع عصر، فَثَبت

стр. 976

بِمَا قُلْنَاهُ أَلا مُعْتَبر بِخِلَاف الْعَوام. ١٣٧٦ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِذا أجمع عُلَمَاء الْأمة على حكم من الْأَحْكَام، فَهَل تطلقون القَوْل، بِأَن الْأمة مجمعة عَلَيْهِ، أَو مَا قَوْلكُم فِيهِ؟ قُلْنَا: من الْأَحْكَام، مَا يحصل فِيهِ اتِّفَاق الْخَاص وَالْعَام، نَحْو وجوب الصَّلَوَات وَوُجُوب أصل الزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج " وَغَيرهَا " من أصُول الشَّرِيعَة، فَمَا هَذَا وَجهه، فيطلق القَوْل، بِأَن الْأمة أَجمعت عَلَيْهِ. وَأما مَا أجمع عَلَيْهِ الْعلمَاء من أَحْكَام الْفُرُوع الَّتِي تشذ عَن الْعَوام، فقد اخْتلف أَصْحَابنَا فِي ذَلِك: فَقَالَ بَعضهم: الْعَوام " مدخولون " فِي حكم الْإِجْمَاع، وَذَلِكَ أَنهم وَإِن لم يعرفوا تَفْصِيل الْأَحْكَام، فقد عرفُوا على الْجُمْلَة، أَن مَا أجمع عَلَيْهِ عُلَمَاء الْأمة فِي تفاصيل الْأَحْكَام، فَهُوَ حق مَقْطُوع بِهِ، فَهَذَا وَجه مساهمة مِنْهُم فِي الْإِجْمَاع، وَإِن لم يعلمُوا مواقعه على التَّفْصِيل.

стр. 977

وَمن أَصْحَابنَا من زعم أَنهم لَا يكونُونَ مساهمين فِي الْإِجْمَاع، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يتَحَقَّق الْإِجْمَاع فِي التفاصيل بعد الْعلم بهَا، فَإِذا لم يَكُونُوا عَالمين بهَا. فَلَا يتَحَقَّق كَونهم من أهل الْإِجْمَاع فِيهَا. ١٣٧٧ - وَاعْلَم أَن هَذَا اخْتِلَاف يهون أمره، ويؤول إِلَى عبارَة مُحصنَة، وَالْجُمْلَة فِيهِ أَنا إِذا أدرجنا الْعَوام فِي حكم الْإِجْمَاع، فنطلق القَوْل بِإِجْمَاع الْأمة، وَإِن لم ندرجهم فِي حكم الْإِجْمَاع، أَو بدر من بعض طوائف الْعَوام خلاف فَلَا يُطلق القَوْل بِإِجْمَاع الْأمة، فَإِن الْعَوام مُعظم الْأمة وكثرها، بل نقُول: أجمع عُلَمَاء [الْأمة] . ١٣٧٨ - فَإِن قيل: هَل تجوزن أَن يجمع عُلَمَاء الْأمة على حكم من الْأَحْكَام من غير دَلِيل؟ قُلْنَا: هَذَا مِمَّا لَا يجوز بل نحيله، وَذَلِكَ أَن الْأمة أَجمعت على أَنه لَا يجوز إِثْبَات حكم فِيهِ من غير دَلِيل، فَلَو جَوَّزنَا إِجْمَاعهم من غير دَلِيل " خطئَ " إِجْمَاعًا.

стр. 978

(٢٤٦) فصل (هَل الِاعْتِبَار فِي انْعِقَاد الْإِجْمَاع بجملة الْعلمَاء أم يخْتَص ببعضهم ؟) ١٣٧٩ - إِذا ثَبت بِمَا قدمْنَاهُ، أَن الْعبْرَة فِي الْإِجْمَاع بعلماء الْأمة، وهم الَّذين يقْدَح خلافهم، وَيمْنَع من انْعِقَاد الْإِجْمَاع. فَلَو قَالَ قَائِل: أفتعتبرون جملَة الْعلمَاء فِيمَا ذكرتموه، أَو تخصصونه بطَائفَة مِنْهُم؟ قُلْنَا: قد اخْتلف أَرْبَاب الْأُصُول فِي ذَلِك: فَذهب شرذمة مِنْهُم فِي جمع من الْفُقَهَاء إِلَى أَن أهل الْإِجْمَاع فِي أَحْكَام الشَّرْع، هم الَّذين تصدوا للْفَتْوَى، واستجمعوا شرائطها. وَقَالَ آخَرُونَ: الْعبْرَة فِي الْفُقَهَاء، المنفردين بِحِفْظ مسَائِل الْفُرُوع. ١٣٨٠ - قَالَ / القَاضِي ﵁: وَالَّذِي يَصح فِي ذَلِك عندنَا: أَن من لم ينْتَصب للْفَتْوَى، و " لم يتَصَدَّى " لجمع مسَائِل الْفُرُوع - وَلَكِن لما كَانَ من الْعَالمين بأصول الديانَات، وأصول الْفِقْه، وَكَانَ يعلم مواقع الْأَدِلَّة وموجبها، وَوجه إفضائها إِلَى الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، وطرق الاستنباط، ووجوه التَّرْجِيح عِنْد تعَارض الْأَدِلَّة، وَتَقْدِيم بَعْضهَا عِنْد التباس الْحَال، فَهُوَ من أهل الْإِجْمَاع، وَيعْتَبر خِلَافه ووفاقه.

стр. 979

١٣٨١ - وَالدَّلِيل على ذَلِك: أَنا قد ثبتنا الْإِجْمَاع بقوله عز أُسَمِّهِ: ﴿وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ [و] بالأخبار الَّتِي نقلناها وَلَيْسَ فِي قَضِيَّة مَا أَقَمْنَا من الْأَدِلَّة، تَخْصِيص أهل الْفَتْوَى. أَو تَخْصِيص حفظه الْفُرُوع، وَلَوْلَا قيام الْإِجْمَاع، لأدرجنا الْعَوام فِي حكم الْإِجْمَاع، وَلَكِن لما ثَبت بِدلَالَة الْإِجْمَاع أَنه لَا مُعْتَبر بِخِلَاف الْعَوام، لم نعتبرهم، وَبَقِي الْعلمَاء من غير تَخْصِيص فِي حكم الْإِجْمَاع. ١٣٨٢ - وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك: أَن أهل الْإِجْمَاع، هم الَّذين سهل عَلَيْهِم مدرك المشكلات، وَيتَصَوَّر مِنْهُم التَّوَصُّل إِلَيْهَا على يسر، وَأهل الْأُصُول بِهَذِهِ المثابة، فَإِنَّهُم إِذا علمُوا طرق الِاجْتِهَاد وَوجه التَّمَسُّك بأصول الشَّرِيعَة، فَلَا يعجزهم إِذا عنت حَادِثَة، أَن يعرفوا وُجُوه الْمذَاهب فِيهَا فِي " أدنى مَا يقدر ". ثمَّ تكون معرفتهم بطرق الِاجْتِهَاد فَوق معرفَة الْفُقَهَاء " غير " " المحظوظين " بالأصول، ومنزلة الْأُصُولِيِّينَ فِي ذَلِك منزلَة فَقِيه، تشذ عَلَيْهِ مَسْأَلَة، فيطالعها ويتتبعها ويردها إِلَى حفظه. فَثَبت لما قُلْنَاهُ: أَن أَرْبَاب الْأُصُول مِمَّن يستضاء بآرائهم فِي طرق الِاجْتِهَاد وتوصلهم إِلَى أَحْكَام الْفُرُوع، مَعَ " ذهابهم " عَن بعض الْفُرُوع

стр. 980

" الحفظية "، أقرب من توصل الْفُقَهَاء، مَعَ ذهابهم عَن أسرار الْأُصُول وحقائق الِاجْتِهَاد. ١٣٨٣ - وَمن أوضح مَا يدل على ذَلِك، أَنا نعلم أَن الصَّحَابَة، كَانُوا يعتبرون خلاف من لم يشْهد مِنْهُ فِي الصَّحَابَة تعيد للْفَتْوَى، نَحْو الزبير وَطَلْحَة وَغَيرهمَا من عُلَمَاء الصَّحَابَة الَّذين لم يشْهد عَنْهُم الانتصاب للْفَتْوَى، كَمَا اشْتهر عَن الْخُلَفَاء ومعاذ وَابْن مَسْعُود وَغَيرهم، ثمَّ كَانُوا يعتبرون خلاف من عداهم. وَالَّذِي يُوضح ذَلِك، إِيقَاع عمر بن الْخطاب ﵁ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَطَلْحَة وسعدا فِي الشورى ورتب الْإِمَامَة الْعُظْمَى، فوضح بذلك مَا قُلْنَاهُ.

стр. 981

١٣٨٤ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَل يسوغ لأرباب الْأُصُول إِذا قَالَ الْفُقَهَاء قولا، أَن يقلدوهم فِيمَا قَالُوهُ، من غير تفحص وَتَحْقِيق؟ قُلْنَا: لَو فعلوا ذَلِك مَعَ الْقُدْرَة على الفحص على طَرِيق الِاجْتِهَاد، لم يَكُونُوا معذورين، بل عَلَيْهِم بذل " كنه "

стр. 982

المجهود، ويستقصى القَوْل فِي ذَلِك عِنْد ذكرنَا التَّقْلِيد، وتجويز اتِّبَاع الْعَالم الْعَالم، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (٢٤٧ فصل) (من تَقْتَضِي الْأَدِلَّة تكفيره، فَلَا يكترث بِخِلَافِهِ ووفاقه) ١٣٨٥ - اعْلَم، وفقك الله، أَن من أَجمعت الْأمة على تكفيره وانسلاله عَن الدّين، فَلَا مُعْتَبر بِخِلَافِهِ ووفاقه. فَأَما الَّذين اقْتَضَت الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة تكفيرهم بِمَا اعتقدوه وأبدعوه، وَرُبمَا لَا يدْرك وَجه تكفيرهم إِلَّا المميزون بِعلم الْأُصُول - فَإِن التَّكْفِير مِمَّا يدق النّظر فِيهِ - فَمَا حكمهم؟ وَهل يعْتد بخلافهم ووفاقهم؟ ١٣٨٦ - قَالَ القَاضِي ﵁: من تَقْتَضِي الْأَدِلَّة تكفيره، فَلَا يكترث بِخِلَافِهِ ووفاقه أصلا، فَإِنَّهُ قد وضح بالأدلة خُرُوجه عَن الدّين، فلحق / بالكفار الْمُجَاهدين بالْكفْر، وَهَذَا ثَبت إِجْمَاعًا، فَإِن الْأمة مجمعة، على أَن من ثَبت كفره، لَا يعْتد بِخِلَافِهِ فِي الْمسَائِل " الْحكمِيَّة ".

стр. 983

١٣٨٧ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَهَلا اعتبرتم فِي التَّكْفِير الْإِجْمَاع؟ حَتَّى لَا تكفرُوا إِلَّا من أَجمعت الْأمة على تكفيره. قُلْنَا: الْكَلَام فِي التَّكْفِير يطول تتبعه، وَهُوَ مِمَّا يستقصى فِي الديانَات. وَالْجُمْلَة فِي ذَلِك: أَن من وضح عِنْده كفر قوم بِالدّلَالَةِ الْعَقْلِيَّة، فَلَا تحْتَاج الدّلَالَة الْعَقْلِيَّة إِلَى الاعتضاد بِالْإِجْمَاع. ١٣٨٨ - فَإِن قَالَ قَائِل: فمعظم الْفُقَهَاء الَّذين لم يحيطوا بالأصول، لَا يكفرون الَّذين يكفرهم المتكلمون، فَهَل تَقولُونَ: إِن الَّذين لم يحيطوا علما بتكفيرهم مخاطبون مكلفون بالاعتقاد بخلافهم، وَالَّذين علمُوا من الْمُتَكَلِّمين وَجه تكفيرهم، فَلَا يعتدون بخلافهم؟

стр. 984

١٣٨٩ - قَالَ القَاضِي ﵁: ذكرنَا فِي بعض مصنفاتنا أَنا لَو قُلْنَا بذلك، لم يبعد حَتَّى نقُول: من أحَاط علما بِمَا يَقْتَضِي تَكْفِير قوم، فَهُوَ يقطع أَنه لَا يعْتد بخلافهم وَمن ذهب عَنهُ مدرك ذَلِك من عُلَمَاء الْأمة، فَهُوَ مُخَاطب بالاعتداد بخلافهم، وَهَذَا كَمَا أَن من بلغه النَّاسِخ، فَهُوَ مُخَاطب بِحكمِهِ، وَمن لم يبلغهُ النَّاسِخ، فَيجب عَلَيْهِ الْإِصْرَار على الحكم. ١٣٩٠ - قَالَ القَاضِي ﵁: ثمَّ وضح عندنَا أَن ذَلِك محَال، فَإِن من دلّت الدّلَالَة على وجوب تكفيره، فَلَا يعْتَبر بِخِلَافِهِ فِي جملَة وَلَا تَفْصِيل، وَأما الْفُقَهَاء الَّذين ذهب عَنْهُم مدرك ذَلِك، فَلَا يخاطبون بالاعتداد بخلافهم، وَلَكنهُمْ مخاطبون بِأَن يَجدوا ويجتهدوا فِي مدرك أَوْصَاف من يعْتد " خِلَافه " ووفاقه، وليعلموا مَا يَقع بِهِ التَّكْفِير، ليتميز الْمَقْصد فِي ذَلِك، فَإِن هَذَا مَا يقدر عَلَيْهِ ويتوصل إِلَيْهِ، إِذْ لَو لم نقل ذَلِك، لزمنا أَن نقُول: قد ينْعَقد الْإِجْمَاع مَقْطُوعًا بِهِ فِي حق الْمُتَكَلِّمين، وَهُوَ غير مَقْطُوع مُنْعَقد فِي حق الْفُقَهَاء، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ، فَإِن الْإِجْمَاع لَا يَتَبَعَّض فِي انْعِقَاده وَلَيْسَ كَذَلِك الَّذِي لم يبلغهُ النَّاسِخ، فَإِنَّهُ غير مقتدر على الْوُصُول إِلَيْهِ، وَالْفُقَهَاء موصوفون بالاقتدار على الْوُصُول إِلَى مُوجب التَّكْفِير، فليجدوا فِيهِ وليحضوا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُم " موصوفون " بالاقتدار عَلَيْهِ على قرب، حَتَّى لَا " يضْطَر " إِلَى تبعيض حكم الْإِجْمَاع، فَيحكم من خص بالأصول بانعقاد الْإِجْمَاع فِي مَسْأَلَة لَعَلَّه بِأَنَّهُ لم يبْق فِيهَا إِلَّا الَّذين تَقْتَضِي

стр. 985

دلَالَة الْعقل تكفيرهم. وَيحكم الَّذين لم يتدبروا مَا يَقع بِهِ التَّكْفِير، بِأَن الْإِجْمَاع لم ينْعَقد بعد. وَكَذَلِكَ من الْمَعْنى أَوجَبْنَا على الْفُقَهَاء تتبع مَا يُوجب التَّكْفِير، حَتَّى لَا يتوقفوا فِي الحكم بانعقاد الْإِجْمَاع فِي أَمْثَال هَذِه الصُّورَة. ١٣٩١ - فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الَّذِي يُوجب التَّكْفِير؟ قُلْنَا: هَذَا لَا مطمع فِي تَقْرِيره فِي هَذَا الْفَنّ. ١٣٩٢ - فَإِن قيل: أَفَرَأَيْتُم لَو صَار صائرون من الَّذين " تكفرونهم " إِلَى مَذْهَب يُخَالف مَا عَلَيْهِ الْبَاقُونَ، ثمَّ إِنَّهُم تَابُوا وأنابوا وَرَجَعُوا عَمَّا يُوجب تكفيرهم، وهم مصرون على الْمَذْهَب الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ، فَهَل يقْدَح ذَلِك الْآن فِي الْإِجْمَاع؟ قُلْنَا: لَا يقْدَح ذَلِك فِي الْإِجْمَاع، وَذَلِكَ أَن الْإِجْمَاع قد انْعَقَد قبل إنابتهم. فَلَا مُعْتَبر بمذهبهم. وَعَلِيهِ مُوَافقَة مَا عَلَيْهِ الْأمة، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم على قَوْلنَا إِن انْقِرَاض الْعَصْر لَا يشْتَرط فِي انْعِقَاد الْإِجْمَاع - على مَا سنوضحه بعد ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى /.
следующие страницы →