Полный текст (1 287 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
أَن يكون للْحكم الْمُعَلل أصل معِين من نَوعه يُوجد فِيهِ جنس الْوَصْف أَو نَوعه (سَلَامَته) أَي الْوَصْف إِمَّا بِالرَّفْع خبر الضَّمِير الرَّاجِح إِلَى شَهَادَة الْأُصُول، وَإِمَّا بِالنّصب عطف بَيَان لَهَا من قبيل التَّفْسِير باللازم (من إِبْطَاله بِنَصّ أَو إِجْمَاع أَو تخلف) للْحكم المنوط بِهِ (عَنهُ) فِي بعض صور وجوده (أَو وجود وصف يَقْتَضِي ضد مُوجبه كلا زَكَاة فِي ذُكُور الْخَيل فَلَا) زَكَاة (فِي إناثها بِشَهَادَة الْأُصُول بالتسوية) بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث فِي سَائِر السوائم فِي الزَّكَاة وجوبا وسقوطا. ثمَّ قيل لَا بُد من الْعرض على كل الْأُصُول لينقطع احْتِمَال النَّقْض والمعارضة، وَقيل أدنى مَا يجب عَلَيْهِ خرق الْعرض أصلان، لِأَن الْعرض على الْكل مُتَعَذر أَو متعسر فَوَجَبَ الِاقْتِصَار على أصلين كَمَا فِي الِاقْتِصَار فِي تَزْكِيَة الشَّاهِد. قَالَ شمس الْأَئِمَّة وَمن شَرط الْعرض على الْوَصْف بالتأثير وَالْعرض ظُهُوره، وَالْعرض على الأَصْل كل لم يجد بدا على الْعَمَل، فَإِنَّهُ يَقُول خَصمه وَرَاء هَذَا أصل آخر معَارض أَو نَاقض. وَقَالَ مَشَايِخنَا إِنَّمَا تثبت عَدَالَة الْوَصْف بالتأثير وَالْفَرْض ظُهُوره، وَالْعرض على الْأُصُول لَا يَقع بِهِ التَّعْدِيل، وَالْأُصُول شُهُود للْحكم (وَاعْلَم أَن الْحَنَفِيَّة) قَائِلُونَ (التَّعْلِيل بِكُل من الْأَرْبَعَة) الْعين فِي الْعين، وَفِي الْجِنْس كالجنس فِي الْجِنْس وَفِي الْعين (مَقْبُول، فَإِن) كَانَ التَّعْلِيل (بِمَا عينه أَو جنسه) مُؤثر (فِي عين الحكم فَقِيَاس إنفاقا للُزُوم أصل الْقيَاس) فِي كل من هذَيْن، وَيُقَال لما تَأْثِير عينه فِي عين الحكم أَنه فِي معنى الأَصْل وَهُوَ الْمَقْطُوع بِهِ الَّذِي رُبمَا يقر بِهِ مُنكر الْقيَاس، إِذْ لَا فرق إِلَّا بتعذر الْمحل (وَإِلَّا) فَإِن كَانَ عينه فِي جنس الحكم أَو جنسه فِي جنسه (فقد) يكون قِيَاسا اتِّفَاقًا (بِأَن يكون) مَا عينه فِي جنس الحكم من قبيل مَا يكون (الْعين فِي الْعين أَيْضا) فيستدعي أصلا مقيسا عَلَيْهِ (فَيكون مركبا) وَكَذَا مَا جنسه فِي جنسه قد يكون مَعَ ذَلِك فِي عينه، فَيكون لَهُ أصل فَيكون قِيَاسا وَقد لَا، وَيجب قبُولهَا للحنفية، إِذْ كل من الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة من أَقسَام الْمُؤثر عِنْدهم (وشمس الْأَئِمَّة) السَّرخسِيّ قَالَ الْأَصَح عِنْدِي (الْكل قِيَاس دَائِما لِأَن مثله) أَي هَذَا الْوَصْف (لَا بُد لَهُ) فِي الشَّرْع (من أصل قِيَاس) فِي الشَّرْع لَا محَالة (إِلَّا أَنه قد يتْرك لظُهُوره) كَمَا قُلْنَا فِي إِيدَاع الصَّبِي لَا يضمن لِأَنَّهُ سلطه على ذَلِك فَإِنَّهُ بِهَذَا الْوَصْف يكون مقيسا على أصل وَاضح، وَهُوَ أَن من بَاعَ الصَّبِي طَعَاما فتناوله لم يضمن لَهُ لِأَنَّهُ بِالْإِبَاحَةِ مسلط على تنَاوله، وَرُبمَا لَا يَقع الِاسْتِغْنَاء عَنهُ، فيذكر كَمَا قُلْنَا فِي طول الْحرَّة أَنه لَا يمْنَع نِكَاح الْأمة إِن كل نِكَاح يَصح من العَبْد بِإِذن الْمولى هُوَ صَحِيح من الْحر كَنِكَاح الْحرَّة، هَذَا إِشَارَة إِلَى معنى مُؤثر، وَهُوَ أَن الرّقّ ينصف الْحل الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ عقد النِّكَاح وَلَا يبد لَهُ غَيره بِحل آخر، فَيكون الرَّقِيق فِي النّصْف الْبَاقِي بِمَنْزِلَة الْحر فِي الْكل، كَذَا ذكر الشَّارِح الْمَذْكُور.
стр. 1017
فِي التَّلْوِيح من كَلَام شمس الْأَئِمَّة مَا فِي الْمَتْن فَقَط وَلَا يخفى أَن الْمِثَال الثَّانِي حَاصله جَوَاز نِكَاح ذِي الطول الْأمة مُعَللا بِالْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَة الْمَأْخُوذَة، من أَن الرّقّ منصف لما ذكر مبدل، وَهِي على تَقْدِير تَسْلِيمهَا اسْتِدْلَال غير الْقيَاس، وَنِكَاح الْحرَّة لَا يصلح مقيسا عَلَيْهِ للفرع الْمَذْكُور سَوَاء فسرناه بِنِكَاح الْحر الْحرَّة، أَو العَبْد الْحرَّة لعدم كَونه مُعَللا بِالْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَة (وعَلى هَذَا) الَّذِي ذهب إِلَيْهِ شمس الْأَئِمَّة (لَا بُد فِي التَّعْلِيل مُطلقًا من الْعين فِي الْعين أَو الْجِنْس فِيهِ) أَي الْعين (فَإِن أصل الْقيَاس لَا يتَحَقَّق إِلَّا بذلك) أَي بتأثير الْعين فِي الْعين أَو الْجِنْس فِي الْعين (فَلَا يُعلل بِالْجِنْسِ فِي الْجِنْس أَو الْعين فِي الْجِنْس تعليلا بسيطا أصلا وَيحْتَاج إِلَى استقراء يفِيدهُ) أَي هَذَا الْمَطْلُوب (ثمَّ قَوْلهم) أَي الْحَنَفِيَّة (بِكُل من الْأَرْبَعَة يَشْمَل الْعين فِي الْعين فَقَط) كَمَا يَشْمَل الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الْأُخَر: جنسه فِي عينه فَقَط، وجنسه فِي جنسه فَقَط (ومرادهم) أَي الْحَنَفِيَّة (إِذا ثَبت) التَّأْثِير الْمَذْكُور (بِنَصّ أَو إِجْمَاع وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يثبت بِأَحَدِهِمَا بل بِالْقِيَاسِ (لزمَه) أَي الْوَصْف الْمُعَلل بِهِ (التَّرْكِيب) من القياسين وَالْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي الْبَسِيط (وسمى بَعضهم) أَي صدر الشَّرِيعَة تبعا للرازي (مَا يُوجد) فِيهِ (من أصل الْقيَاس) أَي مَا يكون لحكمه أصل معِين من نَوعه يُوجد فِيهِ جنس الْوَصْف أَو نَوعه سَوَاء اعْتبر الشَّارِع علته أَولا (شَهَادَة الأَصْل فشهادة الاصل أَعم من كل من الاعتبارين) اعْتِبَار النَّوْع فِي النَّوْع وَالْجِنْس فِي النَّوْع (مُطلقًا. أَي يصدق) شَهَادَة الأَصْل (عِنْده) أَي مَا يُوجد من أصل الْقيَاس، لِأَنَّهُ كلما وجد اعْتِبَار نوع الْوَصْف أَو جنسه فِي نوع الحكم فقد وجد للْحكم أصل معِين من نوع يُوجد فِيهِ جنس الْوَصْف أَو نَوعه، لَكِن لَا يلْزم أَنه كلما وجد لَهُ أصل معِين فَوجدَ فِيهِ جنس الْوَصْف أَو نَوعه وجد فِيهِ بِاعْتِبَار نوع الْوَصْف أَو جنسه فِي نوع الحكم لجَوَاز عدم اعْتِبَار الشَّارِع لَهُ مَعَ وجوده (وَمن الآخرين) أَي وَشَهَادَة الأَصْل أَعم من اعْتِبَار الْجِنْس فِي الْجِنْس، واعتباره النَّوْع فِي الْجِنْس (من وَجه) فتوجد شَهَادَة الأَصْل بِدُونِ كل مِنْهُمَا وَيُوجد كل مِنْهُمَا بِدُونِ شَهَادَة الأَصْل، وَقد يوجدان مَعًا، كَذَا ذكره صدر الشَّرِيعَة وَيلْزم مِنْهُ إِثْبَات شَهَادَة بِدُونِ التَّأْثِير، وَتعقبه فِي التَّلْوِيح (وَالْمَشْهُور من معنى شَهَادَة الأَصْل مَا ذكرنَا. ثمَّ لَا يخفى أَن لُزُوم الْقيَاس مِمَّا جنسه) أَي جنس الْوَصْف الثَّابِت اعْتِبَاره فِي الأَصْل بِنَصّ أَو إِجْمَاع (فِي الْعين) أَي عين الحكم فِي الأَصْل (لَيْسَ إِلَّا بِجعْل الْعين) أَي عين الْوَصْف (عِلّة) لذَلِك الحكم (بِاعْتِبَار تضمنها) أَي عين الْوَصْف (الْعلَّة) لذَلِك الحكم (جنسه) بدل من الْعلَّة (فَيرجع إِلَى اعْتِبَار الْعين فِي الْعين) يُرِيد بَيَان كَيْفيَّة لُزُوم الْقيَاس مِمَّا ذكر على وَجه يسْتَلْزم كَون عين الْوَصْف عِلّة للْحكم الْمَطْلُوب فِي الْقيَاس الْمَذْكُور. تلخيصه أَنا إِذا
стр. 1018
وجدنَا أَن الشَّارِع اعْتبر جنس الْوَصْف عِلّة لعين الحكم فِي مَحل، وأردنا أَن نجْعَل عين الْوَصْف عِلّة لَهُ فِي مَحل آخر قُلْنَا: إِن عين بِالْوَصْفِ عِلّة لَهُ فِي ذَلِك الْمحل الآخر، لِأَن عينه يتَضَمَّن لجنسه، وَقد علم اعْتِبَار الشَّارِع علية ذَلِك الْجِنْس لعين هَذَا الحكم فِي الْمحل الأول، فنعتبره عِلّة لَهُ فِي هَذَا الْمحل أَيْضا لوُجُود الْمُنَاسبَة مَعَ الِاعْتِبَار الْمَذْكُور، فَتكون علية الْعين فِي الْحَقِيقَة بِاعْتِبَار جِنْسهَا. نقل عَن المُصَنّف فِي تَمْثِيل هَذَا تَعْلِيل عتق الْأَخ عِنْد شِرَاء أَخِيه إِيَّاه بِأَنَّهُ ملكه أَخُوهُ بِاعْتِبَار الشَّارِع تَأْثِير جنسه، أَعنِي ملك ذِي الرَّحِم الْمحرم فِي عين الحكم وَهُوَ الْعتْق، فالمؤثر فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ إِلَّا ملك ذِي الرَّحِم الْمحرم، فثبوت الْعتْق مَعَ ملك الْأَخ لَيْسَ من حَيْثُ أَنه ملك الْأَخ، بل من حَيْثُ أَنه ملك ذِي الرَّحِم الْمحرم (والبسائط أَربع) حَاصِلَة (من) ضرب (الْعين وَالْجِنْس فِي الْعين وَالْجِنْس) عين الْوَصْف فِي عين الحكم، وجنسه فِي جنسه، وَعين الْوَصْف فِي جنس الحكم، وَقَلبه (هِيَ) أَن هَذِه الْأَرْبَع هِيَ (الْمُؤثر، وَثَلَاثَة ملائم الْمُرْسل) الْمَذْكُورَة (أما الملائم) الَّذِي هُوَ من مُقَابل الْمُرْسل (فَيلْزمهُ التَّرْكِيب لِأَنَّهُ لَا بُد من ثُبُوت عينه) أَي الْوَصْف (فِي عينه) أَي الحكم (بترتب الحكم مَعَه فِي الْمحل، ثمَّ ثُبُوت اعْتِبَار عينه) أَي الْوَصْف (فِي جنس الحكم أَو) ثُبُوت اعْتِبَار (قلبه) أَي جنسه فِي عين الحكم (أَو) ثُبُوت اعْتِبَار (جنسه فِي جنسه، فَأَقل مَا يلْزم فِي الملائم تركيبه من اثْنَيْنِ) وَقد يكون من أَكثر. (والمركب إِمَّا) مركب (من الْأَرْبَعَة قيل) كَمَا فِي التَّلْوِيح (كالسكر) الْمُؤثر عينه (فِي) عين (الْحُرْمَة، وجنسه) أَي السكر هُوَ (إِيقَاع الْعَدَاوَة والبغضاء) مُؤثر (فِيهَا) أَي عين الْحُرْمَة وَهُوَ ثَان، فَإِن الْإِيقَاع الْمَذْكُور كَمَا يكون بالسكر يكون بِغَيْرِهِ (ثمَّ) السكر مُؤثر (فِي وجوب الزاجر أَعم من الأخروي كالحرق والدنيوي كالحد) وَهَذَا جنس الحكم (وجنسه) أَي السكر (الْإِيقَاع) فِي الْعَدَاوَة مُؤثر فِي وجوب الزاجر (فِي الْحَد فِي الْقَذْف) وَهُوَ جنس الحكم (وَلَا يخفى أَن وجوب الحرق) فِي الْآخِرَة (يعد أَنه اعتزال) لجوار عَدمه عِنْد أهل السّنة (غير الحكم الَّذِي نَحن فِيهِ) وَهُوَ التكليفي (وَأَن تَأْثِيره) أَي السكر (فِي وجوب الزاجر لَيْسَ) تَأْثِيرا (فِي جنس حُرْمَة الشّرْب) لكَون من تَأْثِير الْعين فِي الْجِنْس، وَذَلِكَ لِأَن جنس حُرْمَة شرب الْخمر الْحُرْمَة الْمُطلقَة، وَمَا هُوَ أَعم مِنْهُ كَالْحكمِ الْمُطلق، وَمَا هُوَ أخص مِنْهُ كَحُرْمَةِ الشّرْب ونظائره لَا غير، وَلبس وجوب الزاجر مِنْهُ (وَإِنَّمَا يَصح) كَونه مؤثرا فِي جنس حُرْمَة الشّرْب (لتأثير السكر فِي حُرْمَة الْإِيقَاع) فِي الْعَدَاوَة والبغضاء، لِأَنَّهُ عِلّة للإيقاع الْمَذْكُور، وَالْعلَّة مُؤثرَة فِي الْمَعْلُول فقد تحقق بَينهمَا مُنَاسبَة يحسن بهَا مَشْرُوعِيَّة حُرْمَة الْإِيقَاع عِنْد السكر، وَهَذَا من تَأْثِير الْعين فِي الْجِنْس، وَمَا بعده من تَأْثِير الْجِنْس فِي الْجِنْس، وَمَا بعده من تَأْثِير الْجِنْس فِي الْعين
стр. 1019
وَإِنَّمَا لم يذكر الرَّابِع وَهُوَ تَأْثِير الْعين فِي الْعين، أَعنِي السكر فِي حُرْمَة الشّرْب لظُهُوره وشهرته (و) تَأْثِير (الْإِيقَاع فِي حُرْمَة الْقَذْف) فَإِنَّهُ كالعلة الغائية لحُرْمَة الْقَذْف. وَالْقَذْف من نَظَائِر الشّرْب، فَتكون حرمته من جنس حُرْمَة الشّرْب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (كَمَا أثر) الْإِيقَاع (فِي الشّرْب) يَعْنِي أثر فِي جنسه كَمَا أثر فِي عينه، وَإِنَّمَا قُلْنَا تَأْثِيره فِي وجوب الزاجر إِلَى آخِره (للتصريح): أَي تَصْرِيح الْأُصُولِيِّينَ (بِأَن المُرَاد بجنسهما) أَي الْوَصْف وَالْحكم (مَا هُوَ أَعم من كل) من الْوَصْف وَالْحكم، وَوُجُوب الزاجر لَيْسَ أَعم من حُرْمَة الشّرْب، بل هُوَ مباين لَهُ مَا كَمَا لَا يخفى، وَالْحُرْمَة الشاملة للشُّرْب وَالْقَذْف أَعم من حُرْمَة الشّرْب (فليزم التصادق) بَين كل من الْوَصْف وَالْحكم وَبَين جنسه، وَقد عرفت تَفْصِيله. (لَا يُقَال مَجِيء مثله) من الْإِيرَاد بِاعْتِبَار عدم التصادق (فِي الْإِيقَاع مَعَ السكر) وَقد جعلت الْإِيقَاع جنس السكر وَالْقَذْف فيحرمهما، وَذَلِكَ بِأَن يُقَال لَا تصادق بَينهمَا (لِأَن المُرَاد بِهِ) أَي الْإِيقَاع (موقع الْعَدَاوَة، وَهُوَ) أَي موقع الْعَدَاوَة، (أَعم من السكر وَالْقَذْف فيحرمهما) أَي يحرم الْإِيقَاع، بل الْموقع السكر والإيقاع وَالْقَذْف (وَإِمَّا) مركب (من ثَلَاثَة فَأَرْبَعَة) أَي فَهُوَ أَرْبَعَة أَقسَام. ثمَّ عين أَمْثِلَة تِلْكَ الْأَرْبَعَة بقوله (فَمَا سوى الْعين فِي الْعين) الخ (التَّيَمُّم عِنْد خوف فَوت صَلَاة الْعِيد، فالجنس) للوصف (الْعَجز بِحَسب الْمحل) عَمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ شرعا مُؤثر (فِي الْجِنْس) أَي جنس التَّيَمُّم: أَي (سُقُوط مَا يحْتَاج) إِلَيْهِ فِي الصَّلَاة (و) مُؤثر (فِي الْعين) وَهُوَ (التَّيَمُّم، وَالْعين) للوصف (الْعَجز عَن المَاء) مُؤثر (فِي الْجِنْس) أَي (سُقُوط) وجوب (اسْتِعْمَاله فَإِنَّهُ) أَي اسْتِعْمَاله (أَعم من اسْتِعْمَاله للْحَدَث والخبث لَكِن الْعين) للوصف وَهُوَ (خوف الْفَوْت لم يُؤثر فِي الْعين) للْحكم: أَي (التَّيَمُّم من حَيْثُ هُوَ تيَمّم بِنَصّ أَو إِجْمَاع) فِيهِ أَنكُمْ جعلتم الْعَجز عَن المَاء عين الْوَصْف آنِفا، وَقد اعْتَبرهُ الشَّرْع فِي التَّيَمُّم فَتدبر (فقد جعلت) الْعين للوصف (مرّة خوف الْفَوْت وَمرَّة الْعَجز عَن المَاء لِأَنَّهُمَا) أَي الْخَوْف وَالْعجز (وَاحِد) معنى (لِأَن الْعَجز مخيف فَإِن قلت خوف الْفَوْت هُوَ الْوَصْف الْمُعَلل بِهِ فِي التَّنَازُع فِيهِ وَهُوَ الْفَرْع) أَي صَلَاة الْعِيد (وَالْمرَاد من الْوَصْف المنظور فِي أَن جنسه أثر فِي جنس الحكم أَو عينه) أَي الحكم (مَا فِي الأَصْل ليدل بِهِ) أَي بتأثير جنسه فِي جنس الحكم أَو عينه (على اعْتِبَاره) أَي الْوَصْف الْمَذْكُور (عِلّة فِي نظر الشَّارِع قلت ذَلِك) أَي كَون المُرَاد بِالْوَصْفِ مَا فِي الأَصْل إِنَّمَا هُوَ (فِي غير الْمُرْسل وَالتَّعْلِيل بِهِ) أَي بِغَيْر الْمُرْسل (قِيَاس وَلَيْسَ هَذَا الْقسم) أَي الْمركب من ثَلَاثَة لَيْسَ مِنْهَا الْعين فِي الْعين (إِلَّا مُرْسلا فَلَا يتَصَوَّر فِيهِ قِيَاس وَإِلَّا استدعى أصلا فَلَزِمَهُ) حِينَئِذٍ (الْعين مَعَ الْعين فِي الأَصْل، والمرسل مَأْخُوذ فِيهِ عَدمه) أَي عدم الْعين
стр. 1020
مَعَ الْعين فِي الْعين فِي الْمحل الأَصْل (فالتعليل بالمرسل) تَعْلِيل (بمصالح خَاصَّة ابْتِدَاء اعْتبرت فِي جنس الحكم الَّذِي يُرَاد إثْبَاته أَو جِنْسهَا) أَي الْمصَالح (فِي عينه) أَي الحكم (أَو جنسه لَكِن تشْتَرط الضرورية والكلية) فِيهَا (على مَا تقدم عِنْد قَائِله) وَهُوَ الْغَزالِيّ (فَإِن قلت الْمِثَال حَنَفِيّ وَهُوَ) أَي الْحَنَفِيّ (بِمَنْع الْمُرْسل) فَكيف يتم قَوْله (قُلْنَا سبق أَنه يجب القَوْل بعملهم بِبَعْض مَا يُسمى مُرْسلا عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَيدخل) ذَلِك (فِي الْمُؤثر عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (كَمَا سَيظْهر، والمركب مِمَّا سوى الْجِنْس فِي الْعين الْعَجز عَن غير مَاء الشّرْب) أَي الْعَجز الْحَقِيقِيّ عَمَّا يتَوَضَّأ أَو يغْتَسل بِهِ بِأَن لَا يُوجد عِنْده مَا يَكْفِي لأَحَدهمَا أصلا (فِي التَّيَمُّم) أَي أَي جَوَازه (وَهُوَ الْعين فِي الْعين فِي مَحل النَّص) أَي قَوْله تَعَالَى (فَلم تَجدوا) الْآيَة (وجنسه) أَي عين الْوَصْف الْمَنْصُوص عَلَيْهِ (الْعَجز الْحكمِي) عَن المَاء بِأَن يكون عَجزه عَن غير مَاء الشّرْب فَقَط، فَالَّذِي للشُّرْب لما كَانَ مُسْتَحقّا بِالْحَاجةِ الْأَصْلِيَّة صَار صَاحبه كَأَنَّهُ غير وَاجِد للْمَاء مُطلقًا، وَفِيه مُسَامَحَة، لِأَن الْجِنْس مَا يعم الْحَقِيقِيّ والحكمي، غير أَنه اكْتفى بِذكر مَا يتَحَقَّق بِهِ الأعمية مُؤثر (فِي جنسه) أَي الْحكمِي، يَعْنِي (سُقُوط اسْتِعْمَاله) أَي مَاء الشّرْب، فَإِنَّهُ أَعم من اسْتِعْمَاله فِي الْحَدث والخبث (وعينه) أَي الْوَصْف (عدم وجدانه) أَي المَاء الْكَافِي لوجدانه مُؤثر (فِي جنسه) أَي الحكم الْمَذْكُور: أَي (السُّقُوط دفعا للهلاك) فَإِن قلت: عين الْوَصْف على مَا سبق عدم وجدان مَا يَكْفِي لرفع الْحَدث لَا يسْتَلْزم عدم الْوُجُود مُطلقًا وتأثيره فِي الْجِنْس بِاعْتِبَار عدم وجوب اسْتِعْمَاله لرفع الْخبث دفعا للهلاك فَافْهَم (وَالْجِنْس غير مُؤثر فِيهِ) أَي الْعين (لِأَن الْعَجز الْمَذْكُور) وَهُوَ الْعَجز الْحكمِي مُطلقًا (غير مُؤثر فِي) جَوَاز أَو وجوب (التَّيَمُّم من حَيْثُ هُوَ تيَمّم) بل إِنَّمَا أثر فِي سُقُوط اسْتِعْمَال المَاء مُطلقًا من حدث أَو خبث كَمَا ذكر آنِفا (و) الْمركب (من غير الْعين فِي الْجِنْس كالحيض فِي حُرْمَة القربان) وَهُوَ (الْعين فِي الْعين وجنسه) أَي الْحيض (الْأَذَى) مُؤثر (فِيهِ) أَي فِي تَحْرِيم القربان (أَيْضا و) مُؤثر (فِي الْجِنْس) لحُرْمَة القربان: أَي (حُرْمَة الْجِمَاع مُطلقًا). قَالَ الشَّارِح فَتدخل فِيهِ حُرْمَة اللواطة، وَغير خَافَ أَن هَذَا أولى مِمَّا فِي التَّلْوِيح أَنه وجوب الاعتزال (و) الْمركب (من غير الْجِنْس فِي الْجِنْس كالحيض عِلّة لحُرْمَة الصَّلَاة، وَهُوَ الْعين فِي الْعين وجنسه) أَي عين الحكم مَعْطُوف على حُرْمَة الصَّلَاة، و (حُرْمَة الْقِرَاءَة) عطف بَيَان لجنسه (أَعم مِمَّا فِي الصَّلَاة و) خَارِجهَا على (جنسه) أَي الْحيض (الْخَارِج من السَّبِيلَيْنِ) مُؤثر (فِي حُرْمَة الصَّلَاة لَا الْجِنْس) مَعْطُوف على حُرْمَة الصَّلَاة: أَي غير مُؤثر فِي جنس الحكم (حُرْمَة الْقِرَاءَة مُطلقًا) عطف بَيَان للْجِنْس (والمركب من اثْنَيْنِ الْعين فِي الْعين مَعَ الْجِنْس فِيهِ) أَي الْعين (الطوف) فَإِنَّهُ عِلّة (فِي
стр. 1021
طَهَارَة سُؤْر الْهِرَّة وجنسه) أَي الطوف (مُخَالطَة نَجَاسَة يشق الِاحْتِرَاز عَنْهَا) عِلّة الطَّهَارَة كآبار الفلوات (و) الْمركب (من الْعين فِي الْعين وَفِي الْجِنْس الْمَرَض) فَإِنَّهُ مُؤثر (فِي الْفطر و) مُؤثر (فِي جنسه) أَي الْفطر (التَّخْفِيف فِي الْعِبَادَة بِثُبُوت الْقعُود) فِي الْمَكْتُوبَة (و) الْمركب (من الْعين فِي الْعين مَعَ الْجِنْس فِي الْجِنْس كالجنون المطبق) فَإِنَّهُ مُؤثر (فِي ولَايَة النِّكَاح) فَهَذَا من الْعين فِي الْعين (وجنسه) أَي الْجُنُون (الْعَجز بِعَدَمِ الْعقل لشُمُوله) أَي الْعَجز (الصغر) مُؤثر (فِي جِنْسهَا) أَي ولَايَة الانكاح، وَهُوَ ولَايَة مُطلقَة (لثبوتها) أَي الْولَايَة (فِي المَال، و) الْمركب (من الْجِنْس فِي الْعين فالجنس كجنس الصغر الْعَجز لعدم الْعقل) مُؤثر (فِي ولَايَة المَال) للْحَاجة إِلَى بَقَاء النَّفس (و) فِي (مُطلقهَا) أَي الْولَايَة (فثبتت) أَي الْولَايَة (فِي كل مِنْهُمَا) أَي المَال وَالنَّفس (و) الْمركب (من الْجِنْس فِي الْعين وَقَلبه) أَي من الْعين فِي الْجِنْس (خُرُوج النَّجَاسَة) لِأَنَّهَا أَعم من كَونهَا من السَّبِيلَيْنِ أَو غَيرهمَا وَهُوَ مُؤثر (فِي وجوب الْوضُوء ثمَّ خُرُوجهَا من غير السَّبِيلَيْنِ) مُؤثر (فِي وجوب إِزَالَتهَا) وَهُوَ أَعم من الْوضُوء، لِأَنَّهُ إِزَالَة النَّجَاسَة الْحكمِيَّة، وَإِزَالَة النَّجَاسَة تعم الْحكمِيَّة والحقيقة، فَكَانَ جنس الْوضُوء (وَهَذَا لَا يَسْتَقِيم لانْتِفَاء تَأْثِير خُرُوج النَّجَاسَة إِلَّا فِي الْحَدث، ثمَّ بِوُجُوب مَا شَرط لَهُ) إِزَالَتهَا (تجب) إِزَالَتهَا (و) الْمركب (من الْعين وَالْجِنْس فِي الْجِنْس الْجُنُون وَالصبَا) فَإِن كلا مِنْهُمَا مُؤثر (فِي سُقُوط الْعِبَادَة) للاحتياج إِلَى النِّيَّة (وجنسه) أَي كل مِنْهُمَا (الْعَجز لخلل القوى) فَإِنَّهُ مُؤثر (فِيهِ) أَي فِي سُقُوط الْعِبَادَة (وَظهر أَن سِتَّة) الْمركب (الثنائي ثَلَاثَة) مِنْهَا (قِيَاس) وَهِي الأول (وَثَلَاثَة مُرْسل) لَيست بِقِيَاس لوُجُود الْعين مَعَ الْعين فِي الأول وَعَدَمه فِي الآخر (وَثَلَاثَة من أَرْبَعَة) الْمركب (الثلاثي قِيَاس) وَهِي الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة مِنْهَا (وَوَاحِد لَا) أَي لَيْسَ بِقِيَاس وَهُوَ الأول (هَذَا، وَالْأَكْثَر تركيبا يقدم عِنْد تعارضها) أَي المركبات (والمركب) يقدم (على الْبَسِيط) عِنْد تعارضهما، لِأَن قُوَّة الْوَصْف بِحَسب التَّأْثِير، والتأثير بِحَسب اعْتِبَار الشَّرْع، فَكلما كثر قوى الْأَثر كَمَا قَالَ فِي التَّلْوِيح.
وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَقِيم فِيمَا سوى اعْتِبَار النَّوْع فِي النَّوْع فَإِنَّهُ أقوى الْكل لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة النَّص حَتَّى كَاد يقر بِهِ منكرو الْقيَاس، إِذْ لَا فرق إِلَّا بِتَعَدُّد الْمحل فالمركب فِي غَيره لَا يكون أقوى مِنْهُ (وَأما الْحَنَفِيَّة فطائفة مِنْهُم فَخر الْإِسْلَام) والسرخسي وَأَبُو زيد (لَا بُد قبل التَّعْلِيل فِي المناظرة من الدّلَالَة على معلولية هَذَا الأَصْل) الْمَقِيس عَلَيْهِ. قَالَ السَّرخسِيّ وَالْأَشْبَه بِمذهب الشَّافِعِي أَن الْأُصُول معلولة فِي الأَصْل إِلَّا أَنه لَا بُد لجَوَاز التَّعْلِيل فِي كل أصل من دَلِيل مُمَيّز، وَالْمذهب عِنْد عُلَمَائِنَا أَنه لَا بُد مَعَ هَذَا من قيام دَلِيل يدل على كَونه معلولا فِي الْحَال انْتهى (وَلَا يَكْفِي) قَول الْمُعَلل (الأَصْل) فِي النُّصُوص التَّعْلِيل عزاهُ فِي الْمِيزَان إِلَى عَامَّة مثبتي الْقيَاس وَالشَّافِعِيّ وَبَعض عُلَمَائِنَا
стр. 1022
(لِأَنَّهُ) أَي الأَصْل (مستصحب يَكْفِي للدَّفْع) أَي لدفع ثُبُوت مَا لم يعلم ثُبُوته (لَا الْإِثْبَات) على الْخصم (كَمَا سَيعْلَمُ) فِي بحث الِاسْتِصْحَاب آخر هَذِه الْمقَالة وَهَذَا (بِخِلَاف الْإِثْبَات لنَفسِهِ) فَإِنَّهُ لَا يلْزم قبل التَّعْلِيل لنَفسِهِ الدّلَالَة على معلولية ذَلِك الأَصْل الَّذِي هُوَ بصدد الْقيَاس عَلَيْهِ (كنقض الْخَارِج من السَّبِيلَيْنِ يسْتَدلّ) بِهِ (على معلوليته) أَي كَون الْخَارِج النَّجس عِلّة للنقض (بِالْإِجْمَاع على ثُبُوته) أَي النَّقْض بالخارج النَّجس (فِي مثقوب السُّرَّة) إِذا خرج مِنْهَا قِيَاسا على النَّقْض بالخارج من السَّبِيلَيْنِ (فَعلم) بِدلَالَة الْإِجْمَاع (تعديه) أَي النَّقْض (عَن مَحل النَّص) أَي السَّبِيلَيْنِ إِلَى مَا سواهُ من الْبدن إِذْ لَو كَانَ خُصُوص الْمحل معينا فِي النَّقْض لما جَازَ قيام غَيره مَكَانَهُ بِالرَّأْيِ، لِأَن الأبدال لَا تنصب بِالرَّأْيِ (فصح تَعْلِيله) أَي النَّقْض بالخارج من السَّبِيلَيْنِ (بِنَجَاسَة الْخَارِج) لِأَن الضِّدّ هُوَ الْمُؤثر فِي رفع ضِدّه، وَصفَة النَّجَاسَة هِيَ الرافعة للطَّهَارَة وَالْعين الْخَارِجَة معروضها (ليثبت النَّقْض بِهِ) أَي بالخارج النَّجس (من سَائِر الْبدن وَطَائِفَة لَا) تشْتَرط الدّلَالَة على مَعْلُول الأَصْل قبل التَّعْلِيل فِي المناظرة (إِذْ لم يعرف) ذَلِك (فِي مناظرة قطّ للصحابة وَالتَّابِعِينَ) وَكفى بهم قدوة (وَلِأَن إِقَامَة الدَّلِيل على علية الْوَصْف وَلَا بُد مِنْهُ) أَي من الدَّلِيل عَلَيْهِ فِي إِلْحَاق الْفَرْع بِالْأَصْلِ. قَوْله وَلَا بُد مِنْهُ مُعْتَرضَة وَخبر أَن قَوْله (يتضمنه) أَي كَون الأَصْل معلولا (فأغنى) الدَّلِيل عَلَيْهَا عَن الِاسْتِدْلَال على كَون الأَصْل معلولا لِأَن ثُبُوت عليته مُسْتَلْزم لمعلولية الأَصْل (وَهَذَا) القَوْل (أوجه، ثمَّ دَلِيل اعْتِبَاره) أَي الْوَصْف الْمُدَّعِي عليته فِي الحكم الْمعِين (النَّص وَالْإِجْمَاع وسيأتيان والتأثير ظُهُور أَثَره) أَي الْوَصْف (شرعا) أَي ظهورا شَرْعِيًّا وَسَيَأْتِي تَفْسِيره (ويسمونه) أَي التَّأْثِير أَو ظُهُور أَثَره (عَدَالَته) أَي الْوَصْف (ويستلزم) التَّأْثِير و (مناسبته) أَي الْوَصْف للْحكم بِأَن يَصح إِضَافَة الحكم إِلَيْهِ (ويسمونها ملاءمته) بِالْهَمْزَةِ أَي مُوَافَقَته للْحكم (وتستلزم) مناسبته (كَونه) أَي الْوَصْف عَن (غير نَاب) أَي بعيد (عَن الحكم) وَهَذَا الَّذِي يعبر عَنهُ بصلاح الْوَصْف للْحكم (كتعليل) وُقُوع (الْفرْقَة) بَين الزَّوْجَيْنِ الْكَافرين إِذا أسلمت وأبى (بالأباء) فَإِنَّهُ يُنَاسِبه (بِخِلَافِهَا) أَي الْفرْقَة: يَعْنِي تعليلها (بِإِسْلَام الزَّوْجَة) فَإِنَّهُ نَاب عَنهُ فَإِن الْإِسْلَام عرف عَاصِمًا للحقوق والإملاك، لَا قَاطعا لَهَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: فافعلوا ذَلِك يَعْنِي الشَّهَادَتَيْنِ عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ الحَدِيث، والمحظور يصلح سَببا للعقوبة، والفرقة عُقُوبَة، وإباء الْإِسْلَام رَأس الْمَحْظُورَات (كَمَا سَيَأْتِي) ذكره فِي فَسَاد الْوَضع (وَفسّر) التَّأْثِير (بِأَن يكون لجنسه) أَي الْوَصْف (تَأْثِير فِي عين الحكم كإسقاط الصَّلَوَات الْكَثِيرَة) بِأَن تزيد على خمس (بالإغماء) إِذْ (بِجِنْسِهِ) أَي جنس الْإِغْمَاء وَهُوَ الْعَجز عَن الْأَدَاء تَأْثِير (فِيهِ) أَي فِي الحكم: أَي إِسْقَاط الصَّلَاة، وَمَا يُقَال إِن جنسه الْحَرج حَتَّى لَا يجب الْقَضَاء إِذا ذهب الْعَجز فَهُوَ عِلّة الْعلَّة (أَو) لجنسه تَأْثِير (فِي جنسه) أَي الحكم
стр. 1023
(كالإسقاط) للصَّلَاة عَن الْحَائِض (بمشقته) أَي بِمَشَقَّة فعلهَا لكثرتها (وجنسه) أَي هَذَا الْوَصْف (الْمَشَقَّة المتحققة فِي مشقة السّفر) يُؤثر (فِي جنسه) أَي الحكم (السُّقُوط الْكَائِن فِي الرَّكْعَتَيْنِ) من الرّبَاعِيّة (وَعَن بَعضهم نَفْيه) أَي كَون تَأْثِير الْجِنْس فِي الْجِنْس من التَّأْثِير (وَمن الْحَنَفِيَّة من يقْتَصر عَلَيْهِ) أَي على أَن التَّأْثِير هُوَ اعْتِبَار الْجِنْس فِي الْجِنْس فِي مَوضِع آخر نصا أَو إِجْمَاعًا، عزاهُ صَاحب الْكَشْف إِلَى فَخر الْإِسْلَام (وَالْوَجْه سُقُوط الْجِنْس فِي الْعين) من التَّأْثِير (بِمَا قدمنَا) هـ من أَن لُزُوم الْقيَاس مِمَّا جنسه فِي الْعين لَيْسَ إِلَّا بِجعْل الْعين عِلّة بِاعْتِبَار تضمنها لعِلَّة جنسه فَيرجع إِلَى اعْتِبَار الْعين فِي الْعين (دون) سُقُوط (قلبه) أَي الْعين فِي الْجِنْس من التَّأْثِير يظْهر ذَلِك (بتأمل يسير) لِأَن علية الْحَاجة بِاعْتِبَار مَا فِي ضمنه من الْعَام مَعْقُول بِخِلَاف معلولية الْعَام بِاعْتِبَار تضمنه للخاص فَإِنَّهُ لَا معنى لَهُ فَلَا يتَصَوَّر أَن يكون من قبيل الْعين فِي الْعين (أَو) يكون (لعَينه) أَي لوصف تَأْثِير فِي جنس الحكم (كالأخوة لأَب وَأم فِي التَّقَدُّم) على الْأَخ لأَب (فِي ولَايَة الْإِنْكَاح) للصَّغِير وَالصَّغِيرَة، وَهِي عين الحكم الْمُؤثر فِيهِ، فَإِن عين الْوَصْف الْمَذْكُور مُؤثر (فِي جنسه) أَي الحكم الْمَذْكُور (التَّقَدُّم) الصَّادِق على كل من التَّقَدُّم (فِي الْمِيرَاث) والإنكاح (أَو) يكون لعَينه تَأْثِير (فِي عينه ذكره) أَي التَّفْسِير الْمَذْكُور (فِي الْكَشْف الصَّغِير) ثمَّ صدر الشَّرِيعَة (وَيلْزمهُ) أَي التَّأْثِير على هَذَا التَّفْسِير (كَونه) أَي التَّأْثِير (بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع كالسكر فِي الْحُرْمَة) إِذْ السكر عِلّة للْحُرْمَة بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع (وَهُوَ) أَي كَونه بهما أَو بِأَحَدِهِمَا (مخرج لَهُ عَن دلَالَة التَّأْثِير على الِاعْتِبَار) أَي يخرج الْوَصْف عَن كَونه بِحَيْثُ يدل تَأْثِيره ومناسبته على اعْتِبَار الشَّرْع إِيَّاه (إِلَى المنصوصة): إِذْ دلّ على اعْتِبَاره النَّص وَالْإِجْمَاع لَا التَّأْثِير والمناسبة، ثمَّ علل الْإِخْرَاج الْمَذْكُور بقوله (إِذْ لم يبْق) دَلِيل على الِاعْتِبَار بعد (مَعَ ظُهُور الْمُنَاسبَة) بعد النَّص وَالْإِجْمَاع (إِلَّا الإخالة) وَهُوَ إبداء الْمُنَاسبَة بَين الْوَصْف وَالْأَصْل بملاحظتهما على مَا سَيَأْتِي قَرِيبا: يَعْنِي أَن دلَالَة التَّأْثِير على الِاعْتِبَار إِنَّمَا تكون مَعَ ظُهُور الْمُنَاسبَة بَين الْوَصْف وَالْحكم، وَمَعَ ظُهُورهَا إِن وجد أحد الْأَمريْنِ فالدلالة وَإِن لم يُوجد لم يكن هُنَاكَ إِلَّا الإخالة وهم ينفونها فَلَا يتَحَقَّق للتأثير دلَالَة، غير أَن لُزُوم أَحدهمَا التَّأْثِير يُغني عَن هَذَا التَّعْلِيل (وينفون) أَي الْحَنَفِيَّة (إِيجَابهَا) أَي الإخالة الحكم (مجوزي الْعَمَل قبله بهَا) أَي حَال كَونهم يجوزون الْعَمَل قبل ظُهُور التَّأْثِير بموجبها (كالقضاء بالمستورين ينفذ وَلَا يجب) الظَّاهِر أَنه تنظير لَا تَمْثِيل، وَوجه الشّبَه أَنه كَمَا يجوز الْقَضَاء بِشَاهِدين مستوري الْعَدَالَة وَلَا يجب لذَلِك تجوز الْعَمَل بالإخالة وَلَا يجب، وَأما كَون الْقَضَاء الْمَذْكُور ثَابتا بِوَصْف ظهر بَينه وَبَين أَصله الْمُنَاسبَة بملاحظتهما فَهُوَ غير ظَاهر (وَظهر أَن الْمُؤثر عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (أَعم مِنْهُ) أَي الْمُؤثر عِنْد الشَّافِعِيَّة وَهُوَ مَا ثَبت بِنَصّ أَو إِجْمَاع اعْتِبَار عينه فِي عين الحكم وَعند الْحَنَفِيَّة
стр. 1024
يصدق على هَذَا وعَلى الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة مَعَه فِي التَّفْسِير الْمَذْكُور (وَمن الملائم الأول) الَّذِي هُوَ من أَقسَام الْمُنَاسب عِنْد الشَّافِعِيَّة بأقسامه الثَّلَاثَة مَا ثَبت اعْتِبَار عينه فِي عينه بِمُجَرَّد ثُبُوته مَعَ الحكم فِي الْمحل مَعَ اعْتِبَار عينه فِي جنس الحكم بِنَصّ أَو اجماع اعْتِبَار عينه أَو جنسه فِي عينه أَو فِي جنسه (وَمَا من الْمُرْسل) أَي وَثَلَاثَة أَقسَام الملائم الْمُرْسل وَهِي مَا لم يثبت الْعين مَعَ الْعين فِي الْمحل لَكِن ثَبت بِنَصّ أَو إِجْمَاع اعْتِبَار عينه فِي جنس الحكم أَو جنسه فِي عينه أَو جنسه (فَشَمَلَ) الْمُؤثر الْحَنَفِيّ (سَبْعَة أَقسَام فِي عرف الشَّافِعِيَّة إِذْ لم يقيدوا) أَي الْحَنَفِيَّة (الثَّلَاثَة) الَّتِي هِيَ تَأْثِير الْجِنْس فِي عين الحكم أَو فِي جنسه وتأثير الْعين فِي جنس الحكم (بِوُجُود الْعين مَعَ الْعين فِي الْمحل: أَي الأَصْل وَكَذَا) يُقيد أعمية الْمُؤثر عِنْدهم (تصريحهم) أَي الْحَنَفِيَّة (فِيمَا تقدم بِأَن التَّعْلِيل بِمَا اعْتبر جنسه الخ) أَي فِي عين الحكم أَو جنسه وَمَا اعْتبر عينه فِي عين الحكم أَو جنسه (مَقْبُول، وَقد لَا يكون) التَّعْلِيل بِأَحَدِهِمَا (قِيَاسا بِأَن لم يتركب مَعَ أحد الْأَمريْنِ) أَي الْعين أَو الْجِنْس مَعَ الْعين (وَلَا حَاجَة إِلَى تَقْيِيده) أَي المقبول (بِغَيْر مَا جنسه أبعد) أَي مَا اعْتبر الشَّارِع جنسه الْأَبْعَد (كتضمن مُطلق مصلحَة) أَي كَون الْوَصْف متضمنا لمصْلحَة مَا فِي إِثْبَات الحكم (بِخِلَاف) جنسه (الْبعيد) الَّذِي هُوَ أقرب من ذَلِك الْأَبْعَد فَإِنَّهُ اعْتَبرهُ الشَّارِع إِذا كَانَت الْمصلحَة ضَرُورِيَّة قَطْعِيَّة كُلية (كالرمي) أَي كجوازه (إِلَى الترس الْمُسلم إِذا غلب ظن نجاتهم) أَي أهل الْإِسْلَام بِالرَّمْي إِلَيْهِ (إِذْ لَا سَبِيل إِلَى الْقطع) بالنجاة فَإِنَّهُ يقبل عِنْد بعض الْعلمَاء (كالغزالي) أَو التَّقْدِير كَقَوْل الْغَزالِيّ (بِخِلَاف) نجاة (بَعضهم) أَي بعض أهل الْإِسْلَام كَمَا (فِي السَّفِينَة) أَي رمي بعض من فِي السَّفِينَة من الْمُسلمين بِمَا إِذا علمت نجاة الْبَعْض الآخرين فِي ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يجوز، لِأَن الْمصلحَة غير كُلية كَمَا سبق (إِذْ دَلِيل الِاعْتِبَار بِالنَّصِّ أَو بِالْإِجْمَاع لم يتَحَقَّق فِي مُطلقهَا) أَي مُطلق الْأَقْسَام الْمَذْكُورَة، وَالْكَلَام فِيمَا يثبت اعْتِبَاره بِالنَّصِّ أَو بِالْإِجْمَاع: فَهَذَا تَعْلِيل لقَوْله لَا حَاجَة إِلَى تَقْيِيده (والإخالة إبداء الْمُنَاسبَة بَين) حكم (الأَصْل وَالْوَصْف بملاحظتهما) أَي الْوَصْف وَالْحكم، سمي بهَا، لِأَن بالمناسبة يخال ويظن علية الْوَصْف للْحكم (فينتهض) إبداء مُنَاسبَة ذَلِك الْوَصْف لذَلِك الحكم (على الْخصم الْمُنكر للمناسبة) بَينهمَا لَا الْمُنكر للْحكم، لِأَن مُجَرّد الْمُنَاسبَة لَا توجب عِلّة الْوَصْف عِنْد الْحَنَفِيَّة لما عرف بكلامهم فِي الإخالة (وَهُوَ) أَي الْوَصْف الْمُنَاسب (مَا عَن القَاضِي أبي زيد مَا لَو عرض على الْعُقُول تَلَقَّتْهُ بِالْقبُولِ) فِي نُسْخَة الشَّارِح تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ، وَقَالَ وَلَفظه فِي التَّقْوِيم بِدُونِ ذكر الْأمة كَمَا كَانَت عَلَيْهِ النُّسْخَة أَولا، وَلَعَلَّه إِنَّمَا زَادهَا إِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد عَامَّة الْعُقُول.
وَأَنت خَبِير بِأَنَّهَا لَا تناسب أول الْكَلَام واستغراق لَام الْعُقُول يُفِيد الْإِشَارَة الْمَذْكُورَة فَالظَّاهِر أَنه من تصرف الْكَاتِب (فَإِن الْمُنكر) للمناسبة (حِينَئِذٍ مكابر) أَي معاند فَلَا يقبل المكاره (وَقيل أَرَادَ) القَاضِي بِهَذَا التَّفْسِير (حجيته) أَي الْوَصْف الْمُنَاسب (فِي حق نَفسه) أَي
стр. 1025
القائس (فَقَط) لَا فِي حَقه وَحقّ الْخصم، إِذْ رُبمَا يَقُول لَا يتلقاه عَقْلِي بِالْقبُولِ وَلَيْسَ الِاحْتِجَاج بقول الْغَيْر على أولى من شَهَادَة قلبِي، وَمن ثمَّة منع أَبُو زيد التَّمَسُّك بالمناسبة فِي إِثْبَات علية الْوَصْف فِي مقَام المناظرة بل شَرط ضم الْعَدَالَة إِلَيْهَا بِإِقَامَة الدَّلِيل على كَونه مؤثرا (وَقَوْلهمْ) أَي الحنفنة (فِي نَفْيه) أَي هَذَا الطَّرِيق الْمُسَمّى بالاخالة لِأَنَّهُ (لَا يَنْفَكّ عَن الْمُعَارضَة إِذْ يُقَال) أَي بقول المناظر (لم يقبله عَقْلِي) عِنْد قَوْله هَذَا مُنَاسِب تتلقاه الْعُقُول بِالْقبُولِ (يفِيدهُ) أَي أَن مُرَاد أبي زيد حجيته فِي حق نَفسه (وَإِلَّا لم يسمع) أَي وَإِن لم يكن مُرَاده فِي حق نَفسه فَقَط، بل فِي حق الْخصم أَيْضا لم يسمع حِينَئِذٍ قَول الْمُسْتَدلّ الْعُقُول تَلَقَّتْهُ بِالْقبُولِ، لِأَنَّهُ يَقُول الْخصم لَا يتلقاه بِالْقبُولِ عَقْلِي، وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى لم يسمع قَول أبي زيد (وَالْحق أَن المُرَاد بإبداء الْمُنَاسبَة تفصيلها) أَي الْمُنَاسبَة (للمخاطب كَقَوْلِه الْإِسْكَار إِزَالَة الْعقل، وَهُوَ) أَي الْإِزَالَة (مفْسدَة يُنَاسب حُرْمَة مَا تحصل) الْإِزَالَة (بِهِ) وَهُوَ شرب الْمُسكر (والزجر عَنهُ) مَعْطُوف على حُرْمَة وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الْمَوْصُول (وَتلك الْمُعَارضَة) الْمَذْكُورَة فِي قَوْلهم لَا يَنْفَكّ عَن الْمُعَارضَة إِنَّمَا تكون (فِي الإجمالي) لِأَنَّهُ قد يخفى على الْخصم تَفْصِيله، وَأما إِذا فصل وَبَين وَجه الْمُنَاسبَة فالإنكار بعد ذَلِك عناد خَارج عَن قانون المناظرة. ثمَّ بَين كَيْفيَّة الْإِجْمَال بقوله (كقبله) أَي الْوَصْف الْمَذْكُور فِي قِيَاسه (عَقْلِي أَو ناسب) الْوَصْف الْمَذْكُور الحكم (عِنْدِي) فِي ظَنِّي فَانْتفى نفيهم صِحَة اعْتِبَار الإخالة بِأَنَّهَا لَا تنفك عَن الْمُعَارضَة (نعم ينتهض) فِي دفع الإخالة وَعدم ثُبُوت علية الْوَصْف للْحكم (أَنَّهَا) أَي الْمُنَاسبَة (لَيست ملزومة لوضع الشَّارِع علية مَا قَامَت) الْمُنَاسبَة (بِهِ) أَي الْوَصْف الْمُنَاسب، يَعْنِي أَن كل مَا قَامَت بِهِ الْمُنَاسبَة من الْأَوْصَاف لَا يلْزمه أَن يُعينهُ الشَّارِع للعلية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الحكم الَّذِي يُنَاسِبه (للتخلف) أَي لتخلف الْوَضع الْمَذْكُور (فِي) وصف (مَعْلُوم الإلغاء من الْمُرْسل وَغَيره) كَمَا تقدم، فَإِن الْمُنَاسبَة فِيهِ مَوْجُودَة والشارع ألغاه وَلم يَضَعهُ للعلية (فَإِن قيل الظَّن حَاصِل) أَي الظَّن بِكَوْنِهِ عِلّة حَاصِل فَيجب الْعَمَل بِالظَّنِّ للمجتهد (قُلْنَا أَن عني ظن الْمُنَاسبَة للْحكم فَمُسلم، وَلَا يسْتَلْزم وضع الشَّارِع إِيَّاه) أَي الْوَصْف عِلّة للْحكم (لما ذكرنَا) من التَّخَلُّف (وَاعْلَم أَن مُقْتَضى هَذَا) الْوَجْه الْمَذْكُور لبَيَان إبِْطَال الإخالة (وَمَا زادوه) أَي الْحَنَفِيَّة (من أوجه الْإِبْطَال عدم جَوَاز الْعَمَل بِهِ) أَي بِالْوَصْفِ المخال (قبل ظُهُور الْأَثر، وَلَيْسَ الْقيَاس) لجَوَاز الْعَمَل بهَا قبل ظُهُور التَّأْثِير (على) جَوَاز (الْقَضَاء بمستورين) كَمَا قَالُوا (صَحِيحا، لِأَنَّهُ إِن فرض فِيهِ) أَي فِي جَوَاز الْقَضَاء بهما (دَلِيل على خلاف الأَصْل) أَي الْقيَاس، إِذْ الْقيَاس أَن لَا يجوز الحكم بِشَهَادَة الشَّاهِدين مَا لم تعلم عدالتهما (فَهُوَ) أَي الدَّلِيل الْمَفْرُوض (مُنْتَفٍ فِي جَوَاز الْعَمَل) بالإخالة. وَفِي قَوْله أَن فرض إِشَارَة إِلَى انتفائه فِي نفس الْأَمر (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم ينتف، بل كَانَ دَلِيل جَوَاز الْعَمَل بِهِ مَوْجُودا (وَجب على الْمُجْتَهد) الْعَمَل بِهِ (لِأَنَّهُ) أَي دَلِيل جَوَاز الْعَمَل بِهِ (يُفِيد اعْتِبَار الشَّارِع)
стр. 1026
(وَهُوَ) أَي اعْتِبَار الشَّارِع إِنَّمَا يتَحَقَّق (تَرْتِيب الحكم) عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يجب على الْمُجْتَهد إِثْبَات الحكم بِهِ، لَا أَنه يجوز أَن يحكم وَأَن لَا يحكم: وَهَذَا مَا تقدم الْوَعْد بالتنبيه عَلَيْهِ (وَاعْلَم أَن الْمُنَاسبَة لَو) كَانَت (بِحِفْظ أحد الضروريات) الْخمس (لزم) الْعَمَل بهَا (على) قَول (الْكل) من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة (وَلَيْسَ) هَذَا الطَّرِيق (إخالة، بل من الْمجمع على اعْتِبَاره) فَلَا تذهل عَنهُ.
تَتِمَّة
(قسم الْحَنَفِيَّة مَا يُطلق عَلَيْهِ لفظ الْعلَّة بالاشتراك) اللَّفْظِيّ (أَو الْمجَاز لَا حَقِيقَتهَا) مَعْطُوف على مفعول قسم، يَعْنِي الْمقسم للأقسام السَّبْعَة إِنَّمَا هُوَ الْمَعْنى الْمجَازِي للفظ الْعلَّة الَّذِي يعم جَمِيع مَا يسْتَعْمل فِيهِ، لَا الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ، ثمَّ علله بقوله (إِذْ لَيست) حَقِيقَة الْعلَّة، يَعْنِي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ الَّذِي لَا شُبْهَة فِي كَونه حَقِيقَة لَهَا فِي عرف الشَّرْع، فَلَا يُنَافِي مَا ذكره من احْتِمَال الِاشْتِرَاك (إِلَّا الْخَارِج) عَن الْمَعْلُول (الْمُؤثر) فِيهِ. وَمن الْمَعْلُوم أَن الْخَارِج الْمَذْكُور لَا يَنْقَسِم (إِلَى سَبْعَة) من الْأَقْسَام (ثَلَاثَة) مِنْهَا (بسائط) غير مركبة من الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة الَّتِي ستذكر، وَأَرْبَعَة مِنْهَا مركبة من تِلْكَ الْأَوْصَاف (إِلَى عِلّة) بدل من قَوْله إِلَى سَبْعَة وَمَا بَينهمَا اعْتِرَاض (اسْما) تَمْيِيز عَن نِسْبَة عِلّة إِلَى مَوْصُوف مُقَدّر: أَي إِلَى خَارج عليته من حَيْثُ الِاسْم فَقَط لَا الْمَعْنى وَالْحكم، ثمَّ فَسرهَا بقوله (وَهِي الْمَوْضُوعَة) شرعا (لموجبها) أَي معلولها الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من غير تَأْثِير وَعدم تراخ (أَو الْمُضَاف إِلَيْهَا) على سَبِيل منع الْخُلُو: أَي الْعلَّة الَّتِي يُضَاف الحكم إِلَيْهَا إِضَافَة نحوية كَمَا يُقَال كَفَّارَة الْيَمين، أَو لغوية كَمَا يُقَال: قتل بِالرَّمْي، وَعتق بِالشِّرَاءِ وَهلك بِالْجرْحِ (بِلَا وَاسِطَة) عِنْد الْإِضَافَة، وَإِن كَانَت الْوَاسِطَة ثَابِتَة فِي الْوَاقِع (وَمعنى بِاعْتِبَارِهِ تأثيرها) أَي عِلّة تأثيرها فِي إِثْبَات الحكم (وَحكما بِأَن يتَّصل بهَا) الحكم (بِلَا تراخ وَهِي) أَي الْعلَّة اسْما وَمعنى وَحكما (الْحَقِيقَة وَمَا سواهُ) أَي مَا سوى هَذَا الْقسم (مجَاز أَو حَقِيقَة قَاصِرَة) كَمَا هُوَ مُخْتَار فَخر الْإِسْلَام، وَلَا يخفى أَن الْحَقِيقَة القاصرة حَيْثُ لم يحتو جَمِيع أَجزَاء الْحَقِيقَة لَا بُد أَن يكون مجَازًا غير أَنَّهَا خصت بِهَذَا الِاسْم لقربها من الْحَقِيقَة (وَالْحق أَن تِلْكَ) أَي الْعلَّة اسْما وَمعنى وَحكما (التَّامَّة تلازمها) وَهُوَ الحكم الْمُتَّصِل بهَا (وَمَا سواهَا قد يكون) عِلّة (حَقِيقِيَّة لدورانها) أَي الْحَقِيقَة (مَعَ الْعلَّة معنى) فَيلْزم أَن تكون الْعلَّة معنى أَيْضا حَقِيقَة (فَتثبت) الْحَقِيقَة (فِي أَرْبَعَة) تُوجد فِيهَا الْعلَّة معنى التَّامَّة (كَالْبيع) الصَّحِيح (الْمُطلق) على شَرط الْخِيَار فَإِنَّهُ عِلّة (للْملك وَالنِّكَاح) فَإِنَّهُ عِلّة (للْحلّ وَالْقَتْل) الْعمد الْعدوان فَإِنَّهُ عِلّة (للْقصَاص وَالْإِعْتَاق لزوَال الرّقّ) فَإِن كلا مِنْهَا عِلّة اسْما وَمعنى وَحكما (وَيجب كَونه) أَي الْإِعْتَاق لزوَال الرّقّ (على قَوْلهمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد بِنَاء على أَن الْإِعْتَاق لَا يتَجَزَّأ عِنْدهمَا (أما على قَوْله) أَي أبي حنيفَة (فلإزالة الْملك) فَإِنَّهُ يتَجَزَّأ عِنْده على مَا عرف (وَإِلَى الْعلَّة اسْما فَقَط
стр. 1027
كالإيجاب الْمُعَلق) بِشَرْط من طَلَاق وَغَيره قبل وجود الْمُعَلق عَلَيْهِ، وَمن ثمَّة يثبت بِهِ ويضاف إِلَيْهِ بعد وجود الْمُعَلق عَلَيْهِ وَلَا تَأْثِير لَهُ فِي حكمه، ويتراخى حكمه إِلَى زمَان وجود الْمُعَلق عَلَيْهِ (قيل وَالْيَمِين قبل الْحِنْث للإضافة) للْحكم إِلَيْهَا (يُقَال كَفَّارَة الْيَمين، لَكِن لَا يُؤثر) الْيَمين (فِيهِ) أَي الحكم قبل الْحِنْث (وَلَا يثبت الحكم للْحَال، وَهُوَ) أَي كَون الْيَمين عِلّة اسْما إِنَّمَا هُوَ (على) الشق (الثَّانِي) من تَعْرِيف الْعلَّة اسْما، وَهُوَ الْمُضَاف إِلَيْهِ الْمَذْكُور (لِأَنَّهَا) أَي الْيَمين (لَيست بموضوعة إِلَّا للبر وَإِلَى الْعلَّة اسْما وَمعنى فَقَط كَالْبيع بِشَرْط الْخِيَار) للْبَائِع أَو الْمُشْتَرى أَولهمَا (و) البيع (الْمَوْقُوف) كَبيع الْإِنْسَان مَال غَيره بِلَا ولَايَة وَلَا وكَالَة، وَيُسمى بيع الفضول (لوضعه) أَي البيع شرعا للْملك (وتأثيره فِي) إِثْبَات (الحكم) وَإِن كَانَ ظهروه عِنْد زَوَال الْمَانِع (وَإِنَّمَا تراخي) الحكم عَنهُ (لمَانع) وَهُوَ اقترانه بِالشّرطِ فِي بيع الْخِيَار وَعدم الشَّرْط، وَعدم إِذن الْمَالِك وَهُوَ من يقوم مقَامه فِي بيع الفضول (حَتَّى يثبت) الحكم (عِنْد زَوَاله) أَي الْمَانِع (من وَقت الْإِيجَاب) أَي العقد مُتَعَلق بيثبت (فَيملك) المُشْتَرِي (الْمَبِيع بولده الَّذِي حدث قبل زَوَاله) أَي الْمَانِع، وَكَذَا سَائِر الزَّوَائِد الْمُنْفَصِلَة والمتصلة (بعد الْإِيجَاب) وَهَذَا عَلامَة كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة لَا سَببا، لِأَن السَّبَب يثبت مَقْصُورا لَا مُسْتَندا إِلَى وَقت وجود السَّبَب. نعم فرق بَين البيعين، وَهُوَ أَن الأَصْل الْملك فِي بيع الْخِيَار، وَلما تعلق بِالشّرطِ لم يُوجد قبله فَلَا يتَوَقَّف إِعْتَاق المُشْتَرِي فِي هَذِه الْحَالة، وَفِي الْمَوْقُوف يثبت بِصفة التَّوَقُّف فَيتَوَقَّف إِعْتَاقه قبل الْإِجَازَة عَلَيْهَا: قيل القَوْل بتراخي الحكم إِنَّمَا يَسْتَقِيم على قَول مجوزي تَخْصِيص الْعلَّة كَالْقَاضِي أبي زيد وَأما على قَول منكره كفخر الْإِسْلَام فَلَا، وَالْجَوَاب مَا فِي التَّلْوِيح من أَن الْخلاف إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَوْصَاف المؤثرة يَعْنِي عقلا فِي الحكم لَا فِي الْعِلَل الَّتِي هِيَ أَحْكَام شَرْعِيَّة كالعقود والفسوخ (والإيجاب الْمُضَاف إِلَى وَقت) كلله عَليّ أَن أَتصدق بدرهم غَدا لوضعه شرعا لحكمه وَإِضَافَة حكمه إِلَيْهِ وتأثيره فِيهِ (وَلذَا) أَي وَلكَون الْمُضَاف عِلّة اسْما وَمعنى لَا حكما (أسقط التَّصَدُّق الْيَوْم مَا أوجبه قَوْله: عَليّ التَّصَدُّق بدرهم غَدا) فَاعل أسقط التَّصَدُّق ومفعوله مَا أوجبه الخ، وَالْيَوْم ظرف للتصدق، يَعْنِي إِذا تصدق بالدرهم الْيَوْم أسقط هَذَا التَّصَدُّق مُوجب هَذَا الْإِيجَاب الْمُضَاف إِلَى الْغَد، وَذَلِكَ لوُقُوعه بعد انْعِقَاد علته اسْما وَمعنى و (لم يلْزمه) التَّصَدُّق (فِي الْحَال) لتراخيه عَنهُ إِلَى الزَّمَان الْمُضَاف إِلَيْهِ فَيثبت الحكم عَنهُ عِنْد مَجِيء الْوَقْت مُقْتَصرا عَلَيْهِ لَا مُسْتَندا إِلَى زمَان الْإِيجَاب كَذَا ذكره الشَّارِح وَلَا يظْهر وَجهه (وَمِنْه) أَي من هَذَا الْقسم (النّصاب) لوُجُوب الزَّكَاة فِي أول الْحول فَإِنَّهُ علته اسْما لوضعه لَهُ شرعا وإضافته إِلَيْهِ، وَمعنى لتأثيره فِي وجوبة مَا من حَيْثُ الْمُوَاسَاة من الْغَنِيّ للْفَقِير، وَلَا حكما لتراخيه إِلَى زمَان تحقق النَّمَاء، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أَلا أَن لهَذَا) النّصاب (شبها بِالسَّبَبِ لتراخي حكمه إِلَى مَا يشبه الْعلَّة) من جِهَة ترَتّب الحكم عَلَيْهِ (وَهُوَ) مَا يشبه الْعلَّة (النَّمَاء الَّذِي أقيم الْحول الْمُمكن مِنْهُ) أَي من النَّمَاء (مقَامه) لقَوْله
стр. 1028
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " لَيْسَ فِي مَال زَكَاة حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول " والنماء فضل على الْغَنِيّ يُوجب الْإِحْسَان كأصل الْغنى، وَفِيه الْيُسْر فِي الْوَاجِب (لَا) إِلَى (الْعلَّة وَإِلَّا) لَو كَانَ عِلّة (تمحض) النّصاب (سَببا) لوُجُوبهَا، لِأَن السَّبَب الْحَقِيقِيّ مَا يتوسط بَينه وَبَين الحكم عِلّة مُسْتَقلَّة، والنماء لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ وصف غير مُسْتَقل بِنَفسِهِ فِي الْوُجُود، وَأَيْضًا شبه النّصاب بِالْعِلَّةِ أغلب على شبهه بِالسَّبَبِ لِأَن شبهه بهَا حَاصِل من جِهَة نَفسه لِأَنَّهُ أصل لوضعه، وَشبهه بِالسَّبَبِ من جِهَة توقف حكمه على النَّمَاء الَّذِي هُوَ وَصفه. وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ قبل الْحول عِلّة تَامَّة لَيْسَ فِيهِ شبه السَّبَب، والحول بِمَنْزِلَة الأَصْل لتأخير الْمُطَالبَة تيسيرا كالسفر فِي حق الصَّوْم، وَلذَا صَحَّ تَعْجِيله قبله وَلَو كَانَ وصف الحولية من الْعلية لما صَحَّ قُلْنَا لَو كَانَ عِلّة تَامَّة قبل الْحول لَوَجَبَتْ باستهلاكه فِي الْحول كَمَا فِيمَا بعده، وَإِنَّمَا صَحَّ التَّعْجِيل لشبهه بِالْعِلَّةِ والنماء عِنْد وجوده يسْتَند إِلَى أصل النّصاب فَيصير كَأَنَّهُ من أول الْحول جعلى، ويستند الحكم أَيْضا إِلَى أَوله، وَكَذَا التَّعْجِيل، وَبِه يحصل الْجَواب عَن مَالك حَيْثُ قَالَ لَيْسَ لَهُ قبل الْحول حكم الْعلَّة لِأَن وصف النَّمَاء كالجزء الْأَخير من عِلّة ذَات وصفين، فَلَا يَصح التَّعْجِيل قبل الْحول، كَمَا لَا تصح الصَّلَاة قبل الْوَقْت. نعم هَذَا الْمُعَجل إِنَّمَا يصير زَكَاة إِذا انْقَضى الْحول وَلَيْسَ الْحول كالأجل لِأَنَّهُ يسْقط بِمَوْت الْمَدْيُون، وَيصير حَالا، وَلَو مَاتَ المزكى فِي أثْنَاء الْحول سقط الْوَاجِب (وَعقد الْإِجَارَة) عِلّة لملك الْمَنْفَعَة، اسْما لوضعه لَهُ وَالْحكم يُضَاف إِلَيْهِ، وَمعنى لِأَنَّهُ الْمُؤثر فِي إِثْبَات ملكهَا، (وَلذَا) أَي ولكونه اسْما وَمعنى (صَحَّ تَعْجِيل الْأُجْرَة) قبل الْوُجُوب وَاشْتِرَاط تَعْجِيلهَا (وَلَيْسَ عِلّة حكما) لملك الْمَنَافِع (لعدم الْمَنَافِع) الَّتِي تُوجد فِي مُدَّة الْإِجَارَة وَقت العقد (و) عدم (ثُبُوت الْملك فِيهَا) أَي الْمَنَافِع (فِي الْحَال) لانعدامها (وَكَذَا) لَيْسَ بعلة حكما (فِي الْأُجْرَة) لِأَنَّهَا بدل الْمَنْفَعَة فَلَمَّا لم يملكهَا فِي الْحَال لم يملك بدلهَا تَحْقِيقا لِمَعْنى الْمُسَاوَاة (مَعَ أَنه) أَي عقد الْإِجَارَة (وضع لملكهما) أَي الْمَنَافِع وَالْأُجْرَة (و) هُوَ (الْمُؤثر فيهمَا، وَيُشبه السَّبَب لما فِيهِ من معنى الْإِضَافَة فِي حق ملك الْمَنْفَعَة إِلَى مقارنته) أَي انْعِقَادهَا (الِاسْتِيفَاء) للمنفعة (إِذْ لَا بَقَاء لَهَا) أَي للمنفعة، فَالْإِجَارَة وَإِن صحت فِي الْحَال بِإِقَامَة الْعين مقَام الْمَنْفَعَة إِلَّا أَنَّهَا فِي حق الْمَنْفَعَة مُضَافَة إِلَى زمَان وجود الْمَنْفَعَة كَأَنَّهَا تَنْعَقِد حِين وجود الْمَنْفَعَة آنا فآنا ليقترن الِانْعِقَاد بِالِاسْتِيفَاءِ، وَهَذَا معنى قَوْلهم: الْإِجَارَة عُقُود مُتَفَرِّقَة يَتَجَدَّد انْعِقَادهَا بِحَسب مَا يحدث من الْمَنْفَعَة (وَمِمَّا يشبه السَّبَب) أَي من الْعِلَل اسْما وَمعنى لَا حكما الشبيهة بِالسَّبَبِ (مرض الْمَوْت عِلّة الْحجر عَن التَّبَرُّع) بِالْهبةِ وَالصَّدَََقَة والمحاباة وَنَحْوهَا (لحق الْوَارِث) أَي لما يتَعَلَّق بِهِ حق الْوَارِث (مَا زَاد على الثُّلُث) لِأَنَّهُ وضع شرعا للتغيير من الْإِطْلَاق إِلَى الْحجر وَالْحجر مُضَاف إِلَيْهِ، وَهُوَ مُؤثر فِيهِ كَمَا فِي حَدِيث سعد حَيْثُ قَالَ: " أفأوصى بِمَالي كُله، قَالَ ﷺ لَا، قَالَ: فبالنصف.
стр. 1029
قَالَ لَا، قَالَ فبالثلث؟ قَالَ الثُّلُث، وَالثلث كثير: إِنَّك إِن تدع وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تَدعهُمْ عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس " مُتَّفق عَلَيْهِ (وَيُشبه) مرض الْمَوْت (السَّبَب لِأَن الحكم) الَّذِي هُوَ الْحجر (يثبت بِهِ إِذا اتَّصل بِهِ الْمَوْت لِأَن الْعلَّة مرض مميت، وَلما كَانَ) الْمُؤمن (منعدما فِي الْحَال لم يثبت الْحجر فَصَارَ الْمُتَبَرّع بِهِ ملكا) للمتبرع لَهُ (للْحَال) لِانْعِدَامِ الْمَانِع حِينَئِذٍ (فَلَا يحْتَاج إِلَى تمْلِيك) جَدِيد (لَو برأَ) لاستمرار الْمَانِع على الْعَدَم (وَإِذا مَاتَ صَار كَأَنَّهُ تصرف بعد الْحجر) لاتصاف الْمَرَض بِكَوْنِهِ مميتا من أول وجوده لِأَن الْمَوْت يحدث بالألم وعوارض مزيلة لقوى الْحَيَاة من ابْتِدَاء الْمَرَض فيضاف إِلَيْهِ كُله، وَإِذا اسْتندَ الْوَصْف إِلَى أول الْمَرَض اسْتندَ بِحكمِهِ (فتوقف) نفاذه (على إجازتهم) أَي الْوَرَثَة لتَعلق حَقهم بِهِ (وَكَذَا التَّزْكِيَة) أَي تَعْدِيل شُهُود الزِّنَا (عِلّة وجوب الحكم بِالرَّجمِ) للزاني الْمُحصن (لَكِن بِمَعْنى عِلّة الْعلَّة عِنْده) أَي أبي حنيفَة (فَإِن الشَّهَادَة لَا توجب الرَّجْم دونهَا) أَي التَّزْكِيَة بل تفِيد ظُهُوره، وَعلة الْعلَّة بِمَنْزِلَة الْعلَّة فِي إِضَافَة الحكم كَمَا ستقام فَيكون مُضَافا إِلَى التَّزْكِيَة (فَلَو رَجَعَ المزكون) وَقَالُوا تعمدنا الْكَذِب (ضمنُوا الدِّيَة عِنْده) أَي أبي حنيفَة (غير أَنه إِذا كَانَ) التَّزْكِيَة، تذكير الضَّمِير بِاعْتِبَار أَنه تَعْدِيل (صفة للشَّهَادَة أضيف الحكم إِلَيْهَا) أَي إِلَى الشَّهَادَة أَيْضا فَأَي الْفَرِيقَيْنِ رَجَعَ ضمن (وَعِنْدَهُمَا لَا) يضمن المزكون إِذا رجعُوا لأَنهم أثنوا على الشُّهُود خيرا فَهُوَ كَمَا لَو أثنوا على الْمَشْهُود عَلَيْهِ خيرا بِأَن قَالُوا هُوَ مُحصن، وَالضَّمان يُضَاف إِلَى سَبَب هُوَ تعد، لَا إِلَى مَا هُوَ حسن وَخير، أَلا ترى أَن الشُّهُود والمزكين إِذْ رجعُوا جَمِيعًا لم يضمن المزكون شَيْئا، وَالْجَوَاب أَن المزكين لَيْسُوا كشهود الْإِحْصَان فَإِنَّهُم لم يجْعَلُوا مَا لَيْسَ بِمُوجب مُوجبا إِذْ الشَّهَادَة بِالزِّنَا بِدُونِ الْإِحْصَان مُوجب للعقوبة، وَالشَّهَادَة لَا توجب شَيْئا بِدُونِ التَّزْكِيَة، فالمزكون أعملوا سَبَب التّلف بطرِيق التَّعَدِّي فضمنوا، وَأما إِذا رَجَعَ الشُّهُود مَعَهم فقد انقلبت الشَّهَادَة تَعَديا وَأمكن الْإِضَافَة إِلَيْهَا على الْقُصُور لِأَنَّهَا تعد لم يحدث بالتزكية لاختيارهم فِي الْأَدَاء فَلم يضف إِلَى عِلّة الْعلَّة كَذَا فِي الْأَسْرَار (وكل عِلّة عِلّة) هِيَ (عِلّة شَبيهَة بِالسَّبَبِ كَشِرَاء الْقَرِيب وَهُوَ) أَي عِلّة الْعلَّة الشبيهة بِالسَّبَبِ (السَّبَب فِي معنى الْعلَّة، أما عِلّة فَلِأَن الْعلَّة لما كَانَت مُضَافَة إِلَى عِلّة أُخْرَى) هِيَ الأولى (كَانَ الحكم مُضَافا إِلَيْهَا) أَي للأولى (بِوَاسِطَة الثَّانِيَة فَهِيَ) أَي الأولى (كعلة توجب) الحكم (بِوَصْف لَهَا فيضاف) الحكم (إِلَيْهَا) أَي الأولى (دون الصّفة) بِهَذَا الِاعْتِبَار، فَلَا يرد أَنه لَا بُد فِي الْعلَّة من الْإِضَافَة أَو الْوَضع، والوضع مُنْتَفٍ هَاهُنَا لِأَن الْملك غير مَوْضُوع للعين (وَأما الشّبَه) بِالسَّبَبِ (فَلِأَنَّهَا) أَي الأولى (لَا توجب) الحكم (إِلَّا بِوَاسِطَة) هِيَ الثَّانِيَة كَمَا أَن السَّبَب كَذَلِك (وَحَقِيقَة هَذَا نفي الْعلَّة) لِأَن الْعلَّة الْحَقِيقِيَّة لَا تتَوَقَّف على وَاسِطَة بَينهَا وَبَين الْمَعْلُول (مِثَال ذَلِك شِرَاء الْقَرِيب فَإِنَّمَا هُوَ عِلّة لذَلِك للْملك الْعلَّة لِلْعِتْقِ
стр. 1030
فَهُوَ) أَي شِرَاؤُهُ (عِلّة الْعلَّة) لِلْعِتْقِ (فَبين الْعلَّة اسْما وَمعنى لَا حكما، وَالْعلَّة الَّتِي تشبه الْأَسْبَاب عُمُوم من وَجه لصدقهما فِيمَا قبله) أَي قبل هَذَا الْقسم وَهُوَ عِلّة الْعلَّة من النّصاب وَمَا بعده (وانفراد) قسم الْعلَّة (الْمُشبه) بِالسَّبَبِ (فِي شِرَاء الْقَرِيب) فَإِنَّهُ لَا يتَحَقَّق فِيهِ التَّرَاخِي (و) انْفِرَاد (الْعلَّة اسْما وَمعنى لَا حكما فِي البيع بِشَرْط) الْخِيَار (وَالْمَوْقُوف وَإِلَى عِلّة معنى وَحكما كآخر) أَجزَاء الْعلَّة (المركبة) من وصفين مؤثرين مترتبين فِي الْوُجُود لوُجُود التَّأْثِير والاتصال (لَا اسْما إِذْ لم يضف) الحكم (إِلَيْهِ) أَي إِلَى هَذَا الْجُزْء الْأَخير (فَقَط) بل يُضَاف إِلَى الْمَجْمُوع قَالَ الشَّارِح: هَذَا قَول فَخر الْإِسْلَام، وَذهب غير وَاحِد إِلَى أَن مَا عدا الْأَخير بِمَنْزِلَة الْعَدَم فِي ثُبُوت الحكم وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْجُزْء الْأَخير كَمَا فِي أثقال السَّفِينَة والقدح الْأَخير فِي السكر انْتهى. قيل يلْزم على هَذَا أَن يُضَاف الحكم إِلَى الشَّاهِد الْأَخير وَيضمن كل الْمُتْلف إِذا رَجَعَ وَأجِيب بِأَن الشَّهَادَة إِنَّمَا تعْمل بِقَضَاء القَاضِي، وَالْقَضَاء يَقع بالمجموع فالراجع يضمن النّصْف أيا كَانَ (وَإِلَى عِلّة اسْما وَحكما) وَهِي كل مَظَنَّة للمعنى الْمُؤثر وَهِي (كل مَظَنَّة أُقِيمَت مقَام حَقِيقَة الْمُؤثر) لخفائه دفعا للْحَرج أَو احْتِيَاطًا (كالسفر وَالْمَرَض للترخص) فَالْحكم الَّذِي هُوَ رخصَة يُضَاف إِلَيْهَا فَيُقَال: رخصَة السّفر ورخصة الْمَرَض وَيثبت عِنْد وجودهما (لَا معنى لِأَن الْمُؤثر) فِي حكم الرُّخْصَة إِنَّمَا هُوَ (الْمَشَقَّة) لَا نفس السّفر وَالْمَرَض لَكِن أقيما مقَامهَا لخفائها ولكونهما سَببهَا دفعا للْحَرج (وكالنوم للْحَدَث إِذْ الْمُعْتَبر) فِي تحَققه (خُرُوج النَّجس) من أحد السَّبِيلَيْنِ أَو من الْبدن إِلَى مَوضِع يلْحقهُ حكم التَّطْهِير على الِاخْتِلَاف بَين الْأمة (إِلَّا أَنه) أَي النّوم (عِلّة سَببه) أَي خُرُوج النَّجس (الاسترخاء) بِالْجَرِّ بَدَلا من السَّبَب فَإِن النّوم عِلّة استرخاء المفاصل الْمُوجب لزوَال المسكة (فأقيم) النّوم (مقَامه) أَي الْخُرُوج إِقَامَة لعِلَّة السَّبَب للشَّيْء مقَام ذَلِك الشَّيْء احْتِيَاطًا فِي الْعِبَادَات (فَكَانَ) النّوم (عِلّة اسْما) للْحَدَث (لإضافة الْحَدث) إِلَيْهِ، يُقَال حدث النّوم، وَحكما لِأَنَّهُ يثبت عِنْد النّوم لَا معنى لعدم التَّأْثِير لما عرفت (وَإِلَى عِلّة معنى فَقَط وَهُوَ بعض أَجزَاء) الْعلَّة (المركبة غير) الْجُزْء (الْأَخير) مِنْهَا، فَإِن ذَلِك الْبَعْض مُؤثر فِي الْجُمْلَة وَلَا يُضَاف الحكم إِلَيْهِ بل إِلَى الْمَجْمُوع وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ (وَلَيْسَ) هَذَا الْبَعْض (سَببا) للْحكم (لَو تقدم) على الْبَعْض الآخر لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْط بطرِيق مَوْضُوع لثُبُوت الحكم (خلافًا لأبي زيد وشمس الْأَئِمَّة) السَّرخسِيّ، فَإِنَّهُ سَبَب عِنْدهمَا إِذا تقدم لَا يثبت مَا لم تتمّ الْعلَّة فَكَانَ المبدأ مُعْتَبرا لتَمام الْعلَّة، وكالطريق إِلَى الْمَقْصُود وَلَا تَأْثِير لَهُ مَا لم يَنْضَم إِلَيْهِ الْبَاقِي وَقد تخَلّل بَينه وَبَين الحكم وجود غَيره وَهُوَ غير مُضَاف إِلَيْهِ فَكَانَ سَببا، وَإِنَّمَا ذهب فَخر الْإِسْلَام إِلَى أَنه لَيْسَ بِسَبَب بل لَهُ شبه الْعلية (وَإِن لم يجب) الحكم (عِنْده لفرض عقلية دخله فِي التَّأْثِير)
стр. 1031
فِي الحكم، وَمَا كَانَ كَذَلِك لَا يكون سَببا مَحْضا (وَلذَا) أَي فرض عقلية دخله فِي التَّأْثِير (جعلُوا) أَي أَصْحَابنَا (كلا من الْقدر وَالْجِنْس محرما للنسيئة لشُبْهَة الْعلَّة بالجزئية) فَإِن جُزْء الْعلَّة لَهُ شبه بهَا بِاعْتِبَار توقف الحكم ودخله فِي التَّأْثِير، وَفِي النَّسِيئَة شُبْهَة الْفضل لمزية النَّقْد على النَّقْد على النَّسِيئَة عرفا وَكَذَا يكون الثّمن فِي النَّسِيئَة أَكثر مِنْهُ فِي النَّقْد (فَامْتنعَ إِسْلَام حِنْطَة فِي شعير) فَإِن الْمُسلم وَهُوَ الْحِنْطَة نقد، وَالْمُسلم فِيهِ وَهُوَ الشّعير نَسِيئَة وجزء الْعلَّة وَهُوَ الْقدر مَوْجُود، وَإِسْلَام ثوب (قوهي فِي) ثوب (قوهي) وَهُوَ نِسْبَة إِلَى قوهستان كورة من كور فَارس لشُبْهَة الْعلَّة (والشبهة مَانِعَة هُنَا) فِي بَاب الرِّبَا (للنَّهْي عَن الرِّبَا والريبة) أَي الْفضل الْخَالِي عَن الْعِوَض، وشبهته فِي الْمغرب أَنه إِشَارَة إِلَى حَدِيث " دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك " فَإِن الْكَذِب رِيبَة وَإِن الصدْق طمأنينة. الرِّيبَة فِي الأَصْل قلق النَّفس واضطرابها فَهِيَ إِذن بِكَسْر الرَّاء، ثمَّ الْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة ثمَّ الْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة، وَمن روى رِيبَة على أَنَّهَا تَصْغِير الرِّبَا فقد أَخطَأ لفظا وَمعنى، قيل وعَلى هَذَا فَفِي ثُبُوت الْمَطْلُوب بِهِ نظر (وَخرج الْعلَّة حكما فَقَط على الشَّرْط). قَالَ الشَّارِح الْمخْرج لِلْعِلَّةِ حكما فَقَط على هذَيْن: يَعْنِي الشَّرْط وَمَا ذكر بعده. صدر الشَّرِيعَة: وَمعنى تخريجها عَلَيْهِمَا استنباطها منطبقا أَو صَادِقا عَلَيْهِمَا، أما الشَّرْط فَهُوَ كدخول الدَّار (فِي تَعْلِيق الْإِيجَاب) كَأَنْت طَالِق (لثُبُوت الحكم) كَالطَّلَاقِ (عِنْده) أَي عِنْد وجود الشَّرْط وَهُوَ دُخُول الدَّار مثلا (مَعَ انْتِفَاء الْوَضع) أَي وضع دُخُول الدَّار لوُقُوع الطَّلَاق وَانْتِفَاء إِضَافَته إِلَيْهِ (و) انْتِفَاء (التَّأْثِير) لَهُ فِيهِ (وَكَذَا الْجُزْء الْأَخير من السَّبَب الدَّاعِي) إِلَى الحكم (الْمقَام) بِضَم الْمِيم مقَام الْمُسَبّب الَّذِي هُوَ الحكم (إِذا كَانَ) السَّبَب الدَّاعِي) (مركبا) عَلَيْهِ حكما فَقَط لوُجُود الِاتِّصَال من غير وضع لَهُ وَلَا إِضَافَة إِلَيْهِ وَلَا تَأْثِير لَهُ فِيهِ، لِأَن السَّبَب الدَّاعِي لَا تَأْثِير لَهُ فَكيف بجزئه (وَمَا أقيم من دَلِيل مقَام مَدْلُوله كالإخبار عَن الْمحبَّة) فِي أَن كنت تحبيني فَأَنت طَالِق لوُجُود الطَّلَاق عِنْد إخبارها عَن حبها مَعَ انْتِفَاء وَصفه لَهُ وتأثيره فِيهِ: وَإِنَّمَا أقيم للعجز عَن الْوُقُوف على حَقِيقَته. فِي كشف الْبَزْدَوِيّ لكنه يقْتَصر على الْمجْلس حَتَّى لَو أخْبرت عَنْهَا خَارج الْمجْلس لَا يَقع الطَّلَاق لِأَنَّهُ يشبه التَّخْيِير من حَيْثُ أَنه جعل الْأَمر إِلَى إخبارها والتخيير مقتصر عَلَيْهِ، وَلَو كَانَت كَاذِبَة يَقع فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى، لِأَن حَقِيقَة الْمحبَّة لَا يُوقف عَلَيْهَا من جِهَة غَيرهَا وَلَا من جِهَتهَا، لِأَن الْقلب لَا يسْتَقرّ على شَيْء: فَصَارَ الشَّرْط الْإِخْبَار عَن الْمحبَّة وَقد وجد. قَالَ الشَّارِح: لَعَلَّ هَذَا من تَخْرِيج المُصَنّف.
(تمّ الْجُزْء الثَّالِث: ويليه الْجُزْء الرَّابِع، وأوله: المرصد الثَّانِي فِي شُرُوط الْعلَّة)
стр. 1032
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المرصد الثَّانِي فِي شُرُوطهَا
أَي الْعلَّة (استلزم مَا تقدم من تَعْرِيفهَا اشْتِرَاط الظُّهُور والانضباط ومظنية الْحِكْمَة) وَهِي الَّتِي شرع الحكم لأَجلهَا (أَولا أَو بِوَاسِطَة مَظَنَّة أُخْرَى فلزمت الْمُنَاسبَة) بَينهَا وَبَين الحكم الَّذِي هُوَ معلولها (وَعدم الطَّرْد) أَي مُجَرّد وجود الحكم لأَجلهَا الَّذِي هُوَ معلولها عِنْد وجودهَا كَمَا مر بَيَانه. (وَمِنْهَا) أَي من شُرُوط الْعلَّة (أَن لَا يكون عدما لوجودي) وَهَذَا الشَّرْط (لطائفة من الشَّافِعِيَّة) مِنْهُم الْآمِدِيّ (وَغَيرهم) كَابْن الْحَاجِب وَصَاحب البديع وَغَيرهمَا (وَالْأَكْثَر) مِنْهُم الْبَيْضَاوِيّ مَذْهَبهم (الْجَوَاز) أَي جَوَاز كَونهَا عدما لوجودي (قيل وَجَوَاز) تَعْلِيل (العدمي بِهِ) أَي بالعدمي كَعَدم نَفاذ التَّصَرُّف بِعَدَمِ الْعقل (اتِّفَاق) كَمَا ذكره القَاضِي عضد الدّين وَغَيره. قَالَ (النَّافِي) جَوَاز تَعْلِيل الوجودي بالعدمي: (الْعلَّة) هِيَ الْأَمر (الْمُنَاسب) لمشروعية الحكم (أَو مظنته) أَي مَظَنَّة الْمُنَاسب فَإِن الْعلَّة باعث والباعث منحصر فِي الْمُنَاسبَة ومظنته (والعدم الْمُطلق ظَاهر) أَنه لَيْسَ مناسبا وَلَا مظنته، بل نسبته إِلَى جَمِيع الْمحَال وَالْأَحْكَام سَوَاء (و) الْعَدَم (الْمُضَاف إِمَّا) مُضَاف (إِلَى مَا فِي الشَّرْعِيَّة) أَي مَشْرُوعِيَّة الحكم (مَعَه مصلحَة) لذَلِك الحكم (فَهُوَ) أَي الْعَدَم الْمُضَاف (مَانع) من الحكم، لِأَن الْفَرْض أَن الْمصلحَة مَعَ وجوديه الَّذِي هُوَ مُضَاف إِلَيْهِ وَعدم الْمصلحَة مَانع مِنْهُ فَلَا يكون الْعَدَم الْمَذْكُور مناسبا للْحكم وَلَا مَظَنَّة لَهُ (أَو) مُضَاف إِلَى مَا فِي الشَّرْعِيَّة مَعَه (مفْسدَة) لذَلِك الحكم (فَهُوَ) أَي الْعَدَم الْمُضَاف حِينَئِذٍ (عَدمه) أَي عدم الْمَانِع وَهُوَ لَا يكون عِلّة لِأَن الْعلَّة مُقْتَض وَعدم الْمَانِع لَيْسَ بمقتض. وَاعْترض بِأَنَّهُ لم لَا يجوز أَن يكون منشأ لمصْلحَة ودافعا لمفسدة فَيكون مقتضيا من الْحَيْثِيَّة وعدما للمانع فَيصح التَّعْلِيل بِهِ (أَو) إِلَى (منَاف مُنَاسِب) للْحكم (حَتَّى جَازَ أَن يسْتَلْزم) الْعَدَم الْمُضَاف إِلَى منَاف مُنَاسِب (الْمُنَاسب) فَيحصل بِهِ الْحِكْمَة لاشْتِمَاله عَلَيْهِ من حَيْثُ الاستلزام (فَيكون) الْعَدَم الْمَذْكُور (مظنته) أَي الْمُنَاسب بِهَذَا الِاعْتِبَار
стр. 1033
(ثمَّ) نقُول بعد ذَلِك (لَا يصلح) لِأَن تكون مَظَنَّة لَهُ (لِأَن مَا) أَي الْمُنَاسب الَّذِي (هُوَ) أَي الْعَدَم الْمَذْكُور (مَظَنَّة لَهُ ان كَانَ) وَصفا (ظَاهرا) صَالحا لترتب الحكم عَلَيْهِ (أُغني) بِنَفسِهِ عَن المظنة الَّتِي هِيَ الْعَدَم فَكَانَ هُوَ الْعلَّة (أَو) كَانَ (خفِيا فنقيضه) أَي نقيض ذَلِك الْمُنَاسب الْخَفي (وَهُوَ) أَي نقيضه (مَا) أَي الَّذِي (عَدمه مَظَنَّة) للمناسب (خَفِي) أَيْضا، وَإِطْلَاق النقيض على كل وَاحِد من المنافيين شَائِع (لِاسْتِوَاء النقيضين جلاء وخفاء). وَفِيه أَنه قد يخْتَلف النقيضان جلاء وخفاء لتكرار وإلف وَغير ذَلِك من الْأَسْبَاب، كَيفَ والملكات أجلى من الأعدام، هَذَا وَإِذا كَانَ منافي الْمُنَاسب خفِيا كَانَ عَدمه أَيْضا خفِيا لِاسْتِوَاء النقيضين إِلَى آخِره فَلَا يصلح الْعَدَم الْمَذْكُور عِلّة للْحكم لخفائه (أَو) مُضَاف إِلَى (غير منَاف) للمناسب (فوجوده) أَي غير الْمنَافِي (وَعَدَمه سَوَاء) فِي تحصل الْمصلحَة (فَلَيْسَ عَدمه بِخُصُوصِهِ عِلّة) أَي لَيْسَ كَون عَدمه عِلّة (بِأولى من عَكسه) بِأَن يكون وجوده عِلّة فَلَا يصلح عِلّة (كَمَا لَو قيل يقتل الْمُرْتَد لعدم إِسْلَامه فَلَو كَانَ فِي قَتله مَعَ إِسْلَامه مصلحَة فَاتَت) تِلْكَ الْمصلحَة فِي عَدمه فَيكون مَانِعا من الْقَتْل وَالتَّعْلِيل بِمَا يمْنَع من الحكم بَاطِل (أَو) كَانَ فِي قَتله مَعَ إِسْلَامه (مفْسدَة فَعدم مَانع) أَي الْعَدَم الْمُضَاف حِينَئِذٍ عدم مَانع (أَو يُنَافِي) الْإِسْلَام الَّذِي أضيف إِلَيْهِ الْعَدَم (مناسبا للْقَتْل) الَّذِي هُوَ الحكم فَهَذَا من عطف الْمُضَارع على الْمَاضِي (ظَاهرا) صفة لقَوْله مناسبا (وَهُوَ) أَي الْمُنَاسب الظَّاهِر للْقَتْل (الْكفْر، فَهُوَ) أَي الْكفْر (الْعلَّة) للْقَتْل لِأَنَّهُ أغْنى بِنَفسِهِ عَن المظنية (أَو) يُنَافِي الْإِسْلَام مناسبا (خفِيا) بِأَن يفْرض الْكفْر خفِيا (ف) إِن (الْإِسْلَام كَذَلِك) أَي خَفِي لتماثل النقيضين على مَا مر (فعدمه) أَي الْإِسْلَام (كَذَلِك) أَي خَفِي (أَولا) يُنَافِي الْإِسْلَام مناسبا أصلا ظَاهرا وَلَا خفِيا: بِأَن يفْرض عدم مُنَاسبَة الْكفْر للْقَتْل كَمَا قَالَ مَالك يقتل وَإِن رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام (فَالْمُنَاسِب) شَيْء (آخر يُجَامع كلا من الْإِسْلَام وَعَدَمه) فهما سيان فِي تَحْصِيل الْمصلحَة فَلَا يكون عَدمه مُتَعَيّنا فِيهِ (وَدفع) الدَّلِيل الْمَذْكُور (من) قبل (الْأَكْثَر بِاخْتِيَار أَنه) أَي مَا أضيف إِلَيْهِ الْعَدَم (يُنَافِيهِ) أَي الْمُنَاسب وَهُوَ الشق الثَّالِث من الترديد (وَجَاز كَونه) أَي الْمُنَاسب الَّذِي يُنَافِيهِ مَا أضيف إِلَيْهِ الْعَدَم (الْعَدَم) الْمُضَاف (نَفسه، لَا) كَون الْعَدَم الْمَذْكُور (مظنته) أَي الْمُنَاسب فَلَا يتَّجه قَوْله: ثمَّ لَا يصلح إِلَى آخِره، ثمَّ علل الْجَوَاز بقوله (لاشْتِمَاله) أَي الْعَدَم (على الْمصلحَة كَعَدم الْإِسْلَام) فَإِنَّهُ مُشْتَمل (على مصلحَة الْتِزَامه) إِضَافَة الْمصلحَة بَيَانِيَّة، وَالضَّمِير لِلْإِسْلَامِ (بِالْقَتْلِ) أَي بِسَبَب خَوفه من الْقَتْل يلْتَزم الْإِسْلَام بِأَن لَا يرْتَد أَو يرجع إِلَيْهِ بعد الارتداد ثمَّ يلازمه إِذا علم أَن عدم الْإِسْلَام عِلّة للْقَتْل. (وَالْحَنَفِيَّة يمْنَعُونَ الْعَدَم الْمُطلق) أَي لَا يجوزون التَّعْلِيل بِالْعدمِ مُطلقًا كَانَ مُضَاف
стр. 1034
وجوديا كَانَ الحكم أَو عدميا (فَلم يَصح النَّقْل السَّابِق) أَي نقل الِاتِّفَاق على جَوَاز العدمي بالعدمي (وَالدَّلِيل الْمَذْكُور) للنافي للوجودي خَاصَّة (يصلح لَهُم) أَي للحنفية فِي نفيهم مُطلقًا (لِأَنَّهُ) أَي الدَّلِيل الْمَذْكُور (يبطل الْعَدَم مُطلقًا) أَي كَونه عِلّة لوجودي أَو عدمي، لانْتِفَاء الْمُنَاسبَة ومظنتها فِيهِ، وَعدم الحكم لَا يحْتَاج إِلَى عِلّة لِأَنَّهُ ثَابت بِالْعدمِ الْأَصْلِيّ فَلَا يصلح عِلّة لَا للعدم وَلَا للوجود، كَذَا قيل، وَفِيه أَنه لم لَا يجوز أَن يكون عدم الحكم عدما طارئا (وَيرد) الدَّلِيل الْمَذْكُور لعدم جَوَاز تَعْلِيل الوجودي بِالْعدمِ (نقضا من) قبل (الْأَكْثَر على) دَلِيل (الطَّائِفَة) الْقَائِلين بِعَدَمِ جَوَاز تَعْلِيل الوجودي وَجَوَاز تَعْلِيل العدمي بِهِ بِأَن يُقَال: إِن صَحَّ مَا ذكرْتُمْ فِي منع تَعْلِيل الوجودي بِهِ لزم أَن لَا يجوز تَعْلِيل العدمي بِهِ أَيْضا بِعَين مَا ذكرْتُمْ (وَكَون الْعَدَم نَفسه الْمُنَاسب لم يتَحَقَّق) أورد النَّقْض على الدَّلِيل أَولا، ثمَّ أبطل مَا ذكر سَنَد للْمَنْع على مقدمته وَإِبْطَال السَّنَد إِذا كَانَ مُسَاوِيا للْمَنْع يسْتَلْزم إِثْبَات الْمُقدمَة الممنوعة، ثمَّ بَين عدم التحقق بقوله (وَالْمُنَاسِب فِي الْمِثَال) الْمَذْكُور (الْكفْر، وَهُوَ) أَي الْكفْر (اعْتِقَاد قَائِم) بِذَات الْكَافِر (وجودي ضد الْإِسْلَام، ويستلزم) الْكفْر أَو الِاعْتِقَاد الْمَذْكُور (عَدمه) أَي عدم الْإِسْلَام (كَمَا هُوَ شَأْن الضدين فِي استلزام كل) مِنْهُمَا (عدم الآخر فالإضافة للْقَتْل (فِيهِ) أَي الْمِثَال الْمَذْكُور (إِلَى الْعَدَم) حَيْثُ قيل يقتل لعدم إِسْلَامه إِنَّمَا يكون (لفظا) أَي بِحَسب ظَاهر اللَّفْظ وَفِي الْمَعْنى والحقيقة إِلَى أَمر وجودي وَهُوَ الْكفْر فِي الْمِثَال، وعَلى هَذَا الْقيَاس سَائِر الْأَمْثِلَة، ثمَّ لما ذكر أَن الْحَنَفِيَّة يمْنَعُونَ الْعَدَم مُطلقًا وَأَن الدَّلِيل الْمَذْكُور يصلح لَهُم وَجعل إِضَافَة الحكم إِلَى الْعَدَم لفظا اتجه أَن الْحَنَفِيَّة فِي كثير من الْأَحْكَام عللوا بِالْعدمِ وَأَرَادَ الْجَواب عَن ذَلِك فَقَالَ: (ويطرد) تَعْلِيل الْعَدَم بِالْعدمِ (فِي عدم عِلّة ثَبت اتحادها) يَعْنِي لَيْسَ لحكمها عِلّة غَيرهَا (لعدم حكمهَا) مِثَاله (كَقَوْل مُحَمَّد) أَي كالتعليل فِي قَوْله (فِي ولد الْمَغْصُوب) أَي ولد الْحَيَوَان الْمَغْصُوب الَّذِي لم يكن وَقت الْغَصْب مَوْجُودا (لَا يضمن) بِصِيغَة الْمَجْهُول وَالضَّمِير للْوَلَد، وَيجوز أَن يكون بِصِيغَة الْمَعْلُوم: أَي لَا يضمن الْغَاصِب إِيَّاه (لِأَنَّهُ) أَي الْوَلَد (لم يغصب) لعدم وجوده وَقت الْغَصْب، فَإِن الْغَضَب سَبَب معِين للضَّمَان لَا سَبَب سواهُ فعدمه يسْتَلْزم عدم الضَّمَان (و) كَقَوْل (أبي حنيفَة فِي نفي) وجوب (خمس العنبر لم يوجف عَلَيْهِ) لِأَن سَببه وَاحِد إِجْمَاعًا، وَهُوَ الإيجاف بِالْخَيْلِ والركاب، وَهُوَ إسراعها فِي السّير، من الوجف، وَهُوَ سرعَة السّير، فَإِن الْخمس إِنَّمَا يجب فِيمَا أَخذ من أَيدي الْكفَّار بِإِيجَاف الْخَيل والركاب، والمستخرج من الْبَحْر لَيْسَ فِي أَيْديهم، فَإِن قهر المَاء يمْنَع قهر غَيره عَلَيْهِ فَلم يكن غنيمَة (وَالْوَجْه) فيهمَا (مَا قُلْنَا) من (أَنه) أَي التَّعْلِيل بِالْعدمِ وَإِضَافَة الحكم إِلَيْهِ (لَيْسَ حَقِيقِيًّا وإضافتهما). قَالَ الشَّارِح
стр. 1035
أَي إِضَافَة أبي حنيفَة عدم الْخمس وَمُحَمّد عدم الضَّمَان. وَلَا يخفى مَا فِيهِ، فَالْأولى أَن يُقَال: أَي إِضَافَة الْحكمَيْنِ الْمَذْكُورين فِي كَلَامهمَا، وَقَوله: اضافتهما بِالنّصب عطفا على اسْم إِن واضافتهما لَيست حَقِيقِيَّة بل بِحَسب اللَّفْظ على مَا مر، أَو نقُول تَقْدِير الْكَلَام وَحَقِيقَة إضافتهما (إِنَّمَا هُوَ عدم الحكم لعدم الدَّلِيل) على سَبِيل التَّوَسُّع فِي الْكَلَام (وَلَيْسَ) مَا علل بِهِ من عدم الدَّلِيل (مَا نَحن فِيهِ من الْعلَّة) بِمَعْنى الْبَاعِث وَهُوَ ظَاهر (قَالُوا) أَي الْأَكْثَرُونَ (علل الضَّرْب بِعَدَمِ الِامْتِثَال) وَهُوَ عدمي (وَالضَّرْب ثبوتي أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي التَّعْلِيل (بالكف) أَي كف العَبْد نَفسه عَن الِامْتِثَال وَهُوَ ثبوتي (قَالُوا) أَي الْأَكْثَرُونَ أَيْضا (معرفَة المعجز) أَي كَون المعجز معجزا أَمر (ثبوتي مُعَلل بالتحدي) بالمعجزة (مَعَ انْتِفَاء الْمعَارض) أَي الَّذِي يَأْتِي بِمِثْلِهَا (وَهُوَ) أَي انْتِفَاء الْمعَارض (جُزْء الْعلَّة) لِأَنَّهَا الْإِتْيَان بخارق الْعَادة وَطلب الْإِتْيَان بِمثلِهِ عِنْد دَعْوَى النُّبُوَّة مَعَ انْتِفَاء الْمعَارض، والانتفاء عدم، وَمَا جزؤه عدم فَهُوَ عدم و (كَذَا معرفَة كَون الْمدَار) وَهُوَ مَا أدير عَلَيْهِ الحكم وجودا أَو عدما (عِلّة) للدائر وَهُوَ الحكم (بالدوران) وَكَونه علته وجودي (وجزؤه) أَي الدوران (عدم) وَهُوَ مركب من الطَّرْد، وَالْعَكْس عدمي إِذْ هُوَ عبارَة عَن الْوُجُود مَعَ الْوُجُود والعدم مَعَ الْعَدَم (أُجِيب بِكَوْنِهِ) أَي الْعَدَم (فيهمَا) فِي العلتين (شرطا) خَارِجا عَن حقيقتهما لَا جُزْءا حَتَّى يلْزم عدم العلتين (وَلَو سلم كَون التحدي لَا يسْتَقلّ) عِلّة لمعْرِفَة الْعَجز بل يحْتَاج إِلَى شَيْء آخر مَعَه فِي الْعلية (فمعرف) أَي فَهُوَ معرف للمعجزة (وَالْكَلَام فِي الْعلَّة بِمَعْنى الْمُشْتَمل على مَا ذكرنَا) من الْمُنَاسبَة الباعثة على الحكم، لَا بِمَعْنى الْمُعَرّف. قَالَ القَاضِي عضد الدّين فِي الْجَواب: لَا يخفى أَن نفس التحدي لَا يسْتَقلّ بتعريف المعجز يَعْنِي أَن قَوْلهم مُعَلل بالتحدي يدل على استقلاله بتعريف المعجز وَهُوَ غير صَحِيح، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَو اسْتَقل تحصل الْمعرفَة لكل من حَضَره: وَالْمُصَنّف يُشِير إِلَى أَن عدم استقلاله مَمْنُوع فَإِنَّهُ إِذا تَأمل فِيهِ حق التَّأَمُّل حصل الْعلم بِأَن مَا يتحدى بِهِ معجز، وَلَو سلم فَلَا يحْتَاج فِي ردهم عدم الِاسْتِقْلَال، لأَنا نقُول لَيْسَ من بَاب الْعلَّة الَّتِي كلامنا فِيهِ. (وَمِنْهَا) أَي من شُرُوط صِحَة الْعلَّة (على مَا) عزى (لجمع من الْحَنَفِيَّة) الْكَرْخِي من الْمُتَقَدِّمين وَأبي زيد من الْمُتَأَخِّرين، وَحكى عَن مَشَايِخ الْعرَاق وَأكْثر الْمُتَأَخِّرين وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَهُوَ (أَن لَا تكون) الْعلَّة (قَاصِرَة) على الأَصْل مستنبطة، وَذهب جُمْهُور الْفُقَهَاء مِنْهُم مَشَايِخنَا السمرقنديون وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم إِلَى صِحَة التَّعْلِيل بهَا، وَاخْتَارَهُ صَاحب الْمِيزَان وَالْمُصَنّف فَقَالَ: (لنا) فِي صِحَة التَّعْلِيل بهَا (ظن كَون الحكم لأَجلهَا) أَي القاصرة (لَا ينْدَفع) عَن النَّاظر فِي حكم الأَصْل (وَهُوَ) أَي هَذَا الظَّن (التَّعْلِيل) والمجتهد يجب عَلَيْهِ اتِّبَاع ظَنّه (والاتفاق على) صِحَة الْعلَّة القاصرة (المنصوصة)
стр. 1036
أَي الثَّابِتَة بِالنَّصِّ وعَلى الْمجمع عَلَيْهَا، مِثَال القاصرة (كجوهرية النَّقْدَيْنِ) أَي كَون الذَّهَب وَالْفِضَّة جوهرين متعينين لثمنية الْأَشْيَاء فِي تَعْلِيل حُرْمَة الرِّبَا فيهمَا فَإِنَّهُ وصف قَاصِر عَلَيْهِمَا (وَأما الِاسْتِدْلَال) للمختار بِأَنَّهُ (لَو توقف صِحَّتهَا) أَي الْعلَّة (على تعديها لزم الدّور) لتوقف تعديها على صِحَّتهَا إِجْمَاعًا (فدور معية) أَي فَغير تَامّ لِأَنَّهُ دور معية حَاصله التلازم لَا تقدم كل مِنْهُمَا على الآخر بِالذَّاتِ كتوقف كل من المتضايفين على الآخر، وَمَعْنَاهُ الْعلَّة لَا تكون إِلَّا متعدية، والمتعدية لَا تكون إِلَّا عِلّة (قَالُوا) أَي مانعو صِحَة التَّعْلِيل بهَا (لَا فَائِدَة) فِيهَا لانحصار فَائِدَة الْعلَّة فِي إِثْبَات الحكم بهَا فِي الْفَرْع وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَمَا لَا فَائِدَة فِيهِ لَا يَصح شرعا وَلَا عقلا (أُجِيب بِمَنْع حصرها) أَي الْفَائِدَة (فِي التَّعْدِيَة، بل معرفَة كَون الشَّرْعِيَّة) للْحكم (لَهَا) أَي لِلْعِلَّةِ فَائِدَة (أَيْضا لِأَنَّهُ) أَي كَون الشَّرْعِيَّة لَهَا لِأَنَّهُ (شرح للصدر بالحكم للاطلاع) على الْمُنَاسب الْبَاعِث لَهُ فَإِن الْقُلُوب إِلَى قبُول الْأَحْكَام المعقولة أميل مِنْهَا إِلَى قهر التَّعَبُّد (وَلَا شكّ أَنه) أَي الْخلاف (لَفْظِي فَقيل لِأَن التَّعْلِيل هُوَ الْقيَاس باصطلاح) للحنفية وَهُوَ أَعم من الْقيَاس باصطلاح الشَّافِعِيَّة فالنفي للأخص وَالْإِثْبَات للأعم فَلَا نزاع بِحَسب الْحَقِيقَة (وَلِأَن الْكَلَام فِي عِلّة الْقيَاس لِأَن الْكَلَام فِي شُرُوطه) أَي الْقيَاس (وأركانه) وَلَا شكّ أَن النَّافِي فِي هَذَا السِّيَاق لَا يزِيد إِلَّا عِلّة الْقيَاس وَلَا نزاع بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذَا، فالمثبت لَا يزِيد إِثْبَات الْعلَّة القاصرة للْقِيَاس إِذْ لَا معنى لَهُ فَلَا يتوارد النَّفْي وَالْإِثْبَات فِي مَحل كل وَاحِد، وَلم يرد الْمُثبت مُخَالفَة النَّافِي بل بَيَان أصل التَّعْلِيل، بل يَصح بالقاصرة، والمولعون بِنَقْل الْخلاف نظرُوا إِلَى مَا توهمه ظَاهر كَلَامهم وَحَمَلُوهُ على الْخلاف (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مُرَاد النَّافِي عِلّة الْقيَاس (فَلهم) أَي النافين من الْحَنَفِيَّة مَعَ غَيرهم (كثير مثله) من إِثْبَات الْعلَّة القاصرة (فِي الْحَج وَغَيره) كَمَا فِي الرمل فِي الأشواط الأول، وَكَانَ سَببه إِظْهَار الْجلد للْمُشْرِكين حَيْثُ قَالُوا: أضناهم حمى يثرب، ثمَّ بَقِي الحكم بعد زَوَال السَّبَب فِي زَمَنه ﷺ وَبعده، وكما فِي وجوب الِاسْتِبْرَاء فِيمَا إِذا حدث لَهُ ملك الرَّقَبَة بتعرف بَرَاءَة الرَّحِم قَاصِر عَن الصَّغِيرَة والآيسة، كَذَا ذكره الشَّارِح.
وَأَنت خَبِير بِأَن هَذَا الْأَخير قُصُور آخر غير مَا نَحن فِيهِ فَتدبر (لَكِن رُبمَا سموهُ) أَي الْحَنَفِيَّة التَّعْلِيل بالقاصرة (إبداء حِكْمَة لَا تعليلا) تمييزا بَين القاصرة والمتعدية (وَجعله) أَي الْخلاف (حَقِيقِيًّا مَبْنِيا على اشْتِرَاط التَّأْثِير) فِي التَّعْلِيل (أَو الِاكْتِفَاء بالاخالة) فِيهِ من غير اشْتِرَاط التَّأْثِير كَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة (فعلى الأول) وَهُوَ اشْتِرَاط التَّأْثِير كَمَا عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّة (تلْزم التَّعْدِيَة) على الثَّانِي، وَهُوَ الِاكْتِفَاء بالاخالة (غلط، إِذْ لَا يلْزم فِيهِ) أَي فِي التَّأْثِير (وجود عين) الْمُدعى (عِلّة) أَي وجود عين الْوَصْف الَّذِي ادّعى
стр. 1037
كَونه عِلّة (لحكم الأَصْل فِي) مَحل (آخر يكون فرعا للاكتفاء بِجِنْسِهِ) أَي بِوُجُود حد جنس الْمُدعى عِلّة (فِي) مَحل (آخر لما صرح بِهِ من صِحَة التَّعْلِيل بِلَا قِيَاس) وَالتَّصْرِيح بِصِحَّتِهِ بِلَا قِيَاس دَلِيل على الِاكْتِفَاء بِوُجُود الْجِنْس فِي مَحل آخر، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُد فِي التَّأْثِير عندنَا من اعْتِبَار الشَّارِع الْعين فِي الْعين، وَهُوَ أَعلَى الْمَرَاتِب، أَو فِي الْجِنْس، أَو الْجِنْس فِي الْعين أَو فِي الْجِنْس، وَالْأول يسْتَلْزم وجود عين الْوَصْف فِي عين الحكم فِي مَحل آخر. لَا يُقَال سلمنَا أَنه يسْتَلْزم وجوده فِي عين الحكم فِي مَحل آخر. لأَنا نقُول: كلامنا فِي بَيَان شَرط الْعلَّة المستنبطة وَصِحَّة التَّعْلِيل بهَا، فَلَو كَانَ اعْتِبَار الشَّارِع لعين الْوَصْف فِي عين الحكم فِي الأَصْل لَا فِي مَحل آخر كَانَت الْعلَّة منصوصة لَا مستنبطة، فَلم يحْتَج فِي التَّعْلِيل بهَا إِلَى بَيَان التَّأْثِير، وَإِذا وجد اعْتِبَار الْوَصْف فِي مَحل آخر غير الأَصْل صَحَّ، قِيَاس حكم الأَصْل، وَصِحَّة الْقيَاس لَا تنَافِي كَونه مَنْصُوصا على مَا مر، فَحِينَئِذٍ يكون صِحَة التَّعْلِيل مَعَ الْقيَاس، وَحَيْثُ صَرَّحُوا بِصِحَّة التَّعْلِيل بِلَا قِيَاس كَانَ ذَلِك عِنْد عدم وجود الْعين فِي الْعين فِي مَحل آخر، فَلَزِمَ وجود الْجِنْس فِي مَحل آخر، وَإِلَّا لانتفى التَّأْثِير. وَفِيه أَن صِحَة التَّعْلِيل بِلَا قِيَاس لَا يسْتَلْزم الِاكْتِفَاء بِجِنْسِهِ لانْتِفَاء الْقيَاس فِيمَا إِذا اعْتبر عينه فِي جنس الحكم وَامْتنع اجْتِمَاع الْحكمَيْنِ فِي مَحل وَاحِد من غير تحقق جنسه فِي مَحل آخر، غير أَن تَعْلِيل الِاكْتِفَاء بِمَا ذكر الْتِزَام مِنْهُ لما لَا يلْزم عَلَيْهِ، لِأَن الِاكْتِفَاء بِالْجِنْسِ مُصَرح بِهِ، ثمَّ الِاكْتِفَاء بِهِ يتَحَقَّق فِي صُورَة الْجِنْس فِي الْجِنْس وَفِي الْعين فِي مَحل آخر (وَبِذَلِك) أَي بِوُجُود الْجِنْس فِي مَحل آخر (إِنَّمَا تعدد مَحل الْجِنْس) أَي مَحل جنس الْوَصْف لَا مَحل عينه لتحَقّق الْجِنْس فِي ضمن فَرد آخر غير عين الْوَصْف، والتعدية لَا تحصل إِلَّا بِتَعَدُّد مَحل عين الْوَصْف (وَلَيْسَ) الْجِنْس هُوَ (الْمُعَلل بِهِ وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن كَانَ الْجِنْس هُوَ الْمُعَلل بِهِ (لَكَانَ الْأَخَص) الَّذِي هُوَ الْمُعَلل بِهِ فِي نفس الْأَمر (عين الْأَعَمّ) الَّذِي هُوَ جنسه (و) على هَذَا التَّقْدِير (كَانَت الْعلَّة جنسه لَا هُوَ) أَي الْوَصْف نَفسه وَالْمَقْصُود من هَذَا التَّطْوِيل دفع توهم الِاتِّحَاد بَين الْوَصْف وجنسه الْمَحْمُول عَلَيْهِ لِئَلَّا يُقَال أَن تعدد مَحل الْجِنْس تعدد لمحله (وَهُوَ) أَي كَون الْمُعَلل بِهِ الْجِنْس لَا الْعين (غير الْفَرْض) لِأَن لِأَن الْمَفْرُوض كَون الْمُعَلل بِهِ الْعين لَا جنسه (فَلَا يسْتَلْزم التَّأْثِير تعدِي مَا علل بِهِ) لما عرفت من الِاكْتِفَاء وَصِحَّة التَّعْلِيل بِلَا قِيَاس (وَجعل ثَمَرَته) مُبْتَدأ مُضَاف إِلَى مَفْعُوله الأول، وَالضَّمِير للْخلاف الْمَذْكُور (منع تَعديَة) مفعول ثَان للجعل مُضَاف إِلَى مَفْعُوله: أَي إِلَى (حكم أصل فِيهِ) صفة مَا أضيف إِلَيْهِ الحكم (مُتَعَدٍّ وقاصر) فَاعل الظّرْف وَتَابعه (للمجيز) مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ حَال عَن منع التَّعْدِيَة (لَا الْمَانِع) مَعْطُوف على الْمُجِيز، يَعْنِي أَن من أجَاز التَّعْلِيل بالقاصرة
стр. 1038
يمْنَع تَعديَة الحكم بالمتعدية، وَمن منع التَّعْلِيل بهَا لَا يمْنَعهَا. قَالَ صدر الشَّرِيعَة: وَثَمَرَة الْخلاف أَنه إِذا وجد فِي مورد النَّص وصفان: قَاصِر، ومتعد، وَغلب على ظن الْمُجْتَهد أَن الْقَاصِر عِلّة هَل يمْتَنع التَّعْلِيل بالمتعدي أم لَا، فَعنده يمْتَنع، وَعِنْدنَا لَا يمْتَنع، فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَار لغَلَبَة الظَّن لعلية القاصرة فَإِنَّهَا مُجَرّد وهم، فَلَا يُعَارض غَلَبَة الظَّن بعلية الْمُتَعَدِّي الْمُؤثر انْتهى (كَذَلِك) خبر الْمُبْتَدَأ: أَي جعل ثَمَرَته مَا ذكر غلط أَيْضا كَمَا أَن بِنَاء الْخلاف على اشْتِرَاط التَّأْثِير غلط لما ذكر، ثمَّ بَين وَجه الْغَلَط بقوله (بل الْوَجْه) فِيمَا إِذا كَانَ فِي الأَصْل وصفان على مَا ذكر (إِن ظهر اسْتِقْلَال) الْوَصْف (الْمُتَعَدِّي) فِي الْعلية (لَا يمْنَع اتِّفَاقًا) من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَغَيرهم لِأَن الْمُجِيز يمْنَع، وَالْمَانِع لَا يمْنَع (أَو) ظهر (التَّرْكِيب) لِلْعِلَّةِ من الْمُتَعَدِّي والقاصر (منع اتِّفَاقًا). وَلَا يخفى أَن الْمَفْهُوم من كَلَام صدر الشَّرِيعَة تحقق غَلَبَة الظَّن فِي كل وَاحِد من الوصفين، وَلَا يتَصَوَّر بِالنِّسْبَةِ إِلَى شخص وَاحِد أَن يظنّ علية كل وَاحِد مِنْهُمَا اسْتِقْلَالا فِي وَقت وَاحِد بِنَاء على عدم تَجْوِيز تعدد الْعِلَل المستقلة، وَسَيَأْتِي بَيَانه، وبالنسبة إِلَى شَخْصَيْنِ لَا تعَارض، لِأَنَّهُ يجب على كل مُجْتَهد الْعَمَل بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وَعدم الِالْتِفَات إِلَى مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاد الآخر بِاعْتِبَار الْوَقْتَيْنِ كَذَلِك لتعين الظَّن الآخر، وَإِن أُرِيد مدخلية كل من الوصفين فِي الْجُمْلَة من غير اسْتِقْلَال، فالعلة التَّامَّة هِيَ الْمَجْمُوع وَهُوَ قَاصِر فَيتَعَيَّن الْمَنْع اتِّفَاقًا كَمَا قَالَ المُصَنّف: نعم لَو لم يعْتَبر غَلَبَة الظَّن بل تَسَاويا فِي الِاحْتِمَال فَهُوَ كَمَا ذكر السُّبْكِيّ عَن الشَّافِعِيَّة أَنهم اخْتلفُوا، وَالْجُمْهُور يرجح المتعدية، وَقيل يرجح القاصرة، وَقيل بِالْوَقْفِ (وَمَا أورد على الْحَنَفِيَّة) حَيْثُ قَالُوا بِعَدَمِ صِحَة القاصرة (من التَّعْلِيل بالثمنية لِلزَّكَاةِ) فِي الْمَضْرُوب (على ظن الْخلاف) الْمَعْنَوِيّ وَقد عرفت أَنه لَفْظِي (وَهُوَ) أَي الثمنية وصف (قَاصِر منع) وُرُوده خبر الْمَوْصُول (بتعديه) أَي بِسَبَب تعدِي وصف الثمنية (إِلَى الْحلِيّ) فَلَا يكون قاصرا (وَلَقَد كَانَ الْأَوْجه جعل الْخلاف) الْمَذْكُور (على عَكسه) أَي على عكس مَا ذكر من عدم صِحَة التَّعْلِيل بالقاصرة عِنْد جمع من الْحَنَفِيَّة، وَصِحَّته عِنْد الشَّافِعِيَّة وَجُمْهُور الْفُقَهَاء. ثمَّ بَين الْعَكْس بقوله (من التَّعْلِيل) أَي من جَوَاز التَّعْلِيل (بعلة يثبت بهَا) أَي بِتِلْكَ الْعلَّة (حكم مَحل غير مَنْصُوص لما تقدم من قبولهم) أَي الْحَنَفِيَّة (التَّعْلِيل بِلَا قِيَاس) فَلَا تكون الْعلَّة فِي ذَلِك التَّعْلِيل متعدية إِلَى فرع، وَإِلَّا لَكَانَ بِقِيَاس (بِمَا ثَبت لجنسها الخ) أَي بعلة ثَبت لجنسها أَو لعينها اعْتِبَار فِي جنس الحكم، أَو هُوَ من جِنْسهَا فِي الحكم فِي مَحل آخر لجنسها نَفسه وَإِلَّا لصَحَّ قِيَاس الْمحل الثَّانِي على الأول لما مر (وَهُوَ) أَي التَّعْلِيل بعلة يثبت لَهَا حكم مَحل بِلَا قِيَاس تَعْلِيل (بقاصرة، إِذْ لم تُوجد) تِلْكَ الْعلَّة (بِعَينهَا فِي محلين) وَإِذا كَانَ التَّعْلِيل بِمَا ذكر أمرا مقررا عِنْد الْحَنَفِيَّة (فالحنفية)
стр. 1039
قَوْلهم (نعم) يجوز التَّعْلِيل بِالْعِلَّةِ القاصرة (إِذا ثَبت الِاعْتِبَار) لَهَا (بِمَا ذكرنَا فِي الْأَقْسَام الثَّلَاثَة) للتأثير اعْتِبَار جِنْسهَا فِي عين الحكم أَو جنسه أَو عينهَا فِي جنسه من النَّص أَو الْإِجْمَاع (وَالشَّافِعِيَّة) قَوْلهم (لَا) يجوز التَّعْلِيل بهَا (لِأَنَّهُ) أَي الْوَصْف الَّذِي هَذَا شَأْنه (من الْمُرْسل) الملائم. وَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي عدم قبُوله (وَمِنْهَا) أَي من شُرُوط صِحَة الْعلَّة (على) قَول (من قدم قَول الصَّحَابِيّ) على الْقيَاس (أَن لَا تكون) الْعلَّة (معدية إِلَى الْفَرْع حكما يُخَالف قَول الصَّحَابِيّ فِيهِ) أَي فِي الْفَرْع (بِشَرْطِهِ) أَي حَال كَون قَوْله فِيهِ مَقْرُونا تَقْدِيمه على الْقيَاس (السَّابِق) أَي الَّذِي سبق ذكره فِي مسئلة قبيل: فصل فِي التَّعَارُض (فِي وجوب تَقْلِيده) مُتَعَلق بِشَرْطِهِ (وتجويز كَونه) أَي قَول الصَّحَابِيّ فِي الْفَرْع ناشئا (عَن) عِلّة (مستنبطة) من أصل آخر ليَكُون اجْتِهَاده بطرِيق الْقيَاس لَا بِسَمَاعِهِ عَن النَّبِي ﷺ ، والمجتهد لَا يجب عَلَيْهِ تَقْلِيد مُجْتَهد آخر بل يجب اتِّبَاع ظَنّه على مَا يَقُوله من لم يقدم قَوْله على الْقيَاس (عِنْد هَؤُلَاءِ) الْقَائِلين بالتقديم ظرف لقَوْله (احْتِمَال) هُوَ خبر تَجْوِيز (مُقَابل) صفة احْتِمَال (لظُهُور كَونه) أَي قَول الصَّحَابِيّ وَاقعا (عَن نَص) سَمعه من الشَّارِع، وَاللَّام صلَة مُقَابل، وَلَا عِبْرَة بِالِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوح فِي مُقَابلَة الظَّاهِر الرَّاجِح (كَمَا سبق) فِي مَحَله الْمَذْكُور فيطلب تَفْصِيله هُنَاكَ. (وَمِنْهَا) أَي شُرُوط صِحَة الْعلَّة (عدم نقض) الْعلَّة (المستنبطة)، والمنصوصة سَيَجِيءُ حكمهَا (تخلف الحكم عَنْهَا فِي مَحل) تحققت فِيهِ الْعلَّة وَلَو بمانع أَو عدم شَرط، وَإِنَّمَا يعرف التَّخَلُّف بِنَصّ أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس رَاجِح علته على هَذِه المستنبطة بنصوصية أَو غَيرهَا. وَقَوله تخلف الحكم بِالْجَرِّ عطف بَيَان. لنقض المستنبطة (لمشايخ مَا وَرَاء النَّهر من الْحَنَفِيَّة) كَأبي مَنْصُور الماتريدي وفخر الْإِسْلَام وَالشَّافِعِيّ فِي أظهر قوليه، وَقَوله لمشايخ مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ حَال عَن ضمير الْمُبْتَدَأ (وَأبي الْحُسَيْن) الْبَصْرِيّ (إِلَّا أَبَا زيد) من الْمَشَايِخ الْمَذْكُورين فَإِنَّهُ ومالكا وَأحمد وَعَامة الْمُعْتَزلَة على أَنه لَيْسَ بِشَرْط (وَاخْتلفُوا) أَي الْحَنَفِيَّة الشارطون (فِي المنصوصة فمانع أَيْضا) مِنْهُم يمْنَع صِحَة المنصوصة، وَبِه قَالَ الاسفرايني وَعبد القاهر الْبَغْدَادِيّ وَنقل عَن الشَّافِعِي (و) مِنْهُم (مجوز، وَالْأَكْثَر وَمِنْهُم عراقيو الْحَنَفِيَّة كالكرخي والرازي) وَأبي عبد الله الْجِرْجَانِيّ وَأكْثر الشَّافِعِيَّة على مَا فِي البديع (يجوز) التَّخَلُّف فِي مَحل (بمانع أَو عدم شَرط فيهمَا) المستنبطة والمنصوصة، وَقيل يقْدَح مُطلقًا، نسبه السُّبْكِيّ إِلَى الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَقَالَ بعده أَصْحَابنَا فِي مرجحات مَذْهَب الشَّافِعِي بسلامة علله عَن الانتقاض جَارِيَة على مقتضاها. ثمَّ قَالَ وَعَلِيهِ جَمَاهِير الْمُحَقِّقين (وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُونَ) كَابْن الْحَاجِب (الْجَوَاز) للتخلف (فِي المستنبطة إِذا تعين الْمَانِع) وَلَو عدم شَرط وَكَذَا (وَفِي المنصوصة بِنَصّ عَام) يدل بِعُمُومِهِ على الْعلية (لَكِن إِن لم يتَعَيَّن)
стр. 1040
الْمَانِع فِي المنصوصة فِي مَحل التَّخَلُّف (قدر) وجوده فِيهِ، مِثَاله أَن خُرُوج النَّجس نَاقض وَثَبت أَن الفصد لَيْسَ بناقض كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي، فَيقدر فِي الفصد مَانع من النَّقْض (أما) إِذا كَانَت منصوصة (بقاطع فِي مَحل النَّقْض فَيلْزم الثُّبُوت) أَي ثُبُوت الحكم (فِيهِ) أَي فِي مَحل النَّقْض لعدم إِمْكَان تخلف مَدْلُول الْقطعِي عَنهُ فَلَا نقض، وَهَذَا إِذا كَانَ دَلِيل التَّخَلُّف ظنيا ظَاهر، وَأما كَونه قَطْعِيا فَالظَّاهِر أَنه لَا تحقق لَهُ (أَو فِي غَيره) أَي غير مَحل النَّقْض (فَقَط) فالقاطع إِنَّمَا يدل على عليتها فِي غير مَحل النَّقْض، وَلَا دَلِيل سوى الْقَاطِع على عليتها فِي مَحل النَّقْض (فَلَا تعَارض) وَلَا نقض (قيل وَلَا فَائِدَة فِي قيد) هَذَا (الْقَاطِع لِأَن الظني) أَيْضا (كَذَلِك) كَمَا أَفَادَهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ بقوله لَو ثَبت الْعلية فِي غير مَحل النَّقْض خَاصَّة بظني فَلَا تعَارض أَيْضا (وَهَذَا) التَّفْصِيل فِي كَلَام الْمُحَقِّقين (مُرَاد الْأَكْثَر) الْقَائِلين يجوز بمانع أَو عدم شَرط فيهمَا لِأَنَّهُ مُقْتَضى الدَّلِيل فَلَا يخالفونه (وَلَيْسَ) هَذَا الَّذِي نسب إِلَى الْمُحَقِّقين مذهبا (آخر) كَمَا يدل عَلَيْهِ كَلَام ابْن الْحَاجِب (وَنقل الْجَوَاز) أَي جَوَاز النَّقْض (فيهمَا) أَي فِي المستنبطة والمنصوصة (بِلَا مَانع) قَالَ الشَّارِح: أَي بِلَا قدح عِنْد أَكثر أَصْحَاب أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد انْتهى. وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بالمانع هُنَا مَا أُرِيد بِهِ فِي قَوْله يجوز بمانع فِي قَول الْأَكْثَر (و) فِي المستنبطة (كَذَلِك) فَقَط أَي وَنقل الْجَوَاز (فِي المستنبطة فَقَط) بِلَا مَانع. (وَالْحق نقل بَعضهم) وَهُوَ الشَّيْخ قوام الدّين الكاكي (الِاتِّفَاق على الْمَنْع) من التَّعْلِيل بعلة منقوضة (بِلَا مَانع) من تَأْثِير الْعلَّة (وَمعنى قَوْلهم) يجوز فيهمَا أَو فِي المستنبطة بِلَا مَانع (الحكم بِهِ) أَي بالمانع، فالمنفي الحكم بِتَعْيِين الْمَانِع، وَهُوَ مُجْتَمع مَعَ الظَّن بِوُجُودِهِ إِجْمَالا، وَلذَا قَالَ (إِن لم يتَعَيَّن) الْمَانِع، وَإِنَّمَا قُلْنَا معنى قَوْلهم كَذَا (لدليلهم) أَي المجوزين فِي المستنبطة بِلَا مَانع (الْقَائِل) صفة لدليلهم على التَّجَوُّز، ومقول القَوْل (المستنبطة عِلّة بِمَا) أَي بِدَلِيل (يُوجب الظَّن) بعليتها (والتخلف) أَي تخلف الحكم فِي بعض الْموَاد (مشكك) أَي يُوجب الشَّك (فِي عدمهَا) أَي الْعلية (فَلَا يُوجب ظن عدمهَا فَإِنَّهُ) أَي التَّخَلُّف (إِن) كَانَ (لَا لمَانع). وَفِي بعض النخس بِلَا مَانع (فَلَا عِلّة) لاستناد التَّخَلُّف على هَذَا التَّقْدِير إِلَى عدم الْمُقْتَضى (و) إِن كَانَ (مَعَه) أَي الْمَانِع فالعلة (ثَابِتَة وجوازهما) أَي الِاحْتِمَالَيْنِ وجود الْمَانِع، وَعَدَمه (على السوَاء). قَالَ الشَّارِح: قَالَ المُصَنّف وَوجه دلَالَة دليلهم على اشْتِرَاط تَقْدِيره أَن قَوْلهم أَن بِلَا عِلّة وَمَعَهُ الْعلية ثَابِتَة فَلم يعلم الْوَاقِع من الْأَمريْنِ وَدَلِيل الْعلية الْقَائِم أوجب ظَنّهَا، فلزوم اعْتِبَار عليتها يُوجب تَقْدِيره (وَأجِيب) عَن هَذَا الدَّلِيل بِأَن التَّخَلُّف (إِن) كَانَ (أوجب الشَّك فِي عدمهَا) أَي الْعلية (أوجب فِي نقيضها) أَي الْعلية، لِأَن الشَّك فِي أحد النقيضين شكّ فِي الآخر (فناقض قَوْلكُم) الْعلَّة (مظنونة) قَوْلكُم الْعلَّة
стр. 1041
(مشكوكة) لعدم إِمْكَان اجْتِمَاع الظَّن وَالشَّكّ فِي مَحل وَاحِد. (وَقَول الْفُقَهَاء لَا يرفع الظَّن بِالشَّكِّ: أَي حكمه السَّابِق لَا يرفع شرعا لطرو الشَّك فِيهِ) أَي فِي مَحل الظَّن (المستلزم لارتفاعه) أَي الظَّن (عَن الْبَقَاء) بَعْدَمَا كَانَ مَوْجُودا، فجوز الشَّرْع بَقَاء حكم الزائل فَإِنَّهُ جوز الصَّلَاة مَعَ زَوَال الظَّن الطَّهَارَة بِالشَّكِّ فِي الْحَدث فَلَيْسَ مَعْنَاهُ وجود نفس الظَّن مَعَ طرُو الشَّك فِي مُتَعَلّقه (وَلَا يُمكن مثله) أَي مثل مَا قَالَه الْفُقَهَاء (هُنَا، لِأَنَّهُ) أَي الْكَلَام (فِي ظن الْعلية لَا حكمهَا) فَإِذا زَالَ بِالشَّكِّ حكمنَا بِعَدَمِ اعْتِبَارهَا، لِأَنَّهُ لم يثبت من الشَّارِع جَوَاز الْقيَاس مَعَ زَوَال ظن الْعلية بِالشَّكِّ. ثمَّ لما حكم بِأَن الْحق نقل الِاتِّفَاق على الْمَنْع، وَأول قَول المجوزين لدليلهم الْمَذْكُور، ثمَّ رد ذَلِك الدَّلِيل بِكَوْنِهِ مستلزما للتناقض أَرَادَ تَقْرِير الدَّلِيل على وَجه يسلم عَن التَّنَاقُض، فَقَالَ (وَإِذا لزم من كَلَامهم) أَي المجوزين (تَقْدِير الْمَانِع) على مَا نقل من الِاتِّفَاق وَبَين معنى قَول المجوزين (كفاهم) فِي مُعَارضَة المانعين أَن يَقُولُوا (التَّخَلُّف) أَي تخلف الحكم عَن الْعلَّة فِي مَحل النَّقْض لَا (لمَانع يُوجب نفي ظَنّهَا) أَي الْعلية (وَالدَّلِيل) الدَّال عَلَيْهَا (أوجبه) أَي ظَنّهَا (وَأمكن الْجمع) بَين القَوْل بَان التَّخَلُّف بِلَا مَانع يُوجب نفي الظَّن، وَالدَّلِيل الدَّال على عليتها، أَو بَين دَلِيل الْعلية وَدَلِيل الإهدار، وَهُوَ التَّخَلُّف، فَعمل بِمُوجب الأول فِي غير صُورَة النَّقْض، وَبِالثَّانِي فِي صورته (بتقديره) أَي الْمَانِع، فَيُقَال: نعم التَّخَلُّف بِلَا مَانع يُوجب نَفْيه، لَكِن لَا تخلف هَهُنَا، لأَنا نقدر الْمَانِع، وَالْمَانِع مَوْجُود تَقْديرا احْتِرَازًا عَن إهدار الدَّلِيل بِحَسب الْإِمْكَان (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ فِي المستنبطة ثَانِيًا (لَو توقف الثُّبُوت) للْحكم (بهَا) أَي بالعلية (فِي غير مَحل التَّخَلُّف عَلَيْهِ) أَي على ثُبُوت الحكم (بهَا) أَي بالعلية (فِيهِ) أَي فِي مَحل التَّخَلُّف كَمَا زعمتم أَيهَا الشارطون عدم النَّقْض فِي ثُبُوت الحكم بهَا (انعكس) أَي توقف ثُبُوت الحكم فِي مَحل التَّخَلُّف عَلَيْهِ بهَا فِي غير مَحل التَّخَلُّف (فدار) وَهُوَ ظَاهر (أَولا) ينعكس (فتحكم) أَي فَعدم انعكاسه تحكم، لِأَن ثُبُوت الحكم بهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ على السوية فِي التَّوَقُّف وَعدم التَّوَقُّف، فإثبات توقف أَحدهمَا دون الآخر تحكم (أُجِيب) بِاخْتِيَار الأول، وَهُوَ التَّوَقُّف من الْجَانِبَيْنِ وَمنع بطلَان اللَّازِم، إِذْ هُوَ (دور معية) لَا دور تقدم (وَهَذَا) الْجَواب (صَحِيح إِذا أُرِيد توقف اعْتِبَار الشَّارِع) كَونهَا عِلّة فِي غير مَحل التَّخَلُّف على اعْتِبَار كَونهَا عِلّة فِي مَحل التَّخَلُّف (لَكِن الْكَلَام فِي الدّلَالَة عَلَيْهَا) أَي على الْعلية، يَعْنِي لَيْسَ الْكَلَام فِي توقف الثُّبُوت على الثُّبُوت بِحَسب التحقق، بل بِحَسب الْعلم وَمَا يفِيدهُ وَيدل عَلَيْهِ وَالْحَاصِل أَن قَوْلهم لَو توقف الثُّبُوت بهَا إِلَى آخِره يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا توقف ثُبُوت الحكم بهَا عِنْد الشَّارِع بِاعْتِبَارِهِ عليتها للْحكم فِي غير مَحل النَّقْض على
стр. 1042
ثُبُوت الحكم بهَا كَذَلِك فِي مَحل النَّقْض، وَحِينَئِذٍ يكون التَّوَقُّف من الْجَانِبَيْنِ بِمَعْنى التلازم وَلَا مَحْذُور فِيهِ، وَالثَّانِي توقف الْعلم بعليتها فِي غير مَحل النَّقْض على الْعلم بعليتها لَهُ فِي مَحل النَّقْض وَهَذَا معنى قَوْله (أَي لَو توقف الْعلم بالثبوت بهَا: أَي بعليتها الخ). قَوْله: أَي بعليتها تَفْسِير للثبوت بهَا من قبيل التَّفْسِير باللازم، فَإِن ثُبُوت الحكم بهَا يلْزمه عليتها (وَإِذن) أَي وَإِذا توقف الْعلم بعليتها فِي غير مَحل النَّقْض على الْعلم بعليتها فِي مَحَله وانعكس (فترتب) أَي فالدور دور تَرْتِيب وَتقدم من الْجَانِبَيْنِ لَا دور معية (لأَنا لَا نعلمها) أَي الْعلية (إِلَّا بالثبوت) أَي بِالْعلمِ بِثُبُوت الحكم (فِي الْكل) فِي جَمِيع صور وجودهَا (فَلَو علم بهَا) أَي بالعلية (الثُّبُوت تقدم كل) مِنْهُمَا على الآخر وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمُدعى إِثْبَات الترتب والتقدم لكل من الْعلم بعليتها فِي غير مَحل النَّقْض، وَالْعلم بعليتها فِي مَحَله، وَالدَّلِيل يُفِيد إثْبَاته لكل من الْعلم بالعلية وَالْعلم بِثُبُوت الحكم بهَا فِي جَمِيع صور وجودهَا، فالدليل لَا يُطَابق الْمُدعى.
وَاعْلَم أَن هَذَا نَظِير مَا فِي الشَّرْح العضدي من قَوْله لَو توقف كَونهَا أَمارَة، وَهُوَ ثُبُوت الحكم بهَا فِي غير صُورَة التَّخَلُّف على ثُبُوت الحكم بهَا فِي صُورَة التَّخَلُّف لانعكس فتوقف ثُبُوته فِيهَا على ثُبُوته فِي غَيرهَا وَيلْزم الدّور، ثمَّ ذكر أَنه دور معية ثمَّ رده وَقَالَ هَذَا لَيْسَ بِحَق، إِذْ لَا يعلم عليتها إِلَّا بِثُبُوت الحكم بهَا فِي جَمِيع صور وجودهَا، فَلَو علم ثُبُوت الحكم بهَا لزم دور تقدم قطعا، إِذْ مَا بِهِ يعلم الشَّيْء قبل الْعلم بالشَّيْء فالمصنف ترك كَونهَا أَمارَة وَاكْتفى بتفسيره، فالإيراد مُشْتَرك بَينهمَا. وَالْجَوَاب أَن قَوْلهم فِي الِاسْتِدْلَال ثُبُوت الحكم بهَا أُرِيد بِهِ علية الْعلَّة فِي جَانب الْمَوْقُوف فِي التَّوَقُّف الأول لكَونه مَعْنَاهُ وَأُرِيد بِهِ حَقِيقَته، وَهُوَ تحقق الحكم بِسَبَب الْعلَّة فِي جَانب الْمَوْقُوف عَلَيْهِ فِي ذَلِك التَّوَقُّف، فَالْمَوْقُوفُ حِينَئِذٍ الْعلم بعليتها، وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ الْعلم بتحقق الحكم بِسَبَبِهَا، وَفِي التَّوَقُّف الثَّانِي عكس ذَلِك: فَالْمَوْقُوفُ فِيهِ الْعلم بتحقق الحكم بِسَبَبِهَا، وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ الْعلم بعليتها، فانطبق الدَّلِيل على الْمُدعى، غير أَنه لم يذكر المحلين فِي هَذَا التَّقْدِير تسهيلا للفهم مَعَ الِاسْتِغْنَاء عَنهُ فَهُوَ جَوَاب بتفسير يسير للدليل (لِأَن مَا بِهِ الْعلم قبله) تَعْلِيل لتقدم كل من الْعلم بالعلية وَالْعلم بالثبوت، يَعْنِي مَا يحصل بِهِ الْعلم بالشَّيْء الْعلم بِهِ قبل الْعلم بذلك الشَّيْء (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين قرر الِاسْتِدْلَال على هَذَا الْوَجْه (الْجَواب) عَن الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (منع لُزُوم الانعكاس و) منع لُزُوم (التحكم) على تَقْدِير عدم الانعكاس (إِذْ ابْتِدَاء ظن الْعلية) إِنَّمَا يكون (بِأحد المسالك) لِلْعِلَّةِ من الْمُنَاسبَة وَغَيرهَا على مَا بَين فِي مَوْضِعه فبذلك يحصل الظَّن بهَا، غير أَنه يبْقى احْتِمَال ظُهُور مَا يُنَافِيهِ (فَإِذا استقرئت الْمحَال) لِلْعِلَّةِ (لاستعلام معارضه) أَي لطلب الْعلم بِوُجُود مَا يُعَارض ذَلِك الْمُوجب للظن (من التَّخَلُّف) بِأَن تُوجد الْعلَّة فِي مَحل وَلَا يُوجد
стр. 1043
فِيهِ الحكم (لَا لمَانع) مُتَعَلق بالتخلف، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ لمَانع لَا يضر بعليتها (فَلم يُوجد) التَّخَلُّف مَعْطُوف على استقرئت (اسْتمرّ) الظَّن الْحَاصِل بِأحد المسالك (فاستمراره) أَي الظَّن الْمَذْكُور هُوَ (الْمَوْقُوف على الثُّبُوت) أَي على الْعلم بِثُبُوت الحكم فِي جَمِيع الْمحَال (أَو) على (عَدمه) أَي عدم الثُّبُوت فِي بعض الْمحَال (مَعَ الْمَانِع، وَالْحكم بالثبوت) أَي بِثُبُوت الحكم (بِهِ) أَي بِالْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الْعلَّة يتَوَقَّف (على ابْتِدَاء ظَنّهَا) أَي علية الْوَصْف الْمَذْكُور (فِي الْجُمْلَة) لما بَين عدم توقف الْعلم بالعلية على الثُّبُوت انْدفع بذلك الدّور، ثمَّ أَرَادَ أَن يبين التَّوَقُّف من جَانب الثُّبُوت بهَا فَقَالَ وَالْحكم الخ: يَعْنِي الْعلم بِأَن الحكم ثَابت بِالْعِلَّةِ يتَوَقَّف على ابْتِدَاء ظَنّهَا الْحَاصِل بِأحد المسالك فِي بعض الْموَاد، وَالْمرَاد نفي الْعلَّة أصل الظَّن من غير قيد الِاسْتِمْرَار فقد علم بذلك أَن توقف الْعلم بالعلية على الثُّبُوت فِي الْكل إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار اسْتِمْرَار الظَّن بهَا، لَا بِاعْتِبَار أصل الظَّن، وَتوقف الْعلم بالثبوت إِنَّمَا هُوَ على ابْتِدَاء الظَّن، فالاستمرار الَّذِي هُوَ الْمَوْقُوف فِي التَّوَقُّف الأول لم يصر مَوْقُوفا عَلَيْهِ فِي التَّوَقُّف الثَّانِي حَتَّى يلْزم الانعكاس بل الْمَوْقُوف عَلَيْهِ فِي التَّوَقُّف الثَّانِي إِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاء الظَّن الْحَاصِل بِأحد المسالك. (وَاسْتشْكل) الْجَواب الْمَذْكُور (بِمَا إِذا قَارن) ظن الْعلية (الْعلم بالتخلف) أَي تخلف الحكم عَن الْعلَّة (كَمَا لَو سَأَلَهُ فقيران): غير فَاسق، وفاسق (فَأعْطى أَحدهمَا) وَهُوَ غير الْفَاسِق (وَمنع الْفَاسِق) فالمشاهد لصنيعه يشك بِسَبَب ذَلِك الْمَنْع فِي أَن عِلّة الْإِعْطَاء هَل هُوَ الْفقر أَو غَيره فَلَا يحصل لَهُ الْعلم بعليته، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَإِن الْعلم بعلية الْفقر يتَوَقَّف على الْعلم بمانعية الْفسق) من تحقق الحكم وَهُوَ الْإِعْطَاء فَإِن ظهر أَن بِالْفِسْقِ منع علم أَن الْفقر هُوَ الْعلَّة وَإِنَّمَا تخلف الحكم عَنهُ فِي الْمَمْنُوع بِسَبَب الْفسق الْمَانِع من تَأْثِيره، والاعلم أَنه لَيْسَ بعلة وَإِلَّا يلْزم تخلف الْمَعْلُول عَن الْعلَّة (وَبِالْعَكْسِ) أَي ويتوقف الْعلم بمانعية الْفسق على الْعلم بعلية الْفقر لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْعلَّة أمرا آخر مفقودا فِي الْمَمْنُوع كَانَ عدم الْإِعْطَاء لعدم الْمُقْتَضى لَا لوُجُود الْمَانِع، فَحِينَئِذٍ توقف الْعلم بِثُبُوت الحكم بِهِ على الْعلم بالعلية فِي حق من أعْطى فَلَزِمَ الدّور، وَإِذا علم أَن الْجَواب الْمَذْكُور لَا يدْفع الدّور فِي صُورَة الْمُقَارنَة (فَالصَّوَاب) فِي الْجَواب مَا يدْفع الدّور فِي جَمِيع الصُّور وَهُوَ (أَن المتوقف على الْعلم بالعلية الْعلم بالمانعية بِالْفِعْلِ) لَا المانعية بِالْقُوَّةِ لِأَنَّهُ قد يعلم كَون الشَّيْء بِحَيْثُ إِذا جَامع وَصفا منع مُقْتَضَاهُ مَعَ أَن ذَلِك الْوَصْف لم تعلم عليته بِالنِّسْبَةِ إِلَى حكم بِخِلَاف الْعلم بتحقق المانعية فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر بِدُونِ الْعلم بعلية الْوَصْف للْحكم للْعلم بتخلفه عَنهُ فِي بعض الْموَاد بِسَبَب الْمَانِع (والمتوقف عَلَيْهِ الْعلية هُوَ المانعية بِالْقُوَّةِ، وَهُوَ) أَي المانعية بِالْقُوَّةِ، والتذكير بِاعْتِبَار الْخَبَر (كَون الشَّيْء بِحَيْثُ إِذا جَامع باعثا مَنعه) أَي الْبَاعِث (مُقْتَضَاهُ) فَفِي الْمِثَال الْمَذْكُور علمنَا بِأَن الْفسق منع عَن
стр. 1044
الْإِعْطَاء مَوْقُوف على الْعلم بِكَوْن الْفقر عِلّة لَهُ وَلَكِن علمنَا بِأَن الْفقر عِلّة لَهُ لَا يتَوَقَّف على علمنَا بِأَن الْفسق قد يمْنَع بل يَكْفِي فِيهِ أَن الْفسق من شَأْنه أَن يمْنَع فَظن الْعلية المقرون بتخلف الْإِعْطَاء لَا يحْتَاج إِلَى الْعلم بِأَن الْفسق قد منع بل يَكْفِيهِ كَون الْفسق بِحَيْثُ إِذا جَامع الْفقر يمنعهُ مُقْتَضَاهُ (وَهَذَا) الدَّلِيل مَعَ جَوَابه (مُشْتَرك) صَالح (للقولين) اللَّذين أَحدهمَا جَوَاز النَّقْض فِي المنصوصة والمستنبطة، وَالْآخر جَوَازه فِي المستنبطة فَقَط (وَيزِيد الْمَانِع فِي المنصوصة) فِي تَعْلِيل الْمَنْع قَوْله (باستلزامه) أَي النَّقْض فِيهَا، فتقرير الْكَلَام لَا يجوز فِي المنصوصة بِسَبَب استلزامه (بطلَان النَّص لمقْتَضى الثُّبُوت) أَي ثُبُوت الحكم (فِي مَحل التَّخَلُّف) لتناول النَّص الْمَذْكُور إِيَّاه (بِخِلَاف المستنبطة) فَإِن دليلها يَسْتَدْعِي ترَتّب الحكم عَلَيْهَا عِنْد خلوها عَن الْمَانِع فَلَا تخلف للْحكم عَن هَذَا الدَّلِيل عِنْد وجود الْمَانِع (أُجِيب) عَن هَذِه الزِّيَادَة بِأَنَّهُ (إِن) كَانَ النَّص (قَطْعِيا) يقطع (بالثبوت) أَي ثُبُوت الحكم (فِي مَحل التَّخَلُّف لم يقبل) عُمُوم ذَلِك النَّص الدَّال على علية المنصوصة الثَّابِت مَعهَا الحكم فِي مَحل التَّخَلُّف قطعا (التَّخْصِيص) بِمَا عدا مَحل التَّخَلُّف، لِأَن ثُبُوت الحكم فِيهِ قَطْعِيّ فَلَا تخلف حِينَئِذٍ (أَو) كَانَ النَّص الْمَذْكُور (ظنيا) فَكَانَ ثُبُوت الحكم فِي مَحل التَّخَلُّف بِمُقْتَضى ذَلِك النَّص ظنيا (وَجب قبُوله) أَي قبُول عُمُوم ذَلِك النَّص الظني التَّخْصِيص (و) وَجب (تَقْدِير الْمَانِع جمعا) بَين الدَّلِيلَيْنِ أَحدهمَا مَا يُفِيد ظن الْعلية، وَالْآخر مَا يُفِيد إهدارها، وَهُوَ التَّخَلُّف (وَأَنت علمت مَا يكفيهم) فِي الْجَواب عَن هَذَا من أَن التَّخَلُّف لَا لمَانع يُوجب نفي ظَنّهَا، وَالدَّلِيل أوجبه وَأمكن الْجمع بتقديره فَوَجَبَ (فَإِنَّمَا هَذَا) أَي التَّطْوِيل فِي الْبَيَان مَعَ الِاسْتِغْنَاء بِمَا يَكْفِي فِي أَدَاء المُرَاد وَدفع الْإِيرَاد (من تَصَرُّفَات المولعين بِنَقْل الْخلاف دون تَحْرِير) منقح عَن الإطناب المخل (وللعاكس) للْجُوَاز فِي المستنبطة لَا المنصوصة بتجويره فِي المنصوصة لَا المستنبطة (نَحوه) أَي نَحْو هَذَا الدَّلِيل الْمَذْكُور للْجُوَاز فِي المستنبطة، وَهُوَ قَوْلهم (لَو صحت المستنبطة مَعَ نقضهَا كَانَ) كَونهَا صَحِيحَة (للمانع) أَي لوُجُود الْمَانِع فِي مَحل النَّقْض (فتوقفت صِحَّتهَا) حَال كَونهَا (منقوضة عَلَيْهِ) أَي الْمَانِع (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَوَقَّف عَلَيْهِ وَجَاز التَّخَلُّف بِلَا مَانع (فَلَا اقْتِضَاء) لتِلْك الْعلَّة (وتحققه) أَي الْمَانِع (فرع صِحَة عليتها) إِذْ لَو لم تصح الْعلية لَكَانَ عدم الحكم لعدم الْعلَّة لَا لوُجُود الْمَانِع فتوقف الصِّحَّة على الْمَانِع وَالْمَانِع على الصِّحَّة (فدار أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي هَذَا الدّور (معية) أَي دور معية كَمَا مر فِي جَوَاب الِاسْتِدْلَال السَّابِق. (وَدفع) هَذَا الْجَواب (بِأَن حَقِيقَة المُرَاد) من الْمَوْقُوف وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ (الْعلم بِالصِّحَّةِ) أَي صِحَة الْعلية (والمانعية) أَي وَالْعلم بالمانعية، وَإِضَافَة الْحَقِيقَة إِلَى المُرَاد من قبيل إِضَافَة حُصُول الصُّورَة: أَي المُرَاد الْحق وَفِي
стр. 1045
ذكر الْحَقِيقَة مَوضِع الْحق مُبَالغَة، وَإِذا كَانَ الْعلم بِالصِّحَّةِ مَوْقُوفا على الْعلم بالمانعية وَبِالْعَكْسِ كَانَ الدّور دور ترَتّب، إِذْ مَا بِهِ الْعلم بالشَّيْء قبل الْعلم بذلك الشَّيْء بِالذَّاتِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) أَي توقف كل مِنْهُمَا على الآخر (ترَتّب) أَي دور تقدم (بل الْجَواب أَنا نظن صِحَّتهَا) أَي الْعلية (أَولا بِمُوجبِه) أَي الظَّن (ثمَّ نستقرئ الخ) أَي الْمحَال لاستعلام معارضه من التَّخَلُّف، لَا لمَانع فَإِن لم نجد اسْتمرّ الظَّن بِصِحَّتِهَا إِلَى آخر مَا ذكر قَرِيبا فَارْجِع إِلَيْهِ (وَيجْرِي فِيهِ) أَي فِي هَذَا الْجَواب مَا جرى فِي الْجَواب السَّابِق، وَهُوَ (إِشْكَال الْمُقَارنَة) أَي إِذا كَانَ الْعلم بالتخلف مُقَارنًا للْعلم بِالصِّحَّةِ لَا يَتَأَتَّى الْجَواب، فَإِن الْمَوْقُوف على الْعلم بالمانعية إِنَّمَا هُوَ الِاسْتِمْرَار (وَدفعه) أَي وَيجْرِي أَيْضا دفع الْإِشْكَال الْمَذْكُور بِأَن يُقَال مَا يتَوَقَّف على الْعلم بِالصِّحَّةِ وَهُوَ الْعلم بالمانعية بِالْفِعْلِ إِنَّمَا هُوَ الِاسْتِمْرَار، وَمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْعلم بِالصِّحَّةِ هُوَ الْعلم بالمانعية بِالْقُوَّةِ على مَا مر (وَجه) الْمَذْهَب (الْمُخْتَار) من أَن عدم النَّقْض فِي كل من المنصوصة لَيْسَ بِشَرْط فِي صِحَّتهَا (أَنه) أَي التَّخَلُّف وَعدم ثُبُوت الحكم فِي مَحل النَّقْض (تَخْصِيص لعُمُوم دَلِيل حكم) وَهُوَ مَا يدل عَلَيْهِ الْوَصْف من نَص فِي المنصوصة وَأحد المسالك فِي المستنبطة، وَالْحكم كَون الْوَصْف عِلّة، وعمومه شُمُوله جَمِيع صور وجود الْعلَّة بِاعْتِبَار ثُبُوت الحكم، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِدَلِيل الحكم الْعلَّة وبالحكم مَا هُوَ الْمُتَعَارف (فَوَجَبَ قبُوله) أَي قبُول تَخْصِيص عُمُومه (كاللفظ) أَي كَمَا يجب قبُول تَخْصِيص عُمُوم اللَّفْظ عِنْد وجود مَا يَقْتَضِيهِ. (وَمَا قيل) مَا مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير، وَقَوْلهمْ (الْخلاف مَبْنِيّ على الْخلاف فِي قبُول الْمعَانِي الْعُمُوم) أَو مَوْصُولَة، وَالتَّقْدِير: أَعنِي الْخلاف إِلَى آخِره، أَو الْمحل بدل من الْمَوْصُول: يَعْنِي الْخلاف الْمَذْكُور فِي هَذَا الْمقَام مَبْنِيّ على الْخلاف الْوَاقِع فِي قبُول الْمعَانِي الْعُمُوم (فالمانع) ثمَّ أَن لَهَا عُمُوما (إِذْ) الْمَعْنى وَاحِد (لَا تعدد إِلَّا فِي محاله) بِخِلَاف الْأَلْفَاظ لشمولها المتعدد بِذَاتِهِ (مَانع هُنَا) من تَخْصِيص الْعلَّة لِأَنَّهَا معنى، وَالْمعْنَى لَا يقبل الْعُمُوم، والتخصيص فرع الْعُمُوم (غير لَازم) خبر لقَوْله مَا قيل، وَقَول الشَّارِح الْخلاف مُبْتَدأ وَخَبره غير لَازم غير مُسْتَقِيم وَهُوَ ظَاهر (لوُقُوع الِاتِّفَاق حِينَئِذٍ) أَي حِين كَانَت حجَّة الْمَانِع هَذَا (على تعدد محاله) أَي الْمَعْنى (وَالْكَلَام هُنَا) أَي فِي تَخْصِيص الْعلَّة (لَيْسَ إِلَّا باعتبارها) أَي محالها، والمناقشة بِأَن التَّخْصِيص فرع الْعُمُوم، وَالْمعْنَى لَا يُوصف بِالْعُمُومِ غير موجه (إِذْ حَاصله) أَي حَاصِل تَخْصِيص الْعلَّة (أَنه) أَي الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْعلَّة (يُوجب الحكم فِي محاله) أَي فِي محَال ذَلِك الْوَصْف (إِلَّا مَحل الْمَانِع) وَإِذا صَحَّ حَاصِل الْمَعْنى المُرَاد فالمضايقة فِي التَّعْبِير بِلَفْظ التَّخْصِيص لَيْسَ من دأب المحصلين (وَالْمَانِع هُوَ دَلِيل التَّخْصِيص. وَبِه) أَي بِمَا ذكر من معنى تَخْصِيص الْعلَّة المستلزم عِنْد اعْتِبَارهَا لُزُوم الحكم لمُطلق الْعلَّة فِي جَمِيع الصُّور لكَون المخصصة من جملَة أفرادها
стр. 1046
(انْدفع قَول المانعين) من تَخْصِيص الْعلَّة (أَنه) أَي تخصيصها (تنَاقض لَا تَخْصِيص، لِأَن دَلِيل الْعلية يُوجب قَوْله) أَي الشَّارِع لَا الْمُعَلل كَمَا زعم الشَّارِح (هَذَا الْوَصْف مُؤثر فِي الحكم كَقَوْلِه جعلته أَمارَة عَلَيْهِ) أَي كَمَا أَنه يُوجب قَوْله جعلته أَمارَة على الحكم (أَيْنَمَا وجد) الْوَصْف الْمَذْكُور، فَقَوله أَيْنَمَا مُتَعَلق بِكُل من التَّأْثِير، والجعل على سَبِيل التَّنَازُع، وَإِنَّمَا انْدفع قَوْلهم لِأَن دَلِيل الْعلية لَا يُوجب جعله أَمارَة عَلَيْهِ أَيْنَمَا وجد (بل فِي غير مَحل التَّخَلُّف) فَإِن قلت دليلها لَا يخْتَص بِغَيْر مَحل التَّخَلُّف، فَإِن نسبته إِلَى جَمِيع الْمحَال على السوية قلت نعم وَلَكِن فِي مَحل التَّخَلُّف يَقع مُعَارضَة بَينه وَبَين دَلِيل التَّخْصِيص فَيعْمل بِمُقْتَضَاهُ فِي غير مَحل التَّخَلُّف. وبمقضتى دَلِيل التَّخْصِيص فِي مَحَله احْتِرَاز عَن إهدار أحد الدَّلِيلَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ فِي مَحل التَّخَلُّف مَانع عَن إِيجَاب مُقْتَضَاهُ صَحَّ قَوْلنَا لَا يُوجب جعله أَمارَة فِي مَحل التَّخَلُّف بل فِي غَيره (غير أَنا إِذا قَطعنَا بِانْتِفَاء الحكم فِي بعض محاله) أَي الْوَصْف (مَعَ النَّص على الْعلَّة، وَلم يظْهر مَا يَصح إِضَافَة التَّخَلُّف إِلَيْهِ) من أَمر معِين مَانع عَن تَأْثِير الْعلَّة فِي مَحل الانتفاء (قَدرنَا مَانِعا) على سَبِيل الْإِجْمَال فِي ذَلِك الْمحل (جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ) دَلِيل الْعلية وَدَلِيل الإهدار على مَا مر (وَهُوَ) أَي الْجمع بالتقدير أَو التَّقْدِير للْجمع (أولى من إبِْطَال دَلِيل الْعلَّة) يرد عَلَيْهِ أَن الْأَوْلَوِيَّة تَقْتَضِي جَوَاز إِبْطَاله مرجوحا وَالْمَفْهُوم مِمَّا سبق عدم جَوَازه، وَذَلِكَ أَن تَقول إِذا ثَبت أَوْلَوِيَّة الْجمع وَجب على الْمُجْتَهد الْعَمَل بِهِ لِئَلَّا يلْزم تَرْجِيح الْمَرْجُوح وَإِذا وَجب لم يجز الْإِبْطَال. (وَمَا قيل) على مَا أَشَارَ إِلَيْهِ صدر الشَّرِيعَة وَقرر فِي التَّلْوِيح من أَن (التَّخْصِيص ملزوم للمجاز) أَي يلْزمه اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَا وضع لَهُ، وَذَلِكَ لِأَن اللَّفْظ الْمَوْضُوع بِإِزَاءِ مَجْمُوع إِذا أخرج مِنْهُ الْبَعْض وَاسْتعْمل فِيهِ كَانَ بِالضَّرُورَةِ مُسْتَعْملا فِي غير مَا وضع لَهُ (الْمَلْزُوم للفظ) وَإِنَّمَا وصف الْمجَاز بالملزومية بِاللَّفْظِ لَا باللزوم لَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِم للفظ، على أَن اللَّازِم قد يتَحَقَّق بِدُونِ الْمَلْزُوم، وَأَن الْمَقْصُود أَن غير اللَّفْظ لَا يُوصف بِهِ (منع) خبر للموصول (بِأَن الْمَلْزُوم للمجاز مِنْهُ) أَي من التَّخْصِيص (تَخْصِيص اللَّفْظ لَا) التَّخْصِيص حَال كَونه (مُطلقًا، بل هُوَ) أَي التَّخْصِيص مُطلقًا (أَعم) من أَن يكون ملزوما للمجاز أَولا، فَالْمَعْنى الْأَعَمّ لَهُ مثل أَن يُقَال هُوَ بَيَان إِرَادَة الْبَعْض من مُتَعَدد حكم عَلَيْهِ بِحكم يَشْمَل الْمَجْمُوع لَو لم يبين المُرَاد سَوَاء كَانَ مدلولا لفظا أَولا، والمتعدد هَهُنَا موارد الْعلَّة الْمَحْكُوم عَلَيْهَا بِثُبُوت الحكم فِيهَا وَالْبَعْض المُرَاد مَا لم يكن فِيهِ مَانع من ثُبُوت حكمه (قَالُوا) أَي المانعون الْمَوْجُود الْعلَّة فِي غير مَحل التَّخَلُّف (إِذْ لَا بُد فِي صِحَّتهَا من الْمَانِع) أَي من عدم الْمَانِع. قَالَ الشَّارِح سقط لفظ عدم من الْقَلَم (وَوُجُود الشَّرْط فعدمه) أَي الْمَانِع (ووجوده) أَي الشَّرْط (جُزْء الْعلَّة لِأَن الْمَجْمُوع) مِنْهُمَا وَمن الْوَصْف هُوَ (المستلزم) للْحكم وَقد وجد الْمَانِع أَو فقد الشَّرْط فِي مَحل التَّخَلُّف فَلم يُوجد
стр. 1047
تَمام الْعلَّة (قُلْنَا فَرجع) حِينَئِذٍ (لفظيا مَبْنِيا على تَفْسِيرهَا: أَهِي الْبَاعِث) على الحكم فَلَا يلْزم من عدم الحكم عدمهَا، لِأَن الْعلَّة الباعثة قد يتَخَلَّف عَنْهَا الْمَعْلُول لمَانع أَو فَوَات شَرط (أَو) هِيَ (جملَة مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ) الحكم فَلَا يُمكن أَن يتَخَلَّف عَنْهَا فَحَيْثُ لم يُوجد الحكم يحكم لعدمها (لَكِن الْحق خطؤكم) فِي جعلكُمْ الْعلَّة هَهُنَا جملَة مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ (لتفسيركم) الْعلَّة (بالمؤثر) كَمَا نفسرها بِهِ (وَالشّرط وَعدم الْمَانِع لَا دخل لَهما فِي التَّأْثِير بموافقتكم) مَعنا فِي هَذَا، فالمجموع الْمركب من الْمُؤثر وَغَيره لَا يصدق عَلَيْهِ أَنه مُؤثر (وَأما إِلْزَام تصويب كل مُجْتَهد) على القَوْل بِجَوَاز تَخْصِيص الْعلَّة فَإِن كل مُجْتَهد إِذا ورد عَلَيْهِ النَّقْض فِي عليته لَهُ أَن يَقُول خصت بِمَا عدا تِلْكَ الْمَادَّة، وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه لَا ينْحَصر إبِْطَال دَلِيله فِي النَّقْض حَتَّى يتَخَلَّص فِي كل بحث بِهَذَا الْجَواب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فمنتف لِأَن ادعاءه علية الْوَصْف لَا يقبل مِنْهُ أَولا إِلَّا بِدَلِيل) وَيتَّجه عَلَيْهِ أَنْوَاع من الْإِبْطَال (وَمَعَ التَّخَلُّف لَا يقبل مِنْهُ) أَنه امْتنع الحكم فِي مَحل كَذَا لمَانع (إِلَّا أَن يبين مَانِعا، وَإِنَّمَا ذَلِك) أَي قبُول مَا ذكر (لَازم مَعَ إِجَازَته) أَي الْبَعْض (بِلَا تَعْيِينه كَمَا حررناه) وَعرفت من أَن الْحق أَنه لَا بُد من بَيَان مَانع صَالح للتخصيص (أَو) إِجَازَته (بِلَا مَانع كَمَا قيل أَو دَلِيل) مَعْطُوف على إِجَازَته: أَي لَا يقبل مِنْهُ ادِّعَاء الْعلية مَعَ التَّخَلُّف إِلَّا مَعَ دَلِيل يدل على اعْتِبَار عليته مَعَ التَّخَلُّف. (وَقَوْلهمْ: صِحَة الْعلية تَسْتَلْزِم ثُبُوت الحكم فِي مَحل التَّخَلُّف لَيْسَ بِشَيْء بَعْدَمَا ذَكرْنَاهُ) من وجوب الْجمع بَين دليلي الْعلَّة والتخلف. (وَقَوْلهمْ تعَارض دَلِيل الِاعْتِبَار) لِلْعِلَّةِ (و) دَلِيل (الإهدار فَلَا اعْتِبَار) بِشَيْء مِنْهَا للتساقط فَلَا علية (مَمْنُوع لِأَن التَّخَلُّف لَيْسَ دَلِيل الإهدار إِلَّا بِلَا مَانع) فِي الشَّرْح العضدي اخْتلف فِي جَوَاز النَّقْض على مَذَاهِب: أَولهَا يجوز مُطلقًا، ثَانِيهَا لَا يجوز مُطلقًا، ثَالِثهَا يجوز فِي المنصوصة دون المستنبطة، رَابِعهَا يجوز فِي المستنبطة لمَانع أَو عدم شَرط دون المنصوصة، خَامِسهَا يجوز فِي المستنبطة وَلَو بِلَا مَانع أَو عدم شَرط دون المنصوصة. ثمَّ ذكر مذهبا مُخْتَارًا حَاصله أَنه لَا بُد من مَانع أَو عدم شَرط، لَكِن فِي المستنبطة يجب الْعلم بِعَيْنِه، وَفِي المنصوصة يَكْفِي التَّقْدِير، وَمَا ذكره المُصَنّف من الْمذَاهب خَمْسَة: أَولهَا لَا يجوز فِي المستنبطة والمنصوصة، ثَانِيهَا لَا يجوز فِي المستنبطة وَيجوز فِي المنصوصة، ثَالِثهَا يجوز بمانع أَو عدم شَرط فيهمَا، ورد إِلَى هَذَا مُخْتَار الْمُحَقِّقين من الْجَوَاز فِي المستنبطة إِذا تعين الْمَانِع، وَفِي المنصوصة بِنَصّ عَام: لَكِن إِن لم يتَعَيَّن قدر، رَابِعهَا الْجَوَاز فيهمَا، خَامِسهَا يجوز فِي المستنبطة بِلَا مَانع دون المنصوصة. فَأول مَا فِي الْعَضُد رَابِع المُصَنّف، وثانيه أَوله، وثالثه ثَانِيه، وخامسه خامسه، وَأما رابعه وَهُوَ الْجَوَاز فِي المستنبطة لمَانع أَو عدم شَرط دون المنصوصة فَلَيْسَ فِي أَقسَام المُصَنّف: كَمَا أَن ثَالِث المُصَنّف، وَهُوَ الْجَوَاز فِي المستنبطة
стр. 1048
لمَانع أَو عدم شَرط لَيْسَ فِي أقسامه، وَالْمُصَنّف من أَئِمَّة النَّقْل وَهُوَ مُخْتَار مُتَحَقق.
(تَنْبِيه: قسم المصححون) لتخصيص الْعلَّة (مَعَ الْمَانِع من الْحَنَفِيَّة الْمَوَانِع إِلَى خَمْسَة) الأول (مَا يمْنَع انْعِقَاد الْعلَّة كَبيع الْحر) فَإِن الْحُرِّيَّة المستلزمة لعدم الْمَحَلِّيَّة للْبيع تمنع انْعِقَاد البيع فَإِنَّهُ عبارَة عَن مُبَادلَة المَال بِالْمَالِ، وَالْحر لَيْسَ بِمَال، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهُوَ) أَي الْمَانِع من انْعِقَادهَا هَهُنَا (انْتِفَاء محلهَا) أَي مَحل الْعلَّة الَّتِي هِيَ البيع (وَلَا عِلّة فِي غير مَحل. و) الثَّانِي مَا يمْنَع (تَمامهَا) أَي الْعلَّة (فِي حق غير الْعَاقِد كَبيع عبد الْغَيْر) من غير ولَايَة لَهُ عَلَيْهِ فَإِن بَيْعه عِلّة (تَامَّة فِي حق الْعَاقِد) حَتَّى لَا يبْقى لَهُ ولَايَة إِبْطَاله (لَا) فِي حق (الْمَالِك) وَكَذَا يبطل بِمَوْتِهِ وَلَا يتَوَقَّف على إجَازَة وَارثه (فَجَاز) البيع (بإجازته) أَي الْمَالِك (وَبَطل بإبطاله. و) الثَّالِث (مَا يمْنَع ابْتِدَاء الحكم كَخِيَار الشَّرْط للْبَائِع يمْنَع الْملك) ابْتِدَاء (للْمُشْتَرِي) وَإِن انْعَقَد البيع تَاما، فالمنع بِاعْتِبَار ترَتّب الحكم ابْتِدَاء على الْعلَّة. (و) الرَّابِع مَا يمْنَع (تَمَامه) أَي تَمام الحكم وَلَا يمْنَع أَصله (كَخِيَار الرُّؤْيَة لَا يمْنَع ثُبُوته) أَي الحكم وَهُوَ الْملك (لَكِن لَا يتم) الحكم (بِالْقَبْضِ مَعَه) أَي مَعَ خِيَار الرُّؤْيَة (ويتمكن من لَهُ الْخِيَار من الْفَسْخ بِلَا قَضَاء و) لَا (رضَا) للمتعاقد الآخر، وَكَانَ غير لَازم. (و) الْخَامِس مَا يمْنَع (لُزُومه) أَي الحكم (كَخِيَار الْعَيْب يثبت) الحكم (مَعَه تَاما) حَتَّى لَا يكون لَهُ ولَايَة التَّصَرُّف فِي الْمَبِيع (وَلَا يتَمَكَّن من الْفَسْخ بعد الْقَبْض إِلَّا بتراض) من الْمُتَعَاقدين (أَو قَضَاء) وَإِنَّمَا اخْتلفت مَرَاتِب الخيارات بِكَوْن الأول مَا خلا على الحكم فَهُوَ مَعَه، وَتمّ قبل وجوده، وَفِي الثَّانِي صدر البيع مُطلقًا عَن الشَّرْط فَأوجب الحكم لَكِن غير تَامّ لاحْتِمَال زَوَال الرِّضَا عِنْد الرُّؤْيَة، وَفِي الثَّالِث ثمَّ السَّبَب وَالرِّضَا لوُجُود الرُّؤْيَة، لَكِن قُلْنَا بِعَدَمِ اللُّزُوم لاحْتِمَال تضرر المُشْتَرِي بِظُهُور الْعَيْب وَلذَا يتَمَكَّن من رد بعض الْمَبِيع بعد الْقَبْض، لِأَنَّهُ تَفْرِيق للصفقة بعد التَّمام وَإنَّهُ جَائِز، وَلَا يتَمَكَّن مِنْهُ فِي خِيَار الرُّؤْيَة لِأَنَّهُ تَفْرِيق قبل التَّمام وَهُوَ غير جَائِز. ثمَّ الْمَوَانِع خَمْسَة عِنْد جمَاعَة كفخر الْإِسْلَام وشمس الْأَئِمَّة وَغَيرهمَا، والحصر استقرائي، وَعند القَاضِي أبي زيد وَبَعض (٧) أَرْبَعَة يَجْعَل خِيَار الرُّؤْيَة وَالْعَيْب مِمَّا يمْنَع من لُزُوم الحكم (وَخرج بَعضهم) أَي الْحَنَفِيَّة (على الْخلاف) فِي تَخْصِيص الْعلَّة (فرعا على مَذْهَبهم) وَهُوَ الصَّائِم (النَّائِم إِذا صب حلقه مَاء فسد) صَوْمه (عِنْدهم لفَوَات رُكْنه) وَهُوَ الْإِمْسَاك عَن الْمُفطر (فَهُوَ) أَي فَوَات الرُّكْن (عِلّة الْفساد) أَي (تخلف) الحكم (عَنْهَا) أَي عَن الْعلَّة الْمَذْكُورَة (فِي النَّاسِي) أَي فِي الصَّائِم الَّذِي أكل وَشرب نَاسِيا فَإِن الْعلَّة وَهِي فَوَات الرُّكْن أعنى الْإِمْسَاك مَوْجُود فِيهِ، وَالْحكم وَهُوَ الْفساد غير مَوْجُود فِيهِ (فالمجيز) تَخْصِيص الْعلَّة يَقُول: تخلف الحكم
стр. 1049
(لمَانع هُوَ الحَدِيث) الدَّال على عدم فَسَاد صَوْم النَّاسِي كَونه صَائِما بِفَوَات رُكْنه (مَعَ وجود الْعلَّة وَالْمَانِع) تَخْصِيص الْعلَّة، يَقُول: تخلف الحكم (لعدمها) أَي الْعلَّة الْمَذْكُورَة (حكما) تَمْيِيز عَن نِسْبَة الْعَدَم إِلَى الضَّمِير، يَعْنِي أَن فَوَات الرُّكْن وَإِن كَانَ مَوْجُودا صُورَة لكنه مَعْدُوم حكما: أَي فِي حكم الْمَعْدُوم (لِأَن فعل النَّاسِي) وَهُوَ الْأكل وَالشرب (نسب إِلَى مُسْتَحقّ الصَّوْم لقَوْله ﷺ فِي جَوَاب من استفتاه عَن أكله وشربه نَاسِيا (إِنَّمَا أطعمك الله وسقاك) والمستحق هُوَ الله سُبْحَانَهُ، لِأَن الصَّوْم عبَادَة وَلَا يسْتَحق الْعِبَادَة إِلَّا هُوَ، وَإِنَّمَا قَالَ فعل النَّاسِي نسب إِلَيْهِ، مَعَ أَن فعله الطّعْم وَالشرب، والمنسوب إِلَيْهِ الْإِطْعَام، والسقي لِأَن مَدْلُول الحَدِيث بِحَسب سِيَاق كَلَام السَّائِل الظَّان فَسَاد الصَّوْم بِالْفِعْلِ الْمُضَاف إِلَى الصَّائِم المفوت ركن الصَّوْم سلب إِضَافَته إِلَى العَبْد، لِأَنَّهُ لَو لم يرد ذَلِك لم يَصح إِيرَاد هَذَا الْكَلَام فِي معرض التَّعْلِيل على عدم الْفساد فَإِن قلت كَيفَ يَصح سلب إِضَافَته إِلَيْهِ مَعَ أَنه صدر عَنهُ بِالْحَقِيقَةِ قلت هَذَا من قبيل قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ - (فَكَانَ أكله كلا أكل) لإِسْقَاط إِضَافَته إِلَيْهِ ونسبته إِلَى من لَهُ الصَّوْم (فَبَقيَ الرُّكْن) وَهُوَ الْإِمْسَاك (حكما) وَإِن انْتَفَى صُورَة لعدم الِاعْتِدَاد بِمَا يُنَافِيهِ لما ذكر (والمصبوب فِي فِيهِ) المَاء (لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ) أَي فِي معنى النَّاسِي (إِذْ لَيْسَ) الصاب (مُضَافا إِلَى الْمُسْتَحق) للصَّوْم ليَكُون صبه بِمَنْزِلَة إطعامه سُبْحَانَهُ وَيصير شربه كلا شرب بِنِسْبَة فعل الشَّارِب إِلَيْهِ (فَلم يسْقط اعْتِبَاره) أَي اعْتِبَار الْمُفطر أَو فَوَات الرُّكْن فِي تَأْثِيره فِي فَسَاد الصَّوْم (بِخِلَاف) الصَّائِم (السَّاقِط فِي حلقه نَائِما مطر) فَإِنَّهُ لَا يفْسد صَوْمه (كَمَا هُوَ مُقْتَضى النّظر) فَإِن إِسْقَاط الْمَطَر سقى من الله تَعَالَى وَالنَّوْم أَدخل فِي الْمَقْصُود من النسْيَان، لِأَن النَّاسِي يُبَاشر الْفِعْل بِاخْتِيَارِهِ بِخِلَاف النَّائِم، فإسقاط إِضَافَة الْفِعْل إِلَيْهِ ونسبته إِلَى الله تَعَالَى بِالطَّرِيقِ الأولى (وَلَا خَفَاء أَنه) أَي الْفَرْع الْمَذْكُور (غير مَا نَحن فِيهِ) من الْعلَّة بِمَعْنى الْبَاعِث الَّتِي شرع الحكم عِنْدهَا لحُصُول الْحِكْمَة على مَا مر تَفْصِيله فَإِن عدم الرُّكْن لَيْسَ من ذَلِك (فَظهر أَن حَقِيقَة الْمَانِع الْإِضَافَة إِلَى الْمُسْتَحق) وَقَوْلهمْ لمَانع هُوَ الحَدِيث مَبْنِيّ على الظَّاهِر، وَكَونه متضمنا للإضافة إِلَيْهِ فَإِن قلت: لم لَا يجوز أَن يكون الْمَانِع فِي الْحَقِيقَة نفس الحَدِيث لدلالته على عدم فَسَاد الصَّوْم المستلزم لعدم تَأْثِير الْعلَّة قلت قد علل فِي الحَدِيث عدم الْفساد بِالْإِضَافَة الْمَذْكُورَة فينسب الْمَنْع إِلَيْهِ (وَأما نقض الْحِكْمَة) الَّتِي شرع الحكم لحصولها (فَقَط بِأَن تُوجد الْحِكْمَة) لَعَلَّ وضع الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر، لِأَن لفظ نقض الْحِكْمَة صَار فِي عرف الْأُصُول بِمَنْزِلَة كلمة وَاحِدَة مَوْضُوعَة بِإِزَاءِ نوع من النَّقْض كنقض الْعلَّة، وَلَا يجوز إرجاع الضَّمِير إِلَى أَجزَاء الْكَلِمَة، فَلَا يَنْبَغِي إرجاعه إِلَى مَا هُوَ كجزئها
стр. 1050
(دون الْعلَّة فِي مَحل وَلم يُوجد الحكم، وَيُسمى) نقض الْحِكْمَة (كسرا) لما يحصل بِهِ من نوع انكسار فِي علية الْعلَّة، إِذْ الحكم إِنَّمَا شرع عِنْدهَا لحُصُول تِلْكَ الْحِكْمَة وَلَو لم تُوجد بِدُونِ تِلْكَ الْعلَّة لَكَانَ أَدخل فِي عليتها (باصطلاح) لطائفة من الْأُصُولِيِّينَ (فَشرط عَدمه) أَي عدم نقض الْحِكْمَة عِنْد بعض (لصِحَّة الْعلَّة. وَالْمُخْتَار نَفْيه) أَي نفي اشْتِرَاط عدم نقض الْحِكْمَة (فَلَو قَالَ) قَائِل (لَا تصح علية السّفر) لرخصه الْقصر والإفطار (لانتقاض حكمتها الْمَشَقَّة) عطف بَيَان لحكمتها (بصنعة شاقة فِي الْحَضَر) لوُجُود الْمَشَقَّة الَّتِي هِيَ الْحِكْمَة مَعَ عدم السّفر وَالْحكم. وَالْفَاء فِي قَوْله فَلَو قَالَ لَيْسَ للتفريع على عدم الِاشْتِرَاط، بل لتفصيل بعض مَا يتَعَلَّق بالْمقَام، يدل عَلَيْهِ الْجَواب وَمَا بعده (لم يقبل) قَوْله جَوَاب للشرطية (لِأَنَّهَا) أَي الْمَشَقَّة بالصنعة الشاقة (غَيرهَا) أَي غير الْمَشَقَّة الَّتِي هِيَ حِكْمَة علية السّفر، وَهِي مشقة السّفر، فَعدم وجود الحكم مَعهَا لَا يسْتَلْزم انْتِقَاض الْحِكْمَة الْمُعْتَبرَة بِالسَّفرِ (وَكَونهَا) أَي كَون الْمَشَقَّة مَعَ قطع النّظر عَمَّا أضيفت إِلَيْهِ (الْمَقْصُودَة) من اعْتِبَار الْعلية وَشرع الحكم (فَيبْطل ببطلانها مَا لم يعْتَبر إِلَّا لَهَا) أَي فَيبْطل الَّذِي لم يعْتَبر شرعا إِلَّا لَهَا بِمَعْنى علية الْعلَّة بِسَبَب بُطْلَانهَا بالانتقاض بِمَشَقَّة الصَّنْعَة الشاقة، وَقَوله كَونهَا مُبْتَدأ خَبره قَوْله (إِنَّمَا يلْزم) الْكَوْن المتفرع عَلَيْهِ مَا ذكر (لَو اعْتبر) فِي الْعلية (مُطلقهَا) يَعْنِي علية الْعلَّة: أَي الْمَشَقَّة (وَهُوَ) أَي اعْتِبَار مُطلقهَا (مُنْتَفٍ بالصنعة) أَي بِسَبَب عدم رخصَة السّفر بِمَشَقَّة الصَّنْعَة، وَلَو كَانَ الْمُعْتَبر فِي السّفر مُطلق الْمَشَقَّة لرخص بهَا لوُجُود الْمُطلق فِي ضمنهَا، وَحَيْثُ لم يرخص علم عدم اعْتِبَار الْمُطلق (فالحكمة الَّتِي هِيَ الْعلَّة فِي الْحَقِيقَة مشقة السّفر) لَا الْمَشَقَّة الْمُطلقَة حَتَّى يرد النَّقْض بِمَا ذكر، وَالْحكم بالاتحاد بَين الْحِكْمَة وَالْعلَّة بِحَسب الْحَقِيقَة بِاعْتِبَار أَن الْعلَّة عبارَة عَن الْبَاعِث على شرع الحكم، والباعث الْحَقِيقِيّ إِنَّمَا هُوَ حُصُول الْحِكْمَة، وَإِنَّمَا جعلت الْعلَّة عِلّة لاشتمالها على الْحِكْمَة (وَلم يعلم مساواتها المنقوضة) أَي مُسَاوَاة مشقة السّفر للْمَشَقَّة المنقوضة بهَا، وَهِي مشقة الصَّنْعَة، وَإِنَّمَا نفي الْعلم بالمساواة لِئَلَّا يرد أَنه سلمنَا الْمُغَايرَة بَينهمَا لكنهما متساويتان فِي المقصودية والمصلحة فَيجب مساواتهما فِي علية الرُّخْصَة أَيْضا (وَلَو فرض الْعلم برجحان) الْحِكْمَة (المنقوضة) بهَا فِي الْمَعْنى الَّذِي صَارَت الْحِكْمَة بِاعْتِبَارِهِ باعثا لعلية الْعلَّة وَشرع الحكم على المنقوضة (فِي مَوضِع) غير الْموضع الْمَذْكُور فَإِنَّهُ نفي فِيهِ الْعلم بالمساواة فضلا عَن الرجحان أَن يذكر (يلْزم بطلَان الْعلَّة) فِي ذَلِك الْموضع، لِأَنَّهُ لَو كَانَ منشأ اعْتِبَار عليتها اشتمالها على الْحِكْمَة المتضمنة للمعنى الْمَذْكُور لاعتبر عليتها فِي مَحل النَّقْض بِالطَّرِيقِ الأولى، وَيرد عَلَيْهِ أَنه كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر صُورَة مُسَاوَاة المنقوضة بهَا للمنقوضة أَيْضا: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال يعلم حكمهَا ضمنا لاشْتِرَاكهمَا فِيمَا هُوَ
стр. 1051
سَبَب الْبطلَان.
وَأَنت خَبِير بِأَن الأولى حِينَئِذٍ ذكر الْمُسَاوَاة ليعلم مِنْهُ الرجحان بِالطَّرِيقِ الأولى، ثمَّ اسْتثْنى من جملَة لمواضع الَّتِي علم فِيهَا رُجْحَان المنقوضة فِيهَا بقوله (إِلَّا أَن شرع) فِي ذَلِك الْموضع (حكم أليق بهَا) أَي بِتِلْكَ الْحِكْمَة (كالقطع بِالْقطعِ) كَقطع الْيَد بِقطع الْيَد (لحكمة الزّجر) عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ (تخلف) الْقطع الَّذِي هُوَ الحكم عَن الْحِكْمَة الَّتِي هِيَ الزّجر (فِي الْقَتْل) الْعمد مَعَ أَن الْحِكْمَة فِيهِ أرجح (لشرع مَا هُوَ أنسب بِهِ) أَي بِالْقَتْلِ الْعمد (وَهُوَ) أَي مَا هُوَ أنسب (الْقَتْل) قصاصا (وَأَنت إِذْ علمت أَن الْحِكْمَة الْمُعْتَبرَة) عِنْد الشَّارِع (ضبطت شرعا) بمظنة خَاصَّة وَهُوَ الْوَصْف الظَّاهِر المنضبط، وَذَلِكَ لعسر ضبط نفس الْحِكْمَة وَتعذر تعْيين قدرهَا (لم تكد تقف على الْجَزْم) أَي تجزم أَلْبَتَّة (بِأَن التَّخَلُّف) أَي تخلف الحكم (عَن مثلهَا) أَي عَن مثل حكمته (أَو) عَن أَمر (أكبر) من حكمته لرجحانه عَلَيْهَا فِي الْمَعْنى الَّذِي صَارَت بِاعْتِبَارِهِ باعثا لشرع الحكم (مِمَّا لم يدْخل تَحت ضابطها) بَيَان لكل وَاحِد من الْمثل والأكبر المتخلف عَنهُ الحكم، وَالْمرَاد بضابط الْحِكْمَة الْوَصْف الظَّاهِر المنضبط الَّذِي أَقَامَهُ الشَّرْع مقَامهَا لظُهُوره وانضباطه دونهَا لما مر، وَلَو كَانَ ذَلِك التَّخَلُّف (بِلَا مَانع) عَن ترَتّب الحكم عَلَيْهِ لَا ينْقض التَّخَلُّف الْمَذْكُور عليتها: أَي الْحِكْمَة، قَوْله لَا ينْقض خبر أَن فِي قَوْله بِأَن التَّخَلُّف خُصُوصا إِذا (كَانَت) الْحِكْمَة (مومى إِلَيْهَا) فِي الْكتاب أَو السّنة: مثل إِيمَاء قَوْله تَعَالَى فِي رخصَة الْإِفْطَار فِي السّفر - ﴿أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ - بعد قَوْله - ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون أَيَّامًا معدودات فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا﴾ - فَإِنَّهُ يُومِئ إِلَى علية وصف السّفر لرخصة الْإِفْطَار وَقَضَاء الصَّوْم فِي أَيَّام أخر (لِأَن الْحِكْمَة الْمُعْتَبرَة شرعا مثلا مشقة السّفر بِخُصُوصِهِ) تَعْلِيل لعدم نقض عليتها وَحَاصِله أَن الشَّرْع لم يعْتَبر إِلَّا علية مشقة السّفر بِخُصُوصِهِ، وَلم يعْتَبر مُطلق الْمَشَقَّة، وَلَا يتَوَجَّه النَّقْض إِلَّا عِنْد تخلف الحكم عَن الْعلَّة الْمُعْتَبرَة شرعا فَقَوله وَأَنت إِذا علمت الخ تَحْقِيق للمقام من المُصَنّف وَقَوله وَلَو فرض الخ كَلَام الْقَوْم (أَلا ترى أَن الْبكارَة عِلّة الِاكْتِفَاء فِي الْإِذْن بِالسُّكُوتِ) فِي النِّكَاح، الظرفان الْأَوَّلَانِ متعلقان بالاكتفاء وَالثَّالِث بِالْإِذْنِ، وَيجوز أَن يتَعَلَّق بالاكتفاء (لحكمة الْحيَاء) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قلت أَن الْبكر تَسْتَحي فتسكت قَالَ سكُوتهَا إِذْنهَا (وَلَو فرض ثيب أوفر حَيَاء من الْبكر (أَو سَبَب اقْتَضَاهُ) مَعْطُوف على ثيب، وَالْمعْنَى وَلَو فرض سَبَب فِي الثّيّب اقْتضى حَيَاء) أوفر من حَيَاء الْبكر (كزنا اشْتهر) فِي ثيب فَتَسْتَأْذِن فِي نِكَاح من اشْتهر بزناها (لم يكتف بسكوتها) أَي بسكوت الثّيّب فِي الصُّورَتَيْنِ (إِجْمَاعًا فَتخلف) حكم الِاكْتِفَاء بِالسُّكُوتِ
стр. 1052
عَمَّا هُوَ أكبر من حكمته (وَلم تبطل علية الْبكارَة) إِجْمَاعًا (وَمَا ذَاك) أَي عدم بُطْلَانهَا وأمثالها (إِلَّا لِأَن الْحِكْمَة حَيْثُ ضبطت بالبكارة) لانضباطها وَعدم انضباط الْحيَاء من حَيْثُ الْقدر (كَانَت الْعلَّة بِالْحَقِيقَةِ حَيَاء الْبكر فَلم يلْزم فِي حَيَاء فَوْقه) أَي فَوق حَيَاء الْبكر (ثُبُوت الحكم) وَهُوَ الِاكْتِفَاء الْمَذْكُور (مَعَه) أَي مَعَ ذَلِك الْحيَاء الَّذِي هُوَ فَوق حَيَاء الْبكر (لعدم دَلِيله) أَي دَلِيل اعْتِبَار ذَلِك الْحيَاء الأوفر شرعا (بِخُصُوصِهِ فَلَا تنْتَقض الْعلَّة) وَهِي الْبكارَة (بنقضه) أَي بِنَقْض حَيَاء الْبكر، لِأَنَّهُ لم ينْتَقض لعدم تحَققه فِي مَادَّة النَّقْض وَإِن سمينا توهم النَّقْض نقضا فَالْمَعْنى لَا تنْتَقض الْعلَّة بِهَذَا النَّقْض الموهوم (لِأَنَّهُ) أَي ذَلِك الْحيَاء الأوفر (غير) الْحيَاء (الْمُعْتَبر) شرعا فِي الحكم الْمَذْكُور (وَأما النَّقْض المكسور وَهُوَ نقض بعض) الْعلَّة (المركبة على اعْتِبَار استقلاله) أَي الْبَعْض المنقوض (بالحكمة) لاشْتِمَاله كاشتمال الْكل عَلَيْهَا (كَمَا لَو قَالَ) الشَّافِعِي (فِي منع بيع الْغَائِب) هُوَ بيع فِيهِ مَبِيع (مَجْهُول الصّفة فَلَا يَصح كَبيع عبد بِلَا تعْيين فنقض المجهولية) الَّتِي هِيَ بعض من الْعلية، وَهُوَ الْمَجْمُوع الْمركب من المبيعية والمجهولية على اعْتِبَار استقلالها بالحكمة الَّتِي هِيَ الْإِفْضَاء إِلَى الْمُنَازعَة (بتزوج من لم يرهَا) لتحَقّق المجهولية فِي هَذَا العقد (مَعَ الصِّحَّة) فقد تحقق جُزْء الْعلَّة المستقل بالحكمة، وتخلف عَنهُ الحكم وَهُوَ عدم الصِّحَّة (وَحذف) على صِيغَة الْمَاضِي الْمَجْهُول مَعْطُوف على نَظِيره، وَهُوَ قَوْله نقض، ونائب الْفَاعِل قَوْله (الْمَبِيع) أَي نقض بعض أَجزَاء الْعلَّة وَهُوَ قَوْله مَجْهُول الصِّيغَة وَحذف بَعْضهَا: وَهُوَ قَوْله مَبِيع (وَالْمُخْتَار لَا يمْنَع) أَي اخْتلف فِي منع النَّقْض الْمَذْكُور صِحَة الْعلَّة، قيل يمْنَع، وَالْمُخْتَار أَنه لَا يمْنَع صِحَّتهَا وَهَذَا عِنْد الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَالْمُصَنّف وَغَيرهم (لِأَنَّهَا) أَي الْعلَّة (الْمَجْمُوع) الْمركب (وَلم ينْقض) الْمَجْمُوع (فَلَو أضَاف) الْقَائِل بِالْمَنْعِ أَو الناقض (إِلَيْهِ) أَي إِلَى نقض الْبَعْض (إِلْغَاء الْمَتْرُوك) أَي الْمَحْذُوف وَقَالَ لَا دخل فِي الْعلية كَمَا أَشَارَ بقوله (بِأَن قَالَ الْجَهَالَة) الْمَذْكُورَة فِي الْعلَّة (مُسْتَقلَّة بالمناسبة) الْمُوجبَة للعلية (وَلَا دخل لكَونه) أَي الْمَعْقُود عَلَيْهِ (مَبِيعًا صَحَّ) جَوَاب لَو: أَي صَحَّ النَّقْض الْمَذْكُور لوروده على مَا هُوَ الْعلَّة فِي الْحَقِيقَة إِذْ لَا دخل للملغي فِي الْعلية، وَإِذا صَحَّ النَّقْض بَطل الْعلية (وَحَاصِله) أَي حَاصِل النَّقْض بعد مَا أضَاف إِلَيْهِ أَنه (إِن عنيت) أَيهَا الْمُسْتَدلّ بِمَا جعلته عِلّة فِي قياسك (الْمَجْمُوع لم يَصح) مَا عنيت (لإلغاء الملغي، أَو) عنيت بهَا (مَا سواهُ) أَي مَا سوى الملغى (فَكَذَا) لَا يَصح مَا عنيت (للنقض) أَي لوُرُود النَّقْض على مَا جعلته عِلّة، وَهُوَ مَا سوى الملغي. (وَمِنْهَا) أَي من شُرُوط الْعلَّة (انعكاسها) أَي الْعلَّة (عِنْد قوم وَهُوَ) أَي انعكاسها (انْتِفَاء الحكم لانتفائها) أَي الْعلَّة، وَإِنَّمَا يلْزم: أَي انْتِفَاء الحكم لانْتِفَاء الْعلَّة (لمنع تعدد) الْعلَّة (المستقلة فينتفى) الحكم الَّذِي هُوَ مدلولها علته المستقلة الْمَخْصُوصَة (لانْتِفَاء خُصُوص هَذَا الدَّلِيل
стр. 1053
وَهُوَ) أَي هَذَا الدَّلِيل (الْعلَّة إِذْ لَا يكون الحكم بِلَا باعث) وَلم يكن لَهُ باعث سوى الْمَفْرُوض انتفاؤه وَعدم كَونه بِلَا باعث إِمَّا أَن يكون (تفضلا) من الله سُبْحَانَهُ ليهتدوا بذلك الْبَاعِث إِلَى الحكم، أَو يكون وجوبا كَمَا قَالَه الْمُعْتَزلَة بِنَاء على مسئلة وجوب الْأَصْلَح عَلَيْهِ، تَعَالَى شَأْنه عَن ذَلِك، وَلَيْسَ المُرَاد من كلمة أَو التَّسْوِيَة بَينهمَا، بل تَقْسِيم مَا ذهب إِلَيْهِ الأصولي (وَالْمُخْتَار جَوَاز التَّعَدُّد) فِي الْعلَّة الباعثة (مُطلقًا) منصوصة كَانَت أَو مستنبطة (والوقوع) مَعْطُوف على الْجَوَاز (فَلَا يشْتَرط انعكاسها) أَي الْعلَّة كَيفَ وَانْتِفَاء عِلّة بِعَينهَا لَا يسْتَلْزم انتفاءها مُطلقًا فَيجوز أَن يتَحَقَّق بغَيْرهَا من الْعِلَل فَلَا يلْزم أَنه كلما انْتَفَى الْعلَّة الْمعينَة يَنْتَفِي الحكم. جوز (القَاضِي) أَبُو بكر تعددها (فِي المنصوصة لَا المستنبطة، وَقيل عَكسه) أَي يجوز فِي المستنبطة لَا المنصوصة. قَالَ (الإِمَام) يَعْنِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ (يجوز) التَّعَدُّد (وَلم يَقع لنا) على الْمُخْتَار جَوَاز التَّعَدُّد ووقوعه (أَن الْبَوْل والمذى والرعاف) وَهِي أُمُور مُخْتَلفَة الْحَقِيقَة (ثمَّ كل) مِنْهَا (يُوجب الْحَدث) إِذا تحققت مَعًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إِسْنَاد الْإِيجَاب إِلَى أَحدهَا دون الآخر تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، بِخِلَاف مَا إِذا تحققت متعاقبة فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُضَاف إِلَى الأول لَا الثَّانِي، وَألا يلْزم تَحْصِيل الْحَاصِل فَتَأمل (وَهُوَ) أَي إِيجَاب الْحَدث (الِاسْتِقْلَال) فالعلية فَكل مِنْهَا عِلّة مُسْتَقلَّة للْحَدَث، وَهُوَ حكم وَاحِد (وَكَذَا الْقَتْل) عُدْوانًا (وَالرِّدَّة تحله) أَي الْقَتْل فَكل مِنْهُمَا عِلّة مُسْتَقلَّة لَهُ (فَإِن منع اتِّحَاد الحكم) وَيُقَال (بل وجوب الْقَتْل قصاصا) بعلة الْقَتْل عُدْوانًا (غَيره) أَي غير وُجُوبه (بِالرّدَّةِ وَلذَا) أَي وللمغايرة بَينهمَا (انْتَفَى) كل مِنْهُمَا (ب) مسْقط ك (الْعَفو) من الْمولى فِي الْقَتْل قصاصا (أَو الْإِسْلَام) فِي قتل الرِّدَّة (وَبَقِي) الْقَتْل ل (لآخر) يَعْنِي انْتَفَى الْقَتْل الْقصاص وَبَقِي الْقَتْل للردة، وَبِالْعَكْسِ (عورض) كل مِنْهُمَا جَوَاب الشَّرْط: أَي عورض دَلِيل الْمَانِع اتِّحَاد الحكم بِأَنَّهُ (لَو تعدّدت) الْأَحْكَام فِي أَمْثَال ذَلِك (كَانَ) تعددها (بالإضافات) إِلَى أدلتها (إِذْ لَيْسَ مَا بِهِ الِاخْتِلَاف) فِيهَا (سواهُ) أَي سوى مَا ذكر من الإضافات (وَاللَّازِم بَاطِل لِأَن الإضافات لَا توجب تعددا فِي ذَات الْمُضَاف وَإِلَّا لوَجَبَ لكل حدث وضوء) لكَون الْحَدث الْحَاصِل بِسَبَب الْبَوْل مثلا حِينَئِذٍ غير الْحَاصِل بالرعاف، فبارتفاع الأول لَا يرْتَفع الثَّانِي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَكَانَ) اسْمه ضمير الشَّأْن وَخَبره (يرْتَفع أَحدهَا وَيبقى الآخر، ثمَّ الْجَواب) عَن لُزُوم الْوضُوء لكل حدث (أَن ذَلِك) أَي بِأَن ارْتِفَاع أَحدهمَا وَبَقَاء الآخر وَعَدَمه مفوض (إِلَى الشَّرْع فَجَاز أَن يعْتَبر التلازم بَين مسببات فِي الأرتفاع) فيستلزم ارْتِفَاع حدث الْبَوْل مثلا ارْتِفَاع حدث الرعاف (وَلَا يعْتَبر) التلازم (فِي) مسببات (أُخْرَى) فَلَا يسْتَلْزم ارْتِفَاع الْقَتْل بِسَبَب الْقَتْل مثلا ارتفاعه بِسَبَب الرِّدَّة (كَلَام على السَّنَد) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي قَوْله وَالْجَوَاب، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن قَول عورهض إِلَى آخِره منع
стр. 1054
وَسَنَد، وَإِطْلَاق الْمُعَارضَة على سَبِيل الِاسْتِعَارَة تَشْبِيها لَهَا بالمعارضة الْحَقِيقِيَّة بِاعْتِبَار دلَالَة السَّنَد على خلاف مَا يدل عَلَيْهِ دَلِيل الْمُسْتَدلّ فَكَأَنَّهُ أَقَامَ الدَّلِيل على خلاف مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْخصم وَيلْزمهُ قَوْله: فَإِن منع على الْمُعَارضَة فِي الْمُقدمَة فَإِن قلت للخصم أَن يَقُول مرادي الْمَنْع لِئَلَّا يرد عَلَيْهِ الْمَنْع قلت لَا يَنْفَعهُ، لِأَن سَنَده مسَاوٍ للْمَنْع فإبطاله إِثْبَات للمقدمة الممنوعة فتتم حجَّة الْمُسْتَدلّ الأول فَافْهَم (وَالْمَطْلُوب وَهُوَ الْمُعَارضَة الْمَذْكُورَة) عدم التَّعَدُّد فِي ذَات الْمُضَاف بالإضافات (ثَابت دونه) أَي بِدُونِ السَّنَد الْمَذْكُور، فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى كَونه سندا أخص، فَإِن إبِْطَال السَّنَد الْأَخَص غير موجه فِي الإضافات بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ مُسَاوِيا للْمَنْع فَإِنَّهُ موجه لاستلزام إِبْطَاله بطلَان الْمَنْع فَتثبت الْمُقدمَة الممنوعة (للْقطع بِأَن تعدد الْإِضَافَة لَا يُوجِبهُ) أَي التَّعَدُّد (فِي ذَاته) أَي الْمُضَاف (وَثُبُوت ارْتِفَاع بَعْضهَا) أَي بعض المسببات (دون بعض فِي صُورَة) دون أُخْرَى كارتفاع الْقَتْل بِسَبَب الرِّدَّة مثلا مَعَ بَقَاء الْقَتْل بِسَبَب الْقَتْل (إِنَّمَا يَكْفِي دَلِيلا على التَّعَدُّد) أَي تعدد الْمُضَاف (فِيهَا) أَي فِي صُورَة ارْتَفع فِيهَا الْبَعْض دون الْبَعْض (لَا فِي غَيرهَا) أَي لَا يَكْفِي دَلِيلا على التَّعَدُّد فِي صُورَة أُخْرَى غير تِلْكَ الصُّورَة (كَمَا فِي الْقَتْل) تَمْثِيل للصورة الأولى (لِأَن أَحدهمَا) أَي أحد المسببين وَهُوَ الْقَتْل بِسَبَب الرِّدَّة (حق الله تَعَالَى، وَالْآخر) وَهُوَ الْقَتْل بِسَبَب الْقَتْل (حق العَبْد) وَلَا وَجه لارْتِفَاع حق العَبْد بِسَبَب ارْتِفَاع حق الله تَعَالَى (وَمَا) روى (عَن أبي حنيفَة) من أَنه إِذا (حلف لَا يتَوَضَّأ من الرعاف فَبَال، ثمَّ رعف ثمَّ تَوَضَّأ حنث لَا يشكل مَعَ قَوْله باتحاد الحكم) جَوَاب سُؤال، وَهُوَ أَن أَبَا حنيفَة يَقُول باتحاد الحكم عِنْد تعدد الْأَسْبَاب وَمُقْتَضَاهُ أَن لَا يَحْنَث فِي الْحلف الْمَذْكُور لِأَن الْحَدث الْحَاصِل بالرعاف عين الْحَاصِل بالبول، فَالظَّاهِر أَنه يُقَال فِي حَقه أَنه تَوَضَّأ من الْبَوْل لسبقه بِالِاسْتِحْقَاقِ للإضافة أَو تَوَضَّأ عَنْهُمَا جَمِيعًا لاشْتِرَاكهمَا فِي السبقية، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يصدق عَلَيْهِ أَنه تَوَضَّأ من الرعاف، فَأجَاب بِأَن الْحِنْث إِنَّمَا هُوَ (للْعُرْف فِي مثله) فَإِنَّهُ يُقَال فِيهِ عرفا (تَوَضَّأ من الرعاف) إِذا توَسط الرعاف بَين الْوضُوء وَالسَّبَب الآخر (وَغَيره) من أَسبَاب الْحَدث: أَي يُقَال عرفا تَوَضَّأ من الْبَوْل مثلا إِذا توَسط بَين الْوضُوء وَالسَّبَب الآخر، والأيمان مَبْنِيَّة على الْعرف فَإِن قلت لَا نسلم كَون الْعرف مَا ذكرت، بل الظَّاهِر أَن الْأَمر بِالْعَكْسِ قلت: قد اشْتهر فِيمَا بَين النَّاس أَن الْحَدث فِي مثل هَذِه الصُّورَة مُضَاف إِلَى السَّبَب الآخر. هَذَا وَلم يظْهر لي كَون الثَّانِي سَببا للْحَدَث، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يحدث بِالسَّبَبِ إِذا كَانَ الْمحل مَوْصُوفا بِالطَّهَارَةِ، وَلَا شكّ أَنه لَيْسَ بموصوف بهَا فِي تحقق الثَّانِي، فِي الشَّرْح العضدي اتَّفقُوا على أَنَّهَا إِذا ترتبت حصل الحكم بِالْأولَى، وَأما إِذا اجْتمعت مَعًا دفْعَة كمن مس ولمس وبال مَعًا فقد اخْتلفُوا، وَالْمُخْتَار أَن كل وَاحِد عِلّة مُسْتَقلَّة (قيل وَالْخلاف فِي الْوَاحِد بالشخص)
стр. 1055
كَمَا نَقله التَّفْتَازَانِيّ عَن الْآمِدِيّ (والمخالف يمنعهُ) أَي يمْنَع كَون الحكم وَاحِد بالشخص (فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة) يَعْنِي الْحَدث المتعدد علته كالبول والرعاف والمذى (وَالظَّاهِر بعده) أَي بعد مثل هَذَا التدقيق الفلسفي (من الشَّرْع) فَإِن قلت لزم فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة اجْتِمَاع الْعِلَل على الحكم الْوَاحِد بالشخص شرعا فَمَا معنى بعده قلت هَذَا حكم اقتضته العمومات وَالْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي اعْتِبَار الْوحدَة الشخصية فِي مَحل النزاع، وَهُوَ أَن الحكم الْوَاحِد هَل يكون لَهُ علل أم لَا وَالْحَاصِل أَن الْبعد فِي اعْتِبَار الْعِلَل للْحكم الشخصي ابْتِدَاء لَا فِي لُزُومهَا للشخصي بعد اعْتِبَارهَا عُمُوما (وشخصية مُتَعَلّقه) أَي الحكم كَمَا عز مثلا فَإِنَّهُ شخص معِين ثَبت حكم الزِّنَا فِي حَقه ابْتِدَاء (لَا توجبه) أَي لَا توجب تشخص الحكم، لِأَن ثُبُوته فِي ذَلِك الشَّخْص لَيْسَ بِاعْتِبَار خصوصيته (بل) من حَيْثُ أَنه فَرد من أَفْرَاد مَحل الْعلَّة كَالزِّنَا، وَإِلَّا لاختص حكم الزِّنَا بِمَا عز، بل يُوجب تشخص الحكم (مَا) أَي دَلِيل يَقْتَضِيهِ (كَشَهَادَة خُزَيْمَة) أَي كتشخص حكم شَهَادَته، وَهُوَ الِاكْتِفَاء بهَا وَحدهَا لدليله، وَهُوَ كَونه مُنْفَردا بَين الصَّحَابَة، يفهم أَن جَوَاز الشَّهَادَة للنَّبِي ﷺ بِمُجَرَّد إخْبَاره من غَيره حُضُور فِي تِلْكَ الْبيعَة، وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْفِرَاده فِي الِاكْتِفَاء إِكْرَاما لَهُ (وَلَا يَتَعَدَّد فِي مثله) أَي فِي مثل مَا ذكر من شَهَادَة خُزَيْمَة (علل) لِأَن عِلّة الحكم فِيهِ أَمر شخصي لَا تعدد فِيهِ أصلا (وَأما الِاسْتِدْلَال) بِأَنَّهُ (لَو امْتنع) تعدد الْعلَّة (امْتنع تعدد الْأَدِلَّة فقد منعت الْمُلَازمَة) أَي لَا نسلم أَن امْتنَاع تعدد الْعلَّة يسْتَلْزم امْتنَاع الْأَدِلَّة منعا مُسْتَندا (بِأَن الْأَدِلَّة الباعثة) وَهُوَ الْعِلَل (أخص) من الْأَدِلَّة الْمُطلقَة، وَلَا يلْزم من امْتنَاع الْأَخَص امْتنَاع الْأَعَمّ. (المانعون) تعدد الْعلَّة قَالُوا (لَو تعدّدت) الْعِلَل (لزم التَّنَاقُض، وَهُوَ) أَي التَّنَاقُض (الِاسْتِقْلَال) بالعلية (وَعَدَمه) أَي عدم الِاسْتِقْلَال بهَا (للثبوت) أَي لثُبُوت الحكم (بِكُل) من ذَلِك المتعدد (بِلَا حَاجَة إِلَى غَيره وَهُوَ) أَي ثُبُوت الحكم بِهِ من غير حَاجَة إِلَى الْغَيْر (الِاسْتِقْلَال وَعَدَمه) أَي عدم الثُّبُوت (لاستقلال غَيره بِهِ) تَعْلِيل لعدم استقلاله، لَكِن على وَجه يلْزم مِنْهُ عدم مدخليته فِي الحكم بِالْكُلِّيَّةِ فضلا عَن الِاسْتِقْلَال بِهِ، وَهَذَا تنَاقض فِي جَانب الْعلَّة (واستغناء الْمحل) أَي مَحل الحكم (فِي ثُبُوت الحكم لَهُ عَن كل) من الْعِلَل (بِالْآخرِ) أَي بِالْعِلَّةِ الْأُخْرَى لاستقلاله فِي حُصُول الحكم للمحل، والتذكير بِاعْتِبَار كَونه وَصفا (وَعَدَمه) أَي عدم اسْتغْنَاء الْمحل فِي ثُبُوت الحكم لَهُ عَن كل ضَرُورَة احْتِيَاج الْمَعْلُول إِلَى علته التَّامَّة، وَهَذَا تنَاقض فِي جَانب الْمحل (مُطلقًا) مُتَعَلق بِكُل من الِاسْتِقْلَال والاستغناء وَعَدَمه (والثبوت بهما) أَي العلتين لكَون كل مِنْهُمَا عِلّة تَامَّة والثبوت (لَا بهما) بِاعْتِبَار أَن كلا مِنْهُمَا اسْتغنى عَنهُ بِاعْتِبَار مُلَاحظَة الْأُخْرَى
следующие страницы →