Полный текст (1 287 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
سَبَب الْبطلَان.
وَأَنت خَبِير بِأَن الأولى حِينَئِذٍ ذكر الْمُسَاوَاة ليعلم مِنْهُ الرجحان بِالطَّرِيقِ الأولى، ثمَّ اسْتثْنى من جملَة لمواضع الَّتِي علم فِيهَا رُجْحَان المنقوضة فِيهَا بقوله (إِلَّا أَن شرع) فِي ذَلِك الْموضع (حكم أليق بهَا) أَي بِتِلْكَ الْحِكْمَة (كالقطع بِالْقطعِ) كَقطع الْيَد بِقطع الْيَد (لحكمة الزّجر) عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ (تخلف) الْقطع الَّذِي هُوَ الحكم عَن الْحِكْمَة الَّتِي هِيَ الزّجر (فِي الْقَتْل) الْعمد مَعَ أَن الْحِكْمَة فِيهِ أرجح (لشرع مَا هُوَ أنسب بِهِ) أَي بِالْقَتْلِ الْعمد (وَهُوَ) أَي مَا هُوَ أنسب (الْقَتْل) قصاصا (وَأَنت إِذْ علمت أَن الْحِكْمَة الْمُعْتَبرَة) عِنْد الشَّارِع (ضبطت شرعا) بمظنة خَاصَّة وَهُوَ الْوَصْف الظَّاهِر المنضبط، وَذَلِكَ لعسر ضبط نفس الْحِكْمَة وَتعذر تعْيين قدرهَا (لم تكد تقف على الْجَزْم) أَي تجزم أَلْبَتَّة (بِأَن التَّخَلُّف) أَي تخلف الحكم (عَن مثلهَا) أَي عَن مثل حكمته (أَو) عَن أَمر (أكبر) من حكمته لرجحانه عَلَيْهَا فِي الْمَعْنى الَّذِي صَارَت بِاعْتِبَارِهِ باعثا لشرع الحكم (مِمَّا لم يدْخل تَحت ضابطها) بَيَان لكل وَاحِد من الْمثل والأكبر المتخلف عَنهُ الحكم، وَالْمرَاد بضابط الْحِكْمَة الْوَصْف الظَّاهِر المنضبط الَّذِي أَقَامَهُ الشَّرْع مقَامهَا لظُهُوره وانضباطه دونهَا لما مر، وَلَو كَانَ ذَلِك التَّخَلُّف (بِلَا مَانع) عَن ترَتّب الحكم عَلَيْهِ لَا ينْقض التَّخَلُّف الْمَذْكُور عليتها: أَي الْحِكْمَة، قَوْله لَا ينْقض خبر أَن فِي قَوْله بِأَن التَّخَلُّف خُصُوصا إِذا (كَانَت) الْحِكْمَة (مومى إِلَيْهَا) فِي الْكتاب أَو السّنة: مثل إِيمَاء قَوْله تَعَالَى فِي رخصَة الْإِفْطَار فِي السّفر - ﴿أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ - بعد قَوْله - ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون أَيَّامًا معدودات فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا﴾ - فَإِنَّهُ يُومِئ إِلَى علية وصف السّفر لرخصة الْإِفْطَار وَقَضَاء الصَّوْم فِي أَيَّام أخر (لِأَن الْحِكْمَة الْمُعْتَبرَة شرعا مثلا مشقة السّفر بِخُصُوصِهِ) تَعْلِيل لعدم نقض عليتها وَحَاصِله أَن الشَّرْع لم يعْتَبر إِلَّا علية مشقة السّفر بِخُصُوصِهِ، وَلم يعْتَبر مُطلق الْمَشَقَّة، وَلَا يتَوَجَّه النَّقْض إِلَّا عِنْد تخلف الحكم عَن الْعلَّة الْمُعْتَبرَة شرعا فَقَوله وَأَنت إِذا علمت الخ تَحْقِيق للمقام من المُصَنّف وَقَوله وَلَو فرض الخ كَلَام الْقَوْم (أَلا ترى أَن الْبكارَة عِلّة الِاكْتِفَاء فِي الْإِذْن بِالسُّكُوتِ) فِي النِّكَاح، الظرفان الْأَوَّلَانِ متعلقان بالاكتفاء وَالثَّالِث بِالْإِذْنِ، وَيجوز أَن يتَعَلَّق بالاكتفاء (لحكمة الْحيَاء) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قلت أَن الْبكر تَسْتَحي فتسكت قَالَ سكُوتهَا إِذْنهَا (وَلَو فرض ثيب أوفر حَيَاء من الْبكر (أَو سَبَب اقْتَضَاهُ) مَعْطُوف على ثيب، وَالْمعْنَى وَلَو فرض سَبَب فِي الثّيّب اقْتضى حَيَاء) أوفر من حَيَاء الْبكر (كزنا اشْتهر) فِي ثيب فَتَسْتَأْذِن فِي نِكَاح من اشْتهر بزناها (لم يكتف بسكوتها) أَي بسكوت الثّيّب فِي الصُّورَتَيْنِ (إِجْمَاعًا فَتخلف) حكم الِاكْتِفَاء بِالسُّكُوتِ
стр. 1052
عَمَّا هُوَ أكبر من حكمته (وَلم تبطل علية الْبكارَة) إِجْمَاعًا (وَمَا ذَاك) أَي عدم بُطْلَانهَا وأمثالها (إِلَّا لِأَن الْحِكْمَة حَيْثُ ضبطت بالبكارة) لانضباطها وَعدم انضباط الْحيَاء من حَيْثُ الْقدر (كَانَت الْعلَّة بِالْحَقِيقَةِ حَيَاء الْبكر فَلم يلْزم فِي حَيَاء فَوْقه) أَي فَوق حَيَاء الْبكر (ثُبُوت الحكم) وَهُوَ الِاكْتِفَاء الْمَذْكُور (مَعَه) أَي مَعَ ذَلِك الْحيَاء الَّذِي هُوَ فَوق حَيَاء الْبكر (لعدم دَلِيله) أَي دَلِيل اعْتِبَار ذَلِك الْحيَاء الأوفر شرعا (بِخُصُوصِهِ فَلَا تنْتَقض الْعلَّة) وَهِي الْبكارَة (بنقضه) أَي بِنَقْض حَيَاء الْبكر، لِأَنَّهُ لم ينْتَقض لعدم تحَققه فِي مَادَّة النَّقْض وَإِن سمينا توهم النَّقْض نقضا فَالْمَعْنى لَا تنْتَقض الْعلَّة بِهَذَا النَّقْض الموهوم (لِأَنَّهُ) أَي ذَلِك الْحيَاء الأوفر (غير) الْحيَاء (الْمُعْتَبر) شرعا فِي الحكم الْمَذْكُور (وَأما النَّقْض المكسور وَهُوَ نقض بعض) الْعلَّة (المركبة على اعْتِبَار استقلاله) أَي الْبَعْض المنقوض (بالحكمة) لاشْتِمَاله كاشتمال الْكل عَلَيْهَا (كَمَا لَو قَالَ) الشَّافِعِي (فِي منع بيع الْغَائِب) هُوَ بيع فِيهِ مَبِيع (مَجْهُول الصّفة فَلَا يَصح كَبيع عبد بِلَا تعْيين فنقض المجهولية) الَّتِي هِيَ بعض من الْعلية، وَهُوَ الْمَجْمُوع الْمركب من المبيعية والمجهولية على اعْتِبَار استقلالها بالحكمة الَّتِي هِيَ الْإِفْضَاء إِلَى الْمُنَازعَة (بتزوج من لم يرهَا) لتحَقّق المجهولية فِي هَذَا العقد (مَعَ الصِّحَّة) فقد تحقق جُزْء الْعلَّة المستقل بالحكمة، وتخلف عَنهُ الحكم وَهُوَ عدم الصِّحَّة (وَحذف) على صِيغَة الْمَاضِي الْمَجْهُول مَعْطُوف على نَظِيره، وَهُوَ قَوْله نقض، ونائب الْفَاعِل قَوْله (الْمَبِيع) أَي نقض بعض أَجزَاء الْعلَّة وَهُوَ قَوْله مَجْهُول الصِّيغَة وَحذف بَعْضهَا: وَهُوَ قَوْله مَبِيع (وَالْمُخْتَار لَا يمْنَع) أَي اخْتلف فِي منع النَّقْض الْمَذْكُور صِحَة الْعلَّة، قيل يمْنَع، وَالْمُخْتَار أَنه لَا يمْنَع صِحَّتهَا وَهَذَا عِنْد الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَالْمُصَنّف وَغَيرهم (لِأَنَّهَا) أَي الْعلَّة (الْمَجْمُوع) الْمركب (وَلم ينْقض) الْمَجْمُوع (فَلَو أضَاف) الْقَائِل بِالْمَنْعِ أَو الناقض (إِلَيْهِ) أَي إِلَى نقض الْبَعْض (إِلْغَاء الْمَتْرُوك) أَي الْمَحْذُوف وَقَالَ لَا دخل فِي الْعلية كَمَا أَشَارَ بقوله (بِأَن قَالَ الْجَهَالَة) الْمَذْكُورَة فِي الْعلَّة (مُسْتَقلَّة بالمناسبة) الْمُوجبَة للعلية (وَلَا دخل لكَونه) أَي الْمَعْقُود عَلَيْهِ (مَبِيعًا صَحَّ) جَوَاب لَو: أَي صَحَّ النَّقْض الْمَذْكُور لوروده على مَا هُوَ الْعلَّة فِي الْحَقِيقَة إِذْ لَا دخل للملغي فِي الْعلية، وَإِذا صَحَّ النَّقْض بَطل الْعلية (وَحَاصِله) أَي حَاصِل النَّقْض بعد مَا أضَاف إِلَيْهِ أَنه (إِن عنيت) أَيهَا الْمُسْتَدلّ بِمَا جعلته عِلّة فِي قياسك (الْمَجْمُوع لم يَصح) مَا عنيت (لإلغاء الملغي، أَو) عنيت بهَا (مَا سواهُ) أَي مَا سوى الملغى (فَكَذَا) لَا يَصح مَا عنيت (للنقض) أَي لوُرُود النَّقْض على مَا جعلته عِلّة، وَهُوَ مَا سوى الملغي. (وَمِنْهَا) أَي من شُرُوط الْعلَّة (انعكاسها) أَي الْعلَّة (عِنْد قوم وَهُوَ) أَي انعكاسها (انْتِفَاء الحكم لانتفائها) أَي الْعلَّة، وَإِنَّمَا يلْزم: أَي انْتِفَاء الحكم لانْتِفَاء الْعلَّة (لمنع تعدد) الْعلَّة (المستقلة فينتفى) الحكم الَّذِي هُوَ مدلولها علته المستقلة الْمَخْصُوصَة (لانْتِفَاء خُصُوص هَذَا الدَّلِيل
стр. 1053
وَهُوَ) أَي هَذَا الدَّلِيل (الْعلَّة إِذْ لَا يكون الحكم بِلَا باعث) وَلم يكن لَهُ باعث سوى الْمَفْرُوض انتفاؤه وَعدم كَونه بِلَا باعث إِمَّا أَن يكون (تفضلا) من الله سُبْحَانَهُ ليهتدوا بذلك الْبَاعِث إِلَى الحكم، أَو يكون وجوبا كَمَا قَالَه الْمُعْتَزلَة بِنَاء على مسئلة وجوب الْأَصْلَح عَلَيْهِ، تَعَالَى شَأْنه عَن ذَلِك، وَلَيْسَ المُرَاد من كلمة أَو التَّسْوِيَة بَينهمَا، بل تَقْسِيم مَا ذهب إِلَيْهِ الأصولي (وَالْمُخْتَار جَوَاز التَّعَدُّد) فِي الْعلَّة الباعثة (مُطلقًا) منصوصة كَانَت أَو مستنبطة (والوقوع) مَعْطُوف على الْجَوَاز (فَلَا يشْتَرط انعكاسها) أَي الْعلَّة كَيفَ وَانْتِفَاء عِلّة بِعَينهَا لَا يسْتَلْزم انتفاءها مُطلقًا فَيجوز أَن يتَحَقَّق بغَيْرهَا من الْعِلَل فَلَا يلْزم أَنه كلما انْتَفَى الْعلَّة الْمعينَة يَنْتَفِي الحكم. جوز (القَاضِي) أَبُو بكر تعددها (فِي المنصوصة لَا المستنبطة، وَقيل عَكسه) أَي يجوز فِي المستنبطة لَا المنصوصة. قَالَ (الإِمَام) يَعْنِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ (يجوز) التَّعَدُّد (وَلم يَقع لنا) على الْمُخْتَار جَوَاز التَّعَدُّد ووقوعه (أَن الْبَوْل والمذى والرعاف) وَهِي أُمُور مُخْتَلفَة الْحَقِيقَة (ثمَّ كل) مِنْهَا (يُوجب الْحَدث) إِذا تحققت مَعًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إِسْنَاد الْإِيجَاب إِلَى أَحدهَا دون الآخر تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، بِخِلَاف مَا إِذا تحققت متعاقبة فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُضَاف إِلَى الأول لَا الثَّانِي، وَألا يلْزم تَحْصِيل الْحَاصِل فَتَأمل (وَهُوَ) أَي إِيجَاب الْحَدث (الِاسْتِقْلَال) فالعلية فَكل مِنْهَا عِلّة مُسْتَقلَّة للْحَدَث، وَهُوَ حكم وَاحِد (وَكَذَا الْقَتْل) عُدْوانًا (وَالرِّدَّة تحله) أَي الْقَتْل فَكل مِنْهُمَا عِلّة مُسْتَقلَّة لَهُ (فَإِن منع اتِّحَاد الحكم) وَيُقَال (بل وجوب الْقَتْل قصاصا) بعلة الْقَتْل عُدْوانًا (غَيره) أَي غير وُجُوبه (بِالرّدَّةِ وَلذَا) أَي وللمغايرة بَينهمَا (انْتَفَى) كل مِنْهُمَا (ب) مسْقط ك (الْعَفو) من الْمولى فِي الْقَتْل قصاصا (أَو الْإِسْلَام) فِي قتل الرِّدَّة (وَبَقِي) الْقَتْل ل (لآخر) يَعْنِي انْتَفَى الْقَتْل الْقصاص وَبَقِي الْقَتْل للردة، وَبِالْعَكْسِ (عورض) كل مِنْهُمَا جَوَاب الشَّرْط: أَي عورض دَلِيل الْمَانِع اتِّحَاد الحكم بِأَنَّهُ (لَو تعدّدت) الْأَحْكَام فِي أَمْثَال ذَلِك (كَانَ) تعددها (بالإضافات) إِلَى أدلتها (إِذْ لَيْسَ مَا بِهِ الِاخْتِلَاف) فِيهَا (سواهُ) أَي سوى مَا ذكر من الإضافات (وَاللَّازِم بَاطِل لِأَن الإضافات لَا توجب تعددا فِي ذَات الْمُضَاف وَإِلَّا لوَجَبَ لكل حدث وضوء) لكَون الْحَدث الْحَاصِل بِسَبَب الْبَوْل مثلا حِينَئِذٍ غير الْحَاصِل بالرعاف، فبارتفاع الأول لَا يرْتَفع الثَّانِي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَكَانَ) اسْمه ضمير الشَّأْن وَخَبره (يرْتَفع أَحدهَا وَيبقى الآخر، ثمَّ الْجَواب) عَن لُزُوم الْوضُوء لكل حدث (أَن ذَلِك) أَي بِأَن ارْتِفَاع أَحدهمَا وَبَقَاء الآخر وَعَدَمه مفوض (إِلَى الشَّرْع فَجَاز أَن يعْتَبر التلازم بَين مسببات فِي الأرتفاع) فيستلزم ارْتِفَاع حدث الْبَوْل مثلا ارْتِفَاع حدث الرعاف (وَلَا يعْتَبر) التلازم (فِي) مسببات (أُخْرَى) فَلَا يسْتَلْزم ارْتِفَاع الْقَتْل بِسَبَب الْقَتْل مثلا ارتفاعه بِسَبَب الرِّدَّة (كَلَام على السَّنَد) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي قَوْله وَالْجَوَاب، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن قَول عورهض إِلَى آخِره منع
стр. 1054
وَسَنَد، وَإِطْلَاق الْمُعَارضَة على سَبِيل الِاسْتِعَارَة تَشْبِيها لَهَا بالمعارضة الْحَقِيقِيَّة بِاعْتِبَار دلَالَة السَّنَد على خلاف مَا يدل عَلَيْهِ دَلِيل الْمُسْتَدلّ فَكَأَنَّهُ أَقَامَ الدَّلِيل على خلاف مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْخصم وَيلْزمهُ قَوْله: فَإِن منع على الْمُعَارضَة فِي الْمُقدمَة فَإِن قلت للخصم أَن يَقُول مرادي الْمَنْع لِئَلَّا يرد عَلَيْهِ الْمَنْع قلت لَا يَنْفَعهُ، لِأَن سَنَده مسَاوٍ للْمَنْع فإبطاله إِثْبَات للمقدمة الممنوعة فتتم حجَّة الْمُسْتَدلّ الأول فَافْهَم (وَالْمَطْلُوب وَهُوَ الْمُعَارضَة الْمَذْكُورَة) عدم التَّعَدُّد فِي ذَات الْمُضَاف بالإضافات (ثَابت دونه) أَي بِدُونِ السَّنَد الْمَذْكُور، فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى كَونه سندا أخص، فَإِن إبِْطَال السَّنَد الْأَخَص غير موجه فِي الإضافات بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ مُسَاوِيا للْمَنْع فَإِنَّهُ موجه لاستلزام إِبْطَاله بطلَان الْمَنْع فَتثبت الْمُقدمَة الممنوعة (للْقطع بِأَن تعدد الْإِضَافَة لَا يُوجِبهُ) أَي التَّعَدُّد (فِي ذَاته) أَي الْمُضَاف (وَثُبُوت ارْتِفَاع بَعْضهَا) أَي بعض المسببات (دون بعض فِي صُورَة) دون أُخْرَى كارتفاع الْقَتْل بِسَبَب الرِّدَّة مثلا مَعَ بَقَاء الْقَتْل بِسَبَب الْقَتْل (إِنَّمَا يَكْفِي دَلِيلا على التَّعَدُّد) أَي تعدد الْمُضَاف (فِيهَا) أَي فِي صُورَة ارْتَفع فِيهَا الْبَعْض دون الْبَعْض (لَا فِي غَيرهَا) أَي لَا يَكْفِي دَلِيلا على التَّعَدُّد فِي صُورَة أُخْرَى غير تِلْكَ الصُّورَة (كَمَا فِي الْقَتْل) تَمْثِيل للصورة الأولى (لِأَن أَحدهمَا) أَي أحد المسببين وَهُوَ الْقَتْل بِسَبَب الرِّدَّة (حق الله تَعَالَى، وَالْآخر) وَهُوَ الْقَتْل بِسَبَب الْقَتْل (حق العَبْد) وَلَا وَجه لارْتِفَاع حق العَبْد بِسَبَب ارْتِفَاع حق الله تَعَالَى (وَمَا) روى (عَن أبي حنيفَة) من أَنه إِذا (حلف لَا يتَوَضَّأ من الرعاف فَبَال، ثمَّ رعف ثمَّ تَوَضَّأ حنث لَا يشكل مَعَ قَوْله باتحاد الحكم) جَوَاب سُؤال، وَهُوَ أَن أَبَا حنيفَة يَقُول باتحاد الحكم عِنْد تعدد الْأَسْبَاب وَمُقْتَضَاهُ أَن لَا يَحْنَث فِي الْحلف الْمَذْكُور لِأَن الْحَدث الْحَاصِل بالرعاف عين الْحَاصِل بالبول، فَالظَّاهِر أَنه يُقَال فِي حَقه أَنه تَوَضَّأ من الْبَوْل لسبقه بِالِاسْتِحْقَاقِ للإضافة أَو تَوَضَّأ عَنْهُمَا جَمِيعًا لاشْتِرَاكهمَا فِي السبقية، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يصدق عَلَيْهِ أَنه تَوَضَّأ من الرعاف، فَأجَاب بِأَن الْحِنْث إِنَّمَا هُوَ (للْعُرْف فِي مثله) فَإِنَّهُ يُقَال فِيهِ عرفا (تَوَضَّأ من الرعاف) إِذا توَسط الرعاف بَين الْوضُوء وَالسَّبَب الآخر (وَغَيره) من أَسبَاب الْحَدث: أَي يُقَال عرفا تَوَضَّأ من الْبَوْل مثلا إِذا توَسط بَين الْوضُوء وَالسَّبَب الآخر، والأيمان مَبْنِيَّة على الْعرف فَإِن قلت لَا نسلم كَون الْعرف مَا ذكرت، بل الظَّاهِر أَن الْأَمر بِالْعَكْسِ قلت: قد اشْتهر فِيمَا بَين النَّاس أَن الْحَدث فِي مثل هَذِه الصُّورَة مُضَاف إِلَى السَّبَب الآخر. هَذَا وَلم يظْهر لي كَون الثَّانِي سَببا للْحَدَث، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يحدث بِالسَّبَبِ إِذا كَانَ الْمحل مَوْصُوفا بِالطَّهَارَةِ، وَلَا شكّ أَنه لَيْسَ بموصوف بهَا فِي تحقق الثَّانِي، فِي الشَّرْح العضدي اتَّفقُوا على أَنَّهَا إِذا ترتبت حصل الحكم بِالْأولَى، وَأما إِذا اجْتمعت مَعًا دفْعَة كمن مس ولمس وبال مَعًا فقد اخْتلفُوا، وَالْمُخْتَار أَن كل وَاحِد عِلّة مُسْتَقلَّة (قيل وَالْخلاف فِي الْوَاحِد بالشخص)
стр. 1055
كَمَا نَقله التَّفْتَازَانِيّ عَن الْآمِدِيّ (والمخالف يمنعهُ) أَي يمْنَع كَون الحكم وَاحِد بالشخص (فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة) يَعْنِي الْحَدث المتعدد علته كالبول والرعاف والمذى (وَالظَّاهِر بعده) أَي بعد مثل هَذَا التدقيق الفلسفي (من الشَّرْع) فَإِن قلت لزم فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة اجْتِمَاع الْعِلَل على الحكم الْوَاحِد بالشخص شرعا فَمَا معنى بعده قلت هَذَا حكم اقتضته العمومات وَالْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي اعْتِبَار الْوحدَة الشخصية فِي مَحل النزاع، وَهُوَ أَن الحكم الْوَاحِد هَل يكون لَهُ علل أم لَا وَالْحَاصِل أَن الْبعد فِي اعْتِبَار الْعِلَل للْحكم الشخصي ابْتِدَاء لَا فِي لُزُومهَا للشخصي بعد اعْتِبَارهَا عُمُوما (وشخصية مُتَعَلّقه) أَي الحكم كَمَا عز مثلا فَإِنَّهُ شخص معِين ثَبت حكم الزِّنَا فِي حَقه ابْتِدَاء (لَا توجبه) أَي لَا توجب تشخص الحكم، لِأَن ثُبُوته فِي ذَلِك الشَّخْص لَيْسَ بِاعْتِبَار خصوصيته (بل) من حَيْثُ أَنه فَرد من أَفْرَاد مَحل الْعلَّة كَالزِّنَا، وَإِلَّا لاختص حكم الزِّنَا بِمَا عز، بل يُوجب تشخص الحكم (مَا) أَي دَلِيل يَقْتَضِيهِ (كَشَهَادَة خُزَيْمَة) أَي كتشخص حكم شَهَادَته، وَهُوَ الِاكْتِفَاء بهَا وَحدهَا لدليله، وَهُوَ كَونه مُنْفَردا بَين الصَّحَابَة، يفهم أَن جَوَاز الشَّهَادَة للنَّبِي ﷺ بِمُجَرَّد إخْبَاره من غَيره حُضُور فِي تِلْكَ الْبيعَة، وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْفِرَاده فِي الِاكْتِفَاء إِكْرَاما لَهُ (وَلَا يَتَعَدَّد فِي مثله) أَي فِي مثل مَا ذكر من شَهَادَة خُزَيْمَة (علل) لِأَن عِلّة الحكم فِيهِ أَمر شخصي لَا تعدد فِيهِ أصلا (وَأما الِاسْتِدْلَال) بِأَنَّهُ (لَو امْتنع) تعدد الْعلَّة (امْتنع تعدد الْأَدِلَّة فقد منعت الْمُلَازمَة) أَي لَا نسلم أَن امْتنَاع تعدد الْعلَّة يسْتَلْزم امْتنَاع الْأَدِلَّة منعا مُسْتَندا (بِأَن الْأَدِلَّة الباعثة) وَهُوَ الْعِلَل (أخص) من الْأَدِلَّة الْمُطلقَة، وَلَا يلْزم من امْتنَاع الْأَخَص امْتنَاع الْأَعَمّ. (المانعون) تعدد الْعلَّة قَالُوا (لَو تعدّدت) الْعِلَل (لزم التَّنَاقُض، وَهُوَ) أَي التَّنَاقُض (الِاسْتِقْلَال) بالعلية (وَعَدَمه) أَي عدم الِاسْتِقْلَال بهَا (للثبوت) أَي لثُبُوت الحكم (بِكُل) من ذَلِك المتعدد (بِلَا حَاجَة إِلَى غَيره وَهُوَ) أَي ثُبُوت الحكم بِهِ من غير حَاجَة إِلَى الْغَيْر (الِاسْتِقْلَال وَعَدَمه) أَي عدم الثُّبُوت (لاستقلال غَيره بِهِ) تَعْلِيل لعدم استقلاله، لَكِن على وَجه يلْزم مِنْهُ عدم مدخليته فِي الحكم بِالْكُلِّيَّةِ فضلا عَن الِاسْتِقْلَال بِهِ، وَهَذَا تنَاقض فِي جَانب الْعلَّة (واستغناء الْمحل) أَي مَحل الحكم (فِي ثُبُوت الحكم لَهُ عَن كل) من الْعِلَل (بِالْآخرِ) أَي بِالْعِلَّةِ الْأُخْرَى لاستقلاله فِي حُصُول الحكم للمحل، والتذكير بِاعْتِبَار كَونه وَصفا (وَعَدَمه) أَي عدم اسْتغْنَاء الْمحل فِي ثُبُوت الحكم لَهُ عَن كل ضَرُورَة احْتِيَاج الْمَعْلُول إِلَى علته التَّامَّة، وَهَذَا تنَاقض فِي جَانب الْمحل (مُطلقًا) مُتَعَلق بِكُل من الِاسْتِقْلَال والاستغناء وَعَدَمه (والثبوت بهما) أَي العلتين لكَون كل مِنْهُمَا عِلّة تَامَّة والثبوت (لَا بهما) بِاعْتِبَار أَن كلا مِنْهُمَا اسْتغنى عَنهُ بِاعْتِبَار مُلَاحظَة الْأُخْرَى
стр. 1056
وَهَذَا تنَاقض فِي جَانب الحكم (فِي الْمَعِيَّة) على تَقْدِير اجْتِمَاع العلتين بِحَسب الزَّمَان فِي التَّأْثِير (وَتَحْصِيل الْحَاصِل فِي) صُورَة (التَّرْتِيب) وَعدم اجْتِمَاعهمَا فِي الزَّمَان، فَإِن الحكم يتَحَقَّق على هَذَا التَّقْدِير بِالْأولَى، وتحققه بِالثَّانِيَةِ تَحْصِيل الْحَاصِل (وَالْجَوَاب) منع لُزُوم التَّنَاقُض الَّذِي هُوَ اجْتِمَاع النقيضين فِي الْوُجُود بِحَسب نفس الْأَمر و (الِاسْتِقْلَال) الَّذِي يلْزم على تَقْدِير تعدد الْعلَّة إِنَّمَا هُوَ (كَونهَا) أَي الْعلَّة (بِحَيْثُ إِذا انْفَرَدت ثَبت) الحكم (بهَا: أَي عِنْدهَا) لِأَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَا تَأْثِير لَهَا فِي وجود الْمَعْلُول فِي الْحَقِيقَة، وَمعنى عليتها مَا ذكر (و) هَذِه (الْحَيْثِيَّة) الْمعبر عَنْهَا بالكون الْمَذْكُور ثَابِتَة (لَهَا فِي) صُورَة (الْمَعِيَّة و) فِي صُورَة (التَّرْتِيب) ونقيض هَذِه الْحَيْثِيَّة، وَهُوَ كَونهَا بِحَيْثُ إِذا انْفَرَدت لَا يثبت بهَا الحكم غير ثَابِتَة فَلَا تنَاقض، فقد عرفت أَن الِاسْتِقْلَال بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (لَا بِمَعْنى إفادتها) أَي الْعِلَل (الْوُجُود) أَي وجود الْمَعْلُول فِي الْخَارِج (كالعقلية) أَي كإفادة الْعِلَل الْعَقْلِيَّة للوجود (عِنْد الْقَائِل بِهِ) أَي بِمَا ذكر من إفادتها الْوُجُود، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن الْوُجُود عِنْد أهل الْحق لَا يفِيدهُ إِلَّا الْفَاعِل الْمُخْتَار جلّ ذكره (فَانْتفى الْكل) أَي جَمِيع مَا ذكر من التَّنَاقُض وَتَحْصِيل الْحَاصِل على التَّفْصِيل الَّذِي عَرفته (قَالُوا) أَي المانعون تعدد الْعلَّة (أَيْضا أَجمعُوا) أَي الْأَئِمَّة (على التَّرْجِيح فِي عِلّة الرِّبَا) أَهِي (الْقدر وَالْجِنْس أَو الطّعْم أَو الأقتيات، وَهُوَ) أَي التَّرْجِيح (فرع صِحَة اسْتِقْلَال كل) من الْأُمُور الْمَذْكُورَة، إِذْ لَو لم يَصح اسْتِقْلَال كل وَاحِد مِنْهَا بالعلية لَا معنى لترجيحه، بل يجب حِينَئِذٍ أَن يضم إِلَيْهِ أَمر آخر وَيجْعَل الْمَجْمُوع عِلّة (و) أَيْضا فرع (لُزُوم انْتِفَاء التَّعَدُّد) إِذْ لَو جَازَ التَّعَدُّد لقالوا بِهِ وَلم يتعلقوا بالترجيح لتعيين وَاحِد نفي مَا سواهُ (وَالْجَوَاب أَنه) أَي التَّرْجِيح الْمجمع عَلَيْهِ (للْإِجْمَاع على أَنَّهَا) أَي الْعلَّة (هُنَا) أَي فِي الرِّبَا (إِحْدَاهَا) أَي إِحْدَى الْعِلَل الْمَذْكُورَة فَقَط (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْإِجْمَاع على هَذَا الْوَجْه (جعلوها) أَي الْعلَّة (الْكل) أَي الْمَجْمُوع، لِأَن الْمَفْرُوض أَنهم يُرِيدُونَ صَلَاحِية كل للعلية، وَلَا دَلِيل على إِلْغَاء وَاحِد مِنْهَا فَوَجَبَ اعْتِبَارهَا، وَذَلِكَ بالْقَوْل بالجزئية، سِيمَا عِنْد عدم ظُهُور وَجه التَّرْجِيح. لَا يُقَال إِذا كَانَ الْمُخْتَار عنْدكُمْ جَوَاز تعدد الْعلَّة فاجعلوا كل وَاحِدَة مِنْهَا عِلّة مُسْتَقلَّة. لأَنا نقُول: مرادنا من التَّعَدُّد مَا ذكر من كَون كل وَاحِدَة بِحَيْثُ إِذا انْفَرَدت ثَبت بهَا لاجتماعها فِي إِفَادَة الحكم بِأَن يكون كل وَاحِدَة مُسْتَقلَّة فِي الإفادة فَإِنَّهُ محَال. قَالَ (القَاضِي) فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من جَوَاز التَّعَدُّد فِي المنصوصة دون المستنبطة (إِذا نَص على اسْتِقْلَال كل) أَي كل وَاحِد (من مُتَعَدد) بالعلية (فِي مَحل و) الْحَال أَنه (لَا مَانع مِنْهُ) إِذْ لَا مَانع من أَن يعين الله سُبْحَانَهُ للْحكم أمارتين (ارْتَفع احْتِمَال التَّرْكِيب) أَي كَون الْعلَّة مَجْمُوع ذَلِك المتعدد (و) كَون كل وَاحِد
стр. 1057
مِنْهُ جُزْءا مِنْهَا (مَا لم ينص مَعَ الصلاحية بِأحد الْأَمريْنِ من الْجُزْئِيَّة والاستقلال) أَي وَمَا دَامَ لم ينص فِي المتعدد بِأحد الْأَمريْنِ وهما جزئية كل وَاحِد مِنْهُ واستقلاله فِي الْعلية مَعَ صَلَاحِية كل وَاحِد للعلية، وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى وكل مُتَعَدد لم ينص فِيهِ إِلَى آخر مَا ذكرنَا (فتعيين أَحدهمَا) أَي الْجُزْئِيَّة والاستقلال دون الآخر (تحكم) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الِاحْتِمَال (فَظهر أَن اعْتِقَاده) أَي القَاضِي (جَوَاز التَّعَدُّد فيهمَا) أَي المنصوصة والمستنبطة (غير أَنه لَا يقدر على الحكم بِهِ فِي المستنبطة للاحتمال) أَي لاحْتِمَال جزئية كل وَاحِد كَمَا يحْتَمل الِاسْتِقْلَال (فَإِذا اجْتمعت) تِلْكَ الْأُمُور الصَّالِحَة للعلية (يثبت الحكم على كل تَقْدِير) لِأَنَّهُ على تَقْدِير الْجُزْئِيَّة إِذا اجْتمع جَمِيع أَجزَاء الْعلَّة فقد تحققت بِلَا شُبْهَة، وَأما على تَقْدِير الِاسْتِقْلَال فَالْأَمْر ظَاهر (وَالْجَوَاب مَنعه) أَي منع لُزُوم التحكم على تَقْدِير التَّعْيِين لجَوَاز استنباط الِاسْتِقْلَال عقلا (بِالْعلمِ بالحكم مَعَ أَحدهَا) أَي الْأُمُور الصَّالِحَة للعلية (فِي مَحل كَمَا) أَي كَالْعلمِ بالحكم (مَعَ أُخْرَى) من تِلْكَ الْعِلَل (فِي) مَحل (آخر) فلولا اسْتِقْلَال كل وَاحِدَة مِنْهَا بالعلية لما ثَبت الحكم مَعهَا وَحدهَا (فَيحكم بِهِ) أَي بالاستقلال (لكل فِي مَحل الِاجْتِمَاع) بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور آنِفا الْمعبر عَنهُ بالحيثية الْمَذْكُورَة. (وعاكسه) أَي الَّذِي يَقُول بعكس مَذْهَب القَاضِي من جَوَاز التَّعَدُّد فِي المستنبطة دون المنصوصة، يَقُول (يقطع فِي المنصوصة بِأَنَّهَا) أَي الْعلَّة المنصوصة (الْبَاعِث) لشروع الحكم (فَانْتفى احْتِمَال غَيرهَا) أَي احْتِمَال كَون الْعلَّة غير المنصوصة (كلا وجزءا) تَمْيِيز عَن نِسْبَة الْغَيْر إِلَى الضَّمِير: أَي انْتَفَى احْتِمَال الْغَيْر مُطلقًا سَوَاء كَانَ مُغَايرَة ذَلِك الْغَيْر إِيَّاهَا بِاعْتِبَار جَمِيع الْأَجْزَاء أَو بِاعْتِبَار بَعْضهَا (والمستنبطة وهمية) أَي عليتها ظنية غير مَقْطُوعَة (لَا ينتفى فِيهَا) أَي فِي المستنبطة (ذَلِك) الِاحْتِمَال، فَيجوز أَن يكون فِي نفس الْأَمر غَيرهَا كلا وجزءا (وَالْجَوَاب منع الْكل) أَي لَا نسلم الْقطع فِي المنصوصة لاحْتِمَال أَن يكون النَّص ظَنِّي الْمَتْن: أَي وَالدّلَالَة، وَأَيْضًا لَا نسلم وهميته المستنبطة لجَوَاز أَن يتَحَقَّق هُنَاكَ أَمَارَات كَثِيرَة تفِيد الْقطع بعليتها. قَالَ (الإِمَام) فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من جَوَاز التَّعَدُّد دون وُقُوعه (لَو لم يمْتَنع) التَّعَدُّد (شرعا) قيد بِهِ دفعا للتناقض. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: ظَاهره مُخَالف لِلْقَوْلِ بِالْجَوَازِ، ثمَّ بَين أَن المُرَاد جَوَازه عقلا وامتناعه شرعا (وَقع عَادَة وَلَو نَادرا). فِي الشَّرْح العضدي أَن الإِمَام زعم أَن هَذَا الدَّلِيل الْغَايَة القصوى فِي الْقُوَّة، وفلق الصُّبْح فِي الوضوح، ثمَّ ذكر فِيهِ: أما الْمُلَازمَة فَلِأَن إِمْكَانه وَاضح، وَمَا خَفِي إِمْكَانه، يُمكن أَن يتَوَهَّم امْتِنَاعه فَلَا يَقع، لَكِن مَا كَانَ إِمْكَانه وَاضحا مَعْلُوما لكل أحد مَعَ التكثر والتكرر لموارده مِمَّا تقضى الْعَادة بامتناعه لَا يَقع أصلا، وَأما انْتِفَاء اللَّازِم، فَلِأَنَّهُ لَو وَقع لعلم عَادَة، وَلما لم يعلم علم أَنه لم يَقع انْتهى. (وَالثَّابِت بِأَسْبَاب الْحَدث
стр. 1058
مُتَعَدد كَمَا تقدم) دفع لما يرد عَلَيْهِ، من أَنه كَيفَ يقطع بِعَدَمِ الْوُقُوع مَعَ تعدد أَسبَاب الْحَدث وَالْقَتْل وَحَاصِل الْجَواب أَن مَحل النزاع تعدد علل حكم وَاحِد، وَالْحكم فِيمَا ذكرْتُمْ مُتَعَدد، فالحدث الْحَاصِل بالبول غير الْحَاصِل بالرعاف، وَلذَا قيل إِذا نوى رفع أحد أحداثه لم يرْتَفع الآخر وَإِنَّمَا خص الْحَدث لِأَنَّهُ مَحل الْإِلْزَام على مَا سبق، لِأَن المتعدد فِي الْقَتْل وَاحِد: إِذْ لَا نزاع فِي ارْتِفَاع أَحدهمَا دون الآخر فِيهِ (أُجِيب بِمَنْع عدم الْوُقُوع، بل مَا ذكر) أَي بل هُوَ وَاقع فِي الْحَدث وَالْقَتْل على مَا سبق (وَكَون الثَّابِت بِكُل) من أَسبَاب الْحَدث وَالْقَتْل (غَيره) أَي غير الثَّابِت (بِالْآخرِ) من تِلْكَ الْأَسْبَاب (أَن أثْبته) أَي أثبت الْخصم الْكَوْن الْمَذْكُور (بالانفكاك نفيا) أَي لانْتِفَاء أَحدهمَا وَبَقَاء الآخر (فَتقدم اقْتِصَاره) أَي اقْتِصَار الانفكاك على حكم الْقَتْل لتَعَدد الْمُسْتَحق (وانتفاؤه) أَي انْتِفَاء الانفكاك (فِي الْحَدث ظَاهر، وتجويزه) أَي تَجْوِيز تعدد الْحَدث بِتَعَدُّد الْأَسْبَاب (لَا يَكْفِيهِ) أَي الإِمَام (لِأَنَّهُ مستدل) على دَعْوَى عدم الْوُقُوع فَيلْزم عَلَيْهِ الحكم بِتَعَدُّد الْحَدث المنازع فِيهِ قطعا ليتم استدلاله. (ثمَّ اتّفق المعددون) أَي الْقَائِلُونَ بِتَعَدُّد الْعلَّة (أَنه) أَي الحكم يثبت (بِالْأولِ) من الْأَوْصَاف الصَّالِحَة للعلية (فِي) صُورَة (التَّرْتِيب) وَعدم اجْتِمَاعهمَا مَعًا (وَفِي) صُورَة (الْمَعِيَّة، قيل) الحكم يثبت (بالمجموع فَكل) أَي من تِلْكَ الْأَوْصَاف (جُزْء) من الْعلَّة وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا يصلح للعلية اسْتِقْلَالا، وَذَلِكَ لِئَلَّا يلْزم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح (وَقيل وَاحِدَة) مِنْهَا (لَا بِعَينهَا) فِي نَظرنَا (وَالْمُخْتَار) أَن الحكم يثبت (بِكُل) أَي بِكُل وَاحِد من تِلْكَ الْأَوْصَاف اسْتِقْلَالا (لِأَنَّهُ لَو امْتنع) ثُبُوته بِكُل اسْتِقْلَالا، والمفروض أَنه يصلح للاستقلال (كَانَ) ذَلِك الِامْتِنَاع (لِاجْتِمَاع الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة على مَدْلُول) وَاحِد يَعْنِي لَا مُوجب لامتناعه إِلَّا لُزُوم اجتماعها عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَي الِاجْتِمَاع الْمَذْكُور (حق اتِّفَاقًا) يَعْنِي أَن الْعِلَل لَيست فِي الْحَقِيقَة إِلَّا أَدِلَّة وأمارات تدل على ثُبُوت الحكم فِي مَحل كَسَائِر الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة، وَكم من حكم لَهُ أَدِلَّة مِنْهُمَا يسْتَقلّ كل وَاحِد مِنْهَا فِي الدّلَالَة عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة فكم من مطلب أقيم عَلَيْهِ عدَّة من الْبَرَاهِين بِخِلَاف الْعِلَل الْعَقْلِيَّة المؤثرة فِي وجود الْمَعْلُول فَإِنَّهَا لَا يُمكن فِيهَا ذَلِك على الْخلاف الَّذِي وَقع فِيهَا أَيْضا على مَا عرف فِي الْكَلَام. قَالَ الذَّاهِب إِلَى أَن الْعلَّة (الْمَجْمُوع) الْمركب من تِلْكَ الْأَوْصَاف (لَو اسْتَقل) كل وَاحِد مِنْهَا (فِي) صُورَة (الْمَعِيَّة) فِي الزَّمَان (لزم التَّنَاقُض) كَمَا مر (بِلُزُوم الثُّبُوت) أَي بِثُبُوت الحكم (بِكُل) لاستقلاله بِهِ (وَعَدَمه) أَي الثُّبُوت بِكُل لثُبُوته بِغَيْرِهِ اسْتِقْلَالا (وَمر جَوَابه) من قَوْله وَالْجَوَاب الِاسْتِقْلَال كَونهَا بِحَيْثُ إِذا انْفَرَدت ثَبت بهَا أَي عِنْدهَا والحيثية لَهَا فِي الْمَعِيَّة وَالتَّرْتِيب لَا معنى إفادتها الْوُجُود كالعقلية عِنْد الْقَائِل
стр. 1059
بِهِ انْتهى، وَقد مر تَفْسِيره (والتحكم) مَعْطُوف على التَّنَازُع: أَي وَلزِمَ التحكم أَيْضا فَإِن القَوْل بعلية كل وَاحِد بِعَيْنِه مَعَ عدم رجحانه على الآخر تحكم (قُلْنَا) إِنَّمَا يلْزم التحكم (لَو لم يثبت) الحكم (بِكُل) أَي بِكُل وَاحِد وَقد عرفت مَعْنَاهُ فِي الْجَواب عَن التَّنَاقُض (كالمشاهد) أَي كالثبوت بِكُل الْمشَاهد (فِي) الْأَدِلَّة (السمعية) الدَّالَّة (على حكم) وَاحِد. قَالَ الذَّاهِب إِلَى أَن مَا يثبت بِهِ الحكم مِنْهَا (غير الْمعِين: لولاه) أَي لَوْلَا أَن ثُبُوته بِغَيْر الْمعِين (لزم التحكم فِي التَّعْيِين) وَالْقَوْل بِأَنَّهُ يثبت بِوَاحِد مِنْهَا معِين (و) لزم (خلاف الْوَاقِع فِي الْجُزْئِيَّة) وَالْقَوْل بِأَن الْعلَّة إِنَّمَا هُوَ الْمَجْمُوع وكل وَاحِد مِنْهَا جُزْء الْعلَّة (لثُبُوت الِاسْتِقْلَال) أَي الِاسْتِقْلَال (لكل) وَاحِد مِنْهَا بالعلية فِي الْوَاقِع (الْجَواب) عَن دَلِيل هَذَا الْقَائِل (اخْتِيَار) شقّ (ثَالِث) وَهُوَ القَوْل بِأَن كل وَاحِد مِنْهَا عِلّة اسْتِقْلَالا (كَمَا ذكرنَا وَلنَا فِي) جَوَاز (عكس مَا تقدم) فِي الشَّرْح العضدي لَا خلاف فِي جَوَاز ثُبُوت الْحكمَيْنِ بعلة وَاحِدَة بِمَعْنى الأمارة، وَإِمَّا بِمَعْنى الْبَاعِث فقد اخْتلف فِيهِ وَالْمُخْتَار جَوَازه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (تعدد حكم عِلّة) قَوْله تعدد بِالْجَرِّ عطف بَيَان لعكس مَا تقدم (بِمَعْنى الأمارة الْمُجَرَّدَة) عَن الباعثية للْحكم (كالغروب) أَي كغروب الشَّمْس (لجَوَاز الْإِفْطَار وَوُجُوب) صَلَاة (الْمغرب بِلَا خلاف وَتَسْمِيَة هَذَا) أَي الأمارة الْمُجَرَّدَة (عِلّة اصْطِلَاح) أَي مُجَرّد اصْطِلَاح من الْأُصُولِيِّينَ من غير رِعَايَة الْمَعْنى الْأَصْلِيّ لِلْعِلَّةِ بِخِلَاف تَسْمِيَة الْوَصْف المثير للْحكم، فَإِنَّهُ روعي فِيهِ ذَلِك لِأَنَّهُ كالعلة الغائية كَمَا يفهم من قَوْله (وَبِمَعْنى الْبَاعِث فِي) الْمَذْهَب (الْمُخْتَار لَا بعد فِي مُنَاسبَة وصف) وَاحِد من أَوْصَاف الْعلَّة (لحكمين) تَقْدِير الْكَلَام لنا قَوْلنَا لَا بعد الخ مُبْتَدأ وَخَبره (كَالزِّنَا) فَإِنَّهُ وصف وَاحِد عِلّة (للْحُرْمَة وَوُجُوب الْحَد) وهما حكمان مُخْتَلِفَانِ بِالذَّاتِ (قَوْلهم) أَي المانعين جَوَازه (فِيهِ) أَي فِي كَون الْوَصْف الْوَاحِد عِلّة لِلْحكمَيْنِ أَو فِي كَونه مناسبا لَهما (تَحْصِيل الْحَاصِل لحُصُول الْمصلحَة بِأحد الْحكمَيْنِ) يَعْنِي أَن مناسبته للْحكم أَن مصْلحَته حَاصِلَة عِنْد الحكم وَالْحكم الْوَاحِد تحصل الْمصلحَة الْمَقْصُودَة مِنْهُ، فَإِذا حصل الحكم الثَّانِي حصلها مرّة أُخْرَى، وَأَنه تَحْصِيل الْحَاصِل (إِنَّمَا يلْزم) خبر الْمُبْتَدَأ أَعنِي قَوْلهم (لَو لم يحصل بِالْوَصْفِ مصلحتان) فَإِنَّهُ إِذا جَازَ حُصُول المصلحتين بِالْوَصْفِ فَالْحَاصِل بِكُل حكم مصلحَة أُخْرَى فَلَا تَحْصِيل للحاصل (أَو لَا تحصل) الْمصلحَة (الْمَقْصُودَة) من الْوَصْف (إِلَّا بهما) قَوْله لَا تحصل مَعْطُوف على لم يحصل وَلَا يخفى أَن مَضْمُون قَوْله لَا تحصل الخ انحصار حُصُول الْمَقْصُودَة فِي تحقق الْحكمَيْنِ وَإِذا دخل كلمة لَو عَلَيْهِ أفادت نفي الْمَضْمُون الْمَذْكُور، فَالْمَعْنى حِينَئِذٍ أَن تَحْصِيل الْحَاصِل لَا يلْزم عِنْد انْتِفَاء الْأَمريْنِ جَمِيعًا عدم حُصُول تحقق مصلحتين بِالْوَصْفِ، والانحصار الْمَذْكُور، فَإِذا لم ينتف
стр. 1060
أَحدهمَا لَا يلْزم، أما الأول فقد بَيناهُ، وَأما الثَّانِي فَغير ظَاهر: لِأَنَّهُ إِذا لم تَنْحَصِر الْمَقْصُودَة فِي تحقق الْحكمَيْنِ مَعًا لزم حُصُولهَا بِدُونِ تحققهما مَعًا، وَكَون حُصُول الْمَقْصُودَة بدونهما مخلصا عَن تَحْصِيل الْحَاصِل غير موجه، وَمَا فِي الشَّرْح العضدي من قَوْله الْجَواب منع لُزُوم تَحْصِيل الْحَاصِل لجَوَاز أَن يحصل الحكم الآخر مصلحَة أُخْرَى، أَو أَن الْمصلحَة الْمَقْصُودَة لَا تحصل إِلَّا بهما وَاضح فَإِن الْمصلحَة الْمَقْصُودَة إِذا لم تحصل إِلَّا بِمَجْمُوع الْحكمَيْنِ كَيفَ يلْزم بِالثَّانِي تَحْصِيل الْحَاصِل فَالْوَجْه أَن يحمل كَلَام المُصَنّف على مَا يُوَافق الشَّرْح الْمَذْكُور بِأَن يقدر فِي كَلَامه لفظ يكن ويعطف مَدْخُول أَو على مَدْخُول لم فالتقدير لَو لم يكن لَا يحصل إِلَى آخِره: أَي لَو لم يكن مضمونه وَهُوَ الانحصار الْمَذْكُور (وَمِنْهَا) أَي وَمن شُرُوط عِلّة حكم الأَصْل (أَن لَا تتأخر) الْعلَّة (عَن حكم الأَصْل) ثبوتا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يشْتَرط عدم تأخرها وَيجوز ثُبُوتهَا بعده (ثَبت) حكم الأَصْل (بِلَا باعث، وَأَيْضًا يثبت بذلك) التَّأَخُّر (أَنه لم يشرع) الحكم (لَهَا) أَي لأجل تِلْكَ الْعلَّة الْمُتَأَخِّرَة (وَمثل) تَأَخّر الْعلَّة (بتعليل نَجَاسَة مصاب عرق الْخِنْزِير) أَي الْمحل الَّذِي أَصَابَهُ عرق الْخِنْزِير (بِأَنَّهُ) أَي عرقه (مستقذر، وَهُوَ) أَي التَّعْلِيل بالاستقذار فِي الأَصْل (تَعْلِيل نَجَاسَة اللعاب) أَي فرع تَعْلِيل نَجَاسَة اللعاب (بِهِ) أَي بالاستقذار (لِأَنَّهُ) أَي الْعرق من حَيْثُ النَّجَاسَة (قِيَاس) أَي مقيس (عَلَيْهِ) أَي على اللعاب، أَو الْمَعْنى لِأَن التَّعْلِيل بالاستقذار مآله قِيَاس مصاب الْعرق على مصاب اللعاب فَيجب اعْتِبَار النَّجَاسَة فِي اللعاب ليَصِح قِيَاس مصاب الْعرق عَلَيْهِ بِجَامِع الاستقذار (وَهُوَ) أَي وصف الاستقذار (مُتَأَخّر عَنْهَا) أَو نَجَاسَة اللعاب (وَهُوَ) أَي الْمُتَأَخر الَّذِي ادّعى (غير لَازم لجَوَاز الْمُقَارنَة) أَي لجَوَاز أَن يكون وصف الاستقذار مُقَارنًا لنجاسة اللعاب فِي الثُّبُوت. الْحَاصِل أَن الممثل يُوهم عدم ثُبُوت الاستقذار عِنْد ثُبُوت حكم الأَصْل: وَهُوَ نَجَاسَة اللعاب أَو مصابه، لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذكر عِنْد إِلْحَاق الْمُصَاب الْعرق بِهِ وَلم يعرف أَن تَأَخّر الذّكر لَا يسْتَلْزم تَأَخّر الثُّبُوت، ثمَّ الشَّرْط مُقَارنَة الْوَصْف للْحكم بِحَسب اعْتِبَاره فِي الْمحل شرعا لَا بِحَسب ثُبُوت الْمحل فِي الْخَارِج (و) الْمِثَال (الْمُتَّفق عَلَيْهِ) كَونه من الممثل (تَعْلِيل ولَايَة الْأَب على الصَّغِير الَّذِي عرض لَهُ الْجُنُون بالجنون لِأَن ولَايَته قبله) فَإِن ولَايَته مُقَدّمَة على عرُوض الْجُنُون للصَّغِير (وَأما سلبها بعروضه للْوَلِيّ) أَي أما التَّمْثِيل بتعليل سلب الْولَايَة عَن الصَّغِير بالجنون الْعَارِض للْوَلِيّ كَمَا فِي الشَّرْح العضدي (فعكس المُرَاد) لِأَن الْعلَّة: وَهِي الْجُنُون الْعَارِض للْوَلِيّ مقدم على الحكم الَّذِي هُوَ سَبَب ولَايَته. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ غَايَة مَا أدّى إِلَيْهِ نظر الناظرين: أَي فِي تَوْجِيه كَلَامه أَنه من وضع الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر، وَالْمعْنَى سلب الْولَايَة عَن الصَّغِير بالجنون الْعَارِض لَهُ انْتهى. كَأَنَّهُمْ أَرَادوا بالصغير فِي قَوْله عَن الصَّغِير الْوَلِيّ الصَّغِير فَإِن سلب الْولَايَة حَاصِل
стр. 1061
بِسَبَب مقدم: وَهُوَ الصغر وَالْجُنُون الْعَارِض مُتَأَخّر عَن السَّبَب الْمَذْكُور وَإِلَّا لَا يتم توجيههم (وَأما مَنعه) أَي منع تَأَخّر وصف الْعلَّة عَن الحكم (إِذا قدر) الْوَصْف الْمَذْكُور (أَمارَة) مُجَرّدَة عَن الباعثية (لِأَنَّهُ تَعْرِيف الْمُعَرّف) تَعْلِيل للْمَنْع: يَعْنِي أَن الأمارة إِنَّمَا تكون معرفَة لما هُوَ أَمارَة لَهُ فَإِذا فرض ثُبُوت الحكم قبله لزم مَعْرفَته أَيْضا قبله فَيلْزم تَعْرِيف الْمُعَرّف (فَلَا) جَوَاب أما: أَي فَلَا يَصح (لِاجْتِمَاع الأمارات) أَي لجَوَاز أَن يجْتَمع لشَيْء وَاحِد أَمَارَات لكَونهَا بِمَنْزِلَة الدَّلِيل وتعدد الْأَدِلَّة أَكثر من أَن تحصى (وَلَيْسَ تعاقبها) أَي الأمارات (مَانِعا) عَن كَون الثَّانِي أَمارَة ومعرفا لِئَلَّا يلْزم تَحْصِيل الْحَاصِل، لِأَن الثَّانِي يعرفهُ بِوَجْه آخر (و) من شُرُوط الْعلَّة (أَن لَا يعود) التَّعْلِيل بهَا (على أَصله بالإبطال) أَي لَا يلْزم مِنْهُ بطلَان الحكم الْمُعَلل بهَا لِأَن ذَلِك الحكم أَصله، إِذْ التَّعْلِيل فرع الثُّبُوت وَبطلَان الأَصْل يسْتَلْزم بطلَان الْفَرْع فصحبته تَسْتَلْزِم بُطْلَانه، فَلَو صَحَّ لصَحَّ وَبَطل فيجتمع النقيضان، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَتبْطل هِيَ: مِثَاله) الْوَاقِع (للشَّافِعِيَّة تَعْلِيل الْحَنَفِيَّة) الحكم الْمُسْتَفَاد بقوله ﷺ (لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا مثلا بِمثل سَوَاء بِسَوَاء) وَهُوَ (يعم مَا لَا يُكَال قلَّة) أَي لَا يُكَال عَادَة لقلته (بِالْكَيْلِ) مُتَعَلق بتعليل الْحَنَفِيَّة (فَخرج) مَا لَا يُكَال من دَائِرَة عُمُومه بِسَبَب اعْتِبَار هَذِه الْعلَّة لِأَن عِلّة حكم النَّهْي لَا بُد أَن تتَحَقَّق فِي كل مَا يتَحَقَّق فِيهِ فموجب عمومها يبطل عُمُوم مُوجب الأَصْل بِحَسب مَنْطُوق النَّص (و) تَعْلِيلهم فِي قَوْله ﷺ (فِي أَرْبَعِينَ شَاة شَاة بسد خلة الْمُحْتَاج) أَي حَاجته (فَانْتفى وُجُوبهَا) أَي وجوب عين الشَّاة منتقلا عَن خصوصيتها (إِلَى التَّخْيِير بَينهَا وَبَين قيمتهَا، وَتقدم دَفعه) أَي دفع لُزُوم إبِْطَال تَعْلِيلهم بسد الْخلَّة حكم الأَصْل (فِي التأويلات) بِالْمَعْنَى وَالنَّص فَارْجِع إِلَيْهِ (و) تقدم دفع (الأول) وَهُوَ لُزُوم إبِْطَال تَعْلِيلهم بِالْكَيْلِ حكم أَصله (فِي) بحث (الِاسْتِثْنَاء، ثمَّ المُرَاد عدم الْكَيْل) فِي تَعْلِيلهم لجَوَاز بيع مَا لَا يدْخل تَحت الْكَيْل مُتَفَاضلا، فَإِن هَذَا الْجَوَاز بِسَبَب عدم تحقق الْكَيْل الَّذِي هُوَ سَبَب منع التَّفَاضُل يعرف كَونه مرَادا (بِأَدْنَى تَأمل) وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمُتَبَادر من قَوْله ثمَّ المُرَاد إِلَى آخِره بَيَان المُرَاد بِالتَّعْلِيلِ الْمُسْتَفَاد بقوله تَعْلِيل الْحَنَفِيَّة إِلَى قَوْله بِالْكَيْلِ وَهُوَ غير صَحِيح لِأَن الْعلَّة فِي ذَلِك التَّعْلِيل لَا الْكَيْل على مَا بَيناهُ لكنه لما لم يظْهر إبِْطَال ذَلِك التَّعْلِيل حكم بِالْأَصْلِ إِلَّا فِي مسئلة جَوَاز بيع مَا لَا يُكَال إِلَّا مثلا بِمثل مُتَفَاضلا وَيحْتَاج هَذَا الْجَوَاز إِلَى عِلّة تبين مُرَادهم فِي هَذَا التَّعْلِيل فَإِن قلت الْعلَّة فِي التَّعْلِيل الأول الْقدر وَالْجِنْس لَا الْكَيْل فَقَط قلت مُرَاده من الْكَيْل الْقدر وَإِنَّمَا اكْتفى بِذكرِهِ لِأَن مدَار الْإِبْطَال عَلَيْهِ (و) مِثَاله (للحنفية تَعْلِيل) حكم (نَص السّلم) يَعْنِي تَعْلِيل الشَّافِعِيَّة إِيَّاه (يخرج إِحْضَار السّلْعَة) مجْلِس البيع فَإِنَّهُ قد يكون لَهَا مُؤنَة وَثقل (الْمُبْطل) صفة لتعليل
стр. 1062
بِمَا ذكر (لأجل مَعْلُوم) وَقد دلّ قَوْله ﷺ " من أسلم فليسلم فِي كيل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم " على اشْتِرَاطه فِي السّلم، وَأما الْإِبْطَال فَلِأَن منَاط جَوَاز السّلم إِذا كَانَ خرج إحضارها، فَفِي كل مَبِيع تحقق الْخُرُوج الْمَذْكُور تحقق الْجَوَاز وَإِن كَانَ على سَبِيل الْحُلُول من غير أجل (وَأما الِافْتِتَاح) أَي جَوَاز افْتِتَاح الصَّلَاة (بِنَحْوِ الله أعظم) أَو أجل كَمَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى (فبالنص) أَي فثبوته بِالنَّصِّ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَرَبك فَكبر﴾ -: لَا بِالْقِيَاسِ حَتَّى يرد عَلَيْهِ أَنه يبطل مُوجب النَّص (إِذْ التَّكْبِير) الْمَأْمُور بِهِ فِي الِافْتِتَاح إِنَّمَا هُوَ (التَّعْظِيم) وَهُوَ ذكر يدل على عَظمته سُبْحَانَهُ، فَيعم الله أعظم وَنَحْوه (وَتقدم). قَالَ الشَّارِح سَهْو، فَإِنَّهُ لم يتَقَدَّم وَإِنِّي لم أحط بِالنَّفْيِ، وَيجوز تَقْدِيم تَفْسِير التَّكْبِير صَرِيحًا أَو ضمنا. (وَمِنْهَا) أَي شُرُوط الْعلَّة (أَن لَا تخَالف نصا) بِأَن تفِيد فِي الْفَرْع حكما يُخَالف نصا. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مِثَاله بقوله (تقدم اشْتِرَاط التَّمْلِيك فِي طَعَام الْكَفَّارَة) الْمُسْتَفَاد من قَوْله تَعَالَى - ﴿فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين﴾ - (كالكسوة) أَي كاشتراطه فِي الْكسْوَة الْمُسْتَفَاد من قَوْله تَعَالَى - ﴿وكسوتهم﴾ - فَإِنَّهُ لَا يُقَال كَسَاه إِلَّا إِذا ملكه، بِخِلَاف أطْعمهُ فَإِنَّهُ يُقَال إِذا أَبَاحَ، وَإِثْبَات الِاشْتِرَاط فِي الْفَرْع الَّذِي بنوا عَلَيْهِ الْإِطْعَام قِيَاسا على الْكسْوَة كَمَا سيشير إِلَيْهِ مُخَالف لعُمُوم كَيَوْم (٧) الْإِطْعَام نَقله كَونهمَا كَفَّارَة (و) تقدم (شَرط الْإِيمَان) فِي الرَّقَبَة المحررة كَفَّارَة (فِي الْيَمين) مُتَعَلق بالاشتراط وَالشّرط على سَبِيل التَّنَازُع (كَالْقَتْلِ) أَي قِيَاسا على اشْتِرَاطه فِي الرَّقَبَة المحررة كَفَّارَة فِي الْقَتْل (يبطل) الِاشْتِرَاط وَالشّرط وَفِي بعض النّسخ يبطلان (إِطْلَاق نَص الْإِطْعَام) كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ (و) إِطْلَاق نَص (الرَّقَبَة) فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿أَو تَحْرِير رَقَبَة﴾ - فَإِنَّهَا تعم الرَّقَبَة المؤمنة والكافرة (أَو إِجْمَاعًا) مَعْطُوف على قَوْله نصا، فَالْمَعْنى لَا يُخَالف شَيْئا مِنْهُمَا، ومثاله (مَا مر من مَعْلُوم الإلغاء) أَي التَّعْلِيل الَّذِي علم إلغاؤه وَعدم اعْتِبَاره إِجْمَاعًا، فَلَا تقاس صَلَاة الْمُسَافِر على صَوْمه فِي عدم وجوب الْأَدَاء فِي السّفر بِجَامِع السّفر، لِأَن الْإِجْمَاع على وجوب أَدَائِهَا فِيهِ (و) من شُرُوط الْعلَّة (أَن لَا تكون) الْعلَّة (المستنبطة) مُعَارضَة (بمعارض) مَوْجُود (فِي الأَصْل: أَي وصف) فِيهِ (يَصح) للعلية حَال كَونه (غير ثَابت فِي الْفَرْع) وَهَذَا الِاشْتِرَاط مَبْنِيّ (على عدم تعدد) الْعلَّة (المستقلة) بمعارض مَوْجُود فِي الأَصْل: أَي وصف فِيهِ يَصح للعلية، لِأَنَّهُ لَو جَازَ تعددها وَثَبت بَعْضهَا فِي الْفَرْع لم يضر عدم ثُبُوت الْبَعْض الآخر فِيهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لَا) يشْتَرط عدم الْمعَارض الْمَذْكُور (مَعَ جَوَازه) أَي تعددها، بل يجوز وجود الْمعَارض الْمَذْكُور مَعَه (إِلَّا مَعَ عدم تَرْجِيحه) أَي التَّعَدُّد (على التَّرْكِيب فِيهِ) أَي فِي الأَصْل الَّذِي هُوَ مَحل اجتماعها بِأَن تكون تِلْكَ الْأَوْصَاف بِحَيْثُ تصلح للعلية، مُنْفَرِدَة ومجتمعة، وَلم يتَرَجَّح الِاحْتِمَال الأول على الثَّانِي،
стр. 1063
فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يجوز وجوده، لِأَنَّهُ يلْزم على احْتِمَال التَّرْكِيب عدم وجود الْعلَّة فِي الْفَرْع، يرد عَلَيْهِ أَنه على تَقْدِير الْبناء على عدم جَوَاز التَّعَدُّد لَا فرق بَين أَن يكون ذَلِك الْمعَارض مَوْجُودا فِي الْفَرْع، وَأَن لَا يكون مَوْجُودا فِيهِ فَلَا وَجه لتقييده بِعَدَمِ الثُّبُوت فِيهِ، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ على تَقْدِير ثُبُوته فِيهِ يُمكن أَن يَجْعَل الْمَجْمُوع عِلّة، وعَلى تَقْدِير عَدمه فِيهِ لَا يُمكن ذَلِك فَافْتَرقَا فَتَأمل (وَمَا قيل و) من شُرُوط الْعلَّة أَن (لَا) تكون المستنبطة مُعَارضَة بمعارض مَوْجُود (فِي الْفَرْع تقدم) ذكره فِي شُرُوط الْفَرْع. (و) من شُرُوطهَا (أَن لَا توجب) المستنبطة (زِيَادَة فِي حكم الأَصْل كتعليل) حُرْمَة بيع الطَّعَام بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا المستفادة من (حَدِيث الطَّعَام) أَي لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء (بِأَنَّهُ) أَي بَيْعه مُتَفَاضلا (رَبًّا) فِيمَا يُوزن كالنقدين (فَيلْزم التَّقَابُض) فِي الْمجْلس فِيهِ كَمَا فِي الأَصْل، وَهُوَ النقدان (وَلَيْسَ) لُزُوم التَّقَابُض مَذْكُورا (فِي نَص الأَصْل) الَّذِي استنبطت مِنْهُ الْعلَّة، وَهُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور، فَعلم أَن المُرَاد بِالْأَصْلِ هَهُنَا أصل الْعلَّة، لَا أصل الْفَرْع الْمَقِيس (وَقيل إِن كَانَت) الزِّيَادَة (مُنَافِيَة لَهُ) أَي لحكم الأَصْل اشْترط عدم إِيجَاب الْعلَّة لَهَا (وَهُوَ) أَي هَذَا التَّقْيِيد (الْوَجْه) أَي الْوَجْه المرضي، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيّ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يلْزم النّسخ بِالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ غير جَائِز (وَيرجع) مآل هَذِه الْعلَّة (إِلَى مَا يبطل أَصله، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن هَذَا التَّقْيِيد (لَا يُوجب) اشْتِرَاط عدم إِيجَاب الْعلَّة إِيَّاهَا (و) من شُرُوطهَا (أَن لَا يكون دليلها) أَي الدَّلِيل الدَّال على علية الْعلَّة بِعُمُومِهِ أَو بِخُصُوصِهِ (متناولا حكم الْفَرْع) لِأَنَّهُ يُمكن إِثْبَات حكم الْفَرْع بِالنَّصِّ من غير احْتِيَاج إِلَى الْقيَاس المستلزم ادِّعَاء اشْتِرَاك الأَصْل فِي الْفَرْع فِي الْعلَّة ووجودها فيهمَا فَإِنَّهُ تَطْوِيل من غير حَاجَة، وَقد يمْنَع تَأْثِير الْعلَّة أَو وجودهَا فيهمَا (وَالْوَجْه نَفْيه) أَي هَذَا الشَّرْط (لجَوَاز تعدد الْأَدِلَّة) فَلْيَكُن كل وَاحِد من الْقيَاس وَالدَّلِيل الْمَذْكُور دَلِيلا على الحكم، وَلما كَانَ هَذَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ للْحكم طَرِيقَانِ، فَكَانَ أَحدهمَا مُسْتقِلّا وَالْآخر متوقفا عَلَيْهِ تعين الأول ولغى الثَّانِي، فَيلْزم الرُّجُوع عَنهُ: أجَاب عَنهُ بقوله (وَلَا يسْتَلْزم) تنَاول الْمَدْلُول حكم الْفَرْع (الرُّجُوع عَن الْقيَاس، بل) يسْتَلْزم (الإفادة) للْحكم (بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ حَال كَونه (غير ملاحظ غَيره) أَي غير الْقيَاس (و) الإفادة (بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر الْقيَاس، وَهُوَ الدَّلِيل الْمَذْكُور فَإِن قلت: كَيفَ يفاد بِالْقِيَاسِ بِدُونِ مُلَاحظَة الْغَيْر ومدار الْقيَاس على دَلِيل علته قلت: إِثْبَات الْعلَّة مطلب آخر مُفَرع عَنهُ عِنْد إِثْبَات الحكم لَا يُلَاحظ (أما لَو تنوزع فِي دلَالَته) أَي دلَالَة الدَّلِيل الْمَذْكُور (على حكم الْفَرْع) من غير نزاع فِي دلَالَته على علية الْعلَّة بِأَن يكون النَّص مُخَصّصا
стр. 1064
مثلا، فالمستدل: أَي الْمُعْتَرض لَا يرَاهُ حجَّة إِلَّا فِي أقل الْجمع، فَلَو أَرَادَ إدراج الْفَرْع فِيهِ تعسر فثبتت فِيهِ بِهِ الْعلية فِي الْجُمْلَة، ثمَّ يعمم بِهِ الحكم فِي جَمِيع موارد وجود الْعلَّة، كَذَا فِي الشَّرْح العضدي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فجوازه اتِّفَاق لِأَنَّهُ يثبت بِهِ الْعلية، ثمَّ يعمم بهَا). وَفِي الشَّرْح الْمَذْكُور، وَأَيْضًا فقد تكون دلَالَته على الْعلية أوضح من دلَالَته على الْعُمُوم كَمَا تَقول: حرمت الرِّبَا فِي الطَّعَام للطعم، فَإِن الْعلية فِي غَايَة الوضوح والعموم فِي الْمُفْرد الْمُعَرّف مَحل خلاف ظَاهر. ثمَّ لَا يخفى عَلَيْك أَن مُقْتَضى قَوْله لَا يرَاهُ حجَّة الخ، إِذْ لَا يحْتَج بِهِ للعلية أَيْضا إِلَّا أَن يُقَال المُرَاد نفي حجيته فِي حق الْأَفْرَاد الَّتِي تندرج تَحت عُمُومه، وَعليَّة الْعلَّة لَيست مِنْهَا، بل يثبت مِنْهُ بطرِيق الِاقْتِضَاء واللزوم إِلَى غير ذَلِك. (وَالْمُخْتَار جَوَاز كَونهَا) أَي الْعلَّة (حكما شَرْعِيًّا، مِثَاله للحنفية) مَا ورد عَن الخثعمية أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله: إِن فَرِيضَة الْحَج أدْركْت أبي وَهُوَ شيخ كَبِير لَا يسْتَمْسك على الرَّاحِلَة أفأحج عَنهُ؟ فَقَالَ ﷺ (أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين) فقضيته أما كَانَ ذَلِك يقبل مِنْك؟ قَالَت نعم: قَالَ فدين الله أَحَق (قَاس) ﷺ إِجْزَاء الْحَج عَنهُ بإجزاء قَضَاء الدّين عَنهُ (بعلة كَونه) أَي الْمقْضِي (دينا، وَهُوَ) أَي الدّين (حكم شَرْعِي هُوَ) أَي ذَلِك الحكم الشَّرْعِيّ (لُزُوم أَمر فِي الذِّمَّة) فَإِن هَذَا اللُّزُوم اعْتِبَار من اعتبارات الشَّرْع مترتب على خطابه تَعَالَى الْمُتَعَلّق بأَدَاء الْحق. (و) أَيْضا مِثَاله (قَوْلهم) أَي الْحَنَفِيَّة (فِي) عدم صِحَة بيع (الْمُدبر: مَمْلُوك تعلق عتقه بِمُطلق موت الْمولى) قيد الْإِطْلَاق احْتِرَاز عَن الْمُدبر الْمُقَيد كَأَن مت فِي هَذَا الْمَرَض فَأَنت حر (فَلَا يُبَاع كَأُمّ الْوَلَد) فَالْأَصْل أم الْوَلَد، وَالْفرع الْمُدبر، وَالْعلَّة كَونهمَا مملوكين تعلق عتقهما بِمُطلق موت الْمولى (وَقيل لَا) يجوز أَن تكون تِلْكَ الْعلَّة حكما شَرْعِيًّا (للُزُوم النَّقْض) أَي تخلف الْمَعْلُول عَمَّا فرض عِلّة (فِي التَّقَدُّم) أَي فِي صُورَة تقدمها بِالزَّمَانِ على الحكم (و) لُزُوم (ثُبُوت الحكم بِلَا باعث فِي) صُورَة (التَّأَخُّر) أَي تَأَخّر مَا فرض عِلّة عَن الْمَعْلُول (و) لُزُوم (التحكم فِي) صُورَة (الْمُقَارنَة) إِذْ لَيْسَ أَحدهمَا حِينَئِذٍ أولى بالعلية من الآخر لكَون كل مِنْهُمَا حكما شَرْعِيًّا (وَمنع الْأَخير) أَي لُزُوم التحكم فِي الْمُقَارنَة (لتمييز الْمُنَاسبَة) الْمُعْتَبرَة فِي الْعلية بَينهمَا تمييزا يُفِيد تعين أَحدهمَا بالعلية دون الآخر (وَغَيرهَا) أَي غير الْمُنَاسبَة من الْأُمُور الدَّالَّة على الْعلية الْمَذْكُورَة فِي مسالك الْعلَّة (وَتقدم) فِي جَوَاب المانعين تعدد الْعلَّة (مَا) يُجَاب بِهِ (فِيمَا قبله) أَي مَا قبل الْأَخير وَهُوَ لُزُوم كَون الحكم بِلَا باعث والنقض فِي التَّقَدُّم من أَن تَأْثِير الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَيْسَ بِمَعْنى إفادتها الْوُجُود كالعقلية حَتَّى يمْتَنع فِيهَا التَّقَدُّم أَو التَّخَلُّف (ثمَّ اختير) اخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب (تعين كَونهَا) أَي كَون حكم الْعلَّة الَّتِي هِيَ الحكم الشَّرْعِيّ (لجلب مصلحَة)
стр. 1065
يقتضيها حكم الأَصْل لكَونه مَشْرُوعا لحصولها (كبطلان بيع الْخمر) أَي كتعليل بُطْلَانه (بِالنَّجَاسَةِ) الَّتِي هِيَ حكم شَرْعِي لمناسبتها بُطْلَانه لكَونهَا تمنع عَن الملابسة، وَفِي شرع بطلَان بيعهَا بِسَبَب النَّجَاسَة جلب مصلحَة هِيَ تَكْمِيل الْمَقْصُود من الْبطلَان وَهُوَ عدم الِانْتِفَاع (لَا لدفع مفْسدَة) يقتضيها حكم الأَصْل (لِأَن) الحكم (الشَّرْعِيّ لَا يشْتَمل عَلَيْهَا) أَي على مفْسدَة مَطْلُوبَة الدّفع (وحقق) فِي الشَّرْح العضدي (جَوَازهَا) أَي جَوَاز كَون حكمهَا لدفع تِلْكَ الْمفْسدَة (لجَوَاز اشتماله) أَي الحكم الشَّرْعِيّ (على مصلحَة راجحة ومفسدة تدفع بِحكم آخر كوجوب حد الزِّنَا لحفظ النّسَب على الإِمَام ثقيل يُؤَدِّي إِلَى مفْسدَة إِتْلَاف النُّفُوس فعلل بِوُجُوب شَهَادَة الْأَرْبَع) قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ مَا مَعْنَاهُ أَن حد الزِّنَا حكم شَرْعِي مُشْتَمل على مصلحَة راجحة هِيَ حفظ النّسَب وَهُوَ حد ثقيل لكَونه دائرا بَين رجم كَمَا فِي الْمُحصن، وَبَين جلد وتغريب عَام كَمَا فِي غَيره، وَفِي كَثْرَة وُقُوعه مفْسدَة مَا: من إِتْلَاف النُّفُوس وإيلامها فشرع الْمُبَالغَة وَالِاحْتِيَاط فِي طَرِيق ثُبُوته: أَعنِي الشَّهَادَة دفعا للمفسدة القليلة، وَهَذَا معنى كَون ذَلِك عِلّة لَهُ باعثة عَلَيْهِ فوجوب الْحَد المفضي إِلَى كَثْرَة الْإِتْلَاف، والإيلام حكم شَرْعِي مُعَلل بِوُجُوب الْأَرْبَع دفعا للمفسدة الْكَثِيرَة لتبقى مصلحَة حفظ النّسَب خَالِصَة انْتهى. فَالْحَاصِل أَنه لَوْلَا هَذَا الدَّافِع للمفسدة الْمَذْكُورَة لما شرع وجوب الْحَد المفضي إِلَيْهَا فوجوب الْأَرْبَع مصحح لمشروعية الْحَد الْمَذْكُور باعث لَهُ. وَلَا يخفى أَن توقف صِحَة مَشْرُوعِيَّة الْحَد على وجوب الْأَرْبَع لَا يَسْتَدْعِي كَونه باعثا لَهَا وَالْكَلَام فِي الْعلَّة بِمَعْنى الْبَاعِث، وَالْحق أَن الاشتمال على الْمفْسدَة الْمَطْلُوب دَفعهَا بشرع الحكم إِنَّمَا هُوَ شَأْن الْعلَّة كالسكر وَالْقَتْل الْمُشْتَمل على الْبغضَاء والإضافات لعِلَّة وجوب الْحَد لاشْتِمَاله عَلَيْهَا، والدافع لَهَا وجوب الْأَرْبَع كَمَا يفِيدهُ أول كَلَام الْمُحَقق، لَا عَكسه كَمَا يفِيدهُ آخر كَلَامه، وَالْمُصَنّف وَافق الآخر حَيْثُ قَالَ فعلل بِوُجُوب شَهَادَة الْأَرْبَع بِهِ، فَكَأَنَّهُ وَقع سَهْو الْقَلَم بَينهمَا، وَالصَّوَاب مُعَلل بِهِ وجوب الْأَرْبَع، وَعلل بِهِ وجوب شَهَادَة الْأَرْبَع وَالله تَعَالَى أعلم (وَالْمُخْتَار) كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور (جَوَاز كَونهَا) أَي الْعلَّة (مَجْمُوع صِفَات، وَهِي) أَي الْعلَّة الَّتِي يُقَال لَهَا (المركبة إِذْ لَا مَانع مِنْهُ) أَي من جَوَازه (فِي الْعقل وَوَقع) كَونهَا لذَلِك مَعْطُوف على قَوْله لَا مَانع فَهُوَ دَلِيل آخر على الْجَوَاز يفِيدهُ على الْوَجْه الآكد (كَالْقَتْلِ الْعمد الْعدوان) الْمركب من الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة لحكم الْقصاص. (وَقَوْلهمْ) أَي الشارطين فِي الْعلَّة كَونهَا وَصفا وَاحِدًا المانعين تركبها (لَو كَانَ) أَي لَو تحقق كَونهَا مَجْمُوع صِفَات (والعلية صفة زَائِدَة) أَي وَالْحَال أَنَّهَا صفة زَائِدَة على ذَات الْعلَّة الَّتِي هِيَ مَجْمُوع الصِّفَات (فقيامها) أَي الْعلَّة (إِن) كَانَ (بِجُزْء) وَاحِد مِنْهَا (أَو بِكُل جُزْء) مِنْهَا على حِدة (فَهُوَ) أَي الْجُزْء الْوَاحِد على الأول أَو كل جُزْء على الثَّانِي (الْعلَّة) والمفروض
стр. 1066
خِلَافه، وَهُوَ أَنَّهَا الْمَجْمُوع لَا الْوَاحِد بِعَيْنِه أَو لَا بِعَيْنِه وَلَا كل وحد (أَو بالمجموع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع) وَهَذَا هُوَ الشق الثَّالِث للترديد وَالِاحْتِمَال منحصر فِيهَا (فَلَا بُد من جِهَة وحدة) بهَا يكون الْمَجْمُوع شَيْئا وَاحِدًا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن لَهُ جِهَة وحدة (لم تقم) الْعلية (بِهِ) أَي بالمجموع من حَيْثُ هُوَ لعدم أَمر آخر سوى الْأَوْصَاف المتعددة، فالعلية إِمَّا قَائِمَة بِبَعْض مِنْهَا أَو بِكُل وَاحِد على مَا مر (وَيعود مَعهَا) أَو مَعَ جِهَة الْوحدَة للمجموع (الْكَلَام) فِي جِهَة الْوحدَة (بقيامها) أَي بِاعْتِبَار قيام تِلْكَ الْوحدَة بِأَن يُقَال بِمَ تقوم؟ إِذْ لَا بُد لَهَا من مَحل فَهِيَ (إِمَّا) قَائِمَة (بِكُل إِلَى آخِره) أَي بِكُل جُزْء أَو بِجُزْء وَاحِد، وكل وَاحِد مِنْهُمَا خلاف الْمَفْرُوض فَهِيَ قَائِمَة بالمجموع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع فَلَا بُد لَهُ من جِهَة وحدة أُخْرَى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فتتحقق وحدة أُخْرَى ويتسلسل قُلْنَا) قَوْلهم الْمَذْكُور فِي إبِْطَال تركب الْعلَّة (تشكيك فِي) جَوَاز أَمر (ضَرُورِيّ) أَي بديهي جَوَازه بل وُقُوعه، وَذَلِكَ لِأَن خُلَاصَة دَلِيله جَارِيَة فِي كل وصف قَائِم بِمَجْمُوع أُمُور مُتعَدِّدَة، ووقوعه أظهر من أَن يخفى، وَأكْثر من أَن يُحْصى، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (للْقطع بِنَحْوِ خبرية الْكَلَام) من كَونه استفهاما أَو تَعَجبا إِلَى غير ذَلِك (وَهُوَ) أَي الْكَلَام (مُتَعَدد) لِأَنَّهُ مركب من الْحُرُوف المتعددة، والخبرية وَنَحْوهَا صفة زَائِدَة عَلَيْهِ فَإِن قَامَت بِكُل حرف كَانَ كل حرف كلَاما أَو بِحرف وَاحِد إِلَى آخر مَا تقدم (وَإِنَّمَا هِيَ) أَي هَذِه الشُّبْهَة لمانعي تركيب الْعلَّة بقوله (مغلطة يطردها) أَي يوردها على سَبِيل الاطراد الإِمَام (الرَّازِيّ للشَّافِعِيّ) أَي لإِثْبَات مذْهبه (فِي نفي التَّرْكِيب) فِي كثير من الْمَوَاضِع، ثمَّ الحكم أَن النَّقْض الْمَذْكُور دلّ على بطلَان دليلهم إِجْمَالا (والحل) أَي حل شبهتهم تَفْصِيلًا بِتَعْيِين مَحل الْخلَل فِي دليلهم (أَنَّهَا) أَي الْعلية قَائِمَة (بالمجموع بِاعْتِبَار جِهَة وحدته الْمعينَة هَيئته) عطف بَيَان لجِهَة وحدته: يَعْنِي هَيئته الْحَاصِلَة بالتركيب الْقَائِمَة بِذَات الْمَجْمُوع من غير اعْتِبَار جِهَة وحدة أُخْرَى قبلهَا: يَعْنِي قيام الْعلية بِهِ بِاعْتِبَار قِيَامهَا بِذَات الْمَجْمُوع الْمُغَايرَة لكل جُزْء من حَيْثُ اتصافها بالوحدة الاعتبارية الْحَاصِلَة بالتركيب، لَا من حَيْثُ تعددها بِاعْتِبَار الْأَجْزَاء وَإِذا قُلْنَا الْعلية قَائِمَة بالمجموع تعين مَحل قِيَامهَا (فَلَا يتَصَوَّر) بعد ذَلِك (الترديد) فِي مَحل الْقيام بِأَن كل جُزْء أَو جُزْء وَاحِد إِلَى غير ذَلِك. (ثَانِيًا) بعد الترديد الأول فَلَا يتَصَوَّر (وَلَا وحدة أُخْرَى مَعَ أَنَّهَا) أَي الْعلية كالوحدة صفة (اعتبارية) فالوحدة تَنْقَطِع بِانْقِطَاع اعْتِبَار الْعقل فَلَا تسلسل ثمَّ بَين حَقِيقَة الْعلية بقوله (كَون الشَّارِع قضى بالحكم عِنْدهَا) أَي الْعلَّة فِيهِ مُسَامَحَة، وَالْمرَاد كَونهَا بِحَيْثُ قضى الشَّارِع بالحكم عِنْدهَا فِيهِ لما سَيَجِيءُ (والمستدعي) الَّذِي يَسْتَدْعِي (محلا) مَوْجُودا يقوم بِهِ إِنَّمَا هُوَ الصّفة (الْحَقِيقِيَّة) الْمَوْجُودَة فِي الْخَارِج (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْعلية
стр. 1067
اعتبارية (بطلت علية) الْوَصْف (الْوَاحِد) أَيْضا (بِلُزُوم قيام الْعرض بِالْعرضِ) فَإِن الْعلَّة أَيْضا عرض، وَإِذا كَانَت الْعلية صفة حَقِيقِيَّة كَانَت عرضا فَلَزِمَ قيام الْعرض بِالْعرضِ (وَجعلهَا) أَي الْعلية (صفة لَهُ) أَي للشارع (تَعَالَى بِاعْتِبَار جعله) أَي الشَّارِع ذَلِك الْوَصْف عِلّة (يضعف) خبر لجعلها (بِأَنَّهَا) أَي الْعلية (كَون الْوَصْف كَذَلِك) مجعولا علته (لَا) أَن الْعلية (جعله) أَي عين جعل الشَّارِع ذَلِك عِلّة. (وَقَوْلهمْ) أَي مانعي كَونهَا مَجْمُوع الْأَوْصَاف (نفي كل جُزْء عِلّة انتفائها) أَي لَو كَانَت الْعلَّة أوصافا مُتعَدِّدَة لَكَانَ عدم كل جُزْء عِلّة لانْتِفَاء صفة الْعلية لِأَن تحققها مَوْقُوف على تحقق جَمِيع الْأَوْصَاف فَيلْزم انتفاؤها، لَا انْتِفَاء كل وصف (وَيلْزم النَّقْض) من جملَة مقول القَوْل أَن مُقْتَضى ترك الْعلَّة علية نفي كل جُزْء لانتفائها وَيلْزم النَّقْض لهَذِهِ الْعلية (بِانْتِفَاء جُزْء آخر) من أَجزَاء الْعلَّة (بعد انْتِفَاء جُزْء أول) مِنْهَا لِأَن بِانْتِفَاء الآخر لَا يتَحَقَّق انْتِفَاء الْعلَّة (لِاسْتِحَالَة إعدام الْمَعْدُوم) وَأَنَّهَا قد عدمت بِانْتِفَاء الْجُزْء الأول مِنْهَا فَانْتقضَ الْكُلية الْمَذْكُورَة: أَعنِي أَن انْتِفَاء كل جُزْء مِنْهَا عِلّة لانتفائها لتخلفها فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة وَلزِمَ تخلف الْمَعْلُول من علته (إِنَّمَا يَجِيء فِي) الْعِلَل (الْعَقْلِيَّة، لَا) الْعِلَل (الْمَوْضُوعَة) من الشَّارِع (عَلامَة عِنْد اشتمالها) ظرف للوضع إِشَارَة إِلَى منشئة ومناسبتها إِلَى مَا جعلت عَلامَة لَهُ أَعنِي الحكم الْمُعَلل بهَا (على الْمصلحَة) مُتَعَلق باشتمالها (على الانتفاء) مُتَعَلق بعلامة وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا الْمُتَعَلّق يدل على أَن المُرَاد بالموضوعة انتفاءات الْأَجْزَاء لِلْعِلَّةِ المركبة، وَقَوله عِنْد اشتمالها على الْمصلحَة يُفِيد أَن المُرَاد بهَا نفس الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لِأَنَّهَا الْمُشْتَملَة على الْمصلحَة لَا الانتفاءات الْمَذْكُورَة، فبينهما تدافع، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يلْتَزم أَن الانتفاءات الْأَجْزَاء على تَقْدِير علتها لانْتِفَاء الْعلَّة المركبة علل شَرْعِيَّة مُشْتَمِلَة على الْمصلحَة، وَأَن معلولها وَهُوَ الانتفاء الْمَذْكُور حكم شَرْعِي، وَفِيه مَا فِيهِ، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن المُرَاد بهَا الانتفاءات الْمَوْضُوعَة عَلامَة على الانتفاء غير أَن وَضعهَا لذَلِك عِنْد اشْتِمَال تِلْكَ الْعلية المركبة على الْمصلحَة فَتَأمل (إِذْ حَاصله) أَي حَاصِل كَون انْتِفَاء كل جُزْء عِلّة لانْتِفَاء الْكل وَوُقُوع تِلْكَ الانتفاءات مجتمعة أَو متعاقبة (تعدد أَمَارَات) على الْعَدَم، وَلَا مَحْذُور فِيهِ.
مسئلة
(لَا يشْتَرط فِي تَعْلِيل انْتِفَاء حكم بِوُجُود مَانع) من ثُبُوته كَعَدم وجوب الْقصاص للِابْن على الْأَب لمَانع الْأُبُوَّة (أَو) بِسَبَب (انْتِفَاء شَرط) لَهُ كَعَدم وجوب رجم الزَّانِي لانْتِفَاء احصانه الَّذِي هُوَ شَرط وجوب رجمه (وجود مقتضيه) أَي وجود مُقْتَضى ذَلِك الحكم كَمَا هُوَ مُخْتَار
стр. 1068
ابْن الْحَاجِب والرازي وَأَتْبَاعه (خلافًا للْبَعْض) كالآمدي وَغَيره وَعَزاهُ السُّبْكِيّ إِلَى الْجُمْهُور (لِأَن كلا مِنْهُمَا) أَي وجود الْمَانِع وَانْتِفَاء الشَّرْط (وَعدم الْمُقْتَضى) باستقلاله (عِلّة عَدمه) أَي الحكم (فَجَاز إِسْنَاده) أَي إِسْنَاد عدم الحكم (إِلَى كل) من الثَّلَاثَة، أما استناد عَدمه إِلَى وجود الْمَانِع عِنْد وجود الْمُقْتَضى فَظَاهر، وَأما عِنْد عَدمه فَمَا أَفَادَهُ بقوله (بِمَعْنى لَو كَانَ لَهُ) أَي للْحكم (مقنض مَنعه) أَي الْمَانِع الحكم، وَأما استناده إِلَى انْتِفَاء الشَّرْط فَلَا يخْتَلف فِيهِ الْحَال بِاعْتِبَار وجود الْمُقْتَضى وَعَدَمه كَمَا لَا يخفى (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْمَانِع الَّذِي أسْند عدم الحكم إِلَيْهِ عِنْد عدم الْمُقْتَضى بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (فحقيقة المانعية) لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِالْمَنْعِ (بِالْفِعْلِ وَهُوَ) أَي الْمَنْع بِالْفِعْلِ (فرع) وجود (الْمُقْتَضى) لِأَنَّهُ إِذا لم يتَحَقَّق مَا يقتضى وجود الشَّيْء لَا يكون ذَلِك الشَّيْء فِي معرض البروز من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل حَتَّى يتَصَوَّر هُنَاكَ منع عَن البروز والوجود، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَإِذا لم يُوجد) الحكم (لعدم وجوده) أَي الْمُقْتَضى (فَيمْنَع) الْمَانِع (مَاذَا) أَي فَإِن قُلْنَا بمانعيته عِنْد ذَلِك يُقَال يمْنَع أَي شَيْء؟ وَالْحكم لَيْسَ بصدد الْوُجُود (وَاذْكُر مَا تقدم فِي فك الدّور) وَدفعه (لَهُم) أَي للقائل بِجَوَاز نقض الْعلَّة (فِي مسئلة النَّقْض) لَهَا من بَيَان الْفرق بَين المانعية بِالْفِعْلِ والمانعية بِالْقُوَّةِ، وتفصيل ذكر هُنَاكَ فَارْجِع إِلَيْهِ، وَفِي الْمَحْصُول انْتِفَاء الحكم لانْتِفَاء الْمُقْتَضى أظهر فِي الْعقل من انتفائه بِحُضُور الْمَانِع وَهَذَا يُفِيد أَن إِسْنَاد عدم الحكم إِلَى الْمَانِع فِي صُورَة عدم الْمُقْتَضى بِمَا يجوزه الْعقل أَيْضا فَافْهَم وفقك الله تَعَالَى للتوفيق بَين أَقْوَال الْمَشَايِخ.
المرصد الثَّالِث
فِي معرفَة الطّرق الموصلة إِلَى الظَّن بعلية الْعلَّة فَإِنَّهُ نَظَرِي، وَبَيَان المسالك الصَّحِيحَة، وَمَا يتَوَهَّم صِحَّته (طرق إِثْبَاتهَا) أَي إِثْبَات علية الْوَصْف الْمعِين للْحكم. وَقَوله طرق إِثْبَاتهَا خبر لقَوْله المرصد الثَّالِث (مسالك الْعلَّة) جمع مَسْلَك، وَهُوَ الطَّرِيق الَّذِي يسلكه الْمُجْتَهد فِي إِثْبَات الْعلية: وَهِي إِمَّا (متفقة) بَين الْفَرِيقَيْنِ على صِحَّتهَا، وَإِمَّا مُخْتَلف فِيهَا، وَلم يذكر هَذَا صَرِيحًا اكْتِفَاء بِبَيَان الْخلاف فِي كل قسم مِنْهُ (تقدم مِنْهَا) أَي من المتفقة (الْمُنَاسبَة) المعبرة (على الاصطلاحين) للشَّافِعِيَّة بِأَنَّهَا عِنْدهم التَّأْثِير على اخْتِلَاف فِي تَعْبِيره، فعندهم كَون الْوَصْف ثَبت اعْتِبَار عينه فِي عين الحكم بِنَصّ أَو إِجْمَاع أَو اعْتِبَار جنسه إِلَى آخر الْأَقْسَام، وَعند الشَّافِعِيَّة الأول فَقَط، فَكل من الْفَرِيقَيْنِ يَقُول بِصِحَّتِهَا على تَعْبِير الْحَنَفِيَّة، وَأما على تَعْبِير الشَّافِعِيَّة فَفِيهَا خلاف كَمَا صرح بقوله (وَالْخلاف فِي الإخالة) بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي كَونهَا طَرِيقا مثبتا لاعْتِبَار الشَّرْع الْوَصْف عِلّة للْحكم
стр. 1069
(و) المسلك (الثَّانِي) من المتفقة (الْإِجْمَاع) على كَون الْوَصْف عِلّة (فَلَا يخْتَلف) فِي هذَيْن المسلكين (فِي الْفَرْع إِلَّا أَن كَانَ ثُبُوتهَا) أَي الْمُنَاسبَة (أَو طَرِيقه) أَي طَرِيق نقل الْإِجْمَاع (ظنيا) كَالثَّابِتِ بالآحاد (أَو ذَاته) أَي الْإِجْمَاع ظنيا (كالسكوتي) أَي كالإجماع السكوتي وَقد مر تَفْسِيره فِي مبَاحث الْإِجْمَاع بِنَاء (على الْخلاف) الْوَاقِع فِي أَنه ظَنِّي أَو قَطْعِيّ مُطلقًا أَو إِذا كثر وتكرر فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى كَمَا مر (أَو يدعى فِيهِ) أَي فِي الْفَرْع (معَارض) بإقامتها الدَّلِيل على اخْتِصَاص عليته بِالْأَصْلِ، أَو يكون الْخصم مِمَّن يجوز تَخْصِيص الْعلَّة بِبَعْض الْمحَال ويدعى تخصيصها بِمَا سوى الْفَرْع لمَانع فِيهِ والخصم يمْنَع وجود الْمَانِع. ثمَّ مثل مَا هُوَ عِلّة بِالْإِجْمَاع بقوله (كالصغر فِي ولَايَة المَال) فَإِنَّهُ عِلّة لَهَا بِالْإِجْمَاع ثمَّ يُقَاس عَلَيْهَا ولَايَة النِّكَاح. قَالَ الشَّارِح: وَلَا خَفَاء فِي أَنه من علل الْولَايَة فِي النِّكَاح بِلَا خلاف انْتهى قُلْنَا مَقْصُود المُصَنّف مُجَرّد التَّمْثِيل لما هُوَ عِلّة بِالْإِجْمَاع. (و) المسلك (الثَّالِث النَّص) وَهُوَ (صَرِيح) من الْكتاب وَالسّنة يدل على الْعلية (للوضع) أَي لأجل كَونه مَوْضُوعا للعلية وَلَا يلْزمه لُزُوما بَينا أَو مُحْتَاجا إِلَى النّظر وَهُوَ (مَرَاتِب كعلة) كَذَا أَو بِسَبَب كَذَا (أَو لأجل كَذَا) كَقَوْلِه ﷺ " إِنَّمَا جعل الاسْتِئْذَان لأجل الْبَصَر، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ إِنَّمَا جعل الاسْتِئْذَان من أجل النّظر " (أَو كي) مُجَرّدَة عَن حرف النَّفْي كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿كي تقر عينهَا﴾ - أَو بهَا - ﴿كَيْلا يكون دولة﴾ - (أَو إِذن) كَقَوْلِه ﷺ " إِذن تَكْفِي همك وَيغْفر لَك ذَنْبك " بعد قَول الصَّحَابِيّ أجعَل لَك صَلَاتي كلهَا (ودونه) أَي دون هَذَا الْقسم فِي قُوَّة الدّلَالَة (مَا) يكون (بِحرف ظَاهر فِيهِ) أَي فِي التَّعْلِيل مَعَ كَونه مُحْتملا لغيره احْتِمَالا مرجوحا (كلكذا) نَحْو قَوْله - ﴿لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات﴾ - (أَو بِهِ) أَي بِكَذَا - ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ - (أَو أَن) حَال كَونهَا (شرطا أَو) أَن (الناصبة) - ﴿أفنضرب عَنْكُم الذّكر صفحا أَن كُنْتُم قوما مسرفين﴾ - بِكَسْر الْهمزَة فِي قِرَاءَة نَافِع وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ، وَبِفَتْحِهَا فِي قِرَاءَة البَاقِينَ (أَو) أَن (الْمَكْسُورَة الْمُشَدّدَة بعد جملَة والمفتوحة) نَحْو، ان عَذَاب رَبك بالكفار مُلْحق وان الْحَمد وَالنعْمَة لَك، فَإِن فِي أَن فيهمَا الْوَجْهَيْنِ إِذْ هَذِه الْحُرُوف قد تَجِيء لغير الْعلية فَاللَّام للعاقبة، وَالْبَاء للحاجية، وَأَن لمُجَرّد اللُّزُوم من غير سَبَبِيَّة، وَأَن لمُجَرّد نصب الْمُضَارع، وأنّ وأنّ لمُجَرّد التَّأْكِيد، وَأنكر السُّبْكِيّ كَون أَن بِالْكَسْرِ للتَّعْلِيل: قَالَ وَإِنَّمَا ترد للشّرط وَالنَّفْي وَالزِّيَادَة، وَأَن فهم التَّعْلِيل فِي الشّرطِيَّة فَهُوَ من تَعْلِيل الحكم على الْوَصْف (ودونه) أَي هَذَا الْقسم (الْفَاء فِي الْوَصْف) الصَّالح لعلية الحكم الْمُتَقَدّم على الْوَصْف كَقَوْلِه ﷺ فِي قَتْلَى أحد: زملوهم بكلومهم وَدِمَائِهِمْ (فَإِنَّهُم يحشرون) يَوْم الْقِيَامَة وأوداجهم تشخب دَمًا (أَو) فِي (الحكم) الْوَاقِع بعد مَا صلح لعلية كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾ -
стр. 1070
(فَاقْطَعُوا) أَيْدِيهِمَا، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا دون مَا قبله (لِأَنَّهَا) أَي الْفَاء بِحَسب الْوَضع (للتعقيب) وَالتَّرْتِيب (والباعث مقدم عقلا) على الحكم (مُتَأَخّر خَارِجا) عَنهُ تَارَة فِي الْجُمْلَة، فسوغ مُلَاحظَة الْأَمريْنِ دُخُول الْفَاء على كل مِنْهُمَا، فالعلية إِنَّمَا تفهم بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال، فَإِذا دخلت على الحكم الْوَاقِع بعد الْوَصْف الصَّالح للعلية ظهر بِالتَّأَمُّلِ أَن ترتبه على الْوَصْف بِاعْتِبَار باعثية الْوَصْف وتقدمه العقلى عَلَيْهِ، وفيا لعكس ظهر بِالتَّأَمُّلِ أَن تَأَخّر الْوَصْف بِاعْتِبَار تَأَخره الْخَارِجِي فالعلية بِحَسب الذِّهْن، وَالْخَارِج إِنَّمَا يفهم بطرِيق الِاسْتِدْلَال لَا بِوَضْع الْفَاء لَهَا، وَإِلَى مَا قُلْنَا أَشَارَ بقوله (فلوحظا) أَي التَّقَدُّم الْعقلِيّ والتأخر الْخَارِجِي (فِيهَا) أَي فِي الْفَاء عِنْد دُخُولهَا على الْعلَّة وَالْحكم (واذن) أَي وَإِذ كَانَ فهم الْعلية بملاحظة التَّقَدُّم والتأخر الْمَذْكُورين والتأمل فِي معنى الْكَلَام (فَلَا دلَالَة لَهَا) أَي للفاء وضعا (على علية مَا بعْدهَا) لما قبلهَا (أَو) على (حكميته) أَي على كَون مَا بعْدهَا حكما شرع لعلية مَا قبلهَا (بل) إِنَّمَا تدل على أَحدهمَا (بِخَارِج) عَمَّا وضع لَهُ الْفَاء، وَهُوَ الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (ودونه) أَي هَذَا الْقسم (ذَلِك) أَي دُخُول الْفَاء على الحكم (فِي لفظ الرَّاوِي سَهَا فَسجدَ). عَن عمرَان بن حُصَيْن أَن النَّبِي ﷺ صلّى بهم فَسَهَا فِي صلَاته فَسجدَ سَجْدَتي السَّهْو (وزنى مَاعِز فرجم) دلَالَته على الْعلية بِاعْتِبَار تَرْتِيب الحكم على الْوَصْف الْمُسْتَفَاد من وضع الْفَاء، فَكَانَ هَذَا دون مَا قبله (لاحْتِمَال الْغَلَط) من الرَّاوِي فِي فهم السَّبَبِيَّة (وَلَا ينفى) احْتِمَال الْغَلَط (الظُّهُور) لعدم الْغَلَط الْمُفِيد للظن لكَون الِاحْتِمَال مرجوحا (وَقيل هَذَا) إِيمَاء وَلَيْسَ بِصَرِيح، وَالْقَائِل الْآمِدِيّ والبيضاوي (كَمَا قيل فِي) قَوْله ﷺ : إِنَّهَا يَعْنِي الْهِرَّة لَيست بنجسة (إِنَّهَا من الطوافين) عَلَيْكُم والطوافات، وذكرهما بِصِيغَة التمريض يدل على أَن الْمُخْتَار دخولهما فِي الصَّرِيح على مَا فعله المُصَنّف (وإيماء) مَعْطُوف على قَوْله صَرِيح (وتنبيه) لقب آخر لهَذَا الْقسم، وَهُوَ (ترتيبه) أَي الحكم (على الْوَصْف) الصَّالح لعليته (فيفهم لُغَة) لَا وَصفا، بِمَعْنى أَن من يعرف اللُّغَة يفهم (أَنه) أَي الْوَصْف (عِلّة لَهُ) أَي للْحكم من التَّرْتِيب الْمَذْكُور (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن ذَلِك الْوَصْف عِلّة لذَلِك الحكم (كَانَ) ذَلِك التَّرْتِيب (مستبعدا) من الْعَارِف بمواقع التَّرْكِيب (وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم (إِيمَاء اللَّفْظ) من قبيل الْمَنْطُوق، وَقد مر فِي بَيَان اصْطِلَاح الشَّافِعِيَّة فِي الْفُصُول الْمُتَعَلّقَة بالمفرد (وَلَا يخص) هَذَا الْإِيمَاء (الشَّارِع إِلَّا أَنه) أَي عدم كَون الْوَصْف عِلّة (فِيهِ) أَي فِي الشَّارِع (أبعد) لكَون فَصَاحَته فِي الدرجَة الْعليا، وَقد ألف مِنْهُ اعْتِبَاره للمناسبات، فيغلب من الْمُقَارنَة مَعَ الْمُنَاسبَة ظن الِاعْتِبَار وَجعله عِلّة (وَلذَا) أَي ولكونه أبعد من الشَّارِع (يجب فِيهِ) أَي فِي الْوَصْف
стр. 1071
الَّذِي هُوَ عِلّة (الْمُنَاسبَة) لذَلِك الحكم، وَقد مر تَفْسِيرهَا (من الشَّارِع) أَي حَال كَونه صادرا مِنْهُ (للْقطع بِحِكْمَتِهِ) المستلزمة لرعاية الْمُنَاسبَة بَينهمَا، لِأَنَّهَا عبارَة عَن فعل الشَّيْء كَمَا يَنْبَغِي، عَن السُّبْكِيّ: أَن الْفُقَهَاء على أَنه لَا يجب على الله تَعَالَى رِعَايَة الْمصَالح، وَلَكِن لَا يَقع حكم إِلَّا بحكمة، والمتكلمون من أهل السّنة يَقُولُونَ: قد يَقع بحكمة، وَقد يَقع وَلَا حِكْمَة: قَالَ وَهُوَ الْحق انْتهى. وَاخْتَارَ المُصَنّف قَول الْفُقَهَاء فِي هَذَا الْمقَام، لِأَنَّهُ الْأَوْجه وَعدم بُلُوغ فهم الْبشر إِلَى الْحِكْمَة لَا يسْتَلْزم عدمهَا: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال مُرَادهم من نفي الْحِكْمَة الَّتِي تفهمها الْعُقُول على أَنه لَو فرض ترك رِعَايَة الْحِكْمَة فِي بعض الْأَحْكَام كَانَ ذَلِك تَنْبِيها على أَنه لَا يجب عَلَيْهِ تَعَالَى رعايتها، وَلَك أَن تَقول: هَذَا أَيْضا حِكْمَة فَتدبر (دون غَيره) أَي لَا تجب الْمُنَاسبَة فِي الْوَصْف الَّذِي صدر من غير الشَّارِع لعدم الْقطع بِحِكْمَتِهِ (كأكرم الْجَاهِل) إِذا صدر من غير الشَّارِع (وَإِن قضى بحمقه) أَي بحمق قَائِله، وَكَانَ هَذَا بِاعْتِبَار الزَّمَان السَّابِق (وَمِنْه) أَي الْإِيمَاء قَوْله ﷺ (لَا يقْضى القَاضِي) بَين اثْنَيْنِ (وَهُوَ غَضْبَان) إِذْ فِيهِ تَنْبِيه على أَن الْغَضَب عِلّة عدم جَوَاز الحكم، لِأَنَّهُ يشوش الْفِكر وَيُوجب الِاضْطِرَاب ثمَّ إِن وجود الْإِيمَاء عِنْد ذكر الْوَصْف وَالْحكم مَعًا مُتَّفق عَلَيْهِ (فَإِن ذكر الْوَصْف فَقَط كأحل الله البيع) فَإِن الْوَصْف، وَهُوَ حل البيع مَذْكُور، وَالْحكم وَهُوَ الصِّحَّة غير مَذْكُور، بل مستنبط من الْحل لِأَنَّهُ لَو لم يَصح لم يكن مُفِيدا لغايته فَكَانَ قبيحا، والقبيح حرَام (أَو) ذكر (الحكم) فَقَط (كأكثر) الْعِلَل (المستنبطة) نَحْو قَوْله ﷺ " حرمت الْخمر ": الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو حنيفَة وَغَيره، فَإِن الحكم فِيهِ مَذْكُور وَهُوَ التَّحْرِيم، وَالْوَصْف وَهُوَ الشدَّة المطربة مستنبطة مِنْهُ (فَفِي كَونهَا) أَي كَون الْعلَّة (إِيمَاء) أَي مومى إِلَيْهِ عِنْد ذكر أَحدهمَا فَقَط (تقدم) على صِيغَة الْمَجْهُول صفة كاشفة لإيماء (على غَيرهَا) من المستنبطة بِلَا إِيمَاء، وَقَوله فَفِي كَونهَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف بِقَرِينَة مَا بعده، أَعنِي ثَلَاثَة (مَذَاهِب) الأول (نعم) إِيمَاء بِنَاء (على أَن الْإِيمَاء اقتران) الْوَصْف بالحكم (مَعَ ذكرهمَا) أَي الْوَصْف وَالْحكم، وَفِي الْكَلَام مُسَامَحَة، لِأَن الْإِيمَاء لَيْسَ نفس الاقتران، بل مفاده (أَو) مَعَ ذكر (أَحدهمَا) وَتَقْدِير الآخر سَوَاء كَانَ الْمَذْكُور الْوَصْف أَو الحكم (و) الثَّانِي (لَا) يكون إِيمَاء (على أَنه) أَي الْإِيمَاء إِنَّمَا يكون (مَعَ ذكرهمَا) أَي الحكم وَالْوَصْف، وَإِذا لم يذكر فَلَا اقتران، والإيماء عِنْد الاقتران. (و) الثَّالِث (التَّفْصِيل فَمَعَ ذكر الْوَصْف) إِيمَاء (لَا) مَعَ ذكر (الحكم لِأَنَّهُ) أَي الْوَصْف هُوَ (المستلزم) للْحكم (فَذكره) أَي الْوَصْف (ذكره) أَي الحكم (فَيدل الحكم على الصِّحَّة) لما مر، فَإِن الْإِيمَاء بالاقتران، والاقتران ذكرهمَا مَعًا، وَذكر الْوَصْف مُسْتَلْزم
стр. 1072
لذكر الحكم، وَأما ذكر الحكم وَحده فَلَا يسْتَلْزم ذكر الْوَصْف (مِثَال الْمُتَّفق) عَلَيْهِ أَنه إِيمَاء قَول الْأَعرَابِي للنَّبِي ﷺ (واقعت أَهلِي، فَقَالَ) ﷺ (كفر)، وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ يَا رَسُول الله هَلَكت: فَقَالَ وَيحك، قَالَ وَقعت على أَهلِي فِي رَمَضَان، قَالَ أعتق رَقَبَة، قَالَ مَا أجد: قَالَ فَصم شَهْرَيْن مُتَتَابعين، قَالَ لَا أَسْتَطِيع، قَالَ فأطعم سِتِّينَ مِسْكينا، قَالَ مَا أجد: الحَدِيث. قَالَ الشَّارِح هَذَا الَّذِي ذكره المُصَنّف رِوَايَة بِالْمَعْنَى قلت: لَعَلَّه جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات (والمستبعد فِيهِ) أَي فِي هَذَا الْكَلَام (إخلاء السُّؤَال عَن جَوَابه) وَذَلِكَ لِأَن غَرَض الْأَعرَابِي واقعت عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لبَيَان حكمهَا، فَلَو لم يكن قَوْله كفر ذكرا للْحكم جَوَابا لَهُ للَزِمَ إخلاء السُّؤَال عَن الْجَواب فَيكون السُّؤَال مُقَدرا فِي الْجَواب كَأَنَّهُ قَالَ واقعت فَكفر (وَمنع تَأْخِير الْبَيَان عَن وقته) أَي وَقت الْبَيَان الْمُحْتَاج إِلَيْهِ (شَرْعِي) خبر لقَوْله منع إِلَى آخِره: أَي الْمَنْع الْمَذْكُور حكم شَرْعِي، وَلَا يَقع من الشَّارِع مَا هُوَ مَمْنُوع شرعا (وَالظَّاهِر علية عين الوقاع) للاعتاق وأخويه (وَكَونه) أَي كَون الحكم من الاعتاق وَغَيره (لما تضمنه) الوقاع من هتك حُرْمَة الصَّوْم مثلا كَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة (احْتِمَال) غير ظَاهر (وَحذف بعض الصِّفَات) الَّذِي لَا مدْخل لَهُ فِي الْعلية (فِي مثله) أَي فِي مثل هَذَا النَّوْع من الْإِيمَاء (وَاسْتِيفَاء الْبَاقِي يُسمى تَنْقِيح المناط) أَي تَلْخِيص مَا ربط الشَّارِع الحكم بِهِ عَن الزَّوَائِد (فِي اصْطِلَاح غير الْحَنَفِيَّة كحذف أعرابيته) أَي السَّائِل فِي الْخَبَر الْمَذْكُور (والأهل) أَي وكحذف كَون المواقع أَهلا، إِذْ لَا فرق فِي الْأَحْكَام بَين كَون الْمُكَلف أَعْرَابِيًا أَو غَيره، وَبَين كَون كل مَحل الوقاع أَهلا لَهُ وَبَين أَن لَا يكون أَهلا، فَإِن الزِّنَا بِإِيجَاب الْكَفَّارَة أَجْدَر (وتزيد الْحَنَفِيَّة) على الْحَذف الْمَذْكُور (كَونه) أَي حذف كَون الْفِعْل الْمُفطر (وقاعا) إِذْ لَا مدْخل لخصوصه فِي الْعلَّة لمساواته لغيره فِي تَفْوِيت ركن الصَّوْم وَهُوَ الْإِمْسَاك الْخَاص (فَيبقى) بعد حذف الزَّوَائِد (كَونه) أَي كَون هَذَا الْفِعْل، أَعنِي الوقاع (إفسادا عمدا بمشتهى) فَيكون المناط لوُجُوب الْكَفَّارَة، فَيجب بعمد أكل أَو شرب لمشتهي كَمَا يجب بالعمد من الْجِمَاع (و) يُسمى (النّظر فِي معرفَة وجودهَا) أَي الْعلَّة على التَّفْصِيل (فِي آحَاد الصُّور) أَي فِي أَفْرَاد مواد تحقق الْعلَّة (بعد تعرفها) أَي مَعْرفَتهَا إِجْمَالا فِي نَفسهَا (بِنَصّ) كَمَا فِي جِهَة الْقبْلَة فَإِنَّهَا منَاط وجوب استقبالها، وَهِي مَعْرُوفَة بقوله تَعَالَى - ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ - وَكَون هَذِه الْجِهَة جِهَة الْقبْلَة مظنون (أَو إِجْمَاع) كالعدالة فَإِنَّهَا منَاط وجوب قبُول الشَّهَادَة وَهِي مَعْلُومَة بِالْإِجْمَاع، وَأما عَدَالَة شخص معِين فمظنونة تعرف بِالِاجْتِهَادِ (تَحْقِيق المناط) مفعول ثَان للتسمية (وَلَا يخْتَلف فِيهِ) أَي فِي تَحْقِيق المناط، وَكَونه
стр. 1073
مسلكا صَحِيحا لمعْرِفَة وجود الْعلَّة فَإِن النَّص أَو الْإِجْمَاع أَفَادَ تعرفها إِجْمَالا، وَلَيْسَ سوى النّظر سَبِيل إِلَى معرفَة وجودهَا فِي الْآحَاد (ككون هَذَا) الشَّاهِد (عدلا فَيقبل) قَوْله فِي الشَّهَادَة وَهَذَا لَا يُنَافِي الْخلاف فِي وجود الْعَدَالَة فِي هَذَا الْمعِين، وَإِنَّمَا الْمُتَّفق عَلَيْهِ أَن طَرِيق معرفَة وجودهَا فِي الْآحَاد النّظر المستجمع شَرَائِط الصِّحَّة (وَالْأَكْثَر على الأول) أَي القَوْل بتنقيح المناط، وَغير الْأَكْثَر لَا يَقُول بإلغاء مَا لَا قطع لعدم مدخلية بل يظنّ لكنه دون تَحْقِيق المناط كَمَا نقل عَن الْغَزالِيّ وَغَيره (و) يُسمى النّظر (فِي تعرفها) أَي إِثْبَات الْعلَّة (لحكم نَص عَلَيْهِ) أَو أجمع (فَقَط) أَي لم ينص على علته وَلم يجمع، بل إِنَّمَا عرفت باستخراج الْمُجْتَهد لَهَا بِرَأْيهِ واجتهاده (تَخْرِيج المناط) كالنظر فِي إِثْبَات كَون الشدَّة المطربة عِلّة لتَحْرِيم الْخمر، وَهَذَا دون الْأَوَّلين وَقد أنكرهُ كثير من النَّاس (وَهُوَ) أَي تَخْرِيج المناط (أَعم من الأخالة) لِأَنَّهُ يصدق على مَا يثبت بالسبر (وَفِي كَلَام بعض) كَابْن الْحَاجِب (إِفَادَة مساواتها) أَي الإخالة لتخريج المناط، فَإِنَّهُ قَالَ الْمُنَاسبَة الإخالة وَيُسمى تَخْرِيج المناط تعْيين الْعلَّة بِمُجَرَّد إبداء الْمُنَاسبَة من ذَاته لَا بِنَصّ وَغَيره (وَعنهُ) أَي عَن تساويهما (نسب للحنفية) أَي إِلَيْهِم (نَفْيه) أَي نفي القَوْل بتخريج المناط كَمَا فِي البديع من أَنهم ينفون الإخالة لِأَن علية الْوَصْف لحكم شَرْعِي أَمر شَرْعِي لَا بُد من اعْتِبَار الشَّرْع لَهُ بِنَصّ أَو إِجْمَاع (وَاعْتذر بعض الْحَنَفِيَّة عَن عدم ذكرهم) أَي الْحَنَفِيَّة (تَنْقِيح المناط بِأَن مرجعه إِلَى النَّص) أَو الْإِجْمَاع والمناسبة فَذكرهَا يُغني عَن ذكره، وأيد المُصَنّف ذَلِك الِاعْتِذَار بقوله (وَلَا شكّ أَن) قبُول (معنى تَنْقِيح المناط وَاجِب على كل مُجْتَهد حَنَفِيّ وَغَيره وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يقبل مَعْنَاهُ (منع الحكم فِي مَوضِع وجود الْعلَّة) فَيمْنَع وجوب الْكَفَّارَة على غير الْأَعرَابِي وعَلى من جَامع فِي رَمَضَان غير أَهله لعدم حذف الزَّوَائِد من الصِّفَات الَّتِي لَا مدْخل لَهَا فِي الْعلَّة (غير أَن الْحَنَفِيَّة لم يضعوا لَهُ) أَي لِمَعْنى تَنْقِيح المناط (اسْما اصطلاحيا كَمَا لم يضعوا الْمُفْرد) لما وضع لِمَعْنى وَاحِد فَقَط كَمَا وضعُوا الْمُشْتَرك لما وضع لمعان (و) لم يضعوا (تَخْرِيج المناط وتحقيقه) أَي وَلم يضعوا تَحْقِيق المناط (مَعَ الْعَمَل بهَا فِي الْكل، وَكَون مرجع الِاسْتِدْلَال إِذا نقح النَّص المناط) أَي كَون مرجعه النَّص عِنْد التَّنْقِيح فَإِن حذف الزَّوَائِد عَن المناط الْمَنْصُوص رُجُوع إِلَى خُلَاصَة النَّص (لَا يصلح عِلّة لعدم الْوَضع) كَمَا يفِيدهُ اعتذار صدر الشَّرِيعَة وَذَلِكَ لِأَن التَّنْقِيح تصرف مَخْصُوص بِهِ يتَبَيَّن حَقِيقَة المناط الْمَنْصُوص ليستحق أَن يوضع لَهُ اسْم خَاص (بل ذَلِك) أَي عدم الْوَضع (رَاجع إِلَى الِاخْتِيَار) لذَلِك فَإِن الْإِنْسَان مُخَيّر فِي مثل ذَلِك لَا يجب عَلَيْهِ الْوَضع ومرجح الِاخْتِيَار الِاحْتِرَاز عَن تَكْثِير الِاصْطِلَاح مَعَ الْعلم بِالْمُسَمّى بِمُوجب الْعَمَل بِهِ (وَقَوْلهمْ) أَي الشَّافِعِيَّة الْإِيمَاء (اقتران) لحكم (بِوَصْف لَو لم يكن هُوَ) أَي ذَلِك الْوَصْف (أَو نَظِيره)
стр. 1074
أَي الْوَصْف (عِلّة) لذَلِك الحكم (كَانَ) ذَلِك الاقتران (بَعيدا، ثمَّ تَمْثِيل الثَّانِي) أَي النظير (بقوله) ﷺ (و) قد (سَأَلته) الخثعمية (عَن وَفَاة أَبِيهَا وَعَلِيهِ الْحَج أفيجزيه حَجهَا عَنهُ) ومقوله قَوْله ﷺ (أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيته الخ غير مُطَابق لِأَن النظير دين الْعباد، وَلَيْسَ) دين الْعباد (الْعلَّة) لِأَنَّهُ نفس الأَصْل، وَدين الله تَعَالَى الْفَرْع (بل) الْعلَّة للْحكم الَّذِي هُوَ سُقُوط مَا فِي الذِّمَّة بِفعل الْمُتَبَرّع (كَونه) أَي الْمقْضِي (دينا، وَذكره) أَي الشَّارِع دين الْعباد (ليظْهر أَن الْمُشْتَرك) بَينهمَا وَهُوَ الدّين الْمُطلق (الْعلَّة، وَتقدم التَّمْثِيل بِهِ) أَي بِهَذَا الحَدِيث (للحنفية لِلْعِلَّةِ الْوَاقِعَة حكما شَرْعِيًّا، وَلذَلِك) أَي وَلِأَن ذكر الشَّارِع إِيَّاه لظُهُور كَون الْمُشْتَرك عِلّة (يُسمى مثله تَنْبِيها على أصل الْقيَاس) وَهُوَ الدّين الْمُشْتَرك بَينهمَا (وَبِقَوْلِهِ) ﷺ مَعْطُوف على الضَّمِير الْمَجْرُور فِي قَوْله وَتقدم التَّمْثِيل بِهِ، وَعطفه الشَّارِح على بقوله وَسَأَلته فَيكون التَّقْدِير، ثمَّ تَمْثِيل الثَّانِي بقوله لعمر فَاحْتَاجَ إِلَى الْخَبَر، لِأَن مَا هُوَ خبر فِي جَانب الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَهُوَ غير مُطَابق لَا يصلح للخبرية هُنَا، وَهُوَ ظَاهر، وَمَا ذكرنَا مَعَ قربه غير محوج إِلَى الْخَبَر، وَكَأَنَّهُ عدل عَنهُ لعدم اشتراكهما فِي قَوْله للحنفية الخ.
وَأَنت خَبِير بِأَنَّهُ لَا يضر فِي الْعَطف لجَوَاز أَن يخْتَص الْمَعْطُوف عَلَيْهِ بِبَعْض الْقُيُود عِنْد وجود الْقَرِينَة (لعمر) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (و) قد (سَأَلَهُ عَن قبْلَة الصَّائِم) بِأَنَّهَا (هَل تفْسد) الصَّوْم، ومقول قَوْله ﷺ (أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِمَاء ثمَّ مججته أَكَانَ يفْسد) فَإِن قلت قد ذكر تقدم التَّمْثِيل بِحَدِيث الخثعمية بتقريب تَمْثِيل الشَّافِعِيَّة نَظِير الْوَصْف بِهِ، فَمَا تقريب ذكر تقدم التَّمْثِيل بِحَدِيث عمر قلت بِقَرِينَة كَونه من التَّنْبِيه على أصل الْقيَاس، وَإِنَّمَا تقدم التَّمْثِيل بِهِ فِي بحث اعْتِبَار الشَّارِع الْعلَّة (وَقيل لَيْسَ) هَذَا الْمِثَال (مِنْهُ) أَي من التَّنْبِيه على أصل الْقيَاس (إِذْ لَا يُنَاسب كَونه) أَي التمضمض بِالْمَاءِ (مُقَدّمَة) لإفساد الصَّوْم لِأَنَّهُ مُقَدّمَة الشّرْب وَالشرب من مفسداته (غير مفضية) إِلَى الْإِفْسَاد لعدم فَسَاده بالمضمضة (عدم الْفساد) مَنْصُوب بقوله لَا يُنَاسب: يَعْنِي أَن الْمَضْمَضَة لَا مُنَاسبَة بَينهَا وَبَين عدم الْفساد بِسَبَب كَونهَا من مُقَدمَات الْفساد وَإِن لم تكن مفضية إِلَيْهِ، وَالْعلَّة يجب أَن تكون مُنَاسبَة للْحكم (بل) إِنَّمَا يُنَاسب عدم الْإِفْسَاد مُنَاسبَة مسوغة للعلية (وجود مَا يمْنَع مِنْهُ) أَي من الْإِفْسَاد، والتمضمض لَيْسَ كَذَلِك لِأَن نسبته إِلَى الْإِفْسَاد وَعَدَمه على السوية، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَوُجُود مَا يتَّفق مَعَه) أَي الْفساد تَارَة (وَلَا يتَّفق) مَعَه أُخْرَى (لَا يلْزم عِلّة) أَي وجود أَمر كَذَلِك لَا يلْزم عِلّة الْفساد (فَإِنَّمَا هُوَ) النّظر الْمَذْكُور (نقض توهمه) أَي توهم عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عليته
стр. 1075
للإفساد (وَمِنْه) أَي الْإِيمَاء (أَن يفرق بَين الْحكمَيْنِ بِذكر وصفين كللراجل سهم وللفارس سَهْمَان) فَإِن الْفرق بَين الْحكمَيْنِ من حَيْثُ الْعدَد فِي مثل هَذَا الْمقَام: أَعنِي عِنْد وجود مَا يَقْتَضِي عدم الْفرق بَين الْحكمَيْنِ ككون الراجل والفارس متساويين فِي أصل الْجِهَاد بِذكر وصفين هما الراجلية والفارسية مشيرين إِلَى وَجه الْفرق بَين الموصوفين فِي الحكم إِيمَاء إِلَى أَن عِلّة الْحكمَيْنِ الوصفان الْمَذْكُورَان (أَو) يذكر (أَحدهمَا) أَي أحد الوصفين فَقَط (كلا يَرث الْقَاتِل) فَإِنَّهُ لم يذكر الْوَصْف الآخر وَهُوَ غير الْقَاتِل لكنه يفهم بِقَرِينَة الْمُقَابلَة، فتخصص الْقَاتِل بِالْمَنْعِ من الْإِرْث (بعد ثُبُوت عُمُومه) أَي الْإِرْث لَهُ وَلغيره يشْعر بِأَن عِلّة الْمَنْع الْقَتْل، فالتفريق بَين منع الْإِرْث وَالْإِرْث بِوَصْف الْقَتْل الْمَذْكُور مَعَ منع الْإِرْث لَو لم يكن لعلية الْقَتْل لمنع الْإِرْث لَكَانَ بَعيدا (أَو) يفرق بَينهمَا (فِي ضمن غَايَة) كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وَلَا تقربهن (حَتَّى يطهرهن﴾﴾ فَإِنَّهُ فرق بَين منع القربان وإباحته المفهومة من ذكر الْغَايَة الْمَدْلُول عَلَيْهَا بقوله تَعَالَى - ﴿فَإِذا تطهرن فأتوهن﴾ - بِذكر الْغَايَة وَهُوَ الطُّهْر، فَلَو لم يكن لعلية الطُّهْر للْجُوَاز لَكَانَ بَعيدا (أَو) فِي ضمن (اسْتثِْنَاء) كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون﴾ أَي الزَّوْجَات عَن ذَلِك النّصْف فَلَا شَيْء لَهُنَّ فتفريقه بَين لُزُوم النّصْف وَعَدَمه فِي ضمن الِاسْتِثْنَاء لَو لم يكن لعلية الْعَفو للانتفاء لَكَانَ بَعيدا (أَو) فِي ضمن (شَرط) كَقَوْلِه ﷺ (إِذا اخْتلف الجنسان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم) وَفِي لفظ مُسلم، فَإِذا اخْتلفت هَذِه الْأَجْنَاس، فبيعوا كَيفَ شِئْتُم لَعَلَّه جَاءَ بِهَذَا اللَّفْظ أَيْضا، وَإِلَّا فَهُوَ نقل بِالْمَعْنَى، فالتفريق بَين منع بيع الْجِنْس بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا وَبَين جَوَازه بِغَيْر جنسه لَو لم يكن لعلية الِاخْتِلَاف للْجُوَاز لَكَانَ بَعيدا، ثمَّ هَذَا الْمِثَال مِمَّا نَحن فِيهِ (لَو لم تكن) أَي لم تُوجد (الْفَاء) دَاخِلَة على الحكم لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ من قبيل الصَّرِيح كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ - (على مَا قيل) وَهُوَ مُتَّجه (وَذكر فِي اشْتِرَاط الْمُنَاسبَة فِي) صِحَة (علل الْإِيمَاء) ثَلَاثَة مَذَاهِب: الأول (نعم) يشْتَرط لإِجْمَاع الْفُقَهَاء على لُزُوم الحكم فِي الْأَحْكَام، وَلِأَن الْغَالِب فِي الْأَحْكَام التَّعْلِيل بالعلل الْمُنَاسبَة، فَإِنَّهُ أقرب إِلَى الانقياد من التَّعَبُّد الْمَحْض فَيلْحق بالأعم الْأَغْلَب. (و) الثَّانِي (لَا) يشْتَرط لِأَن الْعلية تفهم بِدُونِهَا (و) الثَّالِث (الْمُخْتَار) لِابْنِ الْحَاجِب وَغَيره أَنه (إِن فهم التَّعْلِيل من الْمُنَاسبَة) كَمَا فِي لَا يقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان (اشْترطت) معنى الِاشْتِرَاط حِينَئِذٍ اللُّزُوم وَعدم التحقق بِدُونِ الْمُنَاسبَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يفهم التَّعْلِيل من الْمُنَاسبَة بل بغَيْرهَا من الطّرق (فَلَا) يشْتَرط، لِأَن التَّعْلِيل يفهم من غَيرهَا فَلَا حَاجَة إِلَيْهَا. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَلَا يخفى ضعف هَذَا فَإِن وجود مَا يفهم مِنْهُ الْعلية لَا يَقْتَضِي عدم اشْتِرَاط أَمر آخر لصِحَّة الْعلية واعتبارها فِي بَاب الْقيَاس (قيل وَإِنَّمَا يَصح)
стр. 1076
عدم الِاشْتِرَاط (إِذا أُرِيد بالمناسبة ظُهُورهَا) عِنْد النظار (وَإِلَّا فَلَا بُد مِنْهَا) أَي الْمُنَاسبَة (فِي الْعلَّة الباعثة) الَّتِي لَا يتَحَقَّق بِدُونِهَا (بِخِلَاف الأمارة الْمُجَرَّدَة) عَن الباعثية. قَالَ المُصَنّف: (وَأَنت تعلم أَن الْفَرْض أَنَّهَا) أَي الْعلَّة (علمت من إِيمَاء النَّص، فَكيف يفصل إِلَى أَن تعلم) الْعلَّة (بالمناسبة: يَعْنِي فَقَط فتشترط) الْمُنَاسبَة (أَو) تعلم (لَا بهَا) أَي الْمُنَاسبَة (فَلَا) تشْتَرط. (و) المسلك (الرَّابِع السبر التَّقْسِيم) وَهُوَ (حصر الْأَوْصَاف) الْمَوْجُودَة فِي الأَصْل الصَّالِحَة للعلية ظَاهرا فِي عدد (وَيَكْفِي) الْمُسْتَدلّ المناظر (عِنْد مَنعه) أَي منع حُصُولهَا أَن يَقُول (بحثت فَلم أجد) مَا يصلح للعلية غَيرهَا لِأَن الظَّاهِر أَنَّهَا لَو كَانَت لما خفيت على الْمُجْتَهد الباحث (أَو) يَقُول (الأَصْل) فِي الْأَشْيَاء (الْعَدَم) فَالْأَصْل عدم غير الْأَوْصَاف الَّتِي وَجدتهَا فَلَا يعدل عَنهُ إِلَّا عِنْد قيام دَلِيل الْوُجُود، وَلَا دَلِيل (ثمَّ حذف بَعْضهَا) أَي الْأَوْصَاف المحصورة، وَهُوَ مَا سوى الَّذِي ظن عليته (فَيتَعَيَّن الْبَاقِي) بعد الْحَذف للعلية، فَظهر أَن السبر اخْتِيَار الْوَصْف هَل يصلح للعلية أَولا، والتقسيم هُوَ أَن الْعلَّة إِمَّا كَذَا وَإِمَّا كَذَا، نقل عَن المُصَنّف أَنه كَانَ الْمُنَاسب تَقْدِيم التَّقْسِيم فِي اللَّفْظ لتقدمه فِي الْخَارِج إِلَّا أَن اللقب وَقع هَكَذَا (وَلَو أبدى) الْمُعْتَرض وَصفا (آخر فالمختار لَا يَنْقَطِع) الْمُسْتَدلّ، بل عَلَيْهِ دَفعه بِإِبْطَال التَّعْلِيل بِهِ (إِلَّا أَن لم يُبطلهُ) أَي الْمُسْتَدلّ كَون المبدي عِلّة وصلاحية لَهَا فَإِنَّهُ يلْزم الِانْقِطَاع حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا لَا يَنْقَطِع بِمُجَرَّد منع الْحصْر مصروفا بِسَنَدِهِ (لِأَنَّهُ) أَي الْمُسْتَدلّ (لم يدع الْحصْر قطعا) فمجرد احْتِمَال وَصرف آخر لَا يضرّهُ (ويكفيه) أَي الْمُسْتَدلّ عِنْد الْمَنْع الْمَذْكُور (عَلمته وَلم أدخلهُ) فِي الْحصْر (لعدم صلاحيته) لكذا. وَقيل يَنْقَطِع الْمُسْتَدلّ بِمُجَرَّد إبداء الْمُعْتَرض وَصفا زَائِدا لِأَنَّهُ ظهر بطلَان حصره. وَقد عرفت جَوَابه (وطرق الْحَذف بَيَان إلغائه) أَي الْمَحْذُوف ثمَّ بَين كَيْفيَّة إلغائه بقوله (بِثُبُوت الحكم بِالْبَاقِي) بعد الْحَذف من الْأَوْصَاف المحصورة (فَقَط فِي مَحل) بِأَن يُوجد الحكم فِي مَحل لَا يُوجد فِيهِ سوى الْبَاقِي من تِلْكَ الْأَوْصَاف (فَلَزِمَ) من ثُبُوته بِالْبَاقِي فَقَط فِي ذَلِك الْمحل (استقلاله) أَي اسْتِقْلَال الْبَاقِي فِي الْعلية، وَإِلَّا لم يثبت الحكم مَعَه (وَعدم جزئية الملغي) فِي الْعلية: أَي عدم مدخليته (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن بَيَان الإلغاء ثُبُوت الحكم بِالْبَاقِي فَقَط، بل بِأَن يُقَال لَو كَانَ الْمَحْذُوف عِلّة لانتفى الحكم عِنْد انتفائه، وَحَيْثُ لم ينتف عِنْد انتفائه لم يكن عِلّة (فَهُوَ) أَي مرجع بَيَان الإلغاء الْمُبين بِهَذَا الطَّرِيق (الْعَكْس) الْمُفَسّر فِيمَا سبق بِانْتِفَاء الحكم لانْتِفَاء الْوَصْف وَقد عرفت بِأَنَّهُ مَبْنِيّ على منع تعدد الْعلَّة المستقلة كَمَا ذهب إِلَيْهِ قوم، وَالْمُخْتَار جَوَاز التَّعَدُّد فَلَا يشْتَرط الانعكاس فِي الْعلَّة (غير أَنه) أَي الْمحل الَّذِي ثَبت فِيهِ الحكم بِالْبَاقِي فَقَط (أصل آخر) لإلحاق الْفَرْع غير الأَصْل الَّذِي فِيهِ الْبَاقِي مَعَ غَيره من غَيره من تِلْكَ الْأَوْصَاف (فَالْقِيَاس
стр. 1077
عَلَيْهِ) أَي على الأَصْل الآخر مُتَعَيّن لِأَنَّهُ (يسْقط) من الْإِسْقَاط (مُؤنَة الْحَذف) أَي إِلْغَاء مَا سوى الْوَصْف الَّذِي ادّعى عليته لِأَنَّهُ لم يُوجد فِي هَذَا الأَصْل غَيره خلاف الأَصْل الَّذِي هُوَ فِيهِ مَعَ غَيره فَلَا بُد من إِلْغَاء الْغَيْر فِيهِ كَمَا إِذا اسْتدلَّ على ربوية الذّرة قِيَاسا على الْبر الَّذِي فِيهِ الطّعْم والقوت والكيل فَلَا يتَعَيَّن أَحدهَا للعلية إِلَّا بإلغاء مَا عداهُ، بِخِلَاف مَا إِذا قيس بالملح الَّذِي لَيْسَ فِيهِ سوى الْكَيْل فَإِنَّهُ مُتَعَيّن، فَلَيْسَ فِيهِ مُؤنَة الْحَذف والالغاء (وَبعد أَنَّهَا) أَي الْمُعَارضَة بابداء أصل آخر وادعاء تعين ذَلِك للأصالة سُقُوط مُؤنَة الْحَذف (مشاحة) أَي مضايقة ومناقشة (لفظية) لثُبُوت الحكم لكل من الْأَصْلَيْنِ بِلَا تفَاوت (قد تكون أَوْصَافه) أَي أَوْصَاف الأَصْل الآخر كالملح (أَكثر) من الأَصْل الأول كالبر فَيلْزم أَن تكونة مُؤنَة الْحَذف أَكثر (وَكَونه) بِالْجَرِّ عطفا على الْمَجْرُور فِي قَوْله ثُبُوت الحكم: أَي وَيكون الْمَحْذُوف (مِمَّا علم إلغاؤه) فِي الشَّرْع (مُطلقًا) أَي فِي جَمِيع الْأَحْكَام كالاختلاف فِي الطول وَالْقصر والسواد وَالْبَيَاض إِلَى غير ذَلِك (أَو) لكَونه مِمَّا علم إلغاؤه (فِي ذَلِك) الحكم المبحوث عَنهُ وَإِن اعْتبر فِي غَيره (كالذكورة وَالْأُنُوثَة فِي أَحْكَام الْعتْق) فَإِنَّهُ قد اعْتبر الِاخْتِلَاف فيهمَا فِي الشَّهَادَة وَالْقَضَاء والإمامة الصُّغْرَى والكبرى وَالْإِرْث (وَأَن لَا يظْهر لَهُ) أَي للمستدل مَعْطُوف أَيْضا على الْمَجْرُور الْمَذْكُور، وَالْبَاء مقدرَة، يَعْنِي بَيَان الإلغاء بِأَن لَا يظْهر لَهُ (مُنَاسبَة) بَين الْمَحْذُوف وَبَين الحكم بعد الْبَحْث عَنْهَا (وَيَكْفِي) لَهُ أَن يَقُول (بحثت) عَن الْمُنَاسبَة (فَلم أَجدهَا) فلكونه مُجْتَهدا يعْتَمد على بَحثه. فَعدم وجدانه دَلِيل الْعَدَم، ولعدالته يصدق، وَلَا سَبِيل إِلَى معرفَة وجدانه إِلَّا بإخباره (فَإِن قَالَ) الْمُعْتَرض (الْبَاقِي كَذَلِك) أَي غير مُنَاسِب لَا فِي بحثت فَلم أجد لَهُ مُنَاسبَة (تَعَارضا) أَي وصف الْمُسْتَدلّ، وَوصف الْمُعْتَرض، لِأَنَّهُ أَيْضا مُجْتَهد عدل (وَوَجَب) على الْمُسْتَدلّ (التَّرْجِيح) لوصفه الْحَاصِل من سبره على الْوَصْف الْحَاصِل من سبر الْمُعْتَرض، وَهَذَا لِأَنَّهُ فِي مقَام المناظرة، وَإِلَّا فالمجتهد يجب عَلَيْهِ الْعَمَل بظنه وَإِن كَانَ ظن غَيره أرجح فِي نفس الْأَمر، وَإِنَّمَا لم يجب على الْمُعَلل بَيَان الْمُنَاسبَة (إِذْ لَو أَوجَبْنَا بَيَانهَا على الْمُعَلل انْتقل) عَن طَرِيق السبر (إِلَى الإخالة) إِذْ هِيَ تعْيين الْعلَّة بإبداء الْمُنَاسبَة، وَهِي انْقِطَاع (وَقد يُقَال لما اخْتلف حَاله) أَي الْمُعَلل (بِحَقِيقَة الْمُعَارضَة) من الْمُعْتَرض (فَكَأَنَّهُ) أَي التَّعْلِيل (ابْتِدَاء) غير التَّعْلِيل الأول، فَلَا يضر ذَلِك الِانْتِقَال (مَعَ أَنَّهَا) أَي هَذِه الطَّرِيقَة، يَعْنِي عدم الِانْتِقَال من مَسْلَك إِلَى مَسْلَك آخر طَريقَة (تحسينية) غير ضَرُورِيَّة، فَإِن انْتقل من السبر إِلَى الإخالة فَلهُ ذَلِك، وَلَا يعد ذَلِك انْقِطَاعًا كَمَا سَيذكرُهُ المُصَنّف فِي فصل الأسولة (وَله) أَي للمعلل أَن يرجح وَصفه الْحَاصِل من سبره (بِالتَّعَدِّي) إِذا كَانَ وصف الْمُعْتَرض قاصرا على الأَصْل، والمتعدي مجمع عَلَيْهِ، والقاصر مُخْتَلف فِيهِ، أَو يُقَال:
стр. 1078
الْمُتَعَدِّي أَكثر فَائِدَة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَكَثْرَة الْفَائِدَة) فَهَذَا مكمل للترجيح الْمَذْكُور. وَيُمكن أَن يكون إِشَارَة إِلَى مُرَجّح آخر، وَذَلِكَ بِأَن يكون متحققا فِي محَال مُتعَدِّدَة من الْأُصُول وَالْفُرُوع فيستنبط مِنْهُ أقيسة مُتعَدِّدَة وَأَحْكَام كَثِيرَة (فَإِن قلت علم بِمَا ذكر) من عد عدم ظُهُور الْمُنَاسبَة من طرق الْحَذف حَتَّى لَو قَالَ الْمُعْتَرض: أَن المستبقى كَذَلِك بتحقق الْمُعَارضَة فَيخرج الْمُعَلل إِلَى التَّرْجِيح (اشْتِرَاط مناسبته) أَي الْوَصْف المستبقى (فَلم لم تتفق الْحَنَفِيَّة) مَعَ الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم (على قبُوله) أَي قبُول هَذَا الطَّرِيق بعد اشْتِرَاط الْمُنَاسبَة فِيهِ (قُلْنَا يجب على أصولهم) أَي الْحَنَفِيَّة (نَفْيه) أَي نفي قبُوله (وَإِن رضية الْجَصَّاص والمرغيناني) مِنْهُم، دفع لما يَأْتِي: من أَنه كَيفَ يجب على أصولهم نَفْيه مَعَ اخْتِيَار الشَّيْخَيْنِ الْمَذْكُورين إِيَّاه مَعَ كَمَال معرفتهما أصولهم وَحَاصِله أَن الْبُرْهَان إِذا قَامَ على وجوب نَفْيه على أصولهم يحكم بِمُوجب الْبُرْهَان وَإِن كَانَ مرضيهما خِلَافه فلعلهما خالفاهم فِي تِلْكَ الْأُصُول، أَو غفلا عَن موجبهما إِلَى غير ذَلِك (لِأَن الْبَاقِي بعد نفي غَيره) أَي بعد حذف غير الْبَاقِي من الْأَوْصَاف (لم يثبت اعْتِبَاره) شرعا (بِظُهُور التَّأْثِير) وَهُوَ ظُهُور أثر الْوَصْف شرعا، أَعنِي اعْتِبَاره علية جنسه أَو عينه فِي جنس الحكم أَو عينه كَأَنَّهُ أَرَادَ بالتأثير أثر الْوَصْف إِلَى آخِره، وَإِلَّا يلْزم التّكْرَار (والملاءمة) تَصْرِيح بِمَا علم ضمنا لما مر: من أَن التَّأْثِير يسْتَلْزم الْمُنَاسبَة ويسمونها ملاءمة فَالْحَاصِل أَن الْحَنَفِيَّة إِنَّمَا يشترطون التَّأْثِير بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور فِي الْعلَّة، وَالْحَاصِل بالسبر وَإِن اعْتبر فِيهِ الْمُنَاسبَة من أَيْن لَهُ التَّأْثِير الْمَذْكُور، وَمُجَرَّد الْمُنَاسبَة لَا تزيد عَن الإخالة وَهِي غير مُعْتَبرَة عِنْدهم (فَلِذَا) أَي فَلَمَّا ذكرنَا من لُزُوم التَّأْثِير (رده) أَي رَجَعَ الْحَاصِل بالسبر (من قبله من متأخريهم) أَي الْحَنَفِيَّة (إِلَى النَّص أَو الْإِجْمَاع. قَالَ) الْمُتَأَخر الْمَذْكُور (أَو الْمُنَاسبَة). قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين التَّفْتَازَانِيّ فِي فُصُول الْبَدَائِع: إِنَّمَا لم يذكرهُ مَشَايِخنَا مَعَ صِحَّته طَرِيقا واستعمالهم إِيَّاه كثيرا، لِأَن مآله فِي التَّحْقِيق إِلَى أَخذ الْبَاقِيَة من النَّص وَالْإِجْمَاع أَو الْمُنَاسبَة والتأثير انْتهى. (وَفِيه نظر) لِأَن كَلَامه يدل على أَن رده إِلَى كل وَاحِد من الثَّلَاثَة يستدعى قبُوله وَلَيْسَ كَذَلِك (إِذْ تبين أَنَّهَا) أَي الْمُنَاسبَة الْحَاصِلَة فِي المستبقى من أَوْصَاف السبر (لَا تَسْتَلْزِم التَّأْثِير) فَإِن أَرَادَ الْمُنَاسبَة مَعَ التَّأْثِير كَمَا يفهم من عبارَة الشَّيْخ الْمَذْكُور يمْنَع الرَّد إِلَيْهَا، وَإِن أَرَادَ مَا هُوَ أَعم لَا يُفِيد الْقبُول عِنْد الْحَنَفِيَّة لاعتبارهم التَّأْثِير كَمَا مر غير مرّة (وَشَرطه) أَي الْمُتَأَخر الْمَذْكُور (فِي بَيَان الْحصْر) أَي حصر مَا يُمكن أَن يكون عِلّة من أَوْصَاف السبر فِي المستبقى (أَن يثبت عدم علية غير المستبقى بِالْإِجْمَاع أَو النَّص) قَوْله أَن يثبت إِلَى آخِره مفعول شَرطه وَخَبره قَوْله (لَا يُوجب كَونهَا) أَي كَون علية المستبقى (ثَابِتَة بِالْإِجْمَاع) أَو النَّص (إِلَّا مَعَ)
стр. 1079
ضميمة أُخْرَى من (الْقطع بالحذف والحصر) أَي مُجَرّد عدم ثُبُوت علية غير المستبقى لَا يسْتَلْزم عليته لجَوَاز أَن لَا يكون المستبقى أَيْضا عِلّة: نعم إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِ الْإِجْمَاع على أَن الصَّالح للعلية مُطلقًا منحصر فِي هَذِه الْأَوْصَاف، وَأجْمع أَيْضا على أَن مَا عدا المستبقى مَحْذُوف ملغي، فَحِينَئِذٍ يثبت إِجْمَاعًا علية المستبقى، لِأَن الحكم لَا يكون بِلَا عِلّة كَمَا مر (وَلَيْسَ) الْقطع الْمَذْكُور (بِلَازِم للشَّافِعِيَّة) أَي عِنْد الشَّافِعِيَّة الْقَائِلين بحجيته، وَكَذَا عِنْد من وافقهم فِيهِ (بل رتبته) أَي ثُبُوت الْعلية للمستبقى، وَفِي بعض النّسخ مرتبته (الإخالة) أَي رتبته الإخالة (فَالْخِلَاف فِيهِ ثَابت، و) المسلك (الْخَامِس الدوران) وَيُسمى الطَّرْد وَالْعَكْس، اخْتلفُوا فِيهِ هَل هُوَ مَسْلَك صَحِيح أم لَا؟ (نَفَاهُ) أَي نفى كَونه مسلكا صَحِيحا للعلية (الْحَنَفِيَّة ومحققو الأشاعرة) كَابْن السَّمْعَانِيّ وَالْغَزالِيّ والآمدي وَابْن الْحَاجِب (وَالْأَكْثَر) قَالُوا (نعم) هُوَ مَسْلَك صَحِيح. (ثمَّ) اخْتلف الْقَائِلُونَ بِصِحَّتِهِ هَل يُفِيد الْقطع أَو الظَّن (قيل يُفِيد ظنا) بالعلية، قَالَه الإِمَام الرَّازِيّ وعراقيو الشَّافِعِيَّة، وَعَلِيهِ جُمْهُور الجدليين (وَقيل) يُفِيد (قطعا) وَهُوَ معزو إِلَى بعض الْمُعْتَزلَة (وَشرط بَعضهم لاعتباره) أَي الدوران (قيام النَّص) الدَّال على الحكم (فِي حَالي وجود الْوَصْف وَعَدَمه) وَالْحكم لَا يُضَاف إِلَى النَّص، بل إِلَى الْوَصْف (كَالْوضُوءِ وَجب للْقِيَام) إِلَى الصَّلَاة حَال كَون الْقَائِم (مُحدثا، وَلم يجب لَهُ) أَي للْقِيَام (دونه) أَي دون الْحَدث، فوجوب الْوضُوء مُعَلل بِالْحَدَثِ دائر مَعَه وجودا وعدما، وَالنَّص وَهُوَ الْقيام إِلَى الصَّلَاة قَائِم: أَي مَوْجُود فِي حَال وجود الْحَدث وَعَدَمه من غير أَن يُضَاف الحكم إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذا قَامَ إِلَيْهَا مُحدثا يجب الْوضُوء للْحَدَث لَا للْقِيَام إِلَيْهَا، وَإِذا قَامَ إِلَيْهَا غير مُحدث لَا يجب (وَمُقْتَضى النَّص) أَي قَوْله تَعَالَى - ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة﴾ - الْآيَة (الْوُجُوب) أَي وجوب الْوضُوء على الْقَائِم إِلَيْهَا مَعَ عدم الْحَدث (كَمَا) مُقْتَضَاهُ وُجُوبه على الْقَائِم إِلَيْهَا (مَعَه) أَي مَعَ الْحَدث، وَذَلِكَ لِأَن الْجَزَاء وَهُوَ الْأَمر بِالْغسْلِ لَازم للشّرط وَهُوَ الْقيام إِلَى الصَّلَاة، وَإِنَّمَا شَرط هَذَا لاعْتِبَار الدوران، لِأَنَّهُ عِنْد كَون الحكم دائرا مَعَ الْوَصْف وجودا وعدما، وَعدم كَونه مُضَافا إِلَى النَّص حَال وجود الْوَصْف، وَعدم دلَالَة ظَاهِرَة على علية الْوَصْف (وَالْقَضَاء) حَال كَون القَاضِي (غَضْبَان بِلَا شغل بَال جَائِز، وَالنَّص) وَهُوَ قَوْله ﷺ (لَا يقْضِي) القَاضِي بَين اثْنَيْنِ (وَهُوَ غَضْبَان) الْمُفِيد حُرْمَة الْقَضَاء فِي حَال الْغَضَب (قَائِم) فِي حَالي وجود الْوَصْف: أَي شغل البال وَعَدَمه، وَالْحكم دائر مَعَ عدم شغل البال وجودا وعدما، فَإِذا كَانَ غَضْبَان غير مَشْغُول البال يجوز قَضَاؤُهُ، وَإِذا كَانَ مَشْغُول البال بِغَيْر غضب بل بِنَحْوِ جوع وعطش مفرطين، أَو وجع شَدِيد
стр. 1080
أَو مدافعة الأخبثين لَا يجوز قَضَاؤُهُ، فَعلم أَن الحكم لَا يُضَاف إِلَى النَّص لِأَن مُقْتَضَاهُ أَن لَا يقْضى فِي الْغَضَب، وَيقْضى فِي غير الْغَضَب: إِمَّا بطرِيق الْمَفْهُوم عِنْد الْقَائِل بِهِ وَإِمَّا بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّة، أَو بِإِطْلَاق النُّصُوص عِنْد غَيره (وَلَا دَلِيل لَهُ) أَي لهَذَا الشارط على اعْتِبَار هَذَا الشَّرْط (غير الْوُجُود) أَي وجود مَا شَرطه فِي هذَيْن النصين، وَأَنت تعلم أَن الْوُجُود لَا يسْتَلْزم الِاشْتِرَاط (و) قد (منع) وجود الشَّرْط الْمَذْكُور فيهمَا (بِأَن مُرَاده) تَعَالَى وَهُوَ أعلم بمراده إِذا أردتم الْقيام إِلَى الصَّلَاة (وَأَنْتُم محدثون) كَمَا هُوَ مأثور عَن ابْن عَبَّاس ومنصوص فِي التَّيَمُّم، وَهُوَ بدله، وَالْبدل لَا يُفَارق الأَصْل فِي مثله، وَإِلَّا لم يكن بَدَلا بل كَانَ وَاجِبا ابْتِدَاء على مَا قَالُوا (و) بِأَن (الشّغل) للقلب (لَازم) للغضب فَلَا يُوجد الْغَضَب بِدُونِهِ، فَلم يُوجد جَوَاز الْقَضَاء مَعَ قيام النَّص (فالنص) مَحْمُول (على ظَاهره). وَلَا نسلم أَن من حكم هَذَا النَّص حل الْقَضَاء عِنْد عدم الْغَضَب: أما عندنَا فلعدم الْمَفْهُوم، وَأما عِنْد الْقَائِل بِهِ فَيشْتَرط عدم التَّسَاوِي بَين الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم، وَعند شغل الْقلب بِغَيْر الْغَضَب مِمَّا ذكر من الْأَسْبَاب، فالتساوي بَينهمَا مَوْجُود. (النافون) لكَون الدوران مسلكا صَحِيحا (قَالُوا تحقق انتفاؤها) أَي الْعلية (مَعَ وجوده) أَي الدوران (فِي المتضايفين) كالأبوة والبنوة، والفوقية والتحتية: فَإِنَّهُ كلما تحقق أَحدهمَا تحقق الآخر، وَكلما انْتَفَى انْتَفَى، وَلَا علية وَلَا معلولية بَينهمَا اتِّفَاقًا (و) فِي (غَيرهمَا) أَي المتضايفين (كالحرمة مَعَ رَائِحَة الْمُسكر) الْمَخْصُوصَة بِهِ، فَإِنَّهَا تَدور مَعهَا وجودا وعدما (وَلَيْسَت) الرَّائِحَة (الْعلَّة) للْحُرْمَة (وَلَو الْتفت إِلَى نفي غَيره) أَي غير الْمدَار من الْأَوْصَاف الَّتِي لَا يَدُور مَعهَا الحكم (بِالْأَصْلِ) بِأَن يُقَال وَالْأَصْل عدم علية الْغَيْر (أَو السبر) بِأَن يحصل الْأَوْصَاف وينفي مَا عدا الْمدَار (خرج) كَون الْمدَار عِلّة (عَنهُ) أَي عَن ثُبُوته بالدوران. (وَيدْفَع) هَذَا الدَّلِيل (بِأَنَّهُ) أَي انْتِفَاء الْعلية (فِيمَا ذكر) من المتضايفين وَغَيرهمَا (لمَانع) من الْعلية (كَمَا تبين) قَرِيبا، والتخلف لمَانع غير قَادِح (فَلَا يَنْفِي) انتفاؤها لمَانع (ظَنّهَا) أَي الْعلية (إِذا تجرد) الْمدَار (عَنهُ) أَي عَن الْمَانِع (وَالْكَلَام فِيهِ) أَي فِيمَا تجرد عَن الْمَانِع. قَالَ (الْغَزالِيّ) من النافين: الدوران عبارَة عَن اطراد الْوَصْف وانعكاسه، وَلَا يُفِيد شَيْء مِنْهُمَا الْعلية، إِذْ (الاطراد) حَاصله (عدم النَّقْض) وَأَن لَا يُوجد الْوَصْف فِي صُورَة بِدُونِ الحكم، والنقض من جملَة مفسدات الْعلَّة، وَانْتِفَاء المفسدات كلهَا لَا يَكْفِي فِي صِحَة الْعلية فضلا عَن انْتِفَاء وَاحِد مِنْهَا، إِذْ عدم الْمَانِع وَحده لَا يصلح عِلّة مقتضية (فَأَيْنَ الْمُقْتَضى للعلية أَولا) كَمَا يُقَال: اثْبتْ الْعَرْش ثمَّ انقش، فَلَا بُد أَولا من بَيَان وجود الْمُقْتَضى ثمَّ بَيَان عدم الْمَانِع. (وَأما الانعكاس فَلَيْسَ شرطا لَهَا) أَي لِلْعِلَّةِ (وَلَا لَازِما) لَهَا. فِي الشَّرْح العضدي: شَرط فِي الْعلَّة الانعكاس، وَهُوَ أَنه كلما عدم الْوَصْف عدم الحكم
стр. 1081
وَلم يَشْتَرِطه آخَرُونَ؛ وَالْحق أَنه مَبْنِيّ على جَوَاز تَعْلِيل الحكم الْوَاحِد بعلتين مختلفتين، لِأَنَّهُ إِذا جَازَ ذَلِك صَحَّ أَن يَنْتَفِي الحكم بِوُجُود الْوَصْف الآخر (أُجِيب) عَن احتجاج الْغَزالِيّ بِأَن (الْمُدَّعِي) إِثْبَات الْعلية (بالمجموع) الْمركب من الاطراد والانعكاس (لَا بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا) وَقد يكون للهيئة الاجتماعية أثر لَيْسَ لكل وَاحِد. (القاطعون) أَي الْقَائِلُونَ بِأَن الدوران يُفِيد الْعلية قطعا قَالُوا (إِذا وَقع الدوران) أَي تحقق (وَعلم انْتِفَاء مَانع الْمَعِيَّة فِي التضايف) أَي الْمَانِع الَّذِي هُوَ الْمَعِيَّة المنافية لتقدم أَحدهمَا على الآخر فَإِنَّهُمَا يوجدان مَعًا ذهنا وخارجا، وَفِيه أَن الْمَعِيَّة الزمانية لَا تنَافِي التَّقَدُّم الذاتي (و) علم انْتِفَاء مَانع (عدم التَّأْثِير كالشرط الْمسَاوِي) فَإِن الشَّرْط عبارَة عَن عِلّة لَا تَأْثِير لَهَا، وَقيد بالتساوي ليتَحَقَّق الطَّرْد، أَعنِي الدوران وجودا: إِذْ مَعَ الْأَعَمّ لَا يلْزم وجود الْمَشْرُوط (و) علم انتقا مَانع (التَّأَخُّر) الْكَائِن (فِي المعلولية) فَإِن وصف التَّأَخُّر لَازم للمعلولية مَانع عَن كَونه عِلّة (قطع بهَا) أَي بالعلية جَوَاب للشّرط الْمُتَقَدّم (للْعَادَة المستمرة فِيمَن تكَرر دوران غَضَبه عَن اسْم حَتَّى علمه من لَا أَهْلِيَّة فِيهِ للنَّظَر كالصبيان) يَعْنِي إِذا دعى شخص باسم مغضب فَغَضب ثمَّ ترك فَلم يغْضب وتكرر ذَلِك علم بِالضَّرُورَةِ أَن ذَلِك سَبَب الْغَضَب حَتَّى أَن من لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ النّظر كالأطفال يعلمُونَ ذَلِك ويتبعونه فِي الدروب ويقصدون إغضابه فيدعونه بِهِ، وَلَوْلَا أَنه ضَرُورِيّ لما علموه، فَهَذِهِ الْعَادة المستمرة تُفْضِي بإفادة الدوران الْعلم بسببية الْمدَار لما يَدُور مَعَه قطعا، فَإِنَّهُ لَا مُوجب فِيهَا لحُصُول الْعلم الْمَذْكُور سوى الدوران (أُجِيب بِأَن النزاع) إِنَّمَا هُوَ (فِي حُصُول الْعلم بِمُجَرَّدِهِ) أَي الدوران) (وَالظَّن) بالعلية إِنَّمَا يحصل فِي الْمِثَال الْمَذْكُور (عِنْده) أَي عِنْد الدوران حَال كَونه مُنْضَمًّا (مَعَ غَيره) أَي الدوران (من التكرر) بَيَان للْغَيْر (لَا) مَعَ (عَدمه) أَي عدم غير الْمدَار (بِعَدَمِ وجدانه) أَي الْغَيْر (مَعَ) وُقُوع (الْبَحْث) والتفتيش (عَنهُ) أَي عَن الْغَيْر كَمَا ذكره فِي الشَّرْح العضدي فِي تَقْرِير الْجَواب من قَوْله: الْجَواب مَحل النزاع لَيْسَ هُوَ حُصُول الْعلم بِهِ، بل حُصُوله بِمُجَرَّدِهِ: وَذَلِكَ فِيمَا ذكرْتُمْ من الْمِثَال مَمْنُوع، إِذْ لَوْلَا انْتِفَاء غير ذَلِك إِمَّا بِأَنَّهُ بحث عَنهُ فَلم يُوجد، وَإِمَّا أَن الأَصْل عَدمه لما ظن انْتهى. فَعلم أَن الظَّن إِنَّمَا يحصل بمساعدة الْغَيْر لَا بِمُجَرَّدِهِ (فضلا عَن) حُصُول (الْعلم) بِمُجَرَّدِهِ، وَإِنَّمَا جعل التكرر غير الدوران، لِأَنَّهُ عبارَة عَن الْوُجُود مَعَ الْوُجُود والعدم مَعَ الْعَدَم. وَلَا شكّ أَن تكَرر الْوُجُود مَعَ الْوُجُود أَمر زَائِد على أصل الْوُجُود مَعَ الْوُجُود. وَلَا شكّ أَن انضمام أَمر وجودي إِلَيْهِ فِي الدّلَالَة على الْعلية أَدخل فِي نفي الِاسْتِقْلَال فِيهَا من انضمام أَمر عدمي إِلَيْهِ (وَدفع) هَذَا الْجَواب (بِأَنَّهُ) أَي إِنْكَار حُصُول الْعلم بالدوران فِي مثل مَا ذكر (إِنْكَار للضروريات) أَي البديهيات (وقدح فِي التجريبيات، فَإِن الْأَطْفَال
стр. 1082
يقطعون بِهِ) أَي بِكَوْنِهِ مُفِيدا للعلية (بِلَا أَهْلِيَّة اسْتِدْلَال) وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمُجيب لَا يُنكر أصل حُصُول الْعلم بالعلية، بل يُنكر حُصُوله بِمُجَرَّد الدوران، فَلَا يلْزم عَلَيْهِ إِنْكَار الضروريات فَتدبر (وَيُجَاب) عَن هَذَا الدّفع (بِأَن مثله) أَي الدوران (يصلح لإِثْبَات الْعلية لغير الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة المبنية على الْمصَالح) وَهُوَ العقليات، فَإِنَّهَا لَا تخْتَلف باخْتلَاف الزَّمَان وَالْمَكَان (أما هِيَ) أَي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (فَلَا بُد فِي بَيَان عللها من مُنَاسبَة أَو اعْتِبَار من الشَّارِع). وَقد سبق أَن الْمُنَاسبَة عندنَا تَسْتَلْزِم التَّأْثِير: وَحَاصِله اعْتِبَار جنس الْوَصْف أَو نَوعه فِي جنس الحكم أَو نَوعه، وَالِاعْتِبَار من الشَّارِع عبارَة عَمَّا ذكر، وَكلمَة أَو للتنويع فِي التَّعْبِير (إِذْ فِي القَوْل) بِإِثْبَات الْعلَّة (بالطرد فتح بَاب الْجَهْل) اكْتفى بِذكر الطَّرْد، لِأَن الْعُمْدَة فِي الدوران أَو لِأَن الْعَكْس لَا يعْتَبر فِي الْعلَّة لما مر من جَوَاز تَعْلِيل الحكم الْوَاحِد بعلتين، وَأما كَونه فتح بَاب الْجَهْل فَلِأَن الْعلم عبارَة عَمَّا يُوجد من الشَّارِع، أَو من الْعقل بالبرهان الْقطعِي وَلَا يتَحَقَّق شَيْء مِنْهَا فِي الطَّرْد، وَيجوز فِيهِ وجود الْمعَارض والمناقض، وَبِالْجُمْلَةِ يحْتَمل أَن لَا يعْتَبر علية الْمدَار الشَّرْع احْتِمَالا قَوِيا (و) فتح بَاب (التَّصَرُّف فِي الشَّرْع) وَهُوَ نوع استهزاء بقواعد الدّين، وتطريق لكل قَائِل أَن يَقُول مَا أَرَادَ فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِلَى غير ذَلِك، (وَهَذَا) الْجَواب (دفع) لحجة القاطعين (من) قبل (الْحَنَفِيّ) فَإِنَّهُ يعْتَبر فِي الْعلَّة الْمُنَاسب وَالِاعْتِبَار من الشَّارِع (وَقَوله) أَي الْمُجيب (من مُنَاسبَة) أُرِيد بهَا الْمُنَاسبَة الْمَخْصُوصَة (أَي الْمُنَاسب المقبول إِجْمَاعًا) أَي مُنَاسبَة الْمُنَاسب الَّذِي قبل إِجْمَاعًا (وَهُوَ) أَي الْمُنَاسب المقبول إِجْمَاعًا (الضَّرُورِيّ) أَي الْوَصْف الْمُشْتَمل على مصلحَة ضَرُورِيَّة لم تهدر فِي مِلَّة كحفظ النَّفس (أَو المصلحي) أَي الْمُشْتَمل على مصلحَة حاجية دون الأول كَالْبيع وَالْإِجَارَة وَقد مر بيانهما (لَا) من قبل (الشَّافِعِي لِأَنَّهُ) أَي الشَّافِعِي (لَا يمْتَنع أَن يثبت طَرِيقا للعلية) أَي لإثباتها (لَا يجب فِيهَا) أَي فِي تِلْكَ الطَّرِيق (ظُهُور الْمُنَاسبَة كالسبر والدوران) وَإِنَّمَا قَالَ لَا يجب فِيهَا ظُهُورهَا لِأَنَّهُ قد يظْهر فِيهَا لكنه غير لَازم (وَأَن شَرطهَا) أَي الشَّافِعِي الْمُنَاسبَة (فِي نفس الْأَمر) يَعْنِي لم يُصَرح بالاشتراط، لكنه لزم عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر (على معنى أَنه) أَي تَعْلِيله فِي موارده (يدل على ثُبُوتهَا) أَي الْمُنَاسبَة بَينهمَا (فِي نفس الْأَمر، وَقد يخْتَلف) أَي يَقع الِاخْتِلَاف (فِيهِ) أَي فِي ثُبُوتهَا (كَمَا فِي الدوران، وَقيل منشأ الْخلاف فِيهِ) أَي فِي إِفَادَة الدوران الْعلية (عدم أَخذ قيد صَلَاحِية الْوَصْف) للعلية (أما مَعَه) أَي مَعَ ذَلِك الْقَيْد (وَهُوَ) أَي الْقَيْد الْمَذْكُور (مُرَاد) للقائل بإفادة الدوران الْعلية (فَلَا خَفَاء فِي حُصُول ظن عليته) أَي الْوَصْف الْمدَار بعد تحقق الْقَيْد الْمَذْكُور (بالدوران، بِخِلَاف مَا) إِذا (لم يظْهر لَهُ فِيهِ) أَي فِي
стр. 1083
الْمدَار (مُنَاسبَة كالرائحة) أَي رَائِحَة الْمُسكر وَظن عليتها (للتَّحْرِيم) فَإِنَّهُ غير موجه لعدم ظُهُور الْمُنَاسبَة بَينهَا وَبَين التَّحْرِيم على وَجه يقتضى عليتها لَهُ (وَأما الشّبَه) الْمَعْدُود من المسالك لِلْعِلَّةِ (عِنْد الشَّافِعِيَّة فَلَيْسَ من المسالك) فِي نفس الْأَمر (لِأَنَّهَا) أَي المسالك إِنَّمَا هِيَ (المثبتة لعلية الْوَصْف) للْحكم (والشبه تثبت عليته بهَا) أَي بالمسالك.
وَقد اخْتلفت عباراتهم فِي تَفْسِيره، وَاخْتَارَ المُصَنّف مَا لخص فِي الشَّرْح العضدي فَقَالَ (وَالْمرَاد) بِهِ هَهُنَا (مَا) أَي الْوَصْف الَّذِي (مناسبته) للْحكم (لَيست بِذَاتِهِ) أَي بِالنّظرِ إِلَى ذَات ذَلِك الْوَصْف (بل) مناسبته لَهُ (بشبهه) الْوَصْف الْمُنَاسب بِذَاتِهِ شبها يَقْتَضِي الظَّن بعليته للْحكم (فَيحْتَاج) فِي إِثْبَات عليته (إِلَى الْمُثبت) لَهَا، وَكَذَا قيل فِيهِ: وصف لم يثبت مناسبته إِلَّا بِدَلِيل مُنْفَصِل عَنهُ (فَلَا يَصح إِنْكَاره) أَي إِنْكَار علية الشّبَه (بعد إثْبَاته) أَي إِثْبَات كَونه عِلّة بِالدَّلِيلِ (غير أَنه لَا يثبت) كَونه عِلّة (بالإخالة) بل بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع أَو السبر عِنْد الْقَائِل بِهِ (وَإِلَّا) لَو ثَبت بالإخالة أَيْضا (كَانَ) الشّبَه (الْمُنَاسب الْمَشْهُور) وَهُوَ الْمُنَاسب بِذَاتِهِ، وَلَيْسَ إِيَّاه، بل بَينهمَا تقَابل، ثمَّ بَين مِثَاله بقوله (كطهارة) بِالرَّفْع على الْحِكَايَة: أَي كَأَن يُقَال فِي إِلْحَاق إِزَالَة الْخبث بِإِزَالَة الْحَدث فِي تعين المَاء، إِن إِزَالَة الْخبث طَهَارَة (ترَاد للصَّلَاة فَلَا يجزى فِيهَا غير المَاء كَالْوضُوءِ) فَإِنَّهُ طَهَارَة يُرَاد للصَّلَاة لَا يَجْزِي فِيهِ غير المَاء، فالشبه كَونهَا طَهَارَة ترَاد للصَّلَاة لِأَن الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين تعين المَاء لَيست بِذَاتِهِ بل بشبهه: وَهُوَ الْوضُوء الَّذِي هُوَ لإِزَالَة الْحَدث فَإِن الشَّارِع قد اعْتبر فِيهِ خُصُوصِيَّة المَاء فِي الصَّلَاة وَمَسّ الْمُصحف وَالطّواف، وَإِطْلَاق الشّبَه على الْوضُوء لكَونه مشتبها بِهِ، إِذْ إِزَالَة الْخبث وَهُوَ الْوضُوء يشبه بِهِ والكون الْمَذْكُور مُشْتَرك بَينهمَا وَإِضَافَة الشّبَه بِمَعْنى المشتبه إِلَيْهِ لأدنى مُلَابسَة، وَإِذا عرفت أَن الْمُنَاسبَة بَينهمَا لَيست لذاته بل لشبهه فَلَا بُد من إِثْبَات كَون الْوَصْف الْمَذْكُور عِلّة للْحكم، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَإِن ثَبت بِأحد المسالك أَن كَون الطَّهَارَة ترَاد للصَّلَاة يَصح عِلّة تعين المَاء لزم) فَقَوله أَن مَعَ اسْمهَا وخبرها فَاعل ثَبت وَاسْمهَا كَون، وَقد أضيف إِلَى اسْمه، وَقَوله ترَاد للصَّلَاة خبر كَون، وَقَوله يَصح خبر أَن، وَقَوله عِلّة تعين المَاء تَمْيِيز عَن نِسْبَة يَصح إِلَى ضَمِيره: أَي يَصح الْكَوْن الْمَذْكُور من حَيْثُ عليته للتعيين، وَقَوله لزم جَزَاء الشَّرْط: أَي لزم على ذَلِك التَّقْدِير اعْتِبَار علية كَون الْمَذْكُور (وَإِلَّا) وَإِن لم يثبت بِأحد المسالك مَا ذكر (لَا يُوجِبهُ) أَي تعين المَاء (مُجَرّد اعْتِبَاره) أَي اعْتِبَار الشَّارِع تعين المَاء (فِي) إِزَالَة (الْحَدث) أَي فِي الْوضُوء، فَإِن غَايَته اعْتِبَار خُصُوص المَاء فِيهِ، وَهَذَا لَا يسْتَلْزم أَن يكون عِلّة ذَلِك الِاعْتِبَار الْكَوْن الْمَذْكُور (وعَلى هَذَا أَي على اشْتِرَاط ثُبُوت ذَلِك بِأحد المسالك (فمرجعه) أَي الشّبَه (إِلَى إِثْبَات علية وصف بِأحد
стр. 1084
المسالك وَلَيْسَ شَيْئا آخر) فَانْتفى مَا صرح بِهِ الْآمِدِيّ وَغَيره من أَنه من مسالك الْعلَّة، وَنقل الشَّارِح تصريحهم بِأَن الْمُثبت لمناسبة الْوَصْف الشبهي للْحكم اعْتِبَار الشَّارِع إِيَّاه فِي بعض الصُّور بِإِثْبَات الحكم فِي مَحل وجود ذَلِك الْوَصْف الموهم كَونه مناسبا لَا يلْتَفت إِلَيْهِ بعد هَذَا الْبَيَان الْوَاضِح لظُهُور أَن ثُبُوت الحكم فِي مَحل وجود الْوَصْف لَا يسْتَلْزم عليته قَالُوا وَظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي وَعَلِيهِ أَكثر أَصْحَابه قبُوله وَلم يقبله آخَرُونَ مِنْهُم الباقلاني والصيرفي وَأَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ كأصحابنا (وَيُقَال) الشّبَه (أَيْضا لأشبهية) أحد (وصفين) كائنين (فِي فرع تردد) ذَلِك الْفَرْع (بهما) أَي بِسَبَب ذَيْنك الوصفين (بَين أصلين) بِحَيْثُ يُمكن إِلْحَاق ذَلِك الْفَرْع لكل مِنْهُمَا (كالآدمية والمالية) فَإِنَّهُمَا وصفان كائنان (فِي العَبْد الْمَقْتُول) وَقد (تردد) العَبْد الْمَقْتُول (بهما) أَي بالآدمية والمالية (بَين الْأَصْلَيْنِ الْإِنْسَان وَالْفرس) فَإِن نَظرنَا إِلَى آدميته ألحقناه بالإنسان الْحر وأوجبنا على قَاتله الدِّيَة، غير أَن الدِّيَة عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد قِيمَته لَا تزاد على عشرَة آلَاف دِرْهَم إِلَّا عشرَة، وان نَظرنَا إِلَى مَالِيَّته ألحقناه بالفرس فأوجبنا عَلَيْهِ الْقيمَة بَالِغَة مَا بلغت كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ، لَكِن العَبْد أشبه بِالْحرِّ، لِأَن مشاركته مَعَ الْحر فِي الْأَوْصَاف وَالْأَحْكَام أَكثر، لكَونه ناطقا قَابلا للصناعات إِلَى غير ذَلِك، فالأشبهية فِي الْحَقِيقَة للموصوف بالوصفين، لكنه أضيف إِلَيْهِمَا لِأَن أَحدهمَا سَبَب لأشبهيته (وَاعْلَم أَن الْحَنَفِيَّة ينسبون الدوران لأهل الطَّرْد وَكَذَا السبر) ينسبونه إِلَيْهِم (إِذْ يُرِيدُونَ) أَي الْحَنَفِيَّة بِأَهْل الطَّرْد (من لَا يشْتَرط ظُهُور التَّأْثِير) فِي الْوَصْف الَّذِي يَدعِي عليته (وَعلمت) فِي المرصد الأول (أَنه) أَي التَّأْثِير عِنْد الْحَنَفِيَّة (يُسَاوِي الملاءمة عِنْدهم) أَي الشَّافِعِيَّة، فِيهِ أَن التَّأْثِير عِنْد الْحَنَفِيَّة أَعم من الملاءمة لصدقه على مُؤثر الشَّافِعِيَّة أَيْضا على مَا مر، فَكَأَنَّهُ لدورانه لَا يتَجَاوَز الملاءمة بعد الْمُؤثر (وعَلى هَذَا) أَي على التَّسَاوِي الْمَذْكُور (فَمن الطَّرْد) بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (الإخالة) لِأَنَّهَا إبداء الْمُنَاسبَة بَين الْوَصْف وَالْحكم من غير اعْتِبَار ظُهُور التَّأْثِير (وَيُؤَيِّدهُ) أَي كَون المُرَاد من الطَّرْد عِنْدهم مَا ذكر (تصريحهم) أَي الْحَنَفِيَّة (بِأَن عَامَّة أهل النّظر مالوا إِلَى الِاحْتِجَاج بِهِ) أَي بالطرد (وَمَعْلُوم تصريحهم) أَي الْحَنَفِيَّة (بِأَن علل الشَّرْع لَا بُد فِيهَا من الْمُنَاسبَة) فَلَا يحْتَمل أَن يُرِيدُوا بالطرد مَالا مُنَاسبَة فِيهِ أصلا، لِأَنَّهُ خلاف مَا أجمع عَلَيْهِ من لُزُوم الْمُنَاسبَة فِي الْجُمْلَة (فَلَيْسَ أَهله) أَي الطَّرْد (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (إِلَّا من ذكرنَا) أَي من لَا يشْتَرط ظُهُور التَّأْثِير الَّذِي شَرطه الْحَنَفِيَّة (فَلَا أحد يضيف حكم الشَّرْع إِلَى مَالا مُنَاسبَة لَهُ أصلا) أَي إِلَى وصف لَا مُنَاسبَة بَينه وَبَين الحكم بجعله عِلّة لَهُ (كالطول وَالْقصر) فَإِنَّهُمَا فِي عدم الْمُنَاسبَة بِحَيْثُ لَا يضيف إِلَيْهِمَا أحد حكما من الْأَحْكَام، وَلِهَذَا لَا يجد التَّعْلِيل بِأَحَدِهِمَا فِي
стр. 1085
التَّعْلِيل بأمثالهما فِي الشَّرْع فِي مَذْهَب من الْمذَاهب أصلا، بِخِلَاف الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة فَإِنَّهُ قد يُعلل بهما (فالطرد مَا) أَي وصف (لَا مُنَاسبَة لَهُ) مُنَاسبَة (يثبت اعْتِبَارهَا اتِّفَاقًا) أَي لَو ثَبت اعْتِبَارهَا مُنَاسبَة بالِاتِّفَاقِ، بل اخْتلف فِي اعْتِبَارهَا مِنْهُم من اعتبرها، وَمِنْهُم من لَا يَعْتَبِرهَا (وَالْخلاف فِيمَا بِهِ الِاعْتِبَار (فالحنفية) يَقُولُونَ (لَيْسَ) مَا بِهِ الِاعْتِبَار (إِلَّا التَّأْثِير الَّذِي هُوَ الملاءمة) الْمُعْتَبرَة (للشَّافِعِيَّة) بِمَا مر (وَالشَّافِعِيَّة) تعْتَبر الْمُنَاسبَة (بغَيْرهَا) أَي الملاءمة (أَيْضا، وَلَا يخْتَلف) بِصِيغَة الْمَجْهُول (فِي أَن الشَّارِع إِذا وضع أمرا) لِأَن يكون (عَلامَة) دَالَّة (على حكم كالدلوك) أَي كوضعه زَوَال الشَّمْس أَو غُرُوبهَا عَلامَة (على الْوُجُوب) أَي وجوب الصَّلَاة بقوله تَعَالَى - ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ - (أضيف) ذَلِك الحكم (إِلَيْهِ) أَي إِلَى مَا جعل عَلامَة عَلَيْهِ من غير توقف على بَيَان مُنَاسبَة أَو ملاءمة (لكنه) أَي ذَلِك الْأَمر (لَيْسَ عِلّة) لذَلِك الحكم (إِلَّا مجَازًا) لمشاركته إِيَّاهَا فِي كَونه عَلامَة للْحكم، وَالْعلَّة لَهُ حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ الْخطاب، وَاصْطِلَاحا مَا شرع الحكم عِنْده لحُصُول مصلحَة. (وَاعْلَم أَن الأمارة فِي اصْطِلَاح الْحَنَفِيَّة لَيست بشهرة الْعَلامَة) أَي لَيست بمشهورة بشهرة كشهرة الْعَلامَة، بل الْعَلامَة عِنْدهم أشهر (وتقسيمهم) أَي الْحَنَفِيَّة (الْخَارِج) عَن الحكم (الْمُتَعَلّق بالحكم إِلَى مُؤثر فِيهِ) أَي فِي الحكم (ومفض إِلَيْهِ) أَي موصل إِلَى الحكم (بِلَا تَأْثِير) هما (الْعلَّة وَالسَّبَب، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْخَارِج مؤثرا وَلَا مفضيا إِلَيْهِ (فَإِن توقف عَلَيْهِ) أَي على هَذَا الْخَارِج (الْوُجُود) أَي وجود الحكم (فَالشَّرْط وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْخَارِج مؤثرا وَلَا مفضيا إِلَيْهِ، فَإِن توقف عَلَيْهِ: أَي على هَذَا الْخَارِج الْوُجُود: أَي وجود الحكم فَالشَّرْط، وَإِن لم يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوُجُود (فَإِن دلّ) ذَلِك الْخَارِج (عَلَيْهِ) أَي على الحكم بِأَن يكون الْعلم بتحققه مستلزما للْعلم بِوُجُود الحكم (فالعلامة). قَوْله تقسيمهم مُبْتَدأ، وَمَا بعده مُتَعَلق بِهِ، وَخَبره مَحْذُوف بِقَرِينَة السِّيَاق والسباق، يَعْنِي يُفِيد مَا قُلْنَا من أَن الْعَلامَة لَيست بعلة حَقِيقِيَّة، ثمَّ ذكر تقسيمهم هَهُنَا تَوْطِئَة لتفصيل كل وَاحِد مِنْهُم من هَذِه الْأَقْسَام وتقسيمه إِلَى أَقسَام سوى الْعلَّة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فالعلة) الْحَقِيقِيَّة وَمَا يُطلق عَلَيْهِ لفظ الْعلَّة بالاشتراك أَو بالمجاز (تقدّمت بأقسامها) فِي تَتِمَّة من المرصد الأول (وَهَذَا) الَّذِي نشرع فِيهِ (تقسيمهم مَا سواهَا) أَي الْعلَّة (فالسبب تجب) أَن تكون (الْعلَّة بَينه) أَي بَين السَّبَب (وَبَين الحكم) لِأَنَّهُ لَا بُد لَهُ من عِلّة مُؤثرَة فِيهِ أَو مَوْضُوعَة لَهُ، وَالسَّبَب طَرِيق مفض إِلَيْهِ من غير تَأْثِير فِيهِ وَوضع لَهُ (فَلَمَّا تُضَاف) الْعلَّة (إِلَيْهِ) أَي إِلَى السَّبَب (كالسوق) للدابة (الْمُضَاف إِلَيْهِ الْعلَّة وَطْؤُهَا) عطف بَيَان لِلْعِلَّةِ: أَي وَطْء الدَّابَّة نفسا أَو مَالا، فالسوق سَبَب التّلف، وَلَيْسَ بعلة لَهُ لِأَنَّهُ (لم يوضع للتلف) بل لسير الدَّابَّة لما يُرَاد بِهِ (وَلم يُؤثر فِيهِ) أَي فِي التّلف (بل
стр. 1086
طَرِيق) مفض (إِلَيْهِ) وَالْعلَّة المؤثرة وَطْء الدَّابَّة بقوائمها (فالسبب فِي معنى الْعلَّة) أَي إِذا كَانَ السَّبَب بِحَيْثُ تُضَاف إِلَيْهِ الْعلَّة فَهُوَ فِي معنى الْعلَّة لحدوث الْعلَّة بِهِ فَإِن السُّوق يحمل الدَّابَّة على ذَلِك كرها (فَلهُ) أَي لهَذَا السَّبَب (حكمهَا) أَي الْعلَّة (فِيمَا يرجع إِلَى بدل الْمحل) أَي مَحل الحكم وَهُوَ الْإِتْلَاف هُنَا: يَعْنِي الضَّمَان (لَا) فِيمَا يرجع إِلَى (جَزَاء الْمُبَاشرَة، فَعَلَيهِ) أَي على السَّائِق (الدِّيَة) إِذا وطِئت إنْسَانا فَقتلته لِأَنَّهَا بدل الْمحل، والسوق وَإِن جَازَ للْحَاجة إِلَيْهِ لَكِن بِشَرْط السَّلامَة، وَالْقَصْد لَيْسَ بِشَرْط الضَّمَان فِي حُقُوق الْعباد، والعجماء إِنَّمَا يكون فعلهَا جبارا إِذا لم يكن لَهَا قَائِد وَلَا سائق (لَا) علية (حرمَان الْإِرْث وَنَحْوه) من الْكَفَّارَات لَا الْقصاص لِأَنَّهَا جَزَاء الْمُبَاشرَة (وَالشَّهَادَة) بِالْجَرِّ عطفا على السُّوق، مِثَال آخر للسبب الْمُضَاف إِلَيْهِ الْعلَّة (للْقصَاص) أَي لوُجُوبه فَإِن الشَّهَادَة (لم تُوضَع لَهُ) أَي للْقصَاص (وَلم تُؤثر فِيهِ بل) هِيَ (طَرِيقه) أَي الْقصاص (وعلته) أَي الْقصاص (الْمُتَوَسّط) أَي مَا توَسط بَين الشَّهَادَة وَوُجُوب الْقصاص (من فعل) الْفَاعِل (الْمُخْتَار الْمُبَاشر للْقَتْل: لَكِن فِيهِ) أَي السَّبَب الَّذِي هُوَ الشَّهَادَة (معنى الْعلَّة لِأَنَّهَا) أَي الشَّهَادَة مؤدية إِلَى الْقَتْل بِوَاسِطَة إِيجَابهَا الْقَضَاء) على القَاضِي فَيحكم بِوُجُوبِهِ (و) بِوَاسِطَة (اخْتِيَار الْوَلِيّ) أَي ولي الْمَقْتُول (إِيَّاه) أَي الْقَتْل (على الْعَفو) فَإِن الِاخْتِيَار فرع الْقُدْرَة الْحَاصِلَة بِالشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا سلطته عَلَيْهِ (فَعَلَيْهِم) أَي الشُّهُود (برجوعهم) عَن الشَّهَادَة (الدِّيَة) لِأَنَّهَا بدل الْمحل (لَا الْقصاص لِأَنَّهُ) أَي الْقصاص (جَزَاء الْمُبَاشرَة) للْقَتْل فَإِن الْجَزَاء يجب أَن يكون مماثلا للْفِعْل الْمُوجب لَهُ (وَعند الشَّافِعِي يقْتَصّ) من الشُّهُود الراجعين (إِذا قَالُوا تعمدنا الْكَذِب وَعلم من حَالهم أَنه لم يخف عَلَيْهِم قبولهم) أَي قبُول شَهَادَتهم، وَإِن كَانُوا مِمَّن يجوز أَن يخفى عَلَيْهِ مثله لقرب عَهدهم بِالْإِسْلَامِ حلفوا عَلَيْهِ، وَلَا يجب الْقصاص وعزروا، وَتجب دِيَة مُغَلّظَة فِي أَمْوَالهم إِلَّا أَن تصدقهم الْعَاقِلَة فَيكون عَلَيْهِم، وَإِنَّمَا يقْتَصّ مِنْهُم عِنْد ذَلِك (جعلا للسبب) الْقوي (الْمُؤَكّد بِالْقَصْدِ الْكَامِل كالمباشرة) فِي إِيجَاب الْقصاص (وَدفع) قَوْله (بِأَن الْقصاص بالمماثلة وَلَيْسَت) الْمُمَاثلَة ثَابِتَة (بَين الْمُبَاشرَة والتسبب وَإِن قوي) السَّبَب وتأكد، وَفِي الْكَشْف وَالتَّحْقِيق وَقَالَ القَاضِي الإِمَام أَبُو زيد لهَذَا السَّبَب حكم الْعلَّة من كل وَجه لِأَن عِلّة الحكم لما حدثت بِالْأولَى صَارَت الْعلَّة الْأَخِيرَة حكما للأولى مَعَ حكمهَا، لِأَن حكم الثَّانِيَة مُضَاف إِلَيْهَا، وَهِي مُضَافَة إِلَى الأولى فَصَارَت الأولى بِمَنْزِلَة عِلّة لَهَا حكمان انْتهى، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن شُبْهَة، وَالْحُدُود تندرئ بِالشُّبُهَاتِ فَتَأمل. (وَمِنْه) أَي السَّبَب فِي معنى الْعلَّة (وضع الْحجر) فِي الطَّرِيق (وإشراع الْجنَاح) فِيهِ، الْجنَاح رُءُوس الأخشاب الَّتِي تخرج من فَوق الْبَيْت. بِمِقْدَار ذِرَاع أَو أَكثر حَتَّى يَبْنِي عَلَيْهِ بعض بَيت الْعُلُوّ، وإشراعه إِظْهَاره وإخراجه (والحائط المائل
стр. 1087
بعد التَّقَدُّم) أَي ترك هَدمه بعد أَن مَال إِلَى الطَّرِيق، أَو إِلَى دَار جَاره بعد مُطَالبَة بعض النَّاس أَو الْجَار نقضه (فَالْوَجْه أَنه) أَي كلا من هَذِه (مثله) أَي مثل السَّبَب فِي معنى الْعلَّة (لتعديه فِي إبْقَاء الْفِعْل) الْمُسَبّب للتلف، لَا أَنه من (السَّبَب) فِي معنى الْعلَّة لِأَن الْعلَّة لَا تُضَاف إِلَيْهِ لِأَن سَبَبِيَّة ترك هدم الْحَائِط مثلا لَيست فِي رُتْبَة سَبَبِيَّة السُّوق للتلاف (وَإِمَّا لَا تُضَاف) الْعلَّة (إِلَيْهِ) أَي السَّبَب (لكَونهَا) أَي الْعلَّة (فعلا اختياريا كدلالة السَّارِق) أَي كدلالة شخص سَارِق على مَال آخر ليسرقه (الْمُتَوَسّط سَرقته) الَّتِي هِيَ فعل اخْتِيَاري يباشره السَّارِق (فالحقيقي) أَي فَهَذَا السَّبَب يُقَال لَهُ السَّبَب الْحَقِيقِيّ لتمحضه فِي السَّبَبِيَّة من غير كَونه فِي معنى الْعلَّة لعدم إضافتها إِلَيْهِ لتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ بَينه وَبَين الحكم (فَلَا يُضَاف الحكم إِلَيْهِ) أَي إِلَى السَّبَب كَمَا لَا تُضَاف الْعلَّة إِلَيْهِ (فَلَا يضمن دَال السَّارِق) الْمَسْرُوق، لِأَن الْإِتْلَاف مُضَاف إِلَى فعل السَّارِق، لَا إِلَى الدَّال كَمَا سيشير إِلَيْهِ (وَلَا يُشْرك فِي الْغَنِيمَة الدَّال) للمجاهدين (على حصن فِي دَار الْحَرْب) بِوَصْف طَرِيقه (لقطع نِسْبَة الْفِعْل) وَهُوَ الْإِتْلَاف فِي الأول، والاغتنام فِي الثَّانِي (إِلَيْهِ) أَي إِلَى السَّبَب وَهُوَ الدّلَالَة لتخلل اخْتِيَار الْمُبَاشر بَينه وَبَين الحكم فدلالته سَبَب مَحْض. قَالَ الشَّارِح: نعم لَو ذهب مَعَهم فدلهم على الْحصن شركهم فِي الْغَنِيمَة فِيهِ لِأَن فعله حِينَئِذٍ سَبَب فِيهِ معنى الْعلَّة (وَلَا) يضمن (دَافع السكين لصبي) ليمسكها للدافع (فَقتل) الصَّبِي بهَا (نَفسه) لِأَن ضربه نَفسه صَار بِاخْتِيَارِهِ غير مُضَاف إِلَى الدَّافِع. قَالَ الشَّارِح فِي تَعْلِيله لِأَنَّهُ أمره بالإمساك، لَا بِالِاسْتِعْمَالِ انْتهى وَلَا يخفى أَن هَذَا يُفِيد أَنه لَو أمره بِالِاسْتِعْمَالِ يضمن، وتعليلهم لعدم الضَّمَان بتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ بَين هَذَا السَّبَب وَقَتله نَفسه يدل على عدم ضَمَانه، وَأَن أمره بِالِاسْتِعْمَالِ لتخلل الْفِعْل الْمَذْكُور بَين الْأَمر والتلاف: نعم عدم الضَّمَان عِنْد الْأَمر بالإمساك دون الِاسْتِعْمَال أظهر (بِخِلَاف سُقُوطهَا) أَي بِخِلَاف مَا إِذا دَفعهَا ليمسكها فَسَقَطت بِلَا قصد (مِنْهُ) أَي من الصَّبِي على وَجه أهلكته فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يضمن الدَّافِع لعدم تخَلّل فعل اخْتِيَاري من الصَّبِي متوسط بَين الدّفع والهلاك، فالدفع حِينَئِذٍ سَبَب فِي معنى الْعلَّة الَّتِي هِيَ السُّقُوط لِأَنَّهَا تُضَاف إِلَيْهِ وَلم يتوسط بَينهمَا إِلَّا الْإِمْسَاك الَّذِي هُوَ حكم الدّفع (وَلَا) يضمن (الْقَائِل) لغيره (تزَوجهَا) أَي هَذِه الْمَرْأَة (فَإِنَّهَا حرَّة) فَتَزَوجهَا واستولدها ثمَّ ظهر أَنَّهَا أمة شخص (لقيمة الْوَلَد) الَّذِي أَدَّاهَا إِلَى ذَلِك الشَّخْص لتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ وَهُوَ العقد بَين الْإِخْبَار وَالِاسْتِيلَاد (بِخِلَاف تَزْوِيج الْوَلِيّ أَو الْوَكِيل) أَي وَليهَا أَو وكيلها (بِالشّرطِ) أَي بِشَرْط أَنَّهَا حرَّة (الْمَغْرُور) مفعول التَّزْوِيج، يَعْنِي الْمُقدم إِلَى الزواج بِنَاء على الشَّرْط الَّذِي ظهر خِلَافه آخرا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يرجع الزَّوْج بِقِيمَة الْوَلَد على الْوَلِيّ أَو الْوَكِيل فَإِن الشَّرْط
стр. 1088
من الْوَلِيّ وَالْوَكِيل بِمَنْزِلَة قَوْله أَنا ضَامِن بِمَا يلحقك بِسَبَب هَذَا التَّزَوُّج، وَقيل لِأَن الِاسْتِيلَاد حكم التَّزْوِيج لكَونه مَوْضُوعا لطلب النَّسْل، وَفِيه مَا فِيهِ (وَلَا يلْزم) على هَذِه الْمسَائِل بطرِيق النَّقْض أَن يُقَال (الْمُودع وَالْمحرم) إِذا دلّ سَارِقا وصائدا (على الْوَدِيعَة وَالصَّيْد) فَسرق وصاد (يضمنَانِ) أَي الْمُودع وَالْمحرم الْمَسْرُوق جَزَاء الصَّيْد (وهما مسببان) على صِيغَة الْفَاعِل يَعْنِي فعلهمَا سَبَب مَحْض لتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ بَينه وَبَين الحكم، ثمَّ علل عدم اللُّزُوم بقوله (لِأَن ضَمَان الْمُودع بترك الْحِفْظ) الْمُلْتَزم بِعقد الْوَدِيعَة، وَهُوَ مبَاشر مَا يُخَالف الْتِزَامه بِدلَالَة السَّارِق (و) ضَمَان (الْمحرم بِإِزَالَة الْأَمْن) عَن الصَّيْد وَقد الْتَزمهُ بِالْإِحْرَامِ (المتقررة) صفة الْإِزَالَة (بِالْقَتْلِ) فقد بَاشر الْإِزَالَة بِدلَالَة الْقَاتِل عَلَيْهِ، وَلذَا قَالَ (فَهُوَ) أَي كل وَاحِد مِنْهُمَا (مبَاشر) للجناية على الْوَدِيعَة وَالصَّيْد، فضمانه بِالْمُبَاشرَةِ لَا بالتسبب (بِخِلَافِهَا) أَي بِخِلَاف الدّلَالَة (على صيد الْحرم) وَالدَّال غير محرم فَإِنَّهُ إِذا قَتله الْمَدْلُول لَا يضمن الدَّال (لِأَن أَمنه) أَي صيد الْحرم (بِالْمَكَانِ) وَهُوَ الْحرم الْأَمْن إِلَى آخر الدُّنْيَا (وَلم يزل) مِنْهُ (بِالدّلَالَةِ) فَكَانَ سَببا مَحْضا (بِخِلَاف غَيره) أَي غير صيد الْحرم من صيود الْمحرم (فَإِنَّهُ) أَي أَمن غَيره (بتواريه) وتستره ببعده عَن أعين النَّاس (فالدلالة عَلَيْهِ) أَي على غير صيد الْحرم (إِزَالَة أَمنه وَهُوَ) أَي هَذَا السَّبَب الَّذِي هُوَ إِزَالَة الْأَمْن (الْجِنَايَة على إِحْرَامه) يَعْنِي أَن إِزَالَة الْأَمْن فِي غير صيد الْحرم إِنَّمَا وَجب لكَونه جِنَايَة على الْإِحْرَام لَا لذاتها، وَإِلَّا لزم إِيجَاب الضَّمَان فِي حق غير الْمحرم أَيْضا، ثمَّ حَقِيقَة الدّلَالَة احداث الْعلم فِي الْغَيْر فَلَزِمَ عدم كَون الْمَدْلُول عَالما بمَكَان الصَّيْد قبل الدّلَالَة وَأَن لَا يكذب الدَّال فَلَو كَانَ عَالما أَو كذب لَا يضمن الدَّال، وَيجب أَيْضا أَن يتَّصل الْقَتْل بِالدّلَالَةِ حَتَّى لَو أَخذه بدلالته ثمَّ انفلت ثمَّ أَخذه فَقتله لم يضمن الدَّال لانْتِهَاء دلَالَته بالانقلاب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله فِيمَا سبق المتقررة (وفتوى الْمُتَأَخِّرين بِالضَّمَانِ بالسعاية) أَي بِأَن يسْعَى فِي حق غَيره بِغَيْر حق إِلَى حَاكم ظَالِم فيغرمه المَال ظلما (بِخِلَاف الْقيَاس) لتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ من الظَّالِم، وَهُوَ الْأَخْذ ظلما بَين السّعَايَة واتلاف المَال، وَإِنَّمَا أفتوا (اسْتِحْسَانًا لغَلَبَة السعاة) بِغَيْر الْحق إِلَى الظلمَة فِي زَمَاننَا، وَبِه يُفْتى سدا لهَذَا الْبَاب (وَيَنْبَغِي مثله) أَي الافتاء بِالضَّمَانِ، بِخِلَاف الْقيَاس اسْتِحْسَانًا (لَو غلب غصب الْمَنَافِع) فَإِنَّهُ على خلاف الْقيَاس لعدم كَونهَا محرزا لتجددها، وَالْغَصْب إِثْبَات الْيَد المبطلة، وَإِبْطَال الْيَد المحقة، وَذَلِكَ فرع فِي الْإِحْرَاز، وَإِنَّمَا قَالَ يَنْبَغِي إِلَى آخِره زجرا للغصبة عَن ذَلِك (وَيُقَال لفظ السَّبَب مجَازًا على الْمُعَلق من تطليق وإعتاق وَنذر بِمَا) أَي بِشَرْط مُتَعَلق بالمعلق (لَا يُرِيد) الْمُعَلق (كَونه) أَي وجوده: كَانَ دخلت فَأَنت طَالِق أَو فُلَانَة حرَّة أَو فعلي لله صِيَام سنة قبل وجود الشَّرْط
стр. 1089
وَالتَّقْيِيد بِقَيْد لَا يُرِيد كَونه مُوَافق لما قَالَ بعض الشُّرَّاح من أَن التَّعْلِيق بِشَرْط يُريدهُ مفض إِلَى وجود الشَّرْط المفضي إِلَى الحكم (وعَلى الْيَمين) بِاللَّه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث (إِذْ لَيست) الْمَذْكُورَات (مفضية إِلَى الْوُقُوع) فِي المعلقات (و) إِلَى (الخنث) فِي الْيَمين أما الأول فَلِأَنَّهُ أَرَادَ بهَا منع نَفسه من الشَّرْط احْتِرَازًا عَن الْوُقُوع، وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهَا شرعت للبر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بل) هِيَ (مَانِعَة) من الْوُقُوع والحنث (وَإِنَّمَا) يكون (لَهَا) أَي لهَذِهِ الْمَذْكُورَات (نوع إفضاء) إِلَى الحكم (فِي الْجُمْلَة وَلَو) كَانَ ذَلِك الْإِفْضَاء (بعد حِين) عِنْد تحقق الشَّرْط والحنث، وَإِنَّمَا قَالَ نوع إفضاء لِأَنَّهُ لَو لم يكن التَّعْلِيق وَالْيَمِين لما وَقع شَيْء مِمَّا ترَتّب على الشَّرْط والحنث وَإِن قيل، وَلِأَن الْمَرْء حَرِيص لما منع فَلَا يَخْلُو عَن وَجه (فَهِيَ) أَي هَذِه التعليقات وَالْيَمِين سَبَب (مجَاز) أَي مجازي بِتِلْكَ الرَّائِحَة من الْإِفْضَاء الْمَذْكُور (وَإِذا صدر الشَّرْط الْمُعَلق صَار) الْمُعَلق بِهِ (عِلّة حَقِيقِيَّة) للوقوع لتأثيره فِيهِ مَعَ الْإِضَافَة إِلَيْهِ واتصاله بِهِ كَالْبيع للْملك (بِخِلَاف السَّبَب فِي معنى الْعلَّة لِأَنَّهُ لم يُؤثر فِي الْمُسَبّب) وَهُوَ الحكم (وَأَن اثر فِي علته) أَي عِلّة الحكم على مَا عرفت فِي سوق الدَّابَّة إِذا وطِئت إنْسَانا فَقتلته (فَلم تنتف حَقِيقَة السَّبَبِيَّة) فِي السَّبَب بِمَعْنى الْعلَّة (بِوُجُود التَّأْثِير) وَلَو أثرت فِي نفس الحكم لانتفت (ثمَّ للمعلق الْمجَاز) أَي الَّذِي هُوَ سَبَب مجَازًا (شبه الْعلَّة الْحَقِيقِيَّة) من حَيْثُ الحكم (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (خلافًا لزفَر) فَإِنَّهُ لَا يَقُول بشبهه (وثمرته) أَي الْخلاف تظهر (فِي تَنْجِيز الثَّلَاث) بعد تَعْلِيق بَعْضهَا أَو جَمِيعهَا على شَرط لم يُوجد بعد (يبطل) تنجيزها (التَّعْلِيق عِنْدهم، خلافًا لَهُ) حَتَّى لَو عَادَتْ إِلَيْهِ بعد زوج آخر وَوجد الْمُعَلق عَلَيْهِ لَا يَقع الْمُعَلق عِنْدهم، وَيَقَع عِنْده (وَهِي) أَي هَذِه المسئلة (طَوِيلَة فِي فقههم، والمبنى) فِي الْإِبْطَال وَعَدَمه (الِاحْتِيَاج) أَي احْتِيَاج الْمُعَلق فِي الْبَقَاء (إِلَى بَقَاء الْمحل للشُّبْهَة) بِالْعِلَّةِ الْحَقِيقِيَّة (وَعَدَمه) أَي وَعدم احْتِيَاج الْمُعَلق فِي الْبَقَاء إِلَى بَقَاء الْمحل (لعدمها) أَي عدم شُبْهَة الْعلَّة الْحَقِيقِيَّة للمعلق، وَإِنَّمَا قُلْنَا بشبه الْعلية فِيهِ لِأَنَّهُ كاليمين بِاللَّه شرع لتأكيد الْبر الْمَضْمُون بالجزاء، أَو هُوَ كَونه بِحَيْثُ إِن فَاتَ لزم الْجَزَاء أَو الْكَفَّارَة فالبر الْمُؤَكّد أَمر ثَابت بِسَبَب هُوَ التَّعْلِيق وَالْيَمِين، وَهَذَا الثَّابِت مَضْمُون باللازم الْمَذْكُور على الْوَجْه الَّذِي ذكر، وكل شَيْء يكون الثَّابِت بِسَبَبِهِ مَضْمُونا بِهِ لشُبْهَة الثُّبُوت فاللازم الْمَذْكُور لَهُ شُبْهَة الثُّبُوت، وَمن ضروريته تحقق شُبْهَة الثُّبُوت بِسَبَبِهِ الَّذِي هُوَ التَّعْلِيق وَالْيَمِين، أَلا ترى أَن وجوب رد الْعين ثَبت بِسَبَب الْغَصْب مَضْمُونا بِالْقيمَةِ عِنْد فَوَاته، وَيصِح الْإِبْرَاء عَن الْقيمَة حَال قيام الْعين، وَكَذَا الْكفَالَة بهَا وَالرَّهْن، فلولا أَن للقيمة شُبْهَة الثُّبُوت لما صَحَّ ذَلِك، وشبهة الشَّيْء مُعْتَبرَة بحقيقته فَلَا يسْتَغْنى عَن الْمحل بحقيقته. وَقَالَ زفر لَيْسَ فِيهِ شُبْهَة الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ فرض للتطليق
стр. 1090
مثلا وَفرض الشَّيْء غَيره فَلَا يستدعى محلا، وَلذَا صَحَّ تَعْلِيق طَلَاق الْمُطلقَة ثَلَاثًا بتزوجها فَيَقَع لَو تزَوجهَا بعد التَّحْلِيل فَلم يستدع ابتداؤه الْمحل، فبقاؤه وَهُوَ أسهل أولى، وَاشْتِرَاط الْملك عِنْد ابْتِدَاء التَّعْلِيق ليَكُون الْجُزْء الْمَوْقُوف على الْملك غَالب الْوُجُود بالاستصحاب فَيجْعَل تَأْكِيد الْبر الْمَقْصُود من الْيَمين، وَلَا حَاجَة للتعليق بِالْملكِ إِلَى ذَلِك لتيقن وجوده عِنْد فَوَات الْبر بِالتَّزْوِيجِ مثلا وَمَعَ هَذَا لَا يشْتَرط عِنْد بَقَائِهِ فَلَا يبطل التَّعْلِيق بِزَوَال الْملك بِأَن يطلقهَا دون الثَّلَاث، فَكَذَا بِزَوَال الْحل بِأَن يطلقهَا ثَلَاثًا قُلْنَا شُبْهَة الثُّبُوت للمعلق بِالنِّكَاحِ مُحَققَة لِأَن ملك النِّكَاح عِلّة ملك الطَّلَاق وَصِحَّته، وَلَيْسَ للشَّيْء قبل عِلّة صِحَّته حَقِيقَة الثُّبُوت فَكَذَا شبهته فَلم يشْتَرط للمعلق بِالنِّكَاحِ قيام الْمحل بِخِلَاف الْمُعَلق بِغَيْرِهِ، وَأَيْضًا ملك الطَّلَاق مُسْتَفَاد من ملك النِّكَاح، وَلما استدعى صِحَة ملك النِّكَاح الْحل، لَا الْملك استدعى ملك الطَّلَاق إِيَّاه أَيْضا، فالمنافي لَهَا زَوَال الْحل لَا الْملك كَذَا فِي مرْآة الْأُصُول، وَلَا يخفى أَن الْمُدعى شُبْهَة الْعلَّة للمعلق، وَالدَّلِيل يُفِيد شُبْهَة الثُّبُوت فِيهِ، وَبَيَان تحقق شبهته فِي السَّبَب الَّذِي هُوَ التَّعْلِيق زَائِد على الْمَقْصُود: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون إِشَارَة إِلَى دَلِيل آخر على الِاحْتِيَاج إِلَى بَقَاء الْمحل، ثمَّ المُرَاد بِنَفْي شُبْهَة الْحَقِيقَة فِي قَول زفر شُبْهَة الْمُعَلق بالمنجز الَّذِي هُوَ عِلّة للطَّلَاق مثلا، وَقَوله إِلَى آخِره لَا حَاجَة لزفَر إِلَيْهِ، وَقَوله وَمَعَ هَذَا أَي مَعَ اشْتِرَاط ابْتِدَاء التَّعْلِيق فِي المنازع فِيهِ، وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ إطناب من غير تَنْقِيح (وَجَرت عَادَتهم) أَي الْحَنَفِيَّة (أَن يعينوا) أَي بِأَن يعينوا (أَسبَاب المشروعات) لَا خلاف فِي أَن الشَّارِع هُوَ الله الْمُنْفَرد بِإِيجَاب الْأَحْكَام غير أَن جلها مُضَافَة إِلَى مَا هُوَ سَبَب فِي الظَّاهِر ليتوصلوا بِهِ إِلَى مَعْرفَتهَا تيسيرا على الْعباد (قَالُوا: السَّبَب لوُجُوب الْإِيمَان أَي التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار) بِوُجُودِهِ تَعَالَى ووحدانيته وَسَائِر صِفَاته على مَا عرف فِي الْكَلَام (حُدُوث الْعَالم) أَي كَونه مَسْبُوقا بِالْعدمِ وافتقاره إِلَى مُؤثر وَاجِب لذاته قطعا للتَّعْلِيل، وَلذَا يُسمى عَالما فَإِنَّهُ يحصل الْعلم بِوُجُود الصَّانِع وَهُوَ (كل مَا سواهُ تَعَالَى مِمَّا فِي الْآفَاق والأنفس) وَيجوز أَن يكون كل بِالْجَرِّ على الْبَدَل من الْعَالم. قَالَ الله تَعَالَى: - ﴿سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم﴾ - الْآيَة (أَي أصل الْوُجُوب) فِي الذِّمَّة، لَا وجوب الْأَدَاء (فَلِذَا) أَي لأجل كَون السَّبَب حُدُوثه (صَحَّ إِيمَان الصَّبِي الْعَاقِل) لتحَقّق سَبَب الْوُجُوب، وَأَدَاء الْوَاجِب بعد تحقق سَبَب وُجُوبه صَحِيح، ثمَّ تحقق رُكْنه وَهُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار الصَّادِر عَن نظر وَتَأمل عَن أَهله (وَقد ثَبت الحكم بِهِ) أَي بِالْإِيمَان (عَلَيْهِ) أَي على الصَّبِي (شرعا اتِّفَاقًا تبعا) لِأَبَوَيْهِ (فَيصح) إيمَانه (مَعَ إِقْرَاره اخْتِيَارا) صادرا (عَن اعْتِقَاد صَحِيح) بطرِيق (أولى) لِأَنَّهُ إِذا حكم بِصِحَّة الْإِيمَان من غير إِقْرَار وَلَا اخْتِيَار من غير أَهْلِيَّة بِمُجَرَّد التّبعِيَّة فإيمان من استجمع ذَلِك أولى بالحكم بِالصِّحَّةِ (وَتقدم
следующие страницы →