← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6327

تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه

أمير باد شاه

Полный текст (1 287 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

طَرِيق) مفض (إِلَيْهِ) وَالْعلَّة المؤثرة وَطْء الدَّابَّة بقوائمها (فالسبب فِي معنى الْعلَّة) أَي إِذا كَانَ السَّبَب بِحَيْثُ تُضَاف إِلَيْهِ الْعلَّة فَهُوَ فِي معنى الْعلَّة لحدوث الْعلَّة بِهِ فَإِن السُّوق يحمل الدَّابَّة على ذَلِك كرها (فَلهُ) أَي لهَذَا السَّبَب (حكمهَا) أَي الْعلَّة (فِيمَا يرجع إِلَى بدل الْمحل) أَي مَحل الحكم وَهُوَ الْإِتْلَاف هُنَا: يَعْنِي الضَّمَان (لَا) فِيمَا يرجع إِلَى (جَزَاء الْمُبَاشرَة، فَعَلَيهِ) أَي على السَّائِق (الدِّيَة) إِذا وطِئت إنْسَانا فَقتلته لِأَنَّهَا بدل الْمحل، والسوق وَإِن جَازَ للْحَاجة إِلَيْهِ لَكِن بِشَرْط السَّلامَة، وَالْقَصْد لَيْسَ بِشَرْط الضَّمَان فِي حُقُوق الْعباد، والعجماء إِنَّمَا يكون فعلهَا جبارا إِذا لم يكن لَهَا قَائِد وَلَا سائق (لَا) علية (حرمَان الْإِرْث وَنَحْوه) من الْكَفَّارَات لَا الْقصاص لِأَنَّهَا جَزَاء الْمُبَاشرَة (وَالشَّهَادَة) بِالْجَرِّ عطفا على السُّوق، مِثَال آخر للسبب الْمُضَاف إِلَيْهِ الْعلَّة (للْقصَاص) أَي لوُجُوبه فَإِن الشَّهَادَة (لم تُوضَع لَهُ) أَي للْقصَاص (وَلم تُؤثر فِيهِ بل) هِيَ (طَرِيقه) أَي الْقصاص (وعلته) أَي الْقصاص (الْمُتَوَسّط) أَي مَا توَسط بَين الشَّهَادَة وَوُجُوب الْقصاص (من فعل) الْفَاعِل (الْمُخْتَار الْمُبَاشر للْقَتْل: لَكِن فِيهِ) أَي السَّبَب الَّذِي هُوَ الشَّهَادَة (معنى الْعلَّة لِأَنَّهَا) أَي الشَّهَادَة مؤدية إِلَى الْقَتْل بِوَاسِطَة إِيجَابهَا الْقَضَاء) على القَاضِي فَيحكم بِوُجُوبِهِ (و) بِوَاسِطَة (اخْتِيَار الْوَلِيّ) أَي ولي الْمَقْتُول (إِيَّاه) أَي الْقَتْل (على الْعَفو) فَإِن الِاخْتِيَار فرع الْقُدْرَة الْحَاصِلَة بِالشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا سلطته عَلَيْهِ (فَعَلَيْهِم) أَي الشُّهُود (برجوعهم) عَن الشَّهَادَة (الدِّيَة) لِأَنَّهَا بدل الْمحل (لَا الْقصاص لِأَنَّهُ) أَي الْقصاص (جَزَاء الْمُبَاشرَة) للْقَتْل فَإِن الْجَزَاء يجب أَن يكون مماثلا للْفِعْل الْمُوجب لَهُ (وَعند الشَّافِعِي يقْتَصّ) من الشُّهُود الراجعين (إِذا قَالُوا تعمدنا الْكَذِب وَعلم من حَالهم أَنه لم يخف عَلَيْهِم قبولهم) أَي قبُول شَهَادَتهم، وَإِن كَانُوا مِمَّن يجوز أَن يخفى عَلَيْهِ مثله لقرب عَهدهم بِالْإِسْلَامِ حلفوا عَلَيْهِ، وَلَا يجب الْقصاص وعزروا، وَتجب دِيَة مُغَلّظَة فِي أَمْوَالهم إِلَّا أَن تصدقهم الْعَاقِلَة فَيكون عَلَيْهِم، وَإِنَّمَا يقْتَصّ مِنْهُم عِنْد ذَلِك (جعلا للسبب) الْقوي (الْمُؤَكّد بِالْقَصْدِ الْكَامِل كالمباشرة) فِي إِيجَاب الْقصاص (وَدفع) قَوْله (بِأَن الْقصاص بالمماثلة وَلَيْسَت) الْمُمَاثلَة ثَابِتَة (بَين الْمُبَاشرَة والتسبب وَإِن قوي) السَّبَب وتأكد، وَفِي الْكَشْف وَالتَّحْقِيق وَقَالَ القَاضِي الإِمَام أَبُو زيد لهَذَا السَّبَب حكم الْعلَّة من كل وَجه لِأَن عِلّة الحكم لما حدثت بِالْأولَى صَارَت الْعلَّة الْأَخِيرَة حكما للأولى مَعَ حكمهَا، لِأَن حكم الثَّانِيَة مُضَاف إِلَيْهَا، وَهِي مُضَافَة إِلَى الأولى فَصَارَت الأولى بِمَنْزِلَة عِلّة لَهَا حكمان انْتهى، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن شُبْهَة، وَالْحُدُود تندرئ بِالشُّبُهَاتِ فَتَأمل. (وَمِنْه) أَي السَّبَب فِي معنى الْعلَّة (وضع الْحجر) فِي الطَّرِيق (وإشراع الْجنَاح) فِيهِ، الْجنَاح رُءُوس الأخشاب الَّتِي تخرج من فَوق الْبَيْت. بِمِقْدَار ذِرَاع أَو أَكثر حَتَّى يَبْنِي عَلَيْهِ بعض بَيت الْعُلُوّ، وإشراعه إِظْهَاره وإخراجه (والحائط المائل

стр. 1087

بعد التَّقَدُّم) أَي ترك هَدمه بعد أَن مَال إِلَى الطَّرِيق، أَو إِلَى دَار جَاره بعد مُطَالبَة بعض النَّاس أَو الْجَار نقضه (فَالْوَجْه أَنه) أَي كلا من هَذِه (مثله) أَي مثل السَّبَب فِي معنى الْعلَّة (لتعديه فِي إبْقَاء الْفِعْل) الْمُسَبّب للتلف، لَا أَنه من (السَّبَب) فِي معنى الْعلَّة لِأَن الْعلَّة لَا تُضَاف إِلَيْهِ لِأَن سَبَبِيَّة ترك هدم الْحَائِط مثلا لَيست فِي رُتْبَة سَبَبِيَّة السُّوق للتلاف (وَإِمَّا لَا تُضَاف) الْعلَّة (إِلَيْهِ) أَي السَّبَب (لكَونهَا) أَي الْعلَّة (فعلا اختياريا كدلالة السَّارِق) أَي كدلالة شخص سَارِق على مَال آخر ليسرقه (الْمُتَوَسّط سَرقته) الَّتِي هِيَ فعل اخْتِيَاري يباشره السَّارِق (فالحقيقي) أَي فَهَذَا السَّبَب يُقَال لَهُ السَّبَب الْحَقِيقِيّ لتمحضه فِي السَّبَبِيَّة من غير كَونه فِي معنى الْعلَّة لعدم إضافتها إِلَيْهِ لتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ بَينه وَبَين الحكم (فَلَا يُضَاف الحكم إِلَيْهِ) أَي إِلَى السَّبَب كَمَا لَا تُضَاف الْعلَّة إِلَيْهِ (فَلَا يضمن دَال السَّارِق) الْمَسْرُوق، لِأَن الْإِتْلَاف مُضَاف إِلَى فعل السَّارِق، لَا إِلَى الدَّال كَمَا سيشير إِلَيْهِ (وَلَا يُشْرك فِي الْغَنِيمَة الدَّال) للمجاهدين (على حصن فِي دَار الْحَرْب) بِوَصْف طَرِيقه (لقطع نِسْبَة الْفِعْل) وَهُوَ الْإِتْلَاف فِي الأول، والاغتنام فِي الثَّانِي (إِلَيْهِ) أَي إِلَى السَّبَب وَهُوَ الدّلَالَة لتخلل اخْتِيَار الْمُبَاشر بَينه وَبَين الحكم فدلالته سَبَب مَحْض. قَالَ الشَّارِح: نعم لَو ذهب مَعَهم فدلهم على الْحصن شركهم فِي الْغَنِيمَة فِيهِ لِأَن فعله حِينَئِذٍ سَبَب فِيهِ معنى الْعلَّة (وَلَا) يضمن (دَافع السكين لصبي) ليمسكها للدافع (فَقتل) الصَّبِي بهَا (نَفسه) لِأَن ضربه نَفسه صَار بِاخْتِيَارِهِ غير مُضَاف إِلَى الدَّافِع. قَالَ الشَّارِح فِي تَعْلِيله لِأَنَّهُ أمره بالإمساك، لَا بِالِاسْتِعْمَالِ انْتهى وَلَا يخفى أَن هَذَا يُفِيد أَنه لَو أمره بِالِاسْتِعْمَالِ يضمن، وتعليلهم لعدم الضَّمَان بتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ بَين هَذَا السَّبَب وَقَتله نَفسه يدل على عدم ضَمَانه، وَأَن أمره بِالِاسْتِعْمَالِ لتخلل الْفِعْل الْمَذْكُور بَين الْأَمر والتلاف: نعم عدم الضَّمَان عِنْد الْأَمر بالإمساك دون الِاسْتِعْمَال أظهر (بِخِلَاف سُقُوطهَا) أَي بِخِلَاف مَا إِذا دَفعهَا ليمسكها فَسَقَطت بِلَا قصد (مِنْهُ) أَي من الصَّبِي على وَجه أهلكته فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يضمن الدَّافِع لعدم تخَلّل فعل اخْتِيَاري من الصَّبِي متوسط بَين الدّفع والهلاك، فالدفع حِينَئِذٍ سَبَب فِي معنى الْعلَّة الَّتِي هِيَ السُّقُوط لِأَنَّهَا تُضَاف إِلَيْهِ وَلم يتوسط بَينهمَا إِلَّا الْإِمْسَاك الَّذِي هُوَ حكم الدّفع (وَلَا) يضمن (الْقَائِل) لغيره (تزَوجهَا) أَي هَذِه الْمَرْأَة (فَإِنَّهَا حرَّة) فَتَزَوجهَا واستولدها ثمَّ ظهر أَنَّهَا أمة شخص (لقيمة الْوَلَد) الَّذِي أَدَّاهَا إِلَى ذَلِك الشَّخْص لتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ وَهُوَ العقد بَين الْإِخْبَار وَالِاسْتِيلَاد (بِخِلَاف تَزْوِيج الْوَلِيّ أَو الْوَكِيل) أَي وَليهَا أَو وكيلها (بِالشّرطِ) أَي بِشَرْط أَنَّهَا حرَّة (الْمَغْرُور) مفعول التَّزْوِيج، يَعْنِي الْمُقدم إِلَى الزواج بِنَاء على الشَّرْط الَّذِي ظهر خِلَافه آخرا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يرجع الزَّوْج بِقِيمَة الْوَلَد على الْوَلِيّ أَو الْوَكِيل فَإِن الشَّرْط

стр. 1088

من الْوَلِيّ وَالْوَكِيل بِمَنْزِلَة قَوْله أَنا ضَامِن بِمَا يلحقك بِسَبَب هَذَا التَّزَوُّج، وَقيل لِأَن الِاسْتِيلَاد حكم التَّزْوِيج لكَونه مَوْضُوعا لطلب النَّسْل، وَفِيه مَا فِيهِ (وَلَا يلْزم) على هَذِه الْمسَائِل بطرِيق النَّقْض أَن يُقَال (الْمُودع وَالْمحرم) إِذا دلّ سَارِقا وصائدا (على الْوَدِيعَة وَالصَّيْد) فَسرق وصاد (يضمنَانِ) أَي الْمُودع وَالْمحرم الْمَسْرُوق جَزَاء الصَّيْد (وهما مسببان) على صِيغَة الْفَاعِل يَعْنِي فعلهمَا سَبَب مَحْض لتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ بَينه وَبَين الحكم، ثمَّ علل عدم اللُّزُوم بقوله (لِأَن ضَمَان الْمُودع بترك الْحِفْظ) الْمُلْتَزم بِعقد الْوَدِيعَة، وَهُوَ مبَاشر مَا يُخَالف الْتِزَامه بِدلَالَة السَّارِق (و) ضَمَان (الْمحرم بِإِزَالَة الْأَمْن) عَن الصَّيْد وَقد الْتَزمهُ بِالْإِحْرَامِ (المتقررة) صفة الْإِزَالَة (بِالْقَتْلِ) فقد بَاشر الْإِزَالَة بِدلَالَة الْقَاتِل عَلَيْهِ، وَلذَا قَالَ (فَهُوَ) أَي كل وَاحِد مِنْهُمَا (مبَاشر) للجناية على الْوَدِيعَة وَالصَّيْد، فضمانه بِالْمُبَاشرَةِ لَا بالتسبب (بِخِلَافِهَا) أَي بِخِلَاف الدّلَالَة (على صيد الْحرم) وَالدَّال غير محرم فَإِنَّهُ إِذا قَتله الْمَدْلُول لَا يضمن الدَّال (لِأَن أَمنه) أَي صيد الْحرم (بِالْمَكَانِ) وَهُوَ الْحرم الْأَمْن إِلَى آخر الدُّنْيَا (وَلم يزل) مِنْهُ (بِالدّلَالَةِ) فَكَانَ سَببا مَحْضا (بِخِلَاف غَيره) أَي غير صيد الْحرم من صيود الْمحرم (فَإِنَّهُ) أَي أَمن غَيره (بتواريه) وتستره ببعده عَن أعين النَّاس (فالدلالة عَلَيْهِ) أَي على غير صيد الْحرم (إِزَالَة أَمنه وَهُوَ) أَي هَذَا السَّبَب الَّذِي هُوَ إِزَالَة الْأَمْن (الْجِنَايَة على إِحْرَامه) يَعْنِي أَن إِزَالَة الْأَمْن فِي غير صيد الْحرم إِنَّمَا وَجب لكَونه جِنَايَة على الْإِحْرَام لَا لذاتها، وَإِلَّا لزم إِيجَاب الضَّمَان فِي حق غير الْمحرم أَيْضا، ثمَّ حَقِيقَة الدّلَالَة احداث الْعلم فِي الْغَيْر فَلَزِمَ عدم كَون الْمَدْلُول عَالما بمَكَان الصَّيْد قبل الدّلَالَة وَأَن لَا يكذب الدَّال فَلَو كَانَ عَالما أَو كذب لَا يضمن الدَّال، وَيجب أَيْضا أَن يتَّصل الْقَتْل بِالدّلَالَةِ حَتَّى لَو أَخذه بدلالته ثمَّ انفلت ثمَّ أَخذه فَقتله لم يضمن الدَّال لانْتِهَاء دلَالَته بالانقلاب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله فِيمَا سبق المتقررة (وفتوى الْمُتَأَخِّرين بِالضَّمَانِ بالسعاية) أَي بِأَن يسْعَى فِي حق غَيره بِغَيْر حق إِلَى حَاكم ظَالِم فيغرمه المَال ظلما (بِخِلَاف الْقيَاس) لتخلل الْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ من الظَّالِم، وَهُوَ الْأَخْذ ظلما بَين السّعَايَة واتلاف المَال، وَإِنَّمَا أفتوا (اسْتِحْسَانًا لغَلَبَة السعاة) بِغَيْر الْحق إِلَى الظلمَة فِي زَمَاننَا، وَبِه يُفْتى سدا لهَذَا الْبَاب (وَيَنْبَغِي مثله) أَي الافتاء بِالضَّمَانِ، بِخِلَاف الْقيَاس اسْتِحْسَانًا (لَو غلب غصب الْمَنَافِع) فَإِنَّهُ على خلاف الْقيَاس لعدم كَونهَا محرزا لتجددها، وَالْغَصْب إِثْبَات الْيَد المبطلة، وَإِبْطَال الْيَد المحقة، وَذَلِكَ فرع فِي الْإِحْرَاز، وَإِنَّمَا قَالَ يَنْبَغِي إِلَى آخِره زجرا للغصبة عَن ذَلِك (وَيُقَال لفظ السَّبَب مجَازًا على الْمُعَلق من تطليق وإعتاق وَنذر بِمَا) أَي بِشَرْط مُتَعَلق بالمعلق (لَا يُرِيد) الْمُعَلق (كَونه) أَي وجوده: كَانَ دخلت فَأَنت طَالِق أَو فُلَانَة حرَّة أَو فعلي لله صِيَام سنة قبل وجود الشَّرْط

стр. 1089

وَالتَّقْيِيد بِقَيْد لَا يُرِيد كَونه مُوَافق لما قَالَ بعض الشُّرَّاح من أَن التَّعْلِيق بِشَرْط يُريدهُ مفض إِلَى وجود الشَّرْط المفضي إِلَى الحكم (وعَلى الْيَمين) بِاللَّه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث (إِذْ لَيست) الْمَذْكُورَات (مفضية إِلَى الْوُقُوع) فِي المعلقات (و) إِلَى (الخنث) فِي الْيَمين أما الأول فَلِأَنَّهُ أَرَادَ بهَا منع نَفسه من الشَّرْط احْتِرَازًا عَن الْوُقُوع، وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهَا شرعت للبر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بل) هِيَ (مَانِعَة) من الْوُقُوع والحنث (وَإِنَّمَا) يكون (لَهَا) أَي لهَذِهِ الْمَذْكُورَات (نوع إفضاء) إِلَى الحكم (فِي الْجُمْلَة وَلَو) كَانَ ذَلِك الْإِفْضَاء (بعد حِين) عِنْد تحقق الشَّرْط والحنث، وَإِنَّمَا قَالَ نوع إفضاء لِأَنَّهُ لَو لم يكن التَّعْلِيق وَالْيَمِين لما وَقع شَيْء مِمَّا ترَتّب على الشَّرْط والحنث وَإِن قيل، وَلِأَن الْمَرْء حَرِيص لما منع فَلَا يَخْلُو عَن وَجه (فَهِيَ) أَي هَذِه التعليقات وَالْيَمِين سَبَب (مجَاز) أَي مجازي بِتِلْكَ الرَّائِحَة من الْإِفْضَاء الْمَذْكُور (وَإِذا صدر الشَّرْط الْمُعَلق صَار) الْمُعَلق بِهِ (عِلّة حَقِيقِيَّة) للوقوع لتأثيره فِيهِ مَعَ الْإِضَافَة إِلَيْهِ واتصاله بِهِ كَالْبيع للْملك (بِخِلَاف السَّبَب فِي معنى الْعلَّة لِأَنَّهُ لم يُؤثر فِي الْمُسَبّب) وَهُوَ الحكم (وَأَن اثر فِي علته) أَي عِلّة الحكم على مَا عرفت فِي سوق الدَّابَّة إِذا وطِئت إنْسَانا فَقتلته (فَلم تنتف حَقِيقَة السَّبَبِيَّة) فِي السَّبَب بِمَعْنى الْعلَّة (بِوُجُود التَّأْثِير) وَلَو أثرت فِي نفس الحكم لانتفت (ثمَّ للمعلق الْمجَاز) أَي الَّذِي هُوَ سَبَب مجَازًا (شبه الْعلَّة الْحَقِيقِيَّة) من حَيْثُ الحكم (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (خلافًا لزفَر) فَإِنَّهُ لَا يَقُول بشبهه (وثمرته) أَي الْخلاف تظهر (فِي تَنْجِيز الثَّلَاث) بعد تَعْلِيق بَعْضهَا أَو جَمِيعهَا على شَرط لم يُوجد بعد (يبطل) تنجيزها (التَّعْلِيق عِنْدهم، خلافًا لَهُ) حَتَّى لَو عَادَتْ إِلَيْهِ بعد زوج آخر وَوجد الْمُعَلق عَلَيْهِ لَا يَقع الْمُعَلق عِنْدهم، وَيَقَع عِنْده (وَهِي) أَي هَذِه المسئلة (طَوِيلَة فِي فقههم، والمبنى) فِي الْإِبْطَال وَعَدَمه (الِاحْتِيَاج) أَي احْتِيَاج الْمُعَلق فِي الْبَقَاء (إِلَى بَقَاء الْمحل للشُّبْهَة) بِالْعِلَّةِ الْحَقِيقِيَّة (وَعَدَمه) أَي وَعدم احْتِيَاج الْمُعَلق فِي الْبَقَاء إِلَى بَقَاء الْمحل (لعدمها) أَي عدم شُبْهَة الْعلَّة الْحَقِيقِيَّة للمعلق، وَإِنَّمَا قُلْنَا بشبه الْعلية فِيهِ لِأَنَّهُ كاليمين بِاللَّه شرع لتأكيد الْبر الْمَضْمُون بالجزاء، أَو هُوَ كَونه بِحَيْثُ إِن فَاتَ لزم الْجَزَاء أَو الْكَفَّارَة فالبر الْمُؤَكّد أَمر ثَابت بِسَبَب هُوَ التَّعْلِيق وَالْيَمِين، وَهَذَا الثَّابِت مَضْمُون باللازم الْمَذْكُور على الْوَجْه الَّذِي ذكر، وكل شَيْء يكون الثَّابِت بِسَبَبِهِ مَضْمُونا بِهِ لشُبْهَة الثُّبُوت فاللازم الْمَذْكُور لَهُ شُبْهَة الثُّبُوت، وَمن ضروريته تحقق شُبْهَة الثُّبُوت بِسَبَبِهِ الَّذِي هُوَ التَّعْلِيق وَالْيَمِين، أَلا ترى أَن وجوب رد الْعين ثَبت بِسَبَب الْغَصْب مَضْمُونا بِالْقيمَةِ عِنْد فَوَاته، وَيصِح الْإِبْرَاء عَن الْقيمَة حَال قيام الْعين، وَكَذَا الْكفَالَة بهَا وَالرَّهْن، فلولا أَن للقيمة شُبْهَة الثُّبُوت لما صَحَّ ذَلِك، وشبهة الشَّيْء مُعْتَبرَة بحقيقته فَلَا يسْتَغْنى عَن الْمحل بحقيقته. وَقَالَ زفر لَيْسَ فِيهِ شُبْهَة الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ فرض للتطليق

стр. 1090

مثلا وَفرض الشَّيْء غَيره فَلَا يستدعى محلا، وَلذَا صَحَّ تَعْلِيق طَلَاق الْمُطلقَة ثَلَاثًا بتزوجها فَيَقَع لَو تزَوجهَا بعد التَّحْلِيل فَلم يستدع ابتداؤه الْمحل، فبقاؤه وَهُوَ أسهل أولى، وَاشْتِرَاط الْملك عِنْد ابْتِدَاء التَّعْلِيق ليَكُون الْجُزْء الْمَوْقُوف على الْملك غَالب الْوُجُود بالاستصحاب فَيجْعَل تَأْكِيد الْبر الْمَقْصُود من الْيَمين، وَلَا حَاجَة للتعليق بِالْملكِ إِلَى ذَلِك لتيقن وجوده عِنْد فَوَات الْبر بِالتَّزْوِيجِ مثلا وَمَعَ هَذَا لَا يشْتَرط عِنْد بَقَائِهِ فَلَا يبطل التَّعْلِيق بِزَوَال الْملك بِأَن يطلقهَا دون الثَّلَاث، فَكَذَا بِزَوَال الْحل بِأَن يطلقهَا ثَلَاثًا قُلْنَا شُبْهَة الثُّبُوت للمعلق بِالنِّكَاحِ مُحَققَة لِأَن ملك النِّكَاح عِلّة ملك الطَّلَاق وَصِحَّته، وَلَيْسَ للشَّيْء قبل عِلّة صِحَّته حَقِيقَة الثُّبُوت فَكَذَا شبهته فَلم يشْتَرط للمعلق بِالنِّكَاحِ قيام الْمحل بِخِلَاف الْمُعَلق بِغَيْرِهِ، وَأَيْضًا ملك الطَّلَاق مُسْتَفَاد من ملك النِّكَاح، وَلما استدعى صِحَة ملك النِّكَاح الْحل، لَا الْملك استدعى ملك الطَّلَاق إِيَّاه أَيْضا، فالمنافي لَهَا زَوَال الْحل لَا الْملك كَذَا فِي مرْآة الْأُصُول، وَلَا يخفى أَن الْمُدعى شُبْهَة الْعلَّة للمعلق، وَالدَّلِيل يُفِيد شُبْهَة الثُّبُوت فِيهِ، وَبَيَان تحقق شبهته فِي السَّبَب الَّذِي هُوَ التَّعْلِيق زَائِد على الْمَقْصُود: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون إِشَارَة إِلَى دَلِيل آخر على الِاحْتِيَاج إِلَى بَقَاء الْمحل، ثمَّ المُرَاد بِنَفْي شُبْهَة الْحَقِيقَة فِي قَول زفر شُبْهَة الْمُعَلق بالمنجز الَّذِي هُوَ عِلّة للطَّلَاق مثلا، وَقَوله إِلَى آخِره لَا حَاجَة لزفَر إِلَيْهِ، وَقَوله وَمَعَ هَذَا أَي مَعَ اشْتِرَاط ابْتِدَاء التَّعْلِيق فِي المنازع فِيهِ، وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ إطناب من غير تَنْقِيح (وَجَرت عَادَتهم) أَي الْحَنَفِيَّة (أَن يعينوا) أَي بِأَن يعينوا (أَسبَاب المشروعات) لَا خلاف فِي أَن الشَّارِع هُوَ الله الْمُنْفَرد بِإِيجَاب الْأَحْكَام غير أَن جلها مُضَافَة إِلَى مَا هُوَ سَبَب فِي الظَّاهِر ليتوصلوا بِهِ إِلَى مَعْرفَتهَا تيسيرا على الْعباد (قَالُوا: السَّبَب لوُجُوب الْإِيمَان أَي التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار) بِوُجُودِهِ تَعَالَى ووحدانيته وَسَائِر صِفَاته على مَا عرف فِي الْكَلَام (حُدُوث الْعَالم) أَي كَونه مَسْبُوقا بِالْعدمِ وافتقاره إِلَى مُؤثر وَاجِب لذاته قطعا للتَّعْلِيل، وَلذَا يُسمى عَالما فَإِنَّهُ يحصل الْعلم بِوُجُود الصَّانِع وَهُوَ (كل مَا سواهُ تَعَالَى مِمَّا فِي الْآفَاق والأنفس) وَيجوز أَن يكون كل بِالْجَرِّ على الْبَدَل من الْعَالم. قَالَ الله تَعَالَى: - ﴿سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أنفسهم﴾ - الْآيَة (أَي أصل الْوُجُوب) فِي الذِّمَّة، لَا وجوب الْأَدَاء (فَلِذَا) أَي لأجل كَون السَّبَب حُدُوثه (صَحَّ إِيمَان الصَّبِي الْعَاقِل) لتحَقّق سَبَب الْوُجُوب، وَأَدَاء الْوَاجِب بعد تحقق سَبَب وُجُوبه صَحِيح، ثمَّ تحقق رُكْنه وَهُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار الصَّادِر عَن نظر وَتَأمل عَن أَهله (وَقد ثَبت الحكم بِهِ) أَي بِالْإِيمَان (عَلَيْهِ) أَي على الصَّبِي (شرعا اتِّفَاقًا تبعا) لِأَبَوَيْهِ (فَيصح) إيمَانه (مَعَ إِقْرَاره اخْتِيَارا) صادرا (عَن اعْتِقَاد صَحِيح) بطرِيق (أولى) لِأَنَّهُ إِذا حكم بِصِحَّة الْإِيمَان من غير إِقْرَار وَلَا اخْتِيَار من غير أَهْلِيَّة بِمُجَرَّد التّبعِيَّة فإيمان من استجمع ذَلِك أولى بالحكم بِالصِّحَّةِ (وَتقدم

стр. 1091

مَا فِيهِ) أَي فِي تحقق أصل الْوُجُوب فِي الصَّبِي الْعَاقِل من خلاف شمس الْأَئِمَّة فِي الْفَصْل الرَّابِع فِي الْمَحْكُوم عَلَيْهِ وَمَا يتَعَلَّق بِهِ (فَأَما وجوب الْأَدَاء) للْإيمَان (فَأَبُو الْيُسْر) أَي فَقَالَ أَبُو الْيُسْر هُوَ (بِالْخِطَابِ) أَي ببلوغ الْخطاب التكليفي بعد الْبلُوغ (عِنْد عَامَّة الْمَشَايِخ فعذر من بلغ بشاهق) فِي الْقَامُوس: الشاهق الْمُرْتَفع من الْجبَال والأبنية وَغَيرهَا (وَلم يبلغهُ) الْخطاب الْمُتَعَلّق بِالْإِيمَان إِذا مَاتَ من غير إِيمَان وَإِن أدْرك مُدَّة أمكن فِيهَا التَّأَمُّل وَالنَّظَر فِي الْآيَات (و) عِنْد (الآخرين) مِنْهُم القَاضِي أَبُو بكر وفخر الْإِسْلَام هُوَ (بِالْأولِ) أَي بحدوث الْعَالم فَلَا يعْذر من ذكر بَعْدَمَا أدْرك الْمدَّة الْمَذْكُورَة (وَشرط الْخطاب) أَي بُلُوغه فِي أَوَان التَّكْلِيف عِنْد الآخرين (فِيمَا) أَي فِي حكم (يحْتَمل النّسخ) من الْأَحْكَام العملية (وَهُوَ) أَي هَذَا الِاخْتِلَاف (بِنَاء على اسْتِقْلَال الْعقل يدْرك إِيجَابه) تَعَالَى للْإيمَان (و) على (عَدمه) أَي عدم استقلاله بذلك كَمَا هُوَ قَول عَامَّة الْعلمَاء (و) هُوَ الْمُخْتَار (تقدم) الْكَلَام فِي هَذَا فِي الْفَصْل الثَّانِي فِي الحكم (و) السَّبَب (لوُجُوب الصَّلَاة الْوَقْت) أَي وَقتهَا الْمَشْرُوعَة هِيَ فِيهِ، لإضافتها إِلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى - ﴿وَمن بعد صَلَاة الْعشَاء﴾ - لِأَنَّهَا تفِيد الِاخْتِصَاص وكماله فِي السَّبَبِيَّة، ولتكرر وُجُوبهَا بتكرره، وَلعدم صِحَّتهَا قبله كَمَا قَالُوا (وَالْوَجْه) الْوَجِيه (قَول الْمُتَقَدِّمين) مِنْهُم وَهُوَ (أَنه) أَي سَبَب الْوُجُوب (لكل) من (الْعِبَادَات توالي النعم المفضية فِي) نظر (الْعقل إِلَى وجوب الشُّكْر فللإيمان) أَي فالسبب لوُجُوبه (شكر نعْمَة الْوُجُود وَكَمَال الْعقل، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن السَّبَب مَا قُلْنَا وَكَانَ مَا ذكر أَولا (فالعالم دَلِيل وجوده تَعَالَى دون إِيجَابه) أَي فَيُقَال فِي رده الْعَالم دَلِيل وجود مبدأ الْوَاجِب لبُطْلَان التسلسل والدور واحتياجه إِلَى الْمُؤثر، فَإِن جعل الدَّلِيل سَببا للمدلول كَانَ الْعَالم من حَيْثُ النّظر فِيهِ سَببا للْعلم بِالْوُجُوب، دون نفس الْوُجُوب لِأَنَّهُ مُتَقَدم بِالذَّاتِ على الْعَالم، وَلَيْسَ دَلِيلا على إِيجَابه على الْعُقَلَاء شَيْئا كَمَا تقدم أَنه الْمُخْتَار، وَلَو كَانَ دَلِيلا على الْإِيجَاب لأمكن اعْتِبَار سببيته لوُجُوب الْإِيمَان (و) سَبَب الْوُجُوب (للصَّلَاة شكر نعْمَة الْأَعْضَاء السليمة) فَإِنَّهُ لما كَانَت الْأَعْضَاء كلهَا تسْتَعْمل فِي الصَّلَاة ناسب أَن تجْعَل شكرا لسلامتها (و) سَبَب الْوُجُوب (للصَّوْم شكر نعْمَة اقْتِضَاء الشَّهَوَات و) سَبَب الْوُجُوب (لِلزَّكَاةِ شكر نعْمَة المَال) الْفَاضِل عَن الْحَاجة الْأَصْلِيَّة (و) سَبَب الْوُجُوب (لِلْحَجِّ شكر نعْمَة الْبَيْت المجعول هدى للْعَالمين ومثابة للنَّاس) وَاعْترض عَلَيْهِ الشَّارِح بِأَن السَّبَب نفس النعم الْمَذْكُورَة وَالشُّكْر سَببا لَهَا، فَالْوَجْه إِمَّا حذف الْجَار من قَوْله للْإيمَان وَمَا عطف عَلَيْهِ، وَإِمَّا حذف شكر ليَكُون التَّقْدِير الْإِيمَان شكر نعْمَة الْوُجُود أَو السَّبَب لَهُ نعْمَة

стр. 1092

الْوُجُود، وَالْجَوَاب أَن المُصَنّف أَشَارَ إِلَى أَنهم جعلُوا النعم الْمَذْكُورَة سَببا بِاعْتِبَار شكرها، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ الْبَاعِث لاقدام الْفَاعِل على الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة فَهُوَ المفضي إِلَيْهَا، وَتلك النعم من حَيْثُ ذَاتهَا منشؤه وَلَا يُفْضِي إِلَيْهَا غَالِبا (غير أَنه قدر مَا اعْتبر مِنْهَا سَببا بوقته) فِي بعض تِلْكَ الْأَفْعَال (كَالصَّلَاةِ) يَعْنِي أَن نعْمَة الْأَعْضَاء أَمر مُسْتَمر، لَكِن الشَّارِع جعله قطعا وَاعْتبر كل قِطْعَة مِنْهُ سَببا لصَلَاة، وَقدر تِلْكَ الْقطعَة بِقِيَاس هُوَ وقته، وَإِضَافَة الْوَقْت لأدنى مُلَابسَة، لِأَن الْمُتَبَادر مِنْهَا أَن يكون الْوَقْت مُسْتَغْرقا لتِلْك الْقطعَة، وَالْوَقْت الَّذِي جعل سَببا للصَّلَاة لَيْسَ كَذَلِك، بل جُزْء من أَجزَاء وَقت مَا هُوَ سَبَب لَهَا (أَو قدره) مَعْطُوفًا على وقته يَعْنِي بوقته تَارَة وبقدره أُخْرَى كالنصاب فِي الزَّكَاة (أما الْوَقْت) الْمُقدر بِهِ (فجدير بِهِ) أَي بِالْوَقْتِ (الْعَلامَة) أَي يَلِيق بِهِ أَن يَجْعَل عَلامَة كَمَا سَيَأْتِي، وَقد مر تَفْسِيرهَا وَعدم اعْتِبَار التَّأْثِير والإفضاء والتوقف فِيهَا (و) جعل مَا قدر بِهِ السَّبَب (لِلزَّكَاةِ النّصاب) الشَّرْعِيّ الْمُوجب للغني (لعقلية الْغَنِيّ) أَي لمعقولية كَون الْغَنِيّ (سَببا) لِأَنَّهُ يتَمَكَّن من مواساة الْفَقِير، وَلذَا قَالَ ﷺ " لَا صَدَقَة إِلَّا عَن ظهر غنى ". (وَشرط النَّمَاء) فِي النّصاب لوُجُوب الْأَدَاء (تيسيرا) للْأَدَاء وتخفيفا للغني لِأَنَّهُ إِذا لم يكن ناميا تفنيه الْحَوَائِج المتجددة على الِاسْتِمْرَار قَرِيبا (وأقيم الْحول مقَامه) أَي مقَام النَّمَاء (لِأَنَّهُ) أَي الْحول (طَرِيقه) الْموصل إِلَيْهِ لاشْتِمَاله على الْفُصُول المؤثرة فِي النَّمَاء بالدر والنسل وَزِيَادَة الْقيمَة بتفاوت الْحَاجَات الْمُتَعَلّقَة باخْتلَاف تِلْكَ الْفُصُول، فَصَارَ الْحول شرطا بتكرره بِتَكَرُّر السَّبَب، لِأَن المَال بِاعْتِبَار كل نَمَاء غَيره بالنماء الآخر (و) جعل مَا قدر بِهِ السَّبَب (للصَّوْم الْجُزْء الأول من الْيَوْم) الَّذِي لَا يتَجَزَّأ (لِأَن إِيجَاب الْعِبَادَة) الَّتِي هِيَ صَوْم رَمَضَان إِنَّمَا يَبْغِي أَن يَقع (فِي وَقت شرِيف) عين (لَهُ) أَي للصَّوْم (وَلَا دخل لِليْل فِيهِ) أَي فِي الصَّوْم، ثمَّ صَوْم كل يَوْم عبَادَة على حِدة مُخْتَصّ بشرائط وجوده مُنْفَرد الانتقاض بنواقضه مُتَعَلق بِسَبَب على حِدة، وَذهب شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَمن وَافقه إِلَى اتِّحَاد السَّبَب للشهر، وَهُوَ مُطلق شُهُود الشَّهْر، وَهُوَ اسْم لمجموع اللَّيَالِي وَالْأَيَّام إِلَى أَن السَّبَب هُوَ الْجُزْء الأول مِنْهُ لِئَلَّا يلْزم تقدم الشَّيْء على سَببه: وَلذَا جَازَ نيه الْفَرْض فِي اللَّيْلَة الأولى مَعَ عدم جَوَاز النِّيَّة قبل سَبَب الْوُجُوب، كَمَا إِذا نوى قبل غرُوب الشَّمْس، وَلزِمَ قَضَاء الشَّهْر لمن كَانَ أَهلا لوُجُوب الصَّوْم فِي أول لَيْلَة مِنْهُ ثمَّ جن وَاسْتمرّ حَتَّى مضى الشَّهْر فأفاق، ولمجنون أَفَاق فِي لَيْلَة مِنْهُ ثمَّ جن قبل أَن يصبح وَاسْتمرّ حَتَّى مضى الشَّهْر فأفاق، فسببية الْجُزْء الأول فِي حَقه مُنْعَقد مَوْقُوفا أَن أَفَاق الْعقل وَإِلَّا فَلَا، وَلَو لم يَتَقَرَّر السَّبَب فِي حَقه لم يلْزمه الْقَضَاء. فَأجَاب المُصَنّف عَمَّا ذكر بقوله: (وَأما جَوَاز النِّيَّة من اللَّيْل وَوُجُوب الْقَضَاء على من أَفَاق) من جُنُونه

стр. 1093

(فِي لَيْلَة من رَمَضَان فَلِأَن اللَّيْل تَابع) للنهار (فِي الشّرف) أَي الشّرف الَّذِي هُوَ بِاعْتِبَار الظَّرْفِيَّة للصَّوْم فَلَا يُنَافِي استقلاله فِي الشّرف من حَيْثُ الْقيام للتهجد وَغَيره، فَإِن السَّبَبِيَّة بِاعْتِبَار ذَلِك الشّرف لَا مُطلق الشّرف (وتحققت ضَرُورَة فِي ذَلِك) أَي فِي جعل اللَّيْل تَابعا للنهار فِي جَوَاز النِّيَّة من اللَّيْل دفعا للْحَرج اللَّازِم لاشْتِرَاط قرَان النِّيَّة بِأول جُزْء من النَّهَار، وَلَا ضَرُورَة فِيمَا نَحن فِيهِ، وَلما كَانَ الْجَواب الْمَذْكُور متضمنا وجوب الصَّوْم على الْمَجْنُون اتجه أَن يُقَال إِن الْمَجْنُون لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّة الْخطاب فَكيف يجب عَلَيْهِ، وَالْقَضَاء فرع وجوب الأَصْل أجَاب عَنهُ بقوله (وَالْجُنُون لَا يُنَافِي أَهْلِيَّة الْوُجُوب بِالسَّبَبِ) يَعْنِي أَن الْوُجُوب على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا شغل الذِّمَّة بِالدّينِ من غير مُطَالبَة الْأَدَاء فِي الْحَال كشغل ذمَّة المُشْتَرِي بِالثّمن الْمُؤَجل قبل حُلُول الْأَجَل: وَهَذَا يَتَرَتَّب على السَّبَب كَالْبيع من غير خطاب الطّلب. وَالثَّانِي وجوب الأول، وَالْجُنُون لَا يُنَافِي أَهْلِيَّة الأول (بل) يُنَافِي أَهْلِيَّة الْوُجُوب (بِالْخِطَابِ) بِالسَّبَبِ شرعا فِي الْمَجْنُون وَمَا أشبهه (ليظْهر) أَثَره (فِي الْحَال فِي) الْوَاجِب (المالي غير الزَّكَاة) من نَفَقَة الزَّوْجِيَّة وَالْأَوْلَاد وَالْخَرَاج وَالْعشر وَضَمان الْمُتْلفَات، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ المَال ووصوله إِلَى الْمُسْتَحق وَهُوَ لَا يتَعَذَّر مَعَ الْجُنُون فَإِنَّهُ مِمَّا يحصل بالنائب، بِخِلَاف الْعِبَادَة الْمَحْضَة كَالزَّكَاةِ فَإِن الْمَقْصُود من إِيجَابهَا أَصَالَة نفس الْفِعْل ابتلاء ليظْهر الْمُطِيع من العَاصِي، وَهُوَ لَا يتَحَقَّق إِلَّا عَن اخْتِيَار الْعقل (و) ليظْهر (فِي المَال) أَي بعد الْإِفَاقَة (فَائِدَة الْقَضَاء) الْإِضَافَة بَيَانِيَّة (بِلَا حرج) تَقْيِيد للْقَضَاء، احْتِرَاز عَمَّا إِذا لزم الْحَرج من إِيجَاب الْقَضَاء (وَهُوَ فِيهِ) أَي الْحَرج فِي الْقَضَاء (بِالْكَثْرَةِ اسْتِيعَاب الشَّهْر) عطف بَيَان للكثرة (جنونا) تَمْيِيز عَن نِسْبَة الِاسْتِيعَاب: أَي اسْتِيعَاب الشَّهْر جنونا، فالمستوعب هُوَ الْجُنُون (وَفِيه) أَي فِي تَقْدِير الْكَثْرَة بالاستيعاب (تَأمل) إِذْ يلْزم من الْحَرج فِي قَضَاء الشَّهْر فِيمَا إِذا أَفَاق فِي سَاعَة من ليل أَو نَهَار، وَمَا يلْزم مِنْهُ فِي قَضَائِهِ لَو استوعبه لَا يبعد أَن يُقَال إِنَّمَا بنى الحكم على الِاسْتِيعَاب وَعَدَمه لمصْلحَة الضَّبْط، وَالْتزم الْحَرج الْوَاقِع فِي نقض الصُّور على سَبِيل الندرة، ثمَّ قد أيد قَول السَّرخسِيّ بِأَن كَون الْيَوْم معيارا للصَّوْم يُنَافِي كَون الْجُزْء الأول مِنْهُ سَببا، لِأَن سَبَب الْوُجُوب خَارج عَن مَحل الْأَدَاء لتقدم السَّبَب على الْمُسَبّب وَأجِيب بِأَن السَّبَب الشَّرْعِيّ قد يقارن الْمُسَبّب كالعلل الْعَقْلِيَّة كَمَا فِي الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل، وَفِيه تَفْصِيل ذكره فِي مَحَله، على أَن خُرُوج جُزْء لَا يتَجَزَّأ من الْيَوْم لَا يضر بمعياريته عرفا (و) إِنَّمَا قُلْنَا سَبَب الْوُجُوب (لِلْحَجِّ الْبَيْت للإضافة) كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ - وَالْإِضَافَة من دَلَائِل السَّبَبِيَّة على مَا عرف (وَلذَا) أَي ولكونه سَببا للْوُجُوب (لم يتَكَرَّر) وجوب الْحَج لعدم تكَرر سَببه، وَأما الْوَقْت فَشرط جَوَاز أَدَائِهِ، والاستطاعة شَرط وُجُوبه (فاتفقوا)

стр. 1094

أَي الْمُتَأَخّرُونَ والمتقدمون فِي هَذِه الْأَسْبَاب (فِيمَا سوى) سَبَب (الصَّلَاة) كَذَا فسره الشَّارِح. وَفِيه أَنه سبق مَا يدل على الْخلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ من قَوْله: وَالْوَجْه قَول الْمُتَقَدِّمين إِلَى آخِره، وَبَين الْمُتَأَخِّرين فِي سَبَب الصَّوْم هَل هُوَ شُهُود الشَّهْر، أَو أول جُزْء من الْيَوْم؟ غير أَنه قَالَ: وَالَّذِي يظْهر فِيمَا سوى سَبَب الْأَيْمَان، لِأَن الْقَائِلين بِأَن سَبَب وجوب الصَّلَاة الْوَقْت مُرَادهم نعم الله تَعَالَى على الْعباد فِيهِ، وَأَنَّهَا قدرت بِالْوَقْتِ، فقد اتَّفقُوا على أَن السَّبَب لوُجُوبهَا النعم إِلَّا أَن مِنْهُم من خصصها بِنِعْمَة الْأَعْضَاء انْتهى وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه لَو حمل قَول المُصَنّف على أَنهم اتَّفقُوا فِيمَا سوى الصَّلَاة من الْفُرُوع الْمَذْكُورَة لَا يرد اعتراضه بِاعْتِبَار سَبَب الْإِيمَان. وَأما قَضِيَّة الِاتِّفَاق على سَبَب الصَّلَاة فَإِنَّمَا يتم إِذا كَانَ سببيته النعم عِنْد الْمُتَأَخِّرين، وَالَّذِي يفهم من الْمَتْن أَنه قَول الْمُتَقَدِّمين، وَتَأْويل التَّقْدِير إِنَّمَا هُوَ من المُصَنّف وَأَمْثَاله، لَكِن يرد عَلَيْهِ أَن الصَّلَاة كَغَيْرِهَا اتِّفَاقًا واختلافا على التَّوْفِيق بَين الْفَرِيقَيْنِ وَعَدَمه، فَالْوَجْه أَن يعرض عَن التوجيهات الرَّكِيكَة وَيحمل على سَهْو الْقَلَم فِي وضع الصَّلَاة مَوضِع الْإِيمَان، فَإِنَّهُ اخْتلف فِي سَببه هَل هُوَ حُدُوث الْعَالم أَو نعْمَة الْوُجُود إِلَى آخِره، وَمَا سواهُ مُتَّفق عَلَيْهِ بالتأويل الْمَذْكُور وَالله تَعَالَى أعلم. (و) سَبَب الْوُجُوب (لصدقة الْفطر الرَّأْس الَّذِي يمونه) أَي يقوم بكفايته وَيحمل ثقله (ويلي عَلَيْهِ). وَالْولَايَة نَفاذ القَوْل على الْغَيْر شَاءَ أَو أَبى، فَلَا يكون الرَّأْس سَببا إِلَّا بِهَذَيْنِ الوصفين، فَخرج الصَّغِير الَّذِي لَهُ مَال تجب نَفَقَته فِيهِ لَيست مُؤْنَته على الْغَيْر حَتَّى الْأَب عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف (وَالْإِضَافَة إِلَى الْفطر) فِي عرف أهل الشَّرْع فِي قَوْلهم: صَدَقَة الْفطر (الشَّرْط) لوُجُوبهَا صفة الْفطر، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تجب عِنْد أَصْحَابنَا بِطُلُوع فجر يَوْم الْفطر (مجَاز) أَي فِي النِّسْبَة الإضافية، لِأَن حَقِيقَتهَا إِنَّمَا تتَحَقَّق بَين الحكم وَسَببه، وَإِنَّمَا حكم بمجازاتيها وَسَببه الرَّأْس (بِدَلِيل التَّعَدُّد) لوُجُوبهَا (بِتَعَدُّد الرَّأْس) فسر الشَّارِح التَّعَدُّد بالتقديرين وَقَالَ: لِأَن الرَّأْس لما صَار سَببا بِوَصْف الْمُؤْنَة، وَهِي تتجدد فِي كل وَقت بتجدد الْحَاجة، كَأَن الرَّأْس بتجددها متجدد تَقْديرا انْتهى، وَيرد على هَذَا أَن تعدد الْفطر حَقِيقِيّ لَا يحْتَاج إِلَى التَّقْدِير فَهُوَ أولى بالسببية بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى، وَلَك أَن تحمل التَّعَدُّد بِتَعَدُّد الرَّأْس على تعدد الْوُجُوب بِاعْتِبَار مُتَعَلّقه وَهُوَ الصَّدَقَة، فَإِنَّهُ يجب فِي الرَّأْس الْوَاحِد صَدَقَة وَاحِدَة وَفِي الِاثْنَيْنِ صدقتان وَهَكَذَا، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر غير أَن تعدد الْوَاجِب فِي الصَّلَاة وَالزَّكَاة بِاعْتِبَار تعدد السَّبَب على وَجه يُنَاسب مَا فسر بِهِ، وَقد عرفت مَا فِيهِ (وَلقَوْله ﷺ أَدّوا) يَعْنِي صَدَقَة الْفطر (عَمَّن تمونون أَفَادَ) ﷺ بِهَذَا، وَأفَاد قَوْله (تعلقهَا) أَي تعلق وجوب صَدَقَة الْفطر (بالمؤن) جمع مُؤنَة، وَالْجمع إِمَّا بِاعْتِبَار من تجب عَلَيْهِ، وَإِمَّا بِاعْتِبَار من تجب عَنهُ، وَالْمرَاد تعلق

стр. 1095

الْمُسَبّب بِالسَّبَبِ، وَذَلِكَ لِأَن من الانتزاعية دخلت على من يمونه وَلَا يحْتَمل هُنَا الأوجهين: أَحدهمَا أَن يكون سَببا لِلْأَمْرِ بِالْأَدَاءِ، وَهُوَ الْمَطْلُوب، وَالثَّانِي أَن يكون محلا للْوُجُوب فِي الأَصْل ثمَّ يسري عَنهُ إِلَى الْمَأْمُور كسراية الدِّيَة عَن الْقَاتِل إِلَى الْعَاقِلَة، لَا سَبِيل إِلَيْهِ، لِأَن العَبْد الْمُسلم لَا مَال لَهُ فَلَا يُكَلف بِوُجُوب مَالِي، وَالْكَافِر لَيْسَ من أهل الْقرْبَة. وَلَا يُقَال: لم لَا يجوز أَن يجب على العَبْد ثمَّ يَنُوب الْمولى عَنهُ؟ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَار مملوكيته الْتحق بالبهيمة فِي حق الْوُجُوب المالي، وَأورد عَلَيْهِ أَن الْجد إِذا كَانَت نوافله صغَارًا فِي عِيَاله لَا يجب عَلَيْهِ الْإِخْرَاج عَنْهُم فِي ظَاهر الرِّوَايَة مَعَ أَنه يمونهم لَكِن فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه يجب إخْرَاجهَا عَنْهُم (و) سَبَب الْوُجُوب (للعشر الأَرْض النامية بالحقيقي) أَي بالنماء الْحَقِيقِيّ بِأَن يُؤْخَذ محصولها (لِأَنَّهُ) أَي الْعشْر أَمر (إضافي) لِأَنَّهُ عبارَة عَن الْوَاحِد من الْعشْرَة، فَمَا لم يتَحَقَّق خَارج لَا يتَحَقَّق عشره، وَهُوَ (عبَادَة) أَي مُؤنَة فِيهَا معنى الْعِبَادَة، وَقد مر بَيَانه (بِخِلَاف الْخراج) الموظف، فَإِن سَبَب وُجُوبه الأَرْض النامية (بالتقديري) أَي بالنماء التقديري (وَهُوَ) أَي التقديري (بالتمكن من الزِّرَاعَة) وَالِانْتِفَاع بِالْأَرْضِ، إِذْ هُوَ مُقَدّر بِمَا عين من الدَّرَاهِم، وَغَيره فِي بَدْء الْفَتْح غير مُتَعَلق بالخارج (فَكَانَ) الْخراج الموظف (عُقُوبَة) لما فِي الِاشْتِغَال بتحصيله بالزراعة من عمَارَة الدُّنْيَا والاعراض عَن الْجِهَاد، وَهُوَ سَبَب المذلة (مُؤنَة لَهَا) أَي الأَرْض لِأَنَّهُ سَبَب لبقائها فِي أَيدي أَرْبَابهَا، وَذَلِكَ لِأَن الْمُقَاتلَة يَذبُّونَ عَن الدَّار ويصونونها عَن الْكفَّار فَوَجَبَ الْخراج لَهُم ليتمكنوا من ذَلِك (فلزما) أَي الْعشْر وَالْخَرَاج (فِي مَمْلُوكَة الصَّبِي) أَي فِي أَرض هِيَ مَمْلُوكَة للصَّبِيّ، وَالْأَرْض الْمَوْقُوفَة، فَيجب فيهمَا الْعشْر إِن كَانَتَا عشريتين، وَالْخَرَاج إِن كَانَتَا خراجيتين (وَلم يجتمعا) أَي الْعشْر وَالْخَرَاج (فِي أَرض وَاحِدَة) عندنَا خلافًا للأئمة الثَّلَاثَة لِأَنَّهُمَا حقان مُخْتَلِفَانِ ذاتا لما عرفت من معنى الْعِبَادَة فِي الْعشْر والعقوبة فِي الْخراج، ومحلا لِأَن الْعشْر فِي الْخَارِج وَالْخَرَاج فِي الذِّمَّة، وسببا لما عرفت من أَن سَبَب الْعشْر الأَرْض النامية بالنماء الْحَقِيقِيّ، وَسبب الْخراج بالنماء التقديري، ومصرفا فَإِن مصرف الْعشْر، الْفُقَرَاء ومصرف الْخراج الْمُقَاتلَة، وَلَا مُنَافَاة بَين حقين مُخْتَلفين بسببين مُخْتَلفين تحققا فِي كل وَاحِد، وَحجَّتنَا أَن اخْتِلَافهمَا ذاتا على الْوَجْه الْمَذْكُور يمْنَع اجْتِمَاعهمَا، وَفِيه مَا فِيهِ، وَلَا نسلم اخْتِلَافهمَا سَببا بل هُوَ الأَرْض النامية إِلَّا أَنه يعْتَبر فِي الْعشْر تَحْقِيقا، وَفِي الْخراج تَقْديرا، واتحاد السَّبَب يُوجب اتِّحَاد الحكم، فالسبب أَحدهمَا من غير جمع بَينهمَا كالدية وَالْقصاص (وَقد يُقَال جَازَ) أَن يكون السَّبَب (الْوَاحِد سَببا لمتعدد) الْأَحْكَام (كالعلة الْوَاحِدَة) أَي كَمَا جَازَ أَن تكون الْعلَّة الْوَاحِدَة عِلّة لمتعدد مِنْهَا كَالزِّنَا

стр. 1096

عِلّة للتَّحْرِيم وَوُجُوب الْجد كَمَا تقدم (وَيُجَاب بِأَن جهتيهما) أَي جهتي الْعشْر وَالْخَرَاج (متنافية) أَي مُنَافِيَة كل وَاحِدَة مِنْهُمَا الْأُخْرَى: يَعْنِي أَن تعدد الحكم عِنْد اتِّحَاد السَّبَب أَو الْعلَّة يسْتَلْزم تحقق الْجِهَتَيْنِ، مَعًا، لِأَن الشَّيْء من جِهَة وَاحِدَة يَسْتَحِيل أَن يكون مُبْتَدأ لأمرين مُخْتَلفين، وَإِذا كَانَت الجهتان متنافيتين لَا يُمكن تحققهما مَعًا فِي مَحل وَاحِد. ثمَّ بَين التَّنَافِي بقوله (لِأَنَّهَا) أَي الْجِهَة (فِي إِحْدَاهمَا) أَي أرضي الْعشْر وَالْخَرَاج (أما) كَونهَا أَرضًا تسقى (بِمَاء خَاص) وَهُوَ الْأَنْهَار الَّتِي سقتها الْأَعَاجِم: كنهر يزدجرد وَغَيره مِمَّا يدْخل تَحت الْأَيْدِي وَمَاء الْعُيُون والآبار الَّتِي كَانَت بدار الْحَرْب ثمَّ ملكناها قهرا والمستنبطة من بَيت المَال (أَو) كَونهَا أَرضًا صَارَت للْمُسلمين من (فتح عنْوَة) أَي قهرا (الخ) أَي إِلَى آخر مَا ذكره الْفُقَهَاء وَأقر أَهلهَا عَلَيْهَا وَوضع عَلَيْهِم الْجِزْيَة وَعَلَيْهَا الْخراج، أَو صَالحهمْ من جماجمهم وأراضيهم على وَظِيفَة مَعْلُومَة، وَكَذَا إِذا فتحت صلحا وَأقر أَهلهَا عَلَيْهَا لِأَن فِي ابْتِدَاء التوظيف على الْكَافِر الْخراج مُتَعَيّن، وَهَذِه الْأَرَاضِي كلهَا خَرَاجِيَّة (و) الْجِهَة (فِي) الأَرْض (الْأُخْرَى) وَهِي العشرية كَونهَا أَرضًا مَوْقُوفَة (بخلافهما) أَي السَّقْي بِمَا ذكر وَالْفَتْح الْمَذْكُور بِأَن يسقى بِمَاء السَّمَاء أَو الْبحار أَو الْأَنْهَار الْعِظَام الَّتِي لَا تدخل تَحت الْأَيْدِي، وَبِأَن فتحت عنْوَة وَقسمت بَين الْغَانِمين (فَلَا يَجْتَمِعَانِ) أَي الْعشْر وَالْخَرَاج (فِي) مَحل (وَاحِد) لتنافي لازميهما: أَي الْجِهَتَيْنِ المذكورتين وَتعقبه الشَّارِح بِأَن بعض صور الْخراج يكون مَعَ الْفَتْح عنْوَة، وَهُوَ فِيمَا إِذا أقرّ عَلَيْهَا أَهلهَا وَكَذَا بعض صور الْعشْر: وَهُوَ فِيمَا إِذا قسمهَا بَين الْغَانِمين، كَمَا أَن بعض صور الْخراج لَا يكون مَعَ العنوة، بل مَعَ الصُّلْح، أَو بِأَن أَحْيَاهَا وسقاها بِمَاء الْأَنْهَار الصغار وَكَانَت قريبَة من أَرض الْخراج على الْخلاف، فَلَا يلْزم عدم تصور اجْتِمَاعهمَا مُطلقًا وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه غير مُتَّجه، إِذْ المُصَنّف جعل مدَار التَّنَافِي بَينهمَا التَّنَافِي بَين لازميهما، وَجعل لَازم الْخراج أحد الْأَمريْنِ: السَّقْي بِمَا ذكر، وصور الْأَحْيَاء الْمَذْكُورَة أَولا مندرجة تَحْتَهُ والقرب من الشَّيْء فِي حكمه وَالْفَتْح عنْوَة، وَقَالَ إِلَى آخِره: فقد أَشَارَ إِلَى الْقَيْد الْمُمَيز للخراجي عَن العشري فلازم الْخراج الْفَتْح مَعَ ذَلِك قيدا وصلحا على الْوَجْه الْمَذْكُور، وَلم يَجْعَل الْفَتْح عنْوَة مدَار التَّنَافِي فَلَا يرد عَلَيْهِ شَيْء، وَأَيْضًا لم ينْقل عَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين الْجمع بَين الْحَقَّيْنِ وَلَو وَقع لنقل، ثمَّ إِن إِخْرَاج الْمُقَاسَمَة بِمَنْزِلَة الْعشْر فِي كَون الْوَاجِب مِنْهُمَا شَيْئا من الْخَارِج، ويفارقه فِي الْمصرف وَالْقدر وَغَيره (و) سَبَب الْوُجُوب (للطَّهَارَة إِرَادَة الصَّلَاة) لقَوْله تَعَالَى ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا﴾ الْآيَة (وَالْإِجْمَاع على عدم اعْتِبَار حَقِيقَة الْقيام بل) الْإِجْمَاع على اعْتِبَار (الْإِرَادَة) للصَّلَاة (وَالْحَدَث) وَيحْتَمل أَن يكون عطف الْإِرَادَة وَالْحَدَث على قَوْله إِرَادَة الصَّلَاة، وَالْمعْنَى بل السَّبَب لوُجُوبهَا مَجْمُوع الْإِرَادَة وَالْحَدَث، وَأورد أَن سَبَب

стр. 1097

الشَّيْء مَا يُفْضِي إِلَيْهِ، وَالْحَدَث يزِيل الطَّهَارَة وينافيها وَأجِيب بِأَن الْمُسَبّب وجوب الطَّهَارَة لَا نَفسهَا، وَهُوَ لَا يُنَافِيهِ (ثمَّ إِن نقضهَا) أَي نقض الْمدَّة للطَّهَارَة السَّابِقَة عَلَيْهِ (لم يمْتَنع) كَونه (سَببا لوُجُوب) طَهَارَة (أُخْرَى) دفع لما يتَوَهَّم من أَن سَبَبِيَّة الْحَدث للطَّهَارَة مُنَافِيَة لسببيته لنقضها (لَكِن) عدم الِامْتِنَاع يُفِيد صلاحيته لذَلِك، و (مَعَ) وجود (الصلاحية يحْتَاج إِلَى دَلِيل الِاعْتِبَار) أَي اعْتِبَار الشَّارِع كَونه سَببا لَهَا لِأَن السَّبَبِيَّة لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِهِ وَهُوَ مَفْقُود (فَالْأَوْجه) أَن يُقَال: سَبَب وجوب الطَّهَارَة (وجوب مشروطها) أَي الْمَشْرُوط صِحَّته بِالطَّهَارَةِ هُوَ الصَّلَاة لما تقرر من أَن وجوب الشَّيْء يسْتَلْزم وجوب شَرطه (وَأَسْبَاب الْعُقُوبَات الْمَحْضَة) أَي الْأَحْكَام الَّتِي هِيَ عقوبات مَحْضَة لَيْسَ فِيهَا معنى الْعِبَادَة (كالحدود مَحْظُورَات مَحْضَة) كَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَالْقَذْف وَغَيره (و) أَسبَاب (مَا فِيهِ معنى الْعقُوبَة وَالْعِبَادَة من الْكَفَّارَات) بَيَان لما، ثمَّ علل كَون الْكَفَّارَات فِيهَا معنى الْعقُوبَة وَالْعِبَادَة بقوله (إِذْ لم تجب) الْكَفَّارَة (ابْتِدَاء تَعْظِيمًا) لله تَعَالَى كَسَائِر الْعِبَادَات، بل جَزَاء لفعل العَبْد، وفيهَا معنى الْحَظْر والزجر، وَهَذَا معنى الْعقُوبَة. ثمَّ بَين كَونهَا فِيهَا معنى الْعِبَادَة بقوله (وَشرع فِيهَا) أَي فِي الْكَفَّارَات (نَحْو الصَّوْم) من الصَّدَقَة وَالْإِعْتَاق (ولزمت النِّيَّة) فِيهَا: أَي فِي أَدَاء الْكَفَّارَات، ثمَّ أَسبَاب مَا فِيهِ إِلَى آخِره مُبْتَدأ وَخَبره (مَا يتَرَدَّد بَين الْحَظْر وَالْإِبَاحَة) ليلائم السَّبَب الْمُسَبّب ويقابل الْحَظْر الْعقُوبَة، وَالْإِبَاحَة الْعِبَادَة، وَلذَا لَا يصلح الْمَحْظُور الْمَحْض كَالْقَتْلِ الْعمد وَالْيَمِين الْغمُوس سَببا لَهَا كَمَا لَا يصلح الْمُبَاح الْمَحْض كَالْقَتْلِ بِحَق وَالْيَمِين المنعقدة قبل الْحِنْث سَببا لَهَا (كالإفطار) الْعمد فِي نَهَار رَمَضَان لِأَنَّهُ مُبَاح من حَيْثُ أَنه يلاقي فعل نَفسه الَّذِي هُوَ مَمْلُوك لَهُ ومحظور من حَيْثُ أَنه جِنَايَة على مُبَاح الصَّوْم، وَأورد عَلَيْهِ الْإِفْطَار بِالزِّنَا أَو شرب الْخمر فَإِنَّهُ تجب بِهِ الْكَفَّارَة، وَهُوَ حرَام من كل وَجه وَأجِيب بِأَنَّهُ مُبَاح من وَجه، لِأَن الْإِفْطَار يلاقي الْإِمْسَاك والإمساك حَقه والإفطار بِاعْتِبَار كَونه جِنَايَة على الصَّوْم يكون مَحْظُورًا، وَالزِّنَا وَشرب الْخمر ليسَا بسببين لِلْكَفَّارَةِ، أَلا ترى أَنه لَو كَانَ نَاسِيا لَا تجب الْكَفَّارَة بهما، وَدفع بِأَنَّهُ ينْتَقض بِالْقَتْلِ الْعمد لِأَنَّهُ يلاقي فعل الْقَاتِل فَلَا يكون مَحْظُورًا مَحْضا، وَالَّذِي يظْهر أَن الْتِزَام كَون سَبَب الْكَفَّارَة فِي مثل الْإِفْطَار بِالزِّنَا مَحْظُورًا مَحْضا، وَعدم تَحْصِيل تِلْكَ الملائمة بَين السَّبَب والمسبب خير من التَّأْوِيل الْمَذْكُور كَمَا لَا يخفى على الْمنصف (وَالظِّهَار) وَهُوَ تَشْبِيه الزَّوْجَة أَو جُزْء مِنْهَا شَائِع أَو معِين يعبر بِهِ عَن الْكل بِمَا لَا يحل النّظر إِلَيْهِ من الْمُحرمَة على التَّأْبِيد فَإِنَّهُ من حَيْثُ كَونه طَلَاقا مُبَاح، وَمن حَيْثُ أَنه مُنكر من القَوْل وزور مَحْظُور، وَالْعود شَرط، وَقيل السَّبَب مَجْمُوع الظِّهَار وَالْعود، لِأَن الظِّهَار كَبِيرَة لَا يصلح وَحده سَببا لِلْكَفَّارَةِ وَيصْلح مَعَ الْعود لِأَنَّهُ

стр. 1098

مُبَاح وَلَا يخفى عَلَيْك تَحْصِيل وَجه إِبَاحَة مثل مَا ذكر فِي الْإِفْطَار بِالزِّنَا، وَقيل السَّبَب الْعَزْم على الْوَطْء، وَالظِّهَار شَرطه عِنْد الشَّافِعِي سُكُوته بعد ظِهَاره قدر مَا يُمكنهُ طَلاقهَا (وَالْقَتْل الْخَطَأ) إِمَّا فِي الْقَصْد بِأَن يَرْمِي مُسلما ظَنّه صيدا أَو حَرْبِيّا، أَو فِي الْفِعْل بِأَن يَرْمِي غَرضا فَيُصِيب آدَمِيًّا، فَهُوَ مُبَاح بِاعْتِبَار الْقَصْد، مَحْظُور بِاعْتِبَار إِصَابَة مَعْصُوم الدَّم (وَفِي تحريره) أَي تَحْرِير هَذَا الْقسم من السَّبَب (نوع طول) لَا يَلِيق بالمتون فَمن أَرَادَ التَّفْصِيل فَليرْجع إِلَى المطولات (و) السَّبَب (لشرعية الْمُعَامَلَات) كَالْبيع وَالنِّكَاح وَغَيرهمَا (الْبَقَاء) للْعَالم (على النظام) وَهُوَ فِي الأَصْل كل خيط ينظم بِهِ اللُّؤْلُؤ وَنَحْوه يُرَاد بِهِ مَا يَنْتَظِم أُمُور الْعَالم من تَدْبِير الصَّانِع تَعَالَى (الْأَكْمَل) قيد بِهِ لِأَنَّهُ قد يبْقى بِدُونِ شَرْعِيَّة الْمُعَامَلَات كَمَا فِي الْجَاهِلِيَّة، لَكِن لَا على الْوَجْه الْأَكْمَل، وَالْمرَاد النظام المنوط بِنَوْع الْإِنْسَان (إِلَى الْوَقْت الْمُقدر) بَقَاؤُهُ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَن اعْتِدَال مزاجه بِأُمُور صناعية فِي الْغذَاء واللباس والمسكن وَنَحْوهَا لَا يسْتَقلّ بهَا كل فَرد فَيحْتَاج إِلَى بني نَوعه، ثمَّ التوالد والتناسل لَا يحصل إِلَّا بالازدواج فَيَقَع بَينهم معاملات لَا تَخْلُو عَادَة عَن الْجور المخل بالنظام فَلَا بُد من أصُول كُلية قَاطِعَة للنزاع مبينَة لكيفية الْمُعَامَلَة (وَمَا تقدم) فِي المرصد الأول فِي تَقْسِيم الْعلَّة (من حفظ الضروريات والحاجيات تَفْصِيل هَذَا، و) السَّبَب (للاختصاصات) الشَّرْعِيَّة (كالملك) فَإِنَّهُ الْمُطلق الحاجز: أَعنِي يُطلق تصرف الْمَالِك ويحجز عَن تصرف الْغَيْر، وَكَذَلِكَ الْحُرْمَة وَإِزَالَة الْملك لَا إِلَى أحد (التَّصَرُّفَات) القولية والفعلية (المجعولة أسبابا شرعا) لَهَا (كَالْبيع وَالطَّلَاق وَالْعتاق، فقد أطْلقُوا لفظ السَّبَب على مَا تقدم) فِي فصل الْعلَّة إِطْلَاقهم عَلَيْهِ (عِلّة) فَاحْتَاجَ إِلَى بَيَان يدْفع الالتباس ويميز كلا مِنْهُمَا عَن الآخر (فَقيل) وقائله صدر الشَّرِيعَة (مَا ترَتّب عَلَيْهِ الحكم وَلم يعقل تَأْثِيره) فِيهِ (وَلَيْسَ صنع الْمُكَلف خص باسم السَّبَب) لِأَنَّهُ مفض إِلَيْهِ من غير تَأْثِير فِيهِ (وَإِن) كَانَ مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ وَلم يعقل تَأْثِيره ثَابتا (بصنعه) أَي الْمُكَلف (وَذَلِكَ الحكم هُوَ الْغَرَض من وَضعه) أَي وضع ذَلِك الْمُتَرَتب عَلَيْهِ الحكم (فعلة) أَي فَذَلِك الْمُتَرَتب عَلَيْهِ الحكم عِلّة (وَيُطلق عَلَيْهِ سَبَب) أَي لفظ سَبَب (مجَازًا كَالْبيع للْملك) مجَازًا (وَإِن لم يكن) ذَلِك الحكم (الْغَرَض من وَضعه: كالشراء لملك الْمُتْعَة لَا يعقل تَأْثِيره) فِي ملك الْمُتْعَة (وَلَيْسَ) ملك الْمُتْعَة (الْغَرَض مِنْهُ) أَي الشِّرَاء (بل) الْغَرَض مِنْهُ (ملك الرَّقَبَة فسببه) أَي فَذَلِك سَبَب الحكم (وَإِن عقل تَأْثِيره خص) ذَلِك الْمُرَتّب عَلَيْهِ الحكم (باسم الْعلَّة) ثمَّ أَفَادَ مَا حَقَّقَهُ بقوله (والاصطلاح الظَّاهِر) للحنفية (أَن مَا لم يعقل تَأْثِيره: أَي مناسبته بِنَفسِهِ بل بِمَا هُوَ مظنته) أَي بِاعْتِبَار أَمر هُوَ مَظَنَّة لذَلِك الْأَمر بِأَن يكون بَين ذَلِك الْأَمر وَالْحكم مُنَاسبَة فَمن حَيْثُ أَنه مَظَنَّة للمناسب يحصل لَهُ مُنَاسبَة بالواسطة (على

стр. 1099

مَا قدمْنَاهُ) فِي فصل الْعلَّة (وَثَبت) شرعا (اعْتِبَاره) أَي اعْتِبَار مَا لم يعقل مناسبته بِنَفسِهِ بل بِمَا هُوَ مظنته، وَقد مر تَفْسِير الِاعْتِبَار (عِلّة) خبر أَن، فَعلم أَن مدَار الْعلية على مُنَاسبَة مَا ترَتّب عَلَيْهِ الحكم: أما بِنَفسِهِ أَو بِوَاسِطَة مَا ذكر وَثُبُوت اعْتِبَاره، فَإِن لم يتَحَقَّق فِيهِ أحد الْأَمريْنِ مَعَ ثُبُوت الِاعْتِبَار فَلَيْسَ بعلة وَإِن كَانَ بصنع الْمُكَلف مَعَ كَون الحكم هُوَ الْغَرَض من وَضعه، فَبين مَا ذكره المُصَنّف وَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة عُمُوم من وَجه بِحَسب الْمَفْهُوم (وَمَا هُوَ مفض) إِلَى الحكم (بِلَا تَأْثِير) فِيهِ (سَبَب) وَإِن تحقق الصنع وَالْغَرَض الْمَذْكُورَان، وَقد عرفت معنى التَّأْثِير (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن المُرَاد مَا قُلْنَا، بل بِمَا قَالَه الْقَائِل الْمَذْكُور (خص اسْم الْعلَّة الْحِكْمَة) بِحَذْف الْبَاء: أَي بالحكمة، وَذَلِكَ لِأَن مَا بنى عَلَيْهِ الْعلية إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الْحِكْمَة لَيْسَ إِلَّا (والاصطلاح نَاطِق بِخِلَافِهِ) أَي بِخِلَاف التَّخْصِيص الْمَذْكُور، وَقد مر مَا يفِيدهُ من تَفْسِير كل من الْحِكْمَة وَالْعلَّة على وَجه يُفَارق الآخر (وَيُطلق كل) من الْعلَّة وَالسَّبَب (على الآخر مجَازًا) وَمن هَذَا الْقَبِيل إِطْلَاق الْعلَّة على البيع وَنَحْوه (وَأما الشَّرْط فَمَا يُطلق عَلَيْهِ) أَي مَا يُطلق اسْمه عَلَيْهِ، فالمحكوم عَلَيْهِ الشَّرْط الاصطلاحي، وَالْحكم بَيَان حَاله بِاعْتِبَار معَان تقصد باسمه لُغَة أَو شرعا حَقِيقَة أَو مجَازًا: أما (حَقِيقِيّ) وَهُوَ مَا (يتَوَقَّف عَلَيْهِ الشَّيْء فِي الْوَاقِع) كالحياة للْعلم فَإِنَّهُ لما كَانَ التَّوَقُّف فِيهِ بِحَسب نفس الْأَمر كَانَ حَقِيقا بِأَن يُسمى شرطا (و) أما (جعلى) أما (للشارع فَيتَوَقَّف) وجود الْمَشْرُوط عَلَيْهِ (شرعا) أَي توقفا شَرْعِيًّا كَمَا أَن وجود الْمَشْرُوط وجود شَرْعِي (كالشهود للنِّكَاح وَالطَّهَارَة للصَّلَاة) فَإِن وجودهما الشَّرْعِيّ مَوْقُوف على الشُّهُود وَالطَّهَارَة توقفا شَرْعِيًّا (وَالْعلم بِوُجُوب الْعِبَادَات على من أسلم فِي دَار الْحَرْب) وَلم يُهَاجر إِلَى دَار الْإِسْلَام، فَإِن وُجُوبهَا عَلَيْهِ مَوْقُوف على الْعلم بِهِ حَتَّى لَو لم يعلم بِهِ حَتَّى مضى عَلَيْهِ زمَان لَا يلْزم عَلَيْهِ قَضَاء شَيْء مِنْهَا قيل الْمَوْقُوف على الْعلم وجوب الْأَدَاء الثَّابِت بِالْخِطَابِ دون نفس الْوُجُوب الثَّابِت بِالسَّبَبِ، وَإِلَّا لما وَجَبت الصَّلَاة على النَّائِم والمغمى عَلَيْهِ إِذا لم يَمْتَد الْإِغْمَاء، وَلما وَجب الصَّوْم على الْمَجْنُون الَّذِي لم يسْتَغْرق جُنُونه الشَّهْر لعدم الْعلم وَأجِيب بِأَنا لَا نسلم عدم حُصُول الْعلم فِي حَقهم لثُبُوته تَقْديرا لشيوع الْخطاب، وبلوغه إِلَى سَائِر الْمُكَلّفين بِمَنْزِلَة بُلُوغه إِلَيْهِم، كَذَا قَالُوا: وَفِيه نظر (أَو للمكلف) مَعْطُوف على قَوْله للشارع، ثمَّ بَين كَيْفيَّة التَّوَقُّف يَجْعَل الْمُكَلف بقوله (بتعليق تصرفه عَلَيْهِ) أَي على الْمُعَلق بِهِ بأداة الشَّرْط (مَعَ إجَازَة الشَّارِع) لَهُ ذَلِك (كَأَن دخلت) الدَّار فَأَنت طَالِق، فَإِنَّهُ جعل وُقُوع الطَّلَاق مَوْقُوفا على الدُّخُول، وَقد أَبَاحَ لَهُ الشَّارِع التَّعَلُّق (أَو مَعْنَاهُ) مَعْطُوف على مَدْخُول الْبَاء، يَعْنِي أَو بِمَا هُوَ فِي معنى التَّعْلِيق بهَا (كَالْمَرْأَةِ الَّتِي أَتَزَوَّجهَا) أَي كَمَا إِذا قَالَ: الْمَرْأَة الَّتِي أَتَزَوَّجهَا طَالِق، فَإِن التَّعْلِيق بهَا يُفِيد

стр. 1100

ارتباط شَيْء بِشَيْء على خطر الْوُجُود متوقعا نزُول المرتبط على المرتبط بِهِ وَقد وجد فِيهِ، ثمَّ إِن الْوَصْف: أَعنِي التَّزَوُّج لما كَانَ لامْرَأَة غير مُعينَة اعْتبر لحُصُول التعين الَّذِي لَا بُد مِنْهُ فِي وُقُوع الطَّلَاق، لِأَن إِضَافَته إِلَى مَجْهُول غير صَحِيحَة، وَإِذا اعْتبر صَار بِمَعْنى الشَّرْط فِي ترَتّب الحكم عَلَيْهِ (بِخِلَاف) مَا لَو دخل الْوَصْف على معِين بِأَن أَشَارَ إِلَى أَجْنَبِيَّة أَو ذكرهَا باسمها الْعلم، فَقَالَ (هَذِه) الْمَرْأَة الَّتِي أَتَزَوَّجهَا طَالِق (وَزَيْنَب الخ) أَي الَّتِي أَتَزَوَّجهَا طَالِق فَإِنَّهُ لَا يصلح دلَالَة على الشَّرْط: لِأَن الْوَصْف فِي الْمعِين لَغْو (فَيلْغُو) الْوَصْف الْمَذْكُور فَتبقى هَذِه الْمَرْأَة طَالِق وَزَيْنَب فَيلْغُو لعدم الْمَحَلِّيَّة وَعدم مَا يَجعله فِي معنى التَّعْلِيق بِصِيغَة الشَّرْط، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ التَّعْلِيق بصيغته فَإِنَّهُ يَصح فِي الْمعينَة وَغَيرهَا، كَأَن تزوجت امْرَأَة وَهَذِه الْمَرْأَة فَهِيَ طَالِق، فَإِن الطَّلَاق يتَعَلَّق بِالشّرطِ فيهمَا (وَيُسمى) هَذَا النَّوْع مِمَّا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الشَّرْط (شرطا مَحْضا) لَيْسَ فِيهِ معنى الْعلية (لِامْتِنَاع) تحقق (الْعلَّة بِالتَّعْلِيقِ) أَي بِسَبَب التَّعْلِيق لِأَن مَا يتَحَقَّق بِهِ الْعلية لَا يحصل بِسَبَب تَعْلِيق شَيْء بِهِ وَهُوَ ظَاهر بَعْدَمَا عرفت معنى الْعلَّة. لَا يُقَال قَوْله لِامْتِنَاع الخ إِشَارَة إِلَى مَا تقرر عِنْد الْحَنَفِيَّة، من أَن التَّعْلِيق يمْنَع تحقق الْعلَّة، فَإِن قَوْله أَنْت طَالِق عِلّة للطَّلَاق لَوْلَا التَّعْلِيق، فَإِن هَذَا الْمَنْع لَا دخل لَهُ فِي كَون الْمُعَلق بِهِ شرطا مَحْضا فَتدبر (وَلما شابه) الشَّرْط (الْعلَّة للتوقف) أَي لتوقف الحكم عَلَيْهِ، كَمَا أَن الْعلَّة يتَوَقَّف الحكم عَلَيْهَا (والوضع) أَي ولكونه وضع أَمارَة على الحكم شرعا كالعلة، وَقَوله (أضافوا إِلَيْهِ) أَي الشَّرْط (الحكم أَحْيَانًا) جَوَاب لما، ثمَّ بَين أَن تِلْكَ الأحيان إِنَّمَا هِيَ (فِي) ضَمَان (التَّعَدِّي: وَذَلِكَ عِنْد عدم عِلّة صَالِحَة للإضافة) أَي إِضَافَة الحكم إِلَيْهَا، لِأَن شَبيه الشَّيْء قد يخلفه، وَزَاد بَعضهم عدم سَبَب كَذَلِك على مَا ذكر لِأَنَّهُ إِذا لم تصلح الْعلَّة وَصلح السَّبَب يُضَاف الحكم إِلَيْهِ (وسموه) أَي الشَّرْط الْمُضَاف إِلَيْهِ الحكم مَعْطُوف على الْجَواب (شرطا فِيهِ معنى الْعلَّة) بِاعْتِبَار تِلْكَ الْإِضَافَة (كشق الزق) الَّذِي فِيهِ مَائِع تَعَديا فَسَالَ مِنْهُ وَتلف (وحفر الْبِئْر فِي الطَّرِيق) تَعَديا، فَإِن كلا مِنْهُمَا شَرط أضيف إِلَيْهِ الحكم فَيضمن الشاق والحافر (لِأَن الْعلَّة) أَعنِي (السيلان لَا تصلح لإضافة الحكم) أَي (الضَّمَان) للعدوان إِلَيْهِ (إِذْ لَا تعدِي فِيهِ) أَي السيلان لِأَنَّهُ أَمر طبيعي للمائع ثَابت بِخلق الله تَعَالَى (والشق شَرطه) إِذْ يتَوَقَّف عَلَيْهِ السيلان وَحكمه (و) هُوَ (إِزَالَة الْمَانِع) من السيلان وَهُوَ الزق (تَعَديا) على مَالِكه (فيضاف) الضَّمَان (إِلَيْهِ) أَي الشَّرْط وَعلة السُّقُوط فِي الْبِئْر ثقل السَّاقِط، وَهُوَ أَيْضا طبيعي لَا تعدِي فِيهِ فَلَا يصلح لإضافة الضَّمَان إِلَيْهِ وَإِزَالَة الْمَانِع من السُّقُوط وَهُوَ الأَرْض بِالْحفرِ وَقع تَعَديا فأضيف إِلَيْهِ الحكم، لَا يُقَال الشَّيْء سَبَب وَهُوَ أقرب إِلَى الْعلَّة فيضاف إِلَيْهِ إِذْ لَا تعدِي فِيهِ لِأَنَّهُ مُبَاح مَحْض، وَلَا بُد فِيمَا يُضَاف إِلَيْهِ من صفة

стр. 1101

التَّعَدِّي وَلَو تعمد الْمُرُور على الْبِئْر فَوَقع فِيهَا وَهلك يُضَاف التّلف إِلَيْهِ لتحَقّق التَّعَدِّي حِينَئِذٍ (وكشهود وجود الشَّرْط) كدخول الدَّار بعد تَعْلِيق الطَّلَاق بِهِ على رجل لم يدْخل بِزَوْجَتِهِ (فَإِذا رجعُوا) أَي شُهُود الشَّرْط وحدهم (بعد الْقَضَاء) بِالطَّلَاق وَلزِمَ نصف الْمهْر (ضمنُوا) نصف الْمهْر للزَّوْج، بِخِلَاف مَا إِذا دخل بهَا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ قد استوفى بدل الْمهْر مِنْهَا، فالشهود لم يتلفوا عَلَيْهِ شَيْئا: وَهَذَا التَّخْرِيج فِي تضمين الشُّهُود (لفخر الْإِسْلَام وَالَّذِي فِي الْجَامِع الْكَبِير لَا) يضمنُون (وَعَلِيهِ) شمس الْأَئِمَّة (السَّرخسِيّ وَأَبُو الْيُسْر، وَفِي الطَّرِيقَة البرعزية: هُوَ) أَي ضَمَان شُهُود الشَّرْط (قَول زفر، وَالثَّلَاثَة) أَبُو حنيفَة وصاحباه قَالُوا (لَا تضمين قيل) فِي تَعْلِيل عدم الضَّمَان وقائله صَاحب الْكَشْف (لِأَن الْعلَّة وَإِن لم تكن صَالِحَة لإيجابه) أَي الضَّمَان لخلوها عَن صفة التَّعَدِّي (صَالِحَة لقطعه) أَي الحكم (عَن) الْإِضَافَة إِلَى (الشَّرْط إِذْ كَانَت) الْعلَّة (فعل مُخْتَار) فبينه المُصَنّف بقوله (أَي الْقَضَاء فَإِنَّهُ لَا يصلح) عِلّة لإِيجَاب الضَّمَان (وَإِلَّا) لَو صلح لَهُ (ضمن القَاضِي) مَعَ أَنه فعل بِمَا أوجبه الله تَعَالَى عَلَيْهِ، فَيفْسد بَاب الْقَضَاء (وَبِه) أَي بِهَذَا التَّقْرِير (ينتفى مَا قيل) وقائله الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (أَنه) أَي هَذَا الْمِثَال (مِثَال مَا لَا عِلّة فِيهِ أصلا، وَمِمَّا فِيهِ) أَي وَمن الشَّرْط الَّذِي فِيهِ معنى الْعلَّة (وَلَا تصلح) الْعلَّة لإضافة الحكم إِلَيْهَا (شَهَادَة شَرط الْيَمين الأول) صفة شَرط الْيَمين (فِي قَوْله) لعَبْدِهِ (إِن كَانَ قَيده عشرَة) من الأرطال (فَهُوَ حر، وَإِن حل فَهُوَ حر فشهدا بِعشْرَة) أَي بِأَنَّهُ عشرَة أَرْطَال (فَقضى بِعِتْقِهِ ثمَّ) حل و (وزن فَبلغ ثَمَانِيَة) فَظهر كذبهما (ضمنا) قيمَة العَبْد لمَوْلَاهُ (عِنْده) أَي أبي حنيفَة (لنفاذه) أَي الْقَضَاء بِالْعِتْقِ (بَاطِنا) أَي فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى كنفاذه ظَاهرا بِالْإِجْمَاع، وَإِنَّمَا نفذ مَا قُلْنَا (لابتنائه) أَي الْقَضَاء (على مُوجب شَرْعِي) للْقَضَاء يَعْنِي الشَّهَادَة فَلَا بُد من صيانته قدر الْإِمْكَان على وَجه لَا يتَضَرَّر الْمولى، وَذَلِكَ بِالْعِتْقِ والتضمين ومسئلة النَّفاذ بَاطِنا عِنْده مَشْهُورَة مفصلة فِي محلهَا، وَيرد عَلَيْهِ أَنه مِمَّا يُمكنهُ الْوُقُوف عَلَيْهِ، وَفِي مثله لَا ينفذ بَاطِنا، فَأَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (بِخِلَاف مَا إِذا ظَهَرُوا) أَي الشُّهُود (عبيدا أَو كفَّارًا) لنُقْصَان الْمُوجب الشَّرْعِيّ لتقصير القَاضِي فِي تعرف حَالهم (لِإِمْكَان الْوُقُوف عَلَيْهِ) أَي على كل من رقهم وكفرهم فَلم ينفذ قَضَاؤُهُ بَاطِنا (وَفِيمَا نَحن فِيهِ سقط) عَن القَاضِي (معرفَة وَزنه) لتحَقّق صدقهم (لِأَنَّهُ) أَي عرفان وَزنه (بحله) أَي الْقَيْد ليوزن (وَبِه) أَي بحله (يعْتق) فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ فَينفذ بِدُونِ الْحل (وَإِذا نفذ) بَاطِنا (عتق قبل الْحل فَامْتنعَ إِضَافَته) أَي الْعتْق (إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْحل لتقدم الْعتْق عَلَيْهِ (وَالْعلَّة وَهِي الْيَمين) على التسامح من الْفُقَهَاء، وَكَذَا فَسرهَا بقوله (أَي الْجَزَاء) وَهُوَ قَوْله فَهُوَ حر (فِيهِ) أَي فِي التَّعْلِيق الْمَذْكُور (غير صَالح

стр. 1102

لإضافة الضَّمَان إِلَيْهِ) أَي الْعلَّة، والتذكير بِاعْتِبَار الْجَزَاء (لِأَنَّهُ تصرف الْمَالِك) فِي ملكه (لَا تعد) مِنْهُ فِيهِ (فَتعين) أَن يُضَاف الحكم (إِلَى الشَّرْط وَهُوَ) أَي الشَّرْط (كَونه) أَي الْقَيْد (عشرَة وَقد كذب بِهِ الشُّهُود تَعَديا فيضمنونه، وَعِنْدَهُمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد (لَا) يضمنُون قِيمَته لمَوْلَاهُ (إِذْ لَا ينفذ) الْقَضَاء عِنْدهمَا (بَاطِنا) لِأَن صِحَّته بِالْحجَّةِ وَقد ظهر بُطْلَانهَا وَالْعَدَالَة الظَّاهِرَة دَلِيل الصدْق ظَاهرا، فَلَا نَفاذ إِلَّا فِي الظَّاهِر (فَهُوَ رَقِيق بَاطِنا بعد الْقَضَاء ثمَّ عتق بِالْحلِّ) لَا بِالشَّهَادَةِ فَلَا يضمنُون (وَمَا فِيهِ) أَي وَمِثَال مَا فِيهِ عِلّة (صَالِحَة) لإضافة الحكم إِلَيْهَا مَعَ الشَّرْط (شهادتا الْيَمين وَالشّرط فيضاف) الحكم (إِلَيْهَا) أَي الْيَمين يَعْنِي إِلَى شَهَادَتهمَا (فَيضمن شُهُود الْيَمين إِذا رَجَعَ الْكل) أَي شُهُود الْيَمين وشهود وجود الشَّرْط، لِأَن شُهُود الْيَمين شُهُود الْعلَّة، وَهُوَ قَوْله فَأَنت طَالِق مثلا على تَقْدِير: إِمَّا بِاعْتِبَار تَعْمِيم الْعلَّة بِحَيْثُ يَشْمَل مَا فِيهِ معنى السَّبَبِيَّة، وَإِمَّا بِاعْتِبَار أَنه يحصل للمعلق بعد شَهَادَة الْفَرِيقَيْنِ وَالْقَضَاء اتِّصَال بالحكم وَأورد عَلَيْهِ أَن شُهُود التَّعْلِيق إِنَّمَا شهدُوا بِالْعِلَّةِ. وَهُوَ قَوْله فَأَنت طَالِق مثلا على تَقْدِير وجود الشَّرْط لَا مُطلقًا فتحقق الْعلية مَوْقُوف على وجود الشَّرْط، فشهوده أولى بِالضَّمَانِ وَأجِيب بِمَنْع كَون شَهَادَتهم بهَا على ذَلِك التَّقْدِير، بل شهدُوا بِسَمَاع التَّعْلِيق مُطلقًا، وَحَاصِله بَيَان أَن المُرَاد بِالْعِلَّةِ الْمَشْهُود بهَا التَّعْلِيق الْمُطلق، لَا الْمُطلق الْقَيْد وَهُوَ عِلّة لَوْلَا الْمَانِع، وَإِنَّمَا قيل هُوَ عِلّة لاشْتِمَاله على الْعلَّة وَهِي قَوْله فَأَنت حر مثلا، وَالْمَانِع إِنَّمَا هُوَ انْتِفَاء الشَّرْط، وَلَا تعلق بِشَهَادَة شُهُود الشَّرْط بتحقق الْعلَّة غير أَنهم يشْهدُونَ بِشَيْء يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْعلَّة، لِأَن الْمُعَلق بِالشّرطِ عِنْد وجود الشَّرْط كالمنجز، وَفِيه نظر، لِأَن الشَّهَادَة بِسَمَاع مَا هُوَ عِلّة لَوْلَا وجود الْمَانِع لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء بِدُونِ مَا يدل على ارْتِفَاع الْمَانِع وَهُوَ شُهُود الشَّرْط فَكل مِنْهُمَا عِلّة نَاقِصَة وَالْمَجْمُوع عِلّة تَامَّة، وَمُقْتَضَاهُ تضمين الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا غير أَنه نوروا إِلَى الْجَواب بقَوْلهمْ: أَلا ترى أَنهم لَو شهدُوا بِالتَّعْلِيقِ لم يتَحَقَّق الشَّرْط من غير شَهَادَتهم، ثمَّ رجعُوا بعد الحكم يضمنُون وَلَو تحقق التَّعْلِيق من غير شَهَادَة بِاتِّفَاق الْخَصْمَيْنِ ثمَّ شهدُوا بِوُجُود الشَّرْط ثمَّ رجعُوا لم يضمنوا، فَعرفنَا أَن تحقق الْعلَّة وتأثيرها غير مُضَاف إِلَى شَهَادَة الشَّرْط بِوَجْه انْتهى وَلَا يخفى أَن فَائِدَة ذكر الضَّمَان فِي الصُّورَة الأولى أَن شُهُود التَّعْلِيق عِنْد الِانْفِرَاد يضمنُون، بِخِلَاف شُهُود الشَّرْط فَإِنَّهُم عِنْد الِانْفِرَاد لَا يضمنُون على مَا صرح بِهِ فِي الصُّورَة الثَّانِيَة المفيدة للمقصود بِدُونِ الصُّورَة الأولى، لِأَنَّهُ لَو ضمن شُهُود الشَّرْط عِنْد الِاجْتِمَاع لضمنوا عِنْد تحقق التَّعْلِيق بِاتِّفَاق الْخَصْمَيْنِ لِأَن خُصُوصِيَّة الِاجْتِمَاع لَا دخل لَهَا فِي التَّضْمِين (و) سموا (مَا لم يضف) أَي الشَّرْط الَّذِي لم يضف الحكم (إِلَيْهِ أصلا كأول المفعولين من شرطين علق عَلَيْهِمَا) طَلَاق أَو غَيره (كَأَن دخلت هَذِه) الدَّار (وَهَذِه) الدَّار فَأَنت طَالِق (شرطا مجَازًا اصْطِلَاحا) لتخلف حكم الشَّرْط

стр. 1103

الاصطلاحي عَنهُ، وَهُوَ وجود الحكم عِنْد وجوده، لِأَن الحكم يَتَرَتَّب على الْمَجْمُوع فهما شَرط وَاحِد فِي الْحَقِيقَة، وعلاقة الْمجَاز توقف الحكم عَلَيْهِ كالحقيقي (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمُسَمّى (جدير بحقيقته) أَي الشَّرْط لتوقف وجود الحكم عَلَيْهِ من غير تَأْثِير وَلَا إفضاء، وَقد علم مِمَّا سبق أَن هَذَا معنى الشَّرْط وَلَا يلْزمه الْوُجُود عِنْد الْوُجُود (وَيُقَال) لهَذَا أَيْضا (شَرط اسْما لَا حكما) أما اسْما فَلَمَّا ذكر من علاقَة الْمجَاز: وَأما عدم الحكم فَلَمَّا عرفت من التَّخَلُّف، وَقد عرفت مَا فِيهِ. وَمن هَذَا الْقسم الطَّهَارَة وَستر الْعَوْرَة وَالنِّيَّة (و) سموا (مَا) أَي الشَّرْط الَّذِي (اعْترض بعده) أَي توَسط بَينه وَبَين التلاف (فعل) فَاعل (مُخْتَار) فِي فعله سَوَاء كَانَ إنْسَانا أَو غَيره مِمَّا يَتَحَرَّك بالإرادة (لم يتَّصل) هَذَا الْفِعْل (بِهِ) أَي بذلك الشَّرْط بِأَن يتَحَقَّق بعد تحَققه بِغَيْر فَاعله حَال كَون هَذَا الْفِعْل (غير مَنْسُوب إِلَى الشَّرْط) وَسَيَجِيءُ مِثَال الْمَنْسُوب إِلَيْهِ (كحل قيد العَبْد) فَإِنَّهُ شَرط لتوقف التلاف عَلَيْهِ وَاعْترض بعده اباق العَبْد وَهُوَ فعل اخْتِيَاري (شرطا فِيهِ معنى السَّبَب) مفعول ثَان للتسمية: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مفض إِلَى الحكم بِلَا تَأْثِير (فَلَا ضَمَان) على من صدر مِنْهُ الشَّرْط الْمَذْكُور (بِهِ) أَي بِسَبَب صدوره مِنْهُ لاعتراض مَا يصلح لإضافة الحكم إِلَيْهِ بعده، وَهُوَ اباق الْآبِق (فَلَا يضمن) الْحَال (قِيمَته) أَي العَبْد (أَن أبق) لِأَن الْحل إِزَالَة الْمَانِع وَالْعلَّة الآباق، بِخِلَاف مَا إِذا اعْترض على الشَّرْط فعل غير مُخْتَار، بل طبيعي كَمَا إِذا شقّ زق الْغَيْر فَسَالَ الْمَائِع مِنْهُ فَتلف، وَمَا إِذا أَمر عبد الْغَيْر بالاباق فأبق فَإِنَّهُ وَإِن اعْترض عَلَيْهِ فعل مُخْتَار، فَأمر الِاسْتِعْمَال للْعَبد مُتَّصِل بالاباق فَيصير الْآمِر غَاصبا للْعَبد، فعمله على وفْق اسْتِعْمَاله كالآلة للْآمِر فَكَأَنَّهُ غير اخْتِيَاري (وَكَذَا فِي فتح القفص و) فتح بَاب (الاصطبل لَا يضمنهما) أَي الفاتح قيمَة الطير وَالدَّابَّة وَإِن ذَهَبا مِنْهُمَا فَوْرًا، لِأَن الْفَتْح شَرط اعْترض بعده فعل اخْتِيَاري من الطير وَالدَّابَّة (خلافًا لمُحَمد) فَإِنَّهُ قَالَ يضمنهما إِذا ذَهَبا على الْفَوْر، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي (جعله) أَي مُحَمَّد الْفَتْح (كَشَرط فِيهِ معنى الْعلَّة إِذْ طبعهما) أَي الطير وَالدَّابَّة (الِانْتِقَال) أَي الْخُرُوج عَنْهُمَا بِحَيْثُ لَا يصبران عَنهُ عَادَة (عِنْد عدم الْمَانِع) مِنْهُ، وَالْعَادَة إِذا تأكدت صَارَت طبيعية لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنْهَا (فَهُوَ) أَي انتقالهما (كسيلان) الْمَائِع من (الزق عِنْد الشق، وَلِأَن فعلهمَا) أَي الطير وَالدَّابَّة (هدر) سَاقِط الِاعْتِبَار شرعا لفساد اختيارهما كَمَا إِذا صَاح فَذَهَبت صَار ضَامِنا فَلَا يصلح لإضافة التّلف إِلَيْهِ (فيضاف التّلف إِلَى الشَّرْط) وَهُوَ الْفَتْح (وهما) أَي أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف (منعا الْإِلْحَاق) أَي إِلْحَاق فعل الطير وَالدَّابَّة بالسيلان الْمَذْكُور (بعد تحقق الِاخْتِيَار) لَهما فَإِن الْحَيَوَان يَتَحَرَّك بالإرادة (وَكَونه) أَي فعلهمَا (هدرا) لَا يصلح لإِيجَاب حكم بِهِ لِأَن الْوُجُوب مَحَله الذِّمَّة وَلَا ذمَّة لَهما (لَا يمْنَع قطع

стр. 1104

الحكم عَن الشَّرْط كالمرسل) من ذَوَات الأنياب (إِلَى صيد فَمَال) مَعْطُوف على فعل مَفْهُوم من صلَة اللَّام: أَي الَّذِي أرسل فَمَال (عَنهُ) أَي الصَّيْد (ثمَّ رَجَعَ) الْمُرْسل (إِلَيْهِ) أَي الصَّيْد بعد مَا مَال عَنهُ (فَأَخذه ميله هدر) فِي إِضَافَة الحكم إِلَيْهِ لكَونه بَهِيمَة (و) مَعَ هَذَا (قطع) ميله (النِّسْبَة) أَي نِسْبَة إرسالهِ (إِلَى الْمُرْسل) وَلِهَذَا لَا يحل أكل مَا صَاده فَقتله (أما لَو نسب) خروجهما (إِلَيْهِ) أَي الفاتح (كفتحه على وَجه نفره) أَي كلا من الطير وَالدَّابَّة (فَفِي معنى الْعلَّة) أَي ففتحه لَيْسَ فِي معنى السَّبَب، بل فِي معنى الْعلَّة (فَيضمن) الفاتح. وَالْمُخْتَار للْفَتْوَى قَول مُحَمَّد صِيَانة لأموال النَّاس وَهُوَ اسْتِحْسَان، وَالْقِيَاس قَوْلهمَا: وَأما إِذا لم يخرجَا فِي فَور الْفَتْح بل بعده فَكَانَ ذَلِك دَلِيلا على ترك الْعَادة الْمُؤَكّدَة وَكَانَ ذَلِك بِحكم الِاخْتِيَار كحل الْقَيْد (وَأما الْعَلامَة) الَّتِي سبق أَنَّهَا لمُجَرّد الدّلَالَة على الحكم (فكالأوقات للصَّلَاة وَالصَّوْم) فَإِنَّهَا دَالَّة على تحقق وجوبهما من غير إفضاء وَلَا تَأْثِير (وعد الْإِحْصَان) لإِيجَاب الرَّجْم (مِنْهَا) أَي الْعَلامَة، وَهُوَ كَون الْإِنْسَان حرا عَاقِلا بَالغا مُسلما قد تزوج امْرَأَة نِكَاحا صَحِيحا وَدخل بهَا، وهما على صفة الْإِحْصَان حَتَّى لَو تزوج الْحر الْمُسلم الْبَالِغ الْعَاقِل أمة، أَو وصبية، أَو مَجْنُونَة، أَو كِتَابِيَّة وَدخل بهَا لَا يصير بِهَذَا الدُّخُول مُحصنا، وَكَذَا لَو تزوجت الموصوفة بِمَا ذكر من عبد أَو مَجْنُون أَو صبي وَدخل بهَا لَا تصير مُحصنَة (لثُبُوته) أَي الْإِحْصَان (بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال) أَي بِشَهَادَة رجل وَامْرَأَتَيْنِ، وجمعهما إِمَّا بِاعْتِبَار المُرَاد، وَإِمَّا بِاعْتِبَار إِرَادَة الْجِنْس خلافًا للأئمة الثَّلَاثَة وَزفر، وَلَو كَانَ عِلّة، أَو سَببا أَو شرطا لم يثبت بشهادتهن مَعَ الرِّجَال لوُجُود الشُّبْهَة فِي هَذِه الشَّهَادَة، وَالْحُدُود تندرئ بِالشُّبُهَاتِ، ثمَّ قَوْله عد الْإِحْصَان مُبْتَدأ خَبره (مُشكل، بل هُوَ) أَي الْإِحْصَان (شَرط لوُجُوب الْحَد كَمَا ذكره الْأَكْثَر) مِنْهُم متقدمو مَشَايِخنَا وَعَامة الْمُتَأَخِّرين (لتوقفه) أَي وجوب الْحَد (عَلَيْهِ) أَي الْإِحْصَان (بِلَا عقلية تَأْثِير) لَهُ فِي الحكم (وَلَا إفضاء) إِلَيْهِ وَهَذَا شَأْن الشَّرْط (لَا) أَنه عَلامَة (لتوقف مُجَرّد الْعلم بِهِ) أَي لوُجُوب الْحَد عَلَيْهِ كَمَا هُوَ شَأْن الْعَلامَة. وَلما اتجه على هَذَا تضمين شُهُوده إِذا رجعُوا بعد الرَّجْم. أجَاب بقوله (وَعدم الضَّمَان بِرُجُوع شُهُود الشَّرْط هُوَ الْمُخْتَار) وَقد سبق وَجهه (وَإِنَّمَا تكلفه) أَي تكلّف فِي جعل الْإِحْصَان (عَلامَة المضمن) بِشُهُود الشَّرْط ليندفع عَنهُ إِلْزَام تضمين شُهُود الْإِحْصَان على تَقْدِير كَونه شرطا (وَهُوَ) أَي تكلفه عَلامَة (غلط لِأَنَّهُ لَو) كَانَ الْإِحْصَان (شرطا لم تضمن) شُهُوده (بِهِ) أَي الرُّجُوع، وإيراد كلمة لَو مكالمة بِلِسَان التَّكَلُّف، وَإِلَّا فالتحقيق عِنْده أَنه شَرط كَمَا ذكره (إِذْ شَرطه) أَي شَرط ضَمَان شُهُود الشَّرْط (عدم) الْعلَّة (الصَّالِحَة) لإضافة الحكم إِلَيْهَا (وَالزِّنَا عِلّة صَالِحَة لإضافة الْحَد) إِلَيْهِ فَلَا يُضَاف إِلَى الْإِحْصَان لَو كَانَ شرطا. وَلما اتجه على كَون الْإِحْصَان شرطا، إِذْ الشَّرْط مَا يمْنَع ثُبُوت الْعلَّة

стр. 1105

حَقِيقَة بعد وجودهَا صُورَة إِلَى حِين وجوده كَمَا فِي تَعْلِيق الْعتاق بِالدُّخُولِ وَالزِّنَا إِذا تحقق لَا يتَوَقَّف انْعِقَاده عِلّة للرجم على إِحْصَان يحدث بعده. أجَاب بقوله (وتقدمه) أَي الْإِحْصَان (على الْعلَّة) وَهِي (الزِّنَا غير قَادِح) فِي كَونه شرطا (إِذْ تَأَخره) أَي الشَّرْط (عَنْهَا) أَي الْعلَّة (غير لَازم) إِذْ يتَقَدَّم (كَشَرط الصَّلَاة) من إِزَالَة الْحَدث والخبث، وَستر الْعَوْرَة وَغَيرهَا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ مُتَأَخِّرًا من حَيْثُ الْوُجُوب عَن علتها: أَي الْخطاب بهَا أَو تضيق الْوَقْت لِأَنَّهُ قد يتَقَدَّم من حَيْثُ الْوُجُود وكالعقل فَإِنَّهُ شَرط لصِحَّة التَّصَرُّف مقدم عَلَيْهِ (إِلَّا فِي) الشَّرْط (التعليقي) اسْتثِْنَاء من عدم لُزُوم تَأَخّر الشَّرْط فَإِن تَأَخره عَن صُورَة الْعلَّة لَازم (بل قيل) وقائله الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (وَلَا فِيهِ) أَي وَلَا يلْزم تَأَخّر التَّعْلِيق أَيْضا (فقد يتَقَدَّم) التعليقي (وَيكون الْمُتَأَخر الْعلم بِهِ) أَي التَّعْلِيق (كالتعليقي) أَي كالشرط التعليقي فِي التَّعْلِيق (بِكَوْن قَيده عشرَة) بِأَن قَالَ: إِن كَانَ زنة قيد عَبدِي عشرَة أَرْطَال فَهُوَ حر، فَإِن كَونه عشرَة مُتَقَدم بِحَسب الْوُجُود على عِلّة الْحُرِّيَّة، وَهُوَ الْجَزَاء، وَهُوَ قَوْله: فَهُوَ حر، وَإِن كَانَ الْعلم بالكون الْمَذْكُور مُتَأَخِّرًا عَن هَذِه الْعلَّة. ثمَّ أَفَادَ أَن الْمُعَلق عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر لَيْسَ نفس الْكَوْن الْمَذْكُور، بل ظُهُوره بقوله: (وَالظَّاهِر أَن التَّعْلِيق فِي مثله) يكون (على الظُّهُور وَإِن لم يذكر) أَي وَإِن لم يقل إِن ظهر أَن وَزنه كَذَا (لِأَن حَقِيقَته) أَي حَقِيقَة التَّعْلِيق تَعْلِيق أَمر (على مَعْدُوم) كَائِن (على خطر الْوُجُود فعلى كَائِن) أَي إِذا اعْتبر فِي حَقِيقَة التَّعْلِيق كَون الْمُعَلق عَلَيْهِ مَعْدُوما على خطر الْوُجُود، فَإِن التَّعْلِيق الصُّورِي على أَمر مَوْجُود (تَنْجِيز) معنى، وَالْعبْرَة للمعنى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا فرق بَين إنْشَاء الطَّلَاق مثلا بِلَا تَعْلِيق، وَبَين تَعْلِيقه بِأَمْر مَوْجُود حَال التَّعْلِيق فِي تحقق الْإِيقَاع، وَإِنَّمَا قَالَ الظَّاهِر وَلم يجْزم لاحْتِمَال أَن لَا يكون تَعْلِيقا على الظُّهُور (فكونه) أَي الْإِحْصَان (عَلامَة) لوُجُوب الرَّجْم (مجَاز) لتوقف وجوب الرَّجْم على وجوده شرعا من غير تَأْثِير وَلَا إفضاء كَمَا هُوَ شَأْن الشَّرْط وَاعْتِبَار عدم التَّوَقُّف فِي الْعَلامَة كَمَا سبق، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَا تتقدم الْعَلامَة على مَا هِيَ) عَلامَة (لَهُ كالدخان) عَلامَة للنار وَلَا يتَقَدَّم عَلَيْهَا وجودا (وَمِنْه) أَي وَمن هَذَا الْقسم الْمُسَمّى بالعلامة (ولادَة المبتوتة) أَي الْمُطلقَة طَلَاقا بَائِنا (والمتوفى عَنْهَا) زَوجهَا فَإِنَّهَا (عَلامَة الْعلُوق السَّابِق) على الطَّلَاق وَالْمَوْت إِذا كَانَت فِي مُدَّة تحتمله (وَلَو) كَانَت تِلْكَ الْولادَة (بِلَا) تقدم (حَبل ظَاهر وَلَا اعْتِرَاف) من الزَّوْج بالحبل (عِنْدهمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد (فَقبلا شَهَادَة الْقَابِلَة عَلَيْهَا) أَي الْولادَة كَمَا روى عَن الزُّهْرِيّ من أَنه مَضَت السّنة أَن كَون شَهَادَة النِّسَاء فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ غَيْرهنَّ من ولادات النِّسَاء وعيوبهن، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَهِي) أَي شَهَادَة الْمَرْأَة (مَقْبُولَة فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال) وبشهادتها يثبت أصل الْولادَة (ثمَّ ثُبُوت نسبه) أَي

стр. 1106

الْمَوْلُود من الزَّوْج إِنَّمَا هُوَ (بالفراش السَّابِق) الْقوي الَّذِي يثبت بِهِ النّسَب، وَإِن أنكر الزَّوْج كَونه مِنْهُ إِلَّا مَعَ الْمُلَاعنَة (وَعِنْده) أَي أبي حنيفَة (لَيست) الْولادَة الْمَذْكُورَة (عَلامَة إِلَّا مَعَ أَحدهمَا) أَي الْحَبل الظَّاهِر قبل الطَّلَاق أَو الْمَوْت واعتراف الزَّوْج (فَلَا تقبل) شَهَادَة الْقَابِلَة (دونه) أَي دون أَحدهمَا (لِأَن الْولادَة وَالْحَالة هَذِه) أَي وَالْحَال أَن كَيْفيَّة الْوَاقِعَة عدم ظُهُور الْحَبل وَعدم اعْتِرَاف الزَّوْج بِهِ سَابِقًا (كالعلة لثُبُوت النّسَب) حرا، وَالْجُمْلَة الخالية عَن الْمُضمر المستقر فِيهِ توسطت بَين اسْمهَا وخبرها، وَإِنَّمَا قيد كَونه كالعلة بهَا لِأَن الْولادَة عِنْد ظُهُور الْحَبل أَو الِاعْتِرَاف سَابِقًا أَو الْفراش الْقَائِم لَيست كالعلة فَإِن كلا من ذَلِك دَلِيل ظَاهر يسْتَند إِلَيْهِ ثُبُوت النّسَب وَتَكون الْولادَة حِينَئِذٍ عَلامَة فَقَط (فَيلْزم النّصاب) أَي إِذا كَانَت الْولادَة كالعلة حِينَئِذٍ فَيشْتَرط نِصَاب الشَّهَادَة رجلَانِ أَو رجل وَامْرَأَتَانِ لإثباتها (وَمثله) أَي مثل هَذَا الْخلاف وَاقع (إِذا علق طَلاقهَا عَلَيْهَا) أَي على الْولادَة وَأُرِيد إِثْبَات الطَّلَاق لوُجُود الْمُعَلق عَلَيْهِ (قبلت) شَهَادَة الْقَابِلَة على الْولادَة (عِنْدهمَا) أَي الصاحبين اعْتِبَار الْجَانِب كَونهَا عَلامَة (وَعِنْده يلْزم النّصاب) فَلَا تقبل (لِأَنَّهَا) أَي شهادتها حِينَئِذٍ (على الطَّلَاق معنى) وَإِن كَانَت على الْولادَة، وَصُورَة (كَمَا) إِذا شهِدت امْرَأَة (على ثيابة أمة بِيعَتْ بكرا لَا تقبل اتِّفَاقًا للرَّدّ) يَعْنِي إِذا اشْترى أمة على أَنَّهَا بكر، ثمَّ ادّعى أَنَّهَا ثيب وَأنكر البَائِع فَشَهِدت إِلَى آخِره، فَإِنَّهَا لَا تقبل اتِّفَاقًا لاسْتِحْقَاق المُشْتَرِي ردهَا على البَائِع لفَوَات الشَّرْط الْمَعْقُود عَلَيْهِ: أَي الْبكارَة (وَإِن قبلت) شهادتها (فِي الثيابة والبكارة) حَتَّى تثبت الثيابة فِي هَذِه فِي حق توجه الْخُصُومَة فَلَا تنْدَفع عَن البَائِع قبل الْقَبْض إِلَّا بحلفه بِاللَّه مَا بهَا هَذَا الْعَيْب، وَبعده بِاللَّه لقد سلمهَا بِحكم هَذَا البيع وَمَا بهَا هَذَا الْعَيْب. (فصل: قسم الشَّافِعِيَّة الْقيَاس بِاعْتِبَار الْقُوَّة) وَمَا يقابلها (إِلَى) قِيَاس (جلي) هُوَ (مَا علم فِيهِ نفي اعْتِبَار الْفَارِق بَين الأَصْل وَالْفرع) إِنَّمَا قَالَ: نفي اعْتِبَار الْفَارِق، وَلم يقل نفي الْفَارِق لِأَنَّهُ لَا بُد من وجود الْفَارِق بَينهمَا فِي كل قِيَاس لَكِن الْمَقْصُود نفي فَارق يَسْتَدْعِي زِيَادَة اخْتِصَاص الحكم بِالْأَصْلِ فَإِنَّهُ الْمُعْتَبر فِي الْفرق لَا غَيره، وَلَا شكّ أَن الْقيَاس الَّذِي علم فِيهِ نفي اعْتِبَار الْفَارِق أقوى فِي الِاحْتِجَاج من الَّذِي لم يعلم فِيهِ، بل ظن (كقياس الْأمة على العَبْد فِي أَحْكَام الْعتْق من التَّقْوِيم على مُعتق الْبَعْض) وَغَيره، وَقَوله من التَّقْوِيم إِلَى آخِره بَيَان الْأَحْكَام بَيَان ذَلِك أَنه ﷺ قَالَ " من أعتق شركا لَهُ فِي عبد فَكَانَ لَهُ مَال يبلغ بِهِ ثمن العَبْد قوم عَلَيْهِ قيمَة عدل فَأعْطى شركاءه حصصهم وَعتق العَبْد عَلَيْهِ وَإِلَّا فقد عتق مِنْهُ مَا عتق " فَإنَّا نقطع بِعَدَمِ اعْتِبَار الشَّارِع الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة، وَأَنه لَا فَارق بَينهمَا سوى ذَلِك (و) إِلَى (خَفِي) قِيَاسه (بظنه) أَي نفي اعْتِبَار الْفَارِق وَلَا بِعِلْمِهِ جزما فَلَا يكون الِاحْتِجَاج بِهِ قَوِيا مثل الأول (كالنبيذ)

стр. 1107

أَي كقياس النَّبِيذ (على الْخمر فِي حُرْمَة الْقَلِيل مِنْهُ) أَي النَّبِيذ فَإِن كَونه مثل الْخمر فِي حُرْمَة الْقَلِيل غير مَعْلُوم بل مظنون (لتجويز اعْتِبَار) الْفَارِق بَينهمَا: أَي بَين (خُصُوصِيَّة الْخمر) فَإِنَّهُ يجوز عِنْد الْعقل أَن تكون حُرْمَة الْقَلِيل فِيهَا لخصوصها بِاعْتِبَار وصف يَخُصهَا كالنجاسة العينية، أَو أَن قليلها يَدْعُو إِلَى الْكثير أَكثر مِمَّا يَدْعُو قَلِيل النَّبِيذ إِلَى كَثِيره (وَلذَا) أَي ولتجويز اعْتِبَار خصوصيتها فِي نفس الْأَمر (قالته الْحَنَفِيَّة) أَي ذَهَبُوا إِلَى اعْتِبَار خصوصيتها فَلم يحرموا الْقَلِيل من النَّبِيذ. (و) قسموه (بِاعْتِبَار الْعلَّة إِلَى قِيَاس عِلّة) وَهُوَ (مَا صرح فِيهِ بهَا) أَي بِالْعِلَّةِ: كَمَا يُقَال حرم النَّبِيذ كَالْخمرِ للإسكار. (وَقِيَاس دلَالَة) وَهُوَ (أَن يجمع) فِيهِ بَين الأَصْل وَالْفرع (بملازمها) أَي بِذكر مَا يلازم الْعلَّة، وَفِي التَّعْبِير بالملازم دون اللَّازِم إِشْعَار بِأَن الْمُعْتَبر اللُّزُوم من الْجَانِبَيْنِ. ثمَّ مثل الملازم بقوله (كرائحة) الشَّرَاب (المشتد بالشدة المطربة الْمُشْتَركَة (بَين النَّبِيذ وَالْخمر لدلالته) أَي الملازم الْمَذْكُور (على وجود الْعلَّة) وَهِي (الْإِسْكَار) لِأَن وجود الملازم يسْتَلْزم وجود الملازم فِيهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ كَانَ) مَا ذكر من الرَّائِحَة (ملازما لَهَا) أَي لِلْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الْإِسْكَار (و) إِلَى (قِيَاس فِي معنى الأَصْل) وَهُوَ (أَن يجمع) بَين الأَصْل وَالْفرع فِي الحكم (بِنَفْي الْفَارِق) بَينهمَا (أَي بإلغائه) أَي إِلْغَاء وصف مَوْجُود فِي الأَصْل دون الْفَرْع وَإِظْهَار عدم مدخليته فِي الحكم (كإلغاء كَونه) أَي كَون الْمَقِيس عَلَيْهِ: وَهُوَ الَّذِي جَامع أَهله فِي نَهَار رَمَضَان فَأمره ﷺ بِالْكَفَّارَةِ على التَّفْصِيل الْمَذْكُور فِي السّنة (أَعْرَابِيًا وَكَونهَا) أَي الَّتِي جَامعهَا (أَهلا) أَي زَوْجَة لَهُ، وَإِذا ألغى الخصوصيات (فَتجب الْكَفَّارَة) أَي كَفَّارَة الْجِمَاع فِي نَهَار رَمَضَان عمدا (على غَيره) أَي غير ذَلِك الْأَعرَابِي بإلغاء الأول (و) تجب (بِالزِّنَا) أَي بمجامعة غير الْأَهْل بطرِيق الزِّنَا بإلغاء الثَّانِي (وَكَذَا) الْحَال فِي تَعديَة الحكم عَن مورد النَّص (إِذْ ألغى الْحَنَفِيّ كَونه) أَي الْمُفطر (جماعا فَتجب) الْكَفَّارَة (بعمد الْأكل) أَي بِالْأَكْلِ عمدا إِذا كَانَ الْمَأْكُول مِمَّا يقْصد بِهِ الْقُوت (وَلَو تعرض) القائس (لغير نفي الْفَارِق من عِلّة) بَيَان للْغَيْر (مَعَه) أَي مَعَ نفي الْفَارِق: يَعْنِي ذكر الْعلَّة للْحكم وَنفي الْفَارِق بَين الْفَرْع وَالْأَصْل (وَكَانَ) نفي الْفَارِق (قَطْعِيا خرج) مَا تعرض فِيهِ لما ذكر مَعَ النَّفْي الْقطعِي (إِلَى الْقيَاس الْجَلِيّ، أَو ظنيا فَإلَى الْخَفي) أَي وَلَو تعرض لما ذكر وَكَانَ النَّفْي ظنيا فَخرج إِلَى الْقيَاس الْخَفي، وَلَيْسَ المُرَاد الْخُرُوج من أحد الضدين إِلَى الآخر، بل البروز من عَالم الْإِمْكَان إِلَى إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ (وَلَا يخفى أَن هَذَا) التَّقْسِيم (تَقْسِيم لما يُطلق عَلَيْهِ لفظ الْقيَاس) لَا للْقِيَاس الْمُعَرّف بِمَا ذكر فِي صدر الْمقَالة (إِذْ الْجمع) أَي جمع بَيَان الْعلَّة (بِنَفْي الْفَارِق لَيْسَ من حَقِيقَته) أَي الْقيَاس، وَقد يُقَال أَن الْقُيُود الَّتِي يحصل بانضمامها إِلَى الْمقسم الْأَقْسَام المتباينة

стр. 1108

لَا يجب أَن تكون دَاخِلَة فِي حَقِيقَتهَا لجَوَاز تَقْسِيم الْمَاهِيّة بِاعْتِبَار اقترانها فِي التحقق بِأُمُور متباينة خَارِجَة عَن مَاهِيَّة كل قسم فالتقيد بِوَاحِد من تِلْكَ الْأُمُور دَاخل فِي كل قسم، والقيد خَارج كتقسيم الْإِنْسَان إِلَى الْأَبْيَض وَالْأسود، فَيجوز أَن يكون الْمقسم كالقياس الْمَذْكُور فَتَأمل (و) قسم (الْحَنَفِيَّة) الْقيَاس (إِلَى جلي) وَهُوَ (مَا تبادر) أَي سبق إِلَى الإفهام وَجهه (و) إِلَى (مَا هُوَ خَفِي مِنْهُ) أَي مِمَّا تبادر (فَإِن قيل قَوْله أخْفى يَسْتَدْعِي وجود الخفاء فِي الْمُتَبَادر قُلْنَا الْقيَاس من حَيْثُ هُوَ لَا يَخْلُو من نوع خَفَاء، فالجلاء والخفاء من الْأُمُور الإضافية. (فَالْأول) وَهُوَ الْجَلِيّ (الْقيَاس) أَي يُسمى بِلَفْظ الْقيَاس فَكَأَنَّهُ لكماله هُوَ الْقيَاس لَا غَيره فَلفظ الْقيَاس يسْتَعْمل فِي مَعْنيين: أَحدهمَا الْأَعَمّ الْمقسم للقسمين، وَالثَّانِي مَا يُقَابل الْخَفي (وَالثَّانِي الِاسْتِحْسَان فَهُوَ) أَي الِاسْتِحْسَان (الْقيَاس الْخَفي بِالنِّسْبَةِ إِلَى) قِيَاس (ظَاهر متبادر) وَفِيه إِشَارَة إِلَى مَا ذكرنَا من الْإِضَافَة (وَيُقَال) لفظ الِاسْتِحْسَان (لما هُوَ أَعم) مِمَّا ذكر، وَهُوَ (كل دَلِيل) وَاقع (فِي مُقَابلَة الْقيَاس الظَّاهِر) لفظ كل مقحم تَأْكِيدًا للْعُمُوم الْمَفْهُوم فِي مقَام التَّعْرِيف (نَص) بدل الْبَعْض من كل دَلِيل (كالسلم) أَي كالنص الدَّال على صِحَة بيع السّلم، وَالْقِيَاس الْجَلِيّ يُفِيد عدم جَوَازه لكَون الْمَبِيع مَعْدُوما حَال العقد (أَو إِجْمَاع كالاستصناع) أَي كالإجماع الْوَاقِع على جَوَاز الاستصناع وَهُوَ طلب صَنْعَة لما فِيهِ تعامل من خف وَغَيره بِأَن يَقُول للخفاف: اصْنَع لي خف جلد كَذَا صفته كَذَا، ومقداره كَذَا بِكَذَا، فَإِن الْمَعْقُود عَلَيْهِ وَهُوَ الْخُف الْمَوْصُوف بِمَا وصف بِهِ الطَّالِب مَعْدُوم حَال العقد، فَالْقِيَاس عدم جَوَازه، غير أَنه ترك للتعامل من غير نَكِير من أهل الْعلم، وتقريرهم على ذَلِك إِجْمَاع عَمَلي، وَلم يجوزه الشَّافِعِي ورفد (أَو ضَرُورَة) هِيَ عُمُوم الْبلوى (كطهارة الْحِيَاض والآبار) أَي كالضرورة الْمُوجبَة للْحكم بِطَهَارَة الْحِيَاض والآبار المتنجسة، فَإِن الحكم بطهارتها بالنزح مثلا لعُمُوم الْبلوى، وَإِلَّا فإخراج بعض المَاء النَّجس من الْحَوْض والبئر لَا يُؤثر فِي طَهَارَة الْبَاقِي، وَلَو أخرج الْكل فَمَا يَنْبع من أَسْفَل أَو ينزل من أَعلَى يلاقي نجسا من طين أَو حجر (فمنكره) أَي الِاسْتِحْسَان حَيْثُ قَالَ: من اسْتحْسنَ فقد شرع (لم يدر المُرَاد بِهِ) أَي بِلَفْظ الِاسْتِحْسَان عِنْد من يَقُول بِهِ: يَعْنِي الْقيَاس الْخَفي أَو كل دَلِيل الخ (وقسموا) أَي الْحَنَفِيَّة (الِاسْتِحْسَان إِلَى مَا قوي أَثَره) أَي تَأْثِير علته بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُقَابِله (و) إِلَى (مَا خَفِي فَسَاده) وَهُوَ خلله، المخل بالاحتجاج بِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عدم ظُهُور صِحَّته: أَي خَفِي فَسَاده (بِالنِّسْبَةِ إِلَى ظُهُور صِحَّته) نَفسه، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ظُهُور صِحَة الْقيَاس، لِأَن الخفاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقيَاس إِنَّمَا هُوَ وَظِيفَة مَا هُوَ أجل مِنْهُ وَهُوَ ظُهُور صِحَّته، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِن كَانَ) ظُهُور صِحَّته (خفِيا بِالنِّسْبَةِ

стр. 1109

إِلَى الْقيَاس) الْمُقَابل لَهُ (وَظهر صِحَّته) عطف على خَفِي فَإِذا نظرت فِيهِ أدنى نظر وجدته صَحِيحا وَإِذا تَأَمَّلت فِيهِ حق التَّأَمُّل وجدته فَاسِدا (و) قسموا (الْقيَاس إِلَى مَا ضعف أَثَره، و) إِلَى (مَا ظهر فَسَاده وخفي صِحَّته) وَذَلِكَ بِأَن يَنْضَم إِلَى وَجهه معنى دَقِيق يورثه قُوَّة ورجحانا على وَجه مَا مُقَابِله الَّذِي هُوَ اسْتِحْسَان (فَأول الأول) أَي الْقسم الأول من الِاسْتِحْسَان وَهُوَ مَا قوي أَثَره (مقدم على أول الثَّانِي) أَي الْقسم الأول من الْقيَاس، وَهُوَ مَا ضعف أَثَره، وَوجه التَّقْدِيم ظَاهر (وَثَانِي الثَّانِي) وَهُوَ مَا ظهر فَسَاده وخفي صِحَّته مقدم (على ثَانِي الأول) وَهُوَ مَا ظهر صِحَّته وخفي فَسَاده لِأَنَّهُ لَا عِبْرَة بِالظَّاهِرِ الْمَبْنِيّ على بادئ النّظر فِي مُقَابلَة الْبَاطِن الْمَبْنِيّ على التَّأَمُّل التَّام، فثاني الثَّانِي فِي التَّحْقِيق أقرب إِلَى الصَّوَاب من ثَانِي الأول وَإِن كَانَ الْأَمر بِالْعَكْسِ فِي الظَّاهِر، وَإِنَّمَا ترك بَيَان النِّسْبَة بَين قسمي الأول لظُهُوره وَبَين قسمي الثَّانِي اعْتِمَادًا على فهم الْمُخَاطب أَن مَا هُوَ صَحِيح فِي التَّحْقِيق إِذا لم يكن ضَعِيف الْأَثر أولى مِمَّا هُوَ ضَعِيف الْأَثر فَتدبر (مِثَال مَا اجْتمع فِيهِ أول كل) من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان (سِبَاع الطير) أَي سؤرها كالصقر والبازي إِذْ (الْقيَاس نَجَاسَة سؤرها) قِيَاسا (على) نَجَاسَة سُؤْر (سِبَاع الْبَهَائِم) كالأسد والنمر لاشْتِرَاكهمَا فِي نَجَاسَة اللَّحْم لِحُرْمَتِهِ والسؤر يتبع اللَّحْم لاختلاطه باللعاب الْمُتَوَلد مِنْهُ، وَهَذَا الْمَعْنى ظَاهر غير قوي الْأَثر (وَالِاسْتِحْسَان) طَهَارَة سؤرها، وَهُوَ (الْقيَاس الْخَفي على) طَهَارَة سُؤْر (الْآدَمِيّ) بِجَامِع عدم مأكولية لحم كل مِنْهُمَا، وَإِن كَانَ فِي الْآدَمِيّ للكرامة، وَفِي سِبَاع الطير للنَّجَاسَة، لِأَن الْحُرْمَة لَا لكرامة آيَة النَّجَاسَة (لضعف أثر الْقيَاس) الْمَذْكُور، تَعْلِيل لتقديم الْقسم الأول من الِاسْتِحْسَان فِي الْمِثَال الْمَذْكُور (أَي مؤثره) الْإِضَافَة لأدنى مُلَابسَة فَإِن الْمُؤثر إِنَّمَا هُوَ مُؤثر للْحكم وَإِرَادَة الْمُؤثر من لفظ الْأَثر من قبيل إِطْلَاق الْمُسَبّب على السَّبَب (وَهُوَ) أَي مؤثره (مُخَالطَة اللعاب) الْمُتَوَلد من اللَّحْم (النَّجس) للْمَاء فِي السؤر (لانتفائه) أَي انْتِفَاء الْمُؤثر الْمَذْكُور فِي سُؤْر سِبَاع الطير تَعْلِيل لضعف أثر الْقيَاس (إِذْ تشرب) سِبَاع الطير تَعْلِيل لانتفائه (بمنقارها الْعظم الطَّاهِر) صفتان لمنقارها لبَيَان كَونه جافا لَا رُطُوبَة فِيهِ وَأَنه طَاهِر من الْمَيِّت فَمن الْحَيّ أولى، وَهِي تَأْخُذ المَاء بِهِ ثمَّ تبتلعه وَلَا ينْفَصل شَيْء من لُعَابهَا فِي المَاء (فانتفت عِلّة النَّجَاسَة) وَهِي المخالطة الْمَذْكُورَة (فَكَانَ طَاهِرا كسؤر الْآدَمِيّ) بِجَامِع انْتِفَاء علتها، وَهَذَا أولى من قَوْلهم بِجَامِع عدم مأكولية اللَّحْم كَمَا ذكر، إِذْ تعلق بتأثيره فِي الحكم بِطَهَارَة السؤر دون ذَلِك، على أَن عدم الْأكل فِي الْآدَمِيّ للكرامة، وَفِي الْمَقِيس للنَّجَاسَة على مَا مر آنِفا (وأثره) أَي الْقيَاس الْخَفي (أقوى) من ذَلِك الْقيَاس الظَّاهِر لما عرفت من انْتِفَاء مُوجب النَّجَاسَة، ثمَّ إِن كَانَت مضبوطة تغذى بالطاهر فَقَط لَا يكره سؤرها كَمَا روى عَن أبي حنيفَة وَأبي

стр. 1110

يُوسُف وَاسْتَحْسنهُ الْمُتَأَخّرُونَ وأفتوا بِهِ وَإِن كَانَت مُطلقَة يكره لِأَنَّهَا لَا تتحامى الْميتَة فَكَانَت كالدجاجة المخلاة، وَعَن أبي يُوسُف أَن مَا يَقع على الْجِيَف سؤره نجس لعدم خلو منقاره عَن النَّجَاسَة عَادَة وَأجِيب بِأَنَّهَا تدلك منقارها بِالْأَرْضِ بعد الْأكل فيزول مَا عَلَيْهِ، وَلعدم تقين النَّجَاسَة مَعَ الْبلوى بهَا فَإِنَّهَا تنقض من الْهَوَاء على المَاء فثبتت الْكَرَاهَة لَا النَّجَاسَة (فَإِن قلت سبق عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة فِي شُرُوط الْعلَّة (أَن لَا تَعْلِيل بِالْعدمِ، وَهَذَا الِاسْتِحْسَان قِيَاس علل فِيهِ بِهِ) أَي بِالْعدمِ لِأَن حَاصله تَعْلِيل الطَّهَارَة بِعَدَمِ مُخَالطَة النَّجس (قُلْنَا تقدم) ثمَّة (اسْتثِْنَاء عِلّة متحدة) أَي اسْتثِْنَاء التَّعْلِيل بِعَدَمِ عِلّة لَيْسَ لحكمها عِلّة سواهَا من عُمُوم نفي التَّعْلِيل بِالْعدمِ (فيستدل بعدمها) أَي بِعَدَمِ الْعلَّة المتحدة (على عدم حكمهَا) لِأَن الحكم لَا يُوجد بِدُونِ الْعلَّة، والمفروض أَنه لَا عِلّة لَهُ سوى مَا أضيف إِلَيْهِ الْعَدَم، يَعْنِي أَن التَّعْلِيل بِعَدَمِ الْعلَّة المتحدة عبارَة عَن الِاسْتِدْلَال بِالْعدمِ على الْعَدَم (لَا) أَن ذَلِك التَّعْلِيل (تَعْلِيل حَقِيقِيّ) إِذْ التَّعْلِيل الْحَقِيقِيّ بإبراز عِلّة مُؤثرَة مستجمعة للشرائط الْمُعْتَبرَة فِي الْعلَّة المرعية، وَذَلِكَ مَفْقُود فِيمَا نَحن فِيهِ (ومثلوا مَا اجْتمع فِيهِ ثانياهما) أَي الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان وهما الْقيَاس الظَّاهِر فَسَاده الْخَفي صِحَّته، وَالِاسْتِحْسَان الظَّاهِر صِحَّته الْخَفي فَسَاده (بِسَجْدَة التِّلَاوَة الْوَاجِبَة فِي فِي الصَّلَاة، الْقيَاس) جَوَاز (أَن يرْكَع) فِي الصَّلَاة (بهَا) أَي بِسَبَبِهَا نَاوِيا أداءها بِهِ سَوَاء كَانَ غير رُكُوع الصَّلَاة أَو ركوعها مَا لم يَتَخَلَّل بَينهمَا فاصل وَهُوَ مِقْدَار ثَلَاث آيَات (لظُهُور أَن إِيجَابهَا) أَي سَجْدَة التِّلَاوَة (لإِظْهَار التَّعْظِيم) لله تَعَالَى بالخضوع لَهُ مُوَافقَة لمن عظم، وَمُخَالفَة لمن استكبر (وَهُوَ) أَي إِظْهَار التَّعْظِيم حَاصِل (فِي الرُّكُوع، وَلذَا) أَي ولوفور التَّعْظِيم فِيهِ (أطلق عَلَيْهَا) أَي السَّجْدَة (اسْمه) أَي اسْم الرُّكُوع فِي قَوْله تَعَالَى (وخر رَاكِعا) أَي سقط سَاجِدا لِأَن الخرور السُّقُوط على الْوَجْه، فقيس سُقُوطهَا بِهِ على سُقُوطهَا بِنَفسِهَا بِجَامِع الخضوع تَعْظِيمًا غير أَن السُّجُود أفضل فِي أَدَاء الْوَاجِب (وَهِي) أَي الْعلَّة الْمَذْكُورَة فِي الْقيَاس الْمَذْكُور (صِحَّته الْخفية) أَي وَجه صِحَّته الْخفية (وفساده الظَّاهِر لُزُوم تأدي الْمَأْمُور بِهِ) وَهُوَ السُّجُود (بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر الْمَأْمُور بِهِ، وَهُوَ الرُّكُوع (وَالْعَمَل بالمجاز) أَي بِالْمَعْنَى الْمجَازِي للفظ السُّجُود وَهُوَ الرُّكُوع (مَعَ إِمْكَانه) أَي الْعَمَل (بِالْحَقِيقَةِ) وَهُوَ السُّجُود، وَلَا يخفى أَن لُزُوم مَا ذكر إِنَّمَا هُوَ بِحَسب الظَّاهِر وَبعد التَّأَمُّل تبين أَن الْمَأْمُور بِهِ بِحَسب الْحَقِيقَة إِظْهَار التَّعْظِيم وَلَفظ السُّجُود مُسْتَعْمل فِي حَقِيقَته غير أَنه ألحق بِهِ الرُّكُوع بطرِيق الْقيَاس (وَالِاسْتِحْسَان) الأخفى (لَا) لكَون الْقيَاس الْمُقَابل لَهُ خَفِي الصِّحَّة، وكل اسْتِحْسَان أخْفى مِمَّا يُقَابله أَنه لَا يرْكَع بهَا كَمَا هُوَ قَول الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة (قِيَاسا على سُجُود الصَّلَاة) فَإِنَّهُ (لَا يَنُوب ركوعها) أَي الصَّلَاة (عَنهُ)

стр. 1111

أَي عَن سجودها مَعَ كَمَال الْمُنَاسبَة بَينهمَا لِكَوْنِهِمَا من الْأَركان وموجبات التَّحْرِيمَة، وعَلى عدم تأديها بِهِ خَارج الصَّلَاة، وَأَيْضًا رُكُوع الصَّلَاة مُسْتَحقّ لجِهَة أُخْرَى، وَهُوَ خَارِجهَا غير مُسْتَحقّ لجِهَة أُخْرَى (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَعْنى (صِحَّته) أَي هَذَا الْقيَاس (الظَّاهِرَة لوجه فَسَاد ذَلِك) الْقيَاس مُتَعَلق بقوله لَا يَنُوب (من تأدى الخ) أَي الْمَأْمُور بِغَيْرِهِ وَالْعَمَل بالمجاز مَعَ إِمْكَانه بِالْحَقِيقَةِ بَيَان لوجه فَسَاد ذَلِك، وَصِحَّة هَذَا وَفَسَاد ذَلِك مشتركان فِي الظُّهُور متحدان فِي الْوَجْه (وَفَسَاد الْبَاطِن) أَي بَاطِن هَذَا الِاسْتِحْسَان (أَنه) أَي هَذَا الِاسْتِحْسَان (قِيَاس مَعَ الْفَارِق وَهُوَ) أَي الْفَارِق (أَن فِي الصَّلَاة كل من الرُّكُوع وَالسُّجُود مَطْلُوب بِطَلَب يَخُصُّهُ) على سَبِيل الْجمع بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى - ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا﴾ - فَلَو لم يكن خُصُوصِيَّة كل مِنْهَا مَطْلُوبا وَكَانَ الْمَطْلُوب إِظْهَار التَّعْظِيم مُطلقًا سَوَاء تحقق فِي ضمن الرُّكُوع وَالسُّجُود، كَانَ حق الْأَدَاء غير هَذَا الأسلوب بِأَن يذكر أَو بدل الْوَاو وَنَحْو ذَلِك (فَمنع) كَون كل مِنْهُمَا مَطْلُوبا بِطَلَب يَخُصُّهُ (تأدى أَحدهمَا فِي ضمن الآخر، بِخِلَاف سَجْدَة التِّلَاوَة) فَإِنَّهَا (طلبت وَحدهَا وعقل) فِيهَا معنى صَالح للعلية، وَهُوَ (أَنه) أَي طلبَهَا (لذَلِك الْإِظْهَار) للتعظيم (وَمُخَالفَة المستكبرين) عَن السُّجُود على مَا يفهم من النُّصُوص الْوَارِدَة فِي مَوَاضِع سَجْدَة التِّلَاوَة (وَهُوَ) أَي كل وَاحِد من إِظْهَار التَّعْظِيم والمخالفة (حَاصِل بِمَا اعْتبر عبَادَة) أَي بركوع اعْتَبرهُ الشَّارِع عبَادَة (غير أَن الرُّكُوع خَارج الصَّلَاة لم يعرف عبَادَة فَتعين) رُكُوع الصَّلَاة للأجزاء عَنْهَا فَإِن قلت تَعْلِيل الحكم الْمَذْكُور فِيهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذكرُوا هُوَ إِظْهَار التَّعْظِيم والمخالفة يقتضى أَن يُؤدى الْوَاجِب فِيهِ بِكُل مَا اعْتبر عبَادَة، وَلم يقل لَهُ أحد قلت اظهار التَّعْظِيم والمخالفة على وَجه الْكَمَال لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي تَعْظِيم يخص المعبود وَهُوَ منحصر (فيهمَا) وَقد يُقَال لظَاهِر النَّص طلب السَّجْدَة بِعَينهَا وَهِي غَايَة فِي التَّعْظِيم فَلَيْسَ الرُّكُوع فِي رتبتها فَتدبر (فترجح الْقيَاس) على الِاسْتِحْسَان بِقُوَّة أثر الْبَاطِن لما عرفت من دفع الْإِيرَاد عَنهُ وَعدم دَفعه على الِاسْتِحْسَان (وَنظر فِي أَن ذَلِك ظَاهر وَهَذَا خَفِي) أَي فِي ظُهُور ذَلِك الْقيَاس، وخفاء هَذَا الِاسْتِحْسَان نظر (وَهُوَ) أَي وَجه النّظر (ظَاهر إِذْ لَا شكّ أَن منع تأدى الْمَأْمُور) أَي امْتِنَاعه (شرعا بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر الْمَأْمُور بِهِ (أقوى تبادراً من جَوَازه لمشاركته) تَعْلِيل للْجُوَاز الْمَرْجُوح أَي لمشاركه غير الْمَأْمُور بِهِ أَي للْمَأْمُور بِهِ فالباء بِمَعْنى اللَّام، وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى مَعَ، وَفِي نُسْخَة لَهُ، وَهُوَ الظَّاهِر (فِي معنى) نيط بِهِ الحكم (كالتعظيم) الْمَذْكُور (أَو لإِطْلَاق لَفظه) مَعْطُوف على قَوْله لمشاركته يَعْنِي لفظ غير الْمَأْمُور بِهِ (عَلَيْهِ) أَي على الْمَأْمُور بِهِ (كَقَوْلِه

стр. 1112

تَعَالَى وخر رَاكِعا: أَي سَاجِدا) فَإِن فِي إِطْلَاق لفظ الرَّاكِع على الساجد والعدول عَن الظَّاهِر إِيمَاء إِلَى أَن الْمَقْصُود مِنْهُمَا وَاحِد، ثمَّ علل كَون الْمَنْع أقوى تبادرا من الْجَوَاز الْمُعَلل بِالْإِطْلَاقِ الْمَذْكُور بقوله (إِذْ لَا يلْزم من إِطْلَاق لفظ على غير مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ جَوَاز إِيقَاع مُسَمَّاهُ) أَي مُسَمّى الْمُسْتَعْمل مجَازًا (مَكَان مُسَمّى) اللَّفْظ (الآخر) الَّذِي وضع بِإِزَاءِ الْمُسْتَعْمل فِيهِ مجَازًا (شرعا) أَي جَوَازًا شَرْعِيًّا، فاللفظ الأول الرُّكُوع، وَالثَّانِي السُّجُود فَلَا يلْزم من إِطْلَاق الرُّكُوع على معنى السُّجُود، وَجَوَاز إِيقَاع معنى الرُّكُوع مَكَان معنى السُّجُود فِي أَدَاء مَا وَجب بِالطَّلَبِ الْمُتَعَلّق بِالسُّجُود (وَإِن كَانَ الْمُطلق) بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل (الشَّارِع) أَن وصلية لدفع مَا يتَوَهَّم من أَن الْمُطلق إِذا كَانَ الشَّارِع وَالشَّرْع فِي يَده فَمَا الْمَانِع من حمل كَلَامه على جَوَاز الْإِيقَاع لِأَن الْكَلَام فِي عدم لُزُوم جَوَازه من هَذَا الْإِطْلَاق، وَلَا فرق فِي هَذَا بَين أَن يكون الْمُطلق الشَّارِع أَو غَيره فَإِن طَرِيق الِاسْتِعَارَة غير طَرِيق الْقيَاس إِذْ بِنَاء الأول على علاقَة الْمجَاز، وَالثَّانِي على وجود الْعلَّة الشَّرْعِيَّة، وَإِنَّمَا لم يتَعَرَّض إِلَّا الْأَخير من وَجْهي الْجَوَاز لظُهُور الأول (وَلَو فرض قيام دلَالَة على ذَلِك) أَي جَوَاز قيام الرُّكُوع فِي الصَّلَاة مقَامهَا (لَا يصيره) أَي الْقيَاس (أظهر) من الِاسْتِحْسَان، فَإِن وَجه عدم جَوَاز نِيَابَة الرُّكُوع فِي غَايَة الظُّهُور، وَمَا ذكر فِي مُقَابِله لَيْسَ مثله فِي الظُّهُور، والمفروض أخْفى من الْمَذْكُور، كَذَا مَا بَقِي فِي عَالم الْفَرْض وَلم يبرز، وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه سُئِلَ عَن السَّجْدَة تكون فِي آخر السُّورَة أيسجد بهَا أم يرْكَع؟ قَالَ إِن شِئْت فاركع وَإِن شِئْت فاسجد ثمَّ اقْرَأ بعْدهَا سُورَة، رَوَاهُ سعيد، وَذكره ابْن أبي شيبَة عَن عَلْقَمَة وَإِبْرَاهِيم وَالْأسود وَطَاوُس ومسروق وَالشعْبِيّ وَالربيع بن خَيْثَم وَعَمْرو بن شُرَحْبِيل (وَحِينَئِذٍ) أَي حِين إِذْ كَانَ منع التأدى أظهر من جَوَازه (وَجب كَون الحكم الْوَاقِع) أَي الَّذِي اسْتَقر رَأْي الْحَنَفِيَّة عَلَيْهِ عِنْد الْمُعَارضَة (من تأديها بِالرُّكُوعِ) بَيَان للْحكم الْوَاقِع، وَالضَّمِير لسجدة التِّلَاوَة (حكم الِاسْتِحْسَان) خبر الْكَوْن وَذَلِكَ لِأَن مَا يفِيدهُ أخْفى مِمَّا يُفِيد عدم تأديها بِهِ (لَا) يَصح (كَونه) أَي كَون الحكم الْوَاقِع (مِمَّا قدم فِيهِ) أَي فِي حَقه (الْقيَاس عَلَيْهِ) أَي على الِاسْتِحْسَان، بل هُوَ مِمَّا قدم فِيهِ الِاسْتِحْسَان على الْقيَاس، وَقيل الْقيَاس الْمُفِيد للتأدي إِنَّمَا علم من الِاسْتِحْسَان بالأثر الْمَرْوِيّ عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَأجِيب بِأَن هَذَا على قَول من يحْتَج بقول الصَّحَابِيّ مُطلقًا سَوَاء كَانَ للرأي فِيهِ مدْخل أَو لَا، وَالْمُخْتَار أَنه يحْتَج بِهِ إِذا لم يكن للرأي فِيهِ مدْخل (وَظهر) من هَذِه الْجُمْلَة (أَن لَا اسْتِحْسَان) كَائِن مَوْصُوفا بِوَصْف (إِلَّا مُعَارضا لقياس) لما عرفت من أَنه عبارَة عَن الْقيَاس الْخَفي بِالنِّسْبَةِ إِلَى قِيَاس طَاهِر (وَلزِمَ أَن لَا يعدى) من مَحل إِلَى مَحل آخر (مَا) أَي حكم ثَبت (بِغَيْر قِيَاس) أَي على خلاف الْقيَاس (وَهُوَ) أَي

стр. 1113

الْقيَاس الَّذِي لَا يعدى بِدُونِهِ (اسْتِحْسَان أَولا) أَي أَو لَيْسَ باستحسان، يَعْنِي يعم الْقيَاس الْجَلِيّ والخفي، وَيحْتَمل أَن يكون الضَّمِير رَاجعا إِلَى غير الْقيَاس فَالْمُرَاد حِينَئِذٍ بقوله اسْتِحْسَان الِاسْتِحْسَان بالأثر، وَقد مر (لِأَنَّهُ) أَي مَا ثَبت بِغَيْر الْقيَاس (معدول) عَن سنَن الْقيَاس، وَمن شُرُوط حكم الأَصْل أَن لَا يكون معدولا عَنهُ (كإيجاب يَمِين البَائِع فِي اخْتِلَافهمَا) أَي عِنْد اخْتِلَاف البَائِع وَالْمُشْتَرِي (فِي قدر الثّمن بعد قبض الْمَبِيع) مَعَ قِيَامه (بِإِطْلَاق النَّص) وَهُوَ قَوْله ﷺ " إِذا اخْتلف البيعان وَلم يكن بَينهمَا بَيِّنَة والسلعة قَائِمَة فَالْقَوْل قَول البَائِع أَو يترادان " وَالْقِيَاس أَن لَا يَمِين عَلَيْهِ فَإِن قلت لَيْسَ فِي النَّص إِيجَاب الْيَمين قلت فِي عرف الشَّرْع إِذا قيل فَالْقَوْل قَوْله فِي مقَام الْخُصُومَة يُرَاد مَعَ الْيَمين، وَأَيْضًا قَوْله أَو يترادان مَعْطُوف على مُقَدّر أَي تحالف البائعان أَو يترادان (لِأَن المُشْتَرِي لَا يدعى عَلَيْهِ) أَي البَائِع (مَبِيعًا لتسلمه) أَي المُشْتَرِي (إِيَّاه) أَي الْمَبِيع، وَهُوَ معترف بِهِ وَإِذا لم يكن ثمَّة دَعْوَى من المُشْتَرِي فِي حق الْمَبِيع وَلَا إِنْكَار من البَائِع لَا يتَوَجَّه الْيَمين على البَائِع لِأَن الْيَمين على الْمُنكر، وَقد يُقَال صُورَة الدَّعْوَى من المُشْتَرِي حَاصِلَة وَقد اكْتفى بهَا فِي قبُول بَيته فيكتفي بهَا فِي يَمِين البَائِع أَقُول يُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن قَوْله ﷺ وَلم يكن بَينهمَا بَيِّنَة دلّ على أَنه إِذا كَانَ تقبل فقبولها اكْتِفَاء بِصُورَة الدَّعْوَى ثَبت بِالنَّصِّ على خلاف الْقيَاس مُقْتَصرا على مورده (فَلَا يتَعَدَّى) إِيجَاب الْيَمين (إِلَى الْإِجَارَة) فِيمَا إِذا اخْتلفَا فِي مِقْدَار الْأُجْرَة بعد اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة بل القَوْل قَول الْمُسْتَأْجر مَعَ يَمِينه لِأَنَّهُ مُنكر الزِّيَادَة (و) إِلَى (الْوَارِثين) بِلَفْظ الْمثنى أَي وَارِث البَائِع ووارث المُشْتَرِي سَوَاء اخْتلف وَارِث البَائِع مَعَ المُشْتَرِي أَو بِالْعَكْسِ أَو الْوَارِث مَعَ الْوَارِث بِعَدَمِ مَوْتهمَا والسلعة قَائِمَة، بل القَوْل قَول المُشْتَرِي أَو وَارثه (خلافًا لمُحَمد) فَإِنَّهُ قَالَ يجْرِي التخالف فِي جَمِيع الصُّور (وَقَوله) أَي مُحَمَّد (إِذْ كل) من الْمُتَبَايعين (يَدعِي) على صَاحبه (عقدا غير) العقد (الآخر) وعَلى عقد الآخر، وينكر مَا يَدعِيهِ صَاحبه فَيحلف كل على دَعْوَى صَاحبه فَكَانَ على سنَن الْقيَاس فيتعدى إِلَى الْوَارِث (دفع) خبر قَوْله (بِأَن اخْتِلَاف الثّمن لَا يُوجِبهُ) أَي اخْتِلَاف العقد (كَمَا) لَا يُوجب اخْتِلَاف الثّمن اخْتِلَاف العقد (فِي زِيَادَته وحطه) فَإِن البيع بِأَلف يصير بِعَيْنِه بِأَلفَيْنِ إِذا زيد الثّمن بعد العقد، وَالْبيع بِأَلفَيْنِ يصير بِأَلف إِذا حطه عَنهُ بعده، لِأَنَّهُ لَو كَانَ الزِّيَادَة أَو الْحَط مُوجبا لاختلافه للَزِمَ تَجْدِيد العقد بِإِيجَاب وَقبُول على حِدة (بِخِلَاف مَا) ثَبت (بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ فَإِنَّهُ يعدى بِشَرْطِهِ فَهُوَ مُتَّصِل بقوله وَلزِمَ أَن لَا يعدى مَا بِغَيْر قِيَاس (وَهُوَ) أَي مَا ثَبت بِهِ نَحْو (مَا) أَي تخالفهما (قبل الْقَبْض) للْمَبِيع إِذا اخْتلفَا فِي قدر الثّمن فَإِنَّهُ على وفْق الْقيَاس الْخَفي، فَإِن البَائِع يُنكر وجوب تَسْلِيم الْمَبِيع بِمَا أقرّ

стр. 1114

بِهِ المُشْتَرِي من الثّمن، وَالْمُشْتَرِي يُنكر وجوب زِيَادَة الثّمن، وَالْقِيَاس أَن الْيَمين على المُشْتَرِي فَقَط لِأَنَّهُ الْمُنكر وَحده ظَاهرا (فتعدى) التخالف (إِلَيْهِمَا) أَي الْوَارِثين فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة لِكَوْنِهِمَا فِي مقَام مورثيهما فِي حُقُوق العقد وَالْحكم مَعْقُول (وَإِلَى الْإِجَارَة قبل الْعَمَل فتحالف الْقصار وَرب الثَّوْب إِذا اخْتلفَا فِي قدر الْأُجْرَة) رب الثَّوْب يَدعِي اسْتِحْقَاق الْعَمَل بِمَا يعْتَرف بِهِ من الْأُجْرَة، والقصار يُنكره، والقصار يَدعِي زِيَادَة الْأُجْرَة، وَرب الثَّوْب ينكرها (وفسخت) الْإِجَارَة بعد التَّحَالُف لِأَنَّهَا تحْتَمل الْفَسْخ قبل الْعَمَل، وَفِي الْفَسْخ دفع الضَّرَر عَن كل مِنْهُمَا (وَاسْتشْكل اخْتِصَاص قُوَّة الْأَثر وَفَسَاد الْبَاطِن مَعَ صِحَة الظَّاهِر بالاستحسان، و) اخْتِصَاص (قلبهما) أَي ضعف الْأَثر وَصِحَّة الْبَاطِن مَعَ فَسَاد الظَّاهِر (بِالْقِيَاسِ) كَمَا سبق اتبَاعا للْقَوْم، وَقَوله بالاستحسان مُتَعَلق بالاختصاص، والمستشكل صدر الشَّرِيعَة، وَقَالَ لَا دَلِيل على اخْتِصَاص مَا ذكرته (فَأجرى) بِصِيغَة الْمَجْهُول كَمَا فِي اسْتشْكل (تَقْسِيم) على مَا يَقْتَضِيهِ الْعقل بِغَيْر التَّخْصِيص (بِالِاعْتِبَارِ الأول) أَي قُوَّة الْأَثر وَضَعفه إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام لِأَنَّهُمَا (أما قوياه) أَي قَوِيا الْأَثر (أَو ضعيفاه، أَو الْقيَاس قويه وَالِاسْتِحْسَان ضعيفه، أَو بِالْقَلْبِ) أَي الْقيَاس ضعيفه وَالِاسْتِحْسَان قويه (وَإِنَّمَا يتَرَجَّح الِاسْتِحْسَان فِيهِ) أَي فِي الْقلب (و) يتَرَجَّح (الْقيَاس فِيمَا سوى) الْقسم (الثَّانِي) وَهُوَ ضعيفاه (للظهور) كَمَا فِي الأول (وَالْقُوَّة) كَمَا فِي الثَّالِث وَالرَّابِع (أما فِيهِ) أَي فِي الثَّانِي (فَيحْتَمل سقوطهما) أَي الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان لضعفهما (وَضعف) التَّقْسِيم على هَذَا الْوَجْه فِي التَّلْوِيح (بقول فَخر الْإِسْلَام) وَلما صَارَت الْعلَّة عندنَا عِلّة بأثرها (فسمينا مَا ضعف أَثَره قِيَاسا، وَمَا قوى أَثَره اسْتِحْسَانًا) يُرِيد بَيَان وَجه تَسْمِيَة الِاسْتِحْسَان وَحَاصِله أَن هَذَا اللَّفْظ بِاعْتِبَار أَصله يُنبئ عَن الْحسن، وَلَيْسَ فِي مُقَابِله هَذَا الأنباء فَلَا بُد لَهُ من مزية، وَهِي قُوَّة الْأَثر الْمَقْصُود بِالذَّاتِ فِي الْعلَّة الَّتِي هِيَ منَاط الِاسْتِدْلَال. فَعلم من كَلَامه أَن قُوَّة الْأَثر مَخْصُوص بالاستحسان وَضَعفه بِالْقِيَاسِ. ثمَّ أَشَارَ إِلَى دفع التَّضْعِيف بقوله (وَالْكَلَام) فِي أَمْثَال هَذِه التقسيمات (فِي) بَيَان (الِاصْطِلَاح وَهُوَ) أَي الِاصْطِلَاح للحنفية وَاقع (على اعْتِبَار الخفاء فِيهِ) أَي الِاسْتِحْسَان (وَفِي أَثَره) مَعْطُوف على فِيهِ (وفساده) مَعْطُوف على أَثَره فَعلم أَن مدَار الْفرق بَين الِاسْتِحْسَان وَالْقِيَاس فِي الِاصْطِلَاح على الخفاء والظهور، لَا على ضعف الْأَثر وقوته فَإِنَّهُمَا اعتبروا الخفاء فِي نفس الِاسْتِحْسَان وَفِي أَثَره وَفِي فَسَاده والظهور فِي جَانب الْقيَاس على هَذَا الْوَجْه، وَقد نقل الشَّارِح عَن فَخر الْإِسْلَام مَا يُفِيد هَذَا الَّذِي ذكر، وَأَن الْقُوَّة والضعف من حَيْثُ الْأَثر يُوجد فِي كل من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان، فَمَا نقل عَنهُ فِي وَجه الضعْف يحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل (وَبِالثَّانِي) مَعْطُوف على قَوْله

стр. 1115

بِالِاعْتِبَارِ الأول: أَي وأجرى تقسم لَهما بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي وَهُوَ الْفساد أَو الصِّحَّة من حَيْثُ الْبَاطِن أَو الظَّاهِر وَهُوَ أَنَّهُمَا بالتقسيم الْعقلِيّ (إِمَّا صَحِيحا الظَّاهِر وَالْبَاطِن أَو فاسداهما أَو الْقيَاس فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن وَالِاسْتِحْسَان قلبه) أَي صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن (أَو قلبه) أَي الْقيَاس صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن، وَالِاسْتِحْسَان فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن (فصور الْمُعَارضَة بَينهمَا) أَي الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان (سِتّ عشرَة) حَاصِلَة (من) ضرب (أَرْبَعَة) الْقيَاس: صَحِيح الظَّاهِر وَالْبَاطِن، فاسدهما، فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن، قلبه (فِي أَرْبَعَة) الِاسْتِحْسَان نظائرها فَإنَّك إِذا ضممت وَاحِدًا من أَرْبَعَة الْقيَاس مَعَ كل وَاحِد من أَرْبَعَة الِاسْتِحْسَان حصل أَربع صور تركيبية، وَهَكَذَا إِلَى آخرهَا، وَإِذا كَانَت صور الْمُعَارضَة سِتّ عشرَة كَانَ مَجْمُوع القياسات والاستحسانات بِاعْتِبَار الاقترانات اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ فَاحْتَاجَ إِلَى بَيَان كل وَاحِد مِنْهَا بِاعْتِبَار التَّرْجِيح والإسقاط فَقَالَ (فصحيحهما) أَي الظَّاهِر وَالْبَاطِن (من الْقيَاس يقدم لظُهُوره أَو صِحَّته) على سَبِيل منع الْخُلُو (على) جَمِيع (أَقسَام الِاسْتِحْسَان) الْمُعَارضَة لَهُ (و) هِيَ أَرْبَعَة (لَا شكّ فِي رد فاسدهما) أَي الظَّاهِر وَالْبَاطِن (مِنْهُ) أَي من الْقيَاس سَوَاء كَانَ مَا يُقَابله من الِاسْتِحْسَان صَحِيحهمَا أَو فاسدهما أَو صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن أَو قلبه، فَإِن رد فاسدهما مِنْهُ لَا يسْتَلْزم قبُول مَا يُقَابله (فَتسقط أَرْبَعَة) من الْقيَاس حَاصِلَة من تركيب الْقيَاس الْفَاسِد ظَاهرا وَبَاطنا مَعَ كل وَاحِد من أَرْبَعَة الِاسْتِحْسَان: كَمَا سقط أَرْبَعَة من الِاسْتِحْسَان حَاصِلَة من تركيب الْقيَاس الصَّحِيح ظَاهرا وَبَاطنا مَعَ كل وَاحِد من أَرْبَعَة الِاسْتِحْسَان بِسَبَب التَّقْدِيم الْمَذْكُور، فقد علم بذلك حَال ثَمَانِيَة من صور الْمُعَارضَة وَحكم طرفِي كل مِنْهُمَا من حَيْثُ التَّرْجِيح والسقوط، فَإِن بعض الاستحسانات الْمُقَابلَة لهَذِهِ الْأَرْبَعَة سَاقِط كالفاسد ظَاهرا وَبَاطنا أَو بَاطِنا فَقَط وَبَعضهَا غير سَاقِط مِمَّا سواهُمَا فَحِينَئِذٍ (تبقى ثَمَانِيَة) من الْقيَاس أَو الصُّور حَاصِلَة (من) تركيب (بَاقِي حالات الْقيَاس) أَي حالاته الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة، وهما كَونه فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن وَقَلبه (مَعَ أَرْبَعَة الِاسْتِحْسَان) فَالْحَاصِل من تركيب كل وَاحِد من حالتي الْقيَاس مَعَ كل وَاحِد من أَربع الِاسْتِحْسَان أَرْبَعَة فَيتَحَقَّق حِينَئِذٍ ثَمَانِيَة من الصُّور الْمَذْكُورَة للمعارضة، وَحكم هَذِه الثَّمَانِية أَنه (يقدم صَحِيحهمَا) أَي الظَّاهِر وَالْبَاطِن (مِنْهُ) أَي الِاسْتِحْسَان (عَلَيْهِمَا) أَي على بَاقِي حالات الْقيَاس، وَقد عرفت أَنَّهُمَا يتحققان فِي الصُّور الثَّمَانِية لصِحَّته ظَاهرا وَبَاطنا وَعدم تحقق صِحَّته، كَذَا فِيمَا يُقَابله (وَيرد فاسدهما) أَي الظَّاهِر وَالْبَاطِن من الِاسْتِحْسَان لفساده ظَاهرا وَبَاطنا، وَمُقَابِله إِن كَانَ فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن لَا يرد، وَإِن كَانَ عَكسه يرد (تبقى أَرْبَعَة) من تركيب بَاقِي كل من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان (من) الآخرين فباقي الِاسْتِحْسَان اسْتِحْسَان صَحِيح

стр. 1116

الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن وَعَكسه، و (بَاقِي) الْقيَاس قِيَاس صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن وَعَكسه، وَحَاصِل ضرب الِاثْنَيْنِ فِي الِاثْنَيْنِ يكون أَرْبَعَة، وَكَون هذَيْن الاستحسانين وهذين القياسين باقيين بِاعْتِبَار هَذَا التَّرْكِيب لَا يُنَافِي كَون (كل) مِنْهُمَا مَذْكُورا فِي التراكيب السَّابِقَة (فالاستسحان الصَّحِيح الْبَاطِن الْفَاسِد الظَّاهِر) إِذا قوبل (مَعَ عَكسه) أَي فَاسد الْبَاطِن صَحِيح الظَّاهِر (من الْقيَاس مقدم) على عَكسه من الْقيَاس (وَفِي قلبه) أَي الِاسْتِحْسَان الْفَاسِد الْبَاطِن صَحِيح الظَّاهِر مَعَ عَكسه من الْقيَاس (الْقيَاس) يقدم على الِاسْتِحْسَان (كَمَا مَعَ الِاسْتِحْسَان الصَّحِيح الْبَاطِن الخ) أَي الْفَاسِد الظَّاهِر (مَعَ مثله) صَحِيح الْبَاطِن فَاسد الظَّاهِر (من الْقيَاس) يَعْنِي عومل مَعَ قلب الصُّورَة الأولى كَمَا عومل مَعَ الِاسْتِحْسَان إِلَى آخِره من تَقْدِيم الْقيَاس عَلَيْهِ (للظهور) يَعْنِي لما اسْتَويَا من حَيْثُ الصِّحَّة بِحَسب الْبَاطِن وَالْفساد بِحَسب الظَّاهِر رجح الْقيَاس لظُهُوره (وَيرد قلبهما) أَي صَحِيح الظَّاهِر فَاسد الْبَاطِن من كل من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان لَا أَن الْقيَاس مقدم على الِاسْتِحْسَان (قيل) وَالْقَائِل صدر الشَّرِيعَة (وَالظَّاهِر امْتنَاع التَّعَارُض فِي هذَيْن) أَو التصويرين الْمشَار إِلَى أَحدهمَا بقوله كَمَا مَعَ إِلَى قَوْله مَعَ مثله، وَإِلَى الآخر بقوله وَيرد قلبهما (و) كَذَا (الظَّاهِر امْتنَاع التَّعَارُض وَفِي قوى الْأَثر) من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان (للُزُوم التَّنَاقُض فِي الشَّرْع) حَاصِل كَلَام صدر الشَّرِيعَة هُنَا أَن الِاسْتِحْسَان الصَّحِيح الظَّاهِر الْفَاسِد الْبَاطِن أَو بِالْعَكْسِ إِذا وَقع فِي مُقَابلَة قِيَاس مَوْصُوف بِأحد شقي الترديد إِن اخْتلفَا نوعا، فَلَا شكّ أَن مَا صَحَّ بَاطِنه وَفَسَد ظَاهره أقوى مِمَّا هُوَ على الْعَكْس سَوَاء كَانَ قِيَاسا أَو اسْتِحْسَانًا، وَإِن اتحدا نوعا فتحققهما على هَذِه الصّفة خلاف الظَّاهِر وَلم نجده، وَذَلِكَ لِأَن صِحَة الْقيَاس تَسْتَلْزِم تعْيين الشَّارِع عِلّة تناسب الحكم الَّذِي يفِيدهُ ذَلِك الْقيَاس فَإِن صَحَّ قِيَاس آخر مُخَالف لَهُ مُفِيد خلاف الحكم الأول استلزم تعينه عِلّة أُخْرَى مُخَالفَة لتِلْك الْعلَّة مُنَاسبَة لهَذَا الحكم، وَهَذَا تنَاقض فِي الشَّرْع، ثمَّ قَالَ فَعلم أَن تعَارض قياسين صَحِيحَيْنِ فِي الْوَاقِع مُمْتَنع، وَإِنَّمَا يَقع التَّعَارُض لجهلنا بِالصَّحِيحِ وَالْفَاسِد، وَكَذَا يمْتَنع بَين قِيَاس قوي الْأَثر واستحسان كَذَلِك، وَكَذَا بَين قِيَاس صَحِيح الظَّاهِر وَالْبَاطِن واستحسان كَذَلِك، وَكَذَا بَين قِيَاس فَاسد الظَّاهِر صَحِيح الْبَاطِن واستحسان كَذَلِك أه أَقُول: وَلَا يخفى أَن هَذَا الدَّلِيل إِنَّمَا يُفِيد عدم تحقق صحتي المتعديين مَعًا فِي نفس الْأَمر، لَا فِي نظر الْمُجْتَهد، كَيفَ وكل من الْمُجْتَهدين فِي المسئلة الخلافية يعْتَقد صِحَة قِيَاسه، وَقد لَا يظْهر عِنْد أَحدهمَا فَسَاد قِيَاس الآخر، غير أَنه ترجح قِيَاسه بمرجح، ومدار التَّقْسِيم على مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ نظره، لَا على مَا فِي نفس الْأَمر لِأَنَّهُ خَارج عَمَّا يفِيدهُ الِاجْتِهَاد، وَلَعَلَّ المُصَنّف بِصِيغَة التمريض يُشِير إِلَى مَا ذكرنَا، ثمَّ إِنَّهُم ذكرُوا فِي بعض صور اتِّحَاد النَّوْع تَرْجِيح الْقيَاس للظهور كَمَا سبق ذكره فَقَالَ (ويقليل تَأمل ينتفى التَّرْجِيح بالظهور أَي التبادر)

стр. 1117

إِلَى الذِّهْن (إِذْ لَا أثر لَهُ) أَي الظُّهُور (مَعَ اتِّحَاد جِهَة الْإِيجَاب) للْحكم بِأَن يكون المتعارضان من الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان صَحِيحَيْنِ ظَاهرا وَبَاطنا أَو بَاطِنا مَعَ فَسَاد ظاهرهما (بل يطْلب التَّرْجِيح إِن جَازَ تعارضهما) مَعَ اتِّحَاد جِهَة الْإِيجَاب (بِمَا) يتَعَلَّق بالترجيح الْمَذْكُور (تترجح بِهِ الأقيسة المتعارضة) فِي الْمُتَبَادر لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا فرق بَين الْمُتَبَادر وَغَيره (غير أَنا لَا نسمي أَحدهمَا) وَهُوَ الْمُتَبَادر اسْتِحْسَانًا اصْطِلَاحا) أَي تَسْمِيَة بِحَسب الِاصْطِلَاح، وَهَذَا أَمر لَفْظِي لَا يصلح فارقا بَينهمَا فلنتم المباحث بِذكر الترجيحات عِنْد التَّعَارُض فَنَقُول: (وَهَذِه) إِشَارَة إِلَى مَا سَيذكرُ من الْوُجُوه فَإِنَّهَا حَاضِرَة فِي الذِّهْن (تَتِمَّة فِيهِ) أَي فِيمَا يتَرَجَّح بِهِ الأقيسة المتعارضة (يقدم) الْقيَاس الَّذِي هُوَ (مَنْصُوص الْعلَّة) بِأَن تكون علته ثَابِتَة بِالنَّصِّ (صَرِيحًا على مَا) أَي الثَّابِت علته (بإيماء) وَإِشَارَة من غير تَصْرِيح، لِأَن التَّصْرِيح أقرب إِلَى الْقطع (و) يقدم (مَا) ثَبت علته (بقطعي) أَي بِدَلِيل قَطْعِيّ (على مَا) ثَبت علته (بظني، و) يقدم (مَا غلب ظَنّه) أَي علته على مَا لَا يغلب، فَإِن الظَّن مَرَاتِب بَعْضهَا أقرب إِلَى الْقطع (وَيَنْبَغِي تَقْدِيم) الْقيَاس الْمُشْتَمل على الْعلَّة (ذَات الاجماع الْقطعِي) بِأَن ثَبت عليتها بِالْإِجْمَاع الْقطعِي، لَا الْإِجْمَاع الظني كَمَا عرفت فِي مبَاحث الْإِجْمَاع (على) الْقيَاس الْمُشْتَمل على الْعلَّة (المنصوصة) بِغَيْرِهِ وَإِن كَانَ قَطْعِيا، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد المنصوصة بِغَيْر قَطْعِيّ، غير أَنه أيد مَا ذكره بِأَن قَطْعِيّ الاجماع لَا يحْتَمل النّسخ بِخِلَاف غَيره وَيرد عَلَيْهِ مَا ثَبت بِنَصّ قَطْعِيّ مُحكم لَا يحْتَمل النّسخ، وَلَا نقل عَن السُّبْكِيّ تَقْدِيم الْقيَاس الثَّابِت علته بِالْإِجْمَاع الْقطعِي على الثَّابِت علته بِالنَّصِّ الْقطعِي (و) يقدم (مَا) ثَبت علته (بِالْإِيمَاءِ على مَا) ثَبت علته (بالمناسبة) عِنْد الْجُمْهُور لما فِيهَا من الِاخْتِلَاف، وَلِأَن الشَّارِع أولى بتعليل الْأَحْكَام، وَذهب الْبَيْضَاوِيّ إِلَى تَقْدِيم المنسابة على الْإِيمَاء لِأَنَّهَا تَقْتَضِي وَصفا مناسبا بِخِلَاف الْإِيمَاء، لِأَن تَرْتِيب الحكم يشْعر بالعلية سَوَاء كَانَ مناسبا أَولا، وَإِذا توافقا فِي الثُّبُوت بالمناسبة (فَمَا) أَي الْقيَاس الَّذِي (عرف بِالْإِجْمَاع تَأْثِير عينه) أَي عين وَصفه (فِي عينه) أَي الحكم (أولى بالتقديم على مَا عرف بِهِ) أَي الْإِجْمَاع (تَأْثِير جنسه) أَي جنس وَصفه (فِي نَوعه) أَي الحكم كَمَا لَا يخفى (وَهَذَا) الَّذِي عرف تَأْثِير جنسه فِي نَوعه (أولى من عَكسه) وَهُوَ مَا عرف بِالْإِجْمَاع تَأْثِير نَوعه فِي جنس الحكم، لِأَن اعْتِبَار شَأْن الْمَقْصُود أهم من اعْتِبَار شَأْن الْعلَّة، وَقيل بِالْعَكْسِ، لِأَن الْعلَّة هِيَ الْعُمْدَة فِي التَّعْدِيَة، فَإِن تَعديَة الحكم فرع تعديتها (وكل مِنْهُمَا) أَي هذَيْن (أولى من الْجِنْس فِي الْجِنْس) أَي فِيمَا عرف فِيهِ تَأْثِير جنس الْوَصْف فِي جنس الحكم (ثمَّ

стр. 1118

الْجِنْس الْقَرِيب فِي الْجِنْس الْقَرِيب) أولى (من) الْجِنْس (غير الْقَرِيب) فِي غير الْقَرِيب وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْقرب فِي أحد الْجَانِبَيْنِ خير من الْبعد فيهمَا، ثمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب (وَتقدم) فِي المرصد الأول فِي تَقْسِيم الْعلَّة (أَن الْمركب أولى من الْبَسِيط) وَذكر هُنَاكَ وَجهه. (وأقسام المركبات) يقدم فِيهَا (مَا تركيبه أَكثر) على مَا تركيبه أقل (وَمَا تركب من راجحين أولى مِنْهُ) أَي من الْمركب (من مسَاوٍ ومرجوح) فضلا عَن الْمركب من مرجوحين (فَيقدم مَا) أَي الْمركب (من تَأْثِير الْعين فِي الْعين وَالْجِنْس الْقَرِيب على مَا) أَي الْمركب (من) تَأْثِير (الْعين فِي الْجِنْس الْقَرِيب وَالْجِنْس فِي الْعين، وَيظْهر بِالتَّأَمُّلِ فِيمَا سبق أَقسَام) أخر، فِي التَّلْوِيح كالمركبين الْمُشْتَمل كل مِنْهُمَا على رَاجِح ومرجوح فَإِنَّهُ يقدم فِيهِ مَا يكون فِي جَانب الحكم على مَا يكون فِي جَانب الْعلَّة انْتهى. وَقد أَشرت بِقَوْلِي: وَلَا يخفى إِلَى بَعْضهَا آنِفا (وللشافعية ترجح المظنة على الْحِكْمَة) أَي التَّعْلِيل بِالْوَصْفِ الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ مَظَنَّة الحكم على التَّعْلِيل بِنَفس الْحِكْمَة لمَكَان الِاخْتِلَاف فِي الثَّانِي دون الأول (وَيَنْبَغِي) أَن يكون هَذَا (عِنْد عدم انضباطها) أَي الْحِكْمَة. حكى الْآمِدِيّ فِي جَوَاز التَّعْلِيل بالحكمة ثَلَاثَة مَذَاهِب: الْمَنْع مُطلقًا عَن الْأَكْثَرين، وَالْجَوَاز مُطلقًا وَرجحه الرَّازِيّ والبيضاوي، والجوازان كَانَت ظَاهِرَة منضبطة بِنَفسِهَا وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ مُخْتَار الْآمِدِيّ (ثمَّ الْوَصْف الوجودي) أَي التَّعْلِيل بِهِ للْحكم الوجوي أَو العدمي على التَّعْلِيل بالعدمى أَو الوجودي للعدمي (وَالْحكم الشَّرْعِيّ) أَي يتَرَجَّح التَّعْلِيل بِهِ على التَّعْلِيل بِغَيْرِهِ (والبسيط) أَي ويترجح التَّعْلِيل بِالْوَصْفِ الْبَسِيط على التَّعْلِيل بِالْوَصْفِ الْمركب لِأَنَّهُ مُتَّفق عَلَيْهِ، وَالِاجْتِهَاد فِيهِ أقل فيبعد عَن الْخَطَأ، بِخِلَاف الْمركب (وَالْحَنَفِيَّة) على أَن الْبَسِيط (كالمركب) وَلما كَانَ هَذَا يُوهم التدافع بَينه وَبَين مَا سبق من تَقْدِيم الْمركب قَالَ (وَلَيْسَ الْبَسِيط مُقَابلا لذَلِك الْمركب) الْمَذْكُور آنِفا فَإِن المُرَاد بِهِ ثمت وصف مُتَعَدد جِهَات اعْتِبَاره من حَيْثُ الْعين فِي الْعين وَالْجِنْس فِي الْعين أَو فِي الْجِنْس إِلَى غير ذَلِك، وَإِن كَانَ فِي ذَاته بسيطا. وَالْمرَاد هَهُنَا ذُو جزءين فَصَاعِدا (وَمَا بالمناسبة) أَي ويترجح التَّعْلِيل بِالْوَصْفِ الثَّابِت علته بالمناسبة (أَي الإخالة على مَا بالشبه والدوران) وَقد سبق تَعْرِيفهَا وتفصيلها: أَي على التَّعْلِيل بِالْوَصْفِ الثَّابِت عليته بِأحد هذَيْن لاشتمالها على الْمصلحَة، ثمَّ مَا بالشبه على مَا بالدوران لقُرْبه من الْمُنَاسبَة (وَمَا بالسبر) وَقد سبق (عَلَيْهِمَا) أَي على مَا بالشبه وعَلى مَا بالدوران، على مَا اخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب (وَعلل) تَرْجِيح مَا بالسبر عَلَيْهِمَا (بِمَا فِيهِ) أَي السبر (من التَّعَرُّض لنفي الْمعَارض وَقد يُقَال فَكَذَا الدوران) يتَرَجَّح الْوَصْف الثَّابِت بِهِ على الثَّابِت بِغَيْرِهِ (لزِيَادَة إِثْبَات الانعكاس) لِأَن الْعلَّة المستفادة مِنْهُ مطردَة منعكسة، بِخِلَاف غَيره (وَيلْزمهُ) أَي تَقْدِيم الدوران بِمَا ذكر (تَقْدِيم مَا بالسير على

стр. 1119

مَا بالدوران) لتحَقّق هَذِه الزِّيَادَة مَعَ أُخْرَى كَمَا أَفَادَ بقوله (لانعكاس علته) أَي الْعلَّة الثَّابِتَة بِهِ (للحصر) أَي لحصر السبر الْأَوْصَاف الصَّالِحَة للعلية فِي عدد، ثمَّ إِلْغَاء الْبَعْض لتعيين الْبَاقِي، فَإِن الْعلَّة لَو لم تنعكس حِينَئِذٍ للُزُوم وجود الحكم بِلَا عِلّة (وَيزِيد) على الدوران (بِنَفْي الْمعَارض فَيبْطل مَا قيل) وَالْقَائِل الْبَيْضَاوِيّ (من عَكسه) بَيَان للموصول: أَي تَقْدِيم مَا بالدوران على مَا بالسبر، وَفِي الْمَحْصُول إِذا كَانَ السبر مَقْطُوعًا بِهِ فَالْعَمَل بِهِ مُتَعَيّن، وَلَيْسَ من قبيل التَّرْجِيح (وَلَا يتَصَوَّر) مَا ذكر من الترجيحات (للحنفية) لعدم صِحَة هَذِه الطّرق عِنْدهم، وَمن قَالَ بالسير مِنْهُم لتعيين الْعَمَل بِهِ عِنْده، وَمَا عداهُ سَاقِط لَا يصلح للمعارضة (والضرورية على الحاجية، والدينية مِنْهَا على غَيرهَا) أَي عِنْد تعَارض أَقسَام الْمُنَاسبَة التَّرْجِيح بِقُوَّة الْمصلحَة فترجح الْمَقَاصِد الْخَمْسَة الضرورية: حفظ الدّين، وَالنَّفس، وَالْعقل، وَالنّسب، وَالْمَال على مَا سواهَا من الحاجية وَغَيرهَا، وترجح الدِّينِيَّة من أَقسَام الضرورية على غَيرهَا مِمَّا ذكر على مَا مر فِي المرصد الأول فِي تَقْسِيم الْعلَّة (وَهِي) أَي الحاجية تقدم (على مَا بعْدهَا) من التحسينية (ومكمل كل) من الضرورية والحاجية والتحسينية (مثله) أَي مثل مَا يكمل بِهِ (فمكمله) أَي الضَّرُورِيّ يرجح (على الحاجي وَعنهُ) أَي عَن كَون مكمل كل مثله (ثَبت) شرعا (فِي) شرب (قَلِيل الْخمر) من الْحَد (مَا) ثَبت (فِي) شرب (كثيرها، وَيقدم حفظ الدّين) من الضروريات على غَيره لِأَنَّهُ الْمَقْصُود والأعظم بِهِ السَّعَادَة السرمدية (ثمَّ) يقدم حفظ (النَّفس) على حفظ النّسَب وَالْعقل وَالْمَال، لِأَن الْكل فرع بَقَاء النَّفس (ثمَّ) يقدم حفظ (النّسَب) على الْبَاقِي لِأَنَّهُ بَقَاء النَّوْع بالتناسل من غير زنا فبتحريمه لَا يحصل اخْتِلَاط النّسَب فينسب الْوَلَد إِلَى شخص وَاحِد فيهتم بتربيته (ثمَّ) يقدم حفظ (الْعقل) على حفظ المَال، لِأَن الْإِنْسَان بفواته يلْتَحق بِالْحَيَوَانِ، وَمن ثمت يجب بتفويته مَا يجب بتفويت النَّفس من الدِّيَة الْكَامِلَة (ثمَّ) حفظ (المَال، وَقيل) يقدم (المَال) أَي حفظه فضلا عَن حفظ الْعقل وَالنّسب وَالنَّفس (على) حفظ (الدّين) كَمَا حَكَاهُ غير وَاحِد لِأَنَّهَا حق الْآدَمِيّ الضَّعِيف، وَهُوَ يتَضَرَّر بفواته، وَالدّين حق الله تَعَالَى الْقوي المتعال عَن التضرر بفواته (وَلذَا) أَي لتقديمه على الدّين (تتْرك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة لحفظه) أَي المَال (وَلأبي يُوسُف تقطع) الصَّلَاة (للدرهم) فِي الْخُلَاصَة وَلَو سرق مِنْهُ أَو من غَيره دِرْهَم يقطع الْفَرْض انْتهى، وَذكروا أَن مَا دون الدِّرْهَم حقير فَلَا يقطع لأَجله الصَّلَاة (وَقدم الْقصاص على قتل الرِّدَّة) عِنْد وجوب الْقَتْل بِكُل مِنْهُمَا لكَونه حق العَبْد (ورد) كَون تَقْدِيم الْقصاص لأجل مَا ذكر (بِأَن فِي الْقصاص حَقه تَعَالَى) وَلذَا يحرم عَلَيْهِ قتل نَفسه، فالتقديم باجتماع الْحَقَّيْنِ، وَمَا ذكره الْأَبْهَرِيّ من أَن الْقصاص لَو كَانَ فِيهِ حق الله تَعَالَى لَكَانَ للْإِمَام أَن يقْتَصّ وَإِن عَفا ولي الدَّم كَمَا فِي قطع السّرقَة مَدْفُوع بِأَن الْغَالِب فِي الْقصاص

стр. 1120

حق العَبْد، وَأما حد السّرقَة فَحق الله تَعَالَى على الخلوص (وَالْأول) أَي ترك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة لحفظ المَال (لَيْسَ مِنْهُ) أَي من تَقْدِيم المَال على الدّين (إِذْ لَهُ) أَي لتركهما (خلف) يجبران بِهِ، وَهُوَ الظّهْر والانفراد، وَقد يُقَال: خُصُوصِيَّة الْجُمُعَة مَطْلُوبَة، وَالْجَمَاعَة سنة مُؤَكدَة، وَلذَا يَأْثَم وَإِن صلى الظّهْر إِذا لم يكن لَهُ عذر، وَينْقص أجره كثيرا بالانفراد، فَلَا بُد من فَوَات أَمر ديني فِي كل مِنْهُمَا وَإِن لم يفت أصل فرض الْوَقْت فَتَأمل (وَأما) تَرْجِيح أحد القياسين على الآخر الْمعَارض لَهُ (بترجيح دَلِيل حكم أَصله على دَلِيل حكم) الأَصْل (الآخر) ككون دَلِيل حكم أصل أَحدهمَا متواترا أَو مَشْهُورا أَو حَقِيقَة أَو صَرِيحًا أَو عبارَة، بِخِلَاف الآخر (فللنصوص بِالذَّاتِ) أَي فَذَلِك التَّرْجِيح ثَابت للنصوص بِالذَّاتِ، وللقياس بالتبع، وَقد تقدم فِي فصل التَّرْجِيح (وَتَركنَا أَشْيَاء متبادرة) إِلَى الْفَهم من وُجُوه تَرْجِيح الأقيسة لظهورها للمتيقن مَا سبق من المباحث كانضباط عِلّة أَحدهمَا: أَو جامعيتها ومانعيتها من حَيْثُ الْحِكْمَة، بِخِلَاف الآخر إِلَى غير ذَلِك (وتتعارض المرجحات) للمتعارضين من الأقيسة (فَيحْتَمل) التَّرْجِيح (الِاجْتِهَاد) أَي يسوغه (كالملايمة والبسيطة) يَعْنِي أَن الْقيَاس بعلة ثبتَتْ عليتها بالملائمة ترجح على مَا بالدوران، فَلَو كَانَت الملائمة مركبة، والمطردة المنعكسة بسيطة تعَارض المرجحات، وَاحْتمل التَّرْجِيح الِاجْتِهَاد، كَذَا نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف. (وَعَادَة الْحَنَفِيَّة ذكر أَرْبَعَة) من مرجحات الْقيَاس (قُوَّة الْأَثر والثبات على الحكم وَكَثْرَة الْأُصُول وَالْعَكْس، فَأَما قُوَّة الْأَثر) أَي التَّأْثِير (فَمَا ذكر من) قوته فِي بعض أَقسَام (الْقيَاس، و) فِي بعض أَقسَام (الِاسْتِحْسَان) فِي ضمن التَّقْسِيم والتمثيل (وَمِنْه) أَي من تَرْجِيح أحد القياسين بِقُوَّة الْأَثر مَا ذكر (فِي جَوَاز نِكَاح الْأمة) للْحرّ (مَعَ طول الْحرَّة) أَي قدرته على تزَوجهَا بتمكنه من مهرهَا ونفقتها، وَالْأَصْل الطول على الْحرَّة، فاتسع بِحَذْف الْجَار، وَإِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول من قَوْلهم (يملكهُ) أَي نِكَاح الْأمة (العَبْد) مَعَ طول الْحرَّة بِإِذن مَوْلَاهُ لَهُ فِي نِكَاح من شَاءَ من حرَّة أَو أمة وَدفع مَا يصلح مهْرا لَهَا (فَكَذَا الْحر) يملكهُ مَعَ الطول. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز لَهُ قِيَاسا على الْحر الَّذِي تَحْتَهُ حرَّة، فَإِنَّهُ يحرم عَلَيْهِ إِجْمَاعًا، فَإِن قِيَاس نِكَاح الْحر إِيَّاهَا على نِكَاح العَبْد الْمَذْكُور (أقوى من قِيَاسه) أَي نِكَاح الْحر (على نِكَاح الْأمة على الْحرَّة بِجَامِع ارقاق مائَة مَعَ غنيته) عَن ارقاقه إِذْ الارقاق اهلاك معنى لِأَنَّهُ أثر الْكفْر وَالْكفْر موت حكما فَلَا يُبَاح إِلَّا عِنْد الْعَجز عَن نِكَاح الْحرَّة. ثمَّ علل كَونه أقوى بقوله (لِأَن أثر الْحُرِّيَّة) أَي حريَّة الناكح (فِي اتساع الْحل) بِأَن يحل لَهُ مَا شَاءَ من حرَّة أَو أمة (أقوى من) أثر لُزُوم (الرّقّ) للْمَاء (فِيهِ) أَي اتساع الْمحل: بِأَن يَنْفِيه فَلَا يَسعهُ إِلَّا نِكَاح الْحرَّة، وَإِنَّمَا حكمنَا بِكَوْن التَّأْثِير الأول أقوى (تَشْرِيفًا) للْحرّ فِي

стр. 1121

الاتساع (كَالطَّلَاقِ) فَإِن كَونه ثَلَاثًا يتبع الْحُرِّيَّة، غير أَنا اعْتبرنَا فِي جَانب الْمَرْأَة، وَالشَّافِعِيّ فِي جَانب الزَّوْج (وَالْعدة) فَإِنَّهَا فِي حق الْحرَّة ثَلَاثَة قُرُوء، وَثَلَاثَة أشهر وَأَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام. وَفِي حق الْأمة قُرْآن وَشهر وَنصف وشهران وَخَمْسَة أَيَّام (والتزوج) فَإِنَّهُ يُبَاح للْحرّ أَربع وَلِلْعَبْدِ ثِنْتَانِ. وَلَا شكّ أَن قياسنا يقوى أَثَره بِهَذِهِ الشواهد (وَكثير) مَعْطُوف على الطَّلَاق وككثير من الْأَحْكَام الْمُشْتَملَة على الاتساع تَشْرِيفًا للْحرّ من التمليكات وَغَيرهَا، فالتوسعة على العَبْد، والتضييق على الْحر قلب الْمَشْرُوع وَعكس الْمَعْقُول. وَمَا فِي التَّلْوِيح من أَن هَذَا التَّضْيِيق من بَاب الْكَرَامَة حَيْثُ منع الشريف من تزوج الخسيس مَعَ مَا فِيهِ من مَظَنَّة الارقاق: وَذَلِكَ كَمَا جَازَ نِكَاح الْمَجُوسِيَّة للْكَافِرِ دون الْمُسلم انْتهى، دفع بِأَنَّهُ لَا خسة كالكفر، وَقد جَازَ تجوز الْمُسلم الْقَادِر على الْحرَّة الْمسلمَة بِالْكَفَّارَةِ الْكِتَابِيَّة، وَفِي كَلَام المُصَنّف أَيْضا إِشَارَة إِلَى دَفعه حَيْثُ قَالَ (وَمنع) الشَّارِع من (الارقاق وَإِن تضمنه) أَي الشريف (لكنه) أَي الارقاق بتزوج الْأمة (مُنْتَفٍ لِأَن اللَّازِم) من تزَوجهَا (الِامْتِنَاع عَن) تَحْصِيل إِيجَاد (الْجُزْء) أَي الْوَلَد (الْحر) إِذْ المَاء لَا يُوصف بِالرّقِّ وَالْحريَّة، بل هُوَ قَابل لِأَن يُوجد مِنْهُ الْحر وَالرَّقِيق فَتَزَوجهَا ترك مُبَاشرَة سَبَب الْحُرِّيَّة، وَحين يخلق رَقِيقا (لَا) أَن اللَّازِم مِنْهُ (ارقاقه) أَي الْجُزْء بَان يتنقل من الْحُرِّيَّة إِلَى الرّقّ (وَلَو ادّعى أَنه) أَي الِامْتِنَاع من الْجُزْء الْحر هُوَ (المُرَاد بالارقاق نقض بِنِكَاح العَبْد الْقَادِر) على طول الْحرَّة (أمة لِأَن مَاءَهُ) إِذا خلق مِنْهُ ولد فِي الْحرَّة (حر إِذْ الرّقّ من الْأُم لَا الْأَب) وَهُوَ جَائِز اتِّفَاقًا وَالْفرق بَين الامتناعين لَا عِبْرَة بِهِ (و) نقض (بعزل الْحر) عَن أمته مُطلقًا، وَعَن زَوجته الْحرَّة بِرِضَاهَا، وبنكاح الصَّغِيرَة والعجوز والعقيم، فَإِنَّهُ اتلاف حَقِيقَة، والارقاق اتلاف حكما (وَمِنْه) أَي من التَّرْجِيح بِقُوَّة الْأَثر تَرْجِيح الْقيَاس لنفي استنان تثليث مسح الرَّأْس على الْقيَاس لاستنانه كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي، وَهُوَ مسح الرَّأْس (مسح فَلَا يثلث كالخف) أَي كمسحه فَإِنَّهُ (أقوى أثرا من قِيَاسه) وَهُوَ (ركن فيثلث كالمغسول) أَي كَغسْل الْوَجْه أَو الْيَدَيْنِ أَو الرجلَيْن، وَقَوْلنَا أقوى أثرا (بعد تَسْلِيم تَأْثِيره) أَي كَونه ركنا فِي التَّثْلِيث (فِي الأَصْل) وَهُوَ المغسول وَهُوَ مَمْنُوع. ثمَّ بَين كَونه أقوى بقوله (فَإِن شَرعه) أَي مسح الرَّأْس (مَعَ إِمْكَان) اسْتِيعَاب (شرع غسل الرَّأْس وخصوصا مَعَ عدم اسْتِيعَاب الْمحل) أَي الرَّأْس بِالْمَسْحِ فرضا (لَيْسَ إِلَّا للتَّخْفِيف) وَهُوَ فِي عدم التّكْرَار فَالْحَاصِل أَنا لَا نسلم أَن كَون الْغسْل ركنا أثر فِي تثليث المغسول، وعَلى تَقْدِير تَسْلِيم تَأْثِيره يعْتَبر فِيهِ عدم الْمَانِع وَهُوَ شَرعه للتَّخْفِيف وَهُوَ لمَانع مَوْجُود فِي مسح الرَّأْس (وَإِلَّا فقد نقض طردا وعكسا) يَعْنِي أَن كل مَا ذكرنَا كَانَ بحثا على تَقْدِير التَّسْلِيم، وَإِن لم يسلم تَأْثِير الركنية فِي التَّثْلِيث، فَهُوَ موجه بِأَنَّهُ قد نقض تَأْثِير الركنية

стр. 1122

فِيهِ من حَيْثُ الاطراد لكَون التَّثْلِيث قد يُفَارق الركنية، وَمن حَيْثُ الانعكاس لكَونه لَا يسْتَغْرق كل ركن كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لوُجُوده) أَي التَّثْلِيث (وَلَا ركن فِي الْمَضْمَضَة) الْجَار مُتَعَلق بالوجود (وَالِاسْتِنْشَاق) فَإِن شَيْئا مِنْهُمَا لَيْسَ بِرُكْن من الْوضُوء مَعَ استنان التَّثْلِيث فيهمَا (وَوُجُود الرُّكْن دونه) أَي التَّثْلِيث (كثير) فِي أَرْكَان الصَّلَاة من الْقيام وَغَيره، وأركان الْحَج إِلَى غير ذَلِك، فَلَا يَصح التَّعْلِيل بالركنية. لَا يُقَال المُرَاد الركنية فِي الْوضُوء لَا الْمُطلقَة، لِأَن الخصوصية ملغاة، لَا لتأثير الْمَفْرُوض لأصل الركنية، فَإِن التَّثْلِيث يُحَقّق الرُّكْن على وَجه الْكَمَال (وَأما الثَّبَات) أَي قُوَّة ثبات الْوَصْف على الحكم الثَّابِت بِهِ (فكثرة اعْتِبَار الْوَصْف) من الشَّارِع (فِي) جنس (الحكم) فِيهِ مُسَامَحَة، لِأَن الْكَثْرَة لَيست عين الثَّبَات بل سَببه: وَذَلِكَ بِاعْتِبَار الشَّارِع علية الْوَصْف فِي صُورَة كَثِيرَة من جنس الحكم، فَإِنَّهُ يحصل بذلك قُوَّة فِي ثُبُوت علته لَهُ (كالمسح) فَإِنَّهُ كثر اعْتِبَار الشَّارِع إِيَّاه (فِي التَّخْفِيف) الَّذِي جنس عدم التَّثْلِيث لاعتباره (فِي كل تَطْهِير غير مَعْقُول) كَونه مطهرا (كالتيمم وَمسح الْجَبِيرَة والجورب والخف) فَإِنَّهُ لم يشرع فِي شَيْء مِنْهَا التّكْرَار للتَّخْفِيف، بِخِلَاف الِاسْتِنْجَاء بِغَيْر المَاء من الْحجر وَنَحْوه، فَإِنَّهُ مسح شرع فِيهِ التّكْرَار، لِأَنَّهُ عقل فِيهِ معنى التَّطْهِير (بِخِلَاف الرُّكْن فَإِن أَثَره) أَي الرُّكْن (فِي الْإِكْمَال وَهُوَ) أَي الْإِكْمَال فِيمَا نَحن فِيهِ (الايعاب) بِالْمَسْحِ فِي الْمحل لَا التّكْرَار الَّذِي يكَاد يخرج الْمسْح من حَقِيقَته إِلَى الْغسْل (وكقولهم) أَي الْحَنَفِيَّة (فِي) صَوْم (رَمَضَان) صَوْم (مُتَعَيّن) فِي الْوَقْت الْمُتَعَيّن لَهُ (فَلَا يجب تَعْيِينه) فَيسْقط بِمُطلق نِيَّة الصَّوْم: إِذْ اليقيين اثْبتْ فِي سُقُوط التَّعْيِين من الْوَصْف الْمَذْكُور فِي قَول الشَّافِعِي صَوْم فرض الخ (وَهُوَ) أَي التَّعْيِين (وصف اعْتَبرهُ الشَّارِع) فِي سُقُوط التَّعْيِين من الْوَصْف الْمَذْكُور فِي صور كَثِيرَة كَمَا (فِي الودائع والغصوب ورد الْمَبِيع فِي) البيع (الْفَاسِد) إِلَى الْمَالِك حَتَّى لَو وجد رد هَذِه الْأَشْيَاء بِهِبَة أَو صَدَقَة أَو بيع يَقع عَن الْجِهَة الْمُسْتَحقَّة لتعين الْمحل لذَلِك شرعا (وَالْإِيمَان بِاللَّه) وَمَا يجب الْإِيمَان بِهِ فَإِنَّهُ (لَا يشْتَرط) فِي خُرُوجه بِهِ عَن عُهْدَة الْفَرْض (تعْيين نِيَّة الْفَرْض بِهِ) أَي بِالْإِيمَان: أَو بِشَيْء مِمَّا ذكر من رد الْمَذْكُورَات وَالْإِيمَان مَعَ أَنه أقوى الْفَرَائِض يحصل الِامْتِثَال بالمأمور بِهِ على أَي وَجه يَأْتِي بِهِ، وَكَذَا الْحَج يَصح بِمُطلق النِّيَّة وَنِيَّة النَّفْل عِنْده (وَأما كَثْرَة الْأُصُول الَّتِي يُوجد فِيهَا جنس الْوَصْف) فِي عين الحكم أَو جنسه (أَو عينه) أَي الْوَصْف فِي جنس الحكم أَو عينه (على مَا ذكرنَا للشَّافِعِيَّة) فِي الْمَقْصد الأول فِي تَقْسِيم الْعلَّة (فَقيل لَا ترجح) للوصف الْمُشْتَمل على كَثْرَة الْأُصُول على الْوَصْف العاري عَنْهَا، وَهَذَا القَوْل مَنْسُوب إِلَى بعض أَصْحَابنَا وَأَصْحَاب الشَّافِعِي (لِأَنَّهُ) أَي التَّرْجِيح بهَا (ككثرة الروَاة) أَي كالترجيح بهَا إِذا لم يبلغُوا حد الشُّهْرَة أَو التَّوَاتُر فَإِن الْخَبَر لَا يرجح

стр. 1123

بهَا فَكَذَا لَا يرجح بِكَثْرَة الْأُصُول (وَلِأَن كل أصل كعلة) على حِدة (فبالقياس) أَي فالترجيح بِكَثْرَة الْأُصُول تَرْجِيح بِالْقِيَاسِ للْقِيَاس وَهُوَ المُرَاد بالترجيح بِكَثْرَة الْعِلَل، وَهُوَ غير جَائِز. (وَالْمُخْتَار) كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور (نعم) ترجح (لِأَن مرجعه) أَي التَّرْجِيح بهَا (اشتهار الدَّلِيل أَي الْوَصْف) الْمُعْتَبرَة عليته فِي أصُول كَثِيرَة (كالخبر المشتهر) أَي كاشتهاره، فَكَمَا رجح اشتهار ذَلِك الْخَبَر رجح اشتهار هَذَا الدَّلِيل (فازداد) بِكَثْرَة الْأُصُول للوصف (ظن اعْتِبَار الشَّارِع حكمه) أَي حكم ذَلِك الْوَصْف (بِخِلَاف مَا إِذا لم يبلغهَا) أَي بِخِلَاف الْوَصْف إِذا لم يبلغ بِكَثْرَة الْأُصُول الشُّهْرَة لما عرفت من أَن الْمُرَجح فِي الْحَقِيقَة الاشتهار، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْمُخْتَار مُقَيّد بِهَذَا الْقَيْد وَالشَّارِح لم يُقَيِّدهُ، وَفَسرهُ بِمَا إِذا لم يبلغ الْوَصْف كَثْرَة الْأُصُول، وَلَا يخفى مَا فِيهِ من أَن كَثْرَة الْأُصُول إِذا لم تبلغه الشُّهْرَة لم تلتحق بالْخبر المشتهر فَتَأمل، وَذَلِكَ (كالمسح) فَإِنَّهُ وصف يشْهد لتأثيره (فِي التَّخْفِيف) وَعدم التَّثْلِيث أصُول كَثِيرَة إِذْ (يُوجد) أَي الْمسْح مؤثرا فِي التَّخْفِيف (فِي التَّيَمُّم)، وَمَا ذكرنَا) من مسح الْجَبِيرَة والجورب والخف (فيترجح) تَأْثِيره فِي التَّخْفِيف (على تَأْثِير وصف الركنية فِي التَّثْلِيث فَلِذَا) أَي لكَون الْمسْح وَنَحْوه بِاعْتِبَار تَأْثِيره فِي التَّخْفِيف مِثَالا للثبات وَكَثْرَة الْأُصُول (قيل) وَالْقَائِل فَخر الْإِسْلَام وَصدر الشَّرِيعَة (هُوَ) أَي هَذَا الثَّالِث (قريب من الثَّانِي) غير أَن الملحوظ فِي الثَّالِث جَانب الْمُؤثر، وَفِي الثَّانِي الْأَثر (وَالْحق أَن الثَّلَاثَة): قُوَّة الْأَثر، والثبات، وَكَثْرَة الْأُصُول (ترجع إِلَى قُوَّة الْأَثر، والتفرقة) بَينهَا (بِالِاعْتِبَارِ، فَهُوَ) أَي الأول، وَهُوَ قُوَّة الْأَثر (بِالنّظرِ إِلَى) نفس (الْوَصْف، والثبات) بِالنّظرِ (إِلَى الحكم وَكَثْرَة الْأُصُول) بِالنّظرِ (إِلَى الأَصْل) وَعَزاهُ سراج الدّين إِلَى الْمُحَقِّقين. وَعَن السَّرخسِيّ وَأبي زيد مَا يقرب من هَذَا (وَأما الْعَكْس) وَيُسمى الانعكاس أَيْضا وَهُوَ عدم الحكم عِنْد عدم الْعلَّة لَا عِبْرَة بِهِ عِنْد بعض الْمُتَأَخِّرين فَلَا يصلح مرجحا. ومختار عَامَّة الْأُصُولِيِّينَ أَنه يصلح لكنه ضَعِيف كَمَا سَيَأْتِي، لم يذكر جَوَاب أما فَكَأَنَّهُ مُقَدّر مثل فَحكمه فِيمَا سَنذكرُهُ (كمسح) أَي كَقَوْلِنَا فِي مسح الرَّأْس هُوَ مسح لم يعقل فِيهِ معنى التَّطْهِير (فَلَا يسن تكراره، بِخِلَاف) قَول الشَّافِعِي هُوَ (ركن فيكرر لِأَنَّهُ) أَي التّكْرَار (يُوجد مَعَ عَدمه) أَي الرُّكْن (كَمَا ذكرنَا) من الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق، بِخِلَاف عدم التّكْرَار فِي الْمسْح فَأَنَّهُ لَا يُوجد مَعَ عدم الْمسْح الْمَذْكُور، فترجح قياسنا لانعكاسه فَإِن قلت: إِذا حصل الانقاء فِي الِاسْتِنْجَاء بِمرَّة لَا يسن التّكْرَار، فتحقق عدم التّكْرَار فِي الْمسْح مَعَ أَنه يعقل فِيهِ معنى التَّطْهِير قلت بعد حُصُول كَون الانقاء لَا نسلم معقولية التَّطْهِير بِالْمَسْحِ بعده فَتدبر (وَقَوْلنَا فِي بيع الطَّعَام الْمعِين) كالحنطة بِالطَّعَامِ الْمعِين كل مِنْهُمَا (مَبِيع معِين فَلَا يشْتَرط قَبضه) فِي الْمجْلس كَمَا فِي سَائِر المبيعات الْمعينَة إِذا

стр. 1124

بِيعَتْ بِمِثْلِهَا (أولى من) قَول الشَّافِعِي يشْتَرط قَبضه لِأَن كل مِنْهُمَا (مَال لَو قوبل بِجِنْسِهِ حرم التَّفَاضُل) كَمَا أَن الذَّهَب وَالْفِضَّة لَو قوبل بِجِنْسِهِ حرم التَّفَاضُل وَاشْترط الْقَبْض، وَإِنَّمَا قُلْنَا أولى (إِذْ لَا ينعكس) قَوْله إِلَى كل مَا لَو قوبل بِجِنْسِهِ لَا يحرم التَّفَاضُل لَا يشْتَرط فِيهِ الْقَبْض (لاشْتِرَاط قبض رَأس مَال السّلم) حَال كَونه (غير رِبَوِيّ) من ثِيَاب وَغَيرهَا، مَعَ أَنه لَو قوبل بِجِنْسِهِ لَا يحرم التَّفَاضُل (بِخِلَاف الأول) وَهُوَ قَوْلنَا مَبِيع الخ (إِذْ كلما انْتَفَى) الْوَصْف الَّذِي هُوَ التَّعْيِين (انْتَفَى) الحكم الَّذِي هُوَ عدم اشْتِرَاط الْقَبْض (وَلذَا) أَي وَلكَون التَّعْيِين عِلّة عدم اشْتِرَاط الْقَبْض المستلزم كَون عدم التعين عِلّة اشْتِرَاطه (لزم الْقَبْض فِي الصّرْف) وَهُوَ بيع جنس الْأَثْمَان بَعْضهَا بِبَعْض كَبيع الدَّرَاهِم بِالدَّرَاهِمِ أَو بِالذَّهَب (لِأَن النَّقْد لَا يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ) فَلَو صَحَّ بِدُونِ الْقَبْض لَكَانَ بيع دين بدين وَهُوَ غير جَائِز (و) فِي (السّلم لانْتِفَاء تعْيين الْمَبِيع) وَهُوَ الْمُسلم فِيهِ لكَونه دينا، فاشتراط الْقَبْض لرأس المَال لعدم التعين فَإِن قلت: الشَّافِعِي يَقُول بتعين النُّقُود بِالتَّعْيِينِ فَلَا يتم الْإِلْزَام عَلَيْهِ قلت يتم عَلَيْهِ نظرا إِلَى دَلِيل عدم تعينها بِهِ وَأورد أَيْضا أَن الْمَبِيع فِي بيع إِنَاء فضَّة أَو ذهب بِإِنَاء كَذَلِك يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ، وَمَعَ ذَلِك يشْتَرط قَبضه فِي الْمجْلس وَبِأَن رَأس مَال السّلم إِذا كَانَ ثوبا بِعَيْنِه شَرط قَبضه فِي الْمجْلس أَيْضا مَعَ أَنه مُتَعَيّن بِنَفسِهِ وَأجِيب بِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي فيهمَا عدم اشْتِرَاط الْقَبْض غير أَنه لما كَانَ الأَصْل فِي الصّرْف وَالسّلم ورودهما على الدّين بِالدّينِ وَرُبمَا يَقع على غير ذَلِك، ويتعذر على عَامَّة التُّجَّار معرفَة مَا يتَعَيَّن وَمَا لَا يتَعَيَّن اشْترط الْقَبْض فيهمَا مُطلقًا احْتِيَاطًا وتيسيرا فَإِن قيل: الْمَبِيع فِي السّلم الْمُسلم فِيهِ وَلَيْسَ بمقبوض، والمقبوض رَأس المَال وَلَيْسَ بمبيع أُجِيب بِأَن المُرَاد كل مَبِيع مُتَعَيّن لَا يشْتَرط قبض بدله، وينعكس إِلَى كل مَبِيع غير مُتَعَيّن يشْتَرط قبض بدله، أَو كل مَبِيع يتَعَيَّن فِيهِ الْمَبِيع، وَالثمن لَا يشْتَرط فِيهِ الْقَبْض أصلا وَيشْتَرط فِي كل مَبِيع لَا يتعينان فِيهِ يشْتَرط الْقَبْض فِي الْجُمْلَة فَلْيتَأَمَّل. (وَهَذَا) أَي الْعَكْس (أضعفها) أَي الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة (لِأَن الحكم يثبت بعلل شَتَّى) فَيجوز أَن يُوجد مَعَ انْتِفَاء عِلّة مُعينَة لثُبُوته بغَيْرهَا، فَإِن انْتِفَاء الْخَاص لَا يسْتَلْزم انْتِفَاء الْعَام، غير أَنه إِذا كَانَ بَين الحكم وَالْعلَّة تلازم وجودا وعدما كَانَ دَلِيلا على وكادة اتِّصَاله بهَا فيصلح مرجحا على مَا لَيْسَ بِهَذِهِ المثابة وَيظْهر ضعفه إِذا عَارضه مُرَجّح من الثَّلَاثَة السَّابِقَة (وابتنى على مَا سلف) فِي فصل التَّرْجِيح (من عدم التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة والرواة) عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف (أَن لَا يرجح قِيَاس) فَاعل ابتنى (بآخر) مُتَعَلق بترجح: أَي بِقِيَاس آخر (بِأَن خَالفه) ذَلِك الْقيَاس المنضم إِلَيْهِ (فِي الْعلَّة) مُتَعَلق بخالفة (لَا الحكم على معارضه) أَي على قِيَاس معَارض لَهُ، لِأَنَّهُ لَا تَرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة (وَلَو اتفقَا) أَي الْقيَاس المنضم إِلَيْهِ والمنضم (فِيهَا) أَي الْعلَّة كَمَا

стр. 1125

فِي الحكم (كَانَ) التَّرْجِيح بِسَبَب هَذَا الِاتِّفَاق (من) قبيل (كَثْرَة الْأُصُول لَا) من كَثْرَة (الْأَدِلَّة) لِأَن الدَّلِيل فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ الْعلَّة، وَلَا تعدد فِيهِ، لَا الأَصْل الَّذِي تتَحَقَّق الْعلَّة فِيهِ، فتعدده من غير تعددها لَا يُوجب تعدد الدَّلِيل (فيرجح) الْقيَاس المنضم إِلَيْهِ ذَلِك (على مخالفه) لِأَن كَثْرَة الْأُصُول مُرَجّح صَحِيح (وَكَذَا كل مَا يصلح عِلّة) مُسْتَقلَّة للْحكم (لَا يصلح مرجحا) لعِلَّة مُسْتَقلَّة أُخْرَى لذَلِك الحكم على عِلّة مُعَارضَة لَهَا، إِذْ تقوى الشَّيْء إِنَّمَا يكون بِصفة فِي ذَاته تَابِعَة لَهُ، والمستقل لاستقالته لَا يضم إِلَى الآخر، وَقد يُقَال كَونه بِحَيْثُ وَافقه الآخر وصف لَهُ فَيجوز أَن يعْتَبر مرجحا لَهُ فَتَأمل (فَلم يتَفَاوَت بتفاوت الْملك للشفيعين) كَمَا إِذا كَانَ لأَحَدهمَا ثلث الدَّار وَللْآخر سدسها (مَا يشفعان فِيهِ) وَهُوَ النّصْف الآخر مِنْهَا فالموصول فَاعل لم يتَفَاوَت يَعْنِي إِذا بَاعَ مَالك النّصْف نصِيبه وطلبا أَخذه بِالشُّفْعَة لَيْسَ لصَاحب الثُّلُث مزية على صَاحب السُّدس فِي الِاسْتِحْقَاق، لِأَن كل جُزْء من أَجزَاء نصيبهما عِلّة مُسْتَقلَّة فِي اسْتِحْقَاق جَمِيع الْمَبِيع، وَلَيْسَ فِي جَانب صَاحب الثُّلُث إِلَّا كَثْرَة الْعلَّة وَهِي لَا تصلح للترجيح (خلافًا للشَّافِعِيّ) فَإِن عِنْده يكون الْمَبِيع بَينهمَا أَثلَاثًا ثُلُثَاهُ لصَاحب الثُّلُث. (قَالَ) الشَّافِعِي (هِيَ) أَي الشُّفْعَة (من مرافق الْملك) أَي مَنَافِعه (كَالْوَلَدِ) للحيوان (وَالثَّمَرَة) للشجرة المشتركين بَينهمَا فتقسم بِقدر الْملك (أُجِيب بِأَن ذَلِك) انقسام الْمَعْلُول بِحَسب التَّفَاوُت إِنَّمَا هُوَ فِي أَجزَاء الْعلَّة (فِي الْعِلَل المادية) وَهِي الْأَجْسَام الَّتِي يتَوَلَّد مِنْهَا جسم كالحيوان وَالشَّجر (وَعلة الْقيَاس) أَي الْعلَّة الْمُعْتَبرَة فِي الْقيَاس لَيست مِنْهَا، بل هِيَ عِلّة (كالفاعلية) أَي كالعلة المؤثرة فِي الْعِلَل الْعَقْلِيَّة بِاعْتِبَار التَّأْثِير، وَإِن اخْتلفَا فِي كَيْفيَّة التَّأْثِير كَمَا عرفت، وَقد تقرر أَن تَأْثِير الْعلَّة الفاعلية لَيْسَ بطرِيق التولد، بل بإيجاد الله تَعَالَى إِيَّاه عقبه (وَقد جعل الشَّارِع الْملك عِلّة للشفعة قَلِيله وَكَثِيره) بِالنّصب بَدَلا من الْملك (فَجعل كل جُزْء من الْعلَّة) وَهِي ملك الشَّفِيع (عِلّة لجزء من الْمَعْلُول) وَهُوَ مَا يسْتَحقّهُ الشَّفِيع بِالشُّفْعَة حَتَّى يلْزم بِزِيَادَة الْأَجْزَاء فِي جَانب الْعلَّة زيادتها فِي جَانب الْمَعْلُول (نصب الشَّرْع بِالرَّأْيِ) من غير نَص أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس، لِأَنَّهُ لَيْسَ من ضَرُورَة جعل الْملك مُطلقًا عِلّة للاستحقاق. وَالْفرق بَين الْقَلِيل مِنْهُ وَالْكثير، بل الْإِطْلَاق يُنَاسِبه التَّسْوِيَة بَينهمَا، كَيفَ وَالْحكم فِيهِ دفع ضَرَر الْجوَار، وضرر صَاحب الْقَلِيل مثل ضَرَر صَاحب الْكثير، وَلَو نوقشي فِيهِ قُلْنَا: لَا يثبت الحكم بالتفرقة بِهَذَا الْقدر الْمَشْكُوك فِي اعْتِبَاره عِنْد الشَّارِع مَعَ كَون التَّسْوِيَة تناسب الْإِطْلَاق (وَلَو عجز) الْمُجْتَهد (عَن التَّرْجِيح) لأحد القياسين (عمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ بِشَهَادَة قلبه) على مَا مر بَيَانه فِي فصل التَّعَارُض (وَقَابَلُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (أَرْبَعَة الصِّحَّة) أَي الْوُجُوه الْأَرْبَعَة الصَّحِيحَة الْمَذْكُورَة للترجيح (بأَرْبعَة) من وجوهه (فَاسِدَة): أَحدهَا (التَّرْجِيح بِمَا يصلح عِلّة مُسْتَقلَّة)
следующие страницы →