← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6327

تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه

أمير باد شاه

Полный текст (1 287 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الاتساع (كَالطَّلَاقِ) فَإِن كَونه ثَلَاثًا يتبع الْحُرِّيَّة، غير أَنا اعْتبرنَا فِي جَانب الْمَرْأَة، وَالشَّافِعِيّ فِي جَانب الزَّوْج (وَالْعدة) فَإِنَّهَا فِي حق الْحرَّة ثَلَاثَة قُرُوء، وَثَلَاثَة أشهر وَأَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام. وَفِي حق الْأمة قُرْآن وَشهر وَنصف وشهران وَخَمْسَة أَيَّام (والتزوج) فَإِنَّهُ يُبَاح للْحرّ أَربع وَلِلْعَبْدِ ثِنْتَانِ. وَلَا شكّ أَن قياسنا يقوى أَثَره بِهَذِهِ الشواهد (وَكثير) مَعْطُوف على الطَّلَاق وككثير من الْأَحْكَام الْمُشْتَملَة على الاتساع تَشْرِيفًا للْحرّ من التمليكات وَغَيرهَا، فالتوسعة على العَبْد، والتضييق على الْحر قلب الْمَشْرُوع وَعكس الْمَعْقُول. وَمَا فِي التَّلْوِيح من أَن هَذَا التَّضْيِيق من بَاب الْكَرَامَة حَيْثُ منع الشريف من تزوج الخسيس مَعَ مَا فِيهِ من مَظَنَّة الارقاق: وَذَلِكَ كَمَا جَازَ نِكَاح الْمَجُوسِيَّة للْكَافِرِ دون الْمُسلم انْتهى، دفع بِأَنَّهُ لَا خسة كالكفر، وَقد جَازَ تجوز الْمُسلم الْقَادِر على الْحرَّة الْمسلمَة بِالْكَفَّارَةِ الْكِتَابِيَّة، وَفِي كَلَام المُصَنّف أَيْضا إِشَارَة إِلَى دَفعه حَيْثُ قَالَ (وَمنع) الشَّارِع من (الارقاق وَإِن تضمنه) أَي الشريف (لكنه) أَي الارقاق بتزوج الْأمة (مُنْتَفٍ لِأَن اللَّازِم) من تزَوجهَا (الِامْتِنَاع عَن) تَحْصِيل إِيجَاد (الْجُزْء) أَي الْوَلَد (الْحر) إِذْ المَاء لَا يُوصف بِالرّقِّ وَالْحريَّة، بل هُوَ قَابل لِأَن يُوجد مِنْهُ الْحر وَالرَّقِيق فَتَزَوجهَا ترك مُبَاشرَة سَبَب الْحُرِّيَّة، وَحين يخلق رَقِيقا (لَا) أَن اللَّازِم مِنْهُ (ارقاقه) أَي الْجُزْء بَان يتنقل من الْحُرِّيَّة إِلَى الرّقّ (وَلَو ادّعى أَنه) أَي الِامْتِنَاع من الْجُزْء الْحر هُوَ (المُرَاد بالارقاق نقض بِنِكَاح العَبْد الْقَادِر) على طول الْحرَّة (أمة لِأَن مَاءَهُ) إِذا خلق مِنْهُ ولد فِي الْحرَّة (حر إِذْ الرّقّ من الْأُم لَا الْأَب) وَهُوَ جَائِز اتِّفَاقًا وَالْفرق بَين الامتناعين لَا عِبْرَة بِهِ (و) نقض (بعزل الْحر) عَن أمته مُطلقًا، وَعَن زَوجته الْحرَّة بِرِضَاهَا، وبنكاح الصَّغِيرَة والعجوز والعقيم، فَإِنَّهُ اتلاف حَقِيقَة، والارقاق اتلاف حكما (وَمِنْه) أَي من التَّرْجِيح بِقُوَّة الْأَثر تَرْجِيح الْقيَاس لنفي استنان تثليث مسح الرَّأْس على الْقيَاس لاستنانه كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي، وَهُوَ مسح الرَّأْس (مسح فَلَا يثلث كالخف) أَي كمسحه فَإِنَّهُ (أقوى أثرا من قِيَاسه) وَهُوَ (ركن فيثلث كالمغسول) أَي كَغسْل الْوَجْه أَو الْيَدَيْنِ أَو الرجلَيْن، وَقَوْلنَا أقوى أثرا (بعد تَسْلِيم تَأْثِيره) أَي كَونه ركنا فِي التَّثْلِيث (فِي الأَصْل) وَهُوَ المغسول وَهُوَ مَمْنُوع. ثمَّ بَين كَونه أقوى بقوله (فَإِن شَرعه) أَي مسح الرَّأْس (مَعَ إِمْكَان) اسْتِيعَاب (شرع غسل الرَّأْس وخصوصا مَعَ عدم اسْتِيعَاب الْمحل) أَي الرَّأْس بِالْمَسْحِ فرضا (لَيْسَ إِلَّا للتَّخْفِيف) وَهُوَ فِي عدم التّكْرَار فَالْحَاصِل أَنا لَا نسلم أَن كَون الْغسْل ركنا أثر فِي تثليث المغسول، وعَلى تَقْدِير تَسْلِيم تَأْثِيره يعْتَبر فِيهِ عدم الْمَانِع وَهُوَ شَرعه للتَّخْفِيف وَهُوَ لمَانع مَوْجُود فِي مسح الرَّأْس (وَإِلَّا فقد نقض طردا وعكسا) يَعْنِي أَن كل مَا ذكرنَا كَانَ بحثا على تَقْدِير التَّسْلِيم، وَإِن لم يسلم تَأْثِير الركنية فِي التَّثْلِيث، فَهُوَ موجه بِأَنَّهُ قد نقض تَأْثِير الركنية

стр. 1122

فِيهِ من حَيْثُ الاطراد لكَون التَّثْلِيث قد يُفَارق الركنية، وَمن حَيْثُ الانعكاس لكَونه لَا يسْتَغْرق كل ركن كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لوُجُوده) أَي التَّثْلِيث (وَلَا ركن فِي الْمَضْمَضَة) الْجَار مُتَعَلق بالوجود (وَالِاسْتِنْشَاق) فَإِن شَيْئا مِنْهُمَا لَيْسَ بِرُكْن من الْوضُوء مَعَ استنان التَّثْلِيث فيهمَا (وَوُجُود الرُّكْن دونه) أَي التَّثْلِيث (كثير) فِي أَرْكَان الصَّلَاة من الْقيام وَغَيره، وأركان الْحَج إِلَى غير ذَلِك، فَلَا يَصح التَّعْلِيل بالركنية. لَا يُقَال المُرَاد الركنية فِي الْوضُوء لَا الْمُطلقَة، لِأَن الخصوصية ملغاة، لَا لتأثير الْمَفْرُوض لأصل الركنية، فَإِن التَّثْلِيث يُحَقّق الرُّكْن على وَجه الْكَمَال (وَأما الثَّبَات) أَي قُوَّة ثبات الْوَصْف على الحكم الثَّابِت بِهِ (فكثرة اعْتِبَار الْوَصْف) من الشَّارِع (فِي) جنس (الحكم) فِيهِ مُسَامَحَة، لِأَن الْكَثْرَة لَيست عين الثَّبَات بل سَببه: وَذَلِكَ بِاعْتِبَار الشَّارِع علية الْوَصْف فِي صُورَة كَثِيرَة من جنس الحكم، فَإِنَّهُ يحصل بذلك قُوَّة فِي ثُبُوت علته لَهُ (كالمسح) فَإِنَّهُ كثر اعْتِبَار الشَّارِع إِيَّاه (فِي التَّخْفِيف) الَّذِي جنس عدم التَّثْلِيث لاعتباره (فِي كل تَطْهِير غير مَعْقُول) كَونه مطهرا (كالتيمم وَمسح الْجَبِيرَة والجورب والخف) فَإِنَّهُ لم يشرع فِي شَيْء مِنْهَا التّكْرَار للتَّخْفِيف، بِخِلَاف الِاسْتِنْجَاء بِغَيْر المَاء من الْحجر وَنَحْوه، فَإِنَّهُ مسح شرع فِيهِ التّكْرَار، لِأَنَّهُ عقل فِيهِ معنى التَّطْهِير (بِخِلَاف الرُّكْن فَإِن أَثَره) أَي الرُّكْن (فِي الْإِكْمَال وَهُوَ) أَي الْإِكْمَال فِيمَا نَحن فِيهِ (الايعاب) بِالْمَسْحِ فِي الْمحل لَا التّكْرَار الَّذِي يكَاد يخرج الْمسْح من حَقِيقَته إِلَى الْغسْل (وكقولهم) أَي الْحَنَفِيَّة (فِي) صَوْم (رَمَضَان) صَوْم (مُتَعَيّن) فِي الْوَقْت الْمُتَعَيّن لَهُ (فَلَا يجب تَعْيِينه) فَيسْقط بِمُطلق نِيَّة الصَّوْم: إِذْ اليقيين اثْبتْ فِي سُقُوط التَّعْيِين من الْوَصْف الْمَذْكُور فِي قَول الشَّافِعِي صَوْم فرض الخ (وَهُوَ) أَي التَّعْيِين (وصف اعْتَبرهُ الشَّارِع) فِي سُقُوط التَّعْيِين من الْوَصْف الْمَذْكُور فِي صور كَثِيرَة كَمَا (فِي الودائع والغصوب ورد الْمَبِيع فِي) البيع (الْفَاسِد) إِلَى الْمَالِك حَتَّى لَو وجد رد هَذِه الْأَشْيَاء بِهِبَة أَو صَدَقَة أَو بيع يَقع عَن الْجِهَة الْمُسْتَحقَّة لتعين الْمحل لذَلِك شرعا (وَالْإِيمَان بِاللَّه) وَمَا يجب الْإِيمَان بِهِ فَإِنَّهُ (لَا يشْتَرط) فِي خُرُوجه بِهِ عَن عُهْدَة الْفَرْض (تعْيين نِيَّة الْفَرْض بِهِ) أَي بِالْإِيمَان: أَو بِشَيْء مِمَّا ذكر من رد الْمَذْكُورَات وَالْإِيمَان مَعَ أَنه أقوى الْفَرَائِض يحصل الِامْتِثَال بالمأمور بِهِ على أَي وَجه يَأْتِي بِهِ، وَكَذَا الْحَج يَصح بِمُطلق النِّيَّة وَنِيَّة النَّفْل عِنْده (وَأما كَثْرَة الْأُصُول الَّتِي يُوجد فِيهَا جنس الْوَصْف) فِي عين الحكم أَو جنسه (أَو عينه) أَي الْوَصْف فِي جنس الحكم أَو عينه (على مَا ذكرنَا للشَّافِعِيَّة) فِي الْمَقْصد الأول فِي تَقْسِيم الْعلَّة (فَقيل لَا ترجح) للوصف الْمُشْتَمل على كَثْرَة الْأُصُول على الْوَصْف العاري عَنْهَا، وَهَذَا القَوْل مَنْسُوب إِلَى بعض أَصْحَابنَا وَأَصْحَاب الشَّافِعِي (لِأَنَّهُ) أَي التَّرْجِيح بهَا (ككثرة الروَاة) أَي كالترجيح بهَا إِذا لم يبلغُوا حد الشُّهْرَة أَو التَّوَاتُر فَإِن الْخَبَر لَا يرجح

стр. 1123

بهَا فَكَذَا لَا يرجح بِكَثْرَة الْأُصُول (وَلِأَن كل أصل كعلة) على حِدة (فبالقياس) أَي فالترجيح بِكَثْرَة الْأُصُول تَرْجِيح بِالْقِيَاسِ للْقِيَاس وَهُوَ المُرَاد بالترجيح بِكَثْرَة الْعِلَل، وَهُوَ غير جَائِز. (وَالْمُخْتَار) كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور (نعم) ترجح (لِأَن مرجعه) أَي التَّرْجِيح بهَا (اشتهار الدَّلِيل أَي الْوَصْف) الْمُعْتَبرَة عليته فِي أصُول كَثِيرَة (كالخبر المشتهر) أَي كاشتهاره، فَكَمَا رجح اشتهار ذَلِك الْخَبَر رجح اشتهار هَذَا الدَّلِيل (فازداد) بِكَثْرَة الْأُصُول للوصف (ظن اعْتِبَار الشَّارِع حكمه) أَي حكم ذَلِك الْوَصْف (بِخِلَاف مَا إِذا لم يبلغهَا) أَي بِخِلَاف الْوَصْف إِذا لم يبلغ بِكَثْرَة الْأُصُول الشُّهْرَة لما عرفت من أَن الْمُرَجح فِي الْحَقِيقَة الاشتهار، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْمُخْتَار مُقَيّد بِهَذَا الْقَيْد وَالشَّارِح لم يُقَيِّدهُ، وَفَسرهُ بِمَا إِذا لم يبلغ الْوَصْف كَثْرَة الْأُصُول، وَلَا يخفى مَا فِيهِ من أَن كَثْرَة الْأُصُول إِذا لم تبلغه الشُّهْرَة لم تلتحق بالْخبر المشتهر فَتَأمل، وَذَلِكَ (كالمسح) فَإِنَّهُ وصف يشْهد لتأثيره (فِي التَّخْفِيف) وَعدم التَّثْلِيث أصُول كَثِيرَة إِذْ (يُوجد) أَي الْمسْح مؤثرا فِي التَّخْفِيف (فِي التَّيَمُّم)، وَمَا ذكرنَا) من مسح الْجَبِيرَة والجورب والخف (فيترجح) تَأْثِيره فِي التَّخْفِيف (على تَأْثِير وصف الركنية فِي التَّثْلِيث فَلِذَا) أَي لكَون الْمسْح وَنَحْوه بِاعْتِبَار تَأْثِيره فِي التَّخْفِيف مِثَالا للثبات وَكَثْرَة الْأُصُول (قيل) وَالْقَائِل فَخر الْإِسْلَام وَصدر الشَّرِيعَة (هُوَ) أَي هَذَا الثَّالِث (قريب من الثَّانِي) غير أَن الملحوظ فِي الثَّالِث جَانب الْمُؤثر، وَفِي الثَّانِي الْأَثر (وَالْحق أَن الثَّلَاثَة): قُوَّة الْأَثر، والثبات، وَكَثْرَة الْأُصُول (ترجع إِلَى قُوَّة الْأَثر، والتفرقة) بَينهَا (بِالِاعْتِبَارِ، فَهُوَ) أَي الأول، وَهُوَ قُوَّة الْأَثر (بِالنّظرِ إِلَى) نفس (الْوَصْف، والثبات) بِالنّظرِ (إِلَى الحكم وَكَثْرَة الْأُصُول) بِالنّظرِ (إِلَى الأَصْل) وَعَزاهُ سراج الدّين إِلَى الْمُحَقِّقين. وَعَن السَّرخسِيّ وَأبي زيد مَا يقرب من هَذَا (وَأما الْعَكْس) وَيُسمى الانعكاس أَيْضا وَهُوَ عدم الحكم عِنْد عدم الْعلَّة لَا عِبْرَة بِهِ عِنْد بعض الْمُتَأَخِّرين فَلَا يصلح مرجحا. ومختار عَامَّة الْأُصُولِيِّينَ أَنه يصلح لكنه ضَعِيف كَمَا سَيَأْتِي، لم يذكر جَوَاب أما فَكَأَنَّهُ مُقَدّر مثل فَحكمه فِيمَا سَنذكرُهُ (كمسح) أَي كَقَوْلِنَا فِي مسح الرَّأْس هُوَ مسح لم يعقل فِيهِ معنى التَّطْهِير (فَلَا يسن تكراره، بِخِلَاف) قَول الشَّافِعِي هُوَ (ركن فيكرر لِأَنَّهُ) أَي التّكْرَار (يُوجد مَعَ عَدمه) أَي الرُّكْن (كَمَا ذكرنَا) من الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق، بِخِلَاف عدم التّكْرَار فِي الْمسْح فَأَنَّهُ لَا يُوجد مَعَ عدم الْمسْح الْمَذْكُور، فترجح قياسنا لانعكاسه فَإِن قلت: إِذا حصل الانقاء فِي الِاسْتِنْجَاء بِمرَّة لَا يسن التّكْرَار، فتحقق عدم التّكْرَار فِي الْمسْح مَعَ أَنه يعقل فِيهِ معنى التَّطْهِير قلت بعد حُصُول كَون الانقاء لَا نسلم معقولية التَّطْهِير بِالْمَسْحِ بعده فَتدبر (وَقَوْلنَا فِي بيع الطَّعَام الْمعِين) كالحنطة بِالطَّعَامِ الْمعِين كل مِنْهُمَا (مَبِيع معِين فَلَا يشْتَرط قَبضه) فِي الْمجْلس كَمَا فِي سَائِر المبيعات الْمعينَة إِذا

стр. 1124

بِيعَتْ بِمِثْلِهَا (أولى من) قَول الشَّافِعِي يشْتَرط قَبضه لِأَن كل مِنْهُمَا (مَال لَو قوبل بِجِنْسِهِ حرم التَّفَاضُل) كَمَا أَن الذَّهَب وَالْفِضَّة لَو قوبل بِجِنْسِهِ حرم التَّفَاضُل وَاشْترط الْقَبْض، وَإِنَّمَا قُلْنَا أولى (إِذْ لَا ينعكس) قَوْله إِلَى كل مَا لَو قوبل بِجِنْسِهِ لَا يحرم التَّفَاضُل لَا يشْتَرط فِيهِ الْقَبْض (لاشْتِرَاط قبض رَأس مَال السّلم) حَال كَونه (غير رِبَوِيّ) من ثِيَاب وَغَيرهَا، مَعَ أَنه لَو قوبل بِجِنْسِهِ لَا يحرم التَّفَاضُل (بِخِلَاف الأول) وَهُوَ قَوْلنَا مَبِيع الخ (إِذْ كلما انْتَفَى) الْوَصْف الَّذِي هُوَ التَّعْيِين (انْتَفَى) الحكم الَّذِي هُوَ عدم اشْتِرَاط الْقَبْض (وَلذَا) أَي وَلكَون التَّعْيِين عِلّة عدم اشْتِرَاط الْقَبْض المستلزم كَون عدم التعين عِلّة اشْتِرَاطه (لزم الْقَبْض فِي الصّرْف) وَهُوَ بيع جنس الْأَثْمَان بَعْضهَا بِبَعْض كَبيع الدَّرَاهِم بِالدَّرَاهِمِ أَو بِالذَّهَب (لِأَن النَّقْد لَا يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ) فَلَو صَحَّ بِدُونِ الْقَبْض لَكَانَ بيع دين بدين وَهُوَ غير جَائِز (و) فِي (السّلم لانْتِفَاء تعْيين الْمَبِيع) وَهُوَ الْمُسلم فِيهِ لكَونه دينا، فاشتراط الْقَبْض لرأس المَال لعدم التعين فَإِن قلت: الشَّافِعِي يَقُول بتعين النُّقُود بِالتَّعْيِينِ فَلَا يتم الْإِلْزَام عَلَيْهِ قلت يتم عَلَيْهِ نظرا إِلَى دَلِيل عدم تعينها بِهِ وَأورد أَيْضا أَن الْمَبِيع فِي بيع إِنَاء فضَّة أَو ذهب بِإِنَاء كَذَلِك يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ، وَمَعَ ذَلِك يشْتَرط قَبضه فِي الْمجْلس وَبِأَن رَأس مَال السّلم إِذا كَانَ ثوبا بِعَيْنِه شَرط قَبضه فِي الْمجْلس أَيْضا مَعَ أَنه مُتَعَيّن بِنَفسِهِ وَأجِيب بِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي فيهمَا عدم اشْتِرَاط الْقَبْض غير أَنه لما كَانَ الأَصْل فِي الصّرْف وَالسّلم ورودهما على الدّين بِالدّينِ وَرُبمَا يَقع على غير ذَلِك، ويتعذر على عَامَّة التُّجَّار معرفَة مَا يتَعَيَّن وَمَا لَا يتَعَيَّن اشْترط الْقَبْض فيهمَا مُطلقًا احْتِيَاطًا وتيسيرا فَإِن قيل: الْمَبِيع فِي السّلم الْمُسلم فِيهِ وَلَيْسَ بمقبوض، والمقبوض رَأس المَال وَلَيْسَ بمبيع أُجِيب بِأَن المُرَاد كل مَبِيع مُتَعَيّن لَا يشْتَرط قبض بدله، وينعكس إِلَى كل مَبِيع غير مُتَعَيّن يشْتَرط قبض بدله، أَو كل مَبِيع يتَعَيَّن فِيهِ الْمَبِيع، وَالثمن لَا يشْتَرط فِيهِ الْقَبْض أصلا وَيشْتَرط فِي كل مَبِيع لَا يتعينان فِيهِ يشْتَرط الْقَبْض فِي الْجُمْلَة فَلْيتَأَمَّل. (وَهَذَا) أَي الْعَكْس (أضعفها) أَي الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة (لِأَن الحكم يثبت بعلل شَتَّى) فَيجوز أَن يُوجد مَعَ انْتِفَاء عِلّة مُعينَة لثُبُوته بغَيْرهَا، فَإِن انْتِفَاء الْخَاص لَا يسْتَلْزم انْتِفَاء الْعَام، غير أَنه إِذا كَانَ بَين الحكم وَالْعلَّة تلازم وجودا وعدما كَانَ دَلِيلا على وكادة اتِّصَاله بهَا فيصلح مرجحا على مَا لَيْسَ بِهَذِهِ المثابة وَيظْهر ضعفه إِذا عَارضه مُرَجّح من الثَّلَاثَة السَّابِقَة (وابتنى على مَا سلف) فِي فصل التَّرْجِيح (من عدم التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة والرواة) عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف (أَن لَا يرجح قِيَاس) فَاعل ابتنى (بآخر) مُتَعَلق بترجح: أَي بِقِيَاس آخر (بِأَن خَالفه) ذَلِك الْقيَاس المنضم إِلَيْهِ (فِي الْعلَّة) مُتَعَلق بخالفة (لَا الحكم على معارضه) أَي على قِيَاس معَارض لَهُ، لِأَنَّهُ لَا تَرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة (وَلَو اتفقَا) أَي الْقيَاس المنضم إِلَيْهِ والمنضم (فِيهَا) أَي الْعلَّة كَمَا

стр. 1125

فِي الحكم (كَانَ) التَّرْجِيح بِسَبَب هَذَا الِاتِّفَاق (من) قبيل (كَثْرَة الْأُصُول لَا) من كَثْرَة (الْأَدِلَّة) لِأَن الدَّلِيل فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ الْعلَّة، وَلَا تعدد فِيهِ، لَا الأَصْل الَّذِي تتَحَقَّق الْعلَّة فِيهِ، فتعدده من غير تعددها لَا يُوجب تعدد الدَّلِيل (فيرجح) الْقيَاس المنضم إِلَيْهِ ذَلِك (على مخالفه) لِأَن كَثْرَة الْأُصُول مُرَجّح صَحِيح (وَكَذَا كل مَا يصلح عِلّة) مُسْتَقلَّة للْحكم (لَا يصلح مرجحا) لعِلَّة مُسْتَقلَّة أُخْرَى لذَلِك الحكم على عِلّة مُعَارضَة لَهَا، إِذْ تقوى الشَّيْء إِنَّمَا يكون بِصفة فِي ذَاته تَابِعَة لَهُ، والمستقل لاستقالته لَا يضم إِلَى الآخر، وَقد يُقَال كَونه بِحَيْثُ وَافقه الآخر وصف لَهُ فَيجوز أَن يعْتَبر مرجحا لَهُ فَتَأمل (فَلم يتَفَاوَت بتفاوت الْملك للشفيعين) كَمَا إِذا كَانَ لأَحَدهمَا ثلث الدَّار وَللْآخر سدسها (مَا يشفعان فِيهِ) وَهُوَ النّصْف الآخر مِنْهَا فالموصول فَاعل لم يتَفَاوَت يَعْنِي إِذا بَاعَ مَالك النّصْف نصِيبه وطلبا أَخذه بِالشُّفْعَة لَيْسَ لصَاحب الثُّلُث مزية على صَاحب السُّدس فِي الِاسْتِحْقَاق، لِأَن كل جُزْء من أَجزَاء نصيبهما عِلّة مُسْتَقلَّة فِي اسْتِحْقَاق جَمِيع الْمَبِيع، وَلَيْسَ فِي جَانب صَاحب الثُّلُث إِلَّا كَثْرَة الْعلَّة وَهِي لَا تصلح للترجيح (خلافًا للشَّافِعِيّ) فَإِن عِنْده يكون الْمَبِيع بَينهمَا أَثلَاثًا ثُلُثَاهُ لصَاحب الثُّلُث. (قَالَ) الشَّافِعِي (هِيَ) أَي الشُّفْعَة (من مرافق الْملك) أَي مَنَافِعه (كَالْوَلَدِ) للحيوان (وَالثَّمَرَة) للشجرة المشتركين بَينهمَا فتقسم بِقدر الْملك (أُجِيب بِأَن ذَلِك) انقسام الْمَعْلُول بِحَسب التَّفَاوُت إِنَّمَا هُوَ فِي أَجزَاء الْعلَّة (فِي الْعِلَل المادية) وَهِي الْأَجْسَام الَّتِي يتَوَلَّد مِنْهَا جسم كالحيوان وَالشَّجر (وَعلة الْقيَاس) أَي الْعلَّة الْمُعْتَبرَة فِي الْقيَاس لَيست مِنْهَا، بل هِيَ عِلّة (كالفاعلية) أَي كالعلة المؤثرة فِي الْعِلَل الْعَقْلِيَّة بِاعْتِبَار التَّأْثِير، وَإِن اخْتلفَا فِي كَيْفيَّة التَّأْثِير كَمَا عرفت، وَقد تقرر أَن تَأْثِير الْعلَّة الفاعلية لَيْسَ بطرِيق التولد، بل بإيجاد الله تَعَالَى إِيَّاه عقبه (وَقد جعل الشَّارِع الْملك عِلّة للشفعة قَلِيله وَكَثِيره) بِالنّصب بَدَلا من الْملك (فَجعل كل جُزْء من الْعلَّة) وَهِي ملك الشَّفِيع (عِلّة لجزء من الْمَعْلُول) وَهُوَ مَا يسْتَحقّهُ الشَّفِيع بِالشُّفْعَة حَتَّى يلْزم بِزِيَادَة الْأَجْزَاء فِي جَانب الْعلَّة زيادتها فِي جَانب الْمَعْلُول (نصب الشَّرْع بِالرَّأْيِ) من غير نَص أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس، لِأَنَّهُ لَيْسَ من ضَرُورَة جعل الْملك مُطلقًا عِلّة للاستحقاق. وَالْفرق بَين الْقَلِيل مِنْهُ وَالْكثير، بل الْإِطْلَاق يُنَاسِبه التَّسْوِيَة بَينهمَا، كَيفَ وَالْحكم فِيهِ دفع ضَرَر الْجوَار، وضرر صَاحب الْقَلِيل مثل ضَرَر صَاحب الْكثير، وَلَو نوقشي فِيهِ قُلْنَا: لَا يثبت الحكم بالتفرقة بِهَذَا الْقدر الْمَشْكُوك فِي اعْتِبَاره عِنْد الشَّارِع مَعَ كَون التَّسْوِيَة تناسب الْإِطْلَاق (وَلَو عجز) الْمُجْتَهد (عَن التَّرْجِيح) لأحد القياسين (عمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ بِشَهَادَة قلبه) على مَا مر بَيَانه فِي فصل التَّعَارُض (وَقَابَلُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (أَرْبَعَة الصِّحَّة) أَي الْوُجُوه الْأَرْبَعَة الصَّحِيحَة الْمَذْكُورَة للترجيح (بأَرْبعَة) من وجوهه (فَاسِدَة): أَحدهَا (التَّرْجِيح بِمَا يصلح عِلّة مُسْتَقلَّة)

стр. 1126

لِأَنَّهُ تَرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة، وَقد سبق فِي فصل التَّرْجِيح (و) الثَّانِي التَّرْجِيح (بِغَلَبَة الْأَشْبَاه) أَي (كَون الْفَرْع لَهُ) أَي للفرع (بِأَصْل أَو أصُول) مُتَعَلق بقوله (وُجُوه شبه) وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله لَهُ، وَالْجُمْلَة خبر الْكَوْن، وَكلمَة أَو للتنويع لإِفَادَة أَن وُجُوه شبه الْفَرْع تَارَة تكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى أصل وَاحِد وَتارَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى أصُول (فَلَا يتَرَجَّح) الْقيَاس الْمُشْتَمل على فرع ذِي وُجُوه (على مَا) أَي على الْقيَاس الَّذِي (لَهُ) أَي لفرعه (بِهِ) أَي بِأَصْل (شبه) وَاحِد (و) نقل (عَن كثير من الشَّافِعِيَّة، نعم) يرجح مَاله وُجُوه شبه على مَاله شبه وَاحِد، وَنَقله صَاحب القواطع عَن نَص الشَّافِعِي، لِأَن الْقيَاس إِنَّمَا جعل حجَّة لإِفَادَة الظَّن، وَهُوَ يزْدَاد عِنْده كَثْرَة الْأَشْبَاه كَمَا عِنْد كَثْرَة الْأُصُول، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يتَرَجَّح (لِأَنَّهَا) أَي الْأَشْبَاه (تعدد أَوْصَاف) فَكل شبه وصف على حِدة يصلح عِلّة (فترجع) الْأَشْبَاه الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَة تعدد الْأَوْصَاف (إِلَى تعدد الأقيسة) فَإنَّك إِذا قصدت إِلْحَاق الْفَرْع بِالْأَصْلِ بِاعْتِبَار كل شبه هُوَ وصف صَالح للعلية حصل بذلك الِاعْتِبَار قِيَاس على حِدة، فالترجيح بهَا تَرْجِيح بِكَثْرَة الْأَدِلَّة وَهُوَ غير جَائِز، وَفِيه أَنه يجوز أَن لَا يصلح كل وَاحِد من تِلْكَ الْأَشْبَاه للاستقلال، وَلَكِن بِسَبَبِهَا يحصل للفرع زِيَادَة مُنَاسبَة بِالْأَصْلِ (بِخِلَاف تعدد الْأُصُول) فَإِن التَّرْجِيح بهَا لَيْسَ بِكَثْرَة الْأَدِلَّة (لِاتِّحَاد الْوَصْف) فِيهَا (وكل أصل يشْهد بِصِحَّتِهِ) أَي الْوَصْف من حَيْثُ أَنه عِلّة لوُجُوده مَعَ الحكم فِي جَمِيع تِلْكَ الْأُصُول (فَيُوجب ثبات الحكم عَلَيْهِ) أَي على ذَلِك الْوَصْف وترتبه عَلَيْهِ (وَاعْلَم أَن كَثْرَة الْأُصُول) تكون (بوحدة الْوَصْف) الَّذِي هُوَ عِلّة الحكم بِأَن يتَحَقَّق فِي الْكل وصف وَاحِد صَالح للعلية، فَلم يتَحَقَّق هَهُنَا كَثْرَة الْأَدِلَّة لَهُ، لِأَن مدَار الدَّلِيل هُوَ الْوَصْف وَهُوَ وَاحِد (وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم (مَحل التَّرْجِيح) أَي مَا يقوم بِهِ المرجحية فَهُوَ الْمُرَجح (و) يكون (مَعَ تعدده) أَي الْوَصْف (واتحاد الحكم) بِأَن تكون أَوْصَاف مُتَغَايِرَة متحققة فِي أصُول مُخْتَلفَة مجتمعة فِي فرع وَاحِد يصلح كل وَاحِد مِنْهَا عِلّة للْحكم الْوَاحِد الَّذِي قصد اثباته فِي ذَلِك الْفَرْع (وَهِي) أَي كَثْرَة الْأُصُول (حِينَئِذٍ) أَي حِين تعدد الْوَصْف واتحد الحكم بِاعْتِبَار مَا يستنبط مِنْهَا (أقيسة متماثلة) لاتحادها من حَيْثُ الحكم (لَا تَرْجِيح) لوَاحِد من تِلْكَ الأقيسة لكَونه مَقْرُونا (مَعهَا) أَي مَعَ كَثْرَة الْأُصُول، لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَدِلَّة متكثرة وَلَا تَرْجِيح بهَا (و) يكون (مَعَ تعدده) أَي الْوَصْف حَال كَونهَا (متباينة متعارضة، وَهِي الَّتِي يجب فِيهَا التَّرْجِيح) وَالتَّرْجِيح بِغَلَبَة الْأَشْبَاه (كَمَا لَو قيل: الْأَخ كالأبوين فِي الْمَحْرَمِيَّة وَابْن الْعم) أَي وكابن الْعم (فِي حل الحليلة) أَي فِي أَنه يحل لِابْنِ الْعم أَن ينْكح زَوجته ابْن عَمه بعده (وَالزَّكَاة وَالشَّهَادَة وَالْقصاص من الطَّرفَيْنِ) أَي وَفِي حل زَكَاته لَهُ، وَفِي

стр. 1127

حل شَهَادَته لَهُ، وَفِي حل الْقصاص من الطَّرفَيْنِ بِأَن يقْتَصّ لكل وَاحِد مِنْهُمَا من الآخر، وَإِنَّمَا قَالَ من الطَّرفَيْنِ لِأَن الْقصاص بَين الْوَالِد والمولود مَوْجُود من أحد الطَّرفَيْنِ، فَإِن الْمَوْلُود يقتل بِأَبِيهِ دون الْعَكْس (فيرجح الحاقه) أَي الْأَخ (بِهِ) أَي بِابْن الْعم، فَلَا يعْتق بِملكه إِيَّاه كَمَا لَا يعْتق ابْن الْعم بِملكه إِيَّاه، لِأَن شبه الْأَخ بِهِ أَكثر من شبهه بالأبوين (فَيمْنَع) تَرْجِيح الحاق الْأَخ بِابْن الْعم بِكَثْرَة الْأَشْبَاه (بِأَنَّهُ) أَي التَّرْجِيح بهَا (بمستقل) أَي تَرْجِيح بِوَصْف مُسْتَقل (إِذْ كل) من وُجُوه الشّبَه (يسْتَقلّ) وَصفا (جَامعا) بَين الْأَخ وَابْن الْعم فِي الحكم وَلَا تَرْجِيح بمستقل (و) الثَّالِث التَّرْجِيح (بِزِيَادَة التَّعْدِيَة) أَي بِكَوْن إِحْدَى العلتين أَكثر تَعديَة بِأَن تتعدى إِلَى فروع أَكثر من الْأُخْرَى (كترجيح الطّعْم) أَي التَّعْلِيل بِهِ لحُرْمَة الرِّبَا فِي الْمَنْصُوص على التَّعْلِيل بِالْكَيْلِ وَالْجِنْس (لتعديه) أَي الطّعْم (إِلَى الْقَلِيل) كَمَا إِلَى الْكثير، فَيحرم بيع تفاحة بتفاحتين، وَتَمْرَة بتمرتين (دون الْكَيْل) فَإِنَّهُ لَا يتَعَدَّى إِلَى الْقَلِيل الَّذِي هُوَ نصف صَاع على مَا قَالُوا، كَذَا ذكره الشَّارِح (وَلَا أثر لَهُ) أَي لكَونهَا أَكثر تَعديَة (بل) الْأَثر (لدلَالَة الدَّلِيل) أَي لقُوَّة دلَالَته (على الْوَصْف) بِاعْتِبَار تَأْثِيره فِي الحكم قلت: محاله أَو كثير، وَلَا يظْهر صِحَّته، بل تَعْلِيله لانْتِفَاء الحكم يدل على أَن ثُبُوت مضمونها مُعَلل بِلُزُوم التحكم على تَقْدِير تحقق نقيض مضمونها، فَالْوَجْه أَن يُقَال أَنه اسْتِئْنَاف كَلَام تَقْرِير بِكَسْر الْهمزَة فِي أَنه بِمَنْزِلَة الِاسْتِثْنَاء مِمَّا سبق: من أَنه لَا يثبت الْقيَاس الْعلية والشرطية، وَقد يُقَال الحكم الْمَذْكُور كَمَا يسْتَلْزم عدم إِثْبَات الحكم الابتدائي كَذَلِك يسْتَلْزم اثباته الْعلية والشرطية والوصفية عِنْد ثُبُوت مناطها، لِأَن تَعديَة الحكم إِنَّمَا تُوجد بِسَبَب وجود المناط وَالْأَصْل وَالْفرع: فَإِذا وجد ذَلِك لَا فرق بَين أَن يكون الْهدى خطاب الِاقْتِضَاء والتخيير، أَو خطاب الْوَضع، فَإِن الْكل أَحْكَام شَرْعِيَّة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله لانْتِفَاء الحكم (و) رَابِعهَا الترجيج (بالبساطة) أَي بِكَوْن إِحْدَى العلتين وَصفا لَا جُزْء لَهَا على الْأُخْرَى ذَات أَجزَاء لسُهُولَة إِثْبَاتهَا والاتفاق على صِحَّتهَا (كالطعم على الْكَيْل وَالْجِنْس) لتركب الْكَيْل وَالْجِنْس دون الطّعْم (وَلَا أثر لَهُ) أَي لكَونه بسيطا، بل بِقُوَّة الدَّلِيل (كَمَا ذكرنَا). مسئلة (حكم الْقيَاس) أَي مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من ثَمَرَته (الثُّبُوت) أَي ثُبُوت حكم الأَصْل (فِي الْفَرْع وَهُوَ) أَي الثُّبُوت فِيهِ (التَّعْدِيَة الاصطلاحية) فَلَا يرد أَن الْحمل غير صَحِيح، لِأَن التَّعْدِيَة صفة

стр. 1128

القائس، أَو الْجَامِع، أَو الحكم لَكِن غير الثُّبُوت فِيهِ، وَلِأَن الْمَوْجُود فِي الأَصْل من الأَصْل وَالْحكم لَا يتَعَدَّى إِلَى الْفَرْع، بل الْكَائِن فِيهِ نظر مَا فِي الأَصْل (فَلَزِمَهُ) أَي الْقيَاس (أَن لَا يثبت الحكم ابْتِدَاء) لِأَن التَّعْدِيَة وَإِن كَانَت اصطلاحية لَكِن لَا بُد فِيهَا من تحقق مَا يعبر بِهِ عَنهُ بِالتَّعَدِّي من ثُبُوت الحكم فِي الْفَرْع بطرِيق الْإِلْحَاق لَهُ بِالْأَصْلِ لما بَينهمَا من الْجَامِع: وَهَذَا يُنَافِي ثُبُوته ابْتِدَاء (كإباحة الرَّكْعَة) الْوَاحِدَة (وَحُرْمَة الْمَدِينَة) على ساكنها وعَلى سَائِر الْأَنْبِيَاء أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام بِأَن يكون لَهَا حرم كحرم مَكَّة فِي الْأَحْكَام الْمَعْرُوفَة وهما مثالان للْحكم الثَّابِت ابْتِدَاء (أَو وَصفه) أَي الحكم مَعْطُوف على الحكم: أَي لزمَه أَن لَا يثبت وصف الحكم أَيْضا ابْتِدَاء (كصفة الْوتر) من الْوُجُوب والاستنان (بعد مشروعيته) أَي الْوتر بِالنَّصِّ الدَّال على كَونه مَطْلُوبا على وَجه يحْتَمل الْوُجُوب وَالنَّدْب، فمطلوبيته من الْمُكَلف حكم شَرْعِي وَكَونه سنة أَو وَاجِبا كَيْفيَّة لَهَا، وَثُبُوت هَذِه الْكَيْفِيَّة يحْتَاج إِلَى اجْتِهَاد، وَإِنَّمَا لم يثبت بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاء (لانْتِفَاء الأَصْل وَالْفرع) عِنْد الثُّبُوت ابْتِدَاء وَالْقِيَاس لَا يتَحَقَّق بدونهما، وَلما بَين أَن خطاب الِاقْتِضَاء لَا يثبت ابْتِدَاء بِالْقِيَاسِ أَفَادَ أَن خطاب الْوَضع كَذَلِك بقوله (وَكَذَا) لزمَه أَن لَا يثبت (الشّرطِيَّة والعلية ككون الْجِنْس فَقَط) بِأَن يكون البدلان من جنس وَاحِد من غير أَن يَكُونَا مكيلين أَو موزونين (يحرم النِّسَاء) أَي البيع نَسِيئَة (إِلَّا) أَي لَكِن يثبت كل مِنْهُمَا (بِالنَّصِّ دلَالَة وَغَيرهَا) أَي عبارَة أَو إِشَارَة أَو اقْتِضَاء، فَإِن الثَّابِت بِهَذِهِ ثَابت بِالنَّصِّ كَمَا عرف (وَكَذَا) لزمَه أَن لَا يثبت (صفة السّوم) أَي اشْتِرَاط صفة هِيَ السّوم فِي نصب الْأَنْعَام فِي وجوب زَكَاتهَا (والحل) أَي وَكَذَا لزم أَن لَا يثبت اشْتِرَاط صفة الْحل (للْوَطْء الْمُوجب حُرْمَة الْمُصَاهَرَة) فِي ثُبُوت حرمتهَا من الْجَانِبَيْنِ (وشرطية التَّسْمِيَة) أَي وَكَذَا لزمَه أَن لَا يثبت اشْتِرَاط ذكر اسْم الله تَعَالَى على الْمَذْبُوح (للْحلّ) أَي لِحلِّهِ (و) كَذَا لزمَه أَن لَا يثبت اشْتِرَاط (وَصفِيَّة شَرط النِّكَاح) أَي موصوفية الشَّهَادَة الَّتِي هِيَ شَرط النِّكَاح (بِالْعَدَالَةِ) وَالْعَدَالَة وصف الحكم الَّذِي هُوَ الشَّهَادَة من تعين أَنَّهَا شَرط، لِأَن كَون الشَّيْء شرطا فِي خطاب الْوَضع، وَالْعَدَالَة فِي الْحَقِيقَة وصف مُتَعَلق الحكم فَافْهَم: وَلذَا نَص أَصْحَابنَا على أَن كَون الْجِنْس وَحده محرما للنسيئة، وَاشْتِرَاط السّوم فِي النصب، وَالذكر على الذَّبِيحَة إِنَّمَا هِيَ بالنصوص وَالشَّافِعِيَّة على أَن إِبَاحَة الرَّكْعَة الْوَاحِدَة وَكَون الْمَدِينَة حرما وَاشْتِرَاط الْحل فِي حُرْمَة الْمُصَاهَرَة وَالْعَدَالَة والذكورة فِي شُهُود النِّكَاح إِنَّمَا هِيَ بالنصوص، فَلَو أثبت بِالْقِيَاسِ شَيْء مِنْهَا ابْتِدَاء للَزِمَ نصب الشَّرْع أَو إِبْطَاله أَو نسخه بِالرَّأْيِ وَلَا يخفى عَلَيْك أَن قَوْلهم بِالْقِيَاسِ وَقَوْلهمْ ابْتِدَاء بَينهمَا تدافع ثمَّ أَن النّسخ إِنَّمَا يلْزم فِي إِثْبَات الشَّرْط، لِأَن الحكم بِدُونِ ذَلِك قد كَانَ شروعا، وَبعد الِاشْتِرَاط

стр. 1129

أبطل (وَأَنه لَو ثَبت) بِنَصّ أَو إِجْمَاع (منَاط علية أَمر) بِشَيْء (أَو) منَاط (شرطيته) أَي أَمر بِشَيْء (أَو) ثَبت منَاط (وصفهما) أَي وصف علية أَو شَرطه (فِي غَيره) أَي غير ذَلِك الْأَمر الثَّابِت منَاط عليته أَو شرطيته وَغير ذَلِك الْوَصْف، يَعْنِي وصف آخر، فالظرف مُتَعَلق يثبت، وَجَوَاب لَو قَوْله (كَانَ) ذَلِك الْغَيْر (فِي مثله) أَي مثل ذَلِك الشَّيْء الَّذِي ثَبت منَاط علية علته إِلَى آخِره (عِلّة وشرطا) لتحَقّق المناط فِيهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لانْتِفَاء التحكم) يَعْنِي لَو لم يَجْعَل ذَلِك الْغَيْر عِلّة أَو شرطا أَو وَصفا للَزِمَ التحكم لمساواة الْغَيْر الْمَذْكُور لذَلِك الْأَمر فِيمَا يُوجب الْعلية أَو الشّرطِيَّة، والتحكم بَاطِل مُنْتَفٍ وَلَا يخفى عَلَيْك أَن مُقْتَضى عطف قَوْله وَأَنه لَو ثَبت إِلَى آخِره على قَوْله أَن لَا يثبت كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر، ومختار الشَّارِح لزم مَضْمُون هَذِه الشّرطِيَّة حكم الْقيَاس الْمَذْكُور، وَلَا تظهر صِحَّته بل تَعْلِيله لانْتِفَاء التحكم يدل على أَن ثُبُوت مضمونها مُعَلل بِلُزُوم التحكم على تَقْدِير تحكم تحقق نقيض مضمونها: فَالْوَجْه أَن يُقَال أَنه اسْتِئْنَاف كَلَام تقريري بِكَسْر الْهمزَة فِي أَنه بِمَنْزِلَة الِاسْتِثْنَاء مِمَّا سبق، من أَنه لَا يثبت الْقيَاس الْعلية والشرطية، وَقد يُقَال الحكم الْمَذْكُور كَمَا يسْتَلْزم عدم إِثْبَات الْقيَاس الحكم كَذَلِك يسْتَلْزم إثْبَاته الْعلية والوصفية والشرطية عِنْد ثُبُوت مناطها، لِأَن تَعديَة الحكم إِنَّمَا لزمَه بِسَبَب وجود المناط وَالْأَصْل وَالْفرع فَإِذا وجد ذَلِك لَا فرق بَين أَن يكون المعدى خطاب الِاقْتِضَاء والتخيير، أَو خطاب الْوَضع، فَإِن الْكل أَحْكَام شَرْعِيَّة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله لانْتِفَاء التحكم (وَالْخلاف فِي المذهبين) الْحَنَفِيّ وَالشَّافِعِيّ (شهير) أَي مَشْهُور (فِيهِ) أَي فِي هَذَا الْأَخير المفاد بقوله وَأَنه لَو ثَبت إِلَى آخِره (ففخر الْإِسْلَام وَأَتْبَاعه) وَصدر الشَّرِيعَة (وَصَاحب الْمِيزَان وَطَائِفَة من الشَّافِعِيَّة) قَالُوا (نعم) لَو ثَبت إِلَى آخِره كَانَ عِلّة وشرطا (وَوجد) مَضْمُون الشَّرْط مُرَتبا عَلَيْهِ الْجَزَاء (وَهُوَ) أَي ذَلِك الْمَوْجُود (الْخلاف فِي اشْتِرَاط التَّقَابُض) بِحَذْف الْمُضَاف، وَالتَّقْدِير هُوَ مَبْنِيّ الْخلاف إِلَى آخِره، لِأَن كلا من الْمُخَالفين يحْتَج فِي الِاشْتِرَاط وجودا وعدما بالموجود (فِي بيع الطَّعَام) مُتَعَلق بِاشْتِرَاط التَّقَابُض (بِالطَّعَامِ الْمعِين) اكْتفى بتقييد الثَّانِي بِالتَّعْيِينِ، فَإِن المُرَاد بِالتَّعْيِينِ تعْيين كل مِنْهُمَا (لِأَنَّهُ وجد لإثباته) أَي إِثْبَات التَّقَابُض فِي هَذَا البيع كَمَا هُوَ مَذْهَبنَا (أصل هُوَ الصّرْف) فَإِن التَّقَابُض اشْترط فِيهِ (بِجَامِع أَنَّهُمَا) أَي الْبَدَلَيْنِ فِي كل وَاحِد من بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ وَبيع أحد الحجرين بِأحد الحجرين (مَا لِأَن يجْرِي فيهمَا رَبًّا الْفضل) فِيمَا إِذا تَسَاويا فِي الْجِنْس وَالْقدر (و) وجد (لنفيه) أَي لعدم اشْتِرَاط التَّقَابُض فِيمَا ذكر كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي (أصل) هُوَ (بيع سَائِر السّلع) مِمَّا لَا يجْرِي فِيهِ رَبًّا الْفضل (بِمِثْلِهَا أَو بِالدَّرَاهِمِ) فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط فيهمَا التَّقَابُض (وَقيل لَا) أَي يثبت الْعلية والشرطية بِمَا ذكر، وَهُوَ قَول كثير من الْحَنَفِيَّة

стр. 1130

كَالْقَاضِي أبي زيد وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ، وَمن الشَّافِعِيَّة كالآمدي والبيضاوي. وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب الْمَالِكِي (لِأَنَّهُ لم يثبت كَذَلِك) أَي لم يثبت علية أَمر أَو شرطيته بِسَبَب تحقق منَاط أَحدهمَا فِيهِ معنى لم يتَحَقَّق فِي الشَّرْع اعْتِبَار ذَلِك بِأَن يثبت مَحل فِيهِ وصف اعْتبر عليته أَو شرطيته بِسَبَب تحقق منَاط أَحدهمَا فِيهِ، يَعْنِي لم يتَحَقَّق فِي الشَّرْع اعْتِبَار ذَلِك بِأَن يثبت مَحل فِيهِ وصف اعْتبر عليته أَو شرطيته مُعَللا باشتماله على الْحِكْمَة الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا الْوَصْف الثَّابِت عليته لعدم انضباط الْحِكْمَة وتغاير الوصفين، وَجَوَاز عدم حُصُول الْمِقْدَار الْمُعْتَبر شرعا من تِلْكَ الْحِكْمَة بِالْوَصْفِ الثَّانِي (قيل وَلَو ثَبت) مَا ذكر من الْعلية والشرطية لوصف غير الْوَصْف الْمُعْتَبر فِيهِ أَحدهمَا شرعا لاشْتِرَاكهمَا فِي المناط للْحكم (كَانَ السَّبَب) أَي الْعلَّة أَو الشَّرْط للْحكم (ذَلِك المناط الْمُشْتَرك بَينهمَا) لَا الْوَصْف الأول بِخُصُوصِهِ (إِن انضبط) ذَلِك المناط وَكَانَ ظَاهرا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يكون بِمَنْزِلَة قَول الشَّارِع: كلما تحقق فِيهِ هَذَا المناط كَانَ عِلّة أَو شرطا، فَكل من الوصفين ينْدَرج تَحْتَهُ اندراجا أوليا من غير سبق أَحدهمَا والحاق الآخر بِهِ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يَنْضَبِط أَو لم يظْهر (فمظنته) أَي فالسبب مظنته: أَي بِالْوَصْفِ الظَّاهِر المنضبط الَّذِي نيط ذَلِك المناط بِهِ (إِن كَانَ) أَي وجد ذَلِك الْوَصْف وأيا مَا كَانَ فقد اتَّحد السَّبَب فَلَا قِيَاس (وَمَا يخال) أَي يظنّ (أصلا وفرعا) من الوصفين الْمَذْكُورين فهما (فرداه) أَي المناط الْمَذْكُور (كَمَا لَو ثَبت عَلَيْهِ الوقاع) عمدا من الصَّحِيح الْمُقِيم فِي نَهَار رَمَضَان (لِلْكَفَّارَةِ لاشْتِمَاله على الْجِنَايَة المتكاملة على صَوْم رَمَضَان) وَهِي هتك حرمته (فَهِيَ) أَي الْجِنَايَة الْمَذْكُورَة (الْعلَّة) لِلْكَفَّارَةِ (وكل من الْأكل) وَالشرب (وَالْجِمَاع) عمدا بِلَا عذر مُبِيح (صور وجوده) أَي وجود الْمَعْنى الَّذِي هُوَ الْعلَّة، وَهِي الْجِنَايَة المتكاملة على صَوْم رَمَضَان (وكعلية الْقَتْل بالمثقل) للْقصَاص قِيَاسا على الْقَتْل بِالسَّيْفِ بِحَذْف الْمُضَاف (عَلَيْهِ) أَي على علية الْقَتْل (بِالسَّيْفِ لَهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّمَا يخال فِيهِ أصلا وفرعا من القتلين فَردا منَاط عِلّة الْقصاص، إِذْ ثَبت أَنَّهَا: أَي عِلّة الْقصاص الْقَتْل الْعمد الْعدوان (فالمثقل) أَي فالقتل بِهِ (من محاله) أَي منَاط الْقصاص كَمَا أَن الْقَتْل بِالسَّيْفِ مِنْهَا فَإِن قلت: الْمُدَّعِي الفردية، وَالدَّلِيل مُفِيد الْمَحَلِّيَّة قلت: المُرَاد محلية الْفَرد للمفهوم الْكُلِّي على سَبِيل الِاسْتِعَارَة، إِذْ لَا وجود للطبيعة بِدُونِ الْفَرد كَمَا لَا وجود للْحَال بِدُونِ الْمحل (وَقد يخال) أَي يظنّ (عدم التوارد) أَي عدم توارد النَّفْي وَالْإِثْبَات فِي الخلافية الْمَذْكُورَة على مَحل وَاحِد. ثمَّ بَين مورد الْإِثْبَات بقوله (فَالْأول) أَي القَوْل بِجَوَاز التَّعْدِيَة فِي الْعلية مَعْنَاهُ (تعدِي علية) الْوَصْف (الْوَاحِد لشَيْء) أَي لحكمه (إِلَى شَيْء آخر) صلَة التَّعَدِّي، فالمتعدي إِلَيْهِ وصف آخر فَيصير عِلّة للْحكم الْمُعَلل بِالْوَصْفِ الأول، فتتعدد الْعلَّة لَا الحكم

стр. 1131

(وَالثَّانِي) أَي القَوْل بِعَدَمِ جَوَاز التَّعْدِيَة فِي الْعلية مَعْنَاهُ (تعدِي عليته) أَي تعدِي علية الْوَصْف الْوَاحِد (إِلَى) وصف (آخر) تعديه (لآخر) أَي لأجل إِثْبَات حكم آخر غير الحكم الْمُعَلل بِالْوَصْفِ الأول فَحِينَئِذٍ تَتَعَدَّد الْعلَّة وَالْحكم. قَالَ الشَّارِح كَون معنى الأول مَا ذكر ظَاهر، وَأما أَن معنى الثَّانِي مَا ذكر فَلَا، بل كل من الْعلَّة وَالْحكم مُتحد للاتحاد فِي النَّوْع وَلَا يضرّهُ التغاير بِحَسب الشَّخْص انْتهى. وَأَنت خَبِير بِأَن الِاتِّحَاد فِي الْعلَّة مُنْتَفٍ بِاتِّفَاق الْفَرِيقَيْنِ لِأَنَّهُ لَا وَجه حِينَئِذٍ للنزاع فِي تعدِي الْعلية اثباتا أَو نفيا وَأَيْضًا يرد عَلَيْهِ أَنه كَيفَ يسلم التَّعَدُّد فِي الْعلَّة فِي الأول مَعَ الِاتِّحَاد فِي النَّوْع، وَأما تعدد الحكم فِي الثَّانِي فَهُوَ أَمر مَبْنِيّ على تحقق ذَلِك الْمَذْهَب (وَمِمَّنْ أنكرهُ) أَي جَرَيَان الْقيَاس فِي الْعلَّة (من اعْترف بِقِيَاس أَنْت حرَام) لإِثْبَات الطَّلَاق الْبَائِن (على طَالِق بَائِن، وَهُوَ) أَي الْقيَاس الْمَذْكُور قِيَاس (فِي السَّبَب) أَي الْعلَّة، فقد نَاقض فعله قَوْله (وَقيل لَا خلاف فِي هَذَا) أَي فِي جَوَاز التَّعْلِيل لتعدية الْعلَّة من وصف إِلَى وصف آخر مشارك للْأولِ فِي الاشتمال على مناطها، لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ من إِثْبَات الْعلَّة بِالْقِيَاسِ، لِأَن الْعلَّة حَقِيقَة هُوَ المناط الْمُشْتَرك بَينهمَا، وَقد مر آنِفا (بل) الْخلاف (فِيمَا إِذا كَانَت) علية الْوَصْف للْحكم (لمُجَرّد مناسبتها) أَي الْعلَّة الَّتِي هِيَ الْوَصْف الْمَذْكُور الحكم الْمَطْلُوب إثْبَاته فِي الْفَرْع: أَي فِي الْمحل الَّذِي أُرِيد إثْبَاته فِيهِ، سمي فرعا لمشاركته الْفَرْع فِي عدم وُرُود النَّص فِيهِ، فَجعل لمُجَرّد هَذِه الْمُنَاسبَة الْعَقْلِيَّة عِلّة للْحكم ليحصل فِي ذَلِك الْفَرْع من غير أَن يتَحَقَّق فِي الْوَصْف منَاط الْعلية (وَلَيْسَ لَهُ) أَي لذَلِك الْوَصْف الْمُنَاسب (مَحل آخر) تحققت فِيهِ عليته لذَلِك الحكم، لِأَنَّهُ لَو تحقق فِي مَحل آخر مَعَ ذَلِك الحكم مؤثرا فِيهِ بِاعْتِبَار الشَّارِع على مَا مر بَيَانه لما بَقِي فِيهِ للْخلاف مجَال، وَلم يتَوَهَّم فِيهِ التَّعْلِيل لإِثْبَات عليته، لِأَن ذَلِك الْوَصْف الْمَوْجُود فِي الْفَرْع حِينَئِذٍ عين الْوَصْف الْمَوْجُود فِي الأَصْل وَلَيْسَ كلامنا فِيهِ (لأَنا إِنَّمَا نثبت) على تَقْدِير إِثْبَات الْعلية بِمُجَرَّد الْمُنَاسبَة (سَبَبِيَّة) وصف (آخر) مُغَاير للوصف الْمَذْكُور مُعْتَبر علية للْحكم فِي أصل ليحصل اعْتِدَاد بشأن هَذَا الْوَصْف، وَلما رَأَوْا وَصفا اعْتبر عليته لحكم فِي مَحل ووصفا آخر فِي مَحل آخر مُنَاسِب لذَلِك الحكم فَأثْبت بِهِ فِي هَذَا الْمحل، زَعَمُوا أَنه عدى الْعلية من الأول إِلَى الثَّانِي قِيَاسا وَلم يدروا أَنَّهُمَا لم يشتركا فِي منَاط لتمكن الْقيَاس الْمَوْجُود فِي الأَصْل عِلّة للْحكم (فَلَيْسَ ذَلِك) مَا ثَبت سَبَبِيَّة بِمُجَرَّد الْمُنَاسبَة (إِلَّا الْمُرْسل) وَقد مر تَفْسِيره، فَيجوز عِنْد من يَقُول بِصِحَّة التَّعْلِيل بِهِ، وَلَا يجوز عِنْد من يشْتَرط التَّأْثِير والملاءمة (وَهَذَا) أَي التَّعْلِيل بالمرسل إِنَّمَا يَصح (على) قَول (الشَّافِعِيَّة: أما مَا تقدم للحنفية فِي سببيته) أَي سَبَبِيَّة وصف

стр. 1132

مَوْجُود مَعَ حكم ككون الْبَدَل مَا لَا يجرى فِيهِ رَبًّا الْفضل مَعَ اشْتِرَاط التَّقَابُض فِي الصّرْف (بِعَيْنِه لآخر) أَي لحكم آخر كاشتراط التَّقَابُض فِي بيع طَعَام معِين بِطَعَام معِين إِذا قصد إِثْبَات هَذَا الِاشْتِرَاط بذلك الْوَصْف بِعَيْنِه (فَيَنْبَغِي كَونه) أَي الْوَصْف الْمَذْكُور (الْغَرِيب من الْأَقْسَام الأول) للمناسب، وَهُوَ الْمُؤثر، والملائم، والغريب، والمرسل على مَا سبق، فَإِن الْغَرِيب وصف وجد مَعَ الحكم فِي الأَصْل من غير اعْتِبَار عينه أَو جنسه فِي عين الحكم أَو جنسه من الشَّارِع (لوُجُود أَصله) أَي أصل الْوَصْف الْمَذْكُور كالصرف الْمَوْجُود فِيهِ الْكَوْن الْمَذْكُور مَعَ اشْتِرَاط التَّقَابُض، وَوُجُود الأَصْل هُوَ الْفَارِق بَين الْمُرْسل والغريب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ كَانَت سببيته لشَيْء ثَابِتَة شرعا) بِاعْتِبَار وجوده مَعَ الحكم فِي الأَصْل كَمَا أَفَادَ بقوله (وَهُوَ) أَي ثُبُوته شرعا (الْعين) أَي وجود الْعين، يَعْنِي عين الْوَصْف (مَعَ الْعين فِي الْمحل) أَي مَعَ عين الحكم فِي الأَصْل كَمَا أَفَادَ بقوله كَمَا بَينا (لَكِن لَا يشْهد لَهُ أصل بِالِاعْتِبَارِ) اسْتِدْرَاك لدفع توهم نَاشِئ من ثُبُوت سببيته شرعا وَثُبُوت الْعين مَعَ الْعين وَحَاصِله أَنه لَيْسَ فِي الْغَرِيب سوى الْعين مَعَ الْعين، وبمجرد هَذَا لَا تثبت الْعلية، بل لَا بُد من اعْتِبَار الشَّارِع علية الْوَصْف أَو جنسه فِي عين الحكم أَو جنسه فِي بعض الْموَاد، فَتلك الْمَادَّة أصل يشْهد بِاعْتِبَار الشَّارِع عليته (وَكَانَ الظَّاهِر اتِّفَاقهم) أَي الْحَنَفِيَّة (على مَنعه) أَي منع هَذَا الْقسم الْمُسَمّى بالغريب (لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الإخالة) وَهِي على مَا مر من إبداء الْمُنَاسبَة بَين الأَصْل وَالْوَصْف بملاحظتهما (إِن لم يكنها) أَي إِن لم يكن عين الإخالة، وَهَذِه الْعبارَة بظاهرها تفِيد الشَّك فِي كَونه إخالة، وَلَعَلَّ الشَّك بِسَبَب أَن الإبداء الْمَذْكُور لَا يسْتَلْزم وجود الْعين مَعَ الْعين، ثمَّ إِن الإخالة وَمَا هُوَ فِي منزلتها غير مُعْتَبر عِنْد الْحَنَفِيَّة لاشتراطهم التَّأْثِير فِي ثُبُوت الْعلية على مَا سبق (لَكِن الْخلاف) فِي هَذَا ثَابت (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (وَلَو سلم عدم الْإِرْسَال) مُرْتَبِط بقوله فَلَيْسَ إِلَّا الْمُرْسل وَمَا بَينهمَا تقريبي، وَهُوَ بحث بطرِيق التنزل، يَعْنِي وَلَو فرض أَن الْوَصْف الْمَذْكُور مُنَاسِب لَيْسَ بمرسل أبطلنا كَون التَّعْلِيل بِهِ إِثْبَاتًا للعلية بِالْقِيَاسِ، إِذْ (لَا يتَصَوَّر ذَلِك) أَي إِثْبَاتهَا بِهِ على ذَلِك التَّقْدِير أَيْضا كَمَا لَا يتَصَوَّر على تَقْدِير الْإِرْسَال (لِأَن الْوَصْف الأَصْل) أَي مَعَ الْمَوْجُود مَعَ الحكم فِي الأَصْل (أَن تثبت عليته بِمُجَرَّد الْمُنَاسبَة عِنْد من يَقُول بِهِ) أَي بثبوتها بِمُجَرَّد الْمُنَاسبَة (فَإِذا وجدت) تِلْكَ (الْمُنَاسبَة فِي) وصف (آخر كَانَ) ذَلِك الآخر (عِلّة بطرِيق الْأَصَالَة) لِأَن الْعلَّة فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هِيَ تِلْكَ الْمُنَاسبَة، وَالْوَصْف الثَّانِي مثل الأول فِيهَا كَمَا سيشير إِلَيْهِ (لَا) أَن علية الثَّانِي (بالإلحاق بِالْأولِ لاستقلالها) أَي الْمُنَاسبَة (بِإِثْبَات) علية (مَا تحققت) تِلْكَ الْمُنَاسبَة (فِيهِ) وَقد تحققت بِعَينهَا فِي الْوَصْف الثَّانِي، غَايَة الْأَمر وجودهَا فِي الأَصْل فِي ضمن الْوَصْف الأول لَا الثَّانِي،

стр. 1133

وَهَذَا الْفرق لَا يصحح الْإِلْحَاق (وَإِن ثبتَتْ) علية الأول (بِالنَّصِّ ثمَّ عقلت مناسبتها) أَي مُنَاسبَة تِلْكَ الْعلَّة للْحكم (وَوجدت) تِلْكَ الْمُنَاسبَة (فِيمَا) أَي فِي وصف (لم ينص عَلَيْهِ) أَي على عليته (فَكَذَلِك) أَي كَانَ مَا لم ينص عَلَيْهِ عِلّة بطرِيق الْأَصَالَة (للاستقلال) أَي استقال الْمُنَاسبَة بِإِثْبَات علية مَا تحققت فِيهِ (وَحَاصِله) أَي هَذَا التَّعْلِيل (حِينَئِذٍ ثُبُوت علية وصف بِالنَّصِّ. و) ثُبُوت علية وصف (آخر بالمناسبة) الَّتِي كَانَ علية الأول باعتبارها، وَلَا يَنْبَغِي أَن يَقع فِي مثله خلاف فَتَأمل. (فَالْوَجْه أَن يقصر الْخلاف على مثل حمل عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ) أَي الضَّابِط فِي مثل حمله: يَعْنِي قِيَاسه (أَن ينص على عِلّة منضبطة بِنَفسِهَا) لَا بِمَا يُقَام مقَامهَا (فَيلْحق بهَا) أَي بِتِلْكَ الْعلَّة (مَا تصلح) أَن تكون (مَظَنَّة لَهَا) أَي لتِلْك الْعلَّة (فَيثبت مَعهَا) أَي مَعَ المظنة (حكم المنصوصة كَمَا ألحق) عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (الشّرْب) أَي شرب الْخمر (بِالْقَذْفِ) فِي الْحَد بِهِ ثَمَانِينَ (بِجَامِع الافتراء) بَينهمَا (لكَونه) أَي شربهَا (مظنته) أَي الافتراء، فالافتراء وَهُوَ نِسْبَة الْمُحصن إِلَى الزِّنَا عِلّة للحد منضبطة بِنَفسِهَا، وَهُوَ ظَاهر، وَقد نَص على علته فِي الْكتاب وَالسّنة، وَشرب الْخمر مَظَنَّة الافتراء وإلحاق الشّرْب بِالْقَذْفِ بِجَامِع الافتراء يسلتزم إِلْحَاق الافتراء المظنون بالافتراء الْمُتَيَقن فِي الْعلية للحد، فَمثل هَذَا يُقَال فِيهِ إِثْبَات الْعلية بِالْقِيَاسِ، وللخلاف فِيهِ وَجه ظَاهر للتفاوت الْبَين بَين الافتراء الْمُحَقق والمظنون، وَلذَا قَالَ فَالْوَجْه إِلَى آخِره. مسئلة قَالَ (الْحَنَفِيَّة لَا تثبت بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ (الْحُدُود لاشتمالها) أَي الْحُدُود (على تقديرات لَا تعقل) كعدد الْمِائَة فِي الزِّنَا والثمانين فِي الْقَذْف، فَإِن الْعقل لَا يدْرك الْحِكْمَة فِي اعْتِبَار خُصُوص هَذَا الْعدَد، وَالْقِيَاس فرع تعقل الْمَعْنى فِي حكم الأَصْل (وَمَا يعقل) مَعْنَاهُ من الْحُدُود (كالقطع) ليد السَّارِق لجنايتها بِالسَّرقَةِ، وَزِيَادَة اختصاصها فِي الْأَخْذ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي الْأَعْضَاء (فللشبهة) أَي فَلَا يثبت بِالْقِيَاسِ لمَكَان الشُّبْهَة فِي الْقيَاس لاحْتِمَاله الْخَطَأ، وَالْحُدُود تدرأ بِالشُّبُهَاتِ كَمَا نطق بِهِ الحَدِيث، وَقد سبق فِي مسئلة: خبر الْوَاحِد فِي الْحَد مَقْبُول. وَقَالَ غير الْحَنَفِيَّة يثبت بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (قَالُوا: أَدِلَّة الْقيَاس) الدَّالَّة على حجتيه (معممة) حجيته للحدود وَغَيرهَا فَيجب الْعَمَل بِمُوجب تعميمها (قُلْنَا) عُمُوم حجيته إِنَّمَا هُوَ (فِي مُسْتَكْمل الشُّرُوط اتِّفَاقًا) أَي فِي قِيَاس استجمع جَمِيع الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة فِي صِحَة الْقيَاس بالِاتِّفَاقِ وَمَا يَقع فِي الْحُدُود من الْقيَاس وَلَيْسَ بمستكمل لَهَا، فَإِن من الشُّرُوط أَن يكون حكم الأَصْل مَعْقُول

стр. 1134

الْمَعْنى: وَمِنْهَا أَن لَا يكون مِمَّا يندرئ بِالشُّبْهَةِ، غير أَن الْخصم يناقش فِي الثَّانِي (وانتهاض أثر عَليّ) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ مَا ذكر من إِلْحَاقه الشّرْب بِالْقَذْفِ فِي إِثْبَات حَده (عَلَيْهِم) أَي الْحَنَفِيَّة كَمَا ذكر المجيزون (مَوْقُوف على إِجْمَاع الصَّحَابَة على صِحَة طَرِيقه) الَّذِي هُوَ الْقيَاس على الْقَذْف. (وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة فِي قصَّته الْإِجْمَاع الْمَذْكُور إِجْمَاعهم لَيْسَ على طَرِيقه، بل (إِنَّه) أَي إِجْمَاعهم (على حكمه) الَّذِي هُوَ وجوب جلد ثَمَانِينَ (باجتماع دلالات سمعية عَلَيْهِ) أَي على حكمه (كَمَا ذَكرنَاهَا فِي الْفِقْه) فِي حد الشّرْب من شرح الْهِدَايَة. وَفِي أصُول الْفِقْه للْإِمَام أبي بكر الرَّازِيّ أَن اتِّفَاق الصَّحَابَة على إِثْبَات حد الْخمر قِيَاسا إبِْطَال لأصلكم فِي عدم إِثْبَات الْحُدُود قِيَاسا. وَالْجَوَاب بِأَنَّهُ ﷺ ضرب فِي حد الْخمر بِالْجَرِيدِ وَالنعال، وروى أَنه ضربه أَرْبَعُونَ رجلا كل رجل بنعله ضربتين، فتحروا فِي اجتهادهم مُوَافَقَته ﷺ ، فجعلوه ثَمَانِينَ ونقلوا الضَّرْب عَن الجريد وَالنعال إِلَى السَّوْط وَلم يبتدئوا إِيجَاب الْحَد بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ الْمَمْنُوع. ثمَّ أَن الْكَفَّارَات فِي هَذَا كالحدود، بل قيل أَن المُرَاد بهَا مَا يَتَنَاوَلهَا. مسئلة (تَكْلِيف الْمُجْتَهد بِطَلَب المناط) للْحكم الشَّرْعِيّ (ليحكم فِي محاله) أَي محَال تحقق المناط (بِحكمِهِ) أَي حكم المناط، وَالْبَاء صلَة الحكم: يَعْنِي كَون الْمُجْتَهد مُكَلّفا فِي حكم شَرْعِي بِأَن يبْذل جهده فِي تَحْصِيل علته شرعا لِأَن يحكم بِثُبُوت ذَلِك الحكم فِي كل مَادَّة تحققت تِلْكَ الْعلَّة فِيهَا (جَائِز) خبر لقَوْله تَكْلِيف الْمُجْتَهد بِطَلَب المناط (عقلا) إِذْ لَا يَتَرَتَّب على فرض وُقُوعه مَحْذُور. (وَقَوْلهمْ) أَي الْأُصُولِيِّينَ التَّكْلِيف (بِالْقِيَاسِ لَا يَصح) بِنَاء (على أَنه) أَي الْقيَاس إِنَّمَا هُوَ (الْمُسَاوَاة) بَين الْفَرْع وَالْأَصْل فِي عِلّة حكمه، والمساواة فعل الله تَعَالَى، وَالْعَبْد لَا يُكَلف إِلَّا بِمَا هُوَ فعله، وَقد تقدم الْكَلَام فِي هَذَا فِي أَوَائِل الْقيَاس، (و) قَوْلهم (إِيجَاب الْعَمَل بِمُوجب الْقيَاس) فِي عنوان المسئلة كَمَا فِي الشَّرْح العضدي بدل قَوْلنَا تَكْلِيف الْمُجْتَهد إِلَى آخِره (فِيهِ قُصُور عَن الْمَقْصُود) أَي فِي كل من الْقَوْلَيْنِ قُصُور، أما فِي الأول، فباعتبار أَنه لَو سلم كَون الْقيَاس هُوَ الْمُسَاوَاة لم يرد تَكْلِيف الْمُجْتَهد بِنَفس الْمُسَاوَاة بل بمعرفتها بالأمارات، وَأما الثَّانِي فَلِأَن إِيجَاب الْعَمَل بِهِ إِنَّمَا يكون بعد تحَققه، والنزاع فِي أَنه هَل يُكَلف بِالنّظرِ والفحص ليظْهر وجوده أَولا، وعَلى الثَّانِي هَل يجوز التَّكْلِيف أم لَا؟ وَهَذَا محصول مَا نَقله الشَّارِح عَن المُصَنّف فِي تَوْجِيه الثَّانِي (لَا وَاجِب) مَعْطُوف على قَوْله جَائِز: أَي التَّكْلِيف بِمَا ذكر لَيْسَ بِوَاجِب عقلا (كالقفال) الشَّاشِي (وَأبي

стр. 1135

الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ: أَي كوجوب قَالَا بِهِ لِئَلَّا يلْزم خلو الوقائع عَن الْأَحْكَام فَإِنَّهَا لَا تَنْحَصِر والنصوص محصورة وَالْقِيَاس كافل بهَا، وَأَشَارَ إِلَى جوابهما بقوله (وَلُزُوم خلو وقائع) عَن الحكم (لولاه) أَي تَكْلِيف الْمُجْتَهد بِطَلَب المناط (مُنْتَفٍ لانضباط أَجنَاس الْأَحْكَام وَالْأَفْعَال) أَي أَفعَال الْعباد الَّتِي تتَعَلَّق بهَا الْأَحْكَام (وَإِمْكَان إفادتها) أَي إِفَادَة أجناسها الْمُتَعَلّقَة بالأفعال (العمومات) بِالرَّفْع على أَنه فَاعل إفادتها فَهِيَ مُضَافَة إِلَى الْمَفْعُول: مثل كل ذِي نَاب من السبَاع حرَام، وكل مُسكر حرَام وكل مَكِيل أَو مطعوم رِبَوِيّ (وَلَو لم تفدها) أَي العمومات الْأَحْكَام كلهَا (ثَبت فِيهَا) أَي فِي الوقائع الَّتِي لم يفد حكمهَا (حكم الأَصْل) وَهُوَ الْإِبَاحَة (فَلَا خلو) لواقعة عَن الحكم، فَلَا وجوب لعدم الْمُوجب (وَلَا مُمْتَنع عقلا) كَمَا ذهب إِلَيْهِ الزيدية وَبَعض الْمُعْتَزلَة مِنْهُم النظام، لكنه قَالَ فِي شريعتنا خَاصَّة وَإِنَّمَا قُلْنَا جَائِز (إِذْ لَا يلْزم إِلْزَامه) أَي الْمُجْتَهد بِطَلَب المناط (محَال) فَاعل لَا يلْزم، وَلَا يَعْنِي بِالْجَوَازِ إِلَّا عدم لُزُوم محَال، لَا لنَفسِهِ وَلَا لغيره (وَكَون) اتِّبَاع (الظَّن مَمْنُوعًا عقلا لاحْتِمَاله) أَي الظَّن (الْخَطَأ) وَالْقِيَاس لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن فَيجب الِاحْتِرَاز عَن مَحْذُوف فَلَا تَكْلِيف بِمَا يَئُول إِلَيْهِ (مَمْنُوع) إِذْ لَا يمْتَنع فِيمَا يغلب فِيهِ جَانب الصَّوَاب (بل أَكثر تَصَرُّفَات الْعُقَلَاء لفوائد غير متيقنة) كَيفَ وَإِلَّا يلْزم ترك الزَّرْع وَالتِّجَارَة والتعلم إِلَى غير ذَلِك لعدم تَيَقّن حُصُول النتيجة (وَبِه) أَي لكَون أَكثر التَّصَرُّفَات كَذَا (ظهر إِيجَابه) أَي الْعقل (الْعَمَل عِنْد ظن الصَّوَاب) كَيفَ وَلَوْلَا إِيجَابه ذَلِك لما اتّفق الْعُقَلَاء فِي مُبَاشرَة تِلْكَ التَّصَرُّفَات بِكَمَال الاهتمام لتَحْصِيل الْفَوَائِد مَعَ إِمْكَان عدم ترتبها على الْعَمَل (وَثَبت) إِيجَاب الْعَمَل عِنْد ظن الصَّوَاب (شرعا) يعلم ذَلِك (بتتبع موارده) أَي الشَّرْع كَمَا سبق فِي خبر الْوَاحِد الْعدْل إِلَى غير ذَلِك من الْأَدِلَّة الظنية (وَثُبُوت الْجمع) شرعا (بَين المختلفات) كالتسوية بَين قتل الْمحرم الصَّيْد عمدا وَخطأ فِي الْفِدَاء وَبَين زنا الْمُحصن وردة الْمُسلم فِي الْقَتْل إِلَى غير ذَلِك (و) ثُبُوت (الْفرق) شرعا (بَين المتماثلات) كَقطع السَّارِق للقليل دون غَاصِب الْكثير مَعَ تماثلهما فِي أَخذ مَال الْغَيْر وَجلد من نسب الْعَفِيف إِلَى الزِّنَا، دون من نسب الْمُسلم إِلَى الْكفْر مَعَ تماثلهما فِي نِسْبَة الْمحرم إِلَى الْمُسلم (إِنَّمَا يستلزمه) أَي كَون التَّكْلِيف بِمَا ذكر مستحيلا الْقيَاس وَهُوَ إِلْحَاق النظير بالنظير وَهُوَ غير مُعْتَبر شرعا، بل قد يعْتَبر خِلَافه (لَو لم يكن) الْجمع بَين المختلفات فِي الحكم الْوَاحِد (بِجَامِع) وصف اشتركت فِيهِ يُوجب (التَّمَاثُل) بَينهَا، لِأَن المختلفات يجوز اجتماعها فِي صفة بهَا يحصل تماثلها وَكَون تِلْكَ الصّفة عِلّة لحكم فيشترك فِي الحكم (أَو) لم يكن الْفرق بَين المتماثلات لوُجُود (فَارق) بَينهَا (تَقْتَضِيه) أَي الْفرق بَينهمَا فِي الحكم وعلته، وَلَا شكّ أَن اشتراكهما فِي الحكم فِي الأَصْل إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ مَا بِهِ التَّمَاثُل عِلّة لَهُ، وَلَا يكون لَهُ فِي الأَصْل معَارض يقتضى

стр. 1136

حكما آخر وَلَا فِي الْفَرْع معَارض أقوى، وكل ذَلِك غير مَعْلُوم (وَلَا) مُمْتَنع (سمعا) أَيْضا (خلافًا للظاهرية والقاساني) بِالسِّين الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى قَرْيَة بتركستان (والنهرواني) هَكَذَا فِي الْكَشْف، وروى بعض الْأُصُولِيِّينَ عَنْهُم إِنْكَار وُقُوعه، وَذكر الْآمِدِيّ أَنهم اتَّفقُوا على وُقُوع ذِي الْعلَّة الْمَخْصُوصَة والمومى إِلَيْهَا. وَقَالَ السُّبْكِيّ وَهُوَ الْأَصَح فِي النَّقْل عَنْهُم، كَذَا ذكر الشَّارِح لَكِن المُصَنّف اخْتَار مَا فِي الْكَشْف لما ترجح عِنْده من النَّقْل (واستدلالهم) أَي الظَّاهِرِيَّة وَمن مَعَهم على الِامْتِنَاع (بِأَن فِي حكمه) أَي الْقيَاس (اخْتِلَافا) بَين الْعلمَاء، فَمنهمْ من قَالَ بِجَوَازِهِ، وَمِنْهُم من لم يجوزه، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد اخْتلَافهمْ فِي حكم حَادِثَة وَاحِدَة بِحَسب مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ قِيَاس كل وَاحِد مِنْهُم، بل هَذَا هُوَ الْأَظْهر (فَهُوَ) أَي الْقيَاس (مَرْدُود لِأَنَّهُ من عِنْد غير الله) تَعَالَى لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ - فَإِنَّهُ يدل على أَن مَا هُوَ من عِنْد الله تَعَالَى لَا يكون فِيهِ اخْتِلَاف، وَمَا من عِنْد غَيره يكون فِيهِ، وَإِلَّا لم يَصح الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ الِاخْتِلَاف على كَونه من عِنْد الله تَعَالَى، وَمَا كَانَ من عِنْد غير الله تَعَالَى فَهُوَ مَرْدُود (مَدْفُوع) خبر لقَوْله استدلالهم (بِمَنْع كَون الِاخْتِلَاف الْمُوجب للرَّدّ فِي الْآيَة مَا) أَي الِاخْتِلَاف الْكَائِن (فِي) بعض (الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة، فَإِن هَذَا غير مَرْدُود بل هُوَ وَاقع ومقبول إِجْمَاعًا كَمَا قيل اخْتِلَاف الْعلمَاء رَحْمَة، وَكَون الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور فِي الْآيَة مُوجبا للرَّدّ لِأَنَّهُ ذكر فِي معرض الذَّم وَالنَّقْص اللَّائِق بمقام الْعباد، وَمَا كَانَ بِهَذِهِ المثابة فَهُوَ غير مَقْبُول (بل) الِاخْتِلَاف الْمُوجب للرَّدّ (التَّنَاقُض) فِي الْمَعْنى (والقصور) عَن البلاغة الَّتِي وَقع التحدي والإلزام بِأَن يكون الْقُرْآن بعض أخباره مناقضا للْبَعْض أَو مستلزما لنقيض الْبَعْض أَو يكون بعضه ركيكا من حَيْثُ تكون الْمَعْنى أَو النّظم أَو فصيحا لم يبلغ دَرَجَة الإعجاز فَإِن قلت كثيرا من الْكتب المصنفة لَا اخْتِلَاف فِيهِ قُلْنَا لَو سلم لَعَلَّ المُرَاد لُزُوم الِاخْتِلَاف لكتاب من عِنْد غير الله تَعَالَى مفترى بِهِ على الله ليتميز الْكَاذِب من الصَّادِق (وتبيانا لكل شَيْء) مَعْطُوف على قَوْله بِأَن: أَي واستدلالهم بقوله ﴿ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء﴾ - (وَنَحْوه) كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ - تَقْرِيره لَو أَخذ بعض الْأَحْكَام من الْقيَاس لما كَانَ كِتَابه تبيانا لكل شي، وَلما كَانَ كل الْأَحْكَام فِي الْكتاب الْمُبين، وَالْخَبَر مَحْذُوف بِقَرِينَة مَا سبق: أَي مَدْفُوع بِمَنْع إِرَادَة الْعُمُوم، إِذْ هُوَ (مَخْصُوص قطعا) فَلَا حَاجَة حِينَئِذٍ إِلَى التَّقْدِير، وَهُوَ: أَي كل شَيْء فِيهِ: أَي فِي الْكتاب الْمُبين، وَالْخَبَر محذف أَن أُرِيد تَفْصِيل كل شَيْء، إِذْ لَيْسَ كل الْأَشْيَاء مفصلة فِي الْقُرْآن، وَفِي بعض النّسخ وتبيانا لكل شَيْء وَنَحْوه مَخْصُوص فَلَا حَاجَة إِلَى التَّقْدِير (أَو هُوَ) أَي كل شَيْء (فِيهِ) أَي فِي الْكتاب

стр. 1137

(إِجْمَالا) وَلَو بالإحالة إِلَى السّنة أَو الْقيَاس (فَجَاز) أَن يكون (فِيهِ) أَي فِي الْكتاب إِجْمَالا وَهُوَ (حكم الْقيَاس) وَهُوَ الحكم الْحَاصِل فِي الْفَرْع قِيَاسا على الأَصْل (فيعلمه الْمُجْتَهد) بعد الِاجْتِهَاد (كَمَا جَازَ) أَن يكون (الْكل) أَي كل شَيْء (فِيهِ) أَي الْكتاب (ويعلمه النَّبِي) ﷺ كَمَا قيل جمع الْعلم: أَي الْقُرْآن، لَكِن تقاصرت عَنهُ الأفهام (مَعَ أَنه) أَي الِاسْتِدْلَال بالآيتين (مُسْتَلْزم أَن لَا يكون غير الْقُرْآن) من السّنة وَالْإِجْمَاع أَيْضا (حجَّة) تعين مَا ذَكرُوهُ فِي نفي حجية الْقيَاس (وَهُوَ) أَي انْتِفَاء حجية غير الْقُرْآن (مُنْتَفٍ عِنْدهم) أَي المانعين (أَيْضا) فَمَا هُوَ جوابهم فَهُوَ جَوَابنَا (وَبِه) أَي بِهَذَا الاستلزام: أَي بِانْتِفَاء هَذَا اللَّازِم (يبعد نِسْبَة هَذَا) الِاسْتِدْلَال (لَهُم) أَي إِلَيْهِم (على) وَجه (الِاقْتِصَار) على نفي الْقيَاس لبعد الْغَفْلَة عَن وُرُود هَذَا النَّقْص الظَّاهِر (وَأما) الْجَواب عَن استدلالهم بهما على مَا ذكره صدر الشَّرِيعَة من أَن الْقُرْآن تبيان للْقِيَاس (بِاعْتِبَار دلَالَته) أَي الْقُرْآن (على حكم الأَصْل نصا، و) على (حكم الْفَرْع دلَالَة) قد سبق أَن دلَالَة اللَّفْظ على حكم مَنْطُوق بمسكوت يفهم مناطه بِمُجَرَّد فهم اللُّغَة يُسمى دلَالَة فِي الِاصْطِلَاح (فَلَيْسَ) بِصَحِيح (وَإِلَّا) أَي وَإِن صَحَّ مَا ذكره (فَكل قِيَاس مَفْهُوم مُوَافقَة) أَي فَيلْزم أَن يكون كل قِيَاس مَدْلُول اللَّفْظ بِاعْتِبَار حكمه الْأَصْلِيّ نصا، والفرعي دلَالَة بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى بِمَفْهُوم الْمُوَافقَة كدلالة النَّهْي عَن التأفيف على حرمته نصا، وعَلى حُرْمَة الضَّرْب دلَالَة، وَكَون كل قِيَاس كَذَا بَاطِل بالِاتِّفَاقِ (مَعَ أَنه) أَي كَون الْقُرْآن دَالا على أَحْكَام الْأُصُول كلهَا (مَمْنُوع فِي) الْأَشْيَاء (السِّتَّة) الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ وَالشعِير بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ وَالذَّهَب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ وَالْملح بالملح (أصُول) حكم (الرِّبَا) الْمَنْصُوص عَلَيْهَا فِي السّنة عطف بَيَان للستة (و) فِي (كثير) من الْأُصُول الْمَقِيس عَلَيْهَا (بل) بَيَان أَمْثَالهَا إِنَّمَا هُوَ (بِالسنةِ فَقَط، وَحَدِيث) لم يزل أَمر بني إِسْرَائِيل مُسْتَقِيمًا حَتَّى كثرت فيهم أَوْلَاد السبايا، و (قاسوا مَا لم يكن على مَا كَانَ فضلوا) وأضلوا أخرجه الْبَزَّار، وَفِي سَنَده قيس بن الرّبيع فِيهِ مقَال، وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ وَأَبُو عوَانَة بِإِسْنَاد صَحِيح من قَول عُرْوَة (لَيْسَ مِمَّا نَحن فِيهِ) لِأَن المُرَاد مِنْهُ نصب الشَّرَائِع بِالْأَدَاءِ بِقِيَاس غير الْمَشْرُوع على الْمَشْرُوع من غير جَامع منَاط للْحكم دَال على كَون الثَّانِي مثل الأول فِيهِ (قَالُوا) أَي المانعون لَهُ سمعا أَيْضا (أرشد إِلَى تَركه) أَي الْقيَاس (بِإِيجَاب الْحمل على الأَصْل) وَهُوَ الْإِبَاحَة والبراءة الْأَصْلِيَّة (فِيمَا لم يُوجد فِيهِ نَص) قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ﴾ محرما على طاعم يطعمهُ - الْآيَة، فَكل مَا لم يُوجد فِي الْكتاب محرما لَا يحرم بل يبْقى على الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة (الْجَواب) أَنه (إِنَّمَا يُفِيد) مَا ذكر من الْآيَة (منع إِثْبَات الْحُرْمَة ابْتِدَاء بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهَا نزلت لرد

стр. 1138

مَا ذكر قبلهَا من تَحْرِيم الْكفَّار الْمَذْكُورَات من عِنْد أنفسهم ابْتِدَاء من غير الحاق لَهَا بِمَا حرمه الله للاشتراك فِي منَاط التَّحْرِيم، فَإِن الْمحرم عِنْد نزُول الْآيَة إِذا انحصر فِيمَا ذكر فِيهَا وَلَا شَيْء مِنْهُ يصلح لِأَن يلْحق بِهِ مَا حرمه الْكفَّار، فَلَو حرم الرَّسُول مَا حرمُوهُ لزم إِثْبَات الْحُرْمَة ابْتِدَاء (وَبِه) أَي بِمَنْع إِثْبَاتهَا ابْتِدَاء (بقول كَمَا) قُلْنَا فِيمَا (لم يدْرك مناطه) لأَنا شرطنا فِي الْقيَاس كَون حكم الأَصْل مَعْقُول الْمَعْنى (قَالُوا) أَيْضا الْقيَاس (ظَنِّي) فَلَا يجوز إِثْبَات حق الشَّارِع وَهُوَ الحكم الشَّرْعِيّ لقدرته على الْبَيَان الْقطعِي بِخِلَاف حُقُوق الْعباد فَإِنَّهَا تثبت بِقَيْد الظَّن كَالشَّهَادَةِ لعجزهم عَن الْإِثْبَات بقطعي (لَا) أَنه (كَخَبَر الْوَاحِد) فَإِنَّهُ بَيَان من جِهَة الشَّرْع قَطْعِيّ، والشبهة إِنَّمَا عرضت فِي طَرِيق الِانْتِقَال إِلَيْنَا فَلَا يُفِيد الْقطع بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا (وَجَوَابه مَا مر فِي مسئلة تَقْدِيمه) أَي خبر الْوَاحِد (عَلَيْهِ) أَي الْقيَاس: من أَن الِاحْتِجَاج بالْخبر الْحَاصِل الْآن وَهُوَ مظنون فَلَا ينفع كَونه يُفِيد الْقطع بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِغَيْر وَاسِطَة، وَالْفرق الْمَذْكُور بَين الْحَقَّيْنِ سَاقِط، لِأَن التَّوَجُّه إِلَى جِهَة الْقبْلَة مَحْض حق الله تَعَالَى، وَقد أطلق لنا الْعَمَل فِيهِ بِالرَّأْيِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وسعنا مَا هُوَ أقوى من ذَلِك، وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي الْأَحْكَام (ثمَّ بعد جَوَازه) أَي تَكْلِيف الْمُجْتَهد بِطَلَب المناط (وَقع) التَّكْلِيف بِهِ (سمعا، قيل) ثَبت وُقُوعه (ظنا) وَهَذَا القَوْل (لأبي الْحُسَيْن، وَلذَا) أَي لوُقُوعه ظنا عِنْده (عدل) فِي إثْبَاته (إِلَى مَا تقدم) من الدَّلِيل الْعقلِيّ الْمُفِيد للْقطع بظنه لِأَنَّهُ أصل ديني لَا يَكْفِي فِيهِ الظَّن (وَقيل) وَقع (قطعا) وَهُوَ قَول الْأَكْثَر (لقَوْله تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾) فَإِن الِاعْتِبَار رد الشَّيْء إِلَى نَظِيره بِأَن يحكم عَلَيْهِ بِحكمِهِ، وَكَذَا سمى الأَصْل الَّذِي ترد إِلَيْهِ النَّظَائِر عِبْرَة، وَهَذَا يَشْمَل الاتعاظ، وَالْقِيَاس الْعقلِيّ، والشرعي، وَسِيَاق الْآيَة للاتعاظ، فتدل عَلَيْهِ عبارَة، وعَلى الْقيَاس إِشَارَة (وَكَونه) أَي وَكَون عُمُوم - اعتبروا (مَخْصُوصًا بمادة انْتَفَت) فِيهَا (شَرَائِطه) أَي الْقيَاس فَإِنَّهَا خَارِجَة عَنهُ (وَاحْتِمَال كَونه) أَي اعتبروا (للنَّدْب، وَكَونه للحاضرين) عِنْد نُزُولهَا فَقَط (و) احْتِمَال (إِرَادَة الْمرة) الْوَاحِدَة من الِاعْتِبَار وَإِرَادَة الْعَمَل بِهِ (وَفِي بعض الْأَحْوَال والأزمنة) وَغير ذَلِك مِمَّا يقتضى عدم إِرَادَة الْعُمُوم (لَا يَنْفِي الْقطع بِهِ) أَي بِوُقُوع التَّكْلِيف بِهِ، وَأما فِي الأول فنقطع بِمَا عدا مَا خص بِهِ (لِأَنَّهُ) أَي التَّخْصِيص الْمَذْكُور (تَخْصِيص بِالْعقلِ) والمخصص قَطْعِيّ فِي غير مَا خص بِهِ، وَأما فِي الْبَاقِي فَلَمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَلَيْسَ بِكُل تَجْوِيز عَقْلِي ينتفى الْقطع) فَلَا عِبْرَة بباقي الِاحْتِمَالَات وَإِنَّمَا يَنْتَفِي الْقطع بِالشُّبْهَةِ الناشئة عَن الدَّلِيل كَمَا تقرر فِي مَحَله (وَإِلَّا انْتَفَى) الْقطع (عَن السمعيات) لِأَنَّهُ لم يسلم شَيْء مِنْهَا عَن تجويزها عقلا فَلَا يتَمَسَّك بِشَيْء مِنْهَا (وَأما ظُهُور كَونه) أَي الِاعْتِبَار (فِي الاتعاظ بِالنّظرِ إِلَى خُصُوص

стр. 1139

السَّبَب) لنزول الْآيَة الْمشَار إِلَيْهَا بقوله (ولبعد) أَن يُرَاد بقوله تَعَالَى - ﴿فاعتبروا﴾ - بعد قَوْله (يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم) وأيدي الْمُؤمنِينَ (فقيسوا الذّرة بِالْبرِّ) كَمَا هُوَ لَازم الِاسْتِدْلَال لعدم الْمُنَاسبَة، فَلَا يحمل كَلَامه تَعَالَى عَلَيْهِ، وَالْجَوَاب عَنهُ مَا أَفَادَهُ بقوله (فَالْعِبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ) لَا لخُصُوص السَّبَب، فَانْتفى الأول: وَهُوَ ظُهُور كَونه للاتعاظ (وَبِه) أَي بِأَن الْعبْرَة لعمومه (انْتَفَى الثَّانِي) أَيْضا (إِذْ الْمُرَتّب) على السَّبَب الْمَذْكُور الِاعْتِبَار (الْأَعَمّ مِنْهُ) أَي من قِيَاس الذّرة على الْبر (أَي فاعتبروا الشَّيْء بنظيره فِي مناطه) الظّرْف مُتَعَلق بنظيره لما فِيهِ من معنى الْفِعْل (فِي المثلات) أَي الْعُقُوبَات جمع مثلَة بِفَتْح الثَّاء وَضمّهَا مُتَعَلق بِالِاعْتِبَارِ (وَغَيرهَا وَهَذَا) الطَّرِيق فِي إِثْبَات التَّكْلِيف بِالْقِيَاسِ (أيسر من إثْبَاته) أَي التَّكْلِيف بِهِ (دلَالَة) كَمَا ذهب إِلَيْهِ صدر الشَّرِيعَة، لِأَن فهم الْأَمر بِالْقِيَاسِ من الْأَمر بِالِاعْتِبَارِ بطرِيق اللُّغَة من غير اجْتِهَاد لِئَلَّا يلْزم إِثْبَات الْقيَاس بِالْقِيَاسِ بعيد جدا، فَإِن من الْمَعْلُوم أَنه لَا يفهم كل من يعرف اللُّغَة ذَلِك كَمَا أَفَادَهُ بقوله (إِذْ لَا يفهم فهم اللُّغَة) نصب على المصدرية، فَإِن الْمَنْفِيّ إِنَّمَا هُوَ هَذَا النَّوْع من الْفَهم لَا مطلقه (الْأَمر بِالْقِيَاسِ) قَائِم مقَام فَاعل يفهم (فِي الْأَحْكَام) مُتَعَلق بِالْقِيَاسِ (من) الْأَمر ب (الاتعاظ). وَالشَّارِح تعقب المُصَنّف فِي هَذَا فَليرْجع إِلَيْهِ، وظني أَن مَا ذكره غير مُتَّجه (وَأَيْضًا قد تَوَاتر عَن كثير من الصَّحَابَة الْعَمَل بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ عِنْد عدم النَّص وَإِن كَانَت التفاصيل آحادا، فَإِن الْقدر الْمُشْتَرك متواتر (وَالْعَادَة قاضية فِي مثله) أَي فِي مثل الْعَمَل بِالْقِيَاسِ من كثير من الصَّحَابَة (بِأَنَّهُ) أَي الْعَمَل الْمَذْكُور إِنَّمَا يكون (عَن قَاطع فِيهِ) أَي الْعَمَل بِهِ وَإِن لم نعلمهُ على التَّعْيِين (وَأَيْضًا شاع مباحثتهم فِيهِ) أَي فِي الْعَمَل بِالْقِيَاسِ (وترجيحهم) بعض الْقيَاس على بعض (بِلَا نَكِير) لذَلِك (فَكَانَ) ذَلِك (إِجْمَاعًا مِنْهُم على حجيته لقَضَاء الْعَادة بِهِ) أَي بِكَوْنِهِ إِجْمَاعًا قَطْعِيا (فِي مثله من أصُول الدّين لَا سكُوتًا) أَي لَا إِجْمَاعًا سكوتيا مُفِيدا للظن، فَإِن ترك الْإِنْكَار فِي أَمر مُنكر يَجْعَل أصلا من أصُول الدّين على تَقْدِير أَن يَتَقَرَّر فِيمَا بَين الصَّحَابَة بِمَا تحيل الْعَادة وُقُوعه من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ (وَحَدِيث معَاذ) الْمُفِيد حجية الْقيَاس، فِي التَّوْضِيح أَن النَّبِي ﷺ لما بعث معَاذًا إِلَى الْيمن قَالَ لَهُ بِمَ تقضي؟ قَالَ لَهُ بِمَا فِي كتاب الله. قَالَ فَإِن لم تَجِد فِي كتاب الله؟ قَالَ أَقْْضِي بِمَا قضى بِهِ رَسُول الله ﷺ . قَالَ فَإِن لم تَجِد مَا قضى بِهِ رَسُول الله؟ قَالَ أجتهد: فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُوله بِمَا يرضى بِهِ رَسُوله. فَإِنَّهُ (يُفِيد طمأنينة) الطُّمَأْنِينَة فَوق الظَّن لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَه احْتِمَال النقيض، وَإِن كَانَ دون الْيَقِين لاحْتِمَال زَوَاله بالتشكيك (فَإِنَّهُ) أَي الحَدِيث الْمَذْكُور (مَشْهُور) على مَا روى (عَن الْحَنَفِيَّة) فَتثبت بِهِ الْأُصُول فَإِن قيل: الْمَذْكُور فِيهِ الِاجْتِهَاد

стр. 1140

وَهُوَ قد يكون بِغَيْر الْقيَاس الْمُتَنَازع فِيهِ كَالْحكمِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّة، وَالْقِيَاس الْمَنْصُوص الْعلَّة، والاستنباط من النُّصُوص الْخفية الدّلَالَة قُلْنَا: الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة لَا تحْتَاج إِلَى الِاجْتِهَاد، ومنصوص الْعلَّة لَا يَفِي بِالْأَحْكَامِ. وَأما الاستنباط من النُّصُوص فَأجَاب عَنهُ بقوله (وَكَون الِاجْتِهَاد) كَمَا يتَحَقَّق فِي الْقيَاس يتَحَقَّق (فِي الْمَنْصُوص) فَلَا يتَعَيَّن إِرَادَة الْقيَاس لَا يرد لِأَنَّهُ (دَاخل فِي قَوْله) أَي معَاذ أقضى بِمَا فِي (كتاب الله وَسنة رَسُوله فَلم يبْق) محمل للِاجْتِهَاد (إِلَّا الْقيَاس). وَفِي بعض النّسخ دَاخِلا على أَنه خبر الْكَوْن، وَهُوَ مجرور على أَنه مَعْطُوف على مَا يفهم من من السِّيَاق كَأَنَّهُ قَالَ لكَونه مَشْهُورا وَلكَون الِاجْتِهَاد إِلَى آخِره، وَهَذَا أقل تَقْدِير (وَالْقطع) حَاصِل (بِأَن إِطْلَاقه) أَي إِطْلَاق جَوَازه لِمعَاذ (لَيْسَ إِلَّا لاجتهاده لَا لخصوصه) فَلَا يرد أَنه يجوز أَن يكون ذَلِك مَخْصُوصًا بمعاذ. ثمَّ أجَاب عَمَّا روى عَن بعض الصَّحَابَة مِمَّا يُوهم نَفْيه بقوله (والمروي عَن جمع من الصَّحَابَة كالصديق والفاروق وَعلي وَابْن مَسْعُود) رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم (من ذمَّة) أَي الْقيَاس، عَن الصّديق أَنه لما سُئِلَ عَن الْكَلَالَة قَالَ: أَي سَمَاء تُظِلنِي، وَأي أَرض تُقِلني؟ إِذا قلت فِي كتاب الله تَعَالَى برأيي. وَعَن الْفَارُوق " اتَّقوا الرَّأْي فِي دينكُمْ: إيَّاكُمْ وَأَصْحَاب الرَّأْي فَإِنَّهُم أَعدَاء السّنة: اتهموا الرَّأْي على الدّين ". وَعَن عَليّ " لَو كَانَ الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِن الْخُف أولى بِالْمَسْحِ من أَعْلَاهُ ". وَعَن ابْن مَسْعُود " لَا أَقيس شَيْئا بِشَيْء فتزل قدم بعد ثُبُوتهَا ". وَعنهُ " يحدث قوم يقيسون الْأُمُور برأيهم فينهدم الْإِسْلَام وينثلم " كَمَا ذكر الشَّارِح مخرجها إِلَّا الأول، ثمَّ بعد صِحَّته عَنْهُم (فالقطع بِأَنَّهُ) أَي الذَّم (فِي غَيره) أَي غير الْقيَاس الشَّرْعِيّ (إِذْ قَاس كثير) من الصَّحَابَة قَول الرجل: أَنْت عَليّ (حرَام عَليّ) قَوْله: أَنْت (طَالِق) فِي وُقُوع وَاحِدَة رَجْعِيَّة. وَنقل الشَّارِح عَن بَعضهم مَا يُخَالف هَذَا فِي تَفْصِيل ذكره، والعمدة على نقل المُصَنّف وتحقيقه (و) قَاس (على الشَّارِب) للخمر (على الْقَاذِف) فِي الْحَد، وَقد سبق بَيَانه (و) قَاس (الصّديق الزَّكَاة على الصَّلَاة فِي وجوب الْقِتَال) بِالتّرْكِ. فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن عمر قَالَ لأبي بكر كَيفَ تقَاتل النَّاس؟ فساقه إِلَى قَول أبي بكر: وَالله لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة: الحَدِيث (وَفِيه) أَي فِي قِيَاس أبي بكر هَذَا (إِجْمَاع الصَّحَابَة أَيْضا، وَورث) أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (أم الْأُم لَا أم الْأَب) لما اجتمعتا (فَقيل لَهُ) وَالْقَائِل عبد الرَّحْمَن بن سهل أَخُو بني حَارِثَة (تركت الَّتِي لَو كَانَت) هِيَ (الْميتَة) وَهُوَ حَيّ (ورث الْكل) مِنْهَا إِذا انْفَرد (اي هِيَ) يَعْنِي أم الْأَب (أقرب) أَي أقوى قرَابَة من أم الْأُم (فشرك) أَبُو بكر (بَينهمَا فِي السُّدس) على السوَاء (و) ورث (عمر المبتوتة بِالرَّأْيِ) فَقَالَ فِي الَّذِي يُطلق امْرَأَته وَهُوَ مَرِيض أَنَّهَا تَرثه فِي الْعدة وَلَا يَرِثهَا، وَهُوَ

стр. 1141

مَشْهُور عَن عُثْمَان، رَوَاهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ بِسَنَد صَحِيح (و) قَاس (ابْن مَسْعُود موت زوج المفوضة) قبل الدُّخُول بهَا فِي لُزُوم جَمِيع مهر الْمثل على موت زوج غَيرهَا قبل الدُّخُول بهَا فِي لُزُوم جَمِيع الْمُسَمّى، والمفوضة الَّتِي زَوجهَا بِغَيْر مهر (وَذَلِكَ) أَي الْعَمَل بِالْقِيَاسِ للصحابة (أَكثر من أَن ينْقل) وَإِن كثر فِي النَّقْل (وَاخْتِلَافهمْ) أَي الصَّحَابَة (فِي تَوْرِيث الْجد مَعَ الْأُخوة) لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب (كل) مِنْهُم (قَالَ فِيهِ بالتشبيه) فِي مُسْند أبي حنيفَة عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق أَن عمر شاور عليا وَزيد بن ثَابت فِي الْجد مَعَ الْأُخوة، فَقَالَ لَهُ عَليّ: أَرَأَيْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أَن شَجَرَة انشعب مِنْهَا غُصْن، ثمَّ انشعب من الْغُصْن غُصْن أَيهمَا أقرب إِلَى أحد الغصنين؟ أصاحبه الَّذِي خرج مِنْهُ أم الشَّجَرَة؟ وَقَالَ زيد: لَو أَن جدولا انْبَعَثَ من ساقية ثمَّ انْبَعَثَ من الساقية ساقيتان أَيهمَا أقرب إِلَى أحد الساقيتين أصاحبتها أم الْجَدْوَل؟ انْتهى: وَلَا يخفى أَن هَذَا لَيْسَ من الْقيَاس الْمُتَنَازع فِيهِ، غير أَنه يلْزم من ثُبُوته ثُبُوته بطرِيق أولى. مسئلة (النَّص) من الشَّارِع (على الْعلَّة يَكْفِي فِي إِيجَاب تَعديَة الحكم بهَا) أَي بِسَبَب الْعلَّة إِلَى غير مَحل الحكم الْمَنْصُوص المشارك لَهُ فِيهَا (وَلَو لم تثبت شَرْعِيَّة الْقيَاس وفَاقا للحنفية وَأحمد والنظام والقاساني) وَأبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ. (وَأَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ) قَالَ: يَكْفِي فِي إِيجَاب تَعديَة الحكم بهَا (فِي التَّحْرِيم) أَي إِذا كَانَت عِلّة لتَحْرِيم الْفِعْل دون غَيره (خلافًا لِلْجُمْهُورِ) فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي عِنْدهم ذَلِك فِي إِيجَابهَا مُطلقًا (لَهُم) أَي الْجُمْهُور (انْتِفَاء دَلِيل الْوُجُوب) لتعدية الحكم ثَابت (وَهُوَ) أَي دَلِيله (الْأَمر) بالتعدية بهَا (أَو الْإِخْبَار بِهِ) أَي بِالْوُجُوب فينتفى الْوُجُوب (وَأما الِاسْتِدْلَال) لَهُم كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب وَغَيره (بِلُزُوم عتق كل أسود لَو قَالَ أعتقت) عَبدِي (غانما لسواده فمردود) كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ القَاضِي عضد الدّين (بِأَنَّهُم) أَي الْحَنَفِيَّة وَمن مَعَهم (لَا يَقُولُونَ بِثُبُوت حكم الْفَرْع من اللَّفْظ ليلزم ذَلِك) اللَّازِم (بل) يَقُولُونَ (أَنه) أَي النَّص على الْعلَّة (دَال على وجوب إِثْبَات الحكم) بهَا على الْمُجْتَهد (أَيْن وجد) الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْعلَّة، وَفِيه أَنهم لَو قَالُوا بِثُبُوت الْفَرْع من اللَّفْظ للَزِمَ ذَلِك وَلَيْسَ كَذَلِك لوُجُود الْفرق بَين كَلَام الشَّارِع وَغَيره. فَإِنَّهُ إِذا نَص على الْعلَّة كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا عَلامَة للْحكم مهما وجدت وجد، لكَون أَحْكَامه غير معللة بالعلل، وَلَيْسَ غَيره كَذَلِك. فَمَعْنَى أعتقت إِلَى آخِره دَعَاني سوَاده إِلَى الاعتاق، وَلَا يسْتَلْزم هَذَا أَن يَدْعُو سَواد غَيره إِلَى ذَلِك فَتَأمل (وَكَذَا) اسْتِدْلَال الْحَنَفِيَّة وَمن مَعَهم (بِأَنَّهُ لَا فرق بَين حرمت الْخمر لإسكارها، وكل

стр. 1142

مُسكر إِذا كَانَ) القَوْل الْمَذْكُور صادرا (من وَاجِب الِامْتِثَال) مَرْدُود (لما ذكرنَا) آنِفا من أَنهم لَا يَقُولُونَ بِثُبُوت حكم الْفَرْع من اللَّفْظ (وَالْفرق) بَين مَا نَص فِيهِ على علية علته، وَمَا ذكر من مَادَّة النَّقْض من قبل الْحَنَفِيَّة (بِأَن الْقيَاس حق الله تَعَالَى فَيَكْفِي فِيهِ) أَي فِي ثُبُوت حكمه (الظُّهُور) أَي كَون اللَّفْظ دَالا عَلَيْهِ بِظَاهِرِهِ من غير تَصْرِيح لمزيد الاهتمام بِشَأْنِهِ (وَالْعِتْق زَوَال حق آدَمِيّ فبالصريح) أَي فَيثبت بِالصَّرِيحِ لَا بالظهور، وَقَوله أعتقت إِلَى آخِره لَيْسَ بِصَرِيح (مَمْنُوع بِأَن الْعتْق كَذَلِك) أَي يَكْفِي فِيهِ الظُّهُور (لتشوفه) أَي لتطلع الشَّارِع وَكَمَال توجهه (إِلَيْهِ) أَي الْعتْق فَإِنَّهُ أحب الْمُبَاحَات إِلَيْهِ (وَلِأَن فِيهِ) أَي الْعتْق (حق الله تَعَالَى) لكَونه من الْعِبَادَات (وَلنَا أَن ذكر الْعلَّة) من حَيْثُ هِيَ عِلّة (مَعَ الحكم يُفِيد تعميمه) أَي الحكم (فِي محَال وجودهَا لِأَنَّهُ يتَبَادَر إِلَى فهم كل من سمع حُرْمَة الْخمر لِأَنَّهَا مسكرة) أَي الدَّال على حرمتهَا معللة بالإسكار (تَحْرِيم كل مَا أسكر)، وَفِيه أَنه يُنَافِي مَا مر من أَنهم لَا يَقُولُونَ بِثُبُوت حكم الْفَرْع من اللَّفْظ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد نفي ثُبُوته منطوقا أَو ثُبُوت حكم الْفَرْع بِخُصُوصِهِ فَتَأمل (و) لِأَنَّهُ يتَبَادَر (من قَول طَبِيب لَا تَأْكُله) أَي الشَّيْء الْفُلَانِيّ (لبرودته مَنعه) أَي الْمُخَاطب (من) أكل (كل بَارِد، وَاحْتِمَال كَونه) أَي النَّص على الْعلَّة (لبَيَان حكمته) أَي الحكم (مَعَ منع الْمُجْتَهد من) قِيَاس (مثله) أَي مثل مَحل الحكم الْمَنْصُوص على علته (أَو أَنه) أَي النَّص عَلَيْهَا فِي نَحْو حرمت الْخمر لإسكارها (لخُصُوص إسكار الْخمر) لَا لمُطلق الْإِسْكَار (لَا يقْدَح فِي الظُّهُور) أَي فِي كَونه ظَاهرا فِي الْإِطْلَاق، والظهور كَاف فِي الْقيَاس الْمَبْنِيّ على الظَّن (كاحتمال خُصُوص الْعَام بعد الْبَحْث) والتفحص (عَن الْمُخَصّص) وَعدم العثور عَلَيْهِ (فَإِنَّهُ) أَي الْعَام (حِينَئِذٍ) أَي حِين بحث عَن مخصصه وَلم يعثر عَلَيْهِ (ظَاهر فِي عدم التَّخْصِيص فَبَطل مَنعه) أَي منع إِيجَاب النَّص على الْعلَّة التَّعْدِيَة (بتجويز كَونه) أَي النَّص على الْعلَّة (لتعقل فَائِدَة شرعيته) أَي الحكم (فِي ذَلِك الْمحل مَعَ قصره) أَي الحكم (عَلَيْهِ) أَي ذَلِك الْمحل وَحَاصِله بَيَان الْحِكْمَة لذَلِك الحكم الْمَخْصُوص بمحله عَن الشَّارِع، فَالْفرق بَين هَذَا وَمَا تقدم عدم التَّقْيِيد بِمَنْع الْمُجْتَهد من مثله صَرِيحًا (وَأبْعد مِنْهُ) أَي من التجويز الْمَذْكُور أَن يُقَال (تَعْلِيل كَونه) أَي تَحْرِيم الْخمر مُعَللا (بإسكارها) خَاصَّة لَا بِمُطلق الْإِسْكَار (بِأَن حُرْمَة الْخمر لَا تعلل بِكُل إسكار) بل بالإسكار الْمُضَاف إِلَيْهَا كَمَا فِي الشَّرْح العضدي، وَقَوله بِأَن صلَة تَعْلِيل (لِأَن الْمُدَّعِي ظُهُور حرمتهَا لِأَنَّهَا مسكرة فِي التَّعْلِيل بالإسكار) الْمُطلق (الدائر فِي كل إسكار، دون الْإِسْكَار الْمُقَيد بِالْإِضَافَة الْخَاصَّة) وَهِي الْإِضَافَة إِلَى الْخمر (لتبادر الْغَايَة) أَي خُصُوص الْإِضَافَة (إِلَى عقل كل من فهم معنى السكر) الْمَأْخُوذ فِي حرمتهَا

стр. 1143

لِأَنَّهَا مسكرة، لَا يُقَال قد يُفِيد بالمطلق بِالْقَرِينَةِ وَهِي مَوْجُودَة هَهُنَا لِأَن الْمُعَلل حُرْمَة مُغَلّظَة فيناسبه أَن يكون فِي علته أَيْضا غلظة وَلَا تُوجد تِلْكَ الغلظة فِي الْمُطلق على إِطْلَاقه، لأَنا نقُول هَهُنَا مَا يُقَاوم اعْتِبَار مُقْتَضى وضع اللَّفْظ من الْعُمُوم على أَن الْإِطْلَاق أنسب بِقصد الشَّارِع من حسم مَادَّة الْفساد الْحَاصِل بِكُل مُسكر ثمَّ أيد الأبعدية بقوله (واعترف هَذَا الْقَائِل) يَعْنِي القَاضِي (بإفادة قَول الطَّبِيب لَا تَأْكُله لبرده التَّعْمِيم) أَي الْمَنْع من أكل كل بَارِد (وَهُوَ) أَي حرمته الْخمر إِلَى آخِره (مثله) أَي مثل قَول الطَّبِيب الْمَذْكُور (دون أَن الْمَنْع) فِيهِ إِنَّمَا هُوَ (من ذَلِك الْبَارِد) الْمَخْصُوص فَقَوله دون حَال من قَول الطَّبِيب، يَعْنِي أَن قَوْله يُفِيد التَّعْمِيم حَال كَونه متجاوزا إِفَادَة أَن الْمَنْع إِلَى آخِره (وَلَا يُعلل) الْمَنْع من ذَلِك الْبَارِد (بِكُل برودة) بل ببرودته فَقَوله وَلَا يُعلل إِلَى آخِره حَال من الْمَنْع الْمَذْكُور بعد دون، فَقَوله دون إِلَى آخِره يُفِيد نفي إِفَادَة الْمَنْع من الْبَارِد الْمَخْصُوص مُعَللا ببرودته الْمَخْصُوصَة، واعترافه هَذَا مُخَالف لما ادَّعَاهُ فِي الْخمر (وَفرق الْبَصْرِيّ) بَين التَّحْرِيم وَغَيره (بِأَن ترك الْمنْهِي) بارتكاب مَا نهى عَنهُ (يُوجب ضَرَرا) وَهُوَ وُقُوع مفْسدَة نهى لأَجلهَا (فَيُفِيد) النَّهْي عَنهُ بِهَذَا الِاعْتِبَار (الْعُمُوم وَالْفِعْل لتَحْصِيل مصلحَة) كالتصدق على فَقير للمثوبة (لَا يُوجب) الْفِعْل (كل تَحْصِيل) أَي كل تَحْصِيل مصلحَة حَتَّى يلْزم من فَوَاته الْمصَالح كلهَا (لَا يُفِيد) مَطْلُوبه (بعد ظُهُور أَنه) أَي النَّص على الْعلَّة (من الشَّارِع يُفِيد إِيجَاب اعْتِبَار الْوَصْف) من حَيْثُ أَنه عِلّة (ويستلزم) الْإِيجَاب الْمَذْكُور (وجوب التَّرْتِيب) أَي تَرْتِيب الحكم عَلَيْهِ أَيْنَمَا وجد (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يجب التَّرْتِيب (لَزِمت مُخَالفَة اعْتِبَاره أَي اعْتِبَار الشَّارِع الْوَصْف عِلّة (وَهُوَ) أَي خلاف اعْتِبَاره (مُضر كالنهي) أَي كَمَا أَن مُخَالفَة اعْتِبَاره فِي النَّهْي مُضر (وَهَذَا) الَّذِي ذكرنَا مِمَّا يُخَالف مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور (تَفْصِيل رد دليلهم) أَي الْجُمْهُور (الأول) يَعْنِي انْتِفَاء دَلِيل الْوُجُوب (وَأما مَا ذكر) فِي أصُول ابْن الْحَاجِب وَغَيره (من مسئلة لَا يجرى الْخلاف) أَي بَين مثبتي الْقيَاس (فِي جَمِيع الْأَحْكَام) فِي الشَّرْح العضدي: قد اخْتلف فِي جَرَيَان الْقيَاس فِي جَمِيع الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وأثبته شذوذ، وَالْمُخْتَار نَفْيه، ثمَّ نقل عَن الْمَحْصُول أَن النزاع فِي أَنه هَل فِي الشَّرْع جمل من الْأَحْكَام لَا يجرى فِيهَا الْقيَاس أَو ينظر فِي كل مسئلة مسئلة هَل يجْرِي فِيهَا الْقيَاس أم لَا؟ (فمعلومة من الشُّرُوط) ككون حكم الأَصْل مَعْقُول الْمَعْنى، وَكَون الْفَرْع لَا يتَعَيَّن فِيهِ حكم نَص أَو إِجْمَاع إِلَى غير ذَلِك فَلَا حَاجَة إِلَى أَفْرَاد مسئلة فِيهِ، يَعْنِي أَنه علم من الشُّرُوط أَن مَا لَا يُوجد فِيهِ تِلْكَ الشُّرُوط لَا يجْرِي فِيهِ الْقيَاس فَلَا حَاجَة فِيهِ إِلَى النّظر هَل يجْرِي فِيهِ أم لَا، فَثَبت أَن فِي الشَّرْع

стр. 1144

جملا لَا يجْرِي فِيهَا (يجب الحكم على الْخلاف الْمَنْقُول على الْإِطْلَاق) بِأَن يَقُول الْبَعْض بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع جَرَيَانه فِي مسئلة من الْمسَائِل، وَالْبَعْض الآخر بامتناعه فِي بَعْضهَا (بالْخَطَأ) صلَة الحكم يَعْنِي نقل الْخلاف على هَذَا الْوَجْه خطأ قطعا فَيجب أَن يحكم عَلَيْهِ بالْخَطَأ. فصل فِي بَيَان الاعتراضات الْوَارِدَة على الْقيَاس (يرد على) أَفْرَاد (الْقيَاس أسئلة: مرجع مَا سوى الاستفسار مِنْهَا إِلَى الْمَنْع أَو الْمُعَارضَة) فالمرجع مصدر، لَا اسْم مَكَان، وَألا يلْزم حذف كلمة إِلَى، وَإِنَّمَا قيد بِمَا سواهُ ردا على من أطلق وَهُوَ غير وَاحِد، وَإِلَيْهِ ذهب أَكثر الجدليين، وَوَافَقَهُمْ ابْن الْحَاجِب، وَذهب السُّبْكِيّ إِلَى أَن مرجع الْكل إِلَى الْمَنْع وَحده كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض الجدليين لِأَن الْمُعَارضَة منع لِلْعِلَّةِ عَن الجريان، وَلَا يخفى أَن أدراج النَّقْض الإجمالي فِي الْمَنْع لَهُ وَجه لِأَنَّهُ مُتَعَلق بِالدَّلِيلِ، وَأما الْمُعَارضَة فَلَا تعرض فِيهَا للدليل بل هِيَ إِقَامَة الدَّلِيل على خلاف مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْخصم. (أَولهَا) أَي الأسئلة (الاستفسار) وَهُوَ طلب بَيَان معنى اللَّفْظ (وَلَا يخْتَص) الْقيَاس (بِهِ) بل هُوَ جَار فِي كل خَفِي المُرَاد، وَهُوَ (مُتَّفق) عَلَيْهِ (وَلم يذكرهُ الْحَنَفِيَّة لثُبُوته بِالضَّرُورَةِ) إِذْ طلب الْمُخَاطب بَيَان مَا لَا يفهمهُ من معنى اللَّفْظ، وَكَونه مُتَوَجها بِحَسب الْآدَاب غير خَفِي (وَإِنَّمَا يسمع) الاستفسار وَيقبل (فِي لفظ يخفي مُرَاده) أَي مَا أُرِيد بِهِ (وَألا) أَي وَلَو لم يكن خفِيا (فتعنت) أَي فالاستفسار تعنت وعناد فَلَا يسمع (مَرْدُود) لِأَنَّهُ خلاف مَا شَرط فِي المناظرة من كَونهَا لإِظْهَار الصَّوَاب (وَله) أَي الْمُسْتَدلّ (أَن لَا يقبله) أَي استفسار الْمُعْتَرض (حَتَّى يُبينهُ) أَي الْمُعْتَرض خَفَاء المُرَاد (لِأَنَّهُ) أَي الخفاء (خلاف الأَصْل) لِأَن وضع الْأَلْفَاظ للْبَيَان، وَالظَّاهِر من حَال الْمُتَكَلّم أَن يُرَاعِي ذَلِك، وَالْبَيِّنَة على من يَدعِي خلاف الأَصْل (ويكفيه) أَي الْمُعْتَرض فِي بَيَان الخفاء (صِحَة إِطْلَاقه) أَي اللَّفْظ (لمتعدد وَلَو) كَانَ إِطْلَاقه على الْمعَانِي المتعددة أولى، وَلَو كَانَ ذَلِك المتعدد (بِلَا تساو) بِأَن يكون بعضه أظهر لكَونه حَقِيقَة، بِخِلَاف غَيره أَو مجَازًا وَاضحا قرينته صارفة ومعينة (لِأَنَّهُ) أَي الْمُعْتَرض (يخبر بالاستبهام عَلَيْهِ لتِلْك الصِّحَّة) أَي يَدعِي أَن صِحَة إِطْلَاقه لمتعدد صَارَت سَببا لكَون المُرَاد مِنْهُمَا عِنْدِي فَلَا يضرّهُ كَون المُرَاد أظهر فِي نفس الْأَمر، فَإِنَّهُ بِهَذَا ينْدَفع عَنهُ ظن التعنت، وَيصدق بِظَاهِر عَدَالَته (وَجَوَابه) أَي الاستفسار أَو المستفسر (بَيَان ظُهُوره) أَي اللَّفْظ (فِي مُرَاده) مِنْهُ (بِالْوَضْعِ) أَي بِبَيَان وضع اللَّفْظ لذَلِك المُرَاد، دون مَا يُقَابله (أَو الْقَرِينَة) بِأَن يبين أَن مُرَاده الْمَعْنى الْمجَازِي ويعين قرينته (أَو ذكر مَا أَرَادَ) من غير تعرض للوضع أَو الْقَرِينَة (بِلَا مشاحة تكلّف نقل اللُّغَة) لبَيَان الْوَضع

стр. 1145

لما فِيهِ من الكلفة المستغنى عَنْهَا لحُصُول الْمَقْصُود بتفهيم المُرَاد (أَو الْعرف فِيهِ) لبَيَان الْقَرِينَة الناشئة من الْعرف وَنَحْوه، وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ الْوَضع الْعرفِيّ الَّذِي هجر مَعَه الْوَضع اللّغَوِيّ، وَعند الْبَعْض كَابْن الْحَاجِب يجب أَن يفسره بِمَا يجوز اسْتِعْمَاله فِيهِ كتفسير الثور فِي قَوْله يخرج فِي صَدَقَة الْفطر الثور بالقطعة من الأقط، لَا بِمَا لَا يجوز فَإِنَّهُ من جنس اللّعب الْخَارِج عَن قانون المناظرة الْمَوْضُوعَة لإِظْهَار الصَّوَاب فَلَا يسمع، وَقيل يسمع لِأَن غَايَة الْأَمر أَنه ناظره بلغَة غير مَعْلُومَة، وَفِيه مَا فِيهِ (وَأما) قَوْله فِي بَيَان ظُهُوره (يلْزم ظُهُوره) أَي اللَّفْظ (فِي أَحدهمَا) أَي الْمَعْنيين اللَّذين يُطلق على كل مِنْهُمَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن ظَاهرا فِي أَحدهمَا (فالإجمال) أَي فَيلْزم الْإِجْمَال لَهُ (وَهُوَ) أَي الْإِجْمَال (خلاف الأَصْل أَو) يلْزم ظهروه (فِيمَا قصدت إِذْ لَيْسَ ظَاهرا فِي الآخر) لموافقتك إيَّايَ على ذَلِك فَإِن قلت يرد على الأول أَنه على تَقْدِير تَسْلِيم لُزُوم ظُهُوره فِي أَحدهمَا لَا يُفِيد الْمَقْصُود لجَوَاز أَن يكون مَا هُوَ ظَاهر فِيهِ غير المُرَاد، وعَلى الثَّانِي أَنه يجوز عدم ظُهُوره فِي شَيْء مِنْهُمَا قلت لَا بُد من ضم كل مِنْهُمَا مَعَ الآخر فحاصل الأول لَا بُد من الظُّهُور فِي أَحدهمَا، وَلَيْسَ بِظَاهِر فِي غير المُرَاد اتِّفَاقًا، وَالثَّانِي يلْزم ظُهُوره فِيمَا قصدت إِذْ لَيْسَ ظَاهرا فِي الآخر، وَقد ثَبت لُزُوم ظُهُوره فِي أَحدهمَا، وَلَا يخفى أَنه يصير مآلهما وَاحِدًا، وَكلمَة أَو للتنويع بِاعْتِبَار التَّقْرِير (فَالْحق نَفْيه) جَوَاب أما: أَي فَالْحق نفي هَذَا الدّفع (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْحق نَفْيه (فَاتَ الْغَرَض) من المناظرة وَهُوَ إِظْهَار الصَّوَاب عِنْد الْخصم (فَإِنَّهُ) أَي الْمُعْتَرض (ذكر عدم فهمه) مُرَاد الْمُسْتَدلّ (فَلم يبين) لَهُ مُرَاده (وَمثله) أَي مثل سُؤال الاستفسار فِي عدم الِاخْتِصَاص بِالْقِيَاسِ (سُؤال التَّقْسِيم) وَهُوَ (منع أحد مَا تردد اللَّفْظ بَينه وَبَين غَيره) وَحَاصِله منع بعد تَقْسِيم وَلما كَانَ مَا يحْتَملهُ اللَّفْظ مُتَعَددًا يصدق على كل وَاحِد مِنْهُمَا أَنه مَا تردد اللَّفْظ بَينه وَبَين غَيره كَانَ مَفْهُوم مَا تردد إِلَى آخِره كليا ذَا أَفْرَاد، وَصَحَّ إِضَافَة أحد إِلَيْهِ غير أَن الْمَنْع يتَوَجَّه إِلَى أحد بِعَيْنِه (مَعَ تَسْلِيم الآخر) سَوَاء كَانَ الْمَانِع (مُقْتَصرا) على ذكر منع ذَلِك الآخر غير متجاوز إِلَى ذكر تَسْلِيم الآخر صَرِيحًا غير أَنه يفهم ضمنا (أَو) مُصَرحًا (بِذكرِهِ) أَي بِذكر التَّسْلِيم أَيْضا (كفى الصَّحِيح الْمُقِيم) أَي كَمَا فَيُقَال: فِي تَعْلِيل إجَازَة التَّيَمُّم للصحيح الْمُقِيم (فقد المَاء فَوجدَ سَبَب التَّيَمُّم) وَهُوَ فَقده (فَيجوز) التَّيَمُّم (فَقَالَ سَبَبِيَّة الْفَقْد) للْمَاء (مُطلقًا أَو) الْفَقْد (فِي السّفر الأول) أَي كَون السَّبَب الْفَقْد مُطلقًا (مَمْنُوع) فيسكت عَن ذكر تَسْلِيم الثَّانِي أَو يَقُول مَعَ ذَلِك وَالثَّانِي مُسلم، وَلَا شكّ أَنه لَا يُفِيد الْمَقْصُود إِذْ الْكَلَام فِي الصَّحِيح الْمُقِيم (وَفِي الملتجئ) أَي وكما يُقَال فِي الْقَاتِل عمدا عُدْوانًا إِذْ الأز بِالْحرم يقْتَصّ مِنْهُ إِذْ (الْقَتْل) الْعمد (الْعدوان سَببه) أَي سَبَب الاقتصاص

стр. 1146

مِنْهُ (فيقتص فَيُقَال) الْقَتْل الْعمد الْعدوان سَببه (مُطلقًا) التجأ أَو لم يلتجئ (أَو) هُوَ سَببه (مَا لم يلتجئ، الأول مَمْنُوع) وَالثَّانِي مُسلم لَكِن لَا يُفِيد، لِأَن الْكَلَام فِي الملتجئ، وَقد اخْتلف فِي هَذَا السُّؤَال (فَقيل لَا يقبل لعدم تعين الْمَمْنُوع مرَادا) للمستدل، وَلَا يضرّهُ الْمَنْع إِلَّا إِذا توجه إِلَى مُرَاده (وَلِأَن حَاصله) أَي السُّؤَال الْمَذْكُور (ادِّعَاء الْمُعْتَرض مَانِعا) لثُبُوت مطلب الْمُسْتَدلّ، وَهُوَ عدم صِحَة بعض مقدماته (وَبَيَانه) أَي الْمَانِع يجب (عَلَيْهِ) أَي الْمُعْتَرض لادعائه مَا هُوَ خلاف الأَصْل (وَالْمُخْتَار قبُوله) أَي السُّؤَال الْمَذْكُور (لجَوَاز عَجزه) أَي الْمُسْتَدلّ (عَن إثْبَاته) بعد مَا تعين مُرَاده على وَجه يتَوَجَّه إِلَيْهِ الْمَنْع، إِذْ رُبمَا لَا يُمكنهُ إِثْبَات مَا منع (وَاللَّفْظ) أَي لفظ السَّائِل (يُفِيد نفي السَّبَبِيَّة) يَعْنِي أَن مَا جعلته سَببا لثُبُوت الحكم لَيْسَ بِسَبَب (لَا وجود الْمَانِع مَعَ السَّبَب) أَي لِأَن الْمَانِع مَوْجُود مَعَ تحقق السَّبَب حَتَّى يُقَال لَهُ إِنَّك بعد مَا اعْترفت بِوُجُود الْمُقْتَضى لَا يسمع مِنْك بِمُجَرَّد دَعْوَى الْمَانِع من غير بَيَان (وَأما كَونه) أَي الْمُسْتَدلّ (بِهِ) أَي بِسَبَب هَذَا السُّؤَال (يتَبَيَّن مُرَاده) كَمَا فِي الشَّرْح العضدي (فَلَيْسَ) كَذَلِك (بل قِيَاسه يفِيدهُ) أَي يبين مُرَاده (إِذْ ترتيبه) أَي الْمُسْتَدلّ الحكم إِنَّمَا هُوَ (على الْفَقْد) أَي فقد المَاء (وَالْقَتْل مُطلقًا) مُتَعَلق بهما على سَبِيل التَّنَازُع (فَهُوَ) أَي مُرَاده (مَعْلُوم) وَقس عَلَيْهِ سَائِر الْأَمْثِلَة وَلما كَانَ هَهُنَا مُطلق مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَنه لَو كَانَ المُرَاد مَعْلُوما لما كَانَ لترديد السَّائِل وَجه أجَاب عَنهُ بقوله (وترديد السَّائِل تجاهل) عَن مُرَاد الْمُسْتَدلّ مَعَ كَونه عَالما بِهِ فِي نفس الْأَمر (اذ تَجْوِيز التَّرْتِيب) أَي تَرْتِيب الحكم (على الْفَقْد الْمُقَيد) بِالسَّفرِ وَالْقَتْل الْمُقَيد بالالتجاء (مُبَالغَة فِي الاستيضاح) أَي طلب لزِيَادَة الوضوح (ويكفيه) أَي الْمُسْتَدلّ أَن يَقُول إِذا طُولِبَ بِبَيَان عدم الْمَانِع (الأَصْل عدم الْمَانِع) يَعْنِي إِذا قَالَ السَّائِل: إِنَّك تستدل بِوُجُود الْمُقْتَضى لم لَا يجوز أَن يكون هَهُنَا مَانع يَكْفِيهِ أَن يَقُول الأَصْل إِلَى آخِره، وَهَذَا الْكَلَام هَهُنَا تقريبي (هَذَا، وَيقبل) هَذَا السُّؤَال (وَإِن اشْتَركَا) أَي الاحتمالان اللَّذَان يتَرَدَّد اللَّفْظ بَينهمَا (فِي التَّسْلِيم) وَعَدَمه (إِذا اخْتلفَا فِيمَا يرد عَلَيْهِمَا من) الأسئلة (القوادح) فيهمَا، وَإِلَّا لَكَانَ التَّقْسِيم عَبَثا، وَلَيْسَ من شَرطه أَن يكون أَحدهمَا مَمْنُوعًا وَالْآخر مُسلما (ثمَّ) قَالَ (الْحَنَفِيَّة: الْعِلَل طردية ومؤثرة وَمِنْهَا) أَي من المؤثرة (الملائمة) وَهُوَ مَا ثَبت مَعَ الحكم فِي الأَصْل مَعَ ثُبُوت اعْتِبَار عينه فِي جنس الحكم بِنَصّ أَو إِجْمَاع أَو قلبه أَو جنسه فِي جنسه كَمَا مر، يَعْنِي من جملَة المؤثرة عِنْد الْحَنَفِيَّة الملائمة الْمُقَابلَة للمؤثرة (عِنْد الشَّافِعِيَّة وَلَيْسَ للسَّائِل فِيهَا) أَي المؤثرة (إِلَّا الْمَانِعَة) أَي منع مُقَدّمَة الدَّلِيل فَيعم منع ثُبُوت الْوَصْف فِي الأَصْل أَو فِي الْفَرْع أَو منع ثُبُوت الحكم فِي الأَصْل أَو منع صَلَاحِية علية الْوَصْف للْحكم إِلَى غير

стр. 1147

ذَلِك (والمعارضة) هِيَ لُغَة الْمُقَابلَة على سَبِيل الممانعة، وَاصْطِلَاحا تَسْلِيم لدَلِيل الْمُعَلل دون مَدْلُوله وَإِلَّا ستدل على نفي مَدْلُوله (لِأَنَّهُمَا) أَي الممانعة والمعارضة (لَا يقدحان فِي الدَّلِيل بِخِلَاف فَسَاد الْوَضع) كَون الْعلَّة مُرَتبا عَلَيْهَا نقيض ذَلِك الحكم (و) فَسَاد (الِاعْتِبَار) كَون الْقيَاس مُعَارضا بِنَصّ أَو إِجْمَاع كَمَا سَيَجِيءُ فَإِنَّهُمَا يقدحان فِيهِ فَإِن قلت لَا فرق بَين الْأَوَّلين والآخرين فِي الْقدح على تَقْدِير الْوُرُود من غير اندفاع وَعدم الْقدح على تَقْدِير الاندفاع قلت الْأَوَّلَانِ لَا يَخْلُو عَنْهُمَا دَلِيل من الْأَدِلَّة فيندفعان تَارَة، وَأُخْرَى لَا، وَفِي عدم الْقدح على تَقْدِير فَلَا يخرج الدَّلِيل بهما عَن دَائِرَة الِاعْتِبَار بِالْكُلِّيَّةِ وَإِن لم يندفعا، بِخِلَاف الآخرين لندرتهما وكونهما أقبح عِنْد عدم الاندفاع، وَقد علم بالتتبع أَنه لَا يتَوَجَّه على الِاسْتِدْلَال بالعلل المؤثرة مَا يُخرجهُ عَن الِاعْتِبَار بِالْكُلِّيَّةِ، وَفِيه مَا فِيهِ، وَلما سَيذكرُهُ المُصَنّف (والمناقضة) مَعْطُوف على فَسَاد الْوَضع، وَإِنَّمَا قَالَ (أَي النَّقْض) لِأَن الْمُتَبَادر من المناقضة منع الْمُقدمَة الْمعينَة كَمَا هُوَ اصْطِلَاح الجدليين، وَالْمرَاد نقض الْعلَّة بتخلف الحكم عَنْهَا فِي صُورَة (إِذْ يُوجب) كل مِنْهُمَا (تنَاقض الشَّرْع) على تَقْدِير عدم الاندفاع: إِذْ التَّأْثِير إِنَّمَا يثبت بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع فالمؤثر الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الحكم ونقيضه مُسْتَلْزم لتناقض الشَّرْع كَالَّذي يثبت النَّص أَو الْإِجْمَاع نقيض مُوجبه، وَكَذَا النَّقْض، وَقد يُقَال هَذَا إِنَّمَا يَقْتَضِي عدم تحقق فَسَاد الْوَضع وَالِاعْتِبَار بِحَسب نفس الْأَمر، لَا بِحَسب وهم السَّائِل، وَالوهم كَاف لَهُ فِي جَوَاز السَّائِل: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال معنى قَوْله لَيْسَ للسَّائِل أَنه لَا يتَحَقَّق لَهُ لعدم مَا يظنّ فِيهِ ذَلِك إِلَّا على سَبِيل الندرة، والنادر كَالْمَعْدُومِ (وَهَذَا) الَّذِي قُلْنَا من أَنه لَيْسَ للسَّائِل إِلَى آخِره مَبْنِيّ (على منع تَخْصِيص الْعلَّة) أما على القَوْل بتخصيصها فَلهُ ذَلِك، لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون مُرَاد الْمُسْتَدلّ من الْوَصْف الَّذِي جعله عِلّة تَقْيِيده بِقَيْد، وَقد يكون الْمُطلق بِاعْتِبَار تَقْيِيده بِقَيْد يَقْتَضِي حكما، وَبِاعْتِبَار تقيده بآخر يُفِيد ذَلِك الحكم (وَأما وجود الحكم دونهَا) أَي الْعلَّة (وَهُوَ الْعَكْس) أَي الْمُسَمّى بِالْعَكْسِ اصْطِلَاحا (فعام الانتفاء) عَن المؤثرة والطردية عِنْد شارطي انعكاس الْعلَّة، وَقد مر فِي شُرُوطهَا الْخلاف فِيهِ (وَكَذَا الْمُفَارقَة) أَي منع علية الْوَصْف فِي الأَصْل وإبداء وصف آخر صَالح للعلية، أَو منع استدلاله بِالْعِلَّةِ بادعاء أَن الْعلَّة مركب مِنْهَا وَمن غَيرهَا وَلم يُوجد فِي الْفَرْع عَام الانتفاء (فَإِن وجد صُورَة النَّقْض) فِي المؤثرة على قَول من يجوزه، وَهُوَ خلاف الْمُخْتَار (دفع بِأَرْبَع) من الطّرق (نذكرها وعَلى الطَّرْد ترد) الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة (مَعَ القَوْل بِالْمُوجبِ) أَي الْتِزَام السَّائِل مَا يلْزمه الْعلَّة بتعليله مَعَ بَقَاء النزاع فِي الحكم الْمَقْصُود (وَلَا وَجه لتخصيصها) أَي الطردية (بِهِ) أَي بِمَا ذكر من الْخَمْسَة وَالْقَوْل بِالْمُوجبِ كَمَا يفهم من كَلَام

стр. 1148

بَعضهم (وَدفع) هَذَا التَّخْصِيص مُطلقًا (بِأَن الْإِيرَاد) أَي الِاعْتِرَاض إِنَّمَا هُوَ (بِاعْتِبَار ظَنّه) أَي الْمُسْتَدلّ (للعلية لإنكار ظَنّه) يَعْنِي أَن الِاعْتِرَاض بِحَسب الْحَقِيقَة مُتَوَجّه إِلَى ظَنّه لكَون الْمُعْتَرض مُنْكرا مُطَابقَة مَا فِي نفس الْأَمر فيورد على ظَنّه (لَا على) الْعِلَل (الشَّرْعِيَّة) الثَّابِتَة (فِي نفس الْأَمر) الْمُعْتَبرَة عِنْد الشَّارِع (وَألا) أَي وَإِن لم يكن بِاعْتِبَار ظَنّه وَكَانَ على الشَّرْعِيَّة (فَيجب نفي الْمُعَارضَة أَيْضا) على المؤثرة (إِذْ بعد ظُهُور تَأْثِير الْوَصْف) يلْزم (فِي الْمُعَارضَة المناقضة) للشَّرْع (خُصُوصا) الْمُعَارضَة (بطرِيق الْقلب) وَهِي على مَا سَيَجِيءُ مُعَارضَة فِيهَا مناقضة (وَإِذ لَا تَخْصِيص) لنقض الاعتراضات بالمؤثرة دون الطردية وَبِالْعَكْسِ (نذكرها) أَي الاعتراضات (بِلَا تَفْصِيل و) بِلَا (تعرض لخصوصياتهم) أَي الْحَنَفِيَّة فِيهَا، فَإِن اخْتلَافهمْ فِيهَا مَبْنِيّ على التَّخْصِيص. (الأول فَسَاد الِاعْتِبَار) وَهُوَ (كَون الْقيَاس مُعَارضا بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع فَلَا وجود لَهُ) أَي الْقيَاس (حِينَئِذٍ) لِأَن صِحَّته مَشْرُوطَة بِأَن لَا يكون فِي مُقَابلَة أَحدهمَا (لينْظر فِي مقدماته) مُتَعَلق بالوجود، يَعْنِي النّظر فِي مقدماته فرع أَن يكون لَهُ وجود وَحَيْثُ علم أَنه وَقع فِي غير مَحل إِمْكَانه لَا يلْتَفت بعد ذَلِك إِلَيْهِ وَإِلَى مقدماته، وَسمي بذلك لِأَن الِاعْتِبَار هُوَ الْقيَاس وَقد مر، ففساد الْقيَاس فَسَاد الِاعْتِبَار (وتخلصه) أَي الْمُسْتَدلّ من هَذَا الِاعْتِرَاض (بالطعن فِي السَّنَد) للنَّص (إِن أمكن) بِأَن لَا يكون كتابا وَلَا سنة متوترة أَو مَشْهُورَة وَكَانَ فِي سَنَده من لم يكن عَدَالَته مُتَّفقا عَلَيْهِ أَو كذب فِيهِ الأَصْل الْفَرْع إِلَى غير ذَلِك (أَو) الطعْن (فِي دلَالَته) أَي فِي دلَالَة النَّص على مَطْلُوب الْمُعْتَرض (أَو أَنه) أَي النَّص مَعْطُوف على الطعْن (مؤول) غير مَحْمُول على ظَاهره (بدليله) أَي بِدَلِيل التَّأْوِيل الْمُفِيد ترجحه على الظَّاهِر (أَو) أَنه (خص مِنْهُ) أَي من عُمُوم النَّص (حكم الْقيَاس) مَعَ بَيَان دَلِيل التَّخْصِيص، وَهُوَ أَيْضا من التَّأْوِيل، فَهُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام لمزيد الاهتمام (ومعارضته) أَي الْمُسْتَدلّ نَص الْمُعْتَرض (بمساو) أَي بِنَصّ مسَاوٍ لَهُ (فِي النَّوْع) كالكتاب بِالْكتاب وَالسّنة بِالسنةِ (وَالتَّرْجِيح) لأحد النصين على الآخر (بعد ذَلِك) التَّسَاوِي (بالخصوصية) الممتاز بهَا أَحدهمَا على الآخر كالمحكم على الْمُفَسّر، وَهُوَ على النَّص، وَهُوَ على الظَّاهِر، وَإِن انْتَفَت الخصوصية تساقطا وَسلم قِيَاس الْمُسْتَدلّ (فَلَو عَارض الآخر) أَي الْمُعْتَرض النَّص الَّذِي عَارض بِهِ الْمُسْتَدلّ (بآخر) بِنَصّ آخر مَعَ الأول (من غير نَوعه) أَي غير نوع الأول (وَجب أَن يبْنى) تَرْجِيح الأول بِالثَّانِي (على التَّرْجِيح بِكَثْرَة الرِّوَايَة) وَتقدم مَا فِيهِ من الْخلاف إِذا لم يبلغ حد الشُّهْرَة فِي فصل التَّرْجِيح. قَالَ الشَّارِح: وَالْوَجْه الروَاة يَعْنِي بدل الرِّوَايَة، وَلَا يخفى أَنَّهُمَا متلازما غير أَن الْمَشْهُور كَثْرَة الروَاة (و) بِنَاء (على) القَوْل بِأَن (لَا تَرْجِيح بِكَثْرَة)

стр. 1149

الروَاة (لَا يُعَارض النَّص) أَي نَص الْمُعْتَرض المنضم مَعَه نَص آخر (النَّص وَالْقِيَاس) أَي نَص الْمُسْتَدلّ وَقِيَاسه لِأَن بانضمام النَّص الآخر لم يحصل للْأولِ زِيَادَة لِأَنَّهُ مثل كَثْرَة الروَاة، وَأما نَص الْمُسْتَدلّ فَلَا شكّ فِي تقويه بقياسه فَلم يتَحَقَّق مُعَارضَة بَين النَّص المنضم إِلَيْهِ النَّص وَبَين النَّص وَالْقِيَاس (ليقف الْقيَاس) عَن علمه وإفادته للْحكم بِسَبَب الْمُعَارضَة (للْعلم بِسُقُوط هَذَا الِاعْتِبَار فِي نظر الصَّحَابَة) فَإِنَّهُم كَانُوا يرجعُونَ عِنْد تعَارض النصين إِلَى الْقيَاس وَلَا يلتفتون إِلَى مَا يَنْضَم إِلَى أحد النصين من نَص آخر، عرف ذَلِك بتتبع أَحْوَالهم (وَمن نَوعه) أَي فَلَو عَارض الْمُعْتَرض نَص الْمُسْتَدلّ بِنَصّ آخر من نوع الأول مَعَ الأول (لَا يرجح) نَصه الأول بِهِ (اتِّفَاقًا) بل يعارضهما جَمِيعًا نَص الْمُسْتَدلّ بِانْفِرَادِهِ كَمَا يُعَارض شَهَادَة الِاثْنَيْنِ شَهَادَة الْأَرْبَع فمعارضة شَهَادَة الِاثْنَيْنِ أصل ألحق بِهِ مُعَارضَة النَّص الْوَاحِد للنصين اللَّذين من نوع وَاحِد بالإتفاق، وَفِي إِلْحَاق مُعَارضَة النَّص الْوَاحِد لنصين أَحدهمَا لَيْسَ من نوع الأول اخْتِلَاف (وَلَو قَالَ الْمُسْتَدلّ) للمعترض (عَارض نصك قياسي فَسلم نصي فَبعد أَنه) أَي هَذَا الْجَواب هُوَ (الِانْتِقَال الْمَمْنُوع) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُثبت بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ بعد مَا كَانَ مثبتا بِهِ فَهُوَ حِينَئِذٍ (معترف بِفساد الِاعْتِبَار) أَي بوروده (على قِيَاسه) وَلَا نعني بالإلزام إِلَّا هَذَا، مِثَاله (نَحْو) قَول الشَّافِعِي فِي حل ذَبِيحَة الْمُسلم المتروكة التَّسْمِيَة عمدا (ذبح التارك) للتسمية ذبح (من أَهله) أَي أهل الذّبْح الْمُعْتَبر شرعا، وَهُوَ الْمُسلم فِي حل ذَبِيحَة الْمُسلم (فِي مَحَله) وَهُوَ الْمَأْكُول اللَّحْم (فيحلها) أَي الذّبْح الذَّبِيحَة (كالناسي) أَي كذبح ناسي التَّسْمِيَة فَإِنَّهُ ذبح من أَهله فِي مَحَله فيحلها (فَيُقَال) فِي جَوَابه هَذَا قِيَاس (فَاسد الِاعْتِبَار لمعارضة) قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ الْآيَة) أَي - ﴿مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ وَإنَّهُ لفسق﴾ - وَإِضَافَة الْمُعَارضَة إِلَى وَلَا تَأْكُلُوا إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْفَاعِل: أَي لمعارضة هَذَا النَّص الْقيَاس الْمَذْكُور على مَا يَقْتَضِيهِ تَعْرِيف فَسَاد الِاعْتِبَار (فالمستدل مؤول) على صِيغَة الْمَفْعُول، وَالتَّقْدِير يَقُول: هَذَا مؤول، أَو الْفَاعِل: أَي يؤول الْآيَة (بِذبح الوثني) بالميتة أَو بِمَا ذكر غير اسْم الله عَلَيْهِ (بقوله) ﷺ (الْمُؤمن يذبح على اسْم الله سمى أَو لم يسم) توقف الشَّارِح فِي ثُبُوته غير أَنه أثبت مَا فِي مَعْنَاهُ مُرْسلا عَن تَابِعِيّ صَغِير. (وَمَا قيل) فِي دفع قَول الشَّافِعِي (خص) مَذْبُوح (النَّاسِي) من نَص وَلَا تَأْكُلُوا (بِالْإِجْمَاع فَلَو قيس عَلَيْهِ) أَي النَّاسِي (الْعَامِد أوجب) الْقيَاس عَلَيْهِ (كَونه) أَي الْقيَاس (نَاسِخا) للنَّص (لَا مُخَصّصا إِذْ لم يبْق تَحت الْعَام) يَعْنِي - مَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ - (شَيْء) لِأَنَّهُ لم يكن تَحْتَهُ إِلَّا النَّاسِي والعامد وَقد خرجا (إِنَّمَا ينتهض) دافعا لَهُ (إِذا لم يلْزم) كَون النَّص (مؤولا) قَالَ الشَّارِح نقلا عَن المُصَنّف مَا حَاصله: أَن للحنفية فِي إِفْسَاد هَذَا

стр. 1150

الْقيَاس طَرِيقين: الأول فَسَاد الِاعْتِبَار، وَإِذا أثبت الشَّافِعِي أَن النَّص مؤول انْدفع. الثَّانِي أَن قِيَاسه حِينَئِذٍ نَاسخ للْكتاب وَهُوَ أَيْضا مندفع بالتأويل: يَعْنِي بِمَا إِذا ذبح للنصب: وَهُوَ أحد قسمي الْعَامِد، فَإِنَّهُ يَنْقَسِم إِلَى تَارِك فَقَط، وتارك مَعَ الذّبْح للنصب، وَإِذا أُرِيد بِالْآيَةِ الثَّانِي يبْقى تَحت الْعَام هَذَا الْعَامِد، وَهَذَا هُوَ الْمَوْعُود بِهِ فِي فصل الشُّرُوط بقوله: وَفِيه نظر يَأْتِي (فَلَو قَالَ) الْمُسْتَدلّ بعد إِلْزَام فَسَاد الِاعْتِبَار (قياسي أرجح من نصك) فَلَا يلْزَمنِي فَسَاد الِاعْتِبَار، لِأَن الْمَرْجُوح لَا يبطل الرَّاجِح (فَلَيْسَ للمعترض إبداء فرق بَينهمَا) أَي الْعَامِد وَالنَّاسِي لدفع الأرجحية وَإِثْبَات فَسَاد الِاعْتِبَار (بِأَنَّهُ) أَي الْعَامِد (صدف) أَي أعرض (عَن الذّكر مَعَ استحضار مطلوبيته) أَي الذّكر (شرعا) فَكَانَ مقصرا (بِخِلَاف النَّاسِي) فَإِنَّهُ مَعْذُور، فَعدم التَّقْصِير مُعْتَبر فِي الْعلَّة، وَإِنَّمَا لم يكن لَهُ ذَلِك (لِأَنَّهُ) أَي بَيَان الْفَارِق مُسْتَقل بِفساد الْقيَاس فَالْجَوَاب بِبَيَان الْفرق عَن دفع الْمُسْتَدلّ فَسَاد الِاعْتِبَار (انْتِقَال عَن فَسَاد الِاعْتِبَار) أَي بَيَان فَسَاد الْقيَاس بطرِيق آخر، وَهُوَ مَمْنُوع فِي المناظرة كَمَا ذكر (وللمعترض منع مُعَارضَة خبر الْوَاحِد) كالحديث الَّذِي ذكره الشَّافِعِي (لعام الْكتاب) كَمَا فِي الْآيَة (فَلَا يتم) كَونه (مؤولا) للمستدل (وللمجيب إثْبَاته) أَي إِثْبَات كَون خبر الْوَاحِد مُعَارضا لعام الْكتاب (إِن قدر) على ذَلِك بِأَن يَقُول دلَالَة الْعَام على الْعُمُوم ظَنِّي كَمَا أَن خبر الْوَاحِد ظَنِّي وَقَامَ بحجته (وَلَيْسَ) إثْبَاته (انْقِطَاعًا) عَمَّا كَانَ المناظرة فِيهِ (وَإِن كَانَ) الْمُجيب وَهُوَ الْمُسْتَدلّ (منتقلا) عَمَّا كَانَ فِيهِ (إِلَى) دَلِيل (آخر يحْتَاج فِيهِ) أَي فِي الآخر (إِلَى مثل مقدماته) أَي الدَّلِيل الأول (أَو (أَكثر) من مقدماته، وَإِنَّمَا لَا يكون انْقِطَاعًا (لِأَنَّهُ) أَي الْمُجيب (بعد ساع فِي إِثْبَات نفس مدعاه) وَهُوَ إِثْبَات الحكم بقياسه الْمَذْكُور، فَلَا يرد أَن من قَالَ عَارض نصك قياسي فَسلم نصي أَيْضا بعد فِي إِثْبَات نَص نفس مدعاه، وَقد حكمت أَن انْتِقَاله مَمْنُوع، فَإِنَّهُ أَرَادَ إِثْبَات الحكم بِالنَّصِّ لَا بقياسه الَّذِي وَقعت المناظرة فِيهِ (كمن احْتج بِالْقِيَاسِ فَمنع جَوَازه) أَي جَوَاز الِاحْتِجَاج بِالْقِيَاسِ (فاحتج) المحتج بِهِ (بقول عمر لأبي مُوسَى: اعرف الْأَمْثَال والأشباه وَقس الْأُمُور عِنْد ذَلِك فَمنع) جَوَازه أَي جَوَاز الِاحْتِجَاج (حجية قَول الصَّحَابِيّ فأثبته) أَي كَون قَول الصَّحَابِيّ حجَّة (بقوله ﷺ اقتدوا بالذين من بعدِي أبي بكر وَعمر فَمنع) الْمَانِع الْمَذْكُور (حجية خبر الْوَاحِد فأثبته) أَي كَون خبر الْوَاحِد حجَّة بِمَا يدل عَلَيْهِ (وَإِذ يتَرَدَّد) أَي وَإِذ يَقع التَّرَدُّد (فِي الْأَجْوِبَة) عَن الاعتراضات (من هَذَا) أَي من أجل الِانْتِقَال من كَلَام إِلَى آخر بِأَن يشك فِي خصوصياتها من حَيْثُ الِانْقِطَاع وَعَدَمه احْتَاجَ الْمقَام إِلَى تَفْصِيل (فَهَذِهِ) إِشَارَة إِلَى الْوُجُود فِي الذِّهْن من المباحث الْآتِيَة (مُقَدّمَة) وَهِي مَا يذكر

стр. 1151

أَمَام الْمَشْرُوع فِي الْمَقْصُود مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ (فِي) بَيَان (الِانْتِقَال) من كَلَام إِلَى آخر فِي المناظرة من قبل أَن يسْتَند، وَيتم الْمُسْتَدلّ إِثْبَات الحكم: الأول هُوَ (إِمَّا من عِلّة إِلَى) عِلّة (أُخْرَى لإثباتها) أَي الْعلَّة الأولى الَّتِي هِيَ عِلّة الْقيَاس (أَو) من حكم (إِلَى حكم آخر يحْتَاج إِلَيْهِ) الْمُعَلل فِي إِثْبَات الْمُتَنَازع فِيهِ كَمَا سَيَجِيءُ يثبت هَذَا الْمُنْتَقل إِلَيْهِ (بِتِلْكَ الْعلَّة) الَّتِي هِيَ عِلّة الْقيَاس (أَو بِأُخْرَى) أَي بعلة أُخْرَى مَعْطُوف على تِلْكَ الْعلَّة فَالْحكم الْمُنْتَقل إِلَيْهِ تَارَة يثبت بعلة الْقيَاس وَتارَة بغَيْرهَا، وَهَذِه الثَّلَاثَة صَحِيحَة اتِّفَاقًا، فَالْأولى الِاشْتِغَال بِمَا تصدى لَهُ من ادِّعَاء علية الْعلَّة للْحكم الْأَصْلِيّ، وَهَذَا إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الممانعة، فَإِن السَّائِل قد منع من عليتها، وَأما الأخيران فَإِنَّمَا يتحققان عِنْد مُوَافقَة الْخصم فِي الحكم الأول وادعائه أَن النزاع فِي حكم آخر فَينْتَقل لإِثْبَات الحكم الْمُتَنَازع فِيهِ بِالْعِلَّةِ الأولى أَو بِأُخْرَى (أَو) من عِلّة (إِلَى) عِلّة (أُخْرَى لإِثْبَات الحكم الأول). قَالَ الشَّارِح: وَهَذَا إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي فَسَاد الْوَضع والمناقضة إِن لم يكن دفعهما بِبَيَان الملائمة والتأثير والطرد (وَاخْتلف فِي هَذَا) الرَّابِع (فَقيل يقبل لمحاجة الْخَلِيل ﵇ نمروذ الْمشَار إِلَيْهَا بقوله تَعَالَى - ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه أَن آتَاهُ الله الْملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رَبِّي الَّذِي يحيي وَيُمِيت قَالَ أَنا أحيي وأميت قَالَ إِبْرَاهِيم فَإِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب فبهت الَّذِي كفر﴾ - فانتقل ﵇ من حجَّة إِلَى أُخْرَى لإِثْبَات الحكم الأول، وَقد حكى الله تَعَالَى ذَلِك على سَبِيل التمدح فَهُوَ صَحِيح (وَدفع) هَذَا (بِأَن حجَّته) ﵇ الأولى (ملزمة) لَهُ: أَي مفحمة (ومعارضة اللعين) لَهُ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله - ﴿أَنا أحيي وأميت﴾ - ثمَّ بَيَانه بإحضار شَخْصَيْنِ من السجْن وَجب قَتلهمَا أطلق أَحدهمَا وَقتل الآخر كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (بترك التَّسَبُّب فِي إِزَالَة حَيَاة شخص وإزالتها قتلا) وَحَاصِله السَّبَب فِي إِزَالَتهَا (بَاطِلَة) يَعْنِي ظَاهِرَة الْبطلَان بِحَيْثُ لَا يحْتَاج إِلَى الرَّد (إِذْ المُرَاد) بِالْإِحْيَاءِ فِي حجَّة الْخَلِيل (إيجادها) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْحَيَاة مَوْجُودَة فِي الْخَارِج (فِيمَا لَيست) الْحَيَاة (فِيهِ و) بالاماتة (ازالتها بِلَا مُبَاشرَة محسوسة) أَي بِنَزْع الرّوح بِغَيْر علاج محسوس (وحاضره) أَي مجْلِس اللعين (ضلال) قاصرون عَن التَّأَمُّل (يسْرع إِلَيْهِم إِلْزَام مَا لَا يلْزم) يَحْتَاجُونَ إِلَى قَاطع لإخفاء فِيهِ بِوَجْه (فانتقل إِلَى دَلِيل آخر) بعد تَمام الأول (لَا يحْتَمل) ذَلِك الآخر (التلبيس) والمغالطة، فَهُوَ انْتِقَال إِلَى دَلِيل أوضح (وَالْحق أَن لَا انْتِقَال) أصلا (فَإِن الأول) أَي قَوْله - ﴿رَبِّي الَّذِي رَبِّي يحيي وَيُمِيت﴾ - إِنَّمَا هُوَ (الدَّعْوَى) فَإِن المُرَاد بِهِ أَن رب الْعَالمين إِنَّمَا هُوَ الْقَادِر الْمُطلق الَّذِي لَا يعجز عَن شَيْء لظُهُور أَنه لم يره اخْتِصَاص ربوبيته بِنَفسِهِ وَلَا قدرته بِالْإِحْيَاءِ والإماتة فَقَط، وَالْمرَاد بالرسول الْمَعْهُود الْمَشْهُور بعلته، فَكَأَنَّهُ قَالَ الرب سُبْحَانَهُ هُوَ الله سُبْحَانَهُ لَا غير،

стр. 1152

فَلَمَّا أنكر اللعين ذَلِك مثبتا لنَفسِهِ تِلْكَ الْقُدْرَة الْمُطلقَة أَرَادَ إِلْزَامه وإفحامه على وَجه لَا يبْقى لَهُ مجَال مجادلة فَقَالَ - ﴿إِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق﴾ - إِلَى آخِره، وَإِلَيْهِ أَشَارَ المُصَنّف بقوله (واستدلاله) أَي الْخَلِيل (لم يَقع إِلَّا بِمَعْنى الْإِلْزَام) أَي بِالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الْإِلْزَام الْكَائِن (فِي قَوْله: (فَإِن الله يَأْتِي بالشمس إِلَى آخِره) وَعَن الإِمَام نجم الدّين النَّسَفِيّ أَن هَذَا لَيْسَ انتقالا من حجَّة أُخْرَى فِي المناظرة، لِأَن إِبْرَاهِيم ﵇ ادّعى انْفِرَاد الله تَعَالَى بالربوبية وَاحْتج لذَلِك بِكَمَال الْقُدْرَة وَدلّ عَلَيْهِ بِالْإِحْيَاءِ والإماتة، فَلَمَّا أَرَادَ نمروذ التلبيس أظهر كَمَال الْقُدْرَة بِحَدِيث الشَّمْس، وَالدَّلِيل وَاحِد، والصورتان مُخْتَلِفَتَانِ انْتهى. وَكَأن المُصَنّف أَرَادَ بالاستدلال اللُّزُوم الَّذِي لَا يبْقى مَعَه مجَال مجادلة فَلذَلِك قصره على القَوْل الثَّانِي فَلَا يُنَافِي كَون الأول دَلِيلا أَيْضا مَعَ إِفَادَة أصل الْمُدَّعِي (وَالْكَلَام) الَّذِي نَحن فِيهِ (فِيمَا إِذا ظهر بطلَان) الدَّلِيل (الأول فانتقل) الْمُسْتَدلّ (إِلَى دَلِيل آخر فَإِنَّهُ) أَي انْتِقَاله حِينَئِذٍ (انْقِطَاع فِي عرفهم) أَي النظار (استحسنوه) أَي الحكم بالانقطاع الْمَمْنُوع عَنهُ فِي الِانْتِقَال الْمَذْكُور (كَيْلا يَخْلُو الْمجْلس) أَي مجْلِس المناظرة (عَن الْمَقْصُود) وَهُوَ أَن تَنْتَهِي الْمُخَاصمَة إِلَى أحد الْجَانِبَيْنِ، وَفَسرهُ الشَّارِح بِإِظْهَار الْحق وَلَا يخفى أَن هَذَا يَقْتَضِي أَن لَا يمْنَع من الِانْتِقَال ويبالغ فِي التَّحْقِيق كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْمُدَّعِي الْمَذْكُور (فَفِي) مُقْتَضى (الْعقل لَهُ) أَي الْمُسْتَدلّ (أَن ينْتَقل) من الدَّلِيل الأول (إِلَى) دَلِيل (آخر، و) من الدَّلِيل الآخر إِلَى دَلِيل (آخر) وَهَكَذَا (إِذا لم يثبت مَا عينه) من الحكم بِمَا ذكر من الدَّلِيل (حَتَّى يعجزه عَن إثْبَاته وَلَو) كَانَ ذَلِك (فِي مجَالِس) كَمَا أَن للْمُدَّعِي فِي حُقُوق النَّاس الِانْتِقَال من بَيِّنَة إِلَى أُخْرَى، وَهُوَ مَقْبُول إِجْمَاعًا (فالانقطاع) للمعلل أَو السَّائِل إِنَّمَا يتَحَقَّق (بدليله) أَي الْعَجز عَن إِثْبَات الْمَطْلُوب أَو مَا هُوَ بصدده (سكُوت) بدل الْبَعْض من دَلِيل كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَن اللعين بقوله - ﴿فبهت الَّذِي كفر﴾ - وَهُوَ أظهر أَنْوَاع الِانْقِطَاع (أَو إِنْكَار ضروى) أَي بديهي فَإِنَّهُ يدل على كَمَال عَجزه (أَو منع بعد تَسْلِيم) لَا يُقَال: يحْتَمل أَن يكون تَسْلِيمه لسهو أَو غَفلَة، فَإِنَّهُ عِنْد ذَلِك يبين سَنَده وَيذكر أَنه سَهَا أَو غفل (تَسْلِيم) لما ادَّعَاهُ الْخصم خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي فالانقطاع (وَفِي) انْتِقَال الْمُعَلل (فِي معرض الِاسْتِدْلَال إِلَى مَا لَا يُنَاسب الْمَطْلُوب دفعا لظُهُور إفحامه) وعجزه عَن إِقَامَة الدَّلِيل (انْقِطَاع فَاحش) واضطراب بِحَيْثُ لَا يدْرِي مَا يَقُول (فَالْأول) أَي الِانْتِقَال من عِلّة إِلَى أُخْرَى لإِثْبَات الأولى مِثَاله (للحنفية فِي إِثْبَات أَن إِيدَاع الصَّبِي) غير الْمَأْذُون مَا لَيْسَ برقيق (تسليط) للصَّبِيّ على استهلاكه (عِنْد تَعْلِيله) أَي الْحَنَفِيّ (بِهِ) أَي بتسليطه عَلَيْهِ (لنفي ضَمَانه) أَي الصَّبِي إِذا أتْلفه وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد، لِأَن الْإِتْلَاف مَعَ التسليط لَا يُوجب الضَّمَان كَمَا إِذا أَبَاحَ لَهُ طَعَاما فأتلفه

стр. 1153

لَا يضمن اتِّفَاقًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ يضمن الصَّبِي ذَلِك، وَكَون إيداعه تسليطا تسليط عِلّة الْقيَاس فَإِذا مَنعه الْخصم فانتقل الْمُعَلل إِلَى إثْبَاته بِأَنَّهُ مكنه بالإيداع بِإِثْبَات الْيَد على مَا ينَال بِالْأَيْدِي وَلَا نعني بالتسليط إِلَّا هَذَا، فَهَذَا الِانْتِقَال لَا يكون انْقِطَاعًا (وَالثَّانِي) أَي الِانْتِقَال من حكم إِلَى آخر يحْتَاج إِلَيْهِ يثبت بِتِلْكَ الْعلَّة، مِثَاله (لَهُم) أَي للحنفية فِي جَوَاز إِعْتَاق مكَاتب لم يؤد شَيْئا من بدل الْمُكَاتبَة عَن كَفَّارَة الْيَمين (الْكِتَابَة عقد يحْتَمل الْفَسْخ) بالإقالة وبالعجز عَن أَدَاء الْبَدَل (فَلَا يمْنَع التَّكْفِير بِمن تعلّقت) الْكِتَابَة (بِهِ) اسْتِحْسَانًا خلافًا لزفَر وَالشَّافِعِيّ (كَالْبيع بِالْخِيَارِ للْبَائِع والاجارة) فَإِنَّهُ يجوز اجماعاً لمن بَاعَ عَبده بِشَرْط الْخِيَار لَهُ وَلمن أجر عَبده اعتاقه بنية الْكَفَّارَة، فكونها عقد يحْتَمل الْفَسْخ عِلّة الْقيَاس (فَيُقَال) من قبل الْمُعْتَرض أَنا نقُول بِمُوجب هَذِه الْعلَّة أَن الْكِتَابَة من حَيْثُ أَنَّهَا عقد يحْتَمل الْفَسْخ لَا يمْنَع التَّكْفِير (بل الْمَنْع) عَن التَّكْفِير (لغيره) أَي غير عقد الْكِتَابَة، ثمَّ بَين ذَلِك الْغَيْر بقوله (من نُقْصَان الرّقّ بِهِ) أَي بِعقد الْكِتَابَة، لِأَن الْعتْق للْمكَاتب مُسْتَحقّ بِهِ فَصَارَ (كَأُمّ الْوَلَد) فَإِنَّهَا لما اسْتحقَّت الْعتْق بِالْولادَةِ منع ذَلِك التَّكْفِير بهَا، بل أولى لِأَن الْمكَاتب أَحَق بأكسابه وَأَوْلَاده دونهَا (فيجاب بِإِثْبَات عدم نقصانه) أَي الرّقّ بِعقد الْكِتَابَة وَهُوَ حكم آخر (بِالْأولَى) أَي الْعلَّة الأولى، فَيُقَال (احْتِمَال الْفَسْخ) بِعقد الْكِتَابَة (دَلِيل عدم إِيجَابه) أَي عقدهَا (نقصانه) أَي رقّه (لِأَن مَا يُوجِبهُ) أَي نُقْصَان الرّقّ إِنَّمَا هُوَ عقد (لَا يحْتَمل الْفَسْخ) بِوَجْه (إِذْ هُوَ) أَي نُقْصَان الرّقّ (بِثُبُوت الْحُرِّيَّة من وَجه) فَكَمَا أَن ثُبُوتهَا من كل وَجه لَا يحْتَمل الْفَسْخ كَذَلِك ثُبُوتهَا من وَجه لَا يحْتَملهُ فَإِن قلت قَوْلهم الْمكَاتب حر يدا عبد رَقَبَة يُفِيد ثُبُوت الْحُرِّيَّة من وَجه قلت هَذَا أَمر غير ضَرُورَة ليتَمَكَّن من تَحْصِيل بدل الْكِتَابَة فَلَا يعْتَبر فِي حق غَيره تَوْضِيحه أَن حكم الْعتْق فِي الْكِتَابَة مُتَعَلق بِشَرْط الْأَدَاء، وَلَو علق بِشَرْط آخر لَا يثبت بِهِ اسْتِحْقَاق الْعتْق اتِّفَاقًا فَكَذَا هَذَا الشَّرْط بل أولى، لِأَن التَّعْلِيق بِسَائِر الشُّرُوط يمْنَع الْفَسْخ، وَبِهَذَا الشَّرْط لَا يمْنَع، بِخِلَاف الِاسْتِيلَاد فَإِنَّهُ بِهِ يتَمَكَّن النُّقْصَان بِالرّقِّ حَتَّى لَا يعود إِلَى الْحَالة الأولى (وَالثَّالِث) أَي الِانْتِقَال من حكم إِلَى حكم يحْتَاج إِلَيْهِ وَيثبت بعلة أُخْرَى، مِثَاله (أَن يُجيب) الْمُسْتَدلّ فِي جَوَاب الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور آنِفا (بقوله: الْكِتَابَة عقد مُعَاوضَة فَلَا يُوجب نُقْصَانا فِيهِ) أَي الرّقّ (كَالْبيع بِالْخِيَارِ) وَالْإِجَارَة فَيجوز إِعْتَاقه كَمَا فِي الْمَبِيع بِشَرْطِهِ فَإِنَّهُ يجوز اعتاقه فِي مدَّته، وَكَذَا فِي مُدَّة الْإِجَارَة (وَالْكل) أَي جَمِيع الِانْتِقَالَات الثَّلَاثَة (جَائِز) إِلَّا أَن الْأَخيرينِ لَا يخلوان عَن ضرب غَفلَة حَيْثُ لم يبين مَوضِع الْخلاف ابْتِدَاء حَتَّى احْتَاجَ إِلَى الِانْتِقَال، خُذ (هَذَا، وَيُشبه الاستفسار فِي عُمُومه) للْقِيَاس وَغَيره (و) يشبه (فَسَاد

стр. 1154

الِاعْتِبَار فِي عدم الْقيَاس) أَي فِي اقتضائه انْتِفَاء الْقيَاس فِي الْوَاقِع (القَوْل بِالْمُوجبِ لِأَن حَاصله) أَي القَوْل بِالْمُوجبِ (دَعْوَى النصب) أَي نصب الدَّلِيل (فِي غير مَحل النزاع) المساوى: أَي وَغير لَازم مَحَله كَمَا أَن فِي فَسَاد الِاعْتِبَار دَعْوَى النصب: أَي نصب الدَّلِيل فِي غير مَحل النزاع (لَازمه) الْمسَاوِي: أَي وَفِي غير لَازم مَحَله كَمَا أَن فِي فَسَاد الِاعْتِبَار دَعْوَى نصب الدَّلِيل فِي غير مَحل النزاع، لِأَن مَا يُخَالف النَّص وَالْإِجْمَاع بَاطِل بِلَا نزاع، وَإِنَّمَا قَالَ ولازمه لِأَنَّهُ لَو لم ينصب فِي عين مَحل النزاع أَو ينصب فِي لَازمه بِأَن يثبت فِي أَحدهمَا ذَلِك اللَّازِم وينفي الآخر استلزم ذَلِك النزاع فِي الْمَلْزُوم وَهُوَ ظَاهر، ثمَّ بَين كَون مَا ذكر حَاصله بقوله (إِذْ هُوَ) أَي القَوْل بِالْمُوجبِ فِي اصْطِلَاح النظار (تَسْلِيم مَدْلُول الدَّلِيل مَعَ بَقَاء النزاع فِي الحكم الْمَقْصُود) للمستدل (فَإِن الْقيَاس حِينَئِذٍ) أَي حِين كَانَ مَدْلُوله غير مَحل النزاع (بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ) أَي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الحكم الْمَقْصُود (مُنْتَفٍ فَظهر) من هَذَا (أَن لَا وَجه لتخصيصه) أَي الْمُخَصّص (القَوْل) الْمُوجب بالطردية) كَمَا ذكر الْحَنَفِيَّة لِاسْتِوَاء نِسْبَة القَوْل بِالْمُوجبِ على مَا عَرفته إِلَى الطردية وَغَيرهَا (وَهُوَ) أَي القَوْل بِالْمُوجبِ (ثَلَاثَة: الأول فِي إِثْبَات الحكم) يَعْنِي أَن الْمُعْتَرض يثبت الحكم الَّذِي أثْبته الْمُعَلل، ثمَّ يدعى أَن النزاع لَيْسَ فِيهِ، بل فِي غَيره (واستناده) أَي اعْتِمَاد الْمُعْتَرض (فِيهِ) أَي فِي هَذَا الْقسم من القَوْل بِالْمُوجبِ (إِلَى لفظ الْمُعَلل) فَكَأَنَّهُ يَقُول: هَذَا مفَاد كلامك، سلمناه وَلَكِن لَا يفيدك، وَيُشِير بِهِ إِلَى أَنه لَيْسَ عنْدك أَمر مُسلم غير هَذَا (كَقَوْلِه) أَي الْمُعَلل، وَهُوَ الشَّافِعِي (فِي المثقل) أَي فِي ان الْقَتْل بالمثقل يُوجب الْقصاص هُوَ (قتل بِمَا يقتل غَالِبا، فَلَا يُنَافِي الْقصاص كالحرق) أَي كَالْقَتْلِ بالنَّار، فَإِنَّهُ قتل بِمَا يقتل غَالِبا (فَيسلم) الْمُعْتَرض، وَهُوَ الْحَنَفِيّ (عدم منافاته) أَي الْقَتْل بِمَا يقتل غَالِبا وجوب الْقصاص (مَعَ بَقَاء النزاع فِي ثُبُوت وجوب الْقصاص) إِذْ لَا يلْزم من عدم منافاته إِيَّاه وُجُوبه (وَهُوَ) أَي وجوب (الْمُتَنَازع فِيهِ) وكما أَنه لَيْسَ بمتنازع لَا يسْتَلْزم الْمُتَنَازع فِيهِ (أَو) استناده فِيهِ إِلَى (حمله) أَي لفظ الْمُعَلل (على غير مُرَاده كالمسح) أَي مسح الرَّأْس (ركن فَيسنّ تثليثه) كالغسل للْوَجْه (فَيَقُول) الْمُعْتَرض (بِمُوجبِه) وَهُوَ استنان تثليث الْمسْح، ونقول: عَملنَا بِمُوجبِه (إِذْ سننا الِاسْتِيعَاب) فِي مسح الرَّأْس (وَهُوَ) أَي الِاسْتِيعَاب فِيهِ: أَي (ضم مثلي الْوَاجِب) فِيهِ: أَي (الرّبع وَزِيَادَة) مَعْطُوف على مثلي الْوَاجِب (إِلَيْهِ) أَي إِلَى الْوَاجِب، وَجعل الشَّيْء ثَلَاثَة أَمْثَاله لَا يقتضى اتِّحَاد الْمحل (ومقصوده) أَي الْمُسْتَدلّ من التَّثْلِيث لَيْسَ هَذَا، بل (التكرير، فَإِذا أظهره) أَي الْمُسْتَدلّ مُرَاده (انْتَفَى) القَوْل بِالْمُوجبِ وتعينت الممانعة: أَي لَا نسلم أَن الرُّكْن يسن تكراره، بل الْمسنون فِيهِ إِلَّا كَمَال، وَهُوَ يحصل بالإطالة فِي مَحَله كَمَا فِي

стр. 1155

الْقِرَاءَة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود (وَكَذَا) قَول الشَّافِعِي لتعيين نِيَّة الصَّوْم فِي رَمَضَان (صَوْم فرض فَيشْتَرط) فِيهِ (التَّعْيِين) بِأَن يتَعَلَّق قَصده بخصوصية صَوْم رَمَضَان فرضا (فَيَقُول) الْمُعْتَرض الْحَنَفِيّ (بِمُوجبِه) أَي مُوجب الدَّلِيل الْمَذْكُور (لُزُوم التَّعْيِين) عطف بَيَان لموجبه (والنزاع فِي غَيره) أَي غَيره الْمُوجب الْمَذْكُور، وَهُوَ (كَون الْإِطْلَاق) للنِّيَّة بِأَن ينوى الصَّوْم الْمُطلق (بعد تعْيين لُزُوم التَّعْيِين بعد تعْيين الشَّرْع الْوَقْت الْخَاص لَهُ) أَي للصَّوْم (تعيينا) يَعْنِي هَل يتَعَيَّن الْمَنوِي على وَجه الْإِطْلَاق بِحَسب نفس الْأَمر فِي حكم الشَّرْع بِسَبَب تعين الْوَقْت لَهُ شرعا كَمَا يتَعَيَّن بِتَعْيِين الناوي وقصده الخصوصية أم لَا، بل لَا بُد من تعْيين الناوي (جملا) للتعيين الْمَذْكُور فِي قَول الْمُسْتَدلّ فَيشْتَرط التَّعْيِين (على) التَّعْيِين (الْأَعَمّ) من أَن يكون بِتَعْيِين الْمُكَلف الناوي، أَو بِتَعْيِين الشَّارِع (وَمرَاده) أَي الْمُسْتَدلّ من التَّعْيِين (تعْيين الْمُكَلف) فَإِذا أظهره انْتَفَى القَوْل بِالْمُوجبِ وتعينت الممانعة، (وَالْوَجْه) الَّذِي لَا يعد مَا يُقَابله وَجها بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ثَابت (للشارط) فِي التَّعْيِين كَونه بِقصد الْمُكَلف (لِأَن كَون إِطْلَاق الناوي) فِي الْمَنوِي (تعْيين بعض محتملاته) أَي الْمُطلق من غير أَن يتَعَلَّق قَصده بذلك الْبَعْض بِخُصُوصِهِ بِمُجَرَّد تعْيين الشَّرْع (يصير الْأَعَمّ عين الْأَخَص) يرد عَلَيْهِ أَنه إِن أَرَادَ بالتصيير الْمَذْكُور أَن يتحدا فِي ذهن الناوي، فَذَلِك لَا يَقُول بِهِ الْخصم. وَإِن أَرَادَ بِهِ الِاتِّحَاد بِحَسب نفس الْأَمر بِاعْتِبَار الشَّرْع، فَلَا مَحْذُور فِيهِ. وَقد يُجَاب بِأَنَّهُ إِشَارَة إِلَى أَنه يلْزم على الْخصم أَن يَقُول بالشق الأول من الترديد، لِأَن صِحَة الصَّوْم الْمعِين مَوْقُوفَة على التَّعْيِين فِي نِيَّة الناوى وَفِي ذهنه، فَيلْزم الْمَحْذُور فَتدبر (وَتقدم تَمَامه) فِي الْقسم الثَّانِي من الْوَقْت الْمُقَيد بِهِ الْوَاجِب. (وَالثَّانِي) من أَقسَام القَوْل بِالْمُوجبِ (إبِْطَال مَا ظن من مَأْخَذ خَصمه) ومبني مذْهبه فِي المسئلة الخلافية، يَعْنِي إِبْطَاله من حَيْثُ كَونه مأخذا، فَيجوز أَن يكون فِي حد ذَاته صَحِيحا، غير أَنه لَيْسَ مأخذا للخصم: وَهَهُنَا مُسَامَحَة، إِذْ الثَّانِي مِنْهُ لَيْسَ نفس الْإِبْطَال، إِذْ حَقِيقَته تَسْلِيم مَدْلُول الدَّلِيل مَعَ بَقَاء النزاع على مَا مر، غير أَنه هُنَا مُتَضَمّن الْإِبْطَال الْمَذْكُور على مَا سَيَجِيءُ (كفى الْقَتْل بالمثقل) أَي مِثَاله مثل أَن يُقَال فِي مسئلة الْقَتْل بالمثقل إِذا اسْتدلَّ الْحَنَفِيّ على نفي الْقَتْل بِهِ، فَقَوله قتل بمثقل فَلَا يقتل بِهِ كالعصا الصَّغِيرَة (للمعترض) الشَّافِعِي أَن يَقُول هُوَ كَالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ لَا تفَاوت بَينهمَا إِلَّا فِي الْوَسِيلَة الَّتِي هِيَ الْآلَة، ثمَّ التَّفَاوُت فِي الْوَسِيلَة مَا ظن مأخذا فِي مسئلة الْقَتْل بالمثقل فِي اسْتِدْلَال الْحَنَفِيّ على نفي الْقَتْل بِهِ (التَّفَاوُت فِي الْوَسِيلَة لَا يمْنَع الْقصاص) كالمتوسل إِلَيْهِ، وَهُوَ أَنْوَاع الْجِرَاحَات القاتلة (فَيَقُول) الْحَنَفِيّ قَائِلا بِالْمُوجبِ: إِنِّي أَقُول بِأَن التَّفَاوُت فِيهَا لَا يمْنَع، لَكِن (الْمَانِع) من الْقصاص (غَيره) أَي غير التَّفَاوُت فِي الْوَسِيلَة (وَنفي مَانع) خَاص (لَيْسَ نفي الْكل) أَي كل الْمَوَانِع، وَلَا يثبت مقصدك إِلَّا بِنَفْي

стр. 1156

الْكل (وَيصدق) إِذا قَالَ هَذَا لَيْسَ مأخذي: أَي مَأْخَذ إمامي (لعدالته) وَكَونه أعرف بمذهبه أَو مَذْهَب إِمَامه، وَقيل: لَا يصدق إِلَّا بِبَيَان مَأْخَذ آخر لاحْتِمَال أَن يكون قَوْله على سَبِيل المعاندة. وَلَا يخفى أَن مثل هَذَا لَا يتَوَهَّم فِي حق الْعدْل الطَّالِب للصَّوَاب، فقد أبطل الْقَائِل بِالْمُوجبِ كَون التَّفَاوُت الْمَذْكُور مأخذا لَهُ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من عدم الْقصاص لتسليمه عدم مانعيته وإثباته مَانِعا آخر. (وَالثَّالِث) من أَقسَام القَوْل بِالْمُوجبِ (أَن يسكت) الْمُسْتَدلّ (عَن مُقَدّمَة) غير مَشْهُورَة (يظنّ الْعلم بهَا) أَي يظنّ أَن الْخصم يعلم تِلْكَ الْمُقدمَة فَلَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا (فَيسلم) الْمُعْتَرض (الْمَذْكُورَة) من الْمُقدمَات (و) قد (بَقِي النزاع فِي) الْمُقدمَة (المطوية) للظن الْمَذْكُور (نَحْو) قَول الْمُسْتَدلّ (مَا ثَبت) شرعا من فعل الْمُكَلف كَونه (قربَة) وَعبادَة (فشرطه النِّيَّة كَالصَّلَاةِ) فَإِن صِحَّتهَا مَشْرُوطَة بِالنِّيَّةِ (وطوى) ذكر قَوْله (وَالْوُضُوء قربَة فَيَقُول) الْمُعْتَرض مَا ذكرته من اشْتِرَاط النِّيَّة فِيمَا ثَبت قربَة (مُسلم، وَمن أَيْن يلْزم أَن الْوضُوء شَرطه النِّيَّة) وَلم يطو الصُّغْرَى لتعين الْمَنْع، وَهُوَ أَنه لَا نسلم أَن الْوضُوء ثَبت قربَة بِحَيْثُ لَا يَخْلُو عَن وصف الْقرْبَة، فَلَا يكون من القَوْل بِالْمُوجبِ (قَالُوا) أَي الجدليون (لَا بُد فِيهِ) أَي فِي القَوْل بِالْمُوجبِ (من انْقِطَاع أَحدهمَا) أَي المتناظرين (إِذْ) فِي الْقسم الأول (لَو بَينه) أَي الْمُعَلل مُرَاده بِحَيْثُ لَا يبْقى للخصم مجَال إِثْبَات حكم أثْبته ذَلِك الْمُعَلل. ثمَّ ادّعى أَن النزاع فِي غير (مَحل النزاع) بدل من الضَّمِير الْمَنْصُوب، وَيحْتَمل أَن يكون فِي الْكَلَام حذف وإيصال، وَالتَّقْدِير لَو بَين لَهُ: أَي للخصم مَحل النزاع (أَو ملزومه) أَي ملزوم مَحل النزاع، فَإِن بَيَان الْمَلْزُوم بَيَان اللَّازِم (أَو) بَين الْمُعْتَرض الْمُدعى بطلَان المأخذ فِي الْقسم الثَّانِي (أَنه) أَي مَا ظن أَنه مَأْخَذ الْمُعَلل (مأخذه) فِي نفس الْأَمر، يبْقى مأخذية مَا سواهُ بِالدَّلِيلِ (أَو) بَين الْمُعَلل فِي الْقسم الثَّالِث (كَيْفيَّة) الْمُقدمَة (المحذوفة) على وَجه ينْتج مَطْلُوبه (انْقَطع الْمُعْتَرض) الْقَائِل بِالْمُوجبِ جَوَاب لَو، يَعْنِي إِذا لم يكن لَهُ مجَال بحث آخر غير القَوْل بِالْمُوجبِ (وَإِلَّا) أَي أَي وَإِن لم يتَحَقَّق شَيْء مِمَّا ذكر من بَيَان مَحل النزاع والمأخذ والكيفية انْقَطع (الْمُسْتَدلّ) إِذْ قد ظهر عدم إفضاء دَلِيله إِلَى مَطْلُوبه (واستبعد) انْقِطَاع أَحدهمَا (فِي) الْقسم (الْأَخير) والمستبعد ابْن الْحَاجِب (إِذْ مُرَاد الْمُسْتَدلّ أَن الْمَتْرُوك) المطوي ذكره (كالمذكور) لظُهُوره (و) مُرَاد (الْمُعْتَرض أَن الْمَذْكُور وَحده لَا يُفِيد، فَإِذا ذكر) الْمُسْتَدلّ (أَنه) أَي الدَّلِيل (الْمَجْمُوع) من الْمَذْكُور والمسكوت (لَا الْمَذْكُور وَحده وَحذف الْمَعْلُوم شَائِع) كَانَ (لَهُ) أَي أَي للمعترض (الْمَنْع) أَي منع استلزام الْمَجْمُوع، أَو كَون ذَلِك المطوي حَقًا (وَاسْتمرّ الْبَحْث) فَإِن سلم انْقَطع (وَكَذَا لَا يخفى بعد قَوْلهم) أَي الجدليين بَيَان انْقِطَاع أَحدهمَا فِي الْقسم الثَّانِي

стр. 1157

لَو بَين الْمُسْتَدلّ (أَنه) أَي مَا ظن كَونه مأخذا للخصم (مأخذه) فِي نفس الْأَمر (بل يَقُول الْمُعْتَرض مأخذي غَيره) من غير تعْيين فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي اندفاع ذَلِك الْإِبْطَال، وَكَذَا يتَعَيَّن مأخذه فِيمَا ذهب إِلَيْهِ، ومتعلق الْجَار قَوْله انْقَطع الْمُسْتَدلّ إِن لم يكن لَهُ مجَال طعن فِيمَا بَين وَإِلَّا: أَي وَإِن لم يبين أَن مأخذه غَيره (أَو كَذَا انْقَطع) الْمُعْتَرض وَإِن لم يدْفع إبِْطَال الْمُسْتَدلّ لما ذكر، وَوجه الْبعد أَن الْمُعْتَرض لما ظن أَن مَأْخَذ الْمُسْتَدلّ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ كَذَا فأبطله تعين أَن يَقُول (الْمُسْتَدلّ) فِي دَفعه أَن مأخذي غَيره، أَو كَذَا أَن تيَسّر لَهُ، وَإِلَّا انْقَطع، هَذَا على مَا هُوَ الظَّاهِر، وَأما إِثْبَات الْمُسْتَدلّ أَنه لَا مَأْخَذ لَك سوى هَذَا وَهُوَ بَاطِل، فَلَا يخفى بعده لِأَنَّهُ أعرف بمأخذه، فَيَنْبَغِي أَن يُفَوض إِلَيْهِ بَيَان المأخذ، ثمَّ يظْهر وَجه اخْتِصَاص انْقِطَاع بعده لِأَنَّهُ أعرف بمأخذه، فَيَنْبَغِي أَن يُفَوض إِلَيْهِ بَيَان المأخذ، ثمَّ يظْهر وَجه اخْتِصَاص انْقِطَاع أحد المتناظرين بالْقَوْل بِالْمُوجبِ، بل يجْرِي فِي غَيره أَيْضا (وَظهر) من تَفْصِيل أَقسَام القَوْل بِالْمُوجبِ (أَن قَول الْحَنَفِيَّة أَنه) أَي القَوْل بِالْمُوجبِ (يلجئ أهل الطَّرْد) وَقد مر تَفْسِيره (إِلَى القَوْل بالتأثير) المستلزم عدم ثُبُوت الْعلية بِمُجَرَّد الطَّرْد (لِأَنَّهُ) أَي الْمُعْتَرض تَعْلِيل للإلجاء (لما سلم مُوجب علته) أَي الْمُسْتَدلّ لقَوْله بِمَا اقتضته علته كَعَدم مانعية الْقَتْل بالمثقل الْقصاص لعدم تَأْثِير التَّفَاوُت فِي الْوَسِيلَة (مَعَ بَقَاء الْخلاف) بَينهمَا فِي المسئلة (احْتَاجَ) أهل الطَّرْد (إِلَى معنى مُؤثر) فِي الحكم الْحَاصِل فِيمَا يدعى عليته (غير وَاقع) خبر أَن، وَمعنى عدم وُقُوع القَوْل عدم وُقُوع مقوله، وَهُوَ الإلجاء الْمَذْكُور، أَو القَوْل بِمَعْنى الْمَقُول. ثمَّ علل عدم الْوُقُوع بقوله (لِأَن غَايَة مَا يلْزمه) أَي الْمُعَلل (الْجَواب) عَن القَوْل بِالْمُوجبِ (بِمَا ذكرنَا) من بَيَان مَحل النزاع، أَو ملزومه أَو مأخذه أَو كَيْفيَّة الْمَحْذُوف (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَي مِمَّا ذكرنَا (ذَلِك) أَي القَوْل بالتأثير أَو الْمَعْنى الْمُؤثر وَالْحَاصِل أَنه لَا يلْزم الْمُعَلل إِلَّا مَا ذكرنَا، وَمَا قَالَه الْحَنَفِيَّة لَيْسَ مِنْهُ (وَبعد التَّمَكُّن من الْقيَاس) فَالْجَوَاب عَن الاستفسار والتقسيم على مَا عرفت (وتحرير مَحل النزاع يشرع) الْمُسْتَدلّ (فِيهِ) أَي الْقيَاس وَأول مقدماته حكم الأَصْل ثمَّ علته) أَي عِلّة حكم الأَصْل يرد (ثمَّ ثُبُوتهَا) أَي علته (فِي الْفَرْع مَعَ الشُّرُوط) الْمُعْتَبرَة فِي الْعلَّة وَالْحكم (الأول) أَي حكم الأَصْل يرد (عَلَيْهِ منع حكم الأَصْل) أَي منع ثُبُوتهَا مَا هُوَ حكم الأَصْل فِي ظن القائس فِي الأَصْل فِي نفس الْأَمر، كَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يَقُول عَلَيْهِ الْمَنْع من غير ذكر حكم الأَصْل، لِأَن إرجاع ضمير عَلَيْهِ إِلَيْهِ يُغني عَنهُ، لِأَن هَذَا الْمركب: أَعنِي منع حكم الأَصْل صَار كَالْعلمِ لهَذَا النَّوْع من الْمَنْع، وَلذَلِك منع وجود الْعلَّة وَمنع كَونه عِلّة، وَالْمَنْع أساس المناظرة، فَلَا يتَجَاوَز إِلَى غَيره إِلَّا بِسَبَب دَاع إِلَيْهِ، وَهل هُوَ قطع للمستدل، قيل نعم إِذْ الِاشْتِغَال بِإِثْبَات مَا منع انْتِقَال

стр. 1158

إِلَى حكم آخر مثل الأول. (وَالصَّحِيح) أَن مجرده (لَيْسَ قطعا) للمستدل (وَأَنه) أَي هَذَا الْمَنْع (يسمع إِلَّا أَن اصْطَلحُوا) أَي أهل بلد المناظرة على عده قطعا، أَو على صَوْم سَمَاعه كَمَا قَالَ الْغَزالِيّ، من أَنه يتبع عرف الْمَكَان واصطلاح أَهله، وَهَذَا أَمر وضعي لَا مدْخل لِلْعَقْلِ وَالشَّرْع فِيهِ، وَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح (وَهُوَ) أَي عدم سَمَاعه إِذا اصْطَلحُوا عَلَيْهِ (محمل) قَول (أبي إِسْحَق) الشِّيرَازِيّ على مَا ذكره ابْن الْحَاجِب من أَنه لَا يسمع هَذَا الْمَنْع من الْمُعْتَرض وَلَا يلْزم الْمُسْتَدلّ الدّلَالَة على ثُبُوت حكم الأَصْل فينتفى استبعاده بِأَن غَرَض الْمُسْتَدلّ إِقَامَة الْحجَّة على خَصمه وَلَا يقوم عَلَيْهِ مَعَ كَون أَصله مَمْنُوعًا، وَأَن قيام الدَّلِيل عَلَيْهِ جُزْء الدَّلِيل وَلَا يثبت الدَّلِيل إِلَّا بِثُبُوت جَمِيع أَجْزَائِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَيْسَ قطعا (لِأَنَّهُ) أَي هَذَا الْمَنْع (منع بعض مُقَدمَات دَلِيله) أَي الْمُسْتَدلّ، وكما لَا يكون منع غير هَذَا الْبَعْض قطعا فَكَذَا وَهَذَا (وَإِلَّا) لَو كَانَ قطعا (فَكل منع قطع) إِذْ لَو فرق بَين المنوع (وَكَونه) أَي الْمُسْتَدلّ (بِهِ) أَي بِهَذَا الْمَنْع (ينْتَقل إِلَى) حكم شَرْعِي هُوَ حكم الأَصْل (مثل الأول) وَهُوَ حكم الْفَرْع (لَا يضر إِذا توقف) الأول (عَلَيْهِ) أَي الْمُنْتَقل إِلَيْهِ سَوَاء (وَسعه) أَي إِثْبَات مَا منع (مجْلِس) وَاحِد (أَو مجَالِس) مُتعَدِّدَة كَمَا لَو منع علية الْعلَّة أَو وجودهَا (وَلَو تعارفه) أَي كَون هَذَا الْمَنْع قطعا (طَائِفَة أُخْرَى) غير طَائِفَة الْمُسْتَدلّ لَا يضرّهُ إِذْ (لم يلْزم الْمُسْتَدلّ عرفهم) إِذْ لم يلتزمه (ثمَّ لَا يَنْقَطِع الْمُعْتَرض بِإِقَامَة دَلِيله) أَي دَلِيل حكم الأَصْل من الْمُسْتَدلّ من غير أَن تكون مقدماته مسلمة عِنْده (على الْمُخْتَار، إِذْ لَا يلْزم صِحَّته) أَي الدَّلِيل (من صورته فَلهُ) أَي للمعترض (الِاعْتِرَاض على مقدماته) أَي الدَّلِيل الْمَذْكُور، وَقيل يَنْقَطِع لِأَنَّهُ يسْتَلْزم الْخُرُوج عَن الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ، وَقد عرفت مَا فِيهِ. (وَأما معارضته) أَي حكم الأَصْل بِإِقَامَة الْمُعْتَرض دَلِيلا على خِلَافه بعد مَا أَقَامَ الْمُسْتَدلّ دَلِيلا عَلَيْهِ فَاخْتلف فِيهِ (فَقيل لَا) يسمع (لِأَنَّهُ غصب لمنصب الِاسْتِدْلَال) الَّذِي هُوَ حق الْمُسْتَدلّ، وَالْإِضَافَة بَيَانِيَّة، وَذهب جُمْهُور الْمُحَقِّقين من الْفُقَهَاء والمتكلمين إِلَى قبُولهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَيْسَ) الْإِيرَاد بالمعارضة بِغَصب (وَإِلَّا) لَو كَانَ غصبا (منعت) الْمُعَارضَة (مُطلقًا) لغير مَا ذكر وَلَيْسَت مَمْنُوعَة اتِّفَاقًا. (وَقَوله) أَي الْمَانِع لقبولها (يصير) الْمُعْتَرض بهَا (مستدلا فِي نفس صُورَة المناظرة) من غير تَبْدِيل بِصُورَة أُخْرَى (إِن أَرَادَ فِي عين دَعْوَى الْمُسْتَدلّ فمنتف) أَي فالاستدلال فِي عين دَعْوَاهُ مُنْتَفٍ، كَيفَ وَهُوَ يسْتَدلّ على خلَافهَا (أَو) أَرَادَ (فِي تِلْكَ المناظرة فَلَا بَأْس) بِهِ (كمعارضة الدَّلِيل) وَهِي إِقَامَة الدَّلِيل على خلاف مدعي دَلِيل الْخصم (وَلَا تتمّ المناظرة) أَي لَا تَنْتَهِي (إِلَّا بِانْقِطَاع أَحدهمَا) انْقِطَاعًا اعْتَبرهُ المتناظرون (مِثَاله) أَي مِثَال الأول، أَعنِي منع حكم الأَصْل (للشَّافِعِيَّة جلد الْخِنْزِير لَا يقبل الدباغة) أَي لَا يطهر بهَا (لنجاسة

стр. 1159

عينه) والدباغة لَا تزيل الْعين بل رطوباته النَّجِسَة (كَالْكَلْبِ) أَي كَمَا أَن جلد الْكَلْب لَا يقبلهَا لنجاسة عينه فَحكم الأَصْل الَّذِي هُوَ جلد الْكَلْب عدم قبُوله إِيَّاهَا (فَيمْنَع كَون جلد الْكَلْب لَا يقبلهَا، و) مِثَاله حكم الأَصْل (فِي الْعِلَل الطردية) الْمَنْع الْوَارِد فِي قَوْلهم (الْمسْح ركن فَيسنّ تكريره) لركنيته (كالغسل) أَي كَمَا أَن الْغسْل يسن تكريره لركنيته (فَيمْنَع سنية تَكْرِير الْغسْل) الَّذِي هُوَ الأَصْل (بل) السّنة فِي الْغسْل (إكماله، غير أَنه) أَي الْغسْل (استغرق مَحَله) الَّذِي هُوَ تَمام الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ إِلَى الْمرْفقين والكعبين، فَلَا يتَصَوَّر إكماله باستيعابه مَحَله، فَإِن أصل الْفَرْض لَا يُؤَدِّي بِدُونِ الِاسْتِيعَاب (فَكَانَ) إكماله أَي الْغسْل (بتكريره، بِخِلَاف الْمسْح) فَإِنَّهُ لم يسْتَغْرق مَحَله من حَيْثُ الْفَرْضِيَّة، فَإِن الْمَفْرُوض فِيهِ ربع الرَّأْس (فتكميله) أَي الْمسْح (باستيعابه) أَي الْمحل بِهِ فَإِن قلت إِذا كَانَت السّنة إِلَّا كَمَال الْمُطلق وَهُوَ يحصل بِأحد الْأَمريْنِ فَلم عينتم الِاسْتِيعَاب قلت: ثَبت من الشَّارِع الِاسْتِيعَاب لَا التَّثْلِيث (وَقَوْلهمْ) أَي الشَّافِعِيَّة صَوْم رَمَضَان (صَوْم فرض). وَفِي بعض النّسخ وَفِي وَجَوَاب مَرْدُود قَوْلهم إِلَى آخِره: أَي ومثاله فِي جَوَاب من يردد قَوْلهم (فَيجب تَعْيِينه) بِالنِّيَّةِ (كالقضاء) أَي كَمَا أَن قَضَاء رَمَضَان صَوْم فرض يجب تَعْيِينه بِالنِّيَّةِ (فَيُقَال: إِن) كَانَ المُرَاد وجود تَعْيِينه بِالنِّيَّةِ (بعد تعْيين الشَّرْع) الزَّمَان (لَهُ ف) هُوَ (مُنْتَفٍ فِي الأَصْل) أَي الْقَضَاء فَإِن الشَّارِع لم يعين لَهُ زَمَانا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن المُرَاد مَا ذكر بل وجوب تَعْيِينه بِالنِّيَّةِ من غير تعْيين الشَّرْع الزَّمَان لَهُ (فَفِي الْفَرْع) أَي فَهَذَا مُنْتَفٍ فِي صَوْم رَمَضَان لتعيين الشَّرْع الزَّمَان لَهُ. (الثَّانِي) أَي عِلّة حكم الأَصْل يرد (عَلَيْهِ منوع: أَولهَا منع وجود الْعلَّة فِي الأَصْل، مِثَاله للشَّافِعِيَّة فِي الْكَلْب) الْكَلْب (حَيَوَان يغسل) الْإِنَاء (من ولوغه سبعا فَلَا يطهر) جلده (بالدباغة كالخنزير) فَإِنَّهُ حَيَوَان يغسل الْإِنَاء من ولوغه سبعا (فَيمْنَع كَون الْخِنْزِير يغسل) الْإِنَاء من ولوغه (سبعا و) مِثَاله لَهُم أَيْضا (فِي) الْعِلَل (الطردية) فِي استنان تثليث الْمسْح مسح الرَّأْس (مسح فَيسنّ تثليثه كالاستنجاء) فَإِنَّهُ مسح فَيسنّ تثليثه (فَيمْنَع كَون الِاسْتِنْجَاء طَهَارَة مسح، بل) الِاسْتِنْجَاء طَهَارَة (عَن) النَّجَاسَة (الْحَقِيقِيَّة) قصد بِهِ إِزَالَتهَا، فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ مَا قصد بِهِ إِزَالَة النَّجَاسَة الْحكمِيَّة لعدم وجود الْعلَّة الَّتِي هِيَ طَهَارَة مسح فِي الأَصْل، وَهُوَ الِاسْتِنْجَاء: وَمن ثمَّة كَانَ غسلهَا بِالْمَاءِ أفضل والاستنجاء علته إِذا لم يتلوث شَيْء من ظَاهر بدنه. (وَجَوَابه) أَي هَذَا الْمَنْع (بِإِثْبَات وجوده) أَي الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْعلَّة فِي الأَصْل (حسا) أَي وجودا حسيا إِن كَانَ الْوَصْف من الحسيات (أَو عقلا) أَي عقليا كَانَ من العقليات (أَو شرعا

стр. 1160

إِن كَانَ من الْأَوْصَاف الَّتِي اعتبرها الشَّرْع (ثَانِيهَا) أَي النَّوْع (منع كَونه) أَي الْوَصْف الْمُدعى عليته فِي الأَصْل (عِلّة، وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَنْع (قَول الْحَنَفِيَّة) أَي المُرَاد بقَوْلهمْ (منع نسبته) أَي الحكم (إِلَيْهِ) أَي الْوَصْف، هَكَذَا نُسْخَة الشَّارِح. وَفِي نُسْخَة أُخْرَى منع نِسْبَة الحكم إِلَيْهِ وَهُوَ الْأَظْهر. وَاخْتلف فِي قبُوله، فَقيل لَا يقبل. (وَالصَّحِيح قبُوله: لِأَن الْقيَاس المورد عَلَيْهِ) هَذَا الْمَنْع (مُسَاوَاة فِي) وصف (مُشْتَرك) مَوْجُود فِي الأَصْل وَالْفرع (تظن الإناطة) أَي إناطة الحكم (بِهِ) أَي بذلك الْوَصْف الْمُشْتَرك فَهُوَ منَاط الحكم بِحَسب ظن الْمُجْتَهد، وَهَذَا لَا يسْتَلْزم كَونه مناطا بِحَسب نفس الْأَمر لِئَلَّا يقبل الْمَنْع (وَأما مُسَاوَاة فرع الأَصْل فِي عِلّة حكمه) عِنْد الشَّارِع (فَالْقِيَاس) أَي فَهِيَ الْقيَاس (فِي نفس الْأَمر) وَهُوَ لَيْسَ بالمورد عَلَيْهِ. فِي الشَّرْح العضدي قَالُوا أَولا: الْقيَاس حَده وَحَقِيقَته إِنَّه إِلْحَاق فرع بِأَصْل بِجَامِع وَقد حصل، وَإِذا ثَبت مدعاه فَلَا يُكَلف بِإِثْبَات مَا لم يَدعه وَالْجَوَاب لَا نسلم أَن حد الْقيَاس وَحَقِيقَته ذَلِك، بل إِلْحَاق فرع بِأَصْلِهِ بِجَامِع يظنّ صِحَّته وَلم يُوجد هَذَا الْقَيْد (قَالُوا) أَي المانعون قبُول هَذَا الْمَنْع (عدوله) أَي الْمُعْتَرض من الْإِبْطَال (إِلَى الْمَنْع) الْمُجَرّد عَن السَّنَد (دَلِيل عَجزه عَن إِبْطَاله) أَي إبِْطَال كَون الْوَصْف عِلّة للْحكم (أَي نقضه). وَفِي الشَّرْح الْمَذْكُور قَالُوا ثَانِيًا: عجز عَن إبِْطَال دَلِيل صِحَّته، إِذْ طَرِيق عدم الْعلية من كَون الْوَصْف طرديا وإبداء وصف آخر وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يخفى على الْمُجْتَهد والمناظر، فَلَو وجد لوجده، وَلَو وجده لأظهره فالفرار إِلَى مُجَرّد الْمَنْع يكفينا دَلِيلا على أَنه صَحِيح، فَلَا يسمع الْمَنْع وَلَا يشْتَغل بجوابه، لِأَنَّهُ شَاهد على نَفسه بِالْبُطْلَانِ، وَالْمُصَنّف أَشَارَ إِلَى بعض مُقَدمَات دليلهم الأول فِي ضمن تعليليه للصحيح، وَإِلَى الْبَعْض الآخر فِي ضمن دليلهم الثَّانِي مَعَ تَغْيِير فِي التَّقْرِير كَمَا ترى (لِأَن مرجعه) أَي النَّقْض (إِلَى منع) مقرون (بِسَنَدِهِ) فَإِنَّهُم ردوا النَّقْض الإجمالي إِلَى منع مُسْند كَمَا سَيَجِيءُ، وَهَذَا تَعْلِيل لكَون هَذَا الْمَنْع عُدُولًا عَن النَّقْض الَّذِي لَا بُد فِيهِ من مُسْتَند فَإِنَّهُ قد ادّعى ضمنا (أَو كَونه) أَي كَون الْوَصْف الْمَذْكُور (طرديا) لَا تَأْثِير لَهُ فِي الحكم مَعْطُوف على نقضه، فَإِن الْإِبْطَال كَمَا يحصل بِالنَّقْضِ يحصل بِبَيَان كَون الْوَصْف طرديا، فَإِن التَّأْثِير لَا بُد مِنْهُ فِي وصف الْقيَاس (أما) الْمَنْع (بِغَيْرِهِ) أَي غير مَا ذكر من النَّقْض والطردية (فغصب) من الْمُعْتَرض (لِأَنَّهُ) أَي الْمُسْتَدلّ (لم يسْتَدلّ عَلَيْهِ) أَي على حكم الأَصْل بِأَن يَدعِي ثُبُوت الحكم فِي الأَصْل مُعَللا بِوُجُود مَا هُوَ عِلّة الحكم فِيهِ حَتَّى تكون عليته من مُقَدمَات الدَّلِيل، فَيتَّجه عَلَيْهَا الْمَنْع، وَإِنَّمَا ادّعى إِلْحَاق الْفَرْع بِالْأَصْلِ لاشْتِرَاكهمَا فِي الْعلَّة وَالْعلَّة للْحكم أَمر مفروغ مِنْهُ، فَإِذن علم أَن منصب الْمُعْتَرض لَيْسَ سوى النَّقْض بِبَيَان تخلف الحكم عَن الْعلَّة وَبَيَان طردية
следующие страницы →