Полный текст (1 287 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
يفِيدهُ) أَي كَون الْأَكْثَر مُوَافقا للْأَصْل (فَلَا يتَمَكَّن من إثْبَاته) أَي انْتِفَاء الحكم (بِاللَّفْظِ و) الْحَال أَنه (فِيهِ) أَي فِي إثْبَاته بِاللَّفْظِ (النزاع) بَين الْفَرِيقَيْنِ وَالْحَاصِل أَنه لَو لم يكن الأَصْل الَّذِي يصلح لِأَن يثبت بِهِ انْتِفَاء الحكم علن الْمَسْكُوت مَوْجُودا فِي الْأَكْثَر كَأَن يظنّ ثُبُوته بِالْمَفْهُومِ، لِأَنَّهُ إِذا علم مَشْرُوعِيَّة الحكم وَلم يظْهر لَهُ فِي الشَّرْع مَا يظنّ كَونه دَلِيلا لَهُ سوى أَمر خَاص يكَاد أَن يتَعَيَّن لذَلِك، وَأما إِذا وجد لَهُ مَا يصلح لذَلِك سوى أَمر هُوَ مَحل النزاع تعين إِسْنَاده إِلَيْهِ (وَإِذ قد ظهر) بِمَا ذكر من الِاسْتِدْلَال بفهم أبي عبيد وَغَيره على الْمَفْهُوم (أَن الدَّلِيل) لإِثْبَات الْمَفْهُوم (الْفَهم) أَي فهم انْتِفَاء الحكم عَن الْمَسْكُوت فِي الْموَاد الْمَذْكُورَة (وَفِي مفيده) أَي الْفَهم الْمَذْكُور (احْتِمَال لما ذكرنَا) من التَّرَدُّد فِي أَنه مَدْلُول اللَّفْظ أَو الأَصْل الخ (اتَّحد حَال الْإِثْبَات وَالنَّفْي) أَي نِسْبَة إِثْبَات الْمَفْهُوم ونفيه إِلَى اللَّفْظ على السوية لتساوي احتمالية الْإِرَادَة وَعدمهَا بِالنّظرِ إِلَيْهِ، وَالدَّال على الشَّيْء لَا يشك فِي أَنه يفِيدهُ أم لَا، فالشك فِي إفادته يسْتَلْزم نفي دلَالَته، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوب (فَإِن أُجِيب عَن الْمَنْع) أَي منع انحصار الْفَائِدَة فِي النَّفْي عَن الْمَسْكُوت بتحرير الدَّلِيل على وَجه لَا يتَّجه الْمَنْع الْمَذْكُور بِأَن يُقَال (وضع التَّخْصِيص للفائدة) على صِيغَة الْمَجْهُول أَو الْمصدر الْمُضَاف (وضع الْمُشْتَرك الْمَعْنَوِيّ) بِالنّصب على الأول وَالرَّفْع على الثَّانِي: أَي وضع مَا وضع لمَفْهُوم عَام تَحْتَهُ أَفْرَاد هِيَ الْفَوَائِد الْجُزْئِيَّة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وكل فَائِدَة فَرد مِنْهُ) أَي الْمُشْتَرك الْمَذْكُور (تتَعَيَّن بِالْقَرِينَةِ) لتِلْك الْفَائِدَة الْمُطلقَة الْمَوْضُوع لَهَا التَّخْصِيص (فِي المورد) فِي كل كَلَام ورد فِيهِ التَّخْصِيص بِالْقَرِينَةِ الْمعينَة لَهَا (وَهِي) أَي الْقَرِينَة (عِنْد عدم قرينَة غير الْمَنْفِيّ عَن الْمَسْكُوت لُزُوم عدم الْفَائِدَة) للتخصيص الْمُوجب وجود الْمَوْضُوع بِدُونِ مَا وضع لَهُ فَيجب (إِن لم يكن) النَّفْي عَن الْمَسْكُوت مرَادا من التَّخْصِيص (فَيجب) أَن يكون النَّفْي عَنهُ حِينَئِذٍ (مدلولا لفظيا) لِأَن الْمَوْضُوع للْجِنْس إِذا أُرِيد بِهِ فَرد مِنْهُ بِالْقَرِينَةِ يكون دَالا عَلَيْهِ (قُلْنَا لَا دلَالَة للأعم على الْأَخَص) بِخُصُوصِهِ بِإِحْدَى الدلالات الثَّلَاث، يَعْنِي إِذا قُلْتُمْ بِوَضْع التَّخْصِيص لمُطلق الْفَائِدَة الَّذِي نفى الحكم عَن الْمَسْكُوت فَرد مِنْهُ لزم كَون التَّخْصِيص أَعم مِنْهُ، وَقُلْنَا لَا دلَالَة إِلَى آخِره (فَلَيْسَ) النَّفْي الْمَذْكُور مدلولا (لفظيا بل) الدّلَالَة (للقرينة) مَعْطُوف على قَوْله للأعم فَإِن قلت ذكر الْعَام وَإِرَادَة الْخَاص بمعاونة الْقَرِينَة إِطْلَاق مجازى ومدلول الْمجَاز مَدْلُول لَفْظِي قلت النزاع فِي إِثْبَات الْمَفْهُوم وَهُوَ عبارَة عَن دلَالَة اللَّفْظ بِاعْتِبَار التَّخْصِيص من غير حَاجَة إِلَى أَمر آخر وَمَا ذكرته من لُزُوم عدم الْفَائِدَة أَمر آخر على أَن قَوْلنَا فَلَيْسَ لفظيا سَنَد للْمَنْع، فَإِن الْمُجيب عَن الْمَنْع منصبه إِثْبَات الْمُدعى بادعاء وضع التَّخْصِيص إِلَى آخِره، والخصم يمْنَع وَضعه لما ذكر، وَيُؤَيّد مَنعه بِنَفْي
стр. 107
المدلولية اللفظية، وَلَا خَفَاء فِي أَنه سَنَد أخص، وإبطاله غير موجه، وَأَيْضًا يتَحَقَّق النزاع فِي كل مَادَّة بقول الْخصم بِثُبُوت الْمَفْهُوم مُدعيًا وجود الْقَرِينَة، أَعنِي لُزُوم عدم الْفَائِدَة، فَيُقَال لَهُ لَا نسلم ذَلِك: لم لَا يجوز أَن يكون هُنَاكَ فَائِدَة أُخْرَى؟ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالثَّابِت) فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يدعى فِيهَا الْخصم ثُبُوت الْمَفْهُوم (عدم الْعلم بِقَرِينَة الْغَيْر) أَي غير نفي الحكم عَن الْمَسْكُوت (لَا عدمهَا) أَي عدم قرينَة الْغَيْر فِي نفس الْأَمر لعدم الْإِحَاطَة بِالنَّفْيِ (فَيكون) التَّخْصِيص الَّذِي ادّعى وَضعه لمُطلق الْفَائِدَة (مُجملا) لازدحام الْمعَانِي الممكنة إرادتها وَعدم مَا تعين بَعْضهَا (فِي) نفي الحكم عَن (الْمَسْكُوت وَغَيره) أَي غير النَّفْي (لَا مُوجبا فِيهِ) أَي فِي الْمَسْكُوت (شَيْئا) من نفي الحكم عَنهُ وَغَيره أَو شَيْئا من الْإِيجَاب (كَرجل بِلَا قرينَة فِي زيد) فَإِنَّهُ مُجمل فِي زيد وَعَمْرو وَغَيرهمَا، وَلَا يُوجب فِي زيد شَيْئا (فَإِن قيل) لَيْسَ الْأَمر كَمَا زعمتم من أَن الثَّابِت عدم الْعلم بهَا لَا لعدمها، وَأَن الأول لَا يدل على الثَّانِي (بل) عدم الْعلم بِقَرِينَة الْغَيْر (ظَاهر فِي عدمهَا) أَي فِي عدمهَا بِحَسب الْوَاقِع، وَإِن لم يكن نصافيه (بعد فحص الْعَالم) بأساليب الْكَلَام، وقرائن الْمقَام مَعَ كَمَال الاهتمام عَن قرينَة الْغَيْر، فَيدل عدم علمه بهَا على عدمهَا بِحَسب غَالب الظَّن لِأَنَّهَا لَو كَانَت لم تخف عَلَيْهِ، وَهَذَا الْكَلَام إِثْبَات للمقدمة الممنوعة على تَقْدِير أَن يكون مَا قبله منعا، وَإِبْطَال لعدم ثُبُوت عدم الْقَرِينَة إِن كَانَ مُعَارضَة (قُلْنَا) ظُهُور عدمهَا (مَمْنُوع) أَن عدم الْعلم بِشَيْء وَلَو بعد فحص الْعَالم لَا يسْتَلْزم عَدمه (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يستلزمه (لم يتَوَقَّف) الْعَالم بعد الفحص (فِي حكم) لِأَنَّهُ لَا تَخْلُو حَادِثَة من الْحَوَادِث عَن حكم ثَابت من الله تَعَالَى مَعَ أَمارَة أُقِيمَت عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الْحق عِنْد أهل التَّحْقِيق، وَمن ضَرُورَة استلزام عدم الْعلم بالشَّيْء عدم استلزام وجود الْعلم فَلَا وَجه للتوقف (وَقد ثَبت) التَّوَقُّف (عَن الْأَئِمَّة) الْمُجْتَهدين فِي كثير من الْأَحْكَام فَإِن قلت لَعَلَّ توقفهم لعدم الْقطع، وَنحن قُلْنَا ظَاهر فِي عدمهَا، وَلم نَدع الْقطع بِهِ قُلْنَا ثَبت عَنْهُم التَّوَقُّف فِيمَا يَكْتَفِي فِيهِ بِالظَّنِّ من الْفُرُوع (فَإِن قيل) لاثبات الْمُقدمَة الممنوعة، وَهُوَ ظُهُور عدم قرينَة الْغَيْر بِإِبْطَال السَّنَد الْمسَاوِي للْمَنْع بزعم الْخصم التَّوَقُّف (نَادِر) كَالْمَعْدُومِ فَلَا يُنَافِي الظُّهُور الْمَذْكُور (قُلْنَا) لتأييد الْمَنْع بِسَنَد آخر إِن لم يسلم ذَلِك السَّنَد (فمواضع الْخلاف) بَين الْقَائِلين بِالْمَفْهُومِ والنافين، أَو بَين الْمُجْتَهدين فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (كَثِيرَة تفِيد) تِلْكَ الْمَوَاضِع (عدم الْوُجُود بالفحص) أَي عدم وجود علم (للْعَالم) بِسَبَب الفحص مَعَ وجود المفحوص عَنهُ فِي الْوَاقِع، أَو عدم وجود مَا فحص عَنهُ لما زعمتم من أَن عدم علم الْعَالم بِهِ دَلِيل على عَدمه وَهُوَ بَاطِل لوُجُوده بِدَلِيل مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده الْمُخَالف تَوْضِيحه أَن كلا من الْمُجْتَهدين
стр. 108
المخالفين لم يعلم ما أدى إليه اجتهاد الآخر، ولا شك أن ما أدى إليه اجتهاد أحدهما حكم الله لم يعلمه الآخر مع وجوده في نفس الأمر، والمفروض أن قول كل منهما نقيض الآخر لجاز أن لا يكون شيء منهما حكم الله (ولو سلم) ظهور عدم علم العالم بعد الفحص في عدم قرينة غير المنفي عن المسكوت (في) كلام (غير الشارع) لعدم سعة دائرة ما يقصدون بالتخصيص من الفوائد بحيث لا يمكن إحاطة علم العالم بها (اقتصر) جواب لو: أي اقتصر اعتبار المفهوم على كلام غير الشارع (فقلنا به) أي باعتبار المفهوم (في غيره) أي في كلام غير الشارع (من المتكلمين للزوم الانتفاء) أي انتفاء فائدة التخصيص اللام متعلق بقلنا (لولاه) أي لولا انتفاء الحكم عن المسكوت، فالضمير راجع إلى الانتفاء بطريق الاستخدام، وذلك لما فرض من تسليم استلزام عدم علم العالم الفاحص عن قرينة غير انتفاء الحكم عن المسكوت عدمها (أما الشارع فللقطع بقصدها) أي الفائدة إجمالا (منه) أي من الشارع في التخصيص (يجب تقديرها) أي اعتبار الفائدة في كلامه المخصص واعتقاد وجودها فيه إجمالا (فلا يلزم الانتفاء) أي انتفاء الفائدة (لولا الانتفاء) أي انتفاء الحكم عن المسكوت (فإثباته) أي نفي الحكم عن المسكوت (إقدام على تشريع حكم بلا ملجئ) أي موجب، فلزوم انتفاء الفائدة لولا اعتبار انتفاء الحكم عن المسكوت للعمل بوجود الفائدة إجمالا من غير دليل على تعيينها. (فإن قيل) نفي الحكم عن المسكوت (ظني) فيكفي لإثباته ظن أن لا فائدة في التخصيص سواه. (قلنا ظن المعين) بصيغة المفعول، وهو الانتفاء المذكور (عند انتفاء معينه) بصيغة الفاعل المضاف إلى ضمير المعين، وهي القرينة المعينة له (ممنوع، وعلمت أنه) أي المعين للنفي المذكور (لزوم انتفاء الفائدة) أي فائدة التخصيص إن لم يرد به (وانتفاءه) أي وعلمت انتفاء اللزوم المذكور لا سيما في كلام الشارع (واندفع بما ذكرنا قولهم) أي المثبتين للمفهوم (تثبت دلالة الإيماء) وهو قران الحكم بما لو لم يكن علة له كان بعيدا على ما مر (لدفع الاستبعاد) متعلق بتثبت (فالمفهوم) أي فثبوت دلالة التخصيص على النفي المذكور (لدفع عدم الفائدة) اللازم على تقدير عدم انتفاء الحكم عن المسكوت (أولى) لأن الاحتراز عن إيراد ما لا فائدة فيه أهم منه عن الاستبعاد (ولو جعل) القول المذكور (إثباتا لإثبات الوضع بالفائدة) ردا على من حكم ببطلان إثبات الوضع بها، وكلمة لو وصلية إشارة إلى أنه لا فرق في الاندفاع بين أن يجعل دليلا مستقلا على المطلوب كما فعله القاضي عضد الدين، وبين أن يجعل جوابا ثانيا يمنع إثبات الوضع بالفائدة كما فعل غيره من شارحي المختصر، ووجه الاندفاع ظهور الفرق بين ثبوت دلالة الإيماء، ودلالة التخصيص لظهور وجود القرينة المعينة هناك،
стр. 109
وهو الاستبعاد المذكور على ما مر، وعدمه ههنا لعدم لزوم عدم الفائدة على ما بين بما لا مزيد عليه (وأما الاعتراض عليه) أي الدليل المذكور، وهو لزوم خلو التخصيص عن الفائدة (بأن تقوية دلالته) أي دلالة ما وقع فيه التخصيص (على الثبوت) أي ثبوت الحكم المنطوق (في الموصوف) بدفع توهم خروجه على سبيل التخصيص (فائدة) فإنه لو قال في الغنم زكاة توهم أن يراد في المعلوفة دون السائمة زال الوهم (وكذا) في المشروط والمغيا، والمعدود، وكذا الاعتراض على الدليل المذكور بأن يقال (ثواب القياس) والاجتهاد في إلحاق المسكوت بالمذكور لاشتراكهما في العلة فائدة تصلح لأن يكون التخصيصلها فلا يتعين النفي المذكور لأن يكون فائدة له (فدفع الأول بأنه) أي الأول، وهو التقوية المذكورة (فرع عموم الموصوف في نحو في الغنم السائمة زكاة) حتى يكون معناه في الغنم سيما السائمة زكاة (ولا قائل به) أي بعموم الموصوف في نحوه (ولو ثبت) العموم (في مادة) كالصورة المذكورة فرضا (وصار المعنى في الغنم سيما السائمة) زكاة (خرج عن) محل (النزاع) لأن النزاع فيما لا شيء يقتضي التخصيص فيه سوى مخالفة المسكوت عنه للمذكور، ودفع وهم التخصيص فائدة سواها (و) دفع (الثاني بأنا شرطنا في دلالته) أي التخصيص على نفي الحكم عن المسكوت (عدم المساواة في المناط) أي عدم مساواة المسكوت عنه للمنطوق في علة الحكم (والرجحان) أي وعدم كونه أولى من المنطوق به، وثواب الاجتهاد إنما يتصور فيما إذا كانا متساويين في العلة وإلحاق المسكوت في الحكم بالمنطوق بدلالة النص إنما يكون عند الرجحان (وسيدفع هذا) أي الدفع الثاني (ونقضه) أي الدليل المذكور (بمفهوم اللقب) وهو تعليق الحكم بجامد كفي الغنم زكاة، بأن يقال لو لم يدل على نفي الحكم عما عداه لم يكن التخصيص باللقب مفيدا، فيلزمكم إثباته ولستم بمثبتيه، وإن أثبته شذوذ (مدفوع بأنه) أي ذكر اللقب (ليصح الأصل) أي أصل الكلام في إفادة أصل المراد فإنه يختل بدونه، وهذا أعظم فائدة. (ومن أدلتهم) أي القائلين بالمفهوم (المزيفة) أي المضعفة، وأصله زيف الدراهم: إذا جعلها زيوفا مردودة لغش (لو لم يكن) التخصيص (للحصر لزم اشتراك المسكوت، والمذكور في الحكم) لعدم الواسطة بين الاختصاص والاشتراك (وهو) أي الاشتراك (منتف) اتفاقا (للقطع بأنه) أي الحكم (ليس له) أي للمسكوت (بل) هو للمذكور (محتمل) لأن يكون ثابتا للمسكوت أيضا، فتعين الحصر (ودفع بمنع الملازمة) أي لا نسلم أنه لو لم يكن للحصر لزم الاشتراك (بل اللازم) إذن (عدم الدلالة) أي عدم دلالة التخصيص (على اختصاص ولا) على (اشتراك، بل) الدلالة (على مجرد تعلق الحكم بالمذكور) والمسكوت على
стр. 110
الاحتمال (وللإمام) أي إمام الحرمين استدلال (قريب منه) أي من هذا الدليل، وهو أن التخصيص (لو لم يفد) بيان (الحصر لم يفد اختصاص الحكم) بالمذكور دون غيره، واللازم منتف، أما الملازمة فلأنه لا معنى للحصر فيه إلا اختصاصه به دون غيره، وأما انتفاء اللازم فللعلم الضروري أنه يفيد اختصاص الحكم بالمذكور، وإليه أشار بقوله (لكنه يفيده في المذكور، وجوابه منع انتفاء اللازم) بأن يقال لا نسلم أن عدم إفادته الاختصاص منتف (بل إنما يفيد الحكم على المذكور لاختصاصه به) أي بالمذكور (مع ما في تركيبه) أي جوابه المنع مع الذي في تركيب الدليل أو المستدل من المحذور، يعني المصادرة على المطلوب أو ما يقرب منه (إذ هو) أي ما في التركيب ما حاصله (لو لم يفد الحصر لم يفد الحصر) قال الأبهري: في تالي هذه الشرطية تفصيل ليس في مقدمها، فلا يعد من استلزام الشيء لنفسه، وفي نقيض تاليها تفصيل ليس في نقيض مقدمها، فلا يعد من المصادرة على المطلوب، بل هو من الاستدلال من التفصيل على الجملة انتهى. وقال المحقق التفتازاني: لا تفاوت بين المقدم والتالي إلا في اللفظ، وكان لفظ الاختصاص أوضح دلالة فجعل التالي انتهى، فغاية العناية به الفرار عن المحذورين لا إثبات المطلوب (وما روي لأزيدن على السبعين) أي ومن أدلتهم المزيفة احتجاجهم بأنه ﷺ فهم مفهوم العدد من قوله تعالى -إن تستغفر لهم سبعين مرة-، وهو أعلم الناس بلسان العرب لما روي عنه ﷺ "لأزيدن على السبعين" في الصحيحين "لما قام رسول الله ﷺ ليصلي على عبد الله بن أبي ابن سلول، قام عمر، فأخذ بثوبه، فقال يا رسول الله: تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال ﷺ إنما خيرني الله فقال تعالى -استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة- وسأزيد على السبعين" وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد في تفسيره عن قتادة والطبري عن عروة مرسلا بلفظ الكتاب، ولو لم يفهم ﷺ أن حكم ما زاد على السبعين خلاف حكمها، وهو المغفرة لما قال ذلك، بل امتنع عن الاستغفار، وإذا ثبت مفهوم العدد ثبت مفهوم الصفة بالطريق الأولى، ولذا كل من قال بمفهوم العدد قال بمفهوم الصفة من غير عكس، وكذا ثبت مفهوم الشرط لكونه أقوى لمثل ما ذكرنا، وكذا الحال في مفهوم الغاية. (وأجيب بأنه) أي ما روي (ليس محل النزاع للعلم بأن ذكرها) أي السبعين ليس لتقييد عدم المغفرة بخصوص هذا العدد بل (للمبالغة) في الكثرة، فإنها صارت معناها عرفا في مثل هذا المقام، فالمراد سلب المغفرة بالكلية وإقناط منها، وإن بلغ عدد الاستغفار غاية الكثرة، ويلزمه عدم التفاوت بينها وبين ما فوقها، وإليه أشار بقوله (واتحاد الحكم في الزائد) أي وللعلم باتحاده
стр. 111
فيه، والرسول ﷺ أعلم الناس بذلك (فكيف يفهم الاختلاف) بأن يكون حكم سبعين عدم المغفرة، وحكم ما زاد عليها المغفرة (فلأزيدن تأليف) أي فقوله ﷺ لأزيدن تأليف لقلب ابنه وأقاربه من المؤمنين، روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي، وكان من المخلصين سأل رسول الله ﷺ في مرض أبيه أن يستغفر الله له ففعل، فنزلت، فقال ﷺ "لأزيدن على السبعين" على أنه لم يكن عند ذلك ممنوعا عن الاستغفار لهم حتى يلزم مخالفة النهي. وقد يجاب عنه بأنه يجوز أن يكون من قبيل حل الكلام على غير المراد مع العلم به استعطافا وطلبا للرحمة والفضل كقول القبعثرى للحجاج وقد قال له متوعدا: لأحملنك على الأدهم، يعني القيد: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب يحمل كلامه على الفرس الأدهم، فقال ثانيا: إنه حديد، فقال: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا: الأدهم الذي غلب سواده حتى ذهب البياض الذي فيه، والأشهب الذي غلب بياضه حتى ذهب ما فيه من السواد، ثم أجاب بطريق التنزل وفرض كونه من محل النزاع وأنه ليس للمبالغة فقال: (وعلم أن الاختلاف) أي اختلاف السبعين والزائد عليها في الحكم (جائز) خبر أن (إن ثبت) العلم المذكور (يجب كونه) أي ذلك الثبوت أو العلم حاصلا (من خصوص المادة) فقوله يجب إلخ جواب الشرطن وهو مع جزائه خبر المبتدأ: أعني علم وفي كلمة إن إشارة إلى أنه لم يثبت. يعني إن فرض علمه ﷺ بأن حكم ما زاد على السبعين بخلاف السبعين، وهو الغفران، فذلك العلم ليس بسبب مفهوم العدد، بل يجب كونه من خصوص المادة (وهو) أي خصوص المادة (قبول دعائه) ﷺ . ولا يخفى بعد هذا العلم بعد العلم بموت ابن أبي على الكفر (وقول يعلى بن أمية لعمر ما بالنا نقصر وقد أمنا) أي ومن الأدلة المزيفة احتجاجهم بأن يعلى وهو من البلغاء فهم مفهوم المخالفة من قوله تعالى -ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم- الآية، وأن القصر مقصور على الخوف، فقال وما بالنا إلى آخره ووافقه عمر في فهم ذلك، ولذا لم يرد عليه في فهمه ذلك (في الشرط) متعلق بيعلى، فإن هذا القول الدال على فهم المفهوم المخالف إنما وقع منه في مادة الشرط، وإذا ثبت فيه يثبت في الباقي قياسا عليه، فقال عمر ليعلى (عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال صدقة تصدق الله بها عليكم) فدل على أنه ﷺ أقر عمر في فهمه مفهوم الشرط ولم ينكر عليه كما أنه أقر يعلى عليه غير أنه بين عدم إرادة المفهوم في خصوص المادة بقوله صدقة، يعني حكم الرخصة في السفر يعم الخوف والأمن
стр. 112
وإن كان سببه الخوف فالتخصيص بالشرط لا بد له من فائدة لوقوعه في كلام الله لمزيد العناية بشأنه لكونه سببا للتشريع في الأصل إلى غير ذلك (والجواب) منع بلزوم فهم المفهوم من كلامهما، والسند (جواز بنائهما) العجب من القصر (على الأصل) في الصلاة قبل رخصة القصر للخوف (وهو) أي الأصل المذكور (الإتمام وإنما خولف) الأصل (في الخوف) لورود النص، وخلاف الأصل مقتصر على مورد النص، فيبقى فيما عداه على الأصل، قيل هذا مخالف لما ذهب إليه أصحابنا ﵏ من أن الأصل في السفر عندنا القصر، والإتمام في حق المقيم بعارض الإقامة حتى لو صلى المسافر الرباعية أربعا إن أتى بالقعدة الأولى أساء، وإلا فسدت صلاته، ويشهد لهم ما في الصحيحين عن عائشة ﵂ "فرض الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر" واللفظ للبخاري، والجواب أن سند المنع جواز بنائهما على الأصل هو الإتمام لما يفهم من نفي الجناح المقرون بما يصلح لعليته من الخوف، فإن المتبادر منه أنه لولا ذلك كان المطلوب الإتمام، وبالجملة لا يلزم كون تلك الأصالة المظنونة لهما لما قامت عندهما من الأمارة مذهبا لأصحابنا (وإن في القول به تكثير الفائدة) أي ومن الأدلة المزيفة أن في القول بمفهوم المخالفة تكثير فائدة الكلام اللائق ببلاغته لاستلزامه نفي الحكم عن المسكوت مع إثباته للمذكور (ونقض) هذا الدليل نقضا إجمالي، والناقض الآمدي (بلزوم الدور) لأنه يتوقف حينئذ ثبوت المفهوم على التكثير لكونه علة لوضع التخصيص له مع أن التكثير متوقف عليه لحصوله به (وليس) هذا النقض (بشيء، لظهور أن الموقوف عليه الدلالة) أي دلالة اللفظ على نفي الحكم عن المسكوت (تعقلها) أي تعقل الواضع كثرة الفائدة (واقعة) مفعول ثان للتعقل لتضمنه معنى العلم فعلم أن علة الوضع قصورها بصفة الوقوع لا تحققها في نفس الأمر (وتحققها) أي كثرة الفائدة بحسب الواقع (هو الموقوف عليها) أي الدلالة، فالدلالة متأخرة عنها باعتبار الوجود الذهني متقدمة عليها باعتبار الوجود الخارجي، هكذا شأن العلل الغائية (بل الجواب ما تقدم) من أنه يلزمه إثبات اللغة بالفائدة وهو باطل، ولا يدفعه تحقيق الاستدلال ههنا كما دفعه هناك وهو ظاهر (وأنه لو لم يكن المسكوت مخالفا) المذكور في الحكم (لزم حصول الطهارة قبل السبع) أي ومن أدلتهم المزيفة على مفهوم العدد أنه لو لم يكن المسكوت، وهو ما دون السبع مخالفا للمذكور، وهو السبع لزم حصول طهارة الإناء الذي ولغ فيه الكلب قبل أن يغسل سبع مرات (في) حديث ذكر في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة مرفوعا (طهور إناء أحدكم) إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات إحداهن بالتراب". (والتحريم) أي وحصول تحريم النكاح
стр. 113
بين رجل وامرأة اشتركتا في رضاع مدته (قبل الخمس) أي خمس رضعات (في خمس رضعات يحرمن) في حديث صحيح ذكره مسلم وغيره عن عائشة موقوفًا عليها (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن، فتوفي النبي ﷺ وهو فيما يقرأ من القرآن) بيان ذلك أنه إذا لم يعتبر مفهوم العدد كان حكم ما دون الخمس في التحريم كالخمس (ويلزم) عند تحصيل الطهارة والتحريم بالعدد المذكورين (تحصيل الحاصل) لحصولهما قبل تحقق العددين بالأقل منهما (والجواب منع الملازمة) لأن المراد بقوله لو لم يكن المسكوت مخالفا فرض عدم دلالة التخصيص على كونه مخالفا لاعدم كونه في نفس الأمر، لأن المدعى إنما هو الدلالة المذكورة فلابد من فرض نقيضها، وبيان استلزامه المحال. وحاصل المنع أنه لا نسلم أن اللازم على تقدير نقيض المدعى لزوم حصول الطهارة إلى آخره (بل اللازم عدم الدلالة على نفي الطهارة والتحريم) قبل تحقق السبع (وإنما يلزم ما ذكر) من التحريم قبل الخمس (لو لم يكن الأصل) المعتمد قبل هذا النص (عدم التحريم) أي عدم تحريم النكاح بين كل اثنين من الذكر والأنثى إذا لم يكن ثمة شيء من موجباته لكن الواقع كون الأصل عدم التحريم (فيبقى) عدم التحريم الذي هو موجب الأصل مستمرًا (إلى وجود ما علق) التحريم (به) وهو الخمس من الرضعات المعلق بها (ضده) أي ضد عدم التحريم، وهو التحريم (ولذا صارت النجاسة) الحاصلة من ولوغ الكلب في الإناء (متقررة) في الإناء (بالدليل) وهو العلم بولوغ نجس العين المستلزم إصابة لعابه المتولد من لحمه الاناء (فتبقى) تلك النجاسة مستمرة (كذلك) أي إلى وجود ما علق به ضد النجاسة: أي الطهارة، وهو السبع من الغسلات، وهذا كله مبني على مذهب الشافعية، (وأما الحنفية فالتحريم) بالرضاع عندهم لا يتوقف على السبع، بل يثبت (بالثلاث) على ما ذكر الحاكم في إشاراته، ونقل عن أبي حنيفة ﵀ وجوبها واستحباب الأربعة بعدها أو بغلبة ظن زوالها على ما ذكره الوبري من أنه لا توقيت في غسلها، بل العبرة لأكبر الرأي ولو مرة، ونقله النووي عن ابي حنيفة رحمهما الله. قال شيخ الإسلام ظاهر الرواية نجاسة عين الكلب، وفرع عليه قاضيخان بتنجس البئر الواقع فيها الكلب وإن لم يصب فمه الماء، لكنه اختار طهارة عينه، ونجاسة لحمه، وما يتولد منه لعموم قوله ﷺ (أيما إهاب دبغ فقد طهر). رواه الترمذي وصححه، وإخراج الخنزير منه لمعارضة الكتاب إياه، فعلى هذا نجاسته لنجاسة سائر السباع (وهما) أي توقف التحريم بالرضاع على خمس،
стр. 114
وتوقف طهارة الإناء على سبع (منسوخان) عندهم، وحكمهم بالنسخ إما بالاجتهاد، وإما بالنقل، وأفاد الأول بقوله (اجتهاد بالترجيح) نقل الشارح في تفسيره: أي بسبب ترجيح ما عندهم من المعارضة فإن كل موضع تعارض فيه دليلا، فرجح المجتهد أحدهما يلزم بالضرورة القول بمنسوخية الآخر، وإلا كان تركا لدليل صحيح عن الشارع فتأمل انتهى، لعل وجه التأمل أن الترجيح لا يستلزم النسخ لجواز عدم صدور المرجوح عن الشارع في الواقع، لأن أخبار الآحاد لا يفيد إلا الظن، فلا يقطع بعدم نقيضه، والمعارض الراجح ما روى ابن عدي عن عطاء عن ابي هريرة مرفوعا " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث مرات " مع ما أخرجه الدارقطني بسند صحيح عن عطاء موقوفا على أبي هريرة أنه كان إذا ولغ الكلب في الإناء أهرقه ثم غسله ثلاث مرات، أو ثبوت عمل أبي هريرة، وهو راوي السبع على خلاف روايته يوجب ومنافيها فيعارضه، وتقد عليه لما ثبت من نسخ التشديد في أمر الكلاب أول الأمر حتى أمر بقتلها على أن القياس بسائر النجاسات أيضا يفيد التحريم، وفي تحريم قليل الرضاع إطلاق الكتاب كقوله تعالى - وأمهاتكم التي أرضعنكم - والسنة لحديث " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "، ويقدم لقطعية الكتاب وسلامة الحديث من القوادح سندا ومتنا، بخلاف حديث الخمس فقد قال الطحاوي منكر، والقاضي عياض لا حجة فيه، لأن عائشة ﵂ أحالت ذلك على أنه قرآن. وقد ثبت أنه ليس بقرآن، ولا تحل القراءة به، ولا إثباته في المصحف إذ القرآن لا يثبت بخبر الواحد (أو نقلا) أو هما منسوخان نقلا، والفيد له عمل أبي هريرة على خلافه، فإن ظنية خبر الواحد بالنسبة إلى رواية الذي سمعه من فم النبي ﷺ فقطعي ينسخ به الكتاب إذا كان قطعي الدلالة، فيلزم أنه لم يتركه إلا قطعه بالنسخ، فتركه بمنزلة روايته للناسخ، وما روى عن ابن عباس لما قيل له: إن الناس يقولون إن الرضعة لا تحرم. قال كان ذلك ثم سخ، وعن ابن مسعود قال " آل أمر الرضاع إلى أن قليله وكثيره يحرم " عن ابن عمر أن القليل يحرم، وهذه الآثار صالحة لنسخ حديث عائشة ﵂، وإن لم تكافئه في صحة السند لكثرتها، ولما يلزمه من نسخ القرآن بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وثبوت قول الرافضة ذهب كثير من القرآن بعد رسول الله ﷺ لم تثبته الصحابة، بطلان اللازم من ضروريات الدين. وقد قال الله تعالى - إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون - (فاللازم) على تقدير عدم دلالة التخصيص في الحديثين من حصول الطهارة والتحريم قبل الخمس والسبع على ما ادعى الخصم (حق) في حد ذاته لا من حيث أنه لازم لما عرفت من أن الملازمة غير مسلمة (فيسقطان)
стр. 115
أي الدليلان المذكوران، (واعلم ان المعول عليه نفي المفهوم عدم ما يوجبه) أي القول به (إذا علم أن الأوجه) المذكورة لاثباته (لم تفده) أي الاثبات (وأيضا الاتفاق) من الفريقين على أن المصير إليه) أي القول بالمفهوم إنما هو (عند عدم فائدة أخرى) للتخصيص سواء (وهي) أي الفائدة الأخرى (لازمة) متحققة في جميع مواد التخصيص فيجب أن يضار إليه اتفاقا (إذ ثواب الاجتهاد للالحاق) أي إلحاق المسكوت بالمذكور في حكمه بجامع بينهما (فائدة لازمة) للتخصيص (والدفع) بهذا اللزوم (بأن شرطه) أي القول بالمفهوم (عدم المساواة) بين المذكور والمسكوت في المناط، واكتفى بذكر المساواة عن الرجحان لما تقدم ذكرها والوعد بهذا الدفع بقوله، وسيدفع (فعندها) أي المساواة المحل (غير) محل (النزاع) لوجوب اشتراك المذكور والمسكوت في الحكم حينئذ (ليس بشيء) خبر المبتدأ: أعني الدفع (لأن فائدة الثواب) الإضافة بيانية (تلزم الاجتهاد) سواء (أوصل) الاجتهاد (إلى ظن المساواة) بينهما فتحقق الإلحاق (أو) أوصله (إلى عدمها) أي المساواة (أولا) أي أو لم يوصله إلى شيء آخر منها (ثم ينتفي الحكم) الثابت للمذكور عن المسكوت على كل من الأخيرين (بالأصل) وقد مر بيانه (وعدم المساواة ليس لازما بينا لكل تخصيص ليمتنع الاجتهاد لاستكشاف حال المسكوت) فإنه إذا كان بينا كان عدم مشاركتهما بديهيا غير محتاج إلى اجتهاد واستكشاف (ولهم) أي الحنفية (غيره) أي المعول عليه (أدلة منظور فيها) أي يرد عليها الاعتراض (منها انتفاؤه) أي المفهوم (في الخير نحو الشام غنم سائمة) فإنه لا يدل على عدم المعلوفة فيها لغة وعرفا (مع عموم أوجه الاثبات) أي إثبات المفهوم في الخبر والانشاء، حاصل الاستدلال انه لو كان التخصيص دالا على المفهوم للأوجه المذكورة كان يدل في نحو ما ذكر لجريانها فيه لكنه لا يدل فلا دلالة. (وأجيب) عنه بوجهين (بالتزامه) أي عموم المفهوم فيها (إلا لدليل) خارجي دال على عدم إرادته في البعض (ومنه) أي من ذلك الدليل (المثال) أي ما في مثال المذكور من العلم بوجود المعلوفة فيه (وبالفرق) بين الخبر والإنشاء (بأن كون المسكوت في الخبر غير مخبر عه لا يستلزم عدم ثبوت الحكم في نفس الأمر) للمسكوت إذ لا يلزم من عدم إدراك الوقوع واللاوقوع عدمها في نفس الأمر، وتوضيحه أن في الخبر نسبتين بين طرفي الحكم خارجية كائنة بينهما في الواقع وذهنية حاكية عن الخارجية، وانتفاء الثانية لا يستلزم انتفاء الأولى (بخلاف الأمر ونحوه) من الإنشاء (فإنه لا خارج له يجري فيه ذلك الاحتمال) وهو كون المسكوت متعلق الحكم في الواقع مع عدم كونه متعلقه في العقل بحسب دلالة اللفظ (فإذا انتفي تعرضه) أي الأمر ونحوه (للمسكوت
стр. 116
ينتفى الحكم عَنهُ فِي نفس الْأَمر) لِأَن ثُبُوت الحكم لَهُ فرع تعرضه (وَدفع الأول) من الْوَجْهَيْنِ (بِأَنَّهُ مُكَابَرَة) لظُهُور عدم اعْتِبَار مَفْهُوم المخالقة فِي الْأَخْبَار مُطلقًا، وَفِيه نظر كَيفَ وأوجه الْإِثْبَات غير مُخْتَصَّة بالإنشاء (و) دفع (الثَّانِي) وَهُوَ الْفرق بَينهمَا (بإفادته) أَي إِفَادَة انْتِفَاء تعرضه للمسكوت (السُّكُوت عَن الْمَسْكُوت) لانْتِفَاء الحكم فِي نفس الْأَمر فَلَا فرق بَينهمَا (وَهُوَ) أَي السُّكُوت عَن المكسوت وَعدم إِفَادَة الحكم ثَابت لَهُ (قَول النافين) للمفهوم فِيهِ أَن قَول النافين السُّكُوت عَنهُ إِثْبَاتًا ونفيا، وَاللَّازِم من انْتِفَاء التَّعَرُّض الَّذِي ذكره الْخصم السُّكُوت عَنهُ إِثْبَاتًا فَقَط (وَمِنْهَا) أَي وَمن الْأَدِلَّة المنظور فِيهَا أَنه (لَو ثَبت الْمَفْهُوم ثَبت التَّعَارُض) فِي حكم الْمَسْكُوت بَين الدَّال على نفي الحكم عَنهُ وَبَين مَا يدل على مشاركته للمذكور فِيهِ (لثُبُوت الْمُخَالفَة) فِي مواد التَّخْصِيص بَين مَا يَقْتَضِيهِ الْمَفْهُوم من نفي الحكم، وَبَين مَا يَقْتَضِيهِ دَلِيل آخر من ثُبُوته للمسكوت (كثيرا) وَيلْزمهُ ثُبُوت التَّعَارُض كثيرا، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أضعافا مضاعفة﴾ - إِذْ مَفْهُومه عدم النَّهْي عَن الْقَلِيل إِذْ النَّهْي عَن الْقَلِيل وَالْكثير ثَابت لقَوْله - ﴿وَحرم الرِّبَا﴾ - وَغَيره (وَهُوَ) أَي التَّعَارُض (خلاف الأَصْل لَا يُصَار إِلَيْهِ) أَي التَّعَارُض أَو خلاف الأَصْل (إِلَّا بِدَلِيل) ملجئ إِلَى الْمصير إِلَيْهِ، وَيتَّجه حِينَئِذٍ أَن الْأَدِلَّة الْمَذْكُورَة للمفهوم كَثِيرَة فيصار إِلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (فَإِن أقيم) الدَّلِيل على اعْتِبَاره (فَبعد صِحَّته) فِيهِ إِشَارَة إِلَى عدم صِحَّته وَعدم صلاحيته لِأَن يُعَارض دليلنا لصِحَّته: أَي فَبعد تَسْلِيم صِحَّته (كَانَ دليلنا مُعَارضا) وَإِذا تَعَارضا تساقطا فَلَا يبْقى بعد ذَلِك الِاعْتِبَار الْمَفْهُوم مُرَجّح، وَتعقبه المُصَنّف بِأَن ذَلِك إِذا لم ترجح عَلَيْهِ، فَقَالَ (وَالْحق أَن كل دَلِيل يخرج) الحكم (عَن الأَصْل) بإفادته إِيَّاه على خلاف إِفَادَة مَا يُوَافق الأَصْل (بعد صِحَّته يقدم) ذَلِك الدَّلِيل الْمخْرج على مَا يُوَافق (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يقدم (لزم مثله) أَي مثل مَا ذكر من ثُبُوت التَّعَارُض الَّذِي هُوَ خلاف الأَصْل إِلَى آخِره (فِي حجية خبر الْوَاحِد وَغَيره) مِمَّا يدل على خلاف الأَصْل يَعْنِي إِذا دلّ ظَنِّي كالقياس على حكم مُوَافق للْأَصْل، وَخبر الْوَاحِد على خِلَافه يُقَال: لَو ثَبت حجية الْخَبَر ثَبت التَّعَارُض، ثمَّ تقديمهم الْمخْرج عَن الأَصْل كترجيحهم بَيِّنَة الْخَارِج على ذِي الْيَد (وَيدْفَع) هَذَا الْإِيرَاد: أَعنِي تَقْدِيم الْمخْرج للُزُوم مثله الخ من قبل النافين (بِأَن ذَلِك) أَي تَرْجِيح مُثبت خلاف الأَصْل إِنَّمَا هُوَ (عِنْد تساويهما) أَي الْأَدِلَّة المتعارضة (فِي استلزام الْمَطْلُوب وأدلتكم) أَيهَا المثبتون (بَينا أَن شَيْئا مِنْهَا لَا يسْتَلْزم اعْتِبَاره) أَي الْمَفْهُوم فَإِذن لَا تصلح، لِأَن تعَارض أدلتنا لاستلزامها عدم اعْتِبَاره (وَمثله فِي الشَّرْط) أَي وَمثل ذكره فِي الصّفة من الْأَدِلَّة مَا أورد عَلَيْهَا ذكره
стр. 117
فِي الشَّرْط (من الْجَانِبَيْنِ) الْمُثبت والنافي (وَشَرطه) أَي مَفْهُوم الشَّرْط (وَمَا تقدم من عدم خُرُوجه) أَي الْقَيْد، وَهُوَ الشَّرْط هَهُنَا (مخرج الْغَالِب) وَقد مر تَفْسِيره كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ - على أحد الْوُجُوه (وَنَحْوه) مِمَّا لَا يتَعَيَّن مَعَه كَون الْمَفْهُوم فَائِدَة للتَّقْيِيد (ويخصه) أَي مَفْهُوم الشَّرْط (قَوْلهم أَنه) أَي الشَّرْط (سَبَب) للجزاء (فعلى) تَقْدِير (اتحاده) أَي السَّبَب انْتِفَاء الحكم عَنهُ انْتِفَاء الشَّرْط (ظَاهر) ضَرُورَة انْتِفَاء الشَّيْء عِنْد انْتِفَاء السَّبَب بِالْكُلِّيَّةِ (وعَلى) تَقْدِير (جَوَاز التَّعَدُّد) أَي تعدد السَّبَب (الأَصْل عدم غَيره) أَي الشَّرْط من الْأَسْبَاب الْأُخَر، فَإِن سَبَبِيَّة الشَّرْط مَعْلُومَة وسببية غَيره غير مَعْلُومَة، وَالْأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْعَدَم كَمَا أَفَادَ بقوله (فَإِذا انْتَفَى) الشَّرْط الَّذِي هُوَ السَّبَب (انْتَفَى) الْمُسَبّب (مُطلقًا) لانحصار السَّبَب فِيهِ لما ذكر (مُلَاحظَة النَّفْي الْأَصْلِيّ مَا لم يقم دَلِيل الْوُجُود) أَي وجود سَبَب آخر للجزاء (مَعَ أَن الْكَلَام فِيمَا إِذا استقصى الْبَحْث) أَي بولغ فِي التفتيش والفحص إِلَى أقْصَى الْغَايَة (عَن) وجود سَبَب (آخر فَلم يُوجد فَإِن احْتِمَال وجوده) أَي سَبَب آخر (يضعف) حِينَئِذٍ جدا (فيترجح الْعَدَم) رجحانا تَاما (وَالْمَفْهُوم) ثُبُوته (ظَنِّي لَا يُؤثر فِيهِ) ذَلِك (الِاحْتِمَال) الضَّعِيف، بل حَقِيقَة الظَّن لَا يتَحَقَّق بِدُونِهِ، وَالِاحْتِمَال الْمَرْجُوح إِنَّمَا يُنَافِي الْقطعِي (وَلَا يخفى أَن هَذَا) التَّقْرِير (رُجُوع عَن أَنه) أَي مَفْهُوم الشَّرْط (مَدْلُول اللَّفْظ إِلَى إِضَافَته) أَي الْمَفْهُوم (إِلَى انْتِفَاء السَّبَب) فكأنهم اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُ لَا يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ، بل يدل عَلَيْهِ دَلِيل عَقْلِي هُوَ انْتِفَاء السَّبَب المستلزم انْتِفَاء الْمُسَبّب الَّذِي هُوَ الحكم (وَهُوَ) أَي الرُّجُوع إِلَيْهَا (قَول الْحَنَفِيَّة أَنه) أَي انتفام الحكم عِنْد عدم الشَّرْط (يبْقى على عَدمه الْأَصْلِيّ فِي التَّحْقِيق) ظرف لنسبة الْخَبَر إِلَى الْمُبْتَدَأ (وَالْأَقْرَب لَهُم) أَي المثبتة (إِضَافَته) أَي مَفْهُوم الشَّرْط (إِلَى شَرْطِيَّة اللَّفْظ المفادة للأداة) بِنَاء (على أَن الشَّرْط) الَّذِي هُوَ من حَيْثُ شرطيته مفادة للأداة لُغَة مَعْنَاهَا (مَا ينتفى الْجَزَاء بانتفائه فَيكون) انْتِفَاء الْجَزَاء لانْتِفَاء الشَّرْط (مدلولا) لفظيا (للأداة) إِشَارَة إِلَى مَا قَالُوا من أَن أهل اللُّغَة قاطبة أطْلقُوا حرف الشَّرْط على كلمة إِن، وَالْأَصْل فِي الْإِطْلَاق الْحَقِيقَة، فَيكون مَا دخلت عَلَيْهِ شرطا، وَالشّرط ينتفى الْمَشْرُوط بانتفائه: أَلا ترى أَن الْعلم وَالزَّكَاة ينتفيان بِانْتِفَاء الْحَيَاة والحول انْتهى، وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه من بَاب اشْتِبَاه الشَّرْط الْحكمِي بِالشّرطِ النَّحْوِيّ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَالْجَوَاب منع كَون الشَّرْط) النَّحْوِيّ شَيْئا (سوى مَا جعل سَببا للجزاء) ذهنا أَو خَارِجا سَوَاء كَانَ عِلّة للجزاء كطلوع الشَّمْس لوُجُود النَّهَار أَو معلولاله كَعَكْسِهِ أَو غَيرهمَا، كَانَ دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق (والانتفاء) أَي انْتِفَاء الْجَزَاء (للانتفاء) أَي لانْتِفَاء الشَّرْط (لَيْسَ
стр. 118
من مفهومه) أي الشرط مستفادًا من أدلته (بل) الانتفاء للانتفاء (لازم لتحققه) أي الشرط غالبا لانحصار السببية فيه وعدم وجود شيء بدون سببه (ويجيء الأول) وهو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط لعدم دليل ثبوته (ويتحد) حينئذ قول مثبته (بقول الحنفية) أن عدم المشروط هو العدم الأصلي (وفائدة الخلاف أن النفي) أي نفي الحكم عند عدم الشرط (حكم شرعي عنده) أي عند الشافعي ﵀ لكونه مدلول الدليل اللفظي عنده (وعدم أصلي عندهم) أي الحنفية (فلا يخص) عموم ما وراء المحرمات المذكورة قبل قوله تعالى (وأحل لكم ما وراء ذلكم بمفهوم) قوله تعالى (ومن لم يستطع الآية) فإن قوله تعالى - ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات - يدل بمفهومه عند القائل بمفهوم الشرط على عدم حل نكاح الأمة عند القدرة على نكاح الحرة المؤمنة بالقدرة على المهر فيخص به عموم ما ذكر، ولما لم تقل به لم يخصص به، لأن مدلول الشرط المذكور عندنا الحل عند عدم الاستطاعة من غير تعرض بحال الاستطاعة، ولولا أن قوله تعالى - وأحل لكم ما وراء ذلكم -، دل بعمومه على جواز نكاح الأمة عند الاستطاعة المذكورة لكنا نقول بعدم جوازه بناء على العدم الأصلي لا لمفهوم الشرط، كذا قيل، وفيه نظر (وإن لم يشترط الاتصال) أي اتصال المخصص بالخصص وإن وصلية متصلة فلا يخص (كقوله) أي الشافعي إشارة إلى خلافية أخرى، وهي أن من شرط المخصص أن يكون متصلا بما يخصص به عندنا خلافا له، فهذا بحث على طريق التنزل، وإيماء إلى مانع آخر عن التخصيص (و) كما لا يخص عموم ما ذكر بمفهوم من لم يستطع كذلك (لا ينسخ) به بناء (على قولنا) الخاص (المتأخر ناسخ) للعام المتقدم في القدر الذي وقع فيه التعارض بينهما، لأن التخصيص والنسخ ههنا فرع اعتبار مفهوم المخالفة، وإفادة الشرط المذكور عدم نكاح الأمة مع استطاعة الحرة المؤمنة، وحيث لا دلالة له عليه لا يتحقق شيء منها (خلافا له) أي الشافعي ﵀ فإنه يقول إن الخاص المتأخر المتراخي مخصص لا ناسخ كما سيأتي، يعني لو اعتبر هنا مفهوم المخالفة لكان يلزم أحد الأمرين: إما التخصيص على قول من يقول: الخاص المتأخر مخصص، وإما النسخ على من يقول ناسخ، وذلك لأن قوله تعالى - ومن لم يستطع - الاية متأخر متراخ من قوله - وأحل لكم ما وراء ذلكم - (وما قيل من بناء الخلاف) المذكور، وهو أن النفي حكم شرعي عنده عدم أصلي عندنا (على أن الشرط) والتعليق في مثل: إن دخلت الدار فأنت طالق (مانع من انعقاد السبب) أي سبب الحكم قبل وجود فأنت طالق لا يتصف بسبيته للطلاق
стр. 119
قبل دخول الدار (فعدم الحكم) كالطلاق (بالأصل عندنا) لأن الأصل في الأحكام وغيرها العدم عند عدم أسبابها على أن الشرط مانع (من) انعقاد (الحكم عنده) لا من انعقاد السبب، بل السبب موجود مع وجود التعليق، ونظيره التعليق الحسي في القنديل، فإنه مانع عن السقوط لا عن سببه الذي هو الثقل، وعدم الحكم (بانتفاء شرطه) عند وجود سببه لا يكون عدما أصليا، بل يكون حكما شرعيا، وسيجيء أن هذا الكلام غلط كما لا يخفى على الفطن (وانبنى عليه) أي على كون الشرط مانع السبب، أو الحكم (صحة تعليق الطلاق) للاجنبة، (و) تعليق (العتاق) لغير المملوك (بالملك) أي يملك النكاح في الطلاق كقوله إن تزوجت فلانة فهي طالق، وبملك الرقبة في العتاق كقولك: إن ملكتك فأنت حر (عندنا) ظرف للصحة حتى إذا ملك يقع الطلاق والعتاق (و) ابتنى على ما ذكر (عدمه) أي عدم صحة تعليقهما بالملك (عنده) أي الشافعي ﵀ ظرف لعدم الصحة، وجه الابتناء أن وجود المحل شرط لانعقاد السبب، وقبل الملك لا وجود له فلا ينعقد، وإذا كان تأثير التعليق في عدم انعقاد الحكم فقط، فالسبب باق على سببته وصحة التعليق تستلزم صحة السببية فعدم وجود المحلي يستلزم عدم صحة السببية، وعدم السببية يستلزم عدم صحة التعليق.
ولما كان تأثير التعليق عندنا في السبب والحكم معا صح التعليق بدون السبب (بل الصحة) أي صحة تعليقهما بالملك حال عدم قيامه (أولى منها) أي من صحة تعليقهما بغير الملك كما هو على خطر التحقق مع زوال الملك (حال قيامه) أي الملك (للتيقن بوجود المحل) هو الملك في التعليق بالملك (عند) وجود (الشرط) وهو عين الملك، بخلاف ما إذا علقا بغير الملك، والملك موجود في زمان التعليق لجواز زواله عند وجود الشرط (وكذا) يبتني على المبتني المذكور (تعجيل المنذور المعلق) بشرط قبل وجود الشرط، نحو: إن شفى الله مريضي فالله علي أن أتصدق بكذا جوازا وامتناعا (يمتنع عندنا) لعدم انعقاد السبب، وعدم صحة أداء الواجب قبل وجود سببه، فإن تصدق بذلك قبل الشفاء لا يمنع، ويجب التصدق بعده (خلافا له) أي الشافعي ﵀ فإنه يجوز عنده التعجيل قبل وجود الشرط لانعقاد السبب، وإنما مثلناه في المنذور المالي للاتفاق على أنه في البدني كالصلاة والصوم لا يجوز التعجيل قبل وجود الشرط (غلط) خبر المبتدأ، أعني ما قيل (لأن ما يدعيه الشافعي سببا) مفعول ثان للادعاء المتضمن معنى الجعل (ينتفي الحكم) المعلق بالشرط (بانتفائه) الضمير للموصوف بالجملة أعني سببا (في الخلافية) المذكورة، وهي أنه هل يدل التعليق بالشرط على انتفاء الحكم المعلق به عند انتفائه أم لا إنما هو (معنى لفظ الشرط لا) معنى لفظ (الجزاء)
стр. 120
كَمَا يفهم مِمَّا قبل (وَالْخلاف الْمشَار إِلَيْهِ) بقوله الشَّرْط مَانع إِلَى آخِره (هُوَ أَن اللَّفْظ الَّذِي ثبتَتْ سببيته) مشروعيته (شرعا) أَي ثبوتا شَرْعِيًّا، أَو سَبَبِيَّة شَرْعِيَّة (لحكم) كَأَنْت طَالِق لإنشاء الطَّلَاق (إِذا جعل جَزَاء لشرط) كَانَ دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق (هَل يسلبه) أَي الْجعل الْمَذْكُور المجعول جَزَاء (سببيته) الثَّابِتَة شرعا (لذَلِك الحكم) الْمُسَبّب شرعا (قبل وجود الشَّرْط) ظرف للسبب (كَأَنْت طَالِق و) أَنْت (حرَّة) مثل اللَّفْظ الثَّابِت سببيته شرعا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (جعل) شرعا (سَببا لزوَال الْملك) أَي ملك النِّكَاح والرقبة (فَإِذا دخل الشَّرْط) على السَّبَب الْمَذْكُور (منع) دُخُوله عَلَيْهِ (الحكم) عَن الِانْعِقَاد (عِنْده) أَي عِنْد الشَّافِعِي (فَقَط) لَا السَّبَب، فَلَا يسلب سببيته قبل وجود الشَّرْط، فغايته تَأْخِير انْعِقَاد الحكم إِلَى وجوده (وَعِنْدنَا منع) دُخُوله عَلَيْهِ (سببيته) أَي السَّبَب الْمَذْكُور، فَيلْزم منع الحكم بِالطَّرِيقِ الأولى (فتفرعت الخلافيات) الْمَذْكُورَة، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن منشأ الْغَلَط اشْتِرَاك الخلافيتين فِي أَمر التَّعْلِيق بِالشّرطِ، وَذكر السَّبَب شرعا، وَعدم الحكم بِانْتِفَاء الشَّرْط وَعدم الْفرق بَين السَّبَب فَمَا نَحن فِيهِ، وَهُوَ الشَّرْط، وَالسَّبَب الْمَذْكُور فِي تِلْكَ الخلافية، وَهُوَ السَّبَب الشَّرْعِيّ الْوَاقِع جَزَاء الشَّرْط، وَأَن عدم سَبَب الشَّرْط سَببه سَبَب الحكم شرعا لَا يسْتَلْزم كَون عدم الحكم عِنْد عدم الشَّرْط حكما شَرْعِيًّا لَا عدما أَصْلِيًّا، وَلَا مُنَاسبَة بَينهمَا، ثمَّ لما بَين عدم بِنَاء الْخلاف فِيمَا نَحن فِيهِ على مَا ذكر أَرَادَ أَن يبين مُنَاسبَة أُخْرَى بَينهمَا، فَقَالَ (وَإِنَّمَا يتفرعان مَعًا) أَي الْخلاف الَّذِي نَحن بصدد بَيَانه، وَمَا جعله الغالط مَبْنِيّ لَهُ (على الْخلاف فِي اعْتِبَار الْجَزَاء) حَال كَونه جُزْءا (من التَّرْكِيب الشرطي) وَالِاعْتِبَار لتَضَمّنه معنى الْجعل يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، فَالْأول مَا أضيف إِلَيْهِ، وَالثَّانِي قَوْله (يُفِيد) أَي الْجَزَاء (حكمه على عُمُوم التقادير) وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله يُفِيد استئنافا لبَيَان الِاعْتِبَار كَأَن سَائِلًا قَالَ كَيفَ الْخلاف فِي اعْتِبَاره، فَقَالَ هَل يُفِيد الْجَزَاء الَّذِي هُوَ سَبَب شَرْعِي لحكم حكمه على جَمِيع التقادير أم لَا بِأَن يدل من حَيْثُ ذَاته مَعَ قطع النّظر على تَقْيِيده بِالشّرطِ على ثُبُوت حكمه فِي جَمِيع الْأَوْقَات بِاعْتِبَار جَمِيع أَحْوَاله وأوضاعه غير أَنه (خصصه الشَّرْط) أَي خصص الشَّرْط عُمُومه الْمُسْتَفَاد مِنْهُ (بِإِخْرَاج مَا) أَي بِإِخْرَاج التقادير الَّتِي هِيَ (سوى مَا تضمنه) الشَّرْط من التقادير الْحَاصِلَة مَعَ وجود الشَّرْط (عَن ثُبُوت الحكم مَعَه) كلمة عَن مُتَعَلقَة بالاخراج، وَضمير مَعَه رَاجع إِلَى مَا سوى الشَّرْط، يَعْنِي يخرج الشَّرْط مَا سوى متضمنه عَن أَن يثبت الحكم مَعَه، فَيلْزم إِفَادَة الشَّرْط نفي الحكم عِنْد التقادير المخرجة (فَيكون النَّفْي) أَي نفي حكم الْجَزَاء عِنْد عدم الشَّرْط (مُضَافا إِلَيْهِ) أَي الشَّرْط (لِأَنَّهُ) أَي الشَّرْط (دَلِيل التَّخْصِيص) أَي تَخْصِيص الحكم بِمَا
стр. 121
تضمنه الشَّرْط، فالثبوت والانتفاء حكمان شرعيان ثابتان بِاللَّفْظِ منطوقا ومفهوما ذكر السَّيِّد الشريف أَن هَذَا ظَاهر مَا ذهب إِلَيْهِ السكاكي لأهل الْعَرَبيَّة، فَإِن عِنْدهم على مَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ الحكم فِي الْجَزَاء وَالشّرط قيد لَهُ بِمَنْزِلَة الظّرْف وَالْحَال حَتَّى أَن الْجَزَاء إِذا كَانَ خَبرا، فالشرطية خبرية وَإِلَّا فإنشائية، فَالْقَوْل بِمَفْهُوم الشَّرْط يتَفَرَّع على هَذَا الْمَذْهَب، كَذَا قيل، وَلَا يظْهر مدافعة مَا نقل عَن الْمُحَقق لكَلَام السكاكي فَتَأمل فَإِن قلت عرفنَا تفرع كَون عدم الحكم حكما شَرْعِيًّا على إِفَادَة الْجَزَاء حكمه على عُمُوم التقادير، وتحصيص الشَّرْط، إِذْ حَاصله قصر الحكم على تقادير، وَهُوَ مركب من حكمين: أَحدهمَا أَن الحكم ثَابت مَعَ تقاديره، وَالثَّانِي أَنه مُنْتَفٍ فِيمَا عَداهَا، لَكِن مَا عرفنَا تفرع كَون الشَّرْط غير مَانع من انْعِقَاد السَّبَب عَلَيْهِ قلت يُمكن أَن يُقَال لما تربت على الشَّرْط التَّأْثِير الْمَذْكُور ناسب أَن يَجْعَل سَببا متراخيا عَنهُ الحكم لَا أمرا خَالِيا عَن السَّبَبِيَّة فَتَأمل جزاءه (وَأهل النّظر) وهم المنطقيون، وَفِي هَذَا التَّعْبِير إِشْعَار بِأَن الصَّوَاب مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ كَمَا هُوَ التَّحْقِيق (يمْنَعُونَ إفادته) أَي الْجَزَاء (شَيْئا) من الحكم (حَال وُقُوعه) أَي الْجَزَاء جُزْءا وَالْمرَاد بِالْأولِ ذَاته، وَبِالثَّانِي وَصفه، يَعْنِي فِي زمَان اتصافه بالجزائية، وَأما إِذا اسْتعْمل بِلَا تَقْيِيد بِالشّرطِ فَيُفِيد الحكم كَسَائِر الْجمل (بل هُوَ) أَي الْجَزَاء (حِينَئِذٍ) أَي حِين كَونه جُزْءا (كزاي زيد) فِي أَنه (جُزْء الْكَلَام الْمُفِيد) أَي للْحكم، وَلَيْسَ بمفيد لَهُ اسْتِقْلَالا، وَلَيْسَ التَّشْبِيه من كل وَجه، فَلَا يتَّجه أَن لَيْسَ فِي الْمُشبه بِهِ دلَالَة أصلا، بِخِلَاف الْمُشبه (فضلا عَن إِيجَابه) أَي الْجَزَاء الحكم (على عُمُوم التقادير) حَتَّى يكون الشَّرْط مُخَصّصا، لذَلِك الْعُمُوم، وفضلا ينصب بِمَحْذُوف، ويتوسط بَين أدنى وَأَعْلَى بعد نفي صَرِيح، أَو ضمني تَنْبِيها بِنَفْي الْأَدْنَى، واستبعاده على نفي الْأَعْلَى، واستحالته، وَضمير ناصبه بمضمون المنفية، نَحْو: فلَان لَا ينظر إِلَى الْفَقِير، فضلا عَن الْإِعْطَاء، من فضل عَن المَال إِذا ذهب أَكْثَره وَبَقِي أَقَله، وَالْمعْنَى نفي عدم النّظر عَن الْإِعْطَاء، وَلَا يخفى مَا فِيهِ من التهكم (وَالْمَجْمُوع) أَي مَجْمُوع الشَّرْط وَالْجَزَاء عِنْدهم (يُفِيد حكما مُقَيّدا بِالشّرطِ) وَذَلِكَ الحكم الْمُقَيد مَا يُسْتَفَاد من قَوْله (فَإِنَّمَا دلَالَته) أَي الْمَجْمُوع (على الْوُجُود) أَي على مَضْمُون الْجَزَاء (عِنْد وجوده) أَي وجود مَضْمُون الشَّرْط (فَإِذا لم يُوجد) الشَّرْط (بَقِي مَا قيد) أَي الحكم الَّذِي قيد (وجوده بِوُجُودِهِ) أَي الشَّرْط (على عَدمه الْأَصْلِيّ) مُتَعَلق بقوله بَقِي وَذَلِكَ لِأَن الأَصْل فِي الحكم الْعَدَم، وَلم يُوجد مَا يُخرجهُ عَن الأَصْل إِلَّا الحكم بِوُجُودِهِ عِنْد وجود الشَّرْط، وَلم يُوجد الحكم بِوُجُودِهِ عِنْد عدم الشَّرْط ليخرج هُوَ أَيْضا عَن الْعَدَم الْأَصْلِيّ. فَالْقَوْل بِعَدَمِ مَفْهُوم الشَّرْط متفرع على هَذَا التَّحْقِيق وَحَاصِل تَحْقِيق السَّيِّد
стр. 122
فِي هَذَا الْمقَام أَنه لَو كَانَ الْخَبَر هُوَ التَّالِي لم يتَصَوَّر صدق الشّرطِيَّة مَعَ كذبه ضَرُورَة استلزام انْتِفَاء الْمُطلق انْتِفَاء الْمُقَيد وَحَاصِل اعْتِرَاض الدواني عَلَيْهِ منع كَون الْمُطلق الَّذِي قيد بِالشّرطِ ثُبُوت النِّسْبَة بِحَسب الْوَاقِع، بل مَا يعم الْوَاقِع وَالظَّن، فكذب زيد قَائِم فِي الْوَاقِع لَا يسْتَلْزم كذب زيد قَائِم فِي ظَنِّي، فَاعْتبر بدل الظَّن حَال وجود الشَّرْط قلت إِذا أطلق زيد قَائِم يفهم مِنْهُ بِحَسب الْوَاقِع، فَإِذا قيد بِالشّرطِ يُقيد بذلك الِاعْتِبَار، وَلَو قَالَ أَن المُرَاد أَن يتَحَقَّق عِنْد تحَققه أَن يتَحَقَّق فَهُوَ بِعَيْنِه تَحْقِيق أهل النّظر فَتدبر (وَأما تَفْرِيع) جَوَاز (تَعْجِيل الْكَفَّارَة الْمَالِيَّة) أَو أعتق الرَّقَبَة (قبل الْحِنْث) على أَن السَّبَب مُنْعَقد قبل وجود الشَّرْط وَأثر الشَّرْط إِنَّمَا هُوَ فِي تَأْخِير الحكم إِلَى وجوده على مَا مر، فَلَيْسَ بِظَاهِر لعدم لُزُوم التَّعْلِيق وَالْيَمِين (فَقيل) فِي تَأْوِيله أَن تفريعه (بِاعْتِبَار الْمَعْنى) الَّذِي هُوَ مدَار الأَصْل الْمَذْكُور، وَهُوَ أَن انْتِفَاء شَرط الشَّيْء لَا يمْنَع انْعِقَاد سَببه، وَقد تقرر عِنْد الشَّافِعِي ﵀ أَن سَبَب الْكَفَّارَة الْيَمين والحنث شَرطهَا، وَإِنَّمَا قيد بالمالية، لِأَن المدنية لَا يجوز تَعْجِيلهَا، لِأَن وجوب أَدَائِهَا إِنَّمَا هُوَ بعد الْحِنْث إِجْمَاعًا، وَالْوُجُوب فِيهَا إِمَّا عين وجوب الْأَدَاء أَو هما متلازمان، فتعجيلها تَعْجِيل قبل الْوُجُوب بِخِلَاف الْمَالِيَّة، فَإِن وجوب المَال فِي الذِّمَّة قد يثبت قبل وجوب الْأَدَاء كَالثّمنِ الْمُؤَجل (وَلَا يخفى مَا فِيهِ) أَي فِي هَذَا التَّأْوِيل من التَّكَلُّف من غير ضَرُورَة، لِأَن تفريعه على الأَصْل الْمَذْكُور مُسْتَغْنى عَنهُ لكَونه من فروع أَن انْتِفَاء الشَّرْط الشَّرْعِيّ لَا يمْنَع انْعِقَاد السَّبَب، فَإِن الْحِنْث عِنْده شَرط وجوب الْكَفَّارَة وَالْيَمِين سَبَب لَهُ، وَقد انْعَقَد من غير مَانع، (وَالْأَوْجه خلاف قَوْله) أَي الشَّافِعِي ﵀ فِي الْفَرْع الْمَذْكُور، وَهُوَ عدم جَوَاز تَعْجِيل أَدَاء الْكَفَّارَة الْمَالِيَّة قبل الْحِنْث (لعقلية سَبَبِيَّة الْحِنْث) أَي لمعقولية سَبَب هُوَ الْحِنْث بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَفَّارَة (لَا الْيَمين) أَي لَا معقولية سَبَب هُوَ الْيَمين، فالإضافة بَيَانِيَّة تَوْضِيحه أَن سَببهَا عِنْده الْيَمين، لِأَنَّهُ تَعَالَى أضافها إِلَى الْيَمين فِي قَوْله - ﴿ذَلِك كَفَّارَة أَيْمَانكُم﴾ - ويتبادر مِنْهَا السَّبَبِيَّة، وعندما الْحِنْث، لِأَن الْكَفَّارَة تنبئ عَن ستر مَا وَقع من الْإِخْلَال بتوقير مَا يجب لاسم الله، فَيَنْبَغِي أَن يكون سَببهَا مَا يُوجب الْإِخْلَال، وَهُوَ الْحِنْث لكَونه مفضيا إِلَيْهَا من حَيْثُ أَنه جِنَايَة لَا الْيَمين الَّتِي انْعَقَدت للبر، وَوضعت للإفضاء إِلَيْهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَن تجْعَل سَببا، ومفضيا إِلَى مَا لَا يجب إِلَّا عِنْد عدم الْبر على أَن السَّبَب يجب تَقْدِيره عِنْد وجود الْمُسَبّب، وَالْيَمِين لَا تبقى عِنْد وجود الْكَفَّارَة لانتقاضها بِالْحِنْثِ، غَايَة الْأَمر أَن الْكَفَّارَة لَا تتَحَقَّق بِلَا سبق الْيَمين، وَهَذَا يقتضى كَونهَا شرطا فَإِن قلت لم لَا يجوز أَن تُفْضِي الْيَمين إِلَيْهَا بطرِيق الانقلاب، يَعْنِي أَنَّهَا مفضية إِلَى الْبر ابْتِدَاء، وَعند فَوَاته تصير مفضية إِلَى الْكَفَّارَة فَهِيَ خلف للبر قُلْنَا الافضاء
стр. 123
بطرِيق الانقلاب خلاف الظَّاهِر، وَلَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيل، وَلَا دَلِيل سوى الْإِضَافَة، وَهُوَ ضَعِيف لَا يُقَاوم عقلية سَبَب الْحِنْث، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِن أضيفت) الْكَفَّارَة (إِلَيْهِ) أَي الْحلف (فِي النَّص) الْمَذْكُور فَإِنَّهَا من إِضَافَة الحكم إِلَى شَرطه (كإضافة صَدَقَة الْفطر عندنَا) فَإِن الْفطر عندنَا شَرطهَا وسببها رَأس يمونه ويلي عَلَيْهِ، وَبِالْجُمْلَةِ دلَالَة الْإِضَافَة على السَّبَبِيَّة لَيست بِأَمْر مُسلم، وَلَا سِيمَا إِذا وجد مَا هُوَ مُتَعَيّن للسَّبَبِيَّة نظرا إِلَى مَا يفيدها لَهُ (وَوَجهه) أَي وَجه مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ: من أَن الشَّرْط مَانع من انْعِقَاد سَبَبِيَّة مَا علق عَلَيْهِ لحكمه (أَولا أَن السَّبَب) الشَّرْعِيّ هُوَ المفضي إِلَى الحكم) أَي الطَّرِيق الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ (وَالتَّعْلِيق) أَي تَعْلِيق السَّبَب الْمَذْكُور (مَانع من الْإِفْضَاء) أَي من إفضائه إِلَى الحكم قبل وجود الشَّرْط (لمَنعه) أَي التَّعْلِيق السَّبَب الَّذِي علق من التَّأْثِير (من الْمحل) أَي مَحل الحكم، وَذَلِكَ لِأَن السَّبَب كَأَنْت طَالِق إِنَّمَا يُؤثر شرعا فِي مَحَله الَّذِي هُوَ ملك النِّكَاح إِنَّمَا نجز من غير تَعْلِيق بِشَيْء، وَإِذا علق بِهِ مَنعه عَن التَّأْثِير إِلَى حِين وجوده، فَعِنْدَ ذَلِك يصير تنجيزا (والأسباب الشَّرْعِيَّة لَا تصير قبل الْوُصُول إِلَى الْمحل أسبابا) وَالْمرَاد بوصوله: تعلقه بِهِ عِنْد وجود الْمُعَلق بِهِ، فَإِن الْمُتَكَلّم لم يقْصد تعلق مُوجب السَّبَب، وَهُوَ الطَّلَاق بِالْمحل الَّذِي هُوَ ملك النِّكَاح إِلَّا عِنْده فَلَا وُصُول قبله، فتسميتها قبل الْوُصُول أسبابا بِاعْتِبَار مَا تئول إِلَيْهِ (فضعف قَوْله) أَي الشَّافِعِي ﵀ (السَّبَب) بِوُقُوع الطَّلَاق قَول الْمُعَلق (أَنْت طَالِق، وَالشّرط لم يعدمه) لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ عدم إعدامه ذَات السَّبَب من حَيْثُ هِيَ، فَلَا يجديه نفعا، وَإِن أَرَادَ من حَيْثُ إِنَّهَا سَبَب فَغير مُسلم لما عرفت من منع الْإِفْضَاء إِلَى آخِره (فَإِنَّمَا أخر الحكم) يَعْنِي لَا يمْنَع انْعِقَاد السَّبَب بل يُؤَخر الحكم إِلَى وجود الشَّرْط (وَأورد) علينا إِذا منع الشَّرْط انْعِقَاد السَّبَب وَالْحكم مَعًا لزم عدم إِفَادَة مَا علق بِهِ الشَّرْط شَيْئا (فَيجب أَن يَلْغُو) ذكر السَّبَب الْمُعَلق لعدم الإفادة شَيْء من الفائدتين (كالأجنبية) أَي كَمَا يَلْغُو ذكر الطَّلَاق مُنجزا فِي الْأَجْنَبِيَّة لتساويهما فِي عدم الْوُصُول إِلَى الْمحل، وَإِن كَانَ الْمحل مَوْجُودا فِي الأول دون الثَّانِي (وَأجِيب) عَن الْإِيرَاد الْمَذْكُور بِأَنَّهُ (لَو لم يرج) وُصُول السَّبَب الْمُعَلق إِلَى الْمحل بِأَن علق مَا لَا يُرْجَى الْوُقُوف عَلَيْهِ (لَغَا) جَوَاب لَو (كطالق إِن شَاءَ الله) فَإِن مَشِيئَته تَعَالَى فِيمَا لَا يعلم وُقُوعه بِدَلِيل لَا يُرْجَى الْعلم بهَا بوصول السَّبَب الْمُعَلق إِلَى الْمحل، فَيلْغُو (وَغَيره) أَي غير مَا لم يرج وُصُوله إِلَى الْمحل من الْأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة الْمُعَلقَة بِالشّرطِ (بعرضية السَّبَبِيَّة) فعلة بِمَعْنى الْمَفْعُول كَالْقبْضَةِ، يُقَال لما يعرض دون الشَّيْء، وللمعرض لِلْأَمْرِ المنهى لَهُ، وَهَذَا هُوَ المُرَاد هَهُنَا، وَالْيَاء للمصدرية وَالْإِضَافَة من إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول بِوَاسِطَة حرف الْجَرّ وَالْمعْنَى كَون الْجَزَاء متهيئا للسَّبَبِيَّة
стр. 124
بِحَيْثُ لَا يتَوَقَّف على شَيْء سوى وجود الشَّرْط مَعَ بَقَاء الْمحل قَابلا لوُرُود الحكم (فَلَا يلغى) ذكر السَّبَب وَلَا يعد لَغوا (تَصْحِيحا) لكَلَام الْعَاقِل، فَإِن عرضيته فَائِدَة مترتبة على ذكره مُعَلّقا فَإِن قلت السَّبَب مثل: أَنْت طَالِق مَوْضُوع لإِثْبَات التَّطْلِيق، وَعقد الطَّلَاق شرعا، فَإِذا علق بِالشّرطِ يتَأَخَّر حكمه بِالْإِجْمَاع، فالتعليق يمْنَع الحكم ضَرُورَة، وَلَا ضَرُورَة فِي منع سببيته، فَلَا يعدل عَن مُوجب وَضعه الشَّرْعِيّ من غير ضَرُورَة، فَينْعَقد قبل وجوب الشَّرْط سَببا، ويتأخر حكمه، وَأَيْضًا جَوَاب الشَّرْط يتَضَمَّن نِسْبَة أحد جزءيه إِلَى الآخر وَالْحكم بهَا، وَالثَّانِي هُوَ المنقسم إِلَى الْأَخْبَار والإنشاء، وكل مِنْهُمَا يَسْتَحِيل تَعْلِيقه لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ من الْكَلَام يَسْتَحِيل وجودهما حَيْثُ لَا كَلَام، وَالشّرط قد يُوجد حِين يكون الشارط سَاهِيا ونائما، وَغير مُتَكَلم، ويستحيل كَون الْإِنْسَان مخبرا ومنشئا عِنْد ذَلِك، فَتعين أَن التَّعْلِيق بِاعْتِبَار الأول، فالمعلق مخبر ومنشئ عِنْد التَّعْلِيق، وَالْحكم حَاصِل عِنْده، فَالْمَوْقُوفُ على دُخُول الدَّار مثلا إِنَّمَا هُوَ الطَّلَاق لَا التَّطْلِيق، فَقَوله: إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق إنْشَاء التَّعْلِيق، لَا تَعْلِيق الْإِنْشَاء أَقُول: إِن أردْت بِقَوْلِك مَوْضُوع لإثباتهما شرعا أَنه مَوْضُوع على الْإِطْلَاق مُنجزا كَانَ أَو مُعَلّقا فَمَمْنُوع، لِأَنَّهُ لم يثبت سببيته شرعا إِلَى حَال التَّنْجِيز، وَإِن أردْت وَضعه عِنْد التَّعْلِيق فَهُوَ عين مَحل النزاع، وَإِن أردْت وَضعه عِنْد التَّنْجِيز فَلَا يجديك نفعا، ثمَّ إِن الْجَزَاء إِن كَانَ خَبرا فالمعلق خبري، وَإِن كَانَ إنْشَاء فإنشائي، فَيتَحَقَّق تَعْلِيق الْإِنْشَاء وإنشاء التَّعْلِيق مَعًا، وقولك: يَسْتَحِيل وجودهما حَيْثُ لَا كَلَام إِن أردْت بوجودهما تحقق مضمونهما فِي نفس الْأَمر مترتبا عَلَيْهِ الحكم الشَّرْعِيّ فَلَا يَسْتَحِيل حَيْثُ لَا كَلَام، وَهُوَ ظَاهر، وَإِن أردْت وجودهما فِي الذِّهْن والتلفظ، فَذَلِك عِنْد التَّعْلِيق، وَلَا سَهْو وَلَا نِسْيَان، ثمَّ الحكم التنجيزي نَوْعَانِ: ابتدائي يثبت بِمُجَرَّد التَّكَلُّم بِسَبَبِهِ الَّذِي مَا علق بِشَيْء، وَغير ابتدائي يثبت بِسَبَبِهِ الَّذِي يعْتَبر وجوده عِنْد تحقق مَا علق بِهِ، فَكَأَن الْمُتَكَلّم بِالتَّعْلِيقِ يصير متكلما بذلك السَّبَب عِنْد تحقق الشَّرْط، فَلَا يستدعى حصور الذِّهْن والتكلم إِلَّا عِنْد التَّعْلِيق إِذا تحقق، فَكَأَن الْمُعَلق يَقُول عِنْد التَّعْلِيق إِذا تحقق هَذَا الشَّرْط فَلْيَكُن هَذَا السَّبَب وَحكمه منجزين مني وَمن اعْتِبَار الشَّارِع هَذَا مِنْهُ، وَدفع عَنهُ مؤونة العقد الْجَدِيد حَال وجود الشَّرْط اكْتِفَاء بذلك التَّعْلِيق توسعة عَلَيْهِ فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من التعليقات لمصالحهم (وَثَانِيا) أَي وَوجه مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ من أَن الشَّرْط مَانع من انْعِقَاد سَبَبِيَّة مَا علق عَلَيْهِ الحكم ثَانِيًا (توقف) السَّبَب الَّذِي صَار جُزْءا (على الشَّرْط فَصَارَ) السَّبَب الْمُعَلق بِهِ (كجزء سَبَب) فِي احْتِيَاج الحكم إِلَيْهِ مَعَ عدم استقلاله فِي إِيجَابه، وَالشَّيْء لَا يتَحَقَّق بِمُجَرَّد تحقق جُزْء مِنْهُ أَو الْمَعْنى، فَصَارَ الشَّرْط كجزء سَبَب
стр. 125
ومآلهما وَاحِد، وَالْأول أظهر (بِخِلَاف) مَا ألحق الشَّافِعِي ﵀ التَّعْلِيق بِهِ من (البيع الْمُؤَجل) فِيهِ الثّمن (و) بِخِلَاف البيع (بِشَرْط الْخِيَار و) بِخِلَاف السَّبَب الشَّرْعِيّ (الْمُضَاف) إِلَى الزَّمَان (كطالق غَدا) فَإِن كلا مِنْهُمَا (سَبَب) مُنْعَقد (فِي الْحَال) أَي فِي حَال صدوره عَن الْمُتَكَلّم لَا يمنعهُ شَيْء من الْوُصُول إِلَى الْمحل، وَهَذَا جَوَاب عَمَّا يُمكن تَقْرِيره بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا الْمُعَارضَة بِقِيَاس الْمُعَلق بِالشّرطِ على الْأَسْبَاب الْمَذْكُورَة فِي حكم الِانْعِقَاد من حَيْثُ السَّبَبِيَّة بِجَامِع الِاشْتِرَاك فِي كَونهَا معلقَة بِحَسب الْمَعْنى كَالْبيع بالأجل، وَالْخيَار، وَالطَّلَاق بالغد. وَثَانِيهمَا النَّقْض بَيَانه أَن القَوْل بِكَوْن الْمُتَعَلّق مَانِعا من الْإِفْضَاء إِلَى آخِره، أَو بصيرورة الْمَوْقُوف على الشَّرْط كجزء سَبَب مَنْقُوص بِهَذِهِ المعلقات وَحَاصِل الْجَواب إِمَّا منع صِحَة الْقيَاس لكَونه مَعَ الْفَارِق، أَو منع جَرَيَان الدَّلِيل بِبَيَان أَن الْمُعَلق فِي الْمَذْكُورَات الحكم دون السَّبَب، بِخِلَاف المنازع فِيهِ (لِأَن الْأَجَل) الَّذِي يعلق الْمُؤَجل بِالْوَقْتِ الْمعِين إِنَّمَا يعْتَبر (دُخُوله) ووروده فِي الْمَعْنى (على الثّمن) أَي على لُزُوم مُطَالبَته، فتأثير التَّأْجِيل فِي تَأْخِير الْمُطَالبَة فَقَط (لَا) يعْتَبر دُخُوله على (البيع) الَّذِي هُوَ سَبَب، لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ تَأْخِيرهَا، وَهُوَ يحصل بِمُجَرَّد دُخُوله على لُزُوم مُطَالبَة الثّمن فِي الْحَال، فَلَا وَجه لاعْتِبَار دُخُوله على السَّبَب من غير حَاجَة، مَعَ أَنه على خلاف الْقيَاس، وَهُوَ متقدر بِقدر الضَّرُورَة (و) لِأَن (الْخِيَار) أَي شَرطه إِنَّمَا شرع (بِخِلَاف الْقيَاس لدفع الْغبن) أَي النَّقْص المتوهم فِي البيع عِنْد قلَّة التروي من البَائِع وَالْمُشْتَرِي بِاسْتِيفَاء النّظر فِي مُدَّة الْخِيَار (لِأَن إِثْبَات ملك المَال لَا يحْتَمل الْخطر) تَعْلِيل لكَونه على خلاف الْقيَاس، يَعْنِي أَن البيع إِثْبَات لملك المَال لكَونه عِلّة لَهُ شرعا، وَإِثْبَات ملك المَال لَا يحْتَمل أَن يعلق بِمَا بَين أَن يكون وَأَن لَا يكون (لصيرورته) أَي لصيرورة الْإِثْبَات الْمَذْكُور أَن يعلق بِمَا بَين أَن يكون وَأَن لَا يكون ذكر (قمارا) فِي الْمَعْنى لمشاركته إِيَّاه فِي عِلّة الْحُرْمَة، وَهِي التَّعْلِيق على أَمر لَا يعلم وجوده وَعَدَمه (فَاكْتفى) فِي البيع بِشَرْط الْخِيَار (بِاعْتِبَارِهِ) أَي شَرط الْخِيَار (فِي الحكم) بِتَأْخِيرِهِ إِلَى أَن يُجِيز أَو يرد، وَلم يعْتَبر فِي السَّبَب الَّذِي هُوَ البيع حذرا عَن صَيْرُورَته قمارا واحترازا عَن مُخَالفَة الْقيَاس بِغَيْر ضَرُورَة. قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَلقَائِل أَن يَقُول: الْقمَار مَا حرم لِمَعْنى الْخطر، بل بِاعْتِبَار تَعْلِيق الْملك بِمَا لم يَضَعهُ الشَّرْع سَببا للْملك، فَإِن الشَّارِع لم يضع ظُهُور الْعدَد الْفُلَانِيّ سَببا للْملك، والخطر طرد فِي ذَلِك لَا أثر لَهُ انْتهى وَمعنى كَون الْخطر طردا فِيهِ عدم تحَققه بِدُونِ الْخطر، نعلم أَنه حقق هُنَاكَ ومشي مَعَ الْقَوْم هُنَا، وَيُمكن أَن يُعلل بنهيه ﷺ عَن بيع وَشرط (وَالْحق أَنه) أَي اعْتِبَاره فِي الحكم دون السَّبَب ل (مُقْتَضى اللَّفْظ) أَي اللَّفْظ الدَّال على خِيَار الشَّرْط، وَهُوَ قَوْله على أَنِّي بِالْخِيَارِ
стр. 126
بعد قوله بعت أو اشتريت ونحوه (لأن الشرط) أي الاشتراط (بعلى) أي بواسطة كلمة على الداخلة على المشروط (لتعليق ما بعده) أي على (فقط) فلا يعلق ما قبله (فآتيك على أن تآتيني المعلق) فيه (إتيان المخاطب) على إتيان المتكلم، بخلاف آتيك إن أتيتني فإنه بالعكس، ويرد عليه أن خلاف المشهور غير أن المصنف ﵀ بين في شرح الهداية أن الحق أنه حقيقة للاستعلاء إذا اتصلت بالأجسام، وفي غير ذلك حقيقة في معنى اللزوم المستحق في موارد استعماله من الشرط والمعارضة، وإذا تتبعت مواضع الشرط وجدت في الأكثر أنه لتعليق ما بعده، وقد قال الله تعالى - يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا - وظاهره تعليق المبايعة بعدم الاشراك، والمعنى: إذا جاءك المؤمنات حال اشتراطهن المبايعة بعدم الاشراك، وكذا فبايعهن، ويحتمل أن يكون المعنى حال اشتراطهن عدم الاشراك، وكذا بالمبايعة بأن يلزمن أنفسهن تلك الأشياء على تقدير المبايعة فبايعهن، ولاشك أن هذا أدعى إلى إجابة ﷺ لما سألن من البايعة، فإن قلت عدم الاشتراك شرط صحة المبايعة لكونها عبادة لا تصح بدون الإيمان، فكيف يعلق عليها، قلت المعلق إنما هو التزام الاستقامة على عدم الاشراك، فكأنهن يقلن إن بايعتنا يا رسول الله نستقيم على هذه الأشياء، وأما لزوم كون الخيار معلقا على البيع بناء على ما مهده، فقد أشار إلى دفعه بقوله (فبعتك على أني بالخيار أي في الفسخ فهو) أي الفسخ (المعلق) بالخيار لا البيع على ما زعم الخصم (والبيع منجز) يعني لما تقرر أن الشرط بعلى لتعليق ما بعده فقط، وأن المعلق ما بعده لا ما قبله لزم عدم كون البيع معلقا بالخيار وإذا لم يكن معلقا كان منجزا لأن كلمة بعت موضوعة شرعا لتنجيز البيع ولم يوجد مانع عن ذلك من التعليق وغيره، ولا شك أنه لا يمكن جعل الخيار معلقا بالبيع، وكان الفسخ الذي يجب اعتباره بعد الخيار صالحا لأن يعلق صرف إليه التعليق المستفاد من كلمة على، فصار كل من المشروط والشرط بعد على وكان موجب ذلك عدم لزوم تعليق حكم البيع أيضا غير أنه يستلزم ضرر من ليس له الخيار بتصرفه في المبيع أو الثمن كزيادة البناء ونحوه اعتمادا على لزوم ملكه عند رد من له الخيار فاعتبر تعلق الحكم بالخيار، وإليه أشار بقوله (فتعلق الحكم دفعا للضرر) عمن ليس له الخيار (لو تصرف) من ليس له الخيار اعتمادا على ملكه الحاصل في العدل الموجبة من غير تعليق لا في الموجب ولا في الموجب تصرفا يبذل فيه مالا أو قوة بدنية، وأما إذا علق الحكم، فعلم من ليس له الخيار عدم خروج البدل عن ملك من له الخيار منعه ذلك عن التصرف، وليس المراد دفع ضرر من له الخيار لو تصرف من ليس له كما زعم الشارح والحق أن الأولى تعميم الضرر، فإن تصرفه
стр. 127
المشترى إذا كان الخيار للبائع مثلا قد يكون موجبا لنقصان في البيع (بخلاف الطلاق) والعتاق متعلق بمحذوف هو حال عن فاعل لا يحتمل: أي لا يحتمل إثبات ملك المال الخطر حال كونه ملتبسا بمخالفة الطلاقة والعتاق ولا يضر طول الفصل بالجمل الاعتراضية لظهور الارتباط فإن كلا منهما (اسقاط محض) والاسقاط (يحتمله) أي الخطر لعدم صيرورته قمارا عند التعليق، لأن القمار تعليق إثبات الملك بالخطر (وإن كان العتاق اثباتا لكنه ليس إثباتا لملك مال) بل هو اثبات قوة شرعية هي القدرة على تصرفات شرعية من الولايات: كالشهادة، والقضاء وإنكاح نفسه وابنته، وفي كون العتاق إثباتا مسامحة، لأن الاثبات وصف الاعتاق لا العتاق، فإنه خلوص حكمي مما كان ثابتا فيه بالرق، وكلمة إن وصلية، ولا منافاة بين كونه إسقاطا محضا، وكونه إثباتا لأنه محض إسقاط باعتبار حقيقته وإثبات باعتبار لازمه على أن المراد نفي شائبة إثبات المال لا الاثبات مطلقا (فبطل إيراد أنه) أي الاعتاق (إثبات أيضا) كما أورده المحقق التفتازاني في التلويح، ولما فرغ من بيان الفرق بين البيع المؤجل والمشروط بالخيار، وبين السبب المعلق المنازع فيه شرع في بيان الفرق بينه وبين المضاف فقال (والتعليق يمين) قال المصنف في شرح الهداية لفظ اليمين مشترك بين الجارحة والقوة والقسم لغة، وأما مفهومه الاصطلاحي فجملة أولى انشائية مقسم فيها باسم الله أو صفته يؤكد بها مضمون جملة ثانية في نفس السامع ظاهرًا أو يحمل المتكلم على تحقيق معناها، فدخلت بقيد ظاهرا الغموس أو إلتزام مكروه كفرا وزوال ملك على تقدير ليمتنع عنه أو محبوب ليحمل عليه، فدخلت التعليقات مثل أن فعل فهو يهودي، وإن دخلت فأنت طالق، وإن بشرتني فأنت حر (وهي) أي اليمين تعقد (للبر) وهي المحافظة على موجب اليمين ضد الحنث (اعدام موجب المعلق) بدل من البر، فإن اليمين في اليمين المنعقدة متضمن إعدام ما يوجبه المعلق الذي هو السبب الشرعي: يعني الطلاق مثلا كان دخلت فأنت طالق لكونه منعقدا للمنع عن الدخول، وإذا امتنع عن الدخول لا جرم أنه لا يقع ما علق به، وإن لم يقع لم يقع مجبه (فلا يفضي) المعلق (إلى الحكم) الذي هو سبب عند التنجيز، وهذا على تقدير أن يكون موجب المعلق بفتح الجيم، وأما إن كان بكسرها فالمراد به الشرط، والمعنى أن التعليق لئلا يتحقق الشرط المستلزم لوجود الجزاء الذي يكره وجوده المعلق (أما الإضافة) المذكورة في السبب الشرعي المضاف إلى الزمان (فلثبوت حكم السبب في وقته) أي الوقت الذي أضيف إليه السبب المذكور فالمقصود منها وجود الحكم على خلاف التعليق (لا لمنعه) أي السبب كما في التعليق، فالمقصود من أنت حر يوم الجمعة ثبوت الحرية فيه (فيتحقق السبب) المضاف قبل تحقق الوقت الذي أضيف إليه (بلا مانع)
стр. 128
كالتعليق الْمَانِع من انْعِقَاد السَّبَب الْمُعَلق بِالشّرطِ كَمَا عرفت، وَعدم الْمَانِع مَعَ وجود الْمُقْتَضى وَهُوَ التَّكَلُّم بِالسَّبَبِ بِلَا تَعْلِيق يقتضى تحَققه، غَايَة الْأَمر تَأْخِير الحكم الْمُسَبّب إِلَى وجود الْوَقْت الْمعِين الَّذِي هُوَ كَائِن لَا محَالة (إِذْ الزَّمَان من لَوَازِم الْوُجُود) الْخَارِجِي فالإضافة إِلَيْهِ إِضَافَة إِلَى مَا قطع بِوُجُودِهِ، وَفِي مثله مَا يكون الْغَرَض من الْإِضَافَة تَحْقِيق الْمُضَاف إِلَيْهِ (وَيرد) على القَوْل بِأَن الْيَمين إعدام مُوجب الْمُعَلق أَنه لَا يَصح على إِطْلَاقه بل (كَون الْيَمين توجب الإعدام) لما ذكر إِنَّمَا يَصح (فِي الْمَنْع) أَي فِيمَا إِذا كَانَ الْمَقْصُود من الْيَمين الْمَنْع عَن إِيقَاع مَا عقدت للِاحْتِرَاز عَنهُ، و (أما) إِذا قصد بهَا (الْحمل) على الْإِثْبَات بِمَا عقدت لقصد تَحْصِيله (فَلَا) توجب الإعدام وَهُوَ ظَاهر (كَأَن بشرتني بقدوم وَلَدي فَأَنت حر) فَإِن غَرَض الْمُتَكَلّم فِيهِ حث عَبده على الْمُبَادرَة إِلَى الْبشَارَة (فَالْأولى) فِي التَّفْرِقَة بَين الْمُعَلق والمضاف، وَالْقَوْل بِأَن الأول يمْنَع السَّبَب عَن الِانْعِقَاد دون الثَّانِي أَن يُقَال (الْفرق) بَينهمَا حَاصِل (بالخطر وَعَدَمه) أَي بِأَن وجود الشَّرْط الْمُعَلق بِهِ السَّبَب على الْخطر فَهُوَ بَين أَن يُوجد، بِخِلَاف الْوَقْت الْمُضَاف إِلَيْهِ السَّبَب فَإِنَّهُ كَائِن لَا محَالة لما عرفت، وَإِذا كَانَ وجود الشَّيْء مشكوكا فِيهِ فانعقاده سَببا أولى بذلك، وَالْإِضَافَة إِلَى الْكَائِن لَا محَالة لَا تورث شكا فِي وجود الْمُضَاف: فَلَا يمنعهُ عَن الِانْعِقَاد شَيْء، لِأَن الأَصْل عدم مَانع آخر فَإِن قلت فِي الْإِضَافَة يثبت الحكم فِي الْمُسْتَقْبل إِذا بَقِي الْمحل، فَأَما إِذا لم يبْق فَلَا، فَكيف ينْعَقد الْمُضَاف سَببا مَعَ التَّرَدُّد فِي وجود مسببه بِسَبَب التَّرَدُّد فِي وجود مَحل ذَلِك الْمُسَبّب قلت الأَصْل فِي الشَّيْء الثَّابِت الْبَقَاء (ثمَّ) إِن الْفرق بالخطر وَعَدَمه (يَقْتَضِي كَون) أَنْت حر) (يَوْم يقدم فلَان كَانَ قدم) فلَان (فِي يَوْم) كَذَا لاشْتِرَاكهمَا فِي الْبناء على الْخطر، وَإِن سمي الأول إِضَافَة، وَالثَّانِي تَعْلِيقا، لِأَن الْعبْرَة بالمعاني، وَلَا فرق بَينهمَا معنى لتوقف الْحُرِّيَّة فِي كل مِنْهُمَا على مَا لَا يعم وجوده، لِأَن الْيَوْم الْمُقَيد بقدوم فلَان مَشْكُوك الْوُجُود بِاعْتِبَار قَيده (ويستلزم) أَيْضا (عدم جَوَاز التَّعْجِيل) بِالصَّدَقَةِ (فِيمَا لَو قَالَ عَليّ صَدَقَة يَوْم يقدم فلَان) أَي فِي صَدَقَة فرض إِيجَابهَا يَوْم قدوم فلَان فِي القَوْل الْمَذْكُور (وَإِن كَانَ) كل من القيدين متلبسا (بِصُورَة إِضَافَة) لِأَنَّهُ لَا عِبْرَة بصورته بعد مَا ظهر عدم الْفرق بَينه وَبَين الْمُعَلق بِالشّرطِ فِي معنى الْخطر، وَهُوَ يسْتَلْزم عدم انْعِقَاد السَّبَب وَالْأَدَاء قبل انْعِقَاد السَّبَب غير جَائِز اتِّفَاقًا (و) كَذَا يسْتَلْزم (كَون إِذا جَاءَ غَد فَأَنت حر كإذا مت فَأَنت حر) فِي انْعِقَاد سَبَب الْحُرِّيَّة فِي كل مِنْهُمَا (لعدم الْخطر) الْمَانِع عَن الِانْعِقَاد (فَيمْتَنع بَيْعه قبل الْغَد كَمَا يمْتَنع) بَيْعه (قبل الْمَوْت لانعقاده) أَي انْعِقَاد إِذا جَاءَ غَد إِلَى آخِره كانعقاد أَنْت حر إِذا مت (سَببا فِي الْحَال) أَي بِمُجَرَّد التَّكَلُّم قبل مَجِيء الْغَد وَالْمَوْت (على مَا عرف)
стр. 129
من أَن سَبَب الْحُرِّيَّة فِي الْمُدبر القَوْل الْمَذْكُور، لِأَنَّهَا تثبت بعد الْمَوْت، وَلَا ثُبُوت بِلَا سَبَب، وَلَا سَبَب غَيره، فإمَّا أَن يَجْعَل سَببا فِي الْحَال، أَو بعد الْمَوْت، وَلَا سَبِيل إِلَى الثَّانِي، لِأَن الْمَوْت سالب الْأَهْلِيَّة، وَسبب التَّصَرُّف لَا ينْعَقد إِلَّا من أَهله (لكِنهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (يجيزون بَيْعه قبل الْغَد، والأجوبة عَنهُ) أَي عَن الأشكال على الْفرق والخطر وَعَدَمه بِالْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين (لَيست بِشَيْء) مِنْهَا كَون الْغَد كَائِنا لَا محَالة لجَوَاز قيام الْقِيَامَة قبله، ورد بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَقِيم إِذا كَانَ التَّعْلِيق بعد أَشْرَاط السَّاعَة، وَمِنْهَا أَن الْكَلَام فِي الْأَغْلَب فَيلْحق النَّادِر بِهِ، ورد بِأَنَّهُ اعْتِرَاف بالإيراد على أَن التَّعْلِيق بِمثل مَجِيء الْغَد وَرَأس الشَّهْر غير نَادِر إِلَى غير ذَلِك (وَقيل) فِي دفع مَا ذكر من استلزام الْفرق بالخطر وَعَدَمه المحذورات الْمَذْكُورَة (المُرَاد بِالسَّبَبِ فِي نَحْو قَوْلنَا الْمُعَلق لَيْسَ سَببا فِي الْحَال) أَي فِي حَال التَّعْلِيق قبل وجود الْمُعَلق بِهِ (الْعلَّة) اعتبروا فِي حَقِيقَة الْعلَّة ثَلَاثَة أُمُور: إِضَافَة الحكم إِلَيْهَا كَمَا يُقَال قَتله بِالرَّمْي، وَعتق بِالشِّرَاءِ وَهلك بِالْجرْحِ، أَو كَونهَا مَوْضُوعَة لَهُ شرعا، وتأثيرها فِيهِ وحصوله مَعهَا فِي الزَّمَان، وَفِي حَقِيقَة السَّبَب أَن يكون طَرِيقا للْحكم من غير تَأْثِير وَمن غير أَن يُضَاف إِلَيْهِ وجوبا أَو وجودا وَيُطلق اسْم كل مِنْهُمَا عَن الآخر لما بَينهمَا من الْمُنَاسبَة (وَفِي الْمُضَاف السَّبَب المفضي) معطوفان بعطف وَاحِد على قَوْله فِي نَحْو قَوْلنَا، وَقَوله الْعلَّة على مَذْهَب الْأَخْفَش، أَو من عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة بِحَذْف الْمُبْتَدَأ مَعَ مَا يتَعَلَّق بِهِ: أَي المُرَاد بِالسَّبَبِ فِي قَوْلنَا الْمُضَاف سَبَب فِي الْحَال السَّبَب المفضي إِلَى الحكم من غير تَأْثِير (وَهُوَ) أَي السَّبَب المفضي (السَّبَب الْحَقِيقِيّ) اصْطِلَاحا كَمَا مر (وَحِينَئِذٍ) أَي وَحين إِذْ اخْتلف مورد النَّفْي وَالْإِثْبَات بِأَن نفى عَن السَّبَب الْمُعَلق السَّبَبِيَّة بِمَعْنى علية الْعلية، وَأثبت للمضاف بِمَعْنى الْإِفْضَاء على الْوَجْه الْمَذْكُور و (لَا خلاف) فِي الْمَعْنى بَين الْمُعَلق والمضاف بِاعْتِبَار النَّفْي وَالْإِثْبَات، فَلَا يتَوَجَّه أَنه لَا فرق بَينهمَا فِي الِانْعِقَاد سَببا، وَعَدَمه فِيمَا إِذا كَانَ مَا بِهِ التَّقْيِيد أمرا كَائِنا لَا محَالة أَو مَشْكُوك الْوُجُود فَلم فرقتم بَينهمَا؟ لأَنا لم نفرق بَينهمَا، بل نَفينَا الْعلية عَن الْمُعَلق، وَلم نثبتها للمضاف، وأثبتنا الْإِفْضَاء للمضاف وَمَا نفيناه عَن الْمُعَلق (وَارْتَفَعت الاشكالات وَصدق أَن الْمُضَاف لَيْسَ سَببا أَيْضا فِي الْحَال) كَمَا أَن الْمُعَلق لَيْسَ سَببا فِي الْحَال (بذلك الْمَعْنى) أَي بِمَعْنى الْعلَّة كَمَا عرفت (إِلَّا أَن اخْتِلَاف الْأَحْكَام حَيْثُ قَالُوا: الْمُضَاف سَبَب فِي الْحَال فَجَاز تَعْجِيله) أَي تَعْجِيل مُوجب حكمه إِذا كَانَ عبَادَة بدنية أَو مَالِيَّة أَو مركبة مِنْهُمَا كَمَا هُوَ قَول أبي حنيفَة ﵀ وَأبي يُوسُف، لِأَنَّهُ تَعْجِيل بعد وجود سَبَب الْوُجُوب، خلافًا لمُحَمد ﵀ فِيمَا عدا الْمَالِيَّة، ولزفر فِي الْكل (وَالْمُعَلّق لَيْسَ سَببا فِي الْحَال فَلَا يجوز تَعْجِيله بنفيه) خبران: أَي
стр. 130
يَنْفِي كَون المُرَاد مَا ذكر لرفع الاشكالات، لِأَنَّهُ لَو لم يتحد مورد النَّفْي وَالْإِثْبَات لم يتَفَرَّع اخْتِلَافهمَا فِي جَوَاز التَّعْجِيل وَعَدَمه.
مسئلة
(من المفاهيم مَفْهُوم اللقب) هُوَ فِي اللُّغَة النبز، وَفِي اصْطِلَاح النُّحَاة قسم من الْعلم، والأعلام ثَلَاثَة اضْرِب: اسْم، وَهُوَ مَا لَا يقْصد بِهِ مدح وَلَا ذمّ كزيد، ولقب، وَهُوَ مَا يقْصد بِهِ أَحدهمَا كبطة وَقْفَة فِي الذَّم، ومصطفى ومرتضى فِي الْمَدْح، وكنية، وَهُوَ الْمصدر بِالْأَبِ أَو الْأُم أَو الابْن أَو الْبِنْت نَحْو أَبُو عَمْرو وَأم كُلْثُوم وَابْن آوى وَبنت وردان، وَالْمرَاد باللقب هَهُنَا مَا لَيْسَ بِصفة (نَفَاهُ) أَي مَفْهُوم اللقب (الْكل إِلَّا بعض الْحَنَابِلَة وشذوذا) ابْن خويز منداد من الْمَالِكِيَّة والدقاق والصيرفي وَأَبا حَامِد من الشَّافِعِيَّة (وَهُوَ) أَي مَفْهُوم اللقب (إِضَافَة نقيض حكم) أَي نِسْبَة نقيض حكم مُسَمّى (معبر عَنهُ) أَي عَن ذَلِك الْمُسَمّى الْمعبر عَنهُ (باسمه) حَال كَون ذَلِك الِاسْم (علما أَو جِنْسا إِلَى مَا سواهُ) مُتَعَلق بإضافته: أَي مَا سوى ذَلِك الْمُسَمّى الْمعبر عَنهُ باسمه، وَهُوَ الْمَسْكُوت عَنهُ على مَا عرفت فِي سَائِر المفاهيم، مثل فِي الْغنم زَكَاة، فتنفى عَن غير الْغنم (وَقد يُقَال الْعلم) بدل للقب لقَوْل الْحَنَفِيَّة التَّنْصِيص على الشَّيْء باسمه الْعلم لَا يدل على نفي الحكم (وَالْمرَاد الْأَعَمّ) أَي مَا يعم نوعيه: علم الشَّخْص، وَعلم الْجِنْس، وَاسم الْجِنْس وَهُوَ مَا لَيْسَ بِصفة (والمعول) فِي نَفْيه (عدم الْمُوجب) للمقول بِهِ كَمَا مر فِي نفي مَفْهُوم الْمُخَالفَة (وللزوم ظُهُور الْكفْر) مَعْطُوف على مَا فهم من السِّيَاق كَأَنَّهُ قَالَ نفوه لعدم الْمُوجب، وللزوم نفي ظُهُور الْكفْر، وَذكر الظُّهُور لِأَنَّهُ عِنْد الْقَائِل بِهِ ظَنِّي مَبْنِيّ على الظَّاهِر (من نَحْو مُحَمَّد رَسُول الله) لكَون مَفْهُومه على القَوْل بِهِ نفي رِسَالَة غَيره ظَاهرا، لَا نصا، لِأَن القَوْل بِهِ لَا يسْتَلْزم اعْتِبَاره فِي جَمِيع الْموَاد، بل إِذا لم يكن قرينَة صارفة، وَلُزُوم الْكفْر قرينَة غير أَن ظَاهر الْكَلَام قبل التَّأَمُّل يُفِيد ذَلِك على القَوْل بِهِ (وَفُلَان مَوْجُود) أَي وللزوم ظُهُور الْكفْر من نَحْو فلَان مَوْجُود: يَعْنِي نفي وجود الْحق وَهُوَ: أَي ظُهُور الْكفْر من نَحْوهمَا (وَهُوَ) مُنْتَفٍ) بالِاتِّفَاقِ قطعا، فَالْقَوْل بِهِ بَاطِل قطعا، قيل وَقع الْإِلْزَام بِهِ للدقاق فِي مجْلِس النّظر بِبَغْدَاد، قيل هَذَا إِذا لم يكن للتخصيص فَائِدَة أُخْرَى، لم لَا يجوز أَن يقْصد بِهِ الاخبار بذلك؟ وَلَا طَرِيق إِلَيْهِ سوى التَّصْرِيح بِالِاسْمِ، ورد بِأَنَّهُ اعْتِرَاف بانتفائه رَأْسا، لِأَن هَذِه الْفَائِدَة حَاصِلَة فِي جَمِيع الصُّور فَتَأمل (وَاسْتدلَّ) على نَفْيه (بِلُزُوم انْتِفَاء الْقيَاس) على تَقْدِير اعْتِبَاره، وانتفاؤه بَاطِل، وَذَلِكَ لِأَن النَّص الدَّال على حكم الأَصْل أَن تنَاول حكم الْفَرْع ثَبت
стр. 131
الْأَخَص بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ، وَإِلَّا فإمَّا أَن يدل بمفهومه اللقى على نفي الحكم عَن غير الْمَذْكُور أَولا، وعَلى الأول ينتفى الْقيَاس لاقْتِضَاء ثُبُوته للْغَيْر، وعَلى الثَّانِي يثبت الْمُدَّعِي، وَأَنت خَبِير بِأَن اللَّازِم انْتِفَاء الْقيَاس فِيمَا اعْتبر فِيهِ بِمَفْهُوم اللقب لَا مُطلقًا (وَالْجَوَاب) عَن الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور أَن الْقيَاس يستدعى مُسَاوَاة الْفَرْع للْأَصْل فِي عِلّة الحكم و (إِذا ظهر الْمُسَاوَاة قدم) الْقيَاس على الْمَفْهُوم اللقبى، إِذْ الْقَائِلُونَ بِهِ قَائِلُونَ بِتَقْدِيم الْقيَاس عَلَيْهِ (لزِيَادَة قوته) أَي الْقيَاس على الْمَفْهُوم اللقبى كَمَا إِذا ظهر أَوْلَوِيَّة الْمَسْكُوت من الْمَنْطُوق فِي المناط، فَإِنَّهُ عِنْد ذَلِك لَا مَحل لمَفْهُوم الْمُخَالفَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أصلا لثُبُوت مَفْهُوم الْمُوَافقَة لَهُ (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِمَفْهُوم اللقب (لَو قَالَ) قَائِل (لمخاصمه لَيست أُمِّي زَانِيَة أَفَادَ) قَوْله هَذَا (نسبته) أَي الزِّنَا (إِلَى أمه) أَي أم المخاصم لتبادره إِلَى الْفَهم، وَلذَا قَالَ مَالك وَأحمد رحمهمَا الله تَعَالَى يجب الْحَد على الْقَائِل إِذا كَانَت عفيفة، وَلَوْلَا أَن تَعْلِيق الحكم بِالِاسْمِ يدل على نَفْيه عَمَّا عداهُ لما تبادر إِلَى الْفَهم (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي التبادر الْمَذْكُور (بِقَرِينَة الْحَال) وَهُوَ الْخِصَام الَّذِي هُوَ مَظَنَّة الْأَذَى والتقبيح قلت وَلَوْلَا ذَلِك الْقَصْد لَكَانَ ذكر الْبَريَّة الْمَذْكُورَة أَجْنَبِيّا لَا يَلِيق بمقام الْخِصَام.
مسئلة
(النَّفْي فِي) الْكَلَام الْمُشْتَمل على (الْحصْر) الْمُسْتَفَاد (بإنما) نَحْو إِنَّمَا زيد قَائِم، وَإِنَّمَا الْعَالم زيد، وَإِمَّا ضرب زيد عمرا يَوْم الْجُمُعَة (لغير الآخر) أَي النَّفْي الْمَذْكُور مُخْتَصّ بِمَا يُقَابل الْجُزْء الآخر من الْكَلَام كالقيام وَزيد وَيَوْم الْجُمُعَة فِي الْأَمْثِلَة الْمَذْكُورَة، وَمَا يقابلها النَّفْي كالقعود وَعَمْرو وَيَوْم غير الْجُمُعَة (قيل) انفهام النَّفْي الْمَذْكُور (بِالْمَفْهُومِ) الْمُخَالف قَائِله أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَجَمَاعَة (وَقيل بالمنطوق) وقائله القَاضِي أَبُو بكر وَالْغَزالِيّ (وَهُوَ الْأَرْجَح وَنسب للحنفية) أَي إِلَيْهِم كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾ - (عَدمه) أَي عدم النَّفْي الْمَذْكُور أَو الْحصْر (فَإِنَّمَا زيد قَائِم) لَا يُفِيد الْحصْر عِنْدهم بل هُوَ (كَأَنَّهُ قَائِم) أَي مثل أَن زيدا قَائِم فِي عدم الدّلَالَة على نفي غير الْقيام، وَكلمَة مَا زَائِدَة ألحقت بِأَن لمزيد التَّأْكِيد فَقَط، قيل وَهُوَ مُخْتَار الْآمِدِيّ، وَأبي حَيَّان، وَنسبه إِلَى الْبَصرِيين، وَنسبه إِلَى الْحَنَفِيَّة صَاحب البديع، وَتعقبه المُصَنّف ﵀ بقوله (وَقد تكَرر مِنْهُم) أَي الْحَنَفِيَّة (نسبته) أَي الْحصْر إِلَى إِنَّمَا كَمَا فِي كشف الْأَسْرَار وَالْكَافِي وجامع الْأَسْرَار وَغَيرهَا (وَأَيْضًا) يُؤَيّد ذَلِك أَنه (لم يجب أحد من الْحَنَفِيَّة بِمَنْع إفادتها) أَي إِنَّمَا للحصر (فِي
стр. 132
الِاسْتِدْلَال بإنما الْأَعْمَال) بِالنِّيَّاتِ (على شَرط النِّيَّة فِي الْوضُوء) بِأَن الْوضُوء عمل وَلَا عمل إِلَّا بِالنِّيَّةِ، لِأَن كلمة إِنَّمَا تفِيد الْحصْر كَمَا وَإِلَّا، وَكلمَة على صلَة الِاسْتِدْلَال (بل) إِنَّمَا أجابوا (بِتَقْدِير الْكَمَال أَو الصِّحَّة) لِأَنَّهُ لَو لم يقدر مثل ذَلِك لم يَصح الْكَلَام للْقطع بِوُجُود الْعَمَل بِلَا نِيَّة كعمل الساهي، فَالْمُرَاد لَا كَمَال للأعمال أَو لَا صِحَة لَهَا إِلَّا بِالنِّيَّةِ وكمالها: أَي يَتَرَتَّب عَلَيْهَا الثَّوَاب إِن كَانَت من الْعِبَادَة أَو الْأَثر الْمَطْلُوب مِنْهَا إِن كَانَت من الْمُعَامَلَات (وَهُوَ) أَي تَقْدِير الْكَمَال أَو الصِّحَّة (الْحق) وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى أَن الْعُدُول عَن الْمَنْع الْمَذْكُور إِلَى التَّقْدِير فِي الْجَواب هُوَ الْحق ثمَّ أَنه أورد على تَقْدِير الصِّحَّة أَن نفي الْأَعْمَال مُطلقًا بِدُونِ النِّيَّة غير مُسلم، كَيفَ والضوء عِنْدهم يَصح بِدُونِهَا؟ فَأَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (وَلَا يَصح الْوضُوء عبَادَة إِلَّا بِالنِّيَّةِ) يَعْنِي المُرَاد من الْأَعْمَال الْعِبَادَات على اعْتِبَار تَقْدِير الصِّحَّة فَإِن قلت الْأَعْمَال جمع محلى بِاللَّامِ، وَهُوَ من صِيغ الْعُمُوم قلت الْعُمُوم لَيْسَ بِمُرَاد قطعا، لِأَن الْأَعْمَال العادية لَا مدْخل للنِّيَّة فِيهَا لَا سِيمَا السَّيِّئَات، ثمَّ بَين أَن الْوضُوء الَّذِي يتَوَقَّف ﷺ إِنَّمَا هُوَ مُطلق الْوضُوء لَا الْمُقَيد بِوَصْف الْعِبَادَة بقوله (لَكِن منعُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (توقف صِحَة الصَّلَاة على وضوء هُوَ عبَادَة كباقي الشُّرُوط) كستر الْعَوْرَة وتطهير الثِّيَاب وَغير ذَلِك أَي لم يتَوَقَّف الصَّلَاة على وضوء هُوَ عبَادَة كَمَا لم يتَوَقَّف على ستر هُوَ عبَادَة، بل يتَوَقَّف على مُطلق السّتْر سَوَاء كَانَ عبَادَة بمقارنة النِّيَّة أَو لَا، قيل عدم مَنعهم لَيْسَ لتسليمهم إِفَادَة إِنَّمَا الْحصْر، بل لِأَن الْحصْر أَمر مُسلم لكَونه مستفادا من عُمُوم الْأَعْمَال بِاللَّامِ، فَالْمَعْنى كل عمل بنية، وَقد عرفت أَن الْعُمُوم لَيْسَ بِمُرَاد قطعا على أَن الْكَلَام فِي معرض التأييد لَا الْحجَّة، لِأَن الْمُسْتَند فِي قَول الْحَنَفِيَّة بالحصر إِنَّمَا هُوَ النَّقْل (لنا يفهم مِنْهُ الْمَجْمُوع) مُبْتَدأ وَخَبره نَحْو تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ تَقْدِيره فهم الْمَجْمُوع من النَّفْي وَالْإِثْبَات من إِنَّمَا حجَّة لنا (فَكَانَ) إِنَّمَا مَوْضُوعا (لَهُ) أَي للمجموع، لِأَن فهم الْمَعْنى من اللَّفْظ من غير احْتِيَاج إِلَى قرينَة دَلِيل الْوَضع (وَكَون النَّافِي الْمَعْهُود) إفادته النَّفْي (منتفيا) إِنَّمَا (لَا يسْتَلْزم نَفْيه) أَي نفي النَّفْي الَّذِي يتضمنه الْحصْر، أَو نفي الْفَهم الْمَذْكُور، جَوَاب سُؤال تَقْدِيره دلَالَة إِنَّمَا على النَّفْي وَالِاسْتِثْنَاء غير مُسْتَقِيم، لِأَن الْمَوْضُوع الْمَعْهُود للنَّفْي كلمة لَا وَنَحْوهَا لَا إِنَّمَا، (لِأَن مُوجب الِانْتِقَال) بِكَسْر الْجِيم (الْوَضع) خبران: أَي وضع لفظ بل وضع لشَيْء مَعَ الْعلم بِالْوَضْعِ (لَا) الْوَضع (بِشَرْط لفظ خَاص) كَمَا وَلَا وَحَتَّى إِذا لم يُوجد لم يُوجد الِانْتِقَال (وَكَون فهمه) أَي الْمَجْمُوع من النَّفْي وَالْإِثْبَات من إِنَّمَا (لَا يستلزمه) أَي وَضعهَا لَهُ (لجوازه) أَي فهمه (بِالْمَفْهُومِ) الْمُخَالف (لَا يَنْفِي الظُّهُور) خبر الْمُبْتَدَأ: يَعْنِي أَن جَوَاز انفهامه
стр. 133
بطرِيق الْمَفْهُوم احْتِمَالا فَلَا ينفى ظُهُور منطوقيته الْمُسْتَفَاد من تبادره إِلَى الْفَهم عِنْد سَماع كلمة إِنَّمَا (وَلَو ثَبت) فهمه بِالْمَفْهُومِ (كَانَ) ذَلِك الْفَهم (بِمَفْهُوم اللقب) لعدم احْتِمَال غَيره من المفاهيم وَهُوَ ظَاهر (وَهُوَ) أَي مَفْهُوم اللقب (منفي) بِاتِّفَاق الْجُمْهُور. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ النَّفْي مَفْهُوم لَا مَنْطُوق، وَيدل عَلَيْهِ أَمَارَات مثل جَوَاز: إِنَّمَا زيد قَائِم لَا قَاعد بِخِلَاف مَا زيد إِلَّا قَائِم لَا قَاعد، وَإِن صَرِيح النَّفْي وَالِاسْتِثْنَاء يسْتَعْمل عِنْد إِصْرَار الْمُخَاطب على الْإِنْكَار بِخِلَاف إِنَّمَا انْتهى، وَصرح الشَّيْخ عبد القاهر، وَاخْتَارَهُ الْمُتَأَخّرُونَ أَنه لَا يحسن الْجمع بَين لَا العاطفة وَبَين النَّفْي وَالِاسْتِثْنَاء لَا نفي الصِّحَّة وتصريح السكاكي بِعَدَمِ الصِّحَّة متعقب، وَفِي الْكَشَّاف فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿زين للنَّاس﴾ - الْآيَة: أَي المزين لَهُم حبه مَا هُوَ إِلَّا الشَّهَوَات لَا غير، وَأما اسْتِعْمَال صَرِيح النَّفْي وَالِاسْتِثْنَاء عِنْد الْإِصْرَار دون إِنَّمَا فَلِأَن من يُخَاطب الْمصر عَلَيْهِ يخْتَار مَا يدل على دَفعه قطعا، وَنحن نعترف بِأَن دلَالَة إِنَّمَا عَلَيْهِ ظنية، وَإِلَّا لما وَقع الْخلاف فِي إفادتها ذَلِك (وَأما الْحصْر) الْمُسْتَفَاد (بِاللَّامِ) الاستغراقية المفيدة (للْعُمُوم) أَي عُمُوم الْجِنْس الَّذِي دخلت عَلَيْهِ، وَهُوَ أحد جزئي الْكَلَام (و) الْجُزْء (الآخر أخص) حَال عَن اللَّام أَو الْعُمُوم: أَي وَالْحَال أَن الْجُزْء الآخر أخص من الْمحلي بِاللَّامِ (كالعالم وَالرجل زيد) فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا دخله اللَّام للْعُمُوم والجزء الآخر هُوَ زيد أخص مِنْهُ مُطلقًا (تقدم أَو تَأَخّر) حَال أُخْرَى عَن الْمَذْكُور وَالضَّمِير للْآخر (فَلَا يَنْبَغِي أَن يخْتَلف فِيهِ) جَوَاب أما، وَالضَّمِير الْمَجْرُور للحصر (وَلَو نفي الْمَفْهُوم) كلمة لَو وصلية، أَشَارَ إِلَى مَا قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ من أَن كَون هَذَا الْحصْر مفهوما لَا منطوقا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يَقع فِيهِ خلاف للْقطع بِأَنَّهُ لَا نطق بِالنَّفْيِ أصلا وَحَاصِل تَحْقِيق الرضي فِي هَذَا الْمقَام أَن تقدم الْوَصْف مُبْتَدأ على الْمَوْصُوف والأخص خَبرا لَهُ يُفِيد قصره على الْمَوْصُوف للعدول عَن التَّرْتِيب الطبيعي: وَهُوَ تقدم الذَّات على الْوَصْف، وَلِأَن المُرَاد بالعالم وصديقي هُوَ الْجِنْس بَاقِيا على عُمُومه لعدم قرينَة الْعَهْد، وَالْحكم بالاتحاد بَين الْجِنْس الْمُسْتَغْرق وَزيد إِنَّمَا يكون بادعاء انحصاره فِيهِ بتنزيل مَا عداهُ منزلَة الْعَدَم انْتهى، وَهَذَا يدل على أَن الْحصْر يفِيدهُ فِي صُورَة تَقْدِيم الْوَصْف فَقَط، وَصرح الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ بِأَن إِفَادَة الْحصْر عِنْد كَون الْمُبْتَدَأ مُعَرفا ظَاهرا فِي الْعُمُوم صفة كَانَت أَو اسْم جنس، وَكَون خَبره مَا هُوَ أخص مِنْهُ هما لَا خلاف فِيهِ بَين عُلَمَاء الْمعَانِي تمسكا بِاسْتِعْمَال الفصحاء، وَلَا خلاف فِي عَكسه أَيْضا غير أَن القَاضِي عضد الدّين ذكر أَن الْوَصْف إِذا وَقع مُسْندًا إِلَيْهِ قصد بِهِ الذَّات الموصوفة بِهِ، وَإِذا وَقع مُسْندًا قصد بِهِ ذَات مَا مَوْصُوفَة بِهِ وَهُوَ عَارض الأول انْتهى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ على الأول يُرَاد بِهِ الذَّات الموصوفة بِالْوَصْفِ العنواني، وعَلى الثَّانِي يُرَاد بِهِ مَفْهُوم ذَات مَا مَوْصُوفَة بذلك الْوَصْف
стр. 134
وَهَذَا غارض للذات الْمَخْصُوصَة، واتحاد زيد مَعَ الذَّات الموصوفة يُفِيد الْحصْر بِخِلَاف اتحاده مَعَ عَارضه، فَإِنَّهُ لَا يمْتَنع اشْتِرَاك المعروضات فِيهِ، واتحاد كل مِنْهُمَا بِحِصَّة مِنْهُ، كَذَا أَفَادَهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ، ثمَّ قَالَ وَالْحق أَن مَا ذكره فِي الْوَصْف النكرَة مثل زيد عَالم دون زيد الْعَالم، فَإِن مَعْنَاهُ الذَّات الموصوفة فَردا أَو جِنْسا كَمَا فِي الْعَالم زيد، فَيكون عدم الْفرق ضَرُورِيًّا هَذَا، وَكَلَام المُصَنّف ﵀ مشْعر بِأَن الْحصْر الْمُسْتَفَاد فِيهِ اتِّفَاقًا لَيْسَ بطرِيق الْمَفْهُوم، بل هُوَ مُسْتَفَاد من خُصُوصِيَّة الْهَيْئَة الْحَاصِلَة من الْمُبْتَدَأ الْمُعَرّف بِاللَّامِ الظَّاهِر فِي الْعُمُوم مَعَ أخصية الْخَبَر حَقِيقَة أَو مجَازًا عرفيا، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى لَا خلاف فِي ثُبُوت الْمَفْهُوم فِي هَذِه الصُّور وَإِن نفى فِي غَيرهَا وَالله أعلم (بِخِلَاف صديقي زيد إِذا أخر) صديقي نَحْو زيد صديقي (لانْتِفَاء عُمُومه) أَي عُمُوم صديقي، لِأَن عُمُومه إِنَّمَا كَانَ عِنْد التَّقْدِيم للعدول عَن التَّرْتِيب الطبيعي كَمَا ذكره القَاضِي، وَقد عرفت مَا حَقَّقَهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ (ويندرج) الْحصْر الْمَذْكُور (فِي بَيَان الضَّرُورَة عِنْد الْحَنَفِيَّة) فَإِن قلت قد صرح بِأَن أَقسَام بَيَان الضَّرُورَة كلهَا دلَالَة سكُوت، وَقَوله (إِذْ ثُبُوت الْجِنْس) الثَّابِت (برمتِهِ) أَي بجملته (لوَاحِد) بِحَيْثُ لَا يُوجد فِي غَيره حِصَّة مِنْهُ (بِالضَّرُورَةِ ينتفى عَن غَيره) يدل على أَنه أَمر مَدْلُول أَمر لَفْظِي هُوَ ثُبُوت الْجِنْس إِلَى آخِره قلت الْحصْر الْمَذْكُور مركب من جزءين: إِثْبَات وَنفي، وَاللَّفْظ نَاطِق بِالْأولِ فَقَط، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله ثُبُوت الْجِنْس برمتِهِ لوَاحِد، وَالثَّانِي يثبت لضَرُورَة اتِّحَاد الْجِنْس بجملته مَعَه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله بِالضَّرُورَةِ ينتفى عَن غَيره، فالدال عَلَيْهِ أَمر معنوي: أَعنِي كَون الْجِنْس برمتِهِ للْوَاحِد بَقِي أَن كَونه دلَالَة سكُوت يَقْتَضِي أَن يكون للمسكوت مدْخل فِيهَا، وَهُوَ غير ظَاهر: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: إِن قَوْلنَا الْعَالم زيد إِنَّمَا يدل على الْحصْر لسكوت الْمُتَكَلّم عَن ذكر غير زيد مَعَه، وَعند ذَلِك يتَحَقَّق ثُبُوت الْجِنْس برمتِهِ لزيد، وَيرد عَلَيْهِ أَنكُمْ حكمتم فِي آيَة للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين بِأَن دلالتها على زَوَال ملك المُهَاجر إِشَارَة، وَكَذَا فِي جَوَاز الإصباح جنبا فِي آيَة - ﴿أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث﴾ - وَلَا فرق بَين الْحصْر الْمَذْكُور وَبَينهمَا، وَيُمكن أَن يفرق بمدخلية السُّكُوت وَعدمهَا فَتَأمل، وَقَوله ثُبُوت الْجِنْس مُبْتَدأ خَبره ينتفى، وبرمته حَال عَن الْجِنْس، وبالضرورة مُتَعَلق بينتفى، وَيُمكن أَن يَجْعَل جملتين بِأَن يكون لوَاحِد خبر ثُبُوت الْجِنْس، وَضمير ينتفى للْجِنْس، واختلافهما اسمية وفعلية اقْتضى الْفَصْل، وَفِيه بعد (وتكرر من الْحَنَفِيَّة مثله) أَي مثل القَوْل بالحصر الْمَذْكُور مِنْهَا (فِي نفي الْيَمين عَن الْمُدَّعِي بقوله ﷺ : وَالْيَمِين على من أنكر) فِي الْهِدَايَة جعل جنس الْإِيمَان على المنكرين، وَلَيْسَ وَرَاء الْجِنْس شَيْء انْتهى (وَغَيره) أَي وَفِي غير نفي الْيَمين (والتشكيك) فِي إِفَادَة نَحْو الْعَالم زيد الْحصْر (بتجويز كَونه) أَي الْجِنْس (لوَاحِد) كزيد
стр. 135
(وَلآخر) كعمرو وَعدم كَونه برمتِهِ لوَاحِد (غير مَقْبُول) بعد التَّمَسُّك بِاسْتِعْمَال الفصحاء (وَقد حكى نَفْيه) أَي نفي الْحصْر الْمَذْكُور (وإثباته مفهوما ومنطوقا) فَهَذِهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب (واستبعد) إثْبَاته منطوقا (لعدم النُّطْق بالنافي) أَي إِنَّمَا يدل على نفي الْعلم عَن غير زيد مثلا (وَعلمت فِي إِنَّمَا أَن لَا أثر لَهُ) أَي لعدم النُّطْق بالنافي الْمَعْهُود كَمَا وَلَا بعد وجود مُوجب الِانْتِقَال من وضع إِنَّمَا لمجموع النَّفْي وَالْإِثْبَات (بل وَجهه) أَي وَجه هَذَا الاستبعاد (عدم لفظ يتَبَادَر مِنْهُ) النَّفْي أَو الْمَجْمُوع بِاعْتِبَارِهِ (لِأَن اللَّام) فِي الْعَالم زيد (للْعُمُوم) وشمول اللَّفْظ بِجَمِيعِ أَفْرَاد الْمُسَمّى (فَقَط) فَلَيْسَ النَّفْي جُزْء مفهومها، لكنه يلْزم لما ذكره بقوله (فَإِنَّمَا يثبت) النَّفْي عَن الْغَيْر حَال كَونه (لَازِما لإثباته) أَي إِثْبَات الْجِنْس برمتِهِ لوَاحِد، أَو لإِثْبَات النَّفْي الْمَذْكُور وَالْإِضَافَة بِأَدْنَى مُلَابسَة (بِخِلَاف إِنَّمَا) فَإِنَّهُ يتَبَادَر مِنْهُ النَّفْي كالإثبات (وَمَا نسب إِلَى المنطقيين من جعلهم إِيَّاه) أَي ذَا اللَّام الَّتِي للْعُمُوم (جزئيا) أَي غير مُسْتَغْرق لأفراده لعدم اعتبارهم اللَّام سور الْكُلية (يَنْفِيه) خبر الْمَوْصُول، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب لَهُ، وَالْمَرْفُوع قَوْله (مَا حقق) فِي الْمنطق (من أَن السُّور مَا دلّ على كمية) أَفْرَاد (الْمَوْضُوع) كلا أَو بَعْضًا، وَلَا شكّ أَن اللَّام تدل (فذو اللَّام مسور بسور الْكُلية) فَهِيَ كلفظة كل.
التَّقْسِيم الثَّانِي
من التقسيمات الْمَذْكُورَة فِي عنوان هَذَا الْفَصْل (بِاعْتِبَار ظُهُور دلَالَته) أَي اللَّفْظ الْمُفْرد ومراتبها فِي الظُّهُور (إِلَى ظَاهر وَنَصّ ومفسر ومحكم) مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره التَّقْسِيم الثَّانِي تَقْسِيم اللَّفْظ بِاعْتِبَار ظُهُور دلَالَته إِلَى ظَاهر وَكَذَا وَكَذَا (فمتأخروا الْحَنَفِيَّة) أَي فَقَالَ متأخروهم (مَا ظهر مَعْنَاهُ الوضعي) قد عرفت أَن الوضعي مَا للوضع مدْخل فِيهِ، فَدخل الْمَعْنى الْمجَازِي أَيْضا (بِمُجَرَّدِهِ) أَي ظهر وَفهم من غير خَفَاء بِمُجَرَّد سَماع اللَّفْظ، ظَاهر هَذِه الْعبارَة خُرُوج الْمجَاز، لِأَن ظُهُور مَعْنَاهُ بِالْقَرِينَةِ لَا بِمُجَرَّد اللَّفْظ، لَكِن لَا يجوز أَن يكون المُرَاد بِمُجَرَّد اللَّفْظ مَعَ مَا لَا بُد مِنْهُ فِي دلَالَته من غير احْتِيَاج إِلَى أَمر مُسْتَقْبل من كَلَام أَو دَلِيل عَقْلِي، وَأما الْقَرِينَة فَهِيَ كَالْعلمِ بِالْوَضْعِ فِي فهم الْمَوْضُوع لَهُ من اللَّفْظ. قَالَ ابْن الْحَاجِب: مَا دلّ دلَالَة ظنية، أما بِالْوَضْعِ كالأسد، أَو بِالْعرْفِ كالغائط انْتهى، وَفسّر القَاضِي مُرَاده بقوله كالأسد للحيوان، وَأما بعرف الِاسْتِعْمَال كالغائط للْخَارِج المستقذر، وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ هَهُنَا: وَظَاهر كَلَام المُصَنّف ﵀ أَن قَوْلنَا إِمَّا بِالْوَضْعِ أَو بِالْعرْفِ من تَمام الْحَد احْتِرَازًا بِهِ عَن الْمجَاز، وَبِه صرح الْآمِدِيّ
стр. 136
رَحمَه الله (مُحْتملا) لغير مَعْنَاهُ الظَّاهِر احْتِمَالا مرجوحا (إِن لم يسق) الْكَلَام (لَهُ) أَي لمعناه (أَي لَيْسَ) مَعْنَاهُ (الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ من اسْتِعْمَاله) فاسم لَيْسَ ضمير الْمَعْنى وَخَبره الْمَقْصد، قَيده بالأصلي لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن المُرَاد نفى كَونه مَقْصُودا مُطلقًا، وَهَذَا هُوَ الْمَوْعُود بقوله كَمَا سنذكر عِنْد تَعْمِيم الْمَقْصد الْأَصْلِيّ وَغَيره فِي عبارَة المُصَنّف ﵀ (فَهُوَ) أَي اللَّفْظ (بِهَذَا الِاعْتِبَار) أَي بِاعْتِبَار ظُهُور مَعْنَاهُ الوضعي بِمُجَرَّدِهِ إِلَى آخِره (الظَّاهِر) أَي يُسمى بِهِ، وَوجه التَّسْمِيَة ظَاهر (وَبِاعْتِبَار ظُهُور مَا سيق لَهُ مَعَ احْتِمَال التَّخْصِيص والتأويل النَّص) احْتِمَال التَّخْصِيص فِيمَا إِذا كَانَ عَاما، وَأما التَّأْوِيل فَهُوَ يتَحَقَّق فِي الْعَام وَالْخَاص فَلَا وَجه لتخصيص الشَّارِح إِيَّاه بالخاص، والتأويل من أولت الشَّيْء صرفته ورجعته، وَهُوَ اعْتِبَار دَلِيل يصير الْمَعْنى بِهِ أغلب على الظَّن من الْمَعْنى الظَّاهِر، وَالنَّص من نصصت الشَّيْء رفعته، سمى بِهِ لارتفاعه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الظَّاهِر (وَيُقَال) النَّص (أَيْضا لكل) شَيْء (سَمْعِي) أَي لكل لفظ سمع من الشَّارِع سَوَاء كَانَ ظَاهرا أَولا (وَمَعَ عدم احْتِمَاله غير النّسخ الْمُفَسّر) التَّفْسِير مُبَالغَة الفسر: وَهُوَ الْكَشْف، فيراد بِهِ كشف لَا شُبْهَة فِيهِ، وَلِهَذَا يحرم التَّفْسِير بِالرَّأْيِ دون التَّأْوِيل لِأَنَّهُ الظَّن بالمراد، وَحمل الْكَلَام على غير الظَّاهِر بِلَا جزم فيقبله الظَّاهِر وَالنَّص، لِأَن الظَّاهِر يحْتَمل غير المُرَاد احْتِمَالا بَعيدا، وَالنَّص يحْتَملهُ احْتِمَالا أبعد دون الْمُفَسّر، لِأَنَّهُ لَا يحْتَملهُ أصلا: غير أَنه يحْتَمل أَن ينْسَخ (وَيُقَال) الْمُفَسّر (أَيْضا ل) كل (مَا بَين) المُرَاد مِنْهُ (بقطعي مِمَّا فِيهِ خَفَاء من الْأَقْسَام الْآتِيَة) للفظ بِاعْتِبَار خَفَاء مَعْنَاهُ الوضعي، والمشكل مَا عدا الْمُتَشَابه مِنْهَا كَمَا هُوَ الْمُخْتَار من أَن الْمُتَشَابه لَا يلْحقهُ الْبَيَان فِي هَذِه الدَّار، وَهُوَ الْخَفي والمشكل والمجمل وَاعْترض الشَّارِح على المُصَنّف بِمَا حَاصله أَن كَلَام المُصَنّف يدل على أَن بَين الْمَعْنيين عُمُوما من وَجه لاجتماعهما فِيمَا لَا يحْتَمل إِلَّا النّسخ، وَقد كَانَ لَهُ خَفَاء أزيل بقطعي، وافتراق الأول عَن الثَّانِي فِي غير مُحْتَمل لم يكن لَهُ خَفَاء أزيل بقطعي: وَهُوَ يحْتَمل غير النّسخ، وَكَلَام فَخر الْإِسْلَام على خِلَافه حَيْثُ قَالَ: وَأما الْمُفَسّر فَمَا ازْدَادَ وضوحا على النَّص: سَوَاء كَانَ بِمَعْنى فِي النَّص أَو بِغَيْرِهِ بِأَن كَانَ مُجملا فَلحقه بَيَان قَاطع فانسد بَاب التَّأْوِيل والتخصيص انْتهى، لِأَنَّهُ يدل على أَن لَهُ معنى وَاحِدًا يعم مَا لَا يحْتَمل من الأَصْل، وَمَا لَا يحْتَمل بعد الْبَيَان، وَكَذَا يدل على خِلَافه على مَا فِي الْمِيزَان من أَن الْمُفَسّر كَمَا يَقع على مَا كَانَ مَكْشُوف المُرَاد من الأَصْل بِأَن لَا يحْتَمل إِلَّا وَجها وَاحِدًا يَقع على الْمُشْتَرك والمشكل والمجمل الَّذِي صَار مُرَاد الْمُتَكَلّم مِنْهُ مَعْلُوما للسامع بِوَاسِطَة انْقِطَاع الِاحْتِمَال والإشكال انْتهى وَأَنت خَبِير بِأَن المُصَنّف ﵀ لم يُصَرح بِالنِّسْبَةِ بَين الْمَعْنيين، وَكَلَام الْمَتْن مُوَافق لما فِي الْمِيزَان، فَإِنَّهُ وَإِن لم يُصَرح بِكَوْنِهِ مَكْشُوف المُرَاد من الأَصْل، لكنه يفهم من قرينَة التقابل وَكَونه من أَقسَام ظَاهر
стр. 137
الدّلَالَة، وَلَا مَحْظُور فِي أَن يُخَالف فَخر الْإِسْلَام إِذا وَافق غَيره على أَنه يجوز أَن فَخر الْإِسْلَام لما رأى أَن لفظ الْمُفَسّر يسْتَعْمل تَارَة فِي هَذَا، وَتارَة فِي ذَاك جعله بِإِزَاءِ مَا يعمهما اصْطِلَاحا مِنْهُ وَلَا مشاحه فِيهِ (وان) بَين المُرَاد بِمَا فِيهِ خَفَاء من الْأَقْسَام الْمَذْكُورَة (بظني) كَخَبَر الْوَاحِد وَبَعض الأقيسة (فمؤول) ذكره تَقْرِيبًا وتتميما لبَيَان مَا بَين مِنْهُ المُرَاد (وَمَعَ عَدمه) أَي عدم اعْتِبَار ظُهُور مَا سيق لَهُ مَعَ عدم احْتِمَال غير النّسخ وَمَعَ عدم احْتِمَاله، وَيفهم هَذَا من سِيَاق الترقي من الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، وَيحْتَمل أَن يرجع ضمير عَدمه إِلَى مُطلق الِاحْتِمَال، وبنفي الْمُطلق يحصل الْمَقْصُود (فِي زَمَانه ﷺ قَيده بذلك الزَّمَان، لِأَن احْتِمَاله لَا يتَصَوَّر بعد مَوته ﷺ لانْقِطَاع الْوَحْي، فَجَمِيع السمعيات مُتَسَاوِيَة فِي عدم احْتِمَاله كَمَا سَيذكرُهُ (الْمُحكم) وَلَا يخفى وَجه التَّسْمِيَة وَهُوَ (حَقِيقَة عرفية) مُخْتَصَّة بالأصوليين (فِي الْمُحكم لنَفسِهِ) وَهُوَ مَا لَا يحْتَمل النّسخ لَا فِي زَمَانه وَلَا فِي غَيره: كالآيات الدَّالَّة على وجود الصَّانِع ووحدانيته وَسَائِر صِفَاته، وعَلى الْأَخْبَار عَمَّا كَانَ أَو سَيكون عِنْد الْجُمْهُور لِامْتِنَاع التَّغَيُّر فِي مدلولاتها وَلُزُوم الْكَذِب (وَالْكل) من الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة وَغَيرهَا من السمعيات (بعده) ﷺ (مُحكم لغيره) وَهُوَ انْقِطَاع الْوَحْي فَإِن قلت قَوْله الْكل يَشْمَل الْمُحكم لنَفسِهِ أَيْضا قلت فليشمل، غَايَة الْأَمر لُزُوم كَونه محكما لنَفسِهِ وَغَيره (يلْزمه) أَي لفظ الْمُحكم عِنْد إِطْلَاقه على الْمُحكم لغيره أَو يلْزم الْمُحكم لغيره عِنْد إِطْلَاق لفظ الْمُحكم عَلَيْهِ (التَّقْيِيد) بِقَيْد لغيره (عرفا) أصوليا تمييزا بَين الصِّنْفَيْنِ فِي اللَّفْظ بعد اشتراكهما فِي الْمَعْنى اللّغَوِيّ: وَهُوَ الإتقان والإحكام الْمنَافِي للتغيير والتبديل وَإِنَّمَا لزم التَّقْيِيد فِي الثَّانِي، لِأَن الأول أكمل فِي معنى الإحكام فَيَنْصَرِف الْمُطلق إِلَيْهِ، ثمَّ قبل زِيَادَة الوضوح فِي النَّص على الظَّاهِر بِكَوْنِهِ مسوقا لَهُ، وَفِي الْمُفَسّر بِكَوْنِهِ لَا يحْتَمل التَّأْوِيل والتخصيص، وَأما فِي الْمُحكم فَغير ظَاهر، لِأَن عدم احْتِمَال النّسخ لَا يُؤثر فِي زِيَادَة الوضوح فِي النَّص على الظَّاهِر بِكَوْنِهِ، وَأجِيب بِأَن المُرَاد بِزِيَادَة الوضوح فِيهِ لازمها وَهُوَ زِيَادَة الْقُوَّة، ثمَّ إِذا كَانَت الْأَقْسَام متمايزة بقيود متباينة (فَهِيَ متباينة) هَذَا على مَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد الْمُتَأَخِّرين، فَيشْتَرط فِي الظَّاهِر عدم السُّوق، وَفِي النَّص احْتِمَال التَّخْصِيص والتأويل: أَي أَحدهمَا، وَفِي الْمُفَسّر احْتِمَال النّسخ، وَأما مُقْتَضى كَلَام الْمُتَقَدِّمين فَهُوَ أَن الْمُعْتَبر فِي الظَّاهِر ظُهُور المُرَاد سَوَاء سيق لَهُ أَولا، وَفِي النَّص السُّوق احْتمل أَولا، وَفِي الْمُفَسّر عدم احتمالهما احْتمل النّسخ أَولا على مَا سَيَجِيءُ (وَلَا يمْتَنع الِاجْتِمَاع) أَي اجْتِمَاع قسمَيْنِ مِنْهَا فَأكْثر (فِي لفظ) وَاحِد (بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا سيق إِلَيْهِ وَعَدَمه) عطف على الْمَوْصُول وَالضَّمِير لَهُ، فَالْمُرَاد بِعَدَمِهِ مَا لم يسق لَهُ من بَاب ذكر اللَّازِم وَإِرَادَة الْمَلْزُوم مَعَ ظُهُور الْقَرِينَة، وَيجوز أَن يكون عَدمه على صِيغَة الْمَاضِي، من
стр. 138
قَوْلهم عَدمه إِذا لم يجده، فَيكون مَعْطُوفًا على صلَة الْمَوْصُول، وَالضَّمِير للسوق فَتدبر وَلَا تدافع بَين إِمْكَان الِاجْتِمَاع وَلُزُوم التباين بَين الْأَقْسَام، لِأَن ذَلِك بِاعْتِبَار الْمَعْنى الْوَاحِد، وَهَذَا بِاعْتِبَار الْمَعْنيين (كَمَا تفيده الْمثل، ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ بدل الْبَعْض من الْمثل بِغَيْر عَائِد إِلَى الْمُبدل للْعلم الْوَاضِح ببعضيته مِنْهَا (ظَاهر) أَي النَّص الْمَذْكُور ظَاهر (فِي الْإِبَاحَة وَالتَّحْرِيم إِذا لم يسق لذَلِك) أَي الْإِبَاحَة وَالتَّحْرِيم (نَص) خبر بعد خبر (بِاعْتِبَار) معنى مَفْهُوم مِنْهُ (خَارج) عَن منطوقه (هُوَ) أَي ذَلِك الْخَارِج (رد تسويتهم) المفهومة من قَوْلهم إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا، فَمَا وضع لَهُ اللَّفْظ غير مسوق لَهُ ولازمه الْمَدْلُول التزاما هُوَ المسوق لَهُ ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم﴾ الْآيَة) أَي مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع (ظَاهر فِي الْحل) أَي فِي حل أصل النِّكَاح، لِأَن الْأَمر للْإِبَاحَة (نَص بِاعْتِبَار) معنى (خَارج) عَن الْمُسَمّى (هُوَ قصره) أَي النِّكَاح أَو التناكح (على الْعدَد) الْمَذْكُور (إِذْ السُّوق لَهُ) أَي الْعدَد أَو الْقصر عَلَيْهِ، إِذْ الْحل قد كَانَ مَعْلُوما قبل نُزُولهَا، يُؤَيّد ذَلِك ذكره بعد خوف الْجور، وَترك الْعدْل فِي الْيَتَامَى الْمَدْلُول بقوله تَعَالَى - ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى﴾ -، فَكَأَنَّهُ يَقُول: اتْرُكُوا زواج الْيَتَامَى عِنْد خوف ذَلِك، فَإِن لكم سَعَة فِي غَيْرهنَّ إِلَى هَذَا الْحَد (فيجتمعان) أَي القسمان كَالظَّاهِرِ، وَالنَّص (دلَالَة) تَمْيِيز عَن نِسْبَة الْفِعْل إِلَى فَاعله، يَعْنِي اجْتِمَاع الدلالتين كَيفَ، وَإِلَّا فالدال وَاحِد لَا يتَصَوَّر فِيهِ الِاجْتِمَاع إِلَّا باعتبارها (ثمَّ الْقَرِينَة تعين المُرَاد بِالسوقِ) فَلَا يشْتَبه على الْمُخَاطب بِسَبَب اجْتِمَاع الدلالتين (وَهُوَ) أَي المُرَاد بِالسوقِ الْمَدْلُول (الالتزامي) فِيمَا تقدم من المثالين (فيراد) الْمَعْنى (الآخر) الَّذِي هُوَ ملزوم ذَلِك الالتزامي معنى (حَقِيقِيًّا) للفظ لكَونه مُسَمَّاهُ (لَا) يُرَاد معنى (أَصْلِيًّا) مَقْصُودا بِالسوقِ (أَعنِي) بِالْآخرِ الْحَقِيقِيّ الْمَعْنى (الظَّاهِرِيّ، وَيصير الْمَعْنى النصي مدلولا التزاميا لمجموع الظاهرين) فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ -، فَعلم أَن النَّص قد يكون مركبا من جملتين، فَلَا يَنْبَغِي تَقْيِيد الْمقسم بالأفراد (وَمِثَال انْفِرَاد النَّص) عَن الظَّاهِر قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم﴾ لكَون مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ هُوَ المسوق لَهُ واحتماله التَّخْصِيص بِمَا عدا الصّبيان والمجانين (وكل لفظ سيق لمفهومه) الْحَقِيقِيّ الْمُحْتَمل للتخصيص أَو التَّأْوِيل الظَّاهِر مُرَاده بِمُجَرَّدِهِ مَعْطُوف على خبر الْمُبْتَدَأ، أَعنِي يَا أَيهَا النَّاس إِلَى آخِره و (أما الظَّاهِر فَلَا ينْفَرد) عَن النَّص (إِذْ لَا بُد) فِي كل أَمر تحقق فِيهِ ظَاهر (من أَن يساق اللَّفْظ لغَرَض) وَيمْتَنع خلو الْكَلَام عَن مَقْصُود أُصَلِّي يساق لَهُ، فَإِن كَانَ مُسَمَّاهُ لم يكن هُنَاكَ غير النَّص، وَإِن كَانَ غَيره لم ينْفَرد الظَّاهِر عَنهُ (ومثلوا) أَي الْمُتَأَخّرُونَ (الْمُفَسّر كالمتقدمين) أَي كَمَا مثل المتقدمون بقوله تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة﴾ الْآيَة، ويلزمهم) أَي
стр. 139
الْمُتَأَخِّرين على مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من اعْتِبَار التباين بَين الْأَقْسَام، وَاحْتِمَال النّسخ فِي الْمُفَسّر (أَن لَا يَصح) تمثيلهم هَذَا (لعدم احْتِمَال النّسخ) لكَونه من الْأَخْبَار (وثبوته) أَي احْتِمَال النّسخ (مُعْتَبر) فِي الْمُفَسّر (للتباين) الْمُعْتَبر بَين الْأَقْسَام على رَأْيهمْ (فَإِنَّمَا يتَصَوَّر الْمُفَسّر) أَي تحَققه بعد احْتِمَال النّسخ فِيهِ (فِي مُفِيد حكم) أَي فِي لفظ يُفِيد حكما شَرْعِيًّا ليمكن نسخه (بِخِلَاف الْمُحكم) فَإِنَّهُ يتَحَقَّق فِي الْأَخْبَار أَيْضا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾، لِأَنَّهُ) أَي شَرط الْمُحكم بِتَقْدِير الْمُضَاف (نَفْيه) أَي نفي الِاحْتِمَال النّسخ، وَالنَّفْي مُتَحَقق فِي الْأَخْبَار (وَالْأولَى) أَن يذكر فِي تَمْثِيل الْمُحكم (نَحْو) قَوْله ﷺ (الْجِهَاد مَاض) مُنْذُ بَعَثَنِي الله إِلَى أَن يُقَاتل آخر أمتِي الدَّجَّال لَا يُبطلهُ جور جَائِر، وَلَا عدل عَادل: مُخْتَصر من حَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد، وَجه الْأَوْلَوِيَّة أَن قصد الأصولي بِالذَّاتِ نَحْو بَيَان أَنْوَاع مَا يدل على الحكم الشَّرْعِيّ. (و) قَالَ (المتقدمون) من الْحَنَفِيَّة (الْمُعْتَبر فِي الظَّاهِر ظُهُور) الْمَعْنى (الوضعي بِمُجَرَّدِهِ) أَي بِمُجَرَّد اللَّفْظ الدَّال عَلَيْهِ، وَقد مر بَيَانه (سيق لَهُ أَولا) أَي سَوَاء سيق اللَّفْظ لذَلِك الوضعي أَولا (و) الْمُعْتَبر (فِي النَّص ذَلِك) أَي الظُّهُور المتحقق فِي ضمن السُّوق وَعَدَمه (مَعَ ظُهُور مَا سيق لَهُ) إِذا كَانَ مَا سيق لَهُ غير مَعْنَاهُ الوضعي كآية الرِّبَا، وَعدد النِّسَاء (احْتمل التَّخْصِيص والتأويل أَولا، وَفِي الْمُفَسّر) الْمُعْتَبر (عدم الِاحْتِمَال) لَهما مَعَ ظُهُور مَعْنَاهُ الوضعي والمسوق لَهُ سَوَاء (احْتمل النّسخ أَولا و) الْمُعْتَبر (فِي الْمُحكم عَدمه) أَي احْتِمَال النّسخ مَعَ ظُهُور مَا ذكر، وَعدم احْتِمَال التَّخْصِيص (فَهِيَ) أَي الْأَقْسَام (متداخلة) لكَون الأول يعم الثَّلَاثَة الْبَاقِيَة، وَالثَّانِي الباقيين، وَالثَّالِث وَالرَّابِع (وَقَول فَخر الْإِسْلَام فِي الْمُفَسّر إِلَّا أَنه يحْتَمل النّسخ سَنَد للمتأخرين فِي اعتبارهم (التباين) بَينهمَا، لِأَنَّهُ لَا وَجه لاعْتِبَار التباين بَين الْمُفَسّر والمحكم دون غَيرهمَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ لَا فصل بَين الْأَقْسَام) فِي اعْتِبَار التباين وَعَدَمه (وَبِه) أَي بقول فَخر الْإِسْلَام هَذَا (يبعد نفي) اعْتِبَار (التباين) بَين الْأَقْسَام (عَن كل الْمُتَقَدِّمين) لِأَن الظَّاهِر عدم مُخَالفَته كلهم (وَلعدم) اعْتِبَار (التباين) بَينهَا (مثلُوا) أَي المتقدمون (الظَّاهِر) أَي صوروه بقوله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا﴾، الزَّانِي) بِحَذْف العاطف أَو بسردهما على طَرِيق التعداد، وَيُؤَيّد الأول ذكره العاطف فِي قَوْله (وَالسَّارِق وبالأمر) بِإِظْهَار الْبَاء فِي الْمُقدر فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِشَارَة إِلَى كَون الْأَمر (وَالنَّهْي) بِاعْتِبَار كثرتهما متميزين عَن الْأَمْثِلَة الْمَذْكُورَة (مَعَ ظهورما) أَي معنى (سيق لَهُ) كل وَاحِد من الْمَذْكُورَات: أَي مثلُوا بهَا مَعَ علمهمْ بِكَوْنِهَا نصوصا بِاعْتِبَار مَعَانِيهَا الظَّاهِرِيَّة لكَونهَا مسوقا لَهَا، فَعلم أَن الْمُعْتَبر فِي الظَّاهِر عِنْدهم ظُهُور الْمَعْنى سَوَاء كَانَ مسوقا لَهُ أَولا، فَالظَّاهِر أَعم من النَّص لَا مباين لَهُ
стр. 140
(وَاقْتصر بَعضهم) أَي الْمُتَقَدِّمين (فِي) تَمْثِيل (النَّص) على إِبَاحَة الْعدَد (على) ذكر (مثنى إِلَى رباع) وَلم يذكر - فانكحوا إِلَى مثنى -، وَفِي تَمْثِيل النَّص على التَّفْرِقَة بَين البيع والربا على مَا ذكر حرم الرِّبَا ظنا مِنْهُ أَن النَّص إِنَّمَا هُوَ مثنى وَثَلَاث وَربَاع فِي الأول، (وَحرم الرِّبَا) فِي الثَّانِيَة (وَالْحق أَن كلا من انكحوا، وَاسم الْعدَد لَا يسْتَقلّ نصا إِلَّا بملاحظة الآخر) وَكَذَا كل من أحل الله البيع، وَمن حرم الرِّبَا لَا يسْتَقلّ نصا على التَّفْرِقَة إِلَّا بملاحظة الآخر (فالمجموع) هُوَ (النَّص) وَذَلِكَ لِأَن التَّنْصِيص على عدد معِين بِاعْتِبَار حكم خَاص لَا يحصل بِمُجَرَّد ذكر الْعدَد من غير ذكر الْمَعْدُود وَالْحكم، وَكَذَا التَّنْصِيص على الْفرق لَا يحصل إِلَّا بِمُجَرَّد حُرْمَة الرِّبَا بِدُونِ ذكر حل البيع. (و) قَالَت (الشَّافِعِيَّة الظَّاهِر مَا) أَي لفظ (لَهُ دلَالَة ظنية) ناشئة (عَن وضع) كالأسد للحيوان المفترس، وعَلى هَذَا فالنص مَا دلّ دلَالَة قَطْعِيَّة (أَو عرف) كالغائط للْخَارِج المستقذر إِذا غلب فِيهِ بعد أَن كَانَ فِي الأَصْل للمكان المطمئن من الأَرْض (وَإِن كَانَ) الدَّال الْمَذْكُور (مجَازًا بِاعْتِبَار اللُّغَة) يَعْنِي أَن لفظ الْغَائِط كَانَ فِي اللُّغَة مَوْضُوعا بِإِزَاءِ الْمَكَان المطمئن الَّذِي هُوَ مَحل عَادَة للْخَارِج المستقذر، وَبِاعْتِبَار هَذِه العلاقة كَانَ يسْتَعْمل فِيهِ مجَازًا، ثمَّ صَار لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال فِيهِ مَوْضُوعا عرفا، فَإِن اسْتعْمل فِيهِ بِاعْتِبَار الْوَضع الْعرفِيّ كَانَ حَقِيقَة، وَإِن بنى التخاطب فِيهِ على الْوَضع اللّغَوِيّ وَاسْتعْمل فِيهِ بِاعْتِبَار تِلْكَ العلاقة كَانَ مجَازًا لغويا، وَقَوله عَن الخ إِن كَانَ من تَمام الْحَد لزم خُرُوج الْمجَاز عَن التَّعْرِيف وَإِن كَانَ إِشَارَة إِلَى التَّقْسِيم بعد تَمام الْحَد لم يلْزم، غير أَن التَّقْسِيم حِينَئِذٍ لَا يكون حاصرا، (ويستلزم) كَونه ظَنِّي الدّلَالَة أَن يحْتَمل (احْتِمَالا مرجوحا) غير الْمَعْنى الظَّاهِرِيّ، وَإِلَّا لزم كَونه قَطْعِيّ الدّلَالَة على الْمَعْنى الظَّاهِرِيّ (وَهُوَ قسم من النَّص عِنْد الْحَنَفِيَّة) أَي الَّذِي هُوَ ظَاهر عِنْد الشَّافِعِيَّة قسم مِمَّا هُوَ نَص عِنْد الْحَنَفِيَّة، فالظرف مُتَعَلق بِمَا يُسْتَفَاد من قَوْله من النَّص، وَالْمعْنَى من الْمُسَمّى بِالنَّصِّ عِنْدهم، وَيجوز أَن يكون ظرفا لكَون الظَّاهِر قسما مِنْهُ، ومآلهما وَاحِد وَلما كَانَ يتَّجه هَهُنَا سُؤال، وَهُوَ أَن مَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ ظنا قد لَا يكون مسوقا لَهُ وَلَا ظَاهرا مِنْهُ بِمُجَرَّدِهِ، وهما معتبران فِي النَّص عِنْد الْحَنَفِيَّة مَعَ الدّلَالَة الظنية، فَكل نَص دَال ظنا من غير عكس، فالدال ظنا أَعم من النَّص، وَكَيف يكون الْأَعَمّ قسما من الْأَخَص؟ أَرَادَ تَقْيِيد الْأَعَمّ بِمَا يُسْتَفَاد من قَوْله (وَهُوَ) أَي مَاله دلَالَة ظنية (مَا) أَي لفظ (كَانَ سوقه لمفهومه) وَلَا شكّ أَن النَّص كَمَا يكون سوقه لمفهومه كَذَلِك يكون لغير مَفْهُومه كآية الرِّبَا وَالسَّرِقَة، وَالْجُمْلَة إِمَّا حَال عَن قَوْله هُوَ، أَو مستأنفة لبَيَان الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بالقسمية، وَهَذَا على رَأْي الْمُتَقَدِّمين، وَأما على رَأْي الْمُتَأَخِّرين فالنص اعْتبر فِيهِ احْتِمَال التَّخْصِيص والتأويل،
стр. 141
فَالظَّاهِر بعد التَّقْيِيد الْمَذْكُور يكون أَيْضا أخص مِنْهُ إِلَّا أَن مَادَّة الِافْتِرَاق حِينَئِذٍ تَنْحَصِر فِيمَا سيق لغير مَفْهُومه، بِخِلَاف الأول، فَإِن الْمُفَسّر والمحكم كَذَلِك فِي مَادَّة الِافْتِرَاق فَإِن قلت هَل يجوز إرجاع الْمَرْفُوع الثَّانِي إِلَى النَّص قلت لَا، لِأَنَّهُ يلْزم حِينَئِذٍ كَون الظَّاهِر على إِطْلَاقه قسما من النَّص لعدم مَا يُقَيِّدهُ، مَعَ أَنه مضى تَفْسِيره قَرِيبا، وَلَا يحْتَاج إِلَى التَّفْسِير ثَانِيًا، وَلَيْسَ من دأب المُصَنّف مثل هَذَا التّكْرَار ثمَّ لما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة أَن يُقَال كَيفَ يكون ظَاهر الشَّافِعِيَّة قسما من نَص الْحَنَفِيَّة مَعَ تصريحهم بقطعية دلَالَة النَّص أَفَادَ أَن لَا مُنَافَاة بَينهمَا بقوله (وَإِن اخْتلفُوا) أَي الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة (فِي قَطْعِيَّة دلَالَته) أَي النَّص (وظنيتها) أَي دلَالَته، ثمَّ أَفَادَ وَجه التَّوْفِيق بقوله (وَالْوَجْه أَنه) أَي الْخلاف والنزاع الْمَذْكُور (لَفْظِي) أَي مَنْسُوب إِلَى اللَّفْظ بِاعْتِبَار مَا يُوهم ظَاهره، وَلَا خلاف فِي الْمَعْنى لعدم اتِّحَاد مورد الْقطع وَالظَّن (فالقطعية) الَّتِي ذكرهَا الْحَنَفِيَّة (للدلالة) أَي لدلَالَة هَذَا الْقسم من النَّص على مَعْنَاهُ (والظنية) الَّتِي ذكرهَا الشَّافِعِيَّة (بِاعْتِبَار الْإِرَادَة) وَأَيْنَ الدّلَالَة من الْإِرَادَة؟ فَإِن دلَالَة اللَّفْظ الْمَوْضُوع على مَعْنَاهُ بعد الْعلم بِالْوَضْعِ لَا تنفك عَنهُ قطعا، بِخِلَاف إِرَادَة مَا وضع لَهُ، فَإِنَّهُ قد يصرف عَنهُ الْقَرِينَة الصارفة إِلَى مَا تعينه الْمعينَة (فَلَا اخْتِلَاف) فِي الْمَعْنى هَذَا، وَيرد عَلَيْهِ أَن القطعية بِاعْتِبَار الدّلَالَة لَا تخص النَّص، بل الظَّاهِر أَيْضا دلَالَة قَطْعِيَّة بالتأويل الْمَذْكُور، وَالِاحْتِمَال بِاعْتِبَار الْإِرَادَة فَتدبر (واستمروا) أَي الشَّافِعِيَّة (على إِيرَاد المؤول قرينا لَهُ) أَي الظَّاهِر، (فَيُقَال الظَّاهِر، والمؤول كالخاص وَالْعَام) أَي كَمَا اسْتمرّ الأصوليون على إِيرَاد الْعَام قرينا للخاص (لإِفَادَة الْمُقَابلَة) بَين الظَّاهِر والمؤول (فَيلْزم فِي الظَّاهِر عدم الصّرْف) أَي لما جعلُوا الظَّاهِر مُقَابلا للمؤول لزم أَن يعْتَبر فِي مَفْهُوم الظَّاهِر عدم الصّرْف عَن مَعْنَاهُ الظَّاهِر تَحْقِيقا للمقابلة، فَإِن الصّرْف عَن الظَّاهِر مُعْتَبر فِي مَفْهُوم المؤول (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَبر عدم الصّرْف فِي الظَّاهِر (اجْتمعَا) أَي الظَّاهِر والمؤول فِي لفظ وَاحِد، والمتقابلان لَا يَجْتَمِعَانِ، بَيَان الْمُلَازمَة مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (إِذْ المصروف) أَي اللَّفْظ الَّذِي صرف عَن مَعْنَاهُ الَّذِي دلَالَته عَلَيْهِ ظنية إِلَى معنى يحْتَملهُ احْتِمَالا مرجوحا لدَلِيل يَقْتَضِيهِ (لَا تسْقط دلَالَته على) الْمَعْنى (الرَّاجِح) يَعْنِي أَن دلَالَته عَلَيْهِ بعد الصّرْف لم تَتَغَيَّر عَن حَالهَا، لِأَن الصّرْف بِاعْتِبَار الْإِرَادَة فَقَط كَمَا عرفت، وَأما الدّلَالَة وَفهم الْمَعْنى فَلَا يتَصَوَّر أَن يصرف عَنْهَا بعد الْعلم بِالْوَضْعِ (فَيكون) اللَّفْظ المصروف عَن الظَّاهِر (بِاعْتِبَارِهِ) أَي كَونه دَالا على الرَّاجِح (ظَاهرا) لصدق تَعْرِيفه عَلَيْهِ، لَان الْمَفْرُوض عدم اعْتِبَار مَا يحصل بِهِ التقابل فِي الْمَفْهُوم (وَبِاعْتِبَار الحكم بِإِرَادَة) الْمَعْنى (الْمَرْجُوح) الَّذِي يحْتَملهُ احْتِمَالا مرجوحا (مؤوّلا)، وَلَا يعلم أَنه لَا يحصل التباين بَين الْقسمَيْنِ إِلَّا بِاعْتِبَار الصّرْف وجودا وعدما
стр. 142
فِي مفهومهما فَإِن قلت قد سبق أَن ظنية دلَالَة الظَّاهِر عِنْد الشَّافِعِيَّة الْإِرَادَة والمصروف تسْقط دلَالَته على الرَّاجِح من حَيْثُ أَنه مُرَاد قلت المصروف من حَيْثُ ذَاته من غير أَن يُلَاحظ مَعَه الصَّارِف يدل دلَالَة ظنية على أَن الرَّاجِح مُرَاد مِنْهُ، وَمُرَاد المُصَنّف صدق التَّعْرِيف بِهَذَا الِاعْتِبَار، لَا مَعَ مُلَاحظَة الصَّارِف فَإِن قيل لَا بَأْس باجتماع المتقابلين باعتبارين وَإِنَّمَا الْمَحْذُور اجْتِمَاعهمَا بِاعْتِبَار وَاحِد قلت هَذَا إِذا كَانَ التَّقْسِيم اعتباريا، وَأما إِذا كَانَ حَقِيقِيًّا فَلَا بُد أَن لَا يجتمعا أصلا، وَالْأَصْل فِي التَّقْسِيم أَن يكون حَقِيقِيًّا، كَيفَ والتباين بَين أَحْكَام الْأَقْسَام يستدعى التباين بَينهَا؟ نعم تَارَة تَسْتَلْزِم ذَلِك عِنْد الضَّرُورَة كَمَا لزم الْمصير إِلَيْهِ بَين الْأَقْسَام الْمَذْكُورَة على رَأْي الْمُتَقَدِّمين (وَتقدم المؤول عِنْد الْحَنَفِيَّة) وَهُوَ مَا بَين بظني بِمَا فِيهِ خَفَاء على مَا مر قَرِيبا (وَلَا يُنكر إِطْلَاقه) أَي المؤول (على) اللَّفْظ (المصروف) عَن ظَاهره (أَيْضا أحد) فَاعل لَا يُنكر، فالمؤول لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا مَخْصُوص بالحنفية، وَالْآخر مُشْتَرك بَينهم وَبَين غَيرهم. وَقَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ: إِن التَّأْوِيل احْتِمَال يعضده دَلِيل يصير بِهِ أغلب على الظَّن من الْمَعْنى الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الظَّاهِر، وَفِيه مُسَامَحَة لِأَن التَّأْوِيل إِنَّمَا هُوَ الْحمل على الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح، لَا نَفسه فَإِنَّهُ شَرطه، إِذْ لَا يَصح حمل اللَّفْظ على مَا لَا يحْتَملهُ، وَيرد على عَكسه التَّأْوِيل الْمَقْطُوع بِهِ، وَيُمكن دَفعه بِأَنَّهُ اكْتفى بِذكر الْأَدْنَى، فَيعلم الْأَعْلَى بِالطَّرِيقِ الأولى إِلَّا أَنه ذكر الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ أَن التَّأْوِيل ظن بالمراد، وَالتَّفْسِير قطع بِهِ، ثمَّ هَذَا هُوَ التَّأْوِيل الصَّحِيح، وَأما التَّأْوِيل الْفَاسِد فَهُوَ حمله على الْمَرْجُوح بِلَا دَلِيل، أَو بِدَلِيل مَرْجُوح، أَو مسَاوٍ (وَالنَّص) عِنْد الشَّافِعِيَّة مَا دلّ على معنى (بِلَا احْتِمَال) لغيره، وَلذَا فسروه بِمَا دلّ دلَالَة قَطْعِيَّة، فَإِن عدم احْتِمَال الْغَيْر يستدعى الْقطع فَهُوَ (كالمفسر عِنْد الْحَنَفِيَّة) فِي عدم احْتِمَال معنى آخر، لَا من كل وَجه فَلَا يرد أَن ظُهُور الْمَعْنى والسوق لَهُ مُعْتَبر فِيهِ عِنْد الْحَنَفِيَّة، وَالشَّافِعِيَّة لم يعتبروا ذَلِك فِي النَّص (لَا النَّص) عِنْدهم (فَإِنَّهُ) أَي النَّص عِنْدهم (يحْتَمل الْمجَاز باتفاقهم) أَي الْحَنَفِيَّة، ويخرجه الِاحْتِمَال عَن كَونه قَطْعِيّ الدّلَالَة (وَعلمت) من قَوْلنَا: القطعية للدلالة، والظنية بِاعْتِبَار الْإِرَادَة (أَنه) أَي احْتِمَال الْمجَاز (لَا يُنَافِي القَوْل بقطعيته) أَي بقطعية النَّص بِاعْتِبَار الدّلَالَة (وَقد يفسرون) أَي الشَّافِعِيَّة (الظَّاهِر بِمَا لَهُ دلَالَة وَاضِحَة، فالنص قسم مِنْهُ عِنْدهم) أَي الظَّاهِر حِينَئِذٍ. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ لِأَن الدّلَالَة الْوَاضِحَة أَعم من الظنية والقطعية انْتهى، فَيتَّجه أَنه يجوز عدم وضوح الْمَعْنى المُرَاد قطعا، فَكيف بأخصية النَّص مُطلقًا، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ مُجَرّد احْتِمَال فَلَا يصلح للنقض فَتَأمل (والمحكم) عِنْدهم (أَعم يصدق على كل مِنْهُمَا) أَي الظَّاهِر، وَالنَّص (وَلَا يُنَافِي التَّأْوِيل أَيْضا فَهُوَ) أَي الْمُحكم (عِنْدهم) أَي الشَّافِعِيَّة
стр. 143
(مَا استقام نظمه للإفادة وَلَو بِتَأْوِيل) فَإِن المؤول بالتأويل الصَّحِيح قد استقام نظمه للإفادة. وَقَالَ القَاضِي عضد الدّين: الْمُحكم هُوَ المتضح الْمَعْنى سَوَاء كَانَ نصا أَو ظَاهرا، والمتشابه غير المتضح الْمَعْنى، وَمِنْهُم من قَالَ الْمُحكم: مَا استقام نظمه للإفادة وَهُوَ حق، لَكِن مَا يُقَابله من الْمُتَشَابه يكون مَا احْتمل نظمه لعدم الإفادة. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَالظَّاهِر أَن القَوْل باخْتلَاف نظم الْقُرْآن مِمَّا لَا يصدر عَن الْمُسلم، بل الْمُقَابل مَا استقام نظمه لَا للإفادة، فَيكون الْمُحكم مَا انتظم وترتب للإفادة: إِمَّا من غير تَأْوِيل أَو مَعَ التَّأْوِيل، والمتشابه: مَا انتظم وترتب لَا للإفادة، بل للابتلاء وَالْمرَاد بالنظم: اللَّفْظ كَمَا فِي التَّلْوِيح (وَالْحَنَفِيَّة أوعب وضعا للحالات) من قَوْلهم: وعبه، وأوعبه، واستوعبه: أَخذه أجمع، وَقَوله وضعا تَمْيِيز عَن نِسْبَة أوعب إِلَى ضمير الْحَنَفِيَّة، وَقَوله للحالات صلَة الْوَضع، فَالْمَعْنى وضعهم الْأَلْفَاظ الاصطلاحية بِإِزَاءِ الْمعَانِي الْحَاصِلَة من تنوع أَحْوَال الْأَدِلَّة أوعب، وأشمل من وضع الشَّافِعِيَّة لَهَا: نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: وَلذَا كَانَ ê أَقسَام مَا ظهر مَعْنَاهُ أَرْبَعَة متباينة عِنْد الْمُتَأَخِّرين، وَعند الشَّافِعِيَّة لَيْسَ فِي الْخَارِج إِلَّا قِسْمَانِ، لِأَن الْمُحكم أَعم من الظَّاهِر وَالنَّص، وَلَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي ضمن أَحدهمَا وَالْمرَاد من الْحَالَات حَالَة احْتِمَال غير الوضعي، وَحَالَة سوقه لشَيْء من مَفْهُومه أَو غَيره، وَحَالَة عدم سوقه لمفهومه، وَحَالَة عدم احْتِمَال النّسخ واحتماله انْتهى (وَمَوْضِع الِاشْتِقَاق يرجح قَوْلهم فِي الْمُحكم) أَي رِعَايَة الْمُنَاسبَة بَين مَا اشتق مِنْهُ الْأَسَامِي الْمَذْكُورَة ومسمياتها يرجح قَول الْحَنَفِيَّة فِي الْمُحكم، وَقَوله فِي الْمُحكم إِمَّا مُتَعَلق بقَوْلهمْ، وَهُوَ الْأَقْرَب، أَو يرجح، أَو بِمَحْذُوف هُوَ صفة الْمُبْتَدَأ، وَذَلِكَ لِأَن مَا لَا يحْتَمل تَخْصِيصًا وَلَا تَأْوِيلا وَلَا نسخا كَأَن الْأَحْكَام فِيهِ أتم وأكمل، بِخِلَاف مَا يحْتَمل شَيْئا مِنْهَا.
بَقِي أَن المُصَنّف لم يذكر لَهُم الْمُفَسّر، وَفِي الْمَحْصُول أَن لَهُ مَعْنيين: أَحدهمَا مَا احْتَاجَ إِلَى التَّفْسِير، وَقد ورد تَفْسِيره، وَثَانِيهمَا الْكَلَام الْمُبْتَدَأ المستغنى عَن التَّفْسِير لوضوحه انْتهى وَالظَّاهِر أَن المُصَنّف لم يلْتَفت إِلَيْهِ لعدم شهرته عِنْدهم، على أَنه لَا حَاجَة فِيهِ إِلَى ارْتِكَاب اصْطِلَاح مِنْهُم، بل اللُّغَة كَافِيَة فِيهِ.
(تَنْبِيه) على تَفْصِيل للتأويل (وقسموا) أَي الشَّافِعِيَّة (التَّأْوِيل إِلَى قريب) من الْفَهم (وبعيد) عَنهُ (ومتعذر) فهمه (غير مَقْبُول) عِنْد الْأُصُولِيِّينَ (قَالُوا) أَي الشَّافِعِيَّة (وَهُوَ) أَي المعتذر (مَا لَا يحْتَملهُ اللَّفْظ) لعدم وَضعه لَهُ، وَعدم العلاقة بَينه وَبَين مَا وضع لَهُ (وَلَا يخفى أَنه) أَي مَا لَا يحْتَملهُ اللَّفْظ (لَيْسَ من أقسامه) أَي التَّأْوِيل (وَهُوَ) أَي التَّأْوِيل مُطلقًا (حمل الظَّاهِر على الْمُحْتَمل الْمَرْجُوح) على مَا مر فَلَا بُد من الِاحْتِمَال وَلَو مرجوحا (إِلَّا
стр. 144
أَن يعرف) التَّأْوِيل (بِصَرْف اللَّفْظ عَن ظَاهره فَقَط) من غير اعْتِبَار حمله على الْمُحْتَمل فَيصدق عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، ثمَّ أَنهم قَالُوا حمل الظَّاهِر، لِأَن النَّص لَا يحْتَمل التَّأْوِيل عِنْدهم، وَتَعْيِين أحد مدلولي الْمُشْتَرك لَا يُسمى تَأْوِيلا، وَقيد بالمجروح لِأَن مَا يحمل على الرَّاجِح ظَاهر (ثمَّ ذكرُوا من الْبَعِيدَة تأويلات) وَاقعَة (للحنفية) مِنْهَا قَوْلهم (فِي قَوْله ﷺ لغيلان ابْن سَلمَة الثَّقَفِيّ وَقد أسلم) حَال كَونه (على عشر) من النِّسَاء على مَا كَانُوا عَلَيْهِ من عَادَة الْجَاهِلِيَّة (أمسك أَرْبعا، وَفَارق سائرهن) مقول قَوْله ﷺ ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم (أَي ابتدئ نِكَاح أَربع، أَو أمسك الْأَرْبَع الأول) مقول قَوْلهم فِي مقَام التَّأْوِيل تَفْسِيرا لقَوْله ﷺ " أمسك إِلَى آخِره " فسروا الْإِمْسَاك بِالْأَمر بابتداء نِكَاح أَربع مِنْهُنَّ على تَقْدِير علمه بِأَنَّهُ تزوجهن بِعقد وَاحِد لفساد نِكَاح الْكل حِينَئِذٍ بِقَرِينَة أَن إمساكهن لَا يجوز بِدُونِهِ، فَإِن الْأَمر بِمَا يتَوَقَّف جَوَازه على شَيْء أَمر بذلك الشَّيْء أَو بإمساك الْأَرْبَع الأول على تَقْدِير علمه بِأَنَّهُ تزوجهن بعقود مُتَفَرِّقَة، لِأَن الْفساد حِينَئِذٍ فِيمَا بعد الْأَرْبَع (فَإِنَّهُ يبعد أَن يُخَاطب بِمثلِهِ) أَي بِمثل هَذَا الْكَلَام المصروف عَن ظَاهره إِلَى مَا يتَوَقَّف فهمه على معرفَة الشرعيات مُخَاطب (متجدد) دُخُوله (فِي الْإِسْلَام بِلَا بَيَان) لما أُرِيد بِهِ، فَإِن الظَّاهِر من الْأَمر بالإمساك اسْتِدَامَة أَربع مِنْهُنَّ: أَي أَربع شَاءَ مَعَ عدم الْقَرِينَة الصارفة عَن الظَّاهِر، لِأَن الْمَفْرُوض عدم معرفَة الْمُخَاطب الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة، فَقَوله فَإِنَّهُ إِلَى آخِره تَعْلِيل لبعد التَّأْوِيل، وَقيل فِي تأييد الْبعد مَعَ أَنه لم ينْقل تَجْدِيد فَقَط، لَا مِنْهُ وَلَا من غَيره أصلا مَعَ كَثْرَة إِسْلَام الْكَفَرَة المتزوجين (و) مِنْهَا قَوْلهم فِي (قَوْله) ﷺ (لفيروز الديلمي وَقد أسلم على أُخْتَيْنِ: أمسك أَيَّتهمَا شِئْت) حذف مقولهم لوضوحه: أَي ابتدئ نِكَاح من شِئْت مِنْهُمَا، بِنَاء على فرض علمه ﷺ بتزوجه إِيَّاهَا فِي عقد وَاحِد، لِأَنَّهُ لَو تزوجهما فِي عقدين لبطل نِكَاح الثَّانِيَة فَقَط وَتعين إمْسَاك الأولى. قَالَ الشَّارِح ثمَّ هَذَا اللَّفْظ وَإِن لم يحفظ فقد حفظ مَعْنَاهُ، وَهُوَ " اختر أَيَّتهمَا شِئْت " كَمَا هُوَ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ (أبعد) خبر مَحْذُوف: أَي هَذَا أبعد من الأول، وَذَلِكَ لما فِيهِ من تَفْسِير الْإِمْسَاك بابتداء النِّكَاح وَفرض أَنه تزوجهما فِي عقد وَاحِد، واطلاعه ﷺ على ذَلِك كَمَا فِي التَّأْوِيل الأول من نَحْو مَا ذكر على أحد تقديريه، وَمَا يحذو حذوه على الآخر، وَهُوَ إمْسَاك أَربع مُعينَة لفرض اطِّلَاعه ﷺ على أَنه تزوجهن فِي عُقُود مُتَفَرِّقَة مَعَ زِيَادَة شَيْء آخر هُنَا، وَهُوَ التَّصْرِيح بقوله " أَيَّتهمَا شِئْت " فَإِنَّهُ يدل على أَن التَّرْتِيب غير مُعْتَبر كَذَا ذكرُوا، وَفِيه نظر لِأَن التَّخْيِير الْمُسْتَفَاد من أَيَّتهمَا شِئْت إِذا كَانَ مَبْنِيا على اطِّلَاعه ﷺ على أَنه
стр. 145
تزوجهما فِي عقد وَاحِد لَا يدل على أَن التَّرْتِيب بَينهمَا فِي العقد غير مُعْتَبر فِي جَوَاز إمْسَاك إِحْدَاهمَا بِلَا تَجْدِيد عقد، وَإِنَّمَا كَانَ يدل عَلَيْهِ لَو لم يعلم بذلك، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَال حِينَئِذٍ تخييره فِي تعْيين إِحْدَاهمَا من غير أَن يسْأَل عَن التَّرْتِيب وَعَدَمه دَال على مَا ذكر، وَالْوَجْه أَن يُقَال إِن كَون الْأَمر بالإمساك مَبْنِيا على اطِّلَاعه ﷺ أَمر بعيد، وَلَا بُد من ارتكابه فِي الحَدِيث الثَّانِي، بِخِلَاف الأول لعدم التَّنْصِيص على تَعْمِيم مُتَعَلق التَّخْيِير فِيهِ، لِأَن قَوْله: أَرْبعا يصلح لِأَن يُرَاد بِهِ أَربع مُعينَة أَو غير مُعينَة، فَكَأَنَّهُ قيل لَهُ: إِن كنت عقدتهن فِي عقد وَاحِد فاختر أَي أَربع شِئْت، أَو فِي عُقُود فالأربع الأول لَا يُقَال كَيفَ يُخَاطب بِمثل هَذَا المتجدد فِي الْإِسْلَام، فَإِن هَذَا الاستبعاد مُشْتَرك بَين الْحَدِيثين، غير أَن الثَّانِي أبعد، لِأَنَّهُ لَا مخلص فِيهِ من فرض الِاطِّلَاع الْمَذْكُور، بِخِلَاف الأول (و) مِنْهَا (قَوْلهم فِي) قَوْله تَعَالَى ﴿فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ فِي كَفَّارَة الظِّهَار (إطْعَام طَعَام سِتِّينَ) مقول لَهُم فِي التَّأْوِيل وَحَاصِله حذف مَا أضيف إِلَيْهِ الْإِطْعَام، وَهُوَ الْمُضَاف إِلَى سِتِّينَ، لِأَن ٩ الْإِطْعَام إِذا أضيف إِلَى سِتِّينَ يلْزم اعْتِبَار الْعدَد الْمَخْصُوص، لِأَنَّهُ إِذا أعْطى لوَاحِد طَعَام سِتِّينَ لَا يَصح أَن يُقَال: أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا، بل يَصح أَن يُقَال: أطْعم طَعَام سِتِّينَ مِسْكينا فَإِن قلت كَمَا أَن إِضَافَة الْإِطْعَام إِلَى السِّتين تَسْتَلْزِم اعْتِبَار عدم تحقق الْعدَد كَذَلِك إِضَافَة الطَّعَام إِلَيْهَا يستلزمه، فَلَا يَصح إطْعَام طَعَام سِتِّينَ قلت يُرَاد بِطَعَام سِتِّينَ فِي عرف اللُّغَة مَا يكفيهم، والمدار على الْعرف، وَالْمرَاد بِالْإِطْعَامِ حِينَئِذٍ: الْإِعْطَاء وَالْمعْنَى: فكفارته إِعْطَاء هَذَا الْمِقْدَار من الطَّعَام، فَيجوز أَن يُعْطي لوَاحِد، والداعي إِلَى ارْتِكَاب خلاف الظَّاهِر أَن الْمَقْصُود دفع سِتِّينَ حَاجَة من حاجات الْمَسَاكِين (وحاجة وَاحِد فِي سِتِّينَ يَوْمًا حَاجَة سِتِّينَ) وَالْحمل فِيهِ إِمَّا كَقَوْلِهِم: زيد أَسد، وَالْمعْنَى كحاجة سِتِّينَ فِي حُصُول الْمَقْصُود وَالْعبْرَة بِهِ، وَإِمَّا بِدُونِ الْحَذف بِأَن يكون المُرَاد بحاجة سِتِّينَ مَا يكفيهم كَمَا قُلْنَا فِي طَعَام سِتِّينَ، وَهُوَ الْأَظْهر، وَذكر سِتِّينَ يَوْمًا لتجدد الْحَاجَات بتجدد الْأَيَّام (مَعَ إِمْكَان قَصده) أَي من الْبَعِيدَة قَوْلهم بِهَذَا التَّأْوِيل الملغي اعْتِبَار خُصُوص الْعدَد الْمَذْكُور مَعَ إِمْكَان مقصوديته للشارع (لفضل الْجَمَاعَة) تَعْلِيل للقصد، يَعْنِي إِذا أعْطى طَعَام السِّتين للستين أدْرك فَضِيلَة تطييب قُلُوب الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة (وبركتهم) أَي بركَة دُعَائِهِمْ (وتضافر قُلُوبهم) أَي تظافرها وتعاضدها (على الدُّعَاء لَهُ) أَي للمكفر (وَعُمُوم الِانْتِفَاع) وشموله للعدد الْمَذْكُور مَعْطُوف على فضل الْجَمَاعَة (دون الْخُصُوص) أَي دون خُصُوص الِانْتِفَاع بِأَن يعْطى وَاحِدًا طَعَام سِتِّينَ، وَيُمكن أَن يُرَاد بالخصوص مَا دون السِّتين، لِأَنَّهُ فِي مُقَابلَة الْعُمُوم بِمَعْنى الشُّمُول للستين (و) مِنْهَا (قَوْلهم فِي نَحْو فِي أَرْبَعِينَ شَاة شَاة) كَذَا فِي كتاب رَسُول الله
следующие страницы →