Полный текст (1 287 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
الْكل (وَيصدق) إِذا قَالَ هَذَا لَيْسَ مأخذي: أَي مَأْخَذ إمامي (لعدالته) وَكَونه أعرف بمذهبه أَو مَذْهَب إِمَامه، وَقيل: لَا يصدق إِلَّا بِبَيَان مَأْخَذ آخر لاحْتِمَال أَن يكون قَوْله على سَبِيل المعاندة. وَلَا يخفى أَن مثل هَذَا لَا يتَوَهَّم فِي حق الْعدْل الطَّالِب للصَّوَاب، فقد أبطل الْقَائِل بِالْمُوجبِ كَون التَّفَاوُت الْمَذْكُور مأخذا لَهُ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من عدم الْقصاص لتسليمه عدم مانعيته وإثباته مَانِعا آخر. (وَالثَّالِث) من أَقسَام القَوْل بِالْمُوجبِ (أَن يسكت) الْمُسْتَدلّ (عَن مُقَدّمَة) غير مَشْهُورَة (يظنّ الْعلم بهَا) أَي يظنّ أَن الْخصم يعلم تِلْكَ الْمُقدمَة فَلَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا (فَيسلم) الْمُعْتَرض (الْمَذْكُورَة) من الْمُقدمَات (و) قد (بَقِي النزاع فِي) الْمُقدمَة (المطوية) للظن الْمَذْكُور (نَحْو) قَول الْمُسْتَدلّ (مَا ثَبت) شرعا من فعل الْمُكَلف كَونه (قربَة) وَعبادَة (فشرطه النِّيَّة كَالصَّلَاةِ) فَإِن صِحَّتهَا مَشْرُوطَة بِالنِّيَّةِ (وطوى) ذكر قَوْله (وَالْوُضُوء قربَة فَيَقُول) الْمُعْتَرض مَا ذكرته من اشْتِرَاط النِّيَّة فِيمَا ثَبت قربَة (مُسلم، وَمن أَيْن يلْزم أَن الْوضُوء شَرطه النِّيَّة) وَلم يطو الصُّغْرَى لتعين الْمَنْع، وَهُوَ أَنه لَا نسلم أَن الْوضُوء ثَبت قربَة بِحَيْثُ لَا يَخْلُو عَن وصف الْقرْبَة، فَلَا يكون من القَوْل بِالْمُوجبِ (قَالُوا) أَي الجدليون (لَا بُد فِيهِ) أَي فِي القَوْل بِالْمُوجبِ (من انْقِطَاع أَحدهمَا) أَي المتناظرين (إِذْ) فِي الْقسم الأول (لَو بَينه) أَي الْمُعَلل مُرَاده بِحَيْثُ لَا يبْقى للخصم مجَال إِثْبَات حكم أثْبته ذَلِك الْمُعَلل. ثمَّ ادّعى أَن النزاع فِي غير (مَحل النزاع) بدل من الضَّمِير الْمَنْصُوب، وَيحْتَمل أَن يكون فِي الْكَلَام حذف وإيصال، وَالتَّقْدِير لَو بَين لَهُ: أَي للخصم مَحل النزاع (أَو ملزومه) أَي ملزوم مَحل النزاع، فَإِن بَيَان الْمَلْزُوم بَيَان اللَّازِم (أَو) بَين الْمُعْتَرض الْمُدعى بطلَان المأخذ فِي الْقسم الثَّانِي (أَنه) أَي مَا ظن أَنه مَأْخَذ الْمُعَلل (مأخذه) فِي نفس الْأَمر، يبْقى مأخذية مَا سواهُ بِالدَّلِيلِ (أَو) بَين الْمُعَلل فِي الْقسم الثَّالِث (كَيْفيَّة) الْمُقدمَة (المحذوفة) على وَجه ينْتج مَطْلُوبه (انْقَطع الْمُعْتَرض) الْقَائِل بِالْمُوجبِ جَوَاب لَو، يَعْنِي إِذا لم يكن لَهُ مجَال بحث آخر غير القَوْل بِالْمُوجبِ (وَإِلَّا) أَي أَي وَإِن لم يتَحَقَّق شَيْء مِمَّا ذكر من بَيَان مَحل النزاع والمأخذ والكيفية انْقَطع (الْمُسْتَدلّ) إِذْ قد ظهر عدم إفضاء دَلِيله إِلَى مَطْلُوبه (واستبعد) انْقِطَاع أَحدهمَا (فِي) الْقسم (الْأَخير) والمستبعد ابْن الْحَاجِب (إِذْ مُرَاد الْمُسْتَدلّ أَن الْمَتْرُوك) المطوي ذكره (كالمذكور) لظُهُوره (و) مُرَاد (الْمُعْتَرض أَن الْمَذْكُور وَحده لَا يُفِيد، فَإِذا ذكر) الْمُسْتَدلّ (أَنه) أَي الدَّلِيل (الْمَجْمُوع) من الْمَذْكُور والمسكوت (لَا الْمَذْكُور وَحده وَحذف الْمَعْلُوم شَائِع) كَانَ (لَهُ) أَي أَي للمعترض (الْمَنْع) أَي منع استلزام الْمَجْمُوع، أَو كَون ذَلِك المطوي حَقًا (وَاسْتمرّ الْبَحْث) فَإِن سلم انْقَطع (وَكَذَا لَا يخفى بعد قَوْلهم) أَي الجدليين بَيَان انْقِطَاع أَحدهمَا فِي الْقسم الثَّانِي
стр. 1157
لَو بَين الْمُسْتَدلّ (أَنه) أَي مَا ظن كَونه مأخذا للخصم (مأخذه) فِي نفس الْأَمر (بل يَقُول الْمُعْتَرض مأخذي غَيره) من غير تعْيين فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي اندفاع ذَلِك الْإِبْطَال، وَكَذَا يتَعَيَّن مأخذه فِيمَا ذهب إِلَيْهِ، ومتعلق الْجَار قَوْله انْقَطع الْمُسْتَدلّ إِن لم يكن لَهُ مجَال طعن فِيمَا بَين وَإِلَّا: أَي وَإِن لم يبين أَن مأخذه غَيره (أَو كَذَا انْقَطع) الْمُعْتَرض وَإِن لم يدْفع إبِْطَال الْمُسْتَدلّ لما ذكر، وَوجه الْبعد أَن الْمُعْتَرض لما ظن أَن مَأْخَذ الْمُسْتَدلّ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ كَذَا فأبطله تعين أَن يَقُول (الْمُسْتَدلّ) فِي دَفعه أَن مأخذي غَيره، أَو كَذَا أَن تيَسّر لَهُ، وَإِلَّا انْقَطع، هَذَا على مَا هُوَ الظَّاهِر، وَأما إِثْبَات الْمُسْتَدلّ أَنه لَا مَأْخَذ لَك سوى هَذَا وَهُوَ بَاطِل، فَلَا يخفى بعده لِأَنَّهُ أعرف بمأخذه، فَيَنْبَغِي أَن يُفَوض إِلَيْهِ بَيَان المأخذ، ثمَّ يظْهر وَجه اخْتِصَاص انْقِطَاع بعده لِأَنَّهُ أعرف بمأخذه، فَيَنْبَغِي أَن يُفَوض إِلَيْهِ بَيَان المأخذ، ثمَّ يظْهر وَجه اخْتِصَاص انْقِطَاع أحد المتناظرين بالْقَوْل بِالْمُوجبِ، بل يجْرِي فِي غَيره أَيْضا (وَظهر) من تَفْصِيل أَقسَام القَوْل بِالْمُوجبِ (أَن قَول الْحَنَفِيَّة أَنه) أَي القَوْل بِالْمُوجبِ (يلجئ أهل الطَّرْد) وَقد مر تَفْسِيره (إِلَى القَوْل بالتأثير) المستلزم عدم ثُبُوت الْعلية بِمُجَرَّد الطَّرْد (لِأَنَّهُ) أَي الْمُعْتَرض تَعْلِيل للإلجاء (لما سلم مُوجب علته) أَي الْمُسْتَدلّ لقَوْله بِمَا اقتضته علته كَعَدم مانعية الْقَتْل بالمثقل الْقصاص لعدم تَأْثِير التَّفَاوُت فِي الْوَسِيلَة (مَعَ بَقَاء الْخلاف) بَينهمَا فِي المسئلة (احْتَاجَ) أهل الطَّرْد (إِلَى معنى مُؤثر) فِي الحكم الْحَاصِل فِيمَا يدعى عليته (غير وَاقع) خبر أَن، وَمعنى عدم وُقُوع القَوْل عدم وُقُوع مقوله، وَهُوَ الإلجاء الْمَذْكُور، أَو القَوْل بِمَعْنى الْمَقُول. ثمَّ علل عدم الْوُقُوع بقوله (لِأَن غَايَة مَا يلْزمه) أَي الْمُعَلل (الْجَواب) عَن القَوْل بِالْمُوجبِ (بِمَا ذكرنَا) من بَيَان مَحل النزاع، أَو ملزومه أَو مأخذه أَو كَيْفيَّة الْمَحْذُوف (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَي مِمَّا ذكرنَا (ذَلِك) أَي القَوْل بالتأثير أَو الْمَعْنى الْمُؤثر وَالْحَاصِل أَنه لَا يلْزم الْمُعَلل إِلَّا مَا ذكرنَا، وَمَا قَالَه الْحَنَفِيَّة لَيْسَ مِنْهُ (وَبعد التَّمَكُّن من الْقيَاس) فَالْجَوَاب عَن الاستفسار والتقسيم على مَا عرفت (وتحرير مَحل النزاع يشرع) الْمُسْتَدلّ (فِيهِ) أَي الْقيَاس وَأول مقدماته حكم الأَصْل ثمَّ علته) أَي عِلّة حكم الأَصْل يرد (ثمَّ ثُبُوتهَا) أَي علته (فِي الْفَرْع مَعَ الشُّرُوط) الْمُعْتَبرَة فِي الْعلَّة وَالْحكم (الأول) أَي حكم الأَصْل يرد (عَلَيْهِ منع حكم الأَصْل) أَي منع ثُبُوتهَا مَا هُوَ حكم الأَصْل فِي ظن القائس فِي الأَصْل فِي نفس الْأَمر، كَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يَقُول عَلَيْهِ الْمَنْع من غير ذكر حكم الأَصْل، لِأَن إرجاع ضمير عَلَيْهِ إِلَيْهِ يُغني عَنهُ، لِأَن هَذَا الْمركب: أَعنِي منع حكم الأَصْل صَار كَالْعلمِ لهَذَا النَّوْع من الْمَنْع، وَلذَلِك منع وجود الْعلَّة وَمنع كَونه عِلّة، وَالْمَنْع أساس المناظرة، فَلَا يتَجَاوَز إِلَى غَيره إِلَّا بِسَبَب دَاع إِلَيْهِ، وَهل هُوَ قطع للمستدل، قيل نعم إِذْ الِاشْتِغَال بِإِثْبَات مَا منع انْتِقَال
стр. 1158
إِلَى حكم آخر مثل الأول. (وَالصَّحِيح) أَن مجرده (لَيْسَ قطعا) للمستدل (وَأَنه) أَي هَذَا الْمَنْع (يسمع إِلَّا أَن اصْطَلحُوا) أَي أهل بلد المناظرة على عده قطعا، أَو على صَوْم سَمَاعه كَمَا قَالَ الْغَزالِيّ، من أَنه يتبع عرف الْمَكَان واصطلاح أَهله، وَهَذَا أَمر وضعي لَا مدْخل لِلْعَقْلِ وَالشَّرْع فِيهِ، وَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح (وَهُوَ) أَي عدم سَمَاعه إِذا اصْطَلحُوا عَلَيْهِ (محمل) قَول (أبي إِسْحَق) الشِّيرَازِيّ على مَا ذكره ابْن الْحَاجِب من أَنه لَا يسمع هَذَا الْمَنْع من الْمُعْتَرض وَلَا يلْزم الْمُسْتَدلّ الدّلَالَة على ثُبُوت حكم الأَصْل فينتفى استبعاده بِأَن غَرَض الْمُسْتَدلّ إِقَامَة الْحجَّة على خَصمه وَلَا يقوم عَلَيْهِ مَعَ كَون أَصله مَمْنُوعًا، وَأَن قيام الدَّلِيل عَلَيْهِ جُزْء الدَّلِيل وَلَا يثبت الدَّلِيل إِلَّا بِثُبُوت جَمِيع أَجْزَائِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَيْسَ قطعا (لِأَنَّهُ) أَي هَذَا الْمَنْع (منع بعض مُقَدمَات دَلِيله) أَي الْمُسْتَدلّ، وكما لَا يكون منع غير هَذَا الْبَعْض قطعا فَكَذَا وَهَذَا (وَإِلَّا) لَو كَانَ قطعا (فَكل منع قطع) إِذْ لَو فرق بَين المنوع (وَكَونه) أَي الْمُسْتَدلّ (بِهِ) أَي بِهَذَا الْمَنْع (ينْتَقل إِلَى) حكم شَرْعِي هُوَ حكم الأَصْل (مثل الأول) وَهُوَ حكم الْفَرْع (لَا يضر إِذا توقف) الأول (عَلَيْهِ) أَي الْمُنْتَقل إِلَيْهِ سَوَاء (وَسعه) أَي إِثْبَات مَا منع (مجْلِس) وَاحِد (أَو مجَالِس) مُتعَدِّدَة كَمَا لَو منع علية الْعلَّة أَو وجودهَا (وَلَو تعارفه) أَي كَون هَذَا الْمَنْع قطعا (طَائِفَة أُخْرَى) غير طَائِفَة الْمُسْتَدلّ لَا يضرّهُ إِذْ (لم يلْزم الْمُسْتَدلّ عرفهم) إِذْ لم يلتزمه (ثمَّ لَا يَنْقَطِع الْمُعْتَرض بِإِقَامَة دَلِيله) أَي دَلِيل حكم الأَصْل من الْمُسْتَدلّ من غير أَن تكون مقدماته مسلمة عِنْده (على الْمُخْتَار، إِذْ لَا يلْزم صِحَّته) أَي الدَّلِيل (من صورته فَلهُ) أَي للمعترض (الِاعْتِرَاض على مقدماته) أَي الدَّلِيل الْمَذْكُور، وَقيل يَنْقَطِع لِأَنَّهُ يسْتَلْزم الْخُرُوج عَن الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ، وَقد عرفت مَا فِيهِ. (وَأما معارضته) أَي حكم الأَصْل بِإِقَامَة الْمُعْتَرض دَلِيلا على خِلَافه بعد مَا أَقَامَ الْمُسْتَدلّ دَلِيلا عَلَيْهِ فَاخْتلف فِيهِ (فَقيل لَا) يسمع (لِأَنَّهُ غصب لمنصب الِاسْتِدْلَال) الَّذِي هُوَ حق الْمُسْتَدلّ، وَالْإِضَافَة بَيَانِيَّة، وَذهب جُمْهُور الْمُحَقِّقين من الْفُقَهَاء والمتكلمين إِلَى قبُولهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَيْسَ) الْإِيرَاد بالمعارضة بِغَصب (وَإِلَّا) لَو كَانَ غصبا (منعت) الْمُعَارضَة (مُطلقًا) لغير مَا ذكر وَلَيْسَت مَمْنُوعَة اتِّفَاقًا. (وَقَوله) أَي الْمَانِع لقبولها (يصير) الْمُعْتَرض بهَا (مستدلا فِي نفس صُورَة المناظرة) من غير تَبْدِيل بِصُورَة أُخْرَى (إِن أَرَادَ فِي عين دَعْوَى الْمُسْتَدلّ فمنتف) أَي فالاستدلال فِي عين دَعْوَاهُ مُنْتَفٍ، كَيفَ وَهُوَ يسْتَدلّ على خلَافهَا (أَو) أَرَادَ (فِي تِلْكَ المناظرة فَلَا بَأْس) بِهِ (كمعارضة الدَّلِيل) وَهِي إِقَامَة الدَّلِيل على خلاف مدعي دَلِيل الْخصم (وَلَا تتمّ المناظرة) أَي لَا تَنْتَهِي (إِلَّا بِانْقِطَاع أَحدهمَا) انْقِطَاعًا اعْتَبرهُ المتناظرون (مِثَاله) أَي مِثَال الأول، أَعنِي منع حكم الأَصْل (للشَّافِعِيَّة جلد الْخِنْزِير لَا يقبل الدباغة) أَي لَا يطهر بهَا (لنجاسة
стр. 1159
عينه) والدباغة لَا تزيل الْعين بل رطوباته النَّجِسَة (كَالْكَلْبِ) أَي كَمَا أَن جلد الْكَلْب لَا يقبلهَا لنجاسة عينه فَحكم الأَصْل الَّذِي هُوَ جلد الْكَلْب عدم قبُوله إِيَّاهَا (فَيمْنَع كَون جلد الْكَلْب لَا يقبلهَا، و) مِثَاله حكم الأَصْل (فِي الْعِلَل الطردية) الْمَنْع الْوَارِد فِي قَوْلهم (الْمسْح ركن فَيسنّ تكريره) لركنيته (كالغسل) أَي كَمَا أَن الْغسْل يسن تكريره لركنيته (فَيمْنَع سنية تَكْرِير الْغسْل) الَّذِي هُوَ الأَصْل (بل) السّنة فِي الْغسْل (إكماله، غير أَنه) أَي الْغسْل (استغرق مَحَله) الَّذِي هُوَ تَمام الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ إِلَى الْمرْفقين والكعبين، فَلَا يتَصَوَّر إكماله باستيعابه مَحَله، فَإِن أصل الْفَرْض لَا يُؤَدِّي بِدُونِ الِاسْتِيعَاب (فَكَانَ) إكماله أَي الْغسْل (بتكريره، بِخِلَاف الْمسْح) فَإِنَّهُ لم يسْتَغْرق مَحَله من حَيْثُ الْفَرْضِيَّة، فَإِن الْمَفْرُوض فِيهِ ربع الرَّأْس (فتكميله) أَي الْمسْح (باستيعابه) أَي الْمحل بِهِ فَإِن قلت إِذا كَانَت السّنة إِلَّا كَمَال الْمُطلق وَهُوَ يحصل بِأحد الْأَمريْنِ فَلم عينتم الِاسْتِيعَاب قلت: ثَبت من الشَّارِع الِاسْتِيعَاب لَا التَّثْلِيث (وَقَوْلهمْ) أَي الشَّافِعِيَّة صَوْم رَمَضَان (صَوْم فرض). وَفِي بعض النّسخ وَفِي وَجَوَاب مَرْدُود قَوْلهم إِلَى آخِره: أَي ومثاله فِي جَوَاب من يردد قَوْلهم (فَيجب تَعْيِينه) بِالنِّيَّةِ (كالقضاء) أَي كَمَا أَن قَضَاء رَمَضَان صَوْم فرض يجب تَعْيِينه بِالنِّيَّةِ (فَيُقَال: إِن) كَانَ المُرَاد وجود تَعْيِينه بِالنِّيَّةِ (بعد تعْيين الشَّرْع) الزَّمَان (لَهُ ف) هُوَ (مُنْتَفٍ فِي الأَصْل) أَي الْقَضَاء فَإِن الشَّارِع لم يعين لَهُ زَمَانا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن المُرَاد مَا ذكر بل وجوب تَعْيِينه بِالنِّيَّةِ من غير تعْيين الشَّرْع الزَّمَان لَهُ (فَفِي الْفَرْع) أَي فَهَذَا مُنْتَفٍ فِي صَوْم رَمَضَان لتعيين الشَّرْع الزَّمَان لَهُ. (الثَّانِي) أَي عِلّة حكم الأَصْل يرد (عَلَيْهِ منوع: أَولهَا منع وجود الْعلَّة فِي الأَصْل، مِثَاله للشَّافِعِيَّة فِي الْكَلْب) الْكَلْب (حَيَوَان يغسل) الْإِنَاء (من ولوغه سبعا فَلَا يطهر) جلده (بالدباغة كالخنزير) فَإِنَّهُ حَيَوَان يغسل الْإِنَاء من ولوغه سبعا (فَيمْنَع كَون الْخِنْزِير يغسل) الْإِنَاء من ولوغه (سبعا و) مِثَاله لَهُم أَيْضا (فِي) الْعِلَل (الطردية) فِي استنان تثليث الْمسْح مسح الرَّأْس (مسح فَيسنّ تثليثه كالاستنجاء) فَإِنَّهُ مسح فَيسنّ تثليثه (فَيمْنَع كَون الِاسْتِنْجَاء طَهَارَة مسح، بل) الِاسْتِنْجَاء طَهَارَة (عَن) النَّجَاسَة (الْحَقِيقِيَّة) قصد بِهِ إِزَالَتهَا، فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ مَا قصد بِهِ إِزَالَة النَّجَاسَة الْحكمِيَّة لعدم وجود الْعلَّة الَّتِي هِيَ طَهَارَة مسح فِي الأَصْل، وَهُوَ الِاسْتِنْجَاء: وَمن ثمَّة كَانَ غسلهَا بِالْمَاءِ أفضل والاستنجاء علته إِذا لم يتلوث شَيْء من ظَاهر بدنه. (وَجَوَابه) أَي هَذَا الْمَنْع (بِإِثْبَات وجوده) أَي الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْعلَّة فِي الأَصْل (حسا) أَي وجودا حسيا إِن كَانَ الْوَصْف من الحسيات (أَو عقلا) أَي عقليا كَانَ من العقليات (أَو شرعا
стр. 1160
إِن كَانَ من الْأَوْصَاف الَّتِي اعتبرها الشَّرْع (ثَانِيهَا) أَي النَّوْع (منع كَونه) أَي الْوَصْف الْمُدعى عليته فِي الأَصْل (عِلّة، وَهُوَ) أَي هَذَا الْمَنْع (قَول الْحَنَفِيَّة) أَي المُرَاد بقَوْلهمْ (منع نسبته) أَي الحكم (إِلَيْهِ) أَي الْوَصْف، هَكَذَا نُسْخَة الشَّارِح. وَفِي نُسْخَة أُخْرَى منع نِسْبَة الحكم إِلَيْهِ وَهُوَ الْأَظْهر. وَاخْتلف فِي قبُوله، فَقيل لَا يقبل. (وَالصَّحِيح قبُوله: لِأَن الْقيَاس المورد عَلَيْهِ) هَذَا الْمَنْع (مُسَاوَاة فِي) وصف (مُشْتَرك) مَوْجُود فِي الأَصْل وَالْفرع (تظن الإناطة) أَي إناطة الحكم (بِهِ) أَي بذلك الْوَصْف الْمُشْتَرك فَهُوَ منَاط الحكم بِحَسب ظن الْمُجْتَهد، وَهَذَا لَا يسْتَلْزم كَونه مناطا بِحَسب نفس الْأَمر لِئَلَّا يقبل الْمَنْع (وَأما مُسَاوَاة فرع الأَصْل فِي عِلّة حكمه) عِنْد الشَّارِع (فَالْقِيَاس) أَي فَهِيَ الْقيَاس (فِي نفس الْأَمر) وَهُوَ لَيْسَ بالمورد عَلَيْهِ. فِي الشَّرْح العضدي قَالُوا أَولا: الْقيَاس حَده وَحَقِيقَته إِنَّه إِلْحَاق فرع بِأَصْل بِجَامِع وَقد حصل، وَإِذا ثَبت مدعاه فَلَا يُكَلف بِإِثْبَات مَا لم يَدعه وَالْجَوَاب لَا نسلم أَن حد الْقيَاس وَحَقِيقَته ذَلِك، بل إِلْحَاق فرع بِأَصْلِهِ بِجَامِع يظنّ صِحَّته وَلم يُوجد هَذَا الْقَيْد (قَالُوا) أَي المانعون قبُول هَذَا الْمَنْع (عدوله) أَي الْمُعْتَرض من الْإِبْطَال (إِلَى الْمَنْع) الْمُجَرّد عَن السَّنَد (دَلِيل عَجزه عَن إِبْطَاله) أَي إبِْطَال كَون الْوَصْف عِلّة للْحكم (أَي نقضه). وَفِي الشَّرْح الْمَذْكُور قَالُوا ثَانِيًا: عجز عَن إبِْطَال دَلِيل صِحَّته، إِذْ طَرِيق عدم الْعلية من كَون الْوَصْف طرديا وإبداء وصف آخر وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يخفى على الْمُجْتَهد والمناظر، فَلَو وجد لوجده، وَلَو وجده لأظهره فالفرار إِلَى مُجَرّد الْمَنْع يكفينا دَلِيلا على أَنه صَحِيح، فَلَا يسمع الْمَنْع وَلَا يشْتَغل بجوابه، لِأَنَّهُ شَاهد على نَفسه بِالْبُطْلَانِ، وَالْمُصَنّف أَشَارَ إِلَى بعض مُقَدمَات دليلهم الأول فِي ضمن تعليليه للصحيح، وَإِلَى الْبَعْض الآخر فِي ضمن دليلهم الثَّانِي مَعَ تَغْيِير فِي التَّقْرِير كَمَا ترى (لِأَن مرجعه) أَي النَّقْض (إِلَى منع) مقرون (بِسَنَدِهِ) فَإِنَّهُم ردوا النَّقْض الإجمالي إِلَى منع مُسْند كَمَا سَيَجِيءُ، وَهَذَا تَعْلِيل لكَون هَذَا الْمَنْع عُدُولًا عَن النَّقْض الَّذِي لَا بُد فِيهِ من مُسْتَند فَإِنَّهُ قد ادّعى ضمنا (أَو كَونه) أَي كَون الْوَصْف الْمَذْكُور (طرديا) لَا تَأْثِير لَهُ فِي الحكم مَعْطُوف على نقضه، فَإِن الْإِبْطَال كَمَا يحصل بِالنَّقْضِ يحصل بِبَيَان كَون الْوَصْف طرديا، فَإِن التَّأْثِير لَا بُد مِنْهُ فِي وصف الْقيَاس (أما) الْمَنْع (بِغَيْرِهِ) أَي غير مَا ذكر من النَّقْض والطردية (فغصب) من الْمُعْتَرض (لِأَنَّهُ) أَي الْمُسْتَدلّ (لم يسْتَدلّ عَلَيْهِ) أَي على حكم الأَصْل بِأَن يَدعِي ثُبُوت الحكم فِي الأَصْل مُعَللا بِوُجُود مَا هُوَ عِلّة الحكم فِيهِ حَتَّى تكون عليته من مُقَدمَات الدَّلِيل، فَيتَّجه عَلَيْهَا الْمَنْع، وَإِنَّمَا ادّعى إِلْحَاق الْفَرْع بِالْأَصْلِ لاشْتِرَاكهمَا فِي الْعلَّة وَالْعلَّة للْحكم أَمر مفروغ مِنْهُ، فَإِذن علم أَن منصب الْمُعْتَرض لَيْسَ سوى النَّقْض بِبَيَان تخلف الحكم عَن الْعلَّة وَبَيَان طردية
стр. 1161
الْوَصْف وَمَا سواهُ غصب، وَالْمَنْع الْمَذْكُور وَلَيْسَ مِنْهُمَا، وارتكاب الْغَصْب دَلِيل الْعَجز: وَهَذَا عِنْد الْبَعْض، وَعند غَيره لَيْسَ بِغَصب لِأَنَّهُ وَإِن لم يسْتَدلّ عَلَيْهِ لكنه مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ صِحَة مَا اسْتدلَّ عَلَيْهِ من حكم الْفَرْع، وَيرد عَلَيْهِ أَن تَعْلِيله على هَذَا الْوَجْه يُنَافِي اتفاقه مَعَ غَيره على تَقْدِير الِاسْتِدْلَال: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال أَنه لَا يقبل هَذَا الْمَنْع مُطلقًا غير أَنه يسْتَدلّ لعدم الْقبُول فِي كل صُورَة بطرِيق (وَإِلَّا) لَو فرض أَنه اسْتدلَّ عَلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِك (لم يسمع الْمَنْع اتِّفَاقًا) من الجدليين المانعين لقبُول هَذَا الْمَنْع وَغَيرهم (لِأَنَّهُ) أَي الْمَنْع (بعد إِقَامَة الدَّلِيل غير مُنْتَظم) عقلا (لِأَنَّهُ) أَي الْمَنْع (طلبه) أَي الدَّلِيل (وَقد حصل) الدَّلِيل فَطَلَبه تَحْصِيل الْحَاصِل، وَيرد عَلَيْهِ أَنه لم يسْتَدلّ على علية الْعلَّة حَتَّى يلْزمه تَحْصِيل الْحَاصِل، بل على حكم الأَصْل. فَالْوَجْه أَن لَا يُفَسر الضَّمِير فِي لم يسْتَدلّ عَلَيْهِ بِحكم الأَصْل كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّارِح بعلية الْوَصْف (بل) الْمَنْع إِنَّمَا يكون (فِي مقدماته) أَي الدَّلِيل، وعَلى تَقْدِير عدم الِاسْتِدْلَال مَا ثمَّ مُقَدمَات لتمنع فَإِن قلت: قد سبق أَن النَّقْض منع بِسَنَد فَمَا الْفرق بَينه وَبَين الْمَنْع بِلَا سَنَد الْمُوجب سَماع أَحدهمَا قبل الِاسْتِدْلَال دون الآخر قلت: الْفرق أَن الْمَنْع بِلَا سَنَد مورده الْمُقدمَة الْمعينَة، وَحَيْثُ لَا اسْتِدْلَال لَا تعْيين للمقدمات، وَأما الَّذِي منع السَّنَد فمورده مُقَدّمَة لَا على التَّعْيِين والمستدل لَا بُد لَهُ من دَلِيل قبل إبراز الدَّلِيل فَهُوَ بمقدماته مَعْلُوم إِجْمَالا، وَهَذَا الْقدر يَكْفِي فِي النَّقْض الإجمالي (قُلْنَا الْمُلَازمَة) الَّتِي ادَّعَاهَا المانعون بَين الْعُدُول إِلَى الْمَنْع وَالْعجز عَن الْإِبْطَال (مَمْنُوعَة) لجَوَاز الْعُدُول مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ لنكتة كالامتحان للمستدل هَل يقدر على إِثْبَات الْعلية أم لَا (وَلَو سلمت) الْمُلَازمَة (لَا يلْزم) من عَجزه عَن إبِْطَال كَون الْوَصْف عِلّة (صِحَّته) أَي صِحَة كَونه عِلّة فِي نفس الْأَمر (لانتفاضه) أَي هَذَا الدَّلِيل (بِكَثِير) من الصُّور الَّتِي يعجز فِيهَا الْمُعْتَرض عَن إبِْطَال الْمُدعى، وَلم يقل بِصِحَّتِهِ أحد، وَإِذا كَانَت هَذِه الْمُلَازمَة الَّتِي جعلت دَلِيل الصِّحَّة منقوضة كَانَت غير مستلزمة لَهَا، فَبَقيَ صِحَة الْعلية مشكوكة، وَالْعلم بِصِحَّة الْقيَاس مَوْقُوف على الْعلم بِصِحَّتِهَا، ثمَّ فِي نُسْخَة (إِذْ يلْزم صِحَة كل مَا عجز الْمُعْتَرض عَن إِبْطَاله حَتَّى دَلِيل الْحُدُوث). وَفِي الشَّرْح العضدي وَالْجَوَاب أَنه يَقْتَضِي أَن كل صُورَة عجز الْمُعْتَرض عَن إِبْطَالهَا فَهُوَ صَحِيح حَتَّى دَلِيل الْحُدُوث وَالْإِثْبَات، بل حَتَّى دَلِيل النقيضين إِذا تَعَارضا، وَعجز كل عَن إبِْطَال دَلِيل الآخر انْتهى. قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: يَعْنِي حُدُوث الْعَالم أَو إِثْبَات الصَّانِع، فَإِن الْمَطْلُوب وَإِن كَانَ حَقًا لَكِن لَا يَصح دليلهما بِمُجَرَّد عجز الْمُعْتَرض عَن إِبْطَاله، بل لَا بُد من وَجه دلَالَة وَصِحَّة تَرْتِيب (وَإِذا بَينه) أَي الْمُسْتَدلّ كَون الْوَصْف عِلّة (بِنَصّ لَهُ) أَي للمعترض (الِاعْتِرَاض بِمَا يُمكن) الِاعْتِرَاض بِهِ (على ذَلِك السمعي) من منع دلَالَته وَصَرفه عَن الظَّاهِر
стр. 1162
بدليله وطعنه فِي السَّنَد إِلَى غير ذَلِك (ومعارضته) بِنَصّ آخر مقاوم لَهُ مَعْطُوف على الِاعْتِرَاض فَعلم أَن الْمُعَارضَة لَا تسمى إعْرَاضًا، بل لَا بُد فِيهِ من التَّعَرُّض لدَلِيل الْمُسْتَدلّ (وَكَذَا الْإِجْمَاع) أَي إِذا بَين كَون الْوَصْف عِلّة بِالْإِجْمَاع للمعترض الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ بِمَا يُمكن من منع وجود الْإِجْمَاع لصريح الْمُخَالفَة، وَمنع دلَالَته على كَون الْوَصْف عِلّة وطعنه فِي طَرِيق الْإِخْبَار عَنهُ (وَيزِيد) فِي بَيَانه بِالْإِجْمَاع الِاعْتِرَاض (بِنَفْي كَونه) أَي الْإِجْمَاع (دَلِيلا بِنَحْوِ كَون السُّكُوت يفِيدهُ) أَي الْوِفَاق المستلزم للْإِجْمَاع، وَالْبَاء فِي قَوْله بِنَحْوِ للسَّبَبِيَّة مُتَعَلقَة بِكَوْنِهِ دَلِيلا، فَإِن قسما من الْإِجْمَاع صَيْرُورَته إِجْمَاعًا دَالا على ثُبُوت الحكم الشَّرْعِيّ إِنَّمَا هُوَ بقول الْبَعْض وسكوت البَاقِينَ، وَعدم الْإِنْكَار على الْقَائِل مَعَ عدم الْعلم بقوله قبل اسْتِقْرَار الْمَذْهَب، وَفِيه اخْتِلَاف على مَا بَين فِي مَوْضِعه وَإِنَّمَا قَالَ بِنَحْوِ ليشْمل أقساما أخر مِنْهُ مِمَّا اخْتلف فِيهِ: فَالْمَعْنى أَن الْمُعْتَرض يَنْفِي كَونه دَلِيلا وإجماعا بِسَبَب مَا ذكرنَا، السَّبَبِيَّة قيد للمنفي لَا النَّفْي، وَيحْتَمل أَن يتَعَلَّق الْبَاء بِالنَّفْيِ فَيكون قيدا للنَّفْي (إِن كَانَ) الْإِجْمَاع الْمُثبت بِهِ الْعلية (مِنْهُ) أَي من نَحْو الْإِجْمَاع السكوتي (أَو) بَينه (بِغَيْرِهِمَا) أَي النَّص وَالْإِجْمَاع (من) مَسْلَك (مُخْتَلف) فِيهِ (كالدوران لَهُ) منع صِحَّته (وَللْآخر) أَي الْمُسْتَدلّ (إِثْبَاتهَا) أَي صِحَّته (وَقَول بعض الْحَنَفِيَّة) كصاحب الْمنَار هَذَا الْمَنْع (يلجئ أهل الطَّرْد) الْقَائِل بالدوران (إِلَى القَوْل بالتأثير) وَاعْتِبَار الشَّرْع علية الْوَصْف على التَّفْصِيل الْمَذْكُور وَعدم الِاكْتِفَاء بِمُجَرَّد الدوران (لِأَنَّهُ) أَي الْمُعْتَرض (لَا يقبل غَيره) أَي غير الْمُؤثر فيضطر إِلَى إثْبَاته ليمكنه إِلْزَام الْخصم (يفِيدهُ) الضَّمِير الْمَنْصُوب للمبتدأ، وَالْفَاعِل قَوْله (نفي تَمْكِينه) أَي تَمْكِين الْمُعْتَرض الْمُسْتَدلّ (من إثْبَاته) أَي إِثْبَات صِحَة غير الْمُؤثر وَهُوَ الْوَصْف الطردي وَالْحَاصِل أَنه لما قَالَ للْآخر إِثْبَاتهَا اتجه أَن يَقْتَضِي قَول الْبَعْض أَنه لَيْسَ لَهُ ذَلِك، لِأَن القَوْل بالتأثير إِذا كَانَ لَازِما عَلَيْهِ لَا يتَمَكَّن من إِثْبَات صِحَة غير الْمُؤثر، فَقَالَ إِن ذَلِك القَوْل يُؤَيّدهُ، وَيدل عَلَيْهِ نفي التَّمْكِين، وَفِي بعض النّسخ يُفِيد نفي عَكسه وَمَعْنَاهُ ظَاهر (وَمُقْتَضى مَا) ذكر (فِي الِانْتِقَال) الْمَذْكُور فِيمَا سبق، من أَنه لَا يلْزم الْمُسْتَدلّ عرف طَائِفَة الْمُعْتَرض (يُخَالِفهُ) أَي القَوْل الْمَذْكُور، لِأَنَّهُ إِذا لم يلْزم عَلَيْهِ مُرَاعَاة مَذْهَب الْمُعْتَرض فَلهُ أَن يثبت صِحَة الْوَصْف الطردي بِمَا يَقْتَضِيهِ مذْهبه (إِلَّا أَن حمل) قَول الْبَعْض (على أَنه) أَي الْوَصْف الطردي (لَا ينتهض) أَي لَا يقوم حجَّة (لأوجه الْبطلَان) أَي وُجُوه بطلَان علية الْوَصْف الطردي متضافرة ظَاهِرَة بِحَيْثُ لَا يقدر أهل الطَّرْد على إِثْبَات عليته (فَيرجع) أهل الطَّرْد بِالضَّرُورَةِ (إِلَى التَّأْثِير) والإتيان بالمؤثر إِن أمكنه وَألا يَنْقَطِع (لكنه) أَي الرُّجُوع إِلَى الْمُؤثر (انْتِقَال) من عِلّة (إِلَى) عِلّة (أُخْرَى لإِثْبَات الحكم الأول، وَهُوَ) أَي الحكم الأول
стр. 1163
(علية الْوَصْف) لإِثْبَات الحكم الْأَصْلِيّ (هُنَا) أَي فِيمَا نَحن فِيهِ من جَوَاب الْمَنْع الْمَذْكُور (وَعلمت مَا فِيهِ) أَي مَا فِي هَذَا الِانْتِقَال من اخْتِلَاف النظار هَل هُوَ انْقِطَاع أم لَا، وَمن أَن الْمُخْتَار مَا هُوَ (مِثَاله) أَي مِثَال الْمَنْع الَّذِي كلامنا فِيهِ فِي الْقيَاس الْمَذْكُور (للشَّافِعِيَّة فِي ذَلِك الْمِثَال) السَّابِق ذكره، يَعْنِي قَوْله الْكَلْب حَيَوَان يغسل من ولوغه سبعا، فَلَا يطهر بالدباغة كالخنزير (منع كَون الْغسْل سبعا عِلّة عدم قبُوله) أَي جلد الْخِنْزِير (الدباغة شرعا، و) مِثَاله (للحنفية فِي قَول الشَّافِعِيَّة) الْأَخ (لَا يعْتق على أَخِيه) بِملكه إِيَّاه (إِذْ لَا بعضية بَينهمَا) أَي الْأَخَوَيْنِ (كَابْن الْعم) فَإِنَّهُ لَا يعْتق على ابْن عَمه، إِذْ لَا بعضية بَينهمَا (منع أَنَّهَا) أَي البعضية (الْعلَّة فِي الْعتْق لينتفى الحكم) الَّذِي هُوَ الْعتْق (بِانْتِفَاء الْعلَّة المتحدة) فِي صُورَتي ملك الْأَخ وَملك ابْن الْعم، وَهِي البعضية: وَلَا يخفى أَن مَحل الْمَنْع فِي الْمِثَال الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ علية عدم البعضية لعدم الْعتْق، غير أَنه لما كَانَ منع علية الْعَدَم للعدم فرع منع مَا ذكر صرح بِهِ ليفهم ذَلِك ضمنا على الطَّرِيق البرهاني (بل) الْعلَّة لِلْعِتْقِ (الْقَرَابَة الْمُحرمَة) وَهِي مَوْجُودَة فِي الآخرين دون ابْن الْعم (ثَالِثهَا) أَي المنوع (عدم تَأْثِيره) أَي الْوَصْف فِي ترَتّب الحكم عَلَيْهِ وَفِيه مُسَامَحَة، لِأَن عدم التَّأْثِير لَازم الْمَنْع لَا عينه (للشَّافِعِيَّة أَي) إِفْرَاد هَذَا الْمَنْع بِالذكر لَهُم: أَي عدم (اعْتِبَاره) عِلّة للْحكم شرعا تَفْسِير لعدم تَأْثِيره (وقسموه) أَي الشَّافِعِيَّة عدم تَأْثِيره (أَرْبَعَة) من الْأَقْسَام مَنْصُوب بقسموه على تضمين الْجعل، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من (أَن يظْهر عدم تَأْثِيره) أَي الْوَصْف (مُطلقًا) فِي حكم الأَصْل وَغَيره (أَو) أَن يظْهر (فِي) حكم (ذَلِك الأَصْل) الَّذِي جعل الْوَصْف عِلّة لَهُ (أَو) أَن يظْهر عدم تَأْثِيره (قيد مِنْهُ) أَي من الْوَصْف (مُطلقًا) أَي فِي حكم ذَلِك الأَصْل وَغَيره (أَو لَا) يظْهر شَيْء من ذَلِك (بل يسْتَدلّ عَلَيْهِ) أَي على عدم تَأْثِيره (بِعَدَمِ اطراده) أَي الْوَصْف (فِي مَحل النزاع) وَهُوَ الحكم الْمُتَنَازع فِيهِ بتحققه مَعَه تَارَة فِي بعض الْموَاد وتخلفه عَنهُ أُخْرَى فِي بعض أخر (وردوا) أَي الشَّافِعِيَّة الْقسم (الأول) أَي عدم تَأْثِيره مُطلقًا (و) الْقسم (الثَّالِث) أَي عدم تَأْثِير قيد مِنْهُ فِي ذَلِك الأَصْل وَغَيره (إِلَى الْمُطَالبَة بعلية الْوَصْف) الْمعبر عَنْهَا فِيمَا سبق بِمَنْع كَونه عِلّة (وَجَوَابه) أَي جَوَاب الْمَرْدُود إِلَيْهِ (الْمُتَقَدّم جَوَابه) أَي الْمَرْدُود (و) ردوا (الثَّانِي) أَي عدم تَأْثِيره فِي الأَصْل. (وَالرَّابِع) أَن لَا يظْهر شَيْء من ذَلِك (إِلَى الْمُعَارضَة) فِي الأَصْل بإبداء عِلّة أُخْرَى (على خلاف فِي الرَّابِع) يَأْتِي قَرِيبا. وَفِي الشَّرْح العضدي أَن حَاصِل الأول وَالثَّالِث منع الْعلية وَحَاصِل الثَّانِي وَالرَّابِع الْمُعَارضَة فِي الأَصْل بإبداء عِلّة أُخْرَى، وَقد يُقَال أَن ذَلِك لعدم التَّمْيِيز بَين مَا يقْصد بِهِ منع الْعلية ليدل عَلَيْهَا، وَبَين الدَّلِيل على عدمهَا. وَكَذَا بَين إبداء مَا يُوجب احْتِمَال
стр. 1164
علية الْغَيْر وَبَين مَا يُوجب الْجَزْم بهَا (مِثَال الأول وَيُسمى) أَي الأول (عدم التَّأْثِير فِي الْوَصْف) أَن يُقَال (فِي) صَلَاة (الصُّبْح) صَلَاة (لَا يقصر فَلَا يقدم أَذَانه) على وَقتهَا، وتذكير الضَّمِير بِاعْتِبَار لفظ الصُّبْح (كالمغرب) فَإِنَّهُ صَلَاة لَا تقصر فَلَا يقدم أَذَانه (فَيرد) عَلَيْهِ أَن يُقَال (عدم الْقصر لَا أثر لَهُ فِي عدم تَقْدِيم الْأَذَان، إِذْ لَا مُنَاسبَة) بَينهمَا تَقْتَضِي ذَلِك (وَلَا شبه) وَهُوَ على مَا ذكرنَا أَن لَا تكون الْمُنَاسبَة بَين الْوَصْف وَالْحكم بِالنّظرِ إِلَى ذَات الْوَصْف، بل بِاعْتِبَار شُبْهَة الْوَصْف الْمُنَاسب للْحكم بِذَاتِهِ، وَهُوَ على مَا ذكر أَن لَا تكون الْمُنَاسبَة بَين الْوَصْف وَالْحكم بِالنّظرِ إِلَى ذَات الْوَصْف (و) مِثَال (الثَّانِي فِي منع بيع الْغَائِب) عِنْد الشَّافِعِيَّة (وَيُسمى) أَي الثَّانِي (عدم التَّأْثِير فِي الأَصْل) الْغَائِب (مَبِيع غير مرئي فَلَا يَصح) بَيْعه (كالطير فِي الْهَوَاء) أَي كَمَا أَن الطير فِي الْهَوَاء الْوَصْف وَهُوَ كَونه غير مرئي، وَإِذا ناسب نفي الصِّحَّة إِذْ لَا تَأْثِير لَهُ فِي الأَصْل كَذَلِك فِي نُسْخَة الشَّارِح، وَفِي نُسْخَة مَصَحَّة (فَيرد هَذَا وَإِن ناسب) أَي فَيرد هَذَا الْمَبِيع وَإِن ناسب الْوَصْف مَا ذكر، أَو الْمَعْنى فَيرد أَن يُقَال وَإِن ناسب الْوَصْف (فَفِي الأَصْل مَا يسْتَقلّ) بِمَنْع الصِّحَّة فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير: أَي فَفِي الأَصْل مَا يسْتَقلّ وَإِن ناسب، وعَلى الأول قَوْله فَفِي الأَصْل تَفْصِيل لبَيَان الْعلَّة الْمُغنيَة عَن الْمُنَاسب الْمَذْكُور الْمَعْلُوم تأثيرها شرعا (وَهُوَ) أَن مَا يسْتَقلّ بِمَنْع الصِّحَّة (الْعَجز عَن التَّسْلِيم، وَلذَا) أَي وَلما أَن فِي الأَصْل مَا يسْتَقلّ بِهِ (رَجَعَ) هَذَا الْقسم (إِلَى الْمُعَارضَة فِي الْعلَّة) بإبداء عِلّة أُخْرَى (وَبِه) أَي بِهَذَا الْبَيَان (ينْكَشف أَن اعْتِبَار جنسه) أَي جنس هَذَا الِاعْتِرَاض (ظُهُور عدم التَّأْثِير غير وَاقع إِذْ لم يظْهر عدم مُنَاسبَة فِي غير مرئي) أَي كَون الْمَبِيع غير مرئي، وَهُوَ الْوَصْف الَّذِي أبداه الْمُسْتَدلّ (بِمَا أبداه) أَي بِسَبَب مَا أبداه الْمُعْتَرض من الْعَجز عَن التَّسْلِيم (بل جوزه مَعَه) أَي بل جوز الْمُعْتَرض مَا أبداه مَعَه: أَي مَعَ مَا أبداه الْمُسْتَدلّ وَهُوَ كَونه غير مرئي (و) مِثَال (الثَّالِث وَيُسمى عدم التَّأْثِير فِي الحكم) يحصل (لَو قَالَ الْحَنَفِيَّة فِي الْمُرْتَدين) إِذا أتلفوا أَمْوَالنَا هم (مشركون أتلفوا مَالا فِي دَار الْحَرْب فَلَا يضمنُون) مَا أتلفوا إِذا أَسْلمُوا كَسَائِر الْمُشْركين (فَيرد لَا تَأْثِير لدار الْحَرْب) فِي نفي الضَّمَان عنْدكُمْ (للانتفاء) أَي لانْتِفَاء الضَّمَان (فِي غَيرهَا) أَي غير دَار الْحَرْب (عنْدكُمْ) فَإِن الْمُرْتَد بعد اللحاق بدار الْحَرْب لَا يضمن لشَيْء من حُقُوق الْعباد إِذا أسلم بعد ذَلِك، وَإِن أتلف فِي غير دَار الْحَرْب أَيْضا كَسَائِر الْمُشْركين من الْحَرْبِيين (فَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم (كَالْأولِ) فِي أَن مرجعهما إِلَى الْمُطَالبَة بتأثير الْوَصْف فِي الأَصْل (و) مِثَال (الرَّابِع وَيُسمى عدم التَّأْثِير فِي الْفَرْع) مَا فِي قَوْلهم (زوجت نَفسهَا من غير كُفْء فَيرد) تَزْوِيجهَا (كتزويج الْوَلِيّ الصَّغِيرَة من غير كُفْء فَيَقُول) الْمُعْتَرض (لَا أثر لغير كُفْء) فِي الرَّد (لتحَقّق النزاع فِيهِ) أَي فِيمَا إِذا زوجت نَفسهَا من كُفْء (أَيْضا فَرجع) هَذَا (إِلَى الْمُعَارضَة بتزويج نَفسهَا فَقَط) وَحَاصِله
стр. 1165
أَن الْمُسْتَدلّ أبدى عِلّة وَهُوَ التَّزْوِيج للنَّفس بِغَيْر الْكُفْء، والمعترض أبدى غَيرهَا وَهُوَ تَزْوِيج نَفسهَا من غير تَقْيِيد بالكفء وَغَيره (وَلَا يخفى رُجُوعه) أَي الرَّابِع (إِلَى الثَّالِث) وَهُوَ عدم تَأْثِير قيد ذكر مَعَه فَرجع إِلَى الْمُطَالبَة بتأثير ذَلِك فِيهِ (وَظهر أَنه) أَي ذَلِك الِاعْتِرَاض (لَيْسَ سؤالا مُسْتقِلّا) بل هُوَ إِمَّا مُطَالبَة بعلية الْوَصْف أَو مُعَارضَة بعلة أُخْرَى (فَتَركه الْحَنَفِيَّة ل) أجل (هَذَا وَلما نذْكر. ثمَّ الْمُخْتَار أَن الثَّالِث مَرْدُود إِذا اعْترف الْمُسْتَدلّ بطرديته) أَي بطردية ذَلِك الْمُقَيد (وَغير مَرْدُود إِن لم يعْتَرف) بطرديته (لجَوَاز) وجود (غَرَض صَحِيح) للمستدل فِي إِيرَاد ذَلِك الْقَيْد، فِي الشَّرْح العضدي لما كَانَ حَاصِل الْقسم الرَّابِع وجود قيد طردي فِي الْوَصْف الْمُعَلل بِهِ ذكر لذَلِك قَاعِدَة تتَعَلَّق بِهِ وَهِي كل مَا فرض جعله وَصفا فِي الْعلَّة من طردي هَل هُوَ مَرْدُود سد المتناظرين فَلَا يجوزونه، أما إِذا كَانَ الْمُسْتَدلّ معترفا بِأَنَّهُ طردي فالمختار أَنه مَرْدُود لِأَنَّهُ فِي كَونه جُزْء الْعلَّة كَاذِب باعترافه وَأَنه كجدل قَبِيح، وَقيل لَيْسَ بمردود لِأَن الْغَرَض استلزام الحكم، فالجواز استلزم قطعا، وَأما إِذا لم يكن معترفا بِأَنَّهُ طردي فالمختار أَنه غير مَرْدُود لجَوَاز أَن يكون فِيهِ غَرَض صَحِيح كدفع النَّقْض الصَّرِيح إِلَى النَّقْض المكسور وَهُوَ أصعب، بِخِلَاف الأول فَإِنَّهُ معترف بِأَنَّهُ غير مُؤثر وَأَن الْعلَّة هُوَ الثَّانِي فَيرد النَّقْض كَمَا لَو لم يذكرهُ، والتفوه بِهِ لَا يجديه نفعا فِي دفع النَّقْض، وَقيل مَرْدُود لِأَنَّهُ لَغْو، وَإِن لم يعْتَرف وَقد عرف الْفرق، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أَن يدْفع النَّقْض المكسور وَهُوَ أصعب على الْمُعْتَرض). قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ من الشَّارِحين من فسر الْمقَام بِمَا شهد أَنه لم يفهمهُ وَآخَرُونَ اعْترض بِعَدَمِ فهمه، فَلهَذَا تَابع الْمُحَقق فِي تَوْضِيحه بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ، فَقَوله وَهُوَ أصعب يُرِيد أَن إِيرَاد النَّقْض المكسور أصعب على الْمُعْتَرض من إِيرَاد النَّقْض الصَّرِيح لِأَنَّهُ فِيهِ بَيَان عدم تَأْثِير بعض أَجزَاء الْوَصْف وَبَيَان نقض الآخر، وَفِي النَّقْض الصَّرِيح لَيْسَ إِلَّا بَيَان نقض الْوَصْف: أَعنِي ثُبُوته فِي صُورَة مَعَ عدم الحكم، وَقَوله بِخِلَاف الأول مُتَعَلق بقوله لجَوَاز أَن يكون: يَعْنِي أَن الْمُسْتَدلّ إِذا لم يكن معترفا بِكَوْن الْوَصْف طرديا يجوز أَن يكون لَهُ فِي ضم الْوَصْف الطردي إِلَى الْعلَّة غَرَض صَحِيح بِأَن لَا يُوجد الْمَجْمُوع مَعَ عدم الحكم، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ معترفا بِأَن الْوَصْف المضموم طردي، فَإِن ذَلِك اعْتِرَاف بِأَنَّهُ لَا مدْخل لَهُ فِي الْعلية وَأَن الْعلَّة فِي ذَلِك الْأَمر الَّذِي فرض الطردي وَصفا فِيهِ، فَحِينَئِذٍ يسهل النَّقْض بإيراد صُورَة يُوجد فِيهَا مُجَرّد ذَلِك وَلَا يُوجد الحكم، وتلفظه بِأَن الْعلَّة هِيَ الْمَجْمُوع مَعَ اعترافه بذلك لَا يفِيدهُ انْتهى، وَللَّه درهما تَحْقِيقا لمواضع تحيرت فِيهَا الْعُقُول وَوَقعت فِيهَا الفحول فقد علم بذلك أَن المُرَاد بقول المُصَنّف الثَّالِث مَحل السُّؤَال الثَّالِث، وَبِقَوْلِهِ أَن يدْفع النَّقْض المكسور أَن يدْفع النَّقْض الصَّرِيح إِلَى النَّقْض المكسور، فالنقض مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض وَالْمَفْعُول بِهِ
стр. 1166
مَحْذُوف، أَو الْمَعْنى الْمُسْتَدلّ أَرَادَ بِذكر الْقَيْد دَفعه النَّقْض الأصعب إِذْ هُوَ يتَعَيَّن بعد ذكره، فالفرض فِي الْحَقِيقَة الصعوبة على الْمُعْتَرض حَيْثُ ألزمهُ الأصعب (وللشافعية بعده) أَي بعد مَا ذكر (أَرْبَعَة) من الاعتراضات مَخْصُوصَة بالمناسبة أَولهَا (الْقدح فِي الْمُنَاسبَة بإبداء مفْسدَة راجحة) على مصلحَة لأَجلهَا قضى على الْوَصْف بالمناسبة (أَو مُسَاوِيَة) لَهَا لما تقدم فِي تَقْسِيم الْعلَّة بِحَسب الْإِفْضَاء من انخرام الْمُنَاسبَة لمفسدة راجحة أَو مُسَاوِيَة (وَجَوَابه) أَي هَذَا الِاعْتِرَاض (تَرْجِيح الْمصلحَة إِجْمَالا) على الْمفْسدَة بِأَن يُقَال لَو لم يقدر رُجْحَانهَا لزم التقيد الْبَاطِل (وَتقدم) ذكره فِي التَّقْسِيم الْمَذْكُور (وتفصيلا بِمَا فِي الخصوصيات) أَي خصوصيات الْمسَائِل من المرجحات (مثل) أَن يُقَال فِي الْفَسْخ فِي الْمجْلس بِخِيَار الْمجْلس (وجد سَبَب الْفَسْخ فِي الْمجْلس وَهُوَ) أَي سَبَب الْفَسْخ (دفع الضَّرَر) عَن الفاسخ (فَيثبت) أَي الْفَسْخ (فيعارض بِضَرَر) الآخر الَّذِي لم يفْسخ فَيُقَال ضَرَر (الآخر مفْسدَة مُسَاوِيَة) لتِلْك الْمصلحَة (فيجاب) عَن الْمُعَارضَة (بِأَن هَذَا) الآخر (يجلب) بِاسْتِيفَاء العقد (نفعا وَذَاكَ) الفاسخ (يدْفع ضَرَرا) عَن نَفسه (وَهُوَ) أَي دفع الضَّرَر (أهم) وَلذَلِك يدْفع كل ضَرَر وَلَا يجلب كل نفع (وَمثله) أَي مثل مَا ذكر (التخلي) أَي تَفْرِيغ النَّفس (لِلْعِبَادَةِ) النَّافِلَة (أفضل من التَّزَوُّج لما فِيهِ) أَي فِي التخلي لَهَا (من تَزْكِيَة النَّفس) الْمشَار إِلَيْهَا بقوله تَعَالَى - ﴿قد أَفْلح من زكاها﴾ - (فيعارض بِفَوَات أضعافها) أَي أَضْعَاف الْمصلحَة الْمَذْكُورَة (فِيهِ) أَي فِي التخلي من كسر الشَّهْوَة وغض الْبَصَر وإعفاف النَّفس وإيجاد الْوَلَد وتربيته وتوسعة الْبَاطِن بالتحمل فِي معاشرة بني النَّوْع إِلَى غير ذَلِك، فالتزكية أَيْضا حَاصِلَة فِي التَّزْوِيج (فيرجح) التَّزَوُّج على مَا ذكر (فيرجحها) أَي مصلحَة الْعِبَادَة المناظر (الآخر بِأَنَّهَا لحفظ الدّين وَتلك) الْمصَالح الَّتِي فِي التَّزَوُّج حِينَئِذٍ (لحفظ النَّسْل) وَحفظ الدّين أرجح من حفظ النَّسْل (غير أَن فرض المسئلة حَالَة الِاعْتِدَال) أَي اعْتِدَال النَّفس فِي الشَّهْوَة (وَعدم الخشية) أَي خشيَة الْوُقُوع فِي الزِّنَا وَمَا يقرب مِنْهُ من الْمحرم، وَإِنَّمَا قَالَ فرض المسئلة كَذَا لوُجُوب التَّزَوُّج عينا عِنْد الخشية فَلَا يُعَارضهُ التخلي للنوافل (و) ثَانِيهَا (الْقدح فِي الْإِفْضَاء) أَي فِي كَون الْوَصْف مفضيا (إِلَى الْمصلحَة) الْمَقْصُودَة (فِي شَرعه) أَي الحكم عِنْده (كتحريم الْمُصَاهَرَة) للمحارم على التَّأْبِيد، يُقَال: صاهرهم إِذا صَار فيهم صهرا، والصهر زوج الْبِنْت وَالْأُخْت، وَالْمرَاد هُنَا أصل الزواج (للْحَاجة إِلَى رفع الْحجاب) فالتحريم الْمَذْكُور هُوَ الحكم وَالْحَاجة إِلَى رفع الْحجاب عَن الْمَحَارِم لِكَثْرَة المخالطة هُوَ الْوَصْف الْعلَّة والمصلحة الَّتِي يُفْضِي إِلَيْهَا الْمَذْكُورَة فِي قَوْله (إِذْ يُفْضِي) الْوَصْف الْمَذْكُور بِاعْتِبَار مَا شرع عِنْده من تأبيد التَّحْرِيم (إِلَى دفع الْفُجُور فَيمْنَع) إفضاؤه إِلَى دفع الْفُجُور (بل سد بَاب العقد) أَي عقد النِّكَاح للتَّحْرِيم الْمَذْكُور
стр. 1167
(أفْضى) إِلَى الْفُجُور (لحرص النَّفس على الْمَمْنُوع فَيدْفَع) هَذَا الْمَنْع (بِأَن تأبيد التَّحْرِيم يمْنَع عَادَة) عَن مُقَدمَات الْهم وَالنَّظَر (إِذْ يصير) الِامْتِنَاع بِهَذَا السَّبَب (كالطبيعي) أَي كالامتناع والمنافرة الَّتِي اقتضتها الطبيعة فَلَا يبْقى الْمحل مشتهى (أَصله) أَي أصل هَذَا التَّحْرِيم المؤبد (الْأُمَّهَات) لِأَنَّهُ شرع من ابْتِدَاء وجود بني آدم فَلم يكن عِنْد ذَلِك تَحْرِيم الْأَخَوَات لضَرُورَة التناسل، ثمَّ لما وجد غير الْمَحَارِم ارْتَفَعت الضَّرُورَة فَألْحق بالأمهات سَائِر الْمَحَارِم (و) ثَالِثهَا (كَون الْوَصْف خفِيا كالرضا) فِي الْعُقُود فَإِنَّهُ أَمر قلبِي (وَيُجَاب) عَن هَذَا السُّؤَال (بضبطه) أَي بضبط الْوَصْف (بِظَاهِر) أَي بضابط ظَاهر (كالصيغة) الدَّالَّة على الرِّضَا فيدور الحكم عَلَيْهَا كصيغ الْعُقُود (و) رَابِعهَا (كَونه) أَي الْوَصْف (غير منضبط) جَعلهمَا قسما وَاحِدًا لكَمَال مناسبتهما سؤالا وجوابا (كَالْحكمِ) جمع حِكْمَة، وَهِي الْأَمر الْبَاعِث من الْمَقَاصِد (والمصالح) أَي مَا يكون لَذَّة أَو وَسِيلَة لَهَا (كالحرج) فَإِن فِي نَفْيه لَذَّة (والزجر) فَإِنَّهُ وَسِيلَة للذة الدُّنْيَوِيَّة والأخروية، ثمَّ علل عدم انضباطها بقوله (لِأَنَّهَا) أَي الحكم والمصالح (مَرَاتِب) أَي كائنة (على) مَرَاتِب على (مَا تقدم) فِي الْكَلَام على الْعلَّة بِحَسب الْمَقَاصِد وَيخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال فَلَا يُمكن تعْيين الْعدَد الْمَقْصُود مِنْهَا (وَجَوَابه بإبداء الضَّابِط بِنَفسِهِ) أَي بِإِظْهَار المُرَاد من غير المنضبط بِوَصْف منضبط بِنَفسِهِ غير مُحْتَاج إِلَى ضَابِط آخر كَمَا يُقَال فِي الْمَشَقَّة والمضرة أَن المُرَاد بهما مَا يُطلق عَلَيْهِ الْمَشَقَّة والمضرة عرفا، كَذَا قَالُوا، وَفِيه مَا فِيهِ (أَو) أَن الْوَصْف (نيط بمنضبط) مَعْطُوف على إبداء (كالسفر) نيط حُصُول الْمَشَقَّة بِهِ (وَالْحَد) الْمَحْدُود شرعا نيط الْقدر الْمُعْتَبر فِي حُصُول الزّجر بِهِ (وَلم يذكرهَا) أَي الاعتراضات الْمَذْكُورَة (الْحَنَفِيَّة لَا لاختصاصها بالمناسبة) وهم لَا يعتبرونها فَلَا وُرُود لَهَا عِنْدهم (لِأَن هَذَا) أَي اعْتِبَار الْمُنَاسبَة بِالْوَصْفِ (اتِّفَاق) أَي مَحل اتِّفَاق أَو مُتَّفق عَلَيْهِ (بل لِأَنَّهَا) أَي الاعتراضات الْمَذْكُورَة حاصلها (انْتِفَاء لَوَازِم الْعلَّة الباعثة مُطلقًا) أَي بِأَيّ مَسْلَك كَانَ (كَمَا تقدم) فِي فصل الْعلَّة (وَمَعْلُوم أَن بِانْتِفَاء لازمها) أَي الْعلَّة الباعثة (يتَّجه إِيرَاده) أَي إِيرَاد انتفائها (إِذْ يُوجب) انْتِفَاء لازمها (انتفاءها فَهُوَ) أَي إِيرَاد انتفائها (مَعْلُوم من الشُّرُوط) لِأَن كل أحد يعرف أَن الشَّرْط إِذا انْتَفَى فللمعترض الْإِيرَاد الرَّاجِح إِلَى منع الْعلية (ومنعهم) أَي الْحَنَفِيَّة (بَعْضهَا) أَي بعض هَذِه الاعتراضات مَعْطُوف على مَدْخُول بل فَهُوَ عِلّة أُخْرَى لعدم الذّكر فِي الْبَعْض، وَالْمرَاد بِالْمَنْعِ الحكم بِعَدَمِ وُرُوده من حَيْثُ المناظرة (وَهُوَ) أَي الْبَعْض الْمَمْنُوع (مرجع الثَّانِي وَالرَّابِع) من الْأَرْبَعَة الأول (لمنعهم الْمُعَارضَة لعِلَّة الأَصْل كَمَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَذكروا) أَي الْحَنَفِيَّة (منع الشُّرُوط) للتَّعْلِيل، لِأَن شَرط الشَّيْء سَابق عَلَيْهِ فَلَا بُد من إثْبَاته، ثمَّ القَاضِي
стр. 1168
أَبُو زيد وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ لم يشترطا كَون الشَّرْط مُتَّفقا عَلَيْهِ (وَقيد فَخر الْإِسْلَام مَحَله) أَي منع الشَّرْط (بمجمع عَلَيْهِ) فَقَالَ وَإِنَّمَا يجب أَن يمْنَع شرطا مِمَّا هُوَ شَرط بِالْإِجْمَاع وَقد عدم فِي الْفَرْع أَو الأَصْل (فَيتَّجه) الْمَنْع (عِنْد عَدمه) أَي الشَّرْط الْمَذْكُور فَيُفِيد بطلَان التَّعْلِيل، مَا إِذا منع شرطا مُخْتَلفا فِيهِ، فَيَقُول الْمُعَلل ذَلِك لَيْسَ بِشَرْط عِنْدِي فَلَا يضر عَدمه، وَقد يُقَال إِذا كَانَ مَقْصُود الْمُعْتَرض دفع إِلْزَام الْمُعَلل عَن نَفسه، فَفِي هَذَا الْمَنْع ضَرَر ظَاهر إِذا قصد الْمُعَلل ذَلِك، وَقيل المُرَاد بِالْإِجْمَاع الِاتِّفَاق بَين السَّائِل والمجيب، لَا الْإِجْمَاع الْمُطلق (وَرَابِعهَا) أَي المنوع الْوَارِدَة على عِلّة الحكم (النَّقْض، وَتَسْمِيَة الْحَنَفِيَّة المناقضة وَهِي) فِي الِاصْطِلَاح (للجدليين) أَي لمصطلحهم (منع مُقَدّمَة مُعينَة) وَهِي مَا يتَوَقَّف على صِحَة الدَّلِيل شطرا كَانَ أَو شرطا سَوَاء كَانَ مَعَ السَّنَد أَو بِدُونِهِ، وَهُوَ مَا يذكر لتقوية الْمَنْع (و) منع (غير الْمعينَة) أَي مَنعه (بِأَن يلْزم الدَّلِيل مَا يُفْسِدهُ) بِأَن يَقُول لَازم دليلك كَذَا وَهُوَ بَاطِل فدليلك فَاسد (فَيُفِيد) لُزُوم ذَلِك لَهُ (بطلَان مُقَدّمَة غير مُعينَة) لِأَنَّهُ لَو لم يكن شَيْء من مقدماته بَاطِلا كَانَ صَحِيحا بِالضَّرُورَةِ، والمفروض أَنه فَاسد لبُطْلَان لَازمه، وَقَوله وَغير الْمعينَة مُبْتَدأ خَبره (النَّقْض الإجمالي وردوا) أَي الأصوليون (النَّقْض) الَّذِي هُوَ رَابِع المنوع (إِلَى منع مُسْتَند) أما كَونه منعا فَلِأَنَّهُ منع عَلَيْهِ الْوَصْف، وَهُوَ مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ صِحَة الْقيَاس، وَأما كَونه مُسْتَندا فَلِأَن بَيَان التَّخَلُّف سَنَد لَهُ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يرد إِلَيْهِ (كَانَ) النَّقْض (مُعَارضَة قبل الدَّلِيل) لِأَنَّهُ إِذا لم يكن منعا مُسْتَندا كَانَ إِقَامَة الدَّلِيل على عدم الْعلية، والمستدل لم يقم بعد دَلِيلا على الْعلية وَلزِمَ كَونه مُعَارضَة قبل الدَّلِيل (وعَلى هَذَا) أَي الَّذِي ذكر من أَن الصَّارِف عَن كَونه اسْتِدْلَالا، وَهُوَ الظَّاهِر إِنَّمَا هُوَ لُزُوم الْمُعَارضَة قبل الدَّلِيل (يجب) أَن يكون (مُعَارضَة لَو) كَانَ (بعده) أَي بعد إِقَامَة الْمُسْتَدلّ الدَّلِيل على صِحَة علية الْوَصْف لارْتِفَاع الْمَانِع عَن الْحمل على الْمُعَارضَة وَوُجُود مَا يقتضيها، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لِأَنَّهُ) أَي الْمُعْتَرض (اسْتدلَّ على بُطْلَانه) أَي بطلَان كَون الْوَصْف عِلّة (بالتخلف) أَي بِوُجُودِهِ فِي صُورَة لَيْسَ فِيهَا الحكم (ويجيب الآخر) أَي الْمُسْتَدلّ عَن الْمَنْع الْمَذْكُور (بِمَنْع وجودهَا) أَي الْعلَّة (فِي مَحل التَّخَلُّف ويستدل الْمُعْتَرض عَلَيْهِ) أَي على وجودهَا فِي مَحل التَّخَلُّف (بعده) أَي بعد منع الْمُسْتَدلّ وجودهَا فِيهِ (أَو) يسْتَدلّ عَلَيْهَا (ابْتِدَاء) أَي قبل منع الْمُسْتَدلّ إِيَّاه، وَإِذا اسْتدلَّ ابْتِدَاء تبدل حَالهمَا (فَانْقَلَبَ) الْمُعْتَرض مُعَللا والمعلل مُعْتَرضًا (وَقيل لَا) يقبل من الْمُعْتَرض إِقَامَة الدَّلِيل على وجود الْوَصْف إِذا منع الْمُسْتَدلّ وجوده فِي صُورَة التَّخَلُّف لِأَنَّهُ انْتِقَال من الِاعْتِرَاض إِلَى الِاسْتِدْلَال وَهَذَا محكي عَن الْأَكْثَر مِنْهُم الإِمَام الرَّازِيّ (وَقيل) لَا يقبل (إِن كَانَ) ذَلِك الْوَصْف (حكما شَرْعِيًّا) لِأَن الِاشْتِغَال بِإِثْبَات حكم
стр. 1169
شَرْعِي هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الِانْتِقَال الْمَمْنُوع، وَإِلَّا فَيقبل لِأَنَّهُ بِهِ يتم دَلِيل الْمُعْتَرض وَيبْطل قِيَاس الْمُسْتَدلّ (وَقيل) يقبل (إِن لم يكن لَهُ) أَي للمعترض (قَادِح) لدَلِيل الْمُسْتَدلّ (أقوى) من النَّقْض فَإِن كَانَ لَهُ لَا يقبل لِأَنَّهُ غصب وانتقال من غير أَن تلجئه إِلَيْهِ ضَرُورَة (وَلَيْسَت) هَذِه الْأَقْوَال (بِشَيْء) وَوَجهه ظَاهر (فَلَو كَانَ الْمُسْتَدلّ اسْتدلَّ على وجودهَا) أَي الْعلَّة (فِي الأَصْل بموجود) أَي بِدَلِيل مَوْجُود (فِي مَحل النَّقْض فنقضها) أَي الْمُعْتَرض الْعلَّة بِأَن دليلك الَّذِي أقمته على وجود الْعلَّة فِي الأَصْل مَوْجُود فِي مَحل التَّخَلُّف، فَيلْزم عَنهُ وجودهَا فِيهِ (فَمنع) الْمُسْتَدلّ (وجودهَا) أَي الْعلَّة فِي مَحل النَّقْض (فَقَالَ الْمُعْتَرض فَيلْزم) عَلَيْك أحد الْأَمريْنِ (إِمَّا انْتِقَاض الْعلَّة) إِن كَانَت مَوْجُودَة فِي مَحل النَّقْض فِي نفس الْأَمر (أَو) انْتِقَاض (دليلها) إِن لم تكن مَوْجُودَة فِيهِ مَعَ جَرَيَان الدَّلِيل ووجوده فِيهِ (وَكَيف كَانَ) اللَّازِم: أَي انْتِقَاض الْعلَّة، أَو دليلها (لَا تثبت) الْعلية، أما على الأول فَلَمَّا مر من أَن النَّقْض يُبْطِلهَا، وَأما على الثَّانِي فَلِأَنَّهَا لَا تثبت إِلَّا بمسلك صَحِيح (قبل) بالِاتِّفَاقِ جَوَاب لَو، فَإِن عدم الِانْتِقَال فِيهِ ظَاهر، إِذْ لم يخرج عَن نقضهَا (وَلَو نقض) الْمُعْتَرض (دليلها) أَي الْعلية (عينا) من غير ترديد بَين نقض الْعلَّة ونقضه (فالجدليون) قَالُوا (لَا يسمع) هَذَا من الْمُعْتَرض (لِسَلَامَةِ الْعلَّة) حِينَئِذٍ من النَّقْض (إِذْ نقضه) أَي نقض دليلها الْمعِين (لَيْسَ نقضهَا) لجَوَاز إِثْبَاتهَا بِدَلِيل آخر فَإِذن يلْزم عَلَيْهِ الِانْتِقَال عَن وظيفته: أَعنِي نقض الْعلَّة (وَنظر فِيهِ) أَي فِي عدم سَمَاعه، والناظر ابْن الْحَاجِب مُسْتَندا (بِأَن بُطْلَانه) أَي دَلِيل الْعلية (بُطْلَانهَا) أَي الْعلية (أَي عدم ثُبُوتهَا إِذْ لَا بُد لَهَا) أَي الْعلية (من مَسْلَك صَحِيح) وَقد ظهر عدم صِحَة المسلك الَّذِي تمسك بِهِ الْمُسْتَدلّ وَوُجُود غَيره غير مَعْلُوم، وَالْأَصْل عَدمه (وَهُوَ) أَي بطلَان الْعلَّة (مَطْلُوبه) أَي الْمُعْتَرض (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مُرَاد النَّاظر بِالْبُطْلَانِ عدم الثُّبُوت (فبطلان الدَّلِيل الْمعِين لَا يُوجِبهُ) أَي بُطْلَانهَا (لكنه) أَي بطلَان الدَّلِيل الْمعِين (يحوجه) أَي الْمُسْتَدلّ (إِلَى الِانْتِقَال إِلَى) دَلِيل (آخر لإِثْبَات) مطلب الدَّلِيل (الأول) يَعْنِي علية الْوَصْف (ويجيب) الْمُسْتَدلّ (أَيْضا) بدل منع وجودهَا (بِمَنْع انْتِفَاء الحكم فِي ذَلِك) أَي فِي مَحل النَّقْض اتِّفَاقًا (وللمعترض الدّلَالَة) بِإِقَامَة الدَّلِيل (عَلَيْهِ) أَي لانْتِفَاء الحكم (فِي) الْمَذْهَب (الْمُخْتَار) إِذْ بِهِ يحصل مَطْلُوبه وَهُوَ إبِْطَال دَلِيل الْمُسْتَدلّ، وَقيل لَيْسَ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ انْتِقَال من الِاعْتِرَاض إِلَى الِاسْتِدْلَال، وَقيل نعم إِذا لم يكن طَرِيق أولى من النَّقْض فِي الْقدح (وَالْمُخْتَار عدم وجوب الاحتراس) على الْمُسْتَدلّ (عَن النَّقْض فِي الِاسْتِدْلَال) بِذكر قيد يخرج مَحل النَّقْض (وَقيل يجب) الاحتراس عَنهُ بِمَا ذكر (وَقيل) يجب (إِلَّا فِي المستثنيات) أَي يجب الاحتراس فِي التَّعْلِيل عَن كل نقض إِلَّا عَن النَّقْض الَّذِي يرد على مَا ذهب إِلَى عليته
стр. 1170
مُجْتَهد من الْأَوْصَاف، فِي الشَّرْح العضدي هِيَ مَا تردد على كل عِلّة، فَإِذا قَالَ فِي الذّرة مطعوم فَيجب فِيهِ التَّسَاوِي كالبر فَلَا حَاجَة إِلَى أَن يَقُول وَلَا حَاجَة تدعوك إِلَى التَّفَاضُل فِيهِ فَيخرج الْعَرَايَا فَإِنَّهُ وَارِد على كل تَقْدِير سَوَاء عللنا بالطعم أَو الْقُوت أَو الْكَيْل فَلَا تعلق لَهُ بِإِبْطَال مَذْهَب وَتَصْحِيح آخر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (كالعرايا عِنْد الشَّافِعِيَّة) وَهِي عِنْدهم بيع التَّمْر على رُءُوس النّخل على قدر كَيْله من التَّمْر خرصا لَو جف فِيمَا دون خَمْسَة أوسق. وَأما الْحَنَفِيَّة فَلَيْسَتْ الْعَرَايَا عِنْدهم إِلَّا الْعَطِيَّة وَهِي أَن يعري الرجل نَخْلَة من نخله فَلَا يسلم ذَلِك حَتَّى يَبْدُو لَهُ، فَرخص لَهُ أَن يحبس ذَلِك وَيُعْطِيه مَكَانَهُ بخرصه تَمرا، وَلَيْسَ بَين المعرى لَهُ والمعرى بيع حَقِيقِيّ. فَلَا يتَصَوَّر هَذَا التَّمْثِيل عِنْدهم (لنا) على الْمُخْتَار (أَنه) أَي الْمُسْتَدلّ (أتم الدَّلِيل) يَعْنِي سُئِلَ عَن دَلِيل الْعلية فوفى بِهِ (إِذْ انْتِفَاء الْمعَارض) لَهُ (لَيْسَ مِنْهُ) أَي الدَّلِيل: يَعْنِي أَن النَّقْض دَلِيل عدم الْعلية فَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ مُعَارضَة وَنفي الْمعَارض لَيْسَ من الدَّلِيل، فَهُوَ غير مُلْتَزم لَهُ فَلَا يلْزم (وَلِأَنَّهُ) أَي الاحتراس عَنهُ بِمَا ذكر (لَا يُفِيد) دفع الِاعْتِرَاض بِالنَّقْضِ (إِذْ يَقُول) الْمُعْتَرض (الْقَيْد) الَّذِي ذكرته احتراسا (طرد) أَي طردي لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْعلية (وَالْبَاقِي) بعده، وَهُوَ الْمُؤثر فِي الْعلية (منتقض) لِأَنَّهُ بِدُونِ ذَلِك الْقَيْد الطردي مَوْجُود فِي مَحل التَّخَلُّف (وَهَذَانِ) أَي منع وجود الْعلَّة وَمنع انْتِفَاء الحكم (دفعان) لتحَقّق النَّقْض لَا يحسمان مَادَّة الشُّبْهَة بِالْكُلِّيَّةِ (وَالْجَوَاب الْحَقِيقِيّ) الحاسم لَهَا (بعد الْوُرُود) أَي وُرُود النَّقْض، وَتبين وجود الْعلَّة، وَانْتِفَاء الحكم فِي مَحل النَّقْض إِنَّمَا يتَحَقَّق (بإبداء الْمَانِع) من تَأْثِير الْعلَّة (فِي مَحل التَّخَلُّف، وَهُوَ) أَي الْمَانِع (معَارض اقْتضى نقيض الحكم) الَّذِي أثْبته الْمُسْتَدلّ (فِيهِ) أَي فِي مَحل التَّخَلُّف ظرف للاقتضاء، وَالْمرَاد بالنقيض مَا يُقَابله سلبا أَو إِيجَابا أَو مَا يُسَاوِيه (أَو) اقْتضى (خِلَافه) أَي الحكم الَّذِي أثْبته الْمُسْتَدلّ، وَالْمرَاد بِهِ الضِّدّ الَّذِي هُوَ أخص من نقيضه، وَهَذَا الْمُقْتَضى إِنَّمَا يثبت (لتَحْصِيل مصلحَة) أهم من مصلحَة حكم الأَصْل (كالعرايا) وَقد عرفتها (لَو أوردت) مَادَّة للنقض (على الربويات) أَي على الْعِلَل الْمُعْتَبرَة شرعا بِحَسب اخْتِلَاف الْمذَاهب للْحكم الثَّابِت فِي أصُول الْأَمْوَال الربوية، وَتلك الْمصلحَة دفع الْحَاجة الْعَامَّة إِلَى الرطب وَالتَّمْر، وَعدم وجود تمر آخر غير أحد الْأَمريْنِ (وَكَذَا الدِّيَة) أَي وَكَذَا ضربهَا (على الْعَاقِلَة) لَو أوردت نقضا (على الزّجر) الَّذِي هُوَ عِلّة وجوب الدِّيَة الْمُغَلَّظَة على الْقَاتِل (لمصْلحَة أوليائه) مُتَعَلق بِضَرْب الدِّيَة فَإِنَّهُ لمَنْفَعَة أَوْلِيَاء الْمَقْتُول، وَجه الْإِيرَاد أَن الْحَاجة إِلَى الزّجر مَوْجُودَة فِي الْقَتْل خطأ مَعَ تخلف الحكم، وَهُوَ وجوب الدِّيَة الْمُغَلَّظَة على الْقَاتِل وَالْجَوَاب الْحَقِيقِيّ إبداء الْمَانِع الَّذِي هُوَ معَارض يَقْتَضِي خلاف الحكم من الدِّيَة المخففة على الْعَاقِلَة (مَعَ عدم تحميله) أَي الْقَاتِل لعدم قَصده
стр. 1171
الْقَتْل، الظّرْف مُتَعَلق بِضَرْب الدِّيَة على الْعَاقِلَة، فَهَذَا الحكم الَّذِي هُوَ ضرب الدِّيَة المخففة عَلَيْهِم مركب من أَمريْن: ضرب الدِّيَة، وَكَونهَا على الْعَاقِلَة دون الْقَاتِل، فَالْأول وَهُوَ أصل ضرب الدِّيَة إِنَّمَا هُوَ لمصْلحَة أَوْلِيَاء الْمَقْتُول. وَالثَّانِي وَهُوَ كَونهَا على الْعَاقِلَة، لأَنهم يغنمون بِكَوْنِهِ مقتولا فليغرموا بِكَوْنِهِ قَاتلا: وَلذَا قَالَ ﷺ " مَالك غنمه فَعَلَيْك غرمه ". وَأما أَنَّهَا لَيست على الْقَاتِل، فَلَمَّا ذكر من عدم قَصده الْقَتْل، وَهُوَ الَّذِي ذكرنَا من عدم التحميل على الْقَاتِل إِنَّمَا هُوَ (للشَّافِعِيَّة). وَأما عِنْد الْحَنَفِيَّة فيودي الْقَاتِل كأحدهم (أَو) يثبت مَا ذكر من نقيض الحكم أَو خِلَافه (لدفع مفْسدَة) أعظم من مفْسدَة شرع حكم الأَصْل لَهُ فِيهَا (كالاضطرار لَو ورد على تَعْلِيل حُرْمَة الْميتَة بالاستقذار فَإِنَّهُ) أَي الِاضْطِرَار (اقْتضى خِلَافه) أَي مَا يَقْتَضِيهِ الاستقذار من التَّحْرِيم (من الْإِبَاحَة) بَيَان لخلافه، فَإِن دفع هَلَاك النَّفس أعظم من مفْسدَة أكل المستقذر: هَذَا كُله إِذا لم تكن الْعلَّة منصوصة بِظَاهِر عَام (فَلَو كَانَت) الْعلَّة (منصوصة ب) ظَاهر (عَام) لَا يجب إبداء الْمَانِع بِعَيْنِه، بل (وَجب تَقْدِير الْمَانِع وتخصيصه) أَي الْعَام (بِغَيْر مَحل النَّقْض) جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ (وَهَذَا) أَي تَخْصِيصه بِغَيْر مَا ذكر (إِذا كَانَ النَّص على استلزامها) أَي الْعلَّة للْحكم (فِي الْمحَال لَا على عليتها) أَي الْعلَّة (فِيهَا) أَي الْمحَال (إِذْ لَا تَنْتفِي عليتها بالمانع) فَإِن قلت: مَا معنى عدم انْتِفَاء الْعلية بِهِ دون الِالْتِزَام قلت: معنى عليتها للْحكم فِي الْمحَال كَونهَا بِحَيْثُ يَتَرَتَّب عَلَيْهَا الحكم لَو لم يتَحَقَّق مَعهَا مَانع عَن الحكم، وَهَذَا الْكَوْن مَوْجُود فِي مَحل النَّقْض، فَإِن صدق مَضْمُون هَذِه الشّرطِيَّة لَا يسْتَلْزم وجود الحكم بِالْفِعْلِ، بِخِلَاف مَا إِذا نَص على الاستلزام، وَهُوَ كَونهَا بِحَيْثُ مَتى تحققت تحقق مَعهَا الحكم بِالْفِعْلِ فَافْهَم (أَو) كَانَت منصوصة (بخاص) قَطْعِيّ الدّلَالَة على عليتها (فِيهِ) أَي فِي مَحل النَّقْض، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ (وَجب تَقْدِيره) أَي الْمَانِع (فَقَط) لِأَنَّهُ لَا مجَال لتخصيص الْخَاص بِغَيْر مَحل النَّقْض، وَإِنَّمَا وَجب تَقْدِير الْمَانِع لِأَن عليتها للْحكم: أَي فِي مَحل النَّقْض ثَابِتَة، وَالْحكم مُنْتَفٍ فِيهِ بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع، فَلَا بُد من مَانع هُنَاكَ لِاسْتِحَالَة تخلف الْمَعْلُول عِنْد وجود الْمُقْتَضى وَعدم الْمَانِع (و) وَجب (الحكم بعليتها) أَي الْعلَّة (فِيهِ) أَي فِي مَحل النَّقْض لدلَالَة النَّص الْخَاص عَلَيْهِ قطعا، وَهَذَا الْجَواب على قَول من يجوز تَخْصِيص الْعلَّة. (أما مانعو تَخْصِيص الْعلَّة فبعدم وجودهَا) أَي فيجيبون بِعَدَمِ وجود الْعلَّة فِي مَحل النَّقْض (إِذْ هِيَ) أَي الْعلَّة (الباعثة) على الحكم (مَعَ عَدمه) أَي الْمَانِع فالعلة عِنْدهم لَا تتَحَقَّق إِلَّا بأمرين: الْمُقْتَضى، وَعدم الْمَانِع (فَهُوَ) أَي عدم الْمَانِع (شَرط عليتها) وَحَيْثُ انْتَفَى شَرط الْعلية فِي مَحل النَّقْض انْتَفَت الْعلَّة (وَغَيرهم) أَي غير المانعين لتخصيصها
стр. 1172
وهم الْأَكْثَرُونَ عِنْدهم عدم الْمَانِع (شَرط ثُبُوت الحكم) لِأَن شَرط علته الْعلَّة (وَتقدم) فِي المرصد الثَّانِي فِي شُرُوط الْعلَّة (مَا فِيهِ) من الْكَلَام فَليرْجع إِلَيْهِ (و) قَالَ (بعض الْحَنَفِيَّة (لَا يُمكن دفع النَّقْض عَن) الْعِلَل (الطردية) لِأَنَّهُ يُبْطِلهَا حَقِيقَة (إِذْ الاطراد لَا يبْقى بعد النَّقْض) يَعْنِي لَا دَلِيل على علتها سوى كَونهَا بِحَيْثُ مَتى وجدت وجد الحكم مَعهَا، وَحَيْثُ وجدت فِي مَحل النَّقْض بِدُونِ الحكم انْتَفَت الْحَيْثِيَّة، وَهِي الاطراد فانتفت الْعلية لعدم مَا يدل عَلَيْهَا (وَهُوَ) أَي مَا قَالَه الْبَعْض من عدم إِمْكَان دفع النَّقْض عَنْهَا (بعد كَونه على) تَقْدِير تحقق (النَّقْض فِي نفس الْأَمر) لَا بِمُجَرَّد إِيرَاد الْمُعْتَرض إِيَّاه لجَوَاز أَن يكون إِيرَاده على خلاف مَا فِي الْوَاقِع، فيدفعه الْمُجيب حِينَئِذٍ بِدفع تهمته (وَعرف مَا فِيهِ) حَيْثُ قَالَ فِي أول الْفَصْل، وعَلى الطردية ترد مَعَ القَوْل بِالْمُوجبِ إِلَى آخِره فَارْجِع إِلَيْهِ (بِنَاء) أَي مَبْنِيّ خبر لقَوْله، وَهُوَ (على قصر) الْعِلَل (الطردية على مَا) أَي على الطردية الثَّابِتَة (بالدوران) فَقَط من غير مُنَاسبَة وَلَا ملاءمة (وَلَا وَجه لَهُ) أَي لقصرها عَلَيْهِ (بل) الطردية هِيَ (غير المؤثرة) فتعم الْمُنَاسبَة والملائم باصطلاح الْحَنَفِيَّة، وَوجه الْبناء أَن النَّقْض بِحَسب نفس الْأَمر إِنَّمَا يُنَافِي الدوران بِحَسبِهِ لَا الْمُنَاسبَة والملائمة، فَلَو لم يقصر الطردية على مَا بالدوران لَا يَصح قَوْله لَا يبْقى بعد النَّقْض، لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِي علتها بِمُجَرَّد انْتِفَاء الدوران لوُجُود الْمُنَاسبَة أَو الملائمة (وعَلى) تَقْدِير (الْوُرُود) أَي وُرُود النَّقْض على الطردية (يحوج) وُرُوده (إِلَى التَّأْثِير كطهارة) أَي كَقَوْل الشَّافِعِي الْوضُوء طَهَارَة (فَيشْتَرط لَهَا) أَي للطَّهَارَة الَّتِي هِيَ الْوضُوء (النِّيَّة كالتيمم) أَي كَمَا يشْتَرط النِّيَّة للتيمم لكَونه طَهَارَة، فَجعل وصف الطَّهَارَة عِلّة لاشْتِرَاط النِّيَّة (فينقض) الْوَصْف الْمَذْكُور عِلّة (بِغسْل الثَّوْب) من النَّجَاسَة فَإِنَّهَا طَهَارَة، وَلَا يشْتَرط فِيهِ النِّيَّة (فَيُفَرق) بَينهمَا (بِأَنَّهَا) أَي الطَّهَارَة الَّتِي هِيَ الْوضُوء طَهَارَة (غير معقولة) لِأَنَّهُ لَا يعقل فِي محلهَا نَجَاسَة (فَكَانَت) الطَّهَارَة الْمَذْكُورَة (متعبدا بهَا فافتقرت إِلَى النِّيَّة) تَحْقِيقا لِمَعْنى التَّعَبُّد الَّذِي لم تشرع إِلَّا بِهِ، إِذْ الْعِبَادَة لَا تنَال بِدُونِ النِّيَّة (بِخِلَافِهِ) أَي غسل الثَّوْب من النَّجَاسَة (لعقلية قصد الْإِزَالَة) وَإِذا علم أَن الْمَقْصُود مِنْهَا إِزَالَة النَّجَاسَة لَا التَّعَبُّد بهَا (وبالاستعمال) أَي بِاسْتِعْمَال مَا يزِيل النَّجَاسَة (تحصل) الْإِزَالَة الَّتِي هِيَ الْمَقْصُود (فَلم يفْتَقر) غسله إِلَى النِّيَّة، وَقد مر فِي شُرُوط الْفَرْع جَوَاب الْحَنَفِيَّة عَن هَذَا (وَأما) الْعِلَل (المؤثرة فَتقدم صِحَة وُرُود النَّقْض عَلَيْهَا، وَحَيْثُ ورد) النَّقْض صُورَة عَلَيْهَا (دفع بِأَرْبَع) من الْأَجْوِبَة: أَولهَا (إبداء عدم الْوَصْف) فِي صُورَة النَّقْض (كخارج نجس) أَي كَمَا يُقَال فِي الْخَارِج النَّجس من بدن الْإِنْسَان من غير السَّبِيلَيْنِ أَنه نَاقض للْوُضُوء، لِأَنَّهُ خَارج نجس (من الْبدن فَحدث) أَي فَهُوَ حدث (كَمَا فِي) الْخَارِج النَّجس
стр. 1173
من (السَّبِيلَيْنِ) فَإِنَّهُ حدث لِأَنَّهُ خَارج نجس من الْبدن (فينقض) الْوَصْف الْمَذْكُور للعلية فِي إِثْبَات الْحَدث (بِمَا) أَي بِخَارِج نجس (لم يسل) من رَأس الْجرْح إِلَى مَوضِع يلْحقهُ حكم التطهر فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَدَث مَعَ وجود الْوَصْف الْمَذْكُور فِيهِ (فَيدْفَع) النَّقْض بِهِ (بِعَدَمِ الْخُرُوج) أَي بِأَن يُقَال لَا نسلم وجود الْوَصْف فِيمَا لم يسل فَإِنَّهُ باد، وَلَيْسَ بِخَارِج (لِأَنَّهُ) أَي الْخُرُوج إِنَّمَا يتَحَقَّق (بالانتقال) من مَكَان إِلَى آخر، وَهُوَ مُسْتَقر فِي مَكَانَهُ، غير أَنه ظهر بِزَوَال الْجلْدَة الساترة لَهُ، ثمَّ هُوَ لَيْسَ بِنَجس على مَا روى عَن أبي يُوسُف. وَالْمُخْتَار عِنْد كثير من الْمَشَايِخ، بِخِلَاف السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر ظُهُور الْقَلِيل مِنْهُمَا إِلَّا بالانتقال (وَملك بدل الْمَغْصُوب) أَي وكما يُقَال فِي مالكية الْمَغْصُوب مِنْهُ بدل الْمَغْصُوب أَنه (عِلّة ملكه) أَي مالكية الْغَاصِب الْمَغْصُوب لِئَلَّا يجْتَمع الْبَدَل والمبدل فِي ملك شخص وَاحِد (فينقض) الْوَصْف الْمَذْكُور فِي هَذَا التَّعْلِيل (بالمدبر) فَإِن غصبه سَبَب لملك بدله للْمَغْصُوب مِنْهُ، وَمَعَ هَذَا لَا يملك الْغَاصِب الْمُبدل وَلم يخرج عَن ملك الْمَغْصُوب مِنْهُ (فَيمْنَع) أَن يكون مَا ملك الْمَغْصُوب مِنْهُ (ملك بدله) أَي بدل الْمَغْصُوب (بل بدل الْيَد) أَي بل هُوَ ملك بدل الْيَد، لِأَن ضَمَانه لَيْسَ بَدَلا عَن الْعين، بل عَن الْيَد الثَّابِتَة، فَلم يتَحَقَّق الْوَصْف، وَهُوَ ملك بدل الْمَغْصُوب عَلَيْهِ فِي مَادَّة النَّقْض فَلَا نقض (و) ثَانِيهَا الْجَواب (بِمَنْع وجود الْمَعْنى الَّذِي بِهِ صَار) الْوَصْف (عِلّة) وَذَلِكَ الْمَعْنى كَالثَّابِتِ بِدلَالَة النَّص بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَنْصُوص بِمَعْنى أَن الْوَصْف بِوَاسِطَة مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ يدل على معنى آخر هُوَ الْمُؤثر فِي الحكم (فينتفى) الْوَصْف معنى (وَإِن وجد صُورَة كمسح) أَي كَمَا يُقَال فِي مسح الرَّأْس مسح (فَلَا يسن تكريره كمسح الْخُف) فَإِنَّهُ مسح، فَلَا يسن تكريره (فينتقض) الْوَصْف، وَهُوَ كَونه مسحا (بالاستنجاء) بِالْحجرِ: أَي بِأَنَّهُ مَوْجُود فِيهِ مَعَ تخلف الحكم، وَهُوَ عدم مسنونية التكرير عَنهُ، فَإِن تثليث الْمسْح فِيهِ مسنون إِجْمَاعًا إِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ، فَإِن لم يكن تثليث الْحجر مسنونا عِنْد أَصْحَابنَا على الْإِطْلَاق، وَإِذا كَانَ الْحجر ذَا أَطْرَاف ثَلَاثَة وَمسح بِكُل مِنْهَا عمل بِالسنةِ (فَيمْنَع فِيهِ) أَي فِي الِاسْتِنْجَاء (الْمَعْنى الَّذِي شرع لَهُ) الْمسْح فِي الْوضُوء (وَهُوَ) أَي الْمَعْنى الْمَذْكُور (التَّطْهِير الْحكمِي) لِأَن الِاسْتِنْجَاء تَطْهِير حَقِيقِيّ (وَله) أَي التَّطْهِير الْحكمِي (لم يسن) التّكْرَار (لِأَنَّهُ) أَي التّكْرَار (لتأكيد التَّطْهِير الْمَعْقُول) الْمَعْنى، وَهُوَ إِزَالَة النَّجَاسَة الْحَقِيقِيَّة (لتحَقّق الْإِزَالَة) بالتكرار (وَهُوَ) أَي التَّطْهِير الْمَعْقُول ثَابت (فِي الِاسْتِنْجَاء) لِأَنَّهُ إِزَالَة للنَّجَاسَة (دونه) أَي لَيْسَ بِثَابِت فِي الرَّأْس (كَمَا) أَي كالكائن (فِي التَّيَمُّم) فَإِنَّهُ تَطْهِير حكمي غير مَعْقُول الْمَعْنى: وَلِهَذَا لم يشرع فِيهِ التّكْرَار. (و) ثَالِثهَا الْجَواب (بِمَنْع التَّخَلُّف) أَي تخلف الحكم عَن الْعلَّة فِي صُورَة النَّقْض وادعاء تحَققه فِيهَا (كَمَا إِذا نقض) الْمِثَال (الأول)
стр. 1174
يَعْنِي الْوَصْف الْمَذْكُور فِيهِ، وَهُوَ خُرُوج النَّجس من الْبدن (بِالْجرْحِ السَّائِل) لصَاحب الْعذر بِأَن يُقَال الْجرْح الْمَذْكُور مَوْجُود فِيهِ مَعَ تخلف الحكم، وَهُوَ الْحَدث عَنهُ (فَيمْنَع كَونه) أَي الْخَارِج النَّجس فِي الْجرْح سَائِلًا (لَيْسَ حَدثا بل هُوَ) حدث: أَي مُوجب لَهُ (وَتَأَخر حكمه) الَّذِي هُوَ الْحَدث (إِلَى مَا بعد خُرُوج الْوَقْت) عِنْد أبي حنيفَة وَمن وَافقه (أَو) إِلَى (الْفَرَاغ) من الْمَكْتُوبَة وَمَا يتبعهَا من النَّوَافِل عِنْد الشَّافِعِي وَمن وَافقه، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه أَن الشَّافِعِي لَا يَقُول بِالْحَدَثِ فِيمَا خرج من غير السَّبِيلَيْنِ (ضَرُورَة الْأَدَاء) عِلّة للتأخر فَإِنَّهُ مُخَاطب بأدائها، وَلَا قدرَة عَلَيْهِ إِلَّا بِسُقُوط حكم الْحَدث فِي هَذِه الْحَالة (وَلذَا) أَي وَلأَجل كَونه حَدثا تَأَخّر حكمه ضَرُورَة الْأَدَاء (لم يجز مَسحه) أَي مسح صَاحب الْجرْح السَّائِل (خفه إِذا لبسه فِي الْوَقْت مَعَ السيلان بعد خُرُوجه) أَي الْوَقْت، وَإِنَّمَا قَالَ بعد خُرُوجه لِأَنَّهُ يمسح فِي الْوَقْت كلما تَوَضَّأ لحَدث غير الَّذِي ابتلى بِهِ، وَقيد أَيْضا بمقارنة التَّلَبُّس للسيلان، لِأَن اللّبْس إِذا كَانَ على الِانْقِطَاع يمسح بعد الْوَقْت أَيْضا إِلَى تَمام الْمدَّة، وَإِذا كَانَ الْوضُوء مُقَارنًا للسيلان دون اللّبْس فَحكمه حكم مُقَارنَة اللّبْس للسيلان، وَإِنَّمَا لم يجز مَسحه فِيمَا ذكر بعد خُرُوج الْوَقْت، لِأَنَّهُ بِخُرُوج الْوَقْت يصير مُحدثا بِالْحَدَثِ السَّابِق، فَفِي حق الْمسْح بعد خُرُوج الْوَقْت يعْتَبر كَونه لابسا للخف على غير طَهَارَة، لِأَن ضَرُورَة اعْتِبَار سُقُوط حكم الْحَدث قد انْتَهَت بِخُرُوج الْوَقْت لما عرفت، وَحكم الْحَدث وَإِن ثَبت بعد خُرُوجه لكنه يسْتَند إِلَى السَّبَب، فَيعْتَبر من وَقت اللّبْس. (و) رَابِعهَا الْجَواب (بالغرض) أَي بِبَيَان الْغَرَض الْمَطْلُوب بِالتَّعْلِيلِ (فَيَقُول) الْمُسْتَدلّ (فِي) جَوَاب نقض (الْمِثَال) الْمَذْكُور (غرضي بِهَذَا التَّعْلِيل التَّسْوِيَة بَين الْخَارِج من السَّبِيل و) الْخَارِج من (غَيره فِي كَونهمَا حَدثا، و) كَونهمَا (إِذا لزما) أَي استمرا (صَارا عفوا) بِأَن يسْقط حكمهمَا ضَرُورَة توجه الْخطاب بأَدَاء الصَّلَاة (فَإِن الْبَوْل) الَّذِي هُوَ أصل (كَذَلِك) أَي إِذا اسْتمرّ صَار عفوا للمعنى الْمَذْكُور (فَوَجَبَ فِي الْفَرْع) أَي الْجرْح السَّائِل (مثله) أَي إِذا دَامَ صَار عفوا لما ذكر وَإِلَّا لزم مُخَالفَة الْفَرْع للْأَصْل (وَحَاصِل الثَّانِي) وَهُوَ الْجَواب بِمَنْع وجود الْمَعْنى إِلَى آخِره (الِاسْتِدْلَال على انتفائها) أَي الْعلَّة (إِذْ هِيَ) أَي الْعلَّة عِلّة (بمعناها لَا بِمُجَرَّد صورتهَا) فَلَا عِبْرَة بالصورة عِنْد انْتِفَاء الْمَعْنى (وَذكر الشَّافِعِيَّة من الاعتراضات) نقض الْحِكْمَة فَقَط) بِأَن تُوجد الْحِكْمَة فِي مَادَّة وَلم تُوجد الْعلَّة وَلَا الحكم (ويسمونه) أَي النَّقْض الْمَذْكُور (كسرا، وَتقدم) فِي المرصد الثَّانِي فِي شُرُوط الْعلَّة (الْخلاف فِي قبُوله) أَي قبُول هَذَا النَّقْض (وَأَن الْمُخْتَار) عِنْد الْأَكْثَر: وَمِنْهُم الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب (قبُوله عِنْد الْعلم برجحان) الْحِكْمَة (المنقوضة) بهَا فِي مَحل النَّقْض على الْمَذْكُورَة فِي الأَصْل، يَعْنِي إِذا
стр. 1175
علم أَنه تحقق فِي مَحل النَّقْض فَرد من أَفْرَاد الْحِكْمَة رَاجِح على الْفَرد الْمَوْجُود فِي الأَصْل (أَو مساواتها) أَي مُسَاوَاة المنقوضة بهَا للمذكورة إِلَّا أَن شرع حكم آخر فِي مَحل النَّقْض أليق بالمنقوضة بهَا (وحققنا ثمَّة خِلَافه) أَي خلاف الْمُخْتَار، وَهُوَ أَن لَا يسمع وَإِن علم رُجْحَان المنقوضة بهَا لما ذكر هُنَاكَ فَارْجِع إِلَيْهِ (ثمَّ منع وجود الْعلَّة) يَعْنِي الْحِكْمَة (هُنَا) أَي فِي الْكسر (على تَقْدِير سَمَاعه) أَي الْكسر (أظهر مِنْهُ) أَي من منع وجودهَا فِي النَّقْض لِأَن قدر الْحِكْمَة يتَفَاوَت، فقد لَا يحصل مَا هُوَ منَاط الحكم مِنْهُ فِي الأَصْل (فِي) مَادَّة (النَّقْض) بِخِلَاف نفس الْوَصْف فَإِنَّهُ لَا يتَفَاوَت فيبعد أَن يخفى وجود الْعلَّة فِي مَادَّة النَّقْض على الناقض فيدعي وجودهَا، وتخلف الحكم بِخِلَاف الْحِكْمَة لما عرفت (خَامِسهَا) أَي خَامِس المنوع على عِلّة حكم الأَصْل (فَسَاد الْوَضع) وَلم يعرفهُ اكْتِفَاء بِمَا يفهم من بَيَان النِّسْبَة، وَهُوَ (أخص من فَسَاد الِاعْتِبَار من وَجه إِذْ قد يجْتَمع ثُبُوت اعْتِبَارهَا) أَي الْعلَّة (فِي نقيض الحكم) الَّذِي هُوَ فَسَاد الْوَضع (مَعَ مُعَارضَة نَص أَو إِجْمَاع) ومعارضة الْعلَّة لأَحَدهمَا هُوَ فَسَاد الِاعْتِبَار (وَلَا يخفى) الْأَمْرَانِ (الْآخرَانِ) اللَّذَان لَا بُد مِنْهُمَا فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص من وَجه بَينهمَا، يَعْنِي انْفِرَاد ثُبُوت اعْتِبَارهَا فِي نقيض الحكم عَن معارضتها لأَحَدهمَا وَعَكسه، وَقيل فَسَاد الْوَضع أخص مُطلقًا من فَسَاد الِاعْتِبَار وَقيل هما وَاحِد، وَنسب إِلَى أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَمَا ذهب إِلَيْهِ المُصَنّف هُوَ الْوَجْه لما علله بِهِ (وَيُفَارق) فَسَاد الْوَضع (النَّقْض بتأثيره) أَي الْوَصْف فِي فَسَاد الْوَضع (فِي النقيض) أَي نقيض الحكم الَّذِي جعل عِلّة لَهُ، بِخِلَاف النَّقْض لِأَنَّهُ لَا تعرض فِيهِ لتأثير الْوَصْف فِيهِ، وَإِنَّمَا يثبت النقيض مَعَه سَوَاء كَانَ التَّأْثِير لَهُ أَو لغيره (و) يُفَارق (الْقلب بِكَوْنِهِ) أَي الْوَصْف فِي فَسَاد الْوَضع يثبت نقيض الحكم (بِأَصْل آخر) وَفِي الْقلب يثبت نقيض الحكم بِأَصْل الْمُسْتَدلّ (و) يُفَارق (الْقدح فِي الْمُنَاسبَة بمناسبته) أَي الْوَصْف والقدح فِي الْمُنَاسبَة (نقيضه) أَي الحكم (من حَيْثُ هُوَ كَذَلِك) يَعْنِي أَن يكون مناسبته الْوَصْف لنقيض الحكم من جِهَة ثُبُوته بِتِلْكَ الْجِهَة كَانَ مناسبا للْحكم، فَقَوله من حَيْثُ مُتَعَلق بمناسبته من جِهَته: أَي إِذا كَانَ، وَضمير هُوَ رَاجع إِلَى الْوَصْف مُبْتَدأ خَبره كَذَلِك، وَالْإِشَارَة إِلَى حَال الْوَصْف مَعَ الحكم بِاعْتِبَار الْمُنَاسبَة، وَذَلِكَ إِنَّمَا يتَحَقَّق (إِذا كَانَ من جِهَته) أَي إِذا كَانَت الْمُنَاسبَة للنقيض من جِهَة مُنَاسبَة الْوَصْف للْحكم، لَا من جِهَة أُخْرَى كمصلحة مترتبة عَلَيْهِ، وتذكير الضَّمِير فِي كَانَ بِتَأْوِيل التناسب (بِخِلَافِهِ) أَي بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ التناسب للنقيض (من غَيره) أَي من غير جِهَة تناسب للْحكم كَمَا (إِذا كَانَ لَهُ) أَي للوصف (جهتان) تناسب بأحداهما الحكم وبالأخرى
стр. 1176
نقيضه (كَكَوْنِهِ) أَي الْمحل (مشتهى) للنفوس (يُنَاسب الْإِبَاحَة) كإباحة النِّكَاح (لدفع الْحَاجة) من قَضَاء الشَّهْوَة (و) يُنَاسب (التَّحْرِيم) على التَّأْبِيد (لقطع الطمع) إِذْ بِهِ يرفع الطمع المفضي إِلَى مُقَدمَات الْهم وَالنَّظَر المفضية إِلَى الْفُجُور، وَفِي الشَّرْح العضدي وَقد تخلص مِمَّا ذَكرْنَاهُ أَن ثُبُوت النقيض مَعَ الْوَصْف نقض، فَإِن زيد ثُبُوته بِهِ ففساد الْوَضع، وَأَن زيد كَونه بِهِ فِي أصل الْمُسْتَدلّ فَقلب، وَبِدُون ثُبُوته مَعَه فالمناسبة من جِهَة وَاحِدَة قدح فِيهَا وَمن جِهَتَيْنِ لَا، فَعلم أَن الْمُعْتَبر فِي فَسَاد الْوَضع ثُبُوت نقيض الحكم بِالْوَصْفِ بل مَعَ اعْتِبَار الشَّارِع ذَلِك، وَذَلِكَ يسْتَلْزم ثُبُوته مَعَه، وَفِي الْقدح عدم لُزُوم ثُبُوته مَعَه غير أَن الْوَصْف مُنَاسِب للنقيض من الْجِهَة الَّتِي زعم الْمُسْتَدلّ مُنَاسبَة للْحكم اعْتِبَارهَا (مِثَاله) أَي مِثَال فَسَاد الْوَضع أَن يُقَال فِي التَّيَمُّم (مسح فَيسنّ تكراره كالاستنجاء فَيرد) أَن يُقَال إِثْبَات التّكْرَار بِالْمَسْحِ فَاسد الْوَضع إِذْ الْمسْح (مُعْتَبر فِي كَرَاهَته) أَي التّكْرَار (كالخف) فَإِن تكْرَار الْمسْح عَلَيْهِ يكره إِجْمَاعًا (وَجَوَابه) أَي هَذَا الْمَنْع (بالمانع) أَي بِبَيَان وجود الْمَانِع (فِيهِ) أَي فِي الْخُف الَّذِي هُوَ أصل الْمُعْتَرض (فَسَاده) أَي فَسَاد الْخُف وتلافه بتكرار الْمسْح عَلَيْهِ، فَقَوله فَسَاده إِمَّا مجرور عطف بَيَان للمانع أَو مَرْفُوع خبر مَحْذُوف، وَهُوَ ضمير رَاجع إِلَى الْمَانِع (و) مِثَاله (للحنفية إِضَافَة الشَّافِعِي الْفرْقَة) بَين الزَّوْجَيْنِ إِذا أسلمت وأبى (إِلَى إِسْلَام الزَّوْجَة) فَإِن هَذِه الْإِضَافَة من فَسَاد الْوَضع (فَإِنَّهُ) أَي الْإِسْلَام (اعْتبر) شرعا (عَاصِمًا للحقوق) كَمَا يَقْتَضِيهِ الحَدِيث الصَّحِيح، وَقد ذكر فِي بحث التَّأْثِير (فَالْوَجْه) إضافتها (إِلَى آبَائِهِ) أَي امْتِنَاعه من الْإِسْلَام لِأَنَّهَا عُقُوبَة والامتناع مِنْهُ رَأس كل عُقُوبَة (وَكَقَوْلِه) أَي الشَّافِعِي فِي عِلّة تَحْرِيم الرِّبَا فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالْملح إِنَّهَا الطّعْم إِذْ (المطعوم ذُو خطر) أَي عزة وَشرف لكَونه قوام النُّفُوس وبقاءها (فيزاد فِيهِ) أَي فِي تملكه (شَرط التَّقَابُض) إِظْهَارًا للخطر كَالنِّكَاحِ الْمُوجب للاستيلاء على مَحل ذِي خطر فَإِنَّهُ شَرط فِيهِ زَائِد، وَهُوَ حُضُور الشُّهُود (فَيرد) أَن يُقَال (اعْتِبَار مساس الْحَاجة) إِلَى الشَّيْء إِنَّمَا يُنَاسب أَن يكون مؤثرا (فِي التَّوسعَة) وَالْإِطْلَاق فِي ذَلِك الشَّيْء، لَا فِي التَّضْيِيق وَالتَّقْيِيد بِالشّرطِ الزَّائِد، وَلذَا أحل الْميتَة عِنْد الِاضْطِرَار، وَلذَا جرت السّنة الإلهية بالتوسعة فِي المَاء والهواء وَنَحْوهمَا (سادسها) أَي المنوع على الْعلَّة (الْمُعَارضَة فِي الأَصْل) وَهِي (أَن يُبْدِي) الْمُعْتَرض (فِيهِ) أَي فِي الأَصْل (وَصفا آخر) غير مَا أبداه الْمُسْتَدلّ (صَالحا) للعلية (يحْتَمل أَنه الْعلَّة) وَعبارَة المُصَنّف هَذِه كَانَت وافية بأَدَاء الْمَقْصُود لِأَن الْمَجْمُوع الْمركب من وصف الْمُسْتَدلّ وَوصف الْمُعْتَرض يصدق عَلَيْهِ أَنه اثر وصف آخر غير أَنه قصد التَّوْضِيح فَقَالَ (أَو) أَنه (مَعَ وصف الْمُسْتَدلّ) الْعلَّة (فَالْأول) يَعْنِي مِثَال الأول، وَهُوَ إبداء وصف آخر وَحده (مُعَارضَة الطّعْم)
стр. 1177
الْمُعَلل بِهِ فِي تَعْلِيل الْمُسْتَدلّ لحُرْمَة الرِّبَا فِي المنصوصات (بالقوت أَو الْكَيْل) جعله مِثَالا للْأولِ وَإِن احْتمل أَن يَجْعَل للثَّانِي أَيْضا بِأَن يَجْعَل الْمُعْتَرض الْعلَّة مَجْمُوع الطّعْم والقوت أَو الْكَيْل (وَالثَّانِي) وَهُوَ إبداء وصف مَعَ وصف الْمُسْتَدلّ للعلية (الْجَارِح للْقَتْل الْعدوان) أَي مُعَارضَة الْجَارِح للْقَتْل الْعدوان الْمُعَلل بِهِ فِي تَعْلِيل الْمُسْتَدلّ الْقصاص فِي المحدد (لنفي المثقل) كالحجر الْكَبِير مُتَعَلق بالمعارضة المفهومة، فَإِن الْمعَارض قصد بإبداء الْمَجْمُوع الْمركب من الْجَارِح وَالْقَتْل الْعدوان للعلية نفي وجوب الْقصاص فِي الْقَتْل بالمثقل لِانْعِدَامِ جُزْء الْعلَّة: وَهُوَ الْجَارِح فِيهِ (وَاخْتلف فِيهِ) أَي (فِي) هَذَا الْمَنْع فِي كل من (المذهبين) للحنفية وَالشَّافِعِيَّة من حَيْثُ الْقبُول وَعَدَمه (وَالْمُخْتَار للشَّافِعِيَّة قبُوله) أَي الْمَنْع الْمَذْكُور (لتَحكم الْمُسْتَدلّ) بِهِ (باستقلال وَصفه مَعَ صَلَاحِية) الْوَصْف (المبدي لَهُ) أَي للاستقلال: يَعْنِي يقبل من الْمُعْتَرض أَن يمْنَع علية وصف الْمُسْتَدلّ بإبداء وصف آخر لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يلْزم أَن يكون حكمه باستقلال وَصفه مَعَ كَون الْوَصْف الآخر مثله فِي صَلَاحِية الْعلَّة تحكما مَحْضا وَهُوَ بَاطِل، وَلَا شكّ فِي قبُول مَا تبين بطلَان التَّعْلِيل (وللجزئية) مَعْطُوف على قَوْله يَعْنِي وَكَذَا يلْزم تحكمه فِي دَعْوَى الِاسْتِقْلَال مَعَ صَلَاحِية المبدي للجزئية، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يجوز أَن يكون الْمُعْتَبر عِنْد الشَّارِع فِي الْعلية الْمَجْمُوع الْمركب من الوصفين كَمَا يجوز أَن يكون وصف الْمُسْتَدلّ من غير رُجْحَان لأَحَدهمَا على الآخر فَالْحكم بالاستقلال من الْمُسْتَدلّ تحكم (وَلَا يرجح) وصف الْمُسْتَدلّ من غير رُجْحَان لأَحَدهمَا على الآخر فَالْحكم بالاستقلال من الْمُسْتَدلّ على وصف الْمُعْتَرض وَهُوَ الْمَجْمُوع الْمركب (بالتوسعة) أَي بِسَبَب كَونه أوسع دَائِرَة لِأَن الْجُزْء الْأَعَمّ أَكثر وجودا من الْكل فَيتَحَقَّق الحكم مَعَه أَكثر مِمَّا يتَحَقَّق مَعَ الْكل، أَو الْمَعْنى لَا يرجح وصف الْمُسْتَدلّ سَوَاء كَانَ وصف الْمُعْتَرض مركبا من وصف الْمُسْتَدلّ أَو لَا بِسَبَب كَونه أَعم من الْوَصْف الآخر (لِأَنَّهُ) أَي حُصُول التَّوسعَة (مُرَجّح لما ثبتَتْ عليته) أَي إِذا ثبتَتْ علية وصف بِاعْتِبَار الشَّارِع مَعَ ثُبُوت علية وصف آخر وَكَانَ أَحدهمَا أوسع دَائِرَة من الآخر يرجح الأوسع لكَونه أَكثر إِثْبَاتًا للْحكم وَفِي نُسْخَة لما ثَبت اعْتِبَاره (وَالْكَلَام فِيهِ) فِي أصل ثُبُوت علية وصف الْمُسْتَدلّ، وَقيل ثُبُوتهَا لَا يرجح بِمَا هُوَ أَكثر إِثْبَاتًا لَهُ، لِأَن الأَصْل عَدمه. فَالْحَاصِل أَن الْأَحْوَط بعد ثُبُوت الْعلية اعْتِبَار الأوسع لِئَلَّا يفوت حكم اعْتَبرهُ الشَّارِع بِخِلَاف مَا قبله، فَإِن الأولى فِيهِ رِعَايَة الأَصْل فَتَأمل (وَلَو سلم) التَّرْجِيح بالتوسعة قبل ثُبُوت الْعلية (فمعارض) أَي فَهَذَا الْمُرَجح معَارض على صِيغَة الْمَجْهُول (بِمَا يرجح وصف الْمُعَارضَة) أَي الْوَصْف الْمَذْكُور فِي مقَام الْمُعَارضَة (وَهُوَ) أَي مَا يرجح وصفهَا (مُوَافقَة الأَصْل) وَهُوَ عدم الحكم (بالانتفاء) أَي بِانْتِفَاء الحكم (فِي الْفَرْع) اللَّازِم لوصف الْمُعَارضَة (و) الْمُخْتَار (للحنفية نَفْيه) أَي نفي قبُوله
стр. 1178
(ويسمونها) أَي الْمُعَارضَة فِي الأَصْل (الْمُفَارقَة) إِشَارَة إِلَى مَا سَيَأْتِي من أَن سُؤال الْفرق إبداء خُصُوصِيَّة فِي الأَصْل هِيَ شَرط للوصف مَعَ بَيَان انتفائها فِي الْفَرْع أَو بَيَان مَانع من الحكم فِيهِ مَعَ انْتِفَاء ذَلِك الْمَانِع فِي الأَصْل فهما معارضان فِي الأَصْل وَالْفرع لِأَن ابداء شَرط فِي الأَصْل مُعَارضَة فِيهِ وَبَيَان وجوده فِي الْفَرْع مُعَارضَة فِيهِ، وَمن أَن الْمُعْتَرض إِن لم يتَعَرَّض لانْتِفَاء الشَّرْط فِي الْفَرْع لم يكن من الْفرق بل هُوَ مُعَارضَة فِي الأَصْل الْمُسَمّى مُفَارقَة عِنْد الْحَنَفِيَّة، وَلم يذكروه اكْتِفَاء بِذكر الْمُعَارضَة فِي الأَصْل، وَلَعَلَّ وَجه التَّسْمِيَة أَن بَيَان الخصوصية فِي الأَصْل ينْسب للمفارقة بَين الأَصْل وَالْفرع (فَإِن كَانَ صَحِيحا) اسْم كَانَ رَاجع إِلَى الْفرق الْمَفْهُوم فِي ضمن الْمُفَارقَة لِأَن إبداء الْوَصْف الآخر إِنَّمَا يقْصد بِهِ الْفرق بَين الأَصْل وَالْفرع، وَصِحَّته بِوُجُود دَلِيل على وجود الْفَارِق بَينهمَا فِي الْعلَّة الْمُعْتَبرَة فِي ذَلِك الحكم (فليجعل) الْفرق الْمَوْجُود فِي ضمن تِلْكَ الْمُفَارقَة (ممانعة) أَي فليورد فِي صُورَة الممانعة (ليقبل) من الْمُعْتَرض لِأَن الْمُفَارقَة من الأسئلة الْفَاسِدَة عِنْد الْجُمْهُور، وللممانعة أساس المناظرة، وَبهَا يعرف فقه الرجل (فَفِي إِعْتَاق عبد الرَّهْن) أَي إِعْتَاق الرَّاهِن العَبْد الْمَرْهُون إِذا قَالَ الشَّافِعِي بِبُطْلَانِهِ لِأَنَّهُ (تصرف لَاقَى حق الْمُرْتَهن) بالإبطال بِدُونِ رِضَاهُ (فَيبْطل) إِعْتَاقه (كَبَيْعِهِ) أَي لَا يبطل بيع الرَّاهِن الْمَرْهُون بِغَيْر إِذن الْمُرْتَهن (لَو قَالَ) الْحَنَفِيّ (هِيَ) أَي الْعلَّة (فِي الأَصْل) أَي البيع (كَونه) أَي البيع (يحْتَمل الرّفْع) بعد وُقُوعه فَلَا وَجه لِلْقَوْلِ بانعقاده وَهُوَ على شرف الِانْفِسَاخ من قبل الْمُرْتَهن، بِخِلَاف الْعتْق لكَونه لَا يحْتَمل الرّفْع (لم يقبل) جَوَاب لَو، لما ذكر من أَن الْمُخْتَار عِنْد الْحَنَفِيَّة عدم قبُول الْمُفَارقَة، وَذَلِكَ لِأَن السَّائِل لَيْسَ لَهُ ولَايَة الْفرق كَمَا سيشير إِلَيْهِ، غير أَن الْفرق هَهُنَا صَحِيح فليجعل ممانعة (فَلْيقل إِن ادعيت حكم الأَصْل) أَي إِن جعلت حكم الأَصْل، وَهُوَ البيع (الْبطلَان منعناه) أَي منعنَا كَونه حكم الأَصْل (أَو) ادعيت حكمه (التَّوَقُّف) على إجَازَة الْمُرْتَهن أَو قَضَاء دينه (فَغير حكمك) الَّذِي تُرِيدُ إثْبَاته (فِي الْفَرْع) وَهُوَ الْبطلَان (وَهَذَا) أَي كَون الْمُخْتَار عِنْد الْحَنَفِيَّة نفي قبُوله (لِأَنَّهُ غصب) لمنصب التَّعْلِيل، إِذْ السَّائِل مسترشد فِي موقف الْإِنْكَار فَإِن ادّعى شَيْئا آخر وقف موقف الدَّعْوَى بِخِلَاف الْمُعَارضَة فَإِنَّهَا تكون بعد تَمام الدَّلِيل والمعارض لَيْسَ فِي موقف الْإِنْكَار بل فِي موقف الِاسْتِدْلَال على خلاف مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْخصم (وَلَيْسَ) الْأَمر كَمَا قَالُوا من أَن إبداء وصف آخر غصبه (لِأَنَّهُ) أَي المبدي (لَا يسْتَدلّ عَلَيْهِ) أَي كَون الْوَصْف الآخر عِلّة (بل يجوز كَونه) أَي المبدي وَحده (الْعلَّة أَو) كَونه (مَعَ مَا ذكر) الْمُسْتَدلّ الْعلَّة. (وَحَاصِله) أَي حَاصِل سُؤَاله هَذَا (منع استقلاله) أَي اسْتِقْلَال وصف الْمُسْتَدلّ بالعلية (وتسميته مُعَارضَة تجوز لقَولهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (إِذا أطلقت) الْمُعَارضَة فِي بَاب الْقيَاس
стр. 1179
(فَمَا فِي الْفَرْع) أَي فَالْمُرَاد الْمُعَارضَة فِي الْفَرْع (وَهَذِه) أَي الْمُعَارضَة فِي الأَصْل تذكر (بِقَيْد) هُوَ فِي الأَصْل، فَعلم أَن الْحَقِيقَة فِي إِطْلَاق لفظ الْمُعَارضَة مَا فِي الْفَرْع، فَإِذا اسْتعْمل فِي غَيره كَانَ تجوزا على طَرِيق الِاسْتِعَارَة (وَإِذا رد النَّقْض) الَّذِي هُوَ كَالصَّرِيحِ فِي الِاسْتِدْلَال (إِلَى الْمَنْع) كَمَا مر (فَهَذَا) أَي رد الْمُعَارضَة فِي الأَصْل إِلَى الْمَنْع (أولى) مِنْهُ فِي ذَلِك [وَفِي التَّلْوِيح] وَلَا يخفى أَنه نزاع جدلي يقصدون بِهِ عدم وُقُوع الْخبط فِي الْبَحْث وَإِلَّا فَهُوَ ساع فِي إِظْهَار الصَّوَاب. (قَالُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (ولجواز علتين فِي الأَصْل تعدى) الحكم (بِكُل) مِنْهُمَا (إِلَى محلهَا) أَي إِلَى مَحل تِلْكَ الْعلَّة من موارد تحققها (فَعدم إِحْدَاهمَا) بِعَينهَا (فِي مَحل) تُوجد فِيهِ الْأُخْرَى (لَا يَنْفِي) كَون (الْأُخْرَى) عِلّة للْحكم فتعدى بهَا إِلَى مَحل آخر (وَهَذَا) الْوَجْه (يقْتَصر) فِي إفادته نفي الْقبُول (على مَا يجب فِيهِ) أَي على مَحل يجب فِيهِ (اسْتِقْلَال كل) من العلتين بِدَلِيل يُوجب ذَلِك (دون تَجْوِيز جزئيته) أَي جزئية كل مِنْهُمَا، لما كَانَ الِاسْتِقْلَال الْمُقَابل لتجويز الْجُزْئِيَّة يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ: أَحدهمَا أَن يكون كل من المستقلين مجتمعا مَعَ الآخر، وَالثَّانِي بِخِلَافِهِ فَلَا تجمع علية أَحدهمَا مَعَ علية الآخر، وَعدم قبُول السُّؤَال فِي الأول دون الثَّانِي أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَالْحق) أَن يُقَال (أَن أجمع) أَي انْعَقَد الْإِجْمَاع (على أَنَّهَا) أَي الْعلَّة (فِي مَحل النزاع إِحْدَاهمَا) فَقَط: أَي عِلّة الْمُسْتَدلّ والمعترض اسْتِقْلَالا (كعلة الرِّبَا) فَإِنَّهُ أجمع على أَنَّهَا إِمَّا الْكَيْل وَالْوَزْن، أَو الطّعْم فِي المطعومات وَالثمن فِي الْأَثْمَان، أَو الاقتيات والادخار (قبل) هَذَا السُّؤَال (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يجمع على مَا ذكر (لَا) يقبل لجَوَاز أَن يكون كل مِنْهُمَا عِلّة اسْتِقْلَالا كَمَا ذكر. (وَقَوْلهمْ) أَي الشَّافِعِيَّة (بالاستقراء مبَاحث الصَّحَابَة جمع وَفرق) قَوْله مبَاحث الصَّحَابَة مُبْتَدأ خَبره جمع وَفرق: يَعْنِي جمع الْفَرْع مَعَ الأَصْل فِي الحكم بِمُوجب وصف مُشْتَرك بَينهمَا، وتمييز صُورَة عَن صُورَة أُخْرَى عِنْد توهم مشاركتهما فِي الحكم بِوَصْف مُشْتَرك بَينهمَا بِبَيَان فَارق يُفِيد عدم مشاركتهما فِي عِلّة الحكم، وَذَلِكَ بإبداء وصف مُغَاير لما توهم كَونه عِلّة فِي الصُّورَة الَّتِي ظن كَونهَا أصلا لصورته الْأُخْرَى، وَذَلِكَ إِجْمَاع على جَوَاز وصف فَارق غير مَوْجُود فِي الْفَرْع، وَقَوله بالاستقراء مُتَعَلق بِمَا يفهم من السِّيَاق تَقْدِيره علم بالاستقراء أَنه (لَا يمسهُ) خبر قَوْلهم وَالضَّمِير الْمَنْصُوب رَاجع إِلَى مطلبهم، وَهُوَ قبُول السُّؤَال الْمَذْكُور على الْعُمُوم (إِلَّا إِن نقلت) مباحثهم جمعا وفرقا (على) وَجه (الْعُمُوم) بِحَيْثُ ينْدَرج تحتهَا مبَاحث الْفرق فِي الْمُتَنَازع (وَلَا يُمكن) نقلهَا كَذَلِك لِأَن مَا نقل عَنْهُم مضبوط عِنْد أَئِمَّة النَّقْل وَلَيْسَ فِيهِ الْعُمُوم الْمَذْكُور (وعَلى) تَقْدِير (قبُولهَا) أَي الْمُعَارضَة فِي الأَصْل هَل يلْزم بَيَان انْتِفَاء المبدي فِي الْفَرْع؟ فِيهِ أَقْوَال: فأحدها نعم، إِذْ لَو لم ينتف فِيهِ لثبت مَطْلُوب الْمُسْتَدلّ، فثانيها لَا، لِأَن غَرَضه عدم اسْتِقْلَال وصف الْمُسْتَدلّ
стр. 1180
وَهُوَ يحصل بِمُجَرَّد الإبداء (فثالثها) الَّذِي هُوَ (الْمُخْتَار لَا يلْزم بَيَان انتفائه) أَي الْوَصْف المبدي فِي الأَصْل (عَن الْفَرْع إِلَّا إِن ذكره) أَي الْمُعْتَرض انتفاءه فِي الْفَرْع فكلمة أَن شَرْطِيَّة أَو مَصْدَرِيَّة وَالْوَقْف مُقَدّر: أَي لَا يلْزم ذَلِك إِلَّا وَقت ذكره إِيَّاه، فَإِنَّهُ عِنْد ذَلِك يعلم أَن غَرَضه إِثْبَات انْتِفَاء الحكم فِي الْفَرْع، وَلَا شكّ أَنه حِينَئِذٍ لَا بُد من بَيَان انْتِفَاء الْوَصْف عَن الْفَرْع (لِأَن مَقْصُوده) أَي الْمُعْتَرض (لم ينْحَصر فِي صده) أَي صرف الْمُسْتَدلّ (عَن التَّعْلِيل) بِمَا ذكره من الْوَصْف (لينتفى لُزُومه) أَي لُزُوم بَيَان انْتِفَاء المبدي فِي الْفَرْع (مُطلقًا) أَي انْتِفَاء مُطلقًا يعم جَمِيع صور الْمعَارض فِي الأَصْل، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا لم يكن مَقْصُود الْمُعْتَرض سوى صرف الْمُسْتَدلّ عَن وَصفه وَقد حصل ذَلِك بإبداء وصف آخر يحْتَمل الْعلية كَفاهُ ذَلِك فِي الصّرْف، فَذكر أَن هَذَا المبدي مُنْتَفٍ فِي الْفَرْع أَمر زَائِد على الْمَقْصُود غير مُحْتَاج إِلَيْهِ فِي صُورَة من الصُّور، إِذْ الْمَفْرُوض انحصار قَصده فِي الْجَمِيع فِي ذَلِك (وَلَا نفى حكمه) أَي وَلم ينْحَصر أَيْضا مَقْصُوده فِي نفي حكم الأَصْل (فِي الْفَرْع ليلزم) بَيَان انتفائه (مُطلقًا) أَي لُزُوما مُطلقًا يعم الصُّور كلهَا لِأَن الْمَقْصُود على هَذَا التَّقْدِير لَا يحصل إِلَّا بِبَيَان انتفائه فِيهِ (بل قد) يكون مَقْصُود الْمُعْتَرض الصد (وَقد) يكون نفي الحكم (فَإِذا ادَّعَاهُ) أَي الْمُعْتَرض نفي الحكم (لزمَه إثْبَاته) أَي إِثْبَات مَا ادَّعَاهُ لالتزامه ذَلِك وَإِن لم يجب عَلَيْهِ ابْتِدَاء (و) كَذَا الْمُخْتَار أَنه (لَا) يلْزم الْمُعْتَرض (ذكره) أَي أَن يذكر (أصلا) مُعْتَبرا من الشَّارِع (لوصفه) الَّذِي أبداه فِي الأَصْل تبين ذَلِك الأَصْل تَأْثِير فِي الحكم (كمعارضة الاقتيات بالطعم) أَي كَأَن يَقُول الْمُعْتَرض عَلَيْهِ حُرْمَة الرِّبَا فِي المنصوصات الطّعْم لَا الْقُوت (كَمَا فِي الْملح) الَّذِي هُوَ مِنْهَا وَهُوَ طعم وَلَيْسَ بقوت، ثمَّ علل عدم لُزُوم ذَلِك الأَصْل لوصف الْمُعْتَرض بقوله (لِأَنَّهُ لم يَدعه) أَي الْمُعْتَرض كَون وَصفه عِلّة حَتَّى يحْتَاج إِلَى شَهَادَة الأَصْل (إِنَّمَا جوز مَا ذكر) من كَون وَصفه عِلّة أَو جزءها (ليلزم) الْمُسْتَدلّ (التحكم) فِي جعله الْعلَّة وَصفه لَا وصف الْمُعْتَرض مَعَ تساويهما فِي صلوح الْعلية (وَأَيْضًا يَكْفِيهِ) أَي الْمُعْتَرض فِي وَصفه المبدي (أصل الْمُسْتَدلّ) إِذْ لَا بُد من وجود وَصفه فِيهِ (فَيَقُول) الْمُعْتَرض (جَازَ الطّعْم أَو الْكَيْل أَو هما) عِلّة (كَمَا فِي الْبر بِعَيْنِه وجوابها) أَي الْمُعَارضَة الْمَذْكُورَة من الْمُسْتَدلّ (على) تَقْدِير (الْقبُول) كَمَا هُوَ الْمُخْتَار للشَّافِعِيَّة (بِمَنْع وجوده) أَي الْوَصْف الْمعَارض بِهِ فِي الأَصْل كَأَن يَقُول لَا نسلم أَنه مَكِيل فِي زَمَانه ﷺ وَهُوَ الْمُعْتَبر (أَو) منع (تَأْثِيره) أَي الْوَصْف الْمعَارض بِهِ فِي الأَصْل (إِن كَانَ لم يُثبتهُ الْمُسْتَدلّ أَو أثْبته) بِمَا كَانَ يَقُول إِذْ أثْبته (بِمَا كَانَ) أَي بِأَيّ طَرِيق كَانَ، يَعْنِي بِمَنْع التَّأْثِير على الْإِطْلَاق سَوَاء كَانَ الْمُسْتَدلّ لم يثبت علية وَصفه أَو أثبت وعَلى تَقْدِير الْإِثْبَات سَوَاء أثبتها بالمناسبة أَو الشّبَه أَو غَيرهمَا، وَهَذَا رد لما فِي الشَّرْح العضدي
стр. 1181
من أَن الْمُطَالبَة بِكَوْن الْوَصْف الْمعَارض مؤثرا بِأَن يُقَال للمعترض لم قلت أَن الْكَيْل يُؤثر إِنَّمَا يسمع من الْمُسْتَدلّ إِذا كَانَ مثبتا للعلية بالمناسبة أَو الشّبَه حَتَّى يحْتَاج الْمعَارض إِلَى بَيَان مُنَاسبَة أَو شبه، بِخِلَاف مَا إِذا أثْبته بالسبر فَإِن الْوَصْف يدْخل فِي السبر بِدُونِ ثُبُوت الْمُنَاسبَة بِمُجَرَّد الِاحْتِمَال، ثمَّ بَين ذَلِك بقوله (وَتَقْيِيد سَمَاعه) أَي سَماع منع التَّأْثِير وقبوله (من الْمُسْتَدلّ بِمَا إِذا كَانَ الْمُسْتَدلّ أثبت وَصفه) أَي عليته (بالمناسبة وَنَحْوهَا) أَي الشّبَه، وَقد مر الْفرق بَينهمَا وَحَاصِله أَن الأولى بِالنّظرِ إِلَى ذَات الْوَصْف، وَالْأُخْرَى بِالنّظرِ إِلَى الْخَارِج (لَا بالسبر وَنَحْوه تحكم) خبر الْمُبْتَدَأ (لِأَن ذَاك) إِشَارَة إِلَى مَا جعله الْمُسْتَدلّ عِلّة (وَصفه) أَي الْمُسْتَدلّ، (وَهَذَا) المبدي الْمعَارض بِهِ وصف (آخر مجوز) أَي جوزه الْمُعْتَرض (دَفعه) الْمُسْتَدلّ صفة مجوز (بِعَدَمِ التَّأْثِير، وَهُوَ) أَي عدم التَّأْثِير (عدم الْمُنَاسبَة عِنْدهم) أَي الشَّافِعِيَّة (فَيجب إثْبَاته) أَي التَّأْثِير على الْمُسْتَدلّ لِئَلَّا يُقَال لَهُ - ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم﴾ - (فبالمناسبة ظَاهر) أَي فَإِن أثبت التَّأْثِير بِبَيَان الْمُنَاسبَة فَالْأَمْر ظَاهر، إِذْ مُرَاد من يقبل عِنْده هَذَا السُّؤَال من التَّأْثِير الْمُنَاسبَة (وَكَذَا) إِن أثْبته (بالسبر، لِأَن مَا أَفَادَ الْعلية أَفَادَ الْمُنَاسبَة، إِذْ هِيَ) أَي الْمُنَاسبَة (لَازم الْعلَّة بِمَعْنى الْبَاعِث) فَمَا أَفَادَ الْمَلْزُوم أَفَادَ اللَّازِم (لَكِن لَا يلْزم إبداؤها) أَي الْمُنَاسبَة (فِي السبر وَنَحْوه، وَلذَا) أَي لما ذكر من لُزُوم الْمُنَاسبَة لمُطلق الْعلَّة عِلّة السبر (عورض المستبقى فِيهِ) أَي فِي السبر (لعدمها) أَي لعدم مُنَاسبَة المستبقى، وَقد عرفت أَن السبر عبارَة عَن حصر الْأَوْصَاف الَّتِي يحْتَمل كَونهَا عِلّة فِي عدد وإلغاء مَا عدا وَاحِد مِنْهَا وَهُوَ المستبقى، وَرُبمَا يُعَارض المستبقى بِوَصْف آخر يدعى الْمعَارض عليته وَأَنه الْمُنَاسب للْحكم دون المستبقى لعدم مناسبته، فلولا أَن الْمُنَاسبَة أَمر لَازم لِلْعِلَّةِ لما نفى الْعلية عَن المستبقى لعدمها، فقد علم أَن الْمشَار إِلَيْهِ بقوله كَذَا لُزُوم الْمُنَاسبَة، لَا عدم لُزُوم إبدائها كَمَا زعم الشَّارِح فَإِن قلت: لَعَلَّه أَرَادَ أَنه لَو كَانَ إبداؤها لَازِما لما عورض عَن المستبقى لعدمها، لِأَنَّهُ على تَقْدِير لُزُوم الإبداء لم يتْركهُ الْمُسْتَدلّ، وعَلى تَقْدِير إبدائها لَا وَجه للمعارضة لعدمها فِي المستبقى قلت على تَقْدِير الإبداء بِزَعْمِهِ: لَا يلْزم وجود الْمُنَاسبَة عِنْد الْمُعْتَرض فَافْهَم (وَقيل الْمَعْنى) للمستدل مُطَالبَة الْمُعْتَرض بِكَوْن وَصفه مؤثرا (إِذا كَانَ الْمُعْتَرض أثْبته) أَي أثبت كَون وَصفه عِلّة (بالمناسبة) لَا بالسبر كَمَا ذكره بعض شارحي الْمُخْتَصر (وَهُوَ خبط، إِذْ بِفَرْض إثْبَاته بهَا) أَي الْمُنَاسبَة (كَيفَ يمْنَع) الْمُسْتَدلّ (التَّأْثِير، وَهُوَ) أَي التَّأْثِير (هِيَ) أَي الْمُنَاسبَة. لَا يُقَال لم لَا يجوز أَن يحمل التَّأْثِير على مَا هُوَ مصطلح الشَّافِعِيَّة (إِذْ لَا يُمكن حمله على اصطلاحهم فِيهِ) أَي فِي التَّأْثِير (وَهُوَ كَون الْعين فِي الْعين) أَي كَون عين الْوَصْف مُعْتَبرا فِي عين الحكم شرعا (بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع، إِذْ لَا يتَعَيَّن) إِثْبَات
стр. 1182
الْمُعْتَرض كَون الْوَصْف عِلّة بِهَذَا الْوَجْه (عَلَيْهِ) أَي الْمُعْتَرض (بعد إثْبَاته) أَي إِثْبَات كَون الْوَصْف عِلّة (بطرِيق صَحِيح هِيَ الْمُنَاسبَة بِالْفَرْضِ) أَي على مَا هُوَ الْمَفْرُوض فِيمَا نَحن فِيهِ (نعم) يتَعَيَّن إِثْبَات التَّأْثِير الْحَنَفِيّ (لَو كَانَ الْمُعْتَرض حنفيا فَإِن الْمُنَاسبَة لَا تَسْتَلْزِم الِاعْتِبَار عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة كَمَا تقدم (فالتأثير عِنْدهم شَرط مَعَ الْمُنَاسبَة، وَهُوَ) أَي التَّأْثِير عِنْدهم (إِن ثَبت اعْتِبَار جنس الْمُنَاسبَة إِلَى آخر الْأَقْسَام) الْمَذْكُورَة فِي بحث التَّأْثِير (وَلَا يَصح) مِمَّن أثبت وَصفه بالسبر مستدلا كَانَ أَو مُعْتَرضًا التَّرْجِيح، هَذِه عبارَة الشَّارِح فِي حل هَذَا الْمحل، جعله كلَاما مُبْتَدأ فِي بَيَان تَرْجِيح وصف على آخر، وَلم يَجعله من تَتِمَّة مُعَارضَة المستبقى فِي السبر الْمَذْكُورَة آنِفا وَلم يدر أَنه لَا يساعده آخر الْكَلَام، إِذْ حَاصله أَن هَذَا التَّرْجِيح لَا يُفِيد مَعَ عدم شَرط الْعلَّة وَهُوَ الْمُنَاسبَة فَيجب أَن يكون عدم الْمُنَاسبَة لَازِما لعِلَّة الْخصم فَتعين كَونه تَتِمَّة مَا ذكرُوا، وَالتَّقْدِير وَلَا يَصح من الْمُسْتَدلّ الفاقد وَصفه الْمُنَاسبَة تَعديَة وَصفه (بترجيح السبر) أَي بترجيح الْوَصْف الثَّابِت عليته بالسبر على الثَّابِت عليته بِغَيْرِهِ (لتعرضه) أَي السبر (لنفي غَيره) من الْأَوْصَاف المحتملة للعلية (و) لَا (بِكَثْرَة الْفَائِدَة) المترتبة على علته بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَتَرَتَّب على علية الآخر (لِأَن ذَلِك) أَي الْمُرَجح الْمَذْكُور إِنَّمَا يعْتَبر بِهِ (بعد ظُهُور شَرطه) أَي شَرط وصف السبر، وَهُوَ مُنَاسبَة المستبقى (أَو عدم ظُهُور عَدمه) أَي عدم الشَّرْط لجَوَاز خَفَاء الْمُنَاسبَة لما عرفت: من أَنه لَا يلْزم إبداء الْمُنَاسبَة فِي السبر (أما مَعَ ظُهُوره) أَي ظُهُور عدم الشَّرْط (فَلَا) يتَرَجَّح السبر (إِذْ لَا يُفِيد) السبر (مَعَ عدم الشَّرْط) الْمُعْتَبر فِي مُطلق الْعلَّة (وَهُوَ) أَي عدم الشَّرْط (الْمُعْتَرض بِهِ) لما عرفت من أَن مدَار مُعَارضَة المستبقى إِنَّمَا كَانَ على عدم الْمُنَاسبَة (أَو بَيَان خفائه) أَي خَفَاء الْوَصْف الْمعَارض بِهِ مَعْطُوف على منع وجوده، وَكَذَا (أَو عدم انضباطه) أَي الْوَصْف الْمَذْكُور (أَو منع ظُهُوره أَو) منع (انضباطه) فَإِن كل وَاحِد من الْمَذْكُورَات منَاف لعلية الْوَصْف الْمعَارض بِهِ لما علم فِي شُرُوط الْعلَّة فَلَا يُعَارض بِهِ عِنْد تحقق شَيْء مِنْهَا (أَو أَنه) أَي الْوَصْف الْمعَارض بِهِ لَيْسَ وجوديا، بل هُوَ (عدم معَارض فِي الْفَرْع) والعدم لَا يكون عِلّة وَلَا جُزْءا مِنْهَا فِي الحكم الثبوتي على مَا هُوَ الْمُخْتَار (كالمكره) أَي كقياس الْقَاتِل الْمُضْطَر إِلَى الْقَتْل (على الْمُخْتَار) أَي الْقَاتِل بِاخْتِيَارِهِ (فِي) وجوب (الْقصاص بِجَامِع الْقَتْل فيعارض بِأَنَّهَا) أَي الْعلَّة فِي حكم الْقصاص (هُوَ) أَي الْقَتْل (مَعَ الطواعية) لِأَنَّهَا مُنَاسبَة لَا يُجَاب الْقصاص لَا الْقَتْل الْمُطلق الَّذِي يعم الْإِكْرَاه (فيجيب) الْمُسْتَدلّ (بِأَنَّهَا) أَي الطواعية (عدم الْإِكْرَاه لَا الْإِكْرَاه الْمُنَاسب لنقيض الحكم) أَي عدم الْقصاص، فحاصله عدم معَارض، وَعدم الْمعَارض طرد لَا يصلح للتَّعْلِيل، لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْبَاعِث فِي شَيْء، كَذَا فِي الشَّرْح العضدي: وَذَلِكَ أَن
стр. 1183
عدم الْمعَارض من قبيل عدم الْمَانِع، لَا من جَانب الْمُقْتَضى الَّذِي هُوَ الْعلَّة، وَهَذَا لَا غُبَار عَلَيْهِ، لَكِن قَوْله أَنَّهَا عدم الْإِكْرَاه لَا الْإِكْرَاه يُفِيد بِظَاهِرِهِ أَنَّهَا لَو كَانَت عين الْإِكْرَاه لناسبت الحكم وَلَا معنى لَهُ كَمَا لَا يخفى. ثمَّ وَصفه الْإِكْرَاه بمناسبة نقيض الحكم مدافعة، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ وَالله تَعَالَى أعلم أَن الطواعية إِنَّمَا هُوَ لعدم الْمُضَاف إِلَى الْإِكْرَاه، وَلَا مُنَاسبَة بَين هَذَا الْعَدَم وَالْحكم أصلا وَلَيْسَت هِيَ الْإِكْرَاه الَّذِي فِيهِ مُنَاسبَة فِي الْجُمْلَة، على أَنه لَو كَانَت عين الْإِكْرَاه أَيْضا لما أَفَادَهُ، بل آخِره، لِأَن مُنَاسبَة الْإِكْرَاه إِنَّمَا هِيَ بِالنّظرِ إِلَى نقيض الحكم، وَفِيه مَا فِيهِ (أَو بإلغائه) أَي الْوَصْف إِلَى آخِره، إِمَّا مُطلقًا فِي جنس الْأَحْكَام كالطول وَالْقصر، أَو فِي حكم الْمُعَلل بِهِ كالذكورة فِي الْعتْق (باستقلال وَصفه) أَي بِسَبَب اسْتِقْلَال وصف الْمُسْتَدلّ بالعلية (بِنَصّ أَو إِجْمَاع كلا تَبِيعُوا الطَّعَام) بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء (فِي مُعَارضَة الطّعْم) أَي كجواب الْمُسْتَدلّ على أَن عِلّة الرِّبَا الطّعْم المعترضة بمعارضته (بِالْكَيْلِ) لِأَن النَّص دلّ على اعْتِبَار الطّعْم فِي صُورَة مَا، وَهُوَ هَذَا الحَدِيث، فَإِن اعْتِبَار الحكم مُرَتبا على وصف مشْعر بالعلية (وَمن بدل دينه فَاقْتُلُوهُ عِنْد مُعَارضَة مطلقه) يَعْنِي إِذا علل الْمُسْتَدلّ الْقَتْل بِمُطلق تَبْدِيل الدّين ففرع عَلَيْهِ قتل الْيَهُودِيّ إِذا تنصر وَعَكسه إِلَّا أَن يسلم لتحَقّق مَا طلق التبديل فعورض (بتبديل الْإِيمَان بالْكفْر) يَعْنِي فَيَقُول الْمُعْتَرض لَيْسَ الْعلَّة بِمُطلق التبديل، بل تَبْدِيل الْإِيمَان بالْكفْر: وعَلى هَذَا فَالْمُرَاد بِهِ دين الْإِسْلَام، غير أَن الْعلَّة مُطلق التبديل فَألْحق الْيَهُودِيّ إِذا تنصر بِالْمُسلمِ الْمُبدل دينه لاشْتِرَاكهمَا فِي التبديل الْمُطلق (وَلَو قَالَ) الْمُسْتَدلّ (عَم) التبديل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث (فِي كل تَبْدِيل) سَوَاء كَانَ تَبْدِيل دين الْحق بباطل أَو بَاطِل بباطل (كَانَ) هَذَا القَوْل (شَيْئا آخر) وَدَعوى حكم كلي شَرْعِي غير مستنبط من الحَدِيث الْمَذْكُور، فَإِن الْمُعَارضَة الْمَذْكُورَة دافعة لهَذَا الاستنباط، فَيكون حِينَئِذٍ إثْبَاته بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ فَلَا يسمع مِنْهُ هَذَا (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَي من الإلغاء المقبول (انْفِرَاد الحكم عَنهُ) أَي عَن الْوَصْف المبدي للمعترض (لعدم) اشْتِرَاط (الْعَكْس) فِي الْعلَّة على مَا هُوَ الْمُخْتَار، وَقد مر تَفْصِيله فِي الشُّرُوط فِي الشَّرْح العضدي رُبمَا يظنّ أَن إِثْبَات الحكم فِي صُورَة دون وصف الْمعَارض كَاف فِي إلغائه، وَالْحق أَنه لَيْسَ بكاف لجَوَاز وجود عِلّة أُخْرَى لما تقدم من جَوَاز تعدد الْعلَّة وَعدم وجوب الْعَكْس (لَكِن يتم) بِبَيَان انْفِرَاد الحكم عَن الْوَصْف الْمعَارض بِهِ (اسْتِقْلَال وصف الْمُسْتَدلّ) إِذْ لَو لم يسْتَقلّ لم يتَحَقَّق الحكم مَعَه فِي صُورَة الِانْفِرَاد الْمَذْكُور (ولكونه) أَي انْفِرَاد الحكم عَنهُ (لَيْسَ إِلْغَاء) لَهُ (لَا يُفِيد إبداء الْخلف) أَي إبداء وصف آخر يخلف الْوَصْف الْمعَارض بِهِ فِي صُورَة انْفِرَاد الحكم عَنهُ (من الْمُعْتَرض) لَا يُفِيد دفع الإلغاء لِأَنَّهُ فرع ثُبُوته، وَإِنَّمَا فَائِدَته نفي اسْتِقْلَال وصف
стр. 1184
الْمُسْتَدلّ (وَهُوَ) أَي إبداء الْخلف من الْمُعْتَرض بعد بَيَان الْمُسْتَدلّ انْفِرَاد الحكم عَن الْوَصْف الْمعَارض بِهِ لِئَلَّا يكون وصف الْمُسْتَدلّ مُسْتقِلّا (تعدد الْوَضع) أَي يُسمى بِهِ لتَعَدد أصل الوضعين أَحدهمَا الْمعَارض بِهِ أَولا. وَالثَّانِي الْخلف المبدي وَالتَّعْلِيل فِي أَحدهمَا بِالْبَاقِي بعد المبدي على وضع: أَي مَعَ قيد، وَفِي الآخر على وضع مَعَ قيد آخر كَمَا سَيظْهر فِي الْمِثَال (نَحْو) أَن يُقَال فِي صِحَة أَمَان العَبْد الْمُسلم الْعَاقِل الْحَرْبِيّ (أَمَان) صادر (من مُسلم عَاقل، فَيقبل كَالْحرِّ) أَي كأمان الْحر الْمُسلم الْعَاقِل (لِأَنَّهُمَا) أَي الْإِسْلَام وَالْعقل (مظنتان للِاحْتِيَاط للأمان) أَي للِاحْتِيَاط فِي مصلحَة الْأمان: أَي بذل الْأمان وَجعله آمنا (فيعترض بِاعْتِبَار) وصف (الْحُرِّيَّة مَعَهُمَا) أَي الْإِسْلَام وَالْعقل فِي الْعلية (لِأَنَّهَا) أَي الْحُرِّيَّة (مَظَنَّة التفرغ) للنَّظَر فِي مصلحَة الْإِيمَان لعدم الِاشْتِغَال بِخِدْمَة الْمولى (فنظره) أَي الْحر (أكمل) من نظر العَبْد (فيلغيها) أَي الْمُسْتَدلّ الْحُرِّيَّة (بالمأذون لَهُ فِي الْقِتَال) أَي باستقلال الْإِسْلَام وَالْعقل بالأمان فِي العَبْد الْمَأْذُون لَهُ فِي قتال الْكفَّار فَإِن لَهُ الْأمان اتِّفَاقًا (فَيَقُول) الْمُعْتَرض (الْإِذْن) أَي إِذن السَّيِّد لَهُ فِيهِ (خلفهَا) أَي الْحُرِّيَّة (لدلالته) أَي الْإِذْن (على علم السَّيِّد بصلاحه) لإِظْهَار مصَالح الْأمان (فالباقي) أَي الْإِسْلَام وَالْعقل (عِلّة) لصِحَّة الْأمان حَال كَونه (على وضع: أَي قيد الْحُرِّيَّة) فالعلة الْمَجْمُوع (و) أَيْضا عِلّة لَهُ على وضع (آخر) أَي قيد (الْإِذْن وَجَوَابه) أَي جَوَاب تعدد الْوَضع (أَن يلغي) أَي الْمُسْتَدلّ ذَلِك (الْخلف) بِصُورَة فِيهَا وصف الْمُسْتَدلّ مَعَ الحكم، و (لَيْسَ) ذَلِك الْخلف (فِيهَا، فَإِن أبدى) الْمُعْتَرض (فِيهَا) أَي فِي الصُّورَة المبتدأة (خلفا) آخر (فَكَذَلِك) أَي فَالْجَوَاب بالإلغاء بِصُورَة أُخْرَى، والاعتراض بإبداء الْخلف يسْتَمر على المنوال الْمَذْكُور (إِلَى أَن يقف أَحدهمَا) أما الْمُسْتَدلّ لعَجزه عَن الإلغاء، أَو الْمُعْتَرض لعَجزه عَن الْخلف (وَلَا يلغي) أَي وَلَا يتَحَقَّق الإلغاء من الْمُسْتَدلّ للوصف الْمعَارض بِهِ (بِضعْف الْحِكْمَة إِن سلم) الْمُسْتَدلّ (المظنة) أَي وجود المظنة المتضمنة لتِلْك الْحِكْمَة (كالردة عِلّة الْقَتْل) وَقِيَاس الْمُرْتَدَّة على الْمُرْتَد بِوُجُوب الْقَتْل (فَيُقَال) على سَبِيل الِاعْتِرَاض، بل (مَعَ الرجولية، لِأَنَّهُ) أَي الارتداد مَعهَا (المظنة لقِتَال الْمُسلمين) إِذْ يعْتَاد ذَلِك من الرِّجَال دون النِّسَاء (فيلغيه) أَي الْمُسْتَدلّ كَون المظنة لذَلِك (بمقطوع الْيَدَيْنِ) بِضعْف الْحِكْمَة فِيهِ مَعَ أَنه يقتل اتِّفَاقًا إِذا ارْتَدَّ: فَهَذَا (لَا يقبل) من الْمُسْتَدلّ (بعد تَسْلِيم كَون الرجولية مَظَنَّة) اعتبرها الشَّرْع فيدار الحكم عَلَيْهَا وَلَا يلْتَفت إِلَى ضعف حكمتها فِي بعض الصُّور كسفر الْملك المرفه لَا يمْنَع التَّرَخُّص (وَلَا يُفِيد تَرْجِيح الْمُسْتَدلّ وَصفه) على وصف الْمُعْتَرض (بِشَيْء) من وُجُوه التَّرْجِيح فِي جَوَاب الْمُعَارضَة خلافًا للآمدي (لِأَن الْمُفِيد) فِي ذَلِك (تَرْجِيح أَوْلَوِيَّة
стр. 1185
اسْتِقْلَال وَصفه، وَهُوَ) أَي ترجيحها (مُنْتَفٍ مَعَ احْتِمَال الْجُزْئِيَّة) أَي جزئية وصف الْمُعَارضَة من الْعلَّة مَعَ وصف الْمُسْتَدلّ (أَو يدعى) أَي إِلَّا أَن يدعى (الْمُعْتَرض اسْتِقْلَال وَصفه) فَإِنَّهُ يُفِيد تَرْجِيح الْمُسْتَدلّ وصف نَفسه (وَأما أَن) الْعلَّة (المتعدية لَا ترجح) على القاصرة (لمعارضة (مُوَافقَة الأَصْل) أَي لكَون القاصرة مُعَارضَة للمتعدية بِأَنَّهَا مُوَافقَة للْأَصْل الَّذِي هُوَ عدم الْأَحْكَام كَمَا أُشير إِلَيْهِ فِي الشَّرْح العضدي (فَلَا) يَصح، بل المستقل الْمُتَعَدِّي رَاجِح على المستقل الْقَاصِر. (وَاخْتلف فِي) جَوَاز (تعدد الْأُصُول) أَي الْأُصُول الْمَقِيس عَلَيْهَا (فَقيل لَا) يجوز (لِأَن) الأَصْل (الزَّائِد لَا يحْتَاج إِلَيْهِ) لِأَن الْمَقْصُود قد حصل بِالْوَاحِدِ (وَيدْفَع) هَذَا (بِثُبُوت الْحَاجة) إِلَى الزَّائِد (لزِيَادَة الْقُوَّة) إِلَيْهِ نَفسه، وبالنظر إِلَى الْخصم فِي مقَام المناظرة فِي الظَّن بالعلية. (وَالْوَجْه الآخر، وَهُوَ تأديه) أَي جَوَاز تعدد الْأُصُول (إِلَى الانتشار وَزِيَادَة الْخبط يَدْفَعهُ) أَي يدْفع الدّفع الْمَذْكُور (لِأَن مَعَه) أَي مَعَ تأديه إِلَى مَا ذكر (يبعد الظَّن فضلا عَن زِيَادَته) أَي زِيَادَة الظَّن (فاختيار جَوَازه) أَي التَّعَدُّد (مُطلقًا) بِالنّظرِ إِلَى نَفسه وبالنظر إِلَى الْخصم فِي مقَام المناظرة كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن الْحَاجِب (لَيْسَ بِذَاكَ) الْقوي (بل) الْوَجْه جَوَاز (فِي نظره لنَفسِهِ) لانْتِفَاء الانتشار (لَا) فِي (المناظرة) لتأديه إِلَى الانتشار (وعَلى الْجَوَاز) أَي جَوَاز تعددها (اخْتلف فِي اقْتِصَار الْمعَارض على أَحدهَا) أَي الْأُصُول (فالمجيز) لاقتصاره على أَحدهَا قَالَ (إبِْطَال جُزْء من كَلَامه) أَي الْمُسْتَدلّ (إِبْطَاله) أَي كَلَامه من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع (وملزم إبِْطَال الْكل) وَهُوَ من يَقُول لابد من إبِْطَال كل وَاحِد من أصُول الْمُسْتَدلّ قَالَ (إِذا سلم لَهُ) أَي الْمُسْتَدلّ (أصل) وَاحِد (كَفاهُ) فِي مَطْلُوبه (وَمحله) أَي مَحل هَذَا القَوْل (اتِّحَاد الْوَصْف دون تعدده) أَي وصف الْمُسْتَدلّ، بَيَانه: أَي الأَصْل إِذا تعدد يحْتَمل أَن يكون الْوَصْف أَيْضا مُتَعَددًا، وَيحْتَمل أَن يكون متحدا، فعلى الأول لَا وَجه للْخلاف فِي عدم لُزُوم إبِْطَال الْكل، لِأَن تعدد وصف الْقيَاس يسْتَلْزم تعدده لِأَنَّهُ المناط فِيهِ، وَإِبْطَال أحد الوصفين إبِْطَال لأحد القياسين، وَإِبْطَال أحد القياسين بِدُونِ إبِْطَال الآخر إِلْزَام تَامّ، وعَلى الثَّانِي أَيْضا لَا وَجه للْخلاف فِي لُزُوم إبِْطَال الْكل، لِأَن اتِّحَاد الْوَصْف يسْتَلْزم اتِّحَاد الْقيَاس، وَالْقِيَاس الْوَاحِد إِذا سلم لَهُ أصل وَاحِد يَكْفِي فِي إِثْبَات الْمطلب، فَلَا بُد من إبِْطَال الْكل لتحَقّق الْإِلْزَام، فَيلْزم إبِْطَال الْكل قَوْله مَبْنِيّ على اتِّحَاد الْوَصْف والمجيز للاقتصار على تعدده، فمورد نفي لُزُوم إبِْطَال الْكل غير مورد إثْبَاته فَلَا خلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَا يتلاقيان) أَي النَّفْي وَالْإِثْبَات فِي مَحل وَاحِد. وَالشَّارِح فسر اتِّحَاد الْوَصْف الْمعَارض بِهِ وَلَو لم يذكر لَهُ وَجها وَلَا وَجه لَهُ، غير أَنه ذكر الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ أَن اللازمين إبِْطَال الْكل اخْتلفُوا فِي وجوب
стр. 1186
اتِّحَاد الْوَصْف الْمعَارض بِهِ فِي الْجَمِيع (فَنظر) الْقَائِل (الأول) وَهُوَ مجيز الِاقْتِصَار على أَحدهَا (إِلَى أَنه) أَي الْمُسْتَدلّ (الْتزم صِحَة الْإِلْحَاق) أَي إِلْحَاق الْفَرْع (بِكُل) من الْأُصُول (وَعجز عَنهُ) أَي عَن الْإِلْحَاق بِكُل (فَبَطل) بالتزامه (و) الْقَائِل (الآخر) يَقُول (الْمَقْصُود إثْبَاته) أَي الحكم (فِي الْفَرْع، ويكفيه) أَي الْمُسْتَدلّ (مَا سلم) لَهُ: أَي من الْأُصُول بِشَيْء من الْأَجْوِبَة الْمَذْكُورَة من الْأُصُول فَلَا بُد من مُعَارضَة الْكل لِئَلَّا يسلم لَهُ شَيْء من الْأُصُول (وَفِي مُعَارضَة الْكل) أَي جَمِيع الْأُصُول (لَو أجَاب) الْمُسْتَدلّ (عَن) مُعَارضَة (أَحدهَا) أَي الْأُصُول بِشَيْء من الْأَجْوِبَة الْمَذْكُورَة (فالقولان) أَي فالثابت على ذَلِك التَّقْدِير الْقَوْلَانِ الْمَذْكُورَان: أَي ينظر أَحدهمَا أَنه (لَا بُد أَن يدْفع) الْمُسْتَدلّ (عَمَّا الْتَزمهُ) وَهُوَ الْكل فَلَا يَكْفِيهِ الْجَواب عَن أَحدهمَا، فَقَط وَهُوَ نَظِير القَوْل الأول. وَالثَّانِي أَنه (يَكْفِيهِ) أَي الْمُسْتَدلّ أصل (وَاحِد) من تِلْكَ الْأُصُول، وَقد سلم لَهُ بعد الْجَواب عَن معارضته، وَهَذَا نَظِير القَوْل الثَّانِي كَمَا لَا يخفى (وَأما سُؤال التَّرْكِيب فَتقدم فِي الشُّرُوط) لحكم الأَصْل. وَحَاصِله الْمَنْع إِمَّا لعلية عِلّة حكم الأَصْل أَو لوجودها أَو لحكم الأَصْل فَهُوَ مندرج فِي المنوع الْمَذْكُورَة (و) أما (سُؤال التَّرْجِيح بالتعدية) فمثاله قَول الْمُسْتَدلّ بكر فَيجْبر كالصغيرة (فيعارض الْبكارَة المتعدية إِلَى الْبَالِغَة بالصغر) مُتَعَلق بيعارض (الْمُتَعَدِّي إِلَى الثّيّب) الصَّغِيرَة الْمُنَاسب للإجبار (ليتساويا) فِي التَّعْدِيَة: تَقْدِير الْكَلَام، وَأما سُؤال التَّرْجِيح بالتعدية فمثاله فِي مسئلة إِجْبَار الْبكر الْبَالِغَة قِيَاسا على الْبكر الصَّغِيرَة بتعليل حكم الأَصْل بالبكارة المتعدية إِلَى الْبَالِغَة دون الصَّغِيرَة، ويعارض الْبكارَة (ومرجعه) أَي هَذَا السُّؤَال (إِلَى الْمُعَارضَة فِي الأَصْل بِمَا يُسَاوِي الْأُخْرَى فِي التَّعْدِيَة) لِئَلَّا يتَرَجَّح وصف الْمُسْتَدلّ بتعديته (وَلَا تَرْجِيح بِزِيَادَة التَّعْدِيَة) الثَّابِت ثَابت (للحنفية، بِخِلَاف أَصْلهَا) أَي أصل التَّعْدِيَة فَإِن التَّرْجِيح بِهِ ثَابت عِنْدهم أَيْضا فَلَيْسَ هَذَا السُّؤَال مُسْتقِلّا بل هُوَ مندرج فِيمَا ذكر (وَإِذ لم يقبلُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (الْمُعَارضَة فِي الأَصْل لم يذكرُوا سُؤال اخْتِلَاف جنس الْمصلحَة) فِي الأَصْل وَالْفرع بعد اتِّحَاد الضَّابِط فيهمَا (كإيلاج محرم) أَي كَأَن يَقُول الْمُسْتَدلّ للحد باللواط هُوَ إيلاج فِي فرج محرم مشتهي طبعا (فَيحد بِهِ كَالزِّنَا فَيَقُول) الْمُعْتَرض (الْمصلحَة مُخْتَلفَة فِي تحريمهما) أَي اللواط وَالزِّنَا (فَفِي الزِّنَا اخْتِلَاط النّسَب المفضي إِلَى عدم تعهد الْوَلَد، وَهُوَ) أَي عدم تعهد الْوَلَد (قتل معنى، وَفِي اللواط دفع رذيلته) وهما متفاوتان فِي نظر الشَّرْع، فَقِيَاس أَحدهمَا على الآخر قِيَاس مَعَ الْفَارِق (لِأَنَّهُ) أَي السُّؤَال الْمَذْكُور (هِيَ) أَي الْمُعَارضَة فِي الأَصْل فَلم يفردوه بِالذكر، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه هِيَ (إِذْ حَاصله) أَي قَول الْمُعْتَرض (الْعلَّة) فِي الأَصْل (شَيْء آخر) وَهُوَ كَونه مُوجبا لاختلاط النّسَب (مَعَ مَا ذكرت)
стр. 1187
من قَوْلك إيلاج محرم (وَلذَا) أَي وَلكَون معارضته فِي الأَصْل (كَانَ جَوَابه) أَي السُّؤَال الْمَذْكُور (جوابها) أَي الْمُعَارضَة الْمَذْكُورَة (بإلغاء الخصوصية) المبتدأة فِي الأَصْل لبَيَان الِاخْتِلَاف (بطريقه) أَي الإلغاء (مَعَ أَنه) أَي السُّؤَال الْمَذْكُور بِاعْتِبَار منشئه (ينْدَرج فِي) عُمُوم (معنى الشُّرُوط) للفرع، إِذْ مِنْهَا مساواته الأَصْل فِيمَا علل، وَهِي منتفية هَهُنَا. (الثَّالِث) من مُقَدمَات الْقيَاس الْمَذْكُورَة، وَهُوَ ثُبُوت الْعلَّة فِي الْفَرْع (عَلَيْهِ سؤالان: الأول منع وجودهَا) أَي الْعلَّة (فِي الْفَرْع كَقَوْل الْحَنَفِيَّة فِي قَوْلهم) أَي الشَّافِعِيَّة (بيع التفاحة) أَي الْوَاحِدَة (بثنتين بيع مطعوم بمطعوم مجازفة فَلَا يَصح كصبرة) أَي كَبيع صبرَة (بصبرتين) ومقول قَول الْحَنَفِيَّة (يمْنَع وجوده) أَي وَصفه (فِي الْفَرْع لِأَن المجازفة بِاعْتِبَار الْكَيْل) إِذْ لَا يُقَال بَاعه مجازفة إِلَّا فِي شَيْء يعْتَاد بَيْعه بِالْكَيْلِ (وَهُوَ) أَي الْكَيْل (مُنْتَفٍ فِيهِ) أَي فِي التفاح (وَيرد) على هَذَا الْمَنْع (أَنَّهَا بِاعْتِبَار الْمُقدر) يَعْنِي أَن المجازفة إِنَّمَا تطلق عرفا بِاعْتِبَار الْقدر المجازف فِيهِ (كَيْلا ووزنا) لَا كَيْلا فَقَط: وَذَلِكَ بِحَسب اعْتِبَار الشَّرْع (فالإلحاق) للفرع بالأصلين الْمَذْكُورين (بِاعْتِبَار) الْقدر (الْأَعَمّ) من الْكَيْل وَالْوَزْن فَالْحَاصِل أَن الْعلَّة فِي الأَصْل المجازفة الْمُطلقَة الَّتِي تتَحَقَّق فِي ضمن كل مِنْهُمَا، فَلَا يَصح منع وجود الْوَصْف المناط للْحكم (فَإِنَّمَا يدْفع هَذَا) الْإِيرَاد (بانتفائها) أَي الْكَيْل وَالْوَزْن مَعًا فِي التفاح (لِأَنَّهُ) أَي التفاح (عددي، وَهُوَ) أَي كَونه عدديا (مَوْقُوف على أَنه) أَي التفاح (كَذَلِك) أَي عدديا (فِي زَمَنه ﷺ ، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن فِي زَمَنه عدديا (فالعادة) أَي فَالْعِبْرَة بِمَا هُوَ الْعرف فِي بَيْعه من وزن وَغَيره (وَهِي) أَي الْعَادة (مُخْتَلفَة فِيهِ) أَي فِي التفاح بِاعْتِبَار الْبلدَانِ (و) كَمَا (لمُحَمد فِي إِيدَاع الصَّبِي) غير الْمَأْذُون مَالا غير الرَّقِيق، من أَنه لَا يضمن إِذا أتْلفه، لِأَن مَالِكه (سلطه على استهلاكه) والاستهلاك إِذا كَانَ من قبل الْمَالِك لَا يُوجب الضَّمَان كَمَا إِذا أتْلفه بِنَفسِهِ، وَقد سبق بَيَانه (فيمنعان) أَي أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف (أَنه) أَي إيداعه (تسليط) على اتلافه، وَقيل أَبُو حنيفَة مَعَ مُحَمَّد (و) كَمَا (للشَّافِعِيَّة فِي) صِحَة أَمَان العَبْد) من أَنه (أَمَان) صادر (من أَهله) وَهُوَ الْمُسلم الْعَاقِل (فَيعْتَبر كالمأذون لَهُ فِي الْقِتَال فَيمْنَع أَهْلِيَّته) أَي العَبْد (لَهُ) أَي للأمان (وَجَوَابه) أَي هَذَا السُّؤَال (بِبَيَان وجوده) أَي الْوَصْف (بعقل أَو حس أَو شرع) على مَا هُوَ طَرِيق الْإِثْبَات فِي مثله (وَيزِيد الْمُسْتَدلّ هُنَا) أَي فِي الْفَرْع الْمَذْكُور (بَيَان مُرَاده بالأهلية، وَهُوَ) أَي مُرَاده (كَونه) أَي الْمُؤمن (مَظَنَّة لرعاية مصْلحَته) أَي الْأمان بِالنّظرِ إِلَى الْمُسلمين (وَهُوَ) كَونه مَظَنَّة لذَلِك ثَابت (بِإِسْلَامِهِ وبلوغه، وَلَو زَاد الْمُعْتَرض بَيَان الْأَهْلِيَّة) بِاعْتِبَار قيد زَائِد على مَا هُوَ مُرَاد الْمُسْتَدلّ (ليظْهر
стр. 1188
انتفاؤها) أَي الْعلَّة فِي الْفَرْع. (فالمختار لَا يُمكن) أَي فَفِيهِ خلاف، وَالْمُخْتَار أَنه لَا يُمكن من ذَلِك (إِذْ هُوَ) أَي بَيَان المُرَاد (وَظِيفَة الْمُتَكَلّم بِهِ) أَي بِاللَّفْظِ الْمُحْتَاج إِلَى الْبَيَان، لِأَنَّهُ الْعَالم بمراده فيتولى تعْيين مَا ادَّعَاهُ (دفعا لنشر الْجِدَال) بالانتقال والاشتغال بالسؤال. (الثَّانِي) من السؤالين (الْمُعَارضَة فِي الْفَرْع بِمَا يقتضى نقيض الحكم) أَي حكم الْمُسْتَدلّ (فِيهِ) أَي فِي الْفَرْع (وَهِي) أَي الْمُعَارضَة فِي الْفَرْع بِأَن يَقُول مَا ذكرته من الْوَصْف، وَإِن اقْتضى ثُبُوت الحكم فِي الْفَرْع فعندي وصف آخر يَقْتَضِي نقيضه، فَيتَوَقَّف دليلك، وَهِي (الْمُعَارضَة إِذا أطلقت) أَي إِذْ أطلق لفظ الْمُعَارضَة فِي بَاب الْقيَاس، وَلم يُقيد بِقَيْد ككونها فِي الأَصْل وَغَيره لَا يتَبَادَر مِنْهُ إِلَّا هَذِه الْمَذْكُورَة: وَهَذَا عَلامَة كَونه حَقِيقَة فِيهِ كَمَا سيشير إِلَيْهِ (وَلَا بُد لَهُ) أَي لما يَقْتَضِي نقيض الحكم فِيهِ (من أصل) ثَابت عَلَيْهِ الحكم الَّذِي هُوَ نقيض الحكم الأول: أَي هَذِه الْمُعَارضَة (فَهِيَ مُعَارضَة قياسين، وَلذَا) أَي ولكونها مُعَارضَة قياسين (كَانَت) (الْحَقِيقَة) أَي حَقِيقَة لفظ الْمُعَارضَة الْمُطلقَة، والحقيقة كَمَا تطلق على اللَّفْظ تطلق على الْمثنى (وَله) أَي للمعترض (إِثْبَات) علية (وَصفه بمسلكه، وَللْآخر) أَي الْمُسْتَدلّ (اعتراضه) أَي الِاعْتِرَاض على الْمُعْتَرض (بِمَا يعْتَرض بِهِ على الْمُسْتَدلّ فينقلبان) أَي فَيصير الْمُعْتَرض مستدلا والمستدل مُعْتَرضًا (وَهُوَ) أَي انقلابهما لانقلاب التناظر (وَجه منع مانعها) أَي وَجه نفي قبُول الْقَائِل بِنَفْي سَماع هَذِه الْمُعَارضَة لِأَنَّهُ خُرُوج مِمَّا قصداه من معرفَة صِحَة نظر الْمُسْتَدلّ إِلَى آخِره، وَهُوَ معرفَة صِحَة نظر الْمُعْتَرض (وَدفع بِأَن) الانقلاب (الْمُمْتَنع أَن يثبت) الْمُعْتَرض (مُقْتَضى دَلِيله) بِأَن يكون مقْصده إِثْبَات مُقْتَضَاهُ (وَهَذَا) السُّؤَال لَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ (لهدمه) أَي دَلِيل الْمُسْتَدلّ (بنقيضه) أَي بِمَا يُنَافِي دَلِيل الْمُسْتَدلّ لكَونه مُفِيدا خلاف مُقْتَضَاهُ (بعد تَمَامه) أَي بعد تَمام دَلِيل الْمُسْتَدلّ بِمَعْنى عدم التَّعَرُّض لمقدماته، لَا بِمَعْنى تَسْلِيم مُوجبه (فَالْمَعْنى تَمام دليلك) فِي نفس الْأَمر أَيهَا الْمُسْتَدلّ (مَوْقُوف على هدم هَذَا) الَّذِي عارضت بِهِ من دليلي، وَاخْتلف فِي الْجَواب عَن الْمُعَارضَة بالوجوه الْمَذْكُورَة فِي تَرْجِيح الْقيَاس عِنْد الْعَجز عَن الْقدح فِيهَا (وَالْمُخْتَار قبُول التَّرْجِيح بِمَا تقدم) فِي تَرْجِيح الْقيَاس (وَلَا خلاف فِيهِ) أَي فِي قبُول التَّرْجِيح فِيهِ (عِنْد الْحَنَفِيَّة لِأَن وجوب الْعَمَل بعد الْمُعَارضَة) بِمُوجب أحد الدَّلِيلَيْنِ (مَوْقُوف عَلَيْهِ) أَي التَّرْجِيح (وَقيل لَا) يقبل التَّرْجِيح (لتعذر الْعلم بتساوي الظنين) إِذْ لَا ميزَان توزن بِهِ الظنون وَلَا معيار تعرف بِهِ مراتبها (وَالتَّرْجِيح فَرعه) أَي تساويهما (وَهَذَا) الْكَلَام على تَقْدِير صِحَّته (يبطل التَّرْجِيح مُطلقًا وَدلَالَة الْإِجْمَاع عَلَيْهِ) أَي التَّرْجِيح للْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل بالراجح (يُبطلهُ) أَي يبطل إبِْطَال التَّرْجِيح مُطلقًا (وعَلى الْمُخْتَار) من قبُول التَّرْجِيح اخْتلف فِي وجوب
стр. 1189
الْإِيمَاء إِلَى التَّرْجِيح فِي أثْنَاء الدَّلِيل وَالْمُخْتَار أَنه (لَا تجب الْإِشَارَة إِلَيْهِ) أَي التَّرْجِيح (على الْمُسْتَدلّ لِأَنَّهُ) أَي التَّرْجِيح على الْمُسْتَدلّ (لَيْسَ) جُزْءا (مِنْهُ) أَي الدَّلِيل لدلالته على الْمَطْلُوب مَعَ قطع النّظر عَنهُ (وَتوقف الْعَمَل عَلَيْهِ) أَي التَّرْجِيح (عِنْد ظُهُور الْمُعَارضَة شَرط) أَي مَشْرُوط (مُعَلّق على شَرط) وَهُوَ ظُهُور الْمُعَارضَة (وَالْوَجْه لُزُومه) أَي لُزُوم ذكر التَّرْجِيح (فِي الْعَمَل) أَي عمل الْمُسْتَدلّ (لنَفسِهِ) مُتَعَلق باللزوم أَو بِالْعَمَلِ تَأْكِيدًا لما يفهم ضمنا من الْعَمَل (لَا) فِي (المناظرة) لعدم الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ فِيهَا، إِذْ الْمَقْصُود مِنْهَا الْهدم من جَانب الْمعَارض، وَهُوَ حَاصِل بِدُونِ التَّرْجِيح لِأَنَّهُمَا إِذا تَعَارضا تساقطا، وَأما الْمُسْتَدلّ فَقبل الْمُعَارضَة خَالِي البال عَن دَلِيل الْمعَارض وَبعد الْمُعَارضَة إِن أَرَادَ إِلْزَام الْمُعَارضَة كَانَ ذَلِك مناظرة أُخْرَى فَتَأمل (وَأما مَا ذكر الشَّافِعِيَّة من سُؤال اخْتِلَاف الضَّابِط) أَي الْوَصْف الْمُشْتَمل على الْحِكْمَة الْمَقْصُودَة فِي الأَصْل وَالْفرع (أَن يجمع بمشترك بَين علتين) فَقَوله أَن يجمع إِلَى آخِره بَيَان لمحل السُّؤَال الْمَذْكُور وَبَين ظرف للسؤال بِتَقْدِير الْوَقْت فَهُوَ الْجمع بَين علتين بِوَصْف مُشْتَرك بَينهمَا وَقَوله (كشهود الزُّور تسببوا فِي الْقَتْل فيقتص) مِنْهُم (كالمكره) لغيره على الْقَتْل تَمْثِيل للْجمع الْمَذْكُور، فَإِن الْإِكْرَاه وَالْإِشْهَاد عِلَّتَانِ للْقصَاص وَالْوَصْف الْمُشْتَرك بَينهمَا التَّسَبُّب فِي الْقَتْل، وتصوير السُّؤَال مَا أَفَادَهُ بقوله (فَيُقَال الضَّابِط فِي الأَصْل) وَهُوَ الْمُكْره على الْقَتْل (الْإِكْرَاه، وَفِي الْفَرْع) وَهُوَ شُهُود الزُّور (الشَّهَادَة وَلم يثبت اعْتِبَار تساويهما) أَي الضابطين (مصلحَة) تَمْيِيز عَن النِّسْبَة الإضافية فِي تساويهما: أَي لم يثبت اعْتِبَار تَسَاوِي مصلحتي الضابطين (شرعا) أَي ثبوتا شَرْعِيًّا فَلَيْسَتْ المسئلة الْحَاصِلَة بقتل شَاهِدي الزُّور مُسَاوِيَة للْمصْلحَة الْحَاصِلَة بقتل الْمُكْره (ليقْتل) شَاهد الزُّور (بِالشَّهَادَةِ) قِيَاسا على الْمُكْره، وَإِذ قد عرفت أَن السُّؤَال الْمَذْكُور مُتَضَمّن إِجْمَالا لجَمِيع مَا ذكر من قَوْله أَن يجمع إِلَى هُنَا، فَلَو جعلت هَذَا القَوْل عطف بَيَان لَهُ لَكَانَ حسنا فَإِن قلت الْعلَّة فِي قِيَاس شُهُود الزُّور على الْمُكْره لَيْسَ إِلَّا التَّسَبُّب فِي الْقَتْل فَمَا معنى كَون الْإِكْرَاه وَالشَّهَادَة علتين؟. قلت التَّسَبُّب مَفْهُوم كلي وهما فرداه المتحققان فِي الأَصْل وَالْفرع، وفرد الشَّيْء متجد مَعَه فِي الْوُجُود وَعليَّة الْمَفْهُوم الْكُلِّي إِنَّمَا يكون باعتبارها ويتحقق فِي ضمنه، بل نقُول من قبيل إِطْلَاق الْعلَّة على الضَّابِط لكَونه منَاط الْعلية (وَجَوَابه) أَي الْمُسْتَدلّ من هَذَا السُّؤَال (إِمَّا بِأَن الضَّابِط) فِي الأَصْل وَالْفرع إِنَّمَا هُوَ (التَّسَبُّب) الْمُطلق، وَهُوَ (منضبط عرفا) وَإِن لم يكن منضبطا بِحَسب الْمَفْهُوم اللّغَوِيّ، فَإِن المُرَاد بِهِ فِي الْعرف مَا يَصح أَن يُضَاف إِلَيْهِ الْقَتْل لكَمَال نسبته لَهُ (على قِيَاس مَا تقدم) فِي مسئلة حكم الْقيَاس الثُّبُوت فِي الْفَرْع (من الْقيَاس لِلْعِلَّةِ) بَيَان لما تقدم فِي مَبْحَث الْقيَاس لَهَا (لمن مَنعه) أَي منع الْقيَاس لإِثْبَات علية الْعلَّة المجوز إثْبَاته بِالْعِلَّةِ
стр. 1190
الثَّابِتَة عليتها بِالْقِيَاسِ، وَالْمَانِع يَقُول للمجوز: لَا بُد لَك من منَاط مُشْتَرك بَين العلتين حَتَّى تقيس إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى، فَإِنِّي أجعَل ذَلِك المناط عِلّة لحكم الأَصْل بدل الْعلَّة الَّتِي جَعلتهَا مقيسا عَلَيْهَا، فَكَذَا يَقُول الْمُجيب فِيمَا نَحن فِيهِ أجعَل الْعلَّة فِي قِيَاس الْمَشْهُود على الْمُكْره التَّسَبُّب (وَجعل الْمُشْتَرك) الْمَعْلُوم عرفا فِي الأَصْل وَالْفرع (علته أَو بِأَن إفضاءه) أَو إفضاء مَا فِي الْفَرْع من الضَّابِط إِلَى الحكم (مثله) أَي مثل إفضاء مَا فِي الأَصْل من الضَّابِط إِلَيْهِ (أَو أرجح) مَعْطُوف على مثله أَي إفضاء مَا فِي الْفَرْع أرجح وَأقوى مِمَّا فِي الأَصْل، فثبوت الحكم فِي الْفَرْع إِمَّا بطرِيق المناولة أَو بطرِيق أولى (فِيمَا لَو جعل أَصله) أَي أصل هَذَا الْفَرْع (إغراء الْحَيَوَان) وحثه على قتل نفس، فَقيل يجب الْقصاص على الشَّاهِد زورا بإغرائه أَوْلِيَاء الْمَقْتُول على الْقَتْل قِيَاسا على إغراء الْحَيَوَان عَلَيْهِ (فَإِن الشَّهَادَة أفْضى إِلَى الْقَتْل مِنْهُ) أَي من إغراء الْحَيَوَان فَإِن انبعاث أَوْلِيَاء الْمَقْتُول على قتل من شهدُوا عَلَيْهِ طلبا للتشفي وثلج الصَّدْر بالانتقام أغلب من انبعاث الْحَيَوَان على قتل من يغرى عَلَيْهِ لنفرته عَن الْآدَمِيّ وَعدم علمه بالإغراء. وَفِي الشَّرْح العضدي وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يضر اخْتِلَاف أُصَلِّي التَّسَبُّب، وَهُوَ كَونه شَهَادَة وإغراء. فَإِن حَاصله قِيَاس التَّسَبُّب بِالشَّهَادَةِ على التَّسَبُّب بالإغراء، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وكونهما) أَي الأَصْل وَالْفرع فِي الْقيَاس الْمَذْكُور (التَّسَبُّب بِالشَّهَادَةِ) قِيَاسا (على التَّسَبُّب بالإغراء بِلَا جَامع) فَهُوَ غير موجه (بل) الموجه فِيهَا أَن يُقَال (الشَّهَادَة) قِيَاسا (على الْإِكْرَاه أَو الإغراء أَو الشَّاهِد على الْمُكْره بالتسبب) أَي بِجَامِع التَّسَبُّب فِي كل من القياسين (أَو) يُجَاب (بإلغاء التَّفَاوُت) بَين ضابطي الأَصْل وَالْفرع فِي الْمصلحَة (إِذا أثْبته) أَي الْمُعْتَرض التَّفَاوُت بَينهمَا (فِي خصوصه) مُتَعَلق بإلغاء التَّفَاوُت: أَي تبين فِي خُصُوص ذَلِك الْمحل الَّذِي أورد فِيهِ السُّؤَال الْمَذْكُور أَن التَّفَاوُت الْمُثبت بَينهمَا ملغى كَأَن يَقُول لَا تفَاوت فِي الْقصاص بِالْقَتْلِ بِقطع الْأُنْمُلَة المفضية إِلَى الْمَوْت وَالْقَتْل بِضَرْب الرَّقَبَة وَإِن كَانَ ضرب لرقبة أَشد إفضاء إِلَى الْمَوْت (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يبين الْمُعْتَرض التَّفَاوُت فِي خصوصه (لم يفد) الإلغاء لجَوَاز تحَققه فِي غير الْمُتَنَازع (فَلم تذكره الْحَنَفِيَّة لرجوعه إِلَى الْمُعَارضَة فِي الأَصْل) جَوَاز أما فِي قَوْله وَأما مَا ذكره الشَّافِعِيَّة (وسؤال الْقلب مندرج فِي الْمُعَارضَة) لِأَنَّهَا إِقَامَة الدَّلِيل على خلاف مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْمُسْتَدلّ، وَكَذَا الْقلب إِلَّا أَن فِيهِ خُصُوصِيَّة كَون الأَصْل وَالْجَامِع مُشْتَركا بَين قياسي الْمُسْتَدلّ والمعارض (وَكَلَام الْحَنَفِيَّة) مُبْتَدأ خَبره (الْمُعَارضَة) إِلَى آخِره، يَعْنِي كَلَامهم فِي تَحْقِيق هَذَا الْمقَام هُوَ قَوْلهم الْمُعَارضَة إِلَى آخر الْبَحْث (نَوْعَانِ) الأول (مُعَارضَة فِيهَا مناقضة، وَهِي) أَي الَّتِي فِيهَا مناقضة (الْقلب) وتستغرق تَفْسِيره عِنْدهم، ثمَّ أَخذ يبين مَا يُطلق عَلَيْهِ لفظ الْقلب لُغَة من الْمَعْنيين ليجعل كل وَاحِد مِنْهُمَا منشأ لتسمية نوع من مَعْنَاهُ
стр. 1191
الاصطلاحي بقوله (وَيُقَال) الْقلب (لجعل الْأَعْلَى أَسْفَل) والأسفل أَعلَى (وَمِنْه) أَي من جعل الْأَعْلَى أَسْفَل (جعل الْمَعْلُول عِلّة، وَقَلبه) أَي جعل الْعلَّة معلولا (فَإِن الْعلَّة) بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْلُول (أَعلَى للأصلية) أَي لكَونهَا أصلا فِي الْإِثْبَات والمعلول فرعا لَهَا فِيهِ، فتبديلها كجعل الْإِنَاء منكوسا (وَإِنَّمَا يُمكن) هَذَا النَّوْع من الْقلب (فِي التَّعْلِيل بِحكم) أَي فِيمَا إِذا علل حكم الأَصْل بِحكم آخر شَرْعِي، ثمَّ يعدي إِلَى الْفَرْع: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر إِلَّا فِي شَيْء لَهُ حيثيتان: الْعلية والمعلولية، وَالْحكم الشَّرْعِيّ إِذا كَانَ عِلّة لمثله فَهُوَ عِلّة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، ومعلول من حَيْثُ إِنَّه لَا بُد فِي كل حكم شَرْعِي من عِلّة، وَمثل هَذَا لَا يتَصَوَّر فِي التَّعْلِيل بِالْوَصْفِ الْمَحْض، لِأَنَّهُ لَا يصير حكما بِوَجْه، والمعلولية مَوْقُوفَة على كَونه حكما، كَذَا قَالُوا (كالكفار يجلد بكرهم). قَالَ الشَّافِعِي: الْإِسْلَام لَيْسَ بِشَرْط الْإِحْصَان حَتَّى لَو زنى الذِّمِّيّ الْحر الْبَالِغ الَّذِي وطئ امْرَأَة فِي الْقبل بِنِكَاح صَحِيح يرْجم، لِأَن الْكفَّار جنس يجلد بكرهم مائَة إِذا كَانَ حرا (فيرجم ثيبهم كالمسلمين) أَي كَمَا أَن الْمُسلمين الْأَحْرَار الْبَالِغين الْعُقَلَاء الواطئين لامْرَأَة فِي الْقبل بِنِكَاح صَحِيح يرجمون، لِأَنَّهُ يجلد بكرهم مائَة، فَجعل جلد الْبكر مائَة عِلّة لوُجُوب رجم الثّيّب فِي الْمُسلمين، وقاس الْكفَّار عَلَيْهِم بِهَذَا الْجَامِع، وَهُوَ حكم شَرْعِي، وَالْبكْر وَالثَّيِّب يطلقان على الذّكر وَالْأُنْثَى (فَيَقُول) الْمُعْتَرض الْحَنَفِيّ لَا نسلم أَن الْمُسلمين إِنَّمَا يرْجم ثيبهم، لِأَنَّهُ يجلد بكرهم بل (إِنَّمَا يجلد بكر الْمُسلمين)، لِأَنَّهُ يرْجم ثيبهم) فَلَا يلْزم رجم الذِّمِّيّ الْمَذْكُور إِذا زنا ثَيِّبًا (فَحَيْثُ جعل) الْمُعْتَرض (الْعلَّة) أَي الَّذِي جعله الشَّافِعِي عِلّة فِي الأَصْل، وَهُوَ جلد الْمِائَة (حكما) فِيهِ، وَمَا جعله حكما فِيهِ رجم الثّيّب عِلّة فِيهِ (لَزِمَهَا) أَي لزم الْعلَّة المجعولة حكما (النَّقْض) لتخلف الحكم عَنْهَا حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا صَارَت بِنَفسِهَا حكما وصارما كَانَ حكما مترتبا عَلَيْهَا عِلّة مُتَقَدّمَة عَلَيْهَا، والمتقدم على الشَّيْء لَا يكون حكما لَهُ فَلَزِمَ تخلف الحكم عَنهُ، وَفِيه أَنه لَا يرد على الشَّافِعِي إِلَّا بحث وَاحِد، وَهُوَ إِنَّمَا جعلته عِلّة لَيْسَ بعلة، وَبعد هَذَا لَا يرد عَلَيْهِ النَّقْض، لِأَن النَّقْض فرع الْعلية، وَقد تقدّمت (وَهُوَ) أَي هَذَا الَّذِي ذكرنَا (قَوْلهم) أَي معنى قَول الْحَنَفِيَّة مُعَارضَة (فِيهَا مناقضة) وَقد سبق أَن الْحَنَفِيَّة يسمون النَّقْض مناقضة، وَإِطْلَاق الْمُعَارضَة عَلَيْهِ من حَيْثُ أَن الْقلب قَابل تَعْلِيل الْمُعَلل بتعليل يلْزم مِنْهُ بُطْلَانه، ثمَّ يلْزم مِنْهُ بطلَان حكمه، لَا بِمَعْنى إِقَامَة الدَّلِيل على خلاف مَا أَقَامَ بِهِ علية الْخصم، فَهُوَ من قبيل إِطْلَاق اسْم الْمَلْزُوم على اللَّازِم، فَلَا يرد شَيْء مِمَّا أطنبوا فِيهِ (والاحتراس عَنهُ) أَي عَن هَذَا الْقلب حَتَّى لَا يُنَافِي إِيرَاده (جعله) أَي الْكَلَام (اسْتِدْلَالا) بِأَن لَا يُعلل أحد الْحكمَيْنِ بِالْآخرِ، بل يسْتَدلّ بِثُبُوت أَحدهمَا على ثُبُوت الآخر، إِذْ لَا امْتنَاع فِي الِاسْتِدْلَال
стр. 1192
بِوُجُود الْمَعْلُول على وجود الْعلَّة كَمَا يُقَال هَذَا متعفن الإخلاط لِأَنَّهُ مَحْمُوم (وَهُوَ) أَي الاحتراس عَنهُ بِهَذَا الطَّرِيق إِنَّمَا يتم (إِذا ثَبت التلازم) بَين الْحكمَيْنِ: أَي اللُّزُوم من الْجَانِبَيْنِ (شرعا) أَي ثبوتا شَرْعِيًّا (كالتوءمين) أَي المولودين فِي بطن وَاحِد (فِي الْحُرِّيَّة وَالرّق وَالنّسب) فَإِنَّهُ يثبت حُرْمَة الأَصْل لأَحَدهمَا بثبوتها للْآخر، وَهَكَذَا: أَي الرّقّ وَالنّسب (و) يُقَال (لجعل الظّهْر بَطنا) والبطن ظهرا كقلب الجراب (وَمِنْه) أَي من هَذَا النَّوْع من الْقلب (جعل وَصفه) أَي الْمُسْتَدلّ (شَاهدا) أَي حجَّة (لَك) أَيهَا الْمُعْتَرض لإِثْبَات خلاف حكم الْمُسْتَدلّ بعد أَن كَانَ شَاهدا لَهُ عَلَيْك، فَكَأَنَّهُ كَانَ وَجه الْوَصْف مُقبلا على الْمُسْتَدلّ وظهره إِلَى الْمُعْتَرض فَانْقَلَبَ (وَلَا بُد فِيهِ) أَي فِي هَذَا النَّوْع (من زِيَادَة) فِي الْوَصْف الَّذِي ذكره الْمُعْتَرض على الْوَصْف الَّذِي ذكره الْمُسْتَدلّ (تورد تَفْسِيرا لما أبهمه الْمُسْتَدلّ) من الْوَصْف وتقريرا، لَهُ لَا تغييرا فَيلْزم أَن لَا يكون قلبا، بل مُعَارضَة مَحْضَة غير متضمنة لإبطال دَلِيل الْمُسْتَدلّ (كَصَوْم فرض) على مَا قَالَه الشَّافِعِي فِي نِيَّة صَوْم رَمَضَان (فَلَا يتَأَدَّى بِلَا تعْيين) للنِّيَّة (كالقضاء) فَإِنَّهُ لَا يتَأَدَّى بِلَا تعْيين لوصف الْفَرْضِيَّة (فَيَقُول) الْحَنَفِيّ (صَوْم فرض مُتَعَيّن) يتَعَيَّن بِتَعْيِين الشَّارِع لنَهْيه عَن سَائِر الصيامات فِي الْوَقْت (فَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ) إِلَى تعْيين النِّيَّة بعد تَعْيِينه (كالقضاء بعد الشُّرُوع فِيهِ) فَإِن الْقَضَاء إِذا شرع فِيهِ مَقْرُونا مَعَ النِّيَّة يصدق عَلَيْهِ أَنه صَوْم فرض مُتَعَيّن، وَقبل الشُّرُوع لم يتَعَيَّن، لجَوَاز أَن يَنْوِي الصَّوْم فِي يَوْم بِعَيْنِه، ثمَّ قبل الشُّرُوع فِيهِ يَنْقَلِب رَأْيه فَلَا يَصُوم فِيهِ، فقد أبهم الْمُسْتَدلّ الْوَصْف حَيْثُ قَالَ صَوْم فرض وَلم يذكر تَعْيِينه بِتَعْيِين الشَّارِع، وَلَو ذكره لما تحققت الْمُشَاركَة فِي الْوَصْف بَين صَوْم رَمَضَان وَصَوْم الْقَضَاء إِلَّا بعد اعْتِبَار الْفَرْضِيَّة وَالتَّعْيِين فِيهِ، وَهَذَا الِاعْتِبَار لَا يتَحَقَّق فِيهِ إِلَّا بعد الشُّرُوع وَبعد الشُّرُوع لَا يحْتَاج إِلَى النِّيَّة ليقاس عَلَيْهِ فَذكر الْمُعْتَرض إِيَّاه تَفْسِير وَبَيَان لمحل النزاع، فَإِن الصَّوْم الْفَرْض الْمُتَعَيّن فِي وقته، فَالْأَصْل فِيهِ الْقَضَاء الْمَشْرُوع فِيهِ، غَايَته أَن التَّعْيِين فِي رَمَضَان قبل الشُّرُوع، وَفِي الْقَضَاء بعده، وَلَا يكون تعْيين الشَّارِع لَهُ أدنى من تعْيين العَبْد، وَفِيه بحث ذكره المُصَنّف فِيمَا سبق، وَفِي شرح الْهِدَايَة أَيْضا (وَمِنْه) أَي من هَذَا النَّوْع قَول الشَّافِعِي فِي مسح الرَّأْس فِي الْوضُوء: الْمسْح (ركن فِي الْوضُوء، فَيسنّ تكريره كالغسل: فَيَقُول) الْحَنَفِيّ الْمسْح (ركن فِيهِ) أَي الْوضُوء (أكمل بِزِيَادَة) فِي مَحَله (على) قدر (الْفَرْض) وَهُوَ اسْتِيعَاب بَاقِيه (فَلَا يسن تكراره كالغسل، فَهِيَ) أَي الزِّيَادَة الَّتِي أكمل بهَا (تَفْسِير) لما أبهم من الْوَصْف وَتَحْقِيق لمحل الْخلاف (لِأَن الْخلاف فِي تثليث الْمسْح بعد إكماله كَذَلِك) أَي بِزِيَادَة على الْفَرْض (وَهُوَ) أَي إِلَّا كَمَال على هَذَا الْوَجْه فِي جَانب الْمسْح إِنَّمَا هُوَ (الِاسْتِيعَاب) أَي استيعابه جَمِيع الراس فَإِنَّهُ زِيَادَة على
стр. 1193
الْفَرْض الَّذِي هُوَ الرّبع مكملة لَهُ كَمَا أَنَّهَا فِي جَانب الْغسْل التَّثْلِيث وَالْحَاصِل أَن الْمُسْتَدلّ نظر فِي الأَصْل وَهُوَ الْغسْل إِلَى وصف الركنية الْمُشْتَركَة بَينه وَبَين الْفَرْع الَّذِي هُوَ الْمسْح وظنه مؤثرا فِي ترَتّب حكم التَّثْلِيث عَلَيْهِ فَحكم بسنية التَّثْلِيث فِي الْفَرْع كَمَا فِي الأَصْل، والمعترض دقق النّظر فَوجدَ أَن الركنية لَا تَقْتَضِي خُصُوصِيَّة التَّثْلِيث، بل إِلَّا كَمَال الْمُطلق سَوَاء تحقق فِي ضمن التَّثْلِيث أَو الِاسْتِيعَاب، وَقد تحقق مُقْتَضَاهُ فِي الْمسْح فِي ضمن الِاسْتِيعَاب فقد استوعب حَقه، فَلَا يُزَاد الْفَرْع على الأَصْل بِالْجمعِ لَهُ بَين واستيعاب والتثليث (وَلم يَصح إِيرَاد فَخر الْإِسْلَام لهَذَا) الْمِثَال (فِي الْمُعَارضَة الْخَالِصَة) لوُجُود الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة الدَّالَّة على أَن دَلِيل الْمعَارض لَيْسَ دَلِيل الْمُسْتَدلّ بِعَيْنِه على مَا هُوَ الْمُعْتَبر فِي الْخَالِصَة كَمَا سَيَجِيءُ، وَتحقّق مَا هُوَ الْمُعْتَبر فِي النَّوْع الأول فِيهِ (وَإِذ علمت) فِي أَوَائِل هَذَا الْفَصْل (أَن الْإِيرَاد) أَي إِيرَاد الْمُعْتَرض للاعتراض إِنَّمَا هُوَ (على ظَنّه) أَي الْمُسْتَدلّ (التَّأْثِير، لَا) على (حَقِيقَته) أَي حَقِيقَة التَّأْثِير فِي نفس الْأَمر (صَحَّ إِيرَاد الْقلب على) الْعِلَل (المؤثرة) لِأَن مرجع المناقضة إِنَّمَا هُوَ ظن الْمُعَلل، لَا اعْتِبَار الشَّارِع فِي نفس الْأَمر (كفساد الْوَضع) أَي كَمَا أَن فَسَاد الْوَضع، وَقد مر تَفْسِيره مورده ظن الْمُعَلل للتأثير لَا حَقِيقَة التَّأْثِير (وَيُخَالِفهُ) أَي يُخَالف هَذَا النَّوْع من الْقلب فَسَاد الْوَضع (بِالزِّيَادَةِ) الْمَذْكُورَة (وبكونه) أَي بِكَوْن هَذَا النَّوْع مِنْهُ يُورد فِي مطلب يكون (أَعم من مدعاه) أَي مدعي فَسَاد الْوَضع وَهُوَ نقيض حكم الْمُسْتَدلّ، فَإِن شَهَادَة وصف الْمُسْتَدلّ للمعترض كَمَا تحقق فِيمَا يثبت نقيض حكمه تتَحَقَّق فِيمَا يسْتَلْزم نقيضه، وَلَو اطَّلَعت على مَا ذكره الشَّارِح فِي حل هَذَا الْمحل على مَا هُوَ عَادَته فِي أَمْثَاله من المشكلات لقضيت مِنْهُ الْعجب. هَذَا فِي بَيَان الْفرق بَين النَّوْع الثَّانِي من الْقلب وَفَسَاد الْوَضع، وَقد سبق قَرِيبا أَن فَسَاد الْوَضع يُفَارق الْقلب الْمُطلق بِكَوْن الْوَصْف فِي فَسَاد الْوَضع يثبت نقيض الحكم بِأَصْل آخر، وَفِي الْقلب يُثبتهُ بِأَصْل الْمُسْتَدلّ المُرَاد بِإِثْبَات الْقلب نقيضه مَا يعم إثْبَاته بِوَاسِطَة فَلَا يُنَافِي مَا سبق. (قَالُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (ويقلب الْعلَّة من وَجه فَاسد كعبادة لَا يجب الْمُضِيّ فِي فاسدها، فَلَا تلْزم بِالشُّرُوعِ) فِيهَا (كَالْوضُوءِ) أَي كَقَوْل الشَّافِعِي: إِن الشُّرُوع فِي نفل من صَلَاة أَو صَوْم غير مُلْزم إِتْمَامه وقضاؤه إِذا فسد أَنه عبَادَة لَا يجب الْمُضِيّ فِيهَا إِذا فَسدتْ، فَلَا تلْزم بِالشُّرُوعِ فِيهَا كَالْوضُوءِ بِجَامِع أَن كلا مِنْهُمَا عبَادَة لَا يمْضِي فِي فاسدها، وَاحْترز بِهِ عَن الْحَج، فَإِنَّهُ يجب الْمُضِيّ فِي فاسده، وَكَذَا يلْزم بِالشُّرُوعِ فِيهِ، فَجعل عدم لُزُوم المضيف فِي الْفَاسِد عِلّة لعدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ (فَيَقُول) الْحَنَفِيّ إِذا كَانَت الْعِبَادَة الْمَذْكُورَة حَالهَا كَحال الْوضُوء (فيستوي عمل النّذر والشروع فِيهَا كَالْوضُوءِ) أَي كَمَا يَسْتَوِي عملهما فِي الْوضُوء فَإِنَّهُ لما لم يلْزم بِالشُّرُوعِ لم يلْزم بِالنذرِ فمساواة عملهما فِي الْوضُوء كَونهمَا متساويين فِي عدم الْإِلْزَام
стр. 1194
على الْمُكَلف النَّاذِر والشارع فِي الْعِبَادَة الْمَذْكُورَة كَونهمَا متساويين فِي الْإِلْزَام، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فتلزم) النَّافِلَة (بِالشُّرُوعِ لِأَنَّهَا تلْزم بِالنذرِ) إِجْمَاعًا فَالْحَاصِل أَن العباة الْمَذْكُورَة لَزِمَهَا الْمُسَاوَاة بَين نذرها وشروعها، وَلَا يتَصَوَّر مساواتهما فِيهَا بالإلزام لتعين الْإِلْزَام فِي نذرها بِالْإِجْمَاع، وَيُسمى هَذَا الْقلب قلب التَّسْوِيَة، وَأما قلب الْعلَّة الَّتِي هِيَ عدم لُزُوم الْمُضِيّ فِي الْفَاسِد وَكَونه من وَجه فَاسد فَلَمَّا سيشير إِلَيْهِ (وَسَماهُ) أَي هَذَا الْقلب بدليله (فَخر الْإِسْلَام عكسا، لِأَن حَاصله عكس خُصُوص حكم الأَصْل) الَّذِي هُوَ الْوضُوء (وَهُوَ) أَي حكمه فِي الْمِثَال (عدم اللُّزُوم بِالنذرِ والشروع فِي الْفَرْع) أَي النَّافِلَة، وَلَا يخفى أَن عكس حكم الأَصْل عدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ فَقَط لَا عدم اللُّزُوم بهما جَمِيعًا فَفِيهِ مُسَامَحَة، أَو المُرَاد بِحكمِهِ مَا يلْزم الحكم الَّذِي ذكره الْمُسْتَدلّ وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ وَهُوَ عدم اللُّزُوم الْمُتَرَتب على مُسَاوَاة عملهما فِي الْوضُوء الَّذِي لزم تَعْلِيل الْمُسْتَدلّ وَإِنَّمَا قَالَ خُصُوص حكم الأَصْل لعدم كَون حَاصله عكس مُطلق حكم الشَّامِل مُسَاوَاة عملهما فِيهِ فَتدبر (وَهَذَا) النَّوْع من الْقلب هُوَ (الْمَنْسُوب إِلَى الْحَنَفِيَّة أول الْقيَاس) أَي فِي أول مباحثه (مُسَمّى بِقِيَاس الْعَكْس) وَلَيْسَ بِقِيَاس (وَإِنَّمَا هُوَ اسْم الِاعْتِرَاض) هُوَ رد الحكم بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُور. (وَاخْتلف فِي قبُوله، فَقيل نعم) يقبل وَهُوَ معزو إِلَى الْأَكْثَر: مِنْهُم أَبُو إِسْحَق الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام الرَّازِيّ (إِذْ جعل) الْمُعْتَرض (وَصفه) أَي الْمُسْتَدلّ (شَاهدا لما يسْتَلْزم نقيض مَطْلُوبه) أَي الْمُسْتَدلّ (وَهُوَ) أَي مَا يسْتَلْزم نقيض مَطْلُوب الْمُسْتَدلّ (الاسْتوَاء) لِأَنَّهُ يلْزم من اسْتِوَاء الشُّرُوع وَالنّذر فِي الْعَمَل كَون الشُّرُوع ملزما كالنذر وَهُوَ نقيض مَطْلُوبه، أَعنِي عدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ. (وَالْمُخْتَار) كَمَا ذهب إِلَيْهِ آخَرُونَ: مِنْهُم القَاضِي وَابْن السَّمْعَانِيّ وَصَاحب البديع أَنه (لَا) يقبل (لِأَن كَون الْوَصْف يُوجب شبها فِي شَيْء لَا يسْتَلْزم عُمُوم الشّبَه) من المتشابهين فِي كل شَيْء (ليلزم الاسْتوَاء مُطلقًا) وَالْحَاصِل أَن القالب لما ادّعى أَن علية عدم وجوب الْمُضِيّ فِي الْفَاسِد لعدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ فِي الْوضُوء والنافلة أوجب شبها بَين الْوضُوء والنافلة فِي عدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ والمتشابهان متساويان فِي الْأَحْكَام، وَمن جملَة أَحْكَام الْوضُوء اسْتِوَاء عمل النّذر والشروع فِيهِ فَلَزِمَ اسْتِوَاء عملهما فِي النَّافِلَة، وعَلى تَقْدِير اسْتِوَاء عملهما فِي النَّافِلَة يلْزم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ لما ذكر رد عَلَيْهِ الْمُخْتَار بِأَن إِيجَاب الشّبَه فِي شَيْء، وَهُوَ هَهُنَا عدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ لَا يسْتَلْزم عُمُوم الشّبَه حَتَّى يلْزم الشّبَه بَين الْوضُوء والنافلة فِي اسْتِوَاء عملهما، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله ليلزم الخ: أَي ليلزم اسْتِوَاء عملهما مُطلقًا فِي الْوضُوء والنافلة، وَلَا يخفى أَنه لَا يلْزم حِينَئِذٍ التَّنَاقُض لِأَن اسْتِوَاء عملهما فِي الْوضُوء يسْتَلْزم عدم اللُّزُوم بِشَيْء مِنْهُمَا، وَفِي النَّافِلَة يسْتَلْزم اللُّزُوم بِكُل مِنْهُمَا للزومها بِالنذرِ إِجْمَاعًا، فعموم الشّبَه يسْتَلْزم مُشَاركَة الْوضُوء والنافلة فِي كل من اللازمين
стр. 1195
فَافْهَم (وَمَا أوردهُ الشَّافِعِيَّة) فِي كتبهمْ من هَذَا السُّؤَال فَهُوَ (من) النَّوْع (الثَّانِي) من الْقلب أَو الْمَعْنى: وَمَا أوردهُ من هَذَا الْجِنْس من الِاعْتِرَاض على أَدِلَّة الْحَنَفِيَّة فَهُوَ كَذَا. ثمَّ بَين مَا أوردهُ بقوله (وَهُوَ دَعْوَى تَجْوِيز ثُبُوت نقيض حكم الْمُسْتَدلّ فِي الْفَرْع) مُتَعَلق بالثبوت كَقَوْلِه (بوصفه) أَي بِوَصْف الْمُسْتَدلّ أَو حكمه. وَحَاصِله أَن الْمُعْتَرض يَدعِي مُنَاسبَة وَصفه لحكمين مناقضين بِاعْتِبَار تحَققه فِي المحلين: الأَصْل وَالْفرع، فقد أَشَارَ بِلَفْظ التجويز إِلَى هَذِه الْمُنَاسبَة (وَهُوَ) أَي مَا أوردهُ قِسْمَانِ: أَحدهمَا (قلب لتصحيح مذْهبه) أَي الْمُعْتَرض (ليبطل الْمُسْتَدلّ) أَي ليلزم مِنْهُ بطلَان مذْهبه لتنافيهما (كلبث) أَي كَقَوْل الْحَنَفِيّ: الِاعْتِكَاف يشْتَرط فِيهِ الصَّوْم لِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص (ومجرده) أَي مُجَرّد اللّّبْث (غير قربَة كالوقوف) بِعَرَفَة فَإِن مجرده غير قربَة، وَإِنَّمَا صَار قربَة بانضمام عبَادَة إِلَيْهِ، وَهُوَ الْإِحْرَام فَلَا بُد من انضمام عبَادَة مَعَ اللّّبْث ليصير عبَادَة (فَيشْتَرط فِيهِ) أَي فِي الِاعْتِكَاف (الصَّوْم) لعدم ظُهُور مُنَاسبَة اعْتِبَار عبَادَة غَيره فِيهِ (فَيَقُول) الشَّافِعِي (فَلَا يشْتَرط) فِيهِ الصَّوْم (كالوقوف) أَي إِذا كَانَ الِاعْتِكَاف شَبيه الْوُقُوف بِعَرَفَة لزم أَن لَا يشْتَرط فِيهِ الصَّوْم كَمَا لَا يشْتَرط فِي الْوُقُوف. (و) الْقسم الآخر قلب (لإبطال) مَذْهَب (الْمُسْتَدلّ صَرِيحًا لتصحيح مذْهبه) أَي ليلزم مِنْهُ صِحَة مَذْهَب الْمُعْتَرض ضمنا (كالحنفي فِي الرَّأْس) أَي كَقَوْلِه فِي مسح الرَّأْس أَنه مُقَدّر بِالربعِ لِأَنَّهُ عُضْو (من أَعْضَاء الْوضُوء فَلَا يَكْفِي أَقَله) أَي مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الرَّأْس (كَبَقِيَّة الْأَعْضَاء) فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي فِيهَا غسل أدنى مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم (فَيَقُول) الشَّافِعِي أَنه مسح عُضْو من أَعْضَاء الْوضُوء (فَلَا يقدر بِالربعِ كبقيتها) فقد أبطل الْمُعْتَرض مَذْهَب الْمُسْتَدلّ صَرِيحًا ليلزم تَصْحِيح مذْهبه ضمنا. وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَن عدم التَّقْدِير بِالربعِ لَا يسْتَلْزم الِاكْتِفَاء بِالْأَقَلِّ، فَكيف يلْزم من إبِْطَال مَذْهَب الْمُسْتَدلّ تَصْحِيح مَذْهَب الْمُعْتَرض؟ أَشَارَ إِلَى دَفعه بقوله (ووروده) أَي الْقلب الْمَذْكُور فِي هَذَا الْمِثَال بِنَاء (على أَن المُرَاد) أَي مُرَاد القالب (اتفقنا) نَحن وَأَنْتُم أَيهَا الْحَنَفِيَّة على (أَن الثَّابِت أَحدهمَا) أَي أقل الرَّأْس أَو الرّبع، وَإِذا انْتَفَى أَحدهمَا ثَبت الآخر، وَإِلَّا فَلَا يلْزم من نفي الرّبع الأول لجَوَاز الِاسْتِيعَاب كَمَا ذهب إِلَيْهِ مَالك، وَفِيه نظر، وَهُوَ أَن كلا من المتخاصمين تعين عِنْده مذْهبه، وَإِذا أبطل أَحدهمَا مَذْهَب الآخر لم يثبت علية مَذْهَب الْمُبْطل، بل يجوز حِينَئِذٍ الثَّالِث: نعم لَو لم يكن فِي الْوُجُود إِلَّا المذهبان كَانَ يلْزم الْإِجْمَاع على نفي الثَّالِث فَتَأمل (أَو) لإبطال مَذْهَب الْمُسْتَدلّ (التزاما كَقَوْلِه) أَي الْحَنَفِيّ (فِي بيع غير المرئي: عقد مُعَاوضَة فَيصح مَعَ الْجَهْل بِالْعِوَضِ كَالنِّكَاحِ، فَيَقُول) الشَّافِعِي عقد مُعَاوضَة (فَلَا يثبت فِيهِ خِيَار الرُّؤْيَة) كَمَا لَا يثبت فِي النِّكَاح، فالمعترض لم يتَعَرَّض لإبطال مَذْهَب الْخصم، وَهُوَ القَوْل بِالصِّحَّةِ صَرِيحًا
следующие страницы →