← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6327

تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه

أمير باد شاه

Полный текст (1 287 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الاصطلاحي بقوله (وَيُقَال) الْقلب (لجعل الْأَعْلَى أَسْفَل) والأسفل أَعلَى (وَمِنْه) أَي من جعل الْأَعْلَى أَسْفَل (جعل الْمَعْلُول عِلّة، وَقَلبه) أَي جعل الْعلَّة معلولا (فَإِن الْعلَّة) بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْلُول (أَعلَى للأصلية) أَي لكَونهَا أصلا فِي الْإِثْبَات والمعلول فرعا لَهَا فِيهِ، فتبديلها كجعل الْإِنَاء منكوسا (وَإِنَّمَا يُمكن) هَذَا النَّوْع من الْقلب (فِي التَّعْلِيل بِحكم) أَي فِيمَا إِذا علل حكم الأَصْل بِحكم آخر شَرْعِي، ثمَّ يعدي إِلَى الْفَرْع: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر إِلَّا فِي شَيْء لَهُ حيثيتان: الْعلية والمعلولية، وَالْحكم الشَّرْعِيّ إِذا كَانَ عِلّة لمثله فَهُوَ عِلّة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، ومعلول من حَيْثُ إِنَّه لَا بُد فِي كل حكم شَرْعِي من عِلّة، وَمثل هَذَا لَا يتَصَوَّر فِي التَّعْلِيل بِالْوَصْفِ الْمَحْض، لِأَنَّهُ لَا يصير حكما بِوَجْه، والمعلولية مَوْقُوفَة على كَونه حكما، كَذَا قَالُوا (كالكفار يجلد بكرهم). قَالَ الشَّافِعِي: الْإِسْلَام لَيْسَ بِشَرْط الْإِحْصَان حَتَّى لَو زنى الذِّمِّيّ الْحر الْبَالِغ الَّذِي وطئ امْرَأَة فِي الْقبل بِنِكَاح صَحِيح يرْجم، لِأَن الْكفَّار جنس يجلد بكرهم مائَة إِذا كَانَ حرا (فيرجم ثيبهم كالمسلمين) أَي كَمَا أَن الْمُسلمين الْأَحْرَار الْبَالِغين الْعُقَلَاء الواطئين لامْرَأَة فِي الْقبل بِنِكَاح صَحِيح يرجمون، لِأَنَّهُ يجلد بكرهم مائَة، فَجعل جلد الْبكر مائَة عِلّة لوُجُوب رجم الثّيّب فِي الْمُسلمين، وقاس الْكفَّار عَلَيْهِم بِهَذَا الْجَامِع، وَهُوَ حكم شَرْعِي، وَالْبكْر وَالثَّيِّب يطلقان على الذّكر وَالْأُنْثَى (فَيَقُول) الْمُعْتَرض الْحَنَفِيّ لَا نسلم أَن الْمُسلمين إِنَّمَا يرْجم ثيبهم، لِأَنَّهُ يجلد بكرهم بل (إِنَّمَا يجلد بكر الْمُسلمين)، لِأَنَّهُ يرْجم ثيبهم) فَلَا يلْزم رجم الذِّمِّيّ الْمَذْكُور إِذا زنا ثَيِّبًا (فَحَيْثُ جعل) الْمُعْتَرض (الْعلَّة) أَي الَّذِي جعله الشَّافِعِي عِلّة فِي الأَصْل، وَهُوَ جلد الْمِائَة (حكما) فِيهِ، وَمَا جعله حكما فِيهِ رجم الثّيّب عِلّة فِيهِ (لَزِمَهَا) أَي لزم الْعلَّة المجعولة حكما (النَّقْض) لتخلف الحكم عَنْهَا حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا صَارَت بِنَفسِهَا حكما وصارما كَانَ حكما مترتبا عَلَيْهَا عِلّة مُتَقَدّمَة عَلَيْهَا، والمتقدم على الشَّيْء لَا يكون حكما لَهُ فَلَزِمَ تخلف الحكم عَنهُ، وَفِيه أَنه لَا يرد على الشَّافِعِي إِلَّا بحث وَاحِد، وَهُوَ إِنَّمَا جعلته عِلّة لَيْسَ بعلة، وَبعد هَذَا لَا يرد عَلَيْهِ النَّقْض، لِأَن النَّقْض فرع الْعلية، وَقد تقدّمت (وَهُوَ) أَي هَذَا الَّذِي ذكرنَا (قَوْلهم) أَي معنى قَول الْحَنَفِيَّة مُعَارضَة (فِيهَا مناقضة) وَقد سبق أَن الْحَنَفِيَّة يسمون النَّقْض مناقضة، وَإِطْلَاق الْمُعَارضَة عَلَيْهِ من حَيْثُ أَن الْقلب قَابل تَعْلِيل الْمُعَلل بتعليل يلْزم مِنْهُ بُطْلَانه، ثمَّ يلْزم مِنْهُ بطلَان حكمه، لَا بِمَعْنى إِقَامَة الدَّلِيل على خلاف مَا أَقَامَ بِهِ علية الْخصم، فَهُوَ من قبيل إِطْلَاق اسْم الْمَلْزُوم على اللَّازِم، فَلَا يرد شَيْء مِمَّا أطنبوا فِيهِ (والاحتراس عَنهُ) أَي عَن هَذَا الْقلب حَتَّى لَا يُنَافِي إِيرَاده (جعله) أَي الْكَلَام (اسْتِدْلَالا) بِأَن لَا يُعلل أحد الْحكمَيْنِ بِالْآخرِ، بل يسْتَدلّ بِثُبُوت أَحدهمَا على ثُبُوت الآخر، إِذْ لَا امْتنَاع فِي الِاسْتِدْلَال

стр. 1192

بِوُجُود الْمَعْلُول على وجود الْعلَّة كَمَا يُقَال هَذَا متعفن الإخلاط لِأَنَّهُ مَحْمُوم (وَهُوَ) أَي الاحتراس عَنهُ بِهَذَا الطَّرِيق إِنَّمَا يتم (إِذا ثَبت التلازم) بَين الْحكمَيْنِ: أَي اللُّزُوم من الْجَانِبَيْنِ (شرعا) أَي ثبوتا شَرْعِيًّا (كالتوءمين) أَي المولودين فِي بطن وَاحِد (فِي الْحُرِّيَّة وَالرّق وَالنّسب) فَإِنَّهُ يثبت حُرْمَة الأَصْل لأَحَدهمَا بثبوتها للْآخر، وَهَكَذَا: أَي الرّقّ وَالنّسب (و) يُقَال (لجعل الظّهْر بَطنا) والبطن ظهرا كقلب الجراب (وَمِنْه) أَي من هَذَا النَّوْع من الْقلب (جعل وَصفه) أَي الْمُسْتَدلّ (شَاهدا) أَي حجَّة (لَك) أَيهَا الْمُعْتَرض لإِثْبَات خلاف حكم الْمُسْتَدلّ بعد أَن كَانَ شَاهدا لَهُ عَلَيْك، فَكَأَنَّهُ كَانَ وَجه الْوَصْف مُقبلا على الْمُسْتَدلّ وظهره إِلَى الْمُعْتَرض فَانْقَلَبَ (وَلَا بُد فِيهِ) أَي فِي هَذَا النَّوْع (من زِيَادَة) فِي الْوَصْف الَّذِي ذكره الْمُعْتَرض على الْوَصْف الَّذِي ذكره الْمُسْتَدلّ (تورد تَفْسِيرا لما أبهمه الْمُسْتَدلّ) من الْوَصْف وتقريرا، لَهُ لَا تغييرا فَيلْزم أَن لَا يكون قلبا، بل مُعَارضَة مَحْضَة غير متضمنة لإبطال دَلِيل الْمُسْتَدلّ (كَصَوْم فرض) على مَا قَالَه الشَّافِعِي فِي نِيَّة صَوْم رَمَضَان (فَلَا يتَأَدَّى بِلَا تعْيين) للنِّيَّة (كالقضاء) فَإِنَّهُ لَا يتَأَدَّى بِلَا تعْيين لوصف الْفَرْضِيَّة (فَيَقُول) الْحَنَفِيّ (صَوْم فرض مُتَعَيّن) يتَعَيَّن بِتَعْيِين الشَّارِع لنَهْيه عَن سَائِر الصيامات فِي الْوَقْت (فَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ) إِلَى تعْيين النِّيَّة بعد تَعْيِينه (كالقضاء بعد الشُّرُوع فِيهِ) فَإِن الْقَضَاء إِذا شرع فِيهِ مَقْرُونا مَعَ النِّيَّة يصدق عَلَيْهِ أَنه صَوْم فرض مُتَعَيّن، وَقبل الشُّرُوع لم يتَعَيَّن، لجَوَاز أَن يَنْوِي الصَّوْم فِي يَوْم بِعَيْنِه، ثمَّ قبل الشُّرُوع فِيهِ يَنْقَلِب رَأْيه فَلَا يَصُوم فِيهِ، فقد أبهم الْمُسْتَدلّ الْوَصْف حَيْثُ قَالَ صَوْم فرض وَلم يذكر تَعْيِينه بِتَعْيِين الشَّارِع، وَلَو ذكره لما تحققت الْمُشَاركَة فِي الْوَصْف بَين صَوْم رَمَضَان وَصَوْم الْقَضَاء إِلَّا بعد اعْتِبَار الْفَرْضِيَّة وَالتَّعْيِين فِيهِ، وَهَذَا الِاعْتِبَار لَا يتَحَقَّق فِيهِ إِلَّا بعد الشُّرُوع وَبعد الشُّرُوع لَا يحْتَاج إِلَى النِّيَّة ليقاس عَلَيْهِ فَذكر الْمُعْتَرض إِيَّاه تَفْسِير وَبَيَان لمحل النزاع، فَإِن الصَّوْم الْفَرْض الْمُتَعَيّن فِي وقته، فَالْأَصْل فِيهِ الْقَضَاء الْمَشْرُوع فِيهِ، غَايَته أَن التَّعْيِين فِي رَمَضَان قبل الشُّرُوع، وَفِي الْقَضَاء بعده، وَلَا يكون تعْيين الشَّارِع لَهُ أدنى من تعْيين العَبْد، وَفِيه بحث ذكره المُصَنّف فِيمَا سبق، وَفِي شرح الْهِدَايَة أَيْضا (وَمِنْه) أَي من هَذَا النَّوْع قَول الشَّافِعِي فِي مسح الرَّأْس فِي الْوضُوء: الْمسْح (ركن فِي الْوضُوء، فَيسنّ تكريره كالغسل: فَيَقُول) الْحَنَفِيّ الْمسْح (ركن فِيهِ) أَي الْوضُوء (أكمل بِزِيَادَة) فِي مَحَله (على) قدر (الْفَرْض) وَهُوَ اسْتِيعَاب بَاقِيه (فَلَا يسن تكراره كالغسل، فَهِيَ) أَي الزِّيَادَة الَّتِي أكمل بهَا (تَفْسِير) لما أبهم من الْوَصْف وَتَحْقِيق لمحل الْخلاف (لِأَن الْخلاف فِي تثليث الْمسْح بعد إكماله كَذَلِك) أَي بِزِيَادَة على الْفَرْض (وَهُوَ) أَي إِلَّا كَمَال على هَذَا الْوَجْه فِي جَانب الْمسْح إِنَّمَا هُوَ (الِاسْتِيعَاب) أَي استيعابه جَمِيع الراس فَإِنَّهُ زِيَادَة على

стр. 1193

الْفَرْض الَّذِي هُوَ الرّبع مكملة لَهُ كَمَا أَنَّهَا فِي جَانب الْغسْل التَّثْلِيث وَالْحَاصِل أَن الْمُسْتَدلّ نظر فِي الأَصْل وَهُوَ الْغسْل إِلَى وصف الركنية الْمُشْتَركَة بَينه وَبَين الْفَرْع الَّذِي هُوَ الْمسْح وظنه مؤثرا فِي ترَتّب حكم التَّثْلِيث عَلَيْهِ فَحكم بسنية التَّثْلِيث فِي الْفَرْع كَمَا فِي الأَصْل، والمعترض دقق النّظر فَوجدَ أَن الركنية لَا تَقْتَضِي خُصُوصِيَّة التَّثْلِيث، بل إِلَّا كَمَال الْمُطلق سَوَاء تحقق فِي ضمن التَّثْلِيث أَو الِاسْتِيعَاب، وَقد تحقق مُقْتَضَاهُ فِي الْمسْح فِي ضمن الِاسْتِيعَاب فقد استوعب حَقه، فَلَا يُزَاد الْفَرْع على الأَصْل بِالْجمعِ لَهُ بَين واستيعاب والتثليث (وَلم يَصح إِيرَاد فَخر الْإِسْلَام لهَذَا) الْمِثَال (فِي الْمُعَارضَة الْخَالِصَة) لوُجُود الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة الدَّالَّة على أَن دَلِيل الْمعَارض لَيْسَ دَلِيل الْمُسْتَدلّ بِعَيْنِه على مَا هُوَ الْمُعْتَبر فِي الْخَالِصَة كَمَا سَيَجِيءُ، وَتحقّق مَا هُوَ الْمُعْتَبر فِي النَّوْع الأول فِيهِ (وَإِذ علمت) فِي أَوَائِل هَذَا الْفَصْل (أَن الْإِيرَاد) أَي إِيرَاد الْمُعْتَرض للاعتراض إِنَّمَا هُوَ (على ظَنّه) أَي الْمُسْتَدلّ (التَّأْثِير، لَا) على (حَقِيقَته) أَي حَقِيقَة التَّأْثِير فِي نفس الْأَمر (صَحَّ إِيرَاد الْقلب على) الْعِلَل (المؤثرة) لِأَن مرجع المناقضة إِنَّمَا هُوَ ظن الْمُعَلل، لَا اعْتِبَار الشَّارِع فِي نفس الْأَمر (كفساد الْوَضع) أَي كَمَا أَن فَسَاد الْوَضع، وَقد مر تَفْسِيره مورده ظن الْمُعَلل للتأثير لَا حَقِيقَة التَّأْثِير (وَيُخَالِفهُ) أَي يُخَالف هَذَا النَّوْع من الْقلب فَسَاد الْوَضع (بِالزِّيَادَةِ) الْمَذْكُورَة (وبكونه) أَي بِكَوْن هَذَا النَّوْع مِنْهُ يُورد فِي مطلب يكون (أَعم من مدعاه) أَي مدعي فَسَاد الْوَضع وَهُوَ نقيض حكم الْمُسْتَدلّ، فَإِن شَهَادَة وصف الْمُسْتَدلّ للمعترض كَمَا تحقق فِيمَا يثبت نقيض حكمه تتَحَقَّق فِيمَا يسْتَلْزم نقيضه، وَلَو اطَّلَعت على مَا ذكره الشَّارِح فِي حل هَذَا الْمحل على مَا هُوَ عَادَته فِي أَمْثَاله من المشكلات لقضيت مِنْهُ الْعجب. هَذَا فِي بَيَان الْفرق بَين النَّوْع الثَّانِي من الْقلب وَفَسَاد الْوَضع، وَقد سبق قَرِيبا أَن فَسَاد الْوَضع يُفَارق الْقلب الْمُطلق بِكَوْن الْوَصْف فِي فَسَاد الْوَضع يثبت نقيض الحكم بِأَصْل آخر، وَفِي الْقلب يُثبتهُ بِأَصْل الْمُسْتَدلّ المُرَاد بِإِثْبَات الْقلب نقيضه مَا يعم إثْبَاته بِوَاسِطَة فَلَا يُنَافِي مَا سبق. (قَالُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (ويقلب الْعلَّة من وَجه فَاسد كعبادة لَا يجب الْمُضِيّ فِي فاسدها، فَلَا تلْزم بِالشُّرُوعِ) فِيهَا (كَالْوضُوءِ) أَي كَقَوْل الشَّافِعِي: إِن الشُّرُوع فِي نفل من صَلَاة أَو صَوْم غير مُلْزم إِتْمَامه وقضاؤه إِذا فسد أَنه عبَادَة لَا يجب الْمُضِيّ فِيهَا إِذا فَسدتْ، فَلَا تلْزم بِالشُّرُوعِ فِيهَا كَالْوضُوءِ بِجَامِع أَن كلا مِنْهُمَا عبَادَة لَا يمْضِي فِي فاسدها، وَاحْترز بِهِ عَن الْحَج، فَإِنَّهُ يجب الْمُضِيّ فِي فاسده، وَكَذَا يلْزم بِالشُّرُوعِ فِيهِ، فَجعل عدم لُزُوم المضيف فِي الْفَاسِد عِلّة لعدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ (فَيَقُول) الْحَنَفِيّ إِذا كَانَت الْعِبَادَة الْمَذْكُورَة حَالهَا كَحال الْوضُوء (فيستوي عمل النّذر والشروع فِيهَا كَالْوضُوءِ) أَي كَمَا يَسْتَوِي عملهما فِي الْوضُوء فَإِنَّهُ لما لم يلْزم بِالشُّرُوعِ لم يلْزم بِالنذرِ فمساواة عملهما فِي الْوضُوء كَونهمَا متساويين فِي عدم الْإِلْزَام

стр. 1194

على الْمُكَلف النَّاذِر والشارع فِي الْعِبَادَة الْمَذْكُورَة كَونهمَا متساويين فِي الْإِلْزَام، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فتلزم) النَّافِلَة (بِالشُّرُوعِ لِأَنَّهَا تلْزم بِالنذرِ) إِجْمَاعًا فَالْحَاصِل أَن العباة الْمَذْكُورَة لَزِمَهَا الْمُسَاوَاة بَين نذرها وشروعها، وَلَا يتَصَوَّر مساواتهما فِيهَا بالإلزام لتعين الْإِلْزَام فِي نذرها بِالْإِجْمَاع، وَيُسمى هَذَا الْقلب قلب التَّسْوِيَة، وَأما قلب الْعلَّة الَّتِي هِيَ عدم لُزُوم الْمُضِيّ فِي الْفَاسِد وَكَونه من وَجه فَاسد فَلَمَّا سيشير إِلَيْهِ (وَسَماهُ) أَي هَذَا الْقلب بدليله (فَخر الْإِسْلَام عكسا، لِأَن حَاصله عكس خُصُوص حكم الأَصْل) الَّذِي هُوَ الْوضُوء (وَهُوَ) أَي حكمه فِي الْمِثَال (عدم اللُّزُوم بِالنذرِ والشروع فِي الْفَرْع) أَي النَّافِلَة، وَلَا يخفى أَن عكس حكم الأَصْل عدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ فَقَط لَا عدم اللُّزُوم بهما جَمِيعًا فَفِيهِ مُسَامَحَة، أَو المُرَاد بِحكمِهِ مَا يلْزم الحكم الَّذِي ذكره الْمُسْتَدلّ وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ وَهُوَ عدم اللُّزُوم الْمُتَرَتب على مُسَاوَاة عملهما فِي الْوضُوء الَّذِي لزم تَعْلِيل الْمُسْتَدلّ وَإِنَّمَا قَالَ خُصُوص حكم الأَصْل لعدم كَون حَاصله عكس مُطلق حكم الشَّامِل مُسَاوَاة عملهما فِيهِ فَتدبر (وَهَذَا) النَّوْع من الْقلب هُوَ (الْمَنْسُوب إِلَى الْحَنَفِيَّة أول الْقيَاس) أَي فِي أول مباحثه (مُسَمّى بِقِيَاس الْعَكْس) وَلَيْسَ بِقِيَاس (وَإِنَّمَا هُوَ اسْم الِاعْتِرَاض) هُوَ رد الحكم بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُور. (وَاخْتلف فِي قبُوله، فَقيل نعم) يقبل وَهُوَ معزو إِلَى الْأَكْثَر: مِنْهُم أَبُو إِسْحَق الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام الرَّازِيّ (إِذْ جعل) الْمُعْتَرض (وَصفه) أَي الْمُسْتَدلّ (شَاهدا لما يسْتَلْزم نقيض مَطْلُوبه) أَي الْمُسْتَدلّ (وَهُوَ) أَي مَا يسْتَلْزم نقيض مَطْلُوب الْمُسْتَدلّ (الاسْتوَاء) لِأَنَّهُ يلْزم من اسْتِوَاء الشُّرُوع وَالنّذر فِي الْعَمَل كَون الشُّرُوع ملزما كالنذر وَهُوَ نقيض مَطْلُوبه، أَعنِي عدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ. (وَالْمُخْتَار) كَمَا ذهب إِلَيْهِ آخَرُونَ: مِنْهُم القَاضِي وَابْن السَّمْعَانِيّ وَصَاحب البديع أَنه (لَا) يقبل (لِأَن كَون الْوَصْف يُوجب شبها فِي شَيْء لَا يسْتَلْزم عُمُوم الشّبَه) من المتشابهين فِي كل شَيْء (ليلزم الاسْتوَاء مُطلقًا) وَالْحَاصِل أَن القالب لما ادّعى أَن علية عدم وجوب الْمُضِيّ فِي الْفَاسِد لعدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ فِي الْوضُوء والنافلة أوجب شبها بَين الْوضُوء والنافلة فِي عدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ والمتشابهان متساويان فِي الْأَحْكَام، وَمن جملَة أَحْكَام الْوضُوء اسْتِوَاء عمل النّذر والشروع فِيهِ فَلَزِمَ اسْتِوَاء عملهما فِي النَّافِلَة، وعَلى تَقْدِير اسْتِوَاء عملهما فِي النَّافِلَة يلْزم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ لما ذكر رد عَلَيْهِ الْمُخْتَار بِأَن إِيجَاب الشّبَه فِي شَيْء، وَهُوَ هَهُنَا عدم اللُّزُوم بِالشُّرُوعِ لَا يسْتَلْزم عُمُوم الشّبَه حَتَّى يلْزم الشّبَه بَين الْوضُوء والنافلة فِي اسْتِوَاء عملهما، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله ليلزم الخ: أَي ليلزم اسْتِوَاء عملهما مُطلقًا فِي الْوضُوء والنافلة، وَلَا يخفى أَنه لَا يلْزم حِينَئِذٍ التَّنَاقُض لِأَن اسْتِوَاء عملهما فِي الْوضُوء يسْتَلْزم عدم اللُّزُوم بِشَيْء مِنْهُمَا، وَفِي النَّافِلَة يسْتَلْزم اللُّزُوم بِكُل مِنْهُمَا للزومها بِالنذرِ إِجْمَاعًا، فعموم الشّبَه يسْتَلْزم مُشَاركَة الْوضُوء والنافلة فِي كل من اللازمين

стр. 1195

فَافْهَم (وَمَا أوردهُ الشَّافِعِيَّة) فِي كتبهمْ من هَذَا السُّؤَال فَهُوَ (من) النَّوْع (الثَّانِي) من الْقلب أَو الْمَعْنى: وَمَا أوردهُ من هَذَا الْجِنْس من الِاعْتِرَاض على أَدِلَّة الْحَنَفِيَّة فَهُوَ كَذَا. ثمَّ بَين مَا أوردهُ بقوله (وَهُوَ دَعْوَى تَجْوِيز ثُبُوت نقيض حكم الْمُسْتَدلّ فِي الْفَرْع) مُتَعَلق بالثبوت كَقَوْلِه (بوصفه) أَي بِوَصْف الْمُسْتَدلّ أَو حكمه. وَحَاصِله أَن الْمُعْتَرض يَدعِي مُنَاسبَة وَصفه لحكمين مناقضين بِاعْتِبَار تحَققه فِي المحلين: الأَصْل وَالْفرع، فقد أَشَارَ بِلَفْظ التجويز إِلَى هَذِه الْمُنَاسبَة (وَهُوَ) أَي مَا أوردهُ قِسْمَانِ: أَحدهمَا (قلب لتصحيح مذْهبه) أَي الْمُعْتَرض (ليبطل الْمُسْتَدلّ) أَي ليلزم مِنْهُ بطلَان مذْهبه لتنافيهما (كلبث) أَي كَقَوْل الْحَنَفِيّ: الِاعْتِكَاف يشْتَرط فِيهِ الصَّوْم لِأَنَّهُ لبث فِي مَكَان مَخْصُوص (ومجرده) أَي مُجَرّد اللّّبْث (غير قربَة كالوقوف) بِعَرَفَة فَإِن مجرده غير قربَة، وَإِنَّمَا صَار قربَة بانضمام عبَادَة إِلَيْهِ، وَهُوَ الْإِحْرَام فَلَا بُد من انضمام عبَادَة مَعَ اللّّبْث ليصير عبَادَة (فَيشْتَرط فِيهِ) أَي فِي الِاعْتِكَاف (الصَّوْم) لعدم ظُهُور مُنَاسبَة اعْتِبَار عبَادَة غَيره فِيهِ (فَيَقُول) الشَّافِعِي (فَلَا يشْتَرط) فِيهِ الصَّوْم (كالوقوف) أَي إِذا كَانَ الِاعْتِكَاف شَبيه الْوُقُوف بِعَرَفَة لزم أَن لَا يشْتَرط فِيهِ الصَّوْم كَمَا لَا يشْتَرط فِي الْوُقُوف. (و) الْقسم الآخر قلب (لإبطال) مَذْهَب (الْمُسْتَدلّ صَرِيحًا لتصحيح مذْهبه) أَي ليلزم مِنْهُ صِحَة مَذْهَب الْمُعْتَرض ضمنا (كالحنفي فِي الرَّأْس) أَي كَقَوْلِه فِي مسح الرَّأْس أَنه مُقَدّر بِالربعِ لِأَنَّهُ عُضْو (من أَعْضَاء الْوضُوء فَلَا يَكْفِي أَقَله) أَي مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الرَّأْس (كَبَقِيَّة الْأَعْضَاء) فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي فِيهَا غسل أدنى مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم (فَيَقُول) الشَّافِعِي أَنه مسح عُضْو من أَعْضَاء الْوضُوء (فَلَا يقدر بِالربعِ كبقيتها) فقد أبطل الْمُعْتَرض مَذْهَب الْمُسْتَدلّ صَرِيحًا ليلزم تَصْحِيح مذْهبه ضمنا. وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَن عدم التَّقْدِير بِالربعِ لَا يسْتَلْزم الِاكْتِفَاء بِالْأَقَلِّ، فَكيف يلْزم من إبِْطَال مَذْهَب الْمُسْتَدلّ تَصْحِيح مَذْهَب الْمُعْتَرض؟ أَشَارَ إِلَى دَفعه بقوله (ووروده) أَي الْقلب الْمَذْكُور فِي هَذَا الْمِثَال بِنَاء (على أَن المُرَاد) أَي مُرَاد القالب (اتفقنا) نَحن وَأَنْتُم أَيهَا الْحَنَفِيَّة على (أَن الثَّابِت أَحدهمَا) أَي أقل الرَّأْس أَو الرّبع، وَإِذا انْتَفَى أَحدهمَا ثَبت الآخر، وَإِلَّا فَلَا يلْزم من نفي الرّبع الأول لجَوَاز الِاسْتِيعَاب كَمَا ذهب إِلَيْهِ مَالك، وَفِيه نظر، وَهُوَ أَن كلا من المتخاصمين تعين عِنْده مذْهبه، وَإِذا أبطل أَحدهمَا مَذْهَب الآخر لم يثبت علية مَذْهَب الْمُبْطل، بل يجوز حِينَئِذٍ الثَّالِث: نعم لَو لم يكن فِي الْوُجُود إِلَّا المذهبان كَانَ يلْزم الْإِجْمَاع على نفي الثَّالِث فَتَأمل (أَو) لإبطال مَذْهَب الْمُسْتَدلّ (التزاما كَقَوْلِه) أَي الْحَنَفِيّ (فِي بيع غير المرئي: عقد مُعَاوضَة فَيصح مَعَ الْجَهْل بِالْعِوَضِ كَالنِّكَاحِ، فَيَقُول) الشَّافِعِي عقد مُعَاوضَة (فَلَا يثبت فِيهِ خِيَار الرُّؤْيَة) كَمَا لَا يثبت فِي النِّكَاح، فالمعترض لم يتَعَرَّض لإبطال مَذْهَب الْخصم، وَهُوَ القَوْل بِالصِّحَّةِ صَرِيحًا

стр. 1196

بل التزاما: وَذَلِكَ لِأَن من قَالَ بِصِحَّة بيع المرئي مَعَ الْجَهْل بالمعوض قَالَ بِخِيَار الرُّؤْيَة فهما متلازمان فَيلْزم من انْتِفَاء خِيَار الرُّؤْيَة انْتِفَاء الصِّحَّة، وَلذَا قَالَ (فَلَا يَصح) البيع الْمَذْكُور (الثَّانِي) من نَوْعي (الْمُعَارضَة الْخَالِصَة) عَن معنى المناقضة (فِي) حكم (الْفَرْع) بِأَن يذكر عِلّة أُخْرَى توجب خلاف مَا توجبه عِلّة الْمُسْتَدلّ (بِلَا تَغْيِير) وَلَا زِيَادَة فِي الحكم الأول فَيَقَع بهَا الْمُقَابلَة من غير تعرض لإبطال عِلّة الْمُسْتَدلّ فَيمْتَنع الْعَمَل بِشَيْء مِنْهُمَا لمدافعة كل مِنْهُمَا الْأُخْرَى مَا لم تترجح إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى (ويستدعى) هَذَا النَّوْع (أصلا آخر وَعلة) أُخْرَى (كالمسح) أَي كَقَوْل الشَّافِعِي الْمسْح (ركن فِي الْوضُوء فَيسنّ تكريره كالغسل، فَيَقُول) الْحَنَفِيّ: مسح الرَّأْس (مسح فَلَا يُكَرر كمسح الْخُف) فَأصل الأول الْغسْل، وعلته الركنية، وأصل الثَّانِي مسح الْخُف، وعلته كَونه مسحا، والتكرر وَعَدَمه حكمان متخالفان فِي الْفَرْع الَّذِي هُوَ مسح الرَّأْس وَلم يَقع تَغْيِير فِي الحكم الأول، فمورد الْإِيجَاب وَالسَّلب وَاحِد (وَالْأَحْسَن أَن يَجْعَل أَصله) أَي الْمُعْتَرض (التَّيَمُّم) فَيُقَال كالتيمم (فيندفع) على هَذَا الْفَارِق (المتوهم من مَانع فَسَاد الْخُف) بَيَان للمتوهم: أَي الركنية إِنَّمَا يَقْتَضِي التكرير، غير أَنه لم يتَحَقَّق الْمُقْتَضِي فِي مسح الْخُف لوُجُود الْمَانِع، وَهُوَ الْإِفْضَاء إِلَى إِتْلَاف الْخُف بتكرير الْمسْح (أَو بتغيير مَا) فِي الحكم الْمُتَنَازع فِيهِ، مَعْطُوف على قَوْله بِلَا تَغْيِير، فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى تَقْسِيم هَذَا النَّوْع إِلَى قسمَيْنِ كَقَوْل الْحَنَفِيّ لإِثْبَات ولَايَة التَّزْوِيج بِغَيْر الْأَب وَالْجد من الْأَوْلِيَاء كالأخ (فِي صَغِيرَة بِلَا أَب وجد صَغِيرَة فيولى عَلَيْهَا فِي الانكاح كذات الْأَب) أَي كالصغيرة الَّتِي لَهَا أَب بِجَامِع الصغر الْمُوجب للعجز عَن مُرَاعَاة مصالحها (فَيَقُول) الشَّافِعِي (الْأَخ قَاصِر الشَّفَقَة، فَلَا يولي عَلَيْهَا كَالْمَالِ) فَإِنَّهُ لَا ولَايَة للْأَخ على المَال إِجْمَاعًا: فَهَذِهِ مُعَارضَة خَالِصَة صَحِيحَة مثبتة حكما مُخَالفا للْأولِ بعلة أُخْرَى فِي ذَلِك الْمحل بِعَيْنِه، لَكِن مَعَ تَغْيِير مَا فِي الحكم الأول من الْإِطْلَاق الشَّامِل للْأَخ وَغَيره إِلَى التَّقْيِيد بالأخ (وَأما نظمه) أَي الْمعَارض الْمُعَارضَة هَكَذَا (صَغِيرَة فَلَا يولي عَلَيْهَا قرَابَة الْأُخوة كَالْمَالِ) كَمَا فِي أصُول فَخر الْإِسْلَام والتنقيح وَغَيرهمَا. قَالَ الشَّارِح: لَكِن الْمَذْكُور فِيهَا بِولَايَة الْأُخوة انْتهى، وعَلى مَا ذكره المُصَنّف نِسْبَة التوالية إِلَى الْقَرَابَة مجَاز لكَونهَا سَببا للتولية (فَلَيْسَ مِنْهُ) أَي من هَذَا الْقسم الْمُعَارضَة الْخَالِصَة من الْقلب، فالمعترض (عَارض مُطلق الْولَايَة) الَّتِي أثبتها الْمُسْتَدلّ (بنفيها) أَي الْولَايَة (عَن خُصُوص) مندرج تَحت عُمُوم إِطْلَاقهَا وَهُوَ الْأَخ (يلْزمه) أَي يلْزم نَفيهَا عَن (نفي) الحكم (الْمُعَلل لِأَن قرَابَته) أَي الْأَخ (أقرب) من سَائِر الْقرَابَات (بعد الولاد، فنفيها) أَي ولَايَة الْأَخ (نفى مَا بعْدهَا) أَي مَا سواهَا من ولَايَة الْعم وَغَيره (مُطلقًا). وَأَشَارَ إِلَى قسم ثَالِث مِنْهَا بقوله (أَو إِثْبَات) بِالْجَرِّ

стр. 1197

عطفا على بِلَا تَغْيِير: أَي إِثْبَات الْمُعْتَرض حكما (آخر) غير مَا ذكره الْمُعَلل (يستلزمه) أَي يسْتَلْزم إثْبَاته نفي حكم الْمُعَلل (كَقَوْل أبي حنيفَة فِي أحقية المنعي) أَي الَّذِي نعى إِلَى زَوجته: أَي أخْبرت بِمَوْتِهِ فتربصت مِنْهُ ثمَّ تزوجت (بِوَلَدِهَا) مُتَعَلق بالأحقية: أَي الَّذِي وَلدته (فِي) زمَان (نِكَاح من تزوجته بعده) أَي بعد المنعي من الَّذِي تزَوجهَا بعده، فالمنعي إِذا جَاءَ بعد الْولادَة وَادّعى نسبه (صَاحب فرَاش صَحِيح) مقول قَوْله: أَي المنعي صَاحب فرَاش صَحِيح لقِيَام مَكَانَهُ (فَهُوَ أَحَق) بِالْوَلَدِ الْمَذْكُور (من) صَاحب الْفراش (الْفَاسِد) وَهُوَ المتزوج بهَا مَعَ قيام نِكَاح المنعي (كَمَا لَا يُحْصى) من تَقْدِيم الصَّحِيح على الْفَاسِد عِنْد التَّعَارُض (فَيَقُول) المعترص كالصاحبين: الزَّوْج (الثَّانِي صَاحب فرَاش فَاسد فيلحقه) الْوَلَد (كالمتزوج بِلَا شُهُود) إِذا ولدت المتزوج بهَا يثبت النّسَب مِنْهُ مَعَ فَسَاد الْفراش: كَيفَ وَظَاهر الْحَال يَقْتَضِي كَون الْعلُوق مِنْهُ (فإثباته) أَي إِثْبَات نسب الْوَلَد (من الثَّانِي يلْزمه) أَي الْإِثْبَات الْمَذْكُور (نَفْيه) أَي الْوَلَد (عَن الأول للْإِجْمَاع) على (أَن لَا يثبت) نسبه (مِنْهُمَا) جَمِيعًا، وَقد وجد مَا يصلح سَببا لاسْتِحْقَاق النّسَب فِي حق الثَّانِي (فرجح) أَبُو حنيفَة (الْملك وَالصِّحَّة) الكائنين للْأولِ (على الْحُضُور وَالْمَاء) أَي كَون الثَّانِي حَاضرا وَالْمَاء لَهُ (كَالزِّنَا) فَإِنَّهُ وَقع فِيهِ هَذَا التَّرْجِيح (وَالْوَجْه) أَن يُقَال (ترجح) المنعي على الزَّوْج الثَّانِي (بِالصِّحَّةِ على الْحُضُور) أَي بِسَبَب تَرْجِيح وصف صِحَة الْفراش على وصف الْحُضُور مَعَ انْتِفَاء الصِّحَّة (أما المَاء فمقدر فيهمَا) أَي الزَّوْجَيْنِ لعدم الْقطع بِهِ من الثَّانِي. (وَذكر الشَّافِعِيَّة من الأسئلة: مُخَالفَة حكم الْفَرْع لحكم الأَصْل) إِذْ من شَرط الْقيَاس اتِّحَاد الحكم كَمَا عرف (كقياس البيع على النِّكَاح وَعَكسه) أَي قِيَاس النِّكَاح على البيع (فِي عدم الصِّحَّة) بِجَامِع فِي صُورَة (فَيَقُول) الْمُعْتَرض الحكم فيهمَا مُخْتَلف حَقِيقَة (عدمهَا) أَي الصِّحَّة (فِي البيع حُرْمَة الِانْتِفَاع) بِالْمَبِيعِ (و) عدمهَا (فِي النِّكَاح حُرْمَة الْمُبَاشرَة. وَالْجَوَاب) عَن الْإِيرَاد الْمَذْكُور أَن يُقَال (الْبطلَان) الَّذِي هُوَ عدم الصِّحَّة فيهمَا (وَاحِد) وَهُوَ (عدم) ترَتّب (الْمَقْصُود من العقد) عَلَيْهِ (وَإِن اخْتلف صوره) أَي صور الْبطلَان ومحاله الَّتِي يُضَاف إِلَيْهَا كَالْبيع وَالنِّكَاح، فَإِن اخْتِلَاف الْمحل لَا يُوجب اخْتِلَاف الْحَال، بل لَا بُد فِي كل قِيَاس من اخْتِلَاف مَحل الحكم، وَإِلَّا لم يتَحَقَّق الأَصْل وَالْفرع. ثمَّ الْمُمْتَنع فِي الْقيَاس اخْتِلَاف الحكم جِنْسا كالوجوب وَالْحُرْمَة وَالنَّفْي وَالْإِثْبَات (وَهَذَا) السُّؤَال (وَغَيره) من الأسئلة (ككون الأَصْل معدولا) عَن سنَن الْقيَاس (دَاخل فِيمَا ذكر الْحَنَفِيَّة من منع وجود الشَّرْط) فَلَا حَاجَة إِلَى إِفْرَاده بِالذكر. (وَأما سُؤال الْفرق) بَين الأَصْل وَالْفرع (إبداء خُصُوصِيَّة فِي الأَصْل) عطف بَيَان لسؤال الْفرق، ثمَّ نعت الخصوصية بقوله (هِيَ) أَي تِلْكَ الخصوصية

стр. 1198

(شَرط) للعلية (مَعَ بَيَان انتفائها) أَي تِلْكَ الخصوصية (فِي الْفَرْع أَو بَيَان مَانع) بِالرَّفْع عطفا على إبداء (فِيهِ) أَي فِي الْفَرْع عَن الحكم (و) بَيَان (انتفائه) أَي الْمَانِع (فِي الأَصْل فمجموع معارضتين فِي الأَصْل وَالْفرع) جَوَاب لأما، بِمَعْنى أَن حَقِيقَة الْفرق الْمَذْكُور مركبة من معارضتين: مُعَارضَة فِي الأَصْل: وحاصلها أَنَّك زعمت أَن الْوَصْف الَّذِي ذكرته فِي الأَصْل عِلّة من غير شَرط أَو بِدُونِ اعْتِبَار عدم الْمَانِع، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ مَشْرُوط بالخصوصية الْمَذْكُورَة أَو مُعْتَبر فِيهِ عدم مَانع كَذَا. ومعارضة فِي الْفَرْع: وحاصلها أَنَّك ادعيت وجود الْعلَّة فِي الْفَرْع وَلَيْسَ كَذَلِك لانْتِفَاء شَرطهَا فِيهِ، أَو وجود الْمَانِع من تأثيرها فِيهِ (وَهُوَ) أَي كَونه مَجْمُوع المعارضتين (فِي) الشق (الثَّانِي) من الترديد، أَعنِي بَيَان مَانع فِي الْفَرْع وانتفائه فِي الأَصْل مَبْنِيّ (على أَن الْعلَّة الْوَصْف مَعَ عدم هَذَا الْمَانِع) لِأَنَّهُ لَو لم يعْتَبر فِي الْعلَّة عدم الْمَانِع لما صَحَّ نفي وجود الْعلَّة فِي الْفَرْع، وَلِأَن الْمَانِع عَن الشَّيْء فِي قُوَّة الْمُقْتَضى لنقيضه فَيكون فِي الْفَرْع نقيض الحكم الَّذِي أثْبته الْمُسْتَدلّ (وَعَلِيهِ) أَي على الْمُعْتَرض (بَيَان كَونه) أَي كَون مَا أبداه من الخصوصية فِي الأَصْل شرطا فِي الشق الأول (أَو) مَا أبداه من الْمَانِع فِي الْفَرْع (مَانِعا) فِي الشق الثَّانِي (على طَرِيق إِثْبَات الْمُسْتَدلّ علية الْوَصْف) أَي كَمَا أثبت الْمُسْتَدلّ علية الْوَصْف على الْوَجْه الَّذِي ادَّعَاهُ يثبت الْمعَارض عليته على الْوَجْه الَّذِي يَدعِيهِ (وَالْوَجْه أَنه) أَي الْفرق (معارضتان) فِي الأَصْل وَالْفرع (على) الشق الأول من الترديد (ادِّعَاء الشَّرْط و) معارضته (فِي الْفَرْع فَقَط على) الشق الثَّانِي مِنْهُ: أَي بَيَان (الْمَانِع لما تقدم) فِي شُرُوط الْعلَّة (من الْحق) من (أَن عدم الْمَانِع لَيْسَ جُزْءا من الْعلَّة الباعثة، بِخِلَاف الشَّرْط لِأَنَّهُ) أَي الشَّرْط (خُصُوصِيَّة زَائِدَة على الْوَصْف) الَّذِي علل بِهِ الْمُعَلل فَهِيَ جُزْء مِنْهُ (وَلَو لم يتَعَرَّض) الْمُعْتَرض (لانتفائه) أَي الشَّرْط (من الْفَرْع لم يكن) إبداء الخصوصية الَّتِي هِيَ شَرط فِي الأَصْل (الْفرق) الَّذِي هُوَ مَجْمُوع المعارضتين (بل) هُوَ (مُعَارضَة فِي الأَصْل الْمُسَمّى مُفَارقَة) عِنْد الْحَنَفِيَّة وَتقدم الْكَلَام فِيهَا (والاتفاق على) جَوَاز (جمعهَا) أَي الاعتراضات إِذا كَانَت (من جنس) وَاحِد، إِذْ لَا يلْزم مِنْهُ مَحْذُور من التَّنَاقُض والانتقال وَغير ذَلِك (و) ذكر (بعض الْأُصُولِيِّينَ النَّوْع للْجِنْس) يَعْنِي أطلق النَّوْع وَأَرَادَ بِهِ الْجِنْس (وَالْجِنْس للنوع) عكس على مَا فِيهِ اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ، فَالْمُرَاد بِالْجِنْسِ الْمَذْكُور فِي الِاتِّفَاق النَّوْع (وأصول الْحَنَفِيَّة) وفروعهم أَيْضا يذكر فِيهَا (الْجِنْس للنوع) كالحنطة (وَالنَّوْع للصنف كَرجل) وَلَا مناقشة فِي الِاصْطِلَاح (وَذَلِكَ) أَي جمعهَا من جنس (كالاستفسارات والمنوع والمعارضات) فَإِن كل وَاحِدَة مِنْهَا يجمعها جنس هُوَ الاستفسار وَالْمَنْع والمعارضة (وَفِي) جمع (الْأَجْنَاس) من الاعتراضات اخْتِلَاف (مَنعه) أَي جمعهَا (السمرقنديون للخبط) اللَّازِم من ذَلِك (للانتشار) بِخِلَاف مَا إِذا كَانَت من جنس

стр. 1199

وَاحِد، فَإِن النشر فِي الْمُخْتَلفَة أَكثر، وَالْجُمْهُور جوزوا الْجمع بَينهمَا أَيْضا (ثمَّ) إِذا جَازَ الْجمع (منع أَكثر النظار) الاعتراضات (الْمرتبَة طبعا) أَي جمعهَا، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ أَعم من أَن تكون من جنس وَاحِد أَولا، وَالدَّلِيل يُفِيد الْأَعَمّ، غير أَن الشَّارِح خصصه بِمَا إِذا كَانَ من نوع وَاحِد (كمنع حكم الأَصْل وَمنع أَنه مُعَلل بذلك) الْوَصْف فَإِن تَعْلِيله بعد ثُبُوته طبعا (إِذْ يُفِيد) الْأَخير (تَسْلِيم الأول) فَيتَعَيَّن الْأَخير سؤالا فيجاب عَنهُ دون الأول (وَالْمُخْتَار جَوَازه) أَي جمع الْمرتبَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق الاسفرايني (لِأَن التَّسْلِيم) للمتقدم (فَرضِي: أَي لَو سلم) الأول (ورد الثَّانِي) فَلَا يلْزم تَسْلِيمه فِي نفس الْأَمر (وَحِينَئِذٍ) أَي حِين اختير جَوَازه (الْوَاجِب) على الْمُعْتَرض (ترتيبها) أَي الْمرتبَة طبعا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يرتبها وَعكس التَّرْتِيب (فَمنع) فحاصله منع (بعد التَّسْلِيم إِذْ) قَول الْمُعْتَرض (لَا نسلم أَن الحكم مُعَلل بِكَذَا يتَضَمَّن تَسْلِيمه) أَي الحكم (فَقَوله) بعد ذَلِك (بِمَنْع ثُبُوت الحكم رُجُوع) عَن تَسْلِيمه (لَا يسمع) لِأَنَّهُ إِنْكَار بعد الْإِقْرَار فَالْمُرَاد من التَّرْتِيب الْوَاجِب على الْمُعْتَرض أَن يرد الْمرتبَة على وَجه لَا يلْزم عَلَيْهِ الْمَنْع بعد التَّسْلِيم فَيمْنَع ثُبُوت الحكم أَولا، ثمَّ يمْنَع كَونه مُعَللا بِكَذَا، فَيكون تَسْلِيمًا بعد الْمَنْع على طَرِيق التنزل، وَلما بَين وجوب التَّرْتِيب على هَذَا الْوَجْه فِي جَمِيع الْمرتبَة على الْمَذْهَب الْمُخْتَار ظهر أَن منع أَكثر النظار جمعهَا على التَّرْتِيب الطبيعي الْمُفِيد تَسْلِيم مَا منع على عكس مَا هُوَ الْوَاجِب، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَيبْطل مَا يلْزم قَول الْأَكْثَرين من وُجُوبهَا) بَيَان لما: أَي من لُزُوم جَمِيع الاعتراضات الْمرتبَة طبعا حَال كَونهَا (غير مرتبَة) وَإِنَّمَا حكم بِلُزُوم ذَلِك لقَولهم لأَنهم قد منعُوا جمعهَا على التَّرْتِيب الطبيعي فَتعين ذكرهَا غير مرتبَة، لَا يُقَال لَا يسْتَلْزم منع ذكرهَا مترتبة ذكرهَا غير مترتبة لجَوَاز أَن لَا يذكرهَا أصلا، لِأَن جَوَاز ذكرهَا اتِّفَاق، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَإِلَّا فالاتفاق على) جَوَاز (التَّعَدُّد) إِذا كَانَ المتعدد (من نوع) وَاحِد، وَإِنَّمَا حكم بِبُطْلَان اللَّازِم الْمَذْكُور، لِأَن الْمَنْع قبل التَّسْلِيم إِذا كَانَ قبيحا فَهُوَ بعد التَّسْلِيم أقبح (وَلَا مخلص لَهُم) أَي للأكثرين عَن هَذَا الْإِبْطَال (إِلَّا بادعاء أَن منع الْعلية بِفَرْض وجود الحكم) يَعْنِي أَن تَسْلِيم حكم الأَصْل بِحَسب نفس الْأَمر لَا يلْزم من منع علية الْوَصْف لجَوَاز أَن يكون بِحَسب الْفَرْض، فَإِذا منع ثُبُوت الحكم بعد منع عليته الْوَصْف علم أَن مُرَاده من التَّسْلِيم الَّذِي يتضمنه منع الْعلية إِنَّمَا هُوَ بِحَسب الْفَرْض وَحِينَئِذٍ يلْزمهُم مثله فِي مَنعهم المترتبة. (وَمَا قيل) على مَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ إِذْ (كل من الْخَمْسَة وَالْعِشْرين) اعتراضا الْوَارِدَة على الْقيَاس الَّذِي سبق ذكرهَا (جنس ينْدَرج تَحت نوع) على مَا مر من اصْطِلَاح بعض الْأُصُولِيِّينَ بعكس مَا هُوَ الْمَشْهُور من اندراج النَّوْع تَحت الْجِنْس (غلط) لِأَنَّهُ (يبطل حِكَايَة الِاتِّفَاق على) جَوَاز جمع (المتعدد من جنس إِذْ لَا يتَصَوَّر

стр. 1200

التَّعَدُّد مثلا من منع وجود الْعلَّة) أَي مِنْهُ (وَهُوَ أَحدهَا) أَي أحد الْخَمْسَة وَالْعِشْرين، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْمَنْع الْمَذْكُور جِنْسا فَبعد منع وجودهَا فِي قِيَاس وَاحِد مرّة لَا يُمكن منع وجودهَا ثَانِيًا فَلَا يتَصَوَّر التَّعَدُّد من هَذَا الْجِنْس، وَهَذَا إِنَّمَا يرد على الْقَائِل الْمَذْكُور إِذا حمل لفظ الْجِنْس فِي الْمحل على الْمَعْنى الَّذِي اخْتَارَهُ فَجعله خَمْسَة وَعشْرين، وَأما إِذا حمله على الْمَعْنى الَّذِي عبر عَنهُ بالنوع فَلَا يرد، غير أَن اخْتِيَاره على وَجه لَا يلائم كَلَام الْقَوْم خُرُوج عَن الجادة (و) أَيْضا (كَلَامهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (فِي) ذكر (الْمثل) أَي أَمْثِلَة الْمَذْكُورَات (وَذكر الْأَجْنَاس) للاعتراضات (خِلَافه) أَي خلاف مَا ذكره هَذَا الْقَائِل، بل الْمَنْع نوع مندرج تَحْتَهُ منع حكم الأَصْل وَمنع وجود الْوَصْف وَمنع عليته وَمنع وجودهَا فِي الْفَرْع وَغَيرهَا، والمعارضة نوع ينْدَرج فِيهَا الْمُعَارضَة فِي الأَصْل وَفِي الْفَرْع وَغَيرهمَا وكل وَاحِد من أَقسَام الْمَنْع والمعارضة جنس وَاحِد إِذْ الْفَرْض أَن الْجِنْس هُوَ النَّوْع المنطقي بِهَذَا الِاصْطِلَاح فالنقد جنس انحصر فِيهِ نَوعه كَمَا نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه يرد عَلَيْهِم حِينَئِذٍ مَا أوردهُ على الْقَائِل الْمَذْكُور فَالصَّوَاب أَن يكون ذكرا للْجِنْس على وَجه لَا يكون كل وَاحِد من الْخَمْسَة وَالْعِشْرين جِنْسا حَتَّى يتَحَقَّق الْخلاف، ثمَّ أَخذ يبين التَّرْتِيب الطبيعي بقوله (فَتقدم الْمُتَعَلّق بِالْأَصْلِ) من الِاعْتِرَاض فَيقدم منع حكم الأَصْل لِأَنَّهُ نظر فِيهِ تَفْصِيلًا، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَالْوَجْه أَن يُقَال الْمَنْع طلب الدَّلِيل من الْمُسْتَدلّ وَهُوَ الَّذِي يتَبَادَر إِلَيْهِ الذِّهْن، بِخِلَاف إِقَامَة الدَّلِيل على خِلَافه (ثمَّ) الْمُتَعَلّق (بِالْعِلَّةِ) لِأَنَّهُ نظر فِيمَا هُوَ متفرع عَن حكم الأَصْل فَتقدم منع وجود الْعلَّة فِي الأَصْل ثمَّ الْمُطَالبَة بتأهيرها إِلَى غير ذَلِك (ثمَّ) الْمُتَعَلّق (بالفرع) لابتنائه على الْعلَّة (وَتقدم النَّقْض على مُعَارضَة الأَصْل عِنْد معتبرها) أَي مُعَارضَة الأَصْل، وَقد مر بَيَانه (إِذْ هِيَ) أَي مُعَارضَة الأَصْل (لإبطال استقلالها) أَي الْعلَّة بالتأثير والنقض لإبطال أَصْلهَا (وَمنع وجود الْعلَّة فِي الأَصْل قبل منعهَا) أَي قبل منع عليتها (وَالْقلب قبل الْمُعَارضَة الْخَالِصَة) وَقد مر تَفْسِيرهَا (لِأَنَّهُ) أَي الْقلب (مُعَارضَة بِدَلِيل الْمُسْتَدلّ) بِخِلَاف الْخَالِصَة فَتذكر الْقلب أَولا (ثمَّ يُقَال وَلَو سلم أَنه) أَي دَلِيل الْمُسْتَدلّ (يُفِيد مَطْلُوبه عندنَا دَلِيل آخر يَنْفِيه) أَي مَطْلُوبه ثمَّ الجدل بِالْحَقِّ مَأْمُور بِهِ. قَالَ تَعَالَى - ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ - وَفعله الصَّحَابَة وَالسَّلَف لما يلْزم من إِنْكَار الْبَاطِل واستنقاذ الْهَالِك عَن ضلاله فَيشْتَرط أَن يكون الْمَقْصُود مِنْهُ إِظْهَار الصَّوَاب. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِن جادلوك فَقل الله أعلم بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ - هَذَا أدب حسن علمه الله تَعَالَى ليردوا بِهِ من جادل تعنتا وَلَا يُجِيبُوهُ، عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا " مَا ضل قوم بعد هدي كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجدل، ثمَّ تَلا - ﴿مَا ضربوه لَك إِلَّا جدلا﴾ - " صَححهُ التِّرْمِذِيّ، وَعنهُ مَرْفُوعا " من ترك المُرَاد وَهُوَ مُبْطل بني لَهُ بَيت

стр. 1201

فِي ربض الْجنَّة، وَمن تَركه وَهُوَ محق بني لَهُ فِي وَسطهَا " حسنه التِّرْمِذِيّ، والمراء اسْتِخْرَاج غضب المجادل، من مريت الشَّاة: استخرجت لَبنهَا. خَاتِمَة للمقالة الثَّانِيَة (الِاتِّفَاق على) كَون (الْأَرْبَعَة): الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس أَدِلَّة شَرْعِيَّة للْأَحْكَام (عِنْد مثبتي الْقيَاس) وهم الْجُمْهُور مِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة (وَاخْتلف فِي) كَون (أُمُور) أُخْرَى أَدِلَّة شَرْعِيَّة: مِنْهَا (الِاسْتِدْلَال بِالْعدمِ، نَفَاهُ الْحَنَفِيَّة) وَقد سبق الْكَلَام فِيهِ فِي المرصد الثَّانِي من شُرُوط الْعلَّة نفياله مُطلقًا عَنْهُم إِلَّا عدم عِلّة متحدة على تَحْقِيق من المُصَنّف هُنَاكَ، وإثباتا لَهُ عَن غَيرهم على تَفْصِيل بَين أَن يكون عدما مُطلقًا أَو مُضَافا، وَبَين أَن يكون الْمُعَلل بِهِ عدميا أَو وجوديا فَارْجِع إِلَيْهِ، فِي التَّلْوِيح: لَا قَائِل بِأَن التَّعْلِيل بِالنَّفْيِ إِحْدَى علل الْحجَج الشَّرْعِيَّة انْتهى، وَإِنَّمَا هُوَ نفي الحكم الشَّرْعِيّ بِنَفْي الْمدْرك الشَّرْعِيّ، وَفِيه مَا فِيهِ (والمصالح الْمُرْسلَة) وَهِي الَّتِي لَا يشْهد لَهَا أصل بِالِاعْتِبَارِ فِي الشَّرْع وَلَا بالإلغاء وَإِن كَانَت على سنَن الْمصَالح وتلقتها الْعُقُول بِالْقبُولِ (أثبتها مَالك) وَالشَّافِعِيّ فِي قَول قديم (ومنعها الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم) مِنْهُم أَكثر الشَّافِعِيَّة ومتأخرو الْحَنَابِلَة (لعدم مَا يشْهد) لَهَا (بِالِاعْتِبَارِ، وَلعدم أصل الْقيَاس فِيهَا كَمَا يعرف مِمَّا تقدم) فِي المرصد الأول، من فصل الْعلَّة، وَالصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم عمِلُوا أمورا لمُطلق الْمصلحَة بِلَا تَقْدِيم شَاهد بِالِاعْتِبَارِ نَحْو كِتَابَة الْمُصحف وَولَايَة الْعَهْد من أبي بكر لعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَتَدْوِين الدَّوَاوِين وَعمل السِّكَّة للْمُسلمين واتخاذ السجْن، فَعمل ذَلِك عمر ﵁ تَعَالَى عَنهُ والأوقاف بِإِزَاءِ مَسْجِد رَسُول الله ﷺ والتوسعة فِي الْمَسْجِد عِنْد ضيقه فعله عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَذَا تَجْدِيد أَذَان فِي الْجُمُعَة بِالسوقِ وَهُوَ الْأَذَان الأول، فعله عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ نَقله هِشَام إِلَى الْمَسْجِد (وتعارض الْأَشْبَاه) أَي بَقَاء الحكم الْأَصْلِيّ فِي الْمُتَنَازع فِيهِ لتعارض أصلين فِيهِ يُمكن إِلْحَاقه بِكُل مِنْهُمَا (كَقَوْل زفر فِي الْمرَافِق) لَا يجب غسلهَا فِي الْوضُوء لِأَنَّهَا (غَايَة) لغسل الْيَد، والغاية قِسْمَانِ (دخل) قسم (مِنْهَا) فِي المغيا كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى﴾ (وَخرج) قسم مِنْهَا كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وَأَتمُّوا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ ﴿فَلَا يدْخل﴾ الْمرْفق (بِالشَّكِّ) فِي وجوب الْغسْل (وَدفع) كَونه دَلِيلا (بِأَنَّهُ إِثْبَات حكم شَرْعِي بِالْجَهْلِ وَأجِيب بِأَن المُرَاد) لزفَر (الأَصْل عَدمه) أَي عدم دُخُول الْمرَافِق فِي الْغسْل (فَيبقى) عَدمه مستمرا (إِلَى ثُبُوت مُوجبه) أَي الدُّخُول (وَالثَّابِت) بِالِاجْتِهَادِ فِي حق الْمرَافِق إِنَّمَا هُوَ (التَّعَارُض) وَقد عرفت الْجَواب من هَذَا فِيمَا سبق فِي مسئلة: إِلَى من حُرُوف الْجَرّ

стр. 1202

(وَمِنْهَا) أَي من الْأُمُور الْمَذْكُورَة (الِاسْتِدْلَال) وَهُوَ فِي اللُّغَة طلب الدَّلِيل، وَفِي الْعرف إِقَامَته، وَالْمرَاد مِنْهُ هَهُنَا (قيل مَا لَيْسَ بِأحد) الْأَدِلَّة (الْأَرْبَعَة فَيخرج) من هَذَا التَّعْرِيف (قِيَاس الدّلَالَة) وَهُوَ على مَا سبق مَا لَا يذكر فِيهِ الْعلَّة بل وصف ملازم لَهَا نَحْو النَّبِيذ حرَام كَالْخمرِ بِجَامِع الرَّائِحَة المشتدة (وَمَا فِي معنى الأَصْل تَنْقِيح المناط) عطف بَيَان للموصول، وَهُوَ الْجمع بَين الأَصْل وَالْفرع بإلغاء الْفَارِق كقياس الْبَوْل فِي إِنَاء وصبه فِي المَاء الدَّائِم على الْبَوْل فِيهِ الْمنْهِي عَنهُ فِي الْخَبَر الصَّحِيح لعدم الْفرق بَينهمَا فِيمَا يقْصد بِالْمَنْعِ كَمَا يخرج قِيَاس الْعلَّة الْمُصَرّح فِيهِ بِالْعِلَّةِ نَحْو: محرم النَّبِيذ كَالْخمرِ للإسكار لاندراجه فِي الْأَرْبَعَة، فَإِن الْقيَاس الْمُطلق يعم الْكل (وَقد يُقيد الْقيَاس) الْمَنْفِيّ (بِقِيَاس الْعلَّة) فَإِنَّهُ الْمُتَبَادر من الْقيَاس الْمَعْدُود من الْأَرْبَعَة (فيدخلانه) أَي فعلى هَذَا يدْخل قِيَاس الدّلَالَة وَمَا فِي معنى الأَصْل فِي الِاسْتِدْلَال (واختير أَن أَنْوَاعه) أَي الِاسْتِدْلَال ثَلَاثَة على مَا صرح ابْن الْحَاجِب (شرع من قبلنَا، والاستصحاب، والتلازم، وَهُوَ) التلازم (المفاد بالاستثنائي والاقتراني بضروبهما) الْجَار وَالْمَجْرُور بدل من الْجَار وَالْمَجْرُور، أَو الْمَعْنى ملحوظين بِاعْتِبَار جَمِيع ضروبهما، وَذَلِكَ لِأَن حَاصِل الأول الحكم بِلُزُوم شَيْء لشَيْء، ثمَّ الحكم بِوُجُود الْمَلْزُوم فينتج وجود اللَّازِم، أَو الحكم بِانْتِفَاء اللَّازِم فَيُفِيد انْتِفَاء الْمَلْزُوم، ومرجع ضروب الاقتراني إِلَى الشكل الأول، وَحَاصِله لُزُوم مَحْمُول النتيجة للأوسط اللَّازِم لموضوعها فَيثبت محمولها لموضوعها بِالضَّرُورَةِ، فَظهر أَن مفَاد الْكل اللُّزُوم الْمُفِيد للمطلوب (وَقدمنَا زِيَادَة ضرب) للاستثنائي هِيَ على مَا أثْبته الْقَوْم حَاصله (فِي) صُورَة (تَسَاوِي الْمُقدم والتالي) كَأَن كَانَ هَذَا وَاجِبا فتاركه يسْتَحق الْعقَاب لكنه لَا يسْتَحق الْعقَاب، فَإِن الْمَفْرُوض مُسَاوَاة الِاسْتِحْقَاق وَالْوُجُوب، فانتفاء أحد المتساويين يسْتَلْزم انْتِفَاء الآخر، وَإِن كَانَ هَذَا وَاجِبا فتاركه يسْتَحق الْعقَاب لَكِن تَاركه يسْتَحق الْعقَاب فَهُوَ لَيْسَ بِوَاجِب، وَإِنَّمَا اعتبرها ضربا وَاحِدًا، لِأَن منَاط الْكل أَمر وَاحِد وَهُوَ التَّسَاوِي (وَكَذَا) زِيَادَة ضرب (فِي الاقتراني) وَهُوَ الْمركب من كَلِمَتَيْنِ صغرى سالبة وكبرى مُوجبَة مُتَسَاوِيَة الطَّرفَيْنِ كلا شَيْء من الْإِنْسَان بصهال وكل صهال فرس فَلَا شَيْء من الْإِنْسَان بفرس (إِلَّا أَنه) أَي التلازم الْمَذْكُور (هُنَا) أَي فِي هَذَا الْمقَام مَحْمُول (على خُصُوص) من مُطلق التلازم (هُوَ إِثْبَات أحد موجبي الْعلَّة بِالْآخرِ فتلازمهما) أَي موجبهما، وهما الحكمان إِنَّمَا يكون (بِلَا تعْيين عِلّة) مُوجبَة لَهما (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَا بل يتَعَيَّن عِلّة جَامِعَة (فَقِيَاس) أَي فإثباته بهَا قِيَاس (وَيكون) التلازم (بَين ثبوتين) بَينهمَا اطراد وانعكاس كَمَا إِذا تساوى الْمُقدم والتالي أَو اطراد من طرف وَاحِد من غير انعكاس كَمَا إِذا كَانَ التَّالِي أَعم من الْمُقدم (كمن صَحَّ طَلَاقه صَحَّ ظِهَاره

стр. 1203

وَهُوَ) أَي ثُبُوت التلازم بَينهمَا يكون (بالاطراد) الشَّرْعِيّ بِأَن تتبع فَوجدَ كل من صَحَّ طَلَاقه صَحَّ ظِهَاره، فَعلم أَن المُرَاد بالتلازم مُطلق اللُّزُوم سَوَاء كَانَ من الْجَانِبَيْنِ أَو من جَانب وَاحِد، وَزَاد الشَّارِح هُنَا فِي تَصْوِير الاطراد: وكل من صَحَّ ظِهَاره صَحَّ طَلَاقه، وعَلى هَذَا لَا يبْقى لقَوْله (ويقوى) ثُبُوته بَينهمَا (بالانعكاس) معنى لِأَن الموجبتين الكليتين حاصلهما الْمُسَاوَاة ونقيضا المتساويين متساويان، وَهُوَ محصول قَوْله كل شخص لَا يَصح طَلَاقه لَا يَصح ظِهَاره، وكل شخص لَا يَصح ظِهَاره لَا يَصح طَلَاقه فِي تَفْسِير الانعكاس، وَقَوله: وَحَاصِله التَّمَسُّك بالدوران: يَعْنِي حَاصِل التلازم بَين الطَّلَاق وَصِحَّة الظِّهَار وَعدم الانفكاك بَينهمَا وجودا وعدما، والبحث أَنه فسر الاطراد والانعكاس أَولا باللزوم من الْجَانِبَيْنِ حَيْثُ قَالَ وَلَا بُد فِيهِ أما من الاطراد أَو الانعكاس من الطَّرفَيْنِ كَمَا فِيمَا يكون التَّالِي فِيهِ مُسَاوِيا للعدم، أَو طردا لَا عكسا من طرف وَاحِد فِيمَا يكون التَّالِي أَعم من الْمُقدم انْتهى، وَالضَّمِير فِي قَوْله فِيهِ رَاجع إِلَى التلازم بَين ثبوتين فالاطراد والانعكاس كِلَاهُمَا بِالْبُطْلَانِ، وَحَاصِله كل من صَحَّ ظِهَاره صَحَّ طَلَاقه، وَهَذَا يسْتَلْزم مَا فسر بِهِ الانعكاس ثَانِيًا من اعْتِبَار التلازم بَين نقيضي الثبوتين (ويقرر ثُبُوت) التلازم بَينهمَا إِذا كَانَا أثرين لمؤثر بالاستدلال بِثُبُوت (أحد الأثرين فَيلْزم) أَن يثبت (الآخر للُزُوم) وجود (الْمُؤثر) ثُبُوت أحد الأثرين، وَعند وجود الْمُؤثر يلْزم وجود الْأَثر الآخر بِالضَّرُورَةِ (و) تقرر أَيْضا (بِمَعْنَاهُ) أَي بِمَعْنى مَا ذكر، وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِثُبُوت أحد الأثرين عِنْد وجود الْمُؤثر يلْزم وجود الْأَثر الآخر على ثُبُوت الْمُؤثر ثمَّ ثُبُوته على ثُبُوت الآخر (كفرض الصحتين) للطَّلَاق وَالظِّهَار (أثر الْوَاحِد) كالأهلية لَهما، فَإِذا ثَبت صِحَة الطَّلَاق ثَبت الْأَهْلِيَّة لَهَا، وَيلْزم من ثُبُوت الْأَهْلِيَّة ثُبُوت صِحَة الظِّهَار (وَمَتى عين الْمُؤثر خرج) عَن الِاسْتِدْلَال (إِلَى قِيَاس الْعلَّة، و) يكون التلازم (بَين نفيين). وَفِي الشَّرْح العضدي: التلازم أَرْبَعَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون بن حكمين، وَالْحكم إِمَّا إِثْبَات أَو نفي، فالأقسام أَرْبَعَة: إِمَّا بَين ثبوتين أَو نفييت أَو ثُبُوت وَنفي، أَو نفي وَثُبُوت، وَمحل الحكم ان لم يكن متلازمين وَلَا متنافيين كالأسود وَالْمُسَافر لم يجز فِيهِ شَيْء من الْأَرْبَعَة، والتلازم إِمَّا أَن يكون طردا أَو عكسا: أَي من الطَّرفَيْنِ، أَو طردا لَا عكسا: أَي من طرف وَاحِد، والتنافي لَا بُد أَن يكون من الطَّرفَيْنِ، لكنه إِمَّا أَن يكون طردا أَو عكسا: أَي إِثْبَاتًا ونفيا، وَإِمَّا طردا فَقَط: أَي إِثْبَاتًا، وَإِمَّا عكسا فَقَط: أَي نفيا، فَهَذِهِ خَمْسَة أَقسَام انْتهى. وَفسّر الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة للتنافي بالانفصال الْحَقِيقِيّ، وَمنع الْجمع، وَمنع الْخُلُو، وَقد حمل الشَّارِح قَول المُصَنّف (وَلَا بُد من كَونه الطَّرفَيْنِ طردا وعكسا أَو أَحدهمَا) على هَذِه الثَّلَاثَة، وَجعل تَقْدِير الْكَلَام وَلَا بُد من كَون التَّنَافِي بَين الطَّرفَيْنِ طردا وعكسا: أَي إِثْبَاتًا ونفيا كَمَا هُوَ الْمُنْفَصِلَة

стр. 1204

الْحَقِيقِيَّة أَو طردا فَقَط كَمَا هُوَ مَانِعَة الْجمع، أَو عكسا فَقَط كَمَا هُوَ مَانِعَة الْخُلُو: وَلَا يخفى مَا فِيهِ لعدم ذكر التَّنَافِي فِي هَذَا السِّيَاق، وَتَقْرِيره بَين فَالْوَجْه أَن يُقَال: الْمَعْنى أَنه لَا بُد من كَون طرفِي التلازم الْوَاقِع بَين النفيين، طردا وعكسا، أَو ذَا طرد فَقَط، أَو ذَا عكس فَقَط فَإِن قلت: على هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال وَلَا بُد من كَونهمَا: أَي النفيين طردا الخ، لِأَن طرفِي التلازم عبارَة عَنْهُمَا قلت: قصد التَّعْمِيم على وَجه يَشْمَل النفيين والمنفيين، فَإِن المُرَاد بالطرد وَالْعَكْس هَهُنَا كليتان فِي جَانِبي النَّفْي وَالْإِثْبَات (لَا يَصح التَّيَمُّم بِلَا نِيَّة فَلَا يَصح الْوضُوء) بِلَا نِيَّة خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف: أَي مِثَاله لَا يَصح الخ (وَهُوَ) أَي ثُبُوت التلازم بَين النفيين (أَيْضا بالاطراد) كَمَا أَنه بَين الثبوتين كَذَلِك (ويقوى) اللُّزُوم الْحَاصِل بالاطراد (بالانعكاس) على طبق مَا سبق: أَي كل تيَمّم يَصح بِالنِّيَّةِ، وكل وضوء يَصح بِالنِّيَّةِ: وَهَذَا عِنْد الشَّافِعِيَّة. وَأما عِنْد الْحَنَفِيَّة فالتلازم طردا وعكسا فِي أحد الطَّرفَيْنِ فَقَط، وَهُوَ التَّيَمُّم، بِخِلَاف الْوضُوء فَإِنَّهُ لَا يَصح عِنْدهم كل وضوء بِالنِّيَّةِ كَمَا لَا يخفى انْتهى. وَيفهم مِنْهُ أَنه يعْتَبر الاطراد والانعكاس فِي كل من طرفِي التلازم: وَهَذَا خبط آخر، بل الانعكاس فِيهِ لُزُوم عدم صِحَة التَّيَمُّم بِغَيْر نِيَّة لعدم صِحَة الْوضُوء بِغَيْر نِيَّة كَعَكْسِهِ (ويقرر) ثُبُوت التلازم بَين النفيين إِذا كَانَا أثرين لمؤثر (بِانْتِفَاء أحد الأثرين، فالآخر) أَي فَيلْزم انْتِفَاء الآخر لانْتِفَاء الْمُؤثر لفرض ثبوتهما أثرا لوَاحِد وَلَيْسَ فرض كَون الثَّوَاب وَاشْتِرَاط النِّيَّة أثرين لِلْعِبَادَةِ (يُوجِبهُ) أَي يُوجب التلازم بَين النفيين، أَعنِي عدم صِحَة التَّيَمُّم بِلَا نِيَّة، وَعدم صِحَة الْوضُوء بِلَا نِيَّة (على) مَذْهَب (الْحَنَفِيّ) لعدم اشْتِرَاط صِحَة الْوضُوء بِالنِّيَّةِ عِنْدهم وَعدم لُزُوم الثَّوَاب لصِحَّته، بِخِلَاف صِحَة التَّيَمُّم فَإِنَّهُ يشْتَرط صِحَّته بِالنِّيَّةِ وَيلْزمهُ الثَّوَاب وَالْعِبَادَة (و) يكون التلازم (بَين نفي مُلْزم للثبوت) وَبَين الثُّبُوت اللَّازِم لَهُ حذفه لانسياق الذِّهْن لَهُ (وَعَكسه) أَي وَبَين ثُبُوت ملزوم للنَّفْي، وَنفي لَازم لَهُ، مِثَال الأول (مُبَاح فَلَيْسَ بِحرَام) فَإِن كَون الشَّيْء مُبَاحا ثُبُوت لَازمه نفي الْحُرْمَة فبينهما تلازم بِمَعْنى أَن نفي الْحُرْمَة ملازم للْإِبَاحَة من غير أَن تذكر الْإِبَاحَة لَازِمَة لنفي الْحُرْمَة لتحَقّق هَذَا النَّفْي فِي ضمن الْوُجُوب وَمِثَال الثَّانِي (لَيْسَ جَائِزا فَحَرَام) فَإِن كَون الشَّيْء منفي الْجَوَاز يلْزمه الْحُرْمَة وَكَذَلِكَ عَكسه، فالتلازم هَهُنَا من الطَّرفَيْنِ (ويقرران) أَي هَذَانِ التلازمان (بِإِثْبَات التَّنَافِي بَينهمَا) أَي بَين الثُّبُوت والمنفي، لَا بَين الثُّبُوت وَالنَّفْي كَمَا يُوهِمهُ ظَاهر الْعبارَة لعدم التَّنَافِي بَين الْإِبَاحَة وَنفي الْحُرْمَة مثلا، بل نَفيهَا لَازم للْإِبَاحَة (أَو) بِإِثْبَات التَّنَافِي بَين (لوازمهما) أَي لَوَازِم الثُّبُوت والمنفي كالتأثيم اللَّازِم لِلْحَرَامِ وَعَدَمه اللَّازِم للمباح والجائز، فَإِن تنَافِي اللوازم يسْتَلْزم تنَافِي الملزومات (وَيرد عَلَيْهَا) أَي على الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة من الاعتراضات (منع اللُّزُوم كالحنفي) أَي كمنعه

стр. 1205

(فِي الْأَوَّلين) التلازم بَين الظِّهَار وَالطَّلَاق وَبَين نفي صِحَة التَّيَمُّم بِغَيْر نِيَّة وَصِحَّة الْوضُوء بغَيْرهَا وَقد مر بَيَانه (و) منع (ثُبُوت الْمَلْزُوم، و) كَذَا مَا يرد عَلَيْهِ (مَا لَا يخْتَص بِالْعِلَّةِ) من الأسئلة الْوَارِدَة على الْقيَاس، لِأَنَّهُ لم يتَعَيَّن الْعلَّة فِي التلازم، وَمَا لم يتَعَيَّن لم يرد عَلَيْهِ شَيْء (وَيخْتَص) التلازم بسؤال لَا يرد على الْقيَاس وَهُوَ منع تحقق الْمُلَازمَة (فِي مثل تقطع الْأَيْدِي بيد) أَي بِقطع يَد وَاحِدَة (كَقَتل الْجَمَاعَة بِوَاحِد) أَي بقتل وَاحِد (لملازمته) أَي الْقصاص الْمَذْكُور (لثُبُوت الدِّيَة على الْكل) مُتَعَلق بالثبوت لتَضَمّنه معنى الْوُجُوب (فِي الأَصْل) ظرف للملازمة (أَي النَّفس) تَفْسِير للْأَصْل (لِأَنَّهُمَا) أَي الْقصاص وَالدية (أثران فِيهَا) أَي فِي النَّفس يترتبان على الْجِنَايَة (وَوجد أَحدهمَا) أَي أحد الأثرين، وَهُوَ الدِّيَة (فِي الْفَرْع) أَي الْيَد (فالآخر) أَي فَيثبت الْأَثر الآخر، وَهُوَ (الْقصاص) فِيهِ أَيْضا (لِأَن علتهما) أَي عِلّة الأثرين الْمَذْكُورين (فِي الأَصْل إِن) كَانَت (وَاحِدَة فَظَاهر) ثُبُوت الْقصاص على الْكل فِي الْفَرْع لِأَن وجود الْأَثر وَهُوَ الدِّيَة فِيهِ يسْتَلْزم وجود الْعلَّة المؤثرة، وَعند وجودهَا يثبت أَثَرهَا الآخر (أَو) كَانَت (مُتعَدِّدَة، فتلازمهما) أَي الأثرين: وجوب الدِّيَة وَالْقصاص فِي الْجَمِيع (فِي الأَصْل) أَي النَّفس (لتلازمهما) أَي العلتين فوجود أحد الأثرين، وَهُوَ الدِّيَة فِي الْفَرْع يسْتَلْزم وجود علته، وَوُجُود علته يسْتَلْزم عِلّة الْأَثر الآخر للتلازم بَينهمَا (فَيثبت) الْأَثر (الآخر) وَهُوَ الْقصاص فِي الْفَرْع أَيْضا لثُبُوت علته (فَيرد) السُّؤَال الْمُخْتَص بِمثل هَذَا، وَهُوَ (تَجْوِيز كَونه) أَي ذَلِك الْأَثر، وَهُوَ وجوب الدِّيَة على الْكل (بعلة) فِي الْفَرْع: أَي الْيَد يَقْتَضِي وجوب الدِّيَة على الْكل، و (لَا تَقْتَضِي قطع الْأَيْدِي) بِالْيَدِ (وَلَا) هِيَ (مُلَازمَة مقتضية) أَي مُقْتَضى قطع الْأَيْدِي بِالْيَدِ (و) الْأَثر الْمَذْكُور (فِي الأَصْل) أَي النَّفس (بِأُخْرَى) أَي بعلة أُخْرَى غير علته فِي الْفَرْع (تقتضيهما) أَي الْقصاص وَوُجُوب الدِّيَة صفة عِلّة أُخْرَى: وَهَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن أَن تكون عِلّة الْقصاص بِعَينهَا عِلّة الدِّيَة، وَالثَّانِي أَن تكون عِلّة الْقصاص غير عِلّة الدِّيَة لَكِن بَينهمَا تلازم وَأفَاد بقوله (أَو) بعلة أُخْرَى (لَا تلازم مُقْتَض قبل الْكل) وَجها ثَالِثا لَا اتِّحَاد فِيهِ وَلَا تلازم (ويرجح) الْمُعْتَرض ثُبُوته فِي الْفَرْع بعلة أُخْرَى (باتساع مدارك الْأَحْكَام) يَعْنِي على هَذَا التَّقْدِير لَا يلْزم الاتساع فِي الْأَدِلَّة الَّتِي يدْرك بهَا الْأَحْكَام، فَإِن تعدد الْعلَّة تعدد الدَّلِيل (وَهُوَ) أَي اتساع مدارك الْأَحْكَام (أَكثر فَائِدَة، وَجَوَابه) أَي جَوَاب هَذَا السُّؤَال أَن يُقَال (الأَصْل عدم) عِلّة (أُخْرَى، ويرجح الِاتِّحَاد) أَي اتِّحَاد الْعلَّة فِي الحكم الْوَاحِد بالنوع على تعددها (بِأَنَّهَا) أَي الْعلَّة المتحدة (منعكسة) متحققة فِي جَمِيع صور الحكم والمنعكس عِلّة بالِاتِّفَاقِ، بِخِلَاف غَيرهَا، إِذْ الْمُتَّفق عَلَيْهَا أرجح (فَإِن دَفعه) أَي الْمُعْتَرض الْجَواب الْمَذْكُور بِأَنَّهُ

стр. 1206

معَارض (بِأَن الأَصْل أَيْضا عدم عِلّة الأَصْل فِي الْفَرْع قَالَ) الْمُسْتَدلّ تعَارض الأصلان فتساقطا غير أَنِّي أَقُول (المتعدية أولى) من القاصرة، وعَلى تَقْدِير اتِّحَاد الْعلَّة فِي الأَصْل وَالْفرع تكون متعدية، وعَلى تَقْدِير التَّعَدُّد قَاصِرَة، وَفِيه بِأَنَّهُ على تَقْدِير التَّعَدُّد لَا يلْزم كَونهَا قَاصِرَة لجَوَاز تعديها إِلَى غير مَحل النزاع فَتَأمل. قَالَ (الْآمِدِيّ وَمِنْه) أَي من الِاسْتِدْلَال (وجد السَّبَب) فَيثبت الحكم فَالْمُرَاد مَا يَتَرَتَّب على وجوده الحكم (و) وجد (الْمَانِع وفقد الشَّرْط) فيعدم الحكم (وَنفي الحكم لانْتِفَاء مدركه) وَهُوَ المُرَاد بِالتَّعْلِيلِ بِالْعدمِ (و) اتّفق (الْحَنَفِيَّة وَكثير) من الْأُصُولِيِّينَ (على نَفْيه) أَي نفي الِاسْتِدْلَال بِأحد هَذِه الْأُمُور الْأَرْبَعَة (إِذْ هُوَ دَعْوَى الدَّلِيل) فَهُوَ بِمَثَابَة وجد دَلِيل الحكم فَيُؤْخَذ فَإِنَّهُ لَا يسمع مَا لم يعين ذَلِك الدَّلِيل (فالدليل وجود الْمعِين مِنْهَا) أَي من الْأُمُور الْمَذْكُورَة من الْمُقْتَضى وَالْمَانِع وفقد الشَّرْط (وَأجِيب بِأَنَّهُ) أَي الْمَذْكُور من قَوْله وجد الحكم إِلَى آخِره (دَلِيل) لِأَنَّهُ عبارَة عَمَّا إِذا سلم لزم مِنْهُ الْمَطْلُوب (بعض مقدماته نظرية) وَهِي الصُّغْرَى (وَالْمُخْتَار أَن لم يثبت ذَلِك) أَي وجود السَّبَب أَو الْمَانِع أَو فقد الشَّرْط (بأحدها) قَالَ الشَّارِح: وَهُوَ سَهْو وَالصَّوَاب بغَيْرهَا يَعْنِي بدل أَحدهَا، وَهَذَا خطأ ظَاهر مِنْهُ لَعَلَّه وَقع فِيهَا لما رأى فِي الشَّرْح العضدي وحاشية الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ عَلَيْهِ من لَفْظَة بغَيْرهَا مُتَعَلقا بالثبوت حَيْثُ قَالَ، وَقيل وَالِاسْتِدْلَال أَن يثبت وجود السَّبَب إِلَى آخِره بِغَيْر الثَّلَاثَة وَلم يفرق بَين كَون الْمُتَعَلّق الثُّبُوت أَو نفي الثُّبُوت، فَإِن نفي الثُّبُوت إِذا قيد بغَيْرهَا يكون حَاصله الثُّبُوت بهَا وَهُوَ خلاف الْمَقْصُود، فسبحان من جزأ الأرنب على الْأسد (فاستدلال وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك (فبأحدها) أَي فَهُوَ ثَابت بأحدها من النَّص وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس، لَا بالاستدلال (وعَلى هَذَا) التَّفْصِيل (يرد الِاسْتِدْلَال مُطلقًا إِلَى أَحدهَا) ليعتد بِهِ شرعا (إِذْ ثُبُوت ذَلِك التلازم) الْمُفَسّر بِهِ أحد أَنْوَاع الِاسْتِدْلَال (لَا بُد فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الثُّبُوت (شرعا) قيد للثبوت: أَي ثبوتا شَرْعِيًّا (مِنْهُ) أَي من أَحدهَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن ثُبُوته شرعا بأحدها (فَلَيْسَ) ذَلِك الحكم الثَّابِت بِهِ (حكما شَرْعِيًّا، فَالْحق أَنه) أَي الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور (كَيْفيَّة اسْتِدْلَال) بِأحد الْأَرْبَعَة: الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس (لَا) دَلِيل (آخر غير الْأَرْبَعَة وَتقدم شرع من قبلنَا) قبل فصل التَّعَارُض بمسئلتين (وَيرد إِلَى الْكتاب) لِأَنَّهُ يقص علينا من غير إِنْكَار (وَالسّنة) لمثل مَا ذكرنَا (وَقَول الصَّحَابِيّ) على مَا عرف فِيهِ من التَّفْصِيل (ورد) أَي قَول الصَّحَابِيّ (إِلَى السّنة) كَمَا مر فِي المسئلة الَّتِي يَليهَا فصل التَّعَارُض (ورد الِاسْتِصْحَاب إِلَى مَا بِهِ ثَبت الأَصْل الْمَحْكُوم باستمراره) بِهِ (فَهُوَ) أَي الِاسْتِصْحَاب (الحكم) الظني (بِبَقَاء أَمر تحقق) سَابِقًا (وَلم يظنّ عَدمه) بعد تحَققه (وَهُوَ حجَّة عِنْد الشَّافِعِيَّة وَطَائِفَة من الْحَنَفِيَّة) السمرقنديين: مِنْهُم

стр. 1207

أَبُو مَنْصُور الماتريدي، وَاخْتَارَهُ صَاحب الْمِيزَان والحنابلة (مُطلقًا) أَي للإثبات وَالدَّفْع (ونفاه) أَي كَونه حجَّة (كثير) من الْحَنَفِيَّة وَبَعض الشَّافِعِيَّة والمتكلمون (مُطلقًا) فِي الْإِثْبَات وَالدَّفْع (وَأَبُو زيد وشمس الْأَئِمَّة وفخر الْإِسْلَام) وَصدر الْإِسْلَام قَالُوا: هُوَ حجَّة (للدَّفْع) لَا للإثبات. (وَالْوَجْه) أَن يُقَال (لَيْسَ) الِاسْتِصْحَاب (حجَّة) أصلا كَمَا قَالَ الْكثير (وَالدَّفْع اسْتِمْرَار عَدمه) أَي عدم ذَلِك الْأَمر الَّذِي يتَوَهَّم طرده على مَا تحقق وجوده (الْأَصْلِيّ) صفة للعدم (لِأَن مُوجب الْوُجُود لَيْسَ مُوجب بَقَائِهِ) فَإِن الْبَقَاء اسْتِمْرَار الْوُجُود وَصفته، وَعلة الْمَوْصُوف لَا يجب أَن يكون عِلّة لصفته، وَالْمرَاد نفي لُزُوم الِاتِّحَاد بَينهمَا، لَا للُزُوم الْمُغَايرَة، فَلَا يرد أَنه لم لَا يجوز أَن يكون عِلّة الْوُجُود عِلّة الْبَقَاء، وهذاالقدر كَاف فِي التَّعْلِيل، لِأَن حجية الِاسْتِصْحَاب مَوْقُوفَة على كَون مُوجب الْوُجُود مُوجب الْبَقَاء، لِأَن حَاصله إبْقَاء مَا قد تحقق لموجب على مَا كَانَ، وَلَيْسَ عندنَا إِلَّا الْعلم بِوُجُود الْمُوجب للوجود فِيمَا سبق، فَلَو كَانَ يلْزم كَون مُوجب الْوُجُود مُوجب الْبَقَاء كَانَ ذَلِك دَلِيلا على الْبَقَاء وَحَيْثُ لم يلْزم لم يكن للبقاء دَلِيل، وَلذَا قَالَ (فَالْحكم بِبَقَائِهِ) أَي الْوُجُود (بِلَا دَلِيل) فَذكر اسْتِمْرَار الْعَدَم فِي مقَام الدّفع لثُبُوت أَمر طَارِئ على مَا تحقق وجوده إِنَّمَا هُوَ أَمر مَبْنِيّ على ظَاهر الْحَال، وَهُوَ إبْقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ، فَإِن الْعقل إِذا تردد بَين بَقَاء الشَّيْء وزواله وَلم يكن عِنْده مَا يدل على الزَّوَال كَانَ الرَّاجِح من الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْده الْبَقَاء. (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بحجيته مُطلقًا: الحكم بِالْبَقَاءِ أَمر (ضَرُورِيّ لتصرفات الْعُقَلَاء) أَي لصدور تصرفاتهم (بِاعْتِبَارِهِ) لولاه لما صدرت عَنْهُم، ثمَّ بَينهَا بقوله (من إرْسَال الرُّسُل والكتب والهدايا) من بلد إِلَى بلد إِلَى غير ذَلِك، وَلَوْلَا الحكم الظني بِبَقَاء الْمُرْسل إِلَيْهِ مثلا لَكَانَ ذَلِك منعهَا (وَمِنْهُم) أَي من الْقَائِلين بحجيته مُطلقًا (من استبعده) أَي كَونه حجَّة بِالضَّرُورَةِ (فِي مَحل النزاع) فَإِنَّهُ لَو كَانَ ضَرُورِيًّا لما نَازع فِيهِ جم غفير من الْعلمَاء (فعدلوا إِلَى أَنه لَو لم يكن حجَّة لم يجْزم بِبَقَاء الشَّرَائِع مَعَ احْتِمَال الرّفْع) أَي طريان النَّاسِخ، وَاللَّازِم بَاطِل (و) إِلَى (الْإِجْمَاع) أَيْضا (عَلَيْهِ) أَي على الِاسْتِصْحَاب على مَا يظْهر اعْتِبَاره فِي فروع الْمذَاهب كَمَا (فِي نَحْو بَقَاء الْوضُوء وَالْحَدَث والزوجية وَالْملك مَعَ طرُو الشَّك) فِي طريان الضِّدّ (وَأجِيب) عَن الأول (بِمَنْع الْمُلَازمَة لجوازه) أَي الْجَزْم ببقائها وَالْقطع بِعَدَمِ نسخهَا (بِغَيْرِهِ) أَي بِدَلِيل آخر غير الِاسْتِصْحَاب (كتواتر إِيجَاب الْعَمَل فِي كل شَرِيعَة بهَا) أَي بِتِلْكَ الشَّرِيعَة لأَهْلهَا (إِلَى ظُهُور النَّاسِخ وَتلك الْفُرُوع) لَيست مَبْنِيَّة على الِاسْتِصْحَاب بل (لِأَن الْأَسْبَاب توجب أحكاما) من الْوضُوء وَالْحَدَث والزوجية وَالْملك وَغير ذَلِك (ممتدة إِلَى ظُهُور الناقض) فَكَأَن الشَّارِع قَالَ أوجبت الْعَمَل

стр. 1208

بِمُوجب هَذِه الشَّرَائِع مستمرا إِلَى أَن يظْهر النَّاسِخ وَأثبت هَذِه الْأَسْبَاب أحكاما ثَابِتَة مستمرة إِلَى ظُهُور نواقضها (شرعا) فعلى هَذَا بَقَاؤُهَا أَيْضا مَنْصُوص عَلَيْهِ كأصل ثُبُوتهَا، فَلَا حَاجَة إِلَى التَّمَسُّك بالاستصحاب (وَاعْلَم أَن مدَار الْخلاف) فِي كَون الِاسْتِصْحَاب حجَّة أَولا (على أَن سبق الْوُجُود مَعَ عدم ظن الانتفاء هَل هُوَ دَلِيل الْبَقَاء) أَولا (فَقَالُوا) أَي الشَّافِعِيَّة وَمن وافقهم (نعم فَلَيْسَ الحكم بِهِ) أَي بالاستصحاب حكما (بِلَا دَلِيل. و) قَالَ (الْحَنَفِيَّة لَا، إِذْ لَا بُد فِي الدَّلِيل من جِهَة يسْتَلْزم بهَا) الْمَطْلُوب (وَهِي) أَي الْجِهَة المستلزمة لَهُ (منتفية فتفرعت الخلافيات) بَين الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة (فيرث الْمَفْقُود) من مَاتَ مِمَّن يَرِثهُ فِي غيبته (عِنْده) أَي الشَّافِعِي باستصحاب حَيَاته الْمُوجبَة لاسْتِحْقَاق الْإِرْث (لَا عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة، لِأَن الْإِرْث من بَاب الْإِثْبَات، وحياته بالاستصحاب لَا توجب اسْتِحْقَاقه (وَلَا يُورث لِأَنَّهُ) أَي عدم الْإِرْث (دفع) لاسْتِحْقَاق الْإِرْث فَيثبت الِاسْتِصْحَاب (وعَلى مَا حققنا) من أَنه لَيْسَ حجَّة أصلا، فَإِن الدّفع اسْتِمْرَار عَدمه الْأَصْلِيّ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (عَدمه) أَي الْإِرْث (أُصَلِّي لعدم) ثُبُوت (سَببه) أَي الْإِرْث (إِذْ لم يثبت مَوته) أَي الْمَفْقُود (وَلَا صلح على إِنْكَار) إِذْ لَا صِحَة لَهُ مَعَ إِنْكَار الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عِنْد الشَّافِعِي (لإِثْبَات اسْتِصْحَاب بَرَاءَة الذِّمَّة) يَعْنِي أَن فَائِدَة الصُّلْح حُصُول بَرَاءَة ذمَّة الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ وَهُوَ حَاصِل بِدُونِ الصُّلْح، وَلَا شكّ أَن بَرَاءَة الذِّمَّة هُوَ الأَصْل فالاستصحاب الَّذِي هُوَ إبْقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ يثبتها فَلَا يَتَرَتَّب على هَذَا الصُّلْح فَائِدَة وَلَا صِحَة للمعقود بِدُونِ الْفَائِدَة فَلَا صلح على الْإِنْكَار، وَهَذَا الِاسْتِصْحَاب حجَّة للْمُدَّعِي عَلَيْهِ على الْمُدَّعِي لإِثْبَات بَرَاءَة ذمَّة الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عِنْد من يحْتَج بِهِ فِي الْإِثْبَات (كاليمين) أَي كَمَا أَن الْيَمين لإِثْبَات بَرَاءَة الذِّمَّة (وَصَحَّ) الصُّلْح على الْإِنْكَار (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة، لِأَن الِاسْتِصْحَاب لَا يصلح حجَّة للإثبات فَلَا يثبت بَرَاءَة ذمَّة الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بالاستصحاب (وَلم تجب الْبَيِّنَة على الشَّفِيع) على إِثْبَات ملك الْمَشْفُوع بِهِ لإنكار المُشْتَرِي الْملك الْمَشْفُوع بِهِ للشَّفِيع عِنْد الشَّافِعِي لِأَنَّهُ متمسك بِالْأَصْلِ، فَإِن الْيَد دَلِيل الْملك فِي الظَّاهِر والتمسك بِالْأَصْلِ يحصل للدَّفْع والإلزام جَمِيعًا عِنْده (وَوَجَبَت) الْبَيِّنَة الْمَذْكُورَة (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة، لِأَن التَّمَسُّك بِالْأَصْلِ لَا يصلح للالزام إِلَى غير ذَلِك من الخلافيات قد فرغ من المبادئ والأدلة السمعية وَشرع فِي مبَاحث الِاجْتِهَاد فَقَالَ: الْمقَالة الثَّالِثَة فِي الِاجْتِهَاد وَمَا يتبعهُ من التَّقْلِيد والإفتاء (هُوَ) أَي الِاجْتِهَاد (لُغَة بذل الطَّاقَة) أَي استفراغ الْقُوَّة بِحَيْثُ يحس بِالْعَجزِ عِنْد الْمَزِيد (فِي تَحْصِيل ذِي كلفة) أَي مشقة، يُقَال: اجْتهد فِي حمل الصَّخْرَة

стр. 1209

وَلَا يُقَال اجْتهد فِي حمل النواة (وَاصْطِلَاحا: ذَلِك) أَي بذل الطَّاقَة (من الْفَقِيه) وَقد مر تَفْسِيره فِي أول الْكتاب (فِي تَحْصِيل حكم شَرْعِي ظَنِّي) فبذلها من غَيره كالعامي خَارج عَن الِاجْتِهَاد وَخرج أَيْضا بذل طَاقَة الْفَقِيه فِي غير حكم كالعبادة مثلا، وبذله طاقته فِي حكم غير شَرْعِي من حسي أَو عَقْلِي، وَإِنَّمَا قَالَ ظَنِّي لِأَن الْقطعِي لَا اجْتِهَاد فِيهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ. وَفِي قَوْله حكم إِشْعَار بِأَن استغراق الْأَحْكَام لَيْسَ بِشَرْط فِي تحقق حَقِيقَة الِاجْتِهَاد كَمَا لَا يلْزم إحاطة الْمُجْتَهد جَمِيع الْأَحْكَام ومداركها بِالْفِعْلِ، لِأَن ذَلِك خَارج عَن طوق الْبشر (وَنفي الْحَاجة إِلَى قيد الْفَقِيه) كَمَا ذكره التَّفْتَازَانِيّ (للتلازم بَينه) أَي بَين الْفَقِيه (وَبَين الِاجْتِهَاد) فَإِنَّهُ لَا يصير فَقِيها إِلَّا بِهِ وَلذَا لم يذكرهُ الْغَزالِيّ والآمدي (سَهْو لِأَن الْمَذْكُور) فِي التَّعْرِيف إِنَّمَا هُوَ (بذل الطَّاقَة لَا الِاجْتِهَاد) وَكَيف يذكر الِاجْتِهَاد فِي تَعْرِيف نَفسه، وَكَأن المُصَنّف أغمض عَن هَذَا (وَيتَصَوَّر) بذل الطَّاقَة (من غَيره) أَي الْفَقِيه (فِي طلب حكم) شَرْعِي، وَلَا يبعد أَن يُقَال بذل الوسع لَا يتَحَقَّق إِلَّا بتحصيل جَمِيع مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ استنباط ذَلِك الحكم، وَعند ذَلِك يصير مُجْتَهدا فِيهِ فَتَأمل (وشيوع) إِطْلَاق (الْفَقِيه لغيره) أَي الْمُجْتَهد (مِمَّن يحفظ الْفُرُوع) إِنَّمَا هُوَ (فِي غير اصْطِلَاح الْأُصُول، ثمَّ هُوَ) أَي هَذَا التَّعْرِيف لَيْسَ تعريفا للِاجْتِهَاد مُطلقًا، بل هُوَ (تَعْرِيف لنَوْع من الِاجْتِهَاد) وَهُوَ الِاجْتِهَاد فِي الحكم الشَّرْعِيّ العملي الظني (لِأَن مَا) يَقع من بذل الوسع (فِي العقليات) من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الاعتقادية (اجْتِهَاد) عِنْد الْأُصُولِيِّينَ (غير أَن الْمُصِيب) فِيهَا من الْمُخَالفين (وَاحِد) بِاتِّفَاق المصوبة والمخطئة (والمخطئ آثم، وَالْأَحْسَن) فِيهَا تعميمه (أَي التَّعْرِيف بِحَيْثُ يعم العمليات والاعتقاديات ظنية كَانَت أَو قَطْعِيَّة (بِحَذْف) قيد (ظَنِّي) من التَّعْرِيف. (ثمَّ يَنْقَسِم) الِاجْتِهَاد (من حَيْثُ الحكم) الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ (إِلَى) اجْتِهَاد (وَاجِب (عينا على) الْمُجْتَهد (الْمَسْئُول) عَن حكم حَادث (إِذا خَافَ) أَي الْمُجْتَهد (فَوت الْحَادِثَة) أَي فَوت آداء مَا وَجب على المستفتى فِي تِلْكَ الْحَادِثَة على غير الْوَجْه الشَّرْعِيّ، حَال عَن الْحَادِثَة: أَي وُقُوعهَا على خلاف الشَّرْع فَإِنَّهُ يتَعَيَّن حِينَئِذٍ على الْمَسْئُول الِاجْتِهَاد فِيهَا فَوْرًا لِأَن حِوَالَة المستفتى إِلَى مُجْتَهد آخر يُوجب فَوتهَا (وَفِي حق نَفسه إِذا نزلت الْحَادِثَة بِهِ) مَعْطُوف على قَوْله على الْمَسْئُول: أَي وَإِلَى وَاجِب وجوبا عينيا لحق نَفسه، فكلمة فِي تعليلية، وَحِينَئِذٍ إِن خَافَ فَوت الْحَادِثَة يجب الِاجْتِهَاد عَلَيْهِ فَوْرًا وَإِلَّا على التَّرَاخِي (وكفاية) مَعْطُوف على عينا: أَي وَإِلَى اجْتِهَاد وَاجِب كِفَايَة على الْمَسْئُول فِي حق غَيره (لَو لم يخف) فَوت الْحَادِثَة على غير الْوَجْه (وَثمّ غَيره) من الْمُجْتَهدين فَيتَوَجَّه الْوُجُوب على جَمِيعهم حَتَّى لَو أَمْسكُوا مَعَ اقتدارهم على الْجَواب أثموا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فيأثمون بِتَرْكِهِ) أَي الِاجْتِهَاد حَيْثُ لَا عذر لَهُم (وَيسْقط) الْوُجُوب عَن الْكل

стр. 1210

(بفتوى أحدهم، وعَلى هَذَا) أَي على سُقُوط الْوُجُوب بفتوى أحدهم لَو أَن مُجْتَهدا ظن خطأ الْمُفْتِي فِيمَا أصَاب بِهِ (لَا يجب على من ظَنّه) أَي الْجَواب (خطأ) الِاجْتِهَاد فِيهِ لسُقُوط الْوُجُوب بذلك الِاجْتِهَاد المظنون كَونه خطأ إِذا كَانَ فِي قَضيته شُهُود يحصل الْغَرَض ببعضهم، ذكرُوا أَنه يجب الْإِجَابَة إِذا طلب الْأَدَاء من الْبَعْض فَيحْتَاج إِلَى إتْيَان الْفرق، وَقيل الْعلَّة أَن الْفَتْوَى تحْتَاج إِلَى تَأمل وفكر والمشوشات كَثِيرَة بِخِلَاف الشَّهَادَة، وَفِيه مَا فِيهِ (وَكَذَلِكَ حكم تردد بَين قاضيين) أَي إِذا رفعت قَضِيَّة إِلَيْهِمَا وَجب الحكم وَفصل الْخُصُومَة عَلَيْهِمَا كِفَايَة، إِن تركا أثما وَإِن حكم أحدهم سقط عَنْهُمَا فالمشبه الحكم المتردد بَين القاضيين، والمشبه بِهِ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله كَذَا الاستفتاء المتردد بَين الْمُجْتَهدين، وَمن قيد كَون القاضيين فِي هَذَا الْمحل مجتهدين مشتركين فِي النّظر فِي الحكم الْمَذْكُور وَجعل وَجه الشّبَه وجوب الِاجْتِهَاد عَلَيْهِمَا كِفَايَة، فقد ارْتكب تَكْرَارا مَعَ أَنه لَا يبْقى حِينَئِذٍ للْقَضَاء وَالْحكم مدْخل (أَيهمَا حكم بِشَرْطِهِ) الْمُعْتَبر شرعا (سقط) الْوُجُوب عَنْهُمَا (ومندوب) مَعْطُوف على وَاجِب وَهُوَ مَا يَقع (قبلهمَا) أَي قبل وُجُوبه عينا ووجوبه كِفَايَة لما ذكر أَو قبل السُّؤَال ونزول الْحَادِثَة بِهِ ليَكُون حَاضرا عِنْده فينفعه عِنْد الْحَادِثَة، ومناسب الْوَجْه الثَّانِي قَوْله (وَمَعَ سُؤال فَقَط) من غير نزُول الْحَادِثَة (و) إِلَى (حرَام) وَهُوَ الِاجْتِهَاد (فِي مُقَابلَة) دَلِيل (قَاطع) من (نَص) كتاب أَو سنة (أَو إِجْمَاع وَشرط مطلقه) أَي الِاجْتِهَاد فِي حق الْمُجْتَهد (بعد صِحَة إيمَانه) بِمَا يجب أَن يُؤمن بِهِ إِجْمَالا أَو تَفْصِيلًا (معرفَة محَال جزئيات مفاهيم الألقاب الاصطلاحية الْمُتَقَدّمَة للمتن من شخص الْكتاب وَالسّنة) قد سبق أَن للْكتاب مفهوما كليا هُوَ اللَّفْظ الْعَرَبِيّ الْمنزل للتدبر والتذكر الْمُتَوَاتر وللسنة كَذَلِك من قَوْله ﷺ وَفعله وَتَقْرِيره، وشخص كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا صدق عَلَيْهِ، وَكلمَة من بَيَانِيَّة للمتن الْمُطلق، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذ من الْمُتُون المصنفة فِي الْعُلُوم المبينة بالشروح والحواشي الْمَأْخُوذَة من الْمَتْن بِمَعْنى الظّهْر، فَإِن ظهر الشَّيْء أَصله، إِذْ الألقاب الاصطلاحية بدل الْأَلْفَاظ المصطلحة للأصوليين، وَإِنَّمَا سميت ألقابا لدلالتها على مسمياتها على وَجه يشْعر بمعان مَقْصُودَة للأصولي من تِلْكَ المسميات تشبها لَهَا بِالْأَلْقَابِ الَّتِي هِيَ نوع من الْأَعْلَام دَالَّة على مدح أَو ذمّ وَلَا شكّ أَن لتِلْك الألقاب مفهومات كُلية، ولتلك المفهومات أَفْرَاد هِيَ جزئياتها، ولتلك الجزئيات محَال هِيَ الْآيَات والتراكيب الْمعينَة الْمُشْتَملَة عَلَيْهَا، فمعرفة الْمحَال الْمَذْكُورَة من شخص الْكتاب وَالسّنة شَرط فِي مُطلق الِاجْتِهَاد، وَيحْتَمل أَن تكون من تبعيضية، فَإِن الْمحَال الْمَذْكُورَة بعض من شخص الْكتاب وَالسّنة، وَيُؤَيّد الأول قَوْله فِيمَا بعد من التَّوَاتُر (فِي الظُّهُور كَالظَّاهِرِ وَالْعَام والخفاء كالخفي، والمجمل: وَهِي أَقسَام اللُّغَة متْنا واستعمالا) فَإِن قلت: قَوْله فِي الظُّهُور

стр. 1211

بِمَ يتَعَلَّق؟ وَكَيف جمع بَين الظَّاهِر وَالْعَام؟ وَكَيف اكْتفى بِمَا ذكر؟ وَقد ذكر فِي المبادئ اللُّغَوِيَّة للمفرد انقسامات بِاعْتِبَار ذَاته ودلالته ومقايسته لمفرد آخر، ومدلوله واستعماله، وإطلاقه وتقييده، وَجعل الظَّاهِر وَالنَّص والمفسر والمؤول والمحكم من تقسيمه من اعْتِبَار ظُهُور الدّلَالَة. والخفي الْمُشكل، والمجمل والمتشابه من تقسيمه بِاعْتِبَار الْمَوْضُوع لَهُ قلت: أما قَوْله فِي الظُّهُور فمتعلق بقوله الاصطلاحية، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الألقاب المصطلحة فِي جَانب الظُّهُور وَفِي جَانب الخفاء أَو بقوله الْمُتَقَدّمَة، والمآل وَاحِد، وَلم يرد بالظهور مَا هُوَ مصطلح الْأُصُول حَتَّى يسْتَشْكل بِجمع الْعَام مَعَ الظَّاهِر، بل الْمَعْنى اللّغَوِيّ. وَلَا شكّ أَن كل وَاحِد من الْأَقْسَام الْمَذْكُورَة فِي كل وَاحِد من التقسيمات الْمَذْكُورَة لَا يَخْلُو من أَن يكون ظَاهرا بِحَسب الْفَهم أَو خفِيا، بل ذكر الْعَام مَعَ الظَّاهِر إِشْعَار بِأَنَّهُ لم يرد بالظهور مَا هُوَ المصطلح، وَأما الِاكْتِفَاء فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بصدد تَفْصِيل الْأَقْسَام، وَإِنَّمَا ذكر مَا ذكره على سَبِيل التَّمْثِيل، وَقَوله متْنا واستعمالا تمييزان عَن نِسْبَة الْأَقْسَام إِلَى اللُّغَة، فَإِن اللُّغَة، وَهُوَ اللَّفْظ الْمَوْضُوع تَارَة يَنْقَسِم بِاعْتِبَار وَضعه، فالخارج من هَذَا التَّقْسِيم أقسامها متْنا، وَتارَة بِاعْتِبَار اسْتِعْمَالهَا، فالخارج من أقسامها اسْتِعْمَالا، وكونهما مُتَعَلقين بالظهور والخفاء خلاف الظَّاهِر، وَالْمرَاد بمعرفتها أَن يتَمَكَّن من الرُّجُوع إِلَيْهَا عِنْد طلب الحكم كَمَا جزم بِهِ غير وَاحِد: مِنْهُم الإِمَام الرَّازِيّ، ثمَّ قيل هُوَ من الْكتاب خَمْسمِائَة آيَة مَشى عَلَيْهَا الْغَزالِيّ وَابْن الْعَرَبِيّ، وَمن السّنة خَمْسمِائَة حَدِيث، وَقيل: ثَلَاثَة آلَاف. وَعَن أَحْمد ثلثمِائة ألف على الِاحْتِيَاط والتغليظ فِي الْفتيا. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو بكر الرَّازِيّ: لَا يشْتَرط استحضار جَمِيع مَا ورد فِي ذَلِك الْبَاب، إِذْ لَا يُمكن الْإِحَاطَة، وَقد اجْتهد عمر وَغَيره من الصَّحَابَة فِي مسَائِل كَثِيرَة وَلم يستحضروا فِيهَا الْمَنْصُوص حَتَّى رويت لَهُم فَرَجَعُوا إِلَيْهَا، وَأما فِي الْقُرْآن، فَقيل يتَوَقَّف على معرفَة الْجَمِيع، لِأَن الْمُجْتَهدين يتفاوتون فِي استنباط الْأَحْكَام من الْآيَات باخْتلَاف القرائح والأذهان وَمَا يَفْتَحهُ الله تَعَالَى على عباده. وَقيل غَالب الْقُرْآن لَا يَخْلُو من أَن يستنبط مِنْهُ حكم شَرْعِي (لاحفظها) مَعْطُوف على معرفَة الْمحَال: أَي الشَّرْط مَعْرفَتهَا على الْوَجْه الْمَذْكُور لأحفظها عَن ظهر الْغَيْب، وَقيل يجب حفظ مَا اخْتصَّ بِالْأَحْكَامِ من الْقُرْآن. وَنقل عَن كثير من أهل الْعلم لُزُوم حفظ الْقُرْآن، لِأَن الْحَافِظ أضبط لمعانيه من النَّاظر فِيهِ، وَنقل فِي الْمُسْتَوْعب عَن الشَّافِعِي (وللسند من الْمُتَوَاتر والضعيف وَالْعدْل والمستور وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل) قَوْله وللسند مَعْطُوف على قَوْله للمتن، يَعْنِي وَشرط معرفَة محَال جزئيات مفاهيم الألقاب الاصطلاحية الْمُتَقَدّمَة فِي مبَاحث السّنيَّة للسند: أَي لَا بُد لَهُ من معرفَة المصطلحات الْمُتَعَلّقَة بالسند، وَهُوَ الْإِخْبَار عَن طَرِيق الْمَتْن، فبعضها أَقسَام للسند كالمتواتر والضعيف، وَبَعضهَا أَقسَام لمتعلق السَّنَد، وَهُوَ الرَّاوِي كالعدل والمستور

стр. 1212

وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل إِن فسرا بالجروح وَالْعدْل. قَالُوا: والبحث فِي زَمَاننَا عَن أَحْوَال الروَاة مَعَ طول الْمدَّة وَكَثْرَة الوسائط كالمتعذر، فَالْأولى الِاكْتِفَاء بتعديل الْأَئِمَّة الْمَعْرُوف صِحَة مَذْهَبهم فِي التَّعْدِيل وَالْجرْح (وَعدم الْقَاطِع) بِالرَّفْع عطفا على الْمعرفَة، وَهُوَ الدَّلِيل الْقطعِي المتحقق فِي مَحل الحكم (و) عدم (النّسخ) لما يقْصد استنباط الحكم مِنْهُ من الْكتاب وَالسّنة، فَلَزِمَ من هَذَا معرفَة مواقع الْإِجْمَاع، لِأَن الْإِجْمَاع دَلِيل قَطْعِيّ، وَشرط الِاجْتِهَاد أَن لَا يكون خلاف مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد مَقْطُوعًا بِهِ (و) شَرط (الْخَاص) بِالْجَرِّ عطفا على مطلقه (مِنْهُ) أَي من الِاجْتِهَاد معرفَة (مَا يحْتَاج إِلَيْهِ) الْمُجْتَهد بِالِاجْتِهَادِ الْخَاص: أَي الْمُقَيد بِبَعْض الْأَحْكَام (من) جملَة (ذَلِك) الْمَذْكُور من متن الْكتاب وَالسّنة والسند، والظرف حَال من الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى الْمَوْصُول (فِيمَا) يَقع (فِيهِ) ذَلِك الِاجْتِهَاد، وَالْخَاص ظرف للاحتياج (كَذَا) أَي كَمَا ذكرنَا من الِاقْتِصَار على معرفَة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْخَاص مِنْهُ، وَوَقع (لكثير) من الْمَشَايِخ فِي بَيَان هَذَا الشَّرْط (بِلَا حِكَايَة عدم جَوَاز تجزي الِاجْتِهَاد) فَعدم حكايتهم ذَلِك يدل على أَنه لم يثبت عِنْدهم خلاف فِي جَوَاز التجزي (كَأَنَّهُمْ لَا يعرفونها) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن حكايته أَمر مُتَحَقق، غير أَنهم مَا يعرفونها، وَإِلَى أَنه لَيْسَ لَهَا اشتهار تَامّ فَهُوَ دَلِيل على قُوَّة القَوْل بِجَوَاز التجزي (وَعَلِيهِ) على جَوَازه (فرع) أَنه يجوز (اجْتِهَاد الفرضي) نِسْبَة إِلَى الْفَرَائِض، فَإِن النِّسْبَة إِلَى الْجمع فِي علم الْفَرَائِض ترده إِلَى الأَصْل، وإلحاق الْيَاء (فِي) علم (الْفَرَائِض دون غَيره) أَي من غير أَن يجْتَهد فِي غير علم الْفَرَائِض من الْعُلُوم لعدم بُلُوغه رُتْبَة الِاجْتِهَاد فِيهَا (وَقد حكيت) هَذِه المسئلة ذكر فِيهَا الْجَوَاز، وَهُوَ قَول بعض أَصْحَابنَا ومختار الْغَزالِيّ، وَنسبه السُّبْكِيّ وَغَيره إِلَى الْأَكْثَر وَقَالَ أَنه الصَّحِيح. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: هُوَ الْمُخْتَار، وَسَيذكر المُصَنّف أَنه الْحق. (وَاخْتَارَ طَائِفَة نَفْيه) أَي نفي جَوَاز التجزي (مُطلقًا لِأَنَّهُ) أَي الْمُجْتَهد (وَإِن ظن حُصُول كل مَا يَحْتَاجهُ) أَي إِلَيْهِ (لَهَا) أَي للمسئلة الْمُجْتَهد فِيهَا (احْتمل غيبَة بعضه) أَي بعض مَا يحْتَاج إِلَيْهِ (عَنهُ) أَي الْمُجْتَهد صلَة الْغَيْبَة. كلمة أَن وصلية، تَقْدِير الْكَلَام احْتمل وَإِن ظن، ثمَّ رد هَذَا التَّعْلِيل بقوله (وَهَذَا الِاحْتِمَال) أَي احْتِمَال غيبَة بعض الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِي الِاجْتِهَاد الْخَاص (كَذَلِك) أَي كاحتمال غيبَة بعض الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِي الِاجْتِهَاد (الْمُطلق) فَإِن كَانَ مَانِعا من جَوَاز الِاجْتِهَاد هَهُنَا كَانَ مَانِعا هُنَاكَ، ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْفرق بَينهمَا بقوله (لكنه) أَي الِاحْتِمَال الْمَذْكُور (يضعف فِي حَقه) أَي الْمُجْتَهد الْمُطلق لِأَن غيبَة الْبَعْض لَا تنفد فِي حَقه (ل) عدم (سعته) التَّامَّة (ويقوى فِي غَيره، وَقد يمْنَع التَّفَاوُت) بَينهمَا بِاعْتِبَار الْقُوَّة والضعف (بعد كَون الآخر) الَّذِي لَيْسَ بمجتهد مُطلقًا (قَرِيبا) من رُتْبَة الْمُجْتَهد الْمُطلق محصلا فِيمَا يخص بِهِ فِي جَمِيع مَا حصله الْمُطلق: وَلذَلِك ترى أَن من صرف عمره

стр. 1213

فِي فن وَاحِد أوسع إحاطة فِيمَا يتَعَلَّق بفنه من المتفنن (بل) الْمُجْتَهد الْخَاص (مثله) أَي الْمُطلق فِيهِ (وسعته) أَي الْمُطلق (بِحُصُول مواد أُخْرَى) لَا دخل لَهَا فِيمَا يجْتَهد فِيهِ الْمُجْتَهد الْخَاص (لَا توجبه) أَي التَّفَاوُت فِي الِاحْتِمَال: أَي فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمَطْلُوب الْخَاص (فَإِذا وَقع) الِاجْتِهَاد (فِي) مسئلة (صلوية) أَي مُتَعَلقَة بِالصَّلَاةِ (وَفرض) وجود جَمِيع (مَا يحْتَاج إِلَيْهَا) الْمُجْتَهد فِيهَا (من الْأَدِلَّة وَالْقَوَاعِد) الْمُتَعَلّقَة بكيفية استنباطها (فسعة الآخر) أَي الْمُطلق (بِحُضُور مواد) الْأَحْكَام (البيعيات والغصبيات شَيْء آخر) لَا دخل لَهُ فِي إِيجَاب التَّفَاوُت بَين الِاجْتِهَاد الْمُطلق وَالْخَاص فِي الصلوية. (وَأما مَا قيل) من قبل المثبتين للتجزي (لَو شَرط) فِي الْخَاص مَا شَرط فِي الْمُطلق (شَرط فِي الِاجْتِهَاد الْعلم بِكُل المآخذ) بِمَا ذكر من الْكتاب وَالسّنة (وَيلْزم) الْعلم بِكُل المآخذ (علم كل الْأَحْكَام فَمَمْنُوع الْمُلَازمَة) مَا بعد الْفَاء جَوَاب أما، وَخبر الْمَوْصُول، يَعْنِي لَا نسلم أَن الْعلم بِكُل المآخذ يسْتَلْزم الْعلم بِكُل الْأَحْكَام (للْوَقْف بعده على الِاجْتِهَاد) يَعْنِي أَن الْعلم بِالْأَحْكَامِ يتَوَقَّف بعد حُصُول الْعلم بالمآخذ على أَمر آخر، وَهُوَ الِاجْتِهَاد، غَايَة الْأَمر أَنه يحصل بِالْعلمِ بالمآخذ التَّمَكُّن من الْعلم بِالْأَحْكَامِ، وَأما حُصُول الْعلم بِالْأَحْكَامِ بِالْفِعْلِ فَإِنَّمَا يكون بعد الِاجْتِهَاد فِي كل وَاحِد وَهُوَ ظَاهر. (وَأما الْعَدَالَة) فِي الْمُجْتَهد (فَشرط قبُول فتواه) لِأَنَّهُ لَا يقبل قَول الْفَاسِق فِي الديانَات، لَا شَرط صِحَة الِاجْتِهَاد لجَوَاز أَن يكون لِلْفَاسِقِ قُوَّة الِاجْتِهَاد فَلهُ أَن يجْتَهد لنَفسِهِ، وَلَا يشْتَرط أَيْضا الْحُرِّيَّة وَلَا الذُّكُورَة وَلَا علم الْكَلَام وَلَا علم الْفِقْه. مسئلة (الْمُخْتَار عِنْد الْحَنَفِيَّة أَنه ﷺ مَأْمُور) فِي حَادِثَة لَا وَحي فِيهَا (بانتظار الْوَحْي أَولا) أَي فِي أول زمَان وُقُوع الْحَادِثَة (مَا كَانَ راجيه) أَي مَا دَامَ كَونه راجيا نزُول الْوَحْي (إِلَى خوف فَوت الْحَادِثَة) على غير الْوَجْه الشَّرْعِيّ (ثمَّ بِالِاجْتِهَادِ) أَي تمّ بعد تحقق الْخَوْف مَأْمُور بِالِاجْتِهَادِ (وَهُوَ) أَي الِاجْتِهَاد (فِي حَقه) ﷺ (يخص) أَي الِاجْتِهَاد (الْقيَاس بِخِلَاف غَيره) من الْمُجْتَهدين فَإِنَّهُ لَا يخص اجتهادهم الْقيَاس: أما فِي الْقيَاس فَظَاهر، وَأما فِي غَيره (فَفِي دلالات الْأَلْفَاظ) أَي فقد يكون الِاجْتِهَاد فِي دلَالَة الْأَلْفَاظ على مَا هُوَ المُرَاد مِنْهَا أَيْضا كَمَا فِي الْمُجْمل والمشكل، والخفي والمتشابه على قَول من يَقُول: إِن الراسخين فِي الْعلم يعلمُونَ تَأْوِيله، فَإِن الخفاء يستدعى كَون المُرَاد نظريا مُحْتَاجا إِلَى نظر واجتهاد، وَأما النَّبِي ﷺ فَالْمُرَاد عِنْده ظَاهر بَين لَا يحْتَاج إِلَى نظر واجتهاد مِنْهُ (و) فِي (الْبَحْث عَن

стр. 1214

مُخَصص الْعَام، وَالْمرَاد من الْمُشْتَرك وباقيها) أَي وَبَاقِي الْأَقْسَام الَّتِي فِي دلالتها خَفَاء من الْمُجْمل وأخواته: أما الْبَحْث عَن مُخَصص الْعَام فَلِأَن احْتِمَال التَّخْصِيص غير التَّخْصِيص بعيد، وَلذَا قيل: مَا من عَام إِلَّا وَخص مِنْهُ الْبَعْض وَأما الْبَحْث عَن المُرَاد من الْمُشْتَرك فَلَا بُد مِنْهُ وَهُوَ ظَاهر، وكل ذَلِك ظَاهر عِنْده ﷺ لَا يحْتَاج إِلَى نظر وفكر (و) فِي (التَّرْجِيح) لأحد الدَّلِيلَيْنِ (عِنْد التَّعَارُض) بَينهمَا (لعدم علم الْمُتَأَخر) مِنْهُمَا، يَعْنِي لَا بُد من الْمُتَأَخر فِي نفس الْأَمر غير أَنه لَيْسَ بِمَعْلُوم عِنْد الْمُجْتَهد، وَلَا يتَصَوَّر عدم الْعلم بالمتأخر فِي حَقه ﷺ ، (فَإِن أقرّ) ﷺ على مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده عِنْد خوف فَوت الْحَادِثَة (أوجب) إِقْرَاره عَلَيْهِ (الْقطع بِصِحَّتِهِ) أَي بِصِحَّة مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده لِأَنَّهُ لَا يقر على الْخَطَأ (فَلم تجز مُخَالفَته) أَي مَا أقرّ عَلَيْهِ (بِخِلَاف غَيره من الْمُجْتَهدين) فَإِنَّهُ تجوز مُخَالفَته إِلَى اجْتِهَاد آخر لاحْتِمَال الْخَطَأ والقرار عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَي اجْتِهَاده الْمقر عَلَيْهِ (وَحي بَاطِن) على مَا عَلَيْهِ فَخر الْإِسْلَام وَغَيره، وَسَماهُ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ بِمَا يشبه الْوَحْي (وَالْوَحي عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة أَرْبَعَة: (بَاطِن) وَهُوَ (هَذَا، وَظَاهر) وَهُوَ (ثَلَاثَة: مَا يسمعهُ) ﷺ (من الْملك شفاها) من شافهه: أَي أدنى شفته من شفته، وَالْمرَاد سَمَاعه من الْملك بِغَيْر وسط مَعَ علمه بِأَنَّهُ ملك، وَالْمرَاد بِهِ جِبْرِيل ﵇ لقَوْله تَعَالَى - ﴿قل نزله روح الْقُدس﴾ - مَعَ قَوْله تَعَالَى - ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين﴾ - (أَو) مَا (يُشِير إِلَيْهِ) الْملك، فَقَوله يُشِير مَعْطُوف على يسمع (إِشَارَة مفهمة) للمراد من غير بَيَان بالْكلَام (وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم من الْوَحْي (المُرَاد بقوله) ﷺ (إِن روح الْقُدس نفث فِي ورعى أَن نفسا لن تَمُوت حَتَّى تستوفى رزقها، الحَدِيث) فِي الْقَامُوس: النفث كالنفخ، وَأَقل من التفل، وَالْمرَاد إِلْقَاء معنى فِي الْقلب كالنفخ، وَأَقل من التفل، والروع بِالضَّمِّ: الْقلب، أَو مَوضِع الْفَزع مِنْهُ (أَو) مَا (يلهمه، وَهُوَ) أَي الإلهام (إِلْقَاء معنى فِي الْقلب بِلَا وَاسِطَة عبارَة الْملك وإشارته مقرون) بِالرَّفْع على أَنه صفة لإلقاء، أَو بِالْجَرِّ على أَنه صفة لِمَعْنى (بِخلق علم ضَرُورِيّ أَنه) أَي ذَلِك الْمَعْنى (مِنْهُ تَعَالَى) وَأَن مَعَ اسْمه وَخَبره مُتَعَلق الْعلم الضَّرُورِيّ: أَي إِلْقَاء الْمَعْنى على الْوَجْه الْمَذْكُور (وَجعله حَيا ظَاهرا) مَعَ خفائه (إِذْ فِي) الْوَحْي الظَّاهِر الَّذِي يسمعهُ من (الْملك) شفاها (لَا بُد من خلق) الْعلم (الضَّرُورِيّ أَنه) أَي الَّذِي جَاءَ بِالْوَحْي (هُوَ) أَي الْملك، فشاركه فِيمَا هُوَ مدَار الْأَمر، وَإِن خَالفه بِعَدَمِ المشافهة فَهُوَ جدير بِأَن يلْحق بِهِ فِي الظُّهُور (وَلذَا) أَي وَلكَون إلهامه ﷺ وَحيا ظَاهرا (كَانَ حجَّة قَطْعِيَّة عَلَيْهِ) ﷺ (وعَلى غَيره) كَمَا أَن الشفاهي والإشاري حجَّة عَلَيْهِمَا (بِخِلَاف إلهام غَيره) من الْمُسلمين فَإِنَّهُ لَيْسَ بِوَحْي. وَقَالَ الشَّارِح

стр. 1215

فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا حجَّة فِي حق الْأَحْكَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى الملهم وَغَيره، وَهَذَا فِي الْمِيزَان معزو إِلَى قوم من الصُّوفِيَّة، بل عزى إِلَى صنف من الرافضة لقبوا بالجعفرية أَنه لَا حجَّة سواهُ ثَانِيهَا حجَّة عَلَيْهِ لَا على غَيره: أَي يجب على الملهم الْعَمَل بِهِ، وَلَا يجوز أَن يَدْعُو إِلَيْهِ غَيره، وَعَزاهُ فِي الْمِيزَان إِلَى عَامَّة الْعلمَاء، وَمَشى عَلَيْهِ الإِمَام السهروردي، وَاعْتَمدهُ الإِمَام الرَّازِيّ فِي أَدِلَّة الْقبْلَة وَابْن الصّباغ من الشَّافِعِيَّة، قَالَ: وَمن علامته أَن ينشرح لَهُ الصَّدْر، وَلَا يُعَارضهُ معترض من خاطر آخر. (ثَالِثهَا) أَي ثَالِث الْأَقْوَال فِي إلهام غَيره وَهُوَ (الْمُخْتَار فِيهِ) أَي فِي إلهام غَيره أَنه (لَا حجَّة عَلَيْهِ) أَي على الملهم (وَلَا) على (غَيره لعدم مَا يُوجب نسبته) أَي نِسْبَة مَا ألهم بِهِ (إِلَيْهِ تَعَالَى) فَإِن قيل: الْمُوجب مَوْجُود، وَهُوَ الْعلم الضَّرُورِيّ بِأَنَّهُ من الله تَعَالَى قُلْنَا: لَيْسَ بمعصوم من أَن يكون مَا يحسبه من الله تَعَالَى بِالضَّرُورَةِ من الشَّيْطَان فِي نفس الْأَمر فَلَا يعْتَمد عَلَيْهِ إِلَّا إِذا قَامَ لَهُ حجَّة من الْكتاب أَو السّنة (وَالْأَكْثَر) أَي أَكثر أهل الْعلم على أَنه ﷺ كَانَ مَأْمُورا (بِالِاجْتِهَادِ مُطلقًا) فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة والحروب والأمور الدِّينِيَّة من غير تَقْيِيد بِشَيْء مِنْهَا، أَو من غير تَقْيِيد بانتظار الْوَحْي، وَهُوَ مَذْهَب عَامَّة الْأُصُولِيِّينَ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَعَامة أهل الحَدِيث، وَنقل عَن أبي يُوسُف: كَذَا نقل الشَّارِح عَن شرح البديع (وَقيل) الْقَائِل الأشاعرة وَأكْثر الْمُعْتَزلَة والمتكلمين (لَا) يَصح أَن يكون ﷺ مَأْمُورا بِالِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة. ثمَّ عَن الجبائي وَابْنه أَنه غير جَائِز عَلَيْهِ عقلا. وَعَن غَيرهمَا جَائِز عقلا وَلكنه لم يتعبد بِهِ شرعا، وَقيل كَانَ لَهُ الِاجْتِهَاد فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة والحروب دون الْأَحْكَام (وَقيل) كَانَ لَهُ الِاجْتِهَاد (فِي الحروب فَقَط) وَهُوَ محكي عَن القَاضِي والجبائي (لقَوْله تَعَالَى - ﴿عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم﴾ - عوتب على الْإِذْن لما ظهر نفاقهم فِي التَّخَلُّف عَن غَزْوَة تَبُوك، وَلَا عتب فِيمَا عَن الْوَحْي، فَكَانَ عَن اجْتِهَاد لِامْتِنَاع كَونه عَن تشه، وَدفعه السُّبْكِيّ بِأَنَّهُ كَانَ مُخَيّرا فِي الْأذن وَعَدَمه. قَالَ تَعَالَى - ﴿فَأذن لمن شِئْت مِنْهُم﴾ - فَلَمَّا أذن أعلمهُ بِمَا لم يطلع عَلَيْهِ من شرهم أَنه لَو لم يَأْذَن لَهُم لقعدوا، وَأَنه لَا حرج عَلَيْهِ فِيمَا فعل وَلَا خطأ. قَالَ الْقشيرِي: وَمن قَالَ: الْعَفو لَا يكون إِلَّا عَن ذَنْب فَهُوَ غير عَار بِكَلَام الْعَرَب، وَإِنَّمَا معنى - ﴿عَفا الله عَنْك﴾ - لم يلزمك ذَنْب كَمَا عَفا فِي صَدَقَة الْخَيل وَلم يجب عَلَيْهِم ذَلِك قطّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَنه عتاب على ترك الأولى (و) لقَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم﴾ - فَإِنَّهَا نزلت فِي فدَاء أُسَارَى بدر، فَإِنَّهُ قَالَ ﷺ لأبي بكر وَعمر مَا ترَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟ فَقَالَ أَبُو بكر: هم بَنو الْعم وَالْعشيرَة أرى أَن تَأْخُذ مِنْهُم فديَة فَتكون لنا قُوَّة على الْكفَّار فَعَسَى الله أَن يهْدِيهم لِلْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ :

стр. 1216

مَا ترى يَا بن الْخطاب؟ قَالَ قلت لَا يَا رَسُول الله مَا أرى الَّذِي رأى أَبُو بكر وَلَكِن أرى أَن تمكننا فَنَضْرِب أَعْنَاقهم، فَتمكن عليا من عقيل فَيضْرب عُنُقه، وتمكنني من فلَان نسيب لعمر فَأَضْرب عُنُقه، فَإِن هَؤُلَاءِ أَئِمَّة الْكفْر وَصَنَادِيدهَا، فهوى رَسُول الله ﷺ مَا قَالَ أَبُو بكر وَلم يَهو مَا قلت، فَلَمَّا كَانَ من الْغَد جِئْت فَإِذا رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر قاعدان يَبْكِيَانِ، قلت: يَا رَسُول الله أَخْبرنِي من أَي شَيْء تبْكي أَنْت وَصَاحِبك؟ فَإِن وجدت بكاء بَكَيْت وَإِلَّا تَبَاكَيْت لِبُكَائِكُمَا؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أبْكِي للَّذي عرض على أَصْحَابك من أَخذهم الْفِدَاء لقد عرض عَليّ عَذَابهمْ أدنى من هَذِه الشَّجَرَة: شَجَرَة قريبَة من رَسُول الله ﷺ ، وَأنزل الله ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ﴾ - إِلَى قَوْله - ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم حَلَالا طيبا﴾ -، فأحل الله الْغَنِيمَة لَهُم. وَقَالَ ﷺ " لَو نزل الْعَذَاب مَا نجا إِلَّا عمر ": فَدلَّ على أَن أَخذه ﷺ الْفِدَاء كَانَ بِالِاجْتِهَادِ، وَكَانَ ذَلِك الِاجْتِهَاد خطأ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ صَوَابا لما ترَتّب عَلَيْهِ الْعَذَاب على تَقْدِير عدم سبق الْكتاب فَإِن قلت: كَيفَ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ وَقد تقرر أَن الْمُخطئ فِي الِاجْتِهَاد لَهُ أجر وَاحِد قلت: الْأجر على تَقْدِير أَن لَا يكون خلاف مَا أدّى إِلَيْهِ ظَاهرا، فَأَما إِذا كَانَ ظَاهرا فَلَا، بل يسْتَحق الْمُجْتَهد الْعَذَاب، أَلا ترى أَن المبتدعة قد كَانُوا مجتهدين، فَحَيْثُ كَانَ خلاف رَأْيهمْ ظَاهرا استحقوا الْعَذَاب، حَيْثُ قَالَ ﷺ " كلهم فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة " بعد قَوْله " سَتَفْتَرِقُ أمتِي ثَلَاثًا وَسبعين فرقة ". وَمِنْهُم من قَالَ معنى سبق الْكتاب أَنه كتب فِي اللَّوْح أَن لَا يعذب الْمُخطئ فِي الِاجْتِهَاد، وَيرد عَلَيْهِ تَعْذِيب المبتدعة. وَقد يُجَاب بتخصيص عدم الْعَذَاب بِمَا إِذا لم يكن فِي العقيدة فَإِن قلت: إِذا كَانَت الْحِكْمَة فِي عدم تَعْذِيب الْمُخطئ أَنه بذل وَسعه فِي طلب الصَّوَاب، فَلَا يفْتَرق الْحَال بِكَوْن الْمُجْتَهد فِيهِ عمليا أَو اعتقاديا قلت فِي الِاعْتِقَاد لم يكن الْمحل صَالحا للِاجْتِهَاد لوُجُود النُّصُوص المفيدة للْقطع. والشارع قد مَنعهم عَن الْخَوْض فِي ذَلِك (وَقد قُلْنَا بِهِ) أَي بِكَوْنِهِ مَأْمُورا بِالِاجْتِهَادِ فِي الحروب (وَثَبت) اجْتِهَاده (فِي الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة (أَيْضا بقوله) ﷺ (لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت لما سقت الْهدى) أَي لَو علمت قبل سوق الْهدى مَا عَلمته بعده من أَمْرِي يُرِيد بِهِ مَا ظهر عِنْده من الْمَشَقَّة عَلَيْهِ وعَلى من تبعه فِي سوقه الملزم دوَام الْإِحْرَام إِلَى قَضَاء مَنَاسِك الْحَج لما سقته، بل كنت أَحرمت بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أحللت بعد أَدَائِهَا كَمَا هُوَ دأب الْمُتَمَتّع، فَعلم أَنه لم يسق بِالْوَحْي وَإِلَّا لم يقل ذَلِك وَأَيْضًا لَا يَتَرَتَّب الْجَزَاء عَنْهُم، أَعنِي سوق الْهدى على الشَّرْط، أَعنِي الْعلم بِمَا ذكر قبل السُّوق لَو لم يكن عَاملا بِالِاجْتِهَادِ، لِأَن الْقَائِل بِمُوجب الْوَحْي علمه بِالْمَصْلَحَةِ كَعَدم علمه بهَا

стр. 1217

(وسوقه) الْهدى (مُتَعَلق حكم الْمَنْدُوب) لِأَنَّهُ لم يفعل فِي أَدَاء الْمَنَاسِك تَقْرِيبًا إِلَّا الْوَاجِب أَو الْمَنْدُوب، وَقد علم عدم الْوُجُوب فَتعين النّدب (وَهُوَ) أَي النّدب (حكم شَرْعِي) فَثَبت اجْتِهَاده فِي الْأَحْكَام أَيْضا (وَلِأَنَّهُ) أَي الِاجْتِهَاد (منصب شرِيف) حَتَّى قيل أَنه أفضل دَرَجَات أهل الْعلم، فَإِذا (لَا يحرمه) أفضل أهل الْعلم (وتناله أمته) فَإِن حرمانه مَعَ عدم حرمَان الْأمة بعيد عَن دَائِرَة الِاعْتِبَار (ولأكثرية الثَّوَاب لأكثرية الْمَشَقَّة). وَلَا شكّ أَن تَحْصِيل الْعلم بالحكم الشَّرْعِيّ ثمَّ الْعَمَل بِهِ أَكثر مشقة من الْعَمَل بِدُونِ الِاجْتِهَاد فَيكون أَكثر ثَوابًا فَكَانَ لائقا بِشَأْنِهِ الشريف: وَهَذَا الَّذِي ذكر من أكثرية الثَّوَاب لأكثرية الْمَشَقَّة هُوَ مُقْتَضى الأَصْل وَالْقِيَاس. فَلَا يُنَافِيهِ مَا وَقع فِي بعض الخصوصيات من كَون ثَوَاب مَا لَيْسَ فِيهِ مشقة أَكثر من ثَوَاب مَا فِيهِ الْمَشَقَّة كالكلمتين الخفيفتين على اللِّسَان الثقيلتين فِي الْمِيزَان. (وَأما الْجَواب) عَن هَذَا الدَّلِيل كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الْحَاجِب وَقَررهُ القَاضِي (بِأَن السُّقُوط) أَي سُقُوط الِاجْتِهَاد فِي حَقه ﷺ (لدرجة الْعليا) الْإِضَافَة بَيَانِيَّة، وَهِي الْوَحْي، فَإِن مُتَعَلّقه أَعلَى من مُتَعَلق الِاجْتِهَاد لكَونه مَقْطُوعًا بِهِ ابْتِدَاء (لَا يُوجب نقصا فِي قدره وأجره) أما فِي قدره فَظَاهر لِأَنَّهُ أُرِيد لَهُ الدرجَة الْعليا، وَأما فِي أجره فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُعْطي أجرا عَظِيما مناسبا لتِلْك الدرجَة (وَلَا) يُوجب السُّقُوط الْمَذْكُور (اخْتِصَاص غَيره بفضيلة لَيست لَهُ) لكَون الِاجْتِهَاد نظرا إِلَى هَذَا الْمَعْنى فَضِيلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ تنزل من الدرجَة الْعليا (فَقيل) جَوَاب أما (ذَلِك) أَي سُقُوط الْأَدْنَى للأعلى إِنَّمَا يكون (عِنْد الْمُنَافَاة) بَينهمَا (كَالشَّهَادَةِ مَعَ الْقَضَاء والتقليد مَعَ الِاجْتِهَاد) فَإِنَّهُ سُقُوط وجوب أَدَاء الشَّهَادَة على القَاضِي لوُجُوب مَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ، وَهُوَ الْقَضَاء فَإِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ، فَلذَلِك سقط وجوب التَّقْلِيد وَمن وجههما ظَاهر، وَمَا نَحن فِيهِ لَيْسَ كَذَلِك لجَوَاز أَن يجْتَهد ثمَّ يقرره الْوَحْي (وَالْحق أَن مَا سوى هَذَا) أَي مَا سوى الدَّلِيل الْمَعْنَوِيّ الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله منصب شرِيف إِلَى قَوْله لأكثرية الْمَشَقَّة (لَا يُفِيد مَحل النزاع، وَهُوَ) أَي مَحل النزاع (الْإِيجَاب) أَي إِيجَاب الِاجْتِهَاد عَلَيْهِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن هَذَا يُفِيد، لِأَن الِاجْتِهَاد الْوَاقِع على وَجه الْفَرْضِيَّة أشرف، وثواب الْفَرْض أَكثر، وَأما الْأَدِلَّة النقلية فَلَا تفِيد إِلَّا وُقُوع الِاجْتِهَاد وَلَا يدل وُقُوعه فرضا كَمَا سيشير إِلَيْهِ، وناقش الشَّارِح فِي كَون مَحل النزاع الْوُجُوب فَقَط، وَنقل عَن الْمُعْتَمد مَا دلّ على النزاع فِي الْجَوَاز، وَعَن الْمَاوَرْدِيّ أَن الْأَصَح التَّفْصِيل فِي حق النَّاس الْوُجُوب لأَنهم لَا يصلونَ إِلَى حُقُوقهم بِدُونِهِ، وَفِي حُقُوق الله تَعَالَى عدم الْوُجُوب وَهَذَا يُؤَيّدهُ المُصَنّف. وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن فِي وجوب الِاجْتِهَاد عَلَيْهِ بعد جَوَازه لَهُ وَجْهَيْن، وَأَنه صحّح الْوُجُوب. وَعَن بَعضهم أَنه غير

стр. 1218

جَائِز عقلا، وَلَعَلَّ المُصَنّف حقق من طَرِيق النَّقْل أَن كل من قَالَ بِالْجَوَازِ مِمَّن يعْتد بِكَلَامِهِ قَالَ بِالْوُجُوب: فَيرجع الْخلاف إِلَى الِامْتِنَاع وَالْوُجُوب، فَلَا بُد أَن يكون كل دَلِيل فِي هَذَا الْمقَام دَالا على أَحدهمَا (وَأما هَذَا) الدَّلِيل الْمَعْنَوِيّ وَإِن أَفَادَ مَحل النزاع (فقد اقْتَضَت) أَي فَيُقَال فِيهِ إِن الِاسْتِدْلَال بنيل الْأمة شَيْئا من الْفَضَائِل وَالثَّوَاب على نيله ذَلِك غير مُسلم لِأَنَّهُ قد اقْتَضَت (رتبته ﷺ مرّة سُقُوط مَا) يجب (على غَيره كَحُرْمَةِ الزِّيَادَة) من الزَّوْجَات (على الْأَرْبَع) فَهَذِهِ الْحُرْمَة حكم ثَابت فِي حق الْأمة سَاقِط فِي حَقه لجَوَاز الزِّيَادَة لَهُ (وَمرَّة) اقْتَضَت رتبته ﷺ (لُزُوم مَا لَيْسَ) بِلَازِم (عَلَيْهِم) كمصابرة الْعَدو، وَإِن كثر عَددهمْ، بِخِلَاف الْأمة فَإِنَّهَا لَا تلزمهم إِن زَاد عدد الْكفَّار على الضعْف، وإنكار الْمُنكر، وتغييره مُطلقًا لكَونه مَوْعُودًا بِالْحِفْظِ والعصمة، وَغَيره إِنَّمَا يلْزمه بِشَرْطِهِ، وكالسواك والتهجد إِلَى غير ذَلِك، فَلَا يُقَاس حَاله بِحَال غَيره، فَلَا بُد فِي إِثْبَات حكم فِي حَقه من وجود مُقْتَض يَخُصُّهُ (فالشأن فِي تَحْقِيق) وجود (خُصُوصِيَّة الْمُقْتَضى فِي حَقه فِي) خصوصيات (الْموَاد وَعَدَمه) أَي عدم خُصُوصِيَّة الْمُقْتَضى بِحَذْف الْمُضَاف، إِن وجدنَا مَا يقتضى إِثْبَات حكم فِي حَقه أَثْبَتْنَاهُ وَإِلَّا فَلَا (وَغَايَة مَا يُمكن) أَن يُقَال فِيمَا نَحن فِيهِ (أَنَّهَا) أَي أَدِلَّة المثبتين (لدفع الْمَنْع) أَي تدفع منع الْجَوَاز، فَيثبت الْجَوَاز لعدم الِامْتِنَاع (فَيثبت الْوُجُوب، إِذْ لَا قَائِل بِالْجَوَازِ دونه) أَي الْوُجُوب، يَعْنِي لَو لم يجب الِاجْتِهَاد عَلَيْهِ على تَقْدِير الْجَوَاز لثبت جَوَاز بِلَا وجوب، وَهُوَ منفي بِإِجْمَاع الْمُجْتَهدين، لِأَن الْقَائِل بالامتناع نَفَاهُ، وَكَذَلِكَ الْقَائِل بِالْوُجُوب، وَلَا مُجْتَهد سوى الْفَرِيقَيْنِ. احْتج (الْمَانِع) لاجتهاده ﷺ بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ﴾ أَي الَّذِي ينْطق بِهِ من الشَّرَائِع ﴿إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد لَيْسَ بِوَحْي (أُجِيب بتخصيصه) أَي بتخصيص الْمَنْفِيّ فِي الْآيَة (بِسَبَبِهِ) أَي بِمَا يدل عَلَيْهِ سَبَب نُزُولهَا، وَهُوَ رد مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ فِي الْقُرْآن إِنَّه افتراء، فَيخْتَص بِمَا بلغه، وينتفي الْعُمُوم الَّذِي هُوَ منَاط الِاسْتِدْلَال، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لنفي دَعوَاهُم افتراءه) عطف بَيَان بِسَبَبِهِ، فَالْمُرَاد فِي قَوْله تَعَالَى إِن هُوَ الْقُرْآن (سلمنَا عُمُومه) أَي عُمُوم النَّفْي فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿ان هُوَ﴾ - بِحَيْثُ يعم كل مَا ينْطق بِهِ (فَالْقَوْل) النَّاشِئ (عَن الِاجْتِهَاد لَيْسَ عَن الْهوى، بل) هُوَ نَاشِئ (عَن الْأَمر بِهِ) أَي بِالِاجْتِهَادِ، لِأَنَّهُ أمره بِالْعَمَلِ بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده (وَهَذَا) أَي إِدْخَال مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي الْوَحْي الموحى بالتأويل الْمَذْكُور (وَإِن كَانَ خلاف الظَّاهِر، وَهُوَ) أَي الظَّاهِر (أَن مَا ينْطق بِهِ نفس مَا يُوحى إِلَيْهِ) لَا أَمر مندرج تَحت عُمُوم وَحي أثبت بِالدَّلِيلِ، لَكِن (يجب الْمصير إِلَيْهِ للدليل الْمَذْكُور) وَهُوَ قَوْله ﷺ " لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي ": الحَدِيث وَنَحْوه مِمَّا يدل على

стр. 1219

أَنه نطق بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده فِي الْأَحْكَام، فَلَا بُد من إدراجه تَحت الْوَحْي لِئَلَّا يُنَاقض الْآيَة (وَلَا يَحْتَاجهُ الْحَنَفِيَّة) أَي لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى ارْتِكَاب خلاف الظَّاهِر كغيرهم على مَا عرفت (إِذْ هُوَ) أَي مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده ﷺ (وَحي بَاطِن) عِنْدهم فَإِن قلت حمل الْوَحْي الْمَذْكُور على مَا يعمه خلاف الظَّاهِر قلت مَعَ مُلَاحظَة مَا دلّ على كَونه خلاف الظَّاهِر. (قَالُوا) أَي المانعون ثَانِيًا (لَو جَازَ) اجْتِهَاده (جَازَت مُخَالفَته) لمجتهد آخر إِذا أدّى اجْتِهَاده إِلَى خلاف رَأْيه لاحْتِمَال الْخَطَأ فِي الِاجْتِهَاد (وَتقدم مَا يَدْفَعهُ) من أَن اجْتِهَاده وَحي بَاطِن لَيْسَ كاجتهاد غَيره، أَو أَن اجْتِهَاده نَاشِئ عَن الْأَمر بِهِ، وَأمره بِالِاجْتِهَادِ فِي حق النَّاس يسْتَلْزم أَمر النَّاس باتباعه فِيمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده. و (قَالُوا) ثَالِثا (لَو أَمر بِهِ) أَي بِالِاجْتِهَادِ (لم يُؤَخر جَوَابا) احْتَاجَ النَّاس إِلَيْهِ منتظرا للوحي بل كَانَ يجْتَهد فيجيب من غير انْتِظَار لَهُ (وَكَثِيرًا مَا أخر) أَي أخر تَأْخِيرا كثيرا، فَقَوله كثيرا مَنْصُوب على المصدرية، قدم على عَامله، وَكلمَة مَا مزيدة تفِيد مَا قبلهَا وثاقة وَقُوَّة فِيمَا قصد مِنْهُ (الْجَواب) أَنه (جَازَ) أَن يكون التَّأْخِير (لاشْتِرَاط الِانْتِظَار) أَي لكَون الِانْتِظَار للوحي فِي مُدَّة مَعْلُومَة عِنْده شرطا فِي اجْتِهَاده ﷺ (كالحنفية) أَي اشتراطا كاشتراط الْحَنَفِيَّة على مَا سبق (أَو لاستدعائه) أَي الِاجْتِهَاد فِي تِلْكَ الْحَادِثَة (زَمَانا) لغموضه، فَالْجَوَاب الأول مَبْنِيّ على التَّأْخِير لانتظار الْوَحْي، وَهَذَا الْجَواب مَبْنِيّ على عدم تَسْلِيم كَون التَّأْخِير لانتظار الْوَحْي. (قَالُوا) رَابِعا: الِاجْتِهَاد لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن، و (لَا يجوز الظَّن مَعَ الْقُدْرَة على الْيَقِين) فَإِنَّهُ يقدر أَن يسْأَل ربه أَن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فِي مَحل السُّؤَال، وسؤاله لَا يرد، فَكَانَ قَادِرًا على الْيَقِين الَّذِي هُوَ الْوَحْي (أُجِيب بِالْمَنْعِ) يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا منع كَونه قَادِرًا على الْيَقِين لجَوَاز أَن لَا يكون مَأْذُونا فِي سُؤال إِنْزَال الْوَحْي، أَو لإِيجَاب على تَقْدِير السُّؤَال لحكمة تَقْتَضِيه، وَالثَّانِي منع استلزام الْقُدْرَة على الْيَقِين عدم جَوَاز الْعَمَل بِالظَّنِّ، كَيفَ والعمليات يَكْفِي فِيهَا الظَّن، وَالشَّيْخ أَرَادَ أَن يبْحَث عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فَقَالَ (فَإِن) كَانَ الْمَنْع (بِمَعْنى أَنه) أَي الْيَقِين بِالْوَحْي (غير مَقْدُور لَهُ) ﷺ بِالْفِعْلِ (فَصَحِيح) أَي فَهَذَا الْمَعْنى صَحِيح (لكنه) أَي عدم المقدورية لَهُ بِالْفِعْلِ (لَا يُوجب النَّفْي) أَي نفي الْقُدْرَة مُطلقًا لجَوَاز أَن يصير قَادِرًا بأقداره تَعَالَى، فالمنع حِينَئِذٍ لَا يجوز الِاجْتِهَاد بِلَا انْتِظَار كَمَا ذهب إِلَيْهِ غير الْحَنَفِيَّة فَإِنَّهُ كَمَا يمْنَع عَن الِاجْتِهَاد الْقُدْرَة بِالْفِعْلِ كَذَلِك يمْنَع عَنهُ احْتِمَال صَيْرُورَته قَادِرًا بأقداره تَعَالَى، فَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا الْمَنْع من قبل الْحَنَفِيَّة، وَلَيْسَ معنى الْكَلَام لَا يُوجب النَّفْي لتعبده بِالِاجْتِهَادِ حَتَّى يعْتَرض عَلَيْهِ بِنَفْي إِيجَابه إِيَّاه بل مُرَاده أَن يُوجب الْمَنْع جَوَاز التَّعَبُّد وَهُوَ ظَاهر (بل) بِاعْتِبَار دلَالَته على احْتِمَال حُصُول الْقُدْرَة لما عرفت يُوجب (أَن لَا يجْتَهد إِلَى الْيَأْس من

стр. 1220

الْوَحْي) قطعا (أَو) إِلَى (غَلَبَة ظَنّه) أَي الْيَأْس (مَعَ خوف الْفَوْت) أَي فَوت الْحَادِثَة المحوجة إِلَى الِاجْتِهَاد. قَوْله مَعَ قيد للمفهوم المردد للأخير (وَهُوَ) أَي عدم الِاجْتِهَاد إِلَى أَحدهمَا (قَول الْحَنَفِيَّة) أَي بِاعْتِبَار الْمَآل (كل من طريقي الظَّن وَالْيَقِين) يَعْنِي الِاجْتِهَاد وَالْوَحي (مُمكن فَيجب تَقْدِيم) رِعَايَة احْتِمَال (الثَّانِي) يَعْنِي الْيَقِين (بالانتظار فَإِذا غلب ظن عَدمه) أَي الْيَقِين (وجد شَرط الِاجْتِهَاد) وَهُوَ غَلَبَة ظن الْيَأْس من حُصُول الْيَقِين بِالْوَحْي، فَقَوله كل من طريقي الظَّن وَالْيَقِين إِلَى آخِره مقول قَول الْحَنَفِيَّة (وَهُوَ) أَي قَول الْحَنَفِيَّة (الْمُخْتَار) لكَونه أحوط مَعَ قُوَّة دَلِيله (وَإِن) كَانَ الْمَنْع (بِمَعْنى جَوَاز تَركه) أَي ترك طلب الْيَقِين (مَعَ الْقُدْرَة) عَلَيْهِ ميلًا (إِلَى مُحْتَمل الْخَطَأ) وَهُوَ الِاجْتِهَاد (مُخْتَارًا) أَي حَال كَون التارك مُخْتَارًا فِي تَركه وميله وَحَاصِله منع استلزام الْقُدْرَة على الْيَقِين عدم جَوَاز الْعَمَل بِالظَّنِّ (فيمنعه) أَي الْجَوَاز الْمَذْكُور (الْعقل) بِمُقْتَضى قَوَاعِد الشَّرْع من أَن اتِّبَاع الظَّن خلاف الأَصْل فَلَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة وَمن أَن الظَّن بدل الْعلم كالتيمم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوضُوء لَا يجوز إِلَّا عِنْد عدم الْقُدْرَة على الْوضُوء، وَمن أَن اخْتِيَار مُحْتَمل الْخَطَأ على مَا لَا يحْتَملهُ تَرْجِيح للمرجوح، وَهُوَ بَاطِل شرعا وعقلا (وَمَا أَوْهَمهُ) أَي جَوَاز تَركه مَعَ الْقُدْرَة (سَيَأْتِي) ذكره، و (جَوَابه، وَقد ظهر من الْمُخْتَار) وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة الْمَذْكُور (جَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِ، ﷺ لِأَنَّهُ لَو لم يكن احْتِمَال الْخَطَأ فِي اجْتِهَاده ﷺ لَكَانَ مثل الْوَحْي فِي عدم احْتِمَال الْخَطَأ، وَإِذن لَا وَجه للانتظار (إِلَّا أَنه) ﷺ ، كلمة إِلَّا بِمَعْنى لَكِن (لَا يقر عَلَيْهِ) أَي على الْخَطَأ (بِخِلَاف غَيره) من الْمُجْتَهدين فَإِنَّهُم قد يقرونَ عَلَيْهِ (وَقيل بامتناعه) أَي امْتنَاع الْخَطَأ فِي اجْتِهَاده لتعبده بِالِاجْتِهَادِ، إِذْ لَا معنى لَهُ، لِأَن المُرَاد الْمُجيب بِالْمَنْعِ لَيْسَ إِيجَابه نفي التَّعَبُّد بِالِاجْتِهَادِ حَتَّى يعْتَرض عَلَيْهِ بِنَفْي إِيجَابه إِيَّاه، بل مُرَاده أَن يُوجب الْمَنْع فِي نقل فِي الْكَشْف عَن أَكثر الْعلمَاء. وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ والحليمي أَنه الْحق، والسبكي أَنه الصَّوَاب وَالشَّافِعِيّ نَص عَلَيْهِ فِي الْأُم (لِأَنَّهُ) أَي اجْتِهَاده (أولى بالعصمة عَن الْخَطَأ من الْإِجْمَاع لِأَن عصمته) أَي الْإِجْمَاع (لنسبته) أَي الْإِجْمَاع (إِلَيْهِ) ﷺ بِاعْتِبَار صدوره عَن أمته (وللزوم جَوَاز الْأَمر بِاتِّبَاع الْخَطَأ) وَلَا يجوز الْأَمر بِهِ فضلا عَن الْوُقُوع، وَجه اللُّزُوم أَن الْأمة مأمورون باتباعه فِي جَمِيع أَحْكَامه. وَمِنْهَا مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده وعَلى تَقْدِير جَوَاز الْخَطَأ فِيهِ يلْزم الْأَمر بِاتِّبَاع جَائِز الْخطاب يسْتَلْزم جَوَاز الْأَمر بِاتِّبَاع جَائِز الْخَطَأ وَالْأَمر بِاتِّبَاع جَائِز الْخَطَأ فِيهِ نظر (و) للُزُوم (الشَّك فِي قَوْله) فِي كَونه صَوَابا أَو خطأ لِأَن الْمَفْرُوض جَوَاز الْخَطَأ فِي اجْتِهَاده، فَإِذا قَالَ بِمُوجب اجْتِهَاده لزم حُصُول الشَّك فِيهِ (فيخل بمقصود الْبعْثَة) وَهُوَ الوثوق بِمَا يَقُول إِنَّه حكم الله تَعَالَى (أُجِيب عَن هَذَا) أَي الْإِخْلَال بِالْمَقْصُودِ

стр. 1221

(بَان المخل) بمقصود الْبعْثَة (مَا) أَي الشَّك (فِي) نفس (الرسَالَة) وَالشَّكّ فِي قَوْله الَّذِي صدر عَن الِاجْتِهَاد لَا يسْتَلْزم الشَّك فِيهَا (و) أُجِيب (عَمَّا قبله) أَي قبل هَذَا الَّذِي أجبنا عَنهُ (بِمَنْع بُطْلَانه) أَي الثَّانِي، وَهُوَ جَوَاز الْأَمر بِاتِّبَاع الْخَطَأ بِمَعْنى جَائِز الْخَطَأ، كَيفَ والمجتهد وَمن يقلده مأمورون بِاتِّبَاع مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد إِجْمَاعًا وَهُوَ جَائِز الْخَطَأ عندنَا. ثمَّ ذكر سَنَد الْمَنْع بقوله (على أَن الْأَمر باتباعه) أَي الِاجْتِهَاد (من حَيْثُ هُوَ) أَي الحكم الاجتهادي (صَوَاب فِي نظر الْعَالم) الْمُجْتَهد، لَا من حَيْثُ أَنه خطأ (وَإِن خَالف) ذَلِك الحكم (نفس الْأَمر) وَهُوَ حكم الله تَعَالَى الْمعِين فِي تِلْكَ الْحَادِثَة (و) أُجِيب (عَن الأول) وَهُوَ أَنه أولى بالعصمة من الْإِجْمَاع (بِأَن اخْتِصَاصه) ﷺ الَّذِي لَا بُد لَهُ مِنْهُ حَاصِل (برتبة النُّبُوَّة) وَلَا يخل بِكَمَالِهِ أَن يخْتَص أمته بشرف متابعتهم إِيَّاه برتبة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَإِن رُتْبَة الْعِصْمَة للْأمة) الْحَاصِلَة لَهُم (لاتباعهم) إِيَّاه (لَا يقتضى) بِاعْتِبَار حُصُولهَا لَهُم (لُزُوم هَذِه الرُّتْبَة) لَهُم فِي ذكر اللُّزُوم إِشَارَة إِلَى أَن أصل الْعِصْمَة حَاصِل فِيهِ ﷺ ، وَإِن لم يكن على وَجه اللُّزُوم. وَلَا شكّ أَن شرف لُزُومهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأمة بِسَبَب الِاتِّبَاع رَاجع إِلَيْهِ ﷺ ، فَإِن لم تكن لَازِمَة (لَهُ) لحكمة تَقْتَضِيه لَا ينقص من كَمَاله شَيْئا (كَالْإِمَامِ) يُرِيد الْإِمَامَة الْكُبْرَى (لَا يلْزم لَهُ رُتْبَة الْقَضَاء) وَإِن كَانَت مستفادة مِنْهُ ثمَّ لَا يعود ذَلِك عَلَيْهِ بِنَقص وانحطاط: وَلَا يخفى أَنه لَو كَانَ رُتْبَة الْقَضَاء لَهُ مَخْصُوصَة بِغَيْر الإِمَام كَانَ التنظير على الْوَجْه الْأَكْمَل، لكنه قصد أَنه كَمَا لَا ينقص كَمَال الْمَتْبُوع بمساواة التَّابِع إِيَّاه فِي حكم حصل لَهُ بتبعيته إِيَّاه كَذَلِك لَا ينقص اخْتِصَاص التَّابِع بِحكم حصل لَهُ بِسَبَب التّبعِيَّة، ثمَّ أَشَارَ إِلَى جَوَاب آخر بقوله (وَتقدم مَا يَدْفَعهُ) أَي الِاسْتِدْلَال الأول من قَوْله فقد اقْتَضَت رتبته ﷺ مرّة سُقُوط مَا على غَيره إِلَى قَوْله والشأن فِي تحقق خُصُوصِيَّة الْمُقْتَضى فِي حَقه، فَمن قَالَ أَن المُرَاد بِمَا يَدْفَعهُ مَا ذكر من أَنه لَا مُنَافَاة بَين مرتبَة النُّبُوَّة ودرجة الِاجْتِهَاد جعل مرجع ضمير يَدْفَعهُ الْجَواب لَا الِاسْتِدْلَال، وَلَزِمَه كَون ذَلِك الدّفع مرضيا للْمُصَنف وَهُوَ ضَعِيف، لِأَنَّهُ لَا يدْفع الْمَنْع الْمَذْكُور فَتدبر، وَلَا يبعد أَن يُقَال فِي تَحْقِيق خُصُوصِيَّة الْمُقْتَضى أَن فِي جَوَاز الْخَطَأ فِي اجْتِهَاد النَّبِي ﷺ إِشَارَة إِلَى أَن فكر الْبشر وَإِن كَانَ فِي أَعلَى الدَّرَجَات يحْتَمل الْخَطَأ، بِخِلَاف الْوَحْي وَالله تَعَالَى أعلم (وَأَيْضًا) إِن كَانَ أَدِلَّة الْفَرِيقَيْنِ مُوجبا للشغب (فالوقوع) أَي وُقُوع الْخَطَأ فِي اجْتِهَاده ﷺ (يقطع الشغب) بِالسُّكُونِ: أَي النزاع فِي الْجَوَاز كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْهُم الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب (وَدَلِيله) أَي الْوُقُوع قَوْله تَعَالَى ﴿عَفا الله عَنْك﴾ الْآيَة، وَقَوله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ﴾ أَن تكون لَهُ أسرى (حَتَّى قَالَ ﷺ : لَو نزل من السَّمَاء عَذَاب مَا نجا مِنْهُ إِلَّا عمر) رَوَاهُ الْوَاقِدِيّ فِي كتاب الْمَغَازِي

стр. 1222

والطبري بِلَفْظ " لما نجا مِنْهُ غير عمر بن الْخطاب وَسعد بن معَاذ " وَتَأْويل الْآيَتَيْنِ إِلَى خلاف مَا يدل عَلَيْهِ الظَّاهِر على وَجه يخل بِكَمَال بلاغة الْقُرْآن من غير ضَرُورَة ملجئة إِلَيْهِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يقدم عَلَيْهِ أهل الْعلم مُبَالغَة فِي علو شَأْن الْأَنْبِيَاء لِأَن هَذَا لَا يخل بعلو شَأْنهمْ كَمَا عرفت. قَالَ صدر الشَّرِيعَة فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿لَوْلَا كتاب﴾ - الْآيَة: أَي لَوْلَا حكم سبق فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَهُوَ أَنه لَا يُعَاقب أحد بالْخَطَأ فِي الِاجْتِهَاد وَكَانَ هَذَا خطأ فِي الِاجْتِهَاد لأَنهم نظرُوا إِلَى أَن استبقاءهم سَبَب لإسلامهم، وفداءهم يتقوى بِهِ على الْجِهَاد، وخفى عَلَيْهِم أَن قَتلهمْ أعز لِلْإِسْلَامِ وأهيب لمن وَرَاءَهُمْ وَأَقل لشوكتهم، ورد هَذَا القَاضِي أَبُو زيد بِأَنَّهُ لَو كَانَ خطأ لما أقرّ عَلَيْهِ، وَقد أقرّ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: - ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم حَلَالا طيبا﴾ - وَتَأْويل العتاب مَا كَانَ لمن قبلك أَن تكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فَكَانَ لَك كَرَامَة خصصت بهَا رخصَة لَوْلَا كتاب من الله سبق بِهَذِهِ الخصوصية لمسكم الْعَذَاب بِحكم الْعَزِيمَة على مَا قَالَ عمر انْتهى، وَأَنت خَبِير بِأَن التَّقْرِير لم يَقع حَيْثُ نبه بِكَوْنِهِ خطأ: بل دلّت الْآيَة على أَن حكم الله تَعَالَى فِي نفس الْأَمر كَانَ خلاف مَا أدّى إِلَيْهِ ذَلِك الِاجْتِهَاد غير أَنه عَفا عَنْهُم، وَنسخ ذَلِك الحكم، فالحل بعد النّسخ لَا قبله وَتَأْويل العتاب على الْوَجْه الْمَذْكُور غير مرضِي لِأَنَّهُ إِذا رخص لَهُ فِي الْفِدَاء كَرَامَة لَا يبْقى للعتاب سَبَب فَإِن قلت يجوز أَن يكون سَببه ترك الأولى، وَهُوَ الْعَمَل بالعزيمة دون الرُّخْصَة قلت مثل هَذَا الْوَعيد لَا يلائم ترك الأولى وَالْعَمَل بِالرُّخْصَةِ الَّتِي هِيَ كَرَامَة لَهُ فَإِن قلت الْوَعيد مُرَتّب على الْمَفْرُوض قلت نعم لكنه يدل أَنه على ذَلِك التَّقْدِير كَانُوا يسْتَحقُّونَ الْعَذَاب الْعَظِيم، وَكَيف يستحقونه على ذَلِك التَّقْدِير إِن كَانَ لَهُم أَن يَأْخُذُوا الْفِدَاء رخصَة (وَبِه) أَي بالوقوع (يدْفع دفع الدَّلِيل الْقَائِل) إِسْنَاد مجازي من قبيل إِسْنَاد القَوْل إِلَى سَببه، وَلِأَن الدَّلِيل فِي الْحَقِيقَة أَمر معنوي، وَهُوَ مَا يسْتَلْزم الْعلم بِهِ الْعلم بِشَيْء، وَذَلِكَ سَبَب لِلْقَوْلِ الْمَذْكُور (لَو جَازَ) امْتنَاع الْخَطَأ عَلَيْهِ (لَكَانَ) ذَلِك الِامْتِنَاع (لمَانع) عَن الْخَطَأ لِأَنَّهُ مُمكن ذَلِك لذاته وطبع الْبشر يَقْتَضِيهِ عَادَة (وَالْأَصْل عَدمه) أَي عدم الْمَانِع (بِأَن الْمَانِع) صلَة لدفع الدَّلِيل الْمَذْكُور بِتَعْيِين الْمَانِع عَن الْخَطَأ، وَهُوَ (علو رتبته وَكَمَال عقله وَقُوَّة حدسه) وَهُوَ حُصُول الْمُقدمَات مرتبَة فِي الذِّهْن دفْعَة (وفهمه) ﷺ ، وَقد ذكر هَذَا الدّفع الْعَلامَة، وَمَعَ الْوُقُوع لَا يلْتَفت إِلَى أَمْثَال هَذِه التعليلات (وَأما الِاسْتِدْلَال) لجَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِ (بقوله) ﷺ (" وَإِنَّكُمْ تختصمون إِلَيّ) فَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض فأقضى لَهُ على نَحْو مَا أسمع فَمن قضيت لَهُ بِشَيْء من حق أَخِيه فَلَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار " مُتَّفق عَلَيْهِ (وَقَوله) ﷺ (أَنا أحكم

стр. 1223

بِالظَّاهِرِ) قد سبق أَنه لَا وجود لهَذَا الحَدِيث غير أَنه يُؤْخَذ مَعْنَاهُ من الحَدِيث السَّابِق (فَلَيْسَ بِشَيْء) جَوَاب أما، وَخبر الْمُبْتَدَأ: أَي لَيْسَ بِشَيْء يعْتد بِهِ فِي إِثْبَات الْمُدَّعِي لِأَن الْخلاف فِي الْخَطَأ فِي استنباط الحكم الشَّرْعِيّ على أمارته بِأَن لَا يكون المستنبط مطابقا لحكم الله تَعَالَى الْمعِين فِي تِلْكَ الْحَادِثَة، وَلم يقل أحد إِن لله فِي كل قَضِيَّة جزئية تقع فِيهَا الْخُصُومَة بَين يَدي القَاضِي حكما معينا إِن وَافقه القَاضِي فَحكمه صَوَاب وَإِلَّا فخطأ، وَلَو سلم فَلَيْسَ هَذَا خطأ فِي الِاجْتِهَاد لِأَن أَسبَاب حكم القَاضِي لَيست بأمارات يستنبط مِنْهَا الْخطاب الْمُتَعَلّق بِفعل العَبْد، وَهُوَ ظَاهر (وَكَذَا) لَيْسَ بِشَيْء (مَا يُوهِمهُ عبارَة بَعضهم من ثُبُوت الْخلاف) من بَيَانِيَّة للموصول (فِي الْإِقْرَار على الْخَطَأ فِيهِ) أَي الِاجْتِهَاد، يَعْنِي يُوهم عبارَة بعض الْأُصُولِيِّينَ أَن الَّذين قَالُوا بِجَوَاز وُقُوع الْخَطَأ فِي اجْتِهَاد النَّبِي ﷺ اخْتلفُوا فِي أَنه هَل يقر على الْخَطَأ أم لَا؟ وَهَذَا الْوَهم لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ لَا خلاف فِيهِ (بل نَفْيه اتِّفَاق) أَي مُتَّفق عَلَيْهِ كَمَا صرح بِهِ الْعَلامَة وَغَيره. قَالَ الشَّارِح: ثمَّ قد ظهر سُقُوط التَّوَقُّف فِي جَوَاز الِاجْتِهَاد للنَّبِي ﷺ كَمَا ذهب إِلَيْهِ الرَّازِيّ، وَالله تَعَالَى أعلم. مسئلة قَالَت (طَائِفَة لَا يجوز) عقلا (اجْتِهَاد غَيره) ﷺ (فِي عصره ﷺ ، وَالْأَكْثَر) على أَنه (يجوز) اجْتِهَاد غَيره فِي زَمَانه (فَقيل) يجوز (مُطلقًا) أَي بِحَضْرَتِهِ وغيبته، كَذَا نقل عَن مُحَمَّد بن الْحسن، وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْد الْأَكْثَرين مِنْهُم القَاضِي وَالْغَزالِيّ والآمدي والرازي (وَقيل) يجوز (بِشَرْط غيبته للقضاة) مُتَعَلق بيجوز، وَكَذَا الْوُلَاة دون غَيرهم (وَقيل) يجوز (بِإِذن خَاص) فَمنهمْ من شَرط صَرِيحه، وَمِنْهُم من نزل السُّكُوت عَن الْمَنْع مِنْهُ مَعَ الْعلم بِوُقُوعِهِ منزلَة الْإِذْن. (وَفِي الْوُقُوع) اخْتلفُوا. فَمنهمْ من قَالَ (نعم) وَقع (مُطلقًا) حضورا وغيبة (ظنا) أَي وقوعا ظنيا لَا قَطْعِيا، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب. قَالَ السُّبْكِيّ لم يقل أحد وَقع قطعا، (و) مِنْهُم من قَالَ (لَا) أَي لم يَقع أصلا (وَالْمَشْهُور أَنه) أَي عدم الْوُقُوع أصلا (للجبائي وَأبي هَاشم، و) مِنْهُم من مذْهبه (الْوَقْف) فِي الْوُقُوع مُطلقًا، نسبه الْآمِدِيّ للجبائي (وَقيل) الْوَقْف (فِي) حق (من بِحَضْرَتِهِ) ﷺ (لَا) فِي حق (من غَابَ) عَنهُ ﷺ . (الْوَقْف) منشؤه أَنه (لَا دَلِيل) على الْوُقُوع وَلَا على عَدمه عِنْد الْوَقْف. قَالَ (الْمَانِع) للْجُوَاز مُطلقًا: مجتهدو عصره (قادرون على

стр. 1224

الْعلم بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ فَامْتنعَ ارْتِكَاب طَرِيق الظَّن) وَهُوَ الِاجْتِهَاد لِأَن معرفَة الْأَحْكَام وَاجِبَة، وَالْأَصْل فِيهَا الْعلم وَلَا يعدل عَن الأَصْل إِلَّا عِنْد عدم الْقُدْرَة عَلَيْهِ (أُجِيب بِمَنْع الْمُلَازمَة) يَعْنِي لَا نسلم استلزام الْقُدْرَة الْمَذْكُورَة الِامْتِنَاع الْمَذْكُور منعا مُسْتَندا (بقول أبي بكر) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي حَدِيث أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ " خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ عَام حنين فَذكر قصَّته فِي قَتله الْقَتِيل، وَأَنه ﷺ قَالَ: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه. فَقُمْت فَقلت من يشْهد لي. ثمَّ جَلَست إِلَى أَن قَالَ رَسُول الله ﷺ : مَالك أَبَا قَتَادَة؟ فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة. فَقَالَ رجل من الْقَوْم صدق يَا رَسُول الله سلب ذَلِك الْقَتِيل عِنْدِي فأرضه من حَقه " (لَاها الله) ذَا (" لَا يعمد إِلَى أَسد من أسود الله تَعَالَى يُقَاتل عَن الله وَرَسُوله فيعطيك سلبه. فَقَالَ ﷺ : صدق) فأعطه إِيَّاه، فأعطانيه ". قَالَ الْخطابِيّ لَاها الله ذَا بِغَيْر ألف قبل الذَّال، وَمَعْنَاهُ فِي كَلَامهم وَالله، يجْعَلُونَ الْهَاء مَكَان الْوَاو، وَمَعْنَاهُ لَا وَالله يكون ذَا: كَذَا فِي شرح السّنة، وَالْخطاب لمن لَهُ السَّلب وَيطْلب من رَسُول الله ﷺ أرضاء أبي قَتَادَة من ذَلِك السَّلب، وفاعل لَا يعمد ويعطيك ضمير رَسُول الله ﷺ . قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَأما الصِّيغَة فتروى لَاها الله بِإِثْبَات الْألف والتقاء الساكنين على حَده، ولاها الله بِحَذْف الْألف وَالْأَصْل لَا وَالله فحذفت الْوَاو وَعوض مِنْهَا حرف التَّنْبِيه، وَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا مُرَاد من قَالَ يجْعَلُونَ الْهَاء مَكَان الْوَاو، وَأما التَّقْدِير فَقَوْل الْخَلِيل إِن ذَا مقسم عَلَيْهِ، وَتَقْدِيره لَا وَالله الْأَمر كَذَا فَحذف الْأَمر لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال، وَقَول الْأَخْفَش أَنه من جملَة الْقسم وتوكيده لَهُ كَأَنَّهُ قَالَ ذَا قسمي، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنهم يَقُولُونَ لَاها الله ذَا لقد كَانَ كَذَا فيجيبون بالمقسم عَلَيْهِ بعد هَذَا، وَالظَّاهِر أَن هَذَا من أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِالِاجْتِهَادِ وَهُوَ بِحَضْرَتِهِ وَقد صَوبه ﷺ ، والْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَتقدم أَن ترك الْيَقِين لطَالب الصَّوَاب) ميلًا (إِلَى مُحْتَمل الْخَطَأ مُخْتَارًا يأباه الْعقل) فَلَا يحمل صَنِيع أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَلَيْهِ. بل الِاعْتِمَاد على أَنه إِن كَانَ خطأ يردهُ ﷺ إِلَى الصَّوَاب، فَيحصل الْيَقِين كَمَا سيشير إِلَيْهِ (واجتهاد أبي بكر فِي هَذِه الْحَالة لَا يسْتَلْزم تخييره) بَين الرُّجُوع إِلَى النَّبِي ﷺ وَبَين الِاجْتِهَاد (مُطلقًا) فِي الْحُضُور والغيبة للْفرق الظَّاهِر بَينهمَا، فَإِن التَّخْيِير فِي الْحُضُور لَا يسْتَلْزم مَا يأباه الْعقل لِأَنَّهُ يَنْتَهِي إِلَى الْيَقِين بتقريره ﷺ فَإِن قلت إِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ إِذا لم يكن تَقْرِيره ﷺ بِالِاجْتِهَادِ قلت يَكْفِيهِ اجْتِهَاده ﷺ بِخِلَاف اجْتِهَاده رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِيهِ بِدُونِ تَقْرِيره، واجتهاده رد أَبَا بكر واجتهاده إِلَى الصَّوَاب ﷺ وَإِنَّمَا اجْتهد أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِحَضْرَتِهِ (لعلمه) أَي أبي بكر (أَنه لكَونه بِحَضْرَتِهِ إِن خَالف) الصَّوَاب فِي

стр. 1225

اجْتِهَاده (رده) أَي أَبَا بكر واجتهاده إِلَى الصَّوَاب (فَالْوَجْه جَوَازه) أَي الِاجْتِهَاد فِي عصره ﷺ (للْغَائِب ضَرُورَة) لتعذر الرُّجُوع إِلَيْهِ، أَو تعسره، وَخَوف فَوت الْحَادِثَة على غير الْوَجْه الشَّرْعِيّ (والحاضر) مَعْطُوف على الْغَائِب: أَي وَالْوَجْه جَوَازه لمن لم يكن غَائِبا عَنهُ ﷺ غيبَة مَانِعَة عَن الرُّجُوع إِلَيْهِ (بِشَرْط أَمن الْخَطَأ) أَي الْأَمْن من الْخَطَأ (وَهُوَ) أَي أَمنه مِنْهُ يحصل (بِأحد أَمريْن: حَضرته) بِأَن يكون فِي مَجْلِسه، أَو حَيْثُ يرَاهُ، أَو يطلع عَلَيْهِ (أَو أُذُنه) لَهُ فِي الِاجْتِهَاد (كتحكيمه سعد بن معَاذ فِي بني قُرَيْظَة) فَإِنَّهُ لما حكم بقتل الرِّجَال وَقسم الْأَمْوَال وَسبي الذَّرَارِي وَالنِّسَاء، قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ " لقد حكمت فيهم بِحكم الله " كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَفِي رِوَايَة " بِحكم الله الَّذِي حكم بِهِ من فَوق سبع سموات "، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي الصَّحِيحَيْنِ " بِحكم الْملك ". مسئلة قد سبق أَن الِاجْتِهَاد يكون فِي العقليات، فَأخذ يبين مَا يتَعَلَّق بذلك فَقَالَ: (العقليات) من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (مَا لَا يتَوَقَّف) ثُبُوته (على سمع) أَي على دَلِيل سَمْعِي من قبيل إِطْلَاق الْمصدر على الْمَنْسُوب إِلَيْهِ مجَازًا، وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ الْمَفْعُول أَو الْمَعْنى المصدري: أَي على الِاسْتِمَاع من الشَّارِع، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَن يدل عَلَيْهِ السّمع أَيْضا (كحدوث الْعَالم) أَي حُدُوثه ومسبوقيته بِالْعدمِ (وَوُجُود موجده) أَي الْعَالم (تَعَالَى) مَوْصُوفا (بصفاته) الذاتية والإضافية (وبعثة الرُّسُل، والمصيب من مجتهديها) أَي العقليات (وَاحِد اتِّفَاقًا) لعدم إِمْكَان اجْتِمَاع النقيضين فَإِنَّهَا مضمونات جزئية وكل من الْمُخَالفين على طرف من النقيضين (والمخطئ) مِنْهُم (إِن) أَخطَأ (فِيمَا يَنْفِي مِلَّة الْإِسْلَام) كلا أَو بَعْضًا (فكافر آثم مُطلقًا عِنْد الْمُعْتَزلَة: أَي بعد الْبلُوغ وَقَبله) تَفْسِير للإطلاق (بعد تأهله) أَي صَيْرُورَته أَهلا فَإِن قلت هَذَا الْقَيْد مُسْتَغْنى عَنهُ فَإِن الْكَلَام فِي الْمُجْتَهد الْمُخطئ قلت فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن شَرط الِاجْتِهَاد فِي العقليات أَهْلِيَّة النّظر لِئَلَّا يتَوَهَّم كَونه مَشْرُوطًا بِمَا هُوَ شَرط الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام العملية (للنَّظَر وبشرط الْبلُوغ) مَعْطُوف على مُطلقًا، أَو الْمَعْنى أَثم مُطلقًا عِنْد الْمُعْتَزلَة وأثم لشرط الْبلُوغ (عِنْد من أسلفنا) فِي فصل الْحَاكِم (من الْحَنَفِيَّة كفخر الْإِسْلَام إِذا أدْرك) الْبَالِغ (مُدَّة التَّأَمُّل) وقدرها مفوض إِلَى الله تَعَالَى فَإِن النَّاس متفاوتون فِي الْفِكر سرعَة وَأَبْطَأ (إِن لم يبلغهُ سمع) حَقِيقَة أَو حكما بِأَن يكون فِي دَار الْإِسْلَام (ومطلقا) مَعْطُوف على قَوْله إِذا أدْرك فَهُوَ فِي معنى قَوْله مُقَيّدا، يَعْنِي الْمُخطئ فِيمَا يَنْفِي مِلَّة الْإِسْلَام كَافِر عِنْد من أسلفنا بِشَرْط الْبلُوغ مُطلقًا

стр. 1226

أَي أدْرك مُدَّة التَّأَمُّل أَو لَا (إِن بلغه) السّمع (وبشرط بُلُوغه) أَي السّمع إِيَّاه مَعْطُوف على قَوْله بِشَرْط الْبلُوغ، يَعْنِي الْمُخطئ الْمَذْكُور كَافِر بِشَرْط الْبلُوغ وبشرط بُلُوغ السّمع من غير الْتِفَات إِلَى إِدْرَاك مُدَّة التَّأَمُّل (للأشعرية) أَي عِنْد الأشعرية، وَفِي الْقَامُوس إِن اللَّام تَأتي بِمَعْنى عِنْد (وقدمناه) أَي مثل هَذَا القَوْل نَاقِلا (عَن بُخَارى الْحَنَفِيَّة، وَهُوَ الْمُخْتَار) لِأَن مِلَّة الْإِسْلَام كَانَت فِي حد ذَاتهَا بِحَيْثُ إِذا تَأمل فِيهَا الْعقل - يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار﴾ - فَإِذا تأيدت بالبلوغين صَارَت أظهر من الشَّمْس، فَلم يبْق مجَال بعد ذَلِك لنفيها بِالِاجْتِهَادِ إِذْ الِاجْتِهَاد إِنَّمَا يكون فِيمَا فِيهِ بعض غموض، فالمعاند فِيهَا مكابر (وَإِن) كَانَ مَا أَخطَأ فِيهِ (غَيرهَا أَي غير مِلَّة الْإِسْلَام (كخلق الْقُرْآن) فَعلم أَن المُرَاد من مِلَّة الْإِسْلَام مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْإِيمَان من العقائد إِجْمَاعًا، وَالْمرَاد القَوْل بخلقه فَإِنَّهُ خطأ لكَونه من صِفَات الله وَصِفَاته قديمَة، وَالْقَدِيم لَيْسَ بمخلوق، إِذْ كل مَخْلُوق حَادث (وَإِرَادَة الشَّرّ) فَإِنَّهَا مِمَّا أَخطَأ فِيهَا الْمُعْتَزلَة حَيْثُ نفوها، وَهِي غير الْملَّة بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور (فمبتدع آثم) وَلَا يخفى عَلَيْك أَن ذكر الْإِثْم هَهُنَا فِي مَحَله لِأَن من الْبِدْعَة مَا لَيْسَ بإثم بل قد تكون وَاجِبَة كعلم النَّحْو أَو مُسْتَحبَّة كبناء الْمدَارِس، بِخِلَاف ذكره مَعَ الْكفْر كَمَا سبق فَإِنَّهُ ذكر هُنَاكَ إِشَارَة إِلَى كَونه مُشْتَركا بَين أَقسَام الْخَطَأ غير أَنه كَانَ الأولى تَقْدِيمه على الْكفْر لكَونه بِمَنْزِلَة الْجِنْس: لَكِن قدم الْكفْر للاهتمام بِشَأْنِهِ من حَيْثُ الِاحْتِرَاز عَنهُ (لَا كَافِر) لعدم كَون مَا ذكر من ضروريات الدّين كَمَا لَا يخفى (وَسَيَأْتِي فِيهِ) أَي فِي هَذَا النَّوْع (زِيَادَة) أَي زِيَادَة بَيَان، وَمَا عَن الشَّافِعِي فِي تَكْفِير الْقَائِل بِخلق الْقُرْآن فجمهور أَصْحَابه تأولوه على كفران النِّعْمَة صرح بِهِ النَّوَوِيّ وَغَيره (وَأما) الْأَحْكَام (الْفِقْهِيَّة فمنكر الضَّرُورِيّ) مِنْهَا، وَهُوَ الَّذِي يعرفهُ كل أحد حَتَّى النِّسَاء وَالصبيان (كالأركان) أَي فَرضِيَّة الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج (وَحُرْمَة الزِّنَا وَالشرب) للخمر، وَقتل النَّفس الْمُحرمَة (وَالسَّرِقَة كَذَلِك) أَي كَافِر آثم لِأَن إِنْكَار مَا هُوَ من ضروريات مِلَّة الْإِسْلَام يسْتَلْزم إنكارها بِاجْتِهَاد بَاطِل (لانْتِفَاء شَرط الِاجْتِهَاد) وَهُوَ كَون الْمُجْتَهد فِيهِ نظريا بِأَن لَا يكون خِلَافه بديهيا (فَهُوَ) أَي إِنْكَار ذَلِك (إِنْكَار للمعلوم ابْتِدَاء) قبل النّظر. قَوْله ابْتِدَاء مُتَعَلق بالإنكار وَيحْتَمل أَن يتَعَلَّق بالمعلوم، وَالْأول أوجه. وَأما قَوْله (عنادا) فَهُوَ يتَعَلَّق بالإنكار قطعا (و) مُنكر (غَيرهَا) أَي الضرورية (الْأَصْلِيَّة) بدل من غَيرهَا أَو صفة لَهُ لكَون التَّعْرِيف فِيهَا لفظيا فَلَا يضرّهُ كَون الْغَيْر نكرَة لعدم اكتسابه التَّعْرِيف لتوغله فِي الْإِبْهَام، وَالْمرَاد بهَا الْأَحْكَام الَّتِي يتَفَرَّع عَلَيْهَا مسَائِل فرعية (ككون الْإِجْمَاع حجَّة، وَالْخَبَر) أَي خبر الْوَاحِد حجَّة فَهُوَ مَعْطُوف على الْإِجْمَاع (وَالْقِيَاس) حجَّة (آثم) خبر الْمُبْتَدَأ، أَعنِي مُنكر غَيرهَا. وَقَالَ

стр. 1227

الْقَرَافِيّ وَقد خَالف جمع من الْأَئِمَّة فِي مسَائِل ضَعِيفَة المدارك بِالْإِجْمَاع السكوتي وَالْإِجْمَاع على الْحُرُوف وَنَحْوهَا فَلَا يَنْبَغِي تأثيمه لِأَنَّهَا لَيست قَطْعِيَّة: كَمَا أَن لَا نؤثم من يَقُول: الْعرض يبْقى زمانين أَو يَقُول بِنَفْي الْخَلَاء وَإِثْبَات الملاء وَغير ذَلِك (بِخِلَاف حجية لقرآن) وَالسّنة (فَإِنَّهُ) أَي إنكارها (كفر) فَإِنَّهُ من ضروريات مِلَّة الْإِسْلَام، وإنكاره كإنكارها (و) مُنكر (غَيرهَا) أَي الضرورية (الفرعية) إعرابه كإعراب الْأَصْلِيَّة فَارْجِع إِلَيْهِ. أَي الْأَحْكَام (الفرعية) الاجتهادية (فالقطع) حَاصِل على أَنه (لَا إِثْم) على الْمُخطئ فِيهَا (وَهُوَ) أَي الْقطع بِنَفْي الْإِثْم (مُقَيّد بِوُجُود شَرط حلّه) أَي الِاجْتِهَاد (من عدم كَونه فِي مُقَابلَة) دَلِيل (قَاطع: نَص أَو إِجْمَاع وَلَا يعبأ) أَي لَا يعْتد (بتأثيم بشر) المريسي (والأصم) أبي بكر وَابْن علية والظاهرية والإمامية الْمُخطئ فِي الِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع لِأَن الْحق فِيهَا مُتَعَيّن وَعَلِيهِ دَلِيل قَاطع، فَمن أَخطَأ فَهُوَ آثم غير كَافِر، وَإِنَّمَا لَا يعبأ بِهِ (لدلَالَة إِجْمَاع الصَّحَابَة على نَفْيه) أَي تأثيم الْمُخطئ فِيهَا (إِذْ شاع اخْتلَافهمْ) فِي الْمسَائِل الاجتهادية، وَلَا بُد من خطأ وَاحِد من المتناقضين (وَلم ينْقل تأثيم) من بَعضهم لبَعض (وَلَو كَانَ) أَي لَو وجد الْإِثْم للمخطئ (لوقع) ذَلِك لِأَنَّهُ أَمر خطير وَلَو ذكر لنقل واشتهر، وَلما لم ينْقل تأثيم علم عدم الذّكر وَعدم الْإِثْم، وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى وَلَو كَانَ التأثيم لوقع ذكره عندنَا بِنَقْل التأثيم (وَلَو استؤنس لَهما) أَي لبشر والأصم. وَالْمعْنَى وَلَو طلب زَوَال الوحشة عَن كَلَامهمَا الْبعيد عَن الْأنس (بقول ابْن عَبَّاس أَلا يتقى الله زيد بن ثَابت، يَجْعَل ابْن الابْن ابْنا وَلَا يَجْعَل أَب الْأَب أَبَا أمكن) جَوَاب لَو: أَي أمكن أَن يسْتَأْنس بِهِ قد جَاءَ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاع على عدم التَّأْثِير بِأَن يُقَال كَيفَ يتَحَقَّق الْإِجْمَاع من الصَّحَابَة على عَدمه مَعَ وُقُوع التأثيم من ابْن عَبَّاس فِي حق زيد (لكنه) أَي ابْن عَبَّاس (لم يتبع) أَي لم يتبعهُ أحد (على مثله) أَي على مثل تأثيمه زيدا، وَلَا يُمكن أَن يُقَال عدم الِاتِّبَاع لعدم وُقُوع مثل مَا وَقع من زيد أَو اتبع لَكِن لم ينْقل إِلَيْنَا لندرته (إِذْ) عدد (وقائع الْخلاف) من زمن الصَّحَابَة إِلَى انْقِرَاض الْمُجْتَهدين (أَكثر من أَن تحصى) أَي من عدد مَا يدْخل تَحت الْحصْر، وَكلمَة أَن مَصْدَرِيَّة، وَالْمرَاد بِالْمَصْدَرِ المحصور والمضاف مَحْذُوف (وَلَا تأثيم) وَاقع فِي وَاقعَة مِنْهَا من أحد لأحد، فَعدم الْإِنْكَار والتأثيم فِي كل عصر إِجْمَاع من أهل ذَلِك الْعَصْر على خلاف مَا قَالَه ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ (الجاحظ لَا إِثْم على مُجْتَهد) نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي يعم كل مُجْتَهد (وَلَو) كَانَ الْخَطَأ مِنْهُ وَاقعا (فِي نفي الْإِسْلَام وَإِن) كَانَ ذَلِك النَّفْي للِاجْتِهَاد صادرا (مِمَّن لَيْسَ مُسلما) كلمة إِن وصلية، وَمُقْتَضَاهُ ثُبُوت نفي الْإِثْم عَن الْمُسلم الْمُؤَدى اجْتِهَاده إِلَى نفي الْإِسْلَام بِالطَّرِيقِ الأولى، وَهُوَ غير ظَاهر، بل الظَّاهِر أَن وُقُوع مثل هَذَا

стр. 1228

الِاجْتِهَاد من الْمُسلم أَشد فِي الْإِثْم لِأَنَّهُ قد ظهر عِنْده حقية الْإِسْلَام قبل هَذَا الِاجْتِهَاد، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن مَقْصُود الجاحظ من نفي الْإِثْم عدم الخلود فِي النَّار وَعدم الخلود فِي حق من لم يَتَّصِف بِالْإِسْلَامِ فَقَط أبعد من عَدمه فِي حق من اتّصف بِهِ ثمَّ صدر مِنْهُ مَا لَيْسَ بإثم فَتَأمل (وتجري عَلَيْهِ) أَي على النَّافِي الْمَذْكُور فِي الدُّنْيَا (أَحْكَام الْكفَّار) لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى إِجْرَاء أَحْكَام الْمُسلمين عَلَيْهِ لعدم الْإِسْلَام، وَلَا وَاسِطَة فِي الدُّنْيَا بَين أَحْكَام الْكفَّار وَأَحْكَام الْمُسلمين. فَإِذا انْتَفَى إِحْدَاهمَا تعين الْأُخْرَى (وَهُوَ) أَي نفي الْإِثْم (مُرَاد الْعَنْبَري بقوله الْمُجْتَهد) أَي كل مُجْتَهد (فِي العقليات مُصِيب، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مُرَاده من الْإِصَابَة نفي الْإِثْم (اجْتمع النقيضان فِي نفس الْأَمر) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يلْزم أَن يكون مُرَاده مُطَابقَة مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده نفس الْأَمر، إِذْ لَا سَبِيل إِلَى مَا يُرَاد بهَا فِي العمليات، وَهُوَ كَون مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد حكم الله تَعَالَى بِمَعْنى خطابه الْمُتَعَلّق بِفعل العَبْد يجوز أَن يكون مُتَعَلق خطاب الْمُجْتَهد مُخَالفا لمتعلق خطاب مُجْتَهد آخر فِي مسئلة وَاحِدَة، وَذَلِكَ لِأَن الْمَطْلُوب فِيهَا الْعَمَل بِخِلَاف العقليات. فَإِن الْمَطْلُوب فِيهَا الِاعْتِقَاد كمضمون خبري مُطَابق للْوَاقِع فَلَا يتَصَوَّر أَن يكون الْمَطْلُوب من زيد اعْتِقَاد حُدُوث الْعَالم وَمن عَمْرو قدمه لِأَن أَحدهمَا غير مُطَابق قطعا، وَإِنَّمَا قَالَ فِي نفس الْأَمر احْتِرَازًا عَن اجْتِمَاعهمَا فِي المطلوبية صُورَة كَمَا فِي العمليات، وَإِنَّمَا قُلْنَا صُورَة إِذْ لَيْسَ الْمَطْلُوب من الآخر حَقِيقَته لعدم اتِّحَاد الْمَطْلُوب مِنْهُ، هَذَا وَفِيه رد على السُّبْكِيّ حَيْثُ نفى أَن يكون مُرَاد الْعَنْبَري نفي الْإِثْم، فَإِن ذَلِك مَذْهَب الجاحظ، بل كَون مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده حكم الله وَافق نفس الْأَمر أَولا، وَوَافَقَهُ الْكرْمَانِي، ورد عَلَيْهِمَا الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ بِأَن الْكَلَام فِي العقليات الَّتِي لَا دخل فِيهَا لوضع الشَّارِع ككون الْعَالم قَدِيما وَكَون الصَّانِع مُمكن الرُّؤْيَة. ثمَّ قيل أَنه عمم فِي العقليات بِحَيْثُ شَمل أصُول الديانَات وَأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس على صَوَاب. وَقيل أُصُولهَا الَّتِي يخْتَلف فِيهَا أهل الْقبْلَة، وَهَذَا وَإِن كَانَ أنسب بِحَال الْمُسلم غير أَن دليلهم يُفِيد التَّعْمِيم كَمَا سَيَجِيءُ. (لنا إِجْمَاع الْمُسلمين قبل الْمُخَالف) أَي الجاحظ والعنبري وَمن تبعهما (من الصَّحَابَة وَغَيرهم) بَيَان للْمُسلمين (من لَدنه ﷺ مُتَعَلق بِمَحْذُوف هُوَ حَال من الْإِجْمَاع أَي مبتدئا من زَمَانه ﷺ إِلَى زمَان الْمُخَالف، ترك ذكر الْغَايَة للظهور (وهلم عصرا تلو عصر) أَرَادَ بِهِ اسْتِيعَاب الْأَعْصَار فِيمَا بَين الْمُبْتَدَأ والمنتهى الْمَذْكُورين، وهلم اسْم فعل، وعصرا مَفْعُوله، يَعْنِي أحضر عصرا بعد عصر فِي نظرك إِلَى أَن تستوعب الْأَعْصَار، فَهَلُمَّ اسْم فعل لَا يتَصَرَّف، أَصله هالم بِمَعْنى اقصد حذفت الْألف (على قتال الْكفَّار) مُتَعَلق بِالْإِجْمَاع (وَأَنَّهُمْ فِي النَّار) مَعْطُوف على الْقِتَال (بِلَا فرق بَين مُجْتَهد ومعاند) وَهُوَ الَّذِي اخْتَار الْكفْر

стр. 1229

من غير اجْتِهَاد مُكَابَرَة (مَعَ علمهمْ) أَي الْمُسلمين المجمعين (بِأَن كفرهم لَيْسَ بعد ظُهُور حقية الْإِسْلَام لَهُم) مُتَعَلق بالظهور، وَالضَّمِير للْكفَّار، فَلَا يرد أَن إِجْمَاع الْمُسلمين على قِتَالهمْ إِنَّمَا هُوَ مَبْنِيّ على اجتهادهم بعد ظُهُور حقيته كاجتهاد من يجْتَهد فِي الْفُرُوع فِي مُقَابلَة الْقطع فِي عدم الصِّحَّة كَمَا أَن صِحَة الِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع مَوْقُوفَة على عدم الْقطع فِي مَحل الِاجْتِهَاد فَكَذَلِك صِحَّته فِي الْأُصُول أَعنِي العقائد مَوْقُوفَة على عدم حقيتها، وَمن هَذَا لَا يلْزم عدم صِحَة الِاجْتِهَاد فِيهَا إِذا لم تظهر حقيتها قبل الِاجْتِهَاد، فَلَا يلْزم بطلَان مَذْهَب الجاحظ لِأَن مُرَاده عدم الْإِثْم على من يجْتَهد اجْتِهَادًا صَحِيحا (وَالْأول) أَي الْإِجْمَاع على قِتَالهمْ (لَا يجْرِي) دَلِيلا على تأثيم الْمُجْتَهد مِنْهُم بِنَاء (على) رَأْي (الْحَنَفِيَّة الْقَائِلين) ب (وُجُوبه) أَي وجوب قِتَالهمْ (لكَوْنهم حَربًا) أَي عدوا مُحَاربًا، يَسْتَوِي فِيهِ الْجمع وَالْوَاحد وَالذكر وَالْأُنْثَى (علينا لَا لكفرهم) يَعْنِي لَو كَانَ سَبَب قتال الْكفَّار الَّذين أدّى اجتهادهم إِلَى الْكفْر كفرهم كَانَ يلْزم تأثيمهم لِأَن الْكفْر الَّذِي لَا إِثْم فِيهِ لَا يصلح سَببا لِلْقِتَالِ، وَأما إِذا كَانَ سَببه دفع غلبتهم الْمُوجبَة لهدم الْإِسْلَام فَلَا يلْزم كَونهم آثمين فِي كفرهم الَّذِي أدّى إِلَيْهِ اجتهادهم، فَلَيْسَ للحنفية أَن يحتجوا على الجاحظ بِالْإِجْمَاع على الْقِتَال (وَإِنَّمَا لَهُم الْقطع) فِي تأثيمهم على الْإِطْلَاق سَوَاء كفرهم بِالِاجْتِهَادِ أَو لَا (بالعمومات) الدَّالَّة على ذَلِك (مثل) قَوْله تَعَالَى و (﴿ويل للْكَافِرِينَ﴾) فَإِنَّهُ يعم الْمُجْتَهد وَغَيره وَقَوله تَعَالَى (﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾) سَوَاء كَانَ ابتغاؤه لذَلِك بِالِاجْتِهَادِ أَو لَا، وَهَذَا الْقطع (إِمَّا من الصِّيغَة) الْمَوْضُوعَة للْعُمُوم كالمحلى بلام الِاسْتِغْرَاق والموصول كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة من أَن مَدْلُول الْعَام قَطْعِيّ (أَو) من (الاجماعات) الكائنة من الصَّدْر الأول من قبل ظُهُور الْمُخَالف (على عدم التَّفْصِيل) فِي كفرهم وَعدم الْفرق بَين أَن يكون عَن اجْتِهَاد وَبَين أَن لَا يكون عَنهُ، وَهَذَا من قبل الْكل الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم. (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِنَفْي الْإِثْم عَن الْمُجْتَهد فِي الْإِسْلَام (تكليفهم) أَي مجتهدي الْكفَّار (بنقيض مجتهدهم) على صِيغَة الْمَفْعُول: أَي بنقيض مَا أدّى إِلَيْهِ اجتهادهم، وَهُوَ الْإِسْلَام فَفِيهِ حذف واتصال، أَصله مُجْتَهد فِيهِ تَكْلِيف (بِمَا لَا يُطَاق لِأَنَّهُ) أَي نقيض مجتهدهم وَهُوَ التَّصْدِيق الإسلامي (كَيفَ) غير اخْتِيَاري فَإِنَّهُ علم، وَالْعلم من مقولة الكيف (لَا فعل) وَهُوَ التَّأْثِير لقَوْله الكيف الصَّادِر اخْتِيَارا، فَإِذا لم يكن مجتهدهم مُكَلّفا بخصوصية الْإِسْلَام. وَلَا شكّ أَنه مُكَلّف (فالمكلف بِهِ اجْتِهَاده) فِي تَحْصِيل الْإِسْلَام (وَقد فعل) مَا كلف بِهِ فَخرج عَن عُهْدَة الِامْتِثَال فَلَا إِثْم عَلَيْهِ. (الْجَواب منع فعله) أَي لَا نسلم أَنه فعل مَا كلف بِهِ (إِذْ لَا شكّ أَن على هَذَا الْمَطْلُوب) الَّذِي هُوَ الْإِسْلَام (أَدِلَّة قَطْعِيَّة ظَاهِرَة) فِي نفس الْأَمر بِحَيْثُ (لَو وَقع النّظر فِي موادها)

стр. 1230

الْمَوْجُودَة فِي الْأَنْفس والآفاق المنادية بِلِسَان الْحَال أَن الطَّرِيق هَكَذَا لَا يتَغَيَّر لظاهره كَالشَّمْسِ فِيمَا يتَعَلَّق بِالْعقلِ، وَالْخَبَر كالمتواتر فِيمَا يتَعَلَّق بِالسَّمْعِ (لَزِمَهَا) جَوَاب لَو: أَي لزم الْمَطْلُوب الْمَذْكُور الْموَاد الْمَذْكُورَة على تَقْدِير النّظر (قطعا) فَكيف يكون ممتثلا الْأَمر بِالِاجْتِهَادِ وَلم يفتح بَصَره إِلَى تِلْكَ الْموَاد: إِذْ لَو فتح لرآها لكَمَال ظُهُورهَا (فَإِذا لم يثبت) الْمَطْلُوب عِنْد الْمَأْمُور بِالِاجْتِهَادِ (علم أَنه) أَي عدم ثُبُوته عِنْده (لعدم) تحقق (الشُّرُوط) الْمُعْتَبرَة فِي النّظر، وَلَيْسَ عدم تحققها لكَمَال غموضها وَعجز الْمُكَلف عَن الْوُصُول إِلَيْهَا، بل (بالتقصير) وَعدم الِالْتِفَات إِلَى مَا يرشده إِلَى الْمَطْلُوب لانهماكه فِي مطمورة تَقْلِيد الْآبَاء، وَهُوَ بمعزل عَن دَائِرَة الِاجْتِهَاد، وَأَنا أضْرب لَك (مثلا) فِي هَذَا فَأَقُول (من بلغه بأقصى فَارس) الْبَاء بِمَعْنى فِي وَهُوَ ظرف للبلوغ (ظُهُور مدعي نبوة) فَاعل بلغ (ادّعى نسخ شريعتكم) قَوْله ادّعى صفة لمُدعِي النُّبُوَّة وخطاب شريعتكم إِنَّمَا هُوَ فِي كَلَام الْمبلغ ذكر على سَبِيل الْحِكَايَة (لزمَه) أَي الَّذِي بلغه فِي أقْصَى فَارس (السّفر) أَن يُسَافر (إِلَى مَحل ظُهُور دَعوته) كبلاد الْعَرَب (لينْظر أتواتر وجوده ودعواه) فَإِن أَخْبَار الْآحَاد لَا تفِيد الْقطع (ثمَّ أتواتر من) أَخْبَار (صِفَاته وأحواله مَا يُوجب الْعلم بنبوته، فَإِذا اجْتهد) اجْتِهَادًا (جَامعا للشروط قَطعنَا من) مُقْتَضى (الْعَادة أَنه يلْزمه) أَي الْمُجْتَهد الْجَامِع لَهَا (علمه بِهِ) أَي الْمَطْلُوب (لفرض وضوح الْأَدِلَّة) وضوحا لَا يخفى على من لَهُ أدنى مرتبَة من الِاجْتِهَاد (وَلَو اجْتهد) من بلغه مَا ذكر (فِي مَكَانَهُ فَلم يجْزم بِهِ) أَي بِمَا أخبر عَنهُ (لَا يعْذر لِأَنَّهُ) أَي اجْتِهَاده (فِي غير مَحَله) أَي ظُهُور دَعوته (وَالْحَاصِل أَنه كلف بِالنّظرِ الصَّحِيح) المستجمع شُرُوطه (وَلم يَفْعَله) أَي مَا كلف بِهِ من النّظر الصَّحِيح. (وَأما الْجَواب) عَن حجتهم (بِمَنْع كَون نقيض اعْتِقَادهم) أَي معتقدهم الَّذِي أدّى إِلَيْهِ اجتهادهم (غير مَقْدُور إِذْ ذَاك) تَعْلِيل للْمَنْع: أَي الَّذِي لَا يجوز التَّكْلِيف بِهِ لكَونه غير مَقْدُور لِأَنَّهُ هُوَ (الْمُمْتَنع عَادَة) أَي امتناعا عاديا (كالطيران وَحمل الْجَبَل) وَمَا نَحن فِيهِ لَيْسَ مِنْهُ (وَمَا ذكرُوا من الِامْتِنَاع) فَهُوَ مَعْطُوف على مَدْخُول الْبَاء: أَي وَأما الْجَواب بِمَا ذكر من الِامْتِنَاع فِي تكليفهم بنقيض مجتهدهم (بِشَرْط وصف الْمَوْضُوع) خبر الْمَوْصُول، يَعْنِي أَن الِامْتِنَاع الَّذِي ادعيتموه إِنَّمَا يَصح إِذا أخذت الْقَضِيَّة الْمَذْكُورَة فِي الدَّلِيل مَشْرُوطَة بِشَرْط الْوَصْف العنواني، تَقْرِيره (هَكَذَا مُعْتَقد) بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل (ذَلِك الْكفْر) الَّذِي أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده (يمْتَنع اعْتِقَاده غَيره) أَي غير معتقده (مَا دَامَ) ذَلِك المعتقد (معتقده والمكلف بِهِ) أَي الَّذِي كلف بِهِ الْكَافِر الْمُجْتَهد إِنَّمَا هُوَ (الْإِسْلَام) مُطلقًا، لَا الْإِسْلَام عِنْد وجود معتقده حَتَّى يمْنَع تَكْلِيفه وَالْحَاصِل أَن الْمُمْتَنع اعْتِقَاد النقيض مَعَ وجود اعْتِقَاد
следующие страницы →