Полный текст (1 287 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وَالنَّفس الناطقة فيدركه) أَي الْقلب (بخلقه تَعَالَى) الْإِدْرَاك فِيهِ من غير تَأْثِير لذَلِك النُّور، (فالنور آلَة إِدْرَاكهَا) أَي النَّفس الناطقة (وَشَرطه) أَي إِدْرَاكهَا (كالضوء لِلْبَصَرِ) أَي كَمَا أَن الضَّوْء شَرط عادي (فِي إيصاله) أَي الْبَصَر المبصرات إِلَى النَّفس الناطقة (وَمُقْتَضى مَا ذكرنَا) من هَذَا التَّعْرِيف (أَن لدرك الْحَواس) جمع حاسة بِمَعْنى الْقُوَّة الحساسة (مبدأ، قيل) وَقد عرفت الْقَائِل (هُوَ) أَي المبدأ (ارتسام المحسوسات) أَي انطباعها (أَي صورها) بِحَذْف الْمُضَاف، لِأَن أَنْفسهَا موجودات خارجية لَا يُمكن ارتسامها (فِيهَا) أَي فِي الْحَواس (ونهايته) أَي نِهَايَة دَرك الْحَواس (فِي الْحَواس الْبَاطِنَة) الْخمس (وَهِي الْحس الْمُشْتَرك فِي مقدم الدِّمَاغ) ينطبع فِيهِ صور المحسوسات كلهَا عِنْد غيبتها عَن الْحَواس الظَّاهِرَة، ومقدمة الْبَطن الأول مِنْهُ الَّذِي هُوَ مبدأ عصب الْحَواس (فيودعها) أَي الْحس الْمُشْتَرك (خزانته الخيال) عطف بَيَان لخزانتها لتحفظها، وَهِي قُوَّة مرتبَة فِي مُؤخر الْبَطن الأول من الدِّمَاغ (ثمَّ المفكرة) وَهِي قُوَّة مرتبَة فِي الْجُزْء الأول من الْبَطن الْأَوْسَط من الدِّمَاغ بهَا يَقع التَّرْكِيب وَالتَّفْصِيل بَين الصُّور المحسوسة الْمَأْخُوذَة من الْحس الْمُشْتَرك والمعاني المدركة بالوهم كإنسان لَهُ رأسان، أَو عديم الرَّأْس، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (تأخذها) أَي المفكرة صور المحسوسات (مِنْهُ) أَي من الْحس الْمُشْتَرك (للتركيب كَمَا تَأْخُذ من خزانَة الْوَهم) أَي الْقُوَّة (الحافظة فِي الْمُؤخر) أَي مُؤخر الدِّمَاغ (مستودعاته) مفعول تَأْخُذ (من الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة الْمُتَعَلّقَة بالمحسوس) فالوهم قُوَّة مرتبَة فِي آخر الْبَطن الْأَوْسَط من الدِّمَاغ يدْرك بهَا الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة الْمَذْكُورَة (كصداقة زيد) وعداوة عَمْرو، والحافظة قُوَّة مرتبَة فِي الْبَطن الْأَخير مِنْهُ (وَهَذَا الْأَخْذ) الْمعبر عَنهُ بقوله: ثمَّ المفكرة تأخذها مِنْهُ للتركي (ابْتِدَاء عمل الْعقل، وَلما احْتَاجَ) ثُبُوت (هَذِه) الْأُمُور من الْعقل الَّذِي هُوَ الْجَوْهَر المجرّد الْمُتَعَلّق بِالْقَلْبِ والحواس الْبَاطِنَة (إِلَى سمع) أَي دَلِيل سَمْعِي يثبتها (عِنْد كثير من أهل الشَّرْع وَلم يكتف) فِي الِاسْتِدْلَال على وجودهَا (بِكَوْن فَسَاد هَذِه الْبُطُون) الَّتِي هِيَ محالها (يُوجب فَسَاد ذَلِك الْأَثر) الْمَذْكُور من ارتسام صور المحسوسات والتركيب والمعاني الْجُزْئِيَّة (وَكَانَ الْمُحَقق) الَّذِي لَا شُبْهَة فِي وجوده (هُوَ الْإِدْرَاك، وَهُوَ) أَي الْإِدْرَاك (بخلقه تَعَالَى) أَي مخلوقه عِنْد وجود السَّبَب العادي (لم يزدْ القَاضِي الباقلاني على أَن الْعقل بعض الْعُلُوم الضرورية) إِذْ لَو كَانَ كلهَا لزم عدم وجود الْعقل لفاقد الْبَعْض لفقد شَرط من الْتِفَات أَو تجربة أَو تَوَاتر وَنَحْو ذَلِك، والاتفاق على أَنه عَاقل، وَلَو كَانَ الْعلم بالنظريات للَزِمَ مثل ذَلِك (وَالْأَكْثَر) على أَن الْعقل (قُوَّة بهَا إِدْرَاك الكليات للنَّفس) وَقَالَ الإِمَام غريزة يتبعهَا الْعلم بالضروريات عِنْد سَلامَة الْآلَات. وَقَالَ بَعضهم: قُوَّة بهَا يُمَيّز بَين الْأُمُور المستحسنة
стр. 632
والقبيحة (ومحلها) أَي الْقُوَّة الَّتِي هِيَ الْعقل (الدِّمَاغ) وَهَذَا الرَّأْي (للفلاسفة) قَالَ الشَّارِح وخصوصا الْأَطِبَّاء وَأحمد فِي رِوَايَة وَأبي الْمعِين النَّسَفِيّ، وَعَزاهُ صدر الْإِسْلَام إِلَى أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، فَقَالَ: وَهُوَ جسم لطيف مضيء مَحَله الرَّأْس عِنْد عَامَّة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وأثره يَقع على الْقلب فَيصير الْقلب مدْركا بِنور الْعقل الْأَشْيَاء كَالْعَيْنِ تصير مدركة بِنور الشَّمْس الْأَشْيَاء. وَاحْتَجُّوا بِأَن الرجل يضْرب فِي رَأسه فيزول عقله وَلَا يَزُول بِضَرْب عُضْو آخر (وَالْقلب) عطف على الدِّمَاغ (اللَّحْم) الصنوبري الشكل الْمُودع فِي الْجَانِب الْأَيْسَر من الصَّدْر، عطف بَيَان للقلب (للأصوليين) كَالْقَاضِي أبي زيد، وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة لقَوْله تَعَالَى - ﴿فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا﴾ ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ -: أَي عقل من ذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال وَأجِيب عَن حجَّة الْأَوَّلين بِأَنَّهُ لَا يمْنَع زَوَال الْعقل وَهُوَ فِي الْقلب بِفساد الدِّمَاغ لما بَينهمَا من الارتباط كَمَا لَا يمْنَع عدم نَبَات شعر اللِّحْيَة بِقطع الاثنيين، وَقيل التَّحْقِيق: أَن أَصله ومادته من الْقلب وَيَنْتَهِي إِلَى الدِّمَاغ (وَهِي) أَي الْقُوَّة الْمُفَسّر بهَا الْعقل (المُرَاد بذلك النُّور وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (من مُنْتَهى دَرك الْحَواس إِشَارَة إِلَى أَن عمل الْعقل لَيْسَ فِيهَا) أَي فِي مدركات الْحَواس (فَإِنَّهَا مدركات الصّبيان والبهائم) والمجانين، فَعلم أَن مُجَرّد الْحَواس كَاف فِي ذَلِك من غير حَاجَة إِلَى الْعقل (بل) عمل الْعقل (فِيمَا يَنْزعهُ مِنْهَا) أَي المدركات الحسية (وَهُوَ) أَي عمله (عِنْد انْتِهَاء دَرك الْحَواس، وَعَمله التَّرْتِيب السالف) أَي النّظر الْمَذْكُور فِي أول الْكتاب (فيخلق الله عَقِيبه) أَي التَّرْتِيب الْمَذْكُور (علم الْمَطْلُوب بِالْعَادَةِ) من غير وجوب على مَا هُوَ الْحق، وَلَيْسَ المُرَاد من قَوْلهم عِنْد انْتِهَاء دركها أَنه لَا يصدر مِنْهُ عمل إِلَّا عِنْد ذَلِك، بل المُرَاد أَنه لَا عمل لَهُ قبل ذَلِك (وَأما جعل النُّور الْعقل الأول) الثَّابِت (عِنْد الفلاسفة الْجَوْهَر) الْفَرد (الْمُجَرّد عَن الْمَادَّة فِي نَفسه وَفعله) عطف بَيَان لِلْعَقْلِ الأول وَزَعَمُوا أَنه أول الْمَخْلُوقَات، فَالْمُرَاد بِالنورِ الْمنور أَو المضيء بِذَاتِهِ كنور الشَّمْس، فَإِن مَا سوى الشَّمْس مضيء بِغَيْرِهِ وَهُوَ الشَّمْس، وَالشَّمْس مضيء بوصفها وَهُوَ نورها، ونورها مضيء بِذَاتِهِ والجاعل صدر الشَّرِيعَة، لَكِن على سَبِيل الِاحْتِمَال الْمُمكن (فبعيد عَن الصَّوَاب) فَإِن الْأُصُولِيِّينَ جعلُوا الْعقل من صِفَات الْمُكَلف وفسروه بِهَذَا التَّفْسِير، فَكيف يتَصَوَّر أَن يُرَاد بِالنورِ الْمَذْكُور فِي تفسيرهم ذَلِك! (وَكَذَا) بعيد عَن الصَّوَاب (جعله) أَي النُّور الْمَذْكُور (إشراقه) أَي الْأَثر الفائض من هَذَا الْجَوْهَر على نفس الْإِنْسَان كَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة احْتِمَالا آخر مُمكنا، لِأَنَّهُ لَيْسَ من صِفَات الْمُكَلف: بل هُوَ من تَوَابِع ذَلِك الْجَوْهَر: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتجوز فِيهِ مُسَامَحَة، وَلَا يخفى بعده والاستغناء عَنهُ (مَعَ أَن مَا يحصل بإشراقه) وإفاضة نوره (على النَّفس
стр. 633
والمدرك) عطف تفسيري لَهَا (الْإِدْرَاك) فَاعل يحصل (عِنْدهم) أَي الفلاسفة خبر إِن (الْعقل الْعَاشِر الْمُتَعَلّق بفلك الْقَمَر، وَإِلَيْهِ ينسبون الْحَوَادِث اليومية على مَا هُوَ كفرهم): يَعْنِي مَذْهَبهم الْمُشْتَمل على أَنْوَاع من الْكفْر (لَا) الْعقل (الأول، وَكَذَا) بعيد عَن الصَّوَاب (جعله) أَي النُّور الْمَذْكُور (الْمرتبَة الثَّانِيَة من مَرَاتِب النَّفس) الناطقة بِحَسب مَالهَا من التعقل، وَهِي أَرْبَعَة: الأولى استعداد بعيد نَحْو الْكَمَال بِمُجَرَّد قابليتها لإدراك المعقولات مَعَ خلوّها عَن إِدْرَاكهَا بِالْفِعْلِ كَمَا للأطفال وَهِي لَيست لسَائِر الْحَيَوَانَات، وَيُسمى عقلا هيولانيا تَشْبِيها بالهيولي الخيالية فِي نَفسهَا عَن جَمِيع الصُّور الْمُقَابلَة لَهَا الثَّانِيَة استعداد متوسط لتَحْصِيل النظريات بعد حُصُول الضروريات، وَتسَمى عقلا بالملكة كَمَا سَيَجِيءُ لما حصل بهَا من ملكة الِانْتِقَال إِلَى النظريات وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِيهَا جدا الثَّالِثَة الإقدار على استحصال النظريات مَتى شَاءَت من غير احْتِيَاج إِلَى كسب جَدِيد لكَونهَا مكتسبة مخزونة تحضر بِمُجَرَّد الِالْتِفَات، وَيُسمى عقلا بِالْفِعْلِ لقربها من الْفِعْل الرَّابِعَة حُصُول النظريات مُشَاهدَة، وَيُسمى عقلا مستفادا لاستفادتها من الْعقل الفعال (أَعنِي) بالمرتبة الثَّانِيَة (الْعقل بالملكة) وَإِنَّمَا كَانَ بَعيدا (لِأَنَّهُ) أَي النُّور الْمَذْكُور (آلَة لَهَا) أَي لهَذِهِ الْمرتبَة لَا نَفسهَا (والمسمى) بِالْعقلِ بالملكة (هِيَ) أَي النَّفس (فِي هَذِه الْمرتبَة أَو الْمرتبَة) الَّتِي فِيهَا النَّفس (وكل هَذِه) الِاحْتِمَالَات (فضلات الفلاسفة لَا يَلِيق بالشرعي) كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: أَي بِالَّذِي لَهُ نِسْبَة إِلَى الشَّرْع ليرتبط بِهِ قَوْله (الْبناء عَلَيْهَا) أَي على الاعتبارات الْمَذْكُورَة الموهومة (لعدم الِاعْتِدَاد بهَا شرعا، ثمَّ يتَفَاوَت) الْعقل بِحَسب الْفطْرَة بِالْإِجْمَاع وَشَهَادَة الْآثَار، فَرب صبي أَعقل من بَالغ (وَلَا يناط) التَّكْلِيف (بِكُل قدر) بِأَن يُكَلف كل من لَهُ مِقْدَار من الْعقل قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا لقُصُور بعض مراتبه عَن فهم الْخطاب وتدبير الْعَمَل لكَونه خَارِجا عَن وَسعه، وَلَا تَكْلِيف إِلَّا على قدر الوسع فاحتيج إِلَى ضَابِط بِكَوْن منَاط التَّكْلِيف (فأنيط بِالْبُلُوغِ) حَال كَونه (عَاقِلا، وَيعرف) كَونه عَاقِلا (بالصدر عَنهُ) من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال، فَإِن كَانَ على سنَن وَاحِد كَانَ معتدل الْعقل، وَهَذَا الِاعْتِدَال إِنَّمَا يحصل غَالِبا عِنْد الْبلُوغ، فأدير التَّكْلِيف عَلَيْهِ تيسير للعباد، فَإِذا بلغ وَمَا يصدر عَنهُ على نمط وَاحِد على الْوَجْه الْمَعْرُوف بَين النَّاس حكم بِكَوْنِهِ مُكَلّفا (وَأما قبله) أَي الْبلُوغ هَل يتَحَقَّق التَّكْلِيف (فِي صبي عَاقل فَعَن أبي مَنْصُور) الماتريدي وَكثير من مَشَايِخ الْعرَاق كَمَا سبق فِي الْفَصْل الثَّانِي فِي الحكم (والمعتزلة إناطة وجوب الْإِيمَان بِهِ) أَي بعقله (وعقابه) أَي الصَّبِي الْعَاقِل (بِتَرْكِهِ) أَي الْإِيمَان لمساواته البالع فِي كَمَال الْعقل، وَإِنَّمَا عذر فِي عمل الْجَوَارِح لضعف الْبَيِّنَة بِخِلَاف عمل الْقلب، غير أَن عِنْد هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ كَمَال الْعقل معرف للْوُجُوب كالخطاب، والموجب
стр. 634
هُوَ الله ﵎، بِخِلَاف الْمُعْتَزلَة فَإِن الْعقل عِنْدهم يُوجب بِذَاتِهِ كَمَا أَن العَبْد موجد لأفعاله. كَذَا ذكره الشَّارِح (ونفاه) أَي وجوب الْإِيمَان (بَاقِي الْحَنَفِيَّة دارية) لقَوْله ﷺ " رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث: عَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ، وَعَن الصبيّ حَتَّى يَحْتَلِم، وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يعقل ". قَالَ النَّوَوِيّ ﵀: مَعْنَاهُ امْتنَاع التَّكْلِيف، لَا أَنه رفع بعد وَضعه انْتهى، لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ ﵀: الْأَحْكَام إِنَّمَا تعلّقت بِالْبُلُوغِ بعد الْهِجْرَة، وَقبلهَا إِلَى عَام الخَنْدَق كَانَت تتَعَلَّق بالتمييز: فعلى هَذَا يكون الرّفْع بعد الْوَضع بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُمَيز، كَذَا ذكره الشَّارِح (وَرِوَايَة لعدم انْفِسَاخ نِكَاح المراهقة بِعَدَمِ وَصفه) أَي الْإِيمَان كَمَا مر فِي الْفَصْل الثَّانِي فِي الْحَاكِم. (وَاتفقَ غير الطَّائِفَة من البخاريين) من الْحَنَفِيَّة (على وُجُوبه) أَي الْإِيمَان (على بَالغ) عَاقل (لم تبلغه دَعْوَة على التَّفْصِيل) السَّابِق فِي الْفَصْل الْمَذْكُور: وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. (وَهَذَا فصل اخْتصَّ الْحَنَفِيَّة بعقده فِي الْأَهْلِيَّة) أَهْلِيَّة الْإِنْسَان للشَّيْء صلاحيته لصدوره وَطَلَبه مِنْهُ وقبوله إِيَّاه (وَهِي ضَرْبَان: أَهْلِيَّة الْوُجُوب) للحقوق الْمَشْرُوعَة لَهُ وَعَلِيهِ (وأهلية الْأَدَاء كَونه مُعْتَبرا فعله شرعا، وَالْأول بِالذِّمةِ وصف شَرْعِي) أَي ثَابت بِاعْتِبَار الشَّرْع تثبت (بِهِ الْأَهْلِيَّة لوُجُوب مَاله و) مَا (عَلَيْهِ) من الْحُقُوق الْمَشْرُوعَة: إِذْ الْوُجُوب شغل الذِّمَّة، وَأورد عَلَيْهِ أَنه يصدق على الْفِعْل بالتفسير الأول، وَأَن الْأَدِلَّة لَا تدل على ثُبُوت مُغَاير لِلْعَقْلِ وَأجِيب بِمَنْع الصدْق عَلَيْهِ وَلَا يظْهر وَجه الْمَنْع، نعم قد يُقَال: إِن الدَّلِيل يدل على ثُبُوت مُغَاير لِلْعَقْلِ، إِذْ الْمَجْنُون لَهُ أَهْلِيَّة مَاله وَعَلِيهِ فِي الْجُمْلَة (و) قَالَ (فَخر الْإِسْلَام) الذِّمَّة (نفس ورقبة لَهَا) أَي للنَّفس (عهد) والعطف تفسيري (وَالْمرَاد أَنَّهَا) أَي الذِّمَّة (الْعَهْد) الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى - ﴿وَإِذا أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ -: الْآيَة. وَعَن أبيّ بن كَعْب فِي تَفْسِيرهَا جمعهم لَهُ يَوْمئِذٍ جَمِيعًا مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فجعلهم أَزْوَاجًا ثمَّ صورهم فاستنطقهم فتكلموا، وَأخذ عَلَيْهِم الْعَهْد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم؟ قَالُوا بلَى شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة أَنا كُنَّا عَن هَذَا غافلين، فَلَا تكفرُوا بِي فَإِنِّي أرسل إِلَيْكُم رسلًا يذكرونكم عهدي وميثاقي، والْحَدِيث فَإِن قيل كَيفَ قَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة الْآن بذلك الْإِقْرَار وهم لَا يذكرُونَ ذَلِك الْعَهْد، فَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ المُرَاد إِلَّا قيام الْحجَّة يَوْم الْقِيَامَة وهم يذكرُونَ عِنْد ذَلِك إِمَّا بِخلق الذّكر فيهم، أَو بِإِزَالَة الْمُوجب للنسيان، أَو لِأَن الصَّادِق أخْبرهُم بِوُقُوع ذَلِك فلزمهم تَصْدِيقه (فَفِي ذمَّته) أَي فَقَوْل الْقَائِل فِي ذمَّته كَذَا يُرَاد بِهِ (فِي نَفسه بِاعْتِبَار عهدهما من) إِطْلَاق اسْم (الحالّ) وَهُوَ الذمّة (فِي الْمحل) وَهُوَ النَّفس (جعلت) النَّفس (كظرف) يسْتَقرّ فِيهِ الْوُجُوب (لقُوَّة التَّعَلُّق) أَي تعلق الْعَهْد الَّذِي هُوَ منشأ الْوُجُوب بِالنَّفسِ
стр. 635
(فَقبل الْولادَة ثمَّ نفس مُنْفَصِل من وَجه) لاستقلاله بِنَفسِهِ من جِهَة التفرد بِالْحَيَاةِ وَإِن كَانَ جُزْءا من أمه من وَجه لقراره وانتقاله بقرارها، وانتقالها كيدها ورجلها، وتبعيته لَهَا فِي الْعتْق وَالرّق ودخوله فِي بيعهَا (فَهِيَ) أَي الذِّمَّة ثَابِتَة لَهُ (من وَجه من الْوُجُوب لَهُ من وَصِيَّة وميراث وَنسب وَعتق على الِانْفِرَاد) أَي دون الْأُم إِذا كَانَ مُحَقّق الْوُجُود وَقت تعلق وُجُوبهَا لَهُ على مَا عرف فِي مَحَله (لَا عَلَيْهِ) أَي غير ثَابِتَة فِيمَا يجب عَلَيْهِ (فَلَا يجب فِي مَاله ثمن مَا اشْترى الْوَلِيّ لَهُ، وَبعد الْولادَة تمت لَهُ) الذِّمَّة من كل وَجه (فاستعقبته) أَي الذِّمَّة الْوُجُوب (لَهُ وَعَلِيهِ إِلَّا مَا) أَي إِلَّا وجوب فعل (يعجز عَن أَدَائِهِ لانْتِفَاء فَائِدَته) أَي ذَلِك الْوُجُوب. ثمَّ بَين الْمُسْتَثْنى بقوله (مِمَّا لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْهُ مُجَرّد المَال) كالعبادة الْمَحْضَة، فَإِن فَائِدَة وُجُوبهَا الْأَدَاء على سَبِيل التَّعْظِيم عَن اخْتِيَار وَقصد صَحِيح، وَالصَّبِيّ الَّذِي لَا يعقل لَا يتَصَوَّر مِنْهُ مَا ذكر وَالَّذِي يعقل عَن أَدَائِهِ وَلَا يَنُوب عَنهُ وليه فِي ذَلِك، لِأَن ثُبُوت الْولَايَة جبري لَا اختياريّ: فَلَا يصلح طَاعَة (وَذَلِكَ) أَي مَا بَقِي بعد الثنيا: أَي مَا يجب على الصَّبِي الْمَذْكُور مِمَّا الْمَقْصُود مِنْهُ مُجَرّد المَال (كَمَال الْغرم) أَي الغرامات الْمَالِيَّة الَّتِي هِيَ من حُقُوق الْعباد كَمَا لَو انْقَلب على مَال إِنْسَان فأتلفه عَلَيْهِ الضَّمَان (والعوض) فِي الْمُعَاوَضَات الْمَالِيَّة من البيع وَالشِّرَاء وَنَحْوهمَا لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُمَا المَال جبرا لفائت، وَأَدَاء لحق الْمُعَارضَة لَا الطَّاعَة، فَيحصل بأَدَاء وليه (والمؤنة) أَي مُؤنَة مَا فِي ملكه من الأَرْض وَغَيرهَا (كالعشر وَالْخَرَاج وصلَة كالمؤنة) أَي وَمثل تَشْبِيه صلَة الْمُؤْنَة (كَنَفَقَة الْقَرِيب) فَإِنَّهَا تشبه الْمُؤْنَة من جِهَة أَنَّهَا تجب على الْغَنِيّ كِفَايَة لما يحْتَاج إِلَيْهِ أَقَاربه، وَكَذَا لَا يجب على غير الْمُوسر، وَالْمَقْصُود مِنْهَا سد خلة الْقَرِيب بوصول كِفَايَته، وَذَلِكَ بِالْمَالِ (وكالعوض) أَي وَمثل صلَة تشبه الْعِوَض (كَنَفَقَة الزَّوْجَة) فَإِنَّهَا تشبهه من جِهَة وُجُوبهَا جُزْء للاحتباس الْوَاجِب عَلَيْهَا، وَمَا جعلت عوضا مَحْضا لِأَنَّهُمَا لم تجب بِعقد الْمُعَاوضَة، ولكونها صلَة تسْقط بمضيّ الْمدَّة إِذا لم يُوجد الْتِزَام كَنَفَقَة الْقَرِيب، ولشبهما بالأعواض تعْتَبر دينا بالالتزام (لَا) مَا يكون من الصِّلَة (كالأجزية) فَإِنَّهَا لَا تجب فِي مَاله (كالعقل) أَي كتحمل شَيْء من الدِّيَة مَعَ الْعَاقِلَة فَإِنَّهُ صلَة، لَكِن فِيهِ معنى الْجَزَاء على ترك حفظ السَّفِيه وَالْأَخْذ على يَد الظَّالِم، وَلذَا اخْتصَّ بِهِ رجال الْعَشِيرَة دون الصَّبِي وَالنِّسَاء لأَنهم لَيْسُوا من أهل الْحِفْظ مَعَ أَنه عُقُوبَة وَالصَّبِيّ لَيْسَ من أَهلهَا، وَهَذَا (بِخِلَاف الْعِبَادَات كَالصَّلَاةِ) فَإِنَّهَا لم تجب عَلَيْهِ (للْحَرج) وَذهب بعض الْمَشَايِخ كَالْقَاضِي أبي زيد إِلَى وجوب حُقُوق الله تَعَالَى جَمِيعًا على الصَّبِي، لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على صِحَة الْأَسْبَاب وَقيام الذِّمَّة وَقد تحققا فِيهِ، لَا على الْقُدْرَة والتمييز لِأَنَّهُمَا قد يعتبران فِي حق وجوب الْأَدَاء، وَهُوَ غير أصل الْوُجُوب، ورده الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُم بِأَنَّهُ
стр. 636
إخلاء لَا يُجَاب الشَّرْع من الْفَائِدَة فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة، وَهِي الْجَزَاء إِلَى غير ذَلِك مِمَّا بَين فِي الشَّرْح (وَلذَا) أَي للُزُوم الْحَرج (لَا يقْضِي) أَي لَا يجب عَلَيْهِ قَضَاء (مَا مضى من الشَّهْر) أَي شهر رَمَضَان (إِذا بلغ فِي أَثْنَائِهِ) أَي الشَّهْر (بِخِلَاف الْمَجْنُون والمغمى عَلَيْهِ إِذا لم يستوعباه) أَي الْجُنُون وَالْإِغْمَاء الشَّهْر فَإِنَّهُ يجب قَضَاء مَا فاتهما مِنْهُ لثُبُوت أصل الْوُجُوب فِي حَقّهمَا ليظْهر فِي الْقَضَاء، لِأَن صَوْم مَا دون الشَّهْر من سنة لَا يُوجب الْحَرج (بِخِلَاف الْمُسْتَوْعب من الْجُنُون) للشهر فَإِنَّهُ لَا يجب فِي حَقه الْقَضَاء، لِأَن امتداد الْجُنُون كثير فَيلْزم الْحَرج، بِخِلَاف الْإِغْمَاء فَإِنَّهُ يثبت الْوُجُوب مَعَه إِذا استوعب الشَّهْر ليظْهر حكمه فِي الْقَضَاء، لِأَنَّهُ نَادِر وَلَا حرج فِي النَّادِر (والممتد مِنْهُمَا) أَي وَبِخِلَاف الممتد من الْجُنُون وَالْإِغْمَاء (يَوْمًا وَلَيْلَة فِي حق الصَّلَاة) قَالَ الشَّارِح ﵀: وَهَذَا سَهْو، وَالصَّوَاب مَا نذكرهُ فِي بحث الْجُنُون أَكثر من يَوْم وَلَيْلَة فَإِن الممتد مِنْهُمَا يَوْمًا وَلَيْلَة فِي حق الصَّلَاة لَا يمْنَع ثُبُوت الْوُجُوب مَعَه ليظْهر فِي حق الْقَضَاء لعدم الْحَرج بِانْتِفَاء ثُبُوت الْكَثْرَة لعدم الدُّخُول فِي حد التّكْرَار انْتهى، وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَن المُرَاد بِقَرِينَة مَا سَيَأْتِي المتجاوز مِنْهُمَا يَوْمًا وَلَيْلَة لما فِي الامتداد من معنى التجاوز وَلَا يخفى مَا فِي عباراته من ترك الْأَدَب مَعَ الْأُسْتَاذ (بِخِلَاف النّوم فيهمَا) أَي الْيَوْم وَاللَّيْلَة استيعابا لَهما فَإِنَّهُ لَا يمْنَع ثُبُوت الْوُجُوب مَعَه لمصْلحَة الْقَضَاء (إِذْ لَا حرج لعدم الامتداد عَادَة) لِأَنَّهُ نَادِر (وَالزَّكَاة وَإِن تأدت بالنائب لَكِن إِيجَابهَا للابتلاء بِالْأَدَاءِ بِالِاخْتِيَارِ، وَلَيْسَ) الصَّبِي (من أهلهما) أَي الْأَدَاء وَالِاخْتِيَار (وَلذَا) أَي وَلكَون الْإِيجَاب لما ذكر (أسقط مُحَمَّد الْفطْرَة) أَي وُجُوبهَا عَلَيْهِ (تَرْجِيحا لِمَعْنى الْعِبَادَة، واكتفيا) أَي أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف رحمهمَا الله (فِيهِ بالقاصرة) أَي بالأهلية القاصرة فِيهَا فأوجباها عَلَيْهِ (تَرْجِيحا للمؤنة) فِيهَا وَقد سبق أَن قَول مُحَمَّد أوضح (وَبِخِلَاف الْعُقُوبَات كَالْقصاصِ والأجزية كحرمان الْإِرْث بقتْله) لمورثه فَإِنَّهَا لَا تجب عَلَيْهِ لعدم أَهْلِيَّته للعقوبات وَالْجَزَاء لِأَنَّهُمَا للتقصير، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله: (لِأَنَّهُ) أَي الصَّبِي (لَا يُوصف بالتقصير، وَاسْتثنى فَخر الْإِسْلَام) وَالْقَاضِي أَبُو زيد والحلواني (من الْعِبَادَات الْإِيمَان فَأثْبت) فَخر الْإِسْلَام وَمن وَافقه أصل (وُجُوبه) أَي الْإِيمَان (فِي الصَّبِي الْعَاقِل لسببية حُدُوث الْعَالم) لما فِيهِ من الْآيَات الدَّالَّة على وجود الْمُحدث ﵎ لنَفس وُجُوبه وَقيام الذِّمَّة لَهُ (لَا الْأَدَاء) أَي لم يثبت وجوب الْأَدَاء لِأَنَّهُ بِالْخِطَابِ، وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْل للخطاب لعدم كَمَال الْعقل واعتداله (فَإِذا أسلم) الصَّبِي (عَاقِلا وَقع) إِسْلَامه (فرضا) لِأَن صِحَّته لَا تتَوَقَّف على وجوب الْأَدَاء بل على مشروعيته كَصَوْم الْمُسَافِر، ثمَّ هُوَ فِي نَفسه غير متنوع إِلَى فرض وَنفل فَتعين كَونه فرضا (فَلَا يجب تجديده) أَي الْإِسْلَام حَال كَونه (بَالغا كتعجيل الزَّكَاة بعد السَّبَب) لوُجُوبهَا إِذْ كل مِنْهُمَا وَقع بعد
стр. 637
تحقق أصل الْوُجُوب قبل الْأَدَاء فَكَمَا صَحَّ ذَلِك عَن الْفَرْض صَحَّ هَذَا عَنهُ (فَإِن قيل مثله) أَي جَوَاز الحكم بعد تحقق سَبَب وُجُوبه قبل تحقق سَبَب وجوب أَدَائِهِ (يتَوَقَّف على السّمع) لِأَن سُقُوط مَا يسْتَحبّ أَدَاؤُهُ بِفِعْلِهِ قبل أَن يجب على خلاف الْقيَاس (قُلْنَا) نعم، وَقد وجد وَهُوَ (إِسْلَام عليّ ﵁ أخرج الإِمَام البُخَارِيّ فِي تَارِيخه عَن عُرْوَة ﵁ وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين. وَأخرج الْحَاكِم من طَرِيق إِسْحَاق أَنه ﵁ أسلم وَهُوَ ابْن عشر سِنِين، وَعَن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ قَالَ: دفع النَّبِي ﷺ الرَّايَة إِلَى عليّ ﵁ يَوْم بدر وَهُوَ ابْن عشْرين سنة، وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. قَالَ الذَّهَبِيّ ﵀: هَذَا نَص على أَنه أسلم وَله أقل من عشر سِنِين، بل نَص على أَنه أسلم وَهُوَ ابْن سبع أَو ثَمَان سِنِين، وَقَالَ بعض الْمُحدثين فعلى هَذَا يكون عمره حِين أسلم خمس سِنِين لِأَن إِسْلَامه ﵁ كَانَ فِي أول المبعث، وَمن المبعث إِلَى بدر خمس عشرَة سنة فَلَعَلَّ فِيهِ تجوزا بإلغاء الْكسر الَّذِي فَوق الْعشْرين، وَكَأن تَصْحِيح النَّبِي ﷺ إِسْلَامه مَأْخُوذ من تَقْرِيره ﵊ لَهُ على ذَلِك، وَقَالَ عفيف عَن الْعَبَّاس ﵁ أَنه قَالَ فِي أول المبعث لم يُوَافق مُحَمَّدًا ﵊ على دينه إِلَّا امْرَأَته خَدِيجَة ﵂ وَهَذَا الْغُلَام عليّ بن أبي طَالب ﵁. قَالَ عفيف: فرأيتهم يصلونَ فوددت أَنِّي أسلمت حِينَئِذٍ فَأَكُون ربع الْإِسْلَام، وَعَن المُصَنّف ﵀ أَنه إِن أُرِيد تَصْحِيحه ﷺ فِي أَحْكَام الْآخِرَة فَمُسلم، وكلامنا فِي أَحْكَام الدُّنْيَا وَالْآخِرَة حَتَّى لَا يَرث أَقَاربه الْكفَّار وَنَحْو ذَلِك وَلم ينْقل تَصْحِيحه إِلَّا فِي الْعِبَادَات فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَه وَكَانَ ﷺ يصحح صلَاته، وَصِحَّة الصَّلَاة فرع صِحَة الْإِيمَان انْتهى. وَلَا يخفى أَن الظَّاهِر مِنْهُ تَصْحِيحه فِي حق كل مَا يترفع عَلَيْهِ وَالله أعلم، ثمَّ قَالَ صَاحب الْكَشْف وكلامنا فِي صبي عَاقل يناظر فِي وحدانية الله تَعَالَى وَصِحَّة رِسَالَة الرَّسُول ﷺ على وَجه لَا يبْقى فِي مَعْرفَته شُبْهَة (وعَلى مَا قدمنَا) هـ من الْبَحْث الَّذِي ينتفى بِهِ تحقق أصل الْوُجُوب فِي مسئلة ثُبُوت السَّبَبِيَّة لوُجُوب الْأَدَاء بِأول الْوَقْت موسعا فِي الْفَصْل الثَّالِث (يَكْفِي السّمع) أَي الْأَدِلَّة السمعية معينا (عَن) اعْتِبَار (أصل الْوُجُوب) تَوْضِيحه أَن الدَّاعِي لاعْتِبَار وُقُوع بعض الْأَفْعَال عَن الْوَاجِب قبل وجوب الْأَدَاء بعد تحقق سَببه فَلَو لم يعْتَبر هُنَاكَ أصل الْوُجُوب لم يبْق لوُقُوعه عَنهُ وَجه، وَلَا حَاجَة لاعْتِبَار أصل الْوُجُوب (ونفاه) أَي أصل الْوُجُوب للْإيمَان عَن الصَّبِي الْعَاقِل (شمس الْأَئِمَّة) السَّرخسِيّ ﵀ (لعدم حكمه) أَي الْوُجُوب وَهُوَ لُزُوم الْأَدَاء وَهُوَ لَا يجب بِدُونِهِ وَإِن وجد السَّبَب وَالْمحل (وَلَو أدّى) الصبيّ الْمَذْكُور أَي آمن (وَقع) ذَلِك المؤدّي (فرضا لِأَن عدم الْوُجُوب كَانَ لعدم حكمه) أَي كَانَ لعَجزه المفضي إِلَيّ
стр. 638
عدم تحقق الْأَدَاء نظرا إِلَى ظَاهر حَاله (فَإِذا وجد) الحكم الَّذِي هُوَ الْأَدَاء (وجد) الْوُجُوب كَمَا مر فِي صَوْم الْمُسَافِر، وكأداء صَلَاة الْجُمُعَة فِي حق من لَا يجب عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يصير بِهِ مُؤديا للْفَرض وَإِن لم يكن وجوبا ثَابتا فِي حَقه قبل الْأَدَاء (وَالْأول) أَي قَول فَخر الْإِسْلَام وَمن وَافقه (أوجه) إِذْ الْمُسَافِر وَمن لَا تجب عَلَيْهِ الْجُمُعَة إتيانهما بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة مَسْبُوق بِالْوُجُوب فِي الْجُمْلَة فوقوعهما عَن الْفَرْض موجه، بِخِلَاف فعل الصَّبِي على طَريقَة شمس الْأَئِمَّة، وَأَيْضًا لَا نسلم أَن حكم الْوُجُوب هُوَ وجوب الْأَدَاء إِنَّمَا ذَلِك حكم الْخطاب بل حكمه صِحَة الْأَدَاء وَهِي متحققة. هَذَا وَقد أَجمعُوا على عدم وجوب نِيَّة فرض الْإِيمَان على الْبَالِغ الْمَحْكُوم بِصِحَّة إِسْلَامه صَبيا تبعا لِأَبَوَيْهِ الْمُسلمين (وَلعدم حكمه) أَي الْوُجُوب (من الْأَدَاء لم تجب الصَّلَاة على الْحَائِض لانْتِفَاء الْأَدَاء شرعا) فِي حَالَة الْحيض (وَالْقَضَاء) بعد الطَّهَارَة مِنْهُ (للْحَرج والتكليف) أَي وَالْحَال أَن تَكْلِيف الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ مَا هُوَ فِي قدرتهم إِنَّمَا هُوَ (لِرَحْمَتِهِ) تَعَالَى لَهُم لِأَنَّهُ طَرِيق حُصُول الثَّوَاب فِي السّنة الإلهية (والحرج طَرِيق التّرْك) الْمُوجب للعقاب (فَلم يتَعَلَّق) التَّكْلِيف (ابْتِدَاء بِمَا فِيهِ) الْحَرج (فضلا) من الله (بِخِلَاف الصَّوْم) فَإِنَّهُ لَا حرج فِي قَضَائهَا إِيَّاه لوُقُوعه فِي السّنة مرّة (فَثَبت) أصل الْوُجُوب عَلَيْهَا (لفائدة الْقَضَاء وَعدم الْحَرج وأهلية الْأَدَاء نَوْعَانِ) أحداهما (قَاصِرَة لقُصُور الْعقل وَالْبدن كَالصَّبِيِّ الْعَاقِل) أَي كأهليته (وَالْمَعْتُوه الْبَالِغ) وَإِن كَانَ قوي الْبدن، فِي الْقَامُوس عَنهُ كغني عتها وعتاها فَهُوَ معتوه: نقص عقله (وَالثَّابِت مَعهَا) أى القاصرة (صِحَة الْأَدَاء) لَا وُجُوبه اذ فِيهَا نفعة بِلَا شَائِبَة ضَرَر (و) الْأُخْرَى (كَامِلَة بكمالهما) أَي الْعقل وَالْبدن (ويلزمها) أَي الْكَامِلَة (وُجُوبه) أَي الْأَدَاء، وَقد يكون كَامِل الْعقل ضَعِيف الْبدن كالمفلوج فَيسْقط عَنهُ أَدَاء مَا يتَعَلَّق بِقُوَّة الْبدن وسلامته (فَمَا) يكون (مَعَ القاصرة) سنة لِأَنَّهُ (إِمَّا حق لله) ﵎ (لَا يحْتَمل حسنه الْقبْح) بِأَن يُبدل بالقبح فِي بعض الْأَحْوَال لبَعض الْعَوَارِض الْمُقْتَضِيَة لذَلِك (أَو قَبِيح لَا يحْتَمل الْحسن) بعكس مَا ذكرنَا (أَو مُتَرَدّد) بَين الْحسن والقبح (أَو غَيره) أَي غير حق الله تَعَالَى وَهُوَ حق العَبْد وَحِينَئِذٍ (فإمَّا) يكون مِمَّا (فِيهِ نفع أَو ضَرَر محضان) بِأَن لَا يكون أَحدهمَا مشوبا بِالْآخرِ (أَو مُتَرَدّد) بَين النَّفْع وَالضَّرَر (فَالْأول) أَي مَا هُوَ حق الله تَعَالَى وَلَا يحْتَمل حسنه الْقبْح (الْإِيمَان لَا يسْقط حسنه وَفِيه نفع مَحْض) إِنَّمَا ذكر هَذَا لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِيهِ شَائِبَة ضَرَر لَكَانَ يتَوَهَّم سُقُوط حسنه فِي بعض الْأَحْوَال، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد من الْإِيمَان التَّصْدِيق إِذْ الْإِقْرَار فِي بعض الْأَحْوَال يضر وَذَلِكَ عِنْد غَلَبَة الْكفَّار عَلَيْهِ (وتخلف الْوُجُود الْحكمِي عَن) الْوُجُود (الْحَقِيقِيّ) إِنَّمَا يكون (لحجر الشَّرْع) عَن الْحكمِي (وَلم يُوجد) حجره عَنهُ، وَالْمرَاد بالوجود الْحَقِيقِيّ حسن الْفِعْل لذاته بِحَسب نفس الْأَمر
стр. 639
فَإِن الْحَنَفِيَّة أثبتوا للْفِعْل حسنا وقبحا لذاته وَإِن لم يثبتوا الْوُجُوب وَالْحُرْمَة بِمُجَرَّد ذَلِك بِدُونِ السّمع كَمَا أثبت الْمُعْتَزلَة، وبالوجود الْحكمِي بحسنه وَالْعَمَل بِمُوجبِه، وَحجر الشَّرْع مَنعه عَن الْعَمَل بِمُوجبِه لمصْلحَة أهمّ من ذَلِك وَلم يُوجد مَنعه من الْعَمَل بِمُوجب حسن الْإِيمَان وَهُوَ الْإِتْيَان بِهِ (وَلَا يَلِيق) الْحجر عَنهُ بالشارع لعدم احْتِمَال حسنه الْقبْح بِوَجْه مَا، وَلَو صَار مَحْجُورا عَنهُ لأمر لَكَانَ قبيحا من تِلْكَ الْجِهَة. وَقد مر أَن نَفعه لَا يشوبه ضَرَر ثمَّ لما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَنه قد يكون فِيهِ ضَرَر فِي أَحْكَام الدُّنْيَا كحرمانه عَن مُوَرِثه الْكَافِر، والفرقة بَينه وَبَين زَوجته الْمَجُوسِيَّة أجَاب بقوله (وضرر حرمَان الْمِيرَاث وَفرْقَة النِّكَاح) أَي زَوَاله: أَي بينونة الْمَنْكُوحَة (مضافان إِلَى كفر الْقَرِيب و) كفر (الزَّوْجَة) لَا إِلَى إِيمَان الْقَرِيب وَالزَّوْج (وَلَو سلم) لُزُوم ذَلِك لَهُ (فَحكم الشَّيْء الْمُوجب) بِالرَّفْع صفة الحكم وفاعله (ثُبُوته) ومفعوله (صِحَّته) الضَّمِير الأول عَائِد إِلَى الحكم، وَالثَّانِي إِلَى الشي لَا الْعَكْس، وجر الْمُوجب صفة للشَّيْء كَمَا قَالَ الشَّارِح إِذْ يسْتَدلّ بِثُبُوت حكم الشَّيْء على صِحَة ذَلِك الشَّيْء لِأَنَّهُ لَو لم يكن صَحِيحا لما ثَبت حكمه. فَإِن غير الصَّحِيح لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الحكم فَإِن قلت كَذَلِك يسْتَدلّ بِثُبُوت الشَّيْء على صِحَة حكمه قلت حكم الشَّيْء ذَلِك الشَّيْء والتوصيف بِالصِّحَّةِ وضدها إِنَّمَا يَلِيق بِالْأَصْلِ دون الْفَرْع، يُقَال: البيع صَحِيح أَو فَاسد، وَلَا يُقَال: الْملك صَحِيح أَو فَاسد، ثمَّ حكم الشَّيْء مُبْتَدأ خَبره (مَا) أَي الحكم الَّذِي (وضع) الشَّيْء (لَهُ) أَي لذَلِك الحكم (وَوَضعه) أَي الْإِيمَان (لَيْسَ لذَلِك) أَي لحرمان الْإِرْث والفرقة بَين الزَّوْجَة وَبَينه (وَإِن لزم) ذَلِك (عِنْده) أَي الْإِيمَان لَازِما من لوازمه التابعة لوُجُوده، يَعْنِي لَو كَانَ الحرمان والفرقة حكما للْإيمَان بِأَن يكون الْإِيمَان مَوْضُوعا لَهُ فَيُوجب ثُبُوته صِحَة الْإِيمَان لَكَانَ يخل بِكَوْن الْإِيمَان نفعا مَحْضا، أما كَون بعض تَوَابِع وجوده ضَرَرا فَغير مخل بِهِ إِذْ لَا عِبْرَة بِهِ فِي جنب مَنَافِعه الْخَارِجَة عَن الْحَد وَالْعد (بل) وضع (لسعادة الدَّاريْنِ) فَهِيَ حِكْمَة الْمُوجب ثُبُوته صِحَة الْإِيمَان (مَعَ أَنه) أَي الْإِسْلَام (مُوجب إِرْثه من الْمُسلم فَلم يكن) لَازمه (محصورا فِي الأول) أَي حرمَان الْإِرْث وَيعود ملك نِكَاحه إِذا كَانَت أسلمت قبله فيتعارضان النَّفْع وَالضَّرَر ويتساقطان فَيبقى الْإِسْلَام فِي نَفسه نفعا مَحْضا، وَصَارَ هَذَا (كقبول هبة الْقَرِيب) من إِضَافَة الْمصدر إِلَى مَفْعُوله، والقابل الوليّ (من الصَّبِي) صلَة للقريب (يَصح) الْقبُول (مَعَ ترَتّب عتقه) أَي الْقَرِيب الْمَوْهُوب على الْقبُول (وَهُوَ) أَي عتقه (ضَرَر لِأَن الحكم الْأَصْلِيّ) للهبة إِنَّمَا هُوَ (الْملك بِلَا عوض) لَا الْعتْق الْمُرَتّب عَلَيْهَا فِي هَذِه الصُّورَة (وَعرض الْإِسْلَام عَلَيْهِ) أَي على الصَّبِي الَّذِي لَهُ زَوْجَة (لإسلام زَوجته) لِئَلَّا تبين عَنهُ (لصِحَّته) أَي الْإِسْلَام (مِنْهُ) أَي الصَّبِي (لَا لوُجُوبه) عَلَيْهِ (وضربه) أَي الصَّبِي
стр. 640
(لعشر) أَي عِنْد بُلُوغ سنه عشرا (على الصَّلَاة) أَي لأَجلهَا لقَوْله ﷺ " مروا الصَّبِي بِالصَّلَاةِ إِذا بلغ سبع سِنِين. وَإِذا بلغ عشر سِنِين فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا " قَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح إِنَّمَا شرع (تأديبا) أَي ليتخلق بأخلاق الْمُسلمين ويعتاد الصَّلَاة فِي الْمُسْتَقْبل (كالبهيمة) أَي كضربها على بعض الْأَفْعَال فَعَنْهُ ﷺ " تضرب الدَّابَّة على النفار وَلَا تضرب على العثار وَفِيه مقَال (لَا للتكليف وَالثَّانِي) أَي مَا هُوَ حق الله تَعَالَى وَلَا يحْتَمل قبحه الْحسن (الْكفْر) فَإِنَّهُ قَبِيح فِي كل حَال، وَهُوَ (يَصح مِنْهُ) أَي من الصَّبِي الْمُمَيز أَيْضا وَإِن لم يكن مُكَلّفا بالكف عَنهُ لعدم توجه الْخطاب إِلَيْهِ فَهُوَ إِذا اخْتَار الْكفْر اعْتبر كفره (فِي) حق (أَحْكَام الْآخِرَة) كالخلود فِي النَّار (اتِّفَاقًا) إِذْ الْعَفو وَدخُول الْجنَّة مَعَ الْكفْر مِمَّن يعْتَبر أَدَاؤُهُ لعقله وَصِحَّة دركه لم يرد بِهِ شرع وَلَا يحكم بِهِ عقل، كَذَا قَالُوا. وَقد يُقَال أَن قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ - دلّ على أَن الْعَذَاب للمبعوث إِلَيْهِ، والمبعوث إِلَيْهِ: إِنَّمَا هُوَ الْمُكَلف، وَالصَّبِيّ لَيْسَ بمكلف، وَقد يُجَاب بِأَن عدم تَكْلِيفه مَعَ عُمُوم الخطابات إِنَّمَا هُوَ رَحْمَة لَهُ لضعف عقله أَو بنيته وَحَيْثُ اخْتَار الْكفْر مَعَ التَّمْيِيز بَين الْكفْر وَالْإِيمَان لم يبْق محلا للرحمة، وكلف بِالْإِيمَان فَتَأمل (وَكَذَا) يَصح (فِي) أَحْكَام (الدُّنْيَا خلافًا لأبي يُوسُف) آخرا وَالشَّافِعِيّ وَفِي الْمَبْسُوط وَفِي رِوَايَة عَن أبي حنيفَة وَهُوَ الْقيَاس، لِأَنَّهُ ضَرَر مَحْض كإعتاق عَبده، وَإِذا لم يَصح مِنْهُ مَا هُوَ مُتَرَدّد بَين النَّفْع وَالضَّرَر، فَمَا كَانَ ضَرَرا مَحْضا أولى، وَجه الِاسْتِحْسَان أَن الْكفْر مَحْظُور مُطلقًا فَلَا يسْقط بِعُذْر فيستوي فِيهِ الْبَالِغ وَغَيره (فَتبين امْرَأَته الْمسلمَة وَيحرم الْمِيرَاث) من مُوَرِثه الْمُسلم بِالرّدَّةِ تبعا للْحكم بِصِحَّتِهَا، لَا قصدا لضرره كَمَا إِذا ثَبت الارتداد تبعا لِأَبَوَيْهِ بِأَن ارتدا أَو لَحقا بدار الْحَرْب (وَإِنَّمَا لم يقتل) حِينَئِذٍ (لِأَنَّهُ) أَي الْقَتْل لَيْسَ لمُجَرّد الارتداد (بل) قتل الْكَافِر إِنَّمَا هُوَ (بالحرابة) لأهل الْإِسْلَام (وَلَيْسَ) الصَّبِي (من أَهلهَا، وَلَا) يقتل الصَّبِي الْمُرْتَد (بعد الْبلُوغ) ظرف للْقَتْل سَوَاء ارتداده قبل الْبلُوغ أَو بعده إِذا لم يجدد إيمَانه بعد الْبلُوغ (لِأَن فِي صِحَة إِسْلَامه صَبيا خلافًا) بَين الْعلمَاء فَلَا يتَحَقَّق الارتداد على قَول من لم يصحح إيمَانه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أورث شُبْهَة فِيهِ) أَي فِي الْقَتْل (وَالثَّالِث) أَي مَا هُوَ حق لله تَعَالَى مُتَرَدّد بَين الْحسن والقبح (كَالصَّلَاةِ وَأَخَوَاتهَا) من الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة كَالصَّوْمِ وَالْحج، فَإِن مشروعيتها وحسنها فِي وَقت دون وَقت كوقت طُلُوع الشَّمْس واستوائها وغروبها فِي حق الصَّلَاة ويومي الْعِيد وَأَيَّام التَّشْرِيق فِي حكم الصَّوْم، وَحكم هَذِه الْعِبَادَة أَنَّهَا (تصح) من الصَّبِي (لمصْلحَة ثَوَابهَا) فِي الْآخِرَة واعتياد أَدَائِهَا بعد الْبلُوغ بِحَيْثُ لَا يشق عَلَيْهِ (بِلَا عُهْدَة فَلَا يلْزم بِالشُّرُوعِ) فَيجب الْمُضِيّ فِيهَا (وَلَا بالإفساد) فَيجب قَضَاؤُهَا، وَلَا يلْزم جَزَاء مَحْظُور إِحْرَامه: أَي الصَّبِي كَمَا لَو شرع الْبَالِغ
стр. 641
فِي عبَادَة يظنّ أَنَّهَا عَلَيْهِ ثمَّ تبين أَنَّهَا لَيست عَلَيْهِ يَصح مِنْهُ الْإِتْمَام مَعَ فَوَات صفة اللُّزُوم حَتَّى لَو فسد لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ ماليا كَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَا يصحّ مِنْهُ لكَونه ضَرَرا فِي العاجل بِنُقْصَان مَاله (وَالرَّابِع) أَي مَا هُوَ حق العَبْد، وَهُوَ نفع مَحْض (كقبول الْهِبَة وَالصَّدَََقَة تصح مُبَاشَرَته مِنْهُ بِلَا إِذن وليه لِأَنَّهُ نفع مَحْض، وَلذَا) أَي لصِحَّة مُبَاشَرَته مِمَّا فِيهِ نفع مَحْض (وَجَبت أجرته) أَي الصَّبِي الْمَحْجُور بِغَيْر إِذن وليه (إِذا آجر نَفسه وَعمل مَعَ بطلَان العقد لِأَنَّهُ) أَي بطلَان عقده بِغَيْر إِذن وليه (لحقه) أَي الصَّبِي وَهُوَ (أَن يلْحقهُ ضَرَر) لِأَنَّهُ عقد مُعَاوضَة مُتَرَدّد بَين الضَّرَر والنفع فَلَا يملكهُ بِدُونِ إِذن وليه (فَإِن عمل بَقِي الْأجر نفعا مَحْضا) وَهُوَ غير مَحْجُور فِيهِ (فَتجب) الْأُجْرَة (بِلَا اشْتِرَاط سَلَامَته) أَي الصَّبِي من الْعَمَل حَتَّى لَو هلك فِي الْعَمَل لَهُ الْأجر بِقدر مَا أَقَامَ من الْعَمَل (بِخِلَاف العَبْد) الْمَحْجُور (آجر نَفسه) بِغَيْر إِذن مَوْلَاهُ (تجب) أجرته (بشرطها) أَي السَّلامَة من الْعَمَل (فَلَو هلك ضمن) الْمُسْتَأْجر (قِيمَته من يَوْم الْغَصْب) وَهُوَ اسْتِعْمَاله إِيَّاه (فَيملكهُ) أَي الْمُسْتَأْجر العَبْد ملكا استناديا بعد تقرر ضَمَان الْقيمَة (فَلَا تجب أجرته) إِذْ لَا يجب على الْمَالِك أُجْرَة مَمْلُوكه (وَصحت وكالتهما) أَي قبُول الصَّبِي وَالْعَبْد تَوْكِيل غَيرهمَا لَهما بِغَيْر إِذن وليهما (بِلَا عُهْدَة) ترجع إِلَيْهِمَا من لُزُوم الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِالْعقدِ كتسليم الْمَبِيع وَالثمن وَالْخُصُومَة فِي الْعَيْب (لِأَنَّهُ) أَي قبولهما الْوكَالَة بِلَا عُهْدَة (نفع) مَحْض لَهما (إِذْ يكْتَسب بذلك) الْقبُول (إِحْسَان التَّصَرُّف وجهة الضَّرَر وَهِي لُزُوم الْعهْدَة منتفية فتمحض نفعا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى: ﴿وابتلوا الْيَتَامَى﴾ أَي اختبروا عُقُولهمْ وتعرفوا أَحْوَالهم بِالتَّصَرُّفِ قبل الْبلُوغ حَتَّى إِذا تبينتم مِنْهُم هِدَايَة دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم بِلَا تَأْخِير عَن حد الْبلُوغ (وَلذَا) أَي لصِحَّة مباشرتهما مَا فِيهِ نفع مَحْض (استحقا الرضخ) أَي مَا دون السهْم من الْغَنِيمَة (إِذا قَاتلا بِلَا إِذن) من الْوَلِيّ وَالْمولى، وَالْقِيَاس أَنه لَا شَيْء لَهما لِأَنَّهُمَا ليسَا من أهل الْقِتَال وَإِنَّمَا يصيران من أَهله بِالْإِذْنِ كالحربي الْمُسْتَأْمن، وَجه الِاسْتِحْسَان أَنَّهُمَا غير محجورين عَن النَّفْع الْمَحْض وَاسْتِحْقَاق الرضخ بعد الْقِتَال كَذَلِك، (وَقيل هُوَ) أَي اسْتِحْقَاق الرضخ (قَول مُحَمَّد) لِأَن عِنْده أمانهما صَحِيح وَهُوَ لَا يَصح إِلَّا مِمَّن لَهُ ولَايَة الْقِتَال، وَأما عِنْدهمَا فَلَا يَصح أمانهما فَلم يكن لَهما ولَايَة الْقِتَال فَلَا يرْضخ لَهما، وَلِهَذَا لَا يحل لَهما شُهُود الْقِتَال إِلَّا بِالْإِذْنِ إِجْمَاعًا وَالأَصَح أَن هَذَا جَوَاب الْكل لما ذكر (وَإِنَّمَا لَا تصح وَصيته) بِثلث مَاله فَمَا دونه (مَعَ حُصُول نفع الثَّوَاب وَعدم الضَّرَر إِذْ لَا يخرج عَن ملكه حَيا) لِأَن الْوَصِيَّة تمْلِيك مُضَاف إِلَى مَا بعد الْمَوْت (لإبطالها) أَي الْوَصِيَّة (نفع الْإِرْث عَنهُ) لأقاربه (وَهُوَ) أَي نفع إرثهم لَهُ (أَنْفَع) لَهُ من نفع الْوَصِيَّة للأجانب (لِأَن نقل
стр. 642
الْملك إِلَى الْأَقَارِب أفضل شرعا للصدقة والصلة) لقَوْله ﷺ " الصَّدَقَة على الْمُسلمين صَدَقَة، وعَلى ذِي الرَّحِم ثِنْتَانِ صَدَقَة وصلَة ": حسنه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَلقَوْله ﷺ لسعد: " إِنَّك أَن تدع وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تَدعهُمْ عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس " مُتَّفق عَلَيْهِ (وَالْخَامِس) أَي مَا هُوَ حق للْعَبد وَهُوَ ضَرَر مَحْض (كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق وَالصَّدَََقَة) وَالْهِبَة، وَحكم هَذَا أَنه (لَا يملكهُ وَلَو) وَقع (بِإِذن وليه) لِأَن ولَايَته نظرية وَلَا نظر فِيهِ، لِأَن ضَرَر مَحْض (كَمَا لَا يملكهُ عَلَيْهِ غَيره) من ولي ووصي وقاض كَمَا ذكرنَا. قَالَ صَاحب الْكَشْف المُرَاد عدم شَرْعِيَّة الطَّلَاق فِي حَقه بِدُونِ الْحَاجة، وَأما عِنْدهَا فمشروع. قَالَ شمس الْأَئِمَّة الدّين السَّرخسِيّ: زعم مَشَايِخنَا أَن هَذَا الحكم غير مَشْرُوع أصلا فِي حق الصَّبِي حَتَّى أَن امْرَأَته لَا تكون محلا للطَّلَاق، وَهَذَا وهم عِنْدِي، فَإِذا تحققت الْحَاجة إِلَى صِحَة إِيقَاع الطلاع من جِهَته لدفع الضَّرَر كَانَ صَحِيحا حَتَّى إِذا أسلمت امْرَأَته وَعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَأبى فرق بَينهمَا، وَكَانَ ذَلِك طَلَاقا فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد، وَإِذا ارْتَدَّ وَقعت الْبَيْنُونَة وَكَانَ طَلَاقا عِنْد مُحَمَّد، وَإِذا وجدته مجبوبا فرق بَينهمَا وَكَانَ طَلَاقا عِنْد بعض الْمَشَايِخ (إِلَّا إقراض القَاضِي فَقَط من الملي) مَاله فَإِنَّهُ يملكهُ (لِأَنَّهُ) أَي إقراضه (حفظ) لَهُ (مَعَ قدرَة الِاقْتِضَاء عَلَيْهِ) من غير حَاجَة إِلَى دَعْوَى وَبَيِّنَة: فاعتبار هَذَا يكون نظرا من القَاضِي ونفعا (بِخِلَاف الْأَب) لِأَنَّهُ لَا يتَمَكَّن من الِاقْتِضَاء بِنَفسِهِ كالوصي: فَلَا يملكهُ (إِلَّا فِي رِوَايَة) لِأَنَّهُ يملك التَّصَرُّف فِي المَال وَالنَّفس (كاقتراضه) أَي كَمَا يجوز للْأَب أَن يقترض مَال الصَّبِي، وَلَا يجوز للْوَصِيّ عِنْد أبي حنيفَة. وَقَالَ مُحَمَّد ﵀: لَا بَأْس إِذا كَانَ مَلِيًّا قَادِرًا على الْوَفَاء وَلَيْسَ للْقَاضِي ذَلِك، ذكره فِي الْمُنْتَقى. (وَالسَّادِس) أَي مَا هُوَ حق للْعَبد مُتَرَدّد بَين النَّفْع وَالضَّرَر (كَالْبيع وَالْإِجَارَة وَالنِّكَاح فِيهِ احْتِمَال الرِّبْح والخسران، وتعليل النَّفْع بِدُخُول الْبَدَل فِي ملكه، وَالضَّرَر بِخُرُوج الآخر) كَمَا ذكر صدر الشَّرِيعَة (يُوجب أَنه لَو بَاعَ بأضعاف قِيمَته) كَانَ ضَرَرا ونفعا، وَيلْزمهُ أَنه (لَا ينْدَفع الضَّرَر قطّ) لِأَنَّهُ لَازم الْخُرُوج الْمَذْكُور وَهُوَ مَوْجُود (وَذكر) الْمُعَلل (أَنه ينْدَفع احْتِمَال الضَّرَر بانضمام رَأْي الْوَلِيّ فَيملكهُ) أَي الصَّبِي هَذَا الْقسم (مَعَه) أَي من رَأْي الْوَلِيّ فبينهما تدافع، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال اندفاع الِاحْتِمَال الْمَذْكُور مَعْنَاهُ صَيْرُورَته بِحَيْثُ لَا يعْتد بِهِ عِنْد وجود رَأْيه و (لِأَنَّهُ) أَي الصَّبِي (أهل لحكمه) أَي حكم هَذَا التَّصَرُّف (إِذْ يملك الْبَدَل)
الثّمن أَو الْعين فِي البيع أَو الشِّرَاء، وَالْأُجْرَة فِي الْإِجَارَة (إِذا بَاشرهُ الْوَلِيّ وَأهل لَهُ) أَي لهَذَا التَّصَرُّف (إِذا صحت وكَالَته بِهِ) أَي بِالتَّصَرُّفِ الْمَذْكُور بِأَن يكون وَكيلا للْغَيْر فِيهِ (وَفِيه)
стр. 643
أَي فِي جَوَاز هَذَا التَّصَرُّف لَهُ (نفع توسعة طَرِيق تَحْصِيل الْمَقْصُود) الْإِضَافَة الأولى بَيَانِيَّة، وَذَلِكَ لحصوله تَارَة بالولي وَتارَة بِنَفسِهِ مَعَ تَصْحِيح عِبَارَته، وَزِيَادَة دربته (ثمَّ عِنْده) أَي أبي حنيفَة (لما انجبر الْقُصُور بِالْإِذْنِ كَانَ كَالْبَالِغِ فَيملكهُ) أَي هَذَا التَّصَرُّف (بِغَبن فَاحش) وَهُوَ مَا لَا يدْخل تَحت تقوم المقومين (مَعَ الْأَجَانِب وَالْوَلِيّ فِي رِوَايَة) أَي سَوَاء كَانَ مُقَابلَة فِي التَّصَرُّف الْأَجَانِب أَو الْوَلِيّ فِي هَذِه الرِّوَايَة (وَفِي) رِوَايَة (أُخْرَى لَا) يملكهُ مَعَ الْوَلِيّ (لِأَنَّهُ) أَي الصَّبِي الْمَأْذُون (إِذا كَانَ أصيلا فِي الْملك) لكَونه مَالِكًا حَقِيقَة فتصرفه تصرف الْملاك من هَذَا الْوَجْه (فَفِي الرَّأْي) أصيل (من وَجه) لَا مُطلقًا إِذْ فِي رَأْيه خلل فِي حد ذَاته، وَإِلَّا لم يحْتَج إِلَى الانجبار بِرَأْي الْوَلِيّ، فَيُشبه تصرفه تصرف الوكلاء من هَذَا الْوَجْه (فَفِيهِ) أَي فِي هَذَا التَّصَرُّف (شُبْهَة النِّيَابَة عَن الْوَلِيّ فَكَأَن الْوَلِيّ بَاعه من نَفسه، فَلَا يجوز) بَيْعه مِنْهُ (بِغَبن) فَاحش كَمَا لَا يَبِيع الْوَلِيّ مَاله من نَفسه بِغَبن فَاحش (وَأَيْضًا إِذا كَانَ) فِي الرَّأْي أصيلا (من وَجه صَحَّ) التَّصَرُّف (لَا فِي مَحل التُّهْمَة) وَهُوَ مَا إِذا بَاعَ من الْأَجْنَبِيّ وَمَعَ الْوَلِيّ بِمثل الْقيمَة أَو بِمَا لَا يتَغَابَن النَّاس فِيهِ، وَالْبيع من الْوَلِيّ بِالْغبنِ الْفَاحِش فِي مَحل يُمكن فِيهِ التُّهْمَة، وَهُوَ أَن الْوَلِيّ إِنَّمَا أذن لَهُ لتَحْصِيل مَقْصُوده لَا للنَّظَر للصَّبِيّ (وَعِنْدَهُمَا لَا يجوز) بِالْغبنِ الْفَاحِش (مُطلقًا) أَي لَا من الْوَلِيّ وَلَا من غَيره (لِأَنَّهُ لما شَرط الْإِذْن) من الوليّ (كَانَ) الصَّبِي (آلَة تصرف الْوَلِيّ بِنَفسِهِ) وَهُوَ لَا يجوز مِنْهُ بِالْغبنِ الْفَاحِش ,
(وَهَذَا فصل آخر اختصوا) أَي الْحَنَفِيَّة (بِهِ فِي بَيَان أَحْكَام عوارض الْأَهْلِيَّة: أَي أُمُور لَيست ذاتية لَهَا) أَي للأهلية (طرأت أَولا) أَي خِصَال أَو آفَات مُغيرَة للْأَحْكَام كالسفر، أَو مزيلة لَهَا لمنعها أَهْلِيَّة الْوُجُوب أَو الْأَدَاء عَن الثُّبُوت كالموت وَالنَّوْم وَالْإِغْمَاء (فَدخل الصغر) فِي الْعَوَارِض الْمَذْكُورَة لعدم الطروّ والحدوث بعد الْعَدَم، وَكَونه لَيْسَ من الْأُمُور الذاتية للْإنْسَان، وملخصها أَحْوَال مُنَافِيَة لأهليته فِي الْجُمْلَة غير لَازمه لَهُ (وَهِي) أَي الْعَوَارِض (نَوْعَانِ سَمَاوِيَّة: أَي لَيْسَ للْعَبد فِيهَا اخْتِيَار) فنسبت إِلَى السَّمَاء لنزولها مِنْهَا، وَهِي (الصغر، وَالْجُنُون، والعته، وَالنِّسْيَان، وَالنَّوْم، وَالْإِغْمَاء، والرّق، وَالْمَرَض، وَالْحيض، وَالنّفاس، وَالْمَوْت) قَالُوا: وَإِنَّمَا لم يذكر الْحمل والأوضاع والشيخوخة الْقَرِيبَة إِلَى الفناء الَّتِي يتَغَيَّر بهَا بعض الْأَحْكَام لدخولها فِي الْمَرَض، وَأورد أَن الْإِغْمَاء وَالْجُنُون أَيْضا من الْمَرَض وَأجِيب بِأَنَّهُمَا أفردا بِالذكر لاختصاصهما بِأَحْكَام كَثِيرَة يحْتَاج إِلَى بَيَانهَا (ومكتسبة: أَي اكسبها العَبْد، أَو ترك إِزَالَتهَا) وَهِي سَبْعَة: السَّفه، وَالسكر، وَالْجهل، والهزل، وَالْخَطَأ، وَالسّفر، والاكراه
стр. 644
(النَّوْع الأول السماوية: أما الصغر فَقبل أَن يعقل) الصَّغِير (كَالْمَجْنُونِ الممتدّ) لانْتِفَاء الْعقل والتمييز: بل فِي أول الْحَال الصَّغِير أدنى من الْمَجْنُون، إِذْ قد يكون للمجنون تَمْيِيز لَا عقل، وَهُوَ عديمهما فَلَيْسَ بِأَهْل للتكليف (فَإِذا عقل تأهل للْأَدَاء) أَهْلِيَّة قَاصِرَة، فَإِذا أدّى شَيْئا مِمَّا لم يجب عَلَيْهِ صَحَّ أَدَاؤُهُ (دون الْوُجُوب) أَي لم يتأهل للْوُجُوب بِمُجَرَّد الْعقل (إِلَّا الْإِيمَان) أَي لم يتأهل لوُجُوب شَيْء من الْوَاجِبَات إِلَّا الْإِيمَان (على مَا تقدم) قَرِيبا من الْخلاف فِيهِ، وَمن قَوْله: وَعَن أبي مَنْصُور الماتريدي والمعتزلة إناطة وجوب الْإِيمَان بِهِ: أَي بِالْعقلِ (وَتقدم وضع الأجزية عَنهُ) كحرمان الْإِرْث بقتْله (وبينونة زَوجته) الْمسلمَة (بِكُفْرِهِ) أَي ردته وإبائه عَن الْإِسْلَام بعد إسْلَامهَا (لَيْسَ جَزَاء، بل لانْتِفَاء أَهْلِيَّته لاستفراش الْمسلمَة) لقَوْله تَعَالَى - ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ﴾ - (كحرمانه الْإِرْث بِهِ) أَي بِكُفْرِهِ (لذَلِك) أَي لانْتِفَاء أَهْلِيَّته للإرث مِنْهُ (لعدم الْولَايَة) الَّتِي هِيَ شَرط لسببية الْإِرْث. قَالَ تَعَالَى - ﴿فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي﴾ - وَلَا ولَايَة للْكَافِرِ على الْمُسلم. قَالَ تَعَالَى - ﴿وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾ - (كالرقيق) أَي كَمَا يحرم المرقوق الْإِرْث وافرا كَانَ الرقّ فِيهِ أَو نَاقِصا لعدم الْولَايَة الَّتِي هِيَ شَرط سَبَبِيَّة اتِّصَال الشَّخْص بِالْمَيتِ بِقرَابَة أَو زوجية، وَإِلَّا فَلَا يكون انْتِفَاء الْإِرْث فيهمَا جَزَاء على فعلهمَا (وَأما الْجُنُون) وَهُوَ اختلال الْعقل بِحَيْثُ يمْنَع جَرَيَان الْأَفْعَال والأقوال على نهجه إِلَّا نَادرا إِمَّا لنُقْصَان جبل عَلَيْهِ دماغه، فَلَا يصلح لقبُول مَا أعدّ لَهُ كعين الأكمه، ولسان الْأَخْرَس: وَهَذَا لَا يرجي زَوَاله، وَإِمَّا لخُرُوج مزاج الدِّمَاغ من الِاعْتِدَال بِسَبَب خلط أَو رُطُوبَة أَو يوسة متناهية، وَهَذَا يعالج، وَإِمَّا باستيلاء الشَّيْطَان وإلقاء الخيالات الْفَاسِدَة إِلَيْهِ. وَقد ينجع فِيهِ الْأَدْوِيَة الإلهية (فينافي شَرط الْعِبَادَات النِّيَّة) لسلبه الِاخْتِيَار (فَلَا تجب) الْعِبَادَات مُطلقًا (مَعَ الممتدّ مِنْهُ مُطلقًا) أَي الْأَصْلِيّ الْمُتَّصِل بِزَمَان الصِّبَا بِأَن جن صَغِيرا فَبلغ مَجْنُونا، والعارضي بِأَن بلغ عَاقِلا ثمَّ جن: أما وجوب الْأَدَاء فلعدم الْقُدْرَة عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا بعقل وَقصد صَحِيح، وَأما الأَصْل فلعدم حكمه وَهُوَ الْأَدَاء وَالْقَضَاء (وَمَا لَا يمتدّ مِنْهُ) حَال كَونه (طارئا) عَلَيْهِ (جعل كالنوم من حَيْثُ أَنه) أَي كلا مِنْهُمَا (عَارض يمْنَع فهم الْخطاب زَالَ قبل الامتداد) الْمُوجب للْحَرج عِنْد إِيجَاب الْقَضَاء (وَلِأَنَّهُ) أَي الْجُنُون (لَا يَنْفِي أصل الْوُجُوب: إِذْ هُوَ) أَي أصل الْوُجُوب مُتَعَلق (بِالذِّمةِ، وَهِي) أَي الذِّمَّة مَوْجُودَة (لَهُ) أَي للمجنون (حَتَّى ورث) من بَينه وَبَينه سَبَب من أَسبَاب الْإِرْث (وَملك) بِمَا هُوَ سَبَب الْملك من مَال أَو حق مَالِي، وَالْملك من بَاب الْولَايَة وَلَا ولَايَة بِدُونِ الذِّمَّة (وَكَانَ أَهلا للثَّواب) لبَقَاء إِسْلَامه بعد الْجُنُون، وَالْمُسلم قد يُثَاب
стр. 645
وَإِن جنّ (كَأَن نوى صَوْم الْغَد فجنّ فِيهِ) أَي فِي الْغَد قبل الْفجْر وَهُوَ على نِيَّته حَال كَونه (ممسكا كُله) أَي كل الْغَد (صحّ) صَوْم الْغَد عَن الْفَرْض (فَلَا يقْضِي) ذَلِك الْيَوْم (لَو أَفَاق بعده) أَي بعد الْغَد، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الشَّارِع ألحق الْعَارِض من النّوم وَالْإِغْمَاء بِالْعدمِ فِي حق الْأَدَاء حَيْثُ حكم بِصِحَّة الْفِعْل الْوَاقِع فيهمَا، وعلماؤنا الثَّلَاثَة ألْحقُوا الْعَارِض من الْجُنُون بِالْعدمِ بعد زَوَاله فِي حق الْوُجُوب وَجعلُوا السَّبَب الْمَوْجُود فِيهِ مُعْتَبرا فِي حق إِيجَاب الْقَضَاء بعد زَوَال الْعَارِض (وَصَحَّ إِسْلَامه تبعا) لِأَبَوَيْهِ أَو أَحدهمَا كَالصَّبِيِّ (وَإِنَّمَا يعرض الْإِسْلَام لإسلام زَوجته) أى الْمَجْنُون (على أَبِيه أَو أمّه لصيرورته مُسلما بِإِسْلَامِهِ) أَي إِسْلَام أَحدهمَا، فَإِن أسلم أقرّ على النِّكَاح، وَإِن أَبى فرّق بَينهمَا دفعا للضَّرَر عَن الْمسلمَة (بِخِلَافِهِ) أَي بِخِلَاف إِسْلَام الْمَجْنُون (أَصَالَة) فَإِنَّهُ لَا يَصح مِنْهُ (لعدم رُكْنه) أَي الْإِسْلَام (الِاعْتِقَاد) عطف بَيَان لركنه، وَالْمرَاد من الرُّكْن مَا هُوَ أَعم من الْعين والجزء، وَذَلِكَ لِأَن عقد الْقلب على التَّصْدِيق إِنَّمَا يكون بِالْعقلِ (لَا حجرا) يَعْنِي شرع عدم صِحَة إِسْلَامه لعدم الرُّكْن، لَا لِأَنَّهُ مَحْجُور عَن الْإِيمَان إِذْ هُوَ غير صَحِيح، لِأَنَّهُ نفع مَحْض (بِخِلَاف) الْإِسْلَام (التبع) أَي التَّابِع لإسلام الْأَبَوَيْنِ فَإِنَّهُ (لَيْسَ) الِاعْتِقَاد فِيهِ (ركنا وَلَا شرطا لَهُ) أَي لِلْإِسْلَامِ التبع (وَإِنَّمَا عرض) على وليه إِذا أسلمت الزَّوْجَة (دفعا للضَّرَر عَنْهَا: إِذْ لَيْسَ لَهُ) أَي للجنون (نِهَايَة مَعْلُومَة) تنْتَظر، فَفِي التَّأْخِير ضَرَر بهَا، مَعَ مَا فِيهِ من الْفساد لقدرة الْمَجْنُون على الْوَطْء وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة: لَيْسَ عرض الْإِسْلَام على وَالِديهِ بطرِيق الْإِلْزَام، بل يعرض لاحْتِمَال أَن تحمله الشَّفَقَة على الْوَلَد على الْإِسْلَام لِئَلَّا يَقع التَّفْرِيق بَينه وَبَين زَوجته (بِخِلَاف الصَّبِي غير الْعَاقِل) إِذا (أسلمت زَوجته لَا يعرض) الْإِسْلَام (على وليه، لِأَن لعقله حدا مَعْلُوما) ينْتَظر وَهُوَ الْبلُوغ: فَإِذا بلغ عرض عَلَيْهِ (وَلَا ينْتَظر بُلُوغه) أَي الصَّبِي الْمَجْنُون لما ذكر (وَيصير) الْمَجْنُون (مُرْتَدا تبعا بارتداد أَبَوَيْهِ (ولحاقهما بِهِ) أَي بالمجنون بدار الْحَرْب (إِذا بلغ مَجْنُونا وهما مسلمان) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يثبت إِسْلَامه تبعا لَهما، فيزول بِزَوَال مَا يتبعهُ. قَالَ الشَّارِح: ثمَّ كَون أَبَوَيْهِ مُسلمين لَيْسَ بِقَيْد، لِأَن إِسْلَام أَحدهمَا وارتداده ولحوقه مَعَه بدار الْحَرْب كَاف فِي ارتداده انْتهى. وَفِيه بحث، فَإِن مفَاد كَلَامه أَمْرَانِ: أَحدهمَا أَن إِسْلَام أَحدهمَا كَاف عِنْد بُلُوغه مَجْنُونا وَهَذَا مُسلم. وَالثَّانِي أَن ارتداد أَحدهمَا أَيْضا كَاف بِشَرْط اللحوق بِهِ وَهُوَ غير مُسلم: إِذْ يجوز إِسْلَام أَحدهمَا عِنْد الْبلُوغ وَإِسْلَام الآخر بعده، فَحِينَئِذٍ إِذا ارتدّ أَحدهمَا وَلحق بِهِ دون الآخر لَا نسلم أَن يحكم بصيرورة الْمَجْنُون مُرْتَدا. هَذَا، ويفيد تَقْيِيد بُلُوغه مَجْنُونا بكونهما مُسلمين حِينَئِذٍ أَنَّهُمَا لَو كَانَا كَافِرين وَقت بُلُوغه بِكفْر أُصَلِّي أَو عارضيّ لم يصر مرتدّا بارتداد أَحدهمَا نظرا إِلَى اعْتِبَار مَفْهُوم
стр. 646
الْمُخَالفَة فِي الرِّوَايَات وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه إِذا كَانَ أَبَوَاهُ على الْكفْر الْأَصْلِيّ حَال بُلُوغه ثمَّ أسلما يصير مُسلما تبعا ثمَّ ارتدّا ولحقا بِهِ يصير مرتدّا أَيْضا تبعا، إِذْ لَا أثر لكَون إسلامهما حَال الْبلُوغ أَو بعده، وَأما إِذا كَانَا على الْكفْر العارضي حَال بُلُوغه فَالْقِيَاس أَنه يحكم بِإِسْلَامِهِ من حَيْثُ الدَّار، لِأَن الحكم بِكُفْرِهِ تبعا من حَيْثُ الْجُنُون مَشْرُوط باللحوق بِهِ، ثمَّ إِذا أسلما ثمَّ ارتدّا ولحقا بِهِ يصير مرتدّا تبعا لتحَقّق الشَّرْط الْمَذْكُور حِينَئِذٍ، فَيَنْبَغِي أَن لَا يعْتَبر مَفْهُوم الْمُخَالفَة فِي قَوْله (بِخِلَاف مَا إِذا تركاه فِي دَار الْإِسْلَام) لكَونه مُسلما حِينَئِذٍ لظُهُور تَبَعِيَّة الدَّار بِزَوَال تَبَعِيَّة الْأَبَوَيْنِ لِأَنَّهَا كالخلف عَنْهَا (أَو بلغ مُسلما ثمَّ جن) مَعْطُوف على قَوْله تركاه (أَو أسلم عَاقِلا فجن) قبل الْبلُوغ (فارتدّا ولحقا بِهِ) بدار الْحَرْب، لِأَنَّهُ صَار أصلا فِي الْإِيمَان بتقرر رُكْنه فَلَا يتَقَدَّم بالتبعية أَو عرُوض الْجُنُون، ثمَّ وصل بقوله: وَلِأَنَّهُ لَا يَنْفِي أصل الْوُجُوب قَوْله (إِلَّا أَنه إِذا انْتَفَى الْأَدَاء أَي الْفِعْل) فسره لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن المُرَاد بِهِ مَا يُقَابل الْقَضَاء (تَحْقِيقا) أَي انْتَفَى بِاعْتِبَار نَفسه حَقِيقَة لعدم إِمْكَانه (وتقديرا) أَي بِاعْتِبَار بدله (بِلُزُوم الْحَرج فِي الْقَضَاء وَتقدم وَجهه) حَيْثُ قَالَ: والتكليف رَحْمَة، والحرج طَرِيق التّرْك فَلم يتَعَلَّق ابْتِدَاء بِمَا فِيهِ حرج فضلا من الله تَعَالَى (انْتَفَى) أصل الْوُجُوب (لانْتِفَاء فَائِدَته) من الْأَدَاء وَالْقَضَاء (وَكَذَا) الْجُنُون (الْأَصْلِيّ عَن مُحَمَّد) ﵀ حكمه حكم الممتدّ من الْجُنُون الطَّارِئ فَلم يفرق فِي الْأَصْلِيّ بَين الممتدّ وَغَيره فِي الْإِسْقَاط كَمَا فرّق فِي الطَّارِئ بَينهمَا بالإسقاط وَعَدَمه (إناطة للإسقاط بِكُل من الامتداد والأصالة) فِي الْهِدَايَة، وَهَذَا مُخْتَار بعض الْمُتَأَخِّرين. وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة: مِنْهُم الشَّيْخ أَبُو عبد الله الْجِرْجَانِيّ والزاهد الصفار وَالْإِمَام الرستغفنى (وَخَصه) أَي الْإِسْقَاط (أَبُو يُوسُف بالامتداد) فأسقط بالممتدّ مِنْهُمَا دون غَيره، وَقيل هُوَ ظَاهر الرِّوَايَة، ثمَّ الْخلاف على هَذَا الْوَجْه فِي الْمَبْسُوط وَغَيره (وَقيل الْخلاف على الْقلب) وَهُوَ الْمَذْكُور فِي أصُول فَخر الْإِسْلَام وكشف الْمنَار، وَمَشى عَلَيْهِ المُصَنّف فِي فتح الْقَدِير، نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَن وَجه التَّسْمِيَة بَين الْأَصْلِيّ والعارضي أَن الأَصْل فِي الْجُنُون الْحُدُوث: إِذْ السَّلامَة عَن الْآفَات هِيَ الأَصْل فِي الجبلة فَتكون أَصَالَة الْجُنُون أمرا عارضا، فَيلْحق بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْجُنُون الطَّارِئ، وَأَن زَوَال الْجُنُون بعد الْبلُوغ دلّ على أَن حُصُوله كَانَ لعَارض على أصل الْخلقَة، لَا لنُقْصَان جبل عَلَيْهِ دماغه فَكَانَ مثل الطَّارِئ، وَوجه التَّفْرِقَة أَن الطريان بعد الْبلُوغ رجح الْعرُوض فَجعل عفوا عِنْد عدم الامتداد إِلْحَاقًا بِسَائِر الْعَوَارِض، بِخِلَاف مَا إِذا بلغ مَجْنُونا فَزَالَ فَإِن حكمه حكم الصَّغِير فَلَا يُوجب قَضَاء مَا مضى، وَأَن الْأَصْلِيّ يكون لآفة فِي الدّماغ مَانِعَة من قبُول الْكَمَال، فَيكون أمرا أَصْلِيًّا لَا يقبل اللحاق بِالْعدمِ، والطارئ قد اعْترض على مَحل كَامِل للحوق آفَة فَيلْحق
стр. 647
بِالْعدمِ، وَفِي الْمَبْسُوط وَلَيْسَ فِيمَا إِذا كَانَ جُنُونه أَصْلِيًّا رِوَايَة عَن أبي حنيفَة. وَاخْتلف فِيهِ الْمُتَأَخّرُونَ على قِيَاس مذْهبه، وَالأَصَح أَنه لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء مَا مضى (وَإِذا كَانَ الْمسْقط) لوُجُوب الْعِبَادَات فِي التَّحْقِيق (الْحَرج لزم اخْتِلَاف الامتداد الْمسْقط) بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْنَاف الْعِبَادَات (فَقدر) الامتداد الْمسْقط (فِي الصَّلَاة بِزِيَادَتِهِ على يَوْم وَلَيْلَة عِنْدهمَا) أَي أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف بِزَمَان يسير (وَعند مُحَمَّد بصيرورة الصَّلَوَات) الْفَوَائِت (سِتا) بِخُرُوج وَقت السَّادِسَة (وَهُوَ أَقيس) لِأَن الْحَرج إِنَّمَا ينشأ من الْوُجُوب عِنْد كثرتها، وَكَثْرَتهَا بِدُخُولِهَا فِي حق التّكْرَار وَهُوَ إِنَّمَا يكون بِخُرُوج وَقت السَّادِسَة (لكنهما) أَي أَبَا حنيفَة وَأَبا يُوسُف (أَقَامَا الْوَقْت مقَام الْوَاجِب) أَي الصَّلَاة (كَمَا فِي الْمُسْتَحَاضَة) وَسَائِر أَصْحَاب الْأَعْذَار تيسيرا على الْعباد، وَقد يُقَال أَن الْمُنَاسب أَن يُقَام الْوَقْت الَّذِي يكون سَببا لوُجُوب الصَّلَاة مقَام الْوَاجِب بِالزِّيَادَةِ على الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَلَا يلْزم حُصُول وَقت هُوَ سَبَب لوُجُوبه، وَجعل الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر هَذَا القَوْل رِوَايَة عَن أبي حنيفَة (و) قدر (فِي الصَّوْم) امتداد الْجُنُون الْمسْقط لوُجُوبه (باستغراق الشَّهْر ليله ونهاره) بِهِ حَتَّى لَو أَفَاق فِي جُزْء مِنْهُ يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء. قَالَ صَاحب الْكَشَّاف: وَهُوَ ظَاهر الرِّوَايَة. وَعَن الْحلْوانِي: لَو كَانَ مفيقا فِي أوّل لَيْلَة مِنْهُ فَأصْبح مَجْنُونا واستوعب بَاقِي الشَّهْر لَا يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء وَهُوَ صَحِيح، لِأَن اللَّيْل لَا يصام فِيهِ، فالجنون والإفاقة فِيهِ سَوَاء، وَكَذَا لَو أَفَاق فِي لَيْلَة من الشَّهْر ثمَّ أصبح مَجْنُونا وَلَو أَفَاق فِي يَوْم مِنْهُ فِي وَقت النِّيَّة لزمَه الْقَضَاء، وَلَو أَفَاق بعده اخْتلفُوا فِيهِ، وَالصَّحِيح أَنه لَا يلْزمه لِأَن الصَّوْم لَا يفْسخ فِيهِ انْتهى (و) قدر (فِي الزَّكَاة) امتداده الْمسْقط (باستغراق الْحول) بِهِ كَمَا هُوَ رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة والأمالي عَن أبي يُوسُف وَابْن رستم عَن مُحَمَّد. قَالَ صدر الْإِسْلَام: وَهُوَ الْأَصَح، لِأَن الزَّكَاة تدخل فِي حدّ التّكْرَار بِدُخُول السّنة الثَّانِيَة قَالَ الشَّارِح. قَالَ المُصَنّف وَفِيه نظر، فَإِن التّكْرَار بخروجها لَا بِدُخُولِهَا لِأَن شَرط الْوُجُوب أَن يتم الْحول، فَالْأولى اعْتِبَار الْحول لِأَنَّهُ كثير فِي نَفسه (وَأَبُو يُوسُف) فِي رِوَايَة هِشَام عَنهُ قَالَ (أَكْثَره) أَي الْحول إِذا استوعبه الْجُنُون (ككله) إِقَامَة للْأَكْثَر مقَام الْكل تيسيرا وتخفيفا فِي سُقُوط الْوُجُوب، وَالنّصف مُلْحق بِالْأَقَلِّ (فَلَو بلغ مَجْنُونا مَالِكًا) ثمَّ أَفَاق (فابتداء الْحول من الْإِفَاقَة) عِنْد أبي يُوسُف بِنَاء على أَن الأَصْل مُلْحق بالصبا عِنْده (خلافًا لمُحَمد) فَإِن ابْتِدَاء الْحول من الْبلُوغ عِنْده بِنَاء على أَن الْأَصْلِيّ والعارضي سَوَاء عِنْده فِي أَن الْمسْقط فيهمَا الامتداد وَلم يُوجد (وَلَو أَفَاق بعد سِتَّة أشهر مثلا وتمّ الْحول وَجَبت عِنْد مُحَمَّد) و (لَا) تجب عِنْد (أبي يُوسُف مَا لم يتمّ) الْحول من الْإِفَاقَة وَلَو كَانَ هَذَا فِي العارضي وَجَبت اتِّفَاقًا من غير توقف على تَمام الْحول من وَقت الْإِفَاقَة (وَأما العته) وَهُوَ (اخْتِلَاط الْكَلَام مرّة و) عدم
стр. 648
اخْتِلَاطه (مرّة) وَهَذَا حَاصِل مَا قيل: هُوَ اختلال الْعقل بِحَيْثُ يخْتَلط كَلَامه فَيُشبه مرّة كَلَام المجانين وَمرَّة كَلَام الْعُقَلَاء (فكالصبي الْعَاقِل) أَي فالمعتوه مثله (فِي صِحَة فعله وتوكيله) يَعْنِي قبُول الْوكَالَة من غَيره فِي بيع مَال الْغَيْر وَالشِّرَاء لَهُ (بِلَا عُهْدَة) حَتَّى لَا يُطَالب فِي الْوكَالَة بِالْبيعِ وَالشِّرَاء بِنَقْد الثّمن وَتَسْلِيم الْمَبِيع، وَلَا يردّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ وَلَا يُؤمر بِالْخُصُومَةِ فِيهِ (و) فِي صِحَة (قَوْله) الَّذِي هُوَ نفع مَحْض وَهُوَ أهل لاعتباره مِنْهُ لوُجُود أصل العقد (كإسلامه) أَي كصحة إِسْلَامه بِخِلَاف مَا هُوَ ضَرَر مَحْض كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق فَإِنَّهُ لَا يَصح مِنْهُ إِلَّا بِإِذن وليه، لَا بِدُونِ إِذْنه (وَلَا تجب الْعِبَادَات عَلَيْهِ) كَمَا لَا تجب على الصَّبِي الْعَاقِل كَمَا هُوَ اخْتِيَار عَامَّة الْمُتَأَخِّرين (و) لَا تجب (الْعُقُوبَات) كَمَا لَا تجب على الصَّبِي الْعَاقِل لتمكن خلل فِي الْعقل فيهمَا دفعا للْحَرج (وَضَمان متلفاته لَيْسَ عُهْدَة) لِأَن الْعهْدَة إِنَّمَا تكون مَعَ التَّصَرُّف الشَّرْعِيّ والإتلاف لَيْسَ بِتَصَرُّف شَرْعِي وَلِأَن الْمَنْفِيّ عُهْدَة تحْتَمل الْعَفو فِي الشَّرْع، وَضَمان الْمُتْلف لَا يحْتَملهُ لِأَنَّهُ حق العَبْد شرع جبرا لما اسْتهْلك من الْمحل الْمَعْصُوم، وَلِهَذَا قدر بِالْمثلِ لَا جَزَاء للْفِعْل، وَكَون الْمُسْتَهْلك غير كَامِل الْعقل لَا يُنَافِي عصمَة الْمحل (وَتوقف نَحْو بَيْعه) وشرائه وإجازته على إِذن وليه وَإِثْبَات الْولَايَة عَلَيْهِ من بَاب النّظر والشفقة عَلَيْهِ لنُقْصَان عقله الْمُوجب لعَجزه (وَلَا يَلِي على غَيره) لِأَنَّهُ عَاجز عَن التَّصَرُّف فِي حق نَفسه فَمن أَيْن لَهُ قدرَة التَّصَرُّف على غَيره (وَلَا يُؤَخر الْعرض) لِلْإِسْلَامِ (عَلَيْهِ عِنْد إِسْلَام امْرَأَته) إِذا لم يكن مُسلما (لما قُلْنَا) فِي الصَّبِي الْعَاقِل وَهُوَ صِحَّته مِنْهُ لوُجُود أصل الْعقل بِخِلَاف الْمَجْنُون (وَفِي التَّقْوِيم تجب عَلَيْهِ الْعِبَادَات احْتِيَاطًا) فِي وَقت الْخطاب وَهُوَ الْبلُوغ، وَذَلِكَ لوُجُود الْعقل فِيهِ فِي الْجُمْلَة فَيحْتَمل كَونه مُكَلّفا بِهَذَا الِاعْتِبَار، وَالْحمل عَلَيْهِ يُوجب الْعَمَل المنجي عَن احْتِمَال الْعقَاب، بِخِلَاف الْحمل على عدم كَونه مُكَلّفا، وَفِي عبارَة المُصَنّف إِشْعَار بِأَن التَّحْقِيق فِيهِ القَوْل السَّابِق فَافْهَم (وَأما النسْيَان) وَهُوَ (عدم الاستحضار) للشَّيْء (فِي وَقت حَاجته) أَي الْحَاجة إِلَى استحضاره (فَشَمَلَ) هَذَا التَّعْرِيف (النسْيَان عِنْد الْحُكَمَاء والسهو) هَكَذَا وجدنَا عبارَة الْمَتْن فِي نُسْخَة الشَّارِح وَالنُّسْخَة الَّتِي اعتمادنا عَلَيْهَا غَالِبا، غير أَنه كَانَت فِيهَا الْوَاو قبل السَّهْو أَولا فمحيت وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا لِأَن السَّهْو على تَقْدِير عدم وَاو الْعَطف شَامِل للنسيان عِنْد الْحُكَمَاء وَهُوَ غير صَحِيح لِأَن النسْيَان عِنْدهم زَوَال الصُّورَة عَن المدركة والحافظة فَيحْتَاج فِي حُصُولهَا إِلَى سَبَب جَدِيد والسهو عِنْدهم زَوَالهَا عَن المدركة مَعَ بَقَائِهَا فِي الحافظة، وَقيل النسْيَان عدم ذكر مَا كَانَ مَذْكُورا والسهو غَفلَة عَمَّا كَانَ مَذْكُورا وَمَا لم يكن مَذْكُورا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون ذكر السَّهْو بعد النسْيَان على سَبِيل التعداد وَلَا يخفى مَا فِيهِ (لِأَن اللُّغَة لَا تفرق) بَين النسْيَان والسهو: يَعْنِي أَن النسْيَان المبحوث عَنهُ فِي هَذَا الْمقَام الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْأَحْكَام الْآتِيَة هُوَ الْمَذْكُور فِي السّنة، وَقد اسْتعْمل
стр. 649
هُنَاكَ فِي الْمَعْنى اللّغَوِيّ واللغة لَا تفرق بَينهمَا (فَلَا يُنَافِي الْوُجُوب) وَلَا وجوب الْأَدَاء لِأَن عدم الاستحضار لَا يُوجب عدم أَهْلِيَّته، إِذْ هِيَ بِالْعقلِ وَالْبُلُوغ وَلَا نُقْصَان فيهمَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لكَمَال الْعقل وَلَيْسَ) النسْيَان (عذرا فِي حُقُوق الْعباد) كَمَا أَنه عذر فِي حُقُوق الله تَعَالَى بِاعْتِبَار دفع الْإِثْم، فَإِن أتلف مَال إِنْسَان بنسيانه يجب عَلَيْهِ الضَّمَان، لِأَنَّهُ حق مُحْتَرم لِحَاجَتِهِ لَا للابتلاء، وبالنسيان لَا يَنْتَفِي هَذَا الاحترام (وَفِي حُقُوقه تَعَالَى) هُوَ (عذر فِي سُقُوط الْإِثْم) وَهُوَ المُرَاد بقوله ﷺ " رفع الله تَعَالَى عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ " رَوَاهُ الإِمَام ابْن حبَان وَصَححهُ الْحَاكِم وَقَالَ على شَرط الشَّيْخَيْنِ (أما الحكم) الدنيوي للْفِعْل الْوَاقِع نِسْيَانا (فَإِن كَانَ) النسْيَان مَقْرُونا (مَعَ مُذَكّر) لَهُ بِمَا هُوَ بصدده (وَلَا دَاع) قَالَ الشَّارِح وَالْأَحْسَن وَلَا دَاعِي كَأَنَّهُ أَرَادَ الْبناء على الْفَتْح تنصيصا على نفي الْجِنْس بِخِلَاف لَا المشبهة بليس لنُقْصَان نصوصيته عَلَيْهِ، وَكَأن المُصَنّف ﵀ أَشَارَ إِلَى أَن الْمَعْنى بمعونة الْمقَام على أَنه وَلَا علم لَهُ بِالْفِعْلِ المنسي وَلَا دَاعِي لَهُ (إِلَيْهِ) أَي إِلَى مَا فعله نَاسِيا (كَأَكْل الْمُصَلِّي) أَي كمذكره عِنْد الْأكل نَاسِيا فِي أثْنَاء الصَّلَاة وَهُوَ هَيئته الْمَخْصُوصَة وَلَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْأكل لقصر مدَّتهَا (لم يسْقط حكمه) أَي ذَلِك الْفِعْل الصَّادِر نِسْيَانا فتفسد الصَّلَاة الْمَذْكُورَة (لتَقْصِيره بِخِلَاف سَلَامه فِي الْعقْدَة) الأولى نِسْيَانا على ظن أَنَّهَا الْأَخِيرَة فَإِنَّهُ يسْقط حكمه فَلَا يُفْسِدهَا لانْتِفَاء الْمُذكر لِأَنَّهُ لَيْسَ للْمُصَلِّي هَيْئَة مذكرة أَنَّهَا الأولى، وَكَثْرَة تَسْلِيمه فِي الْقعدَة دَاعِيَة إِلَيْهِ (أَو) كَانَ (لَا مَعَه) أَي لَا مَعَ مُذَكّر وَلَكِن (مَعَ دَاع) إِلَى ذَلِك الْفِعْل (كَأَكْل الصَّائِم) فِي النَّهَار نَاسِيا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّوْم هَيْئَة مذكرة بِهِ والطبع دَاع إِلَيْهِ لطول مدَّته فَيسْقط حكمه (أَو) كَانَ (لَا) مَعَ مُذَكّر (وَلَا) مَعَ دَاع إِلَيْهِ (فَأولى) أَن يكون حكمه السُّقُوط أولى من كَون حكمه عدم السُّقُوط لِأَنَّهُ لما تعَارض مَا يَقْتَضِي السُّقُوط وَهُوَ عدم الْمُذكر، وَمَا يَقْتَضِي عدم الدَّاعِي رجح جَانب السُّقُوط تيسيرا (كَتَرْكِ الذَّابِح التَّسْمِيَة) فَإِن قيل هَيْئَة اضجاع الْحَيَوَان وَبِيَدِهِ المدية لقصد إزهاق روحه مذكرة لَهُ بِالتَّسْمِيَةِ قُلْنَا الدهشة والهيئة الْحَاصِلَة عِنْد قتل الْحَيَوَان تمحو ظُهُور أثر تذكرة فَلَا مُذَكّر فِي الْحَقِيقَة.
(وَأما النّوم ففترة تعرض مَعَ) وجود (الْعقل توجب الْعَجز عَن إِدْرَاك المحسوسات وَالْأَفْعَال الاختيارية و) عَن (اسْتِعْمَال الْعقل، فالفترة هِيَ معنى قَوْلهم: انحباس الرّوح من الظَّاهِر إِلَى الْبَاطِن، وَهَذِه الرّوح بِوَاسِطَة الْعُرُوق الضوارب تَنْتَشِر إِلَى ظَاهر الْبدن وَقد تنحجر) أَي تنحبس (فِي الْبَاطِن بِأَسْبَاب مثل طلب الاسْتِرَاحَة من كَثْرَة الْحَرَكَة والاشتغال بتأثير فِي الْبَاطِن كنضج الْغذَاء) وَكَذَا تغلب النّوم عِنْد امتلاء الْمعدة (وَنَحْوه) كَأَن يكون الرّوح قَلِيلا لَا يَفِي بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِن جَمِيعًا ولنقصانه ولزيادته أَسبَاب طبيعية، وَحَقِيقَة الإعياء نُقْصَان الرّوح بالتحلل بِسَبَب الْحَرَكَة. قَالَ
стр. 650
الشَّارِح، وَكَانَ الأولى تَقْيِيد الفترة بالطبيعية ليخرج الْإِغْمَاء قلت: وَفِي قَوْله تعرض بِصِيغَة الْمُضَارع المفيدة الِاسْتِمْرَار التجدّدي إغنا عَنهُ، على أَن مَفْهُوم النّوم بديهي يعرفهُ كل أحد، وَالْمَقْصُود بِصُورَة التَّعْرِيف بَيَان حكمته، وَقيد الْأَفْعَال بالاختيارية لِأَن الطبيعية كالنفس بَاقِيَة على حَالهَا، وَقيل: النّوم ريح يَأْتِي الْحَيَوَان إِذا شمها ذهب حواسه كَمَا تذْهب الْخمر بعقل شاربها، وَقيل: انعكاس الحواسّ الظَّاهِرَة إِلَى الْبَاطِنَة (فَأوجب تَأْخِير خطاب الْأَدَاء) إِلَى زَوَاله لِامْتِنَاع الْوَهم وإنجاز الْفِعْل حَالَة النّوم (لَا) تَأْخِير (أصل الْوُجُوب) وَلَا إِسْقَاطه حِينَئِذٍ لعدم إخلاله بِالذِّمةِ وَالْإِسْلَام، وَلَا مَكَان الْأَدَاء حَقِيقَة بالانتباه أَو خلفا بِالْقضَاءِ (وَلذَا) أَي لوُجُود أصل الْوُجُوب حَالَة النّوم (وَجب الْقَضَاء) للصَّلَاة الَّتِي دخل وَقتهَا وَهُوَ نَائِم (إِذا زَالَ) النّوم (بعد الْوَقْت) لِأَنَّهُ فرع وجود الْوُجُوب فِي حَالَة النّوم (و) أوجب (إبِْطَال عباراته من الْإِسْلَام والردّة وَالطَّلَاق) وَالْعتاق وَالْبيع وَالشِّرَاء إِلَى غير ذَلِك، وَالْمرَاد بقوله من الْإِسْلَام الخ الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على الْمَذْكُورَات (وَلم تُوصَف) عباراته (بِخَبَر وإنشاء وَصدق وَكذب كالألحان) أَي كَمَا لَا يُوصف بهَا أصوات الطُّيُور لانْتِفَاء الْإِرَادَة وَالِاخْتِيَار (فَلِذَا اخْتَار فَخر الْإِسْلَام) وَصَاحب الْهِدَايَة فِي جمَاعَة (أَن قِرَاءَته لَا تسْقط الْفَرْض) ونصّ فِي الْمُحِيط على أَنه الأصحّ، لِأَن الِاخْتِيَار شَرط الْعِبَادَة وَلم يُوجد (وَفِي النَّوَادِر تنوب) وَاخْتَارَهُ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث، لِأَن الشَّرْع جعل النَّائِم كالمستيقظ فِي حق الصَّلَاة تَعْظِيمًا لأمر الْمُصَلِّي، وَالْقِرَاءَة ركن زَائِد يسْقط فِي بعض الْأَحْوَال، فَجَاز أَن يعتدّ بهَا مَعَ النّوم. نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ أَنه الْأَوْجه، وَالِاخْتِيَار الْمَشْرُوط قد وجد فِي ابْتِدَاء الصَّلَاة، وَهُوَ كَاف: أَلا ترى أَنه لَو ركع وَسجد ذاهلا غافلا عَن فعله كل الذهول أَنه يُجزئهُ انْتهى. وَفِي الْمُنْتَقى ركع وَهُوَ نَائِم لَا يجوز إِجْمَاعًا. وَقد يفرق بَينهمَا بِأَن الرُّكُوع ركن أصليّ لَا يسْقط بِخِلَاف الْقِرَاءَة، والغفلة لَيست مثل النّوم لِأَنَّهَا تَزُول بِأَدْنَى توجه، ثمَّ عطف على أَن قِرَاءَته (وَأَن لَا تفْسد قهقهته) أَي النَّائِم (الْوضُوء وَلَا الصَّلَاة، وَإِن قيل أَن أَكثر الْمُتَأَخِّرين) على أَن قهقهته (تفسدهما) أَي الْوضُوء وَالصَّلَاة: أما الْوضُوء فلكونها حَدثا فِي صَلَاة ذَات رُكُوع وَسُجُود بِالنَّصِّ، وَقد وجدت، وَلَا فرق فِي الْأَحْدَاث بَين النّوم واليقظة، وَأما الصَّلَاة فَلِأَن فِي القهقهة معنى الْكَلَام، وَالنَّوْم كاليقظة فِيهِ عِنْد الْأَكْثَر، وَوجه مُخْتَار فَخر الْإِسْلَام وَهُوَ الْأَصَح على مَا صرح بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة زَوَال منع الْجِنَايَة بِالنَّوْمِ (وتفريع النَّوَازِل الْفساد بِكَلَام النَّائِم عَلَيْهِ) أَي على قَول أَكثر الْمُتَأَخِّرين (لعدم فرق النصّ) وَهُوَ مَا فِي صَحِيح مُسلم " أَن صَلَاتنَا هَذِه لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس ". (بَين المستيقظ والنائم، وإنزال) الْمُصَلِّي (النَّائِم كالمستيقظ) شرعا لما روى عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ " إِذا نَام العَبْد فِي سُجُوده باهى الله بِهِ
стр. 651
الْمَلَائِكَة فَيَقُول: انْظُرُوا لعبدي روحه عِنْدِي، وَجَسَده بَين يديّ ": رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ لَيْسَ بِالْقَوِيّ، كَذَا قَالَ الشَّارِح (وَعَن أبي حنيفَة ﵀ تفْسد الْوضُوء لَا الصَّلَاة) وَتقدم وَجه كل (فيتوضأ) الْمصلى المقهقه فِي صلَاته نَائِما (وَيَبْنِي) مَا بَقِي من صلَاته على مَا أدّاه قبله، (وَقيل عَكسه) أَي تفْسد صلَاته لَا وضوؤه وَهُوَ الْمَذْكُور فِي عَامَّة الْفَتَاوَى: وَفِي الْخُلَاصَة هُوَ الْمُخْتَار وَوَافَقَهُ المُصَنّف بقوله (وَهُوَ أقرب عِنْدِي لِأَن جعلهَا) أَي القهقهة (حَدثا للجناية وَلَا جِنَايَة من النَّائِم) لعدم الْقَصْد (فبقى) القهقهة، التَّذْكِير بِاعْتِبَار الضحك وَالْفِعْل (كلَاما) حَقِيقَة أَن تبين فِيهَا حُرُوف، أَو حكما إِن لم يتَبَيَّن (بِلَا قصد فتفسد) الصَّلَاة بِهِ (كالساهي) أَي كَصَلَاة الساهي (بِهِ) أَي بالْكلَام.
(وَأما الْإِغْمَاء فآفة فِي الْقلب أَو الدِّمَاغ) على سَبِيل منع الخلوّ (تعطل القوى المدركة والمحركة عَن أفعالها مَعَ بَقَاء الْعقل مَغْلُوبًا) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ينبعث عَن الْقلب بخار لطيف يتكون من ألطف أَجزَاء الأغذية يُسمى روحا حيوانيا، وَقد أفيضت عَلَيْهِ قُوَّة تسري بسريانه فِي الأعصاب السارية وأعضاء الْإِنْسَان، فتثير فِي كل عُضْو قُوَّة تلِيق بِهِ وَيتم بهَا مَنَافِعه، وَهِي تَنْقَسِم إِلَى مدركة: وَهِي الْحَواس الظَّاهِرَة والباطنة، ومحركة وَهِي تحرّك الْأَعْضَاء بتمديد الأعصاب وإرخائها لتنبسط إِلَى الْمَطْلُوب أَو تنقبض عَن الْمنَافِي، فَمِنْهَا مَا هِيَ مبدأ الْحَرَكَة إِلَى جلب الْمَنَافِع وَتسَمى قُوَّة شهوانية، وَمِنْهَا مَا هِيَ مبدأ الْحَرَكَة إِلَى دفع المضارّ وَتسَمى قُوَّة عصبية، وَأكْثر تعلق المدركة بالدماغ والمحركة بِالْقَلْبِ، فَإِذا وَقعت فِي الدِّمَاغ أَو الْقلب آفَة بِحَيْثُ تتعطل تِلْكَ القوى عَن أفعالها وَإِظْهَار آثارها كَانَ ذَلِك إِغْمَاء (وَإِلَّا) أَي وَلَو لم يكن الْعقل بَاقِيا مَغْلُوبًا فِي الْإِغْمَاء (عصم مِنْهُ الْأَنْبِيَاء) كَمَا عصموا من الْجُنُون، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ بِالْإِجْمَاع (وَهُوَ) أَي الْإِغْمَاء (فَوق النّوم) فِي سلب الِاخْتِيَار وتعطل القوى: وَلذَا يمْتَنع فِيهِ التَّنْبِيه، بِخِلَاف النّوم لغلظ مواد الْإِغْمَاء ولطف الأبخرة المتصاعدة إِلَى الدِّمَاغ الْمُوجبَة للنوم وَسُرْعَة تحللها، فَلهُ أَن يُنَبه بِأَدْنَى تَنْبِيه (فَلَزِمَهُ) أَي الْإِغْمَاء (مَا لزمَه) أَي النّوم من تَأْخِير الْخطاب وَإِبْطَال الْعِبَادَات بطرِيق أولى (وَزِيَادَة كَونه) أَي الْإِغْمَاء عطف على الْمَوْصُول (حَدثا وَلَو) حدث (فِي جَمِيع حالات الصَّلَاة) من قيام وركوع وَسُجُود واضطجاع لزوَال المسكة على وَجه الْكَمَال على كل حَال (وَمنع الْبناء) أَي بِنَاء مَا بَقِي من الصَّلَاة بعد الْإِفَاقَة على مَا قبله إِذا وَقع فِي خلالها (بِخِلَاف النّوم فِي الصَّلَاة مُضْطَجعا) بِأَن غَلبه فاضطجع وَهُوَ نَائِم (لَهُ الْبناء) إِذا تَوَضَّأ، بِمَنْزِلَة مَا لَو سبقه الْحَدث، وَذَلِكَ لكَون الْإِغْمَاء نَادرا، بِخِلَاف النّوم فَإِنَّهُ كثير الْوُقُوع، وَالنَّص الْوَارِد فِي جَوَاز الْبناء إِنَّمَا ورد فِي الحَدِيث الْغَالِب الْوُقُوع، وَقيد بالاضطجاع لِأَن نوم الْمُصَلِّي غير مُضْطَجع لَا ينْقض الْوضُوء. هَذَا وَالْإِغْمَاء إِذا زَاد على يَوْم وَلَيْلَة بِاعْتِبَار الْأَوْقَات عِنْد أبي حنيفَة
стр. 652
وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله، وَبِاعْتِبَار الصَّلَوَات عِنْد مُحَمَّد يسْقط بِهِ الصَّلَوَات اسْتِحْسَانًا كَمَا فِي الْجُنُون. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: إِذا استوعب وَقت الصَّلَاة سقط، بِخِلَاف النّوم. وَفِي الْمُحِيط: لَو شرب حَتَّى ذهب عقله أَكثر من يَوْم وَلَيْلَة لَا يسْقط عَنهُ الْقَضَاء مَتى كثر، لِأَنَّهُ حصل بِمَا هُوَ مَعْصِيّة، فَلَا يُوجب التَّخْفِيف والترفيه انْتهى. وَفِيه: لَو شرب البنج والدواء حَتَّى أُغمي عَلَيْهِ، قَالَ مُحَمَّد: هُوَ يسْقط عَنهُ الْقَضَاء مَتى كثر لِأَنَّهُ حصل بِمَا هُوَ مُبَاح فَصَارَ كَمَا لَو أُغمي عَلَيْهِ بِمَرَض، وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀: يلْزمه الْقَضَاء لِأَن النَّص ورد فِي إِغْمَاء حصل بِآفَة سَمَاوِيَّة وَهَذَا بصنع العَبْد، وَلَو أُغمي عَلَيْهِ لفزع من سبع أَو آدَمِيّ أَكثر من يَوْم وَلَيْلَة لَا يلْزمه الْقَضَاء بِالْإِجْمَاع، ثمَّ هَذَا إِذا لم يفق الْمغمى عَلَيْهِ أصلا فِي هَذِه الْمدَّة، فَإِن كَانَ يفِيق سَاعَة ثمَّ يعاوده لم يذكرهُ مُحَمَّد، وَهُوَ على وَجْهَيْن: أَحدهمَا إِن كَانَ لإفاقته وَقت مَعْلُوم فَهِيَ إفاقة مُعْتَبرَة تبطل حكم مَا قبلهَا من الْإِغْمَاء، وَثَانِيهمَا أَن لَا يكون لَهَا وَقت مَعْلُوم بل يفِيق بَغْتَة فيتكلم بِكَلَام الأصحاء، ثمَّ يغمى عَلَيْهِ بَغْتَة فَهِيَ غير مُعْتَبرَة، كَذَا فِي الذَّخِيرَة.
(وَأما الرّق) فَهُوَ لُغَة الضعْف، وَمِنْه صَوت رَقِيق، وَأما فِي الشَّرْع (فعجز حكمي عَن الْولَايَة وَالشَّهَادَة وَالْقَضَاء ومالكية المَال) والتزوج وَغَيرهَا (كَائِن عَن جعله) أَي الرَّقِيق (شرعا عرضة) أَي محلا مَنْصُوبًا متهيئا (للتَّمَلُّك والابتذال) أَي الامتهان، وَإِنَّمَا قَالَ حكمي لعدم الْعَجز الْحَقِيقِيّ، بل الرَّقِيق فِي الْغَالِب أقوى من الْحر فِي القوى الحسية، ثمَّ هُوَ حق الله ابْتِدَاء يثبت جَزَاء للكفر، إِذْ الْكفَّار باستنكافهم عَن عبَادَة الله ألْحقُوا بالبهائم فِي عدم النّظر فِي الْآيَات الدَّالَّة على التَّوْحِيد فَجعلُوا عبيد عبيده، وَلِهَذَا لَا يثبت على الْمُسلم ابْتِدَاء ثمَّ صَار حَقًا للْعَبد من غير نظر إِلَى معنى الْجَزَاء وجهة الْعقُوبَة فَلَا يرْتَفع الرّقّ وَإِن أسلم (فَلَا يتَجَزَّأ الرّقّ) تَفْرِيع على كَونه عَجزا كَمَا ذكر إِذْ التجزئة تَقْتَضِي أَن لَا يكون الْبَعْض مِنْهُ عَاجِزا فَيحصل لَهُ تِلْكَ الولايات كَمَا سيشير إِلَيْهِ، ثمَّ أَنه قَالَ غير وَاحِد من الْمُتَأَخِّرين، بِاتِّفَاق أَصْحَابنَا: وَيشكل بقول مُحَمَّد بن سَلمَة يحْتَمل التجزي ثبوتا حَتَّى لَو فتح الإِمَام بَلْدَة وَرَأى الصَّوَاب فِي استرقاق أَنْصَافهمْ نفذ ذَلِك، وَالأَصَح الأول (لِاسْتِحَالَة قُوَّة الْبَعْض الشَّائِع) من الْمحل الْحَاصِل على تَقْدِير التجزئة بِمَعْنى عدم عَجزه عَمَّا ذكرنَا (باتصافه) أَي الْبَعْض الشَّائِع (بِالْولَايَةِ والمالكية، فَكَذَا ضِدّه) أَي الرّقّ (وَهُوَ الْعتْق) لَا يتَجَزَّأ أَيْضا اتِّفَاقًا (وَإِلَّا) لَو تجزأ الْعتْق (تجزأ) الرّقّ، لِأَنَّهُ إِذا ثَبت الْعتْق فِي بعض الْمحل فالبعض الآخر أَن عتق فَلَا تجزأ وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض وَإِن لم يعْتق لزم الْمحَال الْمَذْكُور (وَكَذَا الْإِعْتَاق عِنْدهمَا) لَا يتَجَزَّأ فَإِذا أعتق نصف عَبده عتق كُله (وَإِلَّا) لَو تجزأ بِأَن يتَحَقَّق إِعْتَاق النّصْف بِدُونِ النّصْف الآخر، وَالْمُعتق لَا يتَجَزَّأ اتِّفَاقًا (ثَبت المطاوع) بِفَتْح الْوَاو: وَهُوَ إِعْتَاق الْبَعْض (بِلَا مُطَاوع)
стр. 653
بِكَسْر الْوَاو وَهُوَ الْعتْق (إِن لم ينزل) أَي لم يعْتق مِنْهُ (شَيْء) أما المطاوعة فَلِأَنَّهُ يُقَال أَعتَقته فَعتق ككسرته فانكسر، والمطاوعة حُصُول الْأَثر عَن تعلق الْفِعْل الْمُتَعَدِّي بمفعوله، وَأثر الشَّيْء لَازم لَهُ (وَقَلبه) أَي وَيثبت المطاوع بِكَسْر الْوَاو بِلَا مُطَاوع بِفَتْحِهَا (إِن نزل) أَي عتق (كُله) إِن تحقق عتق الْبَعْض الَّذِي لم يتَعَلَّق بِهِ الْإِعْتَاق كتحقق عتق الْكل بِدُونِ إِعْتَاقه (وتجزأ) الْإِعْتَاق (عِنْده) أَي عِنْد أبي حنيفَة ﵀ (لِأَنَّهُ) أَي الْإِعْتَاق (إِزَالَة الْملك المتجزئ) اتِّفَاقًا (حَتَّى صَحَّ شِرَاء بعضه وَبيعه) أَي بيع بعضه (وَإِن تعلق بِتَمَامِهِ) أَي الْإِعْتَاق (مَا لَا يتَجَزَّأ) وَهُوَ الْعتْق، فَإِن وصلية: يَعْنِي كَون الْعتْق بِحَيْثُ لَا يَتَرَتَّب إِلَّا على إِعْتَاق التَّمام، وَهُوَ إِعْتَاق الْكل لَا يَسْتَدْعِي عدم تُجزئ الْإِعْتَاق لجَوَاز تُجزئ الْمَاهِيّة مَعَ عدم تُجزئ أثر قسم مِنْهَا وَإِن كَانَ ذَلِك الْأَثر مطاوعا لذَلِك الْقسم (كَالْوضُوءِ تعلق بِتَمَامِهِ إِبَاحَة الصَّلَاة وَهُوَ) أَي الْوضُوء (متجزئ دونهَا) أَي إِبَاحَة الصَّلَاة فَإِن قلت مدَار استدلالهما على استلزام تُجزئ كل من المطاوع والمطاوع تجزأ الآخر، لَا على استلزام تُجزئ الْمُتَعَلّق تجزأ الْمُتَعَلّق، وَالْوُضُوء من الثَّانِي دون الأول فَلَا ينفع هَذَا النّظر قلت المُرَاد نفي كَون الْإِعْتَاق مُطلقًا مطاوعا لِلْعِتْقِ وَبعد نَفْيه لَا يبْقى إِلَّا كَونه بِحَيْثُ يتَعَلَّق بِتَمَامِهِ دون نقصانه، وَحِينَئِذٍ لَا يصير مثل الْوضُوء، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (والمطاوعة فِي أعْتقهُ فَعتق) إِنَّمَا هِيَ (عِنْد إِضَافَته) أَي الْإِعْتَاق (إِلَى كُله) أَي كل العَبْد (كَمَا هُوَ اللَّفْظ) أَي مفاده: يَعْنِي لفظ أعْتقهُ، فَإِن الْمُتَبَادر مِنْهُ إِعْتَاق الْكل فَإِنَّهُ الْحَقِيقَة (فَلَا يثبت بِإِعْتَاق الْبَعْض شَيْء من الْعتْق وَلَا زَوَال شَيْء من الرّقّ عِنْده) أَي أبي حنيفَة ﵀. وَفِي قَوْله وَلَا زَوَال إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى أَن الْعتْق قُوَّة شَرْعِيَّة تحصل فِي الْمحل، والزوال الْمَذْكُور لَازمه، وَإِنَّمَا ذكره للتَّأْكِيد، وَذَلِكَ لِأَن ملزوم الْعتْق ومطاوعته إِنَّمَا هُوَ إِعْتَاق الْكل وَلم يتَحَقَّق وإعتاق الْبَعْض لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء من الْعتْق وَإِلَّا لزم عتق الْكل لعدم تُجزئ الْعتْق اتِّفَاقًا فَيلْزم عَلَيْهِ الْعتْق جبرا (بل هُوَ) أَي مُعتق الْبَعْض (كَالْمكَاتبِ) فِي أَنه لَا يَصح مِنْهُ أَحْكَام الْحُرِّيَّة (إِلَّا أَنه) أَي مُعتق الْبَعْض (لَا يرد) إِلَى الرّقّ الْخَالِص، لِأَن سَببه إِزَالَة الْملك، لَا إِلَى أحد وَهِي لَا تحْتَمل الْفَسْخ بِخِلَاف الْمكَاتب فَإِنَّهُ يرد إِلَيْهِ إِذا عجز عَن المَال لِأَن السَّبَب فِيهِ عقد يحْتَمل الْفَسْخ (فأثره) أَي إِعْتَاق الْبَعْض (حِينَئِذٍ) أَي حِين كَانَ إِزَالَة بعض الْملك من غير حُصُول الْعتْق (فِي فَسَاد الْملك) فِي الْبَاقِي حَتَّى لَا يملك الْمولى بيع مُعتق الْبَعْض وَلَا إبقاءه فِي ملكه، وَيصير هُوَ أَحَق بمكاسبه وَيخرج إِلَى الْحُرِّيَّة بالسعاية (وَهَذَا) أَي كَونه مؤثرا فِي فَسَاد الْملك الَّذِي هُوَ حق للْعَبد، لَا فِي الرّقّ الَّذِي هُوَ حق لله تَعَالَى إِنَّمَا كَانَ (لوُجُوب قصر ملاقاة التَّصَرُّف) فِي (حق الْمُتَصَرف) أَي على حَقه لَا يتجاوزه إِلَى حق غَيره: يَعْنِي أَن تَصَرُّفَات الْإِنْسَان إِنَّمَا
стр. 654
تقتصر ملاقاتها وتأثيرها على حق نَفسه وَلَا تلاقي فِي حق غَيره (إِلَّا ضمنا) وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ تَصرفا قصديا مستلزما تحَققه تحقق الضمني، وَحَيْثُ انْتَفَى المطاوعة فِي إِعْتَاق الْبَعْض انْتَفَى الاستلزام (كَمَا فِي إِعْتَاق الْكل) تَمْثِيل للمستثنى فَإِن فِيهِ إِزَالَة حق العَبْد قصدا وأصالة وَثَبت فِي ضمنه زَوَال حق الله تَعَالَى، وَكم من شَيْء ثَبت ضمنا وَلَا يثبت قصدا (وَالرّق حق الله تَعَالَى) ابْتِدَاء يثبت أثرا للكفر (وَالْملك حَقه) أَي العَبْد يثبت ثَانِيًا (وَأَنه) أَي الرّقّ (يُنَافِي ملك المَال لِأَنَّهُ) أَي الرَّقِيق (مَمْلُوك) حَال كَونه (مَالا فاستلزم) كَونه مَمْلُوكا مَالا (الْعَجز والابتذال) لكَونه مقهورا تَحت يَد مَالِكه (والمالكية تَسْتَلْزِم ضدهما) أَي كَونه مَمْلُوكا مَالا: أَي العجزه والابتذال وضدهما الْقُدْرَة والكرامة (وتنافي اللوازم يُوجب تنَافِي الملزومات فَلَا يجْتَمع إِلَى مملوكيته) حَال كَونه مكَاتبا (مَالا مالكيته لِلْمَالِ فَلَا يتسري) الرَّقِيق الْأمة (وَلَو ملكهَا) بِصِيغَة الْمَجْهُول بِأَن جعله السَّيِّد مَالِكهَا حَال كَونه (مكَاتبا) مَعَ أَن الْمكَاتب مَالك لما فِي يَده (بِخِلَاف غَيره) أَي غير المَال (من النِّكَاح لِأَنَّهُ) أَي النِّكَاح (من خَواص الْآدَمِيَّة) فَإِنَّهُ جعل فِيهِ بِمَنْزِلَة المبقي على أصل الْحُرِّيَّة (حَتَّى انْعَقَد) إنكاحه نَفسه مَوْقُوفا على إجَازَة الْمولى إِذا كَانَ (بِلَا إِذن) من الْمولى (وَشرط الشَّهَادَة عِنْده) أَي العقد (لَا عِنْد الْإِجَازَة، وَإِنَّمَا وقف إِلَى إِذْنه لِأَنَّهُ) أَي العقد (لم يشرع إِلَّا بِالْمَالِ) لقَوْله تَعَالَى - ﴿أَن تَبْتَغُوا بأموالكم﴾ - إِلَى غير ذَلِك (فَيضر) العقد (بِهِ) أَي الْمولى، لِأَنَّهُ لما فِيهِ من نُقْصَان مَالِيَّة العَبْد الَّتِي هِيَ حق الْمولى لِأَن الْمهْر يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ إِذا لم يُوجد لَهُ مَال آخر يتَعَلَّق بِهِ (فَيتَوَقَّف) نَفاذ العقد (على الْتِزَامه) أَي الْمولى بِالْإِذْنِ السَّابِق أَو الْإِمْضَاء اللَّاحِق (و) من (الدَّم لملكه الْحَيَاة) كَونه بِالْحَيَاةِ مَمْلُوكا لَهُ أَنَّهَا لَيست مِمَّا يتَصَرَّف فِيهِ الْمولى وَأَنه باعتبارها كالحرّ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَلَا يملك الْمولى إِتْلَافه) أَي العَبْد بِإِزَالَة حَيَاته: إِذْ لَا ملك لَهُ فِيهَا (وَقتل الحربة) أَي بِالْعَبدِ، فلولا أَنه فِي حق الدَّم كَالْحرِّ مَا قتل بِهِ قصاصا فِي الْعمد: إِذْ الْقصاص يُنبئ عَن الْمُسَاوَاة (وودى) أَي فدى بِالدِّيَةِ على تَفْصِيل فِيهَا بالْخَطَأ (وَصَحَّ إِقْرَاره) أَي العَبْد على نَفسه مَأْذُونا كَانَ أَو مَحْجُورا (بالحدود وَالْقصاص) أَي بِمَا يوجبهما، لِأَنَّهُ فِي حق نَفسه وَلَا يمْنَع صِحَّته لُزُوم إِتْلَاف مَالِيَّته الَّتِي هِيَ حق الْمولى لكَونه ضمنيا فَانْدفع مَا قَالَ زفر ﵀ من أَنه لَا يَصح إِقْرَاره لَهما لكَونه واردا على نَفسه وطرفه وَكِلَاهُمَا مَال الْمولى، وَالْإِقْرَار على الْغَيْر لَا يقبل (وَالسَّرِقَة المستهلكة) أَي وَصَحَّ إِقْرَاره بِسَرِقَة مَال غير قَائِم بِيَدِهِ سَوَاء كَانَ مَأْذُونا أَو مَحْجُورا (والقائمة) أَي وبسرقة مَال قَائِم بِيَدِهِ (فِي الْمَأْذُون اتِّفَاقًا، وَفِي الْمَحْجُور وَالْمَال قَائِم كَذَلِك) أَي صَحَّ إِقْرَاره بهَا (إِن صدقه الْمولى) فِي ذَلِك (فَيقطع) فِي هَذِه الصُّور عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة، لِأَن وجوب الحدّ عَلَيْهِ بِاعْتِبَار
стр. 655
أَنه آدميّ مُكَلّف بِاعْتِبَار أَنه مَال مَمْلُوك (وَيرد) المَال إِذا كَانَ قَائِما لسُقُوط حق الْمولى بِالْإِذْنِ والتصديق (وَلَا ضَمَان فِي الهالكة) صدّقه الْمولى أَو كذبه، لِأَن الْقطع وَالضَّمان لَا يَجْتَمِعَانِ عِنْد أَصْحَابنَا. وَقد بَين فِي مَحَله (وَإِن قَالَ) الْمولى (المَال لي) فِيمَا إِذا كَانَ العَبْد مَحْجُورا وَالْمَال قَائِم (فلأبي يُوسُف) ﵀ (يقطع) لِأَن إِقْرَاره حجَّة فِي الْقطع لِأَنَّهُ مَالك دم نَفسه (وَالْمَال للْمولى لِأَنَّهُ) أَي كَون المَال للْمولى هُوَ (الظَّاهِر) تبعا لرقبته (وَقد) ينْفَصل أحد الْحكمَيْنِ عَن الآخر: إِذْ قد (يقطع بِلَا وجوب مَال كَمَا لَو اسْتَهْلكهُ) أَي المَال الْمَسْرُوق (وَعَكسه) أَي وَقد يجب المَال وَلَا يقطع كَمَا (إِذا شهد بِالسَّرقَةِ رجل وَامْرَأَتَانِ) لما عرف من أَن شَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرجل تقبل فِي الْأَمْوَال دون الْحُدُود (ولمحمد) ﵀ (لَا) يقطع (وَلَا يرد) المَال (لما ذكر أَبُو يُوسُف) ﵀ من أَن كَون المَال للْمولى هُوَ الظَّاهِر وَإِقْرَاره على الْمولى بَاطِل (وَلَا قطع) على العَبْد (بِمَال السَّيِّد) أَي بسرقته (وَلأبي حنيفَة) رَحمَه (يقطع ويردّ) المَال إِلَى الْمَسْرُوق مِنْهُ (الْقطع لصِحَّة إِقْرَاره بالحدود ويستحيل) الْقطع (بمملوك) أَي بِمَال مَمْلُوك (للسَّيِّد فقد كذبه) أَي الْمولى (الشَّرْع والمقطوع) أَي الَّذِي قطع بِهِ شرعا (انحطاطه) أَي الرَّقِيق (بِالْحجرِ) من قبل الشَّرْع (فِي أُمُور إجماعية مِمَّا ذكرنَا) من الْولَايَة وَالْقَضَاء وَالشَّهَادَة ومالكية المَال (فَمَا استلزم مِنْهَا) أَي من الْأُمُور الأجماعية (غَيره) الضَّمِير رَاجع إِلَى الْمَوْصُول (كَعَدم مالكية المَال) فَإِنَّهُ مُسْتَلْزم عدم صِحَة تصرف يتَوَقَّف صِحَّته على الْمَالِكِيَّة: فعلى هَذَا يكون مستلزما مِنْهَا، وَيحْتَمل أَن يكون مِثَالا للْغَيْر الَّذِي ألزمهُ أَمر إجماعيّ، وَهُوَ كَون الرَّقِيق عرضة للتَّمْلِيك والابتذال فَإِن قلت قَوْله: مِمَّا ذكرنَا يأبي هَذَا الِاحْتِمَال، لِأَن عدم الْمَالِكِيَّة مِمَّا ذكره قلت هَذَا إِذا كَانَ من هِيَ مِمَّا ذكرنَا بَيَانِيَّة، وَأما إِذا كَانَت تبعيضية فَيجوز أَن يكون عدم الْمَالِكِيَّة مِمَّا يستلزمه الْأَمر الإجماعي فَافْهَم (أَو قَامَ بِهِ) أَي بإثباته مَعْطُوف على صلَة الْمَوْصُول، وَالضَّمِير الْمَجْرُور رَاجع إِلَيْهِ وَالْفَاعِل (سمع) أَي دَلِيل سَمْعِي (حكم بِهِ) أَي بِمُوجب مَا ذكر من أحد الْأَمريْنِ (فَمن الْمَعْلُوم انحطاط ذمَّته) أَي الرَّقِيق عَن تحمل الدّين لِضعْفِهَا، لِأَنَّهُ من حَيْثُ أَنه مَال رَقِيق لَا ذمَّة لَهُ، وَمن حَيْثُ أَنه مُكَلّف لَهُ ذمَّة فَيثبت لَهُ ذمَّة ضَعِيفَة، فَلَا بُد لتقويتها لتحمله بانضمام مَالِيَّة الرَّقَبَة أَو الْكسْب إِلَيْهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (حَتَّى ضم إِلَيْهَا) أَي ذمَّته غَايَة للانحطاط (مَالِيَّة رقبته أَو كَسبه) فَلَا يُطَالب بِدُونِ انضمام أَحدهمَا إِلَيْهَا، فَإِن الِاحْتِمَال عبارَة عَن صِحَة الْمُطَالبَة، وَإِنَّمَا يَنْضَم إِلَيْهَا الْمَالِيَّة إِذا تعلق الْحق بهَا شرعا بِمُوجب كالإذن بِالتِّجَارَة صِيَانة لأموال النَّاس، وَكَذَلِكَ مَا اكْتَسبهُ الْمَأْذُون بهَا، وَمعنى تعلقه بهما حق الِاسْتِيفَاء مِنْهُمَا (فَبيع فِيمَا يلْزم) من الدُّيُون (فِي حق الْمولى إِن لم يفده وَلَا كسب أَو لم يَفِ) كَسبه بذلك إِن كَانَ لَهُ كسب
стр. 656
إِلَّا أَن يُمكن بَيْعه كالمدبر وَالْمكَاتب ومعتق الْبَعْض عِنْد أبي حنيفَة ﵀، فَحِينَئِذٍ يستسعى، وَالدّين الَّذِي يظْهر فِي حق الْمولى (كمهر وَدين تِجَارَة عَن إِذن) لرضا الْمولى بِالْعقدِ وَالتِّجَارَة (أَو تبين اسْتِهْلَاك) أَي باستهلاك علم يَقِينا لانْتِفَاء التُّهْمَة (لَا إِقْرَاره) أَي لَا بِإِقْرَارِهِ بالاستهلاك حَال كَونه (مَحْجُورا) لوُجُود التُّهْمَة وَعدم رضَا الْمولى بذلك فَلَا يظْهر فِي حَقه، فَلَا يُبَاع وَلَا يُؤْخَذ من كَسبه لَكِن يُؤَخر إِلَى عتقه (وحله) أَي وانحطاط الْحل الثَّابِت لَهُ بِالنِّكَاحِ عَن الْحل الثَّابِت للحرية (فاقتصر) حلّه (على ثِنْتَيْنِ نسَاء) لَهُ حرتين كَانَتَا، أَو أمتين كَمَا هُوَ قَول أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيّ ﵀ وَأحمد. وَقَالَ مَالك: يتَزَوَّج أَرْبعا، لِأَن الرّقّ لَا يُؤثر فِي مالكية النِّكَاح، لِأَنَّهُ من خَصَائِص الْآدَمِيَّة وَأجِيب بِأَن لَهُ أثرا فِي تنصيف المتعدّد كإقراء الْعدة، وَعدد الطَّلَاق، وجلدات الْحُدُود، لِأَن اسْتِحْقَاق النعم بآثار الإنسانية، وَقد أثر الرقّ فِي إنسانها حَتَّى لحق بالبهائم يُبَاع بالأسواق: لِأَنَّهُ أثر الْكفْر الذى هُوَ موت حكمي كَمَا أثر فِي الْعقُوبَة. قَالَ تَعَالَى - ﴿فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب﴾ -. وَقَالَ جمع من الصَّحَابَة: إِن العَبْد لَا ينْكح أَكثر من اثْنَتَيْنِ. وَأخرج الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى عَن عمر مثله (وَاقْتصر) الْحل (فِيهَا) أَي الْأمة على تَقْدِير الْجمع بَينهَا وَبَين الْحرَّة (على تقدمها على الْحرَّة لَا) تحل (مُقَارنَة) لَهَا فِي العقد (ومتأخرة) عَنْهَا لقَوْله ﷺ " ويتزوج الْحرَّة على الْأمة، وَلَا يتَزَوَّج الْأمة على الْحرَّة ": رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَفِيه ظَاهر بن أسلم ضَعِيف: لَكِن أخرجه الطَّبَرِيّ وَعبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة مُرْسلا وَعبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح عَن جَابر مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَأما نفي حل مقارنتها فَلِأَن هَذِه الْحَالة لَا تحْتَمل التجزي فتغلب بِالْحُرْمَةِ على الْحل (و) اقْتصر طَلاقهَا على (طَلْقَتَيْنِ) حرا كَانَ زَوجهَا أَو عبدا خلافًا للأئمة الثَّلَاثَة فِيمَا إِذا كَانَ حرا، وَاقْتصر تربصها لتعظيم ملك النِّكَاح وَالْعلم بِبَرَاءَة الرَّحِم (و) عدّتها على وجود (حيضتين عدَّة) لقَوْله ﷺ " طَلَاق الْأمة ثِنْتَانِ، وعدتها حيضتان ": صَححهُ الْحَاكِم، وَإِنَّمَا كَانَ طَلاقهَا ثِنْتَيْنِ وعدتها حيضتين (تنصيفا) للثابت مِنْهَا للْحرَّة غير أَن التنصيف للثلاث يَقْتَضِي تَكْمِيل نصف الطَّلَاق وَالْحيض تَرْجِيحا لجَانب الْوُجُود على الْعَدَم (وَكَذَا فِي الْقسم) اقْتصر على النّصْف مِمَّا للْحرَّة هُوَ قَول أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيّ وَمَالك فِي رِوَايَة أُخْرَى إِلَى التَّسْوِيَة بَينهمَا، وَالْحجّة للْأولِ مَا عَن عليّ ﵁ قَالَ: " إِذا نكحت الْحرَّة على الْأمة، فلهذه الثُّلُثَانِ، ولهذه الثُّلُث ". وَفِي مَعْنَاهُ مَا عَن سُلَيْمَان بن يَاسر: " للْحرَّة ليلتان، وللأمة لَيْلَة ": أخرجهُمَا الْبَيْهَقِيّ (وَعَن تنصف النِّعْمَة) فِي حق الرَّقِيق (تنصف حِدة) لقَوْله تَعَالَى - ﴿فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب﴾ -: إِلَّا فِيمَا لَا يُمكن تنصيفه كالقطع فِي السّرقَة، فَإِن الْحر وَالْعَبْد فِيهِ سَوَاء (وَإِنَّمَا نقصت دِيَته إِذا ساوت
стр. 657
قِيمَته دِيَة الْحر) كَمَا فِي قَول أبي حنيفَة ﵀ وَمُحَمّد (لِأَنَّهُ) أَي المؤدّى (ضَمَان النَّفس وَهُوَ) أَي ضَمَان النَّفس وَاجِب (بخطرها) أَي بِسَبَب شرفها (وَهُوَ) أَي خطرها (بالمالكية لِلْمَالِ ولملك النِّكَاح، وَهَذَا) أَي ملك النِّكَاح (مُنْتَفٍ فِي الْمَرْأَة) الْحرَّة: إِذْ هِيَ مَمْلُوكَة فِيهِ لَا مالكة (فتنصفت دِيَتهَا) عَن دِيَة الذّكر الحرّ (وثابت للْعَبد مَعَ نقص) مَا (فِي) مالكية (المَال لتحققه) أَي ملك المَال (يدا) أَي تَصرفا (فَقَط) أَي لَا رَقَبَة، فَلَزِمَ بِسَبَب نُقْصَان ملك الْيَد نُقْصَان شَيْء من دِيَته الَّتِي جعلت دِيَته (وَلكَون مالكية الْيَد فَوق مالكية الرَّقَبَة لِأَنَّهُ) أَي ملك الْيَد هُوَ (الْمَقْصُود مِنْهُ) أَي من ملك الرَّقَبَة، لِأَنَّهُ شرع وَسِيلَة إِلَى التَّصَرُّف الَّذِي بِهِ قَضَاء الْحَوَائِج (لم يتَقَدَّر نقص دِيَته بِالربعِ) يَعْنِي لما كَانَ الْخطر بِمَجْمُوع الْملكَيْنِ وَكَانَ أَحدهمَا حَاصِلا للْعَبد كَامِلا، وَكَانَ الآخر منقسما إِلَى قسمَيْنِ وَأَحَدهمَا حَاصِل لَهُ كَانَ مُقْتَضى ذَلِك كَون النُّقْصَان فِي الْخَبَر قدر الرّبع، لَكِن لما كَانَ الْقسم الْحَاصِل من الْقسمَيْنِ فَوق الَّذِي لم يحصل لَهُ لزم أَن لَا يقدّر بِالربعِ، بل بِمَا هُوَ أقل مِنْهُ، وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (بل لزم أَن ينقص بِمَالِه خطر فِي الشَّرْع وَهُوَ الْعشْرَة) إِذْ بهَا يملك الْبضْع الْمُحْتَرَم، وتقطع الْيَد المحترمة وَلَا معِين سواهُ (وَاعْترض) والمعترض صدر الشَّرِيعَة، لِأَنَّهُ (لَو صَحَّ) مَا ذكر من الْعلَّة لنُقْصَان دِيَة العَبْد (لم تتنصف أَحْكَامه) أَي العَبْد (إِذْ) مُقْتَضَاهُ أَنه (لم يتَمَكَّن فِي كَمَاله إِلَّا نُقْصَان أقلّ من الرّبع) وَيجب أَن يكون نقصانه فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق وَغَيرهمَا على طبقه، وَاللَّازِم بَاطِل إِجْمَاعًا (وَأَيْضًا لَو كَانَت مالكية النِّكَاح) ثَابِتَة (لَهُ كملا) أَي كَامِلَة (لم ينتقص) العَبْد (فِيمَا يتَعَلَّق بالازدواج كعدد الزَّوْجَات، والعدّة، وَالْقسم، وَالطَّلَاق لِأَنَّهَا) أَي الْأُمُور الْمَذْكُورَة (مَبْنِيَّة عَلَيْهَا) أَي على مالكية النِّكَاح (وَهِي) أَي مالكية النِّكَاح (كَامِلَة) فِيهِ، وَاللَّازِم بَاطِل (بل) إِنَّمَا نقصت دِيَته عَن دِيَة الْحر إِذا ساوت (لِأَن الْمُعْتَبر فِيهِ) أَي فِي تعْيين دِيَة العَبْد (الْمَالِيَّة) فَيتَعَيَّن دِيَة بحسبها، وَكَانَ مُقْتَضى ذَلِك فِي صُورَة مساواتها وزياداتها أَن تتعيين بحسبها (غير أَن فِي الْإِكْمَال) عِنْد الْمُسَاوَاة بِأَن يَجْعَل الدِّيَة مِقْدَار كَمَال الْقيمَة (شُبْهَة الْمُسَاوَاة ب) بَين (الحرّ) وَالْعَبْد فِي الْخطر (فنقص بِمَا) أَي بِقدر لَهُ (خطر) شرعا وَلَا يخفى عَلَيْك أَن عِلّة النَّقْص إِنَّمَا هِيَ شبه الْمُسَاوَاة، لِأَن الْمُعْتَبر فِيهِ الْمَالِيَّة: بل اعْتِبَار الْمَالِيَّة تربي جَانب الْإِكْمَال، وَإِنَّمَا ذكره دفعا لما فهم من التَّعْلِيل الأول من أَن المنظور من دِيَة العَبْد مجرّد الْخطر، وَكَون خطره أنقص بِالْقدرِ الْمَذْكُور لَا مَالِيَّته (وَأجِيب) عَن الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور كَمَا فِي التَّلْوِيح (بِأَن نُقْصَان الزَّوْجَات لَيْسَ لنُقْصَان خطر النَّفس الَّذِي هُوَ الْمَالِكِيَّة ليلزم) كَون ذَلِك النُّقْصَان (بِأَقَلّ من النّصْف) كَمَا فِي الدِّيَة (بل لنُقْصَان الْحل الْمَبْنِيّ على الْكَرَامَة وَتَقْدِير النَّقْص) الْكَائِن (بِهِ) أَي
стр. 658
بِنُقْصَان الْحل مفوض (إِلَى الشَّرْع، فقدره) الشَّرْع (بِالنِّصْفِ إِجْمَاعًا بِخِلَاف الدِّيَة فَإِنَّهَا) تثبت (بِاعْتِبَار خطر النَّفس الَّذِي هُوَ) ثَابت (بالمالكية ونقصان الرَّقِيق فِيهِ) أَي الْملك (أقل من الرّبع وَكَمَال مالكية النِّكَاح إِن لم يُوجب نُقْصَان عددهنّ) أَي الزَّوْجَات (لَا يَنْفِي أَن يُوجِبهُ) أَمر (آخر هُوَ نُقْصَان الْحل وَلَا تستقيم الْمُلَازمَة بَين كَمَال ملك النِّكَاح وَعدم تنصيف مَا يتَعَلَّق بالازدواج، فَإِن أَكْثَره) أَي مَا يتَعَلَّق بالازدواج (كَالطَّلَاقِ والعدّة وَالْقسم إِنَّمَا يتَعَلَّق بِالزَّوْجَةِ، وَلَا تملك) الْأمة (النِّكَاح أصلا) فضلا عَن كَمَال الْمَالِكِيَّة، فَانْدفع الْوَجْه الثَّانِي من الِاعْتِرَاض أَيْضا (وَإِنَّمَا قَالَ شُبْهَة الْمُسَاوَاة، لِأَن قيمَة العَبْد لَو وَجَبت وَكَانَت ضعف دِيَة الْحر لَا مُسَاوَاة لِأَنَّهَا) أَي الْقيمَة (تجب فِي العَبْد بِاعْتِبَار المملوكية) والابتذال (وَفِي الْحر بِاعْتِبَار الْمَالِكِيَّة والكرامة) فالضعف الَّذِي لزم لوصف دنيء لَا يُسَاوِي نصفه الَّذِي لزم لوصف شرِيف (وَكَون مُسْتَحقّه) أَي الضَّمَان (السَّيِّد لَا يسْتَلْزم أَنه) أَي الضَّمَان (بِاعْتِبَار الْمَالِيَّة) كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله (أَلا ترى أَنه) أَي السَّيِّد (الْمُسْتَحق للْقصَاص بقتل عبد إِيَّاه) أَي عَبده (وَهُوَ) أَي الْقصاص (بدل الدَّم) لَا مَالِيَّة العَبْد (إِجْمَاعًا فَالْحق أَن مُسْتَحقّه) أَي الضَّمَان (العَبْد وَلِهَذَا يقْضِي مِنْهُ) أَي من الضَّمَان (دينه) أَي دين العَبْد، وَهَذَا إِنَّمَا يدل على كَون العَبْد مُسْتَحقّا إِذا لم يكن من الدُّيُون الَّتِي يجب على السَّيِّد أَدَاؤُهَا من رَقَبَة العَبْد (غير أَنه) أَي العَبْد (لما لم يصلح شرعا لملك المَال خَلفه الْمولى) فِيهِ (لِأَنَّهُ أَحَق النَّاس بِهِ كالوارث وَاخْتلف فِي أَهْلِيَّته) أَي العَبْد (للتَّصَرُّف وَملك الْيَد، فَقُلْنَا نعم) أهل لَهما (خلافًا للشَّافِعِيّ، لِأَنَّهُمَا) أَي التَّصَرُّف وَملك الْيَد (بأهلية التَّكَلُّم والذمة، وَهِي) أَي الذِّمَّة (مخلصة عَن المملوكية، وَالْأولَى) أَي أَهْلِيَّة التَّكَلُّم (بِالْعقلِ) وَالرّق لَا يخلّ بِهِ (وَلذَا) أَي وَلكَون أَهْلِيَّة التَّكَلُّم بِالْعقلِ (كَانَت رواياته) أَي العَبْد (ملزمة الْعَمَل لِلْخلقِ وَقبلت) رواياته (فِي الْهَدَايَا) فَإِن قَالَ هَذَا الطَّعَام هَدِيَّة لَك من فلَان يجوز أكله (وَغَيرهَا) من الدِّيات. (وَالثَّانيَِة) أَي أَهْلِيَّته للذمة (بأهلية الْإِيجَاب) عَلَيْهِ (والاستيجاب) لَهُ (وَلذَا) أَي ولتاهله للْإِيجَاب والاستيجاب (خُوطِبَ بحقوقه تَعَالَى) وَيصِح إِقْرَاره بالحدود وَالْقصاص (وَلم يَصح شِرَاء الْمولى على أَن الثّمن فِي ذمَّته) أَي العَبْد كَمَا لَو شَرطه على أجنبيّ، لِأَن ذمَّته غير مَمْلُوكَة للْمولى (وَلَا يملك) الْمولى (أَن يسْتَردّ مَا استودع عِنْد العَبْد) قَالَ الشَّارِح: وَالْمُنَاسِب كَمَا فِي غير مَوضِع أَن يسْتَردّ مَا أودعهُ العَبْد غَيره انْتهى. وَذَلِكَ أَن إِطْلَاق الِاسْتِرْدَاد على أَخذ المَال وَدِيعَة النَّاس من يَد العَبْد غير ظَاهر وَلَا يخفى أَن الْأَمر فِيهِ هَين على أَن فِيهِ إِفَادَة مَسْأَلَة غير مَا ذكرُوا
стр. 659
(وَصِحَّة إِقْرَاره) أَي الْمولى (عَلَيْهِ) أَي العَبْد بدين (لملك مَالِيَّته) أَي العَبْد (كإقرار الْوَارِث) على مُوَرِثه بِالدّينِ (فَهُوَ) أَي إِقْرَار الْمولى على عَبده (إِقْرَار على نَفسه بِالْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا حجر) العَبْد (عَنهُ) أَي عَن التَّصَرُّف مَعَ قيام الْأَهْلِيَّة (لحق الْمولى) لِأَن الدّين إِذا وَجب فِي الذِّمَّة يتَعَلَّق بمالية العَبْد وَالْكَسْب فيستوفي مِنْهُمَا، وهما ملك الْمولى، فَلَا يتَحَقَّق بِدُونِ رِضَاهُ، فَإِذا أذن رَضِي بِسُقُوط حَقه (فإذنه فك الْحجر وَرفع الْمَانِع) من التَّصَرُّف لَا إِثْبَات أَهْلِيَّة التَّصَرُّف لَهُ (كَالنِّكَاحِ) تَمْثِيل لأهلية التَّصَرُّف، فَينْعَقد أصل العقد إِذا تزوج مَوْقُوفا على إِذن الْمولى فَامْتنعَ نفاذه لحق الْمولى (فيتصرف) بعد الْإِذْن (بأهليته لَا إنابة) عَن الْمولى حَتَّى تكون يَده فِي أكسابه يَد نِيَابَة كَالْمُودعِ (كالشافعي) أَي كَمَا قَالَ الشَّافِعِي ﵀ أَنه لَو كَانَ أَهلا للتصرّف لَكَانَ أَهلا للْملك، لِأَن التصرّف وَسِيلَة إِلَيْهِ وَسبب لَهُ، والمسبب لم يشرع إِلَّا لحكمه، وَاللَّازِم بَاطِل إِجْمَاعًا، وَإِذا لم يكن أَهلا للتصرّف لم يكن أَهلا لاسْتِحْقَاق الْيَد: كَذَا ذكره الشَّارِح، وَكَلَام المُصَنّف كَمَا سَيَأْتِي يدلّ على أَن الشَّافِعِي ﵀ يَقُول: إِن ملك التَّصَرُّف لَا يُسْتَفَاد إِلَّا من ملك الرَّقَبَة. وَقد يُقَال لَا مُنَافَاة بَينهمَا لجَوَاز تَأَخّر صِحَة التَّصَرُّف عَن ملك مَعَ تقدمه على ملك آخر: أَلا ترى أَنَّك لَا تملك البيع إِلَّا بعد ملك الْمَبِيع، ثمَّ إِن البيع سَبَب ملك الْبَدَل غير أَنه يرد عَلَيْهِ أَنه لَا تَنْحَصِر فَائِدَة التَّصَرُّف فِي كَونه وَسِيلَة للْملك حَتَّى يلْزم من اعْتِبَاره الخلوّ من الْفَائِدَة ثمَّ أَفَادَ ثَمَرَة الِاخْتِلَاف بقوله (فَلَو أذن) الْمولى (فِي نوع) من التِّجَارَة (كَانَ لَهُ التَّصَرُّف مُطلقًا) أَي فِي كل أَنْوَاعهَا (وَتثبت يَده) أَي العَبْد (على كَسبه كَالْمكَاتبِ وَإِنَّمَا ملك) الْمولى (حجره) أَي الْمَأْذُون لَا الْمكَاتب (لِأَنَّهُ) أَي فك الْحجر فِي الْمَأْذُون (بِلَا عوض) فَلَا يكون لَازِما كَالْهِبَةِ (بِخِلَاف الْكِتَابَة) فَإِنَّهَا بعوض فَتكون لَازِمَة كَالْبيع: وَهَذَا عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة لرفع الْمَانِع من التَّصَرُّف، وَهُوَ الْحجر مَعَ أَهْلِيَّته للتصرّف، وَالتَّقْيِيد بِنَوْع من التِّجَارَة حِينَئِذٍ لَغْو، وَلقَائِل أَن يَقُول: سلمنَا أَن الْمَانِع من التصرّف الْحجر لَا غير، لَكِن لَا نسلم ارْتِفَاع الْحجر مُطلقًا بِالْإِذْنِ فِي نوع مِنْهَا لجَوَاز أَن يعلم الْمولى عدم صلاحيته لسَائِر الْأَنْوَاع وَلَا يرضى بِرَفْع الْحجر عَنهُ فِيهَا. وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله: يخْتَص بِمَا أذن فِيهِ، لِأَن تصرفه لما كَانَ بطرِيق النِّيَابَة عَنهُ اقْتصر على مَا أذن فِيهِ كَالْوَكِيلِ، ثمَّ للمشايخ فِي ثُبُوت ملك الرَّقَبَة فِي أكسابه للْمولى طَرِيقَانِ: أَحدهمَا أَن تصرفه يُفِيد ثُبُوت ملك الْيَد لَهُ وَثُبُوت ملك الرَّقَبَة لمَوْلَاهُ ابْتِدَاء ثَانِيهمَا أَنه يُفِيد ثُبُوت كليهمَا لَهُ، ثمَّ يسْتَحق الْمولى ملك الرَّقَبَة خلَافَة عَن العَبْد لعدم أَهْلِيَّته لَهَا، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَزعم أَن المُصَنّف مَشى على الثَّانِي بقوله (وَثُبُوت الْملك للْمولى فِيمَا يَشْتَرِيهِ) العَبْد (ويصطاده ويتهبه لخلافته) أَي الْمولى (عَنهُ) أَي العَبْد (لعدم أَهْلِيَّته) لملك الرَّقَبَة.
стр. 660
وَأَنت خَبِير بِأَن كَلَام المُصَنّف ﵀ سَاكِت عَن ثُبُوت كليهمَا لَهُ، ثمَّ يسْتَحق الْمولى ملك الرَّقَبَة ابْتِدَاء، ثمَّ اسْتِحْقَاق الْمولى بخلافة: بل الْمُتَبَادر مِنْهُ ثُبُوت ملك الرَّقَبَة للْمولى ابْتِدَاء، لَكِن على سَبِيل الْخلَافَة عَنهُ لما ذكر، وَكَيف يتَصَوَّر سُقُوط ثُبُوت ملك الرَّقَبَة لَهُ ابْتِدَاء مَعَ عدم أَهْلِيَّته لَهُ، وَعدم الْأَهْلِيَّة كَمَا يُنَافِي مالكيته بَقَاء كَذَلِك ينافيها ابْتِدَاء وَهُوَ ظَاهر (كالوارث) مَعَ الْمُورث، فَإِن ثُبُوت الْملك بطرِيق الْخلَافَة (وَكَون ملك التصرّف لَا يُسْتَفَاد إِلَّا من ملك الرَّقَبَة مَمْنُوع، نعم هُوَ) أَي ملك الرَّقَبَة (وَسِيلَة إِلَيْهِ) أَي إِلَى ملك التَّصَرُّف فِي الْجُمْلَة (وَلَا يلْزم من عدم ملكهَا) أَي الرَّقَبَة (عدم الْمَقْصُود) من الْوَسِيلَة (لجَوَاز تعدد الْأَسْبَاب) للمقصود، وَهُوَ ملك التَّصَرُّف (وَإِذ كَانَت لَهُ) أَي للْعَبد (ذمَّة وَعبارَة) وَلم يكن مَحْجُورا عَن التَّصَرُّف (صَحَّ الْتِزَامه فِيهَا) أَي فِي الذِّمَّة (وَوَجَب لَهُ) أَي للْعَبد، أَو الْتِزَامه (طَرِيق قَضَاء) لما الْتَزمهُ (دفعا للْحَرج اللَّازِم من أَهْلِيَّة الْإِيجَاب فِي الذِّمَّة بِلَا أَهْلِيَّة الْقَضَاء، وَأَدْنَاهُ) أَي طَرِيق الْقَضَاء (ملك الْيَد) فَلَزِمَ ثُبُوته للْعَبد وَهُوَ الْمَطْلُوب (وَلذَا) أَي ثُبُوت ملك الْيَد لَهُ (قَالَ أَبُو حنيفَة دينه) أَي العَبْد الْمَأْذُون (يمْنَع ملك الْمولى كَسبه) لِأَن ملك يَده للْمصْلحَة قَضَاء مَا الْتَزمهُ من كَسبه، فَهُوَ مَشْغُول بحاجته الْمُتَقَدّمَة على ملك الْمولى. (وَاخْتلف فِي قتل الْحر بِهِ) أَي بِالْعَبدِ (فَعنده) أَي الشَّافِعِي (لَا) يقتل بِهِ قصاصا (لابتنائه) أَي الْقَتْل قصاصا (على الْمُسَاوَاة فِي الكرامات) وَهِي منتفية بَينهمَا: إِذْ الْحر نفس من كل وَجه، وَالْعَبْد نفس من وَجه (قُلْنَا) لَا نسلم ابتناءه على الْمُسَاوَاة فِي الكرامات (بل) المناط فِيهِ الْمُسَاوَاة (فِي عصمَة الدَّم فَقَط للاتفاق على إهداره) أَي التَّسَاوِي بَين الْقَاتِل والمقتول (فِي الْعلم، وَالْجمال، وَمَكَارِم الْأَخْلَاق والشرف، وهما) أَي الحرّ وَالْعَبْد (مستويان فِيهَا) أَي عصمَة الدَّم (وينافي) الرّقّ (مالكية مَنَافِع الْبدن) إِجْمَاعًا (إِلَّا مَا اسْتثْنى من الصَّلَاة وَالصَّوْم إِلَّا نَحْو الْجُمُعَة) كَصَلَاة الْعِيد (بِخِلَاف الْحَج) فَإِنَّهُ لم يسْتَثْن نظرا للْمولى، علم هَذَا (بِالنَّصِّ) وَقد قَالَ ﷺ " وَأَيّمَا عبد حج ثمَّ أعتق فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى ". صَححهُ الْحَاكِم على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَاشْترط فِيهِ الِاسْتِطَاعَة فِي الْكتاب، وَهِي مفسرة بالزاد وَالرَّاحِلَة، وَالْعَبْد لَا مَال لَهُ، وَأَيْضًا اشْترط فِيهِ الْحُرِّيَّة بِالْإِجْمَاع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لِلْمَالِ) تَعْلِيل للنَّص: أَي لم يُوجب عَلَيْهِ الشَّارِع الْحَج لاحتياجه إِلَى المَال (و) بِخِلَاف (الْجِهَاد) أَيْضا (فَلَيْسَ لَهُ الْقِتَال إِلَّا بِإِذن مَوْلَاهُ أَو) إِذن (الشَّرْع فِي عُمُوم النفير) عِنْد هجوم العدّو على بلد، فَإِنَّهُ يجب على جَمِيع النَّاس الدّفع بِخُرُوج الْمَرْأَة بِغَيْر إِذن زَوجهَا، وَالْعَبْد بِغَيْر إِذن الْمولى لِأَنَّهُ صَار فرض عين، وَملك الْيَمين، ورق النِّكَاح لَا يظْهر فِي حق فروض الْأَعْيَان كَمَا فِي الصَّلَاة وَالصَّوْم (وَلَا يسْتَحق) العَبْد إِذا قَاتل (سَهْما لِأَنَّهُ) أَي اسْتِحْقَاق السهْم (للكرامة) وَهُوَ نَاقص فِيهَا (بل) يسْتَحق (رضخا لَا يبلغهُ)
стр. 661
أَي السهْم، فَعَن عُمَيْر مولى آبي اللَّحْم: شهِدت خَيْبَر مَعَ سادتي، فَأمر لي النَّبِي ﷺ بِشَيْء من خرثى الْمَتَاع: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ (بِخِلَاف) اسْتِحْقَاق (السَّلب بِالْقَتْلِ يَقُول الإِمَام) من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه، فَإِنَّهُ لعُمُوم شُمُول الْحر وَالْعَبْد، وَالْعلَّة فِيهِ الْقَتْل، يدل عَلَيْهِ تَرْتِيب الحكم عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ بقول الإِمَام مَعَ قَول النَّبِي ﷺ إِشَارَة إِلَى أَن الإِمَام لَو لم يقل ذَلِك لم يلْزم كَون السَّلب للْقَاتِل، لِأَنَّهُ لَيْسَ شرعا عَاما لَازِما على مَا حَقَّقَهُ المُصَنّف ﵀ فِي شرح الْهِدَايَة، وَأمر الْقِتَال وَالْغنيمَة مفوض إِلَيْهِ، فَقَوله مُوجب الِاسْتِحْقَاق (فساوى) العَبْد (فِيهِ) أَي فِي هَذَا الِاسْتِحْقَاق (الحرّ، والولايات) أَي وينافي الرّقّ الولايات المتعدية كولاية الْقَضَاء وَالشَّهَادَة وَالتَّزْوِيج وَغَيرهَا، لِأَنَّهَا منبئة عَن الْقُدْرَة الْحكمِيَّة فَإِنَّهَا تَنْفِيذ القَوْل على الْغَيْر شَاءَ أَو أَبى، وَالرّق عجز حكمي: إِذْ لَا ولَايَة لَهُ على نَفسه فضلا عَن الْولَايَة على غَيره (وَصِحَّة أَمَان) العَبْد (الْمَأْذُون فِي الْقِتَال) الْكَافِر الْحَرْبِيّ (لاسْتِحْقَاق الرضخ) فِي الْغَنِيمَة بِإِذن مَوْلَاهُ إِلَّا أَن مَوْلَاهُ يخلفه عَن ملكه كَسَائِر أكسابه (فأمانه إبِْطَال حَقه أَولا) فِي الرضخ: إِذْ بالأمان يخرج الْكَافِر الْمُسْتَأْمن عَن الْغَنِيمَة بِاعْتِبَار نَفسه وَمَاله، فَيبْطل حِصَّة العَبْد الْمَذْكُور أَولا (ثمَّ يتَعَدَّى) الْإِبْطَال (إِلَى) حق (الْكل) أَي كل الغازين، وَذَلِكَ لِأَن الْغَنِيمَة لَا تتجزأ فِي حق الثُّبُوت والسقوط (كشهادته بِرُؤْيَة الْهلَال) يجب على النَّاس الصَّوْم بقوله لإيجابه ذَلِك على نَفسه أَولا، ثمَّ يتَعَدَّى إِلَى سَائِرهمْ: وَكَذَا رِوَايَته لأحاديث الشَّارِع، فهذان أصلان لأمانه (لَا) أَن أَمَانَة (ولَايَة عَلَيْهِم) لما عرف من أَن حكم الشَّيْء مَا وضع الشَّيْء لَهُ، وَحكم أَمَانه أَولا وبالذات إِنَّمَا هُوَ مَا ذكرنَا (بِخِلَاف) العَبْد (الْمَحْجُور) عَن الْقِتَال فَإِنَّهُ لَا أَمَان لَهُ عِنْد أبي حنيفَة ﵀ وَأبي يُوسُف ﵀ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنهُ وَمَالك ﵀ فِي رِوَايَة سَحْنُون عَنهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ (لَا اسْتِحْقَاق لَهُ) وَقت الْأمان، لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل الشّركَة فِي الْغَنِيمَة (فَلَو صَحَّ) أَمَانه (كَانَ إِسْقَاطًا لحقهم) أَي الغازين فِي الْكفَّار وَأَمْوَالهمْ (ابْتِدَاء) فَإِن قيل يَنْبَغِي أَن يَصح أَمَانه كَمَا هُوَ قَول أبي يُوسُف فِي رِوَايَة وَمُحَمّد وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة لاستحقاقه الرضخ إِذا قَاتل أُجِيب بِالْمَنْعِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (واستحقاقه) الرضخ (إِذا افتات بِالْقِتَالِ) أَي قَاتل بِغَيْر إِذن سَيّده (وَسلم لتمحضه) أَي الْقِتَال (مصلحَة للْمولى بعده) أَي الْقِتَال لِأَنَّهُ غير مَحْجُور عَمَّا يتمحض مصلحَة وَمَنْفَعَة، فَيكون كالمأذون فِيهِ من الْمولى دلَالَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا عجز عَنهُ لدفع الضَّرَر عَن الْمولى لانْتِفَاء اشْتِغَاله بخدمته وَقت الْقِتَال، وَرُبمَا يقتل، كَذَا ذكره الشَّارِح (فَلَا شركَة لَهُ) فِي الْغَنِيمَة (حَال الْأمان) فَلَا يكون كالمأذون فِيهِ. فِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق عَن عمر ﵁ " العَبْد الْمُسلم من الْمُسلمين، وَأَمَانَة أمانهم " وَهَذَا يُفِيد إِطْلَاق صِحَة أَمَانَة كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور (فَلَا يضمن) الرَّقِيق (بدل مَا لَيْسَ
стр. 662
بِمَال لِأَنَّهُ) أَي بدله (صلَة) لما أَمر الله أَن يُوصل، فَقطع بِالْجِنَايَةِ، وَالرَّقِيق لَا يملك الصلات لِأَنَّهَا من بَاب الْكَرَامَة وَهُوَ عرضة للتَّمَلُّك والابتذال (فَلم يجب عَلَيْهِ دِيَة فِي جِنَايَته خطأ) لِأَنَّهَا بدل الدَّم وَهُوَ لَيْسَ بِمَال، وَإِنَّمَا يجب صلَة فِي حق الْجَانِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَهبهُ ابْتِدَاء، وَلذَا لَا يملك إِلَّا بِالْقَبْضِ، وَلَا تجب فِيهِ الزَّكَاة إِلَّا بحول بعده، وَلَا تصح الْكفَالَة بِهِ وَلَا عَاقِلَة لَهُ ليجب ب عَلَيْهِم (لَكِن لما لم يهدر الدَّم صَارَت رقبته جَزَاء) قَائِمَة مقَام الْأَرْش، فَلَا يكون الِاسْتِحْقَاق على العَبْد (إِلَّا أَن يخْتَار الْمولى فدَاء فَيلْزمهُ) أَي الْفِدَاء الْمولى (دينا) فِي ذمَّته (فَلَا يبطل) اخْتِيَاره الْفِدَاء (بالإفلاس) حَتَّى أَنه لَا يعود تعلق حق ولي الْجَنَابَة فِي رَقَبَة العَبْد إِذا لم يكن للْمولى مَا يُؤَدِّيه (عِنْده) أَي عِنْد أبي حنيفَة ﵀ (فَلَا يجب) على الْمولى بِسَبَب الافلاس (الدّفع) للْعَبد إِلَى ولي الْجِنَايَة (وَعِنْدَهُمَا اخْتِيَاره) أَي الْمولى الْفِدَاء (كالحوالة كَأَنَّهُ) أَي العَبْد (أحَال على مَوْلَاهُ) بِالْأَرْشِ: إِذْ الأَصْل أَن يصرف إِلَى جِنَايَته كالعمد فاختيار الْفِدَاء نقل من الأَصْل إِلَى الْعَارِض كَمَا فِي الْحِوَالَة (فَإِذا لم يسلم) الْأَرْش إِلَى وليّ الْجِنَايَة (عَاد حَقه فِي الدّفع) الَّذِي هُوَ الأَصْل وَأجِيب بِمَنْع كَونه الأَصْل، بل الأَصْل هُوَ الْأَرْش الثَّابِت فِيهَا بقوله تَعَالَى - ﴿وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة ودية مسلمة﴾ - الْآيَة: وصير إِلَى الدّفع ضَرُورَة، فَإِن العَبْد لَيْسَ بِأَهْل للصلات. وَقد ارْتَفَعت الضَّرُورَة بِاخْتِيَار الْمولى الْفِدَاء، وَلَا يُقَال قد يجب على العَبْد ضَمَان مَا لَيْسَ بِمَال: إِذْ الْمهْر يجب فِي ذمَّته بِمُقَابلَة ملك النِّكَاح أَو مَنْفَعَة الْبضْع، فَالْجَوَاب مَا أَفَادَ بقوله (وَوُجُوب الْمهْر لَيْسَ ضمانا) إِذْ لَا تلف وَلَا صلَة (بل) يجب (عوضا عَمَّا اسْتَوْفَاهُ من الْملك أَو الْمَنْفَعَة. وَأما الْمَرَض) وَهُوَ مَا يعرض الْبدن فيخرجه عَن الِاعْتِدَال الْخَاص، وَقد يُقَال: هِيَ حَالَة غير طبيعية فِي بدن الْإِنْسَان تكون بِسَبَبِهَا الْأَفْعَال الطبيعية والنفسانية والحيوانية غير مسلمة (فَلَا يُنَافِي أَهْلِيَّة الحكم) سَوَاء كَانَ من حُقُوق الله أَو الْعباد (و) أَهْلِيَّة (الْعبارَة) أَي التَّصَرُّفَات الْمُتَعَلّقَة بالحكم (إِذْ لَا خلل فِي الذِّمَّة وَالْعقل) اللَّذين هما منَاط الْأَحْكَام (و) لَا فِي (النُّطْق) الَّذِي يَصح بِهِ مَا يتَعَلَّق بالعبارة بعد الْعقل والذمة كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاق، وَالْبيع، وَالشِّرَاء وَغَيرهمَا (لكنه) أَي الْمَرَض (لما فِيهِ من الْعَجز شرعت الْعِبَادَات فِيهِ على) قدر (المكنة) حَتَّى شرع لَهُ الصَّلَاة (قَاعِدا) إِذا عجز عَن الْقيام: إِمَّا بِانْتِفَاء الْقُوَّة أَو بازدياد الْمَرَض (ومضطجعا) إِذا عجز عَنْهُمَا (وَلما كَانَ الْمَوْت عِلّة الْخلَافَة) للْوَارِث والغريم فِي مَال الْمَيِّت، لِأَن أَهْلِيَّة الْملك لَا تبطل بِالْمَوْتِ فيخلفه أقرب النَّاس إِلَيْهِ، والذمة تخرت بِهِ فَيصير المَال الَّذِي هُوَ مَحل قَضَاء الدّين مَشْغُولًا بِالدّينِ فيخلفه الْغَرِيم فِي المَال (وَهُوَ) أَي الْمَرَض (سَببه) أَي الْمَوْت لما فِيهِ من ترادف الآلام، وَضعف القوى فيفضي إِلَى مُفَارقَة الرّوح الْجَسَد (كَانَ) الْمَرَض (سَبَب تعلق حق الْوَارِث
стр. 663
والغريم بِمَالِه) فِي الْحَال (فَكَانَ) الْمَرَض (سَببا للحجر فِي الْكل) أَي كل المَال (للْغَرِيم) إِن كَانَ الدّين مُسْتَغْرقا (و) الْحجر فِي (الثُّلثَيْنِ فِي) حق (الْوَرَثَة إِذا اتَّصل) ظرف لتَعلق الْحَقَّيْنِ (بِهِ) أَي بِالْمرضِ (الْمَوْت) حَال كَون الْحجر (مُسْتَندا إِلَى أَوله) أَي الْمَرَض: إِذْ الحكم يسْتَند إِلَى أول السَّبَب فَلَا يرد أَن الِاتِّصَال بِالْمَوْتِ إِنَّمَا يظْهر عِنْد الْمَوْت، وَلَا اتِّصَال قبله، فَلَا تعلق لحقهما لِأَن الحكم الثَّابِت بطرِيق الِاسْتِنَاد لظُهُوره فِي الآخر غير أَنه يعْتَبر ثَانِيًا من أول زمَان وجود السَّبَب صِيَانة للحقوق، ثمَّ إِنَّه كل مَا تعلق بِهِ أحد الْحَقَّيْنِ من مَاله فَهُوَ مَحْجُور عَنهُ (بِخِلَاف مَا) أَي قدر من المَال (لم يتعلقا) أَي حق الْغَرِيم وَحقّ الْوَارِث (بِهِ) فَإِنَّهُ غير مَحْجُور عَنهُ (كَالنِّكَاحِ بِمهْر الْمثل) أَي كالمهر اللَّازِم بِسَبَب النِّكَاح الْمَذْكُور الْوَاقِع فِي حَال الْمَرَض، وَأما الْوَاقِع قبله فكونه مثل سَائِر الدُّيُون ظَاهر. ثمَّ أَنه لما ذكر عدم تعلق الْحَقَّيْنِ بِالْقدرِ الْمَذْكُور توهم كَونه مقدما على الدُّيُون فَدفع ذَلِك بقوله (فتحاصص) الزَّوْجَة (المستغرقين) الَّذين استغرقت دُيُونهم التَّرِكَة بِقدر مهر مثلهَا فَيقسم المَال عَلَيْهَا وَعَلَيْهِم على قدر حصصهم وكالنفقة وَأُجْرَة الطَّبِيب وَنَحْوهمَا كَمَا يتَعَلَّق بِهِ حَاجَة الْمَيِّت، وَكَذَلِكَ مَا زَاد على الدّين فِي حق الْغَرِيم عِنْد عدم الِاسْتِغْرَاق، وعَلى ثُلثي مَا بَقِي بعد وَفَاء الدّين إِن كَانَ، وعَلى ثُلثي الْجَمِيع إِن لم يكن. ثمَّ لما لم يعلم كَونه سَببا للحجر قبل اتِّصَاله بِالْمَوْتِ، وَكَانَ الأَصْل هُوَ الْإِطْلَاق لم يثبت الْحجر بِهِ بِالشَّكِّ (فَكل تصرف) وَاقع من الْمَرِيض (يحْتَمل الْفَسْخ) كَالْهِبَةِ وَالْبيع بالمحاباة (يَصح فِي الْحَال) لصدوره من أَهله مُضَافا إِلَى مَحَله عَن ولَايَة شَرْعِيَّة وَانْتِفَاء الْعلم بالمانع لعدم الْعلم باتصال الْمَوْت بِهِ (ثمَّ يفْسخ) ذَلِك التَّصَرُّف (إِن احْتِيجَ إِلَى ذَلِك) أَي فَسخه لما مر من أَن الْحجر يسْتَند إِلَى أول الْمَرَض إِذا اتَّصل بِهِ الْمَوْت، فَيظْهر أَن تصرفه تصرف مَحْجُور (وَمَا لَا يحْتَملهُ) أَي وكل تصرف وَاقع من الْمَرِيض لَا يحْتَمل الْفَسْخ (كالإعتاق الْوَاقِع على حق غَرِيم بِأَن يعْتق الْمَرِيض الْمُسْتَغْرق) دينه تركته عبدا مِنْهَا (أَو) الْوَاقِع (على حق وَارِث كإعتاق عبد تزيد قِيمَته على الثُّلُث يصير) الْعتْق (كالمعلق بِالْمَوْتِ) حَتَّى كَانَ عبدا فِي شَهَادَته وَسَائِر أَحْكَامه مَا دَامَ مَوْلَاهُ مَرِيضا وَإِذا مَاتَ (فَلَا ينْقض وَيسْعَى) العَبْد للْغَرِيم (فِي كُله) أَي مِقْدَار قِيمَته إِن كَانَ الدّين مُسْتَغْرقا (أَو) يسْعَى (فِي ثُلثَيْهِ) للْوَارِث إِن لم يكن عَلَيْهِ دين وَلَا مَال لَهُ سواهُ وَلم يجزه الْوَارِث (أَو أقل) مِنْهُمَا (كالسدس إِذا سَاوَى) العَبْد (النّصْف) أَي نصف التَّرِكَة وَلم يجزه الْوَارِث، فَإِن ثُلثي السِّتَّة أَرْبَعَة وثلثها ثِنْتَانِ وَالنّصف ثَلَاثَة (بِخِلَاف إِعْتَاق الرَّاهِن) العَبْد الرَّهْن (ينفذ) عتقه للْحَال مَعَ تعلق حق الْمُرْتَهن بِهِ (لِأَن حق الْمُرْتَهن فِي) ملك (الْيَد لَا) فِي ملك (الرَّقَبَة فَلَا يلاقيه) أَي الْعتْق حَقه (قصدا) فَإِن الَّذِي يلاقيه قصدا إِنَّمَا هُوَ ملك الرَّقَبَة، ثمَّ يلاقي ملك الْيَد ضمنا وتبعا، وَكم من شَيْء يثبت ضمنا وَلَا يثبت قصدا، وَحقّ الْغَرِيم وَالْوَارِث
стр. 664
ملك الرَّقَبَة وَالْإِعْتَاق يلاقيه قصدا، إِذْ الْإِعْتَاق يَبْنِي عَلَيْهِ لَا على ملك الْيَد، وَلذَا صَحَّ إِعْتَاق الْآبِق مَعَ زَوَال الْيَد عَنهُ (فَإِن كَانَ) الرَّاهِن (غَنِيا فَلَا سِعَايَة) على العَبْد لعدم تعذر أَخذ الْحق مِنْهُ وَهُوَ الْأَدَاء إِن كَانَ حَالا وَقِيمَة الرَّهْن إِن كَانَ مُؤَجّلا فَيُوضَع عِنْد الْمُرْتَهن بِهِ لَا عَن العَبْد، (وَإِن) كَانَ (فَقِيرا سعى) العَبْد للْمُرْتَهن (فِي الْأَقَل من قِيمَته وَمن الدّين) لتعذر أَخذ الْحق من الرَّاهِن فَيَأْخُذ مِمَّن حصلت لَهُ فَائِدَة الْعتْق، لِأَن الْخراج بِالضَّمَانِ، كَذَا قَالَ الشَّارِح وَالظَّاهِر الْغرم بالغنم ثمَّ إِنَّمَا سعى فِي الْأَقَل، لِأَن الدّين إِن كَانَ أقل اندفعت الْحَاجة بِهِ وَإِن كَانَت الْقيمَة أقل فَإِنَّمَا حصل للْعَبد هَذَا الْقدر (وَيرجع) العَبْد (على مَوْلَاهُ عِنْد غناهُ) بِمَا أَدَّاهُ لِأَنَّهُ اضْطر إِلَى قَضَاء دينه بِحكم الشَّرْع (فَعتق الرَّاهِن حر مديون فَتقبل شَهَادَته قبل السّعَايَة، ومعتق الْمَرِيض الْمُسْتَغْرق) دينه للتركة (كَالْمكَاتبِ فَلَا تقبل) شَهَادَته قبل السّعَايَة (وَقد أدمجوا) أَي أدرج الْحَنَفِيَّة فِي الْكَلَام فِي أَحْكَام الْمَرَض (فرعا مَحْضا) لَيْسَ من مسَائِل الْأُصُول وَهُوَ أَنه (لما بطلت الْوَصِيَّة للْوَارِث) بِالنِّسْبَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي النّسخ (بطلت صُورَة) أَي من حَيْثُ الصُّورَة وَإِن لم تكن وَصِيَّة من حَيْثُ الْمَعْنى لعدم حُصُول المَال كَذَلِك الْوَارِث عَنهُ (عِنْد أبي حنيفَة) ﵀ (حَتَّى لَو بَاعَ الْمَرِيض عينا بِمثل قِيمَته) فَصَاعِدا (مِنْهُ) أَي الْوَارِث فَمن حَيْثُ أَنه ملكه الْعين وَلَو بعوض كَأَنَّهُ وصّى لَهُ، وَإِنَّمَا (لَا يجوز لتَعلق حق كلهم) أَي الْوَرَثَة (بالصورة كَمَا) أَي كتعلق حَقهم (بِالْمَعْنَى) حَيْثُ لَا يجوز لبَعْضهِم أَن يَجْعَل شَيْئا من التَّرِكَة لنَفسِهِ بِنَصِيبِهِ من الْمِيرَاث وَلَا أَن يَأْخُذ التَّرِكَة وَيُعْطِي البَاقِينَ الْقيمَة، إِذْ النَّاس يتنازعون ويتناقشون فِي صور الْأَشْيَاء مَعَ قطع النّظر عَن ماليتها (خلافًا لَهما) فَإِنَّهُمَا يجوزان ذَلِك (بِخِلَاف بَيْعه من أَجْنَبِي) حَيْثُ يجوز اتِّفَاقًا (و) بطلت (معنى) أَي من حَيْثُ الْمَعْنى وَإِن لم تكن فِي صُورَة الْوَصِيَّة (بِأَن يقر لأَحَدهم بِمَال) فَإِنَّهُ يسلم لَهُ المَال بِلَا عوض، وَانْتِفَاء الصُّورَة ظَاهر (وشبهة) أَي وَبَطلَت من حَيْثُ الشُّبْهَة وَإِن لم يكن هُنَاكَ وَصِيَّة (بِأَن بَاعَ) من الْوَارِث (الْجيد من الْأَمْوَال الربوية برديء مِنْهَا) مجانس للْمَبِيع: كالذهب الْجيد بِالذَّهَب الرَّدِيء، وَالْفرق بَين البيعين من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَنه لم يحصل للْوَارِث فِي الأول زِيَادَة فِي الْمَالِيَّة وَهنا يحصل، وَالثَّانِي أَن المعرض لَا يتَعَلَّق بالصور فِي الربويات على أَن الْبَدَلَيْنِ مقلان فِي الصُّورَة (لتقوم الْجَوْدَة فِي التُّهْمَة) جَوَاب لسؤال مُقَدّر وَهُوَ أَن وصف الْجَوْدَة لَا يعْتَبر فِي التَّفَاضُل، وَلذَا يجوز بيع الْجيد بالرديء مَعَ التجانس والتساوي فِي الْوَزْن والكيل. وَحَاصِل الْجَواب أَن التَّفَاوُت بِاعْتِبَار الْقيمَة وَإِن كَانَ ملغي عِنْد عدم التُّهْمَة لكنه مُعْتَبر عِنْد وجودهَا (كَمَا فِي بيع الْوَلِيّ مَال الصَّبِي كَذَلِك) أَي الْجيد مِنْهَا بالرديء المجانس (من نَفسه) فَكَانَ فِيهِ شُبْهَة الْوَصِيَّة بالجودة، أَلا ترى أَن الْمَرِيض لَو بَاعَ الْجيد بالرديء من الْأَجْنَبِيّ يعْتَبر جودته
стр. 665
من الثُّلُث (وَلذَا) أَي لبُطْلَان الْوَصِيَّة شُبْهَة (لم يَصح إِقْرَاره) أَي الْمَرِيض (بِاسْتِيفَاء دينه من الْوَارِث وَإِن لزمَه) أَي دين الْوَارِث (فِي صِحَّته وَهِي) أَي صِحَّته (حَال عدم التُّهْمَة فَكيف بِهِ) أَي بِالْإِقْرَارِ باستيفائه (إِذا ثَبت) لُزُومه للْوَارِث (فِي الْمَرَض) وَهُوَ حَال التُّهْمَة، فالإقرار بِالِاسْتِيفَاءِ فِي الْمَرَض كَالْإِقْرَارِ بِالدّينِ لِأَنَّهُ يُصَادف محلا مَشْغُولًا بِحَق الْوَرَثَة، وَعَن أبي يُوسُف ﵀ إِذا أقرّ بِاسْتِيفَاء دين كَانَ لَهُ على الْوَارِث حَال الصِّحَّة يجوز لِأَن الْوَارِث لما عَامله فِي الصِّحَّة اسْتحق بَرَاءَة ذمَّته عِنْد إِقْرَاره باستيفائه مِنْهُ فَلَا يتَعَيَّن ذَلِك الِاسْتِحْقَاق بمرضه، أَلا ترى أَنه لَو كَانَ على الْأَجْنَبِيّ فَأقر باستيفائه فِي مَرضه كَانَ صَحِيحا فِي حق الْغُرَمَاء الصِّحَّة وَأجِيب بِأَن الْمَنْع لحق غُرَمَاء الصِّحَّة، وَهُوَ عِنْد الْمَرَض لَا يتَعَلَّق بِالدّينِ، بل بِمَا يُمكن اسْتِيفَاء دينهم مِنْهُ فَلم يُصَادف إِقْرَاره محلا تعلق حَقهم بِهِ، وَفِيه مَا فِيهِ (وَأما الْحيض) وَهُوَ مانعية شَرْعِيَّة بِسَبَب دم من الرَّحِم لَا بِوِلَادَة عَمَّا اشْترط فِيهِ الطَّهَارَة وَعَن الصَّوْم وَدخُول الْمَسْجِد والقربان إِن كَانَ مُسَمَّاهُ حَدثا وَنَفس الدَّم الْمَذْكُور إِن كَانَ مُسَمَّاهُ خبثا (وَالنّفاس) وَهُوَ مانعية شَرْعِيَّة بِسَبَب الدَّم من الرَّحِم عَن الْولادَة عَمَّا ذكر، أَو الدَّم الْمَذْكُور (فَلَا يسقطان أَهْلِيَّة الْوُجُوب وَلَا الْأَدَاء) لعدم إخلالهما بِالذِّمةِ وَالْعقل وقدرة الْبدن (إِلَّا أَنه ثَبت أَن الطَّهَارَة عَنْهُمَا شَرط) أَدَاء (الصَّلَاة) بِالسنةِ كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن رَسُول الله ﷺ " قَالَ للنِّسَاء أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مثل نصف شَهَادَة الرجل؟ قُلْنَ بلَى، قَالَ فَذَلِك من نُقْصَان عقلهَا، أَلَيْسَ إِذا حَاضَت لم تصلّ وَلم تصم؟ قُلْنَ بلَى، قَالَ فَذَلِك من نُقْصَان دينهَا، وبالإجماع (على وفْق الْقيَاس) لِكَوْنِهِمَا من الأنجاس أَو الْأَحْدَاث وَالطَّهَارَة مِنْهُمَا شَرط لَهَا (و) شَرط أَدَاء (الصَّوْم على خِلَافه) أَي الْقيَاس لتأديه مَعَ النَّجَاسَة وَالْحَدَث الْأَصْغَر والأكبر بِلَا خلاف بَين الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة (ثمَّ انْتَفَى وجوب قَضَاء الصَّلَاة) عَلَيْهِمَا (للْحَرج) لدخولها فِي حد الْكَثْرَة، لِأَن أقل مُدَّة الْحيض عِنْد أَصْحَابنَا ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها أَو يَوْمَانِ وَأكْثر الثَّالِث كَمَا عَن أبي يُوسُف ﵀، وَمُدَّة النّفاس فِي الْعَادة أَكثر من مُدَّة الْحيض، وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام، وَأَقل مُدَّة الطُّهْر خَمْسَة عشر يَوْمًا فقد يَقع فِي الشَّهْر مرَّتَيْنِ فيستوفي نصفه، وَالصَّلَاة تجب فِي جَمِيع السّنة (دون الصَّوْم) أَي لم ينتف وجوب قَضَائِهِ عَلَيْهَا لعدم الْحَرج لِأَن الْحيض لَا يستوعب الشَّهْر، وَالنّفاس ينْدر فِيهِ (كَمَا مر) فِي الْفَصْل الَّذِي قبل هَذَا من قَوْله وَلعدم حكم الْوُجُوب من الْأَدَاء لم تجب الصَّلَاة على الْحَائِض لانْتِفَاء الْأَدَاء شرعا وَالْقَضَاء للْحَرج والتكليف للرحمة، والحرج طَرِيق التّرْك، بِخِلَاف الصَّوْم فَيثبت لفائدة الْقَضَاء وَعدم الْحَرج، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: كَانَ يصيبنا ذَلِك، تَعْنِي الْحيض فنؤمر بِقَضَاء الصَّوْم وَلَا نؤمر بِقَضَاء الصَّلَاة، وَعَلَيْهِمَا إِجْمَاع الْأمة، ثمَّ بَقِي أَن يُقَال (فَانْتفى) وجوب أَدَاء
стр. 666
الصَّوْم عَلَيْهِمَا فِي الْحَالَتَيْنِ (أَولا) فِيهِ (خلاف) بَين الشَّافِعِيَّة فَقيل يجب، نَقله السُّبْكِيّ ﵀ عَن أَكثر الْفُقَهَاء لتحَقّق الْأَهْلِيَّة وَالسَّبَب وَهُوَ شُهُود الشَّهْر وَلِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِمَا الْقَضَاء بِقدر مَا فَاتَ فَكَانَ المأتيّ بِهِ بَدَلا عَن الْفَائِت، وَقيل لَا يجب، وَذكر مُتَأَخّر أَنه الْأَصَح عِنْد الْجُمْهُور لانْتِفَاء شَرطه وَهُوَ الطَّهَارَة، وشهود الشَّهْر مُوجب عِنْد انْتِفَاء الْعذر لَا مُطلقًا وَوُجُوب الْقَضَاء يتَوَقَّف على سَبَب الْوُجُوب وَهُوَ شُهُود الشَّهْر، لَا على وجوب الْأَدَاء: وَإِلَّا لما وَجب قَضَاء الصَّلَاة على من نَام جَمِيع وَقتهَا، وَأما على أَنه سَبَب جَدِيد فأظهر إِذْ لَا يَسْتَدْعِي وجوبا سَابِقًا فَلَا يتَوَقَّف وُجُوبه على وجوب الْأَدَاء وَأورد عَلَيْهِ أَنه يلْزم أَن لَا يُسمى قَضَاء لعدم اسْتِدْرَاك مَا فَاتَ من الْوُجُوب وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا ينْحَصر وَجه التَّسْمِيَة فِيمَا ذكر، بل يَكْفِي فِيهِ اسْتِدْرَاك مصلحَة مَا انْعَقَد بِسَبَب وُجُوبه وَلم يجب لمَانع، وَلذَا قَالَ المُصَنّف ﵀ (والانتفاء أَقيس) لِأَن الْأَدَاء حَالَة الْحيض حرَام منهيّ عَنهُ فَلَا يكون وَاجِبا مَأْمُورا بِهِ للتنافي بَينهمَا (وَأما الْمَوْت) عزى إِلَى أهل السّنة أَنه صفة وجودية مضادة للحياة كَمَا هُوَ ظَاهر قَوْله تَعَالَى - ﴿خلق الْمَوْت والحياة﴾ - وَإِلَى الْمُعْتَزلَة أَنه عدم الْحَيَاة عَمَّا من شَأْنه، وَأَن الْخلق فِي الْآيَة بِمَعْنى التَّقْدِير، ثمَّ هُوَ لَيْسَ بِعَدَمِ مَحْض، وَلَا فنَاء صرف، وَإِنَّمَا هُوَ انْقِطَاع تعلق الرّوح بِالْبدنِ ومفارقته وتبدل حَال وانتقال من دَار إِلَى دَار (فَيسْقط بِهِ) عَن الْمَيِّت (الْأَحْكَام الأخروية). قَالَ الشَّارِح: وَهَذَا سَهْو وَالصَّوَاب كَمَا فِي عَامَّة الْكتب الدُّنْيَوِيَّة انْتهى، حكم بالسهو وَالْخَطَأ من غير أَن يحوم حول مُرَاده وَلم يدر أَن مَا وصفوه بالدنيوية هُوَ بِعَيْنِه مَا وَصفه المُصَنّف بالأخروية، غير ان هَذَا التَّعْبِير أولى، وَذَلِكَ لِأَن الْأَحْكَام تعم الْأَوَامِر والنواهي وَمَا يجب لَهُ على الْغَيْر وَعَكسه من الْحُقُوق الْمَالِيَّة والمظالم إِلَى غير ذَلِك، فَمِنْهَا مَا الْمَقْصُود مِنْهُ الْعَمَل لقصد الْقرْبَة وَلَا شكّ فِي سُقُوطه للعجز الْكُلِّي وَسَماهُ الْمَشَايِخ ﵏ دنيويا نظرا إِلَى أَن الْإِتْيَان بِهِ فِي دَار الدُّنْيَا، وَالْمُصَنّف ﵀ أخرويا نظرا إِلَى أَن فَائِدَته تظهر فِي دَار الْآخِرَة وَالنَّظَر إِلَى الْعَاقِبَة أولى، فَالَّذِي يفهم بطرِيق الْمُقَابلَة إِنَّمَا هُوَ كَون الْحُقُوق الْمَالِيَّة وَنَحْوهَا دنيوية وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن وَالله سُبْحَانَهُ أعلم (التكليفية) يَعْنِي بالخطابات الْمُتَعَلّقَة بِفعل الْمُكَلف اقْتِضَاء بِخِلَاف الأخروية الَّتِي هِيَ غَيرهَا كاستحقاق الثَّوَاب وَالْعِقَاب فَإِنَّهَا لَا تسْقط (كَالزَّكَاةِ وَغَيرهَا) من الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْحج إِلَى غير ذَلِك لِأَن التَّكْلِيف فرع الْقُدْرَة، وَلَا عجز فَوق الْعَجز بِالْمَوْتِ (إِلَّا) فِي حق (الْإِثْم) بالتقصير فِي فعلهَا حَال حَيَاته، فَإِن الحكم الأخروي بِهَذَا الِاعْتِبَار لَا يسْقط عَنهُ (وَمَا شرع عَلَيْهِ) أَي الْمَيِّت (لحَاجَة غَيره فَإِنَّهُ) كَانَ ذَلِك الشُّرُوع (حَقًا مُتَعَلقا بِعَين) من تركته (بَقِي) ذَلِك الْحق فِي تِلْكَ الْعين (ببقائها كالأمانات والودائع والغصوب لِأَن الْمَقْصُود) من شرع هَذَا النَّوْع من الْحق (حُصُوله) أَي ذَلِك الشَّيْء الْمعِين (لصحابه لَا الْفِعْل)
стр. 667
أَي فعل الْمَيِّت حَتَّى يُقَال: لَا وَجه لبَقَائه (وَلذَا) أَي وَلكَون الْمَقْصُود ذَلِك (لَو ظفر بِهِ) أَي بذلك الشَّيْء الْمعِين صَاحبه كَانَ (لَهُ أَخذه) لحُصُول الْمَقْصُود: وَهُوَ حُصُول الْحق إِلَى الْمُسْتَحق لَا التَّسْلِيم الَّذِي هُوَ فعل المؤتمن وَالْمُودع وَالْغَاصِب (بِخِلَاف الْعِبَادَات) فَإِن الْمَقْصُود مِنْهَا حُصُول الْفِعْل من الْمُكَلف اخْتِيَارا وَقد فَاتَ (وَلذَا) أَي وَلكَون الْمَقْصُود من الْعِبَادَات فعل الْمُكَلف (لَو ظفر الْفَقِير بِمَال الزَّكَاة لَيْسَ لَهُ أَخذه) وَلَو عين صَاحب المَال جَزَاء معينا لِلزَّكَاةِ (وَلَا تسْقط) الزَّكَاة عَن مَالِكه (بِهِ) أَي بِأَخْذِهِ إِيَّاه لانْتِفَاء الْمَقْصُود (وَإِن) كَانَ ذَلِك الْمَشْرُوع (دينا لم يبْق) وُجُوبه على الْمَيِّت (بِمُجَرَّد الذِّمَّة) الَّتِي اعتبرها الشَّرْع للْمَيت لبَعض الْمصَالح (لِضعْفِهَا) أَي الذِّمَّة (بِالْمَوْتِ فَوْقه) أَي فَوق ضعفها (بِالرّقِّ) وَقد يُرْجَى زَوَاله بِالْعِتْقِ: وَالْمَوْت لَا يزجى زَوَاله عَادَة (بل) إِنَّمَا يبْقى (إِذا قويت) ذمَّته، و (بِمَال) تَركه (أَو كَفِيل) كفل بِهِ (قبل الْمَوْت لِأَن المَال مَحل الِاسْتِيفَاء) الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود من الْوُجُوب (وَذمَّة الْكَفِيل تقَوِّي ذمَّة الْمَيِّت) لِأَن الْكفَالَة ضم ذمَّة إِلَى ذمَّة فِي الْمُطَالبَة (فَإِن لم يكن مَال) بِأَن مَاتَ مُفلسًا وَلَا كَفِيل بِهِ قبل الْمَوْت (لم تصح الْكفَالَة بِهِ) أَي بِمَا على الْمَيِّت (لانتقاله) أَي مَا على الْمَيِّت بطرِيق السُّقُوط لضعف الذِّمَّة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بِهِ) أَي بِالْمَوْتِ (عِنْد أبي حنيفَة ﵀ لِأَنَّهَا) أَي الْكفَالَة (الْتِزَام الْمُطَالبَة) بِمَا يُطَالب بِهِ الْأَصِيل (لَا تَحْويل الدّين) عَن الْأَصِيل إِلَى الْكَفِيل (وَلَا مُطَالبَة) للأصيل والتزام الْمُطَالبَة فرع وجودهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَصِيل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَلَا الْتِزَام بِخِلَاف العَبْد الْمَحْجُور) الَّذِي يقر (بِالدّينِ) فَإِنَّهُ (نصح) الْكفَالَة (بِهِ) أَي بذلك الدّين الَّذِي أقرّ بِهِ (لِأَن ذمَّته قَائِمَة) لكَونه حَيا مُكَلّفا، والمطالبة مُحْتَملَة، إِذْ يُمكن أَن يصدقهُ الْمولى فِي الْحَال فَيُطَالب فِي الْحَال أَو يعتقهُ فيطالبه بعده، فباعتبار هَذَا الْمَعْنى صحت الْكفَالَة، وَإِن كَانَ الْأَصِيل غير مطَالب فِي الْحَال وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَن ضم مَالِيَّة رقبته إِلَى ذمَّته يَقْتَضِي كَونهَا غير كَامِلَة: أَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (وَإِنَّمَا انْضَمَّ إِلَيْهَا) أَي إِلَى ذمَّته (مَالِيَّة الرَّقَبَة فِيمَا ظهر) أَي فِي ظُهُور الدّين (فِي حق الْمولى ليباع نظرا للْغُرَمَاء) لِأَن تعلق حَقهم بمالية العَبْد يصون حَقهم عَن التلاف إِذْ يُبَاع حِينَئِذٍ أَن لم يقر الْمولى وَلَا يصرف إِلَّا فِي اسْتِيفَاء حَقهم إِلَّا أَن يفضل الثّمن عَنهُ فَلَيْسَ الانضمام لعدم كَمَال الذِّمَّة: بل للْمصْلحَة الْمَذْكُورَة (وَتَصِح) الْكفَالَة الْمَذْكُورَة (عِنْدهمَا) وَبِه قَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، وعزى إِلَى أَكثر أهل الْعلم (لِأَن بِالْمَوْتِ لَا يبرأ) لِأَنَّهُ لم يشرع مبرئا للحقوق ومبطلا لَهَا (وَلذَا) أَي لعدم كَونه مبرئا (يُطَالب بهَا فِي الْآخِرَة إِجْمَاعًا، وَفِي الدُّنْيَا إِذا ظهر) لَهُ (مَال، وَلَو تبرع أحد عَن الْمَيِّت) بأَدَاء الدّين (حل أَخذه، وَلَو بَرِئت) ذمَّته مِنْهُ بِالْمَوْتِ (لم يحل) أَخذه (وَالْعجز عَن الْمُطَالبَة) للْمَيت (لعدم قدرَة الْمَيِّت لَا يمْنَع صِحَّتهَا) أَي الْكفَالَة عَنهُ بِهِ (كَكَوْنِهِ) أَي
стр. 668
الْأَصِيل (مُفلسًا) أَي عدم قدرَة الْمَيِّت على الْمُطَالبَة كإفلاسه فَإِنَّهُ بعد ثُبُوت الإفلاس يعجز صَاحب الدّين عَن الْمُطَالبَة شرعا لقَوْله تَعَالَى - ﴿فنظرة إِلَى ميسرَة﴾ - (وَيدل عَلَيْهِ) أَي على عدم بَرَاءَة ذمَّة الْمَيِّت أَو عدم سُقُوط الدّين بل على كَون الْكفَالَة عِنْد صَحِيحه (حَدِيث) جَابر " كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يُصَلِّي على رجل مَاتَ وَعَلِيهِ دين: فَأتي بميت فَقَالَ: أعليه دين؟ قَالُوا نعم: دِينَارَانِ، قَالَ صلوا على صَاحبكُم فَقَالَ أَبُو قَتَادَة الْأنْصَارِيّ ﵁ (هما عليّ) يَا رَسُول الله (فصلى عَلَيْهِ) رَسُول الله ﷺ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (وَالْجَوَاب عَنهُ) أَي الحَدِيث (باحتماله) أَي قَوْله هما عليّ (الْعدة) بوفائهما لَا الْتِزَام الْكفَالَة (وَهُوَ) أَي كَونه للعدة (الظَّاهِر إِذْ لَا تصح الْكفَالَة للْمَجْهُول) بِلَا خلاف، وَالظَّاهِر أَن صَاحب الدّين كَانَ مَجْهُولا، وَلَا لذكر، قَالَ الشَّارِح وَهُوَ مُشكل بِمَا فِي لفظ عَن جَابر، وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد فَجعل رَسُول الله ﷺ يَقُول: هِيَ عَلَيْك وَفِي مَالك، وَالْمَيِّت مِنْهَا بَرِيء قَالَ نعم: فصلى عَلَيْهِ، وعَلى هَذَا فَيحمل على أَن أَبَا قَتَادَة علم صَاحب الدينارين حِين كفلها أه وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه قد يُقَال لمن يعد مثل هَذَا الْكَلَام للتَّأْكِيد والتقرير عَلَيْهِ كَمَا روى عَنهُ ﷺ " الْعدة دين " فَلَا إِشْكَال وَأجَاب فِي الْمَبْسُوط بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن قَوْله هما عليّ كَانَ إِقْرَار بكفالة سَابِقَة، وَلَا يخفى بعده، وبأنها وَاقعَة حَال لَا عُمُوم لَهَا فَلَا يسْتَدلّ بهَا فِي خُصُوص مَحل النزاع قلت يُقَاس المنازع فِيهِ على مورد النَّص لاشتراك الْعلَّة هَذَا فِي حَدِيث ابْن حبَان فَقَالَ أَبُو قَتَادَة أَنا أكفل بِهِ قَالَ بِالْوَفَاءِ: قلا بِالْوَفَاءِ فصلى عَلَيْهِ ﷺ وَهَذَا يقوّي قَول أبي يُوسُف ﵀ لَا يشْتَرط قبُول الْمَكْفُول لَهُ فِي الْمجْلس، وَبِه أفتى بعض الْمَشَايِخ (والمطالبة فِي الْآخِرَة رَاجِعَة إِلَى الْإِثْم وَلَا يفْتَقر إِلَى بَقَاء الذِّمَّة فضلا عَن قوتها، وبظهور المَال تقوت) ذكر لصِحَّة الْكفَالَة وَجْهَيْن: الأول عدم بَرَاءَة الْمَيِّت، وَالثَّانِي الحَدِيث فَأجَاب عَنهُ بقوله وَالْجَوَاب عَنهُ إِلَى آخِره، وَعلل الأول بالمطالبة فِي الْآخِرَة، فَأجَاب عَنهُ بقوله والمطالبة فِي الدُّنْيَا عَنهُ وَظُهُور المَال فَأجَاب عَنهُ بِأَن ظُهُوره يقوّي الذِّمَّة فَيُطَالب، وبالتبرع إِلَى آخِره عَن الْمَيِّت، وسيجيب عَنهُ وترقى الْجَواب الآخر فَقَالَ (بل ظُهُور قوتها) يَعْنِي كَانَت مَوْجُودَة فِي نفس الْأَمر: لَكِنَّهَا خفيت فَلَمَّا ظهر ظَهرت (وَهُوَ) أَي فِي تقويها (الشَّرْط) لصِحَّة الْكفَالَة (حَتَّى لَو تفوت بلحوق دين بعد الْمَوْت صحت الْكفَالَة بِهِ) أَي بِالدّينِ اللَّاحِق (بِأَن حفر بِئْرا على الطَّرِيق فَتلف بِهِ) أَي بالمحفور والحفر (حَيَوَان بعد مَوته) أَي الْحَافِر (فَإِنَّهُ يثبت الدّين) فِي هَذَا الْمُتْلف (مُسْتَندا إِلَى وَقت السَّبَب) أَي الْحفر (الثَّابِت حَال قيام الذِّمَّة) الصَّالِحَة للْوُجُوب يَعْنِي حَال الْحَيَاة (والمستند يثبت أَولا فِي الْحَال) ثمَّ يسْتَند (وَيلْزمهُ) أَي ثُبُوته فِي الْحَال (اعْتِبَار قوتها حِينَئِذٍ بِهِ) أَي بِالدّينِ اللَّاحِق، وَجَوَاب الشَّرْط مَا أَفَادَهُ بقوله (وَصِحَّة التَّبَرُّع لبَقَاء الدّين من
стр. 669
جِهَة من لَهُ) الدّين (وَإِن كَانَ سَاقِطا فِي حق من عَلَيْهِ) الدّين (والسقوط بِالْمَوْتِ لضَرُورَة فَوت الْمحل فيتقدر) السُّقُوط (بِقَدرِهِ) أَي فَوت الْمحل (فَيظْهر) السُّقُوط (فِي حق من عَلَيْهِ لَا) فِي حق (من لَهُ وَإِن كَانَ) التَّبَرُّع عَلَيْهِ مَشْرُوعا (بطرِيق الصِّلَة للْغَيْر كَنَفَقَة الْمَحَارِم وَالزَّكَاة وَصدقَة الْفطر سَقَطت) هَذِه الصلات بِالْمَوْتِ (لِأَن الْمَوْت فَوق الرّقّ) فِي ضعف الذِّمَّة (وَلَا صلَة وَاجِبَة مَعَه) أَي مَعَ الرّقّ فَكَذَا بعد الْمَوْت بِالطَّرِيقِ الأولى (إِلَّا أَن يُوصي بِهِ) أَي بالمشروع صلَة (فَيعْتَبر كَغَيْرِهِ) أَي غير هَذَا الْمَشْرُوع من المشروعات: كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَالْوَجْه أَن يُقَال أَي غير هَذَا الْإِيصَاء من الْوَصَايَا (من الثُّلُث) لتصحيح الشَّارِع ذَلِك مِنْهُ نظرا لَهُ (وَأما مَا شرع لَهُ) أَي للْمَيت (فَيبقى مِمَّا لَهُ) أَي للْمَيت (إِلَيْهِ حَاجَة قدر مَا تنْدَفع) الْحَاجة (بِهِ) الضَّمِير للموصول، وَقَوله قدر إِلَى آخِره بدل مِمَّا لَهُ وَمن فِي مِمَّا بَيَان للموصول الأول، وَالضَّمِير فِي يبْقى رَاجع إِلَيْهِ: وَيحْتَمل أَن يكون قدر إِلَى آخِره فَاعل يبْقى، وَمن فِي مِمَّا تبعيضية، وَيقدر مِنْهُ ليرتبط بِهِ مَا بعد الْفَاء بِمَا قبله (على ملكه) أَي الْمَيِّت مُتَعَلق بيبقى، وَقَوله (من التَّرِكَة) بَيَان لقَوْله مِمَّا لَهُ إِلَيْهِ حَال كَون ذَلِك الْمُحْتَاج إِلَيْهِ (دينا وَوَصِيَّة وجهازا) لَهُ مِمَّا يَلِيق بِهِ بِالْمَعْرُوفِ (وَيقدم) الجهاز على الدّين وَالْوَصِيَّة إِجْمَاعًا: لكَونه آكِد، وَهَذَا التَّقْدِيم فِي حق كل دين (إِلَّا فِي دين عَلَيْهِ) أَي الْمَيِّت (تعلق بِعَين) فَإِنَّهُ لَا يقدم الجهاز عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْعين (كالمرهون وَالْمُشْتَرِي قبل الْقَبْض، وَالْعَبْد الْجَانِي، فَفِي هَذِه) الصُّور وأمثالها (صَاحب الْحق أَحَق بِالْعينِ) من تَجْهِيزه، ويتقدم الدّين على الْوَصِيَّة بِالْإِجْمَاع، (وَلذَا أَي ولبقاء مَاله إِلَيْهِ حَاجَة (بقيت الْكِتَابَة بعد موت الْمولى لِحَاجَتِهِ) أَي الْمولى (إِلَى ثَوَاب الْعتْق) فِي الصِّحَاح السِّتَّة عَنهُ ﷺ " أَيّمَا امْرِئ مُسلم أعتق امْرأ مُسلما استنقذ الله بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ فِي النَّار " وَالْمكَاتب بعد أَدَاء الْكِتَابَة مُعتق (وَحُصُول الْوَلَاء) الْمُرَتّب على الْإِعْتَاق لوَرثَته (و) بقيت الْكِتَابَة (بعد موت الْمكَاتب عَن وَفَاء) للكتابة (لِحَاجَتِهِ) أَي الْمكَاتب (إِلَى الْمَالِكِيَّة الَّتِي عقد لَهَا) عقد الْكِتَابَة (وحرية أَوْلَاده الْمَوْجُودين فِي لَهَا) أَي الْكِتَابَة ولدُوا فِيهَا أَو اشتراهم فِيهَا، وَزَوَال الرّقّ الَّذِي هُوَ أثر الْكفْر عَنهُ، وَعَن أَوْلَاده (فَيعتق) الْمكَاتب (فِي آخر جُزْء من حَيَاته) لِأَن الْإِرْث يثبت من وَقت الْمَوْت: فَلَا بُد من استناد الْملك وَالْعِتْق الْمُقَرّر لَهَا إِلَى ذَلِك الْوَقْت، وَلَا شكّ فِي أَن حُدُوث الْمَوْت مُتَّصِل بآخر جُزْء من الْحَيَاة فَاعْتبر ذَلِك الْجُزْء لِأَن وَقت الْمَوْت لَا يصلح لاعْتِبَار الْعتْق (دون المملوكية) مُتَّصِل بقوله لِحَاجَتِهِ إِلَى الْمَالِكِيَّة (إِذْ لَا حَاجَة) لَهُ إِلَى الْكِتَابَة (إِلَّا ضَرُورَة بَقَاء ملك الْيَد) ومحليته التَّصَرُّف إِلَى وَقت الْأَدَاء (ليمكن الْأَدَاء فبقاؤها) أَي الْكِتَابَة (كَون سَلامَة الإكساب قَائِمَة) أَي بَاقِيَة كَمَا كَانَ قبل الْوَقْت بِمُوجب عقد الْكِتَابَة (وَثُبُوت حريَّة الْأَوْلَاد عِنْد دفع ورثته) أَي الْمكَاتب مَال
стр. 670
الْكِتَابَة إِلَى الْمولى (وَثُبُوت عتقه) أَي الْمكَاتب فِي آخر جُزْء حَيَاته حَال كَونه (شَرط ذَلِك): أَي حريَّة الْأَوْلَاد الَّتِي تتفرع عَلَيْهَا وراثتهم، وَصِحَّة دفعهم مَال الْكِتَابَة (ضمني فَلَا يشْتَرط لَهُ) أَي لثُبُوت عتقه (الْأَهْلِيَّة) أَي أَهْلِيَّة الْمكَاتب، فَلَا يُقَال كَيفَ يثبت الْعتْق للْمَيت فترتب على هَذَا الثُّبُوت ثُبُوته فِي آخر حَيَاته مُسْتَندا فَإِن اشْتِرَاط الْأَهْلِيَّة لَهُ فِيمَا إِذا كَانَ غير ضمني فَقَوله دون المملوكية إِشَارَة إِلَى جَوَاب سُؤال مُقَدّر، وَهُوَ أَن بَقَاء الْكِتَابَة يحْتَاج إِلَى وجود المملوكية إِذْ لَا تصح كِتَابَته وَحَاصِل الْجَواب أَن حَاجَة هَذَا الْمبيت إِلَى بَقَاء الْكِنَايَة لَيْسَ إِلَّا لمصْلحَة بَقَاء ملك لَهُ، وَهَذِه الْمصلحَة حَاصِلَة إِذا اعْتبر عتقه من آخر جُزْء حَيَاته: فَالْمُرَاد بِبَقَاء الْكِتَابَة بَقَاء مَا هُوَ الْمَقْصد مِنْهَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله فبقاؤها كَون سَلامَة الإكساب إِلَى آخِره (لملك الْمَغْصُوب) لما ثَبت شرطا لملك الْبَدَل وَكَانَ ثُبُوته ضمنيا ثَبت (عِنْد) أَدَاء (الْبَدَل) مُسْتَندا إِلَى وَقت الْغَصْب وَإِن كَانَ الْمَغْصُوب حَال الْأَدَاء هَالكا والهالك لَا أَهْلِيَّة لَهُ للمملوكية وَلما كَانَ هُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ أَن بَقَاء الْكِتَابَة المستلزمة لاعْتِبَار الرّقّ رَقَبَة تنَافِي ثُبُوت الْإِرْث مِنْهُ قَالَ (وَمَعَ بَقَائِهَا) أَي الْكِتَابَة (يثبت الْإِرْث) لوَارِثه مِنْهُ (نظرا لَهُ) أَي للْمَيت (إِذْ هُوَ) أَي الْإِرْث (خلَافَة لِقَرَابَتِهِ وَزَوجته وَأهل دينه) فِيمَا يتْركهُ إِقَامَة من الشَّارِع لَهُم فِي ذَلِك مقَامه لينتفعوا كانتفاعه فَلَو لم يثبت الْإِرْث لَهُم لزم عدم رِعَايَة مصلحَة الْمَيِّت الْمَذْكُور، وَهُوَ خلاف مَا يَقْتَضِيهِ نظر الشَّارِع فِي حَقه (ولكونه) أَي الْمَيِّت (سَبَب الْخلَافَة خَالف التَّعْلِيق) للْمُعْتق وَغَيره (بِهِ) أَي بِالْمَوْتِ (على) الْمَعْنى (الْأَعَمّ) للتعليق (من الْإِضَافَة) كَقَوْلِه أَنْت حر غَدا، وَالتَّعْلِيق بِالْمَعْنَى الْأَخَص، وَهُوَ تَعْلِيق الحكم على مَا هُوَ على خطر الْوُقُوع، وَالْمعْنَى الْأَعَمّ لَهُ تَأْخِير الحكم عَن زمَان الْإِيجَاب لمَانع مِنْهُ حِينَئِذٍ مقترن بِهِ لفظا وَمعنى (غَيره) أَي غير التَّعْلِيق بِالْمَوْتِ، وَالتَّعْلِيق بِغَيْر الْمَوْت مَعْقُول خَالف علية كَونه سَببا للخلافة لمُخَالفَة التَّعْلِيق بِهِ التَّعْلِيق بِغَيْرِهِ: إِنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَار أَنه يسْتَلْزم تحقق الْمُعَلق بِهِ فِي زمَان قيام الْخَلِيفَة مقَام من صدر مِنْهُ التَّعْلِيق، فيراعى فِي هَذَا التَّعْلِيق جَانب الْخَلِيفَة، وباعتباره تخْتَلف الْأَحْكَام (فصح تَعْلِيق التَّمْلِيك بِهِ) بِالْمَوْتِ (وَهُوَ) أَي تَعْلِيق التَّمْلِيك (معنى الْوَصِيَّة) لِأَنَّهَا تمْلِيك مُضَاف لما بعد الْمَوْت، وَجه التَّفْرِيع أَنه لَو لم يكن الْمَوْت سَببا للخلافة لما صَحَّ تَعْلِيق التَّمْلِيك بِهِ لِأَن الْمُتَعَلّق بِالشّرطِ عِنْد وجود الشَّرْط تَنْجِيز من الْمُعَلق، وَهُوَ عِنْد ذَلِك ميت لَيْسَ بِأَهْل للتَّمْلِيك: لَكِن لما كَانَ خَليفَة قَائِما مقَامه صَار كَأَنَّهُ مَوْجُود عِنْد ذَلِك (وَلزِمَ تَعْلِيق الْعتْق بِهِ) أَي بِالْمَوْتِ (وَهُوَ) قَالَ الشَّارِح أَي لُزُومه، وَالْوَجْه أَن يُقَال أَي تَعْلِيق الْعتْق بِالْمَوْتِ (معنى التَّدْبِير الْمُطلق) وإطلاقه أَن لَا يُقيد الْمَوْت بِقَيْد كَأَن يَقُول: إِن مت فِي مرضِي هَذَا، وَنقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: إِنَّمَا قَالَ فصح تَعْلِيق التَّمْلِيك وَلزِمَ تَعْلِيق الْعتْق للْفرق بَين الْوَصِيَّة بِالْمَالِ وبالعتق لِأَن الْعتْق
следующие страницы →