Полный текст (1 287 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الصَّوْم عَلَيْهِمَا فِي الْحَالَتَيْنِ (أَولا) فِيهِ (خلاف) بَين الشَّافِعِيَّة فَقيل يجب، نَقله السُّبْكِيّ ﵀ عَن أَكثر الْفُقَهَاء لتحَقّق الْأَهْلِيَّة وَالسَّبَب وَهُوَ شُهُود الشَّهْر وَلِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِمَا الْقَضَاء بِقدر مَا فَاتَ فَكَانَ المأتيّ بِهِ بَدَلا عَن الْفَائِت، وَقيل لَا يجب، وَذكر مُتَأَخّر أَنه الْأَصَح عِنْد الْجُمْهُور لانْتِفَاء شَرطه وَهُوَ الطَّهَارَة، وشهود الشَّهْر مُوجب عِنْد انْتِفَاء الْعذر لَا مُطلقًا وَوُجُوب الْقَضَاء يتَوَقَّف على سَبَب الْوُجُوب وَهُوَ شُهُود الشَّهْر، لَا على وجوب الْأَدَاء: وَإِلَّا لما وَجب قَضَاء الصَّلَاة على من نَام جَمِيع وَقتهَا، وَأما على أَنه سَبَب جَدِيد فأظهر إِذْ لَا يَسْتَدْعِي وجوبا سَابِقًا فَلَا يتَوَقَّف وُجُوبه على وجوب الْأَدَاء وَأورد عَلَيْهِ أَنه يلْزم أَن لَا يُسمى قَضَاء لعدم اسْتِدْرَاك مَا فَاتَ من الْوُجُوب وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا ينْحَصر وَجه التَّسْمِيَة فِيمَا ذكر، بل يَكْفِي فِيهِ اسْتِدْرَاك مصلحَة مَا انْعَقَد بِسَبَب وُجُوبه وَلم يجب لمَانع، وَلذَا قَالَ المُصَنّف ﵀ (والانتفاء أَقيس) لِأَن الْأَدَاء حَالَة الْحيض حرَام منهيّ عَنهُ فَلَا يكون وَاجِبا مَأْمُورا بِهِ للتنافي بَينهمَا (وَأما الْمَوْت) عزى إِلَى أهل السّنة أَنه صفة وجودية مضادة للحياة كَمَا هُوَ ظَاهر قَوْله تَعَالَى - ﴿خلق الْمَوْت والحياة﴾ - وَإِلَى الْمُعْتَزلَة أَنه عدم الْحَيَاة عَمَّا من شَأْنه، وَأَن الْخلق فِي الْآيَة بِمَعْنى التَّقْدِير، ثمَّ هُوَ لَيْسَ بِعَدَمِ مَحْض، وَلَا فنَاء صرف، وَإِنَّمَا هُوَ انْقِطَاع تعلق الرّوح بِالْبدنِ ومفارقته وتبدل حَال وانتقال من دَار إِلَى دَار (فَيسْقط بِهِ) عَن الْمَيِّت (الْأَحْكَام الأخروية). قَالَ الشَّارِح: وَهَذَا سَهْو وَالصَّوَاب كَمَا فِي عَامَّة الْكتب الدُّنْيَوِيَّة انْتهى، حكم بالسهو وَالْخَطَأ من غير أَن يحوم حول مُرَاده وَلم يدر أَن مَا وصفوه بالدنيوية هُوَ بِعَيْنِه مَا وَصفه المُصَنّف بالأخروية، غير ان هَذَا التَّعْبِير أولى، وَذَلِكَ لِأَن الْأَحْكَام تعم الْأَوَامِر والنواهي وَمَا يجب لَهُ على الْغَيْر وَعَكسه من الْحُقُوق الْمَالِيَّة والمظالم إِلَى غير ذَلِك، فَمِنْهَا مَا الْمَقْصُود مِنْهُ الْعَمَل لقصد الْقرْبَة وَلَا شكّ فِي سُقُوطه للعجز الْكُلِّي وَسَماهُ الْمَشَايِخ ﵏ دنيويا نظرا إِلَى أَن الْإِتْيَان بِهِ فِي دَار الدُّنْيَا، وَالْمُصَنّف ﵀ أخرويا نظرا إِلَى أَن فَائِدَته تظهر فِي دَار الْآخِرَة وَالنَّظَر إِلَى الْعَاقِبَة أولى، فَالَّذِي يفهم بطرِيق الْمُقَابلَة إِنَّمَا هُوَ كَون الْحُقُوق الْمَالِيَّة وَنَحْوهَا دنيوية وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن وَالله سُبْحَانَهُ أعلم (التكليفية) يَعْنِي بالخطابات الْمُتَعَلّقَة بِفعل الْمُكَلف اقْتِضَاء بِخِلَاف الأخروية الَّتِي هِيَ غَيرهَا كاستحقاق الثَّوَاب وَالْعِقَاب فَإِنَّهَا لَا تسْقط (كَالزَّكَاةِ وَغَيرهَا) من الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْحج إِلَى غير ذَلِك لِأَن التَّكْلِيف فرع الْقُدْرَة، وَلَا عجز فَوق الْعَجز بِالْمَوْتِ (إِلَّا) فِي حق (الْإِثْم) بالتقصير فِي فعلهَا حَال حَيَاته، فَإِن الحكم الأخروي بِهَذَا الِاعْتِبَار لَا يسْقط عَنهُ (وَمَا شرع عَلَيْهِ) أَي الْمَيِّت (لحَاجَة غَيره فَإِنَّهُ) كَانَ ذَلِك الشُّرُوع (حَقًا مُتَعَلقا بِعَين) من تركته (بَقِي) ذَلِك الْحق فِي تِلْكَ الْعين (ببقائها كالأمانات والودائع والغصوب لِأَن الْمَقْصُود) من شرع هَذَا النَّوْع من الْحق (حُصُوله) أَي ذَلِك الشَّيْء الْمعِين (لصحابه لَا الْفِعْل)
стр. 667
أَي فعل الْمَيِّت حَتَّى يُقَال: لَا وَجه لبَقَائه (وَلذَا) أَي وَلكَون الْمَقْصُود ذَلِك (لَو ظفر بِهِ) أَي بذلك الشَّيْء الْمعِين صَاحبه كَانَ (لَهُ أَخذه) لحُصُول الْمَقْصُود: وَهُوَ حُصُول الْحق إِلَى الْمُسْتَحق لَا التَّسْلِيم الَّذِي هُوَ فعل المؤتمن وَالْمُودع وَالْغَاصِب (بِخِلَاف الْعِبَادَات) فَإِن الْمَقْصُود مِنْهَا حُصُول الْفِعْل من الْمُكَلف اخْتِيَارا وَقد فَاتَ (وَلذَا) أَي وَلكَون الْمَقْصُود من الْعِبَادَات فعل الْمُكَلف (لَو ظفر الْفَقِير بِمَال الزَّكَاة لَيْسَ لَهُ أَخذه) وَلَو عين صَاحب المَال جَزَاء معينا لِلزَّكَاةِ (وَلَا تسْقط) الزَّكَاة عَن مَالِكه (بِهِ) أَي بِأَخْذِهِ إِيَّاه لانْتِفَاء الْمَقْصُود (وَإِن) كَانَ ذَلِك الْمَشْرُوع (دينا لم يبْق) وُجُوبه على الْمَيِّت (بِمُجَرَّد الذِّمَّة) الَّتِي اعتبرها الشَّرْع للْمَيت لبَعض الْمصَالح (لِضعْفِهَا) أَي الذِّمَّة (بِالْمَوْتِ فَوْقه) أَي فَوق ضعفها (بِالرّقِّ) وَقد يُرْجَى زَوَاله بِالْعِتْقِ: وَالْمَوْت لَا يزجى زَوَاله عَادَة (بل) إِنَّمَا يبْقى (إِذا قويت) ذمَّته، و (بِمَال) تَركه (أَو كَفِيل) كفل بِهِ (قبل الْمَوْت لِأَن المَال مَحل الِاسْتِيفَاء) الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود من الْوُجُوب (وَذمَّة الْكَفِيل تقَوِّي ذمَّة الْمَيِّت) لِأَن الْكفَالَة ضم ذمَّة إِلَى ذمَّة فِي الْمُطَالبَة (فَإِن لم يكن مَال) بِأَن مَاتَ مُفلسًا وَلَا كَفِيل بِهِ قبل الْمَوْت (لم تصح الْكفَالَة بِهِ) أَي بِمَا على الْمَيِّت (لانتقاله) أَي مَا على الْمَيِّت بطرِيق السُّقُوط لضعف الذِّمَّة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بِهِ) أَي بِالْمَوْتِ (عِنْد أبي حنيفَة ﵀ لِأَنَّهَا) أَي الْكفَالَة (الْتِزَام الْمُطَالبَة) بِمَا يُطَالب بِهِ الْأَصِيل (لَا تَحْويل الدّين) عَن الْأَصِيل إِلَى الْكَفِيل (وَلَا مُطَالبَة) للأصيل والتزام الْمُطَالبَة فرع وجودهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَصِيل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَلَا الْتِزَام بِخِلَاف العَبْد الْمَحْجُور) الَّذِي يقر (بِالدّينِ) فَإِنَّهُ (نصح) الْكفَالَة (بِهِ) أَي بذلك الدّين الَّذِي أقرّ بِهِ (لِأَن ذمَّته قَائِمَة) لكَونه حَيا مُكَلّفا، والمطالبة مُحْتَملَة، إِذْ يُمكن أَن يصدقهُ الْمولى فِي الْحَال فَيُطَالب فِي الْحَال أَو يعتقهُ فيطالبه بعده، فباعتبار هَذَا الْمَعْنى صحت الْكفَالَة، وَإِن كَانَ الْأَصِيل غير مطَالب فِي الْحَال وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَن ضم مَالِيَّة رقبته إِلَى ذمَّته يَقْتَضِي كَونهَا غير كَامِلَة: أَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (وَإِنَّمَا انْضَمَّ إِلَيْهَا) أَي إِلَى ذمَّته (مَالِيَّة الرَّقَبَة فِيمَا ظهر) أَي فِي ظُهُور الدّين (فِي حق الْمولى ليباع نظرا للْغُرَمَاء) لِأَن تعلق حَقهم بمالية العَبْد يصون حَقهم عَن التلاف إِذْ يُبَاع حِينَئِذٍ أَن لم يقر الْمولى وَلَا يصرف إِلَّا فِي اسْتِيفَاء حَقهم إِلَّا أَن يفضل الثّمن عَنهُ فَلَيْسَ الانضمام لعدم كَمَال الذِّمَّة: بل للْمصْلحَة الْمَذْكُورَة (وَتَصِح) الْكفَالَة الْمَذْكُورَة (عِنْدهمَا) وَبِه قَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، وعزى إِلَى أَكثر أهل الْعلم (لِأَن بِالْمَوْتِ لَا يبرأ) لِأَنَّهُ لم يشرع مبرئا للحقوق ومبطلا لَهَا (وَلذَا) أَي لعدم كَونه مبرئا (يُطَالب بهَا فِي الْآخِرَة إِجْمَاعًا، وَفِي الدُّنْيَا إِذا ظهر) لَهُ (مَال، وَلَو تبرع أحد عَن الْمَيِّت) بأَدَاء الدّين (حل أَخذه، وَلَو بَرِئت) ذمَّته مِنْهُ بِالْمَوْتِ (لم يحل) أَخذه (وَالْعجز عَن الْمُطَالبَة) للْمَيت (لعدم قدرَة الْمَيِّت لَا يمْنَع صِحَّتهَا) أَي الْكفَالَة عَنهُ بِهِ (كَكَوْنِهِ) أَي
стр. 668
الْأَصِيل (مُفلسًا) أَي عدم قدرَة الْمَيِّت على الْمُطَالبَة كإفلاسه فَإِنَّهُ بعد ثُبُوت الإفلاس يعجز صَاحب الدّين عَن الْمُطَالبَة شرعا لقَوْله تَعَالَى - ﴿فنظرة إِلَى ميسرَة﴾ - (وَيدل عَلَيْهِ) أَي على عدم بَرَاءَة ذمَّة الْمَيِّت أَو عدم سُقُوط الدّين بل على كَون الْكفَالَة عِنْد صَحِيحه (حَدِيث) جَابر " كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يُصَلِّي على رجل مَاتَ وَعَلِيهِ دين: فَأتي بميت فَقَالَ: أعليه دين؟ قَالُوا نعم: دِينَارَانِ، قَالَ صلوا على صَاحبكُم فَقَالَ أَبُو قَتَادَة الْأنْصَارِيّ ﵁ (هما عليّ) يَا رَسُول الله (فصلى عَلَيْهِ) رَسُول الله ﷺ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (وَالْجَوَاب عَنهُ) أَي الحَدِيث (باحتماله) أَي قَوْله هما عليّ (الْعدة) بوفائهما لَا الْتِزَام الْكفَالَة (وَهُوَ) أَي كَونه للعدة (الظَّاهِر إِذْ لَا تصح الْكفَالَة للْمَجْهُول) بِلَا خلاف، وَالظَّاهِر أَن صَاحب الدّين كَانَ مَجْهُولا، وَلَا لذكر، قَالَ الشَّارِح وَهُوَ مُشكل بِمَا فِي لفظ عَن جَابر، وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد فَجعل رَسُول الله ﷺ يَقُول: هِيَ عَلَيْك وَفِي مَالك، وَالْمَيِّت مِنْهَا بَرِيء قَالَ نعم: فصلى عَلَيْهِ، وعَلى هَذَا فَيحمل على أَن أَبَا قَتَادَة علم صَاحب الدينارين حِين كفلها أه وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه قد يُقَال لمن يعد مثل هَذَا الْكَلَام للتَّأْكِيد والتقرير عَلَيْهِ كَمَا روى عَنهُ ﷺ " الْعدة دين " فَلَا إِشْكَال وَأجَاب فِي الْمَبْسُوط بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن قَوْله هما عليّ كَانَ إِقْرَار بكفالة سَابِقَة، وَلَا يخفى بعده، وبأنها وَاقعَة حَال لَا عُمُوم لَهَا فَلَا يسْتَدلّ بهَا فِي خُصُوص مَحل النزاع قلت يُقَاس المنازع فِيهِ على مورد النَّص لاشتراك الْعلَّة هَذَا فِي حَدِيث ابْن حبَان فَقَالَ أَبُو قَتَادَة أَنا أكفل بِهِ قَالَ بِالْوَفَاءِ: قلا بِالْوَفَاءِ فصلى عَلَيْهِ ﷺ وَهَذَا يقوّي قَول أبي يُوسُف ﵀ لَا يشْتَرط قبُول الْمَكْفُول لَهُ فِي الْمجْلس، وَبِه أفتى بعض الْمَشَايِخ (والمطالبة فِي الْآخِرَة رَاجِعَة إِلَى الْإِثْم وَلَا يفْتَقر إِلَى بَقَاء الذِّمَّة فضلا عَن قوتها، وبظهور المَال تقوت) ذكر لصِحَّة الْكفَالَة وَجْهَيْن: الأول عدم بَرَاءَة الْمَيِّت، وَالثَّانِي الحَدِيث فَأجَاب عَنهُ بقوله وَالْجَوَاب عَنهُ إِلَى آخِره، وَعلل الأول بالمطالبة فِي الْآخِرَة، فَأجَاب عَنهُ بقوله والمطالبة فِي الدُّنْيَا عَنهُ وَظُهُور المَال فَأجَاب عَنهُ بِأَن ظُهُوره يقوّي الذِّمَّة فَيُطَالب، وبالتبرع إِلَى آخِره عَن الْمَيِّت، وسيجيب عَنهُ وترقى الْجَواب الآخر فَقَالَ (بل ظُهُور قوتها) يَعْنِي كَانَت مَوْجُودَة فِي نفس الْأَمر: لَكِنَّهَا خفيت فَلَمَّا ظهر ظَهرت (وَهُوَ) أَي فِي تقويها (الشَّرْط) لصِحَّة الْكفَالَة (حَتَّى لَو تفوت بلحوق دين بعد الْمَوْت صحت الْكفَالَة بِهِ) أَي بِالدّينِ اللَّاحِق (بِأَن حفر بِئْرا على الطَّرِيق فَتلف بِهِ) أَي بالمحفور والحفر (حَيَوَان بعد مَوته) أَي الْحَافِر (فَإِنَّهُ يثبت الدّين) فِي هَذَا الْمُتْلف (مُسْتَندا إِلَى وَقت السَّبَب) أَي الْحفر (الثَّابِت حَال قيام الذِّمَّة) الصَّالِحَة للْوُجُوب يَعْنِي حَال الْحَيَاة (والمستند يثبت أَولا فِي الْحَال) ثمَّ يسْتَند (وَيلْزمهُ) أَي ثُبُوته فِي الْحَال (اعْتِبَار قوتها حِينَئِذٍ بِهِ) أَي بِالدّينِ اللَّاحِق، وَجَوَاب الشَّرْط مَا أَفَادَهُ بقوله (وَصِحَّة التَّبَرُّع لبَقَاء الدّين من
стр. 669
جِهَة من لَهُ) الدّين (وَإِن كَانَ سَاقِطا فِي حق من عَلَيْهِ) الدّين (والسقوط بِالْمَوْتِ لضَرُورَة فَوت الْمحل فيتقدر) السُّقُوط (بِقَدرِهِ) أَي فَوت الْمحل (فَيظْهر) السُّقُوط (فِي حق من عَلَيْهِ لَا) فِي حق (من لَهُ وَإِن كَانَ) التَّبَرُّع عَلَيْهِ مَشْرُوعا (بطرِيق الصِّلَة للْغَيْر كَنَفَقَة الْمَحَارِم وَالزَّكَاة وَصدقَة الْفطر سَقَطت) هَذِه الصلات بِالْمَوْتِ (لِأَن الْمَوْت فَوق الرّقّ) فِي ضعف الذِّمَّة (وَلَا صلَة وَاجِبَة مَعَه) أَي مَعَ الرّقّ فَكَذَا بعد الْمَوْت بِالطَّرِيقِ الأولى (إِلَّا أَن يُوصي بِهِ) أَي بالمشروع صلَة (فَيعْتَبر كَغَيْرِهِ) أَي غير هَذَا الْمَشْرُوع من المشروعات: كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَالْوَجْه أَن يُقَال أَي غير هَذَا الْإِيصَاء من الْوَصَايَا (من الثُّلُث) لتصحيح الشَّارِع ذَلِك مِنْهُ نظرا لَهُ (وَأما مَا شرع لَهُ) أَي للْمَيت (فَيبقى مِمَّا لَهُ) أَي للْمَيت (إِلَيْهِ حَاجَة قدر مَا تنْدَفع) الْحَاجة (بِهِ) الضَّمِير للموصول، وَقَوله قدر إِلَى آخِره بدل مِمَّا لَهُ وَمن فِي مِمَّا بَيَان للموصول الأول، وَالضَّمِير فِي يبْقى رَاجع إِلَيْهِ: وَيحْتَمل أَن يكون قدر إِلَى آخِره فَاعل يبْقى، وَمن فِي مِمَّا تبعيضية، وَيقدر مِنْهُ ليرتبط بِهِ مَا بعد الْفَاء بِمَا قبله (على ملكه) أَي الْمَيِّت مُتَعَلق بيبقى، وَقَوله (من التَّرِكَة) بَيَان لقَوْله مِمَّا لَهُ إِلَيْهِ حَال كَون ذَلِك الْمُحْتَاج إِلَيْهِ (دينا وَوَصِيَّة وجهازا) لَهُ مِمَّا يَلِيق بِهِ بِالْمَعْرُوفِ (وَيقدم) الجهاز على الدّين وَالْوَصِيَّة إِجْمَاعًا: لكَونه آكِد، وَهَذَا التَّقْدِيم فِي حق كل دين (إِلَّا فِي دين عَلَيْهِ) أَي الْمَيِّت (تعلق بِعَين) فَإِنَّهُ لَا يقدم الجهاز عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْعين (كالمرهون وَالْمُشْتَرِي قبل الْقَبْض، وَالْعَبْد الْجَانِي، فَفِي هَذِه) الصُّور وأمثالها (صَاحب الْحق أَحَق بِالْعينِ) من تَجْهِيزه، ويتقدم الدّين على الْوَصِيَّة بِالْإِجْمَاع، (وَلذَا أَي ولبقاء مَاله إِلَيْهِ حَاجَة (بقيت الْكِتَابَة بعد موت الْمولى لِحَاجَتِهِ) أَي الْمولى (إِلَى ثَوَاب الْعتْق) فِي الصِّحَاح السِّتَّة عَنهُ ﷺ " أَيّمَا امْرِئ مُسلم أعتق امْرأ مُسلما استنقذ الله بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ فِي النَّار " وَالْمكَاتب بعد أَدَاء الْكِتَابَة مُعتق (وَحُصُول الْوَلَاء) الْمُرَتّب على الْإِعْتَاق لوَرثَته (و) بقيت الْكِتَابَة (بعد موت الْمكَاتب عَن وَفَاء) للكتابة (لِحَاجَتِهِ) أَي الْمكَاتب (إِلَى الْمَالِكِيَّة الَّتِي عقد لَهَا) عقد الْكِتَابَة (وحرية أَوْلَاده الْمَوْجُودين فِي لَهَا) أَي الْكِتَابَة ولدُوا فِيهَا أَو اشتراهم فِيهَا، وَزَوَال الرّقّ الَّذِي هُوَ أثر الْكفْر عَنهُ، وَعَن أَوْلَاده (فَيعتق) الْمكَاتب (فِي آخر جُزْء من حَيَاته) لِأَن الْإِرْث يثبت من وَقت الْمَوْت: فَلَا بُد من استناد الْملك وَالْعِتْق الْمُقَرّر لَهَا إِلَى ذَلِك الْوَقْت، وَلَا شكّ فِي أَن حُدُوث الْمَوْت مُتَّصِل بآخر جُزْء من الْحَيَاة فَاعْتبر ذَلِك الْجُزْء لِأَن وَقت الْمَوْت لَا يصلح لاعْتِبَار الْعتْق (دون المملوكية) مُتَّصِل بقوله لِحَاجَتِهِ إِلَى الْمَالِكِيَّة (إِذْ لَا حَاجَة) لَهُ إِلَى الْكِتَابَة (إِلَّا ضَرُورَة بَقَاء ملك الْيَد) ومحليته التَّصَرُّف إِلَى وَقت الْأَدَاء (ليمكن الْأَدَاء فبقاؤها) أَي الْكِتَابَة (كَون سَلامَة الإكساب قَائِمَة) أَي بَاقِيَة كَمَا كَانَ قبل الْوَقْت بِمُوجب عقد الْكِتَابَة (وَثُبُوت حريَّة الْأَوْلَاد عِنْد دفع ورثته) أَي الْمكَاتب مَال
стр. 670
الْكِتَابَة إِلَى الْمولى (وَثُبُوت عتقه) أَي الْمكَاتب فِي آخر جُزْء حَيَاته حَال كَونه (شَرط ذَلِك): أَي حريَّة الْأَوْلَاد الَّتِي تتفرع عَلَيْهَا وراثتهم، وَصِحَّة دفعهم مَال الْكِتَابَة (ضمني فَلَا يشْتَرط لَهُ) أَي لثُبُوت عتقه (الْأَهْلِيَّة) أَي أَهْلِيَّة الْمكَاتب، فَلَا يُقَال كَيفَ يثبت الْعتْق للْمَيت فترتب على هَذَا الثُّبُوت ثُبُوته فِي آخر حَيَاته مُسْتَندا فَإِن اشْتِرَاط الْأَهْلِيَّة لَهُ فِيمَا إِذا كَانَ غير ضمني فَقَوله دون المملوكية إِشَارَة إِلَى جَوَاب سُؤال مُقَدّر، وَهُوَ أَن بَقَاء الْكِتَابَة يحْتَاج إِلَى وجود المملوكية إِذْ لَا تصح كِتَابَته وَحَاصِل الْجَواب أَن حَاجَة هَذَا الْمبيت إِلَى بَقَاء الْكِنَايَة لَيْسَ إِلَّا لمصْلحَة بَقَاء ملك لَهُ، وَهَذِه الْمصلحَة حَاصِلَة إِذا اعْتبر عتقه من آخر جُزْء حَيَاته: فَالْمُرَاد بِبَقَاء الْكِتَابَة بَقَاء مَا هُوَ الْمَقْصد مِنْهَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله فبقاؤها كَون سَلامَة الإكساب إِلَى آخِره (لملك الْمَغْصُوب) لما ثَبت شرطا لملك الْبَدَل وَكَانَ ثُبُوته ضمنيا ثَبت (عِنْد) أَدَاء (الْبَدَل) مُسْتَندا إِلَى وَقت الْغَصْب وَإِن كَانَ الْمَغْصُوب حَال الْأَدَاء هَالكا والهالك لَا أَهْلِيَّة لَهُ للمملوكية وَلما كَانَ هُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ أَن بَقَاء الْكِتَابَة المستلزمة لاعْتِبَار الرّقّ رَقَبَة تنَافِي ثُبُوت الْإِرْث مِنْهُ قَالَ (وَمَعَ بَقَائِهَا) أَي الْكِتَابَة (يثبت الْإِرْث) لوَارِثه مِنْهُ (نظرا لَهُ) أَي للْمَيت (إِذْ هُوَ) أَي الْإِرْث (خلَافَة لِقَرَابَتِهِ وَزَوجته وَأهل دينه) فِيمَا يتْركهُ إِقَامَة من الشَّارِع لَهُم فِي ذَلِك مقَامه لينتفعوا كانتفاعه فَلَو لم يثبت الْإِرْث لَهُم لزم عدم رِعَايَة مصلحَة الْمَيِّت الْمَذْكُور، وَهُوَ خلاف مَا يَقْتَضِيهِ نظر الشَّارِع فِي حَقه (ولكونه) أَي الْمَيِّت (سَبَب الْخلَافَة خَالف التَّعْلِيق) للْمُعْتق وَغَيره (بِهِ) أَي بِالْمَوْتِ (على) الْمَعْنى (الْأَعَمّ) للتعليق (من الْإِضَافَة) كَقَوْلِه أَنْت حر غَدا، وَالتَّعْلِيق بِالْمَعْنَى الْأَخَص، وَهُوَ تَعْلِيق الحكم على مَا هُوَ على خطر الْوُقُوع، وَالْمعْنَى الْأَعَمّ لَهُ تَأْخِير الحكم عَن زمَان الْإِيجَاب لمَانع مِنْهُ حِينَئِذٍ مقترن بِهِ لفظا وَمعنى (غَيره) أَي غير التَّعْلِيق بِالْمَوْتِ، وَالتَّعْلِيق بِغَيْر الْمَوْت مَعْقُول خَالف علية كَونه سَببا للخلافة لمُخَالفَة التَّعْلِيق بِهِ التَّعْلِيق بِغَيْرِهِ: إِنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَار أَنه يسْتَلْزم تحقق الْمُعَلق بِهِ فِي زمَان قيام الْخَلِيفَة مقَام من صدر مِنْهُ التَّعْلِيق، فيراعى فِي هَذَا التَّعْلِيق جَانب الْخَلِيفَة، وباعتباره تخْتَلف الْأَحْكَام (فصح تَعْلِيق التَّمْلِيك بِهِ) بِالْمَوْتِ (وَهُوَ) أَي تَعْلِيق التَّمْلِيك (معنى الْوَصِيَّة) لِأَنَّهَا تمْلِيك مُضَاف لما بعد الْمَوْت، وَجه التَّفْرِيع أَنه لَو لم يكن الْمَوْت سَببا للخلافة لما صَحَّ تَعْلِيق التَّمْلِيك بِهِ لِأَن الْمُتَعَلّق بِالشّرطِ عِنْد وجود الشَّرْط تَنْجِيز من الْمُعَلق، وَهُوَ عِنْد ذَلِك ميت لَيْسَ بِأَهْل للتَّمْلِيك: لَكِن لما كَانَ خَليفَة قَائِما مقَامه صَار كَأَنَّهُ مَوْجُود عِنْد ذَلِك (وَلزِمَ تَعْلِيق الْعتْق بِهِ) أَي بِالْمَوْتِ (وَهُوَ) قَالَ الشَّارِح أَي لُزُومه، وَالْوَجْه أَن يُقَال أَي تَعْلِيق الْعتْق بِالْمَوْتِ (معنى التَّدْبِير الْمُطلق) وإطلاقه أَن لَا يُقيد الْمَوْت بِقَيْد كَأَن يَقُول: إِن مت فِي مرضِي هَذَا، وَنقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: إِنَّمَا قَالَ فصح تَعْلِيق التَّمْلِيك وَلزِمَ تَعْلِيق الْعتْق للْفرق بَين الْوَصِيَّة بِالْمَالِ وبالعتق لِأَن الْعتْق
стр. 671
لَا يحْتَمل الْفَسْخ: فَلَا يجوز رُجُوعه عَن تَعْلِيق الْعتْق بِهِ للزومه، وَصَحَّ فِي الْوَصِيَّة بِالْمَالِ لِأَن التَّعْلِيق يحْتَمل الْفَسْخ (فَلم يجز بَيْعه) أَي الْمُدبر الْمُطلق عِنْد الْحَنَفِيَّة والمالكية: بل قَالَ القَاضِي عِيَاض هُوَ قَول كَافَّة الْعلمَاء وَالسَّلَف من الْحِجَازِيِّينَ والكوفيين والشاميين (خلافًا لِأَحْمَد وَالشَّافِعِيّ لِأَنَّهُ) أَي التَّدْبِير الْمُطلق (وَصِيَّة وَالْبيع رُجُوع) عَنْهَا وَالرُّجُوع عَن الْوَصِيَّة جَائِز (وَالْحَنَفِيَّة فرقوا بَينه) أَي التَّدْبِير الْمُطلق (وَبَين سَائِر التعليقات بِالْمَوْتِ بِأَنَّهُ) أَي التَّدْبِير (للتَّمْلِيك) أَي لتمليك العَبْد رقبته بعد الْمَوْت (وَالْإِضَافَة) للتَّمْلِيك إِي لتمليك (إِلَى زمَان زَوَال مالكيته لَا تصح وَصحت) سَائِر التعليقات بِالْمَوْتِ، وَمِنْهَا التَّدْبِير (فَعلم اعْتِبَاره) أَي التَّعَلُّق بِالْمَوْتِ (سَببا للْحَال شرعا) لِأَن اعْتِبَار سببيته فِي زمَان الْمُعَلق بِهِ، وَهُوَ الْمَوْت لَا يُمكن لِأَن زمَان زَوَال الْمَالِكِيَّة زَالَ وَلَا يعْمل السَّبَب بِدُونِ أَهْلِيَّة من لَهُ التَّصَرُّفَات فَإِن قلت هَذَا منَاف لما ذكرت من قيام الوراث مقَامه قلت ذَلِك فِي اعْتِبَار سببيته تنجيزا لحقيقة الْعتْق وَالتَّمْلِيك، والسببية الْمُعْتَبرَة حَال التَّعْلِيق لحق الْعتْق وَحقّ التَّمْلِيك (وَإِذ كَانَ أَنْت حر) فِي غير صُورَة التَّعْلِيق (سَببا لِلْعِتْقِ للْحَال وَهُوَ) أَي الْعتْق (تصرف لَا يقبل الْفَسْخ ثَبت بِهِ) أَي بأنت حر عَنهُ كَونه مُعَلّقا بِالْمَوْتِ (حق الْعتْق) للسَّبَبِيَّة الْقَائِمَة للْحَال على الْوَجْه الْمَذْكُور (وَهُوَ) أى حق الْعتْق (كالحقيقة) أى الْعتْق (كَأُمّ الْوَلَد) فانها اسْتحقَّت بِسَبَب الِاسْتِيلَاد حق الْعتْق للْحَال بالِاتِّفَاقِ (إِلَّا فِي سُقُوط التقوم) يَعْنِي أَن الْمُدبر كَأُمّ الْوَلَد فِي الْأَحْكَام إِلَّا فِي سُقُوط التقوم (فَإِنَّهَا) أَي أم الْوَلَد غير مُتَقَومَة عِنْد أبي حنيفَة (لَا تضمن بِالْغَضَبِ وَلَا بِإِعْتَاق أحد الشَّرِيكَيْنِ نصِيبه مِنْهَا) لِأَن الضَّمَان فرع الْمُتَقَوم بِخِلَاف الْمُدبر (لما عرف) فِي مَوْضِعه من أَن التقوم بإحراز الْمَالِيَّة، وَهُوَ أصل فِي الْأمة والتمتع بهَا تبع، وَلم يُوجد فِي الْمُدبر مَا يُوجب بطلَان هَذَا الأَصْل بِخِلَاف أم الْوَلَد فَإِنَّهَا لما استفرشت واستولدت صَارَت محرزة للمتعة، وَصَارَت الْمَالِيَّة تبعا فَسقط تقومها، وَعِنْدَهُمَا مُتَقَومَة كالمدبر إِلَّا أَن الْمُدبر يسْعَى للْغُرَمَاء وَالْوَرَثَة، وَأم الْوَلَد لَا تسْعَى لِأَنَّهَا مصروفة إِلَى الْحَاجة الْأَصْلِيَّة، وَهِي مُقَدّمَة عَلَيْهِم، وَالتَّدْبِير لَيْسَ من أصُول حَوَائِجه: فَيعْتَبر من الثُّلُث (وَلذَا) أَي بَقَاء الْمَالِكِيَّة بِقدر مَا تَنْقَضِي بِهِ حَاجَة الْمَيِّت (قُلْنَا الْمَرْأَة تغسل زَوجهَا لملكه إِيَّاهَا فِي الْعدة) لِأَن النِّكَاح فِي حكم الْقَائِم مَا لم تنقض (وَحَاجته) إِلَيْهَا فِي ذَلِك، فَإِن الْغسْل من الْخدمَة وَهِي فِي الْجُمْلَة من لوازمها، وَعَن عَائِشَة ﵂ " لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا غسل رَسُول الله ﷺ إِلَّا نساؤه " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ على شَرط مُسلم (وَأما مَا لَا يصلح لِحَاجَتِهِ) أَي الْمَيِّت (فالقصاص) فَإِنَّهُ شرع (لدرك الثأر) والنشفي، والثأر الدَّم (و) الدَّم (الْمُحْتَاج إِلَيْهِ الْوَرَثَة لَا الْمَيِّت. ثمَّ الْجِنَايَة) بقتْله (وَقعت على حَقهم لانتفاعهم بحياته) بالاستئناس بِهِ والانتصار بِهِ على
стр. 672
الْأَعْدَاء وَغير ذَلِك (وَحقه) أَي الْمَيِّت أَيْضا (بل هُوَ أولى) لِأَن انتفاعه بحياته أَكثر إِلَّا أَنه خرج عِنْد ثُبُوت الْحق عَن أَهْلِيَّة الْوُجُوب فَثَبت ابْتِدَاء للْوَرَثَة القائمين مقَامه: فالسبب انْعَقَد فِي حق الْمُورث وَالْحق وَجب للْوَرَثَة (فصح عَفوه) رِعَايَة لجَانب السَّبَب (وعفوهم قبل الْمَوْت) رِعَايَة لجَانب الْوَاجِب وَالسَّبَب مَعَ أَن الْعَفو مَنْدُوب إِلَيْهِ فَيجب تَصْحِيحه بِحَسب الْإِمْكَان، وَهَذَا اسْتِحْسَان. وَالْقِيَاس أَن لَا يَصح لما فِيهِ من إِسْقَاط الْحق قبل ثُبُوته (فَكَانَ) الْقصاص (ثَابتا ابْتِدَاء للْكُلّ) أَي لكل الْوَرَثَة (وَعنهُ) أَي عَن كَون الْقصاص ثَابتا للْوَرَثَة ابْتِدَاء (قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا يُورث الْقصاص) لِأَن الْإِرْث مَوْقُوف على الثُّبُوت للمورث ثمَّ النَّقْل عَنهُ إِلَى الْوَرَثَة (فَلَا ينْتَصب بعض الْوَرَثَة خصما عَن الْبَقِيَّة) فِي طلب الْقصاص (حَتَّى تُعَاد بَيِّنَة الْحَاضِر) يَعْنِي لَو كَانَ الْقصاص يُورث لانتصب بعض وَرَثَة المقنول عَن الْبَعْض فِي الطّلب كَسَائِر الْمَوَارِيث: لِأَن الْحق حِينَئِذٍ للمورث أَصَالَة، ويكفى لمصْلحَة الْخلَافَة وَاحِد مِنْهُم: لَكِن لما كَانَ الْحق لَهُم أَصَالَة كَانَ كل وَاحِد مِنْهُم مُنْفَردا بِدَعْوَاهُ: فَإِذا كَانَ بعض الْوَرَثَة حَاضرا دون بعض فَأَقَامَ الْحَاضِر بَيِّنَة لَا يكون منتصبا عَن الْغَائِب: ثمَّ إِذا حضر الْغَائِب وَأقَام بَيِّنَة تُعَاد بَيِّنَة الْحَاضِر (عِنْد حُضُور الْغَائِب، وَعِنْدَهُمَا يُورث) الْقصاص (لِأَن خَلفه) أَي الْقصاص من المَال (موروث إِجْمَاعًا وَلَا يُخَالف) بالخلف (الأَصْل، وَالْجَوَاب أَن ثُبُوته) أَي الْقصاص (حَقًا لَهُم لعدم صلاحيته) أَي الْقصاص (لِحَاجَتِهِ) أَي الْمَيِّت (فَإِذا صَار) الْقصاص (مَالا) بإن بدل بِهِ بِالصُّلْحِ أَو عَفْو الْبَعْض (وَهُوَ) أَي المَال (يصلح لحوائجه) أَي من التَّجْهِيز وَقَضَاء الدّين وتنفيذ الْوَصِيَّة (رَجَعَ) المَال الَّذِي هُوَ خَلفه (إِلَيْهِ) أَي الْمَيِّت (وَصَارَ كَأَنَّهُ الأَصْل) بِهَذَا الأَصْل كالدية فِي الْخَطَأ لِأَن الْخلف يجب بِالسَّبَبِ الَّذِي يجب بِهِ الأَصْل (فَيثبت لوَرثَته الْفَاضِل عَنْهَا) أَي حَوَائِجه خلَافَة لَا أَصَالَة، وَالْخلف قد يُفَارق الأَصْل فِي بعض الْأَحْكَام كالتيمم وَالْوُضُوء فِي اشْتِرَاط النِّيَّة فَهَذِهِ تفاصيل أَحْكَام الدُّنْيَا (وَأَحْكَام الْآخِرَة) وَهِي أَرْبَعَة: مَا يجب لَهُ على الْغَيْر من حق رَاجع إِلَى النَّفس أَو الْعرض أَو المَال، وَمَا يجب للْغَيْر عَلَيْهِ من حق كَذَلِك، وَمَا يلقاه من عِقَاب، وَمَا يلقاه من ثَوَاب (كلهَا ثَابِتَة فِي حَقه) أَي الْمَيِّت.
(وَالنَّوْع الثَّانِي) من عوارض الْأَهْلِيَّة الْعَوَارِض (المكتسبة) الناشئة (من نَفسه و) من (غَيره فَمن الأولى) أَي المكتسبة من نَفسه (السكر) وَسَيَأْتِي حَده (وَهُوَ) بِاعْتِبَار مُبَاشرَة سَببه (محرم إِجْمَاعًا فَإِن كَانَ طَرِيقه مُبَاحا كسكر الْمُضْطَر إِلَى شرب الْخمر) وَهِي النئ من مَاء الْعِنَب إِذا غلا وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد عِنْد أبي حنفية، وَلم يشْتَرط قذفه بالزبد، والاضطرار قد يكون لإساغة اللُّقْمَة وَدفع عَطش، وَقد يكون بإكراه على شربهَا بتهديد أَو بِقطع عُضْو (وَالْحَاصِل من
стр. 673
الْأَدْوِيَة) كالبنج والدواء مَا فِيهِ كَيْفيَّة خَارِجَة عَن الِاعْتِدَال بهَا تنفعل الطبيعة وتعجز عَن التَّصَرُّف فِيهِ (و) الْحَاصِل من (الأغذية المتخذة من غير الْعِنَب) والغذاء مَا ينفعل عَن الطبيعة فيتصرف فِيهِ، ويحيله إِلَى مشابهة المتغذى فَيصير جُزْءا مِنْهُ، بَدَلا عَمَّا يتَحَلَّل (والمثلث) وَهُوَ النيئ من مَاء الْعِنَب إِذا طبخ حَتَّى ذهب ثُلُثَاهُ ثمَّ رقق بِالْمَاءِ وَترك حَتَّى اشْتَدَّ: إِذا شرب مِنْهُ مَا دون السكر وَنَحْوه: أَي مَا ذكر (لَا بِقصد السكر) وَلَا للهو والطرب (بل) بِقصد (الاستمراء، وَالتَّقوى) على قيام اللَّيْل وَصِيَام النَّهَار إِلَى غير ذَلِك من الْعِبَادَات. فِي الْقَامُوس مرأ الطَّعَام مثلث الرَّاء. فَهُوَ مريء، هنيء حميد المغبة: أَي الْعَاقِبَة كَمَا هُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف فِيهِ، وَنَحْوه كالتداوي. ثمَّ قَوْله (فكالإغماء) لِأَنَّهُ لَيْسَ من جنس اللَّهْو: بل يعد من الْأَمْرَاض (لَا يَصح مَعَه تصرف) كَالْبيع وَالشِّرَاء (وَلَا طَلَاق وَلَا عتاق، وَإِن روى عَنهُ) أَي عَن أبي حنيفَة، والراوي عَنهُ عبد الْعَزِيز التِّرْمِذِيّ (أَنه إِن علم البنح وَعَمله) أَي تَأْثِيره فِي الْعقل ثمَّ أقدم على أكله (صَحَّ) كل من طَلَاقه وعتاقه (وَإِن) كَانَ طَرِيقه (محرما كمن) أَي كالحاصل من تنَاول (محرم) أَو مثلث، وَمن الْمحرم شرب المثلث على قصد السكر أَو اللَّهْو أَو الطَّرب: كَذَا ذكره الشَّارِح، الْمُتَبَادر من الْعبارَة بِاعْتِبَار الْمُقَابلَة عدم دُخُول المثلث فِي الْمحرم، وَأَن يُرَاد بِهِ مَا لم يقْصد بِهِ السكر وَاللَّهْو غير أَنه حِينَئِذٍ يُنَافِي مَا سبق من قَوْله: (المثلث كَمَا لَا يخفى، فَلَزِمَ حمله على مَا ذكر: فَيكون من التَّخْصِيص بعد التَّعْمِيم لمزيد الاهتمام بِهِ (فَلَا يبطل التَّكْلِيف فَيلْزمهُ الْأَحْكَام، وَتَصِح عباراته من الطَّلَاق وَالْعتاق وَالْبيع وَالْإِقْرَار وتزويج الصغار والتزوج والإقراض، والاستقراض: لِأَن الْعقل قَائِم، وَإِنَّمَا عرض فَوَات فهم الْخطاب بمعصيته فَبَقيَ) التَّكْلِيف (فِي حق الْإِثْم وَالْقَضَاء) للعبادات الْمَشْرُوع لَهَا إِذا فَاتَتْهُ فِي حَال السكر، وَإِن كَانَ لَا يَصح أَدَاؤُهَا فِي تِلْكَ الْحَال، وَجعل الْفَهم كالموجود زجرا لَهُ (إِلَّا أَنه تجب الْكَفَاءَة مُطلقًا) أَي أَبَا كَانَ المزوج أوغيره (فِي تَزْوِيج الصغار) فِي هَذِه الْحَالة، وَمهر الْمثل على هَذَا أَيْضا (لِأَن إضراره بِنَفسِهِ لَا يُوجب) جَوَاز (إضرارها) يَعْنِي فِي التَّزْوِيج من غير الْكُفْء ضرران: على نَفسه، وَعَلَيْهَا فَإِن جوز إضراره بِنَفسِهِ لَا يجوز فِي حق غَيره، وَلَا يسْتَلْزم جَوَاز الأول جَوَاز الثَّانِي (وَيصِح إِسْلَامه) لوُجُود أصل العقد (كالمكره) أَي كَمَا صَحَّ إِسْلَام الْمُكْره لِأَن " الْإِسْلَام يَعْلُو وَلَا يعلى عَلَيْهِ ": كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا عَلَيْهِ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عمر مَرْفُوعا (لَا ردته لعدم الْقَصْد) لذكر كلمة الْكفْر بِدَلِيل أَنه لَا يذكرهَا بعد الصحو فَلم يُوجد ركنها وَهُوَ تبدل المَال، وَصَارَت كَمَا لَو جرت على لِسَان الصاحي خطأ (وبالهزل) أَي وَيكفر إِذا تكلم بالْكفْر هزلا مَعَ عدم تبدل اعْتِقَاده (للاستخفاف) أَي لِأَنَّهُ صدر
стр. 674
عَن قصد اسْتِخْفَافًا بِالدّينِ، وَلَا استخفاف من السَّكْرَان لعدم الْقَصْد، وَعدم اعْتِبَار الشَّارِع إِدْرَاكه قَائِما بِهِ، عَن عَليّ ﵁ قَالَ: صنع لنا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف طَعَاما وَسَقَانَا من الْخمر فَأخذت الْخمْرَة منا وَحَضَرت الصَّلَاة فقدموني فَقَرَأت - قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ لَا أعبد مَا تَعْبدُونَ وَنحن نعْبد مَا تَعْبدُونَ - فَأنْزل الله تَعَالَى - ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ﴾ - قَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح غَرِيب، ثمَّ هَذَا اسْتِحْسَان قدم على الْقيَاس، وَهُوَ صِحَة ردته لكَونه مُخَاطبا كالصاحي كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف. وَنقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَن عدم صِحَة إِرَادَته فِي الحكم، أما بَينه وَبَين الله تَعَالَى، فَإِن كَانَ فِي الْوَاقِع قصد أَن يتَكَلَّم بِهِ ذَاكِرًا مَعْنَاهُ كفر، وَإِلَّا فَلَا (وَلَو أقرّ بِمَا يحْتَمل الرُّجُوع كَالزِّنَا) وَشرب الْخمر وَالسَّرِقَة الصُّغْرَى والكبرى (لَا يحد، لِأَن حَالَة رُجُوعه يُوجب رُجُوعه) لعدم ثباته على شَيْء وَلَا سِيمَا على شَيْء يلْزم الْحَد مَعَ زِيَادَة شُبْهَة أَنه يكذب على نَفسه فيندرئ عَنهُ لِأَن مبْنى حق الله تَعَالَى على الْمُسَامحَة، نعم يضمن الْمَسْرُوق لِأَنَّهُ حق العَبْد وَلَا يبطل بِالرُّجُوعِ (و) لَو أقرّ (بِمَا لَا يحْتَملهُ) أَي الرُّجُوع (كَالْقصاصِ وَالْقَذْف وَغَيرهمَا أَو بَاشر سَبَب الْحَد) من زنا أَو سَرقَة أَو قذف مَعْطُوف على أقرّ (مُعَاينَة حد إِذا صَحا) إِذْ فِي حَال السكر لَا يحصل الانزجار الْمَقْصُود من الْحَد، وَاعْترض الشَّارِح بِأَنَّهُ يفهم من الْعبارَة أَن الْجَزَاء فِي جَمِيع ذَلِك حد وَلَيْسَ كَذَلِك إِذْ مَا هُوَ حق العَبْد كَالْقصاصِ لَيْسَ بِحَدّ، ثمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ المُرَاد حد إِذا صَحا وَأخذ بِمُوجب الْبَاقِي انْتهى وَالْأَمر فِيهِ هَين إِذْ يجوز إِطْلَاق الْحَد على الْكل تَغْلِيبًا. (وَحده) أَي السكر (اخْتِلَاط الْكَلَام والهذيان) على قَوْلهمَا وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، وَنقل الشَّارِح عَن المُصَنّف وَالْمرَاد أَن يكون غَالب كَلَامه هذيانا، فَإِن كَانَ نصفه مُسْتَقِيمًا فَلَيْسَ بسكران، وَإِلَيْهِ مَال أَكثر الْمَشَايِخ واختاروه للْفَتْوَى، وَيُؤَيّد هَذَا التَّحْدِيد قَول عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَإِذا سكر هذى، رَوَاهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله (وَزَاد أَبُو حنفية فِي) حد (السكر الْمُوجب للحد أَن لَا يُمَيّز بَين الْأَشْيَاء وَلَا يعرف الأَرْض من السَّمَاء) وَإِنَّمَا اعْتبرت السَّمَاء مبدأ معرفَة الأَرْض، لِأَن الْأَشْيَاء تتبين بأضدادها وهما بِمَنْزِلَة الضدين (إِذْ لَو ميز) بَينهمَا (فَفِيهِ) أَي فِي سكره (نُقْصَان وَهُوَ) أَي نقصانه (شُبْهَة الْعَدَم) أَي السكر وَهُوَ الصحو (فيندرئ) الْحَد (بِهِ) أَي بِهَذَا النُّقْصَان (وَأما) حد السكر (فِي غير وجوب الْحَد من الْأَحْكَام فَالْمُعْتَبر عِنْده أَيْضا اخْتِلَاط الْكَلَام حَتَّى لَا يترد بِكَلِمَة الْكفْر مَعَه) أَي مَعَ اخْتِلَاط الْكَلَام (وَلَا يلْزمه الْحَد بِالْإِقْرَارِ بِمَا يُوجب) الْحَد عِنْده. قَالَ الشَّارِح: قَالَ المُصَنّف ﵀: وَإِنَّمَا اخْتَارُوا للْفَتْوَى قَوْلهمَا لضعف وَجه قَوْله وَذَلِكَ أَنه حَيْثُ قَالَ يُؤْخَذ فِي أَسبَاب
стр. 675
الْحُدُود بأقصاها فقد سلم أَن السكر يتَحَقَّق قبل الْحَالة الَّتِي عينهَا، وَأَنه تَتَفَاوَت مراتبه وكل مرتبَة هِيَ سكر وَالْحَد إِنَّمَا أنيط فِي الدَّلِيل الَّذِي أثبت حد السكر بِمَا يُسمى سكرا إِلَّا بالمرتبة الْأَخِيرَة مِنْهُ، على أَن الْحَالة الَّتِي ذكر قَلما يصل إِلَيْهَا سَكرَان فَيُؤَدِّي إِلَى عدم الْحَد بالسكر انْتهى. وَقيل اخْتِلَاط الْكَلَام أَو عدم التَّمْيِيز بَين الْأَشْيَاء لَيْسَ نفس السكر، وَإِنَّمَا هُوَ عَلامَة، فَقيل هُوَ معنى يزِيل الْعقل عِنْد مُبَاشرَة سَببه، وَقيل غَفلَة تعرض لغَلَبَة السرُور على الْعقل بِمُبَاشَرَة مُوجبهَا، فَتخرج الْغَفْلَة الَّتِي لَيست لغلبته كَالَّتِي من شرب الأفيون والبنج، فَإِنَّهَا من قبيل الْجُنُون لَا من السكر لَكِن ألحقت بِهِ شرغا للاشتراك فِي الحكم، وَفِيه مَا فِيهِ (وَمِنْهَا) أَي أَي من المكتسب من نَفسه (الْهزْل) وَهُوَ اللّعب لُغَة، وَاصْطِلَاحا (أَن لَا يُرَاد بِاللَّفْظِ ودلالته الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَلَا الْمجَازِي) بِأَن لَا يُرَاد بِهِ شَيْء، أَو يُرَاد بِهِ مَا لَا يَصح إِرَادَته مِنْهُ (ضِدّه الْجد: أَن يُرَاد بِاللَّفْظِ أَحدهمَا) أَي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي (وَمَا يَقع) الْهزْل (فِيهِ) من الْأَقْسَام (إنشاءات فرضاه) أَي الهازل (بِالْمُبَاشرَةِ) أَي التَّكَلُّم بألفاظها (لَا بحكمها) أَي لَا بِثُبُوت الْأَثر الْمُتَرَتب عَلَيْهَا على تَقْدِير إِرَادَة مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيّ أَو الْمجَازِي (أَو إخبارات أَو اعتقادات) لِأَن مَعَ يَقع فِيهِ الْهزْل إِن كَانَ إِحْدَاث حكم شَرْعِي فإنشاء، وَإِلَّا فَإِن كَانَ الْقَصْد مِنْهُ بَيَان الْوَاقِع فإخبار، وَإِلَّا فاعتقاد كَمَا سيشير إِلَيْهِ بقوله (وَالْأول) أَي الْإِنْشَاء (إِحْدَاث الحكم الشَّرْعِيّ أَي) إِحْدَاث (تعلقه) إِذْ نفس الحكم الشَّرْعِيّ قديم كَمَا مر غير مرّة (فَأَما) الْهزْل (فِيمَا يحْتَمل النَّقْض) أَي الْفَسْخ وَإِلَّا قَالَه (كَالْبيع وَالْإِجَارَة فإمَّا أَن يتواضعا فِي أَصله) أَي تجْرِي الْمُوَاضَعَة بَين الْعَاقِدين قبل العقد (على التَّكَلُّم بِهِ) أَي بِلَفْظ العقد (غير مريدين حكمه) أَي العقد (أَو) يتواضعا (على قدر الْعِوَض أَو) الثّمن أَو الْمَبِيع مثلا أَو يتواضعا على (جنسه) أَي الْعِوَض (فَفِي الأول) أَي فِيمَا تواضعا على أَصله (إِن اتفقَا بعده) أَي العقد (على الْإِعْرَاض عِنْده) أَي العقد (إِلَى الْجد) بِأَن فإلا بعد البيع: قد أعرضنا وَقت البيع عَن الْهزْل وبعنا بطرِيق الْجد (لزم البيع) وَبَطل الْهزْل، لِأَن العقد الصَّحِيح يقبل الْإِقَالَة: فَهَذَا أولى (أَو) اتفقَا (على الْبناء) للْعقد (عَلَيْهِ) أَي التَّوَاضُع (فكشرط الْخِيَار) أَي صَار العقد الْمُشْتَمل على شَرط الْخِيَار (لَهما) أَي الْعَاقِدين مُتَعَلق بِالْخِيَارِ (مُؤَبَّدًا إِذْ رَضِيا) فِي هَذَا كالعقد (بِالْمُبَاشرَةِ فَقَط) أَي بالحكم الَّذِي هُوَ الْملك أَيْضا كَمَا فِي الْخِيَار المؤبد (فَيفْسد) العقد فِيهِ كَمَا فِي الْخِيَار المؤبد (وَلَا يملك) الْمَبِيع فِيهِ (بِالْقَبْضِ لعدم الرِّضَا بالحكم) كَذَا قَالَ صدر الشَّرِيعَة وَغَيره. وَفِي التَّلْوِيح لَو قَالَ لعدم اخْتِيَار الحكم لَكَانَ أولى، لِأَنَّهُ الْمَانِع من الْملك، لَا عدم الرِّضَا كالمشتري من الْمُكْره فَإِنَّهُ يملك بِالْقَبْضِ لوُجُود الِاخْتِيَار وَلم يُوجد الرِّضَا، إِذْ الِاخْتِيَار الْقَصْد إِلَى الشَّيْء وإرادته،
стр. 676
وَالرِّضَا إيثاره واستحسانه، وَالْمكْره على الشَّيْء يختاره وَلَا يرضاه. وَمن هُنَا قَالُوا: الْمعاصِي والقبائح بِإِرَادَة الله تَعَالَى، لَا بِرِضَاهُ انْتهى وَلَا يخفى عَلَيْك أَن فِيمَا نَحن فِيهِ كِلَاهُمَا معدومان، فَيحمل الرِّضَا على مَا يعمهما. ثمَّ هَذَا بِخِلَاف البيع الْفَاسِد من وَجه حَيْثُ يثبت الْملك بِالْقَبْضِ لوُجُود الرِّضَا بالحكم هُنَاكَ (فَإِن نقضه) أَي العقد الَّذِي اتفقَا على أَنه مَبْنِيّ على الْمُوَاضَعَة (أَحدهمَا) أَي الْعَاقِدين (انْتقض) لِأَن لكل مِنْهُمَا النَّقْض فينفرد بِهِ (لَا إِن أجَازه) أَي أَحدهمَا العقد دون الآخر لتوقفه على إجازتهما جَمِيعًا لِأَنَّهُ كَخِيَار الشَّرْط لَهما (وَإِن أجازاه) أَي العاقدان العقد (جَازَ بِقَيْد الثَّلَاثَة) أَي بِشَرْط أَن تكون إجازتهما فِي ثَلَاثَة أَيَّام من وَقت العقد (عِنْده) أَي أبي حنيفَة كَمَا فِي الْخِيَار المؤبد عِنْده: أَي أبي حنيفَة ﵀ لارْتِفَاع الْمُفْسد لَا فِيمَا بعْدهَا لتقرر الْفساد بمضيها (ومطلقا) عِنْدهمَا: أَي وَجَاز إِذا أجازاه أَي وَقت أَرَادَا مَا لم يتَحَقَّق النَّقْض عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد كَمَا فِي الْخِيَار المؤبد عِنْدهمَا: فَهَذِهِ ثَانِيَة صور الِاتِّفَاق (أَو) اتفقَا على (إِن لم يحضرهما) أَي لم يَقع بخاطرهما وَقت العقد (شَيْء) أَي لَا الْبناء على الْمُوَاضَعَة وَلَا الْإِعْرَاض عَنْهَا، وَلَيْسَ معنى الِاتِّفَاق هَهُنَا قصدهما عدم خطور شَيْء من الْأَمريْنِ وَقت العقد، فَإِن هَذَا لقصد يسْتَلْزم الخطور، بل المُرَاد أَنَّهُمَا أخبرا بالِاتِّفَاقِ بخطور عَنْهُمَا وَقت العقد، وَهَذِه ثَالِثَة صور الِاتِّفَاق (أَو اخْتلفَا فِي الْإِعْرَاض) عَن الْمُوَاضَعَة (وَالْبناء) عَلَيْهَا فَقَالَ أَحدهمَا بنيت العقد على الْمُوَاضَعَة، وَقَالَ الآخر: أَعرَضت عَنْهَا بالجد (صَحَّ العقد عِنْده) أَي أبي حنيفَة فيهمَا (عملا بِمَا هُوَ الأَصْل فِي العقد) الشَّرْعِيّ، وَهُوَ الصِّحَّة واللزوم، لِأَنَّهُ شرع للْملك وَالْجد هُوَ الظَّاهِر فِيهِ (وَهُوَ) أَي الْعَمَل بِالْأَصْلِ فِيهِ (أولى من اعْتِبَار الْمُوَاضَعَة) لِأَنَّهَا عَارض لم تنور دَعْوَى مدعيها بِالْبَيَانِ فلايكون القَوْل قَوْله كَمَا فِي خِيَار الشَّرْط (وَلم يَصح) العقد فيهمَا (عِنْدهمَا لعادة الْبناء) أَي لِأَن الْمُعْتَاد فِي مثله الْبناء على الْمُوَاضَعَة السَّابِقَة (وَكيلا تلغوا الْمُوَاضَعَة السَّابِقَة) فَيكون الِاشْتِغَال بهَا عَبَثا (و) لَا يفوت (الْمَقْصُود وَهُوَ صون المَال عَن المتغلب) مثلا (فَهُوَ) أَي الْبناء على الْمُوَاضَعَة (الظَّاهِر، وَدفع بِأَن) الْقَيْد (الآخر) الْخَالِي عَن أَن يحضرهما شَيْء (نَاسخ) للمواضع السَّابِقَة: مَعَ أَن الْأَلْيَق بِحَال أهل الدّيانَة الرُّجُوع عَن الْمُوَاضَعَة، وَرجح المُصَنّف قَوْلهمَا بقوله (وَقد يُقَال هُوَ) أَي كَون الآخر نَاسِخا لَهَا (فرع الرِّضَا) بِهِ إِذْ مدَار الْعُقُود والفسوخ على المراضاة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ مُجَرّد صُورَة العقد لَا يستلزمه) أَي الْفَسْخ وَفسخ مَا اتفقَا عَلَيْهِ (إِلَّا بِاعْتِبَارِهِ) أَي الرِّضَا بِهِ وَقد (فرض عدم إِرَادَة شَيْء) فِي الصُّورَة الثَّالِثَة (فَيصْرف) العقد (إِلَى مُوَافقَة) العقد (الأول) أَي الْمُوَافقَة السَّابِقَة (وَكَون أَحدهمَا أعرض) فِي الصُّور الرَّابِعَة (لَا يُوجب صِحَّته) أَي العقد (إِذْ لَا يقوم العقد إِلَّا برضاهما، وَلَو قَالَ أَحدهمَا أَعرَضت) عِنْد العقد عَن الْمُوَاضَعَة السَّابِقَة (و) قَالَ (الآخر
стр. 677
لم يحضرني شَيْء) وَهَذِه صُورَة خَامِسَة (أَو بني أَحدهمَا) أَي قَالَ أَحدهمَا إِنِّي بنيت العقد على الْمُوَاضَعَة (وَقَالَ الآخر لم يحضرني) شَيْء، وَهَذِه صُورَة سادسة (فعلى أَصله) أَي أبي حنيفَة يجب أَن يكون (عدم الْحُضُور كالإعراض) فِي صِحَة العقد عملا بِمَا هُوَ الأَصْل فِي العقد فكأنهما أعرضا مَعًا فِي الصُّورَة الأولى، وَفِي الصُّورَة الثَّانِيَة بإعراض أَحدهمَا تَنْتفِي الْمُوَاضَعَة فَيصح العقد (وهما) يجعلان عدم الْحُضُور على أَصلهمَا (كالبناء) على الْمُوَاضَعَة تَرْجِيحا للمواضعة على الْإِعْرَاض بِالْعَادَةِ وأليق فَلَا يَصح العقد فِي شَيْء مِنْهُمَا. وَفِي التَّلْوِيح هَذَا مَأْخُوذ من صُورَة اتِّفَاقهمَا على أَنه لم يحضرهما شَيْء فَإِنَّهُ عِنْد أبي حنيفَة بِمَنْزِلَة الْإِعْرَاض، وَعِنْدَهُمَا بِمَنْزِلَة الْبناء، وَأورد عَلَيْهِ أَنه لم تظهر جِهَة الصِّحَّة على قَول أبي حنيفَة فِيمَا إِذا بنى أَحدهمَا، وَقَالَ الآخر: لم يحضرني شَيْء فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَن لَا يَصح على أَصله لِاجْتِمَاع الْمُصَحح والمفسد وَالتَّرْجِيح للمفسد، وَكَذَا ذكره الشَّارِح وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمُصَحح إِنَّمَا هُوَ الأَصْل فِي العقد وَهُوَ الصِّحَّة، وَلَا مُفسد هُنَا سوى الْمُوَاضَعَة فَلَا تتَحَقَّق الْمُوَاضَعَة إِلَّا ببنائهما مَعًا، وَقد عرفت أَن عدم الْحُضُور كالإعراض عَن الْمُوَاضَعَة عِنْده، وعَلى تَقْدِير تَسْلِيم هَذِه الْمُقدمَة لَا يرد شَيْء على مَا فِي التَّلْوِيح لِأَنَّهُ لَا يضر بِكَوْنِهِ مأخوذا من صُورَة الِاتِّفَاق كَون تقدمتها مدخولة (وَلَا يخفى أَن تمسكه) أَي أبي حنيفَة (بِأَن الأَصْل فِي العقد الصِّحَّة وهما) أَي تمسكهما (بِأَن الْعَادة تَحْقِيق الْمُوَاضَعَة السَّابِقَة هُوَ) أَي كل من التمسكين (فِيمَا إِذا اخْتلفَا فِي دَعْوَى الْإِعْرَاض أَو الْبناء) بِأَن يدعى أَحدهمَا أَنه كَانَ هُنَاكَ إِعْرَاض من الْجَانِبَيْنِ أَو من جَانب، وَيَدعِي الآخر خِلَافه: وَكَذَا فِي الْبناء (وَأما إِذا اتفقَا على الِاخْتِلَاف بِأَن يقرا بإعراض أَحدهمَا وَبِنَاء الآخر فَلَا قَائِل بِالصِّحَّةِ) بل عدم الصِّحَّة حِينَئِذٍ بالِاتِّفَاقِ وَهُوَ ظَاهر (ومجموع صور الِاتِّفَاق وَالِاخْتِلَاف ثَمَانِيَة وَسَبْعُونَ، فالاتفاق على إعراضهما أَو بنائهما أَو ذهولهما أَو بِنَاء أَحدهمَا وإعراض الآخر أَو) بِنَاء أَحدهمَا (وذهوله) أَي الآخر (أَو إِعْرَاض أَحدهمَا وَذُهُول الآخر سِتَّة، وَالِاخْتِلَاف) أَي صوره وَهِي (دَعْوَى أَحدهمَا إعراضهما و) دعواهما (بناءهما و) دَعْوَاهُ (ذهولهما و) دَعْوَاهُ (بناءه) أَي أَحدهمَا الْمُدَّعِي (مَعَ إِعْرَاض الآخر أَو) دَعْوَاهُ بناءه مَعَ (ذُهُوله) أَي الآخر (و) دَعْوَاهُ (إعراضه مَعَ بِنَاء الآخر أَو) دَعْوَاهُ إعراضه (مَعَ ذُهُوله) أَي الآخر (و) دَعْوَاهُ (ذُهُوله مَعَ بِنَاء الآخر أَو) دَعْوَاهُ ذُهُوله مَعَ (إعراضه) أَي الآخر وَقَوله وَالِاخْتِلَاف مُبْتَدأ خَبره (تِسْعَة، وكل) من الصُّور التِّسْعَة يركب (مَعَ دَعْوَى) الْعَاقِد (الآخر) وَهُوَ (إِحْدَى الثَّمَانِية الْبَاقِيَة) وَإِنَّمَا نقص عدم المضموم إِلَيْهِ بِوَاحِدَة وَهِي مُوَافقَة لما ضم إِلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي بَيَان صور الِاخْتِلَاف، فَإِذا ضربت التِّسْعَة فِي الثَّمَانِية (تمت) صور الِاخْتِلَاف الْحَاصِلَة من الضَّرْب (ثِنْتَيْنِ وَسبعين و) ضم إِلَيْهَا (سِتَّة الِاتِّفَاق) على مَا آنِفا، فمجموع صور الِاتِّفَاق
стр. 678
وَالِاخْتِلَاف ثَمَانِيَة وَسَبْعُونَ. قَالَ الشَّارِح: قيل وَالْحق أَن يَجْعَل صور الِاتِّفَاق وَالِاخْتِلَاف سِتا وَثَلَاثِينَ إِن أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا غير معِين، وَإِحْدَى وَثَمَانِينَ إِن أَرَادَ معينا، فَحِينَئِذٍ صور الِاتِّفَاق تسع وصور الِاخْتِلَاف اثْنَان وَسَبْعُونَ انْتهى، هَكَذَا نقل، وَقد تبين مُرَاد هَذَا الْقَائِل مَعَ كَمَال حَاجته إِلَى الْبَيَان، وَلَعَلَّه أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا الَّذِي جوز فِيهِ التَّعْيِين وَعدم التَّخْيِير أحد الْعَاقِدين وَأَنه إِذا لم يعين بِحَيْثُ يعم كلا مِنْهُمَا على سَبِيل الْبَدَل لم يتَحَقَّق فِي الِاخْتِلَاف تسع صور بل ينْحَصر فِي فِي سِتّ: دَعْوَاهُ إعراضهما أَو بناءهما أَو ذهولهما أَو إِعْرَاض أَحدهمَا لَا على التَّعْيِين مَعَ بِنَاء الآخر أَو ذُهُوله وَلم يبْق إِلَّا دَعْوَاهُ بِنَاء أَحدهمَا مَعَ ذُهُول الآخر، وَلَا يُمكن أَن يُقَال حِينَئِذٍ أَو مَعَ إعراضه لاندراجه فِيمَا سبق بِسَبَب تَعْمِيم أَحدهمَا، بِخِلَاف مَا إِذا ادّعى إِعْرَاض زيد مَعَ بِنَاء عَمْرو أَو ذُهُوله أَو ادّعى بِنَاء زيد مَعَ إِعْرَاض عَمْرو أَو ذُهُوله أَو ادّعى ذُهُول زيد مَعَ إِعْرَاض عَمْرو أَو بنائِهِ فَهَذِهِ سِتَّة بعد تِلْكَ الثَّلَاثَة الأول وَلَا يخفى أَن مَجْمُوع صور الِاخْتِلَاف إِذا كَانَت سِتَّة وَضربت فِي الْخَمْسَة يحصل ثَلَاثُونَ، وَإِذا كَانَت تِسْعَة وَضربت فِي الثَّمَانِية يحصل مَا ذكره المُصَنّف، وعَلى هَذَا الِاتِّفَاق عدم التَّعْيِين لعدم النزاع الْمخْرج إِلَى ذكر تِلْكَ التفاصيل (وَأما) أَن يتواضعا (فِي قدر الْعِوَض بِأَن تواضعا) على البيع بِأَلفَيْنِ وَالثمن بِأَلف) أَي وعَلى أَن الثّمن ألف (فهما) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد (يعملان) فِي جَمِيع صور الِاتِّفَاق وَالِاخْتِلَاف (بالمواضعة) فيحكمان بِمَا تواضعا عَلَيْهِ (إِلَّا فِي إعراضهما) عَنْهُمَا فَإِنَّهُمَا يعملان بِالْإِعْرَاضِ فَيصح العقد على أَلفَيْنِ وَهُوَ رِوَايَة مُحَمَّد فِي الْإِمْلَاء عَن أبي حنيفَة (وَهُوَ) أَي أَبُو حنيفَة فِي الْأَصَح عَنهُ يعْمل (بِالْعقدِ) فَنَقُول بِصِحَّتِهِ بِأَلفَيْنِ (فِي الْكل، وَالْفرق لَهُ) أَي لأبي حنيفَة (بَين الْبناء هُنَا وثمة) أَي فِيمَا إِذا كَانَ الْمُوَاضَعَة فِي الحكم يحكم بِمُوجب الْمُوَاضَعَة بِسَبَب (أَن الْعَمَل بالمواضعة) هُنَا (يَجْعَل قبُول أحد الْأَلفَيْنِ شرطا لقبُول البيع بِالْألف) الآخر لعدم دُخُول الآخر فِي العقد فَيصير كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْتُك بِأَلفَيْنِ على أَن لَا يجب أحد الْأَلفَيْنِ وَهَذَا شَرط فَاسد لِأَنَّهُ خلاف مُقْتَضى العقد وَفِيه نفع لأَحَدهمَا (فَيفْسد) البيع لنَهْيه ﷺ عَن بيع وَشرط، رَوَاهُ أَبُو حنيفَة (فَالْحَاصِل التَّنَافِي بَين تَصْحِيحه) أَي تَصْحِيح أصل العقد الَّذِي لَا مواضعة فِيهِ (وَاعْتِبَار الْمُوَاضَعَة) المستلزم وجود الشَّرْط الْفَاسِد وَلزِمَ اعْتِبَار أَحدهمَا صونا لتصرف الْعَاقِل عَن الإهدار بِحَسب الْإِمْكَان، وَقد ثَبت تَصْحِيح العقد (تَرْجِيحا للْأَصْل) وَهُوَ العقد الْمُحَقق بالِاتِّفَاقِ على خلاف الأَصْل (فينتفى الثَّانِي) وَهُوَ اعْتِبَار الْمُوَاضَعَة، فَإِن الأَصْل فِي الْعُقُود الْجد لَا الْهزْل، فرعاية جَانب العقد بِحمْلِهِ على الْجد أولى من رِعَايَة جَانب الْمُوَاضَعَة الَّتِي كالهزل، وللشارح هَهُنَا كَلَام غير مستحسن يفهم مِنْهُ أَنه حمل الأَصْل على الْمَبِيع، وَالْمعْنَى تَرْجِيحا للْمَبِيع الَّذِي هُوَ الأَصْل فِي الْوَصْف الَّذِي هُوَ الثّمن وَعلله بقوله
стр. 679
إِذْ هُوَ وَسِيلَة إِلَى الْمَبِيع لَا مَقْصُود وَإِلَّا لزم إهدار الأَصْل لاعْتِبَار وَهُوَ بَاطِل انْتهى وَلَا يخفى أَنه يَصح هَذَا على تَقْدِير أَن يكون الْعَمَل بالمواضعة مستلزما تَرْجِيح الثّمن على الْمَبِيع وَهُوَ غير ظَاهر، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: اعْتِبَار الزِّيَادَة فِي الثّمن رِعَايَة للْمَبِيع لكنه لَا يبْقى حِينَئِذٍ ارتباط تَامّ بَين الْحَاصِل وَمَا قبله فَتدبر (وَإِمَّا) أَن يتواضعا (فِي جنسه) أَي الثّمن بِأَن يتَّفقَا على إِظْهَار العقد بِمِائَة دِينَار مثلا وَيكون الثّمن فِي الْوَاقِع ألف دِرْهَم (فَالْعَمَل بِالْعقدِ اتِّفَاقًا فِي الْكل) أَي فِي جَمِيع صور الِاتِّفَاق وَالِاخْتِلَاف فِيمَا سبق (وَالْفرق لَهما) بَين الْهزْل فِي الْقدر وَالْجِنْس حَيْثُ قَالَا فِي الْقدر يعْمل بالمواضعة فِي الْبناء، وَفِي الْجِنْس يعْمل بِالْعقدِ فِيهِ (أَن الْعَمَل بالمواضعة مَعَ الصِّحَّة غير مُمكن هُنَا، لِأَن البيع يعْدم لعدم تَسْمِيَة بدل) فِيهِ، إِذْ هِيَ رُكْنه (وَبِاعْتِبَار الْمُوَاضَعَة يكون) الْبَدَل (ألفا وَلَيْسَ الْألف مَذْكُورا فِي العقد بل) الْمَذْكُور فِيهِ (مائَة دِينَار وَهِي غير الثّمن) فَلَا يُمكن تَصْحِيح العقد، فَإِن قيل فَلْيَكُن الْعَمَل بالمواضعة يَنْفِي تَصْحِيح العقد فَالْجَوَاب أَن الْعَمَل بهَا لَيْسَ التَّحْقِيق غرضهما مِنْهَا: وَهِي صِحَة العقد مَعَ الْبَدَل المتواضع عَلَيْهِ وَهُوَ غير مُمكن لما ذكر (بِخِلَافِهَا) أَي الْمُوَاضَعَة (فِي الْقدر) فَإِنَّهُ (يُمكن التَّصْحِيح) للْعقد المتواضع عَلَيْهِ (مَعَ اعتبارهما) أَي الْمُوَاضَعَة (فَإِنَّهُ ينْعَقد) البيع (بِالْألف الكائنة فِي ضمن الْأَلفَيْنِ) ثمَّ أَرَادَ أَن يبين جوابهما عَن قَول أبي حنيفَة أَنه يفْسد البيع بِالشّرطِ الْمَذْكُور فَقَالَ (والهزل بِالْألف الْأُخْرَى شَرط لَا طَالب لَهُ من الْعباد لَا تفاقهما على عدم ثمنيته) فوجوده كَعَدَمِهِ (وَلَا يفْسد) العقد بِهِ اذ كل شَرط لَا طَالب لَهُ من الْعباد غير مُفسد لعدم إفضائه إِلَى الْمُنَازعَة (كَشَرط أَن لَا يعلف الدَّابَّة) تعقب عَلَيْهِ صدر الشَّرِيعَة بِأَن الشَّرْط فِيمَا نَحن فِيهِ لأحد الْمُتَعَاقدين، لَكِن لَا يُطَالب للمواضعة وَهُوَ لَا يُفِيد الصِّحَّة كالرضا بالربا انْتهى، وَقد يُنَاقض أَيْضا بِأَنَّهُ رُبمَا تنَازع أَحدهمَا رُجُوعا مِنْهُ عَن الْمُوَاضَعَة فَلْيتَأَمَّل (وَأما فِيمَا لَا يحْتَملهُ) أَي النَّقْص لكَونه مِمَّا لَا يجْرِي فِيهِ الْفَسْخ وَالْإِقَالَة (مِمَّا لَا مَال فِيهِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْق) مجَازًا فيهمَا (وَالْعَفو) عَن الْقصاص (وَالْيَمِين وَالنّذر فَيصح) كل من هَذَا النَّوْع (وَيبْطل الْهزْل للرضا بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ ملزوم للْحكم شرعا) فَلَا يمْنَع الْهزْل من العقد فَينْعَقد. ثمَّ بَين المُرَاد من السَّبَب بقوله (أَي الْعلَّة) وَسَنذكر مَا يُؤَيّدهُ من السّنة (وَلذَا) أَي لكَونه ملزوما للْحكم (لَا يحْتَمل شَرط الْخِيَار) لِأَنَّهُ يُفِيد التَّرَاخِي فِي الحكم، وَمن حكم هَذِه الْأَسْبَاب عدم التَّرَاخِي فِيهِ (بِخِلَاف قَوْلنَا الطَّلَاق الْمُضَاف) كَأَنْت طَالِق غَدا (سَبَب للْحَال فَإِنَّهُ) أَي السَّبَب (يَعْنِي بِهِ المفضي) إِلَى الْوُقُوع، لَا الْعلَّة وَلذَا لَا يسْتَند إِلَى وَقت الْإِيجَاب، وَجَاز تَأَخّر الحكم عَنهُ، وَلَو كَانَ عِلّة لاستند كَمَا فِي البيع بِخِلَاف الشَّرْط وَالْحَاصِل أَن الطَّلَاق الْمُنجز عِلّة ملزومة الحكم، فَإِذا أضيف صَار سَببا فَقَط، وَحَقِيقَة السَّبَب مَا يُفْضِي إِلَى الحكم إفضاء لَا يسْتَلْزم فِي الْحَال (وَمَا فِيهِ) المَال تبعا
стр. 680
(كَالنِّكَاحِ) فَإِن الْمَقْصد الْأَصْلِيّ فِيهِ من الْجَانِبَيْنِ الجل للتوالد، وَالْمَال شرع فِيهِ لإِظْهَار خطر الْمحل، وَكَذَا يَصح بِدُونِ ذكر الْمهْر ويتحمل فِي الْمهْر من الْجَهَالَة مَا لَا يتَحَمَّل فِي غَيره، وَنقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَن كَون النِّكَاح لَا يحْتَمل الْفَسْخ مَحل نظر فَإِن التَّفْرِيق بَين الزَّوْجَيْنِ بِعَدَمِ الْكَفَاءَة ونقصان الْمهْر وَخيَار الْبلُوغ وبردتها فسخ (فَإِن) تواضعا (فِي أَصله) أَي النِّكَاح بِأَن قَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أتزوجك بِأَلف هازلا عِنْد النَّاس، وَلَا يكون بَيْننَا فِي الْوَاقِع نِكَاح، ووافقته على ذَلِك وَحضر الشُّهُود عِنْد العقد (لزم) النِّكَاح وانعقد صَحِيحا قَضَاء وديانة سَوَاء اتفقَا على الْإِعْرَاض أَو الْبناء أَو أَنه لم يحضرهما شَيْء وَاخْتلفَا على مَا مر لعدم تَأْثِير الْهزْل فِيهِ لكَونه غير مُحْتَمل الْفَسْخ، وَفِيه مَا مر، فَالْأولى أَن يسْتَدلّ بقوله ﷺ " ثَلَاث جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالرَّجْعَة " رَوَاهُ أَحْمد، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حسن غَرِيب وَصَححهُ الْحَاكِم (أَو) تواضعا (فِي قدر الْمهْر) أَي على أَلفَيْنِ وَيكون فِي الْوَاقِع ألفا (فَإِن اتفقَا على الْإِعْرَاض فألفان) أَي فالمهر أَلفَانِ لبالاتفاق بطلَان الْمُوَاضَعَة بإعراضهما عَنْهُمَا (أَو) اتفقَا على (الْبناء فألف) الْمهْر بالِاتِّفَاقِ: لِأَن الْمهْر الآخر ذكر هزلا وَلَا مَانع من اعْتِبَار الْهزْل فِيهِ: إِذْ المَال لَا يجب مَعَ الْهزْل (وَالْفرق لَهُ) أَي لأبي حنيفَة (بَينه) أَي الْهزْل بِقدر الْمهْر (وَبَين) الْهزْل فِي قدر الثّمن فِي (الْمَبِيع) حَيْثُ اعْتبر التَّسْمِيَة فِي الِاتِّفَاق على الْبناء فِي الْمُوَاضَعَة على قدر الْبَدَل فِيهِ، وَاعْتبر الْمُوَاضَعَة هَهُنَا ل (أَنه) أَي البيع (يفْسد بِالشّرطِ) الْفَاسِد، وَقد مرّ وَجه فَسَاده وَقد قصدا صِحَّته (لَا النِّكَاح) أَي بِخِلَاف النِّكَاح فَإِنَّهُ لَا يفْسد بِهِ فَأمكن اعْتِبَار الْمُوَاضَعَة فِيهِ من غير لُزُوم فَسَاد (وَإِن اتفقَا أَنه لم يحضرهما شَيْء، أَو اخْتلفَا) بِوَجْه من وُجُوه الِاخْتِلَاف وَقد عرفتها (جَازَ) النِّكَاح (بِأَلف فِي رِوَايَة مُحَمَّد عَنهُ) أَي أبي حنيفَة (بِخِلَاف البيع، لِأَن الْمهْر تَابع) فِي عقد النِّكَاح (حَتَّى صَحَّ العقد بِدُونِهِ فَيعْمل بِالْهَزْلِ بِخِلَاف البيع) فَإِن الثّمن وَإِن كَانَ فِيهِ وَصفا غير مَقْصُود بِالذَّاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَبِيع إِلَّا أَنه مَقْصُود بِالْإِيجَابِ لكَونه ركنا (حَتَّى فسد) البيع (لِمَعْنى فِي الثّمن) كجهالته (فضلا عَن عَدمه) أَي الثّمن (فَهُوَ) أَي الثّمن (كَالْمَبِيعِ وَالْعَمَل بِالْهَزْلِ يَجعله شرطا فَاسِدا) كَمَا عرفت (فَيلْزم مَا تقدم) من التَّنَافِي بَين تَصْحِيح العقد وَاعْتِبَار الْمُوَاضَعَة وَثُبُوت التَّصْحِيح تَرْجِيحا للْأَصْل (وَفِي رِوَايَة) عَن (أبي يُوسُف) عَن أَبى حنيفَة (وَهِي الْأَصَح) كَمَا ذكر فَخر الْإِسْلَام وَغَيره يلْزمه (أَلفَانِ كَالْبيع لِأَن كلا) من الْمهْر وَالثمن (لَا يثبت إِلَّا قصدا ونصا، وَالْعقل يمْنَع من الثَّبَات على الْهزْل فَيجْعَل) عِنْدهمَا بِأَلفَيْنِ عقدا (مُبْتَدأ عِنْد اخْتِلَافهمَا) لَا بِنَاء على الْمُوَاضَعَة كَذَا فِي كشف الْمنَار. وَفِي كشف الْكَبِير وَغَيره لِأَن نفي الْفساد إهدار لجَانب الْفساد، وَاعْتِبَار للْجدّ الَّذِي هُوَ الأَصْل فِي الْكَلَام (أَو) تواضعا (فِي الْجِنْس) أَي جنس الْمهْر بِأَن يذكرَا عِنْد العقد مائَة دِينَار، وَالْمهْر فِي الْوَاقِع
стр. 681
ألف دِرْهَم (فَإِن اتفقَا على الْإِعْرَاض فالمسمى) أَي فَالْوَاجِب مَا سمياه عِنْد العقد، وَهُوَ مائَة دِينَار لبُطْلَان الْمُوَاضَعَة بِالْإِعْرَاضِ (أَو) توافقا على (الْبناء فمهر الْمثل إِجْمَاعًا، لِأَنَّهُ تزوج بِلَا مهر: إِذْ الْمُسَمّى هزل وَلَا يثبت المَال بِهِ) أَي بِالْهَزْلِ (والمتواضع عَلَيْهِ لم يذكر فِي العقد) والتزوج بِلَا ذكر مهر يُوجب مهر الْمثل (بِخِلَافِهَا) أَي الْمُوَاضَعَة (فِي الْقدر، لِأَنَّهُ) أَي الْقدر المتواضع عَلَيْهِ كالألف (مَذْكُور ضمن الْمَذْكُور) فِي العقد كالألفين (أَو) توافقا (على أَن لم يحضرهما) شَيْء (أَو اخْتلفَا فِي الْإِعْرَاض وَالْبناء، فَفِي رِوَايَة مُحَمَّد) عَن أبي حنيفَة الْوَاجِب (مهر الْمثل: لِأَن الأَصْل بطلَان الْمُسَمّى كَيْلا يصير الْمهْر مَقْصُودا بِالصِّحَّةِ كَالْبيع) يَعْنِي لما وَقع الثَّانِي بَين صِحَة العقد بِاعْتِبَار الْمُسَمّى وَبَين مُوجب الْمُوَاضَعَة تعين الْمصير إِلَى بطلَان الْمُسَمّى، لِأَنَّهُ لَو لم يحكم بِبُطْلَانِهِ، بل يصحح للَزِمَ صيرورة الْمهْر مثل الثّمن فِي البيع فِي كَونهمَا مقصودين بِالصِّحَّةِ، وَقد سبق أَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ بِهَذَا الِاعْتِبَار، فَإِن الثّمن ركن وَالْمهْر تَابع، وَقد بَين ذَلِك (فَيلْزم مهر الْمثل) عِنْد بطلَان الْمُسَمّى (وَفِي رِوَايَة أبي يُوسُف) عَن أبي حنيفَة الْوَاجِب (الْمُسَمّى) والمواضعة بَاطِلَة (كَالْبيع) أَي مثل الثّمن، لِأَن كلا من الْمهْر وَالثمن لَا يثبت إِلَّا قصدا ونصا إِلَى آخر مَا ذكر آنِفا (وَعِنْدَهُمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد يجب (مهر الْمثل لترجيحهما الْمُوَاضَعَة بِالْعَادَةِ فَلَا مهر) مُسَمّى (لعدم الذّكر فِي العقد) لبُطْلَان الْمُسَمّى بتسميته فترجح الْمُوَاضَعَة (و) عدم (ثُبُوت المَال بِالْهَزْلِ وَمَا) يثبت (فِيهِ) المَال (مَقْصُودا بِأَن لَا يثبت بِلَا ذكره) أَي المَال (كالخلع وَالْعِتْق على مَال، وَالصُّلْح عَن دم الْعمد فهزلها) أَي الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة (فِي الأَصْل) أَي فِي أصل هَذِه الْعُقُود بِأَن تواضعا أَن يطلقهَا بِمَال، أَو يعتقهُ على مَال، أَو يصالحه عَن دم الْعمد على مَال على وَجه الْهزْل، وَلم يكن هُنَاكَ فِي الْوَاقِع طَلَاق وَلَا عتاق وَلَا صلح (أَو الْقدر) بِأَن طَلقهَا على أَلفَيْنِ، أَو أعْتقهُ عَلَيْهِمَا، أَو صَالحه عَن الدَّم كَذَلِك مَعَ الْمُوَاضَعَة بِأَن المَال ألف (أَو الْجِنْس) بِأَن يُطلق أَو يعْتق، أَو يُصَالح على مائَة دِينَار مَعَ الْمُوَاضَعَة على أَن الْوَاجِب ألف دِرْهَم (يلْزم) من الْإِلْزَام، وَالضَّمِير للموصول: أَعنِي مَا فِيهِ (الطَّلَاق) مفعول يلْزم (وَالْمَال) كِلَاهُمَا فِي الأولى (فِي) صُورَة الِاتِّفَاق على (الْإِعْرَاض و) فِي صُورَة الإتفاق على (عدم الْحُضُور) بِأَن يتَّفقَا على أَنه لم يحضرهما حَال العقد شَيْء من الْإِعْرَاض وَالْبناء (و) فِي صُورَة (الِاخْتِلَاف فِي الْإِعْرَاض وَالْبناء اتِّفَاقًا) أَي بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة مَعَ اخْتِلَاف فِي التَّرْجِيح (فَفِي الْأَخيرينِ) أَي عدم الْحُضُور بِأَن يتَّفقَا على أَنه لم يحضرهما، وَالِاخْتِلَاف فِي الْإِعْرَاض (عِنْده) أَي عِنْد أبي حنيفَة (لترجيح العقد على الْمُوَاضَعَة وَذَلِكَ) أَي تَرْجِيحه عَلَيْهَا (فِي الِاخْتِلَاف يَجْعَل القَوْل لمُدعِي الْإِعْرَاض) لِأَن الأَصْل فِي الْعُقُود الشَّرْعِيَّة الصِّحَّة واللزوم مَا لم يُوجد معَارض وَلم يُوجد: إِذْ وجود الْمُعَارضَة صَار
стр. 682
مشكوكا بِسَبَب الِاخْتِلَاف، وَأما تعين العقد فِي الصُّورَة الأولى فَظَاهر لبُطْلَان الْمُوَاضَعَة باتفاقهما فَلهَذَا لم يذكرهُ (وَلعدم تَأْثِير الْهزْل عِنْدهمَا فِي صورها) أَي الْمُوَاضَعَة (حَتَّى لزما) أَي الطَّلَاق وَالْمَال (فِي) صُورَة (الْبناء) على الْمُوَاضَعَة (أَيْضا عِنْدهمَا، لِأَن المَال وَإِن لم يثبت بِالْهَزْلِ لكنه تبع للطَّلَاق لاستغنائه) أَي الطَّلَاق (عَنهُ) أَي المَال (لَوْلَا الْقَصْد إِلَى ذكره) أَي لَو لم يقْصد ذكر المَال فِي بَاب الطَّلَاق كَأَن ثَبت من غير أَن يثبت المَال، بِخِلَاف النِّكَاح فَإِنَّهُ يثبت فِيهِ، وَإِن لم يقْصد ذكره فَعِنْدَ ذكر المَال فِي الطَّلَاق كَانَ المَال تبعا وضمنيا (فَإِذا ثَبت المتضمن) على صِيغَة الْفَاعِل، وَهُوَ الطَّلَاق (ثَبت) المتضمن على صِيغَة الْمَفْعُول وَهُوَ المَال. وَلما كَانَ الْمَفْهُوم من قَوْله وَمَا فِيهِ مقصد إِلَى آخِره كَون المَال فِي الْعُقُود الْمَذْكُورَة مَقْصُودا، وَمن قَوْله لكنه تبع كَونه غير مقصد، وَبَينهمَا تدافع بِحَسب الظَّاهِر دَفعه بقوله (والتبعية) أَي تَبَعِيَّة المَال للطَّلَاق (بِهَذَا الْمَعْنى) أَي بِاعْتِبَار كَون ثُبُوته فِي الضمني حَتَّى صَحَّ مَعَ الْهزْل، وَفسّر الشَّارِح هَذَا الْمَعْنى بِكَوْنِهِ تَابعا لَهُ فِي الثُّبُوت لكَونه بِمَنْزِلَة الشَّرْط فِيهِ، والشروط أَتبَاع لما عرف وَلَا يخفى عَلَيْك أَن قَوْله لهَذَا الْمَعْنى إِشَارَة إِلَى مَا فهم مِمَّا قبله وَهُوَ مَا ذكرنَا، لِأَن مَا ذكر (لَا تنَافِي المقصودية بِالنّظرِ إِلَى الْعَاقِد) بِمَعْنى إِذا نَظرنَا إِلَى نفس العقد وجدنَا الطَّلَاق أصلا، وَالْمَال تبعا وضمنيا لما ذكر من الِاسْتِغْنَاء، وَإِذا نَظرنَا فِي الْعَاقِد وجدنَا المَال مَقْصُودا لَهُ، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا لاخْتِلَاف الْجِهَتَيْنِ (بِخِلَاف تبعيته) أَي المَال (فِي النِّكَاح فبمعنى أَنه) أَي المَال (غير الْمَقْصُود) للعاقدين، لِأَن قصدهما الْحل (وَهَذَا) الْمَعْنى (لَا يُنَافِي الْأَصَالَة) لِلْمَالِ (من حَيْثُ ثُبُوته) أَي المَال (عِنْد ثُبُوته) أَي النِّكَاح بِلَا ذكره، بل وَمَعَ نَفْيه إِظْهَارًا لخطر الْبضْع وَالْحَاصِل أَنه لَيْسَ بمقصود مِنْهُ، لكنه مَقْصُود فِيهِ لما ذكر، وَإِنَّمَا يُؤثر فِيهِ الْهزْل كَمَا فِي سَائِر الْأَمْوَال وَإِن لم يُؤثر فِي النِّكَاح. وَعَن شمس الْأَئِمَّة أَنه جعل الْمُوَاضَعَة فِي الطَّلَاق على مَال مثلهَا فِي النِّكَاح إِذا كَانَ الْهزْل فِي قدر الْبَدَل (وَعِنْده) أَي أبي حنيفَة فِي الْبناء الْأَوْجه الثَّلَاثَة: الْمُوَاضَعَة فِي أصل التَّصَرُّف، وَفِي قدر الْبَدَل، وَفِي جنسه (يتَوَقَّف الطَّلَاق على مشيئتها) أَي اخْتِيَار الْمَرْأَة الطَّلَاق بِالْمُسَمّى على طَرِيق الْجد، وَإِسْقَاط الْهزْل كَمَا يتَوَقَّف وُقُوعه فِي خِيَار الشَّرْط فِي الْخلْع من جَانبهَا على اخْتِيَارهَا، لِأَن الْهزْل بِمَنْزِلَة خِيَار الشَّرْط عِنْده لكنه فِي الْخلْع غير مُقَدّر بِالثلَاثِ، بِخِلَاف البيع: لِأَن الشَّرْط فِي الْخلْع على وفْق الْقيَاس، وتقييده بِالثلَاثِ فِي البيع لكَونه على خلاف الْقيَاس فَيقْتَصر على مورد النَّص، وَذَلِكَ لِأَن الْخلْع إِسْقَاط، وَالْبيع إِثْبَات، وَتَعْلِيق إِثْبَات المَال بالخطر فِي معنى الْقمَار، وَإِنَّمَا ذهب إِلَى التَّوَقُّف، لِأَن الأَصْل أَن يُرَاعى جَانب العقد وجانب الْمُوَاضَعَة بِحَسب الْإِمْكَان. وَفِي القَوْل بالتوقف رِعَايَة الْجَانِبَيْنِ كَمَا
стр. 683
أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لِإِمْكَان الْعَمَل بالمواضعة) مَعَ تَصْحِيح العقد (بِنَاء على أَن الْخلْع لَا يفْسد بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة وَهُوَ) أَي الشَّرْط الْفَاسِد هَاهُنَا (أَن يتَعَلَّق) الطَّلَاق (بِجَمِيعِ الْبَدَل) الْمَذْكُور فِي الْمُسَمّى (وَلَا يَقع) الطَّلَاق (فِي الْحَال، بل يتَوَقَّف على اخْتِيَارهَا) وَإِذا قُلْنَا بِعَدَمِ فَسَاد الْخلْع صححنا العقد وَحَيْثُ حكمنَا بالتوقف علمنَا بالمواضعة: إِذْ حاصلها جعل الطَّلَاق مُتَعَلقا بِجَمِيعِ الْبَدَل مَعَ قبُولهَا على سَبِيل الْهزْل، فَلَمَّا لم يلْزم الْمُبَادلَة فِي الْحَال روعي جَانب الْهزْل، وَحَيْثُ توقف وُقُوع الطَّلَاق على اخْتِيَارهَا جَمِيع الْبَدَل صحّح عقد الْخلْع بِالْمُسَمّى وَلَو على سَبِيل التَّعْلِيق لَا التَّنْجِيز وَقيل يَنْبَغِي أَن يتَوَقَّف على إجازتهما مَعًا لما أَجمعُوا عَلَيْهِ من الْهزْل كَشَرط الْخِيَار لَهما، وَلذَا إِذا بنى أَحدهمَا فِي البيع وَأعْرض الآخر لَا يَصح العقد وَأجِيب بِأَن ذَلِك فِي غير الْخلْع وَنَحْوه مِمَّا يحْتَمل كل من الْبَدَلَيْنِ فِيهِ شَرط الْخِيَار. وَفِي الْخلْع وَنَحْوه من الطَّلَاق وَالْعتاق وَالصُّلْح لَا يحْتَملهُ، إِذْ لَيست فِي معنى مَا شرع فِيهِ الْخِيَار.
وَلما كَانَ تَقْرِير الدَّلِيل على المذهبين فِي الطَّلَاق سَوَاء كَانَ فِي الْخلْع أَو فِي الطَّلَاق على مَال وَكَانَ الْعتْق على مَال، وَالصُّلْح عَن دم الْعمد يشاركانه فِي الحكم ألحقهما بِهِ بقوله (وكل من الْعتْق وَالصُّلْح) عَن دم الْعمد (فِيهِ) أَي فِي كل مِنْهُمَا (مثل مَا فِي الطَّلَاق) من الحكم والتفريع. (وَأما تَسْلِيم الشُّفْعَة هزلا فَقيل طلب المواثبة) وَهُوَ طلبَهَا كَمَا علم بِالْبيعِ هُوَ (كالسكوت) مُخْتَارًا (يُبْطِلهَا) أَي الشُّفْعَة: إِذْ اشْتِغَاله بِالتَّسْلِيمِ هازلا سكُوت عَن طلبَهَا فَوْرًا بعد الْعلم بِالْبيعِ (وَبعده) أَي طلب المواثبة سَوَاء كَانَ بعد طلب التَّقْرِير وَالْإِشْهَاد، وَهُوَ أَن ينْهض بعد طلب المواثبة فَيشْهد على البَائِع إِن كَانَ الْمَبِيع بِيَدِهِ، أَو على المُشْتَرِي، أَو عِنْد الْعقار على طلبَهَا أَو قبله (يبطل التَّسْلِيم فَتبقى الشُّفْعَة لِأَنَّهُ) أَي تَسْلِيمهَا (من جنس مَا يبطل بِالْخِيَارِ لِأَنَّهُ) أَي التَّسْلِيم (فِي معنى التِّجَارَة لكَونه) أَي التَّسْلِيم (اسْتِيفَاء أحد الْعِوَضَيْنِ) وَهُوَ هَهُنَا الدَّار الْمُشْتَركَة (على ملكه) أَي أحد المعاوضين، وَهُوَ هَهُنَا مشتريها: وَمن ثمَّة يملك الْأَب وَالْوَصِيّ تَسْلِيم شُفْعَة الصَّبِي عِنْد أبي حنيفَة كَمَا يملكَانِ البيع وَالشِّرَاء لَهُ، وَاسْتِيفَاء أحد الْعِوَضَيْنِ مَعَ اسْتِحْقَاق الاستخراج من ملكه يحْتَاج إِلَى إِسْقَاط الِاسْتِحْقَاق (فَيتَوَقَّف) التَّسْلِيم الَّذِي هُوَ الِاسْتِيفَاء (على الرِّضَا) مِمَّن يترقب مِنْهُ التَّسْلِيم (بالحكم) وَهُوَ الْملك الَّذِي أُرِيد إبقاؤه (والهزل يَنْفِيه) أَي الرِّضَا بالحكم (وَكَذَا يبطل بِهِ) أَي بِالْهَزْلِ (إِبْرَاء الْمَدْيُون وَالْكَفِيل، لِأَن فِيهِ) أَي فِي كل مِنْهُمَا (معنى التَّمْلِيك) أما الْمَدْيُون فَلِأَنَّهُ بِالْإِبْرَاءِ يملك مَا فِي ذمَّته من الدّين، وَأما فِي الْكَفِيل فَلِأَنَّهُ يملك رقبته بَعْدَمَا كَانَت مَشْغُولَة بمطالبته (ويرتد) الْإِبْرَاء فيهمَا (بِالرَّدِّ) كَمَا إِذا سلم الشُّفْعَة بعد طلب المواثبة، فَلم يقبل الْمُدَّعِي عَلَيْهِ تَسْلِيمه يرجع إِلَيْهِ حق الشُّفْعَة مَعْطُوف
стр. 684
على قَوْله فِيهِ معنى التَّمْلِيك (فيوثر فِيهِ) أَي الْإِبْرَاء كالتسليم (الْهزْل) تَفْرِيع على كَونه بِحَيْثُ يرْتَد بِالرَّدِّ مَعَ أَنه فِيهِ معنى التَّمْلِيك (وَكَذَا الإخبارات وَهُوَ الثَّانِي) من الْأَقْسَام الثَّلَاثَة لما يَقع فِيهِ من الْهزْل (سَوَاء كَانَت) إِخْبَارًا (عَمَّا يحْتَمل الْفَسْخ كَالْبيع وَالنِّكَاح) كَمَا هُوَ الْأَصَح، (أَو) كَانَت إِخْبَارًا عَمَّا (لَا) يحْتَمل الْفَسْخ (كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق) وَسَوَاء كَانَت إِخْبَارًا (شرعا ولغة كَمَا إِذا تواضعا على أَن يقرا بِأَن بَينهمَا نِكَاحا أَو بيعا فِي هَذَا بِكَذَا) فكونهما إخبارين لُغَة ظَاهر وَأما شرعا فَلِأَن الشَّرْع لَا يحكم بإنشاء عقد بَينهمَا بِهَذَا الْإِقْرَار، بل لَو كَانَ صدقا لهَذَا الْإِخْبَار فالإنشاء قد تحقق هُنَاكَ، وَإِلَّا فكذب مَحْض لَا مصداق لَهُ، وَلَا يثبت بِهِ عقد بَينهمَا (أَو) إِخْبَارًا (لُغَة فَقَط) وَالشَّرْع يَجعله إنْشَاء (مقررة) حَال من ضمير الإخبارات فِي كَانَت بِاعْتِبَار نِسْبَة مَا عطف على خَبَرهَا الثَّانِي: أَعنِي لُغَة فَقَط (شرعا) أَي فِي الشَّرْع. وَمعنى تقريرها كَونهَا إنْشَاء للإقرار (كَالْإِقْرَارِ بِأَن لزيد عَلَيْهِ كَذَا) فَإِن قَوْله لَهُ عَليّ كَذَا وَإِن كَانَ بِحَسب اللُّغَات احْتِمَالا يحْتَمل الصدْق وَالْكذب، لَكِن بِحَسب الشَّرْع إنشائية يجب فِي ذمَّته بالمبلغ الْمُسَمّى من غير الْتِفَات إِلَى أَنه هَل كَانَ عَلَيْهِ قبل هَذَا الْكَلَام (لَا يثبت) شَيْء مِنْهَا هزلا (لِأَنَّهُ) أَي الْخَبَر شرعا ولغة أَو لُغَة فَقَط (يعْتَمد صِحَة الْمخبر بِهِ) أَي تحقق الحكم الَّذِي صَار الْخَبَر عَنهُ عبارَة وإعلاما بِثُبُوتِهِ أَو نَفْيه، وتحققه إِنَّمَا يكون بالجد وَالرِّضَا بِهِ والهزل يُنَافِيهِ (أَلا ترى أَن الْإِقْرَار بِالطَّلَاق وَالْعِتْق مكْرها بَاطِل) لِانْعِدَامِ الرِّضَا (فَكَذَا هازلا) لِأَن الْهزْل دَلِيل عدم الصِّحَّة حَتَّى لَو أجَاز بعد ذَلِك لم يجز، لِأَن الْإِجَازَة إِنَّمَا تلْحق منعقدا وَلَا انْعِقَاد مَعَ الْهزْل، بِخِلَاف مَا لَو طلق إِنْسَان زَوْجَة غَيره أَو أعتق عبد غَيره فَإِنَّهُ أَمر حقق، فَإِذا أجَاز الزَّوْج وَالسَّيِّد طلقت وَعتق (وَكَذَا) الْهزْل (فِي الاعتقادات وَهُوَ الثَّالِث) من الْأَقْسَام الْمَذْكُورَة (وَأما ثُبُوت الرِّدَّة بِالْهَزْلِ) أَي يتَكَلَّم الْمُسلم بالْكفْر هزلا (فبه) أَي بِسَبَب الْهزْل نَفسه (للاستخفاف) لِأَن الهازل رَاض بأجراء كلمة الْكفْر على لِسَانه، وَهُوَ استخفاف وَكفر بِالنَّصِّ. قَالَ تَعَالَى - ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ ليَقُولن إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب قل أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزئون لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ﴾ -، وبالإجماع (لَا بِمَا هزل بِهِ) وَهُوَ اعْتِقَاد معنى كلمة الْكفْر الَّتِي تكلم بهَا هازلا (إِذْ لم يتبدل اعْتِقَاده، وَيلْزم الْإِسْلَام) أَي يحكم بِإِسْلَام الْكَافِر فِي أَحْكَام الدُّنْيَا (بِالْهَزْلِ بِهِ) أَي إِذا تكلم بِكَلِمَة الْإِسْلَام وتبرأ من دينه هازلا (تَرْجِيحا) لجَانب الْإِيمَان: إِذْ الأَصْل فِي الْإِنْسَان التَّصْدِيق والاعتقاد (كالإكراه عَلَيْهِ) أَي الْإِسْلَام، فَإِن الْمُكْره إِذا أسلم يحكم بِإِسْلَامِهِ (عندنَا) لوُجُود رُكْنه مِنْهُ، بل الهازل أولى بذلك لرضاه بالتكلم بِخِلَاف الْمُكْره: ووافقنا الشَّافِعِي على ذَلِك فِي الْحَرْبِيّ لَا الذِّمِّيّ كَمَا ستعرف فِي الْإِكْرَاه، كَذَا ذكره الشَّارِح. وَفِيه أَن الْهزْل
стр. 685
إِذا علم يقطع بِعَدَمِ الرِّضَا فِي زمَان التَّكَلُّم بِالْإِيمَان، بِخِلَاف الْمُكْره فَإِنَّهُ رُبمَا يتبدل اعْتِقَاده فِي أَن التَّكَلُّم بِهِ وَأَيْضًا لَيْسَ عِنْد الهازل سوى اللَّفْظ الدَّال على الْإِسْلَام لَوْلَا الْقَرِينَة الصارفة عَن إِرَادَة مَدْلُوله، فيكف ترجح على حَقِيقَة الْكفْر فَلْيتَأَمَّل (وَمِنْهَا) أَي المكتسبة من نَفسه (السَّفه) فِي اللُّغَة الخفة، وَعند الْفُقَهَاء (خفَّة تبْعَث الْإِنْسَان على الْعَمَل فِي مَاله بِخِلَاف مُقْتَضى الْعقل) وَلم يقل وَالشَّرْع كَمَا قَالَ بَعضهم، لِأَن مُقْتَضى الْعقل أَن لَا يُخَالف الشَّرْع لوُجُوب اتِّبَاعه عقلا (مَعَ عدم اختلاله) أَي الْعقل، فَخرج الْجُنُون والعته، (وَلَا يُنَافِي) السَّفه أَهْلِيَّة الْخطاب وَلَا الْوُجُوب لوُجُود مناطهما، وَهُوَ الْعقل وَالْقَوِي لظاهرة والباطنة فَهُوَ مُخَاطب بِجَمِيعِ الْأَوَامِر والنواهي فَلَا يُنَافِي (شَيْئا من الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة من حُقُوق الله تَعَالَى وَحُقُوق الْعباد (وَأَجْمعُوا على منع مَاله) أَي السَّفِيه مِنْهُ (أول بُلُوغه) سَفِيها لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم﴾ الَّتِي جعل الله لكم قيَاما: نهى الْأَوْلِيَاء عَن أَن يؤتوا الَّذين لَا رشد لَهُم أَمْوَالهم فيضيعوها، وأضاف الْأَمْوَال إِلَى الْأَوْلِيَاء على أَنَّهَا من جنس مَا يُقِيمُونَ بِهِ مَعَايشهمْ كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ -: أَو لأَنهم المتصرفون فِيهَا القوامون عَلَيْهَا (وعلقه) أَي إيتَاء الْأَمْوَال إيَّاهُم (بإيناس الرشد) حَيْثُ قَالَ - ﴿فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا﴾ -: أَي إِن عرفتهم ورأيتم فيهم صلاحا فِي الْفِعْل، وحفظا لِلْمَالِ - ﴿فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ - (فَاعْتبر أَبُو حنيفَة مظنته) أَي الرشد (بُلُوغ سنّ الجدية) أَي كَونه جدا لغيره. ثمَّ بَينه بقوله (خمْسا وَعشْرين سنة) إِذْ أدنى مُدَّة الْبلُوغ اثْنَتَا عشرَة سنة. ثمَّ يُولد لَهُ ولد فِي سِتَّة أشهر فَإِنَّهَا أقل مُدَّة الْحمل، ثمَّ يبلغ اثْنَتَيْ عشر سنة ويولد لَهُ ولد فِي سِتَّة أشهر، وَإِنَّمَا كَانَت هَذِه الْمدَّة مَظَنَّة بُلُوغ الرشد (لِأَنَّهُ لَا بُد من حُصُول رشد مَا نظرا إِلَيْهِ دَلِيله) أَي حُصُول الرشد لَهُ. ثمَّ بَين الدَّلِيل بقوله (من مُضِيّ زمَان التجربة) إِذْ التجارب لقاح الْعُقُول (وَهُوَ) أَي حُصُول رشد مَا (الشَّرْط لتنكيره) أَي لفظ رشدا فِي الْإِثْبَات، فَيتَحَقَّق بِأَدْنَى مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم كَمَا فِي الشُّرُوط الْمُنكرَة، وَإِذا تعين المظنة مدارا للْحكم وَجب تَسْلِيم المَال عِنْد بُلُوغ هَذَا السن أونس مِنْهُ الرشد أَولا (ووقفاه) أَي صَاحِبَاه إيتَاء المَال (على حَقِيقَته) أَي الرشد (وَفهم تخلقه) أَي السَّفِيه بأخلاق الرشد (وَاخْتلفُوا فِي حجره) أَي السَّفِيه (بِأَن يمْنَع نَفاذ تَصَرُّفَاته القولية المحتملة للهزل) أَي الَّتِي يُبْطِلهَا الْهزْل وَهِي مَا يحْتَمل الْفَسْخ كَالْبيع وَالْإِجَارَة، أما الفعلية والقولية الَّتِي لَا يُبْطِلهَا الْهزْل، وَهِي مَا لَا يحْتَمل الْفَسْخ كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق فالسفه لَا يمْنَع نفاذها بالِاتِّفَاقِ (فأثبتاه) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد حجر السَّفِيه عَنْهَا (نظرا لَهُ) لما فِيهِ من صِيَانة مَاله (لوُجُوبه) أَي النّظر (للْمُسلمِ) لإسلامه، وَإِن كَانَ فَاسِقًا ونظرا للْمُسلمين أَيْضا لِأَنَّهُ بإتلافه يصير دينا، وَيجب نَفَقَته من بَيت المَال فَيصير على نَفسه وعَلى الْمُسلمين وبالا
стр. 686
وعَلى بَيت مَا لَهُم عيالا (ونفاه) أَي أَبُو حنيفَة حجر السَّفه (لِأَنَّهُ) أَي السَّفه (لما كَانَ مُكَابَرَة) لِلْعَقْلِ لعمله بِخِلَاف مُقْتَضَاهُ لغَلَبَة الْهوى مَعَ الْعلم بقبحه (وتركا للْوَاجِب) وَهُوَ الاجتناب عَن الْإِسْفَار والتبذير عَن علم (لم يسْتَوْجب) وَلم يستاهل السَّفِيه (النّظر. ثمَّ إِنَّمَا يحسن) الْحجر عَلَيْهِ (إِذا لم يسْتَلْزم) الْحجر عَلَيْهِ (ضَرَرا فَوْقه) أَي الضَّرَر لكنه يسْتَلْزم ذَلِك لما فِيهِ (من إهدار أَهْلِيَّته وإلحاقه بالجمادات) وبهذه الْأَهْلِيَّة يتَمَيَّز عَن سَائِر الْحَيَوَانَات وَملك الْيَد نعْمَة زَائِدَة على ملك الرَّقَبَة (ولدلالة الْإِجْمَاع على اعْتِبَار إِقْرَاره بِأَسْبَاب الْحَد) قَوْله على صلَة الْإِجْمَاع وَحذف الْمَدْلُول عَلَيْهِ، وَهُوَ اعْتِبَار أَقْوَاله الْمَذْكُورَة اكْتِفَاء بِمَا يفهم من قَوْله (فَلَو لزم شرعا الْحجر عَلَيْهِ) أَي السَّفِيه (فِي أَقْوَاله المتلفة لِلْمَالِ للَزِمَ) الْحجر عَلَيْهِ (بطرِيق أولي فِي) أَقْوَاله (المتلفة لنَفسِهِ) وَهِي إقراراته بِسَبَب الْحُدُود: إِذْ النَّفس أولى بِالنّظرِ من المَال الَّذِي خلق وقاية لَهَا (وَمَعَ هَذَا) الْبَيَان الْبَالِغ (الأحب) يَعْنِي إِلَيْهِ رَحْمَة الله (قَوْلهمَا) وَبِه قَالَت الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة (لِأَن النَّص) أَي التَّنْصِيص (على منع المَال مِنْهُ) أَي السَّفِيه فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء﴾ - الْآيَة (كَيْلا يتلفه) أَي لأجل أَن لَا يتْلف مَاله (قطعا) أَي بِلَا شُبْهَة فَهُوَ تَأْكِيد لكَون الْمَقْصُود من النَّص عدم الْإِتْلَاف (وَإِذا لم يحْجر) عَلَيْهِ (أتْلفه بقوله فَلَا يُفِيد) منع المَال مِنْهُ وَأَيْضًا يحْجر (دفعا للضَّرَر الْعَام، لِأَنَّهُ قد يلبس) على الْمُسلمين أَنه غنى بالتزيي بزِي الْأَغْنِيَاء (فيقرضه الْمُسلمُونَ أَمْوَالهم فيتلفها وَغير ذَلِك) من الضَّرَر الْعَام بهم كَمَا مر (وَهُوَ) أَي دفع الضَّرَر الْعَام (وَاجِب بِإِثْبَات) الضَّرَر (الْخَاص فَصَارَ كالحجر على المكارى الْمُفلس) وَهُوَ الَّذِي يتَقَبَّل الْكِرَاء ويؤجر الدَّوَابّ، وَلَيْسَ لَهُ ظهر يحمل عَلَيْهِ، وَلَا مَال يَشْتَرِي بِهِ الدَّوَابّ (والطبيب الْجَاهِل والمفتي الماجن) وَهُوَ الَّذِي يعلم النَّاس الْحِيَل. قَالَ الشَّارِح كَذَا فِي طَريقَة عَلَاء الدّين الْعَالم، وَلَفظ خُوَاهَر زَاده، والمفتي الْجَاهِل لعدم الضَّرَر من الأول فِي الْأَمْوَال، وَمن الثَّانِي فِي الْأَبدَان، وَمن الثَّالِث فِي الْأَدْيَان، وَفِي الْبَدَائِع لَيْسَ المُرَاد من الْحجر على هَؤُلَاءِ حَقِيقَة الْحجر الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الشَّرْعِيّ الَّذِي يمْنَع نُفُوذ التَّصَرُّف: أَلا ترى أَن الْمُفْتِي إِذا أفتى بعد الْحجر وَأصَاب فِي الْفَتْوَى جَازَ، وَلَو أجَاب قبله وَأَخْطَأ لَا يجور: وَكَذَا الطَّبِيب لَو بَاعَ الْأَدْوِيَة بعد الْحجر نفذ بَيْعه: بل المُرَاد الْمَنْع الْحسي، فَهُوَ من بَاب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر (وَإِذا كَانَ الْحجر) على السَّفِيه (للنَّظَر لَهُ لزم أَن يلْحق) السَّفِيه (فِي كل صُورَة) من أَنْوَاع التَّصَرُّفَات الصادرة عَنهُ (بالأنظر) أَي مِمَّن يكن إِلْحَاقه بِهِ أنظر فِي حَقه، فَإِذا كَانَ بَينه وَبَين شبهين لَهُ مُنَاسبَة مصححة لإلحاقه لكل مِنْهُمَا يتَعَيَّن إِلْحَاقه بِمن إِلْحَاقه بِهِ أنظر وَأدْخل فِي مصْلحَته (فَفِي الِاسْتِيلَاد يَجْعَل كَالْمَرِيضِ فَيثبت نسب ولد أمته
стр. 687
إِذا ادَّعَاهُ) حَتَّى لَو كَانَ الْوَلَد حرا وَكَانَت الْأمة أم وَلَده، وَإِذا مَاتَت كَانَت حرَّة (وَلَا يسْعَى) فَإِن توفير النّظر بإلحاقه بالمريض فِي حكم الِاسْتِيلَاد لِحَاجَتِهِ إِلَى بَقَاء نَسْله وصيانة مائَة فَيلْحق فِي هَذَا الحكم بالمريض الْمَدْيُون إِذا ادّعى نسب ولد جَارِيَته فَإِنَّهُ يكون كَالصَّحِيحِ حَتَّى تعْتق من جَمِيع مَاله وَلَا تسْعَى وَلَا وَلَدهَا، لِأَن حَاجَتهَا مُقَدّمَة على حَاجَة غُرَمَائه (وَفِي شِرَاء ابْنه) وَهُوَ مَعْرُوف (كالمكره) أَي بِمَنْزِلَة الْمُكْره فِي شِرَائِهِ فَيثبت شِرَاؤُهُ (فَيثبت لَهُ) أَي للسفيه الْملك (بِالْقَبْضِ) وَيعتق عَلَيْهِ حِين قَبضه (وَلَا يلْزم) السَّفِيه (الثّمن أَو الْقيمَة فِي مَاله جعلا لَهُ) أَي للسفيه فِي هَذَا الحكم (كَالصَّبِيِّ) لِأَن الأنظر لَهُ أَن يلْحق بِهِ لما فِيهِ من دفع الضَّرَر عَنهُ (وَإِذ لم يلْزمه) أَي السَّفِيه الثّمن أَو الْقيمَة وَأَن ملكه بِالْقَبْضِ، لِأَن الْتِزَامه أَحدهمَا بِالْقَبْضِ غير صَحِيح لما ذكر: بل يسْعَى الابْن فِي قِيمَته (لم يسلم لَهُ) أَي للسفيه (شَيْء من السّعَايَة، بل تكون) السّعَايَة (كلهَا للْبَائِع لِأَن الْغنم بالغرم كَعَكْسِهِ) أَي كَمَا أَن الْغرم بالغنم. وَلما كَانَت الغرامة على البَائِع كَانَت الْقيمَة لَهُ (وَالْحجر للنَّظَر عِنْدهمَا أَنْوَاع) يكون (للسفه بِنَفسِهِ) أَي بِسَبَب نفس السَّفه سَوَاء كَانَ أَصْلِيًّا بِأَن يبلغ سَفِيها، أَو عارضا بِأَن حدث بعد الْبلُوغ (بِلَا) توقف على (قَضَاء) عَلَيْهِ بِالْحجرِ (كالصبا وَالْجُنُون عِنْد مُحَمَّد، وَبِه) أَي وبالقضاء (عِنْد أبي يُوسُف لتردده) أَي السَّفِيه (بَين النّظر بإبقاء ملكه) أَي السَّفِيه (و) بَين (الضَّرَر بإهدار عِبَارَته) وَقد ذهب إِلَى تَرْجِيح كل من الْجِهَتَيْنِ مُجْتَهد فَلَا يرجح أَحدهمَا إِلَّا بِالْقضَاءِ (وللدين) أَي وَقد يكون الْحجر على الْعَاقِل الْبَالِغ بِسَبَب كَونه مديونا، وَإِن كَانَ رشيدا (خوف التلجئة) أَي الْمُوَاضَعَة لدفع الْغُرَمَاء، فَيجْعَل مَاله لغيره صُورَة ليحكم لَهُ بالإفلاس فَيسلم لَهُ، والتلجئة قد تكون (بيعا) والمواضعة فِيهِ إِمَّا فِي أصل العقد، أَو فِي قدر الْبَدَل، أَو فِي جنسه. (و) قد يكون (إِقْرَار فبالقضاء) أَي يتَوَقَّف هَذَا الْحجر على الْقَضَاء بِهِ (اتِّفَاقًا بَينهَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد (لِأَنَّهُ) أَي الْحجر عَلَيْهِ (نظر للْغُرَمَاء، فتوقف على طَلَبهمْ (بِخِلَاف الْحجر على السَّفِيه فَإِنَّهُ للنَّظَر، فَلَا يتَوَقَّف على طلب أحد: بل يَكْفِي طلبه بِلِسَان حَاله (فَلَا يتَصَرَّف) الْمَدْيُون الْمَحْجُور (فِي مَاله إِلَّا مَعَهم) أَي الْغُرَمَاء باتفاقهم (فِيمَا فِي يَده وَقت الْحجر) من المَال احْتِرَاز عَمَّا يحدث فِي يَده بعد الْحجر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أما فِي كَسبه) وَحده (بعده) أَي الْحجر من المَال (فعموم) أَي فَحكم هَذَا المكتسب عُمُوم نَفاذ تصرفه فِيهِ، فَلَا يتَقَيَّد بِرِضا الْغُرَمَاء لعدم تعلق حق الْغُرَمَاء بِهِ (و) قد يكون (لِامْتِنَاع الْمَدْيُون عَن صرف مَاله إِلَى دينه) الْمُسْتَغْرق لَهُ، (فيبيعه القَاضِي وَلَو) كَانَ مَاله (عقارا كَبَيْعِهِ) أَي القَاضِي (عبد الذِّمِّيّ إِذا أَبى) الذِّمِّيّ (بَيْعه بعد إِسْلَامه) أَي العَبْد الْمَذْكُور، فَإِن الأَصْل أَن من امْتنع من إبْقَاء حق مُسْتَحقّ عَلَيْهِ
стр. 688
وَهُوَ مِمَّا يجْرِي فِيهِ النِّيَابَة نَاب القَاضِي مَنَابه فِيهِ خلافًا لأبي حنيفَة، وَالْفَتْوَى على قَوْلهمَا (وَمِنْهَا) أَي من المكتبة من نَفسه (السّفر) وَهُوَ لُغَة قطع المسافات، وَشرعا خُرُوج عَن مَحل الْإِقَامَة بِقصد مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام بسير وسط، وَهُوَ (لَا يُنَافِي أَهْلِيَّة الْأَحْكَام) وجوبا وَأَدَاء من الْعِبَادَات وَغَيرهَا (بل جعل سَببا للتَّخْفِيف) لِأَنَّهُ مَظَنَّة الْمَشَقَّة (فشرعت رباعيته) أَي مكتوباته الَّتِي هِيَ أَربع رَكْعَات فِي الْحَضَر (رَكْعَتَيْنِ ابْتِدَاء) لِأَنَّهَا كَانَت أَرْبعا ابْتِدَاء فأسقط مِنْهَا رَكْعَتَانِ كَمَا تقدم وَجهه فِي الرُّخْصَة (وَلما كَانَ) السّفر (اختياريا دون الْمَرَض) وَهُوَ أَيْضا من أَسبَاب التَّخْفِيف (فَارقه) أَي السّفر الْمَرَض فِي بعض الْأَحْكَام (فالمرخص إِذا كَانَ) مَوْجُودا (أول الْيَوْم) من أَيَّام رَمَضَان (فَترك) من وجد فِي حَقه المرخص (الصَّوْم) ذَلِك الْيَوْم (فَلهُ) التّرْك وَلَا يَأْثَم بِهِ (أَو صَامَ) صَحَّ صَوْمه، فَإِن أَرَادَ الْفطر بعد الشُّرُوع فِيهِ (فَإِن كَانَ) المرخص (الْمَرَض حل الْفطر أَو) كَانَ (السّفر فَلَا) يحل لَهُ الْفطر، لِأَن الضَّرَر فِي الْمَرَض مِمَّا لَا مدفع لَهُ، فَرُبمَا يتَوَهَّم قبل الشُّرُوع أَنه لَا يلْحقهُ الْمَرَض وَبعده يعلم لُحُوقه من حَيْثُ لَا مدفع لَهُ، بِخِلَاف الْمُسَافِر فَإِنَّهُ يتَمَكَّن من دفع الضَّرَر الدَّاعِي إِلَى الْإِفْطَار بِأَن لَا يُسَافر، كَذَا قَالَ الشَّارِح وَالصَّوَاب أَن يُقَال بِأَن يتْرك فِي مَكَان ترك، لِأَن الْمَفْرُوض أَن المرخص قد كَانَ مَوْجُودا فِي أول الْيَوْم، فقد تحقق السّفر قبل إِرَادَة الْفطر: وَمَعَ ذَلِك يسْتَشْكل إِن كَانَ بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ النُّزُول لمَانع من خوف وَغَيره (إِلَّا أَنه لَا كَفَّارَة) على الْمُسَافِر (لَو أفطر) لتمكن الشُّبْهَة فِي وُجُوبهَا باقتران السّفر بِالْفطرِ (وَإِن وجد) المرخص (فِي أَثْنَائِهِ) أَي الْيَوْم (وَقد شرع) فِي صَوْمه (فَإِن طَرَأَ الْعذر ثمَّ الْفطر فَفِي الْمَرَض حل الْفطر لَا) فِي (السّفر) إِذْ تبين بعروض الْمَرَض أَن الصَّوْم لم يكن وَاجِبا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْم، بِخِلَاف عرُوض السّفر فَإِنَّهُ أَمر اخْتِيَاري وَالْمَرَض ضَرُورِيّ. وَقد يُقَال كَذَلِك يتَبَيَّن بعروض السّفر أَن الصَّوْم لم يكن وَاجِبا فِي علم الله لعلمه أَنه يُسَافر فِي هَذَا الْيَوْم، وَلَا تَأْثِير لكَون الْعَارِض المرخص مَرضا فَتَأمل (وَفِي قلبه) وَهُوَ أَن يفْطر ثمَّ يطْرَأ الْعذر (لَا يحل) الْإِفْطَار لعدم الْعذر عِنْده (لَكِن لَا كَفَّارَة إِذا كَانَ الطَّارِئ الْمَرَض لِأَنَّهُ) أَي الْمَرَض (سماوي تبين بِهِ عدم الْوُجُوب) وَالْكَلَام فِيهِ قد سبق (وَتجب) الْكَفَّارَة (فِي السّفر، لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ وتقررت) الْكَفَّارَة (قبله) أَي السّفر بإفطار يَوْم وَاجِب من غير اقتران شُبْهَة حَتَّى لَو كَانَ السّفر خَارِجا عَن اخْتِيَاره بِأَن أكرهه السُّلْطَان على السّفر فِيهِ سَقَطت عَنهُ أَيْضا فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة كَذَا فِي الْخَانِية (وَيخْتَص ثُبُوت رخصه) أَي السّفر من قصر الرّبَاعِيّة وَفطر رَمَضَان وَغَيرهمَا (بِالشُّرُوعِ فِيهِ) أَي فِي السّفر (قبل تحَققه لِأَنَّهُ) أَي تحَققه (بامتداده) أَي السّفر (ثَلَاثَة
стр. 689
أَيَّام بلياليها، وَإِن كَانَ الْقيَاس أَن لَا يثبت قبلهَا إِلَّا بعد مضيها: لِأَن حكم الْعلَّة لَا يثبت قبلهَا. يرد عَلَيْهِ أَن حَقِيقَة السّفر على مَا ذكر فِي تَعْرِيفه إِنَّمَا هُوَ الْخُرُوج عَن مَحل الْإِقَامَة بِقصد السّير الْمَذْكُور، وَهُوَ يتَحَقَّق قبل الامتداد الْمَذْكُور. وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَن الْفُقَهَاء قصدُوا بِهِ تَعْرِيف مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَحْكَام السّفر، لَا بَيَان حَقِيقَته، وَحَقِيقَته إِنَّمَا هِيَ الْقطع للمسافة الْمَذْكُورَة مَعَ الْقَصْد الْمَذْكُور وَيُؤَيِّدهُ مَا ذكر من أَنه فِي اللُّغَة قطع الْمسَافَة (غير أَنه) أَي الْمُسَافِر (لَو أَقَامَ) أَي نوى الْإِقَامَة (قبلهَا) أَي قبل ثَلَاثَة أَيَّام (صَحَّ) مقَامه (ولزمت أَحْكَام الْإِقَامَة وَلَو) كَانَ (فِي الْمَفَازَة لِأَنَّهُ) أَي الْمقَام قبلهَا (دفع لَهُ) أَي للسَّفر قبل تحَققه فتعود الْإِقَامَة قبلهَا (وَبعدهَا) أَي بعد ثَلَاثَة أَيَّام (لَا) يَصح مقَامه (إِلَّا فِيمَا يَصح فِيهِ) الْمقَام من مصر أَو قَرْيَة (لِأَنَّهُ) أَي الْمقَام بعْدهَا (رفع بعد تحَققه) أَي السّفر، فنية الْإِقَامَة حِينَئِذٍ ابْتِدَاء إِيجَاب: فَلَا تصح فِي غير مَحَله، وَهَذَا مَا قيل: من أَن الدّفع أسهل من الرّفْع (وَلَا يمْنَع سفر الْمعْصِيَة) من قطع طَرِيق أَو غَيره: أَي لَا يمْنَع كَونه مَعْصِيّة (الرُّخْصَة) عِنْد أَصْحَابنَا. وَقَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة يمْنَع لِأَن الرُّخْصَة نعْمَة فَلَا تنَال بالمعصية، فَيجْعَل السّفر مَعْدُوما فِي حَقّهَا كالسكر فِي حق الرُّخْصَة الْمُتَعَلّقَة بِزَوَال الْعقل لِأَنَّهُ مَعْصِيّة، وَلقَوْله تَعَالَى - ﴿فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ - أناط رخصَة أكل الْميتَة بالاضطرار بِشَرْط كَونه غير بَاغ: أَي خَارج على الإِمَام، وَلَا عَاد: أَي ظَالِم للْمُسلمين بِقطع الطَّرِيق، فَيبقى فِي غير هَذِه الْحَالة على أصل الْحُرْمَة: فَكَذَا فِي سَائِر الرُّخص بِالْقِيَاسِ أَو بِدلَالَة النَّص، أَو بِالْإِجْمَاع على عدم الْفَصْل ولأصحابنا إِطْلَاق نُصُوص الرُّخص لقَوْله تَعَالَى - ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ -. وَمَا عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا " فرض الله الصَّلَاة على لِسَان نَبِيكُم فِي الْحَضَر أَربع رَكْعَات، وَفِي السّفر رَكْعَتَيْنِ ": إِلَى غير ذَلِك، وَلَا نسلم أَن فِيهِ جعل الْمعْصِيَة سَببا للرخصة (لِأَنَّهَا) أَي الْمعْصِيَة (لَيست إِيَّاه) أَي السّفر، بل هُوَ مُنْفَصِل عَنْهَا: إِذْ كل مِنْهُمَا يُوجد بِدُونِ الآخر، وَالسّفر هُوَ السَّبَب: نعم هِيَ مجاورة لَهُ، وَذَلِكَ غير مَانع من اعْتِبَاره شرعا كَالصَّلَاةِ فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة وَالْمسح على خف مَغْصُوب (بِخِلَاف السَّبَب الْمعْصِيَة كالسكر بِشرب الْمُسكر) الْمحرم فَإِنَّهُ حدث عَن مَعْصِيّة فَلَا يناط بِهِ الرُّخْصَة، لِأَن سَبَب الرُّخْصَة لَا بُد أَن يكون مُبَاحا، وَنَفس السّفر مُبَاح وَإِن جاوره مَعْصِيّة (وَقَوله تَعَالَى ﴿غير بَاغ وَلَا عَاد﴾: أَي فِي الْأكل) لِأَن الْإِثْم وَعَدَمه لَا يتَعَلَّق بِنَفس الأضطرار بل بِالْأَكْلِ، فَلَا بُد من تَقْدِير فعل عَامل: أَي فَمن اضْطر وَأكل حَال كَونه غير بَاغ وَلَا عَاد فِي الْأكل الَّتِي سيقت الْآيَة لتحريمه وحله: أَي غير متجاوز فِي الْأكل قدر الْحَاجة على أَن عَاد للتَّأْكِيد، أَو الْمَعْنى غير طَالب الْمحرم وَهُوَ يجد غَيره، وَلَا مجاوز قدر مَا يسد الرمق وَيدْفَع الْهَلَاك أَو غير متلذذ، وَلَا مُتَرَدّد، أَو غير بَاغ على مُضْطَر آخر بالاستئثار عَلَيْهِ وَلَا مجاوز
стр. 690
سد الجوعة (وَقِيَاس السّفر) فِي كَونه مرخصا (عَلَيْهِ) أَي على أكل الْميتَة المنوط بالاضطرار فِي اشْترط نفي عصيان الْمُسَافِر كَمَا فِي الْأكل على سَبِيل التنزل (يُعَارض إِطْلَاق نَص إناطته) أَي ثُبُوت الرُّخص (بِهِ) أَي بِالسَّفرِ من غير تَقْيِيد بذلك، فَاتَ مُوجب إِطْلَاق النَّص ثُبُوت تِلْكَ الرُّخص بِمُجَرَّد السّفر وَإِن تحقق فِي ضمن الْمعْصِيَة، وَمُوجب الْقيَاس الْمَذْكُور عدم ثُبُوتهَا فِي سفر الْمعْصِيَة فيتعارضان، وَلَا يَصح قِيَاس تعَارض مَعَ النَّص (وَيمْنَع) على صِيغَة الْمَجْهُول (تَخْصِيصه ابْتِدَاء بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ. وَقد مر فِي أَوَاخِر مَبْحَث التَّخْصِيص (وَلِأَنَّهُ) أَي الترخيص للْمُضْطَر (لم ينط بِالسَّفرِ) إِجْمَاعًا، بل يُبَاح للمقيم الموثم (فيأكل) الْمُضْطَر (مُقيما عَاصِيا) فَانْتفى الْوَجْه الثَّانِي: يَعْنِي لَو كَانَ رخصَة الْأكل مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْمعْصِيَة مُطلقًا كَمَا تَقول كَذَلِك رخص الْمُسَافِر لكنه لَيْسَ بمشروط، لِأَن العَاصِي الْمُضْطَر يأكلها غير أَنه لَا يظْهر مدخلية عدم إناطة رخصَة الْأكل بِالسَّفرِ حِينَئِذٍ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال الْمَقْصُود بعد تفسيرهم الْآيَة بذلك: لِأَن الِاضْطِرَار إِذا لم يكن مَخْصُوصًا بِالسَّفرِ لَا وَجه لاشْتِرَاط نفي خُصُوص المعصيتين، بل يَنْبَغِي نفي مُطلق الْمعْصِيَة وَالله أعلم (وَمِنْهَا) أَي المكتسبة من نَفسه (الْخَطَأ: أَن يقْصد بِالْفِعْلِ غير الْمحل الَّذِي يقْصد بِهِ الْجِنَايَة) مَرْفُوع بيقصد، وَضمير بِهِ رَاجع إِلَى الْمحل، لما كَانَ كل وَاحِد من الْفِعْل وَالْمحل مِمَّا لَا بُد مِنْهُ فِي الْقَصْد، وَلَا يتم بِدُونِهِ صَحَّ تَنْزِيله منزلَة الْآلَة وَإِدْخَال الْبَاء عَلَيْهِ (كالمضمضة تسري إِلَى الْحلق) الْمحل الَّذِي يقْصد بِهِ الْجِنَايَة على الصَّوْم إِنَّمَا هُوَ الْحلق، وَلم يقْصد بالمضمضة، بل قصد بهَا الْفَم وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمُسْتَفَاد من الْعبارَة كَون الْخَطَأ عَن قصد غسل الْفَم بالمضمضة، وَهُوَ بِدُونِ السريان إِلَى الْحلق، وَهُوَ غير مُسْتَقِيم فَالْكَلَام مَبْنِيّ على الْمُسَامحَة اعْتِمَادًا على فهم السَّامع، وَالْمرَاد أَنه قصد غير مَحل الْجِنَايَة بِالْفِعْلِ مَعَ إِصَابَته محلهَا (وَالرَّمْي إِلَى صيد فَأصَاب آدَمِيًّا) فَإِن مَحل الْجِنَايَة هُوَ الْآدَمِيّ، وَلم يقْصد بِالرَّمْي، بل قصد غَيره وَهُوَ الصَّيْد (والمؤاخذة بِهِ) أَي بالْخَطَأ (جَائِزَة) عقلا عِنْد أهل السّنة (خلافًا للمعتزلة لِأَنَّهَا) أَي الْمُؤَاخَذَة (بِالْجِنَايَةِ) وَهِي لَا تتَحَقَّق بِدُونِ الْقَصْد (قُلْنَا هِيَ) أَي الْجِنَايَة (عدم التثبت) وَالِاحْتِيَاط، والذنُوب كالسموم تنَاولهَا يُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاك وَلَو بِلَا قصد (وَلذَا) أَي لجَوَاز الْمُؤَاخَذَة عقلا (سُئِلَ) (عدم الْمُؤَاخَذَة بِهِ) أَي بالْخَطَأ. قَالَ تَعَالَى - ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا﴾ -: إِذْ الْمُمْتَنع عقلا لَا يسئل عَدمه، فَإِن امْتِنَاعه يُغني عَن السُّؤَال (وَعنهُ) أَي عَن كَون الْخَطَأ جِنَايَة بِاعْتِبَار عدم التثبت (كَانَ) الْخَطَأ (من) الْعَوَارِض (المكتسبة) من نَفسه (غير أَنه تَعَالَى جعله) أَي الْخَطَأ (عذرا فِي إِسْقَاط حَقه)
стр. 691
تَعَالَى (إِذا اجْتهد) الْمُجْتَهد، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ " إِذا حكم الْحَاكِم فاجتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِذا حكم فاجتهد ثمَّ أَخطَأ فَلهُ أجر وَاحِد ". (و) جعله (شُبْهَة) دارئة (فِي الْعُقُوبَات فَلَا يُؤَاخذ بِحَدّ) فِيمَا لَو زفت إِلَيْهِ غير امْرَأَته فَوَطِئَهَا على ظن أَنَّهَا امْرَأَته (وَلَا قصاص) فِيمَا لَو رمى إِلَى إِنْسَان على ظن أَنه صيد فَقتله (دون حُقُوق الْعباد فَوَجَبَ ضَمَان الْمُتْلفَات خطأ) كَمَا لَو رمى إِلَى شَاة إِنْسَان على ظن أَنَّهَا صيد، أَو أكل مَاله على ظن أَنه ملك نَفسه لِأَنَّهُ ضَمَان مَال لَا جَزَاء فعل، فيعتمد عصمَة الْمحل، وَكَونه خاطئا لَا ينافيها (وَصلح) الْخَطَأ (سَببا للتَّخْفِيف فِي الْقَتْل) أَي فِيمَا إِذا قتل خطأ (فَوَجَبت الدِّيَة) على الْعَاقِلَة فِي ثَلَاث سِنِين، فالتخفيف من حَيْثُ وجود الدِّيَة بدل الْقصاص، وَمن حَيْثُ تحميلها على الْعَاقِلَة، وَمن حَيْثُ الْمهل فِي الْمدَّة الْمَذْكُورَة (ولكونه) أَي الْخَطَأ لَا يَنْفَكّ (عَن تَقْصِير) فِي التثبت (وَجب بِهِ مَا تردد بَين الْعِبَادَة والعقوبة من الْكَفَّارَة) بَيَان للموصول: أَي فِي الْقَتْل الْخَطَأ لكَونهَا جَزَاء قاصرا صَالحا للتردد بَين الْحَظْر وَالْإِبَاحَة، إِذْ أصل الْفِعْل كالرمي مُبَاح، وَترك التثبت مَحْظُور، فَكَانَ قاصرا فِي معنى الْجِنَايَة (وَيَقَع طَلَاقه) أَي الْمُخطئ بِأَن أَرَادَ أَن يَقُول اسقيني، فَجرى على لِسَانه أَنْت طَالِق (خلافًا للشَّافِعِيّ) فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَقع، إِذْ لَا اعْتِبَار للْكَلَام بِدُونِ الْقَصْد الصَّحِيح فَهُوَ كالنائم (لِأَن الْغَفْلَة عَن معنى اللَّفْظ خَفِي) وَفِي الْوُقُوف على قَصده حرج، لِأَنَّهُ أَمر بَاطِن وَله سَبَب ظَاهر، وَهُوَ الْعقل وَالْبُلُوغ (فأقيم) مقَام (تَمْيِيز الْبلُوغ) أَي التَّمْيِيز الَّذِي يكون للبالغ الْعَاقِل، فَإِنَّهُ أكمل من التَّمْيِيز الَّذِي يكون للصَّبِيّ الْعَاقِل (مقَامه) أَي مقَام الْقَصْد نفيا للْحَرج كَمَا فِي السّفر مَعَ الْمَشَقَّة (بِخِلَاف النّوم فَإِنَّهُ) أَي عدم الْقَصْد فِيهِ (ظَاهر) لِأَنَّهُ يمْنَع اسْتِعْمَال الْعقل اخْتِيَارا (فَلَا يُقَام) فِي النَّائِم تَمْيِيز (الْبلُوغ مقَامه) أَي الْقَصْد لعدم الْحَرج (فَفَارَقَ عبارَة النَّائِم عبارَة الْمُخطئ. وَذكرنَا فِي فتح الْقَدِير) شرح الْهِدَايَة (أَن الْوُقُوع) لطلاق الْمُخطئ إِنَّمَا هُوَ (فِي الحكم، وَقد يكون) وُقُوع الطَّلَاق فِي الحكم (مُقْتَضى هَذَا الْوَجْه) المفاد بقوله، لِأَن الْغَفْلَة إِلَى آخِره (أما فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَهِيَ امْرَأَته). وَفِي النَّسَفِيّ: وَلَو كَانَ بالعتاق يدين وَقَالَ أَبُو يُوسُف ﵀: لَا يجوز الْغَلَط فيهمَا. وَفِي فتح الْقَدِير وَالَّذِي يظْهر من الشَّرْع أَن لَا يَقع بِلَا قصد لفظ الطَّلَاق عِنْد الله تَعَالَى، بِخِلَاف الهازل لِأَنَّهُ مكابر بِاللَّفْظِ، فَيسْتَحق التَّغْلِيظ فَالْحَاصِل أَنه إِذا قصد السَّبَب عَالما بِأَنَّهُ سَبَب رتب الشَّرْع حكمه عَلَيْهِ أَرَادَهُ أَو لم يردهُ إِلَّا أَنه مَا لَا يحْتَملهُ. وَأما إِذا لم يَقْصِدهُ، أَو لم يدر مَا هُوَ فَيثبت الحكم عَلَيْهِ شرعا وَهُوَ غير رَاض فمما ينبوعنه قَوَاعِد الشَّرْع. وَقد قَالَ تَعَالَى - ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم﴾ -: وَفسّر بأمرين: بِأَن يحلف على أَمر يَظُنّهُ كَمَا قَالَ، مَعَ أَنه قَاصد
стр. 692
للسبب عَالم بِحكمِهِ، فألغاه لغلطه فِي ظن الْمَحْلُوف فِيهِ. وَالْآخر أَن يجْرِي على لِسَانه بِلَا قصد للْيَمِين كلا وَالله بلَى وَالله، فَرفع حكمه الدنيوي من الْكَفَّارَة لعدم قَصده إِلَيْهِ، فَهَذَا تشريع لِعِبَادِهِ أَن لَا يرتبوا الْأَحْكَام على الْأَشْيَاء الَّتِي لم تقصد، وَكَيف وَلَا فرق بَينه وَبَين النَّائِم عِنْد الْعَلِيم الْخَبِير من حَيْثُ لَا قصد لَهُ إِلَى اللَّفْظ وَلَا حكمه، وَإِنَّمَا لَا يصدقهُ بِهِ غير الْعَلِيم الْخَبِير، وَهُوَ القَاضِي. وَفِي الْحَاوِي: من أَرَادَ أَن يَقُول زَيْنَب طَالِق فَجرى على لِسَانه عمْرَة، فِي الْقَضَاء تطلق الَّتِي سمي، وَفِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى لَا تطلق وَاحِدَة مِنْهُمَا، أما الَّتِي سمي فَلِأَنَّهُ لم يردهَا، وَأما غَيرهَا فَلِأَنَّهَا لَو طلقت طلقت بِالنِّيَّةِ (وَكَذَا قَالُوا ينْعَقد بَيْعه) أَي الْمُخطئ بِأَن أَرَادَ أَن يَقُول سُبْحَانَ الله، فَجرى على لِسَانه بِعْت هَذَا مِنْك بِأَلف، وَقبل الآخر، وَصدقه فِي أَن البيع خطأ (فَاسِدا وَلَا رِوَايَة فِيهِ) عَن أَصْحَابنَا، وَلَكِن يجب هَذَا (للاختيار فِي أَصله) أَي فِي أصل هَذَا الْكَلَام وَإِن لم يتَعَلَّق اخْتِيَاره بِمَعْنَاهُ (وَعدم الرِّضَا) بِمَعْنَاهُ فَينْعَقد لاختياره فِي الأَصْل، وَيفْسد لعدم الرِّضَا كَبيع الْمُكْره، فَيملك الْبَدَل بِالْقَبْضِ (وَالْوَجْه أَنه) أَي الْمُخطئ (فَوق الهازل) فِيمَا يَقْتَضِي عدم لُزُوم العقد (إِذْ لَا قصد) للمخطئ (فِي خُصُوص اللَّفْظ وَلَا) فِي (حكمه) والهازل مُخْتَار رَاض بِخُصُوص اللَّفْظ غير رَاض بِحكمِهِ، فَأَقل الْأَمر أَن يكون كالهازل، فَلَا يملك الْمَبِيع بِالْقَبْضِ (وَأما مَا) هُوَ مكتسب (من غَيره فالإكراه) وَهُوَ (حمل الْغَيْر على مَا لَا يرضاه) من قَول أَو فعل (وَهُوَ) أَي الْمُكْره بِكَسْر الرَّاء (ملجئ) للمكره بِفَتْحِهَا بإيعاد (بِمَا) أَي بمؤلم (يفوت النَّفس أَو الْعُضْو) وَلَو أُنْمُلَة (بِغَلَبَة ظَنّه) مُتَعَلق بملجئ: إِذْ الالجاء لَا يحصل بِدُونِ الظَّن الْغَالِب للمكره، إِذْ حَقِيقَته اضطرار الْفَاعِل إِلَى مُبَاشرَة الْمُكْره عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يغلب على ظَنّه تَفْوِيت أَحدهمَا (لَا) يكون إِكْرَاها، وَيكون مُجَرّد تهديد وتخويف من غير تَحْقِيق (فَيفْسد الِاخْتِيَار) وَلَا يعدمه بِالْكُلِّيَّةِ، إِذْ حَقِيقَته الْقَصْد إِلَى مَقْدُور مُتَرَدّد بَين الْوُجُود والعدم بترجيح أحد جانبيه على الآخر، فَإِن اسْتَقل الْفَاعِل فِي قَصده فَصَحِيح، وَإِلَّا ففاسد (ويعدم الرِّضَا، وَغَيره) أَي وَغير ملجئ لكَون الْحمل على الْمُكْره عَلَيْهِ (بِضَرْب لَا يُفْضِي إِلَى تلف عُضْو وَحبس فَإِنَّمَا يعْدم الرِّضَا) خَاصَّة (لتمكنه) أَي الْمُكْره (من الصَّبْر) على الْمُكْره بِهِ (فَلَا يُفْسِدهُ) أَي لَا يفْسد هَذَا الْقسم من الْإِكْرَاه الِاخْتِيَار (وَأما) تهديده (بِحَبْس نَحْو ابْنه) وَأَبِيهِ، وَأمه، وَزَوجته، وكل ذِي رحم محرم كأخته وأخيه، فَإِن الْقَرَابَة المتأبدة بِالْحُرْمَةِ بِمَنْزِلَة الولاد (فَقِيَاس واستحسان فِي أَنه إِكْرَاه) الْقيَاس أَنه لَيْسَ بإكراه لِئَلَّا يلْحقهُ ضَرَر بذلك، وَالِاسْتِحْسَان أَنه إِكْرَاه، لِأَنَّهُ يلْحقهُ بحسبهم من الْحزن والهم مَا يلْحق بِحَبْس نَفسه أَو أَكثر، (وَهُوَ) أَي الْإِكْرَاه (مُطلقًا) ملجئا كَانَ أَو غير ملجئ (لَا يُنَافِي أَهْلِيَّة الْوُجُوب) على الْمُكْره (للذمة)
стр. 693
أَي لقِيَام الذِّمَّة (وَالْعقل) وَالْبُلُوغ (وَلِأَن مَا أكره عَلَيْهِ قد يفترض) فعله (كالإكراه بِالْقَتْلِ على الشّرْب) للمسكر وَلَو خمرًا (فيأثم بِتَرْكِهِ) أَي بترك شربه عَالما بِسُقُوط حرمته كَمَا سَيَأْتِي لإباحته فِي حَقه بقوله تَعَالَى - ﴿إِلَّا مَا اضطررتم إِلَيْهِ﴾ - وَتَنَاول الْمُبَاح عِنْد الْإِكْرَاه فرض (و) قد (يحرم كعلي) أَي كَالْقَتْلِ وَالْإِكْرَاه على (قتل مُسلم ظلما فيؤجر على التّرْك) أَي على ترك قَتله (كعلي إِجْرَاء كلمة الْكفْر) أَي كَمَا يُؤجر على ترك إجرائها على لِسَانه عِنْد الْإِكْرَاه عَلَيْهِ (بِخِلَاف الْمُبَاح كالإفطارل) لصائم (الْمُسَافِر) فِي رَمَضَان، فَإِنَّهُ لَا يُؤجر على التّرْك بل يَأْثَم لصيرورته فرضا بِالْإِكْرَاهِ كَمَا سبق، فَمَا أكره عَلَيْهِ فرض، ومباح، ورخصة، وَحرَام: ويؤجر على التّرْك فِي الْحُرْمَة والرخصة، وَيَأْثَم فِي الْفَرْض والمباح. وَالْمرَاد بِالْإِبَاحَةِ جَوَاز الْفِعْل، وَلَو تَركه وصبر حَتَّى قتل لم يَأْثَم وَلم يُؤجر، وبالرخصة جَوَاز الْفِعْل، وَلَو تَركه وصبر حَتَّى قتل يُؤجر لعمله بالعزيمة، فَلم يرد أَنه ان أُرِيد بالاباحة جَوَاز الْفِعْل وَعدم الاثم بِالْقَتْلِ على تَقْدِير التّرْك وَالصَّبْر فَهُوَ معنى الرُّخْصَة، وَأَن أُرِيد أَنه يَأْثَم على ذَلِك التَّقْدِير فَهُوَ معنى الْفَرْض (وَلَا يُنَافِي الِاخْتِيَار) لِأَنَّهُ حمل للْفَاعِل على أَن يخْتَار مَا لَا يرضاه (بل الْفِعْل عَنهُ) أَي الْإِكْرَاه (اخْتِيَار أخف المكروهين) عِنْد الْفَاعِل من الْمُكْره بِهِ وَالْمكْره عَلَيْهِ (ثمَّ أصل الشَّافِعِي) أَي مَا يبْنى عَلَيْهِ الْأَحْكَام فِي بَاب الْإِكْرَاه (أَنه) أَي الْإِكْرَاه الحكم مَا كَانَ مِنْهُ (بِغَيْر حق إِن كَانَ) الْإِكْرَاه فِيهِ (عذرا شرعا بِأَن يَجْعَل الشَّارِع للْفَاعِل الْإِقْدَام) على الْفِعْل (قطع) الْإِكْرَاه (الحكم) أَي حكم الْمُكْره عَلَيْهِ (عَن فعل الْفَاعِل قَول أَو عمل) عطف بَيَان لفعله لدفع توهم اخْتِصَاص الْفِعْل بِالْعَمَلِ، إِذْ القَوْل فعل اللِّسَان (لِأَن صِحَة القَوْل) يكون (بِقصد الْمَعْنى و) صِحَة (الْعَمَل بِاخْتِيَارِهِ) أَي الْعَمَل (وَهُوَ) أَي الْإِكْرَاه (يفسدهما) أَي الْقَصْد وَالِاخْتِيَار، وَالْإِكْرَاه دَلِيل على أَن الْمُكْره إِنَّمَا فعل لدفع الضَّرَر عَن نَفسه، لَا لِأَنَّهُ يَقْصِدهُ أَو يختاره (وَأَيْضًا نِسْبَة الْفِعْل إِلَيْهِ) أَي الْفَاعِل (بِلَا رِضَاهُ إِلْحَاق الضَّرَر بِهِ) وَهُوَ غير جَائِز، لِأَنَّهُ مَعْصُوم مُحْتَرم الْحُقُوق (وعصمته) أى الْفَاعِل (تَدْفَعهُ) أى الضَّرَر عَنهُ بِدُونِ رِضَاهُ لِئَلَّا يفوت حَقه بِغَيْر اخْتِيَاره. ثمَّ اذا قطع الْفِعْل عَن الْفَاعِل (إِن أمكن نسبته) أَي الْفَاعِل (إِلَى الْحَامِل) وَهُوَ الْمُكْره، وَإِنَّمَا يُمكن نسبته إِلَيْهِ إِذا أمكن أَن يباشره بِنَفسِهِ، وَذَلِكَ فِي الْأَفْعَال، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (كعلى إِتْلَاف المَال) أَي كَمَا إِذا حمله على إِتْلَافه فَإِنَّهُ يُمكن أَن يُبَاشر الْحَامِل بِنَفسِهِ الْإِتْلَاف (نسب) الْفِعْل (إِلَيْهِ) أَي الْحَامِل، فَيُؤْخَذ بِهِ وَيجْعَل الْفَاعِل آلَة للحامل (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يُمكن نسبته إِلَى الْحَامِل لعدم إِمْكَان مُبَاشَرَته بِنَفسِهِ (بَطل) الْفِعْل بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا يُؤَاخذ بِهِ أحد (كعلى الْأَقْوَال) أَي كَمَا إِذا حمله على قَول من الْأَقْوَال من (إِقْرَار وَبيع وَغَيرهمَا) كَمَا سيتضح (وَإِن لم يكن)
стр. 694
الْإِكْرَاه على أَحدهمَا (عذرا بِأَن لَا يحل) للْفَاعِل الْإِقْدَام على الْفِعْل (كعلى الْقَتْل وَالزِّنَا) أَي كَمَا إِذا كَانَ الْإِكْرَاه على أَحدهمَا (لَا يقطعهُ) أَي الْإِكْرَاه الحكم (عَنهُ) أَي الْفَاعِل (فيقتص من الْمُكْره) الْمُبَاشر للْقَتْل بِالْقَتْلِ (وَيحد) الْمُكْره الَّذِي زنا. لَا يُقَال مُقْتَضَاهُ أَن لَا يقْتَصّ من الْحَامِل. لأَنا نقُول (وَإِنَّمَا يقْتَصّ من الْحَامِل أَيْضا عِنْده) أَي الشَّافِعِي (بالتسبيب) فِي قَتله بإكراهه، وَهُوَ كالمباشرة فِي إِيجَاب الْقصاص، إِذْ الْمَقْصُود من شرع الْقصاص الْإِحْيَاء وَهُوَ لَا يحصل إِلَّا بسد بَاب الْإِكْرَاه على الْقَتْل (وَمَا) كَانَ من الْإِكْرَاه (بِحَق لَا يقطع) نِسْبَة الْفِعْل إِلَى الْفَاعِل أَيْضا كَمَا لَا يقطع فِيمَا ذكر قبيل هَذَا (فصح إِسْلَام الْحَرْبِيّ وَبيع الْمَدْيُون الْقَادِر) على وَفَاء دين (مَاله للإيفاء وَطَلَاق الْمولى) على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من زَوجته (بعد الْمدَّة) أَي بعد مُضِيّ مُدَّة الْإِيلَاء حَال كَون هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين (مكرهين) على الْإِسْلَام وَالْبيع وَالطَّلَاق، لِأَن إِكْرَاه الْحَرْبِيّ على الْإِسْلَام جَائِز فعد اخْتِيَاره قَائِما فِي حَقه إعلاء لِلْإِسْلَامِ كَمَا عد قَائِما فِي حق السَّكْرَان زجرا لَهُ، ولصحة إِكْرَاه كل من الْمَدْيُون وَالْمولى على الْإِيفَاء وَالطَّلَاق بعد الْمدَّة لكَونه ظَالِما بالامتناع عَن الْقيام بِمَا هُوَ حق عَلَيْهِ، بِخِلَاف الْإِكْرَاه على الطَّلَاق قبل مضيها فَإِنَّهُ بَاطِل، فَلَا يَقع الطَّلَاق (بِخِلَاف إِسْلَام الذِّمِّيّ) بِالْإِكْرَاهِ، فَإِنَّهُ لَا يَصح لِأَن إكراهه غير جَائِز، لأَنا أمرنَا أَن نتركهم وَمَا يدينون، فَلَا يُمكن عد اخْتِيَاره قَائِما فَلَا يعْتد بِهِ (وَالْإِكْرَاه بِحَبْس مخلد وَضرب مبرح) أَي شَدِيد (وَقتل سَوَاء عِنْده) أَي الشَّافِعِي، لِأَن فِي الْحَبْس ضَرَرا كَالْقَتْلِ، والعصمة تَقْتَضِي دفع الضَّرَر (بِخِلَاف نَحْو إِتْلَاف المَال وإذهاب الْجمال) فَإِنَّهُ لَا يكون إِكْرَاها (وأصل الْحَنَفِيَّة) الَّذِي تتفرع عَلَيْهِ الْأَحْكَام فِي بَاب الْإِكْرَاه (أَن الْمُكْره عَلَيْهِ إِمَّا قَول لَا يَنْفَسِخ) كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق (فَينفذ كَمَا) ينفذ (فِي الْهزْل). قَالَ الشَّارِح: بل أولى لِأَنَّهُ منَاف للاختيار، وَالْإِكْرَاه مُفسد لَهُ لَا منَاف انْتهى. وَفِيه أَن منافاته إِنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَار عدم الرِّضَا بِحكمِهِ، وإفساد هَذَا بِاعْتِبَار الاضرار. وَقد سبق أَنه لَا يسلب الِاخْتِيَار، لَكِن الرِّضَا بالتلف بِسَبَب الحكم وعلته فِي جَانب الْهزْل يعادل النُّقْصَان الَّذِي يسببه الْإِكْرَاه وَلم يبلغ دَرَجَة الْمُنَافَاة للاختيار، فَقَوله بل أولى مَحل بحث (مَعَ اقْتِصَاره) أَي النَّفاذ (على الْمُكْره) أَي الْفَاعِل، لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يَجْعَل آلَة للحامل فِيهِ، فَلَا يلْزم على الْحَامِل شَيْء (إِلَّا مَا أتلف) من الْإِكْرَاه مَالا (كَالْعِتْقِ) أَي كالإكراه عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَول لَا يَنْفَسِخ وَقد أتلف بِهِ على الْمُكْره قيمَة الْمَمْلُوك (فَيجْعَل) الْفَاعِل فِيهِ (آلَة) فِي إِتْلَاف مَالِيَّة الْعَتِيق، لِأَن الْإِتْلَاف يحْتَمل ذَلِك (فَيضمن) الْحَامِل للْفَاعِل قيمَة العَبْد مُوسِرًا كَانَ أَو مُعسرا، لِأَن هَذَا ضَمَان إِتْلَاف فَلَا يخْتَلف باليسار والإعسار، وَيثبت الْوَلَاء للْفَاعِل قيمَة العَبْد مُوسِرًا، لِأَنَّهُ بِالْإِعْتَاقِ، وَهُوَ
стр. 695
مقتصر على الْفَاعِل، وَلَا يمْتَنع ثُبُوته لغير من عَلَيْهِ الضَّمَان كَمَا فِي الرُّجُوع عَن الشَّهَادَة على الْعتْق فَإِنَّهُ يجب الضَّمَان على الشُّهُود، وَالْوَلَاء للْمَشْهُود عَلَيْهِ، لِأَن الْوَلَاء كالنسب، وَلَا سِعَايَة على العَبْد، لِأَن الْعتْق نفذ فِيهِ من جِهَة مَالِكه (بِخِلَاف مَا لم يتْلف) عَلَيْهِ مَا لَا (كعلى) أَي الْإِكْرَاه على (قبُولهَا) أَي على قبُول الزَّوْجَة (المَال فِي الْخلْع) وَهِي مدخوله (إِذْ يَقع) الطَّلَاق إِذا قبلت (وَلَا يلْزمهَا) المَال، لِأَن الْإِكْرَاه قاصرا كَانَ أَو كَامِلا يعْدم الرِّضَا بِالسَّبَبِ وَالْحكم جَمِيعًا، وَالطَّلَاق غير مفتقر إِلَى الرِّضَا، والتزام المَال مفتقر إِلَيْهِ. وَقد انْعَدم (بِخِلَافِهِ) أَي الْإِكْرَاه (فِي الزَّوْج) بِأَن يكرههُ على أَن يخلعها على مَال فَقبلت غير مُكْرَهَة فَإِنَّهُ (يَقع الْخلْع) لِأَنَّهُ من جَانِبه طَلَاق، وَالْإِكْرَاه لَا يمْنَع وُقُوعه (ويلزمها) المَال لِأَنَّهَا التزمته طَائِعَة بِإِزَاءِ مَا سلم لَهَا من الْبَيْنُونَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن قولا لَا يَنْفَسِخ (فسد) ذَلِك القَوْل، فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الحكم (كَالْبيع) وَالْإِجَارَة فَإِنَّهُ ينْعَقد فَاسِدا، لِأَنَّهُ لَا يمْنَع انْعِقَاده لصدوره من أَهله فِي مَحَله، وَيمْنَع نفاذه لِانْعِدَامِ شَرط النَّفاذ وَهُوَ الرِّضَا، فَلَو أجَازه بعد زَوَال الْإِكْرَاه صَرِيحًا أَو دلَالَة صَحَّ كَمَا فِي البيع بِشَرْط أجل فَاسد أَو خِيَار فَاسد، فَإِنَّهُ إِذا سقط قبل تَقْرِيره صَحَّ (والأقارير) بِمَا لَا يحْتَمل الْفَسْخ، وَمَا لَا يحْتَملهُ من الماليات وَغَيرهَا، لِأَن صِحَّتهَا تعتمد على قيام الْمخبر بِهِ وثبوته سَابِقًا على الْإِقْرَار، وَإِذا لم يكن فِيهِ تُهْمَة ترجح صدقه فَيحكم بِهِ وَإِلَّا لم يرجح فَلم يعْتَبر، وَالْإِكْرَاه قَامَ قرينَة لعدم صدقه، ودلالته على عدم الصدْق راجحة على دلَالَة حَال الْمُؤمن على الصدْق كَمَا لَا يخفى (مَعَ اقتصارها) أَي الأقارير (عَلَيْهِ) أَي الْمقر أَيْضا لعدم صلاحيته لكَونه آلَة للمكره (أَو فعل لَا يحْتَمل كَون الْفَاعِل آلَة) للحامل عَلَيْهِ (كَالزِّنَا وَأكل رَمَضَان، وَشرب الْخمر) بملجئ، إِذْ لَا يتَصَوَّر كَون الشَّخْص واطئا بِآلَة غَيره أَو آكلا أَو شاربا بِفَم غَيره، وَمَا كَانَ كَذَلِك (اقْتصر) حكمه (عَلَيْهِ) أَي الْفِعْل (وَلَزِمَه حكمه) فَلَو أكره صَائِم صَائِما على الْأكل فسد صَوْم الْآكِل لَا غير (إِلَّا الْحَد) فَإِنَّهُ لَا يجب على الْفَاعِل أَيْضا، فَلَو أكرهه صَائِم على الزِّنَا لَا يجب بِهِ الْحَد على أَحدهمَا (وَأما من حَيْثُ هما) أى الْأكل وَالشرب (إِتْلَاف فاختلفت الرِّوَايَات فِي لُزُومه الْفَاعِل أَو الْحَامِل). ففى الْخُلَاصَة وَغَيرهَا أكره على مَال الْغَيْر، فَالضَّمَان على الْمَحْمُول لَا الْحَامِل وان صلح آله لَهُ من حَيْثُ الْإِتْلَاف كَمَا فِي الْإِكْرَاه على الْإِعْتَاق، لِأَن مَنْفَعَة الْأكل حصلت للمحمول، فَكَانَ كالإكراه على الزِّنَا يجب الْعقر عَلَيْهِ بانتفاعه بِالْوَطْءِ، بِخِلَاف الْإِكْرَاه على الْإِعْتَاق حَيْثُ وَجب الضَّمَان على الْحَامِل لِأَن الْمَالِيَّة تلفت بِلَا مَنْفَعَة للمحمول. وَفِي الْمُحِيط أكره على أكل طَعَام غَيره يجب الضَّمَان على الْحَامِل وَإِن كَانَ الْمَحْمُول جائعا وحصلت لَهُ منفعَته، لِأَن الْمَحْمُول أكل طَعَام الْحَامِل بِإِذْنِهِ: لِأَن الْإِكْرَاه على الْأكل
стр. 696
إِكْرَاه على الْقَبْض: إِذْ لَا يُمكنهُ الْأكل بِدُونِهِ غَالِبا فَصَارَ غَاصبا، ثمَّ مَالِكًا للطعام بِالضَّمَانِ ثمَّ آذنا لَهُ بِالْأَكْلِ. وَفِيه أَنه بِمُجَرَّد الْقَبْض لَا يصير الْمَغْصُوب ملكا للْغَاصِب، بل لَا بُد من تغير يَزُول بِهِ اسْمه، وَأعظم مَنَافِعه، أَو مَا أشبه ذَلِك على مَا عرف فِي مَحَله (إِلَّا مَال) الْمَحْمُول: أَي إِلَّا إِذا أكره (الْفَاعِل) على أكل مَال نَفسه وَأكله حَال كَونه (جائعا فَلَا رُجُوع) لَهُ على الْحَامِل لِأَن الْمَنْفَعَة حصلت لَهُ (أَو شبعان فعلى الْحَامِل قِيمَته) أَي الطَّعَام الَّذِي أكله كرها (لعدم انتفاعه) أَي الْفَاعِل (بِهِ) أَي الطَّعَام، ذكره فِي الْمُحِيط أَيْضا، بل تضرر بِهِ لكَونه على الشِّبَع (والعقر على الْفَاعِل بِلَا رُجُوع) على الْحَامِل (أما لَو أتلفهَا) أَي الْمَوْطُوءَة بِالْوَطْءِ (يَنْبَغِي الضَّمَان على الْحَامِل وَكَذَا) اقْتصر حكم الْمُكْره عَلَيْهِ على الْفَاعِل (إِن احْتمل) كَون الْفَاعِل آلَة للحامل فِيهِ (و) لَكِن (لزم آليته) أَي الْفَاعِل للحامل، وآليته مفعول لزم، وفاعله (تبدل مَحل الْجِنَايَة) وَهُوَ الْمحل الَّذِي يَقع فِيهِ الْفِعْل الْجِنَايَة، وتبدله أَن يعْتَبر وُقُوعهَا فِي مَحل آخر (المستلزم) صفة التبدل (لمُخَالفَة الْمُكْره) على صِيغَة الْفَاعِل، لِأَنَّهُ قصد بإكراهه وُقُوع الْجِنَايَة فِي الْمحل الأول (المستلزمة) صفة الْمُخَالفَة (بطلَان الْإِكْرَاه) مفعول المستلزمة، وَذَلِكَ لِأَن الْإِكْرَاه إِنَّمَا يتَحَقَّق إِذا كَانَ الْمُكْره عَلَيْهِ مُرَاد الْمُكْره بِخِلَاف مُرَاد الْمُكْره يضْطَر إِلَى إِيقَاعه، وَمَعَ تبدل الْمحل لَا يُوجد هَذَا الْمَعْنى كَمَا سَيظْهر فِي الْمِثَال (كإكراه الْمحرم) محرما آخر (على قتل الصَّيْد لِأَنَّهُ) أَي الْإِكْرَاه الْمَذْكُور إِكْرَاه (على الْجِنَايَة على إِحْرَام نَفسه) أَي الْفَاعِل (فَلَو جعل) الْفَاعِل (آلَة) للحامل (صَار) قتل الصَّيْد جِنَايَة (على إِحْرَام الْحَامِل) فَلَا يكون إِثْبَاتًا بِمَا أكرهه عَلَيْهِ، فَيبْطل الْإِكْرَاه وَلقَائِل أَن يَقُول حَقِيقَة الْإِكْرَاه إلجاء الْمَحْمُول على الْفِعْل وإفساد اخْتِيَاره وَقد تحقق، فَلَو جعل الْمَحْمُول آلَة وَنسب الْفِعْل إِلَى الْحَامِل لَا يلْزم مِنْهُ بطلَان الْإِكْرَاه، غَايَة الْأَمر أَن الْحَامِل قد وَقع الْجِنَايَة على إِحْرَام الْمَحْمُول، وَالشَّرْع مَا صحّح قَصده فقلبه عَلَيْهِ فَتدبر وَقيل الِاقْتِصَار على الْفَاعِل يَنْبَغِي أَن يكون فِي حق الْإِثْم فَقَط، إِذْ الْجَزَاء فِي هَذِه الصُّورَة على كل من الْفَاعِل وَالْحَامِل وَأجِيب بِأَن الْفِعْل هَهُنَا قتل الصَّيْد بِالْيَدِ، فَجَزَاؤُهُ الْمُتَرَتب عَلَيْهِ مقتصر على الْفَاعِل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلُزُوم الْجَزَاء عَلَيْهِ) أَي الْحَامِل (مَعَه) أَي الْفَاعِل (لِأَنَّهُ) أَي إِكْرَاه الْحَامِل على قتل الصَّيْد (يفوق الدّلَالَة) أَي دلَالَته من يقتل على الصَّيْد، وفيهَا يجب الْجَزَاء، فَفِيهِ أولى، فَكل مِنْهُمَا جَان على إِحْرَام نَفسه: أَحدهمَا بِالْقَتْلِ، وَالْآخر بِمَا هُوَ فَوق الدّلَالَة (و) كالإكراه للْغَيْر (على البيع وَالتَّسْلِيم) لملكه الْمَبِيع (اقْتصر التَّسْلِيم على الْفَاعِل وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يقْتَصر عَلَيْهِ وَجعل آلَة للحامل (تبدل مَحل التَّسْلِيم عَن البيعية إِلَى المغصوبية) فَعلم أَن مَحل تبدل الْجِنَايَة تَارَة يكون بِاعْتِبَار
стр. 697
ذَاته، وَتارَة بِاعْتِبَار وَصفه، وَذَلِكَ لِأَن التَّسْلِيم من جِهَة الْحَامِل يكون تَصرفا فِي ملك الْغَيْر على سَبِيل الِاسْتِيلَاء فَيصير البيع وَالتَّسْلِيم غصبا (بِخِلَاف نسبته) أَي التَّسْلِيم (إِلَى البَائِع فَإِنَّهُ متمم للْعقد فَيملكهُ) أَي المُشْتَرِي الْمَبِيع (ملكا فَاسِدا) لانعقاد بَيْعه وَعدم نفاذه لفساد فِي الِاخْتِيَار بِسَبَب الْإِكْرَاه (وَإِن) احْتمل كَون الْفَاعِل آلَة للحامل فِي الْفِعْل الْمُكْره عَلَيْهِ (لم تلْزم) آليته تبدل مَحل الْجِنَايَة (كعلى إِتْلَاف المَال وَالنَّفس، فَفِي) الْإِكْرَاه (الملجئ). وَقد عَرفته (نسب) الْفِعْل (إِلَى الْحَامِل ابْتِدَاء) لَا نقلا من الْفَاعِل إِلَيْهِ كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض الْمَشَايِخ (فَلَزِمَهُ) أَي الْحَامِل (ضَمَان المَال) فِي إكراهه الْغَيْر على إِتْلَاف المَال، وَالْقصاص فِي إكراهه على الْقَتْل كَمَا هُوَ قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد. وَقَالَ زفر: الْقصاص على الْفَاعِل، لِأَنَّهُ قَتله لَا حَيَاء نَفسه عمدا. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: لَا قصاص على أحد، بل الْوَاجِب الدِّيَة على الْحَامِل فِي مَاله ثَلَاث سِنِين، لِأَن الْقصاص إِنَّمَا هُوَ بِمُبَاشَرَة جَنَابَة تَامَّة، وَقد عدمت فِي حق كل من الْفَاعِل وَالْحَامِل، وَلَهُمَا أَن الْإِنْسَان مجبول على حب الْحَيَاة، فَقدم على مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى إبْقَاء الْحَيَاة بقضية الطَّبْع بِمَنْزِلَة آلَة لَا اخْتِيَار لَهَا كالسيف فِي يَد الْقَاتِل، فيضاف الْفِعْل إِلَى الْحَامِل (و) يلْزمه (الْكَفَّارَة وَالدية فِي إكراهه على رمي صيد فَأصَاب إنْسَانا على عَاقِلَة الْحَامِل) وَإِنَّمَا كَانَ الْفَاعِل آلَة للحامل فِي هَذِه الْحَالة (لِأَنَّهُ عَارض اخْتِيَاره) أَي الْفَاعِل (اخْتِيَار صَحِيح) وَهُوَ اخْتِيَار الْحَامِل وَالْفَاسِد فِي مُقَابلَة الصَّحِيح كَالْمَعْدُومِ (وَكَذَا حرمَان الْإِرْث) ينْسب إِلَى الْحَامِل، لِأَن الْفَاعِل يصلح آلَة للحامل بِاعْتِبَار تَفْوِيت الْمحل (أما الْإِثْم) فالفاعل لَا يصلح آلَة للحامل فِي حَقه إِذْ لَا يُمكن لأحد أَن يجني على دين غَيره، ويكتسب الْإِثْم لغيره لِأَنَّهُ قصد الْقلب، وَلَا يتَصَوَّر الْقَصْد بقلب الْغَيْر كَمَا لَا يتَصَوَّر التَّكَلُّم بِلِسَان الْغَيْر وَأَيْضًا على تَقْدِير كَونه آلَة يلْزم تبدل مَحل الْجِنَايَة، كَذَا قَالَ الشَّارِح وَلَا يخفى أَن عدم إِمْكَان اكْتِسَاب الْإِثْم لغيره إِذا لم يكن ذَلِك الْغَيْر مكْرها لَهُ مُسلم. وَأما إِذا كَانَ مكْرها فَغير مُسلم، وَقصد قلبه للإكراه كَاف، وَلَا عِبْرَة لقصد الْفَاعِل لفساد اخْتِيَاره، فَكَأَن قصد الْقَتْل إِنَّمَا وَقع من الْحَامِل لَا الْفَاعِل، وَلَيْسَ هَهُنَا تبدل مَحل الْجِنَايَة على الْوَجْه الْمَذْكُور آنِفا (فعلَيْهِمَا) أَي الْحَامِل وَالْفَاعِل الْإِثْم (لحمله) الْفَاعِل على الْقَتْل (وإيثار الآخر) وَهُوَ الْفَاعِل (حَيَاته) على من هُوَ مثله، وَهَذَا (فِي الْعمد وَفِي الْخَطَأ لعدم تثبتهما) أَي الْحَامِل وَالْفَاعِل (و) فِيمَا (فِي غَيره) أَي غير الْإِكْرَاه الملجئ (اقْتصر) حكم الْفِعْل (على الْفَاعِل) لعدم مَا يفْسد الِاخْتِيَار، وَهُوَ الْمُوجب لجعل الْفَاعِل آلَة للحامل وَنسبَة الْفِعْل إِلَيْهِ دون الْفَاعِل (فَيضمن) الْفَاعِل مَا أتْلفه من مَال غَيره (ويقتص) مِنْهُ بقتل غَيره عمدا عُدْوانًا (وكل الْأَقْوَال) الصَّادِر ذكرهَا (لَا تحْتَمل آلية قَائِلهَا) للحامل عَلَيْهَا (لعدم قدرَة الْحَامِل على تطليق
стр. 698
زَوْجَة غَيره وإعتاق عَبده) أَي غَيره، وعَلى هَذَا الْقيَاس فِي جَمِيع التصورات الْعَقْلِيَّة ومبناه امْتنَاع التَّكَلُّم بِلِسَان الْغَيْر، وَمَا يُقَال من أَن كَلَام الرَّسُول كَلَام الْمُرْسل بمجاز إِذْ الْعبْرَة بالتبليغ، وَهُوَ قد يكون مشافهة وَقد يكون بِوَاسِطَة وَيحمل كَلَام الْوَكِيل فِي الطَّلَاق وَالْعتاق على كَلَام الْمُوكل تَقْديرا، وَلَا يَجْعَل الْوَكِيل آلَة للْمُوكل (بِخِلَاف الْأَفْعَال) فَإِن مِنْهَا مَا يحْتَمل وَمِنْهَا مَا لَا يحْتَمل و (هَذَا تَقْسِيم الْمُكْره عَلَيْهِ بِاعْتِبَار نسبته) أَي الْمُكْره عَلَيْهِ (إِلَى الْحَامِل والمحمول، وَأما) تقسيمه (بِاعْتِبَار حل إقدام الْمُكْره) أَي الْفَاعِل (وَعَدَمه) أَي عدم حل إقدامه (فالحرمات) أَي فَهُوَ أَن يُقَال الْمُحرمَات (أما بِحَيْثُ لَا تسْقط وَلَا يرخص فِيهَا كَالْقَتْلِ وجرح الْغَيْر) لِأَن خوف تلف النَّفس أَو الْعُضْو لَا يكون سَببا لرخصة قتل الْغَيْر أَو قطع عضوه وَإِن كَانَ عَبده لاستحقاقهما الصيانة واستوائهما فِي الِاسْتِحْقَاق فَلَا تسْقط إِحْدَى الحرمتين لِلْأُخْرَى، أَلا ترى أَن الْمُضْطَر لَا يحل لَهُ أَن يقطع طرف الْغَيْر ويأكله، بِخِلَاف مَا إِذا أكره على قطع طرف نَفسه بِالْقَتْلِ، فَإِن قيل لَهُ لأَقْتُلَنك أَو تقطع أَنْت يدك حل لَهُ قطع يَده لِأَن حُرْمَة نَفسه فَوق حُرْمَة يَده عِنْد التَّعَارُض لِأَن أَطْرَافه وقاية نَفسه كأمواله فَجَاز لَهُ اخْتِيَار أدنى الضَّرَر لدفع الْأَعْلَى، وَأما حُرْمَة نَفسه فَلَيْسَتْ فَوق حُرْمَة يَد غَيره لما أجمع عَلَيْهِ من عدم حل أكل طرف الْغَيْر للْمُضْطَر (وزنا الرجل لِأَنَّهُ) أَي زِنَاهُ (قتل معنى) لوَلَده، إِمَّا لانْقِطَاع نسبه عَنهُ إِذْ من لَا نسب لَهُ كالميت، وَأما لِأَنَّهُ لَا يجب نَفَقَته عَلَيْهِ وَلَا على الْمَرْأَة لعجزها فتهلك، كَذَا قَالُوا، وَفِيه أَن قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها﴾ - يَدْفَعهُ، وَأَيْضًا لَو سلم فَفِي غير الْمُزَوجَة، أما فِيهَا فَلَا، لنسبته إِلَى صَاحب الْفراش وَوُجُوب نَفَقَته عَلَيْهِ، وَدفع هَذَا بِأَن حِكْمَة الحكم تراعى فِي الْجِنْس لَا فِي كل فَرد، وَفِي الشَّرْح مناقشات أُخْرَى طويناها، وَأورد أَن حُصُول الْوَلَد غير مَعْلُوم، وعَلى تَقْدِيره فالهلاك موهوم لقدرة الْأُم على كسب يُنَاسِبهَا وهلاك الْمُكْره مُتَيَقن فَلَا يُعَارضهُ ونوقش فِي تيقنه لاحْتِمَال أَن يمْتَنع الْمُكْره من قبله، وَفِيه مَا فِيهِ، وَلِهَذَا أجمل المُصَنّف (فَلَا يحلهَا) أَي الْمُحرمَات الْمَذْكُورَة (الْإِكْرَاه الملجئ أَو) بِحَيْثُ (تسْقط كَحُرْمَةِ الْميتَة وَالْخمر وَالْخِنْزِير فيبيحها) أَي الْإِكْرَاه الملجئ هَذِه الْأَشْيَاء (للاستثناء) أَي لِأَنَّهُ تَعَالَى اسْتثْنى من تَحْرِيم الْميتَة وَنَحْوهَا حَالَة الِاضْطِرَار فَلَا تثبت الْحُرْمَة فِيهَا حِينَئِذٍ فَتبقى على الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة ضَرُورَة (والملجئ) أَي حَالَة الْمُكْره عِنْد الْإِكْرَاه الملجئ (نوع من الِاضْطِرَار أَو تثبت) الْإِبَاحَة فِي الْإِكْرَاه الملجئ (بدلالته) أَي بِدلَالَة النَّص الْمَذْكُور فِي الِاضْطِرَار كَمَا تثبت حُرْمَة الضَّرْب بِالنَّصِّ الدَّال على حُرْمَة التأفيف بطرِيق أولى على مَا سبق (إِن اخْتصَّ) الِاضْطِرَار (بالمخمصة فيأثم) الْمُكْره (لَو أوقع) الْقَتْل أَو قطع الْعُضْو (بِهِ لامتناعه) من تنَاول ذَلِك (إِن) كَانَ (عَالما بسقوطها) أَي الْحُرْمَة كَمَا لَو امْتنع
стр. 699
عَن أكل لحم الشاه وَشرب المَاء فِي هَذِه الْحَالة وَإِن لم يعلم فيرجى أَن لَا يكون آثِما لخفاء دَلِيل زَوَال الْحُرْمَة عِنْد الضَّرُورَة فيعذر بِالْجَهْلِ كَمَا فِي الْخطاب قبل الشُّهْرَة كَالصَّلَاةِ فِي حق من أسلم فِي دَار الْحَرْب وَلم يعلم بِوُجُوبِهَا ذكره فِي الْمَبْسُوط (وَلَا يبيحها) أَي الْمُحرمَات الَّتِي بِحَيْثُ تسْقط (غير الملجئ بل يُورث) غير الملجئ (شُبْهَة فَلَا حد بالشرب مَعَه) أَي مَعَ غير الملجئ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن لَا يحد إِذْ لَا تَأْثِير فَلَا إِكْرَاه بِالْحَبْسِ وَنَحْوه فِي الْأَفْعَال فوجوده كَعَدَمِهِ، وَجه الِاسْتِحْسَان أَنه يُورث شُبْهَة كالملك فِي الْجُزْء من الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة يصير شُبْهَة فِي إِسْقَاط الْحَد عَن الشَّرِيك بِوَطْئِهَا (أَو) بِحَيْثُ (لَا تسْقط) حرمته (لَكِن رخصت) أَي رخص تنَاول متعلقها عِنْد الضَّرُورَة مَعَ بَقَاء الْحُرْمَة وَحِينَئِذٍ (فإمَّا مُتَعَلقَة بِحقِّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يحْتَمل السُّقُوط) بِحَال (كَحُرْمَةِ التَّكَلُّم بِكفْر) إِذْ الْكفْر حرَام صُورَة وَمعنى حُرْمَة مُؤَبّدَة، وَأما إِجْرَاء كلمة الْكفْر فَهُوَ كفر صُورَة لِأَن الْأَحْكَام مُتَعَلقَة بِالظَّاهِرِ، إِلَّا أَن الشَّارِع رخص فِيهِ بِشَرْط اطمئنان الْقلب بالايمان بقوله - ﴿إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان﴾ - فَعلم أَنه لَيْسَ بِكفْر معنى (أَو) مُتَعَلقَة بِحقِّهِ (الَّذِي يحْتَملهُ) أَي السُّقُوط (وكترك الصَّلَاة وَأَخَوَاتهَا) من الزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج فَإِنَّهَا مُحْتَملَة للسقوط فِي الْجُمْلَة بالأعذار (فيرخص) تَركهَا (بالملجئ) لِأَن حَقه فِي نَفسه يفوت بِالْكُلِّيَّةِ وَحقّ الشَّرْع يفوت إِلَى خلف (فَلَو صَبر) وَلم يفعل مَا أكره عَلَيْهِ حَتَّى قتل (فَهُوَ شَهِيد) بذل نَفسه فِي طَاعَة رب الْعَالمين لِأَن حَقه تَعَالَى لَا يسْقط بِالْإِكْرَاهِ (وَمِنْه) أَي هَذَا الْقسم (زنَاهَا) أَي إِذا أكرهت على الزِّنَا فتمكينها من الزِّنَا حرَام (لَا يسْقط حرمته الَّتِي هِيَ حَقه تَعَالَى الْمُحْتَمل للرخصة) مَعَ بَقَاء الْحُرْمَة فِي الْإِكْرَاه الملجئ (لعدم الْقطع) لنسب وَلَدهَا من الزِّنَا عَنْهَا بِحَال فَلم يكن فِيهِ معنى الْقَتْل الَّذِي هُوَ الْمَانِع من الرُّخص فِي جَانب الرجل. وَأورد أَنَّهَا إِن كَانَت غير مُزَوّجَة لم يتَمَكَّن من التربية وَإِن كَانَت متزوجة يَنْفِيه فيفضي إِلَى الْهَلَاك أَيْضا وَأجِيب بِأَن الْهَلَاك يُضَاف إِلَى الَّذِي ألْقى بذره فِي غير ملكه، لَا إِلَى محلهَا لِأَنَّهَا مَحل لَا فَاعل (بِخِلَاف) الْإِكْرَاه (غير الملجئ فِيهِ) أَي فِي زنَاهَا فَإِنَّهَا غير مرخص لَهَا فِي ذَلِك (لَكِن لَا تحد الْمَرْأَة) بالتمكين فِيهِ (وَيحد هُوَ) أَي الرجل (مَعَه) أَي الْإِكْرَاه غير الملجئ لِأَن الملجئ لَيْسَ سَبَب رخصَة فِي حَقه كَمَا فِي حَقّهَا حَتَّى يكون غير الملجئ شُبْهَة رخصَة، و (لَا) يحد الرجل (مَعَ الملجئ) اسْتِحْسَانًا كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَقَالا بِهِ وَالْقِيَاس أَنه يحد مَعَ الملجئ أَيْضا. قَالَه أَبُو حنيفَة أَولا وَزفر لِأَن الْوَطْء لَا يتَصَوَّر من الرجل إِلَّا بانتشار آلَته وَهُوَ دَلِيل الطواعية لِأَنَّهُ لَا يحصل مَعَ الْخَوْف، بِخِلَاف الْمَرْأَة فَإِن بتمكينها يتَحَقَّق يتَحَقَّق مَعَ خوفها، وَالصَّحِيح الأول (لِأَنَّهُ) أَي زِنَاهُ (مَعَ) الملجئ لَهُ لدفع (قطع الْعُضْو) إِن كَانَ التخويف بِهِ أَو الْقَتْل، وَاكْتفى بِذكر الْأَدْنَى عَن الْأَعْلَى لاستلزام إِسْقَاطه بِالطَّرِيقِ الأولى (لَا
стр. 700
للشهوة) ليزجر بِالْحَدِّ لِأَنَّهُ كَانَ مزجرا حَتَّى أكره فَكَانَ شُبْهَة فِي إِسْقَاطه وانتشار الْآلَة قد يكون طبعا بالفحولية المركبة فِي الرِّجَال، أَلا ترى أَن النَّائِم قد تَنْتَشِر آلَته مَعَ أَنه لَا قصد لَهُ وَلَا اخْتِيَار (وَإِمَّا) مُتَعَلقَة (بِحُقُوق الْعباد كَحُرْمَةِ إِتْلَاف مَال الْمُسلم) فَهِيَ (لَا تسْقط) بِحَال (لِأَنَّهَا) أَي حُرْمَة مَاله (حَقه) أَي العَبْد وَحقه لَا يسْقط، وَإِلَّا يلْزم عدم تأبيد عصمَة تثبت من حَيْثُ الْإِسْلَام، ثمَّ أَن الْإِتْلَاف ظلم وَحُرْمَة الظُّلم مُؤَبّدَة غير أَنَّهَا حَقه (الْمُحْتَمل للرخصة بالملجئ) حَتَّى لَو أكره على إِتْلَافه ملجئا رخص لَهُ فِيهِ (لِأَن حُرْمَة النَّفس فَوق حُرْمَة المَال) لِأَنَّهُ مهان مبتذل، لِأَنَّهُ رُبمَا يَجعله صَاحبه صِيَانة لنَفس الْغَيْر أَو طرفه (وَلَا تَزُول الْعِصْمَة) لِلْمَالِ فِي حق صَاحبه بِالْإِكْرَاهِ (لِأَنَّهَا) أَي عصمته (لحَاجَة مَالِكه وَلَا تَزُول) الْحَاجة (بإكراه الآخر) فإتلافه وَإِن رخص فِيهِ بَاقٍ على الْحُرْمَة (وَلَو صَبر على الْقَتْل كَانَ شَهِيدا) لبذل نَفسه لدفع الظُّلم كَمَا إِذْ امْتنع عَن ترك الْفَرَائِض حَتَّى قتل إِلَّا أَنه لما لم يكن فِي معنى الْعِبَادَات من كل وَجه قيدوا الحكم بِالِاسْتِثْنَاءِ فَقَالُوا إِن كَانَ شَهِيدا (إِن شَاءَ الله وَبَقِي من المكتسب الْجَهْل نذكرهُ فِي الِاجْتِهَاد إِن شَاءَ الله رب الْعَالمين).
تمّ الْجُزْء الثَّانِي ويليه الْجُزْء الثَّالِث: وأوله الْبَاب الثَّانِي من الْمقَالة الثَّانِيَة فِي أَحْوَال الْمَوْضُوع
стр. 701
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْبَاب الثَّانِي من الْمقَالة الثَّانِيَة
فِي أَحْكَام الْمَوْضُوع فِي أَدِلَّة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (أَدِلَّة الْأَحْكَام الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس) بِحكم الاستقراء، وَجه الضَّبْط الدَّلِيل الشَّرْعِيّ: إِمَّا وَحي أَو غَيره، وَالْوَحي إِمَّا متلوّ فَهُوَ الْكتاب، أَو غير متلوّ فَهُوَ السّنة، وَغير الْوَحْي إِمَّا قَول كل الْأمة من عصر فَهُوَ الْإِجْمَاع، وَإِلَّا فَالْقِيَاس، ويندرج فِي السّنة قَوْله ﷺ وَفعله وَتَقْرِيره (وَمنع الْحصْر) أَي إِبْطَاله (بقول الصَّحَابِيّ على قَول الْحَنَفِيَّة) فَإِنَّهُم يقدمُونَ قِيَاس الصَّحَابِيّ على قياسهم لما عرف فِي مَحَله، وَهُوَ لَيْسَ من الْأَرْبَعَة. (وَشرع من قبلنَا) من الْأَنْبِيَاء (وَالِاحْتِيَاط والاستصحاب والتعامل مَرْدُود) خير الْمُبْتَدَأ (بردهَا) أَي برد هَذِه الْمَذْكُورَات ثَانِيًا (إِلَى أَحدهَا) أَي الْمَذْكُورَات هُوَ أَولا حَال كَون ذَلِك الْأَحَد الْمَرْدُود إِلَيْهِ (معينا) فَمَا سوى الِاحْتِيَاط والاستصحاب كَقَوْل الصَّحَابِيّ فَإِنَّهُ مَرْدُود إِلَى السّنة، وَشرع من قبلنَا فَإِنَّهُ مَرْدُود إِلَى الْكتاب إِذا قصه الله تَعَالَى من غير إِنْكَار، وَإِلَى السّنة إِذا قصه النَّبِي ﷺ كَذَلِك، وَهُوَ أَيْضا فِي الْحَقِيقَة رَاجع إِلَى الْكتاب لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ - فَتَأمل. والتعامل فَإِنَّهُ مَرْدُود إِلَى الْإِجْمَاع (ومختلفا فِي الِاحْتِيَاط والاستصحاب) فَإِن مرجع كل مِنْهُمَا غير مُتَعَيّن، بل تَارَة من الْكتاب، وَتارَة من السّنة، وَتارَة من غَيرهمَا، هَذَا هُوَ الظَّاهِر فِي تَفْسِير التعين وَالِاخْتِلَاف، وَالْمَفْهُوم من كَلَام الشَّارِح غير أَنه لَا يظْهر تأثيرهما بالاختلاف مَعَ أَن شرع من قبلنَا أَيْضا كَذَلِك فَتَأمل وَسَيَأْتِي تفصيلها فِي خَاتِمَة هَذِه الْمقَالة (وَمعنى الْإِضَافَة) فِي أَدِلَّة الْأَحْكَام (أَن الْأَحْكَام النّسَب الْخَاصَّة النفسية) إِذْ هِيَ تعلقات الْكَلَام النَّفْسِيّ الْقَدِيم الْقَائِم بِالذَّاتِ المقدسة بِأَفْعَال الْمُكَلّفين: اقْتِضَاء، أَو تخييرا، أَو وضعا (وَالْأَرْبَعَة) أَي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس (أدلتها) أَي النّسَب الْمَذْكُورَة (وَبِذَلِك) أَي بِسَبَب كَونهَا أَدِلَّة (سميت) الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة (أصولا) لِأَن الأَصْل مَا يبْنى عَلَيْهِ غَيره، والمدلول مَبْنِيّ على الدَّال (وَجعل بَعضهم)
стр. 702
أَي الْحَنَفِيَّة (الْقيَاس أصلا من وَجه) لَا يثبت الحكم عَلَيْهِ ظَاهرا (فرعا من وَجه) آخر (لثُبُوت حجيته بِالْكتاب وَالسّنة). قَالَ الشَّارِح وَإِجْمَاع الصَّحَابَة، وَلَعَلَّه لم يذكرهُ لعدم الْجَزْم بإجماعهم، وَإِنَّمَا قُلْنَا لابتنائه عَلَيْهِ ظاهرأ لِأَن الْقيَاس مظهر لَا مُثبت. ثمَّ إِن قَوْله وَجعل مُبْتَدأ خَبره (يُوجب مثله) أَي الْكَوْن أصلا من وَجه فرعا من آخر (فِي السّنة) لثُبُوت حجيتها بِالْكتاب كَقَوْلِه - ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ -: إِلَى غير ذَلِك (وَالْإِجْمَاع) لثُبُوت حجيته بِالْكتاب وَالسّنة، فَلَا مُوجب للاقتصار على الْقيَاس. وَقيل إفرد بِالذكر لِأَنَّهُ أصل فِي الْفِقْه فَقَط، وَهِي أصل لَهُ ولعلم الْكَلَام (وَالْأَقْرَب) أَي إِفْرَاده بِالذكر (لاحتياجه فِي كل حَادِثَة إِلَى أَحدهَا) إِذْ لَا بُد لَهُ من عِلّة مستنبطة من أَحدهَا، وَعدم احتياجها إِلَيْهِ على هَذَا الْوَجْه (وَلَا يرد الْإِجْمَاع) نقضا على التَّعْلِيل الْمَذْكُور بِنَاء (على عدم لُزُوم الْمُسْتَند) لَهُ: يَعْنِي لَا يُقَال أَن الْإِجْمَاع أَيْضا مُحْتَاج إِلَى أَحدهَا إِذا قُلْنَا أَنه لَا يلْزم أَن يكون لَهُ مُسْتَند كَمَا ذهب إِلَيْهِ قوم وَقَالُوا: يجوز أَن يخلق فيهم علما ضَرُورِيًّا، ويوفقهم جَمِيعًا لاختيار الصَّوَاب، وَهَذَا ظَاهر (وَلَا) يرد أَيْضا (على لُزُومه) أَي على القَوْل بِلُزُوم الْمُسْتَند فِي الْإِجْمَاع كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور (لِأَن الْمُحْتَاج إِلَيْهِ) أَي الْمُسْتَند (قَول كل) أَي كل وَاحِد وَاحِد (وَلَيْسَ) قَول كل وَاحِد (إِجْمَاعًا، بل هُوَ) أَي الْإِجْمَاع (كلهَا) أَي مَجْمُوع الْأَقْوَال (المتوقف على) قَول (كل وَاحِد، وَلَا يحْتَاج) الْمَجْمُوع إِلَى مُسْتَند (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يحْتَاج الْمَجْمُوع إِلَى مُسْتَند (كَانَ الثَّابِت لَهُ) أَي بِالْإِجْمَاع (بمرتبة الْمُسْتَند) أَي فِي رتبته، وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الثَّابِت بِهِ قَطْعِيَّة الحكم، وَالثَّابِت بالمستند ظنيته، وَأَيْنَ الْقطع من الظَّن؟. وَقد يُقَال: سلمنَا أَنه لَا يحْتَاج إِلَيْهِ بِنَفسِهِ، لكنه يحْتَاج بِوَاسِطَة مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ، وَبِه ثَبت الفرعية من وَجه وَيصير كالقياس. وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن حجية الْإِجْمَاع، وإفادته الْقطع يسْتَند إِلَى عصمَة الْكل عَن الْخَطَأ استنادا يضمحل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ اعْتِبَار مدخلية السَّنَد الْمَذْكُور فِي أصل انْعِقَاده بِحَسب مَا يَجْعَل مُحْتَاجا إِلَيْهِ فِي حجيته، وَهَذَا أولى مِمَّا قيل: أَن الْإِجْمَاع إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى الْمُسْتَند فِي تحَققه لَا فِي نفس الدّلَالَة على الحكم، فَإِن الْمُسْتَدلّ بِهِ لَا يلْتَفت إِلَيْهِ بِخِلَاف الْقيَاس فَإِن الِاسْتِدْلَال بِهِ لَا يُمكن بِدُونِ مُلَاحظَة الثَّلَاثَة فَتدبر.
(الْكتاب) هُوَ (الْقُرْآن) تعريفا (لفظيا) فَإِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ عرفا، غير أَن الْقُرْآن أشهر (وَهُوَ) أَي الْقُرْآن (اللَّفْظ الْعَرَبِيّ الْمنزل للتدبر والتذكر الْمُتَوَاتر) فاللفظ جنس يعم الْكتب السماوية وَغَيرهَا، والعربي يخرج غير الْعَرَبِيّ من الْكتب السماوية وَغَيرهَا، والمنزل بِلِسَان جِبْرِيل ﵇ على رَسُول الله ﷺ يخرج مَا لَيْسَ بمنزل من الْعَرَبِيّ. وَقَوله للتدبر والتذكر لزِيَادَة التَّوْضِيح، والتدبر: التفهم
стр. 703
للاطلاع على مَا يتبع ظَاهره من التأويلات الصَّحِيحَة، والمعاني المستنبطة من الْأَحْكَام الْأَصْلِيَّة والفرعية، وَالْحكم الإلهية إِلَى غير ذَلِك، والتذكر الاتعاظ بقصصه، وَأَمْثَاله، ودلائله الدَّالَّة على وجود الصَّانِع الْخَبِير، ووحدانيته، وَكَمَال قدرته، وَلُزُوم التَّجَافِي عَن دَار الْغرُور، والتهيئ لدار السرُور، وَنَحْو ذَلِك وَقيل: التدبر لما لَا يعلم إِلَّا من الشَّرْع، والتذكر لما لَا يسْتَقلّ بِهِ الْعقل، وَبِقَوْلِهِ الْمُتَوَاتر خرج مَا لَيْسَ بمتواتر كَقِرَاءَة ابْن مَسْعُود - فَاقْطَعُوا أيمانهما وأمثالهما - وَبَعض الْأَحَادِيث الإلهية الَّتِي أسندها النَّبِي ﷺ إِلَى الله تَعَالَى على لِسَان جِبْرِيل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَخرجت الْأَحَادِيث القدسية) أَي الإلهية (والإعجاز) وَهُوَ ارتقاؤه إِلَى حد خَارج عَن طوق الْبشر حَيْثُ أعجزهم عَن معارضته (تَابع لَازم لأبعاض خَاصَّة مِنْهُ لَا) يتَقَيَّد (بِقَيْد سُورَة) كَمَا قَالَ بعض الْأُصُولِيِّينَ، وَالْإِضَافَة بَيَانِيَّة (وَلَا) هُوَ لَازم (كل بعض نَحْو ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ الْآيَة، فَإِنَّهَا جمل لَا إعجاز فِيهَا (وَهُوَ) أَي لفظ الْقُرْآن (مَعَ جزئية اللَّام) فِيهِ: أَي مَأْخُوذ مَعَ اللَّام الْمشَار بهَا إِلَى الْمَفْهُوم الْخَارِجِي، فِي الأَصْل صَار مَوْضُوعا (للمجموع) من الْفَاتِحَة إِلَى آخر سُورَة النَّاس فِي عرف الشَّرْع فَلَا يصدق على مَا دونه من آيَة وَلَا سُورَة (وَلَا مَعهَا) أَي اللَّفْظ الْمَذْكُور بِدُونِ اقترانه بهَا: تَعْرِيفه (لفظ إِلَى آخِره) أَي عَرَبِيّ منزل للتدبر والتذكر متواتر (فَيصدق على الْآيَة) وعَلى كل بعض يصدق عَلَيْهِ مَا ذكر فِي التَّعْرِيف (وَهَذَا) التَّعْرِيف (للحجة الْقَائِمَة) أَي مُنَاسِب لِلْقُرْآنِ من حَيْثُ أَنه حجَّة من الله قَائِمَة على الْعباد، إِذْ ثَبت بإعجازه نبوة النَّبِي ﷺ ، وَبَين الْأَحْكَام أصولا وفروعا، وبتواتره سد طَرِيق إنكارهم بُلُوغهَا إِلَيْهِم (و) تَعْرِيفه (بِلَا هَذَا الِاعْتِبَار) أَي كَونه حجَّة (كَلَامه تَعَالَى الْعَرَبِيّ الْكَائِن للإنزال) أَي الثَّابِت فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أثْبته الله تَعَالَى هُنَاكَ لمصْلحَة الْإِنْزَال بِلِسَان جِبْرِيل على نبيه ﷺ ، وَلَا ينْقض بِالْحَدِيثِ الْقُدسِي وَالْقِرَاءَة الشاذة لكَونهَا فِي اللَّوْح لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ - لأننا لَا نسلم أَنَّهَا أَثْبَتَت هُنَاكَ للإنزال فليتدبر (وللعربي) أَي ولاعتبار قيد الْعَرَبِيّ فِي ماهيته (رَجَعَ أَبُو حنيفَة) بَعْدَمَا تحقق عِنْده اعْتِبَار فِيهِ (عَن الصِّحَّة) أَي صِحَة الصَّلَاة (للقادر) على الْعَرَبِيّ إِذا عبر عَن الْمَضْمُون القرآني (بِالْفَارِسِيَّةِ) أَي بِالْفَارِسِيَّةِ مثلا، فَيدْخل مَا عدا الْعَرَبِيّ، وَذَلِكَ (لِأَن الْمَأْمُور) بِهِ فِي قَوْله - ﴿فاقرءوا مَا تيَسّر من الْقُرْآن﴾ - (وَقِرَاءَة مُسَمّى الْقُرْآن) وَقد عرفت أَن قيد الْعَرَبِيّ مُعْتَبر فِي مَفْهُوم مُسَمَّاهُ، وَلم يسم بِهَذَا الِاسْم إِلَّا الْمَوْجُود فِي الْخَارِج الْعَرَبِيّ على مَا رَوَاهُ عَنهُ نوح بن مَرْيَم وَعلي بن الْجَعْد، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى حَتَّى قَالَ الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْفضل: لَو تعمد ذَلِك فَهُوَ مَجْنُون فيداوى، أَو زنديق
стр. 704
فَيقْتل (وَقَوْلهمْ) أَي بعض الْحَنَفِيَّة فِي التَّعْلِيل الْمَذْكُور لرجوعه توجيها لما ذهب إِلَيْهِ أَولا: أَن النّظم الْعَرَبِيّ (ركن زَائِد) لِلْقُرْآنِ بِمَعْنى كَونه يحْتَمل السُّقُوط، فَلَا يتَوَقَّف على جَوَاز الصَّلَاة لِأَنَّهُ مَقْصُود للإعجاز، وَالْمَقْصُود من الْقُرْآن فِي الصَّلَاة الْمُنَاجَاة لَا الإعجاز، فَلَا يكون النّظم لَازِما فِيهَا (لَا يُفِيد) دفع الِاعْتِرَاض عَنهُ، وَهُوَ كَونه مُخَالفا للنَّص الْمَذْكُور (بعد دُخُوله) أَي الرُّكْن الْمَذْكُور فِي مُسَمَّاهُ، فَإِن النَّص يطْلب الْعَرَبِيّ وَلَا يُجِيز غَيره، وَالتَّعْلِيل يُجِيزهُ، ولخصوصية الإعجازية مزية مَقْصُودَة للشارع فَلَا وَجه لإلغائه بِمثل هَذَا التَّعْلِيل، كَيفَ وَلَا يجوز معارضته النَّص بِالْمَعْنَى (وَدفعه) أَي هَذَا التعقيب (ب) أَن (إرادتهم الزِّيَادَة على مَا يتَعَلَّق بِهِ الْجَوَاز) للصَّلَاة من الْقُرْآن (مَعَ دُخُوله) أَي النّظم الْعَرَبِيّ (فِي الْمَاهِيّة) القرآنية، إِذْ لَا مُنَافَاة بَين كَونه ركنا لماهيته، وزائدا على مَا يتَعَلَّق بِهِ جَوَاز الصَّلَاة مِنْهُ (دفع) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي دَفعه يَعْنِي (بِعَين) مَادَّة (الْإِشْكَال لِأَن دُخُوله) أَي النّظم الْعَرَبِيّ فِي مَاهِيَّة الْقُرْآن هُوَ (الْمُوجب لتَعلق الْجَوَاز بِهِ) أَي بالنظم الْمَذْكُور، لِأَن الْمَأْمُور بِهِ قِرَاءَة الْقُرْآن، وَلَا يتَحَقَّق مُسَمَّاهُ إِلَّا بِهِ فَلَا جَوَاز بِدُونِهِ (على أَن معنى الرُّكْن الزَّائِد عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (مَا قد يسْقط شرعا) كَمَا فِي الْإِقْرَار بِالنِّسْبَةِ إِلَّا الْأَيْمَان، فَإِنَّهُ يسْقط بعد الْإِكْرَاه الملجئ فِي حق من لم يجد وقتا يتَمَكَّن فِيهِ من الادعاء (فادعاؤه) أَي السُّقُوط شرعا (فِي النّظم) الْعَرَبِيّ (عين النزاع، وَالْوَجْه فِي الْعَاجِز) عَن النّظم الْعَرَبِيّ (أَنه) أَي الْعَاجِز عَنهُ (كالأمي) لِأَن قدرته على غير الْعَرَبِيّ كلا قدرَة، فَكَانَ أُمِّيا كَمَا هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فِيهِ فِي الْمُجْتَبى.
وَاخْتلف فِيمَن لم يحسن الْقِرَاءَة بِالْعَرَبِيَّةِ وَيحسن بغَيْرهَا الأولى أَن يُصَلِّي بِلَا قِرَاءَة أَو بغَيْرهَا أهـ، وعَلى أَنه يُصَلِّي بِلَا قِرَاءَة الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، بل يسبح ويهلل (فَلَو أدّى) الْعَاجِز (بِهِ) أَي بالفارسي (قصَّة) من الْقَصَص الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن، أَو أمرا، أَو نهيا (فَسدتْ) الصَّلَاة لِأَنَّهُ تكلم بِكَلَام غير قُرْآن (لَا) تفْسد أَن أدّى الْعَاجِز بالفارسي (ذكرا) أَو تَنْزِيها: وَكَذَا غير الْعَاجِز إِلَّا إِذا اقْتصر على ذَلِك لإخلاء الصَّلَاة عَن الْقِرَاءَة حِينَئِذٍ قَالَ الشَّارِح: وَهَذَا اخْتِيَار المُصَنّف، وَإِلَّا فَلفظ الْجَامِع الصَّغِير مُحَمَّد عَن يَعْقُوب عَن أبي حنيفَة فِي الرجل يفْتَتح للصَّلَاة بِالْفَارِسِيَّةِ، أَو يقْرَأ بِالْفَارِسِيَّةِ، أَو يذبح ويسمي بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يحسن الْعَرَبيَّة قَالَ يُجزئهُ فِي ذَلِك كُله. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا يُجزئهُ فِي ذَلِك كُله إِلَّا فِي الذَّبِيحَة، وَإِن كَانَ لَا يحسن الْعَرَبيَّة أَجزَأَهُ. قَالَ الصَّدْر الشَّهِيد فِي شَرحه: وَهَذَا تنصيص على أَن من يقْرَأ الْقُرْآن بِالْفَارِسِيَّةِ لَا تفْسد الصَّلَاة بِالْإِجْمَاع، وَمَشى عَلَيْهِ صَاحب الْهِدَايَة. وَأطلق نجم الدّين النَّسَفِيّ وقاضيخان نقلا عَن شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي الْفساد بهَا عِنْدهمَا (وَعنهُ) أَي عَن التَّعْرِيف
стр. 705
الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن حَيْثُ أَخذ فِيهِ التَّوَاتُر (يبطل إِطْلَاق عدم الْفساد) للصَّلَاة (بِالْقِرَاءَةِ الشاذة) فِيهَا، إِذْ هِيَ غير متواترة، فَلَا يصدق عَلَيْهِ أَنه قُرْآن، فَيلْزم الإخلاء عَن الْقِرَاءَة فتفسد.
وَاخْتلف فِي المُرَاد بالشاذة، فَقيل: لغير أَئِمَّة الْقِرَاءَة فِيهَا قَولَانِ: أَحدهمَا أَنَّهَا مَا عدا الْقرَاءَات لأبي عَمْرو وَنَافِع وَعَاصِم وَحَمْزَة وَابْن كثير وَالْكسَائِيّ وَابْن عَامر. وَثَانِيهمَا مَا وَرَاء الْقرَاءَات الْعشْر للمذكورين وَيَعْقُوب وَأبي جَعْفَر وَخلف. وَقَالَ ابْن حبَان: لَا نعلم أحدا من من الْمُسلمين حظر الْقرَاءَات بِالثلَاثِ الزَّائِدَة على السَّبع. وَقَالَ غَيره: قد اتّفق المتفقون سلفا وخلفا على أَن الْقرَاءَات الثَّلَاث المنسوبة إِلَى الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة متواترة قرئَ بهَا فِي جَمِيع الْأَمْصَار والأعصار من غير نَكِير فِي وَقت من الْأَوْقَات. قَالَ السُّبْكِيّ: الْمُعْتَمد عِنْد أَئِمَّة الْقِرَاءَة أَن المُرَاد بِالْقِرَاءَةِ الَّتِي لَيست بشاذة كل قِرَاءَة يساعدها خطّ مصحف الإِمَام مَعَ صِحَة النَّقْل ومجيئها على الفصيح من لُغَة الْعَرَب. قَالَ أَبُو شامة: مَتى اخْتَلَّ أحد هَذِه الْأَركان الثَّلَاثَة أطلق على تِلْكَ الْقِرَاءَة شَاذَّة. فِي الدارية لَو قَرَأَ بِقِرَاءَة لَيست فِي مصحف الْعَامَّة كَقِرَاءَة ابْن مَسْعُود وَأبي تفْسد صلَاته عِنْد أبي يُوسُف وَالأَصَح أَنَّهَا لَا تفْسد، وَلكنه لَا يعْتد بِهِ من الْقِرَاءَة. وَفِي الْمُحِيط تَأْوِيل مَا روى عَن عُلَمَائِنَا أَنه تفْسد صلَاته إِذا قَرَأَ هَذَا وَلم يقْرَأ شَيْئا آخر، لِأَن الْقِرَاءَة الشاذة لَا تفْسد الصَّلَاة فَإِن قيل: كَيفَ لَا تجوز الصَّلَاة بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود وَرَسُول الله ﷺ رغبنا فِي قِرَاءَة الْقُرْآن بقرَاءَته قُلْنَا إِنَّمَا لَا يجوز بِمَا كَانَ فِي مصحفه الأول، لِأَن ذَلِك قد انتسخ، وَابْن مَسْعُود أَخذ بِقِرَاءَة رَسُول الله ﷺ فِي آخر عمره، وَأهل الْكُوفَة أخذُوا بقرَاءَته الثَّانِيَة، وَهِي قِرَاءَة عَاصِم فَإِنَّمَا رغبنا فِي تِلْكَ الْقِرَاءَة، كَذَا ذكره الطَّحَاوِيّ وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: تجوز الْقِرَاءَة بالشاذة إِن لم يكن فِيهَا تَغْيِير معنى وَلَا زِيَادَة حرف وَلَا نقصانه (وَلزِمَ فِيمَا لم يتواتر) من الْقرَاءَات (نفي القرآنية) عَنهُ (قطعا غير أَن إِنْكَار الْقطعِي إِنَّمَا يكفر) بِهِ الْمُنكر (إِذا كَانَ) ذَلِك الْقطعِي (ضَرُورِيًّا) من ضروريات الدّين على مَا هُوَ التَّحْقِيق (وَمن لم يشرطه أَي كَون الْقطعِي الَّذِي يكفر منكره ضَرُورِيًّا كالحنفية يكفر منكره (إِذا لم يثبت فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْقطعِي (شُبْهَة قَوِيَّة) لقُوَّة مَا يُورثهَا، وَاحْتَاجَ دَفعهَا إِلَى مُقَدمَات كَثِيرَة كَمَا يظْهر فِي الْمِثَال كإنكار ركن من أَرْكَان الْإِسْلَام مثلا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ شُبْهَة (فَلِذَا) أَي لاشْتِرَاط انْتِفَاء الشُّبْهَة الْمَذْكُورَة فِي التَّكْفِير (لم يتكافروا) أَي لم يكفر كل من الْمُخَالفين (فِي التَّسْمِيَة) الآخر لوُجُود الشُّبْهَة القوية فِي كل طرف لقُوَّة دَلِيله، لِأَن الْمُنكر حِينَئِذٍ غير مكابر للحق، وَلَا قَاصد إِنْكَار مَا ثَبت عَن النَّبِي ﷺ . فَإِن قلت كل من النَّفْي وَالْإِثْبَات يحْتَاج إِلَى دَلِيل قَطْعِيّ، إِذْ لَا يجوز نفي قرآنيتها وَلَا إِثْبَاتهَا إِلَّا بِهِ
следующие страницы →