Полный текст (1 287 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْبَاب الثَّانِي من الْمقَالة الثَّانِيَة
فِي أَحْكَام الْمَوْضُوع فِي أَدِلَّة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة (أَدِلَّة الْأَحْكَام الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس) بِحكم الاستقراء، وَجه الضَّبْط الدَّلِيل الشَّرْعِيّ: إِمَّا وَحي أَو غَيره، وَالْوَحي إِمَّا متلوّ فَهُوَ الْكتاب، أَو غير متلوّ فَهُوَ السّنة، وَغير الْوَحْي إِمَّا قَول كل الْأمة من عصر فَهُوَ الْإِجْمَاع، وَإِلَّا فَالْقِيَاس، ويندرج فِي السّنة قَوْله ﷺ وَفعله وَتَقْرِيره (وَمنع الْحصْر) أَي إِبْطَاله (بقول الصَّحَابِيّ على قَول الْحَنَفِيَّة) فَإِنَّهُم يقدمُونَ قِيَاس الصَّحَابِيّ على قياسهم لما عرف فِي مَحَله، وَهُوَ لَيْسَ من الْأَرْبَعَة. (وَشرع من قبلنَا) من الْأَنْبِيَاء (وَالِاحْتِيَاط والاستصحاب والتعامل مَرْدُود) خير الْمُبْتَدَأ (بردهَا) أَي برد هَذِه الْمَذْكُورَات ثَانِيًا (إِلَى أَحدهَا) أَي الْمَذْكُورَات هُوَ أَولا حَال كَون ذَلِك الْأَحَد الْمَرْدُود إِلَيْهِ (معينا) فَمَا سوى الِاحْتِيَاط والاستصحاب كَقَوْل الصَّحَابِيّ فَإِنَّهُ مَرْدُود إِلَى السّنة، وَشرع من قبلنَا فَإِنَّهُ مَرْدُود إِلَى الْكتاب إِذا قصه الله تَعَالَى من غير إِنْكَار، وَإِلَى السّنة إِذا قصه النَّبِي ﷺ كَذَلِك، وَهُوَ أَيْضا فِي الْحَقِيقَة رَاجع إِلَى الْكتاب لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ - فَتَأمل. والتعامل فَإِنَّهُ مَرْدُود إِلَى الْإِجْمَاع (ومختلفا فِي الِاحْتِيَاط والاستصحاب) فَإِن مرجع كل مِنْهُمَا غير مُتَعَيّن، بل تَارَة من الْكتاب، وَتارَة من السّنة، وَتارَة من غَيرهمَا، هَذَا هُوَ الظَّاهِر فِي تَفْسِير التعين وَالِاخْتِلَاف، وَالْمَفْهُوم من كَلَام الشَّارِح غير أَنه لَا يظْهر تأثيرهما بالاختلاف مَعَ أَن شرع من قبلنَا أَيْضا كَذَلِك فَتَأمل وَسَيَأْتِي تفصيلها فِي خَاتِمَة هَذِه الْمقَالة (وَمعنى الْإِضَافَة) فِي أَدِلَّة الْأَحْكَام (أَن الْأَحْكَام النّسَب الْخَاصَّة النفسية) إِذْ هِيَ تعلقات الْكَلَام النَّفْسِيّ الْقَدِيم الْقَائِم بِالذَّاتِ المقدسة بِأَفْعَال الْمُكَلّفين: اقْتِضَاء، أَو تخييرا، أَو وضعا (وَالْأَرْبَعَة) أَي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس (أدلتها) أَي النّسَب الْمَذْكُورَة (وَبِذَلِك) أَي بِسَبَب كَونهَا أَدِلَّة (سميت) الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة (أصولا) لِأَن الأَصْل مَا يبْنى عَلَيْهِ غَيره، والمدلول مَبْنِيّ على الدَّال (وَجعل بَعضهم)
стр. 702
أَي الْحَنَفِيَّة (الْقيَاس أصلا من وَجه) لَا يثبت الحكم عَلَيْهِ ظَاهرا (فرعا من وَجه) آخر (لثُبُوت حجيته بِالْكتاب وَالسّنة). قَالَ الشَّارِح وَإِجْمَاع الصَّحَابَة، وَلَعَلَّه لم يذكرهُ لعدم الْجَزْم بإجماعهم، وَإِنَّمَا قُلْنَا لابتنائه عَلَيْهِ ظاهرأ لِأَن الْقيَاس مظهر لَا مُثبت. ثمَّ إِن قَوْله وَجعل مُبْتَدأ خَبره (يُوجب مثله) أَي الْكَوْن أصلا من وَجه فرعا من آخر (فِي السّنة) لثُبُوت حجيتها بِالْكتاب كَقَوْلِه - ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ -: إِلَى غير ذَلِك (وَالْإِجْمَاع) لثُبُوت حجيته بِالْكتاب وَالسّنة، فَلَا مُوجب للاقتصار على الْقيَاس. وَقيل إفرد بِالذكر لِأَنَّهُ أصل فِي الْفِقْه فَقَط، وَهِي أصل لَهُ ولعلم الْكَلَام (وَالْأَقْرَب) أَي إِفْرَاده بِالذكر (لاحتياجه فِي كل حَادِثَة إِلَى أَحدهَا) إِذْ لَا بُد لَهُ من عِلّة مستنبطة من أَحدهَا، وَعدم احتياجها إِلَيْهِ على هَذَا الْوَجْه (وَلَا يرد الْإِجْمَاع) نقضا على التَّعْلِيل الْمَذْكُور بِنَاء (على عدم لُزُوم الْمُسْتَند) لَهُ: يَعْنِي لَا يُقَال أَن الْإِجْمَاع أَيْضا مُحْتَاج إِلَى أَحدهَا إِذا قُلْنَا أَنه لَا يلْزم أَن يكون لَهُ مُسْتَند كَمَا ذهب إِلَيْهِ قوم وَقَالُوا: يجوز أَن يخلق فيهم علما ضَرُورِيًّا، ويوفقهم جَمِيعًا لاختيار الصَّوَاب، وَهَذَا ظَاهر (وَلَا) يرد أَيْضا (على لُزُومه) أَي على القَوْل بِلُزُوم الْمُسْتَند فِي الْإِجْمَاع كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور (لِأَن الْمُحْتَاج إِلَيْهِ) أَي الْمُسْتَند (قَول كل) أَي كل وَاحِد وَاحِد (وَلَيْسَ) قَول كل وَاحِد (إِجْمَاعًا، بل هُوَ) أَي الْإِجْمَاع (كلهَا) أَي مَجْمُوع الْأَقْوَال (المتوقف على) قَول (كل وَاحِد، وَلَا يحْتَاج) الْمَجْمُوع إِلَى مُسْتَند (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يحْتَاج الْمَجْمُوع إِلَى مُسْتَند (كَانَ الثَّابِت لَهُ) أَي بِالْإِجْمَاع (بمرتبة الْمُسْتَند) أَي فِي رتبته، وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الثَّابِت بِهِ قَطْعِيَّة الحكم، وَالثَّابِت بالمستند ظنيته، وَأَيْنَ الْقطع من الظَّن؟. وَقد يُقَال: سلمنَا أَنه لَا يحْتَاج إِلَيْهِ بِنَفسِهِ، لكنه يحْتَاج بِوَاسِطَة مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ، وَبِه ثَبت الفرعية من وَجه وَيصير كالقياس. وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن حجية الْإِجْمَاع، وإفادته الْقطع يسْتَند إِلَى عصمَة الْكل عَن الْخَطَأ استنادا يضمحل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ اعْتِبَار مدخلية السَّنَد الْمَذْكُور فِي أصل انْعِقَاده بِحَسب مَا يَجْعَل مُحْتَاجا إِلَيْهِ فِي حجيته، وَهَذَا أولى مِمَّا قيل: أَن الْإِجْمَاع إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى الْمُسْتَند فِي تحَققه لَا فِي نفس الدّلَالَة على الحكم، فَإِن الْمُسْتَدلّ بِهِ لَا يلْتَفت إِلَيْهِ بِخِلَاف الْقيَاس فَإِن الِاسْتِدْلَال بِهِ لَا يُمكن بِدُونِ مُلَاحظَة الثَّلَاثَة فَتدبر.
(الْكتاب) هُوَ (الْقُرْآن) تعريفا (لفظيا) فَإِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ عرفا، غير أَن الْقُرْآن أشهر (وَهُوَ) أَي الْقُرْآن (اللَّفْظ الْعَرَبِيّ الْمنزل للتدبر والتذكر الْمُتَوَاتر) فاللفظ جنس يعم الْكتب السماوية وَغَيرهَا، والعربي يخرج غير الْعَرَبِيّ من الْكتب السماوية وَغَيرهَا، والمنزل بِلِسَان جِبْرِيل ﵇ على رَسُول الله ﷺ يخرج مَا لَيْسَ بمنزل من الْعَرَبِيّ. وَقَوله للتدبر والتذكر لزِيَادَة التَّوْضِيح، والتدبر: التفهم
стр. 703
للاطلاع على مَا يتبع ظَاهره من التأويلات الصَّحِيحَة، والمعاني المستنبطة من الْأَحْكَام الْأَصْلِيَّة والفرعية، وَالْحكم الإلهية إِلَى غير ذَلِك، والتذكر الاتعاظ بقصصه، وَأَمْثَاله، ودلائله الدَّالَّة على وجود الصَّانِع الْخَبِير، ووحدانيته، وَكَمَال قدرته، وَلُزُوم التَّجَافِي عَن دَار الْغرُور، والتهيئ لدار السرُور، وَنَحْو ذَلِك وَقيل: التدبر لما لَا يعلم إِلَّا من الشَّرْع، والتذكر لما لَا يسْتَقلّ بِهِ الْعقل، وَبِقَوْلِهِ الْمُتَوَاتر خرج مَا لَيْسَ بمتواتر كَقِرَاءَة ابْن مَسْعُود - فَاقْطَعُوا أيمانهما وأمثالهما - وَبَعض الْأَحَادِيث الإلهية الَّتِي أسندها النَّبِي ﷺ إِلَى الله تَعَالَى على لِسَان جِبْرِيل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَخرجت الْأَحَادِيث القدسية) أَي الإلهية (والإعجاز) وَهُوَ ارتقاؤه إِلَى حد خَارج عَن طوق الْبشر حَيْثُ أعجزهم عَن معارضته (تَابع لَازم لأبعاض خَاصَّة مِنْهُ لَا) يتَقَيَّد (بِقَيْد سُورَة) كَمَا قَالَ بعض الْأُصُولِيِّينَ، وَالْإِضَافَة بَيَانِيَّة (وَلَا) هُوَ لَازم (كل بعض نَحْو ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ الْآيَة، فَإِنَّهَا جمل لَا إعجاز فِيهَا (وَهُوَ) أَي لفظ الْقُرْآن (مَعَ جزئية اللَّام) فِيهِ: أَي مَأْخُوذ مَعَ اللَّام الْمشَار بهَا إِلَى الْمَفْهُوم الْخَارِجِي، فِي الأَصْل صَار مَوْضُوعا (للمجموع) من الْفَاتِحَة إِلَى آخر سُورَة النَّاس فِي عرف الشَّرْع فَلَا يصدق على مَا دونه من آيَة وَلَا سُورَة (وَلَا مَعهَا) أَي اللَّفْظ الْمَذْكُور بِدُونِ اقترانه بهَا: تَعْرِيفه (لفظ إِلَى آخِره) أَي عَرَبِيّ منزل للتدبر والتذكر متواتر (فَيصدق على الْآيَة) وعَلى كل بعض يصدق عَلَيْهِ مَا ذكر فِي التَّعْرِيف (وَهَذَا) التَّعْرِيف (للحجة الْقَائِمَة) أَي مُنَاسِب لِلْقُرْآنِ من حَيْثُ أَنه حجَّة من الله قَائِمَة على الْعباد، إِذْ ثَبت بإعجازه نبوة النَّبِي ﷺ ، وَبَين الْأَحْكَام أصولا وفروعا، وبتواتره سد طَرِيق إنكارهم بُلُوغهَا إِلَيْهِم (و) تَعْرِيفه (بِلَا هَذَا الِاعْتِبَار) أَي كَونه حجَّة (كَلَامه تَعَالَى الْعَرَبِيّ الْكَائِن للإنزال) أَي الثَّابِت فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أثْبته الله تَعَالَى هُنَاكَ لمصْلحَة الْإِنْزَال بِلِسَان جِبْرِيل على نبيه ﷺ ، وَلَا ينْقض بِالْحَدِيثِ الْقُدسِي وَالْقِرَاءَة الشاذة لكَونهَا فِي اللَّوْح لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ - لأننا لَا نسلم أَنَّهَا أَثْبَتَت هُنَاكَ للإنزال فليتدبر (وللعربي) أَي ولاعتبار قيد الْعَرَبِيّ فِي ماهيته (رَجَعَ أَبُو حنيفَة) بَعْدَمَا تحقق عِنْده اعْتِبَار فِيهِ (عَن الصِّحَّة) أَي صِحَة الصَّلَاة (للقادر) على الْعَرَبِيّ إِذا عبر عَن الْمَضْمُون القرآني (بِالْفَارِسِيَّةِ) أَي بِالْفَارِسِيَّةِ مثلا، فَيدْخل مَا عدا الْعَرَبِيّ، وَذَلِكَ (لِأَن الْمَأْمُور) بِهِ فِي قَوْله - ﴿فاقرءوا مَا تيَسّر من الْقُرْآن﴾ - (وَقِرَاءَة مُسَمّى الْقُرْآن) وَقد عرفت أَن قيد الْعَرَبِيّ مُعْتَبر فِي مَفْهُوم مُسَمَّاهُ، وَلم يسم بِهَذَا الِاسْم إِلَّا الْمَوْجُود فِي الْخَارِج الْعَرَبِيّ على مَا رَوَاهُ عَنهُ نوح بن مَرْيَم وَعلي بن الْجَعْد، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى حَتَّى قَالَ الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْفضل: لَو تعمد ذَلِك فَهُوَ مَجْنُون فيداوى، أَو زنديق
стр. 704
فَيقْتل (وَقَوْلهمْ) أَي بعض الْحَنَفِيَّة فِي التَّعْلِيل الْمَذْكُور لرجوعه توجيها لما ذهب إِلَيْهِ أَولا: أَن النّظم الْعَرَبِيّ (ركن زَائِد) لِلْقُرْآنِ بِمَعْنى كَونه يحْتَمل السُّقُوط، فَلَا يتَوَقَّف على جَوَاز الصَّلَاة لِأَنَّهُ مَقْصُود للإعجاز، وَالْمَقْصُود من الْقُرْآن فِي الصَّلَاة الْمُنَاجَاة لَا الإعجاز، فَلَا يكون النّظم لَازِما فِيهَا (لَا يُفِيد) دفع الِاعْتِرَاض عَنهُ، وَهُوَ كَونه مُخَالفا للنَّص الْمَذْكُور (بعد دُخُوله) أَي الرُّكْن الْمَذْكُور فِي مُسَمَّاهُ، فَإِن النَّص يطْلب الْعَرَبِيّ وَلَا يُجِيز غَيره، وَالتَّعْلِيل يُجِيزهُ، ولخصوصية الإعجازية مزية مَقْصُودَة للشارع فَلَا وَجه لإلغائه بِمثل هَذَا التَّعْلِيل، كَيفَ وَلَا يجوز معارضته النَّص بِالْمَعْنَى (وَدفعه) أَي هَذَا التعقيب (ب) أَن (إرادتهم الزِّيَادَة على مَا يتَعَلَّق بِهِ الْجَوَاز) للصَّلَاة من الْقُرْآن (مَعَ دُخُوله) أَي النّظم الْعَرَبِيّ (فِي الْمَاهِيّة) القرآنية، إِذْ لَا مُنَافَاة بَين كَونه ركنا لماهيته، وزائدا على مَا يتَعَلَّق بِهِ جَوَاز الصَّلَاة مِنْهُ (دفع) خبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي دَفعه يَعْنِي (بِعَين) مَادَّة (الْإِشْكَال لِأَن دُخُوله) أَي النّظم الْعَرَبِيّ فِي مَاهِيَّة الْقُرْآن هُوَ (الْمُوجب لتَعلق الْجَوَاز بِهِ) أَي بالنظم الْمَذْكُور، لِأَن الْمَأْمُور بِهِ قِرَاءَة الْقُرْآن، وَلَا يتَحَقَّق مُسَمَّاهُ إِلَّا بِهِ فَلَا جَوَاز بِدُونِهِ (على أَن معنى الرُّكْن الزَّائِد عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (مَا قد يسْقط شرعا) كَمَا فِي الْإِقْرَار بِالنِّسْبَةِ إِلَّا الْأَيْمَان، فَإِنَّهُ يسْقط بعد الْإِكْرَاه الملجئ فِي حق من لم يجد وقتا يتَمَكَّن فِيهِ من الادعاء (فادعاؤه) أَي السُّقُوط شرعا (فِي النّظم) الْعَرَبِيّ (عين النزاع، وَالْوَجْه فِي الْعَاجِز) عَن النّظم الْعَرَبِيّ (أَنه) أَي الْعَاجِز عَنهُ (كالأمي) لِأَن قدرته على غير الْعَرَبِيّ كلا قدرَة، فَكَانَ أُمِّيا كَمَا هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فِيهِ فِي الْمُجْتَبى.
وَاخْتلف فِيمَن لم يحسن الْقِرَاءَة بِالْعَرَبِيَّةِ وَيحسن بغَيْرهَا الأولى أَن يُصَلِّي بِلَا قِرَاءَة أَو بغَيْرهَا أهـ، وعَلى أَنه يُصَلِّي بِلَا قِرَاءَة الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، بل يسبح ويهلل (فَلَو أدّى) الْعَاجِز (بِهِ) أَي بالفارسي (قصَّة) من الْقَصَص الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن، أَو أمرا، أَو نهيا (فَسدتْ) الصَّلَاة لِأَنَّهُ تكلم بِكَلَام غير قُرْآن (لَا) تفْسد أَن أدّى الْعَاجِز بالفارسي (ذكرا) أَو تَنْزِيها: وَكَذَا غير الْعَاجِز إِلَّا إِذا اقْتصر على ذَلِك لإخلاء الصَّلَاة عَن الْقِرَاءَة حِينَئِذٍ قَالَ الشَّارِح: وَهَذَا اخْتِيَار المُصَنّف، وَإِلَّا فَلفظ الْجَامِع الصَّغِير مُحَمَّد عَن يَعْقُوب عَن أبي حنيفَة فِي الرجل يفْتَتح للصَّلَاة بِالْفَارِسِيَّةِ، أَو يقْرَأ بِالْفَارِسِيَّةِ، أَو يذبح ويسمي بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يحسن الْعَرَبيَّة قَالَ يُجزئهُ فِي ذَلِك كُله. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا يُجزئهُ فِي ذَلِك كُله إِلَّا فِي الذَّبِيحَة، وَإِن كَانَ لَا يحسن الْعَرَبيَّة أَجزَأَهُ. قَالَ الصَّدْر الشَّهِيد فِي شَرحه: وَهَذَا تنصيص على أَن من يقْرَأ الْقُرْآن بِالْفَارِسِيَّةِ لَا تفْسد الصَّلَاة بِالْإِجْمَاع، وَمَشى عَلَيْهِ صَاحب الْهِدَايَة. وَأطلق نجم الدّين النَّسَفِيّ وقاضيخان نقلا عَن شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي الْفساد بهَا عِنْدهمَا (وَعنهُ) أَي عَن التَّعْرِيف
стр. 705
الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن حَيْثُ أَخذ فِيهِ التَّوَاتُر (يبطل إِطْلَاق عدم الْفساد) للصَّلَاة (بِالْقِرَاءَةِ الشاذة) فِيهَا، إِذْ هِيَ غير متواترة، فَلَا يصدق عَلَيْهِ أَنه قُرْآن، فَيلْزم الإخلاء عَن الْقِرَاءَة فتفسد.
وَاخْتلف فِي المُرَاد بالشاذة، فَقيل: لغير أَئِمَّة الْقِرَاءَة فِيهَا قَولَانِ: أَحدهمَا أَنَّهَا مَا عدا الْقرَاءَات لأبي عَمْرو وَنَافِع وَعَاصِم وَحَمْزَة وَابْن كثير وَالْكسَائِيّ وَابْن عَامر. وَثَانِيهمَا مَا وَرَاء الْقرَاءَات الْعشْر للمذكورين وَيَعْقُوب وَأبي جَعْفَر وَخلف. وَقَالَ ابْن حبَان: لَا نعلم أحدا من من الْمُسلمين حظر الْقرَاءَات بِالثلَاثِ الزَّائِدَة على السَّبع. وَقَالَ غَيره: قد اتّفق المتفقون سلفا وخلفا على أَن الْقرَاءَات الثَّلَاث المنسوبة إِلَى الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة متواترة قرئَ بهَا فِي جَمِيع الْأَمْصَار والأعصار من غير نَكِير فِي وَقت من الْأَوْقَات. قَالَ السُّبْكِيّ: الْمُعْتَمد عِنْد أَئِمَّة الْقِرَاءَة أَن المُرَاد بِالْقِرَاءَةِ الَّتِي لَيست بشاذة كل قِرَاءَة يساعدها خطّ مصحف الإِمَام مَعَ صِحَة النَّقْل ومجيئها على الفصيح من لُغَة الْعَرَب. قَالَ أَبُو شامة: مَتى اخْتَلَّ أحد هَذِه الْأَركان الثَّلَاثَة أطلق على تِلْكَ الْقِرَاءَة شَاذَّة. فِي الدارية لَو قَرَأَ بِقِرَاءَة لَيست فِي مصحف الْعَامَّة كَقِرَاءَة ابْن مَسْعُود وَأبي تفْسد صلَاته عِنْد أبي يُوسُف وَالأَصَح أَنَّهَا لَا تفْسد، وَلكنه لَا يعْتد بِهِ من الْقِرَاءَة. وَفِي الْمُحِيط تَأْوِيل مَا روى عَن عُلَمَائِنَا أَنه تفْسد صلَاته إِذا قَرَأَ هَذَا وَلم يقْرَأ شَيْئا آخر، لِأَن الْقِرَاءَة الشاذة لَا تفْسد الصَّلَاة فَإِن قيل: كَيفَ لَا تجوز الصَّلَاة بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود وَرَسُول الله ﷺ رغبنا فِي قِرَاءَة الْقُرْآن بقرَاءَته قُلْنَا إِنَّمَا لَا يجوز بِمَا كَانَ فِي مصحفه الأول، لِأَن ذَلِك قد انتسخ، وَابْن مَسْعُود أَخذ بِقِرَاءَة رَسُول الله ﷺ فِي آخر عمره، وَأهل الْكُوفَة أخذُوا بقرَاءَته الثَّانِيَة، وَهِي قِرَاءَة عَاصِم فَإِنَّمَا رغبنا فِي تِلْكَ الْقِرَاءَة، كَذَا ذكره الطَّحَاوِيّ وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: تجوز الْقِرَاءَة بالشاذة إِن لم يكن فِيهَا تَغْيِير معنى وَلَا زِيَادَة حرف وَلَا نقصانه (وَلزِمَ فِيمَا لم يتواتر) من الْقرَاءَات (نفي القرآنية) عَنهُ (قطعا غير أَن إِنْكَار الْقطعِي إِنَّمَا يكفر) بِهِ الْمُنكر (إِذا كَانَ) ذَلِك الْقطعِي (ضَرُورِيًّا) من ضروريات الدّين على مَا هُوَ التَّحْقِيق (وَمن لم يشرطه أَي كَون الْقطعِي الَّذِي يكفر منكره ضَرُورِيًّا كالحنفية يكفر منكره (إِذا لم يثبت فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْقطعِي (شُبْهَة قَوِيَّة) لقُوَّة مَا يُورثهَا، وَاحْتَاجَ دَفعهَا إِلَى مُقَدمَات كَثِيرَة كَمَا يظْهر فِي الْمِثَال كإنكار ركن من أَرْكَان الْإِسْلَام مثلا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ شُبْهَة (فَلِذَا) أَي لاشْتِرَاط انْتِفَاء الشُّبْهَة الْمَذْكُورَة فِي التَّكْفِير (لم يتكافروا) أَي لم يكفر كل من الْمُخَالفين (فِي التَّسْمِيَة) الآخر لوُجُود الشُّبْهَة القوية فِي كل طرف لقُوَّة دَلِيله، لِأَن الْمُنكر حِينَئِذٍ غير مكابر للحق، وَلَا قَاصد إِنْكَار مَا ثَبت عَن النَّبِي ﷺ . فَإِن قلت كل من النَّفْي وَالْإِثْبَات يحْتَاج إِلَى دَلِيل قَطْعِيّ، إِذْ لَا يجوز نفي قرآنيتها وَلَا إِثْبَاتهَا إِلَّا بِهِ
стр. 706
وَهل يتَصَوَّر وجود دَلِيل كَذَا فِي الْجَانِبَيْنِ قلت كَون كل مِنْهُمَا قَطْعِيا بِحَسب ظن صَاحبه لَا بِحَسب نفس الْأَمر، إِذْ قُوَّة الشُّبْهَة تخرجه عَن الْقطع بِحَسبِهِ، فَيرجع كل مِنْهُمَا إِلَى ظن قوي، فَمنع قُوَّة الشُّبْهَة التَّكْفِير فِي الْجَانِبَيْنِ مَعَ أَنهم أَجمعُوا على تَكْفِير من يُنكر شَيْئا من الْقُرْآن، وعَلى تَكْفِير من يلْحق بِالْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. ثمَّ لما جعل الِاشْتِرَاط الْمَذْكُور سَببا لعدم تَكْفِير كل من الْفَرِيقَيْنِ الآخر اتجه أَن يُقَال لَا يصلح سَببا لَهُ: إِذْ لَا يَخْلُو هَذَا الِاخْتِلَاف من أحد الْأَمريْنِ: إِمَّا إِنْكَار جُزْء من الْقُرْآن، وَإِمَّا إِلْحَاق مَا لَيْسَ مِنْهُ بِهِ أجَاب عَنهُ بقوله: (لعدم تَوَاتر كَونهَا فِي الْأَوَائِل) أَي فِي أَوَائِل السُّور (قُرْآنًا) يَعْنِي أَن تَكْفِير الْمُنكر عِنْد كَون القرآنية متواترا وَلم يُوجد فِي التَّسْمِيَة، وَكَذَا تَكْفِير من يلْحق بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ عِنْد الْقطع بِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْهُ، وَيحْتَمل أَن يكون تَقْدِير الْكَلَام: وَذهب إِلَى نفي قرآنيتها فِي غير النَّمْل من ذهب كمالك لعدم إِلَى آخِره، يُؤَيّدهُ مَا سَيَأْتِي من قَوْله: وَالْآخر.
وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَنه كَيفَ يُنكر قرآنيتها فِي أَوَائِل السُّور مَعَ شدَّة اهتمام السّلف بتجريد الْمَصَاحِف أجَاب عَنهُ بقوله (وكتابتها) فِي أَوَائِل السُّور (لشهرة الاستنان بالافتتاح) أَي بِالتَّسْمِيَةِ لكل سُورَة سوى بَرَاءَة، فالاستنان سَبَب الْكِتَابَة، والشهرة دافعة لتوهم كَونه قُرْآنًا (بهَا فِي الشَّرْع) بقوله ﷺ
" كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أقطع ": رَوَاهُ ابْن حبَان وَحسنه ابْن الصّلاح (وَالْآخر) أَي الْمُثبت لقرآنيتها فِي الْأَوَائِل يَقُوله: (إِجْمَاعهم) أَي الصَّحَابَة (على كتَابَتهَا) أَي التَّسْمِيَة بِخَط الْمُصحف فِي الْأَوَائِل (مَعَ أَمرهم بتجريد الْمَصَاحِف) عَمَّا سواهُ حَتَّى لم يثبتوا آمين فقد قَالَ ابْن مَسْعُود: جردوا الْقُرْآن وَلَا تخلطوه بِشَيْء: يَعْنِي فِي كِتَابَته. قَالَ الشَّارِح: قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ حَدِيث حسن مَوْقُوف أخرجه ابْن أبي دَاوُد يُوجِبهُ: أَي كَونهَا من الْقُرْآن (والاستنان) لَهَا فِي أَوَائِل السُّور (لَا يسوغه) أَي الْإِجْمَاع على كتَابَتهَا بِخَط الْمَصَاحِف فِيهَا (لتحققه) أَي الاستنان (فِي الِاسْتِعَاذَة وَلم تكْتب) فِي الْمُصحف (والأحق أَنَّهَا) أَي التَّسْمِيَة فِي محالها (مِنْهُ) أَي الْقُرْآن (لتواترها فِيهِ) أَي فِي الْمُصحف (وَهُوَ) أَي تواترها فِيهِ (دَلِيل) تَوَاتر (كَونهَا قُرْآنًا). ثمَّ لما أَقَامَ دَلِيلا على تواترا أَنَّهَا قُرْآن، وَهُوَ تواترها فِي الْمُصحف أَفَادَ أَنه لَا يلْزم إِثْبَات قرآنيتها تَوَاتر الْأَخْبَار بِكَوْنِهَا قُرْآنًا، فَقَالَ (على أَنا نمْنَع لُزُوم تَوَاتر كَونهَا قُرْآنًا فِي القرآنية) أَي فِي إِثْبَات قرآنيته فِي الْأَوَائِل (بل التَّوَاتُر فِي مَحَله فَقَط) كَاف فِي إِثْبَات قرآنيته، يَعْنِي لَا يلْزم أَن ينْقل إِلَيْنَا خبر متواتر أَنَّهَا فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع قُرْآن، بل يَكْفِي فِي ثُبُوت قرآنيتها نقل الْقُرْآن الثَّابِت فِي التَّسْمِيَة فِي أَوَائِل سُورَة على سَبِيل التَّوَاتُر (وَإِن لم يتواتر كَونه) أَي مَا هُوَ قُرْآن
стр. 707
(فِيهِ) أَي فِي مَحَله (مِنْهُ) أَي من الْقُرْآن إِذْ يَكْفِي ثُبُوته فِيهِ، وَهَذَا مَوْجُود فِي التَّسْمِيَة (وَعنهُ) أَي عَن كَون الشَّرْط مُجَرّد التَّوَاتُر فِي مَحَله (لزم قرآنية المكررات) كَقَوْلِه تَعَالَى - ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ - (وتعددها قُرْآنًا) مَعْطُوف على قرآنيتها: أَي وَلُزُوم تعددها من حَيْثُ أَنَّهَا قُرْآن، فَكل وَاحِد من ذَلِك المتعدد قُرْآن على حِدة (وَعَدَمه) أَي عدم التَّعَدُّد (فِيمَا تَوَاتر فِي مَحل وَاحِد فَامْتنعَ جعله) أَي مَا تَوَاتر فِي مَحل وَاحِد (مِنْهُ) أَي الْقُرْآن (فِي غَيره) أَي غير ذَلِك الْمحل (ثمَّ الْحَنَفِيَّة) الْمُتَأَخّرُونَ على أَن التَّسْمِيَة (آيَة وَاحِدَة منزلَة يفْتَتح بهَا السُّور) عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يعرف فصل السُّور حَتَّى ينزل عَلَيْهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ: لَا يعرف انْقِضَاء السُّورَة، وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ مَعَ مَا فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الله " قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي ": الحَدِيث. وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي مبدأ الْوَحْي أَن جِبْرِيل أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ - ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم﴾ -. فَقَالَ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ أَنَّهَا نزلت للفصل لَا فِي أول السُّورَة وَلَا فِي آخرهَا، فَيكون الْقُرْآن مائَة وَأَرْبع عشرَة سُورَة، وَآيَة وَاحِدَة لَا مَحل لَهَا بخصوصها (وَالشَّافِعِيَّة) على أَنَّهَا (آيَات فِي السُّور) أَي آيَة كَامِلَة من أول كل سُورَة على الْأَصَح عِنْدهم فِيمَا عدا الْفَاتِحَة وَبَرَاءَة، فَإِنَّهَا آيَة كَامِلَة من أول الْفَاتِحَة بِلَا خلاف وَلَيْسَت بِآيَة من بَرَاءَة بِلَا خلاف (وَترك نصف الْقُرَّاء) أَي ابْن عَامر وَنَافِع وَأَبُو عمر وَلها فِي أَوَائِل السُّور مُطلقًا وَحَمْزَة فِي غير الْفَاتِحَة، وَترك مُبْتَدأ خَبره (تَوَاتر) لأجل (أَنه ﷺ تَركهَا) أَي ترك قرَاءَتهَا فِي أَوَائِل السُّور عِنْد قصد قرَاءَتهَا (وَلَا معنى) أَي وَلَا وَجه (عِنْد قصد قِرَاءَة سُورَة أَن يتْرك أَولهَا) أَي لِأَن تَركه (لَو لم يحث) على قِرَاءَة السُّورَة من أَولهَا، على أَن الْمَعْرُوف من الْحَث (على أَن يقْرَأ) الْقَارئ (السُّورَة على نَحْوهَا) أَي طبق ثُبُوتهَا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، فَإِن هَذَا التَّرْتِيب الْمَوْجُود فِي الْمَصَاحِف على طبق ذَلِك (وتواتر قرَاءَتهَا) أَي التَّسْمِيَة فِي أَوَائِل السُّور (عَنهُ) أَي النَّبِي ﷺ (بِقِرَاءَة الآخرين) من الْقُرَّاء فِي أَوَائِل السُّور (لَا يستلزمها) أَي لَا يسْتَلْزم كَون التَّسْمِيَة (مِنْهَا) أَي السُّورَة (لتجويزه) ﷺ (للافتتاح) بهَا فَإِن قلت هَب أَن قِرَاءَة الآخرين لَا يسْتَلْزم جزئيتها من السُّور كَيفَ التَّوْفِيق بَين التواترين، تَوَاتر تَركه ﷺ قرَاءَتهَا فِي الْأَوَائِل، وتواتر قرَاءَتهَا فِيهَا، قلت يجوز ذَلِك بِاعْتِبَار الْأَوْقَات تَعْلِيما للْجُوَاز وَعدم الْجُزْئِيَّة. وَعَن شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي وَغَيره أَن أَكثر مَشَايِخنَا على أَنَّهَا آيَة من الْفَاتِحَة، وَبهَا تصير سبع آيَات. وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ
стр. 708
لَيْسَ عَن أَصْحَابنَا رِوَايَة منصوصة على أَنَّهَا من الْفَاتِحَة، أَو لَيست آيَة مِنْهَا إِلَّا أَن شَيخنَا أَبَا الْحسن الكرحي حكى مَذْهَبهم فِي ترك الْجَهْر بهَا فَدلَّ على أَنَّهَا لَيست آيَة مِنْهَا عِنْدهم، وَإِلَّا لجهر بهَا كَمَا يجْهر بِسَائِر آي السُّور، وَقطع بِهِ البُخَارِيّ فِي شرح مَعَاني الْآثَار (وَمَا عَن ابْن مَسْعُود من إِنْكَار) كَون (المعوذتين) من الْقُرْآن (لم يَصح) عَنهُ كَمَا ذكره الطرطوسي وَغَيره (وَإِن ثَبت خلو مصحفه) مِنْهُمَا (لم يلْزم) كَون خلوه (لإنكاره) أَي ابْن مَسْعُود قرآنيتهما (لجوازه) أَي كَون خلوه (لغاية ظهورهما). وَفِيه أَن ظُهُور الْإِخْلَاص مثلا أَكثر مِنْهُمَا فَتَأمل (أَو لِأَن السّنة عِنْده) أَي ابْن مَسْعُود (أَن لَا يكْتب مِنْهُ) أَي الْقُرْآن (إِلَّا مَا أَمر النَّبِي ﷺ بكتبه وَلم يسمعهُ) أَي أمره ﷺ بذلك أَقُول وَلَو قيل أَنه كَانَ يعلم أَنَّهَا كَلَام الله تَعَالَى بِلَا شُبْهَة، لَكِن اشتبهت جزئيته من الْقُرْآن، وَإِنَّمَا ارْتَفَعت هَذِه الشُّبْهَة بعد كِتَابَته ذَلِك الْمُصحف بِالْإِجْمَاع. ثمَّ تَوَاتر بعد ذَلِك إِمَّا بعد زَمَانه، أَو فِي زَمَانه، وَلم يتَّفق لَهُ إدخالهما فِيهِ وَلم يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَحْذُور وَالله أعلم.
مسئلة
(الْقِرَاءَة الشاذة حجَّة ظنية خلافًا للشَّافِعِيّ لنا) أَنَّهَا (مَنْقُول عدل عَن النَّبِي ﷺ فَيجب قبُوله كَسَائِر منقولاته (قَالُوا) أَي الشَّافِعِيَّة: أَنَّهَا (مُتَيَقن الْخَطَأ، قُلْنَا) الْخَطَأ (فِي قرآنيته لَا) فِي (خبريته مُطلقًا) لعدم الْخَطَأ فِي أصل مضمونه (وَانْتِفَاء الْأَخَص) وَهُوَ كَونه خَبرا قرآنيا (لَا يَنْفِي الْأَعَمّ) وَهُوَ كَونه خَبرا صَحِيحا مَنْقُولًا (فَكَمَا لأخبار الأحاد) مِمَّا لم ينْسب إِلَى الْقُرْآن وَلم يبلغ حد التَّوَاتُر والشهرة، ثمَّ المفاد من كَلَام الْفَرِيقَيْنِ الْجَزْم بالْخَطَأ فِي قرآنيتها وَعدم التَّوَاتُر لَا يسْتَلْزم الْقطع بِالنَّفْيِ، غَايَة الْأَمر النَّفْي بِالْقطعِ بقرآنيتها فَمن أَيْن يحكم بالْخَطَأ فِيهَا؟ وَقد بَقِي فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّا نخن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ - يُفِيد حفظه عَن وُقُوع الشُّبْهَة فِيهِ فَتَأمل (ومنعهم) أَي مانعي حجيتها (الْحصْر) الَّذِي ادَّعَاهُ مثبتوها فِي كَونه قُرْآنًا أَو خَبرا ورد بَيَانا من النَّبِي ﷺ فَظن قُرْآنًا فَألْحق بِهِ، وعَلى هَذَا التَّقْدِيرَيْنِ يجب الْعَمَل بِهِ (بتجويز ذكره) أَي الصَّحَابِيّ ذَلِك (مَعَ التِّلَاوَة) حَال كَون هَذَا الْمَذْكُور الَّذِي أدرجه فِي أثْنَاء تِلَاوَته الْقُرْآن (مذهبا) لَهُ غير أَن يسمعهُ من النَّبِي ﷺ ، بل لما أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده فَذكره فِي معرض الْبَيَان (بعيد جدا لِأَن نظم مذْهبه مَعَه) أَي الْقُرْآن (إِيهَام) ظن (أَن مِنْهُ) أَي الْقُرْآن (مَا لَيْسَ مِنْهُ) أَي الْقُرْآن وَهَذَا نوع تلبيس لَا يَلِيق بشأن الصَّحَابِيّ (لَا جرم أَن) القَوْل (الْمُحَرر) أَي الْمُسْتَقيم الْمَرْوِيّ (عَنهُ) أَي الشَّافِعِي (كَقَوْلِنَا بِصَرِيح لَفظه) قَالَ: ذكر الله الْأَخَوَات
стр. 709
من الرَّضَاع بِلَا تَوْقِيت، ثمَّ وقتت عَائِشَة الْخمس وأخبرت أَنه مِمَّا نزل من الْقُرْآن فَهُوَ وَإِن لم يكن قُرْآنًا يقْرَأ فَأَقل حالاته أَن يكون عَن رَسُول الله ﷺ لِأَن الْقُرْآن لَا يَأْتِي بِهِ غَيره، فَهَذَا عين قَوْلنَا وَعَلِيهِ جُمْهُور أَصْحَابنَا كَمَا نَقله الأسنوي وَغَيره حَتَّى احْتَجُّوا بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود - فَاقْطَعُوا أيمانهما - على قطع الْيُمْنَى (ومنشأ الْغَلَط) فِي أَن مذْهبه عدم حجيته كَمَا نسبه إِلَيْهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَتَبعهُ النَّوَوِيّ (عدم إِيجَابه) أَي الشَّافِعِي (التَّتَابُع) فِي صَوْم الْكَفَّارَة (مَعَ قِرَاءَة ابْن مَسْعُود) فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات. نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: وَهَذَا عَجِيب لجَوَاز كَون ذَلِك لعدم ثُبُوته عِنْده أَو لقِيَام معَارض انْتهى، وعَلى هَذَا مَشى السُّبْكِيّ فَقَالَ: لَعَلَّه لمعارضة ذَلِك مَا قالته عَائِشَة نزلت - فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات - فَسَقَطت مُتَتَابِعَات أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ إِسْنَاد صَحِيح.
مسئلة
(لَا يشْتَمل) الْقُرْآن (على مَا لَا معنى لَهُ خلافًا لمن لَا يعْتد بِهِ من الحشوية) قيل بِإِسْكَان الشين، لِأَن مِنْهُم المجسمة، والجسم محشو، وَالْمَشْهُور فتحهَا، لأَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ أَيَّام الْحسن الْبَصْرِيّ فِي حلقته فَوجدَ كَلَامهم رديئاً فَقَالَ: ردوا هَؤُلَاءِ إِلَى حَشا الْحلقَة: أَي جَانبهَا (تمسكوا بالحروف الْمُقطعَة) فِيهِ أَي الْقُرْآن فِي أَوَائِل السُّور (وَنَحْو إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) إِنَّمَا هُوَ إِلَه وَاحِد (ونفخة وَاحِدَة قُلْنَا التَّأْكِيد كثير وإبداء فَائِدَته قريب) فِي الْكَشَّاف الِاسْم الْحَامِل لِمَعْنى الْإِفْرَاد والتثنية دَال على شَيْئَيْنِ: الجنسية وَالْعدَد الْمَخْصُوص، فَإِذا أريدت الدّلَالَة على أَن الْمَعْنى بِهِ مِنْهُمَا وَالَّذِي سَاق لَهُ الحَدِيث هُوَ الْعدَد شفع بِمَا يؤكده، فَدلَّ بِهِ على الْقَصْد إِلَيْهِ والعناية بِهِ، أَلا ترى أَنَّك لَو قلت إِنَّمَا هُوَ إِلَه وَلم تؤكده بِوَاحِد لم يحسن، وخيل أَنَّك تثبت الإلهية انْتهى، ثمَّ فَائِدَة التَّأْكِيد تَحْقِيق مَفْهُوم الْمُؤَكّد بِحَيْثُ لَا يظنّ بِهِ غَيره، وَدفع توهم التَّجَوُّز والسهو وَعدم الشُّمُول إِلَى غير ذَلِك (وَأما الْحُرُوف) الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور (فَمن الْمُتَشَابه وأسلفنا فِيهِ) أَي الْمُتَشَابه (خلافًا) فِي (أَن مَعْنَاهُ يعلم أَولا) وَظهر ثمَّة أَنه عِنْد الْجُمْهُور لَا يعلم فِي الدُّنْيَا وَأَنه الْأَوْجه (فاللازم) للمتشابه عِنْدهم (عدم الْعلم بِهِ) أَي بِمَعْنَاهُ (لَا عَدمه) أَي الْمَعْنى (وَقيل مُرَادهم) أَي الحشوية بقَوْلهمْ يشْتَمل على مَالا معنى لَهُ (لَا يُوقف على مَعْنَاهُ) كَمَا هُوَ ظَاهر صَنِيع عبد الْجَبَّار وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ من جَوَاز اشْتِمَال الْقُرْآن على مَالا يفهم المكلفون مَعْنَاهُ (فكقول النَّافِي) أَي فَقَوْل الحشوية حِينَئِذٍ كَقَوْلِنَا فِي إِدْرَاك الْمَعْنى (فِي الْمُتَشَابه فَلَا خلاف) بَين الْجُمْهُور وَبينهمْ، وَقَالَ ابْن برهَان: يجوز أَن يشْتَمل على مَالا يفهم
стр. 710
مَعْنَاهُ إِلَّا أَن يتَعَلَّق بِهِ تَكْلِيف وَإِلَّا كَانَ تكليفا بِمَا لَا يُطَاق، وَفِي شرح البديع للشَّيْخ سراج الدّين أَن الْمُخْتَار عِنْد أَكثر الْعلمَاء أَنَّهَا أَسمَاء للسور فلهَا معَان.
مسئلة
(قِرَاءَة السَّبْعَة مَا) كَانَ (من قبيل الْأَدَاء) بِأَن كَانَ هَيْئَة اللَّفْظ يتَحَقَّق بِدُونِهَا وَلَا يخْتَلف خطوط الْمَصَاحِف بِهِ (كالحركات والإدغام) فِي المثلين أَو المتقاربين: وَهُوَ إدراج الأول مِنْهُمَا سَاكِنا فِي الثَّانِي، هَكَذَا ذكره الشَّارِح، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بهيئة اللَّفْظ كَيْفيَّة تحصل من تركيب الْحُرُوف والتقديم وَالتَّأْخِير بَينهَا مَعَ قطع النّظر عَن خصوصيات الحركات والسكنات، وَنَظِير ذَلِك فِي صُورَة الْخط، وَإِلَّا فَلَا شكّ فِي التَّغَيُّر فِيهَا بتبدل الحركات والإدغام (والإشمام) وَهُوَ الْإِشَارَة بالشفتين إِلَى الْحَرَكَة بعيد الإسكان من غير تصويت فيدركه الْبَصِير لَا غير (وَالروم) وَهُوَ إخفاء الصَّوْت بالحركة (والتفخيم والإمالة) وَهُوَ الذّهاب بالفتحة إِلَى الكسرة (وَالْقصر وَتَحْقِيق الْهمزَة وأضدادها) أَي الْمَذْكُورَات من الفك وَعدم الإشمام وَالروم والترقيق وَعدم الإمالة وَالْمدّ وَتَخْفِيف الْهمزَة (لَا يجب تواترها، وخلافه) أَي خلاف مَا كَانَ من قبيل الْأَدَاء (مِمَّا اخْتلف بالحروف كملك) فِي قِرَاءَة من عدا الْكسَائي وعاصما (وَمَالك) فِي قرائتهما (متواتر وَقيل مَشْهُور) أَي آحَاد الأَصْل متواتر الْفُرُوع (وَالتَّقْيِيد) لما هُوَ خلاف مَا كَانَ من قبيل الْأَدَاء مِنْهَا (باستقامة وَجههَا فِي الْعَرَبيَّة) كَمَا فِي شرح البديع (غير مُفِيد لِأَنَّهُ إِن أُرِيد) باستقامة وَجههَا فِي الْعَرَبيَّة (الجادة) وَهِي فِي اللُّغَة مُعظم الطَّرِيق، وفسرها الشَّارِح بالظاهرة فِي التَّرْكِيب، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ قرآنيتها الْمَشْهُورَة الَّتِي أَكثر الِاسْتِعْمَال عَلَيْهَا (لزم عدم القرآنية فِي قتل أَوْلَادهم شركائهم) بِرَفْع قتل وَنصب أَوْلَادهم وجر شركائهم على أَن قتل مُضَاف إِلَى شركائهم وَفصل بَينهمَا بالمفعول الَّذِي هُوَ أَوْلَادهم، هَذَا يدل على أَنه حمل الحركات على غير الإعرابية وَإِلَّا فَهُوَ من الْقسم الأول (لِابْنِ عَامر) لِأَن الجادة فِي سَعَة الْكَلَام أَنه لَا يفصل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بِغَيْر الظّرْف، وَالْجَار وَالْمَجْرُور (أَو) أُرِيد بهَا الاسْتقَامَة وَلَو (بتكلف شذوذ وَخُرُوج عَن الْأُصُول) أَي قوانين الْعَرَبيَّة (فممكن) أَي فَهَذَا التَّكْلِيف متيسر (فِي كل شَيْء) إِذْ لَا يَقع بِهِ الِاحْتِرَاز عَن شَيْء فَلَا فَائِدَة فِي التَّقْيِيد (وَقد نظر فِي التَّفْصِيل) الْمَذْكُور فِي مَحل التَّوَاتُر والناظر الْعَلامَة الشِّيرَازِيّ. وَجه النّظر أَن الْقُرْآن بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ متواتر فَلَا يخص التَّوَاتُر، بِخِلَاف مَا هُوَ من قبيل الْأَدَاء (لِأَن الحركات وَمَا مَعهَا) من الْمَذْكُورَات (أَيْضا قُرْآن) وَالْقُرْآن بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ متواتر، ثمَّ اسْتَزَادَ المُصَنّف فِي النّظر فَقَالَ (وَلَا يخفى أَن الْقصر وَالْمدّ من قبيل
стр. 711
الثَّانِي) أَي خلاف مَا كَانَ من قبيل الْأَدَاء (فَفِي عدهما من) قبيل (الأول) أَي مَا كَانَ من قبيل الْأَدَاء (نظر، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يجعلا من قبيل الثَّانِي بل من الأول (لزم مثله) وَهُوَ أَن يَجْعَل من الأول (فِي مَالك وَملك) إِذْ لَا يزِيد مَالك عَن ملك إِلَّا بالمدة الَّتِي هِيَ الْألف (لنا) فِي أَن مَا هُوَ من قبيل الثَّانِي متواتر أَنه (قُرْآن فَوَجَبَ تواتره) وَالْقُرْآن كُله متواتر إِجْمَاعًا (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ بِأَن مَا كَانَ من الْقسم الثَّانِي من قِرَاءَة السَّبْعَة مَشْهُور آحَاد الأَصْل (الْمَنْسُوب إِلَيْهِم) أَي الَّذين نسب إِلَيْهِم قِرَاءَة السَّبْعَة: وهم السَّبْعَة (آحَاد) لأَنهم سَبْعَة نفر والتواتر لَا يحصل بِهَذَا الْعدَد فِيمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ فضلا عَمَّا اخْتلفُوا فِيهِ (أُجِيب بِأَن نسبتها) أَي القراآت السَّبع إِلَيْهِم (لاختصاصهم) أَي الْقُرَّاء السَّبْعَة (بالتصدي) للاشتغال بهَا وَتَعْلِيمهَا واشتهارهم بذلك (لَا لأَنهم النقلَة) خَاصَّة بِأَن تكون رِوَايَتهَا مَقْصُورَة عَلَيْهِم (بل عدد التَّوَاتُر) كَانَ مَوْجُودا (مَعَهم) فِي كل طبقَة إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى النَّبِي ﷺ (وَلِأَن الْمدَار) لحُصُول التَّوَاتُر (الْعلم) أَي حُصُول الْعلم عِنْد الْعدَد (لَا الْعدَد) الْخَاص (وَهُوَ) أَي الْعلم (ثَابت) وَثُبُوت مدَار الشَّيْء مُسْتَلْزم لحصوله.
مسئلة
(بعد اشْتِرَاط الْحَنَفِيَّة الْمُقَارنَة فِي الْمُخَصّص) الأول للعام (لَا يجوز) عِنْدهم (تَخْصِيص الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد) لما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ أَنه كَيفَ يتَصَوَّر هَذَا بعد لُزُوم الْمُقَارنَة، فَإِن خبر الْوَاحِد إِنَّمَا يتَحَقَّق بعد زمَان الشَّارِع ونزول الْكتاب فِي زَمَانه قَالَ (لَو فرض نقل الرَّاوِي) للمخبر الْمَذْكُور (قرَان الشَّارِع) مفعول النَّقْل وإضافته لفظية لِأَن الشَّارِع قَارن وَالْقرَان مُتَعَدٍّ مَفْعُوله (الْمخْرج بالتلاوة) صلَة الْقُرْآن بِأَن يرْوى أَن النَّبِي ﷺ أَو جِبْرِيل ﵇ قرن كلَاما دَالا على خُرُوج بعض أَفْرَاد الْكَلَام بتلاوته حَال كَون ذَلِك الْمخْرج (تقييدا) لإِطْلَاق عُمُوم المتلو (مفَاد الغيرية) أَي حَال كَون ذَلِك الْمخْرج بِحَيْثُ أفيد غيريته للمتلو قُرْآنًا سَوَاء كَانَت هَذِه الإفادة بِلَفْظ أَو بِقَرِينَة، وَتقدم أَن الِاشْتِرَاط الْمَذْكُور قَول أَكثر الْحَنَفِيَّة وَبَعْضهمْ كالشافعية على عدم اشْتِرَاطهَا فِي التَّخْصِيص مُطلقًا، لَكِن لم يعلم بَينهم الْخلاف فِي عدم تَجْوِيز تَخْصِيص الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد، وَفَائِدَة ذكره هَهُنَا بَيَان أَن الْمَنْع لَيْسَ لعدم قُصُور الشَّرْط: أَي الْمُقَارنَة بالغرض الْمَذْكُور (وَكَذَا) لَا يجوز (تَقْيِيد مطلقه) أَي الْكتاب (وَهُوَ) أَي تَقْيِيد مُطلقَة (الْمُسَمّى بِالزِّيَادَةِ على النَّص) بِخَبَر الْوَاحِد (عِنْدهم) أَي الْحَنَفِيَّة (و) لَا يجوز أَيْضا (حمله) أَي الْكتاب (على الْمجَاز لمعارضته) أَي خبر الْوَاحِد للْكتاب لأجل الْجمع بَينهمَا،
стр. 712
وَهَذَا عِنْد الْقَائِلين من الْحَنَفِيَّة بِأَن الْعلم قَطْعِيّ كالقراءتين ظَاهر (وَكَذَا الْقَائِل بظنية الْعَام مِنْهُم) أَي الْحَنَفِيَّة كَأبي مَنْصُور لَا يجوز ذَلِك عِنْده (على الْأَصَح) كَمَا ذكره صَاحب الْكَشْف وَغَيره (لِأَن الِاحْتِمَال) ثَابت (فِي ثُبُوت) نفس (الْخَبَر) يَعْنِي يحْتَمل أَن لَا يكون ثَابتا فِي نفس الْأَمر (وَالدّلَالَة) أَي ودلالته على المُرَاد مِنْهُ (فَرعه) أَي فرع ثُبُوت الْخَبَر (فاحتماله) أَي احْتِمَال ثُبُوت الْخَبَر احْتِمَال (عدمهَا) أَي الدّلَالَة لِأَنَّهُ على تَقْدِير عدم ثُبُوت الْخَبَر تنعدم الدّلَالَة بالطريقة الأولى (فَزَاد) خبر الْوَاحِد احْتِمَالا على احْتِمَال الْكتاب (بِهِ) أَي بِسَبَب الِاحْتِمَال فِي ثُبُوته. (لنا) فِي أَنه لَا يجوز تَخْصِيص الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد أَن خبر الْوَاحِد (لم يثبت ثُبُوته) أَي مثل ثُبُوت الْكتاب لِأَن ثُبُوته قَطْعِيّ وَثُبُوت خبر الْوَاحِد ظَنِّي (فَلَا يسْقط) خبر الْوَاحِد (حكمه) أَي الْكتاب (عَن تِلْكَ الْأَفْرَاد) الَّتِي يُخرجهَا خبر الْوَاحِد من عُمُوم الْكتاب على تَقْدِير أَن يخصصه (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يسْقط الْكتاب عَنْهَا (قدم الظني) أَي لزم تَقْدِيم الدَّلِيل الظني (على) الدَّلِيل (الْقَاطِع) وَهُوَ بَاطِل (بِخِلَاف مَا لَو ثَبت) الْخَبَر (تواترا أَو شهرة) فَإِنَّهُ يجوز تَخْصِيص الْكتاب بِهِ (للمقاومة) بَين الْكتاب وَبَينهمَا، أما بَينه وَبَين الْمُتَوَاتر فبالاتفاق، وَأما بَينه وَبَين الْمَشْهُور على رَأْي الْجَصَّاص وَمن وَافقه فَإِنَّهُ يُفِيد علم الْيَقِين فَظَاهر، وَأما على رَأْي ابْن أبان وَمن وَافقه فِي أَنه علم طمأنينة فَلِأَنَّهُ قريب من الْيَقِين، وَالْعَام لَيْسَ بِحَيْثُ يكفر جاحده فَهُوَ قريب من الظَّن، وَقد انْعَقَد الْإِجْمَاع على تَخْصِيص عمومات الْكتاب بالْخبر الْمَشْهُور كَقَوْلِه ﷺ " لَا يَرث الْقَاتِل شَيْئا " وَقَوله ﷺ " لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا خَالَتهَا " وَغير ذَلِك (فَثَبت) كل من الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَالْمَشْهُور (تَخْصِيصًا وَزِيَادَة) أَي من حَيْثُ التَّخْصِيص بِعُمُوم الْكتاب وَمن حَيْثُ الزِّيَادَة على مطلقه حَال كَونه (مُقَارنًا) لَهُ إِذا كَانَ هُوَ الْمُخَصّص الأول (و) ثَبت كل مِنْهُمَا (نسخا) أَي من حَيْثُ الناسخية حَال كَونه (متراخيا) عَمَّا يُعَارضهُ (وَعنهُ) أَي اشْتِرَاط الْمُقَارنَة فِي الْمُخَصّص (حكمُوا بِأَن تَقْيِيد الْبَقَرَة) فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿اذبحوا بقرة﴾ - بالمقيدات الْمَذْكُورَة فِي الْأَجْوِبَة عَن أسئلتهم (نسخ) لإطلاقها لتأخر المقيدات عَن طلب ذبح مُطلقهَا، فنسخ حكم بقرات غير مَوْصُوفَة بِتِلْكَ الْقُيُود: وَهُوَ الْأَجْزَاء عَمَّا هُوَ الْوَاجِب (كالآيات الْمُتَقَدّمَة فِي بحث التَّخْصِيص) ﴿كأولات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ بِالنِّسْبَةِ إِلَى - ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا﴾ - الْآيَة - وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ - بِالنِّسْبَةِ إِلَى - ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات﴾ - (وَعَن لُزُوم الزِّيَادَة بالآحاد) أَي كأخبار الأحاد (منعُوا) أَي الْحَنَفِيَّة (إِلْحَاق الْفَاتِحَة وَالتَّعْدِيل) للأركان (وَالطَّهَارَة) من الْحَدث والخبث (بنصوص الْقِرَاءَة)
стр. 713
أَي قَوْله تَعَالَى: ﴿فاقرءوا مَا تيَسّر من الْقُرْآن﴾ - (والأركان) أَي ارْكَعُوا واسجدوا (وَالطّواف) أَي وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق حَال كَون الملحقات (فَرَائض) لما ألحقت بهَا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ الْفَاتِحَة، وَأَن رَسُول الله ﷺ دخل الْمَسْجِد فَدخل رجل فصلى ثمَّ جَاءَ فَسلم على النَّبِي ﷺ فَقَالَ: " ارْجع فصل فَإنَّك لم تصل فساقه إِلَى أَن قَالَ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ نَبيا مَا أحسن غير هَذَا فعلمني فَقَالَ:
إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكبر ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن ثمَّ اركع حَتَّى تطمئِن رَاكِعا من ارْفَعْ حَتَّى تطمئِن قَائِما ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا ثمَّ اجْلِسْ حَتَّى تطمئِن جَالِسا ثمَّ افْعَل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا " وَبِمَا روى ابْن حبَان وَالْحَاكِم عَنهُ ﷺ
" الطوف بِالْبَيْتِ صَلَاة إِلَّا أَن الله قد أحل فِيهِ الْمنطق فَمن نطق فَلَا ينْطق إِلَّا بِخَير (بل) ألحقوها حَال كَونهَا (وَاجِبَات) للصَّلَاة وَالطّواف مكملات لَهما لَا يحكم ببطلانهما بِدُونِهَا (إِذْ لم يرد) (بِمَا تيَسّر) من الْقُرْآن (الْعُمُوم الاستغراقي) وَهُوَ جَمِيع مَا تيَسّر (بل) المُرَاد (هُوَ) أَي مَا تيَسّر (من أَي مَكَان) تيَسّر من الْقُرْآن سَوَاء كَانَ (فَاتِحَة أَو غَيرهَا) فَلَو قيل لَا يحوز بِدُونِ الْفَاتِحَة وَالتَّعْدِيل وَالطَّهَارَة الصَّلَاة وَالطّواف بِهَذِهِ الْأَخْبَار لَكَانَ نسخا لهَذِهِ الاطلاقات بهَا وَهُوَ لَا يجوز لما عرفت، ثمَّ كَون التَّعْدِيل وَاجِبا قَول الْكَرْخِي وَقَالَ الْجِرْجَانِيّ سنة (وَتَركه ﷺ المسئ) صلَاته بعد أول رَكْعَة حَتَّى أتم (يرجح تَرْجِيح الْجِرْجَانِيّ الاستنان) إِذْ يبعد تَقْرِيره على مَكْرُوه تَحْرِيمًا، وَقَالَ فِي شرح اهداية الأول أولى، لِأَن الْمجَاز حِينَئِذٍ يكون أقرب إِلَى الْحَقِيقَة فَإِنَّهَا فِي الصِّحَّة، وَالْمَكْرُوه التحريمي أقرب إِلَيْهَا من التنزيهي، وللمواظبة، وَقد سُئِلَ مُحَمَّد عَن تَركهَا فَقَالَ: إِنِّي أَخَاف أَن لَا يجوز، وَفِي الْبَدَائِع عَن أبي حنيفَة مثله، ثمَّ شبه منع إلحاقهم المكملات الْمَذْكُورَة لضعف دَلِيله بِمَنْع إلحاقهم الْمَذْكُورَات بعد قَوْله (كَقَوْلِهِم) أَي الْحَنَفِيَّة (فِي تَرْتِيب الْوضُوء وولائه وَنِيَّته) أَنَّهَا سنة (لضعف دلَالَة مقيدها) لما عرف فِي مَحَله (بِخِلَاف وجوب الْفَاتِحَة) إِذْ (نفي الْكَمَال) أَي إِرَادَته (فِي خَبَرهَا) أَي الْفَاتِحَة: وَهُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور (بعيد عَن معنى اللَّفْظ) لِأَن مُتَعَلق الْجَار وَالْمَجْرُور الْوَاقِع خَبرا إِنَّمَا هُوَ الثُّبُوت والكون الْعَام، وَالْمعْنَى لَا صَلَاة كائنة وَعدم الكينونة شرعا هُوَ عدم الصِّحَّة وَبَين عدم الصِّحَّة وَعدم الْكَمَال بون بعيد، فمدلوله عدم الصِّحَّة غير أَنه لما كَانَ خبر الْآحَاد نزل عَن دَرَجَة الْقطع إِلَى دَرَجَة الظَّن صَارَت وَاجِبَة (وبظني الثُّبُوت وَالدّلَالَة) كأخبار الْآحَاد الَّتِي مدلولاتها ظنية يثبت (النّدب وَالْإِبَاحَة وَالْوُجُوب) يثبت (بقطعيها) أَي الدّلَالَة (مَعَ ظنية الثُّبُوت) كأخبار الْآحَاد الَّتِي مفهوماتها قَطْعِيَّة (وَقَلبه) أَي وبظنيها مَعَ قَطْعِيَّة الثُّبُوت: كالآيات المؤولة (وَالْفَرْض) يثبت (بقطعيهما) أَي الثُّبُوت وَالدّلَالَة
стр. 714
كالنصوص المفسرة والمحكمة وَالسّنة المتواترة الَّتِي مفهوماتها قَطْعِيَّة (وَيشكل) على أَن بظنيتهما يثبت النّدب وَالسّنة (استدلالهم) أَي الْحَنَفِيَّة لوُجُوب الطَّهَارَة فِي الطّواف كَمَا هُوَ الْأَصَح عِنْدهم (بِالطّوافِ) مَرْفُوع على الْحِكَايَة: أَي بقوله ﷺ الطّواف (بِالْبَيْتِ صَلَاة لصدق التَّشْبِيه) أَي تَشْبِيه الطّواف بِالصَّلَاةِ (بالثواب) أَي بِاعْتِبَارِهِ بِأَن يكون وَجه الشّبَه هُوَ الثَّوَاب، قَوْله لصدق التَّشْبِيه يَعْنِي لَو حمل الْكَلَام على الْحَقِيقَة لزم عدم الصدْق وَلَو حمل على التَّشْبِيه صدق فَيتَعَيَّن التَّشْبِيه والتشبيه ثَابت بِمُجَرَّد اشتراكهما فِي الثَّوَاب وَلَا يلْزم من صدقه اشتراكهما فِي جَمِيع الْأَحْكَام كَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور بعده كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَقَوله) ﷺ بعد قَوْله " الطّواف بِالْبَيْتِ صَلَاة " (إِلَّا أَن الله أَبَاحَ فِيهِ الْمنطق): أَي النُّطْق (لَيْسَ) مَحْمُولا (على ظَاهره) وَهُوَ كَون الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا وَأَن الْمَعْنى الطّواف كَالصَّلَاةِ فِي جَمِيع الْأَحْكَام، إِلَّا أَن الله تَعَالَى أَبَاحَ فِيهِ الْمنطق ليَكُون (مُوجبا مَا سواهُ) أَي النُّطْق (من أَحْكَام الصَّلَاة فِي الطّواف) حَتَّى يدْخل فِيهِ وجوب الطَّهَارَة، وَوجه الْإِشْكَال أَن الحَدِيث ظَنِّي لكَونه خبر آحَاد ودلالته على اشْتِرَاط الطَّهَارَة فِي الطّواف أَيْضا ظَنِّي بل ضَعِيف (لجَوَاز نَحْو الشّرْب) فِيهِ تَعْلِيل لكَونه غير مَحْمُول على الظَّاهِر، فَالظَّاهِر أَنه كَمَا لَا يشْتَرط فِيهِ ترك نَحْو الشّرْب لَا يشْتَرط فِيهِ الْوضُوء، وَكَذَا قَالَ ابْن شُجَاع: هِيَ سنة (فَالْوَجْه) الِاسْتِدْلَال لَهُ (بِحَدِيث عَائِشَة حِين حَاضَت مُحرمَة) فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ
" اقضي مَا يقْضِي الْحَاج غير أَن لَا تطوفي بِالْبَيْتِ " مُتَّفق عَلَيْهِ رتب منع الطّواف على انْتِفَاء الطَّهَارَة (وَادعوا) أَي الْحَنَفِيَّة (للْعَمَل بالخاص لفظ جَزَاء) فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا جَزَاء بِمَا كسبا﴾ - وَقَوله لفظ جَزَاء عطف بَيَان للخاص، ومفعول ادعوا (انْتِفَاء عصمَة الْمَسْرُوق حَقًا للْعَبد) أَي انْتَفَى عصمته من حَيْثُ أَنه حق للْعَبد (لاستخلاصها) أَي عصمته حَقًا لله تَعَالَى (عِنْد الْقطع) لما يَأْتِي قَرِيبا (فَإِن قطع) السَّارِق (تقرر) خلوصها لله تَعَالَى قبيل فعل السّرقَة الْقبلية الَّتِي علم الله تَعَالَى أَنَّهَا تتصل بهَا السّرقَة كَانَ الْقطع مُبينًا لنا ذَلِك (فَلَا يضمن) الْمَسْرُوق (باستهلاكه لِأَنَّهُ) أَي الْجَزَاء الْمُطلق (فِي الْعُقُوبَات) يكون (على حَقه تَعَالَى خَالِصا بالاستقراء) لِأَنَّهُ الْمجَازِي على الْإِطْلَاق، وَلذَا سميت الْآخِرَة دَار الْجَزَاء، وَلَا تراعى فِيهِ الْمُمَاثلَة كَمَا روعيت فِي حق العَبْد مَالا كَانَ أَو عُقُوبَة وَلَا يَسْتَوْفِيه إِلَّا حَاكم الشَّرْع وَلَا يسْقط بِعَفْو الْمَالِك، وَإِذا كَانَ حَقه تَعَالَى كَانَت الْجِنَايَة وَاقعَة على حَقه فَيسْتَحق العَبْد جَزَاء من الله تَعَالَى فِي مُقَابلَة مَا فَاتَ من مَاله وَمن ضَرُورَة تحول الْعِصْمَة الَّتِي هِيَ مَحل الْجِنَايَة من العَبْد إِلَى الله تَعَالَى عِنْد فعل السّرقَة حَتَّى تقع جِنَايَة فِي حَقه تَعَالَى أَن يصير المَال فِي حق العَبْد مُلْحقًا بِمَا لَا قيمَة لَهُ كعصير الْمُسلم إِذا تخمر
стр. 715
فَإِنَّهُ لَا يضمن من سَرقه، وَقد استوفى بِالْقطعِ مَا وَجب بالهتك فَلم يجب عَلَيْهِ شَيْء آخر، وروى الْحسن عَنهُ أَنه يجب الضَّمَان، لِأَن الِاسْتِهْلَاك فعل آخر غير السّرقَة وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ فعلا آخر فَهُوَ اتمام الْمَقْصُود بهَا، وَهُوَ الِانْتِفَاع بالمسروق فَكَانَ معدودا مِنْهَا، وَأَيْضًا الْمَسْرُوق سَاقِط الْعِصْمَة لما قُلْنَا وَمَا يُؤْخَذ من السَّارِق غير ساقطها فَلَا مماثلة، وَالضَّمان يعْتَمد عَلَيْهَا بِالنَّصِّ، ثمَّ هَذَا فِي الْقَضَاء، وَأما ديانَة فَفِي الْإِيضَاح قَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يحل للسارق الِانْتِفَاع بِهِ بِوَجْه من الْوُجُوه وَفِي الْمَبْسُوط عِنْد مُحَمَّد يُفْتى بِالضَّمَانِ للحوق الخسران للْمَالِك من جِهَة السَّارِق. قَالَ أَبُو اللَّيْث، وَهَذَا القَوْل أحسن (وَلَا يخفى أَنه) أَي لفظ جَزَاء (حِينَئِذٍ) أَي حِين يكون خَاصّا بالعقوبة على الْجِنَايَة على حَقه تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ (بعادة الِاسْتِعْمَال، وَالْخَاص) إِنَّمَا يكون (بِالْوَضْعِ) لَا بعادة الِاسْتِعْمَال. ثمَّ عطف على قَوْله لاستخلاصها قَوْله (أَو لِأَنَّهُ) أَي الْجَزَاء (الْكَافِي فَلَو وَجب) الضَّمَان مَعَ الْقطع (لم يكف) الْقطع، وَالْفَرْض أَنه كَاف (وَفِيه نظر، إِذْ لَيْسَ الْكَافِي جَزَاء الْمصدر الْمَمْدُود بل) الْكَافِي (المجزئ من الْأَجْزَاء أَو الجازئ من الْجُزْء وَهُوَ الْكِفَايَة) كَمَا هُوَ الْمَذْكُور فِي كتب اللُّغَة الْمَشْهُورَة (فَهُوَ) أَي سُقُوط الضَّمَان عَن السَّارِق بعد الْقطع (بالمروى) عَن رَسُول الله ﷺ وَهُوَ على مَا ذكره الْمَشَايِخ (لَا غرم على السَّارِق بعد مَا قطعت يَمِينه على مَا فِيهِ) من أَنه لَا يعرف بِهَذَا اللَّفْظ، وَأقرب لفظ إِلَيْهِ لفظ الدَّارَقُطْنِيّ " لَا غرم على السَّارِق بعد قطع يَمِينه " ثمَّ أَن رَاوِيه الْمسور بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن جده مَقْبُول، فإرساله غير قَادِح (وَالْحق أَنه) أَي عدم وجوب الضَّمَان مَعَ الْقطع (لَيْسَ من الزِّيَادَة) بِخَبَر الْوَاحِد على النَّص الْمُطلق الَّذِي هُوَ الْقطع (لِأَن الْقطع لَا يصدق على نفي الضَّمَان وإثباته فيكونا) أَي نفي الضَّمَان وإثباته (من مَا صدقَات الْمُطلق) يَعْنِي لَو كَانَ الْقطع كالطواف الصَّادِق على طواف لَا طَهَارَة فِيهِ وَطواف فِيهِ طَهَارَة صَادِقا على نفي الضَّمَان وإثباته بِحَيْثُ يكونَانِ فردين لَهُ لَكَانَ يلْزم الزِّيَادَة بالْخبر الْمَذْكُور، لكنه لَيْسَ كَذَلِك (بل هُوَ) أَي نفي الضَّمَان (حكم آخر) غير مندرج تَحت الْقطع (أثبت بِتِلْكَ الدّلَالَة) الاستقرائية لجزاء (أَو بِالْحَدِيثِ) الْمَذْكُور، وَقد يُقَال وَكَذَلِكَ اشْتِرَاط الطَّهَارَة حكم آخر لَا يصدق عَلَيْهِ الطّواف فَإِن قلت مَا صدق عَلَيْهِ الطّواف إِنَّمَا هُوَ طواف لَيْسَ فِيهِ طَهَارَة قُلْنَا كَذَلِك هَهُنَا مَا صدق عَلَيْهِ الْقطع إِنَّمَا هُوَ قطع لَا تضمين فِيهِ، فَكَمَا أَن مُوجب إِطْلَاق الطّواف حُصُول الِامْتِثَال بإيقاع طواف بِلَا طَهَارَة وَمُوجب الْخَبَر عدم حُصُوله فبينهما تدافع، كَذَلِك مُوجب إِطْلَاق الْقطع حُصُول الِامْتِثَال بِقطع مَعَه ضَمَان وَمُوجب الْخَبَر عدم حُصُوله. فَالْجَوَاب أَنا لَا نسلم عدم حُصُول الِامْتِثَال بِالْقطعِ مَعَ التَّضْمِين بِمُوجب الْخَبَر الْمَذْكُور لِأَن الِامْتِثَال لأمر فَاقْطَعُوا يحصل بِالْقطعِ على أَي وَجه كَانَ، غَايَة الْأَمر أَنه لَا يحصل الِامْتِثَال.
стр. 716
للنَّهْي عَن تغريم السَّارِق، بِخِلَاف الحَدِيث الدَّال على اشْتِرَاط الطَّهَارَة فِي الطّواف فَإِن مُقْتَضَاهُ عدم حُصُول الِامْتِثَال لأمر - وليطوفوا - بِلَا طَهَارَة، وَهُوَ مُبين للمراد من الطّواف الْمَأْمُور بِهِ فَافْهَم (بِخِلَاف قَوْلهم) أَي الْحَنَفِيَّة (وَجب لَهُ) أَي لأجل الْعَمَل بالخاص (مهر الْمثل بِالْعقدِ فِي المفوضة) بِكَسْر الْوَاو الْمُشَدّدَة، من زوجت نَفسهَا أَو زَوجهَا غَيرهَا بِإِذْنِهَا بِلَا تَسْمِيَة مهر، أَو على أَن لَا مهر لَهَا، ويروى بِفَتْحِهَا وَهِي من زَوجهَا وَليهَا بِلَا مهر بِغَيْر إِذْنهَا (فَيُؤْخَذ) مهر الْمثل (بعد الْمَوْت بِلَا دُخُول عملا بِالْبَاء) الَّذِي هُوَ لفظ خَاص فِي الإلصاق حَقِيقَة فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿أَن تَبْتَغُوا بأموالكم﴾ - (لإلصاقها) أَي الْبَاء (الابتغاء وَهُوَ العقد) الصَّحِيح (بِالْمَالِ، وَحَدِيث بروع) وَهُوَ مَا عَن ابْن مَسْعُود فِي رجل تزوج امْرَأَة فَمَاتَ عَنْهَا وَلم يدْخل بهَا وَلم يفْرض لَهَا الصَدَاق. قَالَ لَهَا الصَدَاق كَامِلا، وَعَلَيْهَا الْعدة، وَلها الْمِيرَاث، فَقَالَ معقل بن سِنَان: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يُفْتِي بِهِ بروع بنت واشق: أخرجه أَصْحَاب السّنَن وَاللَّفْظ لأبي دَاوُد، وَالْمرَاد صدَاق مثلهَا كَمَا صرح بِهِ فِي رِوَايَة لَهُ وَلغيره، وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَام فِي جَهَالَة الرَّاوِي. فِي التَّلْوِيح بروع بِفَتْح الْبَاء وَأَصْحَاب الحَدِيث يكسرونها. وَفِي الْغَايَة بِكَسْر الْبَاء وَفتحهَا وَالْكَسْر أشهر، وَفِي الْمغرب بِفَتْح الْبَاء وَالْكَسْر خطأ (مؤيد) لِمَعْنى الْبَاء على صِيغَة الْفَاعِل، وَكَذَلِكَ فِي قَوْله (فَإِنَّهُ) أَي الحَدِيث الْمَذْكُور (مُقَرر لَهُ). قَوْله بِخِلَاف قَوْلهم إِلَى آخِره مربوط بقوله أَو بِالْحَدِيثِ مَعَ مَا قبله، فَإِن مدَار نفي الضَّمَان هُنَاكَ على ذَلِك الحَدِيث، لَا على الْعَمَل بالخاص، وَهَهُنَا وجوب الْمهْر بِالْعَمَلِ بِهِ، والْحَدِيث مُقَرر لَهُ (بِخِلَاف ادِّعَاء تَقْرِير أَقَله) أَي الْمهْر (شرعا) أَي فِي الشَّرْع، أَو تَقْديرا شَرْعِيًّا (عملا بقوله تَعَالَى قد علمنَا مَا فَرضنَا) عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم، لِأَن الْفَرْض لفظ خَاص وضع لِمَعْنى خَاص، وَهُوَ التَّقْدِير، وَالضَّمِير الْمُتَّصِل بِهِ لفظ خَاص يُرَاد بِهِ ذَات الْمُتَكَلّم، فَدلَّ على أَن الشَّارِع قدره إِلَّا أَنه فِي تعْيين الْمِقْدَار مُجمل (فالتحق) قَوْله ﷺ (لَا مهر أقل من عشرَة) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَسَنَد ابْن أبي حَاتِم حسن (بيانابه) فَصَارَت عشرَة دَرَاهِم من الْفضة تَقْديرا لَازِما، لِأَنَّهُ الْمُتَيَقن (إِذْ يدْفع) كَون المُرَاد من الْآيَة، هَذَا تَعْلِيل لما يفهم من قَوْله بِخِلَاف إِلَى آخِره مُتَعَلق بقوله مُقَرر: أَي لَا يُقرر ادِّعَاء تَقْدِير الْأَقَل حَدِيث لَا مهر إِلَى آخِره: إِذْ كَونه مقررا لَهُ فرع كَون الْفَرْض بِمَعْنى التَّقْدِير وَهُوَ غير مُسلم (بِجَوَاز كَونه) أَي الْمَفْرُوض الْمَدْلُول عَلَيْهِ بِمَا فَرضنَا (النَّفَقَة وَالْكِسْوَة وَالْمهْر بِلَا كمية خَاصَّة فِيهِ) أَي فِي الْمهْر (لَا تنقص) تِلْكَ الكمية (شرعا). قَوْله لَا تنقص صفة كمية (كَمَا فيهمَا) أَي كالمفروض فِي النَّفَقَة وَالْكِسْوَة فِي عدم الكمية الْخَاصَّة (وَتعلق
стр. 717
الْعلم) بالمفروض فِي قَوْله - ﴿قد علمنَا مَا فَرضنَا﴾ -. (لَا يستلزمه) أَي التَّعْيِين فِي الْمَفْرُوض (لتَعَلُّقه) أَي الْعلم (بضده) وَهُوَ غير الْمعِين أَيْضا (وَأما قصر المُرَاد) بالمفروض (عَلَيْهِمَا) أَي النَّفَقَة وَالْكِسْوَة (لعطف مَا ملكت أَيْمَانهم) على أَزوَاجهم فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿قد علمنَا مَا فَرضنَا عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم وَمَا ملكت أَيْمَانهم﴾ - للْعلم بِعَدَمِ مُشَاركَة المملوكات فِي الْمهْر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَا مهر لَهُنَّ) على ساداتهن (فَغير لَازم) لجَوَاز أَن يكون الْمَفْرُوض بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأزْوَاج الْأُمُور الثَّلَاثَة، وبالنسبة إِلَى الْإِمَاء الْأَوَّلين (فَإِنَّمَا هُوَ) أَي تَقْدِير الْمهْر شرعا ثَابت (بالْخبر) الْمَذْكُور حَال كَونه (مُقَيّدا لإِطْلَاق المَال فِي أَن تَبْتَغُوا) بأموالكم، لَا بِالْعَمَلِ الْخَاص الَّذِي هُوَ لفظ فَرضنَا، غير أَنه يلْزم حِينَئِذٍ الزِّيَادَة على الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد كَمَا ذكره المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة (وَكَذَا ادِّعَاء وُقُوع الطَّلَاق فِي عدَّة الْبَائِن للْعَمَل بِهِ) أَي بالخاص (وَهُوَ الْفَاء لإفادتها) أَي الْفَاء (تعقيب) الطَّلَاق فِي قَوْله تَعَالَى (فَإِن طَلقهَا الافتداء) غير مُسلم (بل) هِيَ (لتعقيب) مَدْخُول الطلقتين المدلولتين بقوله (الطَّلَاق مَرَّتَانِ لِأَنَّهَا) أَي آيَة فَإِن طَلقهَا (بَيَان الثَّالِثَة: أَي الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِن طَلقهَا) بعد ذَلِك طَلْقَة (ثَالِثَة فَلَا تحل حَتَّى تنْكح، وَاعْترض) بَينهمَا إِفَادَة (جَوَازه) أَي الطَّلَاق مُطلقًا (بِمَال). ثمَّ بَين الْإِطْلَاق بقوله (أولى) أَي طَلْقَة أولى (كَانَت أَو ثَانِيَة أَو ثَالِثَة) دلَالَة على أَن الطَّلَاق يَقع مجَّانا تَارَة، وبعوض أُخْرَى (وَلذَا) أَي لأجل أَن الْفَاء لتعقيب مَا بعْدهَا لما ذكر لَا للافتداء (لم يلْزم فِي شَرْعِيَّة الثَّالِثَة تقدم خلع) يرد عَلَيْهِ أَنه يدل على أَنه لَو أفادت تعقيب الثَّالِثَة للافتداء للَزِمَ مشروعيته تقدم الْخلْع وَفِيه نظر، لِأَنَّهَا لَا تفِيد حِينَئِذٍ إِلَّا مَشْرُوعِيَّة الثَّالِثَة بعد الْخلْع، وَأما الْحصْر فَلَا تفيده: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَدعِي عدم دَلِيل آخر على مشروعيتها بِدُونِ تقدم الْخلْع، وإثباته مُشكل (وَأما إِيرَاد أثبتم التَّحْلِيل) للزَّوْج الثَّانِي (بلعن الْمُحَلّل) فِي قَوْله ﷺ " لعن الله الْمُحَلّل والمحلل لَهُ ": رَوَاهُ ابْن مَاجَه، فَإِن الْمُحَلّل من يثبت الْحل كالمحرم من يثبت الْحُرْمَة (أَو بقوله) ﷺ لزوجة رِفَاعَة الْقرظِيّ لما أَتَتْهُ فَقَالَت: كنت عِنْد رِفَاعَة الْقرظِيّ فطلقني، فَأَبت طَلَاقي، فَتزوّجت عبد الرَّحْمَن بن الزبير، وَإِن مَا مَعَه مثل هدبة الثَّوْب (أَتُرِيدِينَ) أَن تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَة (لَا، حَتَّى تَذُوقِي) عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك، رَوَاهُ الْجَمَاعَة إِلَّا أَبَا دَاوُد (زِيَادَة على الْخَاص لفظ حَتَّى فِي حَتَّى تنْكح) زوجا غَيره لِأَنَّهُ وضع لِمَعْنى خَاص وَهُوَ الْغَايَة، فنكاح الثَّانِي غَايَة للْحُرْمَة الثَّابِتَة بِالثلَاثِ لَا غير، فَلَا يثبت الْحل الْجَدِيد بِهِ، فإثباته بِأحد الْخَبَرَيْنِ زِيَادَة على الْخَاص مبطلة لَهُ، وَهَذَا الْإِيرَاد من فَخر الْإِسْلَام وَغَيره من قبل مُحَمَّد وَزفر وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة فِي مسئلة الْهدم: وَهِي الْمُطلقَة وَاحِدَة أَو ثِنْتَيْنِ إِذا انْقَضتْ
стр. 718
عدتهَا وَتَزَوَّجت بآخر وَدخل بهَا ثمَّ طَلقهَا ثمَّ رجعت إِلَى الأول حَيْثُ قَالُوا: ترجع إِلَيْهِ بِمَا بَقِي من طَلاقهَا، وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف قَالَا: ترجع إِلَيْهِ بِثَلَاث قِيَاسا على الْمُطلقَة الثَّلَاث عملا بِكُل من الْخَبَرَيْنِ (فَلَا وَجه لَهُ إِذْ لَيْسَ عدم تَحْلِيله) أَي الزَّوْج الثَّانِي الزَّوْجَة للْأولِ (و) عدم (الْعود) أَي عودهَا (إِلَى الْحَالة الأولى) وَهِي ملك الأول الثَّلَاث عَلَيْهَا (من مَا صدقَات مدلولها) أَي حَتَّى فِي الْآيَة (ليلزم إِبْطَاله) أَي مدلولها (بِالْخَيرِ) فَهُوَ: أَي إِثْبَات التَّحْلِيل بِالثَّانِي (إِثْبَات مسكوت الْكتاب بالْخبر، أَو بِمَفْهُوم حَتَّى على أَنه) أَي مفهومها: يَعْنِي الْعَمَل بِهِ (اتِّفَاق) أَي مُتَّفق عَلَيْهِ، أما عِنْد غير الْحَنَفِيَّة فَظَاهر، وَأما عِنْدهم فَلِأَنَّهُ من قبيل الْإِشَارَة على مَا ذكر فِي البديع وَغَيره (أَو بِالْأَصْلِ) الْكَائِن فِيهَا قبل ذَلِك (وعَلى تَقْدِيره) أَي كَونه إِثْبَات مسكوت الْكتاب بِأحد هَذِه الْمَذْكُورَات (يرد) أَن يُقَال (الْعود) إِلَى الْحَالة الأولى (والتحليل إِنَّمَا جعل) كل مِنْهُمَا (فِي حرمتهَا بِالثلَاثِ وَلَا حُرْمَة قبلهَا) أَي لَا يتَحَقَّق حُرْمَة الثَّلَاث قبل الثَّلَاث (فَلَا يتصوران) أَي الْعود والتحليل، إِذْ لم تحرم فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة تِلْكَ الْحُرْمَة حَتَّى تعود، فَلَو أثبت حل بِهَذَا التَّزْوِيج كَانَ تحصيلا للحاصل (فَلَا يحصل مقصودهما) أَي أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف، وَهُوَ (هدم الزَّوْج) الثَّانِي (مَا دون الثَّلَاث خلافًا لمُحَمد). (وَلَا يخفى تضاؤل) أَي تصاغر (أَنه) أَي مَا دون الثَّلَاث (أولى بِهِ) أَي بِالْحلِّ الْجَدِيد من الثَّلَاث (أَو) أَنه ثَابت (بِالْقِيَاسِ) عَلَيْهَا، أما الأول فَلِأَنَّهُ لما أثبت الزَّوْج الثَّانِي حلا جَدِيدا فَلحقه الطلقات الثَّلَاث فِي الأغلظ كَانَ أَن يُثبتهُ فِي الأخف أولى، وَأما الثَّانِي فيجامع أَنه نِكَاح زوج ثَان بالغاء كَونه فِي حُرْمَة غَلِيظَة، ثمَّ أَن التضاؤل إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب أَن مورد النَّص الدَّال على تَحْلِيل الزَّوْج الثَّانِي بِزَوْج كَائِن بعد اسْتِيفَاء الطلقات، وَلَا دَلِيل على إِلْغَاء هَذِه الخصوصية فَلَا مجَال للْقِيَاس فضلا عَن الْإِثْبَات بِالطَّرِيقِ الأولى، يُؤَيّد أَنه هُنَاكَ احتجنا إِلَى إِثْبَات حل جَدِيد وترتب عَلَيْهِ أَن يملك الثَّلَاث، وَهَهُنَا لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك لِأَنَّهُ حَاصِل كَمَا مر، وَلذَلِك (فَالْحق هدم الْهدم) الْمَبْنِيّ على الْوَجْهَيْنِ الضعيفين.
الْبَاب الثَّالِث
(السّنة) فِي اللُّغَة (الطَّرِيقَة الْمُعْتَادَة) حَسَنَة كَانَت أَو سَيِّئَة، فِي الحَدِيث " من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وأجرمن عمل بهَا إِلَى أَن قَالَ: وَمن سنّ سنة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا ". (وَفِي) اصْطِلَاح (الْأُصُول قَوْله) ﷺ (وَفعله وَتَقْرِيره) مِمَّا
стр. 719
لَيْسَ من الْأُمُور الطبيعية، لم يذكر هَذَا الْقَيْد للْعلم بِأَنَّهَا من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة، والأمور الْمَذْكُورَة لَيست مِنْهَا (وَفِي فقه الْحَنَفِيَّة: مَا واظب) ﷺ (على فعله مَعَ ترك مَا بِلَا عذر) لم يقل مَعَ تَركه أَحْيَانًا كَمَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْدهم لدلَالَة الْمُوَاظبَة على ندرة التّرْك، وَذكر بِلَا عذر لِأَن التّرْك مَعَ الْعذر مُتَحَقق فِي الْوَاجِب أَيْضا (ليلزم كَونه) أَي الْمَفْعُول المواظب عَلَيْهِ (بِلَا وجوب) لَهُ. قَوْله ليلزم مُتَعَلق بترك مَا الخ (وَمَا لم يواظبه) أَي فعله بِحَذْف على وَقد قصد بِهِ الْقرْبَة (مَنْدُوب ومستحب، وَإِن لم يَفْعَله بعد مَا رغب فِيهِ). قَوْله وَأَن وصلية (وَعَادَة غَيرهم) أَي الْحَنَفِيَّة (ذكر مسئلة الْعِصْمَة) حَال كَونهَا (مُقَدّمَة كلامية) إِذْ لَيست من مسَائِل الْأُصُول بل من الْكَلَام، من جملَة مَا يتَوَقَّف عَلَيْهَا الْأُصُول (لتوقف حجية مَا قَامَ بِهِ ﷺ من القَوْل وَالْفِعْل والتقرير (عَلَيْهَا) أَي الْعِصْمَة: إِذْ بثبوتها يثبت حَقِيقَة (وَهِي) أَي الْعِصْمَة (عدم قدرَة الْمعْصِيَة) فعلى هَذَا مفهومها عدمي، وَقيل وجودي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أَو خلق مَانع) من الْمعْصِيَة (غير ملجئ) إِلَى تَركهَا، وَإِلَّا يلْزم الِاضْطِرَار الْمنَافِي للابتلاء وَالِاخْتِيَار (ومدركها) أَي الْعِصْمَة عِنْد الْمُحَقِّقين من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيّ وَالْقَاضِي أبي بكر (السّمع، وَعند الْمُعْتَزلَة) السّمع و (الْعقل أَيْضا). ثمَّ اخْتلف فِي تفصيلها (الْحق أَن لَا يمْتَنع قبل الْبعْثَة كَبِيرَة وَلَو) كَانَت (كفرا عقلا) أَي امتناعا عقليا كَمَا هُوَ قَول القَاضِي وَأكْثر الْمُحَقِّقين (خلافًا لَهُم) أَي أَي الْمُعْتَزلَة (ومنعت الشِّيعَة الصَّغِيرَة أَيْضا) أَي وُقُوعهَا وجوازها. (وَأما الْوَاقِع) فِي نفس الْأَمر (فالمتوارث) أَي الْخَبَر المتوارث (أَنه لم يبْعَث نَبِي قطّ أشرك بِاللَّه طرفَة عين، وَلَا من نَشأ فحاشا) أَي متكلما بِمَا يستقبح ذكره عِنْد أهل الْمُرُوءَة فضلا عَن أَن يَفْعَله (سَفِيها) فِي أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَهُوَ ضد الرشد (لنا) فِي عدم امْتنَاع مَا ذكر عقلا (لَا مَانع فِي) نظر (الْعقل من) حُصُول (الْكَمَال) التَّام (بعد النَّقْص) التَّام (و) بعد (رفع الْمَانِع) من حُصُوله (قَوْلهم) أَي الْمُعْتَزلَة والشيعة (بل فِيهِ) أَي فِي الْعقل مَانع من ذَلِك (وَهُوَ) أَي الْمَانِع (إفضاؤه) أَي صُدُور الْمعْصِيَة (إِلَى التنفير عَنْهُم واحتقارهم) بعد الْبعْثَة (فنافى) صدورها عَنْهُم (حِكْمَة الْإِرْسَال) ويه اهتداء الْخلق بهم (مَبْنِيّ على التحسين والتقبيح الفعليين) أذ لَو لم يَقُولُوا: إِن إرْسَال من ينفر عَنهُ الْمُرْسل إِلَيْهِ قَبِيح لم يتم دليلهم (فَإِن بَطل) القَوْل بهما (كدعوى الأشعرية) من أَن القَوْل بهما بَاطِل (بَطل) قَوْلهم الْمَبْنِيّ عَلَيْهِمَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يبطل القَوْل بهما مُطلقًا (منعت الْمُلَازمَة) بَين صُدُور الْمعْصِيَة والإفضاء إِلَى التنفير عَنْهُم بعد الْبعْثَة واحتقارهم (كالحنفية) أَي كدعوى الْحَنَفِيَّة، من أَن القَوْل بهما لَيْسَ بَاطِلا مُطلقًا، وَأَن الْمُلَازمَة الْمَذْكُورَة مَمْنُوعَة (بل بعد صفاء السريرة) أَي الْبَاطِن
стр. 720
(وَحسن السِّيرَة) أَي الْأَخْلَاق (ينعكس حَالهم) أَي الَّذين صدر عَنْهُم الْمعْصِيَة فِي الْبِدَايَة (فِي الْقُلُوب) من تِلْكَ الْحَال إِلَى التَّعْظِيم والإجلال (ويؤكده) أَي انعكاس حَالهم حِينَئِذٍ (دلَالَة المعجزة) على صدقه وحقية مَا أَتَى بِهِ، فَإِن كثيرا من الْأَوْلِيَاء كَانُوا أَرْبَاب مَعْصِيّة فِي بَدْء حَالهم أَلا ترى أَن الله تَعَالَى قدم التوابين على المتطهرين فِي كِتَابه الْمجِيد عِنْد ذكر الْمحبَّة - ﴿إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين﴾ - (والمشاهدة وَاقعَة بِهِ) أَي بالانعكاس الْمَذْكُور (فِي آحَاد انْقَادَ الْخلق) النَّقْد تَمْيِيز الْجيد من الدَّرَاهِم وَغَيرهَا عَن الرَّدِيء، وَالْمرَاد: الممتازون من الصلحاء بِأَنَّهُم كَانُوا فِي الْبِدَايَة موصوفين بضد الصّلاح محقرين عِنْد الْخلق ثمَّ انعكس حَالهم (إِلَى إجلالهم بعد الْعلم بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ) من أَحْوَال تنَافِي ذَلِك، بل رُبمَا يكونُونَ أعز لمزيد ظُهُور عناية الْحق سُبْحَانَهُ فِي حَقهم (فَلَا معنى لإنكاره، وَبعد الْبعْثَة الِاتِّفَاق) من أهل الشَّرَائِع كَافَّة (على عصمته) أَي النَّبِي (عَن تعمد مَا يخل بِمَا يرجع إِلَى التَّبْلِيغ) من الله إِلَى الْخلق كالكذب فِي الْأَحْكَام، وَإِلَّا لَأَدَّى إِلَى إبِْطَال دلَالَة المعجزة وَهُوَ محَال (وَكَذَا) الِاتِّفَاق على عصمته مِمَّا يخل بِمَا ذكر (غَلطا) ونسيانا (عِنْد الْجُمْهُور خلافًا للْقَاضِي أبي بكر، لِأَن دلَالَة المعجزة) على عدم كذبه إِنَّمَا هِيَ (على عدم الْكَذِب قصدا) وَذَلِكَ لَا يُنَافِي صدوره غَلطا، وَمَا هُوَ من فلتات اللِّسَان (و) على (عدم تَقْرِيره على السَّهْو) إِذْ لَا بُد من بَيَانه والتنبيه عَلَيْهِ فَإِن لم يَقع يخل بمصلحة التَّبْلِيغ (فَلم يرْتَفع الْأمان عَمَّا يخبر بِهِ عَنهُ تَعَالَى) فَانْدفع مَا قيل من أَنه يلْزم مِنْهُ عدم الوثوق بتبليغه لاحْتِمَال السَّهْو والغلط على تَقْدِير عدم عصمته عَنْهُمَا (وَأما غَيره) أَي غير مَا يخل بِمَا يرجع إِلَى التَّبْلِيغ (من الْكَبَائِر والصغائر الخسية) وَهِي مَا يلْحق صَاحبهَا بالأرذال والسفل وينسب إِلَى دناءة الهمة، وَسُقُوط الْمُرُوءَة كسرقة كسرة والتطفيف بِحَبَّة (فالإجماع على عصمتهم عَن تعمدها سوى الحشوية وَبَعض الْخَوَارِج) وهم الْأزَارِقَة حَتَّى جوزوا عَلَيْهِ الْكفْر فَقَالُوا: يجوز أَن يبْعَث الله نَبيا علم أَنه يكفر بعد نبوته. ثمَّ الْأَكْثَر على أَن امْتِنَاعه مُسْتَفَاد من السّمع وَإِجْمَاع الْأمة قبل ظُهُور الْمُخَالفين فِيهِ، والمعتزلة على أَنه مُسْتَفَاد من الْعقل على أصولهم (و) على (تجويزها) أَي الْكَبَائِر والصغائر الخسية (غَلطا وبتأويل خطأ) بِنَاء على تَجْوِيز اجْتِهَاد النَّبِي وخطئه فِيهِ، وَقَوله وتجويزها مَعْطُوف على عصمتهم، فَالْمَعْنى وَأَجْمعُوا أَيْضا على التجوير الْمَذْكُور (إِلَّا الشِّيعَة فيهمَا) فِي الْغَلَط وَالْخَطَأ الْمَذْكُورين، هَذَا على مَا فِي البديع وَغَيره، وَفِي المواقف وَأما سَهوا فجوزه الْأَكْثَرُونَ، وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد وَالْمُخْتَار خِلَافه (وَجَاز تعمد غَيرهَا) أَي الْكَبَائِر والصغائر الْمَذْكُورَة كنظرة وَكلمَة سفه نادرة فِي غضب (بِلَا إِصْرَار عِنْد) أَكثر (الشَّافِعِيَّة والمعتزلة وَمنعه) أَي تعمد غَيرهَا (الْحَنَفِيَّة وجوزوا الزلة فيهمَا) أَي الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة (بِأَن
стр. 721
يكون الْقَصْد إِلَى مُبَاح فَيلْزمهُ مَعْصِيّة) لذَلِك لَا أَنه قصد عينهَا (كوكز مُوسَى ﵇ أَي كدفعه بأطراف أَصَابِعه، وَقيل بِجمع الْكَفّ القبطي واسْمه فانون (وتقترن) الزلة (بالتنبيه) على أَنَّهَا زلَّة، أما من الْفَاعِل كَقَوْلِه: هَذَا من عمل الشَّيْطَان: أَي هيج غَضَبي حَتَّى ضَربته فَوَقع قَتِيلا، أَو من الله تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى - ﴿وَعصى آدم ربه فغوى﴾ - أَي أَخطَأ بِأَكْل الشَّجَرَة الَّتِي نهى عَن أكلهَا وَطلب الْملك والخلد بذلك (وَكَأَنَّهُ) أَي هَذَا النَّوْع خطأ من حَيْثُ أَنه لم يقْصد مَا آل إِلَيْهِ (شبه عمد) من حَيْثُ الصُّورَة لقصده إِلَى أصل الْفِعْل (فَلم يسموه خطأ) نظرا إِلَى قصد أصل الْفِعْل (وَلَو أَطْلقُوهُ) أَي الْخَطَأ عَلَيْهِ كَمَا أطلقهُ غَيرهم (لم يمْتَنع وَكَانَ أنسب من الِاسْم المستكره) أَي الزلة، وَقد قَالُوا: لَو رمى غَرضا فَأصَاب آدَمِيًّا كَانَ خطأ مَعَ قصد الرَّمْي غير أَن قَوْله تَعَالَى - ﴿فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا﴾ - رُبمَا يؤيدهم، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يفرق بَين أَن يكون الْإِطْلَاق من الله تَعَالَى فِي حق نبيه، وَأَن يكون من الْعباد فِي حَقه.
(فصل: حجية السّنة)
سَوَاء كَانَت مفيدة للْفَرض أَو الْوَاجِب أَو غَيرهمَا (ضَرُورَة دينية) كل من لَهُ عقل وتمييز حَتَّى النِّسَاء وَالصبيان يعرف أَن من ثَبت نبوته صَادِق فِيمَا يخبر عَن الله تَعَالَى وَيجب اتِّبَاعه (ويتوقف الْعلم بتحققها) أَي السّنة بِمَعْنى كَونهَا صادرة عَن النَّبِي ﷺ وَلَيْسَ مرجع الضَّمِير حجيتها كَمَا زعم الشَّارِح (وَهِي) أَي السّنة (الْمَتْن) أَي تسمى عِنْد الْأُصُولِيِّينَ والمحدثين بِالْمَتْنِ، جملَة مُعْتَرضَة بَين الْفِعْل وصلته: أَعنِي قَوْله (على طَرِيقه) أَي الْمَتْن، ثمَّ فسر طَرِيقه بقوله (السَّنَد) إِذْ بِهِ يعرف ثُبُوته، ثمَّ فسره بقوله (الْأَخْبَار عَنهُ) أَي عَن الْمَتْن (بِأَنَّهُ حدث بِهِ) أَي بِالْمَتْنِ، (فلَان) وَفُلَان فَصَاعِدا مَا لم يصل حد التَّوَاتُر (أَو خلق) يحِيل الْعقل تواطأهم على الْكَذِب، وَأَشَارَ فِي أثْنَاء التَّعْرِيف إِلَى عدَّة من الْأَلْفَاظ الاصطلاحية فَلَا يرد أَنه يَكْفِي بَعْضهَا، وَقيل السَّنَد مَأْخُوذ من السَّنَد: مَا ارْتَفع وَعلا عَن سفح الْجَبَل: أَي أَسْفَله لِأَن الْمسند يرفعهُ إِلَى قَائِله، وَمن قَوْلهم: فلَان سَنَد: أَي مُعْتَمد لاعتماد الْمُحدث عَلَيْهِ فِي صِحَّته وَضَعفه (وَهُوَ) أَي الْمَتْن (خبر وإنشاء) وَجه الْحصْر ذكر فِي الْمقَالة الأولى (فَالْخَبَر قيل لَا يحد لعسره) أَي لعسر تحديده على وَجه جَامع للْجِنْس والفصل لتعسر معرفَة الذاتيات كَمَا قيل مثله فِي الْعلم (وَقيل لِأَن علمه) أَي الْخَبَر (ضَرُورِيّ) والتعريف إِنَّمَا يكون للنظريات وَهَذَا اخْتِيَار الإِمَام الرَّازِيّ والسكاكي (لعلم كل) أحد سَوَاء كَانَ من أهل النّظر أَولا (بِخَبَر خَاص ضَرُورَة، وَهُوَ) أَي الْخَبَر الْخَاص (أَنه مَوْجُود، وتمييزه) أَي ولتمييز الْخَبَر (عَن قسيمه) الَّذِي هُوَ الْإِنْشَاء (ضَرُورَة) من غير احْتِيَاج إِلَى نظر وفكر، فَلَو كَانَ تصَوره نظريا لما كَانَ تَمْيِيزه عَنهُ ضَرُورِيًّا لاحتياجه إِلَى تصَوره، وَإِذا كَانَ الْخَبَر الْمُقَيد الَّذِي هُوَ الْخَاص ضَرُورِيًّا
стр. 722
(فالمطلق) أَي الْخَبَر الْمُطلق الَّذِي هُوَ جزءه (كَذَلِك) أَي كَانَ ضَرُورِيًّا بالاستلزام ضَرُورَة توقف تصور الْكل على تصور الْجُزْء (وَأورد) على هَذَا القَوْل (الضَّرُورَة) أَي كَون الْعلم بالْخبر ضَرُورِيًّا (تنافى الِاسْتِدْلَال) على كَونه ضَرُورِيًّا، لِأَن الِاسْتِدْلَال إِنَّمَا يكون فِي النظري، (وَأجِيب بِأَنَّهُ) أَي كَون الضَّرُورَة مُنَافِيَة للاستدلال إِنَّمَا هُوَ (عِنْد اتِّحَاد الْمحل) أَي مَحل الضَّرُورَة وَالِاسْتِدْلَال (وَلَيْسَ) مَحلهمَا هُنَا متحدا (فالضروري) هُنَا (حُصُول الْعلم) بِمَفْهُوم الْخَبَر (بِلَا نظر) أَي علمه الْحَاصِل بِغَيْر نظر وفكر (وَكَونه) أَي الْعلم (حَاصِلا كَذَلِك) أَي على وَجه الضَّرُورَة (غَيره) أَي غير حُصُوله بِلَا نظر (وَلَو أورد كَذَا الْحَاصِل ضَرُورَة يلْزمه ضَرُورِيَّة الْعلم بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا إِذْ بعد حُصُوله) أَي حُصُول الْعلم فِي الْعقل كَذَلِك: أَي على وَجه الضَّرُورَة (لَا يتَوَقَّف الْعلم الثَّانِي) وَهُوَ الْعلم بِكَوْن الْعلم الْحَاصِل ضَرُورِيًّا (بعد تَجْرِيد مَفْهُوم الضَّرُورِيّ) الْمَوْصُوف بِهِ الْحَاصِل ضَرُورَة على شَيْء (سوى) أَي إِلَّا (على الِالْتِفَات) وتوجيه الذِّهْن نَحوه: يَعْنِي أَن مَادَّة الْعلم الثَّانِي الَّذِي هُوَ التَّصْدِيق يكون ذَلِك الْحَاصِل ضَرُورِيًّا مَوْجُودَة بَين يَدي الْعقل قريبَة المأخذ، فَإِذا قَصده يحصل لَهُ بِمُجَرَّد الِالْتِفَات إِلَيْهِ، وَتَجْرِيد مَفْهُوم الضَّرُورِيّ الَّذِي يُرِيد أَن يحكم بِهِ على الْحَاصِل الْمَذْكُور عبارَة عَن ملاحظته على الْوَجْه الْكُلِّي مُجَرّدَة عَن خصوصيات أَفْرَاده كتصوره بعنوان مَا يحصل بِلَا نظر (وتطبيق) هَذَا (الْمَفْهُوم) على الْعلم الْحَاصِل بِلَا نظر فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك تَجدهُ مطابقا فتعلم أَنه ضَرُورِيّ، وَهُوَ الْعلم الثَّانِي بِعَيْنِه (وَلَيْسَ) مَا ذكر من التَّجْرِيد والالتفات والتطبيق (النّظر) وَهُوَ ظَاهر (كَانَ) هَذَا الْإِيرَاد (لَازِما) لَا وَجه لإنكاره، وَهَذَا جَوَاب لَو أورد (فَالْحق أَنه) أَي الدَّلِيل الْمَذْكُور (تَنْبِيه) على خفائه، لما دفع إِيرَاد الْمُنَافَاة بَين دَعْوَى الضَّرُورَة، وَالِاسْتِدْلَال، يَقُول الْخَبَر لَا يحد، لِأَن علمه ضَرُورِيّ الخ بِبَيَان عدم اتِّحَاد الْمحل. ثمَّ ذكر الْإِيرَاد على وَجه لَا مدفع لَهُ، وَتبين أَن كَون الْخَبَر ضَرُورِيًّا لَا يحْتَاج إِلَى الدَّلِيل يُوهم أَن مَا ذكره الْقَائِل الْمَذْكُور فِي معرض الِاسْتِدْلَال غير موجه، فَذكر أَنه تَنْبِيه فِي صُورَة الِاسْتِدْلَال، وَمثله شَائِع فِي البديهيات الْخفية (وَالْجَوَاب) عَن المنبه الْمَذْكُور (أَن تعلق الْعلم بِهِ) أَي الْخَبَر (بِوَجْه) مَا بِغَيْر نظر (لَا يسْتَلْزم تصور حَقِيقَته) أَي الْخَبَر (ضَرُورَة) وتصور حَقِيقَته هُوَ المُرَاد بالتعريف. ثمَّ ذكر مَا يسْتَلْزم تصور الْحَقِيقَة بِوَجْه مسَاوٍ بقوله (وَالظَّاهِر أَن إِعْطَاء اللوازم) أَي إِعْطَاء لَوَازِم الْخَبَر للْخَبَر، ولوازم الْإِنْشَاء للإنشاء. ثمَّ بَين الْإِعْطَاء الْمَذْكُور بقوله (من وضع كل) مِنْهُمَا (مَوْضِعه) فَلَا يضع أحد قُمْت مَكَان قُم وَلَا عَكسه: وَمن تَجْوِيز الصدْق وَالْكذب وَعَدَمه (وَنفى مَا يمْتَنع) على كل مِنْهُمَا (عَنهُ) أَي عَن كل مِنْهُمَا، فَلَا تَقول قُم يحْتَمل الصدْق وَالْكذب إِلَى غير ذَلِك (فرع تصور
стр. 723
الْحَقِيقَة، إِذْ هِيَ) أَي حَقِيقَة معنى الْخَبَر، والإنشاء هِيَ (المستلزمة) لذَلِك الْإِعْطَاء (نعم لَا يتصورهما) أَي المتصور بِاعْتِبَار هَذَا التَّصَوُّر اللَّازِم لذَلِك الْإِعْطَاء الحقيقيين (من حَيْثُ هما مسميا) لَفْظِي (الْخَبَر والإنشاء) أَو غَيرهمَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي تصور نفيهما (فيعرفان اسْما) أَي تعريفا اسميا لإِفَادَة أَن مُسَمّى لفظ الْخَبَر كَذَا، فالمقصد من هَذَا التَّعْرِيف بَيَان مَا وضع لَهُ اللَّفْظ (وَإِن كَانَ قد يَقع حَقِيقِيًّا) بِأَن كَانَت أجزاؤه ذاتيات الْحَقِيقَة فِي نفس الْأَمر، وَهِي مَوْجُودَة فِي الْخَارِج (فَالْخَبَر) مُسَمَّاهُ (مركب يحْتَمل الصدْق وَالْكذب بِلَا نظر إِلَى خُصُوص مُتَكَلم) فَلَا يشكل بِخَبَر النَّبِي ﷺ : إِذْ هُوَ مَعَ قطع النّظر عَن قَائِله يحتملهما، وَلَا بِخَبَر من يخبر بِمَا يحكم الْعقل بنقيضه ضَرُورَة، لِأَنَّهُ إِذا قطع النّظر عَن حكمه بالنقيض، وَينظر إِلَى نفس الْأَمر يحتملهما، فَالْمُرَاد قطع النّظر عَن جَمِيع مَا سوى نفس الْخَبَر (وَنَحْوه) أَي نَحْو مَا ذكركما يُفِيد هَذَا الْمَعْنى أَو مَا يُسَاوِيه (وَأورد) على هَذَا التَّعْرِيف (الدّور لتوقف) كل من (الصدْق) وَالْكذب (عَلَيْهِ) أَي على معنى الْخَبَر (لِأَنَّهُ) أَي الصدْق (مُطَابقَة الْخَبَر) للْوَاقِع وَالْكذب عدم مطابقته لَهُ، فقد توقف الْخَبَر على كل مِنْهُمَا لِكَوْنِهِمَا جزئي مَفْهُومه، وَتوقف كل مِنْهُمَا على الْخَبَر لكَونه جُزْء مفهوميهما (وبمرتبة) أَي وَأورد لُزُوم الدّور أَيْضا بمرتبة (لَو قيل التَّصْدِيق والتكذيب) مَكَان الصدْق وَالْكذب، إِذْ التَّصْدِيق أَن ينْسب الْخَبَر إِلَى مطابقته للْوَاقِع، والتكذيب أَن ينْسب إِلَى خلاف ذَلِك: فالدور على الأول بِلَا وَاسِطَة، وَهَهُنَا بِوَاسِطَة: إِذْ التَّصْدِيق يتَوَقَّف على الصدْق، وَهُوَ على الْخَبَر، و (إِنَّمَا يلْزم) الدّور (لَو لزم) ذكر الْخَبَر (فِي تَعْرِيفه) أَي الصدْق وَكَذَا فِي الْكَذِب (وَلَيْسَ) ذكره لَازِما، بل يعرفان بِحَيْثُ لَا يتَوَقَّف على معرفَة الْخَبَر (إِذْ يُقَال فيهمَا) أَي الصدْق وَالْكذب (مَا) أَي صفة كَلَام (طابق نفسيه) أَي نسبته النفسية الَّتِي هِيَ جُزْء مَدْلُوله (لما) أَي للنسبة الَّتِي بَين طَرفَيْهِ (فِي نفس الْأَمر) بِأَن يَكُونَا ثبوتيين أَو سلبيين (أَولا) تطابق لما ذكر فِي تَعْرِيف الْكَذِب، أَو الْمَعْنى لَو لزم ذكر الصدْق وَالْكذب فِي تَعْرِيف الْخَبَر، إِذْ يُقَال فيهمَا: أَي فِي الْخَبَر والإنشاء مَا طابق الخ، فعلى هَذَا يكون تَعْرِيف الْإِنْشَاء مطويا اعْتِمَادًا على الْمُقَابلَة، وَالثَّانِي أولى. (وَقَول أبي الْحُسَيْن) وتعريف الْخَبَر (كَلَام يُفِيد بِنَفسِهِ نِسْبَة) يرد (عَلَيْهِ أَن نَحْو قَائِم) من المشتقات (عِنْده) أَي أبي الْحُسَيْن (كَلَام) لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمُعْتَمد: الْحق أَن يُقَال الْكَلَام هُوَ مَا انتظم فِي الْحُرُوف المسموعة المتميزة المتواضع على اسْتِعْمَالهَا فِي الْمعَانِي (ويفيدها) أَي قَائِم النِّسْبَة (بِنَفسِهِ) لِأَنَّهَا جُزْء من مُسَمَّاهُ (وَلَيْسَ) نَحْو قَائِم (خَبرا) بالِاتِّفَاقِ، وَلما جعل ابْن الْحَاجِب قيد بِنَفسِهِ لإِخْرَاج نَحوه لإفادتها النِّسْبَة بل مَعَ الْمَوْضُوع الَّذِي هُوَ زيد مثلا أَشَارَ المُصَنّف إِلَيْهِ بقوله (وَمَا قيل مَعَ الْمَوْضُوع مَمْنُوع)
стр. 724
بل قَائِم بِنَفسِهِ يفيدها، (إِذْ الْمُشْتَقّ دَال على ذَات مَوْصُوفَة) أَي لِأَن كل مُشْتَقّ من الصِّفَات وضع لذات مَا بِاعْتِبَار اتصافها بمبدأ الِاشْتِقَاق، وَأما مَعَ الْمَوْضُوع فَيُفِيد النِّسْبَة إِلَى معِين، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فالموضوع لمُجَرّد تعْيين الْمَنْسُوب إِلَيْهِ، وَأما إِيرَاد نَحْو قُم عَلَيْهِ) أَي على أبي الْحُسَيْن بِأَنَّهُ صَادِق عَلَيْهِ (لإفادته نِسْبَة الْقيام) إِلَى الْمُخَاطب، لِأَن الْمَطْلُوب هُوَ الْقيام الْمَنْسُوب إِلَيْهِ، وإفادته الطّلب (فَلَيْسَ) بوارد عَلَيْهِ (إِذْ لم يوضع) نَحْو قُم لشَيْء (سوى) أَي إِلَّا (لطلب الْقيام) أَي طلب الْقيام من الْمُخَاطب، كَذَا فسر الشَّارِح وَلَا يَنْبَغِي لِأَنَّهُ يُوهم أَن نِسْبَة الطّلب وَالْقِيَام إِلَى الْمُتَكَلّم والمخاطب مَأْخُوذَة فِي مَفْهُومه، وَلَيْسَ كَذَلِك: بل هُوَ مَوْضُوع لطلب الْقيام مُطلقًا (وَفهم النِّسْبَة) أَي نِسْبَة وُقُوع الْقيام من الْمُخَاطب (بِالْعقلِ والمشاهدة) إِذْ الْعقل يحكم بِأَن الشَّخْص لَا يطْلب مِنْهُ الْفِعْل الصَّادِر عَن غَيره، ونشاهد أَن الْمَأْمُور يصدر مِنْهُ الْمَطْلُوب دَائِما عِنْد الِامْتِثَال، لَا من غَيره (لَا يسْتَلْزم الْوَضع) أَي وضع نَحْو قُم (لَهَا) أَي للنسبة الْمَذْكُورَة فَإِن قلت: قُم يدل على الطّلب، وَهُوَ نِسْبَة بَين الطَّالِب وَالْمَطْلُوب قلت المُرَاد من النِّسْبَة مَا هُوَ الْمُتَبَادر مِنْهَا، وَهُوَ الْإِسْنَاد الْمُعْتَبر بَين ركني السَّنَد والمسند إِلَيْهِ، والطالب لَيْسَ بِشَيْء مِنْهُمَا، وَقد يُقَال: قُم فعل وفاعل فَلَا بُد من نِسْبَة بَينهمَا، وَلَا وَجه لجعلها مِنْهَا وَهِي منتفية فِيهِ (فَلَيْسَ) فهم النِّسْبَة (بِنَفسِهِ) أَي بِنَفس لفظ قُم مثلا (وَمَا قيل) وَالْقَائِل ابْن الْحَاجِب وَغَيره من أَن (الأولى) فِي تَعْرِيفه (كَلَام مَحْكُوم فِيهِ بِنِسْبَة لَهَا خَارج) هِيَ حِكَايَة عَنهُ (فطلبت الْقيام مِنْهُ) أَي من الْخَبَر، لِأَنَّهُ حكم فِيهِ بِنِسْبَة طلب الْقيام إِلَى الْمُتَكَلّم، وَلها خَارج قد يطابقه فَيكون صدقا، وَقد لَا يطابقه فَيكون كذبا (لاقم) أَي لَيْسَ مِنْهُ قُم. قَالَ الشَّارِح فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ كلَاما مَحْكُومًا فِيهِ بِنِسْبَة الْقيام إِلَى الْمَأْمُور وَنسبَة الطّلب إِلَى الْآمِر، لَكِن هَذِه النِّسْبَة لَيْسَ لَهَا خَارج تطابقه أَو لَا تطابقه، لِأَنَّهَا لَيست إِلَّا مُجَرّد الطّلب الْقَائِم بِالنَّفسِ انْتهى.
أثبت فِي الْأَمر نسبتين: إِحْدَاهمَا بَين مبدأ الِاشْتِقَاق والمأمور. وَالثَّانيَِة بَين الطّلب والآمر، فَإِن أَرَادَ بِهِ دخولهما فِيمَا وضع لَهُ، فَهَذَا يُنَافِي مَا مر آنِفا أَنه لم يوضع إِلَّا لطلب الْقيام، وَإِن أَرَادَ كَونهمَا لازمين لَهُ فِي التحقق فَهُوَ خَارج المبحث، لِأَن الْكَلَام فِي نِسْبَة تكون فِيهِ. ثمَّ قَوْله لَكِن هَذِه النِّسْبَة الخ غير موجه، لِأَنَّهُ مهد نسبتين وَلم يعلم مُرَاد أَيهمَا فَإِن قلت رُبمَا أرادهما جَمِيعًا بِضَرْب من التَّأْوِيل قلت على جَمِيع التقادير لَا معنى لقَوْله، لِأَنَّهَا لَيست إِلَّا مُجَرّد الطّلب، إِذْ قد ذكر أَن النِّسْبَة الأولى بَين الْقيام والمأمور بِهِ، فَهِيَ لَيست عين الطّلب الْقَائِم بِنَفس الْأَمر، وَكَذَا الثَّانِيَة فَإِنَّهَا بَين الطّلب والآمر وَأَيْضًا قَوْله مَحْكُومًا فِيهِ الخ ظَاهره
стр. 725
غير صَحِيح، إِذْ لَا حكم فِي الْإِنْشَاء، وتأويله غير ظَاهر، فَكَأَنَّهُ حرر هَذَا الْمحل من عِنْد نَفسه. وَالْوَجْه أَن يُقَال: إِنَّمَا خرج نَحْو قُم بقوله مَحْكُوم فِيهِ بِنِسْبَة، وَقَوله لَهَا خَارج لزِيَادَة التَّوْضِيح وَإِشَارَة إِلَى أَنه مُشْتَمل على نِسْبَة لَيست على طرز نِسْبَة الْخَبَر بِأَن يكون لَهَا خَارج هِيَ حاكية عَنهُ ليتصور فِيهَا الْمُطَابقَة وَعدمهَا وَالله أعلم. وَمَا قيل مُبْتَدأ خَبره (فعلى إِرَادَة مَا يحسن عَلَيْهِ السُّكُوت بالْكلَام) الْمَذْكُور فِي صدر التَّعْرِيف (فَلَا يرد) نَحْو (الْغُلَام الَّذِي لزيد) إِذْ لَا يحسن السُّكُوت عَلَيْهِ فَهُوَ غير دَاخل فِي التَّعْرِيف فَلَا يضر صدق مَا بعد الْجِنْس عَلَيْهِ لَو اعْتبر فِيهِ الحكم وَالنِّسْبَة الْمَذْكُورَة بِاعْتِبَار أَن الْأَوْصَاف قبل الْعلم بهَا أَخْبَار، والمركب التوصيفي يبْنى عَلَيْهِ (وَلَا حَاجَة إِلَى مَحْكُوم) حِينَئِذٍ لإِخْرَاج نَحْو الْغُلَام الَّذِي لزيد: إِذْ لم يدْخل فِي الْجِنْس حَتَّى يخرج (بل قد يُوهم) ذكره (أَن مَدْلُول الْخَبَر الحكم) بِوُقُوع النِّسْبَة (وَحَاصِله) أَي الحكم (علم) لِأَنَّهُ إِدْرَاك أَن النِّسْبَة وَاقعَة أَو لَيست بواقعة، فَهُوَ قسم من الْعلم إِن فسرنا الْعلم بِمَا يعم التَّصَوُّر والتصديق، أَو نفس الْعلم إِن فسرناه بالتصديق (ونقطع بِأَنَّهُ) أَي الْخَبَر (لم يوضع لعلم الْمُتَكَلّم بل) إِنَّمَا وضع (لما عِنْده) أَي الْمُتَكَلّم من وُقُوع النِّسْبَة أَولا وُقُوعهَا وَالْحَاصِل أَنه مَوْضُوع للمعلوم لَا الْعلم (فَالْأَحْسَن) فِي تَعْرِيفه (كَلَام لنسبته خَارج) لِئَلَّا يرد شَيْء مِمَّا ذكر، فيحوج إِلَى تكلّف لَا يَلِيق بالتعريف.
(وَاعْلَم أَنه) أَي الْخَبَر (يدل على مطابقته) للْوَاقِع، وَلذَا قيل: مَدْلُول الْخَبَر الصدْق، وَالْكذب احْتِمَال (فَإِنَّهُ يدل على نِسْبَة) تَامَّة ذهنية (وَاقعَة) فِي الْإِثْبَات (أَو غير وَاقعَة) فِي السَّلب مشعرة بِحُصُول نِسْبَة أُخْرَى فِي الْوَاقِع، لكَونهَا حاكية عَنْهَا مُوَافقَة لَهَا فِي الْكَيْفِيَّة فالثانية مدلولة بتوسط الأولى وَهِي الْمَقْصُودَة بالإفادة، فَإِن كَانَ مَا فِي نفس الْأَمر على طبق مَا فِي الذِّهْن على الْوَجْه الَّذِي أشعرت بِهِ فَهُوَ صَادِق، وَإِلَّا فَهُوَ كَاذِب، وَلذَا قيل: صدق الْخَبَر بِثُبُوت مَدْلُوله مَعَه، وَكذبه تخلف مَدْلُوله عَنهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (ومدلول اللَّفْظ لَا يلْزم كَونه ثَابتا فِي الْوَاقِع فجَاء احْتِمَال الْكَذِب بِالنّظرِ إِلَى أَن الْمَدْلُول) الْمَذْكُور هُوَ (كَذَلِك فِي نفس الْأَمر أَولا، وَمَا) أَي الْكَلَام الَّذِي (لَيْسَ بِخَبَر إنْشَاء وَمِنْه) أَي من الْإِنْشَاء (الْأَمر وَالنَّهْي والاستفهام وَالتَّمَنِّي، والترجي، وَالْقسم، والنداء: وَيُسمى الأخيران) أَي الْقسم والنداء (تَنْبِيها أَيْضا) بل المنطقيون يسمون الْأَرْبَعَة الْأَخِيرَة تَنْبِيها، وَزَاد بَعضهم الِاسْتِفْهَام وَابْن الْحَاجِب على أَن مَا لَيْسَ بِخَبَر يُسمى إنْشَاء وتنبيها، كَذَا ذكره الشَّارِح.
(وَاخْتلف فِي صِيغ الْعُقُود والإسقاطات كبعت وأعتقت إِذا أُرِيد حُدُوث الْمَعْنى بهَا) أَي بِتِلْكَ الصِّيَغ (فَقيل: إخبارات عَمَّا فِي النَّفس من ذَلِك) أَي من خصوصيات تِلْكَ الْعُقُود
стр. 726
والاسقاطات، فيقرر ذَلِك فِي نَفسه ثمَّ يخبر عَنهُ بهَا: وَهَذَا قَول الْجُمْهُور (فيندفع الِاسْتِدْلَال على إنشائيته) أَي مَا ذكر من الصِّيَغ (بِصدق تَعْرِيفه) أَي الْإِنْشَاء عَلَيْهِ، وَهُوَ كَلَام لَيْسَ لنسبته خَارج، وَالْجَار وَالْمَجْرُور صلَة الِاسْتِدْلَال (وَانْتِفَاء لَازم الْأَخْبَار) مَعْطُوف على الْمَجْرُور. ثمَّ بَين لَازمه بقوله (من احْتِمَال الصدْق وَالْكذب) عَنهُ لِأَن بِعْت لَيْسَ بأخبار عَن بيع سَابق ليحتملهما، وَإِنَّمَا انْدفع (لِأَن ذَلِك) الِاسْتِدْلَال إِنَّمَا يتم (لَو لم يكن) مَا ذكر من الصِّيَغ (إِخْبَارًا عَمَّا فِي النَّفس) أما إِذا كَانَ إِخْبَارًا عَنهُ فَلَا، إِذْ لَا يصدق عَلَيْهِ تَعْرِيف الْإِنْشَاء حِينَئِذٍ، وَلَا ينتفى عَنهُ لَازم الْأَخْبَار (وَغَايَة مَا يلْزم) هَذَا القَوْل (أَنه) أَي مَا ذكر من الصِّيَغ (إِخْبَار يعلم صدقه بِخَارِج) عَن نَفسه. ثمَّ صور ذَلِك الْخَارِج فِي الْمِثَال، فَقَالَ (كأخباره بِأَن فِي ذهنه كَذَا) يَعْنِي لما كَانَت النِّسْبَة الخارجية الَّتِي هِيَ مصداق صدق هَذَا الْإِخْبَار أمرا حَاصِلا فِي ذهن الْمخبر أمكن لَهُ الْعلم بمطابقة النِّسْبَة الذهنية الْمَدْلُول عَلَيْهَا بِهِ إِيَّاهَا، والإعلام بهَا لغيره: وَهَذَا لَا يُنَافِي كَونه مُحْتملا للصدق وَالْكذب فِي ذَاته، وَزعم الشَّارِح أَن المُرَاد بِخَارِج هُوَ نفس اللَّفْظ كَقَوْلِه: بِعْت فَإِنَّهُ يُفِيد أَن مَعْنَاهُ قَائِم بِنَفسِهِ فَيعلم صدقه هَذَا كَلَامه، وَلَا يخفى عَلَيْك أَن بِعْت نفس الْخَبَر الْمَذْكُور فَمَا معنى خُرُوجه، ثمَّ أَنه إِن أَرَادَ بإفادته أَن مَعْنَاهُ قَائِم بِنَفسِهِ دلَالَته عَلَيْهِ فَلَا يعلم بِهِ صدقه لاحْتِمَال الْمُوَاضَعَة والهزل وَغَيرهمَا، وَكَذَا إِن أَرَادَ بهَا استلزامه إِيَّاه بِحَسب التَّحْقِيق، لِأَن الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة لاحتمالهما فَإِن قلت: الشَّرْع يحكم عَلَيْهِ بِمُوجب البيع بِمُجَرَّد قَوْله بِعْت، فَلَو كَانَ مُحْتملا للصدق وَالْكذب لما ألزمهُ بِهِ قلت هَذَا اعْتِبَار لفظ شَرْعِي لصيانة حُقُوق النَّاس، وَهُوَ لَا يُنَافِي كَونه مُحْتملا لَهما فِي حد ذَاته فَتدبر (وَمَا اسْتدلَّ) أَي اسْتدلَّ بِهِ الإنشائيون من أَنه (لَو كَانَ خَبرا لَكَانَ مَاضِيا) لوضع لَفظه لذَلِك، وَعدم صَارف (وَامْتنع التَّعْلِيق) أَي تَعْلِيقه بِالشّرطِ، لِأَن التَّعْلِيق تَوْقِيف دُخُول أَمر فِي الْوُجُود على دُخُول غَيره فِيهِ، والماضي قد دخل فِيهِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِك (مَدْفُوع بِأَنَّهُ مَاض: إِذْ ثَبت فِي ذهن الْقَائِل البيع وَالتَّعْلِيق وَاللَّفْظ) الْمُشْتَمل على تَعْلِيق البيع (إِخْبَار عَنْهُمَا) أَي عَن التَّعْلِيق وَالْبيع الثابتين قبل التَّكَلُّم بِهِ (وألزم امْتنَاع الصدْق) أَي ادّعى أَن صدق هَذَا الْخَبَر مُمْتَنع (لِأَنَّهُ) أَي الصدْق لَا يتَحَقَّق إِلَّا (بالمطابقة) بل هُوَ عين مُطَابقَة مَدْلُول الْخَبَر الْوَاقِع (وَهِي) أَي الْمُطَابقَة لَا تتَصَوَّر إِلَّا (بالتعدد) أَي تعدد طرفِي الْمُطَابقَة: أَحدهمَا النَّفْسِيّ الَّذِي هُوَ مَدْلُول الْكَلَام، وَالْآخر مَا فِي الْوَاقِع (وَلَيْسَ) فِي الْوَاقِع هُنَا شَيْء (إِلَّا مَا فِي النَّفس، وَهُوَ الْمَدْلُول) بِعَيْنِه (فَلَا خَارج) عَن الْمَدْلُول لتغير الْمُطَابقَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فَلَا مُطَابقَة فَلَا صدق (وَأجِيب بِثُبُوتِهِ) أَي التَّعَدُّد اعْتِبَارا، وَإِن لم يكن ذاتا (فَمَا فِي النَّفس من حَيْثُ هُوَ مَدْلُول اللَّفْظ غَيره)
стр. 727
أَي غير مَا فِي النَّفس (من حَيْثُ هُوَ فِيهَا) أَي فِي النَّفس (فتطابق المتعدد) وَلَا يخفى عَلَيْك أَن التَّعَدُّد اللَّازِم للمطابقة لَو لم يكن بِالذَّاتِ لم يكن احْتِمَال الصدْق وَالْكذب اللَّازِم لماهية الْخَبَر: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال يَكْفِي احتمالهما فِي بادئ النّظر نظرا إِلَى التَّعَدُّد الاعتباري فَتَأمل (ومبني هَذَا التَّكَلُّف على أَنه) أَي مَا ذكر من الصِّيَغ (إِخْبَار عَمَّا فِي النَّفس) كَمَا نقل فِي الشَّرْح العضدي وَغَيره (لَكِن الوجدان شَاهد بِأَن الْكَائِن فِيهَا) أَي النَّفس (مَا لم ينْطق لَيْسَ) شَيْئا (غير إِرَادَة البيع لَا يعلم قَوْلهَا) أَي النَّفس: يَعْنِي القَوْل النَّفْسِيّ لَا اللَّفْظِيّ (بِعْتُك) مقول القَوْل الْمَذْكُور (قبله) أَي النُّطْق بِهِ، بل من الْمَعْلُوم عَدمه حِينَئِذٍ (إِنَّمَا ينْطق) النَّفس بِهِ (مَعَه أَي مَعَ بِعْتُك (فَهِيَ) أَي صِيغ الْعُقُود والاسقاطات (إنشاآت) لَفظهَا عِلّة لإيجاد مَعْنَاهَا (ثمَّ ينْحَصر) الْخَبَر (فِي صدق إِن طابق) حكمه (الْوَاقِع) أَي الْخَارِج الْمَذْكُور (وَكذب إِن لَا) يُطَابق، فَلَا وَاسِطَة بَينهمَا، وحصره عَمْرو بن بَحر (الجاحظ فِي ثَلَاثَة): الصَّادِق. والكاذب (الثَّالِث مَالا) أَي لَيْسَ بصادق (وَلَا) كَاذِب (لِأَنَّهُ) أَي الْخَبَر (إِمَّا مُطَابق) للْوَاقِع (مَعَ الِاعْتِقَاد) للمطابقة (أَو) مُطَابق للْوَاقِع مَعَ (عَدمه) أَي عدم الِاعْتِقَاد للمطابقة، وَهَذَا على قسمَيْنِ: أَحدهمَا أَن لَا يعْتَقد الْمُطَابقَة وَلَا عدمهَا، وَالثَّانِي أَن لَا يعْتَقد الْمُطَابقَة ويعتقد عدمهَا (أَو غير مُطَابق) للْوَاقِع (كَذَلِك) أَي مَعَ عدم اعْتِقَاد الْمُطَابقَة، أَو مَعَ عدم اعْتِقَاد عدمهَا. وَقد عرفت أَن الْعَدَم على قسمَيْنِ، فِي المطول تَحْقِيق كَلَامه أَن الْخَبَر إِمَّا مُطَابق للْوَاقِع أَولا، وكل مِنْهُمَا إِمَّا مَعَ اعْتِقَاد أَنه مُطَابق، أَو اعْتِقَاد أَنه غير مُطَابق، أَو بِدُونِ الِاعْتِقَاد: فَهَذِهِ سِتَّة أَقسَام: وَاحِد مِنْهَا صَادِق، وَهُوَ المطابق للْوَاقِع مَعَ اعْتِقَاد أَنه مُطَابق، وَوَاحِد كَاذِب وَهُوَ غير المطابق مَعَ اعْتِقَاد أَنه غير مُطَابق، وَالْبَاقِي لَيْسَ بصادق وَلَا كَاذِب انْتهى (الثَّانِي مِنْهُمَا) أَي من الْقسمَيْنِ، وَهُوَ من الأول المطابق مَعَ عدم اعْتِقَاد الْمُطَابقَة، وَقد عرفت وَجْهي الْعَدَم، وَمن الثَّانِي غير المطابق مَعَ عدم اعْتِقَاد عدم الْمُطَابقَة (لَيْسَ كذبا وَلَا صدقا لقَوْله تَعَالَى حِكَايَة) عَن الْكفَّار ﴿أفترى على الله كذبا أم بِهِ جنَّة﴾ أَي جُنُون (حصروا) أَي الْكفَّار (قَوْله) أَي النَّبِي ﷺ ﴿إِذا مزقتم كل ممزق إِنَّكُم لفي خلق جَدِيد﴾ - (فِي الْكَذِب وَالْجنَّة فَلَا كذب مَعهَا) أَي الْجنَّة، لأَنهم جَعَلُوهُ قسيم الْكَذِب (وَلم يعتقدوا صدقه) وَهُوَ ظَاهر، ثمَّ هم عقلاء عارفون باللغة، فَيجب أَن يكون من الْخَبَر مَا لَيْسَ صَادِقا وَلَا كَاذِبًا حَتَّى لَا يعابوا فِيمَا بَينهم وَبَين غَيرهم (وَالْجَوَاب حصروه) أَي خَبره (فِي الافتراء تعمد الْكَذِب) عطف بَيَان للافتراء (وَالْجنَّة الَّتِي لَا عمد مَعهَا فَهُوَ) أَي حصرهم (فِي كذب عمد و) كذب (غير عمد) أَي نوعيه المتباينين (أَو) حصروا مَا تلفظ بِهِ (فِي تَعَمّده) أَي الْكَذِب (وَعدم
стр. 728
الْخَبَر) لخلوة عَن الْقَصْد والشعور المعتد بِهِ على مَا هُوَ حَال الْمَجْنُون، والخالي عَنهُ لَيْسَ بِكَلَام فضلا عَن كَونه خَبرا (وَقَول عَائِشَة فِي ابْن عمر من رِوَايَة البُخَارِيّ) حَيْثُ روى عَنهُ ﷺ
" الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ ". (مَا كذب وَلكنه وهم) إِنَّمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ لرجل مَاتَ يَهُودِيّا " أَن الْمَيِّت ليعذب وَأَن أَهله ليبكون عَلَيْهِ " حسن صَحِيح (تُرِيدُ) عَائِشَة بِهِ لم يكذب (عمدا، وَقيل) وَالْقَائِل النظام (الصدْق مُطَابقَة الِاعْتِقَاد) وَإِن كَانَ الِاعْتِقَاد غير مُطَابق للْوَاقِع (وَالْكذب عدمهَا) أَي عدم مُطَابقَة الِاعْتِقَاد وَإِن كَانَ مطابقا للْوَاقِع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فالمطابق) للْوَاقِع (كذب إِذا اعْتقد عدمهَا) أَي الْمُطَابقَة وَلَا وَاسِطَة بَين الصدْق وَالْكذب (لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله يشْهد أَن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ فِي قَوْلهم﴾: نشْهد أَنَّك لرَسُول الله) فَإِنَّهُ مُطَابق للْوَاقِع دون اعْتِقَادهم (أُجِيب) بِأَن التَّكْذِيب إِنَّمَا هُوَ (فِي) الحكم الْمَفْهُوم من لفظ (الشَّهَادَة) الدَّال على مُوَافقَة اللِّسَان الْقلب (لعدم المواطأة) أَي مُوَافقَة اللِّسَان الْقلب (أَو فِيمَا تضمنته) الشَّهَادَة (من الْعلم) لكَونه إِخْبَارًا عَن مُعَاينَة يلْزمهَا الْعلم، فَقَوله: أشهد بِكَذَا تضمن أَنِّي أقوله عَن علم، أَو المُرَاد أَنهم قوم شَأْنهمْ الْكَذِب وَإِن صدقُوا فِي هَذِه الشَّهَادَة (والموجب لهَذَا) التَّأْوِيل (وَمَا قبله) من تَأْوِيل قَول عَائِشَة (الْقطع من اللُّغَة) أَي الْقطع الْحَاصِل من تتبعها (بالحكم) صلَة الْقطع (بِصدق) صلَة الحكم (قَول الْكَافِر كلمة الْحق) مقول القَوْل، وَالْمرَاد بهَا الْكَلَام كَقَوْلِه: الْإِسْلَام حق لكَونه مطابقا للْوَاقِع مَعَ أَنه لَا يُطَابق اعْتِقَاده، وَمَا ذكره الْفَرِيقَانِ من الظنون، والقطعي لَا يتْرك بهَا: بل الْأَمر بِالْعَكْسِ (وينقسم) الْخَبَر (بِاعْتِبَار آخر) أَي بِاعْتِبَار إفادته الْقطع بصدقه وَعَدَمه (إِلَى مَا يعلم صدقه ضَرُورَة) أَي علما ضَرُورِيًّا إِمَّا بِنَفسِهِ من غير انضمام غَيره إِلَيْهِ، وَهُوَ الْمُتَوَاتر فَإِنَّهُ بِنَفسِهِ يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ بمضمونه، وَإِمَّا بِغَيْرِهِ بِأَن يكون مُتَعَلّقه مَعْلُوما لكل أحد من غير نظر، نَحْو الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ (أَو نظرا) أَي علما نظريا (كَخَبَر الله وَرَسُوله) وَأهل الْإِجْمَاع وَخبر من ثَبت بِأَحَدِهِمَا صدقه: بِأَن أخبر الله، أَو رَسُوله، أَو أهل الْإِجْمَاع بصدقه، وَخبر من دلّ الْعقل بالبرهان على صدقه، فَإِن هَذِه كلهَا علم وُقُوع مضمونها بِالنّظرِ، وَالِاسْتِدْلَال: وَهُوَ الْأَدِلَّة القاطعة على صدق الله وَرَسُوله، وعصمة الْأمة عَن الْكَذِب، وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا الْبَاقِي أَو) مَا يعلم (كذبه بمخالفة ذَلِك) أَي مَا علم صدقه ضَرُورَة أَو نظرا أ (وَمَا يظنّ) فِيهِ (أَحدهمَا) أَي صدقه أَو كذبه (كَخَبَر الْعدْل) لرجحان صدقه على كذبه (والكذوب) أَي الَّذِي اعْتَادَ الْكَذِب لرجحان كذبه على صدقه (أَو) مَا (يتساويان) أَي الاحتمالان فِيهِ (كالمجهول) أَي كَخَبَر مَجْهُول الْحَال بِأَن لم يعلم حَاله فِي الْعَدَالَة وَعدمهَا (وَمَا قيل مَا لم يعلم صدقه
стр. 729
يعلم كذبه) وَإِلَّا لنصب على صدقه دَلِيل (كَخَبَر مدعي الرسَالَة) إِذْ لَو كَانَ صَادِقا دلّ عَلَيْهِ بالمعجزة، وَهَذَا مَذْهَب بعض الظَّاهِرِيَّة (بَاطِل للُزُوم ارْتِفَاع النقيضين فِي أَخْبَار مستورين بنقيضين) من غير دَلِيل على صدق أَحدهمَا للُزُوم كذبهما بِمُوجب مَا قيل ويستلزم اجْتِمَاعهمَا، لِأَن كذب كل نقيض يسْتَلْزم صدق الآخر (وَلُزُوم الحكم بِكفْر كثير من الْمُسلمين) الَّذين حَالهم مَسْتُور من حَيْثُ الْعَدَالَة. وَفِي الشَّرْح العضدي، وَأَيْضًا يلْزم الْعلم بكذب كل شَاهد إِذْ لَا يعلم صدقه وَالْعلم بِكفْر كل مُسلم فِي دَعْوَى إِسْلَامه: إِذْ لَا دَلِيل على مَا فِي بَاطِنه، وَذَلِكَ بَاطِل بِالْإِجْمَاع والضرورة (بِخِلَاف أهل ظُهُور الْعَدَالَة) من الْمُسلمين: وهم الَّذين ظَاهر حَالهم الْعَدَالَة فَإِنَّهُ لَا يلْزم الحكم بكفرهم إِذْ ادعوا الْإِسْلَام (لِأَنَّهَا) أَي عدالتهم (دَلِيل) يدل على صدقهم فقد نصب عَلَيْهِ دَلِيل وَهَذَا مَبْنِيّ (على أَن يُرَاد بِالْعلمِ الأول) الْمَذْكُور فِي قَوْله مَالا يعلم صدقه يعلم كذبه (الظَّن) لِأَن ظُهُور الْعَدَالَة دَلِيل يُفِيد الْعلم الظني، وَإِذا تحقق الْعلم الظني لم يتَحَقَّق مَضْمُون مَا لم يعلم فَلَا يتَحَقَّق الْعلم بِالْكَذِبِ وَلَا بُد أَن يحمل قَوْلهم على هَذَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يرد بِهِ الظَّن بل الْقطع (بَطل خبر الْوَاحِد) لِأَنَّهُ يُفِيد الظَّن، لَا الْقطع فَيدْخل تَحت قَوْلهم: مَا لم يعلم صدقه فَيلْزم كذبه (وَلَا يَقُوله) أَي بطلَان خبر الْوَاحِد المستلزم بطلَان الْعَمَل بِهِ (ظاهري فَلَا يتم إِلْزَام كفر كل مُسلم) كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب لوُجُود الْعلم الظني بصدقه عِنْد ظُهُور عَدَالَته (وَالْحكم بكذب الْمُدَّعِي) الرسَالَة بِلَا معْجزَة (بدليله) أَي دَلِيل التَّكْذِيب لِأَن الرسَالَة عَن الله تَعَالَى على خلاف الْعَادة وَهِي تقضي بكذب من يَدعِي مَا يُخَالِفهَا بِلَا دَلِيل يدل على صدقه، بِخِلَاف الْأَخْبَار عَن الْأُمُور الْمُعْتَادَة، فَإِن الْعَادة لَا تقضي بكذب من يدعيها بِلَا دَلِيل فَالْقِيَاس فَاسد، ثمَّ الحكم بكذب من يَدعِي الرسَالَة بِلَا دَلِيل قَطْعِيّ، وَالصَّحِيح على مَا ذكره السُّبْكِيّ، وَقيل لَا يقطع بكذبه لتجويز الْعقل صدقه، قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغير خَافَ أَن المُرَاد مدعيها قبل نَبينَا ﷺ (و) يَنْقَسِم الْخَبَر (بِاعْتِبَار آخر) أَي السَّنَد (إِلَى متواتر وآحاد فالمتواتر) لُغَة المتتابع على التَّرَاخِي، وَاصْطِلَاحا (خبر جمَاعَة يُفِيد الْعلم، لَا بالقرائن الْمُنْفَصِلَة) عَنهُ فبقيد جمَاعَة خرج خبر الْفَرد، وبإفادة الْعلم خبر آحَاد هِيَ جمَاعَة غير أَنه لَا يُفِيد الْعلم، وبنفي الْقَرَائِن الْمُنْفَصِلَة خرج مَا يُفِيد الْعلم من خبر جمَاعَة بِسَبَب دلَالَة الْعقل كإخبارهم بِأَن النَّفْي وَالْإِثْبَات لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان، أَو بِسَبَب مُوَافَقَته لخَبر الله أَو خبر رَسُوله، أَو بِدلَالَة الْحس من مُشَاهدَة حَالهم كَمَا إِذا أخبروا عَن عطشهم وَعَن جوعهم، وآثار ذَلِك مُعَاينَة فيهم، أَو أخبروا عَن موت أَبِيهِم مثلا مَعَ شقّ الْجُيُوب، وَضرب الخدود، والتفجع عَلَيْهِ، وَهَذِه الْقَرَائِن الَّتِي احترزوا عَنْهَا (بِخِلَاف مَا يلْزم) من الْقَرَائِن (نَفسه) أَي نفس الْخَبَر مثل الهيئات الْمُقَارنَة لَهُ، الْمُوجبَة لتحَقّق مضمونه (أَو الْمخبر) مثل كَونه موسوما
стр. 730
بِالصّدقِ مباشرا لِلْأَمْرِ الَّذِي أخبر بِهِ، كَذَا ذكره الشَّارِح. وَفِيه أَن عدم الْمُبَاشرَة من غير الْقَرَائِن الْمُنْفَصِلَة، ومعاينة آثَار الْجُوع والعطش من الْمُنْفَصِلَة لحكم (أَو الْمخبر عَنهُ) أَي الْوَاقِعَة الَّتِي أخبروا عَن وُقُوعهَا ككونها أمرا مترقبا قريب الْوُقُوع، فَإِن حُصُول الْعلم بِمَعْرِِفَة مثل هَذِه الْقَرَائِن لَا يقْدَح فِي التوتر، وَفِي الشَّرْح العضدي أَو الْمخبر بِفَتْح الْبَاء، وَفَسرهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ بالسامع الَّذِي ألقِي إِلَيْهِ الْخَبَر وَلم يذكرهُ المُصَنّف، وَلَا يبعد أَنه عده من الْمُنْفَصِلَة (وَعنهُ) أَي عَمَّا ذكر من هَذَا النَّوْع من الْقَرَائِن (يتَفَاوَت عدده) أَي الْمُتَوَاتر كَمَا إِذا كَانَ المخبرون موسومين بِالصّدقِ وَالْعدْل يحصل الْعلم بِإِخْبَار عدد أقل من عدد الموسومين، بِخِلَاف ذَلِك (ومنعت السمنية) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم: فرقة من عَبدة الْأَصْنَام، ذكره الْجَوْهَرِي. وَفِي شرح البديع، وهم طَائِفَة منسوبة إِلَى سومنان بلد مَشْهُور بِالْهِنْدِ، والبراهمة وهم طَائِفَة لَا يجوزون على الله بعثة الرُّسُل (إفادته) أَي الْخَبَر (الْعلم، وَهُوَ) أَي مَنعهم (مُكَابَرَة لأَنا نقطع بِوُجُود نَحْو مَكَّة والأنبياء وَالْخُلَفَاء) بالأخبار المتواترة كَمَا يقطع بالمحسوسات بالإحساس (وتشكيكهم) أَي السمنية فَمَا هُوَ مَبْنِيّ إفادته الْعلم من اتِّفَاق الجم الْغَفِير على خبر وَاحِد (بِأَنَّهُ) أَي الِاجْتِمَاع الْمَذْكُور كاشتهاء الْكل طَعَاما وَاحِدًا. وَفِي بعض النّسخ (كَأَكْل الْكل طَعَاما) وَهُوَ مُمْتَنع (وَأَن الْجَمِيع) أَي وَبِأَن الْجَمِيع مركب (من الْآحَاد، وكل) مِنْهُم (لَا يعلم خَبره) أَي لَا يُفِيد الْعلم (فَكَذَا الْكل) وَإِلَّا يلْزم انقلاب الْمَاهِيّة (وبلزوم تنَاقض المعلومين) المتناقضين (إِذا أخبر جمعان) بلغ كل مِنْهُمَا عدد التَّوَاتُر (كَذَلِك) بِأَن يُفِيد خبر كل مِنْهُمَا الْعلم بِنَفسِهِ (بهما) صلَة أخبر: أَي بذينك المعلومين المتناقضين كَمَا إِذا أخْبرك أَحدهمَا بِمَوْت زيد فِي وَقت معِين وَالْآخر بحياته فِي ذَلِك الْوَقْت (و) يلْزم (صدق الْيَهُود فِي) نقلهم عَن مُوسَى ﵇ (لَا نَبِي بعدِي). وَقد ثَبت خِلَافه بالأدلة القطعية (و) بِلُزُوم (عدم الْخلاف) فِي إفادته الْعلم بِنَاء على دَعْوَى الضَّرُورَة فِي الْعلم الَّذِي يفِيدهُ (وبأنا نفرق بَينه) أَي بَين الْعلم الَّذِي يفِيدهُ الْمُتَوَاتر (و) بَين (غَيره من الضروريات ضَرُورَة) أَي فرقا بديهيا حَتَّى لَو عرضنَا على أَنْفُسنَا وجود جالينوس، وَكَون الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ وجدنَا الثَّانِي أقرب من الأول بِالضَّرُورَةِ، وَلَو كَانَ الْحَاصِل بالتواتر علما ضَرُورِيًّا لما اخْتلفَا فِي الْجَزْم، لِأَن الِاخْتِلَاف فِيهِ لتطرق احْتِمَال النقيض وَهُوَ غير مُمكن فِيهَا. ثمَّ قَوْله تشكيكهم بِكَذَا وَكَذَا مُبْتَدأ خَبره (تشكيك فِي ضَرُورَة) أَي فِي أَمر بديهي، فَلَا يسْتَحق الْجَواب (وأبعدها) أَي التشكيكات (الأول) وَهُوَ التَّشْبِيه بالِاتِّفَاقِ على أكل طَعَام وَاحِد، إِذْ سَبَب الِاخْتِلَاف فِيهِ اخْتِلَاف الأمزجة والشهوات، وَلم يتَحَقَّق مَا يُوجب الِاخْتِلَاف فِي بعض الْأَخْبَار (وَإِنَّمَا خيل) ذَلِك (فِي الْإِجْمَاع عَن) دَلِيل (ظَنِّي)
стр. 731
كَمَا سَيَأْتِي مَعَ جَوَابه فِي بَاب الْإِجْمَاع (وَاخْتِلَاف حَال الْجُزْء وَالْكل ضَرُورِيّ) أَلا ترى مَا فِي مَجْمُوع طاقات الْحَبل من الْقُوَّة وَمَا فِي طَاقَة أَو طاقتين من الضعْف إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى، وَلَا يلْزم الانقلاب بِسَبَب كَون كل من الْآحَاد غير مُفِيد للْعلم، وَكَون الْكل مُفِيدا لعدم اتِّحَاد مُتَعَلق النَّفْي وَالْإِثْبَات، وَلم يقل وَالثَّانِي لظُهُوره، وَلقَوْله (وَالثَّالِث) أَي تَوَاتر الْخَبَرَيْنِ المتناقضين (مُمْتَنع) عَادَة وَإِن كَانَ مُمكنا ذاتا (وأخبار الْيَهُود آحَاد الأَصْل) يَكْفِي للمانع احْتِمَال كَونه آحَاد الأَصْل، على أَنه ثَبت بِالنَّقْلِ أَن بخْتنصر قَتلهمْ بِحَيْثُ قلوا وَلم يبْق فيهم عدد التَّوَاتُر. وَقد شَرط فِي التَّوَاتُر اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ وَالْوسط فِي الْكَثْرَة الَّتِي يحصل بهَا التَّوَاتُر، وَهَذَا هُوَ الرَّابِع (وَقد يُخَالف فِي الضَّرُورِيّ مكابر كالسوفسطائية) فَإِن مِنْهُم من يُنكر ثُبُوت حقائق الْأَشْيَاء وَيَقُول أَنَّهَا خيالات بَاطِلَة، وهم العنادية، وَمِنْهُم من يزْعم أَنَّهَا تَابِعَة للاعتقادات لَو اعْتقد المعتقد الْعرض جوهرا وَبِالْعَكْسِ، فَالْأَمْر كَمَا اعْتقد، وهم العندية، وَمِنْهُم من يُنكر الْعلم بِثُبُوت شَيْء وَلَا ثُبُوته وَيَزْعُم أَنه شَاك وشاك فِي أَنه شَاك، وهلم جرا وهم اللاأدرية وَالْحق أَنهم لَا يسْتَحقُّونَ الْجَواب، بل يقتلُون ويضربون، وَيُقَال لَهُم لَا تجزعوا فَإِنَّهُ لَا ثُبُوت لشَيْء، وسوفسطا: اسْم للحكمة المموهة وَالْعلم المزخرف، وَيُقَال سفسط فِي الْكَلَام إِذْ هذى، وَهَذَا الْخَامِس (وَالْفرق) بَين الْعلم الْحَاصِل بالتواتر وَغَيره من الضروريات إِنَّمَا هُوَ (فِي السرعة للِاخْتِلَاف فِي الْجلاء والخفاء) للتفاوت فِي الْألف، وَالْعَادَة، والممارسة، والأخطار بالبال، وتصورات أَطْرَاف الْأَحْكَام (لَا) لاخْتِلَاف (فِي الْقطع) بِوَاسِطَة احْتِمَال النقيض، فَانْتفى التشكيك السَّادِس أَيْضا. (ثمَّ الْجُمْهُور) من الْفُقَهَاء والمتكلمين (على أَن ذَلِك الْعلم ضَرُورِيّ، والكعبي وَأَبُو الْحُسَيْن) قَالَا هُوَ (نَظَرِي وَتوقف الْآمِدِيّ قَالُوا) أَي النظريون (يحْتَاج) الْعلم الْحَاصِل بِهِ (إِلَى المقدمتين) هما (الْمخبر عَنهُ محسوس فَلَا يشْتَبه) بِخِلَاف الْعقلِيّ فَإِنَّهُ قد يشْتَبه كحدوث الْعَالم على الفلاسفة (وَلَا دَاعِي لَهُم) أَي للمخبرين (إِلَى الْكَذِب) من جلب مَنْفَعَة أَو دفع مضرَّة (وكل مَا هُوَ كَذَلِك) أَي محسوس لَا دَاعِي لمخبر بِهِ إِلَى الْكَذِب (صدق) فَهَذَا الْمخبر صدق (قُلْنَا احْتِيَاجه) أَي الْعلم الْحَاصِل بِهِ (إِلَى سبق الْعلم بذلك) أَي المقدمتين وترتيبهما (مَمْنُوع فَإنَّا نعلم علمنَا بِوُجُود بَغْدَاد من غير خطور شَيْء من ذَلِك) بالبال (فَكَانَ) الْعلم الْحَاصِل بِهِ (مخلوقا عِنْده) أَي الْخَبَر الْمُتَوَاتر لسامعه (بِالْعَادَةِ وَإِمْكَان صُورَة التَّرْتِيب) للمقدمتين فِيهِ (لَا يُوجب النظرية لإمكانه) أَي ترتيبهما (فِي أجلى البديهيات كالكل أعظم من جزئه) بِأَن يُقَال للْكُلّ جُزْء آخر، والمركب من الشَّيْء وَغَيره أعظم من ذَلِك الشَّيْء (ومرجع) كَلَام (الْغَزالِيّ) حَيْثُ قَالَ فِي المستقصى الْعلم الْحَاصِل بالتواتر ضَرُورِيّ بِمَعْنى أَنه لَا يحْتَاج إِلَى
стр. 732
الشُّعُور بتوسط وَاسِطَة مفضية إِلَيْهِ مَعَ أَن الْوَاسِطَة حَاضِرَة فِي الذِّهْن وَلَيْسَ ضَرُورِيًّا بِمَعْنى أَنه حَاصِل من غير وَاسِطَة كَقَوْلِنَا الْمَوْجُود لَا يكون مَعْدُوما فَإِنَّهُ لَا بُد فِيهِ من حُصُول مقدمتين إِحْدَاهمَا أَن هَؤُلَاءِ مَعَ كثرتهم وَاخْتِلَاف أَحْوَالهم لَا يجمعهُمْ على الْكَذِب جَامع. وَالثَّانيَِة أَنهم قد اتَّفقُوا على الْأَخْبَار عَن الْوَاقِعَة، لكنه لَا يفْتَقر إِلَى تَرْتِيب المقدمتين بِلَفْظ منظوم، وَلَا إِلَى الشُّعُور بتوسطهما أَو إفضائهما إِلَيْهِ (إِلَى أَنه) أَي الْخَبَر الْمُتَوَاتر (من قبيل القضايا الَّتِي قياساتها مَعهَا) كالعشرة نصف الْعشْرين (وَظهر) من قَوْلنَا نعلم علمنَا بِوُجُود بَغْدَاد إِلَى آخِره (عَدمه) أَي عدم كَونه من ذَلِك الْقَبِيل (قَالُوا) أَي المنكرون لضرورته (لَو كَانَ ضَرُورِيًّا علم ضروريته بِالضَّرُورَةِ) إِذْ الْعلم ببداهة الْعلم الْحَاصِل بِلَا نظر لَازم (فَلم يخْتَلف فِيهِ) لَكِن اخْتلف فِيهِ فَلَيْسَ ضَرُورِيًّا (قُلْنَا) معَارض بِأَنَّهُ (لَو كَانَ نظريا علم نظريته بِالضَّرُورَةِ) لمثل مَا ذكر (والحل) لمادة الشُّبْهَة (لَا يلْزم من حُصُول الْعلم الضَّرُورِيّ الشُّعُور بِصفتِهِ) الَّتِي هِيَ الضَّرُورَة، لِأَن تصور الْمَوْصُوف لَا يسْتَلْزم تصور الصّفة وَلَا التَّصْدِيق وجود التَّصْدِيق بثبوتها لَهُ (وَلَا يخفى أَنهم) أَي المنكرين للضَّرُورَة (لم يلزموا) المثبتين لَهَا (من الشُّعُور بِهِ) أَي بِالْعلمِ (الشُّعُور بِصفتِهِ) أَي بِصفة الْعلم (بل ألزموا كَون الْعلم بهَا) أَي بِصفتِهِ (ضَرُورِيًّا وَلَا يلْزم من كَونه) أَي الْعلم بهَا (ضَرُورِيًّا الشُّعُور بِهِ) أَي بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا (بل الضَّرُورَة) أَي كَون الشَّيْء ضَرُورِيًّا (لَا تَسْتَلْزِم الْحُصُول) أَي حُصُول ذَلِك الشَّيْء فِي الْعقل وتصوره (بِوَجْه) مَا، لِأَن معنى كَونه ضَرُورِيًّا كَونه بِحَيْثُ لَا يحْتَاج إِلَى نظر (إِذْ يتَوَقَّف) الشُّعُور بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا (على توجه النَّفس وتطبيق مَفْهُوم الضَّرُورِيّ الْمَشْهُور) أَي كَونه لَا يتَوَقَّف على نظر وَكسب (وَلَيْسَ المتوقف على ذَلِك) أَي التَّوَجُّه والتطبيق الْمَذْكُورين (نظريا) وَهُوَ ظَاهر (بل الْجَواب منع انْتِفَاء التَّالِي) فِي قَوْلهم: لَو كَانَ ضَرُورِيًّا علم ضروريته بِالضَّرُورَةِ والتالي: أَي لَكنا لَا نعلم كَونه ضَرُورِيًّا بِالضَّرُورَةِ مُنْتَفٍ فحاصل الْمَنْع أَنا لَا نسلم أَنه لَا نعلم ذَلِك بل هُوَ ضَرُورِيّ، ونعلم ضروريته على تَقْدِير التَّوَجُّه والتطبيق فَلم يخْتَلف (وَقد مر مثله) حَيْثُ قَالَ فِي فصل حجية السّنة ضَرُورِيَّة دينية، وَلَو أورد كَذَا الْحَاصِل ضَرُورَة يلْزمه إِلَى آخِره (وَالْحق أَن الضَّرُورَة لَا توجب عدم الِاخْتِلَاف فقد ينشأ) الِاخْتِلَاف لموجب (لَا من جهل الْمَفْهُوم) جهلا محوجا إِلَى النّظر. وَفِي بعض النّسخ لَا من جِهَة الْمَفْهُوم (بل من الْغَلَط بِظَنّ كل مُتَوَقف) علمه على الْعلم بِشَيْء آخر نظريا، وَهَذَا الظَّن غلط (وَقد انتظم الْجَواب) وَهُوَ قَوْله قَلما احْتِيَاجه إِلَى سبق الْعلم بذلك مَمْنُوع (دَلِيل الْمُخْتَار) وَهُوَ أَنه ضَرُورِيّ: يَعْنِي أَنه لم يذكر
стр. 733
للمختار دَلِيلا على حِدة، لَكِن الْجَواب الْمَذْكُور للرَّدّ على المنكرين صَار دَلِيلا لَهُ، فَقَوله دَلِيل الْمُخْتَار حَال من فَاعل انتظم (وشروط الْمُتَوَاتر) الصَّحِيحَة فِي المخبرين ثَلَاثَة: أَحدهَا (تعدد النقلَة بِحَيْثُ يمْنَع التواطأ عَادَة) على الْكَذِب (و) ثَانِيهَا (الِاسْتِنَاد) فِي إخبارهم (إِلَى الْحس) أَي إِحْدَى الْحَواس الْخمس لَا إِلَى الْعقل لما سبق (وَلَا يشْتَرط) الِاسْتِنَاد إِلَى الْحس (فِي كل وَاحِد). وَفِي الشَّرْح العضدي لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون بعض المخبرين مُقَلدًا فِيهِ أَو ظَانّا أَو مجازفا. وَقَالَ السُّبْكِيّ: وَعِنْدِي هُنَا وَقْفَة (و) ثَالِثهَا (اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ وَالْوسط فِي ذَلِك) التَّعَدُّد والاستناد، لِأَن أهل كل طبقَة بعد الطَّبَقَة الأولى كالأولى فِيمَا يشْتَرط لإِفَادَة الْعلم (وَالْعلم بهَا) أَي بِهَذِهِ الشُّرُوط (شَرط الْعلم) الْحَاصِل (بِهِ) أَي بالْخبر الْمُتَوَاتر (عِنْد من جعله) أَي الْعلم الْمَذْكُور (نظريا) لِأَنَّهُ الطَّرِيق إِلَيْهِ (وَعِنْدنَا) الْعلم بِالشُّرُوطِ (بعده) أَي بعد الْعلم الْحَاصِل بِهِ (عَادَة) يَعْنِي جرت الْعَادة بِأَن هَذَا الْعلم يحصل بعده غَالِبا من غير أَن يكون لَهُ مُوجب عَقْلِي (وَقد لَا يلْتَفت إِلَيْهَا) أَي الشُّرُوط لذهوله عَنْهَا (وَلَا يتَعَيَّن عدد) مَخْصُوص يتَوَقَّف عَلَيْهِ حُصُول التَّوَاتُر (وَقيل) يتَعَيَّن (أقلهم خَمْسَة) لِأَن الْأَرْبَعَة بَيِّنَة شَرْعِيَّة فِي الزِّنَا يجب تزكيتهم لإِفَادَة خبرهم الظَّن بِالْإِجْمَاع، إِذْ لَو أفادت الْعلم لما احْتَاجَت إِلَى التَّزْكِيَة (و) قيل أقلهم (اثْنَا عشر) كعدد نقباء بني إِسْرَائِيل المبعوثين طَلِيعَة إِلَى الْجَبَابِرَة والكنعانيين بِالشَّام، وَإِنَّمَا كَانَ اخْتِيَار هَذَا الْعدَد لإِفَادَة الْعلم (و) قيل (وَعِشْرُونَ) لقَوْله تَعَالَى - ﴿إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ﴾ - الْآيَة (و) قيل (أَرْبَعُونَ) لقَوْله تَعَالَى - ﴿حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ - وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رجلا كَلمهمْ عمر ﵁ وَلَا يخفى مَا فِي الِاسْتِدْلَال بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ (و) قيل (سَبْعُونَ) لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا لِمِيقَاتِنَا﴾ - أَي للاعتذار إِلَيْهِ من عبَادَة الْعجل وسماعهم كَلَامه من أَمر وَنهي ليخبروا قَومهمْ بِمَا يسمعونه، وَكَانَ اخْتِيَار هَذَا الْعدَد لإِفَادَة الْعلم، وَذكر الشَّارِح أقوالا أخر تَركهَا المُصَنّف، وَقد أحسن فِيهِ فتركناه (و) قيل (مَا لَا يُحْصى وَمَا لَا يحصرهم بلد) فَيمْتَنع تواطؤهم على الْكَذِب، وَالْكل غير صَحِيح (وَالْحق عَدمه) أَي عدم تعْيين عدد مَخْصُوص (لقطعنا بقطعنا بمضمونه) أَي الْخَبَر الْمُتَوَاتر (بِلَا علم مُتَقَدم بِعَدَد) مَخْصُوص، وَإِنَّمَا قيد الْعلم الْمَنْفِيّ بِوَصْف التَّقَدُّم بِنَاء (على النظرية) أَي على قَول الْقَائِلين بِأَنَّهُ يُفِيد علما نظريا، فَإِنَّهُم يعتبرون فِي طَرِيق ذَلِك الْعلم بِالْعدَدِ الْمَخْصُوص، هَكَذَا هَذَا خبر أخبرهُ عدد كَذَا، وكل مَا يكون كَذَلِك صدقا لِامْتِنَاع تواطؤ هَذَا الْعدَد على الْكَذِب (وَلَا) علم (مُتَأَخّر) بِعَدَد مَخْصُوص بِنَاء (على) قَول (الضرورية) أَي الْقَائِلين بِأَنَّهُ يُفِيد علما ضَرُورِيًّا، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ أَن الْعلم بِعَدَد المخبرين
стр. 734
بِحَيْثُ يمْنَع التواطؤ عَادَة كَمَا مر آنِفا يحصل عَادَة بعد حُصُول الْعلم بمضمون الْخَبَر، وَيرد عَلَيْهِ أَن حَاصِل هَذَا التَّعْلِيل عدم لُزُوم الْعلم بِعَدَد مَخْصُوص مُتَقَدما ومتأخراً لَا عدم تعين عدد مَخْصُوص فِي نفس الْأَمر، وَقَوله وَالْحق عَدمه يدل على هَذَا وَالْجَوَاب أَن الْعلم بِالْعدَدِ الْمَخْصُوص إِذا لم يتَوَقَّف عَلَيْهِ إِفَادَة الْخَبَر الْمُتَوَاتر الْعلم، وَلَا يلْزم حُصُوله بهَا بعْدهَا، فَمن أَيْن يعلم توقفها على نفس ذَلِك الْعدَد، على أَنه يدل على نفي توقفها عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر قَوْله (وللعلم باختلافه) أَي اخْتِلَاف حَال الْخَبَر الْمُتَوَاتر بِاعْتِبَار الْعدَد (بِحُصُول الْعلم مَعَ عدد) خَاص (فِي مَادَّة وَعَدَمه) أَي عدم حُصُوله (فِي) مَادَّة (أُخْرَى مَعَ) عدد (مثله) أَي مثل ذَلِك الْعدَد الْخَاص، فَلَو كَانَ الْمدَار خُصُوص الْعدَد كَانَ يحصل الْعلم فِي الْمَادَّة الْأُخْرَى أَيْضا، وَقد يُقَال تعين الْعدَد الْخَاص لَيْسَ بِمَعْنى كَونه مناطا للعدم بل بِمَعْنى كَونه شرطا لَهُ فَيجوز أَن يكون عدم حُصُول الْعلم فِي الْمَادَّة الْأُخْرَى لفَوَات شَرط آخر فَتَأمل (فَبَطل) بِهَذَا (قَول أبي الْحُسَيْن وَالْقَاضِي: كل خبر عدد أَفَادَ علما) بمضمونه لشخص (فَمثله) أَي فَمثل ذَلِك الْخَبَر بِاعْتِبَار عدده (يفِيدهُ) أَي علما بمضمونه (فِي غَيره) أَي غير ذَلِك الشَّخْص، لزعمهما أَن منَاط إِفَادَة الأول للْعلم إِنَّمَا هُوَ الْعدَد الْخَاص، والاشتراك فِي المناط يسْتَلْزم الِاشْتِرَاك فِي الحكم، ثمَّ بَين منشأ اخْتِلَاف حَاله بقوله (للِاخْتِلَاف فِي لَوَازِم مَضْمُون الْخَبَر من قربه) أَي قرب الْخَبَر من وَقت وُقُوع الْمَضْمُون (وَبعده) عَنهُ (وأطرافه) أَي الْخَبَر أَو الْمَضْمُون: يَعْنِي الْأُمُور الْمُتَعَلّقَة والقرائن الدَّالَّة على الْوُقُوع، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد الْمخبر عَنهُ وَبِه (وَمن ممارسة المخبرين) يُقَال مارسه: أَي عالجه وزاوله، وَالْمرَاد كَمَال اطلاعهم (بمضمونه وَالْعلم) أَي علم السَّامع (بأمانتهم وضبطهم وَحسن إِدْرَاك المستمعين) وَقد عرفت مِمَّا سبق أَن هَذِه الْأُمُور مِمَّا يلْزم نفس الْخَبَر أَو الْمخبر أَو الْمخبر عَنهُ وَلَيْسَت من الْقَرَائِن الْمُنْفَصِلَة الَّتِي احْتَرز عَنْهَا فِي تَعْرِيف الْمُتَوَاتر (إِلَّا أَن يُرَاد مَعَ التَّسَاوِي) اسْتثِْنَاء من عُمُوم قَول أبي الْحُسَيْن وَالْقَاضِي بِاعْتِبَار حكم الْبطلَان: يَعْنِي أَن حكمهمَا بِكَوْن الْمثل مشاركا لما هُوَ مثل لَهُ فِي الإفادة للْعلم على الْإِطْلَاق بَاطِل إِلَّا أَن يُرَاد كَون الْخَبَرَيْنِ مماثلين فِي الْعدَد منع التَّسَاوِي بَينهمَا فِي ذاتيتهما ومخبريهما من كل وَجه، فَإِن كَانَ المُرَاد هَذَا (فَصَحِيح) حِينَئِذٍ قَوْلهمَا، لَكِن التَّسَاوِي من كل الْوُجُوه (بعيد) جدا لعدم مثل هَذَا التَّسَاوِي عَادَة (وَفِي الْوُقُوع) مَعْطُوف على قَوْله فِي لَوَازِم، يَعْنِي أَن الِاخْتِلَاف كَمَا هُوَ ثَابت بِاعْتِبَار اللوازم، وَذَلِكَ يُفِيد معقولية الِاخْتِلَاف فِي إِفَادَة الْعلم كَذَلِك ثَابت بِاعْتِبَار الْوُقُوع كَمَا أَفَادَهُ بقوله بِحُصُول الْعلم مَعَ عدد فِي مَادَّة وَعَدَمه فِي أُخْرَى مَعَ عدد مثله وَذَلِكَ يُفِيد إِجْمَالا أَن لَهُ مُوجبا فِي نفس الْأَمر (وَأما شُرُوط الْعَدَالَة وَالْإِسْلَام كَيْلا يلْزم تَوَاتر) خبر (النَّصَارَى بقتل الْمَسِيح) وَهُوَ بَاطِل بقوله تَعَالَى - ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه﴾ -
стр. 735
وَإِجْمَاع الْمُسلمين (فساقط كشروط الْيَهُود أهل الذلة) أَي وجود أهل الذلة والمسكنة فِي المخبرين (لخوفهم المواطأة) على الْكَذِب إِذا لم يكن فيهم هَؤُلَاءِ بِأَن كَانَ الْكل من الأكابر لعدم خوفهم من الْمُؤَاخَذَة على الْكَذِب لعزتهم وجاههم، وَقد يُقَال وجود الأذلة بَين المخبرين يُورث وَهنا فِي الْخَبَر لاحْتِمَال أَن يكون إخبارهم لتبعية الأكابر كَمَا هُوَ الْمُعْتَاد من حَالهم، أما سُقُوط الأول فلعدم تحقق الشَّرْط الْمُتَّفق عَلَيْهِ: وَهُوَ اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ وَالْوسط فِي الْعدَد (وخبرهم آحَاد الأَصْل) لأَنهم كَانُوا قليلين فِي ابْتِدَاء أَمرهم جدا، وَقد يُقَال سُقُوطه لِأَن الْمَسِيح شبه لَهُم فَقَتَلُوهُ بِنَاء على اعْتِقَادهم أَنه هُوَ كَمَا قَالَ - ﴿وَلَكِن شبه لَهُم﴾ - وَأما سُقُوط الثَّانِي فَلَمَّا ذكرنَا، ولحصول الْعلم بِإِخْبَار العظماء إِذا كَانَ عَددهمْ بِحَيْثُ يَسْتَحِيل تواطؤهم على الْكَذِب عَادَة فَلَا يضر بعد ذَلِك عدم وجود الأذلة (وينقسم) الْمُتَوَاتر (إِلَى مَا يُفِيد الْعلم بموضوع) صلَة الْعلم: أَي بِمَعْنى مَدْلُول عَلَيْهِ بِوَاسِطَة الْوَضع مُطَابقَة أَو تضمنا أَو التزاما (فِي أَخْبَار الْآحَاد) وَفِي بعض النّسخ الْعدَد بدل الْآحَاد، وَمثل الشَّارِح الْمَوْضُوع بالأمكنة النائية والأمم الخالية، وَلَا يظْهر وَجه التَّسْمِيَة بموضوع وَلَا يُنَاسِبه قَوْله (وَغير مَوْضُوع فِي شَيْء مِنْهَا) أَي أَخْبَار الْآحَاد (بل يعلم) هَذَا الَّذِي هُوَ غير مَوْضُوع فِي شَيْء مِنْهَا للسامع (عِنْدهَا) أَي الْأَخْبَار الْمَذْكُورَة (بِالْعَادَةِ كأخبار عَليّ) ﵁ فِي الحروب (وَعبد الله بن جَعْفَر) فِي الْعَطاء (يحصل عِنْدهَا) أَي أخبارهما (يدل على السجية) أَي الملكة النفسية: يَعْنِي الشجَاعَة والسخاء (ضمنا إِذْ لَيْسَ الْجُود جُزْء مَفْهُوم إِعْطَاء آلَاف، وَلَا الشجَاعَة جُزْء مَفْهُوم قتل آحَاد مخصوصين) لِأَن الشجَاعَة ملكة نفسانية تَقْتَضِي اعْتِدَال الْقُوَّة الغضبية (وَلَا) يدل على السجية (التزاما إِلَّا بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ) للالتزام (لجَوَاز تعقل قَائِل ألفا بِلَا خطور معنى الشجَاعَة) تَعْلِيل لنفي دلَالَة الِالْتِزَام بِالْمَعْنَى الْأَخَص، وَهُوَ كَون الدَّال بِحَيْثُ يلْزم من تعقله تعقل الْمَدْلُول، وَأما وجود دلَالَة الِالْتِزَام بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ فَلِأَنَّهُ إِذا تصور مُقَابلَة الْألف وَمَفْهُوم الشجَاعَة وَطلب الْمُلَازمَة بَينهمَا حكم بهَا، فِي الشَّرْح العضدي إِذا كثرت الْأَخْبَار فِي الوقائع وَاخْتلفت فِيهَا لَكِن كل وَاحِد مِنْهَا يشْتَمل على معنى مُشْتَرك بَينهَا بِجِهَة التضمن أَو الِالْتِزَام حصل الْعلم بِالْقدرِ الْمُشْتَرك وَيُسمى الْمُتَوَاتر من جِهَة الْمَعْنى، وَذَلِكَ كوقائع حَاتِم فِيمَا يحْكى من عطاياه من فرس وابل وَعين وثوب فَإِنَّهَا تَتَضَمَّن جوده فَيعلم، وَإِن لم يعلم شَيْء من تِلْكَ القضايا بِعَيْنِه، وكوقائع عَليّ ﵁ فِي حروبه أَنه هدم فِي خَيْبَر كَذَا وَفعل فِي أحد كَذَا إِلَى غير ذَلِك، فَإِنَّهُ يدل بالالتزام على شجاعته وَقد تَوَاتر مِنْهُ ذَلِك وَأَن كَانَ شَيْء من تِلْكَ الوقائع لم يبلغ دَرَجَة الْقطع انْتهى. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ قَوْله فَإِنَّهَا تَتَضَمَّن جوده يُشِير إِلَى أَن الأول مِثَال للتضمن،
стр. 736
وَالثَّانِي للالتزام، أما الِالْتِزَام فَظَاهر، وَأما التضمن فَلِأَن الْجُود لما كَانَ إِفَادَة مَا يَنْبَغِي لَا لعوض كَانَ جُزْءا من كل إِعْطَاء مَخْصُوص، وَهَذَا بِالنّظرِ إِلَى الظَّاهِر، وَإِلَّا فالجود صفة فِي النَّفس هِيَ مبدأ تِلْكَ الإفادة انْتهى (فَمَا قيل) وَالْقَائِل ابْن الْحَاجِب إِذا اخْتلف الْمُتَوَاتر فِي الوقائع (الْمَعْلُوم مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ بتضمن أَو الْتِزَام تساهل) إِذْ قد عرفت أَنه لَيْسَ فِي الْقسم الثَّانِي تضمن وَلَا الْتِزَام، وَفِي الْقسم الأول تتَحَقَّق الدلالات الثَّلَاث، لَكِن قد يُرَاد بالالتزام الْمَعْنى الْأَعَمّ (وَأما الْآحَاد فخبر لَا يُفِيد بِنَفسِهِ الْعلم) سَوَاء لم يفد أصلا أَو يفِيدهُ بالقرائن الْمُنْفَصِلَة، فَلَا وَاسِطَة بَين الْمُتَوَاتر وَخبر الْآحَاد، وَهَذَا التَّعْرِيف لَا يتم على قَول أَحْمد: خبر الْوَاحِد يُفِيد الْعلم بِنَفسِهِ مطردا، وعَلى قَول بَعضهم يُفِيد غير مطرد وَسَيَأْتِي (وَقيل مَا يُفِيد الظَّن، وَاعْترض بِمَا لم يفده، وَدفع بِأَنَّهُ) أَي الْخَبَر الَّذِي لم يفده (لَا يُرَاد) دُخُوله فِي التَّعْرِيف لِأَنَّهُ غير دَاخل فِي الْمَحْدُود (إِذْ لَا يثبت بِهِ) أَي بِمَا لم يفده (حكم) وَالْمرَاد مَا يُفِيد الحكم وَهل هَذَا يثبت الْوَاسِطَة (وَلَيْسَ) هَذَا الدّفع بِشَيْء (إِذْ ثَبت بالضعيف) أَي بِالْحَدِيثِ الَّذِي ضعفه (بِغَيْر وضع) أَي كذب (الْفَضَائِل وَهُوَ النّدب) وَهُوَ حكم شَرْعِي، وَقد يُقَال: إِذا ثَبت النّدب لزمَه إِفَادَة الظَّن، وَالْكَلَام فِيمَا لَا يفِيدهُ فَلْيَكُن مَادَّة النَّقْض الْخَبَر الْمَوْضُوع، وَحَاصِل الدّفع تَقْيِيد الْمَحْدُود بِمَا يثبت الحكم، وَقد يُقَال ثُبُوت الْفَضَائِل بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف لَا يسْتَلْزم إفادته الظَّن، كَيفَ وإفادة الظَّن وَظِيفَة الصَّحِيح وَالْحسن، بل ثُبُوت مندوبية الْعَمَل بالضعيف: أَي بمضمونه إِنَّمَا هُوَ لرعاية الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح أَو الْمسَاوِي رَغْبَة فِي الطَّاعَة وَعدم الْمَانِع عَن الْعَمَل بِهِ لإباحته الْأَصْلِيَّة (وَمِنْه) أَي خبر الْآحَاد (قسم يُسمى المستفيض) وَهُوَ (مَا رَوَاهُ ثَلَاثَة فَصَاعِدا أَو مَا زَاد عَلَيْهَا) أَي الثَّلَاثَة، وَالْمرَاد مَا لم ينْتَه إِلَى التَّوَاتُر، تَركه لظُهُوره بِقَرِينَة التقابل وَغَيره. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ: أقل مَا يثبت بِهِ الاستفاضة اثْنَان. وَقَالَ السُّبْكِيّ وَالْمُخْتَار عندنَا أَن المستفيض مَا يعده النَّاس شَائِعا وَقد صدر عَن أصل (وَالْحَنَفِيَّة) قَالُوا (الْخَبَر متواتر وآحاد ومشهور وَهُوَ) أَي الْمَشْهُور (مَا كَانَ آحَاد الأَصْل متواترا فِي الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث فبينه) أَي الْمَشْهُور (وَبَين المستفيض عُمُوم من وَجه) لصدقهما على مَا رَوَاهُ الثَّلَاثَة فَصَاعِدا مَا لم يتواتر فِي الْقرن الأول ثمَّ تَوَاتر فِي أحد القرنين وانفراد المستفيض إِذا لم ينْتَه فِي أَحدهمَا إِلَى التَّوَاتُر وانفراد الْمَشْهُور فِيمَا رَوَاهُ وَاحِد أَو اثْنَان فِي الأَصْل ثمَّ تَوَاتر فِي الثَّانِي أَو الثَّالِث (وَهُوَ) أَي الْمَشْهُور (قسم من الْمُتَوَاتر عِنْد الْجَصَّاص) فِي جمَاعَة من الْحَنَفِيَّة (وعامتهم) أَي الْحَنَفِيَّة على أَن الْمَشْهُور (قسيم) للمتواتر (فالآحاد مَا لَيْسَ أَحدهمَا) أَي الْمُتَوَاتر وَالْمَشْهُور (والمتواتر عِنْده) أَي الْجَصَّاص (مَا أَفَادَ الْعلم بمضمون الْخَبَر ضَرُورَة أَو نظرا وَهُوَ) أَي مُفِيد الْعلم بمضمونه نظرا (الْمَشْهُور وعَلى هَذَا)
стр. 737
أَي أَن الْمَشْهُور يُفِيد الْعلم نظرا (قيل) الْجَصَّاص (يكفر) جاحده (بجحده)، وعامتهم لَا يكفرونه، وَالْقَائِل صدر الشَّرِيعَة (وَالْحق الِاتِّفَاق على عَدمه) أَي الإكفار كَمَا نَص السَّرخسِيّ (لآحادية أَصله فَلم يكن) جَحده (تَكْذِيبًا لَهُ ﵇، بل ضَلَالَة لتخطئة الْمُجْتَهدين) فِي الْقبُول وَاتِّبَاع مُوجبه (وَلِأَن الإفادة) للْعلم (إِذا كَانَت نظرية توقفت عَلَيْهِ) أَي النّظر (وَقد يعجز عَنهُ) النّظر (أَو يذهل عَنهُ، وَحَاصِل ذَلِك النّظر) فِي الْعلم المفاد بالمشهور على قَوْله ثُبُوت (الْإِجْمَاع الْمُتَأَخر) على (أَنه) أَي الْمَشْهُور (صَحَّ عَنهُ ﷺ فَيلْزم الْقطع بِهِ) أَي الْمَشْهُور (قُلْنَا اللَّازِم) من تلقيهم بِالْقبُولِ (الْقطع بِصِحَّة الرِّوَايَة) لَهُ (بِمَعْنى اجْتِمَاع شَرَائِط الْقبُول لَا الْقطع بِأَنَّهُ) أَي الْمَشْهُور (قَالَه) أَي النَّبِي ﷺ (وَلَو كَانَ) الْإِجْمَاع الْمُتَأَخر (على) وجوب (الْعَمَل بِهِ) أَي الْمَشْهُور (فَكَذَلِك) أَي لَا يكفر جاحده (لما ذكرنَا من معنى الخفاء) الْمُوجب للعجز أَو الذهول فِي الْبَعْض بِخِلَاف الْمُتَوَاتر فَإِنَّهُ كالمسموع مِنْهُ ﷺ وتكذيبه كفر (ثمَّ يُوجب) الْمَشْهُور عِنْد عَامَّة الْحَنَفِيَّة (ظنا فَوق) ظن الْخَبَر (الْآحَاد قَرِيبا من الْيَقِين) وَهُوَ مَا سَمَّاهُ الْقَوْم علم طمأنينة لاطمئنان النَّفس وتوطينها وتسكيها عَن مزاجة احْتِمَال النقيض (لمقولية الظَّن) على أَفْرَاده (بالتشكيك) فبعضها أقوى من الْبَعْض (فَوَجَبَ تَقْيِيد مُطلق الْكتاب بِهِ) أَي الْمَشْهُور (كتقييد) مُطلق (آيَة جلد الزَّانِي) الشَّامِل للمحصن وَغَيره (بِكَوْنِهِ) أَي الزَّانِي (غير مُحصن برجم مَاعِز) أَي بِدَلِيل أَنه ﷺ رجم ماعزا من غير جلد كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا (وَقَوله) ﷺ :
" الثّيّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة " (ورجم بِالْحِجَارَةِ) ذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَن هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ وَلَا يجمع بَين الْجلد وَالرَّجم، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَرِوَايَة عَن أَحْمد وَيجمع فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ، وَأهل الظَّاهِر كَذَلِك، ثمَّ إِن النّسخ إِنَّمَا هُوَ للْجمع بَينهمَا، وأصل الرَّجْم لَيْسَ بمنسوخ فيصلح مُقَيّدا (و) تَقْيِيد مُطلق (صَوْم كَفَّارَة الْيَمين) الشَّامِل للتتابع وَغَيره (بالتتابع بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود) فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات كَمَا مر (لشهرتها) أَي قِرَاءَته (فِي الصَّدْر الأول، وَهُوَ) أَي الشُّهْرَة فِيهِ (الشَّرْط) فِي وجوب تَقْيِيد الْكتاب بِهِ (و) تَقْيِيد (آيَة غسل الرجل) فِي الْوضُوء (بِعَدَمِ التخفف) أَي لبس الْخُف (بِحَدِيث الْمسْح) على الْخُف الْمخْرج فِي الصِّحَاح وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد وَغَيرهَا (إِن لم يكن متواترا) قَالَ أَبُو حنيفَة: من أنكر الْمسْح على الْخُفَّيْنِ يخَاف عَلَيْهِ الْكفْر، فَإِنَّهُ ورد فِيهِ من الْأَخْبَار مَا يشبه الْمُتَوَاتر. وَقَالَ أَبُو يُوسُف خبر الْمسْح يجوز نسخ الْكتاب بِهِ لشهرته، وَقد نَص ابْن عبد الْبر على أَنه متواتر، وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ. قَالَ الْكَرْخِي أثبتنا الْكفْر على من لَا يرى الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.
стр. 738
(فصل: فِي شَرَائِط الرَّاوِي. مِنْهَا كَونه بَالغا حِين الْأَدَاء)
وَإِن لم يكن بَالغا وَقت التَّحَمُّل (لإنفاقهم) أَي الصَّحَابَة وَغَيرهم (على) قبُول رِوَايَة (ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير والنعمان ابْن بشير وَأنس بِلَا استسفار) عَن الْوَقْت الَّذِي تحملوا فِيهِ مَا يَرْوُونَهُ عَن النَّبِي ﷺ . جَاءَ فِي صَحِيح البُخَارِيّ مَا يدل على أَن ابْن عَبَّاس أدْرك فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ غير أَنه تحمل صَغِيرا وَأدّى كَبِيرا، فقد قيل لَهُ أشهدت الْعِيد مَعَ رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ نعم، وَلَوْلَا مَكَاني مِنْهُ مَا شهدته من الصغر، رَوَاهُ البُخَارِيّ، توفّي رَسُول الله ﷺ وَسن ابْن الزبير والنعمان دون الْعشْر، وَاتفقَ أهل السبر وَالْأَخْبَار وَمن صنف أَن ابْن الزبير أول مَوْلُود فِي الْإِسْلَام فِي الْمَدِينَة من قُرَيْش، ولد فِي السّنة الثَّانِيَة، والنعمان من أقرانه، وَهُوَ أول مَوْلُود فِي الْأَنْصَار بعد الْهِجْرَة، وَأما أنس فَكَانَ ابْن عشر سِنِين لما قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة وعرضته أمه على النَّبِي ﷺ لخدمته فَقبله، وَتُوفِّي ﷺ وَهُوَ ابْن عشْرين سنة. وَقد روى لَهُ عَن النَّبِي ﷺ ألفا حَدِيث وَمِائَتَا حَدِيث وَسِتَّة وَثَمَانُونَ حَدِيثا (فَبَطل الْمَنْع) أَي منع قبُوله لكَون الصغر مَظَنَّة عدم الضَّبْط والتحرير. (وَأما إسماعهم الصّبيان) للْحَدِيث كَمَا جرت بِهِ عَادَة السّلف وَالْخلف (فَغير مُسْتَلْزم) قبُول رِوَايَته بعد الْبلُوغ أَلْبَتَّة، لجَوَاز أَن يكون ذَلِك للتبرك (وَقبل الْمُرَاهق شذوذ مَعَ تحكيم الرَّأْي) فَإِذا وَقع فِي ظن السَّامع صدقه قبل رِوَايَته فِي الْمُعَامَلَات والديانات (قُلْنَا: الْمُعْتَمد الصَّحَابَة وَلم يرجِعوا إِلَيْهِ) أَي الصَّحَابَة إِلَى الْمُرَاهق (واعتماد أهل قبَاء على أنس أَو ابْن عمر لسن الْبلُوغ) هَذَا جَوَاب شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ عَن الْقَائِلين بِقبُول رِوَايَة الصَّبِي فِي بَاب الدّين بِحَدِيث أهل قبَاء حَيْثُ قَالُوا أَن عبد الله بن عمر أَتَاهُم وَأخْبرهمْ بتحويل الْقبْلَة إِلَى الْكَعْبَة وهم كَانُوا فِي الصَّلَاة فاستداروا كَهَيْئَتِهِمْ، وَكَانَ يَوْمئِذٍ صَغِيرا لِأَنَّهُ عرض عَلَيْهِ ﷺ يَوْم بدر وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة، وتحويل الْقبْلَة كَانَ قبل بدر بشهرين، فقد اعتمدوا خَبره فِيمَا لَا يجوز الْعَمَل بِهِ إِلَّا بِعلم، وَهُوَ الصَّلَاة وَلم يُنكر عَلَيْهِم ﷺ . قَالَ: وَلَكنَّا نقُول أَن الَّذِي أَتَاهُم أنس بن مَالك، وَقد روى أَنه عبد الله بن عمر ﵁ فَإنَّا نحمل على أَنَّهُمَا جَاءَ أَحدهمَا بعد الآخر وأخبرا بذلك، فَإِنَّمَا تحولوا معتمدين على رِوَايَة الْبَالِغ وَهُوَ أنس، أَو ابْن عمر كَانَ بَالغا يَوْمئِذٍ، وَإِنَّمَا رده رَسُول الله ﷺ لضعف بنيته، لَا لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرا انْتهى. وَقَالَ الْأَتْقَانِيّ: أَن الْمخبر لم يكن ابْن عمر، وَإِنَّمَا هُوَ رَاوِي أخباره، وَأَنه عرض يَوْم أحد وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة، وَلم يجزه ﷺ ، وَعرض يَوْم الخَنْدَق وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة فَأَجَازَهُ: ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه، وَأَن تَحْويل الْقبْلَة كَانَ بعد الْهِجْرَة لسِتَّة
стр. 739
عشر شهرا أَو سَبْعَة عشر، وأنسا كَانَ ابْن عشر سِنِين فَكيف كَانَ بَالغا، وَأحد كَانَت فِي شَوَّال سنة ثَلَاث، فعمره ثَلَاث عشرَة سنة، وَابْن عمر كَانَ يَوْمئِذٍ ابْن أَربع عشرَة سنة فَهُوَ أكبر من أنس بِسنة، لَا بِالْعَكْسِ (و) ذكر (المحدثون) أَن الَّذِي أَتَاهُم (عباد بن نهيك بن إساف) الشَّاعِر (وَهُوَ شيخ) كَبِير وضع عَنهُ ﷺ الْغَزْو، وَهُوَ الَّذِي صلى مَعَ النَّبِي ﷺ الظّهْر رَكْعَتَيْنِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَرَكْعَتَيْنِ إِلَى الْكَعْبَة، ثمَّ أَتَى قومه بني حَارِثَة وهم رُكُوع فِي صَلَاة الْعَصْر فَأخْبرهُم بتحويل الْقبْلَة فاستداروا إِلَى الْكَعْبَة. قَالَ الشَّارِح: حَكَاهُ المُصَنّف، وَقيل عباد بن بشر بن قيظي الأشْهَلِي: ذكره الفاكهي فِي أَخْبَار مَكَّة. قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ الْعَسْقَلَانِي: وَهَذَا أرجح، رَوَاهُ ابْن أبي خَيْثَمَة وَغَيره انْتهى.
وَالَّذِي فِي صَحِيح البُخَارِيّ من رِوَايَة الْبَراء بن عَازِب أَن الرجل الْمُبْهم صلى مَعَ النَّبِي ﷺ الْعَصْر فَمر على أهل الْمَسْجِد وهم رَاكِعُونَ، وَفِي الشَّرْح فِيهِ زِيَادَة تَفْصِيل، وَحكى النَّوَوِيّ عَن الْجُمْهُور قبُول إِخْبَار الصَّبِي الْمُمَيز فِيمَا طَرِيقه الْمُشَاهدَة، بِخِلَاف مَا طَرِيقه النَّقْل كالإفتاء وَرِوَايَة الْأَخْبَار وَنَحْوه (وَالْمَعْتُوه كَالصَّبِيِّ) فِي حكمه لاشْتِرَاكهمَا فِي نُقْصَان الْعقل، وَرُبمَا يكون الصَّبِي أَعقل من الْبَالِغ، بِخِلَاف الْمَعْتُوه (ثمَّ قيل سنّ التَّحَمُّل خمس). قَالَ ابْن الصّلاح: هُوَ الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ عمل أهل الحَدِيث الْمُتَأَخِّرين (لعقلية مَحْمُود المجة) حَال كَونه (ابْن خمس) والْحَدِيث (فِي البُخَارِيّ) روى عَن مَحْمُود بن الرّبيع قَالَ: عقلت من النَّبِي ﷺ مجة مجها فِي وَجْهي وَأَنا ابْن خمس سِنِين (أَو) ابْن (أَربع). والمجة الْوَاحِدَة من المج: وَهُوَ إرْسَال المَاء من الْفَم مَعَ النفخ، وَقيل: لَا يكون مجا حَتَّى يتباعد بِهِ. (وَقيل) أقل سنّ التَّحَمُّل (أَربع لذَلِك) أَي لكَون سنّ مَحْمُود الْمَذْكُور أَرْبعا (ولتسمع ابْن اللبان) أَي تسميع أبي بكر الْمقري للْقَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن اللبان الْأَصْفَهَانِي وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين. قَالَ ابْن الصّلاح: بلغنَا عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي قَالَ: رَأَيْت صَبيا ابْن أَربع سِنِين وَقد حمل إِلَى الْمَأْمُون قد قَرَأَ الْقُرْآن وَنظر فِي الرَّأْي غير أَنه إِذا جَاع يبكي. وَقَالَ الْحَافِظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ فروينا عَن الْخَطِيب قَالَ سمعته يَقُول: حفظت الْقُرْآن ولي خمس سِنِين، وأحضرت عِنْد أبي بكر بن الْمقري ولي أَربع سِنِين، فأرادوا أَن يسمعوا لي فِيمَا حضرت قِرَاءَته فَقَالَ بَعضهم أَنه يصغر عَن السماع، فَقَالَ لي ابْن الْمقري: اقْرَأ سُورَة الْكَافِرُونَ فقرأتها: فَقَالَ: اقْرَأ سُورَة التكوير فقرأتها، فَقَالَ لي غَيره: اقْرَأ سُورَة المرسلات فقرأتها، فَقَالَ ابْن الْمقري: سمعُوا لَهُ والعهدة عَليّ (وَصحح عدم التَّقْدِير، بل) المناط فِي الصِّحَّة (الْفَهم، وَالْجَوَاب) فَإِذا فهم الْخطاب ورد الْجَواب كَانَ سَمَاعه صَحِيحا، وَإِن كَانَ ابْن أقل من خمس وَإِلَّا لم يَصح، وَأَن
стр. 740
زَاد عَلَيْهَا وَمَا ذَاك إِلَّا (للِاخْتِلَاف) أَي اخْتِلَاف الصّبيان، بل النَّاس فِي فهم الْخطاب ورد الْجَواب، فَلَا يتَقَيَّد بسن (وَحفظ المجة، وَإِدْرَاك ابْن اللبان لَا يطرد) بِأَن يحصل كل من الْحِفْظ والإدراك لكل من أدْرك ذَلِك السن (وَهَذَا) أَي كَون الصَّحِيح عدم التَّقْدِير بسن خَاص (يُوقف الحكم بِقبُول من علم سَمَاعه صَبيا على معرفَة حَاله فِي صباه) فَإِن علم أَنه كَانَ بِحَيْثُ يفهم الْخطاب وَيرد الْجَواب تقبل رِوَايَته، وَإِلَّا فَلَا (أما مَعَ عدمهَا) أَي معرفَة حَاله (فَيجب اعْتِبَار) السن (الْغَالِب) فِي (التَّمْيِيز) أَي لذِي يحصل فِيهِ التَّمْيِيز غَالِبا (سبع) عطف بَيَان للْغَالِب لقَوْله ﷺ " مروا الصَّبِي بِالصَّلَاةِ إِذا بلغ سبع سِنِين فَإِنَّهُ عِنْد ذَلِك يَأْكُل وَحده وَيشْرب وَحده، ويستنجي وَحده ". (وأفرط مُعْتَبر خَمْسَة عشر) حَتَّى قَالَ أَحْمد فِيهِ: بئس القَوْل. حكى ذَلِك عَن ابْن معِين، وَقيل هُوَ عَجِيب من هَذَا الْعَالم المكين، وَقيل مَتى فرق بَين الْبَقَرَة وَالْحمار، وَهُوَ مَنْقُول عَن عِيسَى بن هَارُون الْحمال (وَالْإِسْلَام كَذَلِك) أَي وَمِنْهَا كَون الرَّاوِي مُسلما حِين الْأَدَاء، لَا التَّحَمُّل (لقبُول) رِوَايَة (جُبَير فِي قِرَاءَته) أَي أَنه سمع النَّبِي ﷺ يقْرَأ (فِي الْمغرب بِالطورِ) والْحَدِيث (فِي الصَّحِيحَيْنِ) مَعَ أَن سَمَاعه إِيَّاهَا مِنْهُ ﷺ إِنَّمَا كَانَ قبل أَن يسلم لما جَاءَ فِي فدَاء أُسَارَى بدر (وَلعدم الاستفسار) عَن مَرْوِيّ الصَّحَابِيّ وَغَيره هَل تحمله فِي حَالَة الْكفْر أَو الْإِسْلَام؟ وَلَو كَانَ التَّحَمُّل فِي حَالَة الْإِسْلَام شَرط قبُول الرِّوَايَة لاستفسر، وَلَو استفسر لنقل (بِخِلَافِهِ) أَي أَدَائِهِ (فِي الْكفْر) فَإِنَّهُ لَا يقبل لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق﴾ الْآيَة (وَهُوَ) أَي الْفَاسِق (الْكَافِر بعرفهم) أَي السّلف (وَهُوَ) أَي الْكَافِر (مِنْهُ) أَي مِمَّا صدق عَلَيْهِ الْفَاسِق، لِأَنَّهُ اسْم للْخَارِج عَن طَاعَة الله (وللتهمة) أَي تُهْمَة الْعَدَاوَة الدِّينِيَّة، لِأَن الْكَلَام فِيمَا يثبت بِهِ الْأَحْكَام، فَرُبمَا تحمله الْعَدَاوَة الدِّينِيَّة على السَّعْي فِيمَا يخل بِالدّينِ (والمبتدع بِمَا) أَي ببدعة (هُوَ كفر) كغلاة
الروافض والخوارج (مثله) أَي الْكَافِر الْأَصْلِيّ (عِنْد الْمُكَفّر) وَهُوَ الْأَكْثَرُونَ على مَا قَالَه الْآمِدِيّ، وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب بِجَامِع الْفسق وَالْكفْر (وَالْوَجْه خِلَافه) أَي خلاف هَذَا القَوْل وَهُوَ أَنه إِن اعْتقد حُرْمَة الْكَذِب قبلنَا رِوَايَته، وَإِلَّا فَلَا كَمَا اخْتَارَهُ الإِمَام الرَّازِيّ والبيضاوي وَغَيرهمَا (لِأَنَّهُ) أَي ابتداعه بِمَا هُوَ سَبَب لتكفيره مقرون (بِتَأْوِيل) كَلَام (الشَّرْع) فَكيف يكون كالمنكر لدين الْإِسْلَام على أَن اعْتِقَاده حُرْمَة الْكَذِب يمنعهُ من الْإِقْدَام عَلَيْهِ، فيغلب على الظَّن صدقه: فَالْمُعْتَمَد عِنْد الْمُحَقِّقين أَن الَّذِي ترد رِوَايَته من أنكر أمرا متواترا من الشَّرْع مَعْلُوما من الدّين بِالضَّرُورَةِ، وَكَذَا من اعْتقد عَكسه كَذَا نقل الشَّارِح عَن الْحَافِظ الْعَسْقَلَانِي، وَمن لم يكن بِهَذِهِ الصّفة وَكَانَ ضابطا لما يرويهِ مَعَ ورعه وتقواه فَلَا مَانع من قبُوله (وَغَيره)
следующие страницы →