← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6327

تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه

أمير باد شاه

Полный текст (1 287 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وَالثَّانِي للالتزام، أما الِالْتِزَام فَظَاهر، وَأما التضمن فَلِأَن الْجُود لما كَانَ إِفَادَة مَا يَنْبَغِي لَا لعوض كَانَ جُزْءا من كل إِعْطَاء مَخْصُوص، وَهَذَا بِالنّظرِ إِلَى الظَّاهِر، وَإِلَّا فالجود صفة فِي النَّفس هِيَ مبدأ تِلْكَ الإفادة انْتهى (فَمَا قيل) وَالْقَائِل ابْن الْحَاجِب إِذا اخْتلف الْمُتَوَاتر فِي الوقائع (الْمَعْلُوم مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ بتضمن أَو الْتِزَام تساهل) إِذْ قد عرفت أَنه لَيْسَ فِي الْقسم الثَّانِي تضمن وَلَا الْتِزَام، وَفِي الْقسم الأول تتَحَقَّق الدلالات الثَّلَاث، لَكِن قد يُرَاد بالالتزام الْمَعْنى الْأَعَمّ (وَأما الْآحَاد فخبر لَا يُفِيد بِنَفسِهِ الْعلم) سَوَاء لم يفد أصلا أَو يفِيدهُ بالقرائن الْمُنْفَصِلَة، فَلَا وَاسِطَة بَين الْمُتَوَاتر وَخبر الْآحَاد، وَهَذَا التَّعْرِيف لَا يتم على قَول أَحْمد: خبر الْوَاحِد يُفِيد الْعلم بِنَفسِهِ مطردا، وعَلى قَول بَعضهم يُفِيد غير مطرد وَسَيَأْتِي (وَقيل مَا يُفِيد الظَّن، وَاعْترض بِمَا لم يفده، وَدفع بِأَنَّهُ) أَي الْخَبَر الَّذِي لم يفده (لَا يُرَاد) دُخُوله فِي التَّعْرِيف لِأَنَّهُ غير دَاخل فِي الْمَحْدُود (إِذْ لَا يثبت بِهِ) أَي بِمَا لم يفده (حكم) وَالْمرَاد مَا يُفِيد الحكم وَهل هَذَا يثبت الْوَاسِطَة (وَلَيْسَ) هَذَا الدّفع بِشَيْء (إِذْ ثَبت بالضعيف) أَي بِالْحَدِيثِ الَّذِي ضعفه (بِغَيْر وضع) أَي كذب (الْفَضَائِل وَهُوَ النّدب) وَهُوَ حكم شَرْعِي، وَقد يُقَال: إِذا ثَبت النّدب لزمَه إِفَادَة الظَّن، وَالْكَلَام فِيمَا لَا يفِيدهُ فَلْيَكُن مَادَّة النَّقْض الْخَبَر الْمَوْضُوع، وَحَاصِل الدّفع تَقْيِيد الْمَحْدُود بِمَا يثبت الحكم، وَقد يُقَال ثُبُوت الْفَضَائِل بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف لَا يسْتَلْزم إفادته الظَّن، كَيفَ وإفادة الظَّن وَظِيفَة الصَّحِيح وَالْحسن، بل ثُبُوت مندوبية الْعَمَل بالضعيف: أَي بمضمونه إِنَّمَا هُوَ لرعاية الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح أَو الْمسَاوِي رَغْبَة فِي الطَّاعَة وَعدم الْمَانِع عَن الْعَمَل بِهِ لإباحته الْأَصْلِيَّة (وَمِنْه) أَي خبر الْآحَاد (قسم يُسمى المستفيض) وَهُوَ (مَا رَوَاهُ ثَلَاثَة فَصَاعِدا أَو مَا زَاد عَلَيْهَا) أَي الثَّلَاثَة، وَالْمرَاد مَا لم ينْتَه إِلَى التَّوَاتُر، تَركه لظُهُوره بِقَرِينَة التقابل وَغَيره. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ: أقل مَا يثبت بِهِ الاستفاضة اثْنَان. وَقَالَ السُّبْكِيّ وَالْمُخْتَار عندنَا أَن المستفيض مَا يعده النَّاس شَائِعا وَقد صدر عَن أصل (وَالْحَنَفِيَّة) قَالُوا (الْخَبَر متواتر وآحاد ومشهور وَهُوَ) أَي الْمَشْهُور (مَا كَانَ آحَاد الأَصْل متواترا فِي الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث فبينه) أَي الْمَشْهُور (وَبَين المستفيض عُمُوم من وَجه) لصدقهما على مَا رَوَاهُ الثَّلَاثَة فَصَاعِدا مَا لم يتواتر فِي الْقرن الأول ثمَّ تَوَاتر فِي أحد القرنين وانفراد المستفيض إِذا لم ينْتَه فِي أَحدهمَا إِلَى التَّوَاتُر وانفراد الْمَشْهُور فِيمَا رَوَاهُ وَاحِد أَو اثْنَان فِي الأَصْل ثمَّ تَوَاتر فِي الثَّانِي أَو الثَّالِث (وَهُوَ) أَي الْمَشْهُور (قسم من الْمُتَوَاتر عِنْد الْجَصَّاص) فِي جمَاعَة من الْحَنَفِيَّة (وعامتهم) أَي الْحَنَفِيَّة على أَن الْمَشْهُور (قسيم) للمتواتر (فالآحاد مَا لَيْسَ أَحدهمَا) أَي الْمُتَوَاتر وَالْمَشْهُور (والمتواتر عِنْده) أَي الْجَصَّاص (مَا أَفَادَ الْعلم بمضمون الْخَبَر ضَرُورَة أَو نظرا وَهُوَ) أَي مُفِيد الْعلم بمضمونه نظرا (الْمَشْهُور وعَلى هَذَا)

стр. 737

أَي أَن الْمَشْهُور يُفِيد الْعلم نظرا (قيل) الْجَصَّاص (يكفر) جاحده (بجحده)، وعامتهم لَا يكفرونه، وَالْقَائِل صدر الشَّرِيعَة (وَالْحق الِاتِّفَاق على عَدمه) أَي الإكفار كَمَا نَص السَّرخسِيّ (لآحادية أَصله فَلم يكن) جَحده (تَكْذِيبًا لَهُ ﵇، بل ضَلَالَة لتخطئة الْمُجْتَهدين) فِي الْقبُول وَاتِّبَاع مُوجبه (وَلِأَن الإفادة) للْعلم (إِذا كَانَت نظرية توقفت عَلَيْهِ) أَي النّظر (وَقد يعجز عَنهُ) النّظر (أَو يذهل عَنهُ، وَحَاصِل ذَلِك النّظر) فِي الْعلم المفاد بالمشهور على قَوْله ثُبُوت (الْإِجْمَاع الْمُتَأَخر) على (أَنه) أَي الْمَشْهُور (صَحَّ عَنهُ ﷺ فَيلْزم الْقطع بِهِ) أَي الْمَشْهُور (قُلْنَا اللَّازِم) من تلقيهم بِالْقبُولِ (الْقطع بِصِحَّة الرِّوَايَة) لَهُ (بِمَعْنى اجْتِمَاع شَرَائِط الْقبُول لَا الْقطع بِأَنَّهُ) أَي الْمَشْهُور (قَالَه) أَي النَّبِي ﷺ (وَلَو كَانَ) الْإِجْمَاع الْمُتَأَخر (على) وجوب (الْعَمَل بِهِ) أَي الْمَشْهُور (فَكَذَلِك) أَي لَا يكفر جاحده (لما ذكرنَا من معنى الخفاء) الْمُوجب للعجز أَو الذهول فِي الْبَعْض بِخِلَاف الْمُتَوَاتر فَإِنَّهُ كالمسموع مِنْهُ ﷺ وتكذيبه كفر (ثمَّ يُوجب) الْمَشْهُور عِنْد عَامَّة الْحَنَفِيَّة (ظنا فَوق) ظن الْخَبَر (الْآحَاد قَرِيبا من الْيَقِين) وَهُوَ مَا سَمَّاهُ الْقَوْم علم طمأنينة لاطمئنان النَّفس وتوطينها وتسكيها عَن مزاجة احْتِمَال النقيض (لمقولية الظَّن) على أَفْرَاده (بالتشكيك) فبعضها أقوى من الْبَعْض (فَوَجَبَ تَقْيِيد مُطلق الْكتاب بِهِ) أَي الْمَشْهُور (كتقييد) مُطلق (آيَة جلد الزَّانِي) الشَّامِل للمحصن وَغَيره (بِكَوْنِهِ) أَي الزَّانِي (غير مُحصن برجم مَاعِز) أَي بِدَلِيل أَنه ﷺ رجم ماعزا من غير جلد كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا (وَقَوله) ﷺ : " الثّيّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة " (ورجم بِالْحِجَارَةِ) ذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَن هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ وَلَا يجمع بَين الْجلد وَالرَّجم، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَرِوَايَة عَن أَحْمد وَيجمع فِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ، وَأهل الظَّاهِر كَذَلِك، ثمَّ إِن النّسخ إِنَّمَا هُوَ للْجمع بَينهمَا، وأصل الرَّجْم لَيْسَ بمنسوخ فيصلح مُقَيّدا (و) تَقْيِيد مُطلق (صَوْم كَفَّارَة الْيَمين) الشَّامِل للتتابع وَغَيره (بالتتابع بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود) فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات كَمَا مر (لشهرتها) أَي قِرَاءَته (فِي الصَّدْر الأول، وَهُوَ) أَي الشُّهْرَة فِيهِ (الشَّرْط) فِي وجوب تَقْيِيد الْكتاب بِهِ (و) تَقْيِيد (آيَة غسل الرجل) فِي الْوضُوء (بِعَدَمِ التخفف) أَي لبس الْخُف (بِحَدِيث الْمسْح) على الْخُف الْمخْرج فِي الصِّحَاح وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد وَغَيرهَا (إِن لم يكن متواترا) قَالَ أَبُو حنيفَة: من أنكر الْمسْح على الْخُفَّيْنِ يخَاف عَلَيْهِ الْكفْر، فَإِنَّهُ ورد فِيهِ من الْأَخْبَار مَا يشبه الْمُتَوَاتر. وَقَالَ أَبُو يُوسُف خبر الْمسْح يجوز نسخ الْكتاب بِهِ لشهرته، وَقد نَص ابْن عبد الْبر على أَنه متواتر، وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ. قَالَ الْكَرْخِي أثبتنا الْكفْر على من لَا يرى الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.

стр. 738

(فصل: فِي شَرَائِط الرَّاوِي. مِنْهَا كَونه بَالغا حِين الْأَدَاء) وَإِن لم يكن بَالغا وَقت التَّحَمُّل (لإنفاقهم) أَي الصَّحَابَة وَغَيرهم (على) قبُول رِوَايَة (ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير والنعمان ابْن بشير وَأنس بِلَا استسفار) عَن الْوَقْت الَّذِي تحملوا فِيهِ مَا يَرْوُونَهُ عَن النَّبِي ﷺ . جَاءَ فِي صَحِيح البُخَارِيّ مَا يدل على أَن ابْن عَبَّاس أدْرك فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ غير أَنه تحمل صَغِيرا وَأدّى كَبِيرا، فقد قيل لَهُ أشهدت الْعِيد مَعَ رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ نعم، وَلَوْلَا مَكَاني مِنْهُ مَا شهدته من الصغر، رَوَاهُ البُخَارِيّ، توفّي رَسُول الله ﷺ وَسن ابْن الزبير والنعمان دون الْعشْر، وَاتفقَ أهل السبر وَالْأَخْبَار وَمن صنف أَن ابْن الزبير أول مَوْلُود فِي الْإِسْلَام فِي الْمَدِينَة من قُرَيْش، ولد فِي السّنة الثَّانِيَة، والنعمان من أقرانه، وَهُوَ أول مَوْلُود فِي الْأَنْصَار بعد الْهِجْرَة، وَأما أنس فَكَانَ ابْن عشر سِنِين لما قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة وعرضته أمه على النَّبِي ﷺ لخدمته فَقبله، وَتُوفِّي ﷺ وَهُوَ ابْن عشْرين سنة. وَقد روى لَهُ عَن النَّبِي ﷺ ألفا حَدِيث وَمِائَتَا حَدِيث وَسِتَّة وَثَمَانُونَ حَدِيثا (فَبَطل الْمَنْع) أَي منع قبُوله لكَون الصغر مَظَنَّة عدم الضَّبْط والتحرير. (وَأما إسماعهم الصّبيان) للْحَدِيث كَمَا جرت بِهِ عَادَة السّلف وَالْخلف (فَغير مُسْتَلْزم) قبُول رِوَايَته بعد الْبلُوغ أَلْبَتَّة، لجَوَاز أَن يكون ذَلِك للتبرك (وَقبل الْمُرَاهق شذوذ مَعَ تحكيم الرَّأْي) فَإِذا وَقع فِي ظن السَّامع صدقه قبل رِوَايَته فِي الْمُعَامَلَات والديانات (قُلْنَا: الْمُعْتَمد الصَّحَابَة وَلم يرجِعوا إِلَيْهِ) أَي الصَّحَابَة إِلَى الْمُرَاهق (واعتماد أهل قبَاء على أنس أَو ابْن عمر لسن الْبلُوغ) هَذَا جَوَاب شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ عَن الْقَائِلين بِقبُول رِوَايَة الصَّبِي فِي بَاب الدّين بِحَدِيث أهل قبَاء حَيْثُ قَالُوا أَن عبد الله بن عمر أَتَاهُم وَأخْبرهمْ بتحويل الْقبْلَة إِلَى الْكَعْبَة وهم كَانُوا فِي الصَّلَاة فاستداروا كَهَيْئَتِهِمْ، وَكَانَ يَوْمئِذٍ صَغِيرا لِأَنَّهُ عرض عَلَيْهِ ﷺ يَوْم بدر وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة، وتحويل الْقبْلَة كَانَ قبل بدر بشهرين، فقد اعتمدوا خَبره فِيمَا لَا يجوز الْعَمَل بِهِ إِلَّا بِعلم، وَهُوَ الصَّلَاة وَلم يُنكر عَلَيْهِم ﷺ . قَالَ: وَلَكنَّا نقُول أَن الَّذِي أَتَاهُم أنس بن مَالك، وَقد روى أَنه عبد الله بن عمر ﵁ فَإنَّا نحمل على أَنَّهُمَا جَاءَ أَحدهمَا بعد الآخر وأخبرا بذلك، فَإِنَّمَا تحولوا معتمدين على رِوَايَة الْبَالِغ وَهُوَ أنس، أَو ابْن عمر كَانَ بَالغا يَوْمئِذٍ، وَإِنَّمَا رده رَسُول الله ﷺ لضعف بنيته، لَا لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرا انْتهى. وَقَالَ الْأَتْقَانِيّ: أَن الْمخبر لم يكن ابْن عمر، وَإِنَّمَا هُوَ رَاوِي أخباره، وَأَنه عرض يَوْم أحد وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة، وَلم يجزه ﷺ ، وَعرض يَوْم الخَنْدَق وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة فَأَجَازَهُ: ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه، وَأَن تَحْويل الْقبْلَة كَانَ بعد الْهِجْرَة لسِتَّة

стр. 739

عشر شهرا أَو سَبْعَة عشر، وأنسا كَانَ ابْن عشر سِنِين فَكيف كَانَ بَالغا، وَأحد كَانَت فِي شَوَّال سنة ثَلَاث، فعمره ثَلَاث عشرَة سنة، وَابْن عمر كَانَ يَوْمئِذٍ ابْن أَربع عشرَة سنة فَهُوَ أكبر من أنس بِسنة، لَا بِالْعَكْسِ (و) ذكر (المحدثون) أَن الَّذِي أَتَاهُم (عباد بن نهيك بن إساف) الشَّاعِر (وَهُوَ شيخ) كَبِير وضع عَنهُ ﷺ الْغَزْو، وَهُوَ الَّذِي صلى مَعَ النَّبِي ﷺ الظّهْر رَكْعَتَيْنِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَرَكْعَتَيْنِ إِلَى الْكَعْبَة، ثمَّ أَتَى قومه بني حَارِثَة وهم رُكُوع فِي صَلَاة الْعَصْر فَأخْبرهُم بتحويل الْقبْلَة فاستداروا إِلَى الْكَعْبَة. قَالَ الشَّارِح: حَكَاهُ المُصَنّف، وَقيل عباد بن بشر بن قيظي الأشْهَلِي: ذكره الفاكهي فِي أَخْبَار مَكَّة. قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ الْعَسْقَلَانِي: وَهَذَا أرجح، رَوَاهُ ابْن أبي خَيْثَمَة وَغَيره انْتهى. وَالَّذِي فِي صَحِيح البُخَارِيّ من رِوَايَة الْبَراء بن عَازِب أَن الرجل الْمُبْهم صلى مَعَ النَّبِي ﷺ الْعَصْر فَمر على أهل الْمَسْجِد وهم رَاكِعُونَ، وَفِي الشَّرْح فِيهِ زِيَادَة تَفْصِيل، وَحكى النَّوَوِيّ عَن الْجُمْهُور قبُول إِخْبَار الصَّبِي الْمُمَيز فِيمَا طَرِيقه الْمُشَاهدَة، بِخِلَاف مَا طَرِيقه النَّقْل كالإفتاء وَرِوَايَة الْأَخْبَار وَنَحْوه (وَالْمَعْتُوه كَالصَّبِيِّ) فِي حكمه لاشْتِرَاكهمَا فِي نُقْصَان الْعقل، وَرُبمَا يكون الصَّبِي أَعقل من الْبَالِغ، بِخِلَاف الْمَعْتُوه (ثمَّ قيل سنّ التَّحَمُّل خمس). قَالَ ابْن الصّلاح: هُوَ الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ عمل أهل الحَدِيث الْمُتَأَخِّرين (لعقلية مَحْمُود المجة) حَال كَونه (ابْن خمس) والْحَدِيث (فِي البُخَارِيّ) روى عَن مَحْمُود بن الرّبيع قَالَ: عقلت من النَّبِي ﷺ مجة مجها فِي وَجْهي وَأَنا ابْن خمس سِنِين (أَو) ابْن (أَربع). والمجة الْوَاحِدَة من المج: وَهُوَ إرْسَال المَاء من الْفَم مَعَ النفخ، وَقيل: لَا يكون مجا حَتَّى يتباعد بِهِ. (وَقيل) أقل سنّ التَّحَمُّل (أَربع لذَلِك) أَي لكَون سنّ مَحْمُود الْمَذْكُور أَرْبعا (ولتسمع ابْن اللبان) أَي تسميع أبي بكر الْمقري للْقَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن اللبان الْأَصْفَهَانِي وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين. قَالَ ابْن الصّلاح: بلغنَا عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي قَالَ: رَأَيْت صَبيا ابْن أَربع سِنِين وَقد حمل إِلَى الْمَأْمُون قد قَرَأَ الْقُرْآن وَنظر فِي الرَّأْي غير أَنه إِذا جَاع يبكي. وَقَالَ الْحَافِظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ فروينا عَن الْخَطِيب قَالَ سمعته يَقُول: حفظت الْقُرْآن ولي خمس سِنِين، وأحضرت عِنْد أبي بكر بن الْمقري ولي أَربع سِنِين، فأرادوا أَن يسمعوا لي فِيمَا حضرت قِرَاءَته فَقَالَ بَعضهم أَنه يصغر عَن السماع، فَقَالَ لي ابْن الْمقري: اقْرَأ سُورَة الْكَافِرُونَ فقرأتها: فَقَالَ: اقْرَأ سُورَة التكوير فقرأتها، فَقَالَ لي غَيره: اقْرَأ سُورَة المرسلات فقرأتها، فَقَالَ ابْن الْمقري: سمعُوا لَهُ والعهدة عَليّ (وَصحح عدم التَّقْدِير، بل) المناط فِي الصِّحَّة (الْفَهم، وَالْجَوَاب) فَإِذا فهم الْخطاب ورد الْجَواب كَانَ سَمَاعه صَحِيحا، وَإِن كَانَ ابْن أقل من خمس وَإِلَّا لم يَصح، وَأَن

стр. 740

زَاد عَلَيْهَا وَمَا ذَاك إِلَّا (للِاخْتِلَاف) أَي اخْتِلَاف الصّبيان، بل النَّاس فِي فهم الْخطاب ورد الْجَواب، فَلَا يتَقَيَّد بسن (وَحفظ المجة، وَإِدْرَاك ابْن اللبان لَا يطرد) بِأَن يحصل كل من الْحِفْظ والإدراك لكل من أدْرك ذَلِك السن (وَهَذَا) أَي كَون الصَّحِيح عدم التَّقْدِير بسن خَاص (يُوقف الحكم بِقبُول من علم سَمَاعه صَبيا على معرفَة حَاله فِي صباه) فَإِن علم أَنه كَانَ بِحَيْثُ يفهم الْخطاب وَيرد الْجَواب تقبل رِوَايَته، وَإِلَّا فَلَا (أما مَعَ عدمهَا) أَي معرفَة حَاله (فَيجب اعْتِبَار) السن (الْغَالِب) فِي (التَّمْيِيز) أَي لذِي يحصل فِيهِ التَّمْيِيز غَالِبا (سبع) عطف بَيَان للْغَالِب لقَوْله ﷺ " مروا الصَّبِي بِالصَّلَاةِ إِذا بلغ سبع سِنِين فَإِنَّهُ عِنْد ذَلِك يَأْكُل وَحده وَيشْرب وَحده، ويستنجي وَحده ". (وأفرط مُعْتَبر خَمْسَة عشر) حَتَّى قَالَ أَحْمد فِيهِ: بئس القَوْل. حكى ذَلِك عَن ابْن معِين، وَقيل هُوَ عَجِيب من هَذَا الْعَالم المكين، وَقيل مَتى فرق بَين الْبَقَرَة وَالْحمار، وَهُوَ مَنْقُول عَن عِيسَى بن هَارُون الْحمال (وَالْإِسْلَام كَذَلِك) أَي وَمِنْهَا كَون الرَّاوِي مُسلما حِين الْأَدَاء، لَا التَّحَمُّل (لقبُول) رِوَايَة (جُبَير فِي قِرَاءَته) أَي أَنه سمع النَّبِي ﷺ يقْرَأ (فِي الْمغرب بِالطورِ) والْحَدِيث (فِي الصَّحِيحَيْنِ) مَعَ أَن سَمَاعه إِيَّاهَا مِنْهُ ﷺ إِنَّمَا كَانَ قبل أَن يسلم لما جَاءَ فِي فدَاء أُسَارَى بدر (وَلعدم الاستفسار) عَن مَرْوِيّ الصَّحَابِيّ وَغَيره هَل تحمله فِي حَالَة الْكفْر أَو الْإِسْلَام؟ وَلَو كَانَ التَّحَمُّل فِي حَالَة الْإِسْلَام شَرط قبُول الرِّوَايَة لاستفسر، وَلَو استفسر لنقل (بِخِلَافِهِ) أَي أَدَائِهِ (فِي الْكفْر) فَإِنَّهُ لَا يقبل لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق﴾ الْآيَة (وَهُوَ) أَي الْفَاسِق (الْكَافِر بعرفهم) أَي السّلف (وَهُوَ) أَي الْكَافِر (مِنْهُ) أَي مِمَّا صدق عَلَيْهِ الْفَاسِق، لِأَنَّهُ اسْم للْخَارِج عَن طَاعَة الله (وللتهمة) أَي تُهْمَة الْعَدَاوَة الدِّينِيَّة، لِأَن الْكَلَام فِيمَا يثبت بِهِ الْأَحْكَام، فَرُبمَا تحمله الْعَدَاوَة الدِّينِيَّة على السَّعْي فِيمَا يخل بِالدّينِ (والمبتدع بِمَا) أَي ببدعة (هُوَ كفر) كغلاة الروافض والخوارج (مثله) أَي الْكَافِر الْأَصْلِيّ (عِنْد الْمُكَفّر) وَهُوَ الْأَكْثَرُونَ على مَا قَالَه الْآمِدِيّ، وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب بِجَامِع الْفسق وَالْكفْر (وَالْوَجْه خِلَافه) أَي خلاف هَذَا القَوْل وَهُوَ أَنه إِن اعْتقد حُرْمَة الْكَذِب قبلنَا رِوَايَته، وَإِلَّا فَلَا كَمَا اخْتَارَهُ الإِمَام الرَّازِيّ والبيضاوي وَغَيرهمَا (لِأَنَّهُ) أَي ابتداعه بِمَا هُوَ سَبَب لتكفيره مقرون (بِتَأْوِيل) كَلَام (الشَّرْع) فَكيف يكون كالمنكر لدين الْإِسْلَام على أَن اعْتِقَاده حُرْمَة الْكَذِب يمنعهُ من الْإِقْدَام عَلَيْهِ، فيغلب على الظَّن صدقه: فَالْمُعْتَمَد عِنْد الْمُحَقِّقين أَن الَّذِي ترد رِوَايَته من أنكر أمرا متواترا من الشَّرْع مَعْلُوما من الدّين بِالضَّرُورَةِ، وَكَذَا من اعْتقد عَكسه كَذَا نقل الشَّارِح عَن الْحَافِظ الْعَسْقَلَانِي، وَمن لم يكن بِهَذِهِ الصّفة وَكَانَ ضابطا لما يرويهِ مَعَ ورعه وتقواه فَلَا مَانع من قبُوله (وَغَيره)

стр. 741

أَي غير المبتدع بِمَا هُوَ كفر (كالبدع الجلية) أَي كالمبتدع بالبدع الجلبة (كفسق الْخَوَارِج) وهم سبع فرق: لَهُم ضلالات فاضحة، وأباطيل وَاضِحَة تعرف فِي كتب الْكَلَام. وَالْمرَاد بفسقهم بمذهبهم الْبَاطِل المستلزم خُرُوجهمْ عَن طَاعَة الله سُبْحَانَهُ (وفيهَا) أَي الْبدع الجلية مذهبان (الرَّد) للشَّهَادَة وَالرِّوَايَة لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وَالْأَمر بالتبين دَلِيل الرَّد وَهُوَ فَاسق (وَالْأَكْثَر الْقبُول) لما اشْتهر بَين الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء عَنهُ ﷺ من قَوْله (أمرت أَن أحكم بِالظَّاهِرِ) وَالله يتَوَلَّى السرائر، وَقَول صَاحب الْبِدْعَة ظَاهِرَة الصدْق. وَقَالَ الذَّهَبِيّ وَغَيره: لَا أصل لَهُ، وَنقل عَن بعض الْمُحدثين أَنه رَآهُ فِي كتاب يُسمى: " إدارة الْأَحْكَام ". وَقَالَ بعض الْحفاظ: لم أَقف على هَذَا الْكتاب. وَقَالَ ابْن كثير: يُؤْخَذ من حَدِيث أم سَلمَة فِي الصَّحِيحَيْنِ " إِنَّمَا أَنا بشر وَإِنَّكُمْ تختصمون إِلَيّ فَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض فأقضي لَهُ على نَحْو مَا أسمع، فَمن قضيت لَهُ بِشَيْء من حق أَخِيه فَلَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار ". (وَلَا يُعَارض) هَذَا الْمَرْوِيّ (الْآيَة لنأولها بالكافر أَو) بِأَن المُرَاد الْفَاسِق (بِلَا تَأْوِيل أَنه) أَي فسقه (من الدّين) وَهَذَا المبتدع يعد فسقه من الدّين (بِخِلَاف استدلالهم) أَي الْأَكْثَرين بِأَن السّلف (أَجمعُوا على قبُول) رِوَايَة (قتلة عُثْمَان) ﵁ (وَهِي) أَي بِدعَة قَتله (جلية) عِنْد أهل الْحق فَإِنَّهُ (رد بِمَنْع إِجْمَاع الْقبُول) لروايتهم. قَالَ السُّبْكِيّ: بل الْإِجْمَاع قَائِم على رد روايتهم لعدم الريب فِي كفرهم لاستحلالهم قَتله، وَالْكَافِر مَرْدُود إِجْمَاعًا وَأَن لم يستحلوه فَلَا ريب فِي فسقهم. وَقَالَ بعض الْحفاظ أَن دَعْوَى الْإِجْمَاع مجازفة، لِأَنَّهُ أَرَادَ من بَاشر قَتله فَلَيْسَ لأحد مِنْهُم رِوَايَة، وَإِن أَرَادَ من حاصره أَو رَضِي بقتْله، فَأهل الشَّام قاطبة مَعَ من كَانَ فيهم من الصَّحَابَة وكبار التَّابِعين، إِمَّا مكفر لأولئك وَإِمَّا مفسق. وَأما غير أهل الشَّام فَكَانُوا ثَلَاث فرق: فرقة على هَذَا الرَّأْي، وَفرْقَة سَاكِنة، وَفرْقَة على رَأْي أُولَئِكَ فَأَيْنَ الْإِجْمَاع؟ (وَلَو سلم) قبُول رِوَايَة قتلته (فَلَيْسَ) قتل عُثْمَان (مِنْهَا) أَي الْبدع الجلية (لِأَن بَعضهم يرَاهُ) أَي قَتله حَقًا (اجتهاديا فَلَا يفسقهم وَنقل) هَذَا (عَن عمار وعدي بن حَاتِم) من الصَّحَابَة (وَالْأَشْتَر) فِي جمَاعَة (وَأما غير) الْبدع (الجلية كنفي زِيَادَة الصِّفَات) الثبوتية من الْحَيَاة وَالْقُدْرَة وَالْعلم وَغَيرهَا لله تَعَالَى كَمَا عَلَيْهِ الْمُعْتَزلَة وَقَالَ هُوَ حَيّ عَالم قَادر بِنَفسِهِ من غير حَاجَة إِلَى صفة زَائِدَة على الذَّات (فَقيل يقبل) خَبره (اتِّفَاقًا، وَإِن ادّعى كل) من المتخالفين (الْقطع بخطأ الآخر لقُوَّة شبهته عِنْده وَإِطْلَاق فَخر الْإِسْلَام رد) رِوَايَة (من دَعَا إِلَى بدعته) وشهادته (وَقبُول غَيره) أَي غير الدَّاعِي إِلَى بدعته من المبتدعة، لِأَن ذَلِك قد يحمل على تَحْرِيف الرِّوَايَات إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ مذْهبه، وعزى

стр. 742

إِلَى مَالك وَأحمد والمحدثين أَن الصدوق المتقن إِذا كَانَ فِيهِ بِدعَة وَلم يكن يَدْعُو إِلَيْهَا يحْتَج بإخباره، وَإِذا دَعَا إِلَيْهَا سقط الِاحْتِجَاج. قَالَ ابْن الصّلاح وَغَيره: هُوَ أعدل الْأَقْوَال وأقواها (يخصصه) أَي إِطْلَاق عدم قبُول ذِي الْبِدْعَة الجلية اتِّفَاقًا، كَذَا قَالَ الشَّارِح. وَالْمَذْكُور فِيمَا سبق أَن فِي الْبِدْعَة الجلية مذهبين، وَالْأَكْثَر الْقبُول فَالْحق أَن الْمَعْنى تَخْصِيص إِطْلَاق قبُول ذِي الْبِدْعَة الَّتِي لَيست بالجلية الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله، فَقيل: يقبل اتِّفَاقًا إِلَى آخِره كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله (لاقْتِضَائه) أَي إِطْلَاق فَخر الْإِسْلَام (رد الدَّاعِي من نفاة الزِّيَادَة) لِأَن قَوْله من دعى إِلَى بدعته يعم صَاحب الجلية وَغَيرهَا (وتعليله) أَي تَعْلِيل فَخر الْإِسْلَام (بِأَن الدعْوَة دَاع إِلَى التقول) أَي الْكَذِب (يخصصه) أَي الرَّد، كَذَا فِي نُسْخَة الشَّارِح، وَفِي النُّسْخَة الَّتِي يعْتَمد عَلَيْهَا يُقيد النَّفْي (بِرِوَايَة وفْق مذْهبه) أَي بِرِوَايَة الدَّاعِي مَا هُوَ على وفْق مذْهبه، لِأَن دَعوته إِلَى مذْهبه لَا تستدعي الْكَذِب فِيمَا لَا تعلق لَهُ بترويج مذْهبه وَهُوَ ظَاهر (لَا مُطلقًا) بِأَن لَا تقبل رِوَايَته فِيمَا لَا تعلق لَهُ بمذهبه أَيْضا كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَام بعض الْمُحدثين (وتعليله) أَي فَخر الْإِسْلَام (قبُول شَهَادَة أهل الْأَهْوَاء) جمع هوى مَقْصُور: وَهُوَ الْميل إِلَى الشَّهَوَات والمستلذات من غير دَاعِيَة الشَّرْع، وَالْمرَاد المبتدعون المائلون إِلَى مَا يهوونه من أَمر الدّين (إِلَّا الخطابية) من الرافضة المنسوبين إِلَى أبي الْخطاب مُحَمَّد بن أبي وهب، وَقيل ابْن أبي زَيْنَب الْأَسدي الأجدع كَانَ يزْعم أَن عليا الْإِلَه الْأَكْبَر وجعفرا الصَّادِق الْإِلَه الْأَصْغَر، وَفِي المواقف قَالُوا: الْأَئِمَّة أَنْبيَاء وَأَبُو الْخطاب نَبِي ففرضوا طَاعَته، بل زادوا على ذَلِك الْأَئِمَّة آلِهَة والحسنان ابْنا الله، وجعفر إِلَه، لَكِن أَبُو الْخطاب أفضل مِنْهُ وَمن عَليّ، فقبحهم الله تَعَالَى مَا أَشد غباوتهم (المتدينين بِالْكَذِبِ لموافقتهم) أَي الَّذين اتَّخذُوا جَوَاز شَهَادَة الْكَذِب لمن وافقهم فِي الْمَذْهَب دينا لَهُم (أَو للْحَالِف) لَهُم على صدقه (بِأَن) صلَة التَّعْلِيل (صَاحب الْهوى وَقع فِيهِ) أَي فِي الْهوى (لتعمقه) فِي الْخَوْض فِي الدّين (وَذَلِكَ) أَي تعمقه فِيهِ (يصده) أَي يمنعهُ (عَن الْكَذِب أَو يرَاهُ) أَي الْكَذِب (حَرَامًا) لِأَن حرمته بِاتِّفَاق جَمِيع الْمذَاهب سوى الخطابية، ثمَّ قَوْله: وتعليله إِلَى آخِره مُبْتَدأ خَبره (يُوجب قبُول) رِوَايَة (الْخَوَارِج كالأكثر) أَي كَقَوْلِهِم لِأَن التعمق الصَّادِر عَن الْكَذِب مَوْجُود فيهم (وَأما شرب النَّبِيذ) من التَّمْر أَو الزَّبِيب إِذا طبخ أدنى طبخة وَإِن اشْتَدَّ مَا لم يسكر من غير لَهو (واللعب بالشطرنج) بالشين مُعْجمَة ومهملة مَفْتُوحَة ومكسورة وَالْفَتْح أشهر بِلَا قمار (وَأكل مَتْرُوك التَّسْمِيَة عمدا من مُجْتَهد ومقلده) أَي الْمُجْتَهد (فَلَيْسَ بفسق) قَوْله من مُجْتَهد مُتَعَلق بِكُل وَاحِد من الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة وَذَلِكَ لِأَن تفسيقهم مُخَالف لما أجمع عَلَيْهِ من أَن للمجتهد أَن يعْمل بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وللمقلد

стр. 743

اتِّبَاع الْمُقَلّد (وَمِنْهَا) أَي وَمن الشَّرَائِط (رُجْحَان ضَبطه) أَي الرَّاوِي (على غفلته ليحصل الظَّن) بِثُبُوتِهِ من الشَّارِع (وَيعرف) رُجْحَان ضَبطه (بالشهرة وبموافقة الْمَشْهُورين بِهِ) أَي الضَّبْط فِي رواياته فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى (أَو غلبتها) أَي الْمُوَافقَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعرف رُجْحَان ضَبطه بذلك (فغفلة) أَي فَظَاهر حَاله غَفلَة فَلَا يحْتَج بروايته وَمَا ذكره من الشُّهْرَة والموافقة الخ عَلامَة خَارِجَة عَن حَقِيقَة الضَّبْط (وَأما) تَعْرِيفه بِمَا هُوَ (فِي نَفسه فللحنفية) فِيهِ قَول واف وَهُوَ (توجهه) أَي السَّامع (بكليته) بِأَن لَا يكون لَهُ الْتِفَات إِلَى غير الْمَرْوِيّ (إِلَى كُله) أَي إِلَى مَجْمُوع كَلَام الْمُحدث من أَوله إِلَى آخِره (عِنْد سَمَاعه ثمَّ حفظه) أَي محافظته للمروي فِي الْقلب أَو فِي الْكتاب (بتكريره) لفظا وَمعنى على الأول، وبصون الْكتاب على الثَّانِي (ثمَّ الثَّبَات) عَلَيْهِ بمذاكرته (إِلَى أَدَائِهِ وَمِنْهَا الْعَدَالَة حَال الْأَدَاء وَإِن تحمل فَاسِقًا إِلَّا بفسق) تعمد (الْكَذِب عَلَيْهِ، ﷺ عِنْد أَحْمد وَطَائِفَة) كَأبي بكر الْحميدِي شيخ البُخَارِيّ والصيرفي، يُؤْخَذ هَذَا من قَوْله ﷺ " إِن كذبا عَليّ لَيْسَ ككذب على أحد من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " فَإِنَّهُ متواتر على مَا ذكره ابْن الصّلاح، وَذَهَبت طَائِفَة من الْعلمَاء أَن الْكَذِب عَلَيْهِ ﷺ كفر، غير أَن أَمْثَاله تحمل على الِاسْتِمْرَار عَلَيْهِ من غير تَوْبَة (وَالْوَجْه الْجَوَاز) لروايته وشهادته (بعد ثُبُوت الْعَدَالَة) لِأَن الْمُخْتَار كَمَا ذكره النَّوَوِيّ الْقطع بِصِحَّة تَوْبَته من ذَلِك وَقبُول رِوَايَته بعد صِحَة تَوْبَته، وَقد أَجمعُوا على قبُول رِوَايَة من كَانَ كَافِرًا وَقت التَّحَمُّل ثمَّ أسلم وَكَذَا شَهَادَته (وَهِي) أَي الْعَدَالَة (ملكة) أَي كَيْفيَّة راسخة فِي النَّفس (تحمل على مُلَازمَة التَّقْوَى) وَهُوَ اجْتِنَاب الْكَبَائِر، إِذا الصَّغَائِر مكفرة باجتنابها لقَوْله تَعَالَى - ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سيآتكم﴾ ﴿والمروءة﴾ بِالْهَمْز وَيجوز تَركه وَتَشْديد الرَّاء: وَهِي صِيَانة النَّفس عَن الأدناس، وَمَا يشينها عِنْد النَّاس، وَقيل أَن لَا يَأْتِي مَا يعْتَذر مِنْهُ مِمَّا يبخسه من مرتبته عِنْد الْعُقَلَاء، وَقيل السمت الْحسن وَحفظ اللِّسَان والاجتناب من السخف: أَي الِارْتفَاع عَن كل خلق دنيء (وَالشّرط) لقبُول الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة (أدناها) أَي أدنى مَرَاتِب الْعَدَالَة وَهُوَ (ترك الْكَبَائِر والإصرار على صَغِيرَة) لِأَن الصَّغَائِر قل من سلم مِنْهَا، والإصرار أَن تكَرر فِيهِ الصَّغِيرَة تَكْرَارا يشْعر بقلة مبالاته بِدِينِهِ كَمَا يشْعر بِهِ ارْتِكَاب الْكَبِيرَة، وَلذَا قيل لَا حَاجَة إِلَى ذكر ترك الْإِصْرَار على صَغِيرَة لدُخُوله فِي ترك الْكَبَائِر، لِأَن الْإِصْرَار على الصَّغِيرَة كَبِيرَة، وَقد قَالَ ﷺ " لَا كَبِيرَة مَعَ الاسْتِغْفَار وَلَا صَغِيرَة مَعَ الْإِصْرَار ". قَالَ الشَّارِح: وَلَو اجْتمعت الصَّغَائِر مُخْتَلفَة النَّوْع يكون حكمهَا حكم الْإِصْرَار على الْوَاحِدَة إِذا كَانَت بِحَيْثُ يشْعر مجموعها بِمَا يشْعر بِهِ الْإِصْرَار على أَصْغَر الصَّغَائِر. قَالَه ابْن عبد السَّلَام (و) ترك الْإِصْرَار على

стр. 744

(مَا يخل بالمروءة) من الْمُبَاحَات. (وَأما الْكَبَائِر فروى ابْن عمر) ﵄ عَن النَّبِي ﷺ فِي تفصيلها (الشّرك) بِاللَّه (وَالْقَتْل وَقذف المحصنة وَالزِّنَا والفرار من الزَّحْف وَالسحر وَأكل مَال الْيَتِيم وعقوق الْوَالِدين الْمُسلمين والإلحاد فِي الْحرم: أَي الظُّلم وَفِي بَعْضهَا) أَي الطّرق (الْيَمين الْغمُوس) وَفِي الشَّرْح تَفْصِيل فِي بَيَان رَفعه وَوَقفه وكنهه روى مجموعا أَو مفرقا، وَأَنه يصحف الرِّبَا بِالزِّنَا وَأَن الْوَقْف أصح إِسْنَادًا، فَمن أَرَادَ التَّفْصِيل فَليرْجع إِلَيْهِ (وَزَاد أَبُو هُرَيْرَة أكل الرِّبَا، وَعَن عَليّ إِضَافَة السّرقَة وَشرب الْخمر) إِلَى الْكَبَائِر الْمَذْكُورَة. وَقَالَ السُّبْكِيّ: وَالسَّرِقَة لَا نَعْرِف لَهَا إِسْنَادًا عَنهُ كرم الله وَجهه، وَالْخمر: روى عَنهُ أَن مدمنه كعابد وثن انْتهى (وَفِي) الحَدِيث (الصَّحِيح) الْمُتَّفق عَلَيْهِ (قَول الزُّور وَشَهَادَة الزُّور) من الْكَبَائِر، وَمن أكبر الْكَبَائِر أَيْضا، وَهل يتَقَيَّد الْمَشْهُود بِهِ بِقدر نِصَاب السّرقَة تردد فِيهِ ابْن عبد السَّلَام، وَجزم الْقَرَافِيّ بِعَدَمِ التَّقْيِيد بِهِ (وَمِمَّا عد) من الْكَبَائِر أَيْضا نقلا عَن الْعلمَاء (الْقمَار والسرف وَسَب السّلف الصَّالح) من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ (والطعن فِي الصَّحَابَة) من عطف الْخَاص على الْعَام (وَالسَّعْي فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ فِي المَال وَالدّين وعدول الْحَاكِم عَن الْحق وَالْجمع بَين صَلَاتَيْنِ بِلَا عذر) لقَوْله ﷺ " من جمع بَين صَلَاتَيْنِ بِلَا عذر فقد أَتَى بَابا من أَبْوَاب الْكَبَائِر " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (وَقيل الْكَبِيرَة مَا توعد عَلَيْهِ) أَي توعد الشَّارِع عَلَيْهِ (بِخُصُوصِهِ) قَالَ الشَّارِح وَقَالَ شَيخنَا الْحَافِظ: وَهَذَا القَوْل جَاءَ عَن جمَاعَة من السّلف وَأَعْلَاهُمْ ابْن عَبَّاس (قيل وكل مَا مفسدته كأقل مَا روى) كَونه كَبِيرَة (مفْسدَة فَأكْثر) أَي فَصَاعِدا (فدلالة الْكفَّار على الْمُسلمين للِاسْتِئْصَال أَكثر من الْفِرَار) من الزَّحْف الْمَعْدُود من الْكَبَائِر (وإمساك المحصنة ليزنى بهَا أَكثر من قَذفهَا، وَمن جعل الْمعول) أَي الضَّابِط للكبيرة (أَن يدل الْفِعْل على الاستخفاف بِأَمْر دينه ظَنّه) أَي الضَّابِط (غَيره) أَي غير مَا قبله (معنى) تَعْرِيض لما فِي الشَّرْح العضدي وَإِشَارَة إِلَى أَن مآلهما وَاحِد (وَمَا يخل بالمروءة صغائر دَالَّة على خسة) فِي النَّفس (كسرقة لقْمَة وَاشْتِرَاط) أَخذ الْأُجْرَة (على) سَماع (الحَدِيث) كَذَا فِي شرح البديع، وَذهب أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ إِلَى أَنه لَا تقبل رِوَايَة من أَخذ على التحديث أجرا، وَرخّص آخَرُونَ فِيهِ: كالفضل ابْن دُكَيْن شيخ البُخَارِيّ وَعلي بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ. قَالَ ابْن الصّلاح: وَذَلِكَ شَبيه بِأخذ الْأُجْرَة لتعليم الْقُرْآن، غير أَن فِي هَذَا من حَيْثُ الْعرف خرما للمروءة إِن لم يقْتَرن ذَلِك بِعُذْر يَنْفِي ذَلِك عَنهُ كَمَا لَو كَانَ فَقِيرا معيلا وَكَأن الِاشْتِغَال بِالتَّحْدِيثِ يمنعهُ من الِاكْتِسَاب لِعِيَالِهِ (وَبَعض مباحات كَالْأَكْلِ فِي السُّوق) فَفِي مُعْجم الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لين أَن النَّبِي ﷺ قَالَ " الْأكل فِي

стр. 745

السُّوق دناءة " وَفِي فروع الشَّافِعِيَّة المُرَاد بِهِ أَن تنصب مائدة وتأكل وَعَادَة مثله خِلَافه، فَلَو كَانَ مِمَّن عَادَته ذَلِك كَأَهل الصَّنَائِع والسماسرة أَو كَانَ فِي اللَّيْل فَلَا، وكالأكل فِي السُّوق الشّرْب من سقايات الْأَسْوَاق إِلَّا أَن يكون سوقيا أَو غَلبه الْعَطش (وَالْبَوْل فِي الطَّرِيق). قَالَ الشَّارِح كَذَا فِي شرح البديع، وَفِي إِبَاحَته نظر لما روى عَنهُ ﷺ " من سل سخيمته فِي طَرِيق من طرق الْمُسلمين فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ " وَرِجَاله ثِقَات إِلَّا مُحَمَّد بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ وَثَّقَهُ ابْن حبَان، وَضَعفه غَيره (والإفراط فِي المزح المفضى إِلَى الاستخفاف بِهِ وصحبة الأراذل وَالِاسْتِخْفَاف بِالنَّاسِ وَفِي إِبَاحَة هَذَا) أَي الاستخفاف بِالنَّاسِ (نظر) وَقد قَالَ ﷺ " لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر " فَقَالَ رجل: أَن الرجل يحب أَن يكون ثَوْبه حسنا وَنَعله حسنه قَالَ " إِن الله جميل وَيُحب الْجمال، الْكبر بطر الْحق وغمط النَّاس " رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ، وغمط النَّاس: احتقارهم وازدراؤهم (وتعاطى الْحَرْف الدنيئة) بِالْهَمْز من الدناءة: وَهِي السقاطة الْمُبَاحَة (كالحياكة والصياغة) والحجامة والدباغة وَغَيرهَا مِمَّا لَا يَلِيق بأرباب المروآت وَأهل الديانَات فعلهَا وَلَا ضَرَر عَلَيْهِم فِي تَركهَا، وَفِي بعض فروع الشَّافِعِيَّة، فَإِن اعتادها وَكَانَت حِرْفَة أَبِيه فَلَا فِي الْأَصَح، وَفِي الرَّوْضَة يَنْبَغِي أَن لَا يُقيد بصنعة آبَائِهِ، بل ينظر هَل يَلِيق بِهِ هُوَ أم لَا (وَلبس الْفَقِيه قبَاء وَنَحْوه) كالقلنسوة التركية فِي بلد لم يعتادوه (وَلعب الْحمام) إِذا لم يكن قمارا، لِأَن الْغَالِب فِيهِ الِاجْتِمَاع مَعَ الأراذل: وَهُوَ فعل يستخف بِهِ، وَذَلِكَ لِأَن من لم يجْتَنب هَذِه الْأُمُور لَا يجْتَنب الْكَذِب فِي الْكَذِب فَلَا يوثق بقوله (وَأما الْحُرِّيَّة وَالْبَصَر وَعدم الْحَد فِي قذف و) عدم (الْوَلَاء) أَي الْقَرَابَة من النّسَب أَو النِّكَاح على مَا بَين فِي الْفُرُوع (و) عدم (الْعَدَاوَة) الدُّنْيَوِيَّة (فتختص بِالشَّهَادَةِ) أَي يشْتَرط فِيهَا لَا فِي الرِّوَايَة فَلَا تقبل شَهَادَة الْأَعْمَى لِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى التَّمْيِيز بِالْإِشَارَةِ بَين الْمَشْهُود لَهُ وَعَلِيهِ وَإِلَى الْإِشَارَة إِلَى الْمَشْهُود بِهِ فِيمَا يجب إِحْضَاره مجْلِس الحكم، وَفِي التَّمْيِيز بالنغمة شُبْهَة يُمكن التَّحَرُّز عَنْهَا بِجِنْس الشُّهُود، وَهَذَا الِاحْتِيَاج مُنْتَفٍ فِي الرِّوَايَة، وَقد ابتلى جمَاعَة من الصَّحَابَة بكف الْبَصَر: كَابْن عَبَّاس وَلم يخْتَلف أحد فِي قبُول روايتهم من غير فحص أَنَّهَا كَانَت قبل الْعَمى أَو بعده، وَلَا شَهَادَة للْعَبد فِي غير هِلَال رَمَضَان لتوقفها على كَمَال ولَايَة الشَّاهِد: إِذْ هِيَ تَنْفِيذ القَوْل على الْغَيْر شَاءَ أَو أَبى، وَهَذَا غير مَوْجُود فِي العَبْد لِأَنَّهَا تعدم بِالرّقِّ وَالرِّوَايَة لَا تعتمد الْولَايَة لِأَن وجوب الْعَمَل بالمروي لَيْسَ بإلزام الرَّاوِي، بل الْتِزَامه طَاعَة الشَّارِع، فَإِذا ترجح صدق الرَّاوِي يلْزمه الْعَمَل بِمُوجب ذَلِك، وَقد يُقَال: إِن الشَّارِع أمره بالانقياد لحكم القَاضِي عِنْد إِقَامَة الْبَيِّنَة وَقد الْتزم طَاعَته فَلَا فرق فَتَأمل (وَعَن أبي حنيفَة) فِي رِوَايَة الْحسن (نفى) قبُول (رِوَايَته) أَي الْمَحْدُود لِأَنَّهُ مَحْكُوم بِفِسْقِهِ لقَوْله تَعَالَى

стр. 746

- ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ - (وَالظَّاهِر) من الْمَذْهَب (خِلَافه) أَي خلاف نفى رِوَايَته (لقبُول) الصَّحَابَة وَغَيرهم رِوَايَة (أبي بكرَة) من غير تفحص عَن التَّارِيخ فِي خَبره أَنه رَوَاهُ بعد مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَد أم قبله فَعدم الْحَد مُخْتَصّ بِالشَّهَادَةِ (وَظهر) مِمَّا ذكر من اشْتِرَاط الْعَدَالَة (أَن شَرط الْعَدَالَة يُغني عَن ذكر كثير من الْحَنَفِيَّة شَرط الْإِسْلَام) الْإِضَافَة بَيَانِيَّة، والمضاف مفعول ذكر ثمَّ بَين الشَّرْط بقوله (بِالْبَيَانِ إِجْمَالا) أَي بِأَن يبين الرَّاوِي إِسْلَامه بِأَن يَقُول: آمَنت بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر، والبعث بعد الْمَوْت، وَالْقدر خَيره وشره، لِأَن فِي اعْتِبَاره تَفْصِيلًا حرجا (أَو مَا يقوم مقَامه) أَي مقَام بَيَان الْإِسْلَام إِجْمَالا (من الصَّلَاة) فِي جمَاعَة الْمُسلمين (ولزكاة وَأكل ذبيحتنا) لقَوْله ﷺ " من صلى صَلَاتنَا، واستقبل قبلتنا، وَأكل ذبيحتنا فَذَلِك الْمُسلم الَّذِي لَهُ ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله فَلَا تخفروا الله فِي ذمَّته " رَوَاهُ البُخَارِيّ (دون النشأة فِي الدَّار) أَي لَا يقوم مقَامه أَنه نَشأ فِي دَار الْإِسْلَام (بَين أبوين مُسلمين) فَإِنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِهَذَا الْإِسْلَام الْحكمِي شرطا فِي صِحَة الرِّوَايَة. (ثمَّ الْحَنَفِيَّة قَالُوا هَذَا) كُله (فِي الرِّوَايَة وَفِي غَيرهَا) أَي غير الرِّوَايَة (لَا يقبل الْكَافِر) أَي إخْبَاره (مُطلقًا فِي الديانَات كنجاسة المَاء وطهارته وَإِن وَقع عِنْده) أَي السَّامع (صدقه) أَي الْكَافِر، لِأَنَّهُ لَا يستأهل لِأَن يَبْنِي عَلَيْهِ حكم شَرْعِي (إِلَّا أَن فِي النَّجَاسَة) أَي فِيمَا إِذا أخبر بِنَجَاسَة المَاء، وَلم يكن هُنَاكَ مَاء آخر للْوُضُوء (تسْتَحب إراقته) أَي المَاء (للتيمم دفعا للوسوسة العادية) فَإِن الْكفْر لَا يُنَافِي الصدْق، وعَلى تَقْدِيره لَا تحصل الطَّهَارَة بالتوضؤ بِهِ وبتجنس الْأَعْضَاء: فالاحتياط فِي الإراقة وَالتَّيَمُّم لتحصل الطَّهَارَة، والاحتراز عَن النَّجَاسَة بِيَقِين (وَلَا تجوز) الصَّلَاة بِالتَّيَمُّمِ (قبلهَا) أَي إراقته لوُجُود المَاء الطَّاهِر ظَاهرا (بِخِلَاف خبر الْفَاسِق بِهِ) أَي بِكُل من النَّجَاسَة وَالطَّهَارَة (وبحل الطَّعَام وحرمته يحكم) السَّامع (رَأْيه فَيعْمل بِالنَّجَاسَةِ وَالْحُرْمَة إِن وَافقه) أَي رَأْيه كلا مِنْهُمَا (وَالْأولَى إِرَاقَة المَاء) وَإِن وَافق رَأْيه فِي الْأَخْبَار بِنَجَاسَتِهِ لاحْتِمَال كذبه (ليتيمم) تيمما صَحِيحا بِيَقِين (وَتجوز) صلَاته (بِهِ) أَي بِالتَّيَمُّمِ (إِن لم يرقه) وَإِنَّمَا كَانَ خبر الْفَاسِق بِهِ بِخِلَاف خبر الْكَافِر بِهِ (لِأَن الْأَخْبَار بِهِ) أَي بِمَا ذكر من الطَّهَارَة والنجاسة إِنَّمَا (يتعرف مِنْهُ) أَي من الْفَاسِق غَالِبا (لَا من غَيره) أَي الْفَاسِق (لِأَنَّهُ أَمر خَاص) لَا يقف عَلَيْهِ الْجمع الْكثير مثل رِوَايَة الحَدِيث حَتَّى يُمكن تلقيه من الْعُدُول، لِأَن ذَلِك يكون غَالِبا فِي الفيافي والأسواق: فالغالب فيهمَا الْفُسَّاق، فَقيل مَعَ التَّحَرِّي ضَرُورَة (لَكِنَّهَا) أَي النَّجَاسَة (غير لَازِمَة) للْمَاء بل عارضة عَلَيْهِ (فضم التَّحَرِّي) إِلَى أخباره (كَيْلا يهدر فسقه بِلَا ملجئ، وَالطَّهَارَة) تثبت (بِالْأَصْلِ) إِذْ هِيَ الأَصْل فِيهِ،

стр. 747

فَيعْمل بِهِ عِنْد تعَارض جهني الصدْق وَالْكذب فِي خَبره (بِخِلَاف الحَدِيث، لِأَن فِي عدُول الروَاة كَثْرَة بهم غنية بِخِلَافِهِ) أَي خبر الْفَاسِق (فِي الْهَدِيَّة وَالْوكَالَة وَمَا لَا إِلْزَام فِيهِ من الْمُعَامَلَات للزومها) أَي الضَّرُورَة (للكثرة) لوُجُوبهَا (وَلَا دَلِيل) عَلَيْهَا متيسر عَادَة (سواهُ) أَي خبر الْفَاسِق: إِذْ لَا يَتَيَسَّر لكل مهد ومرسل بِخَبَر وَنَحْوهمَا عدل يقوم بِهِ، وَقد جرت السّنة والتوارث بإرسال الْهَدَايَا على يَد العبيد والجواري مُسلمين كَانُوا أَولا، وَقبُول ذَلِك من غير النفات إِلَى حَال الْوَاصِل بهما فَكَانَ ذَلِك إِجْمَاعًا على الْقبُول فَاعْتبر مُطلقًا (وَمثله) أَي الْفَاسِق (المستور) وَهُوَ من لم تعرف عَدَالَته وَلَا فسقه (فِي الصَّحِيح) فخبره لَيْسَ بِحجَّة حَتَّى تظهر عَدَالَته، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة كالعدل فِي الْإِخْبَار بِنَجَاسَة المَاء وطهارته وَرِوَايَة الْإِخْبَار (وَأما الْمَعْتُوه وَالصَّبِيّ فِي نَحْو النَّجَاسَة) أَي الْإِخْبَار بِنَجَاسَة المَاء وطهارته، وَفِي رِوَايَة الحَدِيث وَغَيرهَا من الديانَات، (فكالكافر) فِي عدم قبُول إخْبَاره لعدم ولايتهما على نفسهما فعلى غَيرهمَا أولى وَالصَّبِيّ مَرْفُوع الْقَلَم فَلَا يُبَالِي عَن الْكَذِب (وَكَذَا الْمُغَفَّل) أَي الشَّديد الْغَفْلَة، وَهُوَ الَّذِي غلب على طبعه الْغَفْلَة وَالنِّسْيَان فِي سَائِر الْأَحْوَال (والمجازف) وَهُوَ الَّذِي يتَكَلَّم من غير احْتِيَاط، وَلَا يشْتَغل بالتدارك بعد الْعلم كالكافر فِي عدم قبُول إخْبَاره فالسهو والغلط فِي روايتهما يتَرَجَّح كَمَا يتَرَجَّح الْكَذِب فِي الْكَافِر وَالْفَاسِق. مسئلة (مَجْهُول الْحَال وَهُوَ المستور غير مَقْبُول، وَعَن أبي حنيفَة فِي غير الظَّاهِر) من الرِّوَايَة عَنهُ (قبُول مَا لم يردهُ السّلف، وَجههَا) أَي هَذِه الرِّوَايَة (ظُهُور الْعَدَالَة بالتزامه الْإِسْلَام، ولأمرت أَن أحكم بِالظَّاهِرِ) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ قَرِيبا (وَدفع) وَجههَا (بِأَن الْغَالِب أظهر وَهُوَ) أَي الْغَالِب (الْفسق) فِي هَذِه الْأَزْمِنَة (فَيرد) خَبره (بِهِ) أَي بِهَذَا الْغَالِب (مَا لم تثبت الْعَدَالَة بِغَيْرِهِ) أَي غير الْتِزَامه الْإِسْلَام (وَقد ينْفَصل) الْقَائِل بِهَذِهِ الرِّوَايَة (بِأَن الْغَلَبَة) للفسق (فِي غير رُوَاة الحَدِيث) لَا فِي الروَاة وَلَا سِيمَا الماضين (وَيدْفَع) هَذَا (بِأَنَّهُ) أَي كَون الْغَلَبَة فِي غير رُوَاة الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ (فِي المعروفين) مِنْهُم (لَا فِي المجهولين مِنْهُم، وَالِاسْتِدْلَال) لظَاهِر الرِّوَايَة (بِأَن الْفسق سَبَب التثبت) قَالَ تَعَالَى - ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ - (فَإِذا انْتَفَى) الْفسق (انْتَفَى) وجوب التثبت (وانتفاؤه) أَي الْفسق لَا يتَحَقَّق إِلَّا (بالتزكية) وَمَا لم ينتف الْفسق تبقى شبهته وَهِي مُلْحقَة بأصلها، وَجعل الشَّارِح الِاسْتِدْلَال لغير ظَاهر الرِّوَايَة وَلَا معنى لَهُ كَمَا لَا يخفى، ثمَّ قَوْله الِاسْتِدْلَال مُبْتَدأ خَبره (مَوْقُوف على) صِحَة (هَذَا الدّفع) الْمَدْلُول عَلَيْهِ

стр. 748

بقوله بِأَنَّهُ فِي المعرفين إِلَى آخِره (إِذْ يُورد عَلَيْهِ) أَي على الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور بِاعْتِبَار مَا تضمنه من الْحصْر الْمشَار إِلَيْهِ بقوله بالتزكية (منع الْحصْر) أَي لَا نسلم أَن انتفاءه لَا يَصح إِلَّا بالتزكية بل يحصل (بِالْإِسْلَامِ) أَيْضا (وَيدْفَع) بِمَا ذكر (وَأما ظَاهر الْعَدَالَة) وَهُوَ على مَا نَقله الشَّارِح عَن المُصَنّف من الْتزم أوَامِر الله ونواهيه وَلم يظْهر فِيهِ خلاف ذَلِك، وباطن أمره غير مَعْلُوم (فَعدل وَاجِب الْقبُول، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ مَسْتُورا بعض) من الشَّافِعِيَّة كالبغوي. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا يحْتَج بِأَحَادِيث المجهولين مَعَ أَن قَول الشَّافِعِي لَا يجوز أَن يتْرك الحكم بِشَهَادَتِهِمَا إِذا كَانَا عَدْلَيْنِ فِي الظَّاهِر صَرِيح فِي قبُوله، وَأَنه لَيْسَ بداخل فِي الْمَجْهُول. مسئلة (عرف أَن الشُّهْرَة) للراوي بِالْعَدَالَةِ والضبط بَين أَئِمَّة النَّقْل (معرف الْعَدَالَة والضبط كمالك) وَشعْبَة (والسفيانين) الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة (وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَابْن الْمُبَارك وَغَيرهم) كوكيع وَأحمد وَابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ وأمثالهم فِي نباهة الذّكر واستقامة الْأَمر (للْقطع بِأَن الْحَاصِل بهَا) أَي بالشهرة (من الظَّن فَوق التَّزْكِيَة، وَأنكر أَحْمد على من سَأَلَهُ عَن إِسْحَاق) بن رَاهَوَيْه، فَقَالَ: مثل إِسْحَاق يسْأَل عَنهُ (و) أنكر (ابْن معِين) على من سَأَلَهُ (عَن أبي عبيد وَقَالَ أَبُو عبيد يسْأَل عَن النَّاس) لَا يسْأَل النَّاس عَنهُ (و) وَثبتت الْعَدَالَة أَيْضا (بالتزكية وأرفعها) أَي أرفع مَرَاتِب التَّزْكِيَة (قَول الْعدْل نَحْو حجَّة ثِقَة بتكرير لفظا) كثقة ثِقَة، أَو حجَّة حجَّة (أَو معنى) كثبت حجَّة ثَبت حَافظ ثَبت ثِقَة وَنَحْوهَا (ثمَّ) يَليهَا (الْأَفْرَاد) كحجة أوثقه أَو متقن، وَجعل الْخَطِيب هَذَا أرفع الْعبارَات (وحافظ ضَابِط تَوْثِيق للعدل يصيره كَالْأولِ) أَي تَكْرِير التوثيق (ثمَّ) يَليهَا (مَأْمُون صَدُوق وَلَا بَأْس وَهُوَ) أَي لَا بَأْس (عِنْد ابْن معِين وَعبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم كثقة على نظر فِي عبارَة ابْن معِين) على مَا ذكر ابْن أبي خَيْثَمَة حَيْثُ قَالَ: قلت ليحيى بن معِين إِنَّك تَقول: فلَان لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَفُلَان ضَعِيف، قَالَ: إِذا قلت لَك لَيْسَ بِهِ بَأْس فَهُوَ ثِقَة، وَإِذا قلت هُوَ ضَعِيف فَهُوَ لَيْسَ بِثِقَة لَا يكْتب حَدِيثه. قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: لم يقل ابْن معِين قولي لَيْسَ بِهِ بَأْس كَقَوْلي ثِقَة ليلزم التَّسَاوِي بَين اللَّفْظَيْنِ، يَعْنِي التَّفَاوُت بَينهمَا فِي التَّعْبِير، وَإِلَّا فَقَوله فَهُوَ ثِقَة قريب من ذَلِك (وَخيَار تَعْدِيل فَقَط لقَوْل بَعضهم كَانَ من خِيَار النَّاس إِلَّا أَنه يكذب وَلَا يشْعر، ثمَّ) يَليهَا (صَالح شيخ، وَهُوَ) أَي صَالح شيخ (أرفع من شيخ وسط، ثمَّ حسن الحَدِيث وصويلح). قَالَ ابْن أبي حَاتِم: من قيل فِيهِ صَالح

стр. 749

الحَدِيث يكْتب حَدِيثه للاعتبار (والمرجع الِاصْطِلَاح، وَقد يخْتَلف فِيهِ وَفِي الْجرْح) أَسْوَأ مراتبه كأكذب النَّاس، إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي الْوَضع، ثمَّ (كَذَّاب وَضاع دجال يكذب هَالك) يضع الحَدِيث، أَو وضع حَدِيثا ثمَّ (سَاقِط). وَذكر الْخَطِيب أَن أدون الْعبارَات كَذَّاب سَاقِط (مُتَّهم بِالْكَذِبِ والوضع) وَالْوَاو بِمَعْنى أَو (ذَاهِب) أَو ذَاهِب الحَدِيث (ومتروك) أَو مَتْرُوك الحَدِيث، ومتفق على تَركه أَو تَرَكُوهُ) (وَمِنْه للْبُخَارِيّ فِيهِ نظر وسكتوا عَنهُ لَا يعْتَبر بِهِ) لَا يعْتَبر بحَديثه (لَيْسَ بِثِقَة) لَيْسَ بالثقة غير ثِقَة غير (مَأْمُون، ثمَّ ردوا حَدِيثه) مَرْدُود الحَدِيث (ضَعِيف جدا، واه بِمرَّة طرحوا حَدِيثه مطرح، ارْمِ بِهِ لَيْسَ بِشَيْء لَا يُسَاوِي شَيْئا، فَفِي هَذِه) الْمَرَاتِب (لَا حجية وَلَا استشهاد وَلَا اعْتِبَار، ثمَّ ضَعِيف مُنكر الحَدِيث مُضْطَر بِهِ واه ضَعَّفُوهُ) طعنوا فِيهِ. وَذكر فِي الْمِيزَان ضَعَّفُوهُ فِيمَا قبل هَذِه الْمرتبَة (لَا يحْتَج بِهِ، ثمَّ فِيهِ مقَال) اخْتلف فِيهِ (ضعف ضعف) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَا (تعرف وتنكر لَيْسَ بِذَاكَ) الْقوي لَيْسَ (بِالْقَوِيّ) لَيْسَ (بِحجَّة) لَيْسَ (بعمدة) لَيْسَ (بالمرضي سيئ الْحِفْظ لين) الحَدِيث فِيهِ لين تكلمُوا فِيهِ (وَيخرج) الحَدِيث (فِي هَؤُلَاءِ) الْمَذْكُورين فِي هَاتين المرتبتين (للاعتبار والمتابعات) الِاعْتِبَار أَن تَأتي إِلَى حَدِيث لبَعض الروَاة فتعتبره بروايات غَيره باختبارك طرقه لتعرف هَل شَاركهُ راو آخر فَرَوَاهُ عَن شَيْخه أم لَا؟ وَحِينَئِذٍ إِن وجد من تَابعه أَو تَابع شَيْخه أَو شيخ شَيْخه فَصَاعِدا فَرَوَاهُ مثل مَا رَوَاهُ يُسمى مُتَابعَة (إِلَّا ابْن معِين فِي ضَعِيف وَيثبت التَّعْدِيل) للشَّاهِد والراوي (بِحكم القَاضِي الْعدْل) بِشَهَادَة الشَّاهِد (وَعمل الْمُجْتَهد) الْعدْل بِرِوَايَة الرَّاوِي (الشارطين) للعدالة فِي قبُول الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة، ثمَّ إِنَّمَا يكون الْعَمَل بروايته تعديلا بِشَرْطَيْنِ: أَن يعلم أَن لَا مُسْتَند لَهُ فِي الْعَمَل سوى رِوَايَته، وَأَن يعلم أَن عمله لَيْسَ من الِاحْتِيَاط فِي الدّين كَمَا يُشِير إِلَيْهِ بقوله (لَا إِن لم يعلم) شَيْء (سوى كَونه) أَي عمل الْمُجْتَهد (على وَفقه) أَي مَا رَوَاهُ الرَّاوِي الْمَذْكُور وَهل رِوَايَة الْعدْل الحَدِيث عَن الرَّاوِي تَعْدِيل لَهُ؟ قيل نعم مُطلقًا، وَقيل لَا مُطلقًا: وَنسبه ابْن الصّلاح إِلَى أَكثر الْعلمَاء من أهل الحَدِيث وَغَيرهم، وَقَالَ أَنه الصَّحِيح، وَالْمُخْتَار عِنْد الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَغَيرهمَا إِن علم من عَادَته أَنه لَا يرْوى إِلَّا عَن عدل فتعديل وَإِلَّا فَلَا. (تَنْبِيه: حَدِيث) الرَّاوِي (الضَّعِيف للفسق لَا يرتقى بِتَعَدُّد الطّرق) بِأَن يكون الْفَاسِق مَوْجُودا فِي كل مِنْهَا شخصا معينا أَو كَانَ فِي كل مِنْهَا شخص آخر (إِلَى الحجية، و) حَدِيث الضَّعِيف (لغيره) أَي الْفسق كسوء الضَّبْط مَعَ الْعَدَالَة (يرتقى) بِتَعَدُّد الطّرق إِلَى الحجية (وَهَذَا التَّفْصِيل أصح مِنْهُ) أَي من التَّفْصِيل الْقَاسِم للْحَدِيث (إِلَى الْمَوْضُوع) وَغَيره بِأَن

стр. 750

يُقَال إِن كَانَ مَوْضُوعا (فَلَا) يرتقى بِتَعَدُّد الطّرق إِلَى الحجية (أَو) كَأَن على (خِلَافه) أَي الْمَوْضُوع (فَنعم) أَي يرتقى بِتَعَدُّد الطّرق إِلَى الحجية وَذَلِكَ (لوُجُوب الرَّد) للشَّهَادَة وَالرِّوَايَة (للفسق وبالتعدد) لطرقه (لَا يرْتَفع) هَذَا الْمُوجب للرَّدّ (بِخِلَافِهِ) أَي الرَّد (لسوء الْحِفْظ لِأَنَّهُ) أَي هَذَا الرَّد (لوهم الْغَلَط والتعدد يرجح أَنه) أَي الرَّاوِي السَّيئ الْحِفْظ (أَجَاد فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الْمَرْوِيّ (فيرتفع الْمَانِع) وَهُوَ وهم الْغَلَط (وَأما) الطعْن فِي الحَدِيث (بالجهالة) لرِوَايَة بِأَن لم يعرف فِي رِوَايَة الحَدِيث إِلَّا بِحَدِيث أَو حديثين (فبعمل السّلف) أَي فيرتفع بعملهم، لِأَن عَمَلهم إِمَّا لعلمهم بعدالته وَحسن ضَبطه، أَو لموافقته سماعهم ذَلِك من رَسُول الله ﷺ أَو من سامع مِنْهُ (وسكوتهم) أَي السّلف (عِنْد اشتهار رِوَايَته) أَي الحَدِيث. قَوْله سكوتهم مُبْتَدأ خَبره (كعملهم) بِهِ (إِذْ لَا يسكتون عَن مُنكر) يَسْتَطِيعُونَ إِنْكَاره، وَالْأَصْل ثُبُوت الِاسْتِطَاعَة (فَإِن قبله) أَي الحَدِيث (بعض) مِنْهُم (ورده آخر) مِنْهُم (فكثير) من أهل الحَدِيث وَغَيرهم (على الرَّد، وَالْحَنَفِيَّة) قَالُوا (يقبل، وَلَيْسَ) قبُوله (من تَقْدِيم التَّعْدِيل على الْجرْح، لِأَن ترك الْعَمَل) بِالْحَدِيثِ (لَيْسَ جرحا) فِي رِوَايَة (كَمَا سَيذكرُ فَهُوَ) أَي قبُوله الْبَعْض لَهُ (تَوْثِيق) للراوي (بِلَا معَارض ومثلوه) أَي الْحَنَفِيَّة مَا قبله بَعضهم ورده بَعضهم (بِحَدِيث معقل بن سِنَان أَنه ﷺ قضى لبروع بنت واشق بِمهْر مثل نسائها حِين مَاتَ عَنْهَا هِلَال بن مرّة) قبل التَّسْمِيَة (قبله ابْن مَسْعُود، ورده عَليّ). أخرج التِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود أَنه سُئِلَ عَن رجل تزوج امْرَأَة وَلم يفْرض لَهَا صَدَاقا وَلم يدْخل بهَا حَتَّى مَاتَ عَنْهَا، فَقَالَ ابْن مَسْعُود: لَهَا مثل صدَاق نسائها وَلَا وكس وَلَا شطط وَلها الْمِيرَاث، فَقَامَ معقل بن سِنَان الْأَشْجَعِيّ، فَقَالَ قضى رَسُول الله ﷺ فِي بروع بنت واشق امْرَأَة منا مثل مَا قضيت ففرح بهَا ابْن مَسْعُود. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث ابْن مَسْعُود حَدِيث حسن صَحِيح وَبِه يَقُول الثَّوْريّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ مِنْهُم عَليّ ابْن أبي طَالب وَزيد بن ثَابت وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر لَهَا الْمِيرَاث وَلَا صدَاق لَهَا وَعَلَيْهَا الْعدة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وروى عَنهُ أَنه رَجَعَ بِمصْر من هَذَا القَوْل، وَقَالَ بِحَدِيث بروع قلت وَقد صَحَّ عَنهُ أَنه قَالَ إِذا صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ حَدِيث فَهُوَ مذهبي، غير أَنه قَالَ ابْن الْمُنْذر ثَبت مثل قَول ابْن عَبَّاس عَن رَسُول الله ﷺ ، وَبِه نقُول (وَلَا يخفى أَن عمله) أَي ابْن مَسْعُود (كَانَ بِالرَّأْيِ غير أَنه سر بِرِوَايَة الْمُوَافق لرأيه من إِلْحَاق الْمَوْت بِالدُّخُولِ بِدَلِيل إِيجَاب الْعدة بِهِ) أَي بِالْمَوْتِ (كالدخول) أَي كَمَا يجب بِالدُّخُولِ (وَهُوَ) أَي الْعَمَل بِهِ (أَعم من الْقبُول لجَوَاز اعْتِبَاره) أَي الْمَرْوِيّ الْمَذْكُور بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَأْيه الْمَذْكُور (كالمتابعات) فِي بَاب الرِّوَايَات لإِفَادَة

стр. 751

التقوية (إِلَّا أَن ينْقل) عَن ابْن مَسْعُود (أَنه بعد) أَي بعد تِلْكَ الْوَاقِعَة (اسْتدلَّ بِهِ) أَي بالمروي الْمَذْكُور (وَهَذَا) إِلَّا يرد الْمَدْلُول عَلَيْهِ بقوله وَلَا يخفى الخ (نظر فِي الْمِثَال غير قَادِح فِي الأَصْل فَإِن قيل إِنَّمَا ذَكرُوهُ) أَي الْحَنَفِيَّة قبُول مَا قبله بعض السّلف ورده بَعضهم (فِي تَقْسِيم الرَّاوِي الصَّحَابِيّ إِلَى مُجْتَهد كالأربعة) أبي بكر، وَعمر، وَعُثْمَان، وَعلي (والعبادلة) جمع عبدل، لِأَن من الْعَرَب من يَقُول فِي زيد: بدل، أَو عبد وضعا كالنساء للْمَرْأَة، وهم عِنْد الْفُقَهَاء: عبد الله بن عَبَّاس، وَعبد الله بن عمر، وَعبد الله بن عَمْرو، وَعبد الله بن مَسْعُود. وَعند الْمُحدثين مقَام ابْن مَسْعُود عبد الله بن الزبير (فَيقدم) خَبره (على الْقيَاس مُطلقًا) أَي سَوَاء وَافقه أَو خَالفه (و) إِلَى (عدل ضَابِط) غير مُجْتَهد (كَأبي هُرَيْرَة وَأنس وسلمان وبلال، فَيقدم) خَبره (إِلَّا أَن خَالف كل الأقيسة على قَول عِيسَى) بن أبان (وَالْقَاضِي أبي زيد) وَأكْثر الْمُتَأَخِّرين (كَحَدِيث الْمُصراة) وَهُوَ مَا روى أَبُو هُرَيْرَة عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: " لَا تصروا الْإِبِل وَالْغنم، فَمن ابتاعها بعد ذَلِك فَهُوَ بِخَير النظرين بعد أَن يحلبها، فَإِن رضيها أمْسكهَا، وَإِن سخطها ردهَا وصاعا من تمر ": مُتَّفق عَلَيْهِ، والتصرية ربط أحلاف النَّاقة أَو الشَّاة وَترك حلبها يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة ليجتمع لَبنهَا فَيرى كثيرا فيزيد فِي الثّمن، ثمَّ إِذا حلبها الحلبة أَو الحلبتين عرف أَن ذَلِك لَيْسَ بلبنها وَهَذَا غرور: فَذهب إِلَى ظَاهر هَذَا الحَدِيث الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَأَبُو يُوسُف على مَا فِي شرح الطَّحَاوِيّ للاسبيجابي، وَذكر عَنهُ الْخطابِيّ وَابْن قدامَة أَنه يردهَا مَعَ قيمَة اللَّبن وَلم يَأْخُذ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد بِهِ لِأَنَّهُ خبر مُخَالف لِلْأُصُولِ (فَإِن اللَّبن مثلي وضمانه بِالْمثلِ) بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع كَمَا يَأْتِي (وَلَو) كَانَ اللَّبن (قيميا فبالقيمة) أَي فضمانه بهَا من التَّقْدِير بِالْإِجْمَاع (لَا كمية) أَي لَا بِضَمَان كمية، يَعْنِي الْكَيْل الْمعِين وَهُوَ الصَّاع (تمر خَاصَّة) بِجِنْس خَاص وَهُوَ التَّمْر، وَهَذَا الْعَطف كَمَا فِي قَوْلهم الصابح فالعاتم للتفاوت بَين التقييدين (ولتقويم الْقَلِيل وَالْكثير بِقدر وَاحِد) عطف على مَا فهم من فحوى الْكَلَام كَأَنَّهُ قَالَ: خَالف الأقيسة لكَون اللَّبن مثلِيا إِلَى آخِره، وللزوم تَقْوِيم الْقَلِيل وَالْكثير بِاعْتِبَار التَّفَاوُت بَين لبن الْإِبِل وَالْغنم وَبَين أَفْرَاد كل مِنْهُمَا، وَالْأَصْل تَقْدِير الضَّمَان بِقدر التَّالِف (وَرب شَاة) تكون مُقَابلا فِي الْقيمَة (بِصَاع) من التَّمْر خُصُوصا فِي غلائه: وَهَذَا وَجه ثَالِث للْخلاف (فَيجب) حِينَئِذٍ (ردهَا) أَي الشَّاة (مَعَ ثمنهَا) وَهُوَ فِي معنى الرِّبَا (وَعند الْكَرْخِي وَالْأَكْثَر) من الْعلمَاء خبر الْعدْل الضَّابِط (كَالْأولِ) أَي كَخَبَر الْمُجْتَهد (وَيَأْتِي الْوَجْه) لكَونه كَذَلِك (وَتَركه) أَي حَدِيث الْمُصراة (لمُخَالفَة الْكتاب) وَهُوَ قَوْله - ﴿فاعتدوا عَلَيْهِ﴾ - (بِمثل مَا اعْتدى، و) مُخَالفَة السّنة (الْمَشْهُورَة) وَهُوَ مَا عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من أعتق شِقْصا)

стр. 752

أَي نَصِيبا لَهُ من مَمْلُوك (قوم عَلَيْهِ نصيب شَرِيكه) أَن كَانَ مُوسِرًا كَمَا روى مَعْنَاهُ الْجَمَاعَة (وَالْخَرَاج بِالضَّمَانِ). أخرجه أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن وَعَلِيهِ الْعَمَل عِنْد أهل الْعلم، وَمَعْنَاهُ أَن الرجل يَشْتَرِي الْمَمْلُوك فيستغله ثمَّ يجد بِهِ عَيْبا كَانَ عِنْد البَائِع فَيَقْضِي برد العَبْد على البَائِع وَيرجع بِالثّمن وَيَأْخُذهُ وَتَكون لَهُ الْغلَّة طيبَة وَهُوَ الْخراج، وَإِنَّمَا طابت لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنا للْعَبد حَتَّى لَو مَاتَ مَاتَ من مَال المُشْتَرِي لِأَنَّهُ فِي يَده (و) مُخَالفَته (الْإِجْمَاع على التَّضْمِين بِالْمثلِ) فِي المثلى الَّذِي لَيْسَ بمنقطع (أَو الْقيمَة) فِي الْقَائِم الْفَائِت عينه أَو المثلى الْمُنْقَطع مَعَ أَنه مُضْطَرب الْمَتْن، فَمرَّة يَجْعَل الْوَاجِب صَاعا من تمر، وَمرَّة صَاعا من طَعَام غير بر، وَمرَّة مثل أَو مثلى لَبنهَا قمحا، وَمرَّة ذكر الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام، وَمرَّة لم يذكر، وَقيل هُوَ مَنْسُوخ (وَأَبُو هُرَيْرَة فَقِيه) لم يعْدم شَيْئا من أَسبَاب الِاجْتِهَاد، وَقد أفتى فِي زمن الصَّحَابَة وَلم يكن يُفْتِي فِي زمنهم إِلَّا مُجْتَهد: وروى عَنهُ أَكثر من ثَمَانمِائَة رجل مَا بَين صَحَابِيّ وتابعي: مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأنس، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح (ومجهول الْعين وَالْحَال كوابصة) بن معبد. قَالَ الشَّارِح والتمثيل بِهِ مُشكل، فَإِن الْمَجْهُول الْمَذْكُور عِنْدهم من لم يعرف إِلَّا بِرِوَايَة حَدِيث أَو حديثين، وَلم يعرف عَدَالَته وَلَا فسقه وَلَا طول صحبته، وَقد عرفت عَدَالَة الصَّحَابَة بالنصوص، وسرد لَهُ خَمْسَة أَحَادِيث أخرجهَا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ وَحَاصِله المناقشة فِي الْمِثَال (فَإِن قبله السّلف أَو سكتوا إِذْ بَلغهُمْ أَو اخْتلفُوا قبل) وَقدم على الْقيَاس (كَحَدِيث معقل) فِي بروع وَقد عرفت اخْتِلَاف السّلف فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا قبله بعض السّلف صَار كَأَنَّهُ رَوَاهُ بِنَفسِهِ، وَإِذا كَانَ الْمُخْتَلف فِيهِ بِهَذِهِ المثابة فَمَا لم يَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ، بل قبله الْكل أَو سكتوا كَانَ أولى بِالْقبُولِ (أَو ردُّوهُ) أَي السّلف حَدِيث الْمَجْهُول (لَا يجوز) الْعَمَل بِهِ (إِذا خَالفه) الْقيَاس، لأَنهم لَا يتهمون برد الحَدِيث الصَّحِيح، فاتفاقهم على الرَّد حِينَئِذٍ دَلِيل على اتهامه فِي الرِّوَايَة (وسموه مُنْكرا كَحَدِيث فَاطِمَة بنت قيس) أَن رَسُول الله ﷺ (لم يَجْعَل لَهَا سُكْنى وَلَا نَفَقَة) كَمَا فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره (رده عمر) فَقَالَ لَا نَتْرُك كتاب رَبنَا، وَسنة نَبينَا لقَوْل امْرَأَة لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حفظت أَو نسيت: رَوَاهُ مُسلم أَيْضا. (وَقَالَ مَرْوَان) كَمَا (فِي صَحِيح مُسلم حِين أخبر) بحديثها الْمَذْكُور (لم يسمع هَذَا الْأَمر إِلَّا) من (امْرَأَة سنأخذ بالعصمة الَّتِي وجدنَا النَّاس عَلَيْهَا وهم) أَي النَّاس يَوْمئِذٍ (الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، فَدلَّ أَنه مستنكر، وَإِن لم يظْهر) حَدِيث الْمَجْهُول (فِي السّلف، بل) ظهر (بعدهمْ فَلم يعلم ردهم وَعَدَمه) أَي عدم ردهم (جَازَ) الْعَمَل بِهِ (إِذا لم يُخَالف) الْقيَاس لترجح جَانب الصدْق لثُبُوت عَدَالَته ظَاهرا لِأَنَّهَا الْغَالِب فِي ذَلِك الزَّمَان (وَلم يجب) الْعَمَل بِهِ لِأَن وجوب الْعَمَل

стр. 753

بالْخبر لَا يثبت بِمثلِهِ (فَيدْفَع) مَنْصُوب على أَنه جَوَاب النَّفْي (نافي الْقيَاس) عَن منع هَذَا الْقيَاس (أَو يَنْفَعهُ) أَي نافي الْقيَاس، هَكَذَا حل الشَّارِح هَذَا الْمحل وَقَالَ: هَذَا تَعْرِيض بِدفع جَوَاب السَّائِل الْقَائِل إِذا وَافقه الْقيَاس وَلم يجب الْعَمَل بِهِ كَانَ الحكم ثَابتا بِالْقِيَاسِ فَمَا فَائِدَة جَوَاز الْعَمَل بِهِ بِأَنَّهَا جَوَاز إِضَافَة الحكم ثَابتا إِلَيْهِ فَلَا يتَمَكَّن نافي الْقيَاس من منع هَذَا الحكم لكَونه مُضَافا إِلَى الحَدِيث (وَإِنَّمَا يلْزم) الدّفع أَو النَّفْع (لَو قبله) أَي السّلف الحَدِيث فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يتَمَكَّن من منع الحكم الثَّابِت بِهِ، وَقد يَنْفَعهُ حَيْثُ يضيف الحكم إِلَيْهِ لَا إِلَى الْقيَاس لَكِن الْفَرْض عدم الْعلم بِهِ حَيْثُ لم يظْهر فيهم انْتهى. أَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِذا كَانَ قَوْله فَيدْفَع جَوَاب النَّفْي لزم كَون أحد الْأَمريْنِ الدّفع والنفع لَازم المنفى: وَهُوَ وجوب الْعَمَل بِهِ غير مُتَحَقق مَعَ النَّفْي، أما دفع النَّافِي على تَقْدِير الْوُجُوب فبأن يُقَال: لَو لم يكن الْقيَاس مُعْتَبرا شرعا لما وَجب الْعَمَل بِحَدِيث راو مَجْهُول بِسَبَب مُوَافَقَته، وَأما النَّفْع على ذَلِك التَّقْدِير فبأن يُقَال لَو كَانَ الْقيَاس مُعْتَبرا لما أضيف الحكم إِلَى حَدِيث كَذَا مَعَ وجوده وَعدم تحقق أحد الْأَمريْنِ على تَقْدِير جَوَاز الْعَمَل بِهِ فَلَا يَخْلُو عَن خَفَاء لجَوَاز أَن يُقَال لَو لم يكن الْقيَاس مُعْتَبرا لما جَازَ الْعَمَل بِحَدِيث كَذَا بِسَبَب مُوَافَقَته فَإِنَّهُ لَو خَالفه لما جَازَ الْعَمَل بِهِ، أَو يُقَال: لَو كَانَ الْقيَاس مُعْتَبرا لما أضيف جَوَاز الْعَمَل إِلَى الحَدِيث الْمَذْكُور، بل كَانَ يُضَاف إِلَى الْقيَاس: غير أَن الدّفع والنفع حِينَئِذٍ لَيْسَ يُقَوي مثل الأول فَلم يعْتَبر بِهِ، وَأما تَقْرِير لُزُوم أحد الْأَمريْنِ على تَقْدِير قبُول السّلف فبأن يُقَال: لَوْلَا أَن الْقيَاس من الْأُصُول الشَّرْعِيَّة لما قبل السّلف مثل هَذَا الحَدِيث لموافقته، أَو يُقَال: لَو كَانَ مِنْهَا كَانُوا يضيفون هَذَا الحكم إِلَيْهِ لَا إِلَى مثل هَذَا الحَدِيث، وَأما ادِّعَاء كَونه تعريضا بِدفع الْجَواب الْمَذْكُور عَن السُّؤَال الْمَزْبُور فَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ الْعجب، وطوينا الْكَلَام فِي إبِْطَال كثير مِمَّا ذكره هَهُنَا مَخَافَة الإملال عَن إكثار الشغب، هَذَا وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله لَو قبل نافي الْقيَاس وجوب الْعَمَل بِهِ أَو جَوَازه، وَأما إِذا لم يقبل فَلَا يَتَأَتَّى شَيْء من الدّفع والنفع، وَهَذَا الْوَجْه أوجه (وَرِوَايَة مثل هَذَا الْمَجْهُول فِي زَمَاننَا لَا تقبل) مَا لم يتأيد بِقبُول الْعُدُول لغَلَبَة الْفُسَّاق على أهل هَذَا الزَّمَان (قُلْنَا) لَيْسَ التَّقْسِيم الْمَذْكُور للراوي الصَّحَابِيّ (بل وضعهم) أَي الْحَنَفِيَّة التَّقْسِيم الْمَذْكُور فِيمَا هُوَ (أَعم) من الصَّحَابِيّ وَغَيره (وَهُوَ) أَي مَا وضعوه (قَوْلهم والراوي إِن عرف بالفقه إِلَى آخِره غير أَن التَّمْثِيل وَقع بالصحابة مِنْهُم وَلَيْسَ يلْزم) كَون الرَّاوِي (صحابيا) فَلَا مُخَصص لعُمُوم الرَّاوِي فِي قَوْلهم (فَصَارَ هَذَا) أَي الْمَذْكُور فِي هَذَا التَّقْسِيم (حكم غير الصَّحَابِيّ أَيْضا وَلَا جرح) للراوي وَالشَّاهِد (بترك الْعَمَل فِي رِوَايَة

стр. 754

وَلَا شَهَادَة) لَهما (لجوازه) أَي ترك الْعَمَل بروايته وشهادته (بمعارض) من رِوَايَة أَو شَهَادَة أُخْرَى أَو فقد شَرط غير الْعَدَالَة. قَالَ السُّبْكِيّ: فَإِن فرض ارْتِفَاع الْمَوَانِع بأسرها وَكَانَ مَضْمُون الْخَبَر وجوبا فَتَركه حِينَئِذٍ يكون جرحا، قَالَه القَاضِي فِي التَّقْرِيب وَسَيَجِيءُ فِيهِ تَفْصِيل (وَلَا) جرح (بِحَدّ لشهادة بِالزِّنَا مَعَ عدم النّصاب) للشَّهَادَة لدلالته على فسق الشَّاهِد، وَهَذَا فِي ظَاهر الْمَذْهَب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّوَايَة، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة ردهَا بِهِ كرد الشَّهَادَة بِلَا خلاف فِي الْمَذْهَب (وَلَا) جرح (بالأفعال الْمُجْتَهد فِيهَا) من الْمُجْتَهد الْقَائِل بإباحتها أَو مقلده كشرب النَّبِيذ مَا لم يسكر من غير لَهو، واللعب بالشطرنج بِلَا قمار (وركض الدَّابَّة) أَي حثها لتعدو: هُوَ رد لشعبة، فَإِنَّهُ قيل لَهُ: لَو تركت حَدِيث فلَان؟ قَالَ: رَأَيْته يرْكض على برذون كَيفَ وَهُوَ مَشْرُوع من عمل الْجِهَاد، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه فعل ذَلِك فِي حَضرته ﷺ بأَمْره (وَكَثْرَة المزاح غير المفرط) فقد كَانَ ﷺ يمزح أَحْيَانًا وَلَا يَقُول إِلَّا حَقًا على مَا هُوَ الْمَذْكُور فِي كتب لحَدِيث فِي بَاب وضع لَهُ (وَعدم اعْتِبَار الرِّوَايَة) فَإِن من الصَّحَابَة من يمْتَنع عَن الرِّوَايَة فِي عَامَّة الْأَوْقَات، وَمِنْهُم من يشْتَغل بهَا فِي عامتها، ثمَّ لم يرجح أحد رِوَايَة من اعتادها على من لم يعتدها (وَلَا يدْخلهُ) أَي لَا يدْخل فِيمَن لم يعتدها (من لَهُ راو فَقَط) إِذْ يجوز اعْتِبَارهَا مَعَ وحد الْآخِذ (وَهُوَ) أَي من لَهُ راو فَقَط (مَجْهُول الْعين باصطلاح) الْمُحدثين (كسمعان ابْن مشاج والهزهاز بن ميزن لَيْسَ لَهما) راو (إِلَّا الشّعبِيّ وجبار الطَّائِي فِي آخَرين) وهم: عبد الله بن أغر الْهَمدَانِي والهيثم بن حَنش وَمَالك بن أغر وَسَعِيد بن ذِي حدان وَقيس بن كركم وبهر بن مَالك على مَا ذكره الشَّارِح (لَيْسَ لَهُم) راو (إِلَّا) أَبُو إِسْحَاق (السبيعِي وَفِي) لم (الحَدِيث) فِيهِ أَقْوَال (نَفْيه) أَي نفي قبُوله (للْأَكْثَر) من أهل الحَدِيث وَغَيرهم (وقبوله) مُطلقًا (قيل هُوَ) أَي هَذَا القَوْل (لمن لم يشْتَرط) فِي الرَّاوِي شرطا (غير الْإِسْلَام وَالتَّفْصِيل بَين كَون) ذَلِك الرَّاوِي (الْمُنْفَرد لَا يرْوى إِلَّا عَن عدل) كَابْن مهْدي وَيحيى بن سعيد مَعَ الِاكْتِفَاء فِي التَّعْدِيل بِوَاحِد (وَمَعْلُوم أَن الْمَقْصُود) مَا ذكر (مَعَ ضبط) فَيقبل وَإِلَّا فَلَا (وَقيل إِن زَكَّاهُ عدل) من أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل قبل، وَإِلَّا فَلَا (وَقيل أَن شهر) فِي غير الْعلم (بالزهد كمالك بن دِينَار، أَو النجدة) وَهُوَ الْقِتَال والشجاعة (كعمرو بن معدي كرب) قبل وفلا (ومرجع التَّفْصِيل) الأول (وَمَا بعده وَاحِد: وَهُوَ أَن عرف عدم كذبه) قبل، وَإِلَّا فَلَا (غير أَن لمعرفتها طرقا التَّزْكِيَة وَمَعْرِفَة أَنه لَا يرْوى إِلَّا عَن عدل وزهده والنجدة فَإِن المتصف بهَا) أَي الْجدّة (عَادَة يرْتَفع عَن الْكَذِب، وَفِيه نظر فقد تحقق خِلَافه) وَهُوَ الْكَذِب مَعَ النجدة (فِيمَا ل الْمبرد عَنهُ) أَي عَن معدي كرب من نِسْبَة الْكَذِب إِلَيْهِ (وَالْوَجْه جعل أَن زَكَّاهُ)

стр. 755

عدل قبل وَإِلَّا فَلَا (مُرَاد الأول) وَهُوَ أَنه إِن كَانَ لَا يرْوى إِلَّا عَن عدل قبل وَإِلَّا فَلَا (وَلَا) جرح أَيْضا (بحداثة السن بعد اتقان مَا سمع) عِنْد التَّحَمُّل وَتحقّق الْعَدَالَة وَسَائِر شُرُوط الرِّوَايَة (واستكثار مسَائِل الْفِقْه) لِأَنَّهُ لَا يلْزم من ذَلِك خلل فِي الْحِفْظ كَمَا زعم بعض (وَكَثْرَة الْكَلَام كَمَا) نقل (عَن زَاذَان) قَالَ شُعْبَة: قلت للْحكم بن عتيبة لم لم ترو عَن زَاذَان؟ قَالَ كثير الْكَلَام، وَالْحق أَن مُجَرّد هَذَا غير قَادِح (وَبَوْل قَائِما كَمَا عَن سماك) قَالَ جرير: رَأَيْت سماك بن حَرْب يَبُول قَائِما فَلم أكتب عَنهُ، فَإِن مُجَرّد هَذَا غير قَادِح. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ بَال قَائِما، وَالظَّاهِر أَنه بَيَان للْجُوَاز كَمَا ذهب إِلَيْهِ بَعضهم فَهُوَ مُبَاح غير مخل بالمروة إِذا لم يرْتَد عَن البائل من غير كشف الْعَوْرَة (وَاخْتلف فِي رِوَايَة الْعدْل) عَن الْمَجْهُول على ثَلَاثَة أَقْوَال (فالتعديل) إِذْ الظَّاهِر أَنه لَا يرْوى إِلَّا عَن عدل احْتِرَازًا عَن التلبيس لما فِيهَا من الْإِيقَاع فِي الْعَمَل بِمَا لَا يجوز أَن يعْمل بِهِ (وَالْمَنْع) لَهُ، إِذْ كثيرا مَا يرْوى الْعدْل وَلَا يفكر عَمَّن يرْوى وَلَا يلتبس إِذْ لَا يجب الْعَمَل بِمُجَرَّد الرِّوَايَة، إِذْ غَايَته أَنه يَقُول سمعته كَذَا فَلَو عمل بِهِ السَّامع من غير استكشاف فالتقصير مِنْهُ، وَعزا ابْن الصّلاح هَذَا القَوْل إِلَى أَكثر الْعلمَاء من الْمُحدثين وَغَيرهم، وَذكر أَنه الصَّحِيح (وَالتَّفْصِيل بَين من علم أَنه لَا يروي إِلَّا عَن عدل) فَهِيَ تَعْدِيل (أَولا) يعلم ذَلِك من عَادَته فَلَا يكون تعديلا لما ذكر (وَهُوَ) أَي هَذَا التَّفْصِيل (الأعدل وَأما التَّدْلِيس) وَفَسرهُ بقوله (إِيهَام الرِّوَايَة عَن المعاصر الْأَعْلَى) سَمَاعا مِنْهُ سَوَاء لقِيه أَولا بِحَذْف المعاصر الْأَدْنَى سَوَاء كَانَ شَيْخه أَو شيخ شَيْخه فَصَاعِدا نَحْو قَالَ فلَان (أَو وصف شَيْخه بمتعدد) بِأَن يُسَمِّيه تَارَة ويكنيه أُخْرَى أَو ينْسبهُ إِلَى قَبيلَة أَو بلد أَو صَنْعَة أَو بِصفة بِمَا لَا يعرف بِهِ كَيْلا يعرف، وَيفْعل هَكَذَا (لإيهام الْعُلُوّ) فِي السَّنَد، أَو لصِغَر سنّ الْمَحْذُوف عَن سنّ الرَّاوِي، أَو لتأخر وَفَاته ومشاركته من دونه فِيهِ على التَّقْدِير الأول (وَالْكَثْرَة) فِي الشُّيُوخ على التَّقْدِير الثَّانِي لما فِيهِ من إِيهَام أَنه غَيره (فَغير قَادِح، أما) التَّدْلِيس (الْإِيهَام الثِّقَة) أَي كَون الْإِسْنَاد موثوقا بِهِ (بِإِسْقَاط مُخْتَلف فِي ضعفه) حَال كَون السَّاقِط وَاقعا (بَين ثقتين يوثقه) الْمسْقط بذلك (بِأَن ذكر) الثِّقَة (الأول بِمَا لَا يشْتَهر بِهِ من مُوَافق اسْم من عرف أَخذه عَن الثَّانِي) كلمة من بَيَان للموصول. وَحَاصِله أَن الثِّقَة الأول لَهُ اسمان: أَحدهمَا مَا اشْتهر بِهِ وَلم يسمه بِهِ، وَالثَّانِي مُشْتَرك بَينه وَبَين من أَخذ الحَدِيث عَن الثِّقَة الثَّانِي، وَذَلِكَ الْآخِذ ثِقَة مَعْرُوف فيعبر عَن الثِّقَة الأول بِهَذَا الِاسْم ليوهم السَّامع أَنه هُوَ (وَهُوَ) أَي هَذَا التَّدْلِيس (أحد قسمي) تَدْلِيس (التَّسْوِيَة فَيرد) الحَدِيث (عِنْد مانعي) قبُول (الْمُرْسل ويتوقف) على صِيغَة الْمَجْهُول (فِي عنعنته) أَي فِيمَا رَوَاهُ هَذَا المدلس بِلَفْظ عَن من غير بَيَان

стр. 756

للتحديث والإخبار وَالسَّمَاع. قَالَ الْعِرَاقِيّ: اخْتلفُوا فِي حكم الْإِسْنَاد المعنعن، فَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل، وَذهب إِلَيْهِ الجماهير من أَئِمَّة الحَدِيث وَغَيرهم أَنه من قبيل الْإِسْنَاد الْمُتَّصِل بِشَرْط سَلامَة الرَّاوِي بالعنعنة من التَّدْلِيس، وبشرط ثُبُوت ملاقاته لمن رَوَاهُ عَنهُ بالعنعنة، ثمَّ قَالَ: وَمَا ذَكرْنَاهُ من اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء مَذْهَب الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا من أَئِمَّة هَذَا الْعلم، وَأنكر مُسلم اشْتِرَاطه، وَقَالَ الْمُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل الْعلم بالأخبار قَدِيما وحديثا أَنه يَكْفِي ثُبُوت كَونهمَا فِي عصر وَاحِد. وَقَالَ ابْن الصّلاح: وَفِيمَا قَالَه مُسلم نظر (دون المجيزين) لقبُول الْمُرْسل: حكى الْخَطِيب أَن جُمْهُور من يحْتَج بالمرسل يقبل خبر المدلس (وَلَا يسْقط) المدلس الْمَذْكُور فِي الْمَذْهَب الصَّحِيح (بعد كَونه إِمَامًا) من أَئِمَّة الحَدِيث (لاجتهاده) فِي طلب صِحَة الْخَبَر (وَعدم صَرِيح الْكَذِب، وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم من التَّدْلِيس (محمل فعل الثَّوْريّ وَالْأَعْمَش وَبَقِيَّة) فِي الْقَامُوس بَقِي بن مخلد حَافظ الأندلس، وَبَقِيَّة وَبَقَاء اسمان. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من هَذَا النَّوْع كثير كقتادة والسفيانين وَعبد الرَّزَّاق والوليد بن مُسلم. قَالَ النَّوَوِيّ: وَمَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وشبههما من المدلسين بعن مَحْمُول على ثُبُوت السماع من جِهَة أُخْرَى. قَالَ الْحَافِظ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي: قَالَ أَكثر الْعلمَاء المعنعنات الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ منزلَة بِمَنْزِلَة السماع (وَيجب) سُقُوط الرَّاوِي لتدليسه (فِي الْمُتَّفق) على ضعفه لِأَنَّهُ غير رشيد فِي الدّين. قَالَ الْهَيْثَم بن خَارِجَة للوليد بن مُسلم: أفسدت حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ تروي عَنهُ عَن نَافِع وَعنهُ عَن الزُّهْرِيّ، وَغَيْرك يدْخل بَينه وَبَين نَافِع عبد الله بن عَامر الْأَسْلَمِيّ وَبَينه وَبَين الزُّهْرِيّ إِبْرَاهِيم بن مرّة وقرة، قَالَ لَهُ أنبل الْأَوْزَاعِيّ أَن يرْوى عَن مثل هَؤُلَاءِ. قَالَ الْهَيْثَم قلت لَهُ فَإِذا روى عَن هَؤُلَاءِ وهم ضعفاء أَحَادِيث مَنَاكِير فأسقطتهم وصيرتها من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن الثِّقَات ضعف الْأَوْزَاعِيّ انْتهى، وَلذَا قَالَ شُعْبَة التَّدْلِيس أَخُو الْكَذِب، وَأَرَادَ بِهِ هَذَا الْقسم مِنْهُ (وتحققه) أَي هَذَا التَّدْلِيس يكون (بِالْعلمِ بمعاصرة الموصولين) بِإِسْقَاط الْوَاسِطَة بَينهمَا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعلم معاصرتهما (لَا تَدْلِيس ويفضي) التَّدْلِيس لتكبير الشُّيُوخ (إِلَى تَضْييع) الشَّيْخ (الْمَوْصُول وَحَدِيثه) الْمَرْوِيّ أَيْضا قلت وَيَنْبَغِي أَن يحمل على تضييعه بِاعْتِبَار مَا يرْوى عَنهُ هَذَا الْمسْقط لَا مُطلقًا لِأَنَّهُ إِذا روى عَن الضَّعِيف مَعَ بَيَان ضعفه لَا يخل بِهِ، وَنقل عَن الشَّافِعِي وَالْبَزَّار والخطيب اشْتِرَاط اللِّقَاء فِي هَذَا التَّدْلِيس فَلم يكتفوا بِمُجَرَّد المعاصرة. قَالَ الشَّارِح: وَيعرف عدم الملاقاة بأخباره عَن نَفسه بذلك أَو بجزم إِمَام مطلع، وَلَا يَكْفِي أَن يَقع فِي بعض الطّرق زِيَادَة راو بَينهمَا.

стр. 757

مسئلة قَالَ (الْأَكْثَر) مِنْهُم الرَّازِيّ والآمدي (الْجرْح وَالتَّعْدِيل) يثبتان (بِوَاحِد فِي الرِّوَايَة وباثنين فِي الشَّهَادَة، وَقيل) بل (بِاثْنَيْنِ فيهمَا) أَي فِي الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة (وَقيل) يثبتان (بِوَاحِد فيهمَا) أَي الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة، وَهُوَ مُخْتَار القَاضِي (للْأَكْثَر لَا يزِيد شَرط على مشروطه بالاستقراء وَلَا ينقص) شَرط عَن مشروطه أَيْضا بالاستقراء، وَالْعَدَالَة شَرط لقبولهما، وَالْجرْح لعدمه، وَالرِّوَايَة لَا يشْتَرط فِيهَا الْعدَد، وَالشَّهَادَة يشْتَرط فِيهَا، وَأقله اثْنَان: فَكَذَا التَّعْدِيل وَالْجرْح فيهمَا. قَالَ (المعدد) أَي شارط الْعدَد فيهمَا: كل وَاحِد من الْجرْح وَالتَّعْدِيل (شَهَادَة) وَلذَا ترد بِمَا ترد بِهِ الشَّهَادَة (فيتعدد) كَمَا فِي سَائِر الشَّهَادَات (عورض خبر) عَن حَال الرَّاوِي (فَلَا) يشْتَرط فِيهِ الْعدَد، بل يَكْتَفِي بِالْوَاحِدِ إِذا غلب على الظَّن صدقه (قَالُوا) أَي المعددون فيهمَا اشْتِرَاط الْعدَد فِي كل مِنْهُمَا (أحوط) لزِيَادَة الثِّقَة، فَالْقَوْل بِهِ أولى (أُجِيب بالمعارضة) وَهِي أَن عدم اشْتِرَاط الْعدَد أحوط حذرا عَن تَضْييع الْأَحْكَام (الْمُفْرد) الَّذِي لَا يشْتَرط: أَي الْعدَد (فيهمَا) أَي فِي التَّعْدِيل وَالْجرْح، وَالشَّهَادَة فِي الرِّوَايَة قَالَ: كل مِنْهُمَا (خبر) فَلَا يشْتَرط فِيهِ الْعدَد (فَيُقَال) لَهُ بل كل مِنْهُمَا (شَهَادَة) فَيشْتَرط فِيهِ الْعدَد (فَإِذا قَالَ) الْمُفْرد الْإِفْرَاد (أحوط عورض) بِأَن التَّعَدُّد أحوط (والأجوبة) من الطَّرفَيْنِ (كلهَا جدلية) لَا ينْكَشف بهَا الْحق، وَلَا يتَرَجَّح بهَا مَذْهَب (والمعارضة الأولى) وَهِي الْأَفْرَاد أحوط (تنْدَفع بِأَن شرع مَا لم يشرع شَرّ من ترك مَا شرع) لِأَن فِيهِ شَائِبَة شركَة فِي الربوبية تَعَالَى الله عَن ذَلِك، بِخِلَاف ترك مَا شرع (و) الْمُعَارضَة (الثَّانِيَة) وَهِي التَّعَدُّد أحوط (نقتضي التَّعَدُّد فيهمَا). قَالَ الشَّارِح: أَي الْجرْح وَالتَّعْدِيل انْتهى وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه لَا مَحْذُور فِيهِ فَالصَّوَاب أَن يُقَال: أَي الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة وَالْأَكْثَر لَا يَقُول بِهِ كَمَا ذكر فِي صدر المبحث، وَهَذِه الْمُعَارضَة من قبلهم (وَقَول الْأَكْثَر لَا يزِيد) شَرط على مَشْرُوط بالاستقراء (مُنْتَفٍ بِشَاهِد الْهلَال) أَي هِلَال رَمَضَان إِذا كَانَ بالسماء عِلّة فَإِنَّهُ يَكْتَفِي فِيهِ بِوَاحِد ويفتقر تعديله إِلَى اثْنَيْنِ (وَلَا ينقص) شَرط عَن مشروطه مُنْتَفٍ (بِشَهَادَة الزِّنَا) فَإِنَّهُ يلْزم كَونهم أَرْبَعَة، وَيَكْفِي فِي تعديلهم اثْنَان (وَمَا قيل لانقض) بِهَذَيْنِ (بل) زِيَادَة فِي الأَصْل فِي شَهَادَة الزِّنَا ونقصانه فِي الْهلَال إِنَّمَا يثبت (بِالنَّصِّ للِاحْتِيَاط فِي الدرء) للعقوبات (والإيجاب) لِلْعِبَادَةِ كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي حَاشِيَة التَّفْتَازَانِيّ (لَا يُخرجهُ) أَي هَذَا الْجَواب لَا يخرج مَا ذكر من مادتي النَّقْض (عَنْهُمَا) أَي ثُبُوت الزِّيَادَة وَثُبُوت النَّقْص المنافيين لما ادّعى من الضابطين بالاستقراء

стр. 758

(وأوجهها) أَي هَذِه الْأَقْوَال (الْمُفْرد) أَي قَول الْقَائِل بِأَن الْمُفْرد كَافِي فيهمَا (فَإِذا قيل كَونه) أَي كَون كل من الْجرْح وَالتَّعْدِيل (شَهَادَة أحوط) يَعْنِي أَنه يحْتَمل أَن يكون شَهَادَة، وَأَن يكون خَبرا، وَحمله على الأول ورعاية جَانِبه تَسْتَلْزِم رِعَايَة الْجَانِب الآخر على الْوَجْه الآكد، بِخِلَاف الْعَكْس (منع محليته). قَالَ الشَّارِح: أَي التَّعْدِيل وَالصَّوَاب، أَي كل من الْجرْح وَالتَّعْدِيل لاقْتِضَاء السِّيَاق والسباق، وَكَأَنَّهُ دَعَاهُ إِلَيْهِ ظَاهر مَا سَيَأْتِي، وسيظهر لَك أَنه مُوَافق لما قُلْنَا (لَهُ) أَي للِاحْتِيَاط (إِذْ الِاحْتِيَاط عِنْد تجاذب متعارضين) أَي دَلِيلين كل مِنْهُمَا يجذب إِلَى مُوجبه مَعَ الْمُخَالفَة بَين لازميهما (فَيعْمل بأشدهما) كلفة وأوفرهما امتثالا (وَلَا تزيد التَّزْكِيَة) الَّتِي هِيَ التَّعْدِيل (على أَنَّهَا ثَنَاء عَلَيْهِ) أَي على الرَّاوِي أَو الشَّاهِد (وَهُوَ) أَي هَذَا الثَّنَاء يتَحَقَّق (بِمُجَرَّد الْخَبَر) الْخَاص من الْمُزَكي (فإثبات زِيَادَة على الْخَبَر) يَعْنِي خُصُوصِيَّة كَونه شَهَادَة يكون (بِلَا دَلِيل فَيمْتَنع) إِذْ لَا يجوز إِثْبَات حكم شَرْعِي بِغَيْر دَلِيل يُوجِبهُ فَثَبت خبريته وَلم يثبت كَونه شَهَادَة وَلَا تجاذب وَلَا تعَارض (وَلَا يتَصَوَّر الِاحْتِيَاط) لِأَنَّهُ فرع التَّعَارُض. (وَاخْتلف فِي اشْتِرَاط ذكورة الْمعدل) للشَّاهِد فِي الْحُدُود عِنْد أَصْحَابنَا فَفِي الْهِدَايَة يشْتَرط الذُّكُورَة فِي الْمُزَكي فِي الْحُدُود. وَفِي غَايَة الْبَيَان، يَعْنِي بِالْإِجْمَاع: وَكَذَا فِي الْقصاص ذكره فِي الْمُخْتَلف فِي كتاب الشَّهَادَات فِي بَاب مُحَمَّد انْتهى. وَوَافَقَهُ الزَّيْلَعِيّ، وَقيل يشْتَرط عِنْده خلافًا لَهما (وَمُقْتَضى النّظر قبُول تَزْكِيَة كل عدل ذكر أَو امْرَأَة فِيمَا يشْهد بِهِ حر أَو عبد) لِأَنَّهَا ثَنَاء وأخبار عَن حَال الشَّاهِد أَو الرَّاوِي، لَا شَهَادَة (وَلَو شرطت الملابسة فِي الْمَرْأَة) لمن تزكيه، وَهِي المخالطة على وَجه يُوجب معرفَة بَاطِن الْحَال (لسؤال بَرِيرَة) أَي سُؤال النَّبِي ﷺ بَرِيرَة مولاة عَائِشَة عَنْهَا فِي قصَّة الْإِفْك بِإِشَارَة عَليّ كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح (و) فِي (العَبْد) أَيْضا، وَذَلِكَ لظُهُور عدم مخالطتهما الرِّجَال والأحرار خلْطَة على الْوَجْه الْمَذْكُور (لم يبعد فينتفى) بِاشْتِرَاط الملابسة (ظُهُور مَبْنِيّ النَّفْي) لمعْرِفَة بَاطِن الْحَال وَهُوَ بعدهمَا عَن اطلَاع حَال الرِّجَال والأحرار، وَفِي الْمُحِيط وَيقبل تَعْدِيل الْمَرْأَة لزَوجهَا إِذا كَانَت بَرزَة تخالط النَّاس وتعاملهم فَإِن كَانَت مخدرة غير بَرزَة لَا تكون خبْرَة، فَلَا تعرف أَحْوَال النَّاس إِلَّا حَال زَوجهَا وَوَلدهَا، فَلَا يكون تعديلها مُعْتَبرا انْتهى. وَحكى مَشَايِخنَا خلافًا بَين أبي حنيفَة وصاحبيه فِي تَزْكِيَة العَبْد فَلم يقبلهَا مُحَمَّد وقبلاها. قَالَ الشَّارِح: ثمَّ التَّحْرِير فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَن تَزْكِيَة الْعَلَانِيَة أجمع أَصْحَابنَا على أَنه يشْتَرط لَهَا سَائِر أَهْلِيَّة الشَّهَادَة وَمَا اشْترط فِيهَا سوى لَفْظَة الشَّهَادَة، وَأما تَزْكِيَة السِّرّ فَفِي الْحُدُود وَالْقصاص عرفت مَا فِيهَا، ثمَّ ذكر تَفْصِيلًا يرجع إِلَيْهِ من يُريدهُ.

стр. 759

مسئلة (إِذا تعَارض الْجرْح وَالتَّعْدِيل فالمعروف مذهبان: تَقْدِيم الْجرْح مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَ المعدلون أقل من الجارحين أَو مثلهم أَو أَكثر مِنْهُم: نَقله الْخَطِيب عَن جُمْهُور الْعلمَاء، وَصَححهُ الرَّازِيّ والآمدي وَابْن الصّلاح وَغَيرهم (وَهُوَ الْمُخْتَار وَالتَّفْصِيل بَين تَسَاوِي المعدلين والجارحين فَكَذَلِك) أَي يقدم الْجرْح (والتفاوت) بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمِقْدَار (فيترجح الْأَكْثَر) من الْفَرِيقَيْنِ على الْأَقَل مِنْهُمَا (فَأَما وجوب التَّرْجِيح) لأَحَدهمَا على الآخر بمرجح (مُطلقًا) أَي سَوَاء تَسَاويا أَو كَانَ أَحدهمَا أَكثر (كنقل ابْن الْحَاجِب فقد أنكر) كَمَا ذكره الشَّيْخ زين الدّين الْعِرَاقِيّ (بِنَاء على حِكَايَة القَاضِي أبي بكر) الباقلاني (والخطيب) الْبَغْدَادِيّ (الْإِجْمَاع على تَقْدِيم الْحَرج عِنْد التَّسَاوِي لَوْلَا تعقب الْمَازرِيّ الْإِجْمَاع) الَّذِي حكيناه وَمنعه إِيَّاه مُسْتَندا (بنقله) أَي الْمَازرِيّ (عَن) عَالم (مالكي يشهر بِابْن شعْبَان) أَنه يطْلب التَّرْجِيح فِي صُورَة التَّسَاوِي، وَلَا يقدم الْجرْح فِيهَا مُطلقًا، وَجَوَاب لَو مَحْذُوف، يَعْنِي لَوْلَا هَذَا التعقب لحكمنا بِبُطْلَان مَا نَقله ابْن الْحَاجِب قطعا (لكنه) أَي ابْن شعْبَان (غير مَشْهُور وَلَا يعرف لَهُ تَابع) وَاحِد فضلا عَن الأتباع (فَلَا يَنْفِيه) قَول ابْن شعْبَان الْإِجْمَاع، وَأورد الشَّارِح عَلَيْهِ أَن الْقَائِل بِعَدَمِ تعْيين الْعَمَل بالتعديل إِذا كَانَ الْجَارِح أقل، بل يطْلب التَّرْجِيح قَائِل بِعَدَمِ ذَلِك للترجيح فِي صُورَة التَّسَاوِي بطرِيق أولى فتنخدش دَعْوَى الْإِجْمَاع، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون كل من هذَيْن ذهب إِلَى مَا قَالَه بعد انْعِقَاد الْإِجْمَاع على تَقْدِيم الْجرْح على التَّعْدِيل إِذا تساوى عدداهما انْتهى: فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بقوله من هذَيْن مَا نَقله ابْن الْحَاجِب وَمَا نَقله الْمَازرِيّ لَكِن لَا يعلم مَقْصُوده من كَونهمَا بعد الْإِجْمَاع أَن أَرَادَ عدم الِاعْتِدَاد بهما فقد علم، وَإِن أَرَادَ أَن صُورَة التَّسَاوِي تستثني من الْقَوْلَيْنِ نَاقض قَوْله بطرِيق أولى، ثمَّ قَالَ وَيُجَاب بِأَن الْأَمر على هَذَا لَكِن لم يتَحَقَّق قَائِل بِطَلَب التَّرْجِيح إِذا كَانَ الْجَارِح أقل، فَكَلَامه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مَاء حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا (وَأما وضع شَارِحه) أَي ابْن الْحَاجِب، وَهُوَ القَاضِي عضد الدّين (مَكَان التَّرْجِيح التَّعْدِيل) فِي قَوْله وَقيل بل التَّعْدِيل مقدم (فَلَا يعرف قَائِل بِتَقْدِيم التَّعْدِيل مُطلقًا). وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ بل التَّرْجِيح مقدم، وَهُوَ مُوَافق لكَلَام الشَّارِحين وَالْمُصَنّف (وَالْخلاف عِنْد إطلاقهما) أَي الْجرْح وَالتَّعْدِيل بِلَا تعْيين سَبَب (أَو تعْيين الْجَارِح سَببا لم ينفه الْمعدل أَو نَفَاهُ) الْمعدل (بطرِيق غير يقيني ٨ لنا فِي تَقْدِيم الْجرْح عدم الإهدار) لكل من الْجرْح وَالتَّعْدِيل (فَكَانَ) تَقْدِيمه (أولى) من تَقْدِيم التَّعْدِيل،

стр. 760

لِأَن فِيهِ إهدار الْجرْح (أما الْجَارِح) أَي عدم إهداره (فَظَاهر، وَأما قَول الْمعدل) أَي عدم إهداره بِحَيْثُ يلْزم تَكْذِيبه (فُلَانُهُ ظن الْعَدَالَة لما قدمْنَاهُ) من ظَاهر حَال الْمُسلم والتزام مَا يَقْتَضِيهِ الْإِسْلَام من اجْتِنَاب مَحْظُورَات دينه (وَلما يَأْتِي) من أَن الْعَدَالَة يتصنع فِي إظهارها فتظن وَلَيْسَت ثَابِتَة (ورد تَرْجِيح الْعَدَالَة بِالْكَثْرَةِ) أَي بِسَبَب كَثْرَة المعدلين (بِأَنَّهُم وَإِن كَثُرُوا لَيْسُوا مخبرين بِعَدَمِ مَا أخبر بِهِ الجارحون) وَلَو أخبروا بِهِ لكَانَتْ شَهَادَة على النَّفْي، وَهِي بَاطِلَة، ذكره الْخَطِيب (وَمعنى هَذَا أَنهم) أَي المعدلين والجارحين (لم يتواردوا فِي التَّحْقِيق) على مَحل وَاحِد فَلَا تعَارض بَين خبريهما (فَأَما إِذا عين) الْجَارِح (سَبَب الْجرْح) بِأَن قَالَ قتل فلَانا يَوْم كَذَا مثلا (ونفاه الْمعدل يَقِينا) بِأَن قَالَ رَأَيْته حَيا بعد ذَلِك الْيَوْم (فالتعديل) أَي تَقْدِيمه على الْجرْح (اتِّفَاق وَكَذَا) يقدم على الْجرْح (لَو قَالَ) الْمعدل (علمت مَا جرحه) أَي الْجَارِح الشَّاهِد أَو الرَّاوِي (بِهِ) من القوادح (وَأَنه) أَي الْمَجْرُوح (تَابَ عَنهُ) أَي عَمَّا جرح بِهِ، هَذَا وناقش الشَّارِح فِي حِكَايَة الِاتِّفَاق فِي الصُّورَتَيْنِ بِمَا فِي شرح السُّبْكِيّ من أَنَّهَا: يَعْنِي الصُّورَة الأولى من مواقع الْخلاف، والاعتماد على نقل المُصَنّف أَكثر. مسئلة (أَكثر الْفُقَهَاء وَمِنْهُم الْحَنَفِيَّة و) أَكثر (الْمُحدثين) وَمِنْهُم البُخَارِيّ وَمُسلم (لَا يقبل الْجرْح إِلَّا مُبينًا) سبه كَأَن يَقُول: فلَان مدمن خمرًا أَو آكل رَبًّا (لَا) كَذَلِك (التَّعْدِيل) فَيقبل من غير بَيَان (وَقيل بِقَلْبِه) أَي لَا يقبل التَّعْدِيل إِلَّا مُبينًا سَببه كَأَن يَقُول: (فلَان يجْتَنب الْكَبَائِر والإصرار على الصَّغِيرَة وخوارم الْمُرُوءَة، وَيقبل الْجرْح بِلَا ذكر سَببه (وَقيل) يقبل الْإِطْلَاق (فيهمَا) أَي الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَإِن قلت من أَيْن يفهم مرجع ضمير قيل؟ قلت من قَوْله لَا التَّعْدِيل، فَإِن مَعْنَاهُ يقبل من غير بَيَان كَمَا مر (وَقيل لَا) يقبل الْإِطْلَاق فيهمَا فَلَا بُد من الْبَيَان فِي كل مِنْهُمَا. قَالَ (القَاضِي) أَبُو بكر قَالَ (الْجُمْهُور من أهل الْعلم إِذا جرح من لَا يعرف الْجرْح يجب الْكَشْف) عَن ذَلِك (وَلم يوجبوه) أَي الْكَشْف (على عُلَمَاء الشَّأْن. قَالَ) القَاضِي (ويقوى عندنَا تَركه) أَي الْكَشْف (إِذا كَانَ الْجَارِح عَالما كَمَا لَا يجب استفسار الْمعدل) عَمَّا صَار الْمُزَكي عِنْده عدلا بِهِ (وَهَذَا) (مَا يُخَالف مَا) نقل (عَن أَمَام الْحَرَمَيْنِ) وَهُوَ قَوْله (إِن كَانَ) كل من الْمعدل والجارح (عَالما كفى) الْإِطْلَاق (فيهمَا) أَي الْجرْح وَالتَّعْدِيل (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن عَالما (لَا) يَكْفِي الْإِطْلَاق فيهمَا كَمَا اخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَغَيره، وَاخْتَارَهُ الْغَزالِيّ والرازي والخطيب (فِي الِاكْتِفَاء فِي التَّعْدِيل بِالْإِطْلَاقِ) فَإِنَّهُ على قَول

стр. 761

القَاضِي لَا يجب الْبَيَان فِي التَّعْدِيل، وعَلى قَول الإِمَام يجب إِلَّا إِذا كَانَ عَالما. قَوْله فِي الِاكْتِفَاء مُتَعَلق يُخَالف، وبالإطلاق بالاكتفاء (أَو) هَذَا (مثله) أَن مَا عَن الإِمَام بِنَاء على إِرَادَة التَّقْيِيد بِالْعلمِ فِي التَّعْدِيل، بل فِي كَلَام القَاضِي وَإِن كَانَ بَعيدا (فَمَا نسب إِلَى القَاضِي من الِاكْتِفَاء بِالْإِطْلَاقِ) فيهمَا كَمَا وَقع للْإِمَام وَالْغَزالِيّ (غير ثَابت) عَن القَاضِي. قَالَ الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ: الظَّاهِر أَنه وهم مِنْهُمَا، وَالْمَعْرُوف أَنه لَا يجب ذكر سَبَب وَاحِد مِنْهُمَا إِذا كَانَ كل من الْجَارِح والمعدل ذَا بَصِيرَة كَمَا عَلَيْهِ الْغَزالِيّ وَحَكَاهُ عَنهُ الرَّازِيّ والآمدي والخطيب (وَيبعد من عَالم القَوْل بِسُقُوط رِوَايَة أَو ثُبُوتهَا بقول من لَا خبْرَة عِنْده بالقادح وَغَيره). قَالَ السُّبْكِيّ: لَا يذهب عَاقل إِلَى قبُول ذَلِك مُطلقًا من رجل غمر جَاهِل لَا يعرف مَا يجرح بِهِ وَلَا مَا يعدل بِهِ (وَمَا أوردوه من دَلِيله) أَي القَاضِي: وَهُوَ أَنه (إِن شهد) الْجَارِح مثلا (من غير بَصِيرَة لم يكن عدلا) لِأَنَّهُ يدل على اتِّبَاعه الْهوى (وَالْكَلَام فِيهِ) أَي وَالْحَال أَن كلامنا فِي الْعدْل (فَيلْزم أَن لَا يكون) الْجَارِح (إِلَّا ذَا بَصِيرَة، فَإِن سكت) الْجَارِح عَن الْبَيَان (فِي مَحل الْخلاف) أَي الْموضع الْمُخْتَلف فِي أَنه هَل هُوَ بِسَبَب الْجرْح (فمدلس) وَهُوَ قدح فِي عَدَالَته، وَمَا أوردوه مُبْتَدأ خَبره (يُفِيد أَن لَا بُد من بَصِيرَة عِنْده) أَي القَاضِي (بالقادح وَغَيره وبالخلاف فِيمَا فِيهِ) الْخلاف من أَسبَاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل (وَكَذَا مَا أجابوا بِهِ) أَي القَاضِي (من أَنه) أَي الْجَارِح (قد يَبْنِي على اعْتِقَاده) فِيمَا يرَاهُ جرحا (أَو لَا يعرف الْخلاف) فَلَا يكون مدلسا وَمَا أجابوا مُبْتَدأ خَبره (فرع أَن لَهُ علما: غير أَنه قد لَا يعرف الْخلاف فيجرحه أَو يعد لَهُ بِمَا يَعْتَقِدهُ وَهُوَ مُخطئ فِيهِ، لَكِن دفع بِأَن كَونه لَا يعرف الْخلاف خلاف مُقْتَضى بَصَره) بالفن وَقد يدْفع هَذَا الدّفع بِأَن الْتِزَام كَونه ذَا بَصِيرَة لَا يسْتَلْزم أَن لَا يفوتهُ شَيْء من مراتبها، وَعدم معرفَة الْخلاف لَا يُوجب عدم البصيرة رَأْسا (وَالْحَاصِل أَنه لَا وجود لذَلِك القَوْل) أَي الَّذِي يَقْتَضِي سُقُوط رِوَايَة أَو ثُبُوتهَا بقول من لَا خبْرَة عِنْده بالقادح وَغَيره (فَيجب كَون الْأَقْوَال على تَقْدِير الْعلم) للمعدل أَو الْجَارِح فَتكون (أَرْبَعَة فَقَائِل) يَقُول (لَا يَكْفِي) الْإِطْلَاق من الْعَالم (فيهمَا) أَي الْجرْح وَالتَّعْدِيل (للِاخْتِلَاف) بَين الْعلمَاء فِي سببهما (فَفِي التَّعْدِيل جَوَاب أَحْمد بن يُونُس فِي تَعْدِيل عبد الله الْعمريّ) إِنَّمَا يُضعفهُ رَافِضِي مبغض لِآبَائِهِ لَو رَأَيْت لحيته وخضابه وهيئته لعرفت أَنه ثِقَة، فاستدل على ثقته بِمَا لَيْسَ بِحجَّة، لِأَن حسن الْهَيْئَة يشْتَرك فِيهِ الْعدْل والمجروح (وَفِي الْجرْح) الِاخْتِلَاف فِي سَببه (كثير كشعبة) أَي كجرحه (بالركض) وَقد سبق (وَغَيره وَالْجَوَاب) عَن هَذَا (بِأَن لَا شكّ مَعَ إِخْبَار الْعدْل) يَعْنِي بعد مَا فرض أَن الْعدْل والجارح عدل عَالم فَقَوله مثله مُوجب للظن بِمَا أخبر بِهِ إِذْ لَو لم يعرف لم يقبل فَلَا مجَال للشَّكّ فِيهِ مَدْفُوع

стр. 762

بِأَن المُرَاد) بِالشَّكِّ (الشَّك الْآتِي من احْتِمَال الْغَلَط فِي الْعَدَالَة للتصنع) فِي إظهارها بالتكلف فِي الإتصاف بالفضائل والكمالات فيتسارع النَّاس إِلَيْهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَوْعُود بِهِ بقوله قادحا وَلما يَأْتِي (واعتقاد مَا لَيْسَ قادحا قادحا فِي الْجرْح وَالْعَدَالَة) الْمَذْكُور (لَا تنفيه) أَي الْغَلَط الْمَذْكُور (وَالْجَوَاب أَن قصارى) أَي غَايَة (الْمعدل الْبَاطِن) أَي الَّذِي يتفحص عَن بواطن الْأُمُور (الظَّن الْقوي بِعَدَمِ مُبَاشرَة الْمَمْنُوع) شرعا (لتعذر الْعلم) بِهِ (وَالْجهل بِمَفْهُوم الْعَدَالَة مُمْتَنع عَادَة من أهل الْفَنّ وَلَا بُد فِي إخْبَاره) أَي الْمعدل (من تطبيقه) أَي مَفْهُوم الْعَدَالَة (على حَال من عدله فأغنى) هَذَا الْمَجْمُوع (عَن الاستفسار) مِنْهُ عَن سَببهَا (وَيقطع بِأَن جَوَاب أَحْمد) بن يُونُس (استرواح) أَي أراح نَفسه عَن المجادلة (لَا تَحْقِيق إِذْ لَا شكّ أَنه لَو قيل لَهُ: ألحسن اللِّحْيَة وخضابها دخل فِي الْعَدَالَة؟ نَفَاهُ) أَي أَن يكون لَهُ دخل (وَقَائِل) يَقُول (يَكْفِي) الْإِطْلَاق (فيهمَا) أَي الْجرْح وَالتَّعْدِيل (من الْعَالم لَا من غَيره: وَهُوَ مُخْتَار الإِمَام تَنْزِيلا لعلمه منزلَة بَيَانه، وَجَوَابه فِي الْجرْح مَا تقدم) من أَن الِاخْتِلَاف فِي أَسبَاب الْجرْح كثير بِخِلَاف الْعَدَالَة (وَقَائِل) يَقُول يَكْفِي الْإِطْلَاق (فِي الْعَدَالَة فَقَط للْعلم بمفهومها اتِّفَاقًا فكسوته كبيانه بِخِلَاف الْجرْح) فَإِن أَسبَابه كَثِيرَة وَالِاخْتِلَاف فِيهِ كثير (وَهُوَ) أَي هَذَا القَوْل (مَذْهَب الْجُمْهُور) تَأْكِيد لما صدر بِهِ المسئلة اهتماما بِشَأْنِهِ (وَهُوَ الْأَصَح، وَقَائِل) يَقُول (قلبه) أَي يَكْفِي الْإِطْلَاق فِي الْجرْح دون التَّعْدِيل، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله قَائِل مُضَافا إِلَى قلبه، وَالْمعْنَى ذهب إِلَى مَا ذهب (للتصنع فِي الْعَدَالَة) كَمَا مر فَلَا بُد فِيهَا من الْبَيَان ليعلم عدم التصنع (وَالْجرْح يظْهر) لعدم التصنع فِيهِ وَعدم خفائه (وَتقدم) ذكره مَعَ جَوَابه (ويعترض على الْأَكْثَر بِأَن عمل الْكل) من أهل الشَّأْن (فِي الْكتب) مَبْنِيّ (على إِبْهَام) سَبَب (التَّضْعِيف إِلَّا قَلِيلا) من التَّضْعِيف حَيْثُ لَا إِبْهَام فِيهِ، فَإِذا اتَّفقُوا على الحكم بِضعْف الرِّوَايَة بِمُجَرَّد تَضْعِيف مُبْهَم علم أَنهم يكتفون فِي الْجرْح بِمُجَرَّد طعن مُبْهَم (فَكَانَ) الِاكْتِفَاء بِإِطْلَاق الْجرْح (إِجْمَاعًا، وَالْجَوَاب) عَن هَذَا على مَا ذكره ابْن الصّلاح (بِأَنَّهُ) أَي عَمَلهم الْمَذْكُور (أوجب التَّوَقُّف عَن قبُوله) لَا الحكم بجرحه: أَي الرَّاوِي المضعف فموجبه لَيْسَ إِلَّا رِيبَة مُوجبَة للتوقف فَمن زَالَت عَنهُ بالبحث عَن حَاله وَجب عَلَيْهِ أَن يَثِق بعدالته وَيقبل حَدِيثه كمن احْتج بِهِ البُخَارِيّ وَمُسلم مِمَّن مَسّه مثل هَذَا الْجرْح من غَيرهمَا ثمَّ قَوْله وَالْجَوَاب مُبْتَدأ خَبره (يُوجب قبُول) الْجرْح (الْمُبْهم إِذْ الْكَلَام فِيمَن عدل وَإِلَّا فالتوقف لجَهَالَة حَاله ثَابت وَإِن لم يجرح، بل الْجَواب أَن أَصْحَاب الْكتب المعروفين عرف مِنْهُم صِحَة الرَّأْي فِي الْأَسْبَاب) الْجَارِحَة فَأوجب جرحهم الْمُبْهم التَّوَقُّف عَن الْعَمَل بالمجروح (حَتَّى لَو عرف) الْجَارِح مِنْهُم (بِخِلَافِهِ) أَي خلاف الرَّأْي الصَّحِيح فِي الْأَسْبَاب

стр. 763

الْجَارِحَة (لَا يقبل) جرحه (فَلَا يتَوَقَّف) فِي قبُول ذَلِك الْمَجْرُوح حِينَئِذٍ. فَالْحَاصِل أَن الْمَعْرُوف بِصِحَّة الرَّأْي جرحه الْمُبْهم بِمَنْزِلَة الْمُبين. مسئلة (الْأَكْثَر على عَدَالَة الصَّحَابَة) فَلَا يبْحَث عَن عدالتهم فِي رِوَايَة وَلَا شَهَادَة (وَقيل) هم (كغيرهم) فيهم الْعُدُول وَغَيرهم (فيستعلم التَّعْدِيل) أَي يطْلب الْعلم بِعَدَالَتِهِمْ (بِمَا تقدم) من التَّزْكِيَة وَغَيرهَا إِلَّا من كَانَ مَقْطُوعًا بعدالته كالخلفاء الْأَرْبَعَة أَو ظَاهر الْعَدَالَة (وَقيل) هم (عدُول إِلَى الدُّخُول فِي الْفِتْنَة) فِي آخر عهد عُثْمَان كَمَا عَلَيْهِ كثير، وَقيل من حِين مقتل عُثْمَان. هَذِه الْعبارَة تحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَنه لَا يحكم بعدالة وَاحِد مِنْهُم بعد تحقق الْفِتْنَة، وَالثَّانِي أَنه لَا يحكم بعدالة الْكل بعده، بل بعدالة الْبَعْض وهم غير الداخلين، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب كَمَا يدل عَلَيْهِ التَّعْدِيل الْآتِي (فتطلب التَّزْكِيَة) لَهُم من ذَلِك الْوَقْت (فَإِن الْفَاسِق من الداخلين غير معِين) لأَنا نعلم قطعا أَن أحد الْفَرِيقَيْنِ على غير الْحق وَلَا نقدر على تَعْيِينه، هَكَذَا ذكرُوا. وَيرد عَلَيْهِ أَن عدم علمنَا بِالتَّعْيِينِ بِسَبَب كَون تِلْكَ الْحَادِثَة اجتهادية وَحِينَئِذٍ لَا يلْزم تفسيق أحد الْفَرِيقَيْنِ، فَالْحق أَن يُقَال: كل من قصد قتل عُثْمَان ﵁ أَو رَضِي بِهِ فَهُوَ كَافِرَانِ اسْتحلَّ أَو فَاسق إِن لم يسْتَحل، لِأَن حُرْمَة قَتله مَقْطُوع بهَا وَلَيْسَت محلا للِاجْتِهَاد، غير أَن الرضى بِهِ وَالسَّعْي فِيهِ كَانَ أمرا مخفيا، فَلِذَا قَالَ غير معِين، وَأما الْإِشْكَال بِمثل عَليّ ﵁ لدُخُوله فِيهَا فمدفوع لِأَن الْكَلَام فِيمَن لَا يكون عَدَالَته مَقْطُوعًا بهَا أَو مظنونا ظنا غَالِبا (وَنقل بَعضهم هَذَا الْمَذْهَب بِأَنَّهُم كغيرهم إِلَى ظُهُورهَا فَلَا يقبل الداخلون مُطلقًا لجَهَالَة عَدَالَة الدَّاخِل، والخارجون) مِنْهَا (كغيرهم) فِي الشَّرْح العضدي، وَقيل هم كغيرهم إِلَى حِين ظُهُور الْفِتَن أَعنِي بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة، وَأما بعْدهَا فَلَا يقبل الداخلون فِيهَا مُطلقًا: أَي من الطَّرفَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَن الْفَاسِق من الْفَرِيقَيْنِ غير معِين وَكِلَاهُمَا مَجْهُول الْعَدَالَة فَلَا يقبل، وَأما الخارجون عَنْهَا فكغيرهم انْتهى. وَقَالَ الْمُحَقق النفتازاني: جُمْهُور الشَّارِحين على أَنه آخر عهد عُثْمَان، وَفَسرهُ الْمُحَقق بِمَا بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة إِمَّا ميلًا إِلَى تفسيق قتلة عُثْمَان بِلَا خلاف، وَإِمَّا توقفا فِيهِ على مَا اشْتهر من السّلف أَن أول من بغى فِي الْإِسْلَام مُعَاوِيَة (إِن أَرَادَ أَنه يبْحَث عَنْهَا) أَي عدالتهم (بعد الدُّخُول وَهُوَ) أَي الْبَحْث عَنْهَا بعده (مَنْقُول) عَن بَعضهم (ففاسد التَّرْكِيب). قَالَ الشَّارِح: إِذْ حَاصله هم كغيرهم إِلَى ظُهُورهَا فهم كغيرهم انْتهى. تَوْضِيحه أَن قَوْله كغيرهم آخرا إِذا لوحظ وَركب مَعَ قَوْله كغيرهم أَولا، وَمَعَ محصول قَوْله فَلَا يقبل الداخلون إِلَى آخِره،

стр. 764

وَهُوَ كَون الداخلين كغيرهم إِذا دخلُوا فِي الْفِتْنَة علم فَسَاد محصول التَّرْكِيب، لِأَن كلمة إِلَى تفِيد انْتِهَاء حكم التَّشْبِيه عِنْد الظُّهُور، وَمَا بعْدهَا يُفِيد عدم انتهائه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَحَاصِله الْمَذْهَب الثَّانِي وَلَيْسَ) مذهبا (ثَالِثا، وَإِن أَرَادَ لَا يقبل بِوَجْه) أَي مُطلقًا (فشقه الأول) وَهُوَ مَا قبل الظُّهُور مَعْنَاهُ فهم (عدُول) إِلَى ظُهُورهَا، لَا فهم (كغيرهم) وَذَلِكَ للُزُوم كَون مَا بعد إِلَى على خلاف مَا قبله فِي الحكم، وَقد يُقَال: لم لَا يجوز أَن يكون حكم الشق الأول الْبَحْث عَن عدالتهم، وَحكم مَا سواهُ عدم الْقبُول فَتَأمل. (وَقَالَت الْمُعْتَزلَة عدُول إِلَّا من قَاتل عليا لنا) على الْمُخْتَار، وَهُوَ أَنهم عدُول على الْإِطْلَاق. قَوْله تَعَالَى - ﴿وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار﴾ - الْآيَة مدحهم تَعَالَى وَلَا يمدح إِلَّا الْعُدُول (و) قَوْله ﷺ (لَا تسبوا أَصْحَابِي) فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا، وَلَا شكّ فِي وجود الْعُدُول فِي الْأمة، وَقد فضل أَصْحَابه عَلَيْهِم تَفْضِيلًا لذا (وَمَا تَوَاتر عَنْهُم من مداومة الِامْتِثَال) لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي، وبذلهم الْأَمْوَال والأنفس فِي ذَلِك، وَهُوَ دَلِيل الْعَدَالَة (ودخولهم فِي الْفِتَن بِالِاجْتِهَادِ). وَقد أَجمعُوا على أَنه يجب على الْمُجْتَهد الْعَمَل بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وَفعل الْوَاجِب لَا يكون منافيا للعدالة سَوَاء قُلْنَا كل مُجْتَهد مُصِيب أَو لَا. وَحكى ابْن عبد الْبر إِجْمَاع أهل الْحق من الْمُسلمين وهم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة على أَن الصَّحَابَة من عدُول، واعتقادنا أَن الإِمَام الْحق كَانَ عُثْمَان فِي زَمَانه، وَأَنه قتل مَظْلُوما وَحمى الله الصَّحَابَة كلهم مُبَاشرَة قَتله، وَلم يتول قَتله إِلَّا شَيْطَان مُرِيد، وَلم يحفظ عَن أحد مِنْهُم الرضى بقتْله، وَأما الْمَحْفُوظ من كل مِنْهُم إِنْكَار ذَلِك، ثمَّ كَانَت مسئلة الْأَخْذ بالثأر اجتهادية، رأى عَليّ كرم الله وَجهه التَّأْخِير مصلحَة، وَرَأَتْ عَائِشَة ﵂ البدار مصلحَة، وكل أَخذ بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، ثمَّ كَانَ الإِمَام الْحق بعد عُثْمَان ذِي النورين عليا كرم الله وَجهه، وَكَانَ مُعَاوِيَة وَمن وَافقه متأولين. وَمِنْهُم من قعد عَن الْفَرِيقَيْنِ لما أشكل الْأَمر وهم خير الْأمة، وكل مِنْهُم أفضل من كل من بعده وَإِن رقى فِي الْعلم وَالْعَمَل خلافًا لِابْنِ عبد الْبر فِي هَذَا حَيْثُ قَالَ: قد يَأْتِي بعدهمْ من هُوَ أفضل من بَعضهم (ثمَّ الصَّحَابِيّ) أَي من يُطلق عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم (عِنْد الْمُحدثين وَبَعض الْأُصُولِيِّينَ، من لَقِي النَّبِي ﷺ مُسلما وَمَات على إِسْلَامه) وَالْمرَاد باللقاء مَا يعم المجالسة والمماشاة ووصول أَحدهمَا إِلَى الآخر وَإِن لم يكلمهُ، وَيدخل فِيهِ رُؤْيَة أَحدهمَا الآخر وَلَو بِأَن يحمل صَغِيرا إِلَيْهِ ﷺ ، لَكِن يشْتَرط تَمْيِيز الملاقي لَهُ، وَفِيه تردد. قَالَ الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ: وَيدل على اعْتِبَار التَّمْيِيز مَعَ الرِّوَايَة مَا قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو سعيد العلائي فِي

стр. 765

تَرْجَمَة عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل حنكه النَّبِي ﷺ ودعا لَهُ، وَلَا صُحْبَة لَهُ، بل وَلَا رُؤْيَة، وَذكر نَظَائِر هَذَا. وَخرج بقوله مُسلما من لقِيه كَافِرًا سَوَاء لم يسلم بعد ذَلِك أَو أسلم بعد حَيَاته. وَبِقَوْلِهِ وَمَات على إِسْلَامه من لقِيه مُسلما، ثمَّ ارْتَدَّ وَمَات على ردته كَعبد الله بن خطل إِذْ المُرَاد من يُسمى صحابيا بعد انْقِرَاض الصَّحَابَة (أَو) لقِيه (قبل النُّبُوَّة وَمَات قبلهَا على) الْملَّة (الحنيفية) يَعْنِي دين الْإِسْلَام (كزيد بن عَمْرو بن نفَيْل) فقد قَالَ ﷺ : يبْعَث أمة وَاحِدَة ": وَذكره ابْن مَنْدَه فِي الصَّحَابَة (أَو) لقِيه مُسلما (ثمَّ ارْتَدَّ وَعَاد) إِلَى الْإِسْلَام (فِي حَيَاته) ﷺ كَعبد الله بن أبي سرح (وَأما) من لقِيه مُسلما ثمَّ ارْتَدَّ وَعَاد إِلَى الْإِسْلَام (بعد وَفَاته) ﷺ (كقرة) بن هُبَيْرَة (والأشعث) بن قيس (فَفِيهِ نظر، وَالْأَظْهَر النَّفْي) لصحبته: لِأَن صحبته ﷺ من أشرف الْأَعْمَال، وَالرِّدَّة محبطة للْعَمَل عِنْد أبي حنيفَة وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم، وَذهب بعض الْحفاظ إِلَى أَن الْأَصَح أَن اسْم الصُّحْبَة بَاقٍ للراجع إِلَى الْإِسْلَام سَوَاء رَجَعَ إِلَيْهِ فِي حَيَاته أم بعده، سَوَاء لقِيه ثَانِيًا أم لَا، وَيدل على رجحانه قصَّة الْأَشْعَث ابْن قيس فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّن ارْتَدَّ وَأتي بِهِ إِلَى الصّديق أَسِيرًا فَعَاد إِلَى الْإِسْلَام فَقبل مِنْهُ ذَلِك وزوجه أُخْته وَلم يتَخَلَّف أحد عَن ذكره فِي الصَّحَابَة. قَالَ الشَّارِح: وَالْأول أوجه دَلِيلا (و) عِنْد (جُمْهُور الْأُصُولِيِّينَ من طَالَتْ صحبته متتبعا مُدَّة يثبت مَعهَا إِطْلَاق صَاحب فلَان) عَلَيْهِ (عرفا بِلَا تَحْدِيد) لمقدارها (فِي الْأَصَح، وَقيل) مقدارها (سِتَّة أشهر) فَصَاعِدا (وَابْن الْمسيب) مقدارها (سنة أَو غَزْو) مَعَه، لِأَن لصحبة النَّبِي ﷺ شرفا عَظِيما، فَلَا تنَال إِلَّا باجتماع طَوِيل يظْهر فِيهِ الْخلق المطبوع عَلَيْهِ الشَّخْص: كالسنة الْمُشْتَملَة على الْفُصُول الْأَرْبَعَة الَّتِي يخْتَلف فِيهَا المزاج، والغزو الْمُشْتَمل على السّفر الَّذِي هُوَ قِطْعَة من الْعَذَاب، وتسفر فِيهِ أَخْلَاق الرجل، وَيلْزم هَذَا أَن لَا يعد من الصَّحَابَة جرير بن عبد الله البَجلِيّ وَمن شَاركهُ فِي انْتِفَاء هَذَا الشَّرْط مَعَ أَنه لَا خلاف فِي كَونهم من الصَّحَابَة (لنا) على الْمُخْتَار قَول الْجُمْهُور (أَن الْمُتَبَادر من) إِطْلَاق (الصَّحَابِيّ وَصَاحب فلَان الْعَالم لَيْسَ إِلَّا ذَاك) أَي من طَالَتْ صحبته الخ (فَإِن قيل يُوجِبهُ) أَي كَون الصَّحَابِيّ من صحب النَّبِي ﷺ سَاعَة (اللُّغَة) لاشتقاقه من الصُّحْبَة وَهِي تصدق على كل من صحب غَيره قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا (قُلْنَا) إِيجَابهَا ذَلِك (مَمْنُوع فِيمَا) أَي فِي مُشْتَقّ مِنْهَا متلبس (بياء النِّسْبَة وَلَو سلم) إِيجَاب اللُّغَة ذَلِك فقد تقرر فِي عرف اللُّغَة عدم اسْتِعْمَال هَذِه التَّسْمِيَة إِلَّا فِيمَن كثرت صحبته على مَا تقدم (فالعرف مقدم وَلذَا) أَي تقدمه على اللُّغَة (يتَبَادَر) هَذَا الْمَعْنى الْعرفِيّ من إِطْلَاقه (قَالُوا الصُّحْبَة تقبل التَّقْيِيد بِالْقَلِيلِ وَالْكثير، يُقَال صَحبه سَاعَة كَمَا يُقَال) صَحبه (عَاما فَكَانَ) وَضعهَا (للمشترك)

стр. 766

بَينهمَا كالزيارة والْحَدِيث دفعا للمجاز والاشتراك اللَّفْظِيّ (قُلْنَا) هَذَا (غير مَحل النزاع) إِذْ / النزاع فِيمَا بياء النِّسْبَة. (قَالُوا: لَو حلف لَا يَصْحَبهُ حنث بلحظة قُلْنَا فِي غَيره) أَي غير مَحل النزاع أَيْضا (لَا فِيهِ) أَي مَحل النزاع (وَهُوَ الصَّحَابِيّ بِالْيَاءِ) الَّتِي للنسبة (بل تحقق فِيهِ) أَي الصَّحَابِيّ (اللُّغَة وَالْعرْف الْكَائِن فِي نَحْو أَصْحَاب الحَدِيث وَأَصْحَاب ابْن مَسْعُود وَهُوَ) أَي الْعرف (للملازم متتبعا اتِّفَاقًا، ويبتني عَلَيْهِ) أَي على الْخلاف فِي الصَّحَابِيّ (ثُبُوت عَدَالَة غير الملازم) وَعدم ثُبُوتهَا (فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّزْكِيَة) كَمَا هُوَ قَول الْمُحدثين وَبَعض الْأُصُولِيِّينَ (أَو يحْتَاج) إِلَى التَّزْكِيَة كَمَا هُوَ قَول جُمْهُور الْأُصُولِيِّينَ (وعَلى هَذَا الْمَذْهَب جرى الْحَنَفِيَّة كَمَا تقدم) فِي مثل معقل بن سِنَان فَجعلُوا تزكيته عمل السّلف بحَديثه (وَلَوْلَا اخْتِصَاص الصَّحَابِيّ بِحكم) شَرْعِي وَهُوَ عَدَالَته (لأمكن جعل الْخلاف فِي مُجَرّد الِاصْطِلَاح) أَي تَسْمِيَته صحابيا كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب (وَلَا مشاحة فِيهِ) أَي فِي الِاصْطِلَاح الْمَذْكُور، يُفِيد أَنه معنوي (وَأما قَول: إِن الصَّحَابِيّ من عاصره) ﷺ (فَقَط) وَهُوَ قَول يحيى بن عُثْمَان بن صَالح الْمصْرِيّ فَإِنَّهُ قَالَ وَمِمَّنْ دفن: أَي بِمصْر من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ مِمَّن أدْركهُ وَلم يسمع بِهِ أَبُو تَمِيم الجيشاني واسْمه عبد الله بن مَالك (وَنَحْوه) كَانَ صَغِيرا مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ تبعا لأحد أَبَوَيْهِ، وَعَلِيهِ عمل ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب وَابْن مَنْدَه فِي معرفَة الصَّحَابَة (فتكلف كِتَابَته كثير) لوضوح نفي صُحْبَة من بِهَذِهِ المثابة. مسئلة (إِذا قَالَ المعاصر) للنَّبِي ﷺ (الْعدْل: أَنا صَحَابِيّ قبل) قَوْله أَنا صَحَابِيّ بِنَاء (على الظُّهُور) إِذْ ظَاهر حَاله من حَيْثُ أَنه عدل الِامْتِنَاع عَن الْكَذِب (لَا) على (الْقطع لاحْتِمَال قصد الشّرف) بِهَذِهِ الدَّعْوَى، فباعتبار هَذَا الاتهام تطرق احْتِمَال عدم الصدْق مرجوحا (فَمَا قيل) قَوْله هَذَا (كَقَوْل غَيره) أَي غير الصَّحَابِيّ (أَنا عدل) كَمَا فِي البديع (تَشْبِيه فِي احْتِمَال الْقَصْد) للشرف (لَا تَمْثِيل) فِي حكمه (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك، بل كَانَ تمثيلا فِيهِ (لقبل) قَوْله أَنا عدل فَيحكم بعدالته (أَو لم يقبل الأول) أَي قَول المعاصر الْعدْل: أَنا صَحَابِيّ، لِأَن الْمُشَاركَة لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِأحد الْأَمريْنِ (والفارق) بَين قَول الصَّحَابِيّ أَنا صَحَابِيّ وَقَول غَيره: أَنا عدل فِي قبُول الأول دون الثَّانِي (سبق) ثُبُوت (الْعَدَالَة للْأولِ على دَعْوَاهُ) بِخِلَاف الثَّانِي غير أَن دَعْوَاهُ الصُّحْبَة يجب أَن لَا تكون بعد مائَة سنة من وَفَاته كدعوى رتن الْهِنْدِيّ فَإِنَّهَا لَا تقبل للْحَدِيث الصَّحِيح " أَرَأَيْتكُم ليلتكم هَذِه فَإِنَّهُ على رَأس مائَة سنة لَا يبْقى

стр. 767

أحد مِمَّن هُوَ على وَجه الأَرْض، ذكره الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ وَغَيره. مسئلة (إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ: قَالَ ﷺ حمل على السماع) مِنْهُ بِلَا وَاسِطَة لِأَن الْغَالِب من الصَّحَابِيّ أَنه لَا يُطلق القَوْل عَنهُ إِلَّا إِذا سَمعه مِنْهُ (وَقَالَ القَاضِي يحْتَملهُ) أَي السماع (والإرسال) لَا غير (فَلَا يضر) فِي الِاحْتِجَاج بِهِ (إِذْ لَا يُرْسل إِلَّا عَن صَحَابِيّ) الْإِرْسَال فِي الْمَشْهُور رفع التَّابِعِيّ الحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ . قَالَ ابْن الصّلاح: لم يفد فِي أَنْوَاع الْمُرْسل وَنَحْوه مَا يُسمى فِي أصُول الْفِقْه مُرْسل الصَّحَابِيّ مثل مَا يرويهِ ابْن عَبَّاس وَغَيره من أَحْدَاث الصَّحَابَة عَن رَسُول الله ﷺ وَلم يسمعوه مِنْهُ، لِأَن ذَلِك فِي حكم الْمَوْصُول الْمسند، لِأَن روايتهم عَن الصَّحَابَة، والجهالة فِي الصَّحَابِيّ غير قادحة، لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول. وَقَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ، وَفِيه نظر، وَالصَّوَاب أَن لَا يُقَال لِأَن الْغَالِب روايتهم، إِذْ قد سمع جمَاعَة من الصَّحَابَة من بعض التَّابِعين، وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلَا يعرف فِي) رِوَايَة (الأكابر من الأصاغر) عَن (روايتهم) أَي الصَّحَابَة (عَن تَابِعِيّ إِلَّا كَعْب الْأَحْبَار فِي الْإسْرَائِيلِيات) روى عَنهُ العبادلة الْأَرْبَعَة، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَأنس، وَمُعَاوِيَة: فقد ظهر بذلك الْفرق بَين اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ والمحدثين فِي الْمُرْسل فكأنهم لم يعتبروا قيد التَّابِعِيّ فِي تَعْرِيفه وَيحْتَمل كَلَامهم التَّجَوُّز على سَبِيل التَّحْدِيد (وَلَا إِشْكَال فِي قَالَ لنا وسمعته وَحدثنَا) وَأخْبرنَا وشافهنا أَنه مَحْمُول على السماع مِنْهُ يجب قبُولهَا بِلَا خلاف (مَعَ أَنه وَقع التَّأْوِيل فِي قَول الْحسن حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة، يَعْنِي) حدث أَبُو هُرَيْرَة (أهل الْمَدِينَة وَهُوَ) أَي الْحسن (بهَا) أَي بِالْمَدِينَةِ. قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: إِذا لم يقم دَلِيل قَاطع على أَن الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة لم يجز أَن يُصَار إِلَيْهِ. قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: قَالَ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم من قَالَ عَن الْحسن حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة فقد أَخطَأ انْتهى. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل أَنه لم يسمع مِنْهُ شَيْئا وَهُوَ مَنْقُول عَن كثير من الْحفاظ، بل قَالَ يُونُس بن عبيد مَا رَآهُ قطّ. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: حَدثنَا لَيْسَ بِنَصّ فِي أَن قَائِلهَا يسمع. (وَفِي مُسلم قَول الَّذِي يقْتله الدَّجَّال أَنْت الدَّجَّال الَّذِي حَدثنَا بِهِ رَسُول الله ﷺ : أَي أمته وَهُوَ مِنْهُم). قَالَ أَبُو إِسْحَاق رَاوِي الحَدِيث يُقَال إِن هَذَا الرجل هُوَ الْخضر. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " يَأْتِي الدَّجَّال وَهُوَ محرم عَلَيْهِ أَن يدْخل نقاب الْمَدِينَة فَينزل بعض السباخ الَّتِي تلِي الْمَدِينَة فَيخرج إِلَيْهِ يَوْمئِذٍ رجل وَهُوَ خير النَّاس أَو من خِيَار النَّاس فَيَقُول: أشهد أَنَّك الدَّجَّال الَّذِي حَدثنَا بِهِ رَسُول الله ﷺ حَدِيثه (فَإِن قَالَ

стр. 768

سمعته أَمر أَو نهي فالأكثر) أَنه (حجَّة، وَقيل يحْتَمل أَنه اعتقده) أَي اعْتقد مَضْمُون مَا أخبر بِهِ (من صِيغَة أَو) مُشَاهدَة (فعل أمرا ونهيا وَلَيْسَ) ذَلِك المأخذ (إِيَّاه) أَي أمرا ونهيا (عِنْد غَيره). قَالَ الشَّارِح: كَمَا إِذا اعْتقد أَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه، وَالنَّهْي عَن الشَّيْء أَمر بضده أَو أَن الْفِعْل يدل على الْأَمر انْتهى وَلَا يخفى أَنه إِذا كَانَ مأخذه صِيغَة ظن أَنَّهَا أَمر أَو نهي يَصح أَن يَقُول السَّامع: سمعته أَمر وَنهي، وَأما إِذا كَانَ مُشَاهدَة فعل فَلَا يَصح أَن يَقُول سمعته، وَذَلِكَ لمعرفتهم بالأوضاع، وَالْفرق بَين الْأَمر وَالنَّهْي وَبَين غَيره. قَالَ (ورده) أَي هَذَا القَوْل (بِأَنَّهُ احْتِمَال بعيد صَحِيح) خبر الْمُبْتَدَأ، أَعنِي قَوْله رده (أما أمرنَا) بِكَذَا كَمَا فِي الصَّحِيح عَن أم عَطِيَّة: أمرنَا بِأَن نخرج فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِق وَذَوَات الْخُدُور (ونهينا) عَن كَذَا كَمَا فِي الصَّحِيح عَنْهَا أَيْضا: نهينَا عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز (وَأوجب) علينا كَذَا (وَحرم) علينا كَذَا، وأبيح لنا كَذَا، وَرخّص لنا كَذَا، بِنَاء الْجَمِيع للْمَفْعُول (وَجب أَي يُقَوي الْخلاف) فِيهِ (للزِّيَادَة) للاحتمال فِيهِ لعدم ظُهُور كَونهَا مسموعة بِلَا وَاسِطَة (بانضمام احْتِمَال كَون الْآمِر بعض الْأَئِمَّة أَو) الْكتاب، أَو كَون ذَلِك (استنباطا) من قَائِله، لِأَن الْمُجْتَهد إِذا قَاس يغلب على ظَنّه أَنه مَأْمُور بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده، وَأَنه يجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِمُوجبِه: وَذهب إِلَى هَذَا الْكَرْخِي، والصيرفي، والإسماعيلي (وَمَعَ ذَلِك) كُله فاحتمال كَون الْأَمر عَن الرَّسُول (خلاف الظَّاهِر، إِذْ الظَّاهِر من قَول) شخص (مُخْتَصّ) من حَيْثُ الِامْتِثَال للأوامر والنواهي (بِملك لَهُ الْأَمر) وَالنَّهْي بِالنّظرِ إِلَيْهِ (ذَلِك) أَي كَون الْآمِر ذَلِك الْملك لَا غَيره فَكَذَلِك فِيمَا نَحن فِيهِ، وَإِلَيْهِ ذهب الْأَكْثَر، وَقيل هَذَا فِي غير الصّديق. وَأما مَا قَالَه الصّديق فَهُوَ مَرْفُوع بِلَا خلاف، فَإِن غَيره تَحت أَمر أَمِير آخر (وَقَوله) أَي الصَّحَابِيّ (من السّنة) كَذَا كَقَوْل عَليّ ﵁ السّنة وضع الْكَفّ على الْكَفّ فِي الصَّلَاة تَحت السُّرَّة (ظَاهر عِنْد الْأَكْثَر فِي سنيته ﵇ كَذَا فِي النّسخ الْمَوْجُودَة عندنَا، وَالظَّاهِر فِي سنته بِغَيْر الْيَاء المصدرية: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد بِهِ استنابة وَلَا يخفى بعده (وَتقدم للحنفية) كالكرخي والرازي وَأبي زيد وفخر الْإِسْلَام والسرخسي والصيرفي من الشَّافِعِيَّة (أَنه) أَي هَذَا القَوْل من الرَّاوِي صحابيا كَانَ أَو غَيره (أَعم مِنْهُ) أَي من كَونه سنة النَّبِي ﷺ (وَمن سنة) الْخُلَفَاء (الرَّاشِدين). وَقَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ: الْأَصَح أَنه من التَّابِعين مَوْقُوف، وَمن الصَّحَابِيّ ظَاهر فِي أَنه سنة النَّبِي ﷺ (وَمثله) أَي مثل قَول الصَّحَابِيّ من السّنة فِي الْخلاف فِي ثُبُوت الحجية (كُنَّا نَفْعل). وَفِي نُسْخَة بعد نَفْعل (أَو نرى، وَكَانُوا) يَفْعَلُونَ كَذَا فالأكثر أَنه (ظَاهر فِي الاج ماع عِنْدهم) أَي الصَّحَابَة، الظَّاهِر أَن الضَّمِير للْجَمِيع، وَأَرَادَ عمل

стр. 769

الْجَمَاعَة. وَقَوله عِنْدهم ظرف لظَاهِر، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى فِي الْإِجْمَاع المنعقد عِنْدهم (وَقيل لَيْسَ بِحجَّة. قَالُوا لَو كَانَ) إِجْمَاعًا (لم تجز الْمُخَالفَة لخرق الْإِجْمَاع) أَي للُزُوم خرقه وَاللَّازِم مُنْتَفٍ بِالْإِجْمَاع (وَالْجَوَاب بِأَن مُقْتَضى مَا ذكر ظُهُوره فِي نفي الْإِجْمَاع أَو لُزُوم نَفْيه) أَي الْإِجْمَاع مَعْطُوف على ظُهُوره لَا على نفي الْإِجْمَاع كَمَا زعم الشَّارِح (وَهُوَ) أَي الْمُقْتَضى الْمَذْكُور (خلاف مدعاكم) يَعْنِي قد أجمع على أَن الْمُخَالفَة لقَوْل الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل كَذَا جَائِزَة، وَهِي تدل على أَنه لَا يسْتَلْزم الْإِجْمَاع وَاعْترض بِأَن مُوجب هَذَا الدَّلِيل أحد الْأَمريْنِ: ظُهُور نفي الْإِجْمَاع إِن كَانَ ظنيا لِأَن الظَّاهِر والمتبادر أَن لَا يُخَالِفهُ مُجْتَهد، ولزومه إِن كَانَ قَطْعِيا إِذْ لَا يُمكن مُخَالفَته وكل من الْأَمريْنِ لَيْسَ بمدعاكم أَيهَا النافون للحجية وَلَا يستلزمه لِأَن انْتِفَاء الْإِجْمَاع لَا يسْتَلْزم انْتِفَاء الحجية فدليلكم لَا يثبت مدعاكم، ثمَّ الْجَواب مُبْتَدأ خَبره (غير لَازم) بل هُوَ مندفع، لِأَن انْتِفَاء الْإِجْمَاع يَسْتَوِي احْتِمَال الحجية وَاحْتِمَال عدمهَا، و (لَا) شكّ (أَن التَّسَاوِي) بَينهمَا (كَاف فِيهِ) أَي فِي ثُبُوت الْمُدَّعِي: وَهُوَ نفي الحجية وَاحْتِمَال عدمهَا وَلَا شكّ (بل) الْجَواب عَن استدلالهم منع الْمُلَازمَة بَين كَون ذَلِك ظَاهرا فِي الاجماع وَبَين عدم جَوَاز الْمُخَالفَة، و (هُوَ أَن ذَلِك) أَي عدم جَوَاز الْمُخَالفَة إِنَّمَا هُوَ (فِي الْإِجْمَاع الْقطعِي الثُّبُوت) فِي الشَّرْح العضدي ذَلِك فِيمَا يكون الطَّرِيق قَطْعِيا وَهَهُنَا الطَّرِيق ظَنِّي فسوغت الْمُخَالفَة كَمَا تسوغ فِي خبر الْوَاحِد أَن كَانَ الْمَنْقُول بِهِ نصا قَاطعا فَإِنَّهُ يُخَالِفهُ لظنية الطَّرِيق وَلَا يمنعهُ قطيعة الْمَرْوِيّ انْتهى. يَعْنِي بِالطَّرِيقِ هَهُنَا قَول الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل: كَذَا فَإِنَّهُ طَرِيق لنا فِي معرفَة الْآحَاد (وَأما رده) أَي دَلِيل الْأَكْثَر بِأَنَّهُ الْإِجْمَاع (بِأَنَّهُ) أَي الْإِجْمَاع (لَا إِجْمَاع فِي زَمَنه ﷺ وَقَول الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل كَذَا أَخْبَار عَمَّا وَقع فِيهِ (فَفِي غير مَحل النزاع إِذْ الْمُدَّعِي ظُهُوره) أَي هَذَا القَوْل (فِي إِجْمَاع الصَّحَابَة بعده ﷺ ، وَبِهَذَا) أَي بِكَوْنِهِ ظَاهرا فِي إِجْمَاع الصَّحَابَة بعده (ظهر أَن قَول الصَّحَابِيّ ذَلِك) أَي كُنَّا نَفْعل الخ (وقف خَاص) أما كَونه وَقفا فَلِأَنَّهُ لَا رفع فِيهِ إِلَى النَّبِي ﷺ بل إِلَى الصَّحَابَة، وَأما كَونه خَاصّا فباعتبار كَونه مجمعا عَلَيْهِ (وَجعله) أَي القَوْل الْمَذْكُور (رفعا) إِلَيْهِ ﷺ كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْحَاكِم وَالْإِمَام الرَّازِيّ (ضَعِيف) إِذْ لَيْسَ فِيهِ نسبته إِلَيْهِ قولا وَلَا عملا وَلَا تقريرا (حَتَّى لم يحكه) أَي القَوْل بِرَفْعِهِ (بعض أهل النَّقْل فَأَما) قَول الصَّحَابِيّ ذَلِك (بِزِيَادَة نَحْو فِي عَهده) أَي النَّبِي ﷺ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر كُنَّا نعزل على عهد رَسُول الله ﷺ ف (رفع) لِأَن الظَّاهِر كَونه باطلاعه ﷺ على ذَلِك وتقريرهم عَلَيْهِ، إِذْ الْعبارَة تشعر بِهِ، وَتَقْرِيره أحد وُجُوه الرّفْع (لَا يعرف خِلَافه إِلَّا عَن الْإِسْمَاعِيلِيّ) تعقب الشَّارِح بِأَنَّهُ ذهب أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَابْن السَّمْعَانِيّ إِلَى أَنه إِذا كَانَ مِمَّا لَا يخفى غَالِبا فمرفوع وَإِلَّا فموقوف، وَحكى الْقُرْطُبِيّ أَنه إِن كَانَ ذكره فِي معرض الِاحْتِجَاج كَانَ مَرْفُوعا وَلَا

стр. 770

فوقوف انْتهى. وَلَعَلَّ مُرَاد المُصَنّف خِلَافه على الْوَجْه الْكُلِّي من غير تَفْصِيل فَلَا إِشْكَال ثمَّ أَنه قَالَ نَحْو فِي عَهده ليشْمل مَا فِي لفظ لجَابِر فِي الصَّحِيحَيْنِ كُنَّا نعزل وَالْقُرْآن ينزل (و) أما قَول الصَّحَابِيّ ذَلِك (بِنَحْوِ وَهُوَ يسمع فإجماع) كَونه رفعا، وَفِي بعض النّسخ فَظَاهر كَقَوْل ابْن عمر: كُنَّا نقُول وَرَسُول الله ﷺ حَيّ أفضل هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَيسمع ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَلَا يُنكره، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير. مسئلة (إِذا أخبر) مخبر خَبرا) (بِحَضْرَتِهِ ﷺ فَلم يُنكر) ﷺ ذَلِك عَلَيْهِ (كَانَ) الْخَبَر (ظَاهرا فِي صدقه) أَو صدق مخبره أَو صدق نَفسه (لَا قَطْعِيا لاحْتِمَال أَنه ﷺ لم يسمعهُ) أَي ذَلِك الْخَبَر لاشتغاله عَنهُ بِمَا هُوَ أهم مِنْهُ (أَو لم يفهمهُ) لرداءة عبارَة الْمخبر مثلا (أَو كَانَ) ﷺ (بَين نقيضه) أَي ذَلِك الْخَبَر قبل (أَو رأى تَأْخِير الْإِنْكَار) لمصْلحَة فِي تَأْخِيره (أَو مَا علم كذبه) لكَونه دنيويا، وَقد قَالَ ﷺ " انتم أعلم بِأَمْر دنياكم " رَوَاهُ مُسلم (أَو رَآهُ) أَي ذَلِك الْخَبَر (صَغِيرَة وَلم يحكم بإصراره) أَي الْمخبر عَلَيْهَا، قَالُوا: وَلَو قدم عدم جَمِيع هَذِه الِاحْتِمَالَات فالصغيرة غير ممتنعة على الْأَنْبِيَاء. مسئلة (حمل الصَّحَابِيّ مرويه الْمُشْتَرك) اشتراكا لفظيا أَو معنويا (وَنَحْوه) كالمجمل والمشكل والخفي (على أحد مَا يحْتَملهُ) من الِاحْتِمَالَات (وَهُوَ) أَي حمله عَلَيْهِ (تَأْوِيله) أَي الصَّحَابِيّ لذَلِك (وَاجِب الْقبُول) عِنْد الْجُمْهُور (خلافًا لمشهوري الْحَنَفِيَّة لظُهُور أَنه) أَي حمله الْمَذْكُور (لموجب هُوَ بِهِ أعلم) إِذْ الظَّاهِر من حَاله ﷺ أَنه لَا ينْطق بالمشترك للتشريع بِلَا قرينَة مُعينَة، والصحابي الرَّاوِي بِحُضُورِهِ واطلاعه على أَحْوَاله أعرف بذلك من غَيره (وَهُوَ) أَي وجوب قبُول تَأْوِيله (مثل) وجوب (تَقْلِيده) أَي الصَّحَابِيّ (فِي اللَّازِم) أَي فِيمَا يلْزم تَقْلِيده فِيهِ، وَهُوَ مَا يرويهِ من غير تَأْوِيل، وَوجه الشّبَه أَن مدَار كل مِنْهُمَا ظُهُور أَنه أَخذه عَن النَّبِي ﷺ على مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر حَاله، كَأَنَّهُ يَقُول فِي صُورَة التَّأْوِيل أَنه قَامَ عِنْدِي قرينَة مُعينَة لهَذَا المُرَاد، وَهُوَ مَا وَفِيه، وَالْوَجْه أَن يُقَال مَعْنَاهُ أَن الْحَنَفِيَّة لما قَالُوا بِوُجُوب تَقْلِيد الصَّحَابِيّ فِيمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده لزم عَلَيْهِم قبُول تَأْوِيله لاشْتِرَاكهمَا فِي اللوازم فَكل مَا يلْزم فِي وجوب التَّقْلِيد يلْزم فِي وجوب قبُول التَّأْوِيل، فالتزام أَحدهمَا دون الآخر تَأمل (أَو) حمل الصَّحَابِيّ مرويه (الظَّاهِر على غَيره) أَي غير الظَّاهِر فمرويه ظَاهر فِي غير مَا يحْتَملهُ عَلَيْهِ (فالأكثر) أَي محمل الْأَكْثَر من الْعلمَاء كالشافعي والكرخي الْمَعْنى (الظَّاهِر) دون مَا حمل عَلَيْهِ الرَّاوِي من تَأْوِيله. (وَقَالَ الشَّافِعِي كَيفَ أترك الحَدِيث لقَوْل من لَو عاصرته لحاججته)

стр. 771

يَعْنِي الصَّحَابِيّ بِظَاهِر الحَدِيث، وَقيل يجب حمله على مَا عينه الرَّاوِي. وَفِي شرح البديع وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا انْتهى. وَهُوَ اخْتِيَار المُصَنّف. وَقَالَ عبد الْجَبَّار وَأَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ إِن علم أَن الصَّحَابِيّ إِنَّمَا صَار إِلَى تَأْوِيله لعلمه بِقصد النَّبِي ﷺ وَجب الْعَمَل بِهِ وَإِن جهل ذَلِك وَجَاز كَونه لدَلِيل ظهر لَهُ من نَص أَو قِيَاس أَو غَيرهمَا وَجب النّظر فِي ذَلِك الدَّلِيل فَإِن اقْتضى مَا ذهب إِلَيْهِ صير إِلَيْهِ، وَإِلَّا وَجب الْعَمَل بِالظَّاهِرِ (قُلْنَا) فِي جَوَاب الشَّافِعِي وَمن مَعَه (لَيْسَ يخفى عَلَيْهِ) أَي الصَّحَابِيّ الرَّاوِي (تَحْرِيم ترك الظَّاهِر إِلَّا لما يُوجِبهُ) أَي ترك الظَّاهِر (فلولا تيقنه) أَي الرَّاوِي (بِهِ) أَي بِمَا يجب تَركه (لم يتْركهُ وَلَو سلم) انْتِفَاء تيقنه بِهِ (فلولا أغلبيته) أَي الظَّن بِمَا يُوجب تَركه لم يتْركهُ (وَلَو سلم) انْتِفَاء أغلبية الظَّن لم يكن عِنْده إِلَّا مُجَرّد الظَّن (فشهوده) أَي الرَّاوِي (مَا هُنَاكَ) من قَرَائِن الْأَحْوَال عِنْد الْمقَال (يرجح ظَنّه) بالمراد على ظن غَيره (فَيجب الرَّاجِح) أَي الْعَمَل بِهِ (وَبِه) أَي بِشُهُود ذَلِك، أَو بِهَذَا التَّقْرِير (ينْدَفع تَجْوِيز خطئه بِظَنّ مَا لَيْسَ دَلِيلا دَلِيلا) لبعد ذَلِك مَعَ علمه بالموضوعات اللُّغَوِيَّة ومواضع اسْتِعْمَالهَا وَحَال الْمُتَكَلّم وعدالته المستدعية للتأمل فِي أَمر الدّين، (وَمِنْه) أَي من ترك الظَّاهِر لدَلِيل (لَا من الْعَمَل بِبَعْض المحتملات) كَمَا توهم (تَخْصِيص الْعَام) من الصَّحَابِيّ (يجب حمله) أَي التَّخْصِيص مِنْهُ (على سَماع الْمُخَصّص) وَمعنى حمله عَلَيْهِ إحالته إِلَيْهِ (كَحَدِيث ابْن عَبَّاس) مَرْفُوعا (من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (وَأسْندَ أَبُو حنيفَة) عَن عَاصِم بن أبي النجُود عَن أبي النجُود عَن أبي رزين (عَنهُ) أَي ابْن عَبَّاس مَا مَعْنَاهُ (لَا تقتل الْمُرْتَدَّة) وَلَفظه لَا تقتل النِّسَاء إِذا هن ارتددن عَن الْإِسْلَام، لَكِن يحبسن ويدعين إِلَى الْإِسْلَام ويجبرن عَلَيْهِ (فَلَزِمَ) تَخْصِيص الْمُبدل بِكَوْنِهِ من الرِّجَال (خلافًا للشَّافِعِيّ) وَمَالك وَأحمد قَالُوا يقتل عملا بِعُمُوم الظَّاهِر (فَلَو كَانَ) الْمَرْوِيّ (مُفَسرًا وتسميه الشَّافِعِيَّة نصا على مَا سلف) فِي التَّقْسِيم الثَّانِي للفرد بِاعْتِبَار دلَالَته أَوَائِل الْكتاب (وَتَركه) أَي الصَّحَابِيّ ذَلِك الْمَرْوِيّ فَلم يعْمل بِهِ (بعد رِوَايَته لَا) يتَحَقَّق فِيهِ الحكم الْآتِي (إِن لم يعرف تَارِيخ) لتَركه وَرِوَايَته لَهُ فَلم يعلم أَن التّرْك مُتَأَخّر أَو الرِّوَايَة (تعين كَون تَركه لعلمه بالناسخ) إِذْ لَا يظنّ بِهِ أَن يُخَالف النَّص بِغَيْر دَلِيل هُوَ النَّاسِخ (فَيجب اتِّبَاعه) فِي ترك الْعَمَل بِهِ وَإِن جهل تَارِيخ الْمُخَالفَة للمروي حملت على أَنَّهَا كَانَت قبل الرِّوَايَة فَلَا يكون جرحا للْحَدِيث وَلَا للراوي لجَوَاز أَن يكون ذَلِك لعدم علمه بِهِ خلافًا للشَّافِعِيّ (وَبِه) أَي بتعين كَونه تَركه لعلمه بالناسخ (يتَبَيَّن نسخ حَدِيث السَّبع من الولوغ) وَهُوَ مَا فِي مُسلم وَغَيره عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا طهُور إِنَاء أحدكُم إِذا ولغَ فِيهِ الْكَلْب أَن يغسلهُ سبع مَرَّات أولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ (إِذْ صَحَّ اكْتِفَاء) رِوَايَة (أبي هُرَيْرَة بِالثلَاثِ) كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَد صَحِيح (فيقوي بِهِ) أَي باكتفائه بِالثلَاثِ الضَّعِيف (حَدِيث اغسلوه ثَلَاثًا وَمِمَّنْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ) وَلَفظه يلغ فِي الْإِنَاء يغسل ثَلَاثًا أَو خمْسا

стр. 772

أَو سبعا. وَقَالَ تفرد بِهِ عبد الْوَهَّاب عَن إِسْمَاعِيل وَهُوَ مَتْرُوك، وَإِنَّمَا يقوى بِهِ (لموافقته الدَّلِيل) وَقد عرفت الدَّلِيل (وَلَا خَفَاء فِي عدم اعْتِبَار الضعْف فِي نفس الْأَمر فِي مُسَمَّاهُ) أَي الضَّعِيف (بل) إِنَّمَا يعْتَبر (ظَاهرا فَإِذا اعتضد) الضَّعِيف: أَي تأيد بمؤيد (ظهر أَن مَا ظهر) من الضعْف (غير الْوَاقِع كَمَا يضعف ظَاهر الصِّحَّة) أَي الحَدِيث الَّذِي يحكم بِصِحَّتِهِ نظرا إِلَى ظَاهر حَال الرَّاوِي (بعلة باطنة) أَي خُفْيَة (وَاحْتِمَال ظن الصَّحَابِيّ مَا لَيْسَ نَاسِخا نَاسِخا لَا يخفي بعده فَوَجَبَ نَفْيه) أَي نفي هَذَا الِاحْتِمَال لظُهُور بعده (قَالُوا النَّص وَاجِب الِاتِّبَاع، قُلْنَا نعم وَهُوَ النَّاسِخ الَّذِي لأَجله ترك) المروى الْمُفَسّر لَا نفس الْمُفَسّر (وَمِنْه) أَي من ترك الصَّحَابِيّ مرويه بعد رِوَايَته (ترك ابْن عمر الرّفْع) لِلْيَدَيْنِ فيهمَا تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح من الصَّلَاة (على مَا صَحَّ عَن مُجَاهِد) من قَوْله (صَحِبت ابْن عمر سِنِين فَلم أره يرفع يَدَيْهِ إِلَّا فِي تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح) أخرجه ابْن أبي شيبَة بِلَفْظ " مَا رَأَيْت ابْن عمر يرفع يَدَيْهِ إِلَّا فِي أول مَا يفْتَتح ": والطَّحَاوِي بِلَفْظ صليت خلف ابْن عمر فَلم يكن يرفع يَدَيْهِ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَة الأولى من الصَّلَاة، مَعَ مَا أخرج السِّتَّة عَنهُ: قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة رفع يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْو مَنْكِبَيْه ثمَّ كبر، فَإِذا أَرَادَ أَن يرْكَع فعل مثل ذَلِك قَالُوا: النَّص وَاجِب الِاتِّبَاع فَلَا يتْرك مُوجبه اتبَاعا للصحابي، قُلْنَا نعم وَنحن مَا اتَّبعنَا إِلَّا النَّص: وَهُوَ النَّاسِخ الَّذِي لأَجله ترك الرَّاوِي الْمَرْوِيّ (وكتخصيصه) أَي الصَّحَابِيّ الرَّاوِي (الْعَام تَقْيِيده للمطلق) إِنَّمَا ذكر التَّخْصِيص فِي الْعَام، لِأَنَّهُ تقليل الِاشْتِرَاك وَالْعَام مُسْتَغْرق لما يصلح لَهُ، فَيلْزمهُ الِاشْتِرَاك وَالتَّقْيِيد فِي الْمُطلق، لِأَن الْمَاهِيّة الْمُطلقَة لم يعْتَبر فِيهَا الِاشْتِرَاك وَعَدَمه فيناسبه التَّقْيِيد، فَيجب أَن يحمل تَقْيِيده على سَماع مَا تقيده (فَإِن لم يعلم عمله) أَي الصَّحَابِيّ الرَّاوِي لَهُ (وَعلم عمل الْأَكْثَر بِخِلَافِهِ) أَي الْخَبَر (اتبع الْخَبَر) لِأَن غير الرَّاوِي قد لَا يعلم ذَلِك بالْخبر، ثمَّ قَول الْأَكْثَر لَيْسَ بِحجَّة، فَكيف يتْرك مَا هُوَ حجَّة: وَهَذَا عِنْد غير الْحَنَفِيَّة وَأما عِنْدهم فَفِيهِ تَفْصِيل كَمَا يَجِيء (وَمن يرى حجية إِجْمَاع) أهل (الْمَدِينَة) كمالك (يستثنيه) فَيَقُول إِلَّا أَن يكون فِيهِ إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة، فَالْعَمَل بإجماعهم فَهُوَ عِنْده (كإجماع الْكل) وَهُوَ مقدم على خبر الْوَاحِد (وَترك الصَّحَابَة الِاحْتِجَاج بِهِ) أَي الحَدِيث (عِنْد اخْتلَافهمْ مُخْتَلف) أَي وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْأُصُولِيِّينَ (فِي رده) أَي الحَدِيث الَّذِي تركُوا الِاحْتِجَاج بِهِ عِنْد اخْتلَافهمْ واحتياجهم إِلَيْهِ (وَهُوَ) أَي رده لذَلِك هُوَ (الْوَجْه) الأول (إِذا كَانَ) الحَدِيث (ظَاهرا فيهم) أَي الصَّحَابَة (وَأما عمل غَيره) أَي رَاوِي الحَدِيث (من الصَّحَابَة بِخِلَافِهِ) أَي الْمَرْوِيّ (فالحنفية) قَالُوا (إِن كَانَ) الحَدِيث (من جنس مَا يحْتَمل الخفاء على التارك) للْعَمَل بِهِ (كَحَدِيث القهقهة)

стр. 773

الْمَرْوِيّ عَنهُ ﷺ من طرق مِنْهَا رِوَايَة أبي حنيفَة عَن مَنْصُور بن زَاذَان الوَاسِطِيّ عَن الْحسن عَن معبد بن أبي معبد الْخُزَاعِيّ عَنهُ ﷺ قَالَ: بَينا هُوَ فِي الصَّلَاة إِذْ أقبل أعمى يُرِيد الصَّلَاة فَوَقع فِي زبية فاستضحك الْقَوْم فقهقهوا، فَمَا انْصَرف ﷺ قَالَ " من كَانَ مِنْكُم قهقه فليعد الْوضُوء وَالصَّلَاة ". (عَن أبي مُوسَى) الْأَشْعَرِيّ (تَركه) أَي الْعَمَل بِهِ (لَا يضرّهُ) أَي الحَدِيث الْمَذْكُور (إِذْ لَا يسْتَلْزم) ترك غير الرَّاوِي لمثله جرحا (مثل ترك الرَّاوِي) الصَّحَابِيّ مرويه الْمُفَسّر بعد رِوَايَته لَهُ لجَوَاز عدم اطِّلَاعه عَلَيْهِ كَمَا فِي وُقُوع القهقهة فِي الصَّلَاة (لِأَنَّهُ) أَي وُقُوعه فِيهَا (من الْحَوَادِث النادرة فَجَاز خفاؤه) أَي الحَدِيث (عَنهُ) أَي أبي مُوسَى (على أَنه منع صِحَّته) أَي صِحَة تَركه (عَنهُ) أَي أبي مُوسَى (بل) روى (نقيضه) أَي نقيض ترك الْعَمَل بِهِ وَهُوَ الْعَمَل بِهِ عَنهُ: أَي أبي مُوسَى. وَفِي الْأَسْرَار قد اشْتهر عَن أبي الْعَالِيَة رِوَايَة هَذَا الحَدِيث مُرْسلا وَمُسْندًا عَن أبي مُوسَى، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ مَرْفُوعا (أَولا) يكون الحَدِيث (مِنْهُ) أَي من جنس مَا يحْتَمل الخفاء (كالتغريب) فِي قَوْله ﷺ " الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام ": رَوَاهُ مُسلم وَغَيره، وَهُوَ إِخْرَاج الْحَاكِم الْمُحصن الْحر ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى إِلَى مَسَافَة قصر فَمَا فَوْقه، وَأول مدَّته ابْتِدَاء السّفر كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي فروع الشَّافِعِيَّة (تَركه عمر بعد لحاق من غربه مُرْتَدا). أخرج عبد الرازق عَن ابْن الْمسيب قَالَ: غرب عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ربيعَة بن أُميَّة بن خلف فِي الشَّرَاب إِلَى خَيْبَر فلحق بهرقل فَتَنَصَّرَ فَقَالَ عمر لَا أغرب بعده مُسلما (فيقدح) أَي ترك عمل غير الرَّاوِي لَهُ من الصَّحَابَة فِيهِ (لاستلزامه) أَي ترك الْعَمَل بِهِ حِينَئِذٍ (ذَلِك) أَي الْقدح فِيهِ (أَو) يُقَال فِي هَذَا الْخُصُوص (أَنه) أَي التَّغْرِيب (كَانَ زِيَادَة تَعْزِير سياسة) شَرْعِيَّة إيحاشا للزاني وَزِيَادَة فِي تنكيله فَلَا يقْدَح (إِذْ لَا يخفى) كَون التَّغْرِيب من الْحَد (عَنهُ) أَي عَن عمر (لابتناء الْحَد على الشُّهْرَة مَعَ حَاجَة الإِمَام إِلَى مَعْرفَته فيفحص عَنهُ، وكفره) أَي الْمغرب بارتداده و (لَا يحل تَركه) أَي عمر (الْحَد، وَقد قَالَ عمر للمؤلفة بعده ﷺ حِين فهم انْتِهَاء حكمهم) أَي التَّأْلِيف وَهُوَ الْعَطاء لمصْلحَة تَقْوِيَة الْإِسْلَام (وهم أهل شَوْكَة) أَي وَالْحَال أَن الْمُؤَلّفَة عِنْد الِانْتِهَاء أهل شَوْكَة ومنعة يتَوَهَّم مِنْهُم الْعِصْيَان، ومعقول القَوْل، (الْحق من ربكُم فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر ومنعهم). روى الطَّبَرِيّ عَنهُ أَنه قَالَ ذَلِك لما أَتَاهُ عُيَيْنَة بن حصن، وأعقبه بقوله: يَعْنِي لَيْسَ الْيَوْم مؤلفة (بَقِي قسم) لم يذكر فِي تقسيمهم وَهُوَ (مُحْتَمل لَا يخفى) أَي هُوَ فِي حد ذَاته مِمَّا يحْتَمل الخفاء غير أَنه اشْتهر وارتفع عَنهُ الخفاء (وَلَيْسَ) الحكم الثَّابِت فِيهِ (من متعلقات) الصَّحَابِيّ الَّذِي لَيْسَ براويه (التارك) للْعَمَل

стр. 774

بِهِ (الَّتِي تهمه) ليلزم عَلَيْهِ زِيَادَة الفحص عَنهُ (وَالْوَجْه) أَن يُقَال (لَيْسَ) ترك عمل غير الرَّاوِي (كالراوي) أَي كَتَرْكِ عمل الرَّاوِي (لزِيَادَة احْتِمَال عدم بُلُوغه) أَي الحَدِيث الَّذِي تَاركه غير رَاوِيه (وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم (أولى) بِهِ: أَي بِوُجُوب الْعَمَل بِالْحَدِيثِ (من الْأَكْثَر) من الْقسم الَّذِي ترك الْأَكْثَر الْعَمَل (بِهِ) قَالَ الشَّارِح: لَعَلَّهُم لم يذكروه لانْتِفَاء أَمْثَاله فِي استقرائهم وَالله أعلم. مسئلة (حذف بعض الْخَبَر الَّذِي لَا تعلق لَهُ بالمذكور جَائِز) عِنْد الْأَكْثَر (بِخِلَاف) مَاله تعلق بِهِ مخل بِالْمَعْنَى حذفه: مثل فعل (الشَّرْط) كَقَوْلِه ﷺ " إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ بيعوها وَلَو بضفير " يَعْنِي الْأمة غير المحصنة مُتَّفق عَلَيْهِ. (وَالِاسْتِثْنَاء) كَقَوْلِه ﷺ " لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب، وَلَا الْوَرق بالورق إِلَّا وزنا بِوَزْن مثلا بِمثل سَوَاء بِسَوَاء ": رَوَاهُ مُسلم (وَالْحَال) كَقَوْلِه ﷺ " لَا يُصَلِّي أحدكُم فِي الثَّوْب الْوَاحِد لَيْسَ على عَاتِقه شَيْء ": رَوَاهُ البُخَارِيّ (والغاية) كَقَوْلِه ﷺ " من ابْتَاعَ طَعَاما فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيه " مُتَّفق عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يجوز حذفه لفَوَات الْمَقْصُود (وَقيل لَا) يجوز مُطلقًا (وَقيل إِن روى مرّة على التَّمام) هُوَ أَو غَيره الْخَبَر جَازَ وَإِلَّا لم يجز (وَمَا قيل يمْنَع إِن خَافَ تُهْمَة الْغَلَط) كَمَا ذكره الْخَطِيب: يَعْنِي أَن روى مرّة على التَّمام هُوَ أَو غَيره، وَمرَّة على النُّقْصَان إِن خَافَ أَن يتهم بالغلط بِزِيَادَتِهِ مَا لم يسمعهُ وَنَحْوه (فَأمر آخر) لَا دخل لَهُ فِي أصل الْجَوَاز الَّذِي كلامنا فِيهِ (لنا إِذا انْقَطع التَّعَلُّق) بَين الْمَذْكُور والمحذوف (فكخبرين أَو أَخْبَار، وشاع من الْأَئِمَّة من غير نَكِير، وَالْأولَى الْكَمَال كَقَوْلِه ﷺ : الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ) أَي تتساوى فِي الْقصاص والديات لأَفْضَل للشريف على وضيع (وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ) أَي بأمانهم (أَدْنَاهُم، وَيرد عَلَيْهِم أَقْصَاهُم) أَي يرد الْأَبْعَد مِنْهُم الْبَقِيَّة عَلَيْهِم: وَذَلِكَ لِأَن الْعَسْكَر إِذا دخل دَار الْحَرْب فاقتطع الإِمَام مِنْهُم سَرَايَا ووجهها للإغارة فَمَا غنمته جعل لَهَا على مَا سمي، وَيرد مَا بَقِي لأهل الْعَسْكَر: لِأَن بهم قدرت السَّرَايَا على التوغل فِي دَار الْحَرْب وَأخذ المَال كَذَا ذكره المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة، فالأبعد السّريَّة، والبقية مَا يبْقى من المَاء وَغَيره، والمردود عَلَيْهِم أهل الْعَسْكَر فَإِن السّريَّة ترد بَقِيَّة المَال عَلَيْهِم (وهم يَد على من سواهُم) أَي كالعضو الْوَاحِد فِي اتِّحَاد كلمتهم ونصرتهم وتعاونهم على جَمِيع الْملَل الْمُحَاربَة لَهُم: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ مَكَان: وَيرد عَلَيْهِم أَقْصَاهُم، ويجيز عَلَيْهِم

стр. 775

أَقْصَاهُم ففسر الرَّد فِي تِلْكَ الرِّوَايَة بِالْإِجَازَةِ، فَالْمَعْنى يرد الْإِجَازَة عَلَيْهِم حَتَّى يكون كلهم مجيزا، يُقَال أجزت فلَانا على فلَان: إِذا حميته مِنْهُ ومنعته. مسئلة (الْمُخْتَار) عِنْد إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ والآمدي وَالْإِمَام الرَّازِيّ وَابْن الْحَاجِب. وَفِي رِوَايَة عَن أَحْمد وَغَيرهم (أَن خبر الْوَاحِد قد يُفِيد الْعلم بقرائن غير اللَّازِمَة لما تقدم) أَي للْخَبَر نَفسه وللمخبر أَو للمخبر عَنهُ (وَلَو كَانَ) الْمخبر (غير عدل، لَا) أَنه يفِيدهُ (مُجَردا) عَن الْقَرَائِن (وَقيل إِن كَانَ) الْمخبر (عدلا جَازَ) أَن يُفِيد الْعلم (مَعَ التجرد) عَن الْقَرَائِن، لَكِن لَا يطرد فِي كل خبر عدل، وَهُوَ عَن بعض الْمُحدثين (وَعَن أَحْمد) فِي رِوَايَة يُفِيد الْعلم مَعَ التجرد، و (يطرد) فِي كل خبر عدل (وَأول) الْعلم المفاد بِهِ مطردا (بِعلم وجوب الْعَمَل، لَكِن تَصْرِيح ابْن الصّلاح فِي مرويهما) أَي صحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم (بِأَنَّهُ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ) وَسَبقه إِلَى هَذَا الْمَقْدِسِي وَأَبُو نصر (يَنْفِيه) أَي هَذَا الدَّلِيل (مستدلا) حَال من ابْن الصّلاح (بِالْإِجْمَاع على قبُوله وَإِن كَانَ) الْإِجْمَاع ناشئا (عَن ظنون) يَعْنِي كل وَاحِد من أهل الْإِجْمَاع لصِحَّة مرويهما المستلزمة لقبوله (فَظن مَعْصُوم) أَي فَظن الْجَمِيع من حَيْثُ أَنه اجْتمع عَلَيْهِ الْأمة مَعْصُوم عَن الْخَطَأ فَصَارَ كَالْعلمِ فِي عدم احْتِمَال الْخَطَأ، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام عَلَيْهِ (وَالْأَكْثَر) من الْفُقَهَاء والمحدثين خبر الْوَاحِد (لَا) يُفِيد الْعلم (مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَ بقرائن أَولا (لنا) فِي الأول وَهُوَ إفادته للْعلم بِالْقُرْآنِ (الْقطع بِهِ) أَي بِخَبَر الْوَاحِد أَو بِحُصُول الْعلم بمضمونه (فِي نَحْو إِخْبَار ملك) من إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول: أَي فِيمَا إِذا أخبر وَاحِد ملكا (بِمَوْت ولد) لَهُ كَانَ (فِي النزع مَعَ صُرَاخ وانتهاك حرم) للْملك (وَنَحْوه) كخروج الْملك وَرَاء الْجِنَازَة إِلَى غير ذَلِك. (وَفِي الثَّانِي) وَهُوَ عدم إِفَادَة الْعلم مُجَردا عَن الْقَرَائِن (لَو كَانَ) خبر الْوَاحِد مُفِيدا للْعلم مُطلقًا (فبالعادة) أَي فَكَانَ تِلْكَ الإفادة بطرِيق الْعَادة وأجرى الله عَادَته بِخلق الْعلم عِنْده، إِذْ لَا عِلّة لَهُ سواهَا (فيطرد) حُصُول الْعلم فِي كل جُزْء من غير تخلف، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ ضَرُورَة (وَاجْتمعَ النقيضان فِي الْإِخْبَار بهما) أَي بالنقيضين، وَقد وَقع ذَلِك فِي إِخْبَار الْعُدُول كثيرا، إِذْ الْمَفْرُوض أَن كل خبر عدل يُفِيد الْعلم، وكل مَا هُوَ مُتَعَلق الْعلم لَا بُد أَن يكون متحققا وَيرد عَلَيْهِ أَن الْقَائِل بِهِ يُرِيد أَنه يُفِيد الْعلم إِذا لم تكن قرينَة الْكَذِب، وكل مِنْهُمَا قرينَة كذب الآخر إِذا صَدرا مَعًا وَإِلَّا فالمتقدم لَا معَارض لَهُ فَيصير قرينَة لكذب الْمُتَأَخر فَتَأمل. (وَوَجَب التأثيم) للمخالف بِالِاجْتِهَادِ لعدم جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي مُقَابلَة الْقطعِي (وَهُوَ) أَي تأثيمه
следующие страницы →