← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6327

تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه

أمير باد شاه

Полный текст (1 287 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

يَعْنِي الصَّحَابِيّ بِظَاهِر الحَدِيث، وَقيل يجب حمله على مَا عينه الرَّاوِي. وَفِي شرح البديع وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا انْتهى. وَهُوَ اخْتِيَار المُصَنّف. وَقَالَ عبد الْجَبَّار وَأَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ إِن علم أَن الصَّحَابِيّ إِنَّمَا صَار إِلَى تَأْوِيله لعلمه بِقصد النَّبِي ﷺ وَجب الْعَمَل بِهِ وَإِن جهل ذَلِك وَجَاز كَونه لدَلِيل ظهر لَهُ من نَص أَو قِيَاس أَو غَيرهمَا وَجب النّظر فِي ذَلِك الدَّلِيل فَإِن اقْتضى مَا ذهب إِلَيْهِ صير إِلَيْهِ، وَإِلَّا وَجب الْعَمَل بِالظَّاهِرِ (قُلْنَا) فِي جَوَاب الشَّافِعِي وَمن مَعَه (لَيْسَ يخفى عَلَيْهِ) أَي الصَّحَابِيّ الرَّاوِي (تَحْرِيم ترك الظَّاهِر إِلَّا لما يُوجِبهُ) أَي ترك الظَّاهِر (فلولا تيقنه) أَي الرَّاوِي (بِهِ) أَي بِمَا يجب تَركه (لم يتْركهُ وَلَو سلم) انْتِفَاء تيقنه بِهِ (فلولا أغلبيته) أَي الظَّن بِمَا يُوجب تَركه لم يتْركهُ (وَلَو سلم) انْتِفَاء أغلبية الظَّن لم يكن عِنْده إِلَّا مُجَرّد الظَّن (فشهوده) أَي الرَّاوِي (مَا هُنَاكَ) من قَرَائِن الْأَحْوَال عِنْد الْمقَال (يرجح ظَنّه) بالمراد على ظن غَيره (فَيجب الرَّاجِح) أَي الْعَمَل بِهِ (وَبِه) أَي بِشُهُود ذَلِك، أَو بِهَذَا التَّقْرِير (ينْدَفع تَجْوِيز خطئه بِظَنّ مَا لَيْسَ دَلِيلا دَلِيلا) لبعد ذَلِك مَعَ علمه بالموضوعات اللُّغَوِيَّة ومواضع اسْتِعْمَالهَا وَحَال الْمُتَكَلّم وعدالته المستدعية للتأمل فِي أَمر الدّين، (وَمِنْه) أَي من ترك الظَّاهِر لدَلِيل (لَا من الْعَمَل بِبَعْض المحتملات) كَمَا توهم (تَخْصِيص الْعَام) من الصَّحَابِيّ (يجب حمله) أَي التَّخْصِيص مِنْهُ (على سَماع الْمُخَصّص) وَمعنى حمله عَلَيْهِ إحالته إِلَيْهِ (كَحَدِيث ابْن عَبَّاس) مَرْفُوعا (من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (وَأسْندَ أَبُو حنيفَة) عَن عَاصِم بن أبي النجُود عَن أبي النجُود عَن أبي رزين (عَنهُ) أَي ابْن عَبَّاس مَا مَعْنَاهُ (لَا تقتل الْمُرْتَدَّة) وَلَفظه لَا تقتل النِّسَاء إِذا هن ارتددن عَن الْإِسْلَام، لَكِن يحبسن ويدعين إِلَى الْإِسْلَام ويجبرن عَلَيْهِ (فَلَزِمَ) تَخْصِيص الْمُبدل بِكَوْنِهِ من الرِّجَال (خلافًا للشَّافِعِيّ) وَمَالك وَأحمد قَالُوا يقتل عملا بِعُمُوم الظَّاهِر (فَلَو كَانَ) الْمَرْوِيّ (مُفَسرًا وتسميه الشَّافِعِيَّة نصا على مَا سلف) فِي التَّقْسِيم الثَّانِي للفرد بِاعْتِبَار دلَالَته أَوَائِل الْكتاب (وَتَركه) أَي الصَّحَابِيّ ذَلِك الْمَرْوِيّ فَلم يعْمل بِهِ (بعد رِوَايَته لَا) يتَحَقَّق فِيهِ الحكم الْآتِي (إِن لم يعرف تَارِيخ) لتَركه وَرِوَايَته لَهُ فَلم يعلم أَن التّرْك مُتَأَخّر أَو الرِّوَايَة (تعين كَون تَركه لعلمه بالناسخ) إِذْ لَا يظنّ بِهِ أَن يُخَالف النَّص بِغَيْر دَلِيل هُوَ النَّاسِخ (فَيجب اتِّبَاعه) فِي ترك الْعَمَل بِهِ وَإِن جهل تَارِيخ الْمُخَالفَة للمروي حملت على أَنَّهَا كَانَت قبل الرِّوَايَة فَلَا يكون جرحا للْحَدِيث وَلَا للراوي لجَوَاز أَن يكون ذَلِك لعدم علمه بِهِ خلافًا للشَّافِعِيّ (وَبِه) أَي بتعين كَونه تَركه لعلمه بالناسخ (يتَبَيَّن نسخ حَدِيث السَّبع من الولوغ) وَهُوَ مَا فِي مُسلم وَغَيره عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا طهُور إِنَاء أحدكُم إِذا ولغَ فِيهِ الْكَلْب أَن يغسلهُ سبع مَرَّات أولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ (إِذْ صَحَّ اكْتِفَاء) رِوَايَة (أبي هُرَيْرَة بِالثلَاثِ) كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَد صَحِيح (فيقوي بِهِ) أَي باكتفائه بِالثلَاثِ الضَّعِيف (حَدِيث اغسلوه ثَلَاثًا وَمِمَّنْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ) وَلَفظه يلغ فِي الْإِنَاء يغسل ثَلَاثًا أَو خمْسا

стр. 772

أَو سبعا. وَقَالَ تفرد بِهِ عبد الْوَهَّاب عَن إِسْمَاعِيل وَهُوَ مَتْرُوك، وَإِنَّمَا يقوى بِهِ (لموافقته الدَّلِيل) وَقد عرفت الدَّلِيل (وَلَا خَفَاء فِي عدم اعْتِبَار الضعْف فِي نفس الْأَمر فِي مُسَمَّاهُ) أَي الضَّعِيف (بل) إِنَّمَا يعْتَبر (ظَاهرا فَإِذا اعتضد) الضَّعِيف: أَي تأيد بمؤيد (ظهر أَن مَا ظهر) من الضعْف (غير الْوَاقِع كَمَا يضعف ظَاهر الصِّحَّة) أَي الحَدِيث الَّذِي يحكم بِصِحَّتِهِ نظرا إِلَى ظَاهر حَال الرَّاوِي (بعلة باطنة) أَي خُفْيَة (وَاحْتِمَال ظن الصَّحَابِيّ مَا لَيْسَ نَاسِخا نَاسِخا لَا يخفي بعده فَوَجَبَ نَفْيه) أَي نفي هَذَا الِاحْتِمَال لظُهُور بعده (قَالُوا النَّص وَاجِب الِاتِّبَاع، قُلْنَا نعم وَهُوَ النَّاسِخ الَّذِي لأَجله ترك) المروى الْمُفَسّر لَا نفس الْمُفَسّر (وَمِنْه) أَي من ترك الصَّحَابِيّ مرويه بعد رِوَايَته (ترك ابْن عمر الرّفْع) لِلْيَدَيْنِ فيهمَا تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح من الصَّلَاة (على مَا صَحَّ عَن مُجَاهِد) من قَوْله (صَحِبت ابْن عمر سِنِين فَلم أره يرفع يَدَيْهِ إِلَّا فِي تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح) أخرجه ابْن أبي شيبَة بِلَفْظ " مَا رَأَيْت ابْن عمر يرفع يَدَيْهِ إِلَّا فِي أول مَا يفْتَتح ": والطَّحَاوِي بِلَفْظ صليت خلف ابْن عمر فَلم يكن يرفع يَدَيْهِ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَة الأولى من الصَّلَاة، مَعَ مَا أخرج السِّتَّة عَنهُ: قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة رفع يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْو مَنْكِبَيْه ثمَّ كبر، فَإِذا أَرَادَ أَن يرْكَع فعل مثل ذَلِك قَالُوا: النَّص وَاجِب الِاتِّبَاع فَلَا يتْرك مُوجبه اتبَاعا للصحابي، قُلْنَا نعم وَنحن مَا اتَّبعنَا إِلَّا النَّص: وَهُوَ النَّاسِخ الَّذِي لأَجله ترك الرَّاوِي الْمَرْوِيّ (وكتخصيصه) أَي الصَّحَابِيّ الرَّاوِي (الْعَام تَقْيِيده للمطلق) إِنَّمَا ذكر التَّخْصِيص فِي الْعَام، لِأَنَّهُ تقليل الِاشْتِرَاك وَالْعَام مُسْتَغْرق لما يصلح لَهُ، فَيلْزمهُ الِاشْتِرَاك وَالتَّقْيِيد فِي الْمُطلق، لِأَن الْمَاهِيّة الْمُطلقَة لم يعْتَبر فِيهَا الِاشْتِرَاك وَعَدَمه فيناسبه التَّقْيِيد، فَيجب أَن يحمل تَقْيِيده على سَماع مَا تقيده (فَإِن لم يعلم عمله) أَي الصَّحَابِيّ الرَّاوِي لَهُ (وَعلم عمل الْأَكْثَر بِخِلَافِهِ) أَي الْخَبَر (اتبع الْخَبَر) لِأَن غير الرَّاوِي قد لَا يعلم ذَلِك بالْخبر، ثمَّ قَول الْأَكْثَر لَيْسَ بِحجَّة، فَكيف يتْرك مَا هُوَ حجَّة: وَهَذَا عِنْد غير الْحَنَفِيَّة وَأما عِنْدهم فَفِيهِ تَفْصِيل كَمَا يَجِيء (وَمن يرى حجية إِجْمَاع) أهل (الْمَدِينَة) كمالك (يستثنيه) فَيَقُول إِلَّا أَن يكون فِيهِ إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة، فَالْعَمَل بإجماعهم فَهُوَ عِنْده (كإجماع الْكل) وَهُوَ مقدم على خبر الْوَاحِد (وَترك الصَّحَابَة الِاحْتِجَاج بِهِ) أَي الحَدِيث (عِنْد اخْتلَافهمْ مُخْتَلف) أَي وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْأُصُولِيِّينَ (فِي رده) أَي الحَدِيث الَّذِي تركُوا الِاحْتِجَاج بِهِ عِنْد اخْتلَافهمْ واحتياجهم إِلَيْهِ (وَهُوَ) أَي رده لذَلِك هُوَ (الْوَجْه) الأول (إِذا كَانَ) الحَدِيث (ظَاهرا فيهم) أَي الصَّحَابَة (وَأما عمل غَيره) أَي رَاوِي الحَدِيث (من الصَّحَابَة بِخِلَافِهِ) أَي الْمَرْوِيّ (فالحنفية) قَالُوا (إِن كَانَ) الحَدِيث (من جنس مَا يحْتَمل الخفاء على التارك) للْعَمَل بِهِ (كَحَدِيث القهقهة)

стр. 773

الْمَرْوِيّ عَنهُ ﷺ من طرق مِنْهَا رِوَايَة أبي حنيفَة عَن مَنْصُور بن زَاذَان الوَاسِطِيّ عَن الْحسن عَن معبد بن أبي معبد الْخُزَاعِيّ عَنهُ ﷺ قَالَ: بَينا هُوَ فِي الصَّلَاة إِذْ أقبل أعمى يُرِيد الصَّلَاة فَوَقع فِي زبية فاستضحك الْقَوْم فقهقهوا، فَمَا انْصَرف ﷺ قَالَ " من كَانَ مِنْكُم قهقه فليعد الْوضُوء وَالصَّلَاة ". (عَن أبي مُوسَى) الْأَشْعَرِيّ (تَركه) أَي الْعَمَل بِهِ (لَا يضرّهُ) أَي الحَدِيث الْمَذْكُور (إِذْ لَا يسْتَلْزم) ترك غير الرَّاوِي لمثله جرحا (مثل ترك الرَّاوِي) الصَّحَابِيّ مرويه الْمُفَسّر بعد رِوَايَته لَهُ لجَوَاز عدم اطِّلَاعه عَلَيْهِ كَمَا فِي وُقُوع القهقهة فِي الصَّلَاة (لِأَنَّهُ) أَي وُقُوعه فِيهَا (من الْحَوَادِث النادرة فَجَاز خفاؤه) أَي الحَدِيث (عَنهُ) أَي أبي مُوسَى (على أَنه منع صِحَّته) أَي صِحَة تَركه (عَنهُ) أَي أبي مُوسَى (بل) روى (نقيضه) أَي نقيض ترك الْعَمَل بِهِ وَهُوَ الْعَمَل بِهِ عَنهُ: أَي أبي مُوسَى. وَفِي الْأَسْرَار قد اشْتهر عَن أبي الْعَالِيَة رِوَايَة هَذَا الحَدِيث مُرْسلا وَمُسْندًا عَن أبي مُوسَى، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ مَرْفُوعا (أَولا) يكون الحَدِيث (مِنْهُ) أَي من جنس مَا يحْتَمل الخفاء (كالتغريب) فِي قَوْله ﷺ " الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام ": رَوَاهُ مُسلم وَغَيره، وَهُوَ إِخْرَاج الْحَاكِم الْمُحصن الْحر ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى إِلَى مَسَافَة قصر فَمَا فَوْقه، وَأول مدَّته ابْتِدَاء السّفر كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي فروع الشَّافِعِيَّة (تَركه عمر بعد لحاق من غربه مُرْتَدا). أخرج عبد الرازق عَن ابْن الْمسيب قَالَ: غرب عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ربيعَة بن أُميَّة بن خلف فِي الشَّرَاب إِلَى خَيْبَر فلحق بهرقل فَتَنَصَّرَ فَقَالَ عمر لَا أغرب بعده مُسلما (فيقدح) أَي ترك عمل غير الرَّاوِي لَهُ من الصَّحَابَة فِيهِ (لاستلزامه) أَي ترك الْعَمَل بِهِ حِينَئِذٍ (ذَلِك) أَي الْقدح فِيهِ (أَو) يُقَال فِي هَذَا الْخُصُوص (أَنه) أَي التَّغْرِيب (كَانَ زِيَادَة تَعْزِير سياسة) شَرْعِيَّة إيحاشا للزاني وَزِيَادَة فِي تنكيله فَلَا يقْدَح (إِذْ لَا يخفى) كَون التَّغْرِيب من الْحَد (عَنهُ) أَي عَن عمر (لابتناء الْحَد على الشُّهْرَة مَعَ حَاجَة الإِمَام إِلَى مَعْرفَته فيفحص عَنهُ، وكفره) أَي الْمغرب بارتداده و (لَا يحل تَركه) أَي عمر (الْحَد، وَقد قَالَ عمر للمؤلفة بعده ﷺ حِين فهم انْتِهَاء حكمهم) أَي التَّأْلِيف وَهُوَ الْعَطاء لمصْلحَة تَقْوِيَة الْإِسْلَام (وهم أهل شَوْكَة) أَي وَالْحَال أَن الْمُؤَلّفَة عِنْد الِانْتِهَاء أهل شَوْكَة ومنعة يتَوَهَّم مِنْهُم الْعِصْيَان، ومعقول القَوْل، (الْحق من ربكُم فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر ومنعهم). روى الطَّبَرِيّ عَنهُ أَنه قَالَ ذَلِك لما أَتَاهُ عُيَيْنَة بن حصن، وأعقبه بقوله: يَعْنِي لَيْسَ الْيَوْم مؤلفة (بَقِي قسم) لم يذكر فِي تقسيمهم وَهُوَ (مُحْتَمل لَا يخفى) أَي هُوَ فِي حد ذَاته مِمَّا يحْتَمل الخفاء غير أَنه اشْتهر وارتفع عَنهُ الخفاء (وَلَيْسَ) الحكم الثَّابِت فِيهِ (من متعلقات) الصَّحَابِيّ الَّذِي لَيْسَ براويه (التارك) للْعَمَل

стр. 774

بِهِ (الَّتِي تهمه) ليلزم عَلَيْهِ زِيَادَة الفحص عَنهُ (وَالْوَجْه) أَن يُقَال (لَيْسَ) ترك عمل غير الرَّاوِي (كالراوي) أَي كَتَرْكِ عمل الرَّاوِي (لزِيَادَة احْتِمَال عدم بُلُوغه) أَي الحَدِيث الَّذِي تَاركه غير رَاوِيه (وَهُوَ) أَي هَذَا الْقسم (أولى) بِهِ: أَي بِوُجُوب الْعَمَل بِالْحَدِيثِ (من الْأَكْثَر) من الْقسم الَّذِي ترك الْأَكْثَر الْعَمَل (بِهِ) قَالَ الشَّارِح: لَعَلَّهُم لم يذكروه لانْتِفَاء أَمْثَاله فِي استقرائهم وَالله أعلم. مسئلة (حذف بعض الْخَبَر الَّذِي لَا تعلق لَهُ بالمذكور جَائِز) عِنْد الْأَكْثَر (بِخِلَاف) مَاله تعلق بِهِ مخل بِالْمَعْنَى حذفه: مثل فعل (الشَّرْط) كَقَوْلِه ﷺ " إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ بيعوها وَلَو بضفير " يَعْنِي الْأمة غير المحصنة مُتَّفق عَلَيْهِ. (وَالِاسْتِثْنَاء) كَقَوْلِه ﷺ " لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب، وَلَا الْوَرق بالورق إِلَّا وزنا بِوَزْن مثلا بِمثل سَوَاء بِسَوَاء ": رَوَاهُ مُسلم (وَالْحَال) كَقَوْلِه ﷺ " لَا يُصَلِّي أحدكُم فِي الثَّوْب الْوَاحِد لَيْسَ على عَاتِقه شَيْء ": رَوَاهُ البُخَارِيّ (والغاية) كَقَوْلِه ﷺ " من ابْتَاعَ طَعَاما فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيه " مُتَّفق عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يجوز حذفه لفَوَات الْمَقْصُود (وَقيل لَا) يجوز مُطلقًا (وَقيل إِن روى مرّة على التَّمام) هُوَ أَو غَيره الْخَبَر جَازَ وَإِلَّا لم يجز (وَمَا قيل يمْنَع إِن خَافَ تُهْمَة الْغَلَط) كَمَا ذكره الْخَطِيب: يَعْنِي أَن روى مرّة على التَّمام هُوَ أَو غَيره، وَمرَّة على النُّقْصَان إِن خَافَ أَن يتهم بالغلط بِزِيَادَتِهِ مَا لم يسمعهُ وَنَحْوه (فَأمر آخر) لَا دخل لَهُ فِي أصل الْجَوَاز الَّذِي كلامنا فِيهِ (لنا إِذا انْقَطع التَّعَلُّق) بَين الْمَذْكُور والمحذوف (فكخبرين أَو أَخْبَار، وشاع من الْأَئِمَّة من غير نَكِير، وَالْأولَى الْكَمَال كَقَوْلِه ﷺ : الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ) أَي تتساوى فِي الْقصاص والديات لأَفْضَل للشريف على وضيع (وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ) أَي بأمانهم (أَدْنَاهُم، وَيرد عَلَيْهِم أَقْصَاهُم) أَي يرد الْأَبْعَد مِنْهُم الْبَقِيَّة عَلَيْهِم: وَذَلِكَ لِأَن الْعَسْكَر إِذا دخل دَار الْحَرْب فاقتطع الإِمَام مِنْهُم سَرَايَا ووجهها للإغارة فَمَا غنمته جعل لَهَا على مَا سمي، وَيرد مَا بَقِي لأهل الْعَسْكَر: لِأَن بهم قدرت السَّرَايَا على التوغل فِي دَار الْحَرْب وَأخذ المَال كَذَا ذكره المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة، فالأبعد السّريَّة، والبقية مَا يبْقى من المَاء وَغَيره، والمردود عَلَيْهِم أهل الْعَسْكَر فَإِن السّريَّة ترد بَقِيَّة المَال عَلَيْهِم (وهم يَد على من سواهُم) أَي كالعضو الْوَاحِد فِي اتِّحَاد كلمتهم ونصرتهم وتعاونهم على جَمِيع الْملَل الْمُحَاربَة لَهُم: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ مَكَان: وَيرد عَلَيْهِم أَقْصَاهُم، ويجيز عَلَيْهِم

стр. 775

أَقْصَاهُم ففسر الرَّد فِي تِلْكَ الرِّوَايَة بِالْإِجَازَةِ، فَالْمَعْنى يرد الْإِجَازَة عَلَيْهِم حَتَّى يكون كلهم مجيزا، يُقَال أجزت فلَانا على فلَان: إِذا حميته مِنْهُ ومنعته. مسئلة (الْمُخْتَار) عِنْد إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ والآمدي وَالْإِمَام الرَّازِيّ وَابْن الْحَاجِب. وَفِي رِوَايَة عَن أَحْمد وَغَيرهم (أَن خبر الْوَاحِد قد يُفِيد الْعلم بقرائن غير اللَّازِمَة لما تقدم) أَي للْخَبَر نَفسه وللمخبر أَو للمخبر عَنهُ (وَلَو كَانَ) الْمخبر (غير عدل، لَا) أَنه يفِيدهُ (مُجَردا) عَن الْقَرَائِن (وَقيل إِن كَانَ) الْمخبر (عدلا جَازَ) أَن يُفِيد الْعلم (مَعَ التجرد) عَن الْقَرَائِن، لَكِن لَا يطرد فِي كل خبر عدل، وَهُوَ عَن بعض الْمُحدثين (وَعَن أَحْمد) فِي رِوَايَة يُفِيد الْعلم مَعَ التجرد، و (يطرد) فِي كل خبر عدل (وَأول) الْعلم المفاد بِهِ مطردا (بِعلم وجوب الْعَمَل، لَكِن تَصْرِيح ابْن الصّلاح فِي مرويهما) أَي صحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم (بِأَنَّهُ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ) وَسَبقه إِلَى هَذَا الْمَقْدِسِي وَأَبُو نصر (يَنْفِيه) أَي هَذَا الدَّلِيل (مستدلا) حَال من ابْن الصّلاح (بِالْإِجْمَاع على قبُوله وَإِن كَانَ) الْإِجْمَاع ناشئا (عَن ظنون) يَعْنِي كل وَاحِد من أهل الْإِجْمَاع لصِحَّة مرويهما المستلزمة لقبوله (فَظن مَعْصُوم) أَي فَظن الْجَمِيع من حَيْثُ أَنه اجْتمع عَلَيْهِ الْأمة مَعْصُوم عَن الْخَطَأ فَصَارَ كَالْعلمِ فِي عدم احْتِمَال الْخَطَأ، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام عَلَيْهِ (وَالْأَكْثَر) من الْفُقَهَاء والمحدثين خبر الْوَاحِد (لَا) يُفِيد الْعلم (مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَ بقرائن أَولا (لنا) فِي الأول وَهُوَ إفادته للْعلم بِالْقُرْآنِ (الْقطع بِهِ) أَي بِخَبَر الْوَاحِد أَو بِحُصُول الْعلم بمضمونه (فِي نَحْو إِخْبَار ملك) من إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول: أَي فِيمَا إِذا أخبر وَاحِد ملكا (بِمَوْت ولد) لَهُ كَانَ (فِي النزع مَعَ صُرَاخ وانتهاك حرم) للْملك (وَنَحْوه) كخروج الْملك وَرَاء الْجِنَازَة إِلَى غير ذَلِك. (وَفِي الثَّانِي) وَهُوَ عدم إِفَادَة الْعلم مُجَردا عَن الْقَرَائِن (لَو كَانَ) خبر الْوَاحِد مُفِيدا للْعلم مُطلقًا (فبالعادة) أَي فَكَانَ تِلْكَ الإفادة بطرِيق الْعَادة وأجرى الله عَادَته بِخلق الْعلم عِنْده، إِذْ لَا عِلّة لَهُ سواهَا (فيطرد) حُصُول الْعلم فِي كل جُزْء من غير تخلف، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ ضَرُورَة (وَاجْتمعَ النقيضان فِي الْإِخْبَار بهما) أَي بالنقيضين، وَقد وَقع ذَلِك فِي إِخْبَار الْعُدُول كثيرا، إِذْ الْمَفْرُوض أَن كل خبر عدل يُفِيد الْعلم، وكل مَا هُوَ مُتَعَلق الْعلم لَا بُد أَن يكون متحققا وَيرد عَلَيْهِ أَن الْقَائِل بِهِ يُرِيد أَنه يُفِيد الْعلم إِذا لم تكن قرينَة الْكَذِب، وكل مِنْهُمَا قرينَة كذب الآخر إِذا صَدرا مَعًا وَإِلَّا فالمتقدم لَا معَارض لَهُ فَيصير قرينَة لكذب الْمُتَأَخر فَتَأمل. (وَوَجَب التأثيم) للمخالف بِالِاجْتِهَادِ لعدم جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي مُقَابلَة الْقطعِي (وَهُوَ) أَي تأثيمه

стр. 776

(مُنْتَفٍ بِالْإِجْمَاع. الْأَكْثَر) قَالُوا فِي دفع دَلِيل الْمُخْتَار (مفيده) أَي الْعلم (الْقَرَائِن فقد أخرجُوا الْخَبَر عَن كَونه جُزْء مُفِيد الْعلم) لَا عَن كَونه مُعَرفا عَلَيْهِ مُطلقًا: إِذْ لَا سَبِيل إِلَيْهِ (وَدفعه) أَي هَذَا القَوْل من قبيل الْمُخْتَار (بِأَنَّهُ لَوْلَا الْخَبَر لجوزنا موت) شخص (آخر) من أقَارِب الْملك كأخيه وَأَبِيهِ، فَلَا يتَعَيَّن وَلَده بِعَيْنِه (يُفِيد أَن الْمَقْصُود مُجَرّد حُصُول الْعلم مَعَ الْمَجْمُوع) من الْخَبَر والقرائن، لَا إِثْبَات كَون الْخَبَر جُزْء سَبَب الْعلم (فَإِذا عجز) الدَّافِع الْمَذْكُور (عَن إثْبَاته) أَي إِثْبَات كَون الْخَبَر (جُزْء السَّبَب) لإفادته (لزم) كَونه (شرطا) لإفادته، إِن أَرَادَ بِالشّرطِ مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ أَعم من أَن يكون جُزْءا أَو خَارِجا، إِذْ هُوَ مُقْتَضى الدَّلِيل لَا خُصُوصِيَّة كَونه خَارِجا لَا يُفِيد مَا هُوَ بصدده، وَإِن أَرَادَ مَا هُوَ الْأَخَص فالملازمة مَمْنُوعَة، إِذْ الْعَجز عَن إِثْبَات شَيْء لَا يسْتَلْزم عَدمه فَتَأمل (وَهُوَ) أَي كَونه شرطا لإفادته (عين مَذْهَب الْأَكْثَر) إِذْ لَيْسَ مقصودهم إِفَادَة الْقَرَائِن بِدُونِ الْخَبَر (فَهُوَ) أَي هَذَا القَوْل من قبل الْمُخْتَار (اعْتِرَاف بِهِ) أَي بِكَوْنِهِ شرطا (فأغناهم) أَي هَذَا الِاعْتِرَاف أهل الْمُخْتَار (عَمَّا نسبوه) أَي الْأَكْثَر (إِلَيْهِم) أَي أهل الْمُخْتَار (من قَوْلهم) أَي الْأَكْثَر (دليلكم) أَصْحَاب الْمُخْتَار (على نَفْيه) أَي الْعلم عَن خبر الْوَاحِد (بِلَا قرينَة يَنْفِيه) أَي الْعلم عَنهُ (بهَا) أَي بِالْقَرِينَةِ، وَمعنى الإغناء أَنه إِذا كَانَ مآل كَلَام الْمُخْتَار وَالْأَكْثَر وَاحِدًا يرْتَفع عَن الْمُخْتَار مُنَازعَة الْأَكْثَر فَلَا يَحْتَاجُونَ حِينَئِذٍ إِلَى ذكر نقض الْأَكْثَر وَذكر جَوَابه، ثمَّ بَين الدَّلِيل المنقوض بقوله (وَهُوَ) أَي دليلكم على نَفْيه (لَو كَانَ) خبر الْوَاحِد مُفِيدا للْعلم بِدُونِ الْقَرَائِن (أدّى إِلَى النقيضين) أَي تنَاقض المعلومين (إِلَى آخِره) أَي لُزُوم الاطراد وتأثيم الْمُخَالف كَأَنَّهُ زعم الناقض أَن اللوازم الْمَذْكُورَة تلْزم كَون الْخَبَر مُفِيدا للْعلم سَوَاء كَانَ مَعَ الْقَرَائِن أَولا، وبطلانه ظَاهر (و) أغناهم عَن (دَفعه بِأَنَّهُ) أَي الدَّلِيل الْمَذْكُور (إِنَّمَا يَقْتَضِي امْتِنَاعه) أَي كَون الْخَبَر مُفِيدا للْعلم (عِنْده) أَي عِنْد نفي الْقَرِينَة (لَا مُطلقًا) ليدْخل فِيهِ مَا مَعَ الْقَرِينَة (لِأَن لُزُوم المتناقضين إِنَّمَا هُوَ بتقديره) عدم الْقَرَائِن، لِأَن المخطوطات الثَّلَاثَة من لَوَازِم كَون خبر الْعدْل بِنَفسِهِ مُفِيدا للْعلم من غير حَاجَة إِلَى الْقَرِينَة، و (أما الْجَواب) عَن النَّقْض الْمَذْكُور بِمَنْع بطلَان التَّالِي فِي صُورَة كَونه مَعَ الْقَرَائِن (بِالْتِزَام الاطراد فِي مثله) أَي فِيمَا فِيهِ الْقَرَائِن. فِي الشَّرْح العضدي: وَالْجَوَاب أَنَّهَا لَا تتأدى فِي الْخَبَر مَعَ الْقَرَائِن، أما لُزُوم الاطراد فَلِأَنَّهُ مُلْتَزم فِي نَفسه فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَن الْعلم، وَأما تنَاقض المعلومين فَلِأَن ذَلِك إِذا حصل فِي قصَّة امْتنع أَن يحصل مثله فِي نقيضها عَادَة وَأما تخطئة الْمُخَالف قطعا فَلِأَنَّهُ مُلْتَزم وَلَو وَقع لم يجز مُخَالفَته بِالِاجْتِهَادِ إِلَّا أَنه لم يَقع فِي الشرعيات انْتهى (فبعيد للْقطع بِأَن لَيْسَ كل خبر وَاحِد) مقرون (بقرائن) مثل قَرَائِن الْمِثَال الْمَذْكُور (يُوجب الْعلم، و) الْحَال أَن (الدَّعْوَى) أَن الْخَبَر الْمَذْكُور (قد يُوجِبهُ) أَي الْعلم (لَا الْكُلية) أَي لَا أَنه

стр. 777

كل خبر كَذَا يُوجِبهُ (لما نذْكر) من تَجْوِيز ثُبُوت نقيضه بِأَن يرجِعوا فيقولوا لم يمت، وَإِنَّمَا سكن وَبرد فَظن مَوته (فبايجابه) أَي الْخَبَر الْمَذْكُور الْعلم (يعلم أَنه) أَي الْخَبَر الْمُوجب (ذَلِك) الْخَبَر الْمُفِيد للْعلم بالقرائن، وَلَا يخفى أَن الْعلم بإيجابه للْعلم إِنَّمَا يتَحَقَّق بِمَجْمُوع أحد أَمريْن: أَحدهمَا عدم احْتِمَال النقيض، وَالثَّانِي مطابقته للْوَاقِع وَالْعلم بالمطابقة بالحس أَو الْبُرْهَان أَو خبر الْمخبر الصَّادِق (كَمَا فِي) الْخَبَر (الْمُتَوَاتر يعرفهُ) أَي كَونه متواترا (أَثَره) أَي ثُبُوت أَثَره: وَهُوَ (الْعلم وَحِينَئِذٍ نمْنَع إِمْكَان مثله) أَي إِيجَاب الْعلم بِخَبَر وَاحِد آخر عدل مخبر (بالنقيض الآخر) مقرون بقرائن مثل تِلْكَ الْقَرَائِن فَإِنَّهُ محَال عَادَة (إِلَّا لَو وَقع) أَي لَكَانَ لَو وَقع، وَالتَّعْبِير بلو للإشعار بِعَدَمِ وجوده (فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة) جَوَاب لَو مَحْذُوف أَي جوزناه، يدل عَلَيْهِ قَوْله (فَيجوز لعدم حَقِيقَة التَّعَارُض) فِيهَا (للُزُوم اخْتِلَاف الزَّمَان) فِيهَا (فأحدهما مَنْسُوخ) وَالْآخر نَاسخ لَهُ، وعَلى هَذَا القَوْل بِأَن النّسخ يجْرِي فِي الْأَخْبَار وَالْجُمْهُور على خِلَافه، فعلى هَذَا لَا يَصح إِلَّا على التَّأْوِيل كَأَن يكون الْمَنْسُوخ مُتَعَلق الْخَبَر لَا نَفسه (ويلتزم التأثيم) للمخالف للْخَبَر والمقرون بالقرائن بِالِاجْتِهَادِ (لَو وَقع فِيهَا بِخِلَافِهِ) أَي التأثيم (بِخَبَر الْوَاحِد) الْمُجَرّد عَن تِلْكَ الْقَرَائِن فَإِنَّهُ لَا يلْتَزم فِيهِ (للْقطع بِجَوَاز إِخْبَار اثْنَيْنِ بنقيضين، بل) الْقطع (بِوُقُوعِهِ) إِنَّمَا جمع بَين القطعين مَعَ أَن الثَّانِي يُغني عَن الأول لِأَنَّهُ يستلزمه إِشَارَة إِلَى أَنه لَا مَانع عَنهُ من حَيْثُ الْعقل وتقرره الْوَاقِع فِي الْوَاقِع (فَعلم بِهِ) أَي بإخبارهما بالنقيضين (أَنه) أَي خبر الْوَاحِد (لَا يفِيدهُ) أَي الْعلم، إِذْ لَو أَفَادَهُ لأفاد كِلَاهُمَا فَلَزِمَ تحقق معلوميهما فِي الْوَاقِع (وَمَا قيل مثله) أَي مثل مَا ذكر من جَوَاز إِخْبَار اثْنَيْنِ بنقيضين (يَقع فِيمَا ذكر من إِخْبَار الْملك) من موت ابْنه بِأَن يُخبرهُ مخبر بِمَوْتِهِ مَعَ الْقَرَائِن ثمَّ يُخبرهُ آخر بِأَنَّهُ لم يمت، وَإِنَّمَا اشْتبهَ على الْمخبر والحاضرين وَقَامَت الْقَرَائِن على ذَلِك (يرد بِأَن ذَلِك) أَن جَوَاز إِخْبَار اثْنَيْنِ بِمَا ذكر (عِنْد عدم إفادته) أَي الْخَبَر الأول الْعلم (الأول) وَهُوَ الْعلم بِالْمَوْتِ وَالْفَرْض أَنه أَفَادَ، وَذَلِكَ لِأَن الْمُطَابقَة للْوَاقِع مُعْتَبرَة فِي الْعلم فَلَا يرد النَّقْض على الْمُخْتَار فِي إِلْزَام اجْتِمَاع النقيضين بقَوْلهمْ يَقع فِيمَا ذكر إِلَى آخِره (و) قَالَ (الطارد) أَي الَّذِي يَقُول بِأَن خبر الْوَاحِد الْعدْل يُفِيد الْعلم مطردا، وَقد مر أَنه مَرْوِيّ عَن أَحْمد (فِي مرويهما) أَي الشَّيْخَيْنِ البُخَارِيّ وَمُسلم أَو صَحِيحَيْهِمَا، والإضمار من غير سبق الذّكر لسبقهما إِلَى الذِّهْن عِنْد ذكر أَخْبَار الْآحَاد الْعُدُول، ومقول القَوْل (لَو أَفَادَ) مرويهما الظَّن لَا الْعلم (لم يجمع) أَي لما وَقع الْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل (بِهِ) أَي بمرويهما، لكنه أجمع عَلَيْهِ (أما الْمُلَازمَة فللنهي عَن اتِّبَاعه) أَي الظَّن تَحْرِيمًا، يدل عَلَيْهِ قَوْله (والذم عَلَيْهِ) أَي على اتِّبَاعه. قَالَ تَعَالَى - ﴿(وَلَا تقف﴾ مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم (إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن)﴾ - فِي معرض الذَّم، فَدلَّ على التَّحْرِيم إِذْ لَا يذم على ترك الْمَنْدُوب. (وَالْجَوَاب) عَن هَذَا أَن يُقَال (الْإِجْمَاع

стр. 778

عَلَيْهِ) أَي على الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد الْعدْل (للْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل بِالظَّنِّ) وَلذَلِك وَجب على الْمُجْتَهد الْعَمَل بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده وَالْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل بِالظَّنِّ يسْتَلْزم الْإِجْمَاع على الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد الْعدْل لِأَنَّهُ يُفِيد الظَّن (لَا لإفادته) أَي مرويهما (الْعلم بمضمونه) أَي الْخَبَر (و) الدَّلِيل السمعي) أَي لَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم، وَإِن يتبعُون إِلَّا الظَّن (مَخْصُوص بالاعتقاديات) الْمَطْلُوب فِيهَا الْيَقِين بِخِلَاف الْأَحْكَام العملية الْمَطْلُوب فِيهَا مَا يعم الظَّن وَغَيره (وَذَلِكَ الْإِجْمَاع) الْقطعِي على وجوب الْعَمَل بِالظَّنِّ (دَلِيل وجود الْمُخَصّص) لعُمُوم نهي اتِّبَاع الظَّن فالمخصص وجوب الْعَمَل بِالظَّنِّ وَدَلِيله الْإِجْمَاع الْمَذْكُور فَلم يبْق بعد التَّخْصِيص إِلَّا الاعتقاديات، وَهَذَا على غير قَول الْحَنَفِيَّة (أَو النَّاسِخ) للنَّهْي عَن الِاتِّبَاع فِي غير الاعتقاديات على قَوَاعِد الْحَنَفِيَّة، مَعْطُوف على وجود الْمُخَصّص (وَمَا قيل) من أَنه (لَا إِجْمَاع) على الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد (للْخلاف الْآتِي لَيْسَ بِشَيْء لِاتِّفَاق هذَيْن المتناظرين على نقل إِجْمَاع الصَّحَابَة فِيهِ) أَي فِي وجوب الْعَمَل بِهِ للْخلاف الْآتِي فِي الْعَمَل بِهِ (وَقَوله) أَي الطارد (ظن مَعْصُوم) أَي ظن أهل الْإِجْمَاع على قبُول مرويهما بِصِحَّتِهِ المستلزمة للقبول مَعْصُوم عَن الْخَطَأ فَتكون صِحَّته مَقْطُوعًا بهَا وَقد مر (قُلْنَا إِنَّمَا أَفَادَهُ) أَي الْإِجْمَاع على قبُول مرويهما (الْإِجْمَاع على) وجوب (الْعَمَل) بِالظَّنِّ: يَعْنِي الْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل بِالظَّنِّ صَار سَببا للْإِجْمَاع على قبُول مرويهما، لَا الظَّن الْمَعْصُوم عَن الْخَطَأ الَّذِي جعلته كَالْعلمِ: وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْمَعْلُوم إِنَّمَا هُوَ الْمجمع عَلَيْهِ وَالصِّحَّة لَيست مجمعا عَلَيْهَا، وكل وَاحِد يجوز نقيضه، غير أَنَّهَا راجحة عِنْده وَمَعَ ذَلِك مستلزمة للقبول (وَأَيْنَ هُوَ) أَي مَا أَفَادَهُ الْإِجْمَاع الْمَذْكُور (من كَون خبر الْوَاحِد يُفِيد الْعلم فَالْحَاصِل أَن ادعيت أَن الْإِجْمَاع على الْعَمَل) بمرويهما (لإِفَادَة الْخَبَر الْعلم منعناه) أَي هَذَا الْمُدَّعِي (وَهُوَ) أَي هَذَا الْمُدَّعِي (أول المسئلة) فَهُوَ مصادرة على الْمَطْلُوب (أَو) ادعيت (أَنه) أَي الْإِجْمَاع على الْعَمَل بمرويهما (أَفَادَ أَن هَذَا الْخَبَر الْمعِين الَّذِي أجمع على الْعَمَل بِهِ حق قطعا) مَعْصُوم بِمَعْنى أَنه لَا خطأ فِي مضمونه (أمكن بِتَسْلِيمِهِ) لم يقل مُسلم لبعد هَذَا المُرَاد من عبارَة الطارد وَإِطْلَاق مرويهما (وَلَا يُفِيد) الْمَطْلُوب (إِذْ الأول) أَي كَونه مُفِيدا للْعلم (هُوَ الْمُدَّعِي، لَا الثَّانِي) وَهُوَ كَون الْمَضْمُون الْخَبَر الْمعِين مَقْطُوعًا بِهِ لكَونه مجمعا عَلَيْهِ (و) حِينَئِذٍ كل خبر وَاحِد عدل مجمع على الْعَمَل بِهِ حكمه كَذَا (سَوَاء كَانَ مِنْهُمَا) أَي الصَّحِيحَيْنِ (أَو لَا يكون) مِنْهُمَا (وَقد يكون) خبر الْوَاحِد (مِنْهُمَا) أَي الصَّحِيحَيْنِ (وَلَا يجمع عَلَيْهِ) أَي على وجوب الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ لتكلم بعض النقاد فِيهِ كالدارقطني، قيل وَجُمْلَة مَا استدركه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره على البُخَارِيّ مائَة وَعشرَة أَحَادِيث وَافقه مُسلم على إِخْرَاج اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ حَدِيثا مِنْهَا (فالضابط مَا أجمع على الْعَمَل بِهِ) لَا مرويهما بِخُصُوصِهِ (وَهُوَ) الضَّابِط الْمَذْكُور

стр. 779

مسئلة (إِذا أجمع على حكم يُوَافق خَبرا قطع بصدقه) أَي الْخَبَر (عِنْد الْكَرْخِي وَأبي هَاشم وَأبي عبد الله الْبَصْرِيّ) فِي جمَاعَة (لعملهم) أَي المجمعون (بِهِ) أَي بالْخبر الْمُوَافق لعملهم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يقطع بصدقه بِأَن يجوز كَونه غير مُطَابق للْوَاقِع (احْتمل الْإِجْمَاع الْخَطَأ) لِأَن احْتِمَال عدم مُطَابقَة الْخَبَر الْمَذْكُور يسْتَلْزم احْتِمَال عدم مُطَابقَة الحكم الْمجمع عَلَيْهِ لموافقتهما فِي الْمَضْمُون (فَلم يكن) الْإِجْمَاع (قَطْعِيّ الْمُوجب) وَاللَّازِم بَاطِل (وَمنعه) أَي الْقطع بِصدق الْخَبَر (غَيرهم) وَهُوَ الْجُمْهُور فَقَالُوا يدل على صدقه ظنا، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَصَاحب البديع (لاحْتِمَال كَونه) أَي علمهمْ أَو عمل بَعضهم (بِغَيْرِهِ) أَي بِغَيْر الْخَبَر الْمَذْكُور من الْأَدِلَّة (وَلَو كَانَ) عَمَلهم (بِهِ) أَي بذلك الْخَبَر (لم يلْزم احْتِمَال الْإِجْمَاع) للخطأ مَعَ أَن الْخَطَأ الْمَذْكُور يحْتَمل أَن لَا يُطَابق (للْقطع بإصابتهم فِي الْعَمَل بالمظنون) الْمُحْتَمل لعدم الْمُطَابقَة للْوَاقِع احْتِمَالا مرجوحا، وَقد يُقَال دَلِيل الْقطع بِصدق الْخَبَر الْمَذْكُور كَون الآخر كَذَلِك وَيُجَاب بِأَن هَذَا إِنَّمَا يلْزم إِذا كَانَ موافقتهما بِأَن يَكُونَا خبرين متحدين فِي الْمَضْمُون وَلَيْسَ كَذَلِك، بل أَحدهمَا حكم من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة: كالوجوب وَالْحُرْمَة، وَالْآخر روايه قَول أَو فعل يلْزمه ذَلِك الْوُجُوب أَو الْحُرْمَة، وَمن الْجَائِز كَون ذَلِك حكم الله فِي نفس الْأَمر مَعَ عدم مُطَابقَة الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة لما فِي نفس الْأَمر بِأَن لم يقل الْمَرْوِيّ عِنْد ذَلِك الْمَخْصُوص أَو لم يفعل ذَلِك الْمُخَصّص، وَلذَلِك قَالَ (وتحقيقه أَنه) أَي الْإِجْمَاع الْمَذْكُور (يُفِيد الْعلم بحقية الحكم وَلَا يسْتَلْزم) كَونه حَقًا الْقطع بحقية الحكم (بِصدق الْخَبَر) بِمَعْنى (أَنه) أَي الْخَبَر الْخَاص (سَمعه فلَان مِنْهُ ﷺ مثلا. مسئلة (إِذا أخبر) مخبر خَبرا عَن محسوس على مَا صرح بِهِ الْآمِدِيّ (بِحَضْرَة خلق كثير وَعلم علمهمْ بكذبه لَو كذب وَلم يكذبوه وَلَا حَامِل على السُّكُوت) أَي وَلَيْسَ هُنَاكَ باعث على السُّكُوت وَعدم التَّكْذِيب من خوف وَغَيره فَقَوله: علم حَال عَن فَاعل أخبر بِتَقْدِير قد ومتعلق الْعلم الأول مَضْمُون الشّرطِيَّة فِي الْحَقِيقَة إِذْ لَيْسَ المُرَاد تحقق علمهمْ بكذبه وَتعلق علم السَّامع لعلمهم فمتعلق الْعلم الأول علمهمْ بكذبه على تَقْدِير كذبه، فجواب لَو مَحْذُوف اكْتِفَاء بِمَا يفِيدهُ: أَعنِي علمهمْ بكذبه فَقيل لَا يلْزم عَن سكوتهم تَصْدِيقه لجَوَاز أَن يسكتوا عَن تَكْذِيبه لَا لشَيْء، وَالْمُخْتَار مَا أَفَادَهُ بقوله (قَطعنَا بصدقه بِالْعَادَةِ) لِأَنَّهُ مَعَ اخْتِلَاف أمزجتهم ودواعيهم وعلمهم بالواقعة بِحَيْثُ لَو كذب علمُوا كذبه خُصُوصا مَعَ علمهمْ بِأَنَّهُم إِذا علمُوا كذبه فقرروه عَلَيْهِ لربما كَانَ علمهمْ

стр. 780

بكذبه، وتقريرهم إِيَّاه على الْكَذِب يمْتَنع السُّكُوت عَادَة، وَذهب ابْن السَّمْعَانِيّ إِلَى اشْتِرَاط تمادي الزَّمن الطَّوِيل فِي ذَلِك. مسئلة (التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد الْعدْل) وَهُوَ أَن يُوجب الشَّارِع الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ على الْمُكَلّفين (جَائِز عقلا خلافًا لشذوذ) وهم الجبائي فِي جمَاعَة من الْمُتَكَلِّمين (لنا الْقطع بِأَنَّهُ) أَي التَّعَبُّد بِهِ (لَا يسْتَلْزم محالا فَكَانَ) التَّعَبُّد بِهِ (جَائِزا) إِذْ لَا نعني بِالْجَوَازِ إِلَّا هَذَا وَلَا يمْنَع احْتِمَال الْكَذِب إِذْ الصدْق رَاجِح لعدالته إِذْ لَو لم يتعبد بالرجحان ويلتزم عدم الِاحْتِمَال لامتنع الْعَمَل بِشَهَادَة الشَّاهِدين، وَقَول الْمُفْتِي للعامي لتحَقّق الِاحْتِمَال فيهمَا، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ إِجْمَاعًا (قَالُوا) التَّعَبُّد إِن لم يكن مُمْتَنعا لذاته فممتنع لغيره، لِأَنَّهُ (يُؤَدِّي إِلَى تَحْرِيم الْحَلَال وَقَلبه) أَي تَحْلِيل الْحَرَام، يَعْنِي لَو لزم علينا التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد، وَمن الْجَائِز أَن يكون ذَلِك الْوَاحِد مخطئا فِيمَا أخبر بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لجَوَاز خطئه) بِأَن أخبر بِحرْمَة فعل مثلا، وَفِي نفس الْأَمر هُوَ حَلَال أَو عَكسه (و) يُؤَدِّي إِلَى (اجْتِمَاع النقيضين) فِيمَا إِذا روى وَاحِد خَبرا يدل على الْحُرْمَة أَو تَسَاويا فِي الرُّتْبَة وَلم يكن هُنَاكَ رُجْحَان لأَحَدهمَا فَوَجَبَ الْعَمَل بهما، لِأَن الْمَفْرُوض وجوب التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد كالعدل وكل مِنْهُمَا خبر الْوَاحِد الْعدْل، وَالْجمع بَينهمَا محَال (فَيَنْتَفِي الحكم) وَهُوَ التَّعَبُّد بِهِ (قُلْنَا الأول) أَي تأديته إِلَى تَحْرِيم الْحَلَال وَقَلبه (مُنْتَفٍ على إِصَابَة كل مُجْتَهد) أَي بِنَاء على رَأْي المصوبة، إِذْ الْحل وَالْحُرْمَة عِنْدهم تابعان لظن الْمُجْتَهد، وَمَعَ قطع النّظر عَن ظَنّه لَا حل وَلَا حُرْمَة (وعَلى اتحاده) أَي كَون الْمُصِيب وَاحِدًا (إِنَّمَا يلْزم) كَون التَّعَبُّد مُؤديا إِلَى ذَلِك (لَو قَطعنَا بِمُوجبِه) أَي خبر الْوَاحِد فَإِنَّهُ يلْزم حِينَئِذٍ كَونه مطابقا لما فِي نفس الْأَمر، وعَلى تَقْدِير الْخَطَأ يكون الْوَاقِع فِي نفس الْأَمر نقيضه، والمحظور التَّحْرِيم قطعا للْحَلَال بِحَسب نفس الْأَمر: أَي فِي حكم الله، لَا التَّحْرِيم ظنا بِحَسب مَا أدّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد لما هُوَ حَلَال فِي نفس الْأَمر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لَكنا) لَا نقطع، بل (نظنه، وَهُوَ) أَي ظَنّه (مَا) أَي الَّذِي (كلف) الْمُجْتَهد بِهِ: أَي بِالْعَمَلِ بِمُوجبِه (ونجوز خِلَافه) أَي خلاف ذَلِك المظنون ونقول: إِذا وَافق مظنونه مَا هُوَ حكم الله فِي نفس الْأَمر فمصيب والا فمخطئ (ونجزم بِأَن الثَّابِت فِي المتعارضين أحد الْحكمَيْنِ) وَهَذَا جَوَاب عَن الِاسْتِدْلَال الثَّانِي (فَإِن ظنناه) أَي ذَلِك الْأَخْذ بمرجح (سقط الآخر، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يظنّ أَحدهمَا (فالتكليف) حِينَئِذٍ (بِالْوَقْفِ) أَي بالتوقف

стр. 781

عَن الْعَمَل بِشَيْء مِنْهُمَا إِلَى أَن يظْهر رُجْحَان أَحدهمَا فَيعْمل بِهِ كَمَا ذهب إِلَيْهِ القَاضِي أَبُو بكر وليخبر الْمُجْتَهد بِالْعَمَلِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، فَإِذا عمل بِأَحَدِهِمَا سقط الآخر، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي (وَلَا يخفى أَن الأول) أَي قَوْلهم التَّعَبُّد بِهِ مُمْتَنع لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَحْرِيم الْحَلَال وَقَلبه (لَيْسَ عقليا، بل مِمَّا أَخذه الْعقل من الشَّرْع، فالمطابق) أَي فالاستدلال المطابق للْمُدَّعِي الِاسْتِدْلَال (الثَّانِي) وَهُوَ لُزُوم اجْتِمَاع النقيضين: وَهَذَا تَعْرِيض بِمَا فِي الشَّرْح العضدي. وَزعم الشَّارِح أَن كلا الدَّلِيلَيْنِ يحْتَاج فِي تَقْرِيره إِلَى فرض مخبرين بالنقيضين، وَلم يدر أَنه حِينَئِذٍ لَا يبْقى لقَوْله لجَوَاز خطئه معنى، وَيرد عَلَيْهِ مفاسد أخر (وَمَا) نقل (عَنْهُم) أَي الْمُخَالفين (من قَوْلهم لَو جَازَ) التَّعَبُّد بِهِ (جَازَ) التَّعَبُّد فِي العقائد (وَنقل الْقُرْآن وادعاه النُّبُوَّة بِلَا معجز) وَمعنى التَّعَبُّد فِي الْأَخيرينِ أَن يعْتَقد أَن الْقُرْآن والنبوة من غير احْتِيَاج إِلَى تَوَاتر وَإِظْهَار معْجزَة، وَاللَّازِم بَاطِل اتِّفَاقًا، وَخبر الْمُبْتَدَأ وَهُوَ الْمَوْصُول (سَاقِط لِأَن الْكَلَام فِي التجويز الْعقلِيّ فنمنع بطلَان التَّالِي) ونقول: بل يجوز التَّعَبُّد بِهِ فِي هَذِه الْمَذْكُورَات أَيْضا (غير أَن التَّكْلِيف وَقع بِعَدَمِ الِاكْتِفَاء) بِخَبَر الْوَاحِد (فِيهَا) قَالَ تَعَالَى - ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ - خص بِمَا عدا الْفُرُوع للأدلة الدَّالَّة على أَن الظَّن كَاف فِيهَا، وَهُوَ حَاصِل بِخَبَر الْعدْل الْوَاحِد. مسئلة (الْعَمَل بِخَبَر الْعدْل وَاجِب فِي العمليات) وَمنعه الروافض وشذوذ، مِنْهُم ابْن دَاوُد (لنا تَوَاتر) الْعَمَل بِهِ (عَن الصَّحَابَة فِي) آحَاد (وقائع خرجت عَن الإحصاء للمستقرين يُفِيد مجموعها) أَي آحَاد الوقائع (إِجْمَاعهم) أَي الصَّحَابَة (قولا) بِأَن قَالَ كل مِنْهُم يجب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد الْعدْل (أَو كالقول على إِيجَاب الْعَمَل عَنْهَا) أَي أَخْبَار الْآحَاد بِأَن لم يقل كل وَاحِد صَرِيحًا، لَكِن علم ذَلِك من كَلَامهم (فَبَطل إِلْزَام الدّور) بِأَن يُقَال: إِثْبَات وجوب الْعَمَل بِهِ بِخَبَر الْوَاحِد مَوْقُوف على وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد (و) إِلْزَام (مُخَالفَة - وَلَا تقف) مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم - بِخَبَر الْوَاحِد لأَنا إِنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بالتواتر لَا بِخَبَر الْوَاحِد وَهُوَ يُفِيد الْعلم، (و) إِلْزَام (كَون الْمُسْتَفَاد) من هَذِه الوقائع (الْجَوَاز) أَي جَوَاز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد، والنزاع إِنَّمَا هُوَ فِي الْوُجُوب، لِأَن إيجابهم الْأَحْكَام بهَا يدل على وجوب الْعَمَل (على أَنه لَا قَائِل بِهِ) أَي بِالْجَوَازِ (دون وجوب وَمن مشهورها) أَي أَعمال الصَّحَابَة بأخبار الْآحَاد (عمل أبي بكر بِخَبَر الْمُغيرَة) بن شُعْبَة (وَمُحَمّد بن مسلمة فِي تَوْرِيث الْجدّة) السُّدس عَن رَسُول الله ﷺ كَمَا أخرجه مَالك وَأحمد وَأَصْحَاب السّنَن. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم (و) عمل (عمر بِخَبَر عبد الرَّحْمَن

стр. 782

ابْن عَوْف فِي الْمَجُوس) وَهُوَ أَن رَسُول الله ﷺ أَخذ الْجِزْيَة من مجوس هجر كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ (وبخبر حمل) بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْمِيم المفتوحتين (ابْن مَالك فِي إِيجَاب الْغرَّة فِي الْجَنِين) قَالَ كنت بَين امْرَأتَيْنِ فَضربت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى فقتلتها وجنينها، فَقضى رَسُول الله ﷺ فِي جَنِينهَا بالغرة عبد أَو أمة وَأَن تقتل بهَا كَمَا أخرجه أَصْحَاب السّنَن وَابْن حبَان وَالْحَاكِم (وبخبر الضَّحَّاك) بن سُفْيَان (فِي مِيرَاث الزَّوْجَة من دِيَة الزَّوْج) حَيْثُ قَالَ: كتب إِلَيّ رَسُول الله ﷺ أَن أورث امْرَأَة أَشْيَم الضباني من دِيَة زَوجهَا. أخرجه أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن (وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح، وبخبر عَمْرو بن خرم فِي دِيَة الْأَصَابِع) عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: قضى عمر فِي الْإِبْهَام بِثَلَاث عشر، وَفِي الْخِنْصر بست حَتَّى وجد كتابا عِنْد آل عَمْرو بن خرم يذكرُونَ أَنه من رَسُول الله ﷺ فِيهِ وَفِيمَا هُنَالك من الْأَصَابِع عشر، ثمَّ قَالَ الشَّارِح: هَذَا حَدِيث حسن أخرجه الشَّافِعِي وَالنَّسَائِيّ. وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان: لَا أعلم فِي جَمِيع الْكتب كتابا أصح من كتاب عَمْرو بن خرم كَانَ أَصْحَاب النَّبِي ﷺ يرجعُونَ إِلَيْهِ وَيدعونَ آراءهم (و) عمل (عُثْمَان وَعلي بِخَبَر فريعة) بنت مَالك بن سِنَان أُخْت أبي سعيد الْخُدْرِيّ (أَن عدَّة الْوَفَاة فِي منزل الزَّوْج). قَالَ الشَّارِح: هُوَ كَذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُثْمَان كَمَا رَوَاهُ مَالك وَأَصْحَاب السّنَن. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح، وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَليّ فَالله أعلم بِهِ انْتهى. والمثبت عِنْده مَا لَيْسَ عِنْد النَّافِي (وَمَا لَا يُحْصى كَثْرَة) أَي لأجل الْكَثْرَة (من الْآحَاد الَّتِي يلْزمهَا الْعلم بإجماعهم) أَي الصَّحَابَة (على عَمَلهم بهَا) أَي بأخبار الْآحَاد (لَا بغَيْرهَا) من الْقيَاس وَغَيره مِمَّا عدا النَّص وَالْإِجْمَاع (وَلَا بخصوصيات فِيهَا) أَي فِي أَخْبَار الْآحَاد ناشئة من خُصُوص الرَّاوِي أَو الْمَرْوِيّ (سوى حُصُول الظَّن فعلمناه) أَي حُصُول الظَّن (المناط عِنْدهم) أَي الصَّحَابَة (مَعَ ثُبُوت إِجْمَاعهم بالاستقلال) أَي بطرِيق الِاسْتِقْلَال من غير أَن يُوجد من الوقائع ضمنا بانعقاد إِجْمَاعهم صَرِيحًا (على خبر أبي بكر ﵁: الْأَئِمَّة من قُرَيْش). قَالَ الشَّارِح: مَعْنَاهُ مَوْجُود فِي كتب الحَدِيث لَا بِهَذَا اللَّفْظ (وَنحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث). قَالَ الشَّارِح: الْمَحْفُوظ " أَنا " كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ (والأنبياء يدفنون حَيْثُ يموتون). قَالَ الشَّارِح: رَوَاهُ بِمَعْنَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْوَفَاء (وَإِنَّمَا) كَانَ الصَّحَابَة (يتوقفون عِنْد رِيبَة توجب انْتِفَاء الظَّن) بِخَبَر الْوَاحِد (كإنكار عمر خبر فَاطِمَة بنت قيس فِي نفي نَفَقَة المبانة) أَي نَفَقَة عدَّة الْمُطلقَة طَلَاقا بَائِنا (و) إِنْكَار (عَائِشَة خبر ابْن عمر فِي تَعْذِيب الْمَيِّت ببكاء الْحَيّ) كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَأَيْضًا تَوَاتر عَنهُ ﷺ إرْسَال الْآحَاد إِلَى النواحي لتبليغ الْأَحْكَام) مِنْهُم معَاذ. روى الْجَمَاعَة عَن ابْن عَبَّاس

стр. 783

أَن رَسُول الله ﷺ لما بعث معَاذ بن جبل إِلَى الْيمن قَالَ: إِنَّك تَأتي قوما من أهل الْكتاب فادعهم إِلَى شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، فَإِن هم أطاعوك لذَلِك فأعلمهم أَن الله قد افْترض عَلَيْهِم خمس صلوَات فِي كل يَوْم وَلَيْلَة: الحَدِيث إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى، وَلَو لم يجب قبُول خبر لَهُم لم يكن لإرسالهم معنى (والاعتراض) على الِاسْتِدْلَال بإرسال الْآحَاد (بِأَن النزاع إِنَّمَا هُوَ فِي وجوب عمل الْمُجْتَهد) بِخَبَر الْوَاحِد، لَا فِي وجوب عمل بِخَبَر الْمُجْتَهد (سَاقِط لِأَن إرْسَال النَّبِي) ﷺ لتبليغ الْأَحْكَام (إِذا أَفَادَ وجوب عمل الْمبلغ بِمَا بلغه الْوَاحِد) كَمَا أجمع عَلَيْهِ (كَانَ) إرْسَاله (دَلِيلا فِي مَحل النزاع) وَهُوَ وجوب عمل الْمُجْتَهد بِخَبَر الْوَاحِد وَغَيره: أَي غير مَحل النزاع، وَهُوَ وجوب الْعَمَل على الْمبلغ الَّذِي لَيْسَ بمجتهد، وَيلْزم مِنْهُ وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد الَّذِي لَيْسَ برَسُول إِذْ الْمَذْكُور الْعَدَالَة والإخبار عَن الرَّسُول (وَاسْتدلَّ) على الْمُخْتَار لنا (بقوله تَعَالَى فلولا نفر الْآيَة) أَي - ﴿من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ -: لِأَن الطَّائِفَة تصدق على الْوَاحِد، وَقد جعل منذرا يجب الحذر بإخباره، وَلَوْلَا وجوب قبُول خَبره لما كَانَ كَذَلِك (واستبعد) الِاسْتِدْلَال بهَا (بِأَنَّهُ) أَي التحضيض على النَّفر إِلَى التفقه والإنذار والحذر المتضمن وجوب قبُول خبر كل طَائِفَة من النافرين لإفتائهم: أَي لَا مُجَرّد إخبارهم بِقَرِينَة الْأَمر بالتفقه، فَإِن الْإِفْتَاء هُوَ المتوقف على التفقه لَا مُجَرّد الْإِخْبَار (وَيدْفَع) هَذَا الاستبعاد (بِأَنَّهُ) أَي الْإِنْذَار (أَعم مِنْهُ) أَي الْإِفْتَاء (وَمن أخبارهم) بِمَا يُوجب الْخَوْف والخشية من كَلَام رب الْعِزَّة وَكَلَام رَسُوله، وَمَا استنبط مِنْهُمَا وَلَا ينْحَصر الْإِنْذَار فِي الْإِفْتَاء، بل رب واعظ فِي كَلَامه من الخشية مَا لَا يحصل غَيره بالإفتاء، والتفقه فِي اللُّغَة لَا يسْتَلْزم الْإِفْتَاء (وَأما إِن الَّذين يكتمون) مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون وَأَمْثَاله (فَغير مُسْتَلْزم) وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِنَاء على أَنه لَو لم يجب الْعَمَل بِخَبَرِهِ وَبَيَانه لما كَانَ ملعونا بِالْكِتْمَانِ إِذْ لَا فَائِدَة حِينَئِذٍ فِي إِظْهَاره حَيْثُ لم يلْزم عَلَيْهِم اتِّبَاعه (لجَوَاز نهيهم عَن الكتمان ليحصل التَّوَاتُر بأخبارهم) يَعْنِي لَيْسَ النَّهْي عَن الكتمان لاستلزامه فَوَات وجوب الْعَمَل بِخَبَر كل وَاحِد مِنْهُم بل الْمَقْصُود من النَّهْي عَنهُ أَن يخبر كل وَاحِد فَيحصل بِمَجْمُوع إخبارهم التَّوَاتُر الْمُوجب للْعلم مِنْهُم (و) الِاسْتِدْلَال بقوله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق﴾ الْآيَة أَي بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا من حَيْثُ أَنه أَمر بالتثبت فِي الْفَاسِق فَدلَّ على أَن الْعدْل بِخِلَافِهِ يقبل قَوْله بِلَا تفحص، وَتبين اسْتِدْلَال (بِمَفْهُوم مُخْتَلف فِيهِ) وَهُوَ مَفْهُوم الْمُخَالفَة وَهُوَ مَفْهُوم الصّفة، فالاستدلال بِهِ ضَعِيف (وَلَو صَحَّ) الِاسْتِدْلَال بِهِ كَمَا روى الشَّافِعِي وَغَيره وَمُسلم أَن الْآيَة تدل على أَن حكم الْعدْل بِخِلَاف الْفَاسِق

стр. 784

فَيجب قبُول خَبره (كَانَ) النَّص الْمَذْكُور (ظَاهرا) فِي الْمَطْلُوب لَا نصا (وَلَا يثبتون بِهِ) أَي الأصوليون بِالظَّاهِرِ (أصلا دينيا وَإِن كَانَ) ذَلِك الأَصْل (وَسِيلَة عمل) أَي حكم عمل لَا عقيدة من العقائد الدِّينِيَّة، وَذَلِكَ لما قرر فِي مَحَله (قَالُوا) أَي المخالفون (توقف ﷺ لما انْصَرف من اثْنَيْنِ فِي إِحْدَى صَلَاتي الْعشَاء على مَا ذكره الشَّارِح (فِي خبر ذِي الْيَدَيْنِ) حَيْثُ قَالَ: أقصرت الصَّلَاة أم نسيت يَا رَسُول الله ﷺ ؟ فَقَالَ أصدق ذُو الْيَدَيْنِ (حَتَّى أخبرهُ غَيره) بِأَن قَالَ نعم، فَقَامَ فصلى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ مُتَّفق عَلَيْهِ (قُلْنَا) توقفه (للريبة) فِي خَبره (إِذْ لم يشاركوه) ابْتِدَاء (مَعَ استوائهم فِي السَّبَب) وَهُوَ الِاطِّلَاع على حَال الإِمَام، فانفراده بِهَذَا القَوْل فِي هَذَا الْحَال وظنه لسَهْوه (ثمَّ) وَقفه ﷺ فِي خَبره (لَيْسَ دَلِيلا على نفي) كَون (خبر الْوَاحِد) مُوجبا للْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد مُطلقًا: إِذْ الْخَبَر الَّذِي لم تبلغ رُوَاته حد التَّوَاتُر يُقَال لَهُ خبر الْوَاحِد اصْطِلَاحا: وَغَايَة مَا يلْزم هَهُنَا أَن الشَّخْص الْوَاحِد لَا يَكْفِي بِوُجُوب الْعَمَل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بل هُوَ) أَي التَّوَقُّف الْمَذْكُور دَلِيل (لموجب الِاثْنَيْنِ) أَي يَقُول بِوُجُوب اثْنَيْنِ (فِيهِ) أَي فِي الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد كَمَا عَن أبي عَليّ الجبائي لما فِي رِوَايَة من طَرِيق أَحْمد ثمَّ أقبل على أبي بكر وَعمر وَقَالَ: مَاذَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالَا صدق يَا رَسُول الله، فَرجع رَسُول الله ﷺ وثاب النَّاس فصلى بهم رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سلم فَسجدَ سَجْدَتي السَّهْو، وَتعين أَن يكون هَذَا قبل تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة فَتَأمل (وَإِلَّا) أَي لم يكن كَذَلِك وَجعل دَلِيلا على نَفْيه (فمعهما) أَي الِاثْنَيْنِ (لَا يخرج) الْخَبَر لذى رَوَاهُ الْوَاحِد (عَن) مَفْهُوم (خبر الْوَاحِد، وَكَونه) أَي خبر ذِي الْيَدَيْنِ (لَيْسَ فِي مَحل النزاع) لِأَنَّهُ فِي وجوب عمل الْمُجْتَهد بِخَبَر الْوَاحِد عَن الرَّسُول (لَا يضر: إِذْ يستلزمه) أَي خَبره مَحل النزاع، لِأَنَّهُ خبر وَاحِد عدل عَن فعله ﷺ نقل إِلَى سيد الْمُجْتَهد فَلم يعْمل بِهِ غير أَنه اتّفق أَن الْمَنْقُول عَنهُ هُوَ الْمَنْقُول إِلَيْهِ وَذَلِكَ لَا أثر لَهُ، كَذَا ذكر الشَّارِح. وَأَنت خَبِير بِأَن مَحل النزاع وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد على الْمُجْتَهد وَغَيره، وَأَن الْمخبر بِهِ فِيهِ حكم من الْأَحْكَام العملية، والمخبر بِهِ فِي خبر ذِي الْيَدَيْنِ عدم إتْمَام الصَّلَاة وَالْوَجْه أَن يُقَال: سلمنَا أَنه لَيْسَ فِي مَحل النزاع، لَكِن مورده يُشَارك مَحل النزاع فِي وجوب قبُول قَوْله لِأَن علته الْعَدَالَة مَعَ كَون الْمخبر بِهِ من الْأُمُور الدِّينِيَّة وَالله أعلم (قَالُوا: قَالَ الله تَعَالَى وَلَا تقف) الْآيَة: أَي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم فَنهى عَن اتِّبَاع الظَّن، وَأَنه يُنَافِي الْوُجُوب، وَخبر الْوَاحِد لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن (وَالْجَوَاب) أَن وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد الْمُفِيد للظن لَيْسَ بِهِ من حَيْثُ إفادته الظَّن فَقَط، بل (بِمَا ظهر) وَتبين غير مرّة (من أَنه) يجب الْعَمَل

стр. 785

(بِمُقْتَضى الْقَاطِع) وَهُوَ الْإِجْمَاع على وجوب الْعَمَل بِالظَّنِّ، فَهُوَ اتِّبَاع للْعلم الْحَاصِل بِالْإِجْمَاع (وَمِنْهُم من أثْبته) أَي وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد (بِالْعقلِ أَيْضا كَأبي الْحُسَيْن والقفال وَأحمد وَغَيرهم) كَابْن سُرَيج فِي جمَاعَة. (قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: الْعَمَل بِالظَّنِّ فِي تفاصيل مَعْلُوم الأَصْل وَاجِب) عقلا: يَعْنِي إِذا علم وجوب أَمر كلي يتَحَقَّق فِي ضمن جزئيات كَثِيرَة هِيَ تفاصيله ثمَّ ظن تحَققه فِي ضمن بَعْضهَا أوجب الْعقل الْعَمَل بِمُوجب ذَلِك الظَّن احْتِرَازًا عَن الْوُقُوع فِي مُخَالفَة ذَلِك الْوَاجِب الْكُلِّي الْمَعْلُوم الَّذِي هُوَ أصل تِلْكَ التفاصيل (كإخبار وَاحِد بمضرة طَعَام) مَسْمُوم مثلا (وَسُقُوط حَائِط يُوجب الْعقل الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ) أَي الْأَخْبَار الْمَذْكُورَة (للْأَصْل الْمَعْلُوم من وجوب الاحتراس) عَن المضار (فَكَذَا خبر الْوَاحِد) يجب الْعَمَل بِهِ (للْعلم بِأَن الْبعْثَة للْمصَالح وَدفع المضار) ومضمون الْخَبَر لَا يخرج عَنْهُمَا (وَأجِيب بِأَنَّهُ) أَي هَذَا الدَّلِيل (بِنَاء على التحسين) الْعقلِيّ، وَقد أبطل، وَاقْتصر على التحسين لِأَن الْكَلَام فِي الْإِيجَاب سلمناه) أَي القَوْل بالتحسين (لكنه) أَي الْعَمَل بِالظَّنِّ فِي تفاصيل مَقْطُوع الأَصْل (أولى عقلا) للِاحْتِيَاط (لَا وَاجِب) وَيرد عَلَيْهِ أَن من يتتبع الْفُرُوع وجد فِي كثير من الْمسَائِل جعل الْفُقَهَاء الِاحْتِيَاط منَاط الْوُجُوب فَتَأمل (سلمناه) أَي أَن الْعَمَل بِهِ وَاجِب (لَكِن فِي العقليات لَا فِي الشرعيات) وَقد يُقَال: أَن قَوْله بِنَاء على التحسين دلّ على أَنه حل الْوُجُوب على الشَّرْعِيّ لِأَنَّهُ الَّذِي لَا يثبت عِنْد غير الْمُعْتَزلَة بالتحسين فَلَا يتَّجه هَذَا الدّفع بعد تَسْلِيم التحسين الْعقلِيّ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُرَاد بالشرعيات السمعيات الْمَحْضَة الَّتِي لَيست معقولة الْمَعْنى، وبالعقليات مَا هُوَ مَعْقُول الْمَعْنى: يَعْنِي أَن كَانَ مَضْمُون خبر الْوَاحِد مَعْقُول الْمَعْنى يجب الْعَمَل بِهِ، وَإِلَّا فَلَا (سلمناه) أَي أَن الْعَمَل بِهِ وَاجِب أَيْضا فِي الشرعيات (لكنه) أَي قِيَاس الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِالْعَمَلِ بِالظَّنِّ فِي التفاصيل الْمَذْكُورَة (قِيَاس تمثيلي يُفِيد الظَّن) على مَا عرف فِي كتب الْمِيزَان، وَالْكَلَام هُنَا فِي أصل ديني لَا يثبت إِلَّا بقطعي (قَالُوا) أَي الْبَاقُونَ من مثبتيه بِالْعقلِ أَولا خبر (يُمكن صدقه فَيجب الْعَمَل بِهِ احْتِيَاطًا فِي دفع الْمضرَّة قُلْنَا لم يذكرُوا أَصله) أَي الْقيَاس (فَإِن كَانَ) أَصله الْخَبَر (الْمُتَوَاتر فَلَا جَامع بَينهمَا) أَي الْمَقِيس والمقيس عَلَيْهِ (لِأَن الْوُجُوب فِيهِ) أَي الْمُتَوَاتر (للْعلم) أَي لإفادته الْعلم لَا للِاحْتِيَاط (وَإِن كَانَ) أَصله (الْفَتْوَى) من الْمُفْتى (فخاص) أَي فوجوب الْعَمَل خَاص (بمقلده) فِيمَا استفتى (وَمَا نَحن فِيهِ) من حكم خبر الْوَاحِد (عَام) فِي الْأَشْخَاص والأزمان (أَو خَاص بِغَيْر متعلقها) أَي الْفَتْوَى، فَإِن متعلقها الْمُقَلّد وَخبر الْوَاحِد خَاص بالمجتهد (فالمعدي غير حكم الأَصْل وَلَو سلم) عدم الْفرق وَصِحَّة الْقيَاس (فَقِيَاس كَالْأولِ) أَي تمثيلي يُفِيد الظَّن (قَالُوا) ثَانِيًا (لَو لم يجب) الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد (لخلت أَكثر الوقائع عَن الْأَحْكَام) لِأَن الْمُتَوَاتر

стр. 786

وَالْإِجْمَاع لَا يَفِي بِالْأَحْكَامِ، دلّ عَلَيْهِ الاستقراء، وخلوها يُنَافِي حِكْمَة الْبعْثَة (وَالْجَوَاب منع الْمُلَازمَة، بل الحكم فِي كل مَا لم يُوجد فِيهِ من الْأَدِلَّة) سوى الْخَبَر الْمَذْكُور (وجوب التَّوَقُّف فَلم تخل) أَكثر الوقائع عَمَّا سوى الْوَقْف من الْأَحْكَام (فَإِن كَانَ الْمَنْفِيّ غَيره) أَي غير وجوب الْوَقْف (منعنَا بطلَان التَّالِي) أَي لَا نسلم امْتنَاع خلو أَكثر الوقائع عَمَّا سوى الْوَقْف من الْأَحْكَام (وَإِذا لزم التَّوَقُّف ثبتَتْ الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة فِيهِ) أَي فِي ذَلِك الشَّيْء الَّذِي لم يُوجد فِيهِ سوى خبر الْوَاحِد (على الْخلاف) فِيهَا وَقد سبق تَفْصِيله (وَلَا يخفى بعده) أَي بعد هَذَا الْجَواب (من) بِكَسْر الْمِيم (حض الشَّارِع) أَي حثه كل من سمع حكما شَرعه للْأمة (على نقل مقَالَته) وَقد قَالَ ﷺ " نضر الله عبدا سمع مَقَالَتي فوعاها فأداها كَمَا سَمعهَا " وَلَا يخفى أَنه لم يقْصد بِهِ مَا لم يعلم بِهِ مَا يعم الْوَقْف لِأَن الْوَقْف حَاصِل بِدُونِ الْإِخْبَار كَمَا سيشير إِلَيْهِ (مَعَ علمه بِأَن الْمَنْقُول من سنته لَا يصل مِنْهَا إِلَى) حد (التَّوَاتُر شَيْء) على رَأْي من ادّعى عدم بُلُوغ شَيْء من السّنة حد التَّوَاتُر أَو إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا أَو حديثين فَيلْزم على مَا قَالُوا أَن يكون حضه على ذَلِك الْأَمر لَا يحصل فَظن حُصُوله المستمر إِلَى آخر الْعُمر يلْزم أَن يكون خطأ: وَهُوَ لَا يقر على الْخَطَأ. قَالَ الشَّارِح: لَكِن فِي كَون الْمُتَوَاتر مَعْدُوما أَو مَقْصُورا على حَدِيث أَو حديثين تَأمل، فَذكر كلَاما طَويلا لَا طائل تَحْتَهُ. ثمَّ عطف على قَوْله بعده (أَو الأخيران) أَي لُزُوم التَّوَقُّف وَالْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة: أَي لَا يخفى مَا فيهمَا على تَقْدِير عدم وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد (فَإِن عدم النَّقْل يَكْفِي فِي الْوَقْف) عَن الحكم بِشَيْء خَاص (و) فِي (ثُبُوت) الْإِبَاحَة (الْأَصْلِيَّة) فَلَا يبْقى حَاجَة إِلَى خبر الْوَاحِد (بل الْجَواب أَنه) أَي الدَّلِيل الْمَذْكُور (من قبيل) الدَّلِيل (النقلي الصَّحِيح لَا عَقْلِي) على مَا زَعَمُوا (وَلمن شَرط الْمثنى) فِي قبُول أَخْبَار الْآحَاد (أَنه) أَي الْخَبَر (بِهِ) أَي باشتراطه (أولى من الشَّهَادَة لاقْتِضَائه) أَي الْخَبَر (شرعا عَاما بِخِلَافِهَا) أَي الشَّهَادَة فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أمرا خَاصّا (قُلْنَا الْفرق) بَينهمَا (وجود مَا لَيْسَ فِي الرِّوَايَة من الْحَوَامِل) عَلَيْهَا من عَدَاوَة وصداقة وجلب نفع وَدفع ضَرَر إِلَى غير ذَلِك كَمَا هُوَ الْمشَاهد بَين النَّاس مِمَّا لَا يُحْصى (أَو) اشْتِرَاط الْمثنى فِي الشَّهَادَة (بِخِلَاف الْقيَاس، وَلذَا) أَي وجود الْحَوَامِل فِي الشَّهَادَة دون الرِّوَايَة (اشْترط لفظ اشْهَدْ مَعَ ظُهُور انحطاطها) أَي الرِّوَايَة عَن الشَّهَادَة. قَوْله مَعَ مُتَعَلق بقوله وجود مَا لَيْسَ: يَعْنِي أَن الْفرق من جِهَتَيْنِ وجود الْحَامِل وَظُهُور الانحطاط (اتِّفَاقًا بِعَدَمِ اشْتِرَاط الْبَصَر و) عدم اشْتِرَاط (الْحُرِّيَّة وَعدم الولاد) فِي الرِّوَايَة واشتراطها فِي الشَّهَادَة على خلاف فِي بَعْضهَا فَلَو أخبر أعمى أَبَاهُ الْمُجْتَهد بِأَمْر ديني ولَايَته مَنْفَعَة فِي ذَلِك صَحَّ رِوَايَته وَوَجَب عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ (قَالُوا) أَي الْقَائِلُونَ خبر الْوَاحِد لَا يجب الْعَمَل بِهِ (رد عمر خبر أبي مُوسَى فِي الاسْتِئْذَان حَتَّى رَوَاهُ الْخُدْرِيّ) فِي الصَّحِيحَيْنِ

стр. 787

أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ اسْتَأْذن على عمر بن الْخطاب ثَلَاثًا فَلم يُؤذن لَهُ فَرجع فَفَزعَ عمر فَقَالَ: ألم أسمع صَوت عبد الله بن قيس ائذنوا لَهُ فَقَالُوا رَجَعَ فَدَعَاهُ فَقَالَ: مَا هَذَا فَقَالَ كُنَّا نؤمر بذلك فَقَالَ: لتَأْتِيني على هَذَا بَيِّنَة فَانْطَلق إِلَى مجْلِس الْأَنْصَار فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا لَا يشْهد لَك على ذَلِك إِلَّا أصغرنا فَانْطَلق أَبُو سعيد فَشهد لَهُ فَقَالَ عمر لمن حوله خَفِي عَليّ هَذَا من رَسُول الله ﷺ ألهاني الصفق بالأسواق (قُلْنَا لريبة فِي خصوصه) أَي خُصُوص خبر أبي مُوسَى. قَالَ الْخَطِيب لم يتهم عمر أَبَا مُوسَى وَإِنَّمَا كَانَ يشدد فِي الحَدِيث حفظا للرواية عَن النَّبِي ﷺ (لَا) فِي (عُمُومه) أَي خبر الْوَاحِد (وَلذَا) أَي لكَون توقفهم فِي الْبَعْض لريبة فِي خصوصه لَا بِكَوْنِهِ خبر وَاحِد (عمِلُوا) أَي الصَّحَابَة كلهم (بِحَدِيث عَائِشَة) ﵂ (فِي التقاء الختانين) كَمَا فِي حَدِيث أبي مُوسَى فِي صَحِيح مُسلم. مسئلة خبر (الْوَاحِد فِي الْحَد مَقْبُول: وَهُوَ قَول أبي يُوسُف والجصاص خلافًا للكرخي والبصري) أبي عبد الله (وَأكْثر الْحَنَفِيَّة لنا عدل ضَابِط جازم فِي) حكم (عَمَلي) مَبْنِيّ على الظَّن (فَيقبل كَغَيْرِهِ) أَي كَمَا فِي غير الْحَد من العمليات (قَالُوا تحقق الْفرق) بَينه وَبَين غَيره من العمليات (بقوله) ﷺ (ادرءوا) أَي ادفعوا (الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ) أخرجه أَبُو حنيفَة (وَفِيه) أَي فِي خبر الْوَاحِد (شُبْهَة) وَهِي احْتِمَال الْكَذِب فَلَا يُقَام الْحَد بِخَبَرِهِ (قُلْنَا المُرَاد) بِالشُّبْهَةِ الَّتِي تدرأ الْحُدُود مَا كَانَت (فِي نفس السَّبَب لَا) فِي (الْمُثبت) للْحكم الْمُسَبّب (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يُرَاد مَا فِي الْمُثبت وَغَيره أَو فِي الْمُثبت فَقَط (انْتَفَت الشَّهَادَة) إِذْ احْتِمَال الْكَذِب فِيهَا مَوْجُودَة (و) انْتَفَى (ظَاهر الْكتاب فِيهِ) أَي الِاسْتِدْلَال فِيهِ إِذْ احْتِمَال التَّخْصِيص والإضمار وَالْمجَاز قَائِم وَاللَّازِم بَاطِل (وإلزامه) أَي هَذَا القَوْل بِأَن يَنْبَغِي أَن يثبت الْحَد (بِالْقِيَاسِ) أَيْضا لِأَن وجوب الْعَمَل بِهِ ثَابت (مُلْتَزم عِنْد غير الْحَنَفِيَّة) وَعِنْدهم غير مُلْتَزم (وَالْفرق لَهُم) بَين خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فِي هَذَا (بِأَنَّهُ) أَي الْحَد ملزوم لكمية خَاصَّة لَا يدخلهَا الرَّأْي) بِخِلَاف خبر الْوَاحِد فَإِنَّهُ كَلَام صَاحب الشَّرْع وَإِلَيْهِ تعْيين الكميات وَغَيرهَا. (تَقْسِيم للحنفية) لخَبر الْوَاحِد بِاعْتِبَار مَحل وُرُوده (مَحل وُرُود خبر الْوَاحِد مشروعات لَيست حدودا كالعبادات) من الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج وَمَا هُوَ مُلْحق بهَا مِمَّا لَيْسَ عبَادَة مَقْصُودَة كالأضحية أَو معنى الْعِبَادَة فِيهِ تَابع كالعشر أَو لَيْسَ بخالص كصدقة الْفطر وَالْكَفَّارَات (والمعاملات وَهُوَ) أَي خبر الْوَاحِد الْمَشْرُوط فِيهِ الْعقل والضبط وَالْإِسْلَام وَالْعَدَالَة من غير اشْتِرَاط عدد فِي الرَّاوِي (حجَّة فِيهَا خلافًا لشارطي المثني لما تقدم من الْجَانِبَيْنِ) فِيمَا قبل هَذِه المسئلة الَّتِي فِي

стр. 788

ذيلها هَذَا التَّقْسِيم، لَكِن اشْترط فِي كَونه حجَّة عدم مُخَالفَة الْكتاب وَالسّنة الثَّابِتَة وَأَن لَا يكون شاذا وَلَا مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى كَمَا سَيَأْتِي (وحدود) عطف على مشروعات إِلَى آخِره (وفيهَا) أَي فِي الْحُدُود (مَا تقدم) فِي هَذِه المسئلة من الْخلاف وَفِي قبُول الْوَاحِد فِيهَا بِشُرُوطِهِ الْمَاضِيَة (فَإِن كَانَ) مَحل وُرُود الْخَبَر (حقوقا للعباد فِيهَا إِلْزَام مَحْض كالبيوع والأملاك الْمُرْسلَة) أَي الَّتِي لم يذكر فِيهَا سَبَب الْملك من هبة وَغَيرهَا، والأشياء الْمُتَّصِلَة بالأموال كالآجال والديون (فشرطه) أَي هَذَا الْقسم (الْعدَد وَلَفظ الشَّهَادَة مَعَ مَا تقدم) من الْعقل وَالْبُلُوغ وَالْحريَّة وَالْإِسْلَام والضبط وَالْعَدَالَة وَالْبَصَر وَأَن لَا يجر بِشَهَادَتِهِ مغنما وَلَا يدْفع عَنْهَا مغرما، وَمَعَ الْمَذْكُورَة فِي وَاحِد من الْعدَد (احتيط لمحليته) أَي الْخَبَر بِهَذِهِ الْأُمُور (لدواع) إِلَى التزوير والحيل، وَهَذَا النَّوْع (لَيست فِيمَا عَن الشَّارِع) تقليلا لوُقُوع ذَلِك مِنْهَا (وَمِنْه) أَي هَذَا الْقسم (الْفطر) لانتفاع النَّاس فِيهِ، فَيشْتَرط فِي الشَّهَادَة بِهِلَال الْفطر الْعدَد وَلَفْظَة الشَّهَادَة مَعَ سَائِر شُرُوطهَا إِذا كَانَ بالسماء عِلّة، وَأورد مَا إِذا قبل الإِمَام شَهَادَة الْوَاحِد فِي هِلَال رَمَضَان وَأمر النَّاس بِالصَّوْمِ فكملوا الثَّلَاثِينَ وَلم يرَوا الْهلَال يفطرون فِي رِوَايَة ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد ﵀ إِذْ الْفَرْض لَا يكون أَكثر من الثَّلَاثِينَ فَإِن هَذَا فطر بِشَهَادَة الْوَاحِد وَأجِيب بِأَن الْفطر لم يثبت بِشَهَادَتِهِ، بل بالحكم فشهادته أفضت إِلَيْهِ كَشَهَادَة الْقَابِلَة على النّسَب أفضت إِلَى اسْتِحْقَاق الْمِيرَاث مَعَ أَنه لَا يثبت بِشَهَادَة الْقَابِلَة ابْتِدَاء: ذكره فِي الْمَبْسُوط. ثمَّ اسْتثْنى مِمَّا تضمن قَوْله مَعَ مَا تقدم من اشْتِرَاط الْإِسْلَام فِي هَذَا الْقسم قَوْله (إِلَّا أَن لم يكن الملزم بِهِ مُسلما فَلَا يشْتَرط الْإِسْلَام). ثمَّ اسْتثْنى من قَوْله الْعدَد، وَمِمَّا تقدم قَوْله (إِلَّا مَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال كالبكارة والولادة والعيوب فِي الْعَوْرَة فَلَا عدد) أَي فَلَا يشْتَرط فِيهِ الْعدَد (و) لَا (ذكورة، وَإِن) كَانَ مَحل الْخَبَر حقوقا للعباد (بِلَا إِلْزَام) للْغَيْر (كالإخبار بالولايات والوكالات والمضاربات وَالْإِذْن فِي التِّجَارَة والرسالات فِي الْهَدَايَا والشركات) والودائع والأمانات (فبلا شَرط) أَي فَيقبل الْوَاحِد فِي هَذِه الْأَشْيَاء بِلَا شَرط من الْمَذْكُورَات وَغَيرهَا إِلَّا الْعقل والتمييز كَمَا أَفَادَ بقوله (سوى التَّمْيِيز مَعَ تَصْدِيق الْقلب) فيستوي فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى، وَالْحر وَالْعَبْد، وَالْمُسلم وَالْكَافِر، وَالْعدْل، وَغَيره والبالغ وَغَيره حَتَّى إِذا أخبر أحدهم غَيره بِأَن فلَانا وَكله، وَأَن مَوْلَاهُ أذن لَهُ وَوَقع فِي قلبه صدقه جَازَ أَن يتَصَرَّف بِمُوجبِه، ثمَّ اشْتِرَاط التَّحَرِّي ذكره شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وفخر الْإِسْلَام فِي مَوضِع من كِتَابه وَلم يذكرهُ فِي مَوضِع، ثمَّ بَين دَلِيل عدم الِاشْتِرَاط بِمَا ذكر بقوله (للأجماع العملي) فَإِن الْأَسْوَاق من لدن رَسُول الله ﷺ قَائِمَة بعدول وفساق ذُكُور وأناب وأحرار وَغير أَحْرَار، مُسلمين وَغَيرهم، وَالنَّاس يشْتَرونَ من الْكل ويعتمدون خبر كل مُمَيّز

стр. 789

بذلك من غير نَكِير (وَكَانَ ﷺ يقبل خبر الْهَدِيَّة من الْبر والفاجر) كقبول هَدِيَّة الْيَهُودِيَّة الشَّاة المسمومة، وَمن العَبْد كقبول هَدِيَّة سلمَان إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى، وَإِنَّمَا يقبل من الْكل (دفعا للْحَرج اللَّازِم من اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الرَّسُول) إِذْ قَلما يُوجد الْمُسلم الْحر الْبَالِغ الْعدْل فِي الْأَوْقَات والأماكن ليَبْعَثهُ إِلَى وَكيله أَو غُلَامه فتتعطل الْمصَالح لَو شرطت (بِخِلَافِهِ) أَي اشْتِرَاطهَا (فِي الرِّوَايَة) فَإِنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى الْحَرج لِكَثْرَة الْعدْل فِي الْمُسلمين (وَإِن) كَانَ مَحل الْخَبَر حقوقا للعباد (فِيهَا) إِلْزَام للْغَيْر (لغير) من (وَجه) دون وَجه (كعزل الْوَكِيل) إِلْزَام من حَيْثُ إبِْطَال عمله فِي الْمُسْتَقْبل، وَلَيْسَ بإلزام من حَيْثُ أَن الْوَكِيل يتَصَرَّف فِي حَقه (وَحجر الْمَأْذُون) إِلْزَام للْعَبد بِاعْتِبَار خُرُوج تَصَرُّفَاته من الصِّحَّة إِلَى الْفساد بِالْحجرِ وَلَيْسَ بإلزام من أَن الْمولى يتَصَرَّف فِي حَقه (وَفسخ الشّركَة وَالْمُضَاربَة) إِلْزَام للشَّرِيك وَالْمُضَارب من حَيْثُ لُزُوم كفهما عَن التَّصَرُّف فِي الْمُسْتَقْبل، وَلَيْسَ إلزاما لكَون الفاسخ متصرفا فِي حق نَفسه (فالوكيل وَالرَّسُول فِيهَا) أَي فِي هَذِه الْحُقُوق بِأَن قَالَ الْمُوكل: وَكلتك بعزل فلَان أَو حجره أَو بِفَسْخ أَحدهمَا، أَو قَالَ الْمُرْسل: أرسلتك إِلَى فلَان لتبلغه عني أحد هَذِه الْمَذْكُورَات لَا بِأَن قَالَ الْمُوكل: وَكلتك بِأَن تخبر فلَانا بِالْعَزْلِ إِلَى آخِره كَمَا توهم الشَّارِح: إِذْ لَا معنى للتوكيل بالإخبار، وَلَيْسَ هَذَا غير الْإِرْسَال (كَمَا) أَي الْقسم الَّذِي (قبله) وَهُوَ مَا كَانَ مَحل الْخَبَر حقوقا بِلَا إِلْزَام، فِي أَنه لَا يشْتَرط فِي شَيْء مِنْهُمَا سوى التَّمْيِيز مَعَ صدق الْقلب (وَكَذَا الْفُضُولِيّ) إِذا تصرف فِي ملك الْغَيْر بإنشاء عقد، فَأخْبر ذَلِك الْغَيْر بذلك لَا يشْتَرط فِيهِ شَيْء سوى التَّمْيِيز والتصديق (عِنْدهمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد لكَونه من العاملات الَّتِي لَا الْتِزَام فِيهَا، فَلَا يتَوَقَّف على شُرُوط الشَّهَادَات دفعا للْحَرج (وَشرط) أَبُو حنيفَة (عَدَالَته أَو الْعدَد) بِأَن يكون الْفُضُولِيّ اثْنَيْنِ (لِأَنَّهُ) أَي هَذَا الْإِخْبَار عَن الْفُضُولِيّ (لإلزام الضَّرَر) من حَيْثُ التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر (كالثاني) أَي الْقسم الثَّانِي، وَهُوَ مَا فِيهِ إِلْزَام مَحْض (ولولاية من) يتَوَصَّل الْفُضُولِيّ (عَنهُ فِي ذَلِك) التَّصَرُّف حَتَّى لَا ينفذ بِدُونِ إِجَازَته (كالثالث) وَهُوَ مَا لَا إِلْزَام فِيهِ (فتوسطنا) فِيهِ بالاكتفاء بِأحد شرطي الشَّهَادَة وَهُوَ الْعدَد أَو الْعَدَالَة إعمالا (للشبهين) وَالشَّارِح جعل قَوْله لإلزام الضَّرَر تعليلا لحكم عزل الْوَكِيل وَحجر الْمَأْذُون، وَقَوله ولولاية إِلَى آخِره تَعْلِيل للفضولي، وفساده ظَاهر وَقيل اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الْفُضُولِيّ إِذا كَانَ وَاحِدًا عِنْد أبي حنيفَة مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمَشَايِخ، وَعدم اشْتِرَاطهَا إِذا كَانَ اثْنَيْنِ قَول بعض الْمَشَايِخ (وأخبار من أسلم بدار الْحَرْب) بالشرائع (قيل الِاتِّفَاق) إِضَافَة أَخْبَار للْمَفْعُول، وَخَبره مَحْذُوف: أَي فِيهِ تَفْصِيل، وَقيل الِاتِّفَاق مستأنفة لبيانه: يَعْنِي اتَّفقُوا (على اشْتِرَاط الْعَدَالَة) أَي كَون الْمخبر بهَا عدلا (فِي) لُزُوم (الْقَضَاء) لما فِيهِ من الْفَرَائِض بعد

стр. 790

إِسْلَامه قبل الْإِخْبَار بهَا (لِأَنَّهُ) أَي هَذَا الْإِخْبَار إِخْبَار (عَن الشَّارِع بِالدّينِ، وَالْأَكْثَر) من الْمَشَايِخ على أَنه (على الْخلاف) الْمَذْكُور فِي الْفُضُولِيّ (وشمس الْأَئِمَّة) السَّرخسِيّ قَالَ (الْأَصَح) عِنْدِي أَنه يلْزمه (الْقَضَاء) اتِّفَاقًا (لِأَنَّهُ) أَي الْمخبر (رَسُول رَسُول الله ﷺ . قَالَ رَسُول الله ﷺ : نضر الله أمرا سمع مني مَقَالَتي فوعاها كَمَا سَمعهَا ثمَّ أَدَّاهَا إِلَى من لم يسْمعهَا، وَقد بَين فِي خبر الرَّسُول أَنه بِمَنْزِلَة خبر الْمُرْسل، وَلَا يعْتَبر فِي الْمُرْسل أَن يكون عدلا، وَتعقبه المُصَنّف بقوله (وَلَو صَحَّ) هَذَا (انْتَفَى اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الروَاة) لعين مَا ذكره (فَإِنَّمَا ذَاك) أَي الرَّسُول الَّذِي خَبره بِمَنْزِلَة خبر الْمُرْسل (الرَّسُول الْخَاص بِالْإِرْسَال) بِأَن يختاره الْمُرْسل من بَين النَّاس للسفارة بَينه وَبَين الْمُرْسل إِلَيْهِ، لَا كل من يبلغ كَلَام شخص إِلَى شخص بإذعان مِنْهُ (ومسوغ الرِّوَايَة التَّحَمُّل وبقاؤه) أَي التَّحَمُّل (وهما) أَي التَّحَمُّل وبقاؤه (عَزِيمَة) ورخصة (وَكَذَا الْأَدَاء) عَزِيمَة ورخصة (فالعزيمة فِي التَّحَمُّل) نَوْعَانِ (أصل) وَهُوَ (قِرَاءَة الشَّيْخ من كتاب أَو حفظ) عَلَيْك وَأَنت تسمع (وقراءتك أَو) قِرَاءَة (غَيْرك كَذَلِك) أَي من كتاب أَو حفظ على الشَّيْخ (وَهُوَ يسمع) سَوَاء كَانَ الشَّيْخ يحفظ مَا يقْرَأ عَلَيْهِ أَولا، لَكِن مُمْسك أَصله هُوَ أَو ثِقَة غَيره إِن لم يكن الْقَارئ يقْرَأ فِيهِ على هَذَا عمل كَافَّة الشُّيُوخ وَأهل الحَدِيث: كَذَا ذكره الشَّارِح (وَهِي) أَي قراءتك أَو غَيْرك على الشَّيْخ من كتاب أَو حفظ (الْعرض) لِأَن الْقَارئ يعرض على الشَّيْخ فَيَقُول أهوَ كَمَا قَرَأت عَلَيْك؟ (فيعترف) بِمثل نعم (أَو يسكت وَلَا مَانع). قَالَ الشَّارِح من السُّكُوت، وَالصَّوَاب من ترك السُّكُوت كَأَن يكون الْقَارئ مِمَّن يخَاف من مُخَالفَته (خلافًا لبَعْضهِم) وَهُوَ بعض الظَّاهِرِيَّة فِي جمَاعَة من مَشَايِخ الْمشرق فِي أَن إِقْرَاره شَرط، وَالْأول هُوَ الصَّحِيح (لِأَن الْعرف أَنه) أَي السُّكُوت مِنْهُ بِلَا مَانع (تَقْرِير، وَلِأَنَّهُ) أَي السُّكُوت بِلَا مَانع (يُوهم الصِّحَّة فَكَانَ صَحِيحا وَإِلَّا فغش، ورجحها) أَي الْقِرَاءَة على الشَّيْخ (أَبُو حنيفَة على قِرَاءَة الشَّيْخ من كتاب خلافًا للْأَكْثَر) حَيْثُ قَالُوا: قِرَاءَة الْمُحدث على الطَّالِب أرجح، لِأَنَّهَا طَريقَة رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا رجح (لزِيَادَة عنايته) أَي الْقَارئ (بِنَفسِهِ) تخليصا لَهَا من الزلل (فَيَزْدَاد ضبط الْمَتْن والسند) بِخِلَاف الشَّيْخ، لِأَن عناية بِغَيْرِهِ: وَأورد أَن الْقِرَاءَة على الْمُحدث لَا يُؤمن فِيهَا غفلته عَن سَماع الْقَارئ وَأجِيب بِأَنَّهَا أَهْون من الْخَطَأ فِي الْقِرَاءَة، وَحَيْثُ لم يُمكن الِاحْتِرَاز عَنْهُمَا مَعًا وَجب الِاحْتِرَاز عَن الأهم مِنْهُمَا (و) روى (عَنهُ) أَي أبي حنيفَة ﵀ أَن الْقِرَاءَة وَالسَّمَاع مِنْهُ (يتساويان) فِي النَّوَازِل، عَن الصغاني قَالَ: سَمِعت أَبَا حنيفَة وَأَبا سُفْيَان يَقُولَانِ: الْقِرَاءَة على الْعَالم وَالسَّمَاع مِنْهُ سَوَاء، وَلِهَذَا حكى عَن مَالك وَأَصْحَابه ومعظم أَصْحَاب الْحجاز

стр. 791

والكوفة وَالشَّافِعِيّ وَالْبُخَارِيّ (فَلَو حدث) الشَّيْخ (من حفظه ترجح) على قِرَاءَة الْقَارئ عَلَيْهِ (بِخِلَاف قِرَاءَة الرَّسُول ﷺ على غَيره فَإِنَّهَا راجحة على قِرَاءَة غَيره عَلَيْهِ: كَذَا ذكره الشَّارِح، وَهُوَ يحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل لِأَنَّهُ شيخ الْأمة كلهم، وَلَيْسَ لَهُ قِرَاءَة من الْكتاب فَلَا يُمكن إِخْرَاجه من حكم الشَّيْخ الْقَارئ من الْكتاب لَا من حكم الطَّالِب الْقَارئ على الشَّيْخ الْمُحدث من حفظه فَمَا معنى بِخِلَاف قِرَاءَته إِلَّا أَن يُقَال: المُرَاد قِرَاءَته على جِبْرِيل وَهُوَ معلمه، ثمَّ بَين كَون وَجه قِرَاءَته على خلاف قِرَاءَة غَيره بقوله (للأمن من الْقَرار على الْغَلَط) لَو وَقع مِنْهُ، وَلَا كَذَلِك غَيره (وَالْحق أَنه) أَي مَا ذكر من قِرَاءَته ﷺ (فِي غير مَحل النزاع) وَهُوَ قِرَاءَة الْقَارئ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قِرَاءَة الشَّيْخ من الْكتاب. وَقيل مَحَله أَن يروي الشَّيْخ عَن رَسُول الله ﷺ (وَخلف) عطف على الأَصْل (عَنهُ) أَي الأَصْل وَهُوَ (الْكتاب) كَانَ يكْتب الشَّيْخ (يحدثني فلَان) أَنه كَذَا عَن فلَان (فَإِذا بلغك كتابي هَذَا فَحدث بِهِ عني بِهَذَا الْإِسْنَاد) وَيكْتب فِي عنوانه من فلَان بن فلَان إِلَى فلَان ابْن فلَان ثمَّ يكْتب فِي دَاخله بعد التَّسْمِيَة وَالثنَاء على الله تَعَالَى وَالصَّلَاة على رَسُول الله ﷺ : من فلَان وَيشْهد على ذَلِك شُهُودًا ثمَّ يختمه بحضرتهم: كَذَا ذكره الشَّارِح، وَسَيَأْتِي فِي كَلَام المُصَنّف مَا يدل على خِلَافه (والرسالة) أَن يُرْسل الشَّيْخ رَسُولا إِلَى آخر، وَيَقُول للرسول (بلغه عني أَنه حَدثنِي فلَان) بن فلَان عَن فلَان بن فلَان إِلَى أَن يَأْتِي على تَمام الْإِسْنَاد، فَإِذا بلغتك رسالتي إِلَيْك (فاروه عني بِهَذَا الْإِسْنَاد). قَالَ الشَّارِح فَشهد الشُّهُود عِنْد الْمُرْسل إِلَيْهِ على رِسَالَة الْمُرْسل حلت للمرسل إِلَيْهِ الرِّوَايَة عَنهُ (وَهَذَا) أَي قَوْله إِذا بلغك إِلَى آخِره فِي الْفَصْلَيْنِ إِنَّمَا يلْزم (على اشْتِرَاط الْإِذْن وَالْإِجَازَة فِي الرِّوَايَة عَنْهُمَا) أَي الْكتاب والرسالة (وَالْأَوْجه عَدمه) أَي عدم اشْتِرَاط الْإِجَازَة فيهمَا (كالسماع) فَإِنَّهُ جَازَ أَن يرويهِ بِلَا إِذن، بل لَو مَنعه عَن الرِّوَايَة جَازَ أَن يرْوى مَعَ مَنعه لَهُ، كَذَا نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف (وهما) أَي الْكِتَابَة والرسالة (كالخطاب شرعا لتبليغه ﵇ بهما) أَي الْكِتَابَة والرسالة، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ كتب إِلَى قَيْصر يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام مُتَّفق عَلَيْهِ. وَعَن أنس أَن النَّبِي ﷺ كتب إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر وَالنَّجَاشِي وَإِلَى كل جَبَّار عنيد يَدعُوهُم إِلَى الله تَعَالَى وَلَيْسَ بالنجاشي الَّذِي صلى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ، رَوَاهُ مُسلم (وَعرفا) كَمَا فِي تَقْلِيد الْمُلُوك الْقَضَاء والإمارة بهما كَمَا فِي المسافهة (وَيَكْفِي) فِي جَوَاز الرِّوَايَة عَن الْكَاتِب والمرسل (معرفَة خطه) أَي الْكَاتِب (وَظن صدق الرَّسُول) كَمَا عَلَيْهِ عَامَّة أهل الحَدِيث (وضيق أَبُو حنيفَة) حَيْثُ نسب إِلَيْهِ أَنه لَا يحل فِي كل

стр. 792

مِنْهُمَا إِلَّا (بِالْبَيِّنَةِ) كَمَا فِي كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي (وَلَا يلْزم كتاب القَاضِي) أَي الْإِيرَاد بِهِ على مَا نَحن فِيهِ (للِاخْتِلَاف) بَين كتاب القَاضِي وَمَا نَحن فِيهِ (بالداعية) أَي بِسَبَب وجود الْأَغْرَاض الداعية إِلَى التزوير والتلبيس فِيهِ: أَي فِي كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي، وَمَا نَحن فِيهِ بالداعية فِيمَا يرْوى عَن رَسُول الله ﷺ (وَلَا خَفَاء فِي) جَوَاز (حَدثنَا وَأخْبر، وسمعته فِي الأول) أَي فِي قِرَاءَة الشَّيْخ الطَّالِب (و) لفظ (قَالَ) أَيْضا مَعَ الْحَار وَالْمَجْرُور نَحْو لي وَلنَا وَبِدُون ذَلِك، إِنَّمَا النزاع فِي كَونهَا مَحْمُولَة على السماع إِذا تجردت عَنْهُمَا، فَقَالَ ابْن الصّلاح يحمل عَلَيْهِ إِذا علم اللِّقَاء خُصُوصا إِذا علم من حَال الرَّاوِي أَنه لَا يرْوى إِلَّا مَا سَمعه (وغلبت) لَفْظَة. قَالَ (فِي المذاكرة) والمناظرة (وَفِي الثَّانِي) أَي قِرَاءَة الطَّالِب على الشَّيْخ يَقُول: (قَرَأت) عَلَيْهِ وَهُوَ يسمع إِن كَانَ هُوَ الْقَارئ (وَقُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنا أسمع) إِن كَانَ الْقَارئ غَيره (وَحدثنَا بِقِرَاءَتِي) عَلَيْهِ (وَقِرَاءَة) عَلَيْهِ (وأنبأنا ونبأنا كَذَلِك) أَي بِقِرَاءَتِي أَو قِرَاءَة عَلَيْهِ (وَالْإِطْلَاق) لحدثنا وَأخْبرنَا من غير تَقْيِيد بِقِرَاءَتِي أَو قِرَاءَة عَلَيْهِ (جَائِز على الْمُخْتَار) كَمَا هُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وَالزهْرِيّ وَمَالك وَالْبُخَارِيّ وَيحيى بن سعيد الْقطَّان ومعظم الْكُوفِيّين والحجازيين، لَا الْمَنْع مُطلقًا كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن الْمُبَارك وَأحمد وَكثير من أَصْحَاب الحَدِيث. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر أَنه الصَّحِيح (وَقيل) الْإِطْلَاق جَائِز (فِي أخبرنَا فَقَط) وَهُوَ للشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَمُسلم وَجُمْهُور أهل الْمشرق (وَالْمُنْفَرد) فِي السماع يَقُول (حَدثنِي وَأَخْبرنِي وَجَاز الْجمع) أَي حَدثنَا وَأخْبرنَا كَمَا هُوَ الْعرف فِي كَلَام الْعَرَب وَقيل عِنْد الِانْفِرَاد: لَا يَقُول حَدثنَا، وَعند الِاجْتِمَاع لَا يَقُول: حَدثنِي (وَفِي الْخلف) أَي الْكِتَابَة والرسالة يَقُول (أَخْبرنِي) (وَقيل) لَا يجوز أَن يَقُول فيهمَا أَخْبرنِي (كحدثني) أَي كَمَا لَا يجوز أَن يَقُول حَدثنِي فيهمَا لِأَن الْأَخْبَار والتحديث وَاحِد (بل) يَقُول (كتب) إِلَيّ (وَأرْسل إِلَيّ لعدم المشافهة قُلْنَا قد اسْتعْمل الْأَخْبَار مَعَ عدمهَا) أَي المشافهة. وَفِي نُسْخَة الشَّارِح: قد اسْتعْمل للْأَخْبَار، فَجعل الضَّمِير كِنَايَة عَن أَخْبرنِي، وَالْأولَى أولى لقَوْله (كأخبرنا الله لَا حَدثنَا) مَعَ عدمهَا، إِذْ لَا يُقَال حَدثنَا الله، وَذهب كثير من الْمُحدثين إِلَى جَوَاز حَدثنَا وَأخْبرنَا فِي الرِّوَايَة بالمكاتبة (والرخصة) فِي التَّحَمُّل (الْإِجَازَة مَعَ مناولة الْمجَاز) بِهِ للمجاز لَهُ كَانَ يناوله شَيْئا من سَمَاعه أصلا أَو فرعا مُقَابلا (بِهِ) وَيَقُول هَذَا من سَمَاعي أَو روايتي فاروه عني (ودونها أَي وَبِدُون مناولة كَأَن يَقُول: أجزت أَن تروي هَذَا الْكتاب الَّذِي حَدثنِي بِهِ فلَان إِلَى أَن يَأْتِي على سَنَده (وَمِنْه) أَي من قسم الْإِجَازَة الْمُجَرَّدَة عَن المناولة (إجَازَة مَا صَحَّ من مسموعاتي) عنْدك: ذكر الشَّيْخ أَبُو بكر الرَّازِيّ: أَن نَحْو أجزت لَك مَا يَصح عنْدك من حَدِيثي لَيْسَ بِشَيْء كَمَا لَو صَحَّ عنْدك من صك

стр. 793

فِيهِ إقراري فاشهد بِهِ عَليّ لم يَصح، وَلم تجز الشَّهَادَة انْتهى. وَفِيه أَنه قد سبق قَرِيبا الْفرق بَين الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة مفصلا فَارْجِع إِلَيْهِ. ثمَّ اخْتلف فِي جَوَاز الرِّوَايَة بِالْإِجَازَةِ (قيل بِالْمَنْعِ) وَهُوَ لجماعات من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء والأصوليين وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن الشَّافِعِي. وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن وَالْمَاوَرْدِيّ: لَو جَازَت الْإِجَازَة لبطلت الرحلة (وَالأَصَح الصِّحَّة للضَّرُورَة) إِذْ الْمَنْع قد يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل السّنَن وَانْقِطَاع الْأَسَانِيد: إِذْ السماع وَالْقِرَاءَة تَفْصِيلًا عَزِيز الْوُجُود (وَالْحَنَفِيَّة) قَالُوا (إِن كَانَ) الْمجَاز لَهُ (يعلم مَا فِي الْكتاب) الْمجَاز بِهِ فَقَالَ لَهُ الْمُجِيز أَن فلَانا حَدثنَا بِمَا فِي هَذَا الْكتاب بأسانيده هَذِه وأجزت لَك أَن تحدث بِهِ (جَازَت الرِّوَايَة) بِهَذِهِ الْإِجَازَة إِن كَانَ الْمُجِيز مَأْمُونا بالضبط والفهم (كَالشَّهَادَةِ على الصَّك) فَإِن الشَّاهِد إِذا وقف على جَمِيع مَا فِيهِ أَو أخبرهُ من عَلَيْهِ الْحق أَو أجَاز لَهُ أَن يشْهد عَلَيْهِ كَانَ صَحِيحا: فَكَذَا رِوَايَة الْخَبَر (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن الْمجَاز لَهُ عَالما بِمَا فِي الْكتاب (فَإِن احْتمل) الْكتاب (التَّغْيِير) بِزِيَادَة أَو نُقْصَان (لم تصح) الْإِجَازَة وَلَا تحل الرِّوَايَة اتِّفَاقًا (وَكَذَا) لَا يَصح عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد (إِن لم يحْتَمل) الْكتاب ذَلِك (خلافًا لأبي يُوسُف ككتاب القَاضِي) أَي قِيَاسا على اخْتلَافهمْ فِي كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي (إِذْ علم الشُّهُود بِمَا فِيهِ شَرط) عِنْدهمَا لصِحَّة الشَّهَادَة (خلافًا لَهُ) أَي لأبي يُوسُف (وشمس الْأَئِمَّة) السَّرخسِيّ قَالَ (عدم الصِّحَّة) لهَذِهِ الْإِجَازَة (اتِّفَاق، وتجويز أبي يُوسُف) الشَّهَادَة (فِي الْكتاب) من القَاضِي إِلَى القَاضِي وَإِن يعلم الشُّهُود مَا فِيهِ (لضَرُورَة اشتماله) أَي الْكتاب الْمَذْكُور (على الْأَسْرَار) عَادَة (وَيكرهُ المتكاتبان الانتشار) للأسرار (بِخِلَاف كتب الْأَخْبَار) لِأَن أصل الدّين مَبْنِيّ على الشُّهْرَة (وَفِيه نظر، بل ذَلِك) أَي كَرَاهَة الانتشار لضَرُورَة الاشتمال على الْأَسْرَار (فِي كتب الْعَامَّة لَا) فِي كتاب (القَاضِي) إِلَى القَاضِي (بالحكم والثبوت) مُتَعَلق بِالْكِتَابَةِ المفهومة فِي كتاب القَاضِي: يَعْنِي الْكتاب الْمَسْبُوق بالحكم والثبوت الكائنين عَادَة فِي مَلأ النَّاس وحضرة الشُّهُود الْمُنْتَهى إِلَيّ قَاض آخر فِي مَلأ كَذَلِك لَا يَتَأَتَّى فِيهِ مَا ذكر من الْأَسْرَار وَكَرَاهَة الانتشار (وَهَذَا) التَّفْصِيل الَّذِي ذهب الْحَنَفِيَّة (للاتفاق على النَّفْي) لصِحَّة الرِّوَايَة (لَو قَرَأَ) الطَّالِب (فَلم يسمع الشَّيْخ أَو) قَرَأَ (الشَّيْخ) فَلم يسمع الطَّالِب (وَلم يفهم) فَفِي الْإِجَازَة الَّتِي هِيَ دون الْقِرَاءَة أولى، وَفِيه فتح بَاب التَّقْصِير والبدعة إِذْ لم ينْقل عَن السّلف مثل هَذِه الْإِجَازَة (وَقبُول) رِوَايَة (من سمع فِي صباه مُقَيّد بضبطه غير أَنه أُقِيمَت مظنته) أَي مَظَنَّة الضَّبْط وَهِي التَّمْيِيز مقَامه (وَلذَا) أَي لاشْتِرَاط ضبط السَّامع (منعت) صِحَة الرِّوَايَة (للمشغول عَن السماع بِكِتَابَة) كَمَا ذهب إِلَيْهِ الاسفرايني وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَابْن عدي، وَذهب إِلَى الصِّحَّة مُطلقًا بَعضهم (أَو نوم أَو لَهو، وَالْحق أَن الْمدَار) لعدم جَوَاز الرِّوَايَة (عدم الضَّبْط) للمروي (وأقيمت مظنته) أَي

стр. 794

عدم الضَّبْط (نَحْو الْكِتَابَة) مقَامه إِن كَانَ بِحَيْثُ يمْتَنع مَعهَا الْفَهم (لحكاية الدَّارَقُطْنِيّ) فَإِنَّهُ حضر فِي حداثته مجْلِس إِسْمَاعِيل الصفار فَجَلَسَ ينْسَخ جُزْءا كَانَ مَعَه وَإِبْرَاهِيم يملى، فَقَالَ بعض الْحَاضِرين لَا يَصح سماعك وَأَنت تنسخ فَقَالَ: فهمي للإملاء خلاف فهمك ثمَّ قَالَ تحفظ، كم أمْلى الشَّيْخ من من حَدِيث إِلَى الْآن، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: أملي ثَمَانِيَة عشر حَدِيثا فعددت الْأَحَادِيث فَوجدت كَمَا قَالَ، ثمَّ قَالَ الحَدِيث الأول مِنْهَا عَن فلَان وَمَتنه كَذَا، والْحَدِيث الثَّانِي عَن فلَان وَمَتنه وَلم يزل مُرْسلا أَسَانِيد الْأَحَادِيث ومتونها على ترتيبها فِي الْإِمْلَاء حَتَّى إِلَى آخرهَا فَعجب النَّاس مِنْهُ. هَذَا وَقَالَ أَحْمد فِي الْحَرْف يدغمه الشَّيْخ يفهم وَهُوَ مَعْرُوف أَرْجُو أَن لَا تضيق رِوَايَته عَنهُ، وَفِي الْكَلِمَة تستفهم من المستفهم إِن كَانَت مجمعا عَلَيْهَا فَلَا بَأْس، وَعَن خلف بن سَالم منع ذَلِك (وتنقسم) الْإِجَازَة (لمُعين فِي معِين) كأجزت لَك أَو لكم أَو لفُلَان ويصفه بِمَا يميزه فِي الْكتاب الْفُلَانِيّ أَو مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ فهرستي (وَغَيره) أَي لمُعين فِي غير معِين (كمروياتي) ومسموعاتي. قَالَ ابْن الصّلاح وَغَيره وَالْخلاف فِي هَذَا أقوى وَأكْثر، وَالْجُمْهُور من الْعلمَاء على تَجْوِيز الرِّوَايَة بهَا أَيْضا، وَمن المانعين لصحتها شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ، وَنقل عَن بعض الْأَئِمَّة التَّابِعين أَن سَائِلًا سَأَلَهُ الْإِجَازَة بِهَذِهِ الصّفة فتعجب وَقَالَ لأَصْحَابه: هَذَا يطْلب مني أَن أُجِيز لَهُ أَن يكذب عَليّ (ولغير معِين) نَحْو أجرت فِي الْكتاب الْفُلَانِيّ أَو مروياتي (للْمُسلمين من أدركني، وَمِنْه) أَي من الْإِجَازَة لغير معِين أجزت (من يُولد لفُلَان) فانقسم هَذَا الْقسم إِلَى مَوْجُود ومعدوم، وَفِيه تفاصيل ذكرتها فِي مُخْتَصر لشرح الألفية للشَّيْخ الْعِرَاقِيّ، وَبِالْجُمْلَةِ فالإجازة للمعدوم فِي صِحَّتهَا خلاف قوي (بِخِلَاف) الْإِجَازَة لغير الْمعِين (الْمَجْهُول فِي معِين) كأجزت لبَعض النَّاس رِوَايَة صَحِيح البُخَارِيّ (وَغَيره) أَي وَفِي غير معِين (ك) أجزت لبَعض النَّاس رِوَايَة (كتاب السّنَن) وَهُوَ يروي عدَّة من السّنَن الْمَعْرُوفَة بذلك فَإِنَّهَا غير صَحِيحَة (بِخِلَاف سنَن فلَان) كَأبي دَاوُد فَإِنَّهَا مَعْلُومَة (وَمِنْه) أَي من قبيل الْإِجَازَة فِي غير الْفَاسِدَة إجَازَة رِوَايَة (مَا سيسمعه الشَّيْخ) وَهِي بَاطِلَة على الصَّحِيح كَمَا نَص عَلَيْهِ القَاضِي عِيَاض وَابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ لِأَنَّهُ يُبِيح مَا لم يعلم هَل يَصح لَهُ الْإِذْن فِيهِ فَتَأمل (وَفِي التفاصيل اختلافات) ذكرت فِي محلهَا فِي علم الحَدِيث (ثمَّ الْمُسْتَحبّ) للمجاز فِي آرائه (قَوْله أجَاز لي وَيجوز أَخْبرنِي وحَدثني مُقَيّدا) بقوله: إجَازَة أَو مناولة أَو إِذْنا (ومطلقا) عَن الْقَيْد بِشَيْء من ذَلِك (للمشافهة فِي نفس الْإِجَازَة) وَعَلِيهِ الشَّيْخ أَبُو بكر الرَّازِيّ وَالْقَاضِي أَبُو زيد وفخر الْإِسْلَام وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَقيل هُوَ مَذْهَب مَالك وَأهل الْمَدِينَة (بِخِلَاف الْكتاب والرسالة) فَإِنَّهُ لَا يجوز فِيهَا أَخْبرنِي وَلَا حَدثنِي (إِذْ لَا خطاب أصلا) وَقيل يجوز أَن يَقُول فيهمَا حَدثنِي بالِاتِّفَاقِ وَإِن كَانَ الْمُخْتَار أَخْبرنِي لِأَنَّهُمَا من الْغَائِب كالخطاب من الْحَاضِر (وَقيل يمْنَع حَدثنِي لاختصاصه بِسَمَاع الْمَتْن) وَلم يُوجد فِي

стр. 795

الْإِجَازَة والمنازلة وَلَا يمْنَع من أَخْبرنِي وَعَلِيهِ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ. وَقَالَ ابْن الصّلاح وَالْمُخْتَار الَّذِي عَلَيْهِ عمل الْجُمْهُور وَأهل الْوَرع الْمَنْع فِي ذَلِك من إِطْلَاق حَدثنَا وَأخْبرنَا وَنَحْوهمَا (وَالْوَجْه فِي الْكل اعْتِمَاد عرف تِلْكَ الطَّائِفَة) فَيُؤَدِّي على مَا هُوَ عرفهَا فِي ذَلِك على وَجه سَالم من التَّدْلِيس (والاكتفاء الطَّارِئ فِي هَذِه الإعصار بِكَوْن الشَّيْخ مَسْتُورا) أَي كَونه مُسلما بَالغا عَاقِلا غير متظاهر بِالْفِسْقِ وَمَا يخرم الْمُرُوءَة (وَوُجُود سَمَاعه) مثبتا (بِخَط ثِقَة) غير مُتَّهم وبروايته من أصل (مُوَافق لأصل شَيْخه) كَمَا ذكره ابْن الصّلاح، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ (لَيْسَ خلافًا لما تقدم) من اشْتِرَاط الْعَدَالَة وَغَيرهَا فِي الرَّاوِي (لِأَنَّهُ) أَي الِاكْتِفَاء الْمَذْكُور (لحفظ السلسلة) أَي ليصير الحَدِيث مسلسلا بِحَدِيث وَأخْبرنَا (عَن الِانْقِطَاع) وَتبقى هَذِه الْكَرَامَة الَّتِي خصت بهَا هَذِه الْأمة شرفا لنبينا ﷺ (وَذَلِكَ) أَي مَا تقدم من اشْتِرَاط الْعَدَالَة وَغَيرهَا (لَا يُجَاب الْعَمَل على الْمُجْتَهد والعزيمة فِي الْحِفْظ) عَن ظهر قلب من غير وَاسِطَة الْخط (ثمَّ دَوَامه إِلَى) وَقت (الْأَدَاء) إِذْ الْمَقْصُود بِالسَّمَاعِ الْعَمَل بالمسوغ وتبليغه إِلَى آخِره. قَالَ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ: هَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة فِي الْأَخْبَار والشهادات جَمِيعًا، وَلِهَذَا قلت رِوَايَته، وَهُوَ طَرِيق رَسُول الله ﷺ فِيمَا بَينه للنَّاس (والرخصة) فِي الْحِفْظ (تذكره) أَي الرَّاوِي الْمَرْوِيّ (بعد انْقِطَاعه) أَي الْحِفْظ (عِنْد نظر الْكِتَابَة) سَوَاء كَانَت، خطه أَو خطّ غَيره مَعْرُوف أَو مَجْهُول، إِذْ الْمَقْصُود ذكر الْوَاقِعَة وَهُوَ يحصل بِخَط الْمَجْهُول أَيْضا، وَالنِّسْيَان الْوَاقِع قبله عَفْو لعدم إِمْكَان الِاحْتِرَاز عَنهُ (فَإِن لم يتَذَكَّر) الرَّاوِي الْمَرْوِيّ بِنَظَر الْمَكْتُوب (بعد علمه أَنه خطه أَو خطّ الثِّقَة وَهُوَ فِي يَده) بِحَيْثُ لَا يصل إِلَيْهِ يَد غَيره أَو مَخْتُومًا بِخَاتمِهِ أَو فِي يَد أَمِين) على هَذِه الصّفة (حرمت الرِّوَايَة وَالْعَمَل عِنْد أبي حنيفَة) بذلك (ووجبا) أَي الرِّوَايَة وَالْعَمَل بِهِ (عِنْدهمَا وَالْأَكْثَر، وعَلى هَذَا) الْخلاف (رُؤْيَة الشَّاهِد خطه) بِشَهَادَة (فِي الصَّك) أَي كتاب الشَّهَادَة (وَالْقَاضِي) خطه أَو خطّ نَائِبه بِقَضَائِهِ بِشَيْء (فِي السّجل) الَّذِي بديوانه وَلم يتَذَكَّر كل وَاحِد مِنْهُمَا ذَلِك: فروى بشر بن الْوَلِيد عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة لَا يحل لَهُ أَن يعْتَمد على الْخط مَا لم يتَذَكَّر مَا تضمنه الْمَكْتُوب، لِأَن النّظر فِي الْكِتَابَة لمعْرِفَة الْقلب كالنظر للمرآة للرؤية بِالْعينِ وَالنَّظَر فِي الْمرْآة إِذا لم يفده إدراكا لَا يكون مُعْتَبرا، فالنظر فِي الْكتاب إِذا لم يفده تذكرا يكون هدرا لِأَن الرُّؤْيَة وَالشَّهَادَة وتنفيذ الْقَضَاء لَا يكون إِلَّا بِعلم والخط يشبه الْخط شبها لَا يُمكن التَّمْيِيز بَينهمَا إِلَّا بالتخمين فبصورة الْخط لَا يستفيدون علما من غير التَّذَكُّر (وَعَن أبي يُوسُف) فِي رِوَايَة بشر عَنهُ (الْجَوَاز فِي الرِّوَايَة) أَي فِي رِوَايَة الحَدِيث إِذا كَانَ خطا مَعْرُوفا لَا يخَاف تَغْيِيره بِأَن يكون بِيَدِهِ أَو بيد أَمِين، والتغيير فِي أُمُور الدّين غير مُتَعَارَف إِذْ لَا يعود بِهِ نفع إِلَى أحد، ودوام الْحِفْظ والتذكر مُتَعَذر (والسجل

стр. 796

إِذا كَانَ فِي يَده) أَي وَجَوَاز عمل القَاضِي بِمُجَرَّد خطه أَو خطّ مَعْرُوف مُفِيد قَضَاءَهُ بقضية فِي مَكْتُوب مَحْفُوظ بِيَدِهِ لَا تصل إِلَيْهِ يَد غَيره، أَو مختوم بختمه أَو بيد أمينة الموثوق بِهِ لِأَن خطّ القَاضِي جَمِيع جزئيات الوقائع مُتَعَذر عَادَة، وَلِهَذَا كَانَ من آدَاب القَاضِي كِتَابَة الوقائع وإيداعها قطره وختمه بِخَاتمِهِ وَلَو لم يجز لَهُ الرُّجُوع إِلَيْهَا عِنْد النسْيَان لم يكن لَهُ فَائِدَة، وَقد يُقَال: فَائِدَته تظهر عِنْد تذكره وَإِن لم تظهر عِنْد عدم التَّذَكُّر (لَا الصَّك) أَي لَا يجوز عِنْد عمل الشَّاهِد بِمُجَرَّد الْخط إِذا لم يكن بِيَدِهِ، إِذْ مَبْنِيّ الشَّهَادَة على الْيَقِين بالمشهود بِهِ، والصك إِذا كَانَ بيد الْخصم لَا يحصل الْأَمْن فِيهِ من التَّغْيِير. (وَعَن مُحَمَّد) فِي رِوَايَة ابْن رستم عَنهُ يجوز الْعَمَل للمذكورين بِمُجَرَّد الْخط إِذا تيقنوا أَنه خطهم (فِي الْكل) أَي فِي الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة وَالْقَضَاء، وَلَو كَانَ الصَّك بيد الْخصم (تيسيرا) على النَّاس والخط ينْدر شبهه بالخط على وَجه يخفي التَّمْيِيز بَينهمَا والنادر لَا يَدُور عَلَيْهِ الحكم (لنا) أَي للإمامين وَالْأَكْثَر (عمل الصَّحَابَة بكتابه) ﷺ (بِلَا رِوَايَة مَا فِيهِ) للْعَالمين (بل لمعْرِفَة الْخط وَأَنه مَنْسُوب إِلَيْهِ ﷺ ككتاب عَمْرو بن خرم). وَقد سبق مَا يفِيدهُ فِي مسئلة: الْعَمَل بِخَبَر الْعدْل وَاجِب (وَهُوَ) أَي عَمَلهم بكتابه بِمُجَرَّد معرفَة الْخط (شَاهد لما تقدم: من قبُول كتاب الشَّيْخ إِلَى الرَّاوِي) بِالتَّحْدِيثِ عَنهُ (بِلَا شَرط بَيِّنَة) على ذَلِك (وَهنا) أَي فِي الْعَمَل بِمُقْتَضى الْمَكْتُوب بِمُجَرَّد معرفَة الْخط (أولى) من عمل الرَّاوِي بِكِتَاب الشَّيْخ بِلَا بَيِّنَة، لِأَن احْتِمَال التزوير فِيهِ أبعد (وَمَا قيل النسْيَان) فِيهِ (غَالب فَلَو لزم التَّذَكُّر بَطل كثير من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة غير مُسْتَلْزم لمحل النزاع، وَإِنَّمَا يستلزمه) أَي مَحل النزاع (غَلَبَة عدم التَّذَكُّر بعد معرفَة الْخط وَهُوَ) أَي مَا ذكر من غَلَبَة عدم التَّذَكُّر بعْدهَا (مَمْنُوع والعزيمة فِي الْأَدَاء) أَن يكون (بِاللَّفْظِ) نَفسه (والرخصة) فِيهِ أَن يكون الْمُؤَدِّي (مَعْنَاهُ بِلَا نقص وَزِيَادَة للْعَالم باللغة ومواقع الْأَلْفَاظ) إِذْ كل لفظ مُفردا كَانَ أَو مركبا لَهُ موقع من الْمَعْنى يُرَاد بِهِ بِحَسب الْوَضع والاستعمال إِلَى اللّغَوِيّ والعرفي، وبحسب قَرَائِن الْأَحْوَال والمقامات، وَلَا يعرف مُرَاد الْمُتَكَلّم إِلَّا من يعرفهَا (و) قَالَ (فَخر الْإِسْلَام) رخص فِي ذَلِك بِالشّرطِ الْمَذْكُور (إِلَّا فِي نَحْو الْمُشْتَرك) من الْخَفي والمشكل (و) إِلَّا فِي الْمُجْمل والمتشابه فَإِنَّهُ لَا يجوز أصلا (بِخِلَاف الْعَام والحقيقة المحتملين للخصوص وَالْمجَاز) على تَرْتِيب اللفّ والنشر فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ (للغوي الْفَقِيه) لَا اللّغَوِيّ فَقَط (أما الْمُحكم) أَي متضح الْمَعْنى بِحَيْثُ لَا يشْتَبه مَعْنَاهُ، وَلَا يحْتَمل وُجُوهًا مُتعَدِّدَة، كَذَا فسره فَخر الْإِسْلَام فِي هَذَا الْمقَام (مِنْهُمَا) أَي الْعَام والحقيقة (فتكفي اللُّغَة) أَي مَعْرفَتهَا فِيهِ (وَاخْتلف مجيز وَالْحَنَفِيَّة)، الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى (فِي الْجَوَامِع) أَي جَوَامِع الْكَلم، فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي

стр. 797

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ " بعثت بجوامع الْكَلم ". وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ " وَبَلغنِي أَن جَوَامِع الْكَلم أَن الله يجمع الْأُمُور الْكَثِيرَة الَّتِي كَانَت تكْتب فِي الْكتب قبله فِي الْأَمر الْوَاحِد أَو الْأَمريْنِ أَو نَحْو ذَلِك ". وَقَالَ الْخطابِيّ إيجاز الْكَلَام فِي إشباع للمعاني يَقُول: الْكَلِمَة القليلة الْحُرُوف، فينتظم الْكثير من الْمَعْنى ويتضمن أنواعا من الْأَحْكَام (كالخراج بِالضَّمَانِ) حَدِيث حسن رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن وَتقدم مَعْنَاهُ (والعجماء جَبَّار) مُتَّفق عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو دَاوُد: والعجماء الْمُتَقَدّمَة الَّتِي لَا يكون مَعهَا أحد. وَقَالَ ابْن مَاجَه: الْجَبَّار الهدر الَّذِي لَا يغرم فَقَالَ بَعضهم: يجوز للْعَالم بطرق الِاجْتِهَاد إِذا كَانَت الْجَوَامِع ظَاهِرَة الْمَعْنى، وَذهب فَخر الْإِسْلَام والسرخسي إِلَى الْمَنْع لإحاطة الْجَوَامِع بمعان قد تقصر عَنْهَا عقول ذَوي الْأَلْبَاب (فالرازي مِنْهُم) أَي الْحَنَفِيَّة (وَابْن سِيرِين) فِي جمَاعَة (على الْمَنْع مُطلقًا). قَالَ الشَّارِح: أَي سَوَاء كَانَ من الْمُحكم أَولا، كَذَا ذكره غير وَاحِد: وَفِيه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّازِيّ نظر، فَإِن لَفظه قد حكينا عَن الشّعبِيّ وَالْحسن أَنَّهُمَا كَانَا يحدثان بالمعاني، وَكَانَ غَيرهمَا يحدث بِاللَّفْظِ، والأحوط عندنَا أَدَاء اللَّفْظ وسياقته على وَجهه دون الِاقْتِصَار على الْمَعْنى سَوَاء كَانَ مِمَّا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل أَولا إِلَّا أَن يكون الرَّاوِي مثل الْحسن وَالشعْبِيّ فِي إتقانهما للمعاني وَصرف الْعبارَات إِلَى مَعْنَاهَا فقها غير فاضلة عَنْهَا وَلَا مقصرة، وَهَذَا عندنَا إِنَّمَا كَانَا يفعلانه فِي اللَّفْظ الَّذِي لَا يحْتَمل التَّأْوِيل وَيكون للمعنى عِبَارَات مُخْتَلفَة، فيعبران تَارَة بِعِبَارَة، وَتارَة بغَيْرهَا: فَأَما مَا يحْتَمل التَّأْوِيل من الْأَلْفَاظ فَإنَّا لَا نظن بهما أَنَّهُمَا كَانَا يغيرانه إِلَى لفظ غَيره مَعَ احْتِمَاله لِمَعْنى غير معنى لفظ الأَصْل، وَأكْثر فَسَاد أَخْبَار الْآحَاد وتناقضها واستحالتها من هَذَا الْوَجْه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قد كَانَ مِنْهُم من يسمع اللَّفْظ الْمُحْتَمل للمعاني فيعبر عَنهُ بِلَفْظ غَيره، وَلَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا على أَنه هُوَ الْمَعْنى عِنْده فيفسده انْتهى وَلَا يخفى أَنه لَيْسَ بِصَرِيح فِي خلاف مَا نَقله المُصَنّف، وَيجوز أَن يكون لَهُ نقل آخر عَنهُ أصرح من هَذَا فِيمَا نقل عَنهُ (لنا) فِيمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور (الْعلم بنقلهم) أَي الصَّحَابَة (أَحَادِيث بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة فِي وقائع متحدة) كَمَا يحاط بهَا علما فِي دواوين السّنة (وَلَا مُنكر) لوُقُوع ذَلِك مِنْهُم (وَمَا عَن ابْن مَسْعُود وَغَيره قَالَ ﷺ كَذَا أَو نَحوه أَو قَرِيبا مِنْهُ) عَن عَمْرو بن مَيْمُون قَالَ: كنت لَا تفوتني عَشِيَّة خَمِيس إِلَّا آتِي عبد الله بن مَسْعُود ﵁ فَمَا سمعته يَقُول لشَيْء قطّ: قَالَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى كَانَت ذَات عَشِيَّة، فَقَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فاغرورقت عَيناهُ، وَانْتَفَخَتْ أوداجه، ثمَّ قَالَ: أَو مثله أَو نَحوه أَو شَبيه بِهِ، قَالَ فَأَنا رَأَيْته وَإِزَاره محلولة مَوْقُوف صَحِيح. أخرجه أَحْمد وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا. وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَنه كَانَ إِذا حدث عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ نَحوه أَو شبهه. أخرجه

стр. 798

الدَّارمِيّ وَهُوَ مَوْقُوف مُنْقَطع رِجَاله ثِقَات (وَلَا مُنكر) على قَائِله (فَكَانَ) وُقُوع ذَلِك مِنْهُم من غير نَكِير من أحدهم (إِجْمَاعًا) على جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى (و) لنا أَيْضا (بَعثه) ﷺ (الرُّسُل) إِلَى النواحي بتبليغ الشَّرَائِع (بِلَا إِلْزَام) خُصُوص (لفظ) إِذْ لَو لم تجز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى كَانَ يلْزمه وَلَو لزم لنقل إِلَيْنَا (و) لنا أَيْضا (مَا روى الْخَطِيب) فِي كتاب الْكِفَايَة فِي معرفَة أصُول عليم الرِّوَايَة عَن يَعْقُوب بن عبد الله بن سُلَيْمَان اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه عَن جده أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ فَقُلْنَا بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتنَا أَنا لنسمع مِنْك وَلَا نقدر على تأديته كَمَا سمعناه مِنْك، قَالَ ﷺ " إِذا لم تحلوا حَرَامًا أَو تحرموا حَلَالا وأصبتم الْمَعْنى فَلَا بَأْس " انْتهى. وَقَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: رَوَاهُ ابْن مَنْدَه من حَدِيث عبد الله بن سُلَيْمَان قَالَ: قلت يَا رَسُول الله الحَدِيث، وَزَاد فِي آخِره فَذكر ذَلِك لِلْحسنِ، فَقَالَ لَوْلَا هَذَا مَا حَدثنَا انْتهى، وَغَايَة مَا ذكر فِيهِ أَنه يَنْتَهِي إِلَى عبد الله وَهُوَ تَابِعِيّ على الصَّحِيح لَيْسَ لَهُ صُحْبَة، والإرسال غير ضائر فِي الْإِسْنَاد من الثِّقَة بل هِيَ مِنْهُ زِيَادَة مَقْبُولَة (وَأما الِاسْتِدْلَال) لِلْجُمْهُورِ (بتفسيره) أَي بِالْإِجْمَاع على جَوَاز الحَدِيث (بالعجمية) فَإِنَّهُ إِذا جَازَ تَفْسِيره بهَا فَلِأَن يجوز بِالْعَرَبِيَّةِ أولى (فَمَعَ الْفَارِق) أَي قِيَاس مَعَ الْفَارِق (إِذْ لولاه) أَي تَفْسِيره بالعجمية (امْتنع معرفَة الْأَحْكَام للجم الْغَفِير) لِأَن العجمي لَا يفهم الْعَرَبِيّ إِلَّا بالتفسير: وَكَذَا يجوز تَفْسِير الْقُرْآن بِجَمِيعِ الألسن (و) لَا يجوز نَقله بِالْمَعْنَى بالِاتِّفَاقِ (أَيْضا) من الْأَدِلَّة (على تجويزه الْعلم بِأَن الْمَقْصُود الْمَعْنى) لِأَن الحكم يثبت بِهِ لَا بِاللَّفْظِ من حَيْثُ هُوَ (وَهُوَ) أَي الْمَعْنى (حَاصِل) فَلَا يضر اخْتِلَاف اللَّفْظ (وَأما اسْتثِْنَاء فَخر الْإِسْلَام) السَّابِق (لِأَنَّهُ) أَي النَّقْل بِالْمَعْنَى للمشترك وَنَحْوه (تَأْوِيله) أَي الرَّاوِي لهَذِهِ الرِّوَايَة الْأَقْسَام (وَلَيْسَ) تَأْوِيله (حجَّة على غَيره كقياسه) أَي كَمَا أَن قِيَاسه لَيْسَ حجَّة على غَيره (بِخِلَاف الْمُحكم) فَإِن النَّقْل فِيهِ بِالْمَعْنَى لَا يُفْضِي إِلَى الْغَلَط (والمحتمل للخصوص) أَي وَنقل الْفَقِيه الْعَالم الْمُحْتَمل للخصوص بِالْمَعْنَى على الْوَجْه الَّذِي يُسْتَفَاد مِنْهُ الْخُصُوص (مَحْمُول على سَمَاعه الْمُخَصّص كعمله) أَي الرَّاوِي فِي الْمُفَسّر (بِخِلَاف رِوَايَته) حَيْثُ يحمل عمله بِخِلَاف رِوَايَته (على النَّاسِخ) أَي على سَمَاعه النَّاسِخ لمرويه (وَيشكل) اسْتثِْنَاء فَخر الْإِسْلَام (بترجيح تَقْلِيده) أَي الصَّحَابِيّ فَإِنَّهُ يجْرِي فِيهِ الدَّلِيل الْمَذْكُور لاستثنائه بِأَن يُقَال مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده إِنَّمَا هُوَ تَأْوِيله وَلَيْسَ تَأْوِيله حجَّة على غَيره (فَإِن أُجِيب) بِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَرَجَّح تَقْلِيده (بِحمْلِهِ) أَي مَا قَلّدهُ فِيهِ (على السماع فَالْجَوَاب أَنه) أَي حمله على السماع ثَابت (مَعَ إِمْكَان قِيَاسه) أَي يُمكن أَنه قَالَه قِيَاسا واجتهادا (فَكَذَا فِي نَحْو الْمُشْتَرك) من الْخَفي والمشكل إِذا حمله على بعض وجوهه يحمل على السماع مَعَ إِمْكَان تَأْوِيله (تقدم) اجْتِهَاده (بترجيح اجْتِهَاده) لمشاهدته

стр. 799

الْأُمُور الْمُوجبَة لعلمه بِأَن الْعلَّة مَا ذكر فَإِن قيل ترجح اجْتِهَاد الصَّحَابِيّ على اجْتِهَاد غَيره بَاطِل لقَوْله ﷺ " نضر الله عبدا سمع مَقَالَتي فوعاها، فحفظها فأداها: فَرب حَامِل فقه غير فَقِيه، وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ ": رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان وَغَيرهم كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَإِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ) بِاعْتِبَار أَنه يدل على أَن الْمَحْمُول إِلَيْهِ وَهُوَ التَّابِعِيّ قد يكون أفقه من الْحَامِل الصَّحَابِيّ وَلَا يقدم اجْتِهَاد غير الأفقه على الأفقه: فَالْجَوَاب أَنه ﷺ (قلله بِرَبّ) أَي كَون الْمَحْمُول إِلَيْهِ أفقه (فَكَانَ الظَّاهِر بعد الِاشْتِرَاك) من الصَّحَابَة وَغَيرهم (فِي الْفِقْه أفقهيتهم) أَي الصَّحَابَة، وَهَذَا بِنَاء على حمل رب على حَقِيقَته لاعلى مجازه الْمَشْهُور وَهُوَ التكثير (إِلَّا قَلِيلا فَيحمل) حَالهم (على الْغَالِب) وَهُوَ أفقهيتهم (وَالتَّحْقِيق) أَنه (لَا يتْرك اجْتِهَاد لاجتهاد الأفقه و) ترك الِاجْتِهَاد: أَي مؤداه لاجتهاد الأفقه (فِي الصَّحَابَة) لَيْسَ بكونهم أفقه، بل (لقرب سَماع الْعلَّة) أَي لقرب احْتِمَال كَونه سمع هُنَا دَالا على علية الْعلَّة (أَو نَحوه) أَي مَا يقوم مقَام سماعهَا، ثمَّ بَينه بقوله (من مُشَاهدَة مَا يفيدها) أَي الْعلَّة من الْقَرَائِن (وعَلى هَذَا) التَّوْجِيه (نجيزه) أَي النَّقْل بِالْمَعْنَى (فِي الْمُجْمل، وَلَا يُنَافِي) هَذَا (قَوْلهم) أَي الْحَنَفِيَّة (لَا يتَصَوَّر) النَّقْل بِالْمَعْنَى (فِي الْمُجْمل والمتشابه) لأَنهم إِنَّمَا نفوه لما ذَكرُوهُ من قَوْلهم (لِأَنَّهُ لَا يُوقف على مَعْنَاهُ) إِذْ الْمُجْمل لَا يُسْتَفَاد المُرَاد مِنْهُ إِلَّا بَيَان سَمْعِي، والمتشابه لَا ينَال فِي الدُّنْيَا أصلا. قَالَ الشَّارِح وَالْمُصَنّف يَقُول بذلك لكنه يَقُول: إِذا رَوَاهُ بِمَعْنى على أَنه المُرَاد أصححه حملا على السماع، فَإنَّا إِذا علمنَا بِتَرْكِهِ الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ من الْمُفَسّر حكمنَا بِأَنَّهُ علم أَنه مَنْسُوخ إِذْ كَانَ يحرم عَلَيْهِ ترك الْعَمَل بِالْحَدِيثِ فَكَذَلِك إِذا روى الْمُجْمل بِمَعْنى مُفَسّر على أَنه المُرَاد مِنْهُ حكمنَا بِأَنَّهُ سمع تَفْسِيره: إِذْ لَا يحل أَن يفسره بِرَأْيهِ فَالْحَاصِل أَن الْأَقْسَام خَمْسَة: الْمُفَسّر الَّذِي لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا فَيجوز نَقله بِالْمَعْنَى اتِّفَاقًا بعد علمه باللغة، والحقيقة وَالْعَام المحتملان للمجاز والتخصيص، فَيجوز مَعَ الْفِقْه واللغة، فَلَو انسد بَاب التَّخْصِيص كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ - ﴿وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ - وَالْمجَاز بِمَا يُوجِبهُ رَجَعَ إِلَى الْجَوَاز إِلَى الِاكْتِفَاء بِعَدَمِ اللُّغَة فَقَط لصيرورته محكما لَا يحْتَمل إِلَّا وَجها وَاحِدًا والمشترك والمشكل والخفي، فَلَا يجوز نَقله بِالْمَعْنَى أصلا عِنْدهم: لِأَن المُرَاد لَا يعرف إِلَّا بِتَأْوِيل، وتأويله لَا يكون حجَّة على غَيره، وَحكم المُصَنّف بِجَوَاز ذَلِك لِأَنَّهُ دائر بَين كَونه تَأْوِيله أَو مسموعه، وكل مِنْهُمَا من الصَّحَابِيّ مقدم على غَيره، ومجمل ومتشابه، فَقَالُوا: لَا يتَصَوَّر نَقله بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ فرع معرفَة الْمَعْنى وَلَا يُمكن فيهمَا، وَالْمُصَنّف يَقُول كَذَلِك، وَلَكِن يَقُول: إِذا عين معنى على أَنه المُرَاد حكمنَا بِأَنَّهُ سَمعه على وزان حكمنَا فِي تَركه أَنه سمع النَّاسِخ حكما ودليلا، وَمَا هُوَ من جَوَامِع الْكَلم

стр. 800

فَاخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ، كَذَا أَفَادَ المُصَنّف انْتهى (قَالُوا) أَي المانعون: قَالَ ﷺ (نضر الله امْرأ) سمع منا شَيْئا فَبلغ كَمَا سَمعه، فَرب مبلغ أوعى من سامع. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان وَغَيرهم، فحرض على نقل أصل الحَدِيث على الْوَجْه الَّذِي سَمعه وَهَذَا إِنَّمَا يتَحَقَّق إِذا رَوَاهُ بِلَفْظِهِ (قُلْنَا) قَوْله نضر الله الخ (حث على الأولى) فِي نَقله سَوَاء كَانَ دُعَاء: أَي جمله وزينه، أَو خَبرا عَن أَنه من أهل نَضرة النَّعيم قيل هُوَ بتَخْفِيف الضَّاد، والمحدثون يثقلونها. وَفِي الغريبين رَوَاهُ الْأَصْمَعِي بِالتَّشْدِيدِ وَأَبُو عبيد بِالتَّخْفِيفِ وَقيل مَعْنَاهُ حسن الله وَجهه فِي خلقه: أَي جاهه وَقدره. وَعَن الفضيل بن عِيَاض " مَا من أحد من أهل الحَدِيث إِلَّا وَفِي وَجهه نَضرة لقَوْل النَّبِي ﷺ نضر الله الحَدِيث (فَأَيْنَ منع خِلَافه) أَي خلاف الأولى، وَهُوَ النَّقْل بِالْمَعْنَى. وَفِي الشَّرْح العضدي: وَيُمكن أَن يُقَال أَيْضا بِالْمُوجبِ، فَإِن من نقل الْمَعْنى أَدَّاهُ كَمَا سَمعه، وَلذَلِك يَقُول المترجم أديته كَمَا سمعته (فَإِن قيل هُوَ) أَي الْمَانِع من خِلَافه (قَوْله فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ أَفَادَ أَنه) أَي الرَّاوِي (قد يقصر لَفظه) عَن اسْتِيعَاب مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ اللَّفْظ النَّبَوِيّ من الْأَحْكَام: إِذا الأفقه يدْرك مَا لَا يُدْرِكهُ غَيره (فَيَنْتَفِي أَحْكَام يستنبطها الْفَقِيه) بِوَاسِطَة نَقله بِالْمَعْنَى وقصور لَفظه (قُلْنَا غَايَته) أَي غَايَة تصور لَفظه عَن اسْتِيعَاب ذَلِك أَنه ك (نقل بعض الْخَبَر بعد كَونه حكما تَاما) وَهُوَ جَائِز كَمَا تقدم (وَقد يفرق) بَين هَذَا وَبَين حذف بعض الْخَبَر الَّذِي لَا تعلق لَهُ بِالْبَاقِي تعلقا يُغير الْمَعْنى (بِأَن لَا بُد) للحاذق (من نقل الْبَاقِي فِي عمره كي لَا تَنْتفِي الْأَحْكَام) المستفادة مِنْهُ (بِخِلَاف من قصر) لَفظه عَنْهَا (فَإِنَّهَا) أَي الْأَحْكَام الَّتِي لَيست بمستفادة مِنْهُ (تَنْتفِي) لعدم مفيدها (بل الْجَوَاز) أَي جَوَاز النَّقْل بِالْمَعْنَى (لمن لَا يخل) بِشَيْء من مقاصده (لفقهه قَالُوا) أَي المانعون أَيْضا: النَّقْل بِالْمَعْنَى (يُؤَدِّي إِلَى الْإِخْلَال) بمقصود الحَدِيث (بِتَكَرُّر النَّقْل كَذَلِك) أَي بِالْمَعْنَى: يَعْنِي تجوزيه ينجر إِلَى التّكْرَار، وَفِي كل مرّة يحصل تَغْيِير لاخْتِلَاف الإفهام فيؤل إِلَى تَغْيِير فَاحش مفوت للمقصود (أُجِيب بِأَن) تَقْيِيد (الْجَوَاز) للنَّقْل بِالْمَعْنَى (بِتَقْدِير عَدمه) أَي عدم الْإِخْلَال بِالْمَقْصُودِ (يَنْفِيه). قَالَ الشَّارِح: أَي أَدَاء النَّقْل بِالْمَعْنَى، لِأَنَّهُ خلاف الْفَرْض انْتهى، وَلَا يفهم لَهُ معنى. فِي الشَّرْح العضدي الْجَواب أَن فرض تَغْيِير مَا فِي كل مرّة مِمَّا لَا يتَصَوَّر فِي مَحل النزاع، فَإِن الْكَلَام فِيمَن نقل الْمَعْنى سَوَاء من غير تَغْيِير أصلا، وَإِلَّا لم يجز اتِّفَاقًا. وَفِيه قد اخْتلف فِي جَوَاز نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى، والنزاع فِيمَن هُوَ عَارِف بمواقع الْأَلْفَاظ، وَأما غَيره فَلَا يجوز مِنْهُ اتِّفَاقًا انْتهى: فَالْمَعْنى انْتَفَى مَا ذكر من التأدية إِلَى الاخلال

стр. 801

مسئلة (الْمُرْسل قَول الإِمَام) من أَئِمَّة النَّقْل وَهُوَ من لَهُ أَهْلِيَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل (الثِّقَة قَالَ ﷺ كَذَا مقول القَوْل " (مَعَ حذف من السَّنَد، وتقييده) أَي الْقَائِل أَو الإِمَام الْقَائِل (بالتابعي أَو الْكَبِير مِنْهُم) أَي التَّابِعين كَعبد الله بن عدي وَقيس بن أبي حَازِم (اصْطِلَاح) من الْمُحدثين (فَدخل) فِي التَّعْرِيف (الْمُنْقَطع) بالاصطلاح الْمَشْهُور للمحدثين: وَهُوَ مَا سقط من رُوَاته قبل الصَّحَابِيّ راو أَو اثْنَان فَصَاعِدا من مَوضِع وَاحِد (والمعضل) الْمَشْهُور عِنْدهم، وَهُوَ مَا سقط مِنْهُ اثْنَان فَصَاعِدا من مَوضِع وَاحِد (وَتَسْمِيَة قَول التَّابِعِيّ مُنْقَطِعًا) كَمَا عَن الْحَافِظ البرديجي (خلاف الِاصْطِلَاح الْمَشْهُور فِيهِ) أَي الْمُنْقَطع (وَهُوَ) أَي قَول التَّابِعِيّ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ هُوَ (الْمَقْطُوع) كَمَا ذكره الْخَطِيب وَغَيره (فَإِن كَانَ) الْمُرْسل صحابيا (فَحكى الِاتِّفَاق على قبُوله لعدم الِاعْتِدَاد بقول) أبي إِسْحَاق (الاسفرايني) لَا يحْتَج بِهِ (وَمَا عَن الشَّافِعِي من نَفْيه) أَي نفي قَوْله (إِن علم إرْسَاله) أَي الصَّحَابِيّ عَن غَيره كَمَا نقل عَنهُ فِي الْمُعْتَمد، وَلعدم الِاعْتِدَاد بِهَذَا أَيْضا فِي أصُول فَخر الْإِسْلَام بعد حِكَايَة الْإِجْمَاع على قبُول مُرْسل الصَّحَابِيّ، وَتَفْسِير ذَلِك أَن من الصَّحَابَة من كَانَ من الفتيان قلت صحبته، وَكَانَ يرْوى عَن غَيره من الصَّحَابَة فَإِذا أطلق الرِّوَايَة فَقَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ كَانَ ذَلِك مِنْهُ مَقْبُولًا وَإِن احْتمل الْإِرْسَال، لِأَن من ثبتَتْ صِحَّته لم يحمل حَدِيثه الْأَعْلَى سَمَاعه بِنَفسِهِ إِلَّا أَن يُصَرح بالرواية عَن غَيره انْتهى (أَو) كَانَ الْمُرْسل (غَيره) أَي غير الصَّحَابِيّ (فالأكثر) أَي فمذهب أَكثر الْعلمَاء (مِنْهُم الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة إِطْلَاق الْقبُول، والظاهرية وَأكْثر) أهل (الحَدِيث من عهد الشَّافِعِي إِطْلَاق الْمَنْع، وَالشَّافِعِيّ) قَالَ (أَن عضد بِإِسْنَاد أَو إرْسَال مَعَ اخْتِلَاف الشُّيُوخ) من الْمُرْسلين (أَو قَول الصَّحَابِيّ أَو أَكثر الْعلمَاء أَو عرف) الْمُرْسل (أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة قبل، وَإِلَّا) أَي وَأَن لم يُوجد أحد هَذِه الْخَمْسَة (لَا) يقبل (قيل وَقَيده) أَي الشَّافِعِي قبُوله مَعَ كَونه معتضدا بِمَا ذَكرْنَاهُ أَيْضا (بِكَوْنِهِ) أَي الْمُرْسل (من كبار التَّابِعين وَلَو خَالف الْحفاظ فبالنقص) أَي بِكَوْن حَدِيثه أنقص، ذكره الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ عَن نَص الشَّافِعِي (وَابْن أبان) يقبل (فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة، وَفِيمَا بعْدهَا إِذا كَانَ) الْمُرْسل (من أَئِمَّة النَّقْل وروى الْحفاظ مرسله كَمَا رووا مُسْنده، وَالْحق اشْتِرَاط كَونه من أَئِمَّة النَّقْل مُطلقًا) أَي فِي الْقُرُون الثَّلَاثَة وَمَا بعْدهَا (لنا) فِي قبُول الْمُرْسل من أَئِمَّة الشَّأْن (جزم الْعدْل بِنِسْبَة الْمَتْن إِلَيْهِ ﷺ بقوله قَالَ: يسْتَلْزم اعْتِقَاد ثِقَة الْمسْقط) وَإِلَّا كَانَ تلبيسا قادحا فِيهِ، وَالْفَرْض انتقاؤه (وَكَونه) أَي الْمُرْسل (من أَئِمَّة الشَّأْن قوى الظُّهُور فِي الْمُطَابقَة) أَي فِي مُطَابقَة الْخَبَر للْوَاقِع أَو فِي مُطَابقَة اعْتِقَاده ثِقَة الْمسْقط للْوَاقِع

стр. 802

وَهُوَ الْأَوْجه (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعْتَقد ثِقَة الْمسْقط (لم يكن عدلا إِمَامًا) وَالْأَوْجه أَن الْمَعْنى إِن لم يعْتَقد ثقته اعتقادا مطابقا يلْزم أحد الْأَمريْنِ: عدم الْعَدَالَة إِن لم يعْتَقد وَعدم كَونه إِمَامًا إِن اعْتقد وَلم يكن مطابقا (وَلذَا) أَي لاستلزام جزمه ذَلِك (حِين سُئِلَ النَّخعِيّ الْإِسْنَاد إِلَى عبد الله) أَي لما قَالَ الْأَعْمَش لإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: إِذا رويت حَدِيثا عَن عبد الله بن مَسْعُود فاسنده لي (قَالَ إِذا قلت حَدثنِي فلَان عَن عبد الله فَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ، فَإِذا قلت قَالَ عبد الله فَغير وَاحِد) أَي فقد رَوَاهُ غير وَاحِد، وَهَذَا كِنَايَة عَن كَثْرَة الروَاة (وَقَالَ الْحسن مَتى قلت لكم حَدثنِي فلَان فَهُوَ حَدِيثه) لَا غير (وَمَتى قلت قَالَ رَسُول الله ﷺ فَمن سبعين) سمعته أَو أَكثر (فأفادوا أَن إرسالهم عِنْد الْيَقِين أَو قريب مِنْهُ فَكَانَ) الْمُرْسل (أقوى من الْمسند وَهُوَ) أَي كَونه أقوى مِنْهُ (مُقْتَضى الدَّلِيل، فَإِن قيل تحقق من الْأَئِمَّة كسفيان) الثَّوْريّ (وَبَقِيَّة تَدْلِيس التَّسْوِيَة) كَمَا سلف (وَهُوَ) أَي إرْسَال من تحقق فِيهِ هَذَا التَّدْلِيس (مشمول بدليلكم) الْمَذْكُور (قُلْنَا نلتزمه) أَي شُمُول الدَّلِيل لَهُ، ونقول بحجيته جملا على أَنه لم يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة (ووقف مَا أَوْهَمهُ إِلَى الْبَيَان) أَي جعل الِاحْتِجَاج بِمَا أوهم التَّدْلِيس من حَدِيث الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين مَوْقُوفا إِلَى أَن يبين إرْسَاله عَن ثِقَة أَولا (قَول النافين) حجَّة الْمُرْسل (أَو مَحَله) أَي الْوَقْف (الِاخْتِلَاف) أَي اخْتِلَاف حَال المدلس بِأَن علم تَارَة أَنه يحذف المضعف عِنْد الْكل، وَتارَة يحذف المضعف عِنْد غَيره إِلَى غير ذَلِك (بِخِلَاف الْمُرْسل) فَإِنَّهُ يجد الحكم فِيهِ بِأَن الْمَحْذُوف لَيْسَ مجمعا على ضعفه بل ثِقَة أَو من يَعْتَقِدهُ الإِمَام الحاذف أَنه ثِقَة (وَاسْتدلَّ) للمختار فَقيل (اشْتهر إرْسَال الْأَئِمَّة كالشعبي وَالْحسن وَالنَّخَعِيّ وَابْن الْمسيب وَغَيرهم و) اشْتهر (قبُوله) أَي قبُول مرسلهم (بِلَا نَكِير فَكَانَ) قبُوله بِلَا نَكِير (إِجْمَاعًا، لَا يُقَال لَو كَانَ) قبُوله إِجْمَاعًا (لم يجز خِلَافه) لكَونه خرقا للْإِجْمَاع، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ اتِّفَاقًا، لأَنا نقُول لَا نسلم (لِأَن ذَلِك) أَي عدم جَوَاز الْخلاف إِنَّمَا هُوَ (فِي) الْإِجْمَاع (الْقطعِي) وَهنا ظَنِّي لِأَنَّهُ سكوتي (لَكِن ينْقض) هَذَا الْإِجْمَاع الْحَاصِل من قبولهم بِلَا نَكِير (بقول ابْن سِيرِين لَا نَأْخُذ بمراسيل الْحسن وَأبي الْعَالِيَة فَإِنَّهُمَا لَا يباليان عَمَّن أخذا الحَدِيث) يَعْنِي يروون الحَدِيث عَن الثِّقَة وَغَيره (وَهُوَ) أَي عدم مبالاتهما الْمَذْكُور (وَإِن لم يسْتَلْزم) إرسالهما عَن غير ثِقَة (إِذْ اللَّازِم) لدَلِيل الْقَائِل بالمرسل (أَن الإِمَام الْعدْل لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة وَلَا يسْتَلْزم) كَونه لَا يُرْسل إِلَّا عَن ثِقَة (أَن لَا يَأْخُذ إِلَّا عَنهُ) أَي عَن ثِقَة إِذْ فِي الْأَخْذ عَن غير الثِّقَة، وَذكر عِنْد الرِّوَايَة يكون الْعهْدَة على الْمَرْوِيّ عَنهُ بِخِلَاف الْإِرْسَال فَإِن الْعهْدَة فِيهِ على الْمُرْسل، ثمَّ قَوْله: وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره (ناف للْإِجْمَاع) إِذْ لَا إِجْمَاع مَعَ مُخَالفَة ابْن سِيرِين (فَهُوَ) أَي نقل الْإِجْمَاع على قبُوله (خطأ) وَإِن كَانَ مخالفه خطأ لِأَنَّهُ علل بِمَا لَا يصلح

стр. 803

مَانِعا، كَيفَ وَالْعدْل إِن أَخذ من غير ثِقَة فَهُوَ ثِقَة يُبينهُ إِذا روى وَلَا يُرْسل لِأَنَّهُ عثر فِي الدّين وَاحْتج (الْأَكْثَر) لقبوله (بِهَذَا) الْإِجْمَاع، وَقد عرفت مَا فِيهِ (وَبِتَقْدِير تَمَامه) أَي الْإِجْمَاع (لَا يفيدهم) أَي الْأَكْثَرين (تعميما) فِي أَئِمَّة النَّقْل وَغَيرهم، فَإِن الْمَذْكُورين من أَئِمَّة النَّقْل فَلم يجب فِي غَيرهم، وَالْمُدَّعِي قبُول إرْسَال الإِمَام الثِّقَة سَوَاء كَانَ من أَئِمَّة النَّقْل أَولا (و) أَيْضا احْتج الْأَكْثَر (بِأَن رِوَايَة الثِّقَة) الْعدْل عَمَّن أسْقطه (تَوْثِيق لمن أسْقطه) لَا أَنه الظَّاهِر من حَاله فَيقبل كَمَا لَو صرح بالتعديل (وَدفع) هَذَا (بِأَن ظُهُور مُطَابقَة ظن الْجَاهِل) بِحَال السَّاقِط فِي نفس الْأَمر (ثِقَة السَّاقِط مُنْتَفٍ) إِذْ جَهله بِحَالهِ يمْنَع اعْتِبَار توثيقه: يَعْنِي إِنَّمَا يعْتَبر تَوْثِيق الْعدْل إِذا كَانَ من أَئِمَّة النَّقْل لِأَنَّهُ تَوْثِيق من إِمَام عَالم بأحوال الروَاة، وَالظَّاهِر كَونه مطابقا لكَون السَّاقِط ثِقَة فِي الْوَاقِع، وَأما إِذا لم يكن عَالما بهَا فَلَا عِبْرَة بظنه ثِقَة فَانْتفى ظُهُور مُطَابقَة ظَنّه ذَلِك (وَلَعَلَّ التَّفْصِيل) فِي الْمُرْسل بَين كَونه من الْأَئِمَّة فَيقبل وَإِلَّا فَلَا (مُرَاد الْأَكْثَر من الْإِطْلَاق) لقبُول الْمُرْسل (بِشَهَادَة اقْتِصَار دليلهم) للقبول (على الْأَئِمَّة) أَي على ذكر إرسالهم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن مُرَادهم هَذَا التَّفْصِيل (فبعيد قَوْلهم بتوثيق من لَا يعول على علمه، وَمثله) أَي مثل هَذَا الْإِطْلَاق وَإِرَادَة الْمُفِيد (من أَوَائِل الْأَئِمَّة كثير) فَلَا يكون الْأَكْثَر مذهبا غير الْمفصل (النافون) لقبوله قَالُوا أَولا الْإِرْسَال (يسْتَلْزم جَهَالَة الرَّاوِي) عينا وَصفَة (فَيلْزم) من قبُول الْمُرْسل (الْقبُول مَعَ الشَّك) فِي عَدَالَة الرَّاوِي، إِذْ لَو سُئِلَ هَل هُوَ عدل لجَاز أَن يَقُول لَا كَمَا يجوز أَن يَقُول نعم، كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَفِيه مَا فِيهِ (قُلْنَا ذَلِك) أَي الاستلزام الْمَذْكُور (فِي غير أَئِمَّة الشَّأْن) وَأما الْأَئِمَّة فَالظَّاهِر أَنهم لَا يجزمون بقول السَّاقِط إِلَّا بعد علمهمْ بِكَوْنِهِ ثِقَة (قَالُوا) ثَانِيًا فَحَيْثُ يجوز الْعَمَل بالمرسل (فَلَا فَائِدَة للإسناد) فَيلْزم اتِّفَاقهم على ذكره عينا (قُلْنَا) الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة (بل يلْزم الْإِسْنَاد فِي غير الْأَئِمَّة ليقبل) مرويه، لأَنا لَا نقبل مَرْوِيّ غَيرهم إِلَّا بِالْإِسْنَادِ فالفائدة فِي حَقهم قبُول روايتهم (و) الْفَائِدَة (فِي الْأَئِمَّة إِفَادَة مرتبته) أَي الرَّاوِي الْمَنْقُول عَنهُ (للترجيح) عِنْد التَّعَارُض بِأَن يكون أَحدهمَا أفقه وأوثق إِلَى ذَلِك، فَهَذَا فَائِدَة الْإِسْنَاد فِي الْأَئِمَّة (و) الْفَائِدَة الْأُخْرَى (رفع الْخلاف) فِي قبُول الْمُرْسل ورده إِذْ لَا خلاف فِي الْمسند (و) الْفَائِدَة الْأُخْرَى (فحص الْمُجْتَهد بِنَفسِهِ) عَن حَال الرَّاوِي (إِن لم يكن مَشْهُورا) بِالْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَة، الضَّمِير فِي لم يكن رَاجع إِلَى الرَّاوِي لَا الْمُرْسل كَمَا زعم الشَّارِح، إِذْ الْمَعْنى حِينَئِذٍ استلزم وَلم يُرْسل لعدم شهرة الْمُرْسل وَعدم شهرته يسْتَلْزم كَونه من غير الْأَئِمَّة، وَقد عرفت عدم قبُول إرْسَال غير الْأَئِمَّة فالإسناد للقبول، وَقَوله (لينال) الْمُجْتَهد (ثَوَابه) أَي الِاجْتِهَاد (ويقوى ظَنّه) بِصِحَّة الْمَرْوِيّ، فَإِن الظَّن الْحَاصِل بفحصه أقوى من الظَّن الْحَاصِل بفحص غَيره يدل على أَن الْإِسْنَاد لنيل الثَّوَاب وَقُوَّة الظَّن فيهمَا تدافع (قَالُوا) ثَالِثا (لَو تمّ) القَوْل بِقبُول الْمُرْسل (قبل

стр. 804

فِي عصرنا) أَيْضا لوُجُود الْعلَّة الْمُوجبَة للقبول من السّلف فِي عدل كل عصر (قُلْنَا نلتزمه) أَي قبُول الْمُرْسل فِي كل عصر (إِذا كَانَ) الْمُرْسل (من الْعُدُول وأئمة الشَّأْن) وَلَا يقبل إِذا لم يكن كَذَلِك. قَالَ (الشَّافِعِي إِن لم يكن) ذَلِك (العاضد) وَهُوَ مَا سبق من الْأُمُور الْخَمْسَة المفاد بقوله إِن عضدنا بِإِسْنَاد أَو إرْسَال إِلَى آخِره (لم يحصل الظَّن، وَهُوَ) أَي عدم حُصُول الظَّن عِنْد انْتِفَاء ذَلِك العاضد (مَمْنُوع بل) الظَّن حَاصِل (دونه) أَي دون ذَلِك العاضد (مِمَّا ذكرنَا) من جزم الْعدْل بنسبته الخ (وَقد شوحح) أَي نُوقِشَ الشَّافِعِي بقوله باعتضاد الْمُرْسل بمرسل آخر أَو بِمُسْنَد (فَقيل ضم غير الْمسند) إِلَى الْمُرْسل (ضم) خبر (غير مَقْبُول إِلَى) خبر (مثله) فِي عدم الْقبُول فَلَا يُفِيد الظَّن لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُتَّهم (فَلَا يُفِيد) الظَّن فَكَذَلِك الْمَجْمُوع (وَفِي) ضم (الْمسند) إِلَى الْمُرْسل (الْعَمَل بِهِ) أَي بالمسند (حِينَئِذٍ) لَا بالمرسل فالظن إِنَّمَا يحصل بالمسند لَا بِغَيْرِهِ (وَدفع الأول) وَهُوَ أَن ضم غير مَقْبُول إِلَى مثله لَا يُفِيد (بِأَن الظَّن قد يحصل عِنْده) أَي عِنْد الضَّم والتركيب مَعَ أَنه لَا يحصل بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْفَردا (كَمَا يقوى) الظَّن (بِهِ) أَي بِالضَّمِّ (لَو كَانَ حَاصِلا قبله) أَي قبل الضَّم لكَون المنضم إِلَيْهِ مُفِيدا (وَقدمنَا نَحوه فِي تعدد طرق الضَّعِيف) بِغَيْر الْفسق مَعَ الْعَدَالَة (قيل وَالثَّانِي) أَي كَون الْعَمَل بالمسند إِذا انْضَمَّ إِلَى الْمُرْسل (وَارِد) قَائِله ابْن الْحَاجِب (وَالْجَوَاب) عَن الثَّانِي ردا على قَوْله وَارِد (بِأَن الْمسند يبين صِحَة إِسْنَاد) الْمُرْسل الأول فَيحكم لَهُ) أَي للمرسل (مَعَ إرْسَاله) أَي مَعَ كَونه مُرْسلا (بِالصِّحَّةِ) صلَة الحكم، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الصِّحَّة الْمُعْتَبرَة فِي الصَّحِيح عِنْد الْمُحدثين بل الثُّبُوت والاحتجاج بِهِ اتِّفَاقًا ذكره ابْن الصّلاح (وَدفع) هَذَا الْجَواب. قَالَ الشَّارِح دافعه الشَّيْخ سراج الدّين الْهِنْدِيّ (بِأَنَّهُ إِنَّمَا يلْزم) تبين صِحَة الْإِسْنَاد الَّذِي فِيهِ الْإِرْسَال بالمسند (لَو كَانَ) الْإِسْنَاد فِي كليهمَا (وَاحِدًا ليَكُون الْمَذْكُور إِظْهَارًا للساقط وَلم يقصره) الشَّافِعِي: أَي أعضاد الْمُرْسل بالمسند (عَلَيْهِ) أَي على كَون الْإِسْنَاد فِي كليهمَا وَاحِدًا فَيتَنَاوَل مَا إِذا تعذر إسنادهما وَلَا يلْزم من صِحَة الحَدِيث بِإِسْنَاد صِحَّته بِإِسْنَاد آخر، (وَأجِيب أَيْضا بِأَنَّهُ يعْمل بالمرسل وَإِن لم تثبت عَدَالَة رُوَاة الْمسند أَو) يعْمل بالمرسل (بِلَا الْتِفَات إِلَى تعديلهم) أَي رُوَاة الْمسند (بِخِلَاف مَا لَو كَانَ الْعَمَل بِهِ) أَي بالمسند (ابْتِدَاء) فَإِنَّهُ إِنَّمَا يعْمل بِهِ بعد ثُبُوت عَدَالَة رُوَاته (وَاعْلَم أَن عبارَة الشَّافِعِي لم تنص على اشْتِرَاط عدالتهم) أَي رُوَاة الْمسند (وَهِي) أَي عِبَارَته (قَوْله) والمنقطع مُخْتَلف، فَمن شَاهد أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من التَّابِعين فَحدث حَدِيثا مُنْقَطِعًا عَن النَّبِي ﷺ اعْتبر عَلَيْهِ بِأُمُور مِنْهَا أَن ينظر إِلَى مَا أرسل من الحَدِيث (فَإِن شركه الْحفاظ المأمونون فَأَسْنَدُوهُ) بِمثل معنى مَا روى (كَانَت) هَذِه (دلَالَة) على صِحَة من قيل عَنهُ وَحفظه (وَهَذِه الصّفة)

стр. 805

فِي المخرجين (لَا توجب عِبَارَته ثُبُوتهَا فِي سندهم). قَوْله وَهَذِه الصّفة الخ حَاصله الْفرق بَين المخرجين والرواة، فَإِن المخرجين مثل البُخَارِيّ وَمُسلم، والرواة الَّذين يذكرُونَ فِي السَّنَد أَنه يستنبط من قَول الشَّافِعِي أَن الموصوفين بِالْحِفْظِ وَالْأَمَانَة المخرجون، لِأَن الْإِسْنَاد يُضَاف إِلَيْهِم فِي عرف الْمُحدثين، وَكَون مخرج الحَدِيث حَافِظًا أَمينا لَا يستدعى كَون رِجَالهمْ بذكرهم فِي السَّنَد على هَذَا الْوَصْف، فغاية مَا يلْزم من عبارَة الشَّافِعِي اشْتِرَاط الصّفة الْمَذْكُورَة فِي مخرج مُسْند شَارك الْمُرْسل فِي معنى حَدِيثه لَا فِي رُوَاة حَدِيثه الْمُتَّصِل (وَكَأن الْإِيرَاد) الَّذِي قَرَّرَهُ ابْن الْحَاجِب (بِنَاء على اشْتِرَاط الصِّحَّة) أَي صِحَة السَّنَد فِي الْمسند المعاضد (وَالْجَوَاب حِينَئِذٍ) أَي حِين يشْتَرط فِيهِ الصِّحَّة أَن يُقَال (صيررتهما) أَي الْمسند والمرسل (دَلِيلين) وَإِن لم يكن أَحدهمَا حجَّة بِنَفسِهِ (قد يُفِيد فِي الْمُعَارضَة) بِأَن يرجح بهما عِنْد مُعَارضَة دَلِيل وَاحِد، فَمَعْنَى قَول الشَّافِعِي الْمُرْسل عِنْد الاعتضاد بِهِ أحد اعْتِبَاره للترجيح. وَأما تحسينه إرْسَال ابْن الْمسيب فَفِيهِ قَولَانِ لأَصْحَابه: أَحدهمَا أَن مراسليه فتشت فَوجدت مُسندَة وَالثَّانِي أَنه يرجح بهَا لكَونه من أكَابِر عُلَمَاء التَّابِعين. قَالَ الْخَطِيب: الصَّحِيح عندنَا الثَّانِي فعلى هَذَا لَا يخْتَص بِهِ، بل كل من يكون مثله يكون مرسله ترجح بِهِ (وَاعْلَم أَن من الْمُحَقِّقين) وَهُوَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ (من أدرج) قَول الْمُحدث (عَن رجل فِي حكمه) أَي الْمُرْسل (من الْقبُول عِنْد قَابل الْمُرْسل، وَلَيْسَ) كَذَلِك (فَإِن تصريحه) أَي الْمُحدث (بِهِ) أَي بِمن روى عَنهُ حَال كَونه (مَجْهُولا لَيْسَ كتركه) أَي من روى عَنهُ من حَيْثُ أَنه (يسْتَلْزم توثيقه) هَكَذَا فِي نُسْخَة الشَّارِح. وَفِي نُسْخَة اعتمادي عَلَيْهَا ليستلزم توثيقه وَهَذَا أحسن (نعم يلْزم كَون) قَول الْمُحدث (عَن الثِّقَة تعديلا) بل كَونه فِي حكم الْمُرْسل أولى لتصريحه بالثقة فَقَوله حَدثنِي الْفَقِيه تَعْدِيل فَوق الْإِرْسَال عِنْد من يقبله (بِخِلَافِهِ) أَي قَوْله عَن الثِّقَة (عِنْد من يردهُ) أَي الْمُرْسل فَإِنَّهُ لَا يعتبره (إِلَّا إِن عرفت عَادَته أَي الْقَائِل عَن الثِّقَة (فِيهِ) أَي فِي قَوْله حَدثنِي (الثِّقَة) أَن يكون ذَلِك الشَّخْص ثِقَة فِي نفس الْأَمر فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يقبله من يرد الْمُرْسل (كمالك) أَي كَقَوْلِه حَدثنِي (الثِّقَة عَن بكير بن عبد الله بن الْأَشَج ظهر أَن المُرَاد) بالثقة (مخرمَة بن بكير) (و) قَوْله حَدثنِي (الثِّقَة عَن عَمْرو بن شُعَيْب قيل) الثِّقَة (عبد الله بن وهب، وَقيل الزُّهْرِيّ) ذكره ابْن عبد الْبر (واستقرئ مثله) أَي إِطْلَاق الثِّقَة على من هُوَ ثِقَة فِي نفس الْأَمر (للشَّافِعِيّ) ذكره أَبُو الْحُسَيْن السجسْتانِي فِي كتاب فَضَائِل الشَّافِعِي سَمِعت بعض أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ يَقُول إِذا قَالَ الشَّافِعِي فِي كتبه: أخبرنَا الثِّقَة عَن ابْن أبي ذِئْب فَأَيْنَ أبي فديك؟، (وَلَا يخفى أَن رده) أَي عدم قبُول قَوْله حَدثنِي الثِّقَة إِذا لم يعرف عَادَته (يَلِيق بشارط الْبَيَان فِي التَّعْدِيل لَا الْجُمْهُور) الْقَائِلين بِأَن بَيَانه لَيْسَ بِشَرْط فِي حق الْعَالم بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل.

стр. 806

مسئلة (إِذا أكذب الأَصْل) أَي الشَّيْخ (الْفَرْع) أَي الرَّاوِي عَنهُ (بِأَن حكم بِالنَّفْيِ) فَقَالَ مَا رويت هَذَا الحَدِيث لَك أَو كذب عَليّ (سقط ذَلِك الحَدِيث) أَي إِن لم يعلم بِهِ (للْعلم بكذب أَحدهمَا وَلَا معِين) لَهُ، وَهُوَ قَادِح فِي قبُول الحَدِيث (وَبِهَذَا) التَّعْلِيل (سقط اخْتِيَار السَّمْعَانِيّ) ثمَّ السُّبْكِيّ عدم سُقُوطه لاحْتِمَال نِسْيَان الأَصْل لَهُ بعد رِوَايَته للفرع (وَقد نقل الْإِجْمَاع لعدم اعْتِبَاره) أَي ذَلِك الحَدِيث: نَقله الشَّيْخ سراج الدّين الْهِنْدِيّ وَالشَّيْخ قوام الدّين الكاكي. قَالَ الشَّارِح: وَفِيه نظر فَإِن السَّرخسِيّ وفخر الْإِسْلَام وَصَاحب التَّقْوِيم حكوا فِي إِنْكَار الرَّاوِي رِوَايَته مُطلقًا اخْتِلَاف السّلف (وهما) أَي الأَصْل وَالْفرع (على عدالتهما إِذْ لَا يبطل الثَّابِت) أَي الْمُتَيَقن من عدالتهما (بِالشَّكِّ) فِي زَوَالهَا (وَإِن شكّ) الأَصْل (فَلم يحكم بِالنَّفْيِ) بل قَالَ لَا أعرف أَنِّي رويت هَذَا الحَدِيث وَلَا أذكرهُ (فالأكثر) من الْعلمَاء: مِنْهُم مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ على أَن الحَدِيث (حجَّة) أَي يعْمل بِهِ (وَنسب لمُحَمد خلافًا لأبي يُوسُف تخريجا من اخْتِلَافهمَا فِي قَاض تقوم الْبَيِّنَة بِحكمِهِ وَلَا يذكر) ذَلِك القَاضِي حكمه الَّذِي قَامَت الْبَيِّنَة بِهِ (ردهَا) أَي الْبَيِّنَة (أَبُو يُوسُف) فَلَا ينفذ حكمه (وَقبلهَا مُحَمَّد) فَينفذ (وَنسبَة بَعضهم الْقبُول لأبي يُوسُف غلط) لِأَن المسطور فِي الْكتب إِنَّمَا هُوَ الأول (وَلم يذكر فِيهَا) أَي فِي مسئلة القَاضِي الْمُنكر لحكمه (قَول لأبي حنيفَة فضمه مَعَ أبي يُوسُف يحْتَاج إِلَى ثَبت، وعَلى الْمَنْع الْكَرْخِي وَالْقَاضِي أَبُو زيد وفخر الْإِسْلَام وَأحمد فِي رِوَايَة الْقَابِل) للرواية مَعَ الأَصْل قَالَ (الْفَرْع عدل جازم) بالرواية عَن الأَصْل (غير مكذب) لِأَن الْفَرْض شكّ الأَصْل لَا تَكْذِيبه (فَيقبل) لوُجُود الْمُقْتَضى وَعُمُوم الْمَانِع (كموت الأَصْل وجنونه) إِذْ نسيانه لَا يزِيد عَلَيْهِمَا بل دونهمَا قطعا، كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَفِيه مَا فِيهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَيفرق) بَينهمَا وَبَينه (بِأَن حجيته) أَي الحَدِيث (بالاتصال بِهِ). وَفِي نُسْخَة مِنْهُ ﷺ وبنفي معرفَة الْمَرْوِيّ عَنهُ لَهُ) أَي للمروي (ينتفى) الِاتِّصَال (وَهُوَ) أَي انْتِفَاء الِاتِّصَال (مُنْتَفٍ فِي الْمَوْت) وَالْجُنُون، وَقد يُقَال: لَا نسلم الانتفاء فِي النسْيَان، لِأَن أَخْبَار الْعدْل أثبت وجود الِاتِّصَال وَلَا مكذب لَهُ، وَلَا يشْتَرط فِي الِاتِّصَال دوَام استحضار الرَّاوِي إِيَّاه (وَالِاسْتِدْلَال بِأَن سهيلا بعد أَن قيل لَهُ حدث عَنْك ربيعَة أَنه ﷺ قضى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين فَلم يعرفهُ صَار يَقُول: حَدثنِي ربيعَة عني) كَمَا أخرجه أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه وَغَيره (دفع بِأَنَّهُ غير مُسْتَلْزم للمطلوب وَهُوَ وجوب الْعَمَل) بِهِ فَإِن ربيعَة لم ينْقل ذَلِك على طَريقَة إِسْنَاد الحَدِيث وَتَصْحِيح رِوَايَته وَإِنَّمَا

стр. 807

كَانَ يَقُوله على طَريقَة حِكَايَة الْوَاقِعَة (وَلَو سلم) استلزامه لَهُ على رَأْيه (فَرَأى سُهَيْل كَغَيْرِهِ) أَي كرأي غَيره، فَلَا يكون رَأْيه حجَّة على غَيره (وَلَو سلم) كَون رَأْيه حجَّة على غَيره (فعلى الْجَازِم) لصِحَّة هَذَا النَّقْل عَن سُهَيْل (فَقَط) لَا عُمُوم النَّاس (قَالُوا) أَي النافون للْعَمَل بِهِ (قَالَ عمار لعمر: أَتَذكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذْ أَنا وَأَنت فِي سَرِيَّة فأجنبنا فَلم نجد المَاء فَأَما أَنْت فَلم تصل، وَأما أَنا فتمعكت وَصليت، فَقَالَ ﵇ إِنَّمَا يَكْفِيك ضربتان فَلم يقبله عمر) مَعْنَاهُ فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَسنَن أبي دَاوُد، وَإِنَّمَا لم يقبله (إِذْ كَانَ نَاسِيا لَهُ) فَإِنَّهُ لَا يظنّ بِعَمَّار الْكَذِب وَلَا بعمر عدم الْقبُول (ورد بِأَنَّهُ) أَي هَذَا الْمَأْثُور عَن عمار وَعمر (فِي غير مَحل النزاع فَإِن عمارا لم يرو عَن عمر) ذَلِك، بل عَن النَّبِي ﷺ (ورد) هَذَا الرَّد (بِأَن عدم تذكر غير الْمَرْوِيّ عَنهُ) وَهُوَ عمر هَهُنَا (الْحَادِثَة الْمُشْتَركَة) بَينه وَبَين الرَّاوِي لَهَا (إِذا منع قبُول) الحكم (الْمَبْنِيّ عَلَيْهَا) أَي على رِوَايَة تِلْكَ الْحَادِثَة (فنسيان الْمَرْوِيّ عَنهُ) وَهُوَ الشَّيْخ (أصل رِوَايَته لَهُ أولى) أَن يمْنَع قبُول حكمه من ذَلِك، لِأَن غير الْمَرْوِيّ عَنهُ لَيْسَ أصلا بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِوَايَته بِخِلَاف هَذَا (فَالْوَجْه رده) تَفْرِيع على رد الرَّاوِي، الْوَجْه أَن قَوْله فِي غير مَحل النزاع مَرْدُود لِأَنَّهُ إِذا لزم مِنْهُ مَحل النزاع بطرِيق أولى كَانَ أَدخل فِي الْقَصْد، أَو الْمَعْنى رد مثل هَذَا الحَدِيث الَّذِي أنكرهُ الأَصْل، وأرجع الشَّارِح ضمير رده إِلَى عمر، وَلَا معنى لَهُ (لَكِن لَا يلْزم الرَّاوِي) أَن لَا يعْمل بروايته لِأَن غَايَة مَا يلْزم من الْأَثر الْمَذْكُور أَن عمر لم يقبل مَا رَوَاهُ عمار بِحَسب مَا اقْتَضَاهُ اجْتِهَاده، وَذَلِكَ لَا يسْتَلْزم عدم كَونه مَقْبُولًا عِنْد غَيره (لدَلِيل الْقبُول) أَي لقِيَام دَلِيل قبُوله فِي حَقه حَيْثُ جزم بِصِحَّة هَذِه الْحَادِثَة وَلزِمَ الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ وَهُوَ جَوَاز التَّيَمُّم لمن ابتلى بِمثل تِلْكَ الْحَادِثَة فِيمَا نَحن فِيهِ (وَأما) قَول النافين للْعَمَل بِهِ (لم يصدقهُ) أَي الأَصْل الْفَرْع (فَلَا يعْمل بِهِ كشاهد الْفَرْع عِنْد نِسْيَان الأَصْل) بِجَامِع الفرعية وَالنِّسْيَان (فَيدْفَع بِأَنَّهَا) أَي الشَّهَادَة (أضيق) من الرِّوَايَة، وَلذَا اشْترطت بشرائط لم تشْتَرط فِي الرِّوَايَة، وَقد مر غير مرّة (و) شَهَادَة الْفَرْع (متوقفة على تحميل الأَصْل) الْفَرْع لَهَا فَتبْطل شَهَادَة الْفَرْع (بإنكاره) أَي الأَصْل الشَّهَادَة (بِخِلَاف الرِّوَايَة) فَإِنَّهَا مَبْنِيَّة على السماع دون التحميل وَهَذَا إِنَّمَا يتم عِنْد من شَرط التحميل فِي شَهَادَة الْفَرْع كالحنفية وَأما من لم يَشْتَرِطه كالشافعية فَلَا يتم عِنْده. مسئلة (إِذا انْفَرد الثِّقَة) من بَين ثقاة رووا حَدِيثا (بِزِيَادَة) على ذَلِك الحَدِيث (وَعلم اتِّحَاد الْمجْلس

стр. 808

بِسَمَاعِهِ وسماعهم ذَلِك الحَدِيث (وَمن مَعَه) أَي الثِّقَة الْمَذْكُور فِي ذَلِك الْمجْلس (لَا يغْفل مثلهم عَن مثلهَا) أَي تِلْكَ الزِّيَادَة (عَادَة لم تقبل) تِلْكَ الزِّيَادَة (لِأَن غلطه) أَي الْمُنْفَرد بهَا (وهم) أَي وَالْحَال أَن من مَعَه (كَذَلِك) أَي لَا يغْفل مثلهم عَن مثلهَا (أظهر الظاهرين) من غلطه وغلطهم، لِأَن احْتِمَال تطرق الْغَلَط إِلَيْهِ أولى من احْتِمَال تطرقه إِلَيْهِم، وَيحْتَمل أَنه سَمعهَا من الْمَرْوِيّ عَنهُ والتبس عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن كَانَ مثلهم يغْفل عَن مثلهَا (فالجمهور) من الْفُقَهَاء والمحدثين والمتكلمين (وَهُوَ الْمُخْتَار) تقبل تِلْكَ الزِّيَادَة، وَعَن أَحْمد فِي رِوَايَة بعض الْمُحدثين لَا (تقبل لنا) أَن راويها (ثِقَة جازم) بروايتها (فَوَجَبَ قبُوله) كَمَا لَو انْفَرد بِرِوَايَة حَدِيث، (قَالُوا) أَي نافو قبُولهَا راويها (ظَاهر الْوَهم لنفي المشاركين) لَهُ فِي السماع والمجلس (المتوجهين لما توجه لَهُ) (قُلْنَا إِن كَانُوا) أَي نافوها (من تقدم) أَي من لَا يغْفل مثلهم عَن مثلهَا عَادَة (فَمُسلم) كَونه ظَاهر الْوَهم فَلَا يقبل، وَلَكِن لَيْسَ هَذَا مَحل النزاع (وَإِلَّا) بِأَن كَانُوا غير من تقدم (فاظهر مِنْهُ) أَي من كَونه ظَاهر الْوَهم (عَدمه) أَي عدم كَونه ظَاهر الْوَهم (لِأَن سَهْو الْإِنْسَان فِي أَنه سمع وَلم يسمع) فِي نفس الْأَمر (بعيد) جدا وغفلة جمع مثلهم يغفلون لَيست بِتِلْكَ المثابة فِي الْبعد (بِخِلَاف مَا تقدم) من الشق الأول من كَونهم (إِذا كَانُوا من تبعد الْعَادة غفلتهم عَنهُ) فَإِن الْغَفْلَة من مثلهم أبعد من سَهْو ذَلِك الْمُنْفَرد فِي أَنه سمع وَلم يسمع (فقد علمت أَن حَقِيقَة الْوَجْهَيْنِ) بعد غَفلَة الْمُنْفَرد وَبعد غَفلَة من مَعَه فِي الْمجْلس فِي الشقين (ظاهران تَعَارضا فرجح) فِي الأول أَحدهمَا، وَفِي الثَّانِي الآخر لما عرفت (فَإِن تعدد الْمجْلس أَو جهل) تعدده (قبلت) الزِّيَادَة اتِّفَاقًا) لاحْتِمَال وُقُوع الزِّيَادَة فِي مجْلِس الِانْفِرَاد على التَّقْدِير (والإسناد مَعَ الْإِرْسَال زِيَادَة، وَكَذَا الرّفْع) لحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ (مَعَ الْوَقْف) بِأَن وَقفه ثِقَة على الصَّحَابِيّ ثمَّ رَفعه آخر إِلَى النَّبِي ﷺ فالرفع أَيْضا حِينَئِذٍ يكون زِيَادَة (والوصل) لَهُ بِذكر الوسائط الَّتِي بَينه وَبَين النَّبِي ﷺ من ثِقَة (مَعَ الْقطع) لَهُ ترك بَعْضهَا من ثِقَة أَيْضا زِيَادَة فيتأتى فِي كل مِنْهَا مَا يَتَأَتَّى فِي الزِّيَادَة من الحكم (خلافًا لمقدم الأحفظ) بِكَسْر الدَّال سَوَاء كَانَ هُوَ الْمُرْسل أَو الْمسند أَو الرافع أَو الْوَاقِف أَو الْوَاصِل أَو الْقَاطِع كَمَا هُوَ قَول بَعضهم (أَو الْأَكْثَر) كَذَلِك كَمَا هُوَ قَول بعض الْمُتَأَخِّرين (فَإِن قيل الْإِرْسَال وَالْقطع كالجرح فِي الحَدِيث) فَيَنْبَغِي أَن يقدما على الْإِسْنَاد والوصل كَمَا يقدم الْجرْح على التَّعْدِيل، (أُجِيب بِأَن تَقْدِيمه) أَي الْجرْح (لزِيَادَة الْعلم) فِي الْجرْح (لَا لذاته) أَي الْجرْح (وَذَلِكَ) أَي مزِيد الْعلم (فِي الْإِسْنَاد فَيقدم) على غَيره (وَهَذَا الْإِطْلَاق) عَن قيد عدم مُعَارضَة الأَصْل وَتعذر الْجمع لقبُول الزِّيَادَة المفاد بقوله: فالجمهور، وَقَوله فَإِن تعذر الْمجْلس (يُوجب قبُولهَا) أَي الزِّيَادَة سَوَاء كَانَت (من راو) وَاحِد (أَو أَكثر) من وَاحِد، الْمُتَبَادر من السِّيَاق أَن الْكَلَام فِي

стр. 809

زِيَادَة انْفَرد بهَا الرَّاوِي من بَين الثِّقَات فَقَوله: أَو أَكثر بِاعْتِبَار اقْتِضَاء عِلّة الْقبُول التَّعْمِيم وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: من راو وَاحِد أَو أَكثر أَن يكون مَجْمُوع الأَصْل وَالزِّيَادَة من شخص وَاحِد أَو أَكثر (وَإِن عارضت) الزِّيَادَة (الأَصْل وَتعذر الْجمع) بَينهمَا بِأَن تكون تِلْكَ الزِّيَادَة مُغيرَة لما يدل عَلَيْهِ الأَصْل (وَهَذَا) معنى (مَا قيل غيرت الحكم) الثَّابِت بِالْأَصْلِ (أم لَا وَنقل فِيهِ) أَي هَذَا القَوْل (إِجْمَاع) أهل (الحَدِيث) ذكره ابْن طَاهِر (وَقيل فِي الْكتب الْمَشْهُورَة الْمَنْع). قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَفِي الْكتب الْمَشْهُورَة أَنه إِن تعذر الْجمع بَين قبُول الزِّيَادَة وَالْأَصْل لم يقبل وَإِن لم يتَعَذَّر فَإِن تعدد الْمجْلس قبلت، وَإِن اتَّحد فَإِن كَانَت مَرَّات رِوَايَته للزِّيَادَة أقل لم يقبل إِلَّا أَن يَقُول سَهَوْت فِي تِلْكَ المرات وَإِن لم تكن أقل قبلت (وَهُوَ) أَي منع قبُول الزِّيَادَة الْمُعَارضَة مُطلقًا سَوَاء كَانَت من وَاحِد أَو أَكثر (مُقْتَضى حكم) أهل (الحَدِيث بِعَدَمِ قبُول الشاذ الْمُخَالف) لما رَوَاهُ الثِّقَات وَأَن رَاوِيه ثِقَة (بل أولى إِذْ مثلوه) أَي للشاذ الْمُخَالف (بِرِوَايَة الثِّقَة) وَهُوَ همام بن يحيى احْتج بِهِ أهل الحَدِيث (عَن ابْن جريج أَنه ﷺ كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه) رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن (وَمن سواهُ) أَي الثِّقَة الْمَذْكُور إِنَّمَا روى (عَنهُ) أَي عَن جريج أَنه ﷺ (اتخذ خَاتمًا من ورق ثمَّ أَلْقَاهُ) كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد. قَالَ وَالوهم فِيهِ من همام وَلم يروه الإهمام، وَهُوَ متعقب بِأَن يحيى بن المتَوَكل الْبَصْرِيّ رَوَاهُ عَن ابْن جريج أَيْضا كَمَا أخرجه الْحَاكِم، وَلَيْسَ مَرْوِيّ الثِّقَة الْمَذْكُور بمعارض رِوَايَة غَيره. وَفِي نُسْخَة (مَعَ كَونه لم يُعَارض) لجَوَاز كَون قَوْله كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء إِلَى آخِره حِكَايَة مُدَّة كَانَت قبل الْإِلْقَاء، فَإِذا حكمُوا قبل بِعَدَمِ قبُول رِوَايَة الثِّقَة عَن ابْن جريج مَعَ كَونه غير معَارض لما رَوَاهُ الثِّقَات فَأولى أَن يرووا الزِّيَادَة الْمُعَارضَة لما رَوَاهُ الثِّقَات (وَإِن لم يتَعَذَّر) الْجمع (مَعَ جهل الِاتِّحَاد) للمجلس: أَي وَمَعَ وحدة الرَّاوِي (ومرات رِوَايَتهَا) أَي الزِّيَادَة (لَيست أقل من تَركهَا قبلت، وَإِلَّا لم تقبل إِلَّا أَن يَقُول سَهَوْت فِي مَرَّات الْحَذف، وَالْمَعْرُوف أَنه مَذْهَب فِي قبُولهَا) أَي الزِّيَادَة (مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَت مُخَالفَة أَولا (من) الرَّاوِي (الْوَاحِد) ذكر الشَّارِح فِي تَفْسِير ضمير أَنه: أَي هَذَا، وَلَا يفهم من هَذَا إِلَّا القَوْل الْأَخير، وَمَا يُسْتَفَاد من قَوْله وَإِن لم يتَعَذَّر إِلَى آخِره وَلَا يصلح شَيْء مِنْهُمَا: أما الأول فَظَاهر، لأم محصوله الْمَنْع لَا الْقبُول مُطلقًا، وَأما الثَّانِي فَهُوَ أحد شقي قَول لإتمامه وَلَيْسَ فِيهِ الْقبُول الْمُطلق لزِيَادَة راو وَاحِد كَمَا لَا يخفى، والتأويل الْبعيد لَا يرتضيه الطَّبْع السَّلِيم، فَالْوَجْه أَنه رَاجع إِلَى إِفَادَة بقوله، وَهَذَا الْإِطْلَاق يُوجب قبُولهَا من راو أَو أَكثر وَمَا بَينهمَا جمل مُعْتَرضَة فَذكر هُنَاكَ مقتضي الدَّلِيل وَهَهُنَا مَا هُوَ الْمَعْرُوف من اخْتِصَاص الْقبُول بِمَا إِذا كَانَ من راو وَاحِد (لَا بِقَيْد) إِطْلَاق قبُولهَا (مخالفتها) أَي الزِّيَادَة

стр. 810

الأَصْل (ثمَّ مُوجب الدَّلِيل السَّابِق) وَهُوَ قَوْلنَا ثِقَة جازم (وَالْإِطْلَاق) الْمَذْكُور فِي نقل مَذْهَب الْجُمْهُور (قبُول) الزِّيَادَة (الْمُعَارضَة) مُطلقًا وَإِن تعذر الْجمع (أَي يسْلك التَّرْجِيح) تَفْسِير لما طوى ذكره لظُهُوره، يَعْنِي أَن تَقْدِيم أحد المعارضيين فِي بَاب الْمُعَارضَة بِشَيْء من المرجحات الْمَعْرُوفَة طَريقَة مسلوكة متعقبة أرادتها وَإِن لم يذكر (وَمِنْه) أَي من الْمَزِيد الْمعَارض أَو من هَذَا الْقَبِيل الزِّيَادَة (الْمُوجبَة نقصا مثل: وتربتها طهُورا) على مَا ظن بعد قَوْله وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا يدل على أَن قَوْله وَطهُورًا، فَإِن زِيَادَة تربَتهَا تنقص بِإِخْرَاج مَا عدا التُّرَاب مِمَّا يَشْمَلهُ جعلت لي الأَرْض طهُورا، وَإِنَّمَا قَالَ على مَا ظن لِأَن إِخْرَاج مَا عداهُ بِاعْتِبَار مَفْهُوم الْمُخَالفَة وَهُوَ غير مُعْتَبر عندنَا (والشاذ الْمَمْنُوع) أَي الْمَرْدُود هُوَ (الأول) أَي مَا انْفَرد بِالزِّيَادَةِ الكائنة فِي مجْلِس مُتحد لَهُ، وَيجمع فِي (مَا لَا يغْفل مثلهم) فِيهِ (عَنهُ) أَي عَن ذَلِك الْمَزِيد (وَعَلِيهِ) أَي قبُول الزِّيَادَة الْمُعَارضَة (جعل الْحَنَفِيَّة إِيَّاه) أَي مَجْمُوع الْمَزِيد وَالْأَصْل حَال كَونهمَا (من اثْنَيْنِ خبرين) مفعول ثَان للجعل (كنهيه) ﷺ (عَن بيع الطَّعَام قبل الْقَبْض) كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِلَفْظ " من ابْتَاعَ طَعَاما فَلم يَبِعْهُ حَتَّى يقبضهُ ". (وَقَوله) ﷺ (لعتاب بن أسيد) لما بَعثه إِلَى أهل مَكَّة (انههم عَن بيع مَا لم يقبضوا) رَوَاهُ أَبُو حنيفَة بِلَفْظ " مَا لم يقبض ". وَفِي سَنَده من لم يسم (أجروا) أَي الْحَنَفِيَّة (الْمُعَارضَة) بَينهمَا فَإِن قلت: فهم لَا يعتبرون مَفْهُوم الْمُخَالفَة فَلَا مُعَارضَة قلت مَعْنَاهُ: لَا يعتبرونه مدلولا للفظ، وَهُوَ لَا يُنَافِي اعْتِبَاره بِالْقَرِينَةِ (ورجحوا) مَا لعتاب فان فِيهِ (زِيَادَة الْعُمُوم) لتنَاوله الطَّعَام وَغَيره لَكِن أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف لم يعملا بِهِ فِي حق الْعقار لكَون النَّص معلولا بغرر الِانْفِسَاخ بِالْهَلَاكِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْعقار، لِأَن هَلَاكه نَادِر، والنادر لَا عِبْرَة بِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَارُوا جَانب الْعُمُوم، وَلم يَقُولُوا: إِن المُرَاد من الْعُمُوم هَذَا الْخُصُوص (إِذْ لَا يحملون الْمُطلق على الْمُقَيد) فِي مثله على مَا مر فِي مبحثه (وَالْوَجْه فِيهِ) أَي فِي حَدِيث النَّهْي عَن بيع مَا لم يقبض، وَفِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِيهِ (وَفِي تربَتهَا تعين الْعَام) وَهُوَ النَّهْي عَن بيع مَا لم يقبض وطهورية الأَرْض لإجراء الْمُعَارضَة ثمَّ التَّرْجِيح بِالْعُمُومِ لما سَيَأْتِي (وَيلْزم الشَّافِعِيَّة مثله) أَي تعْيين الْعَام وَعدم إِجْرَاء الْمُعَارضَة وَالتَّرْجِيح (لِأَنَّهُ) أَي مثل هَذِه الصُّورَة (من قبيل أَفْرَاد فَرد من الْعَام) كالطعام بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأَرْض بِحكم الْعَام لَا بِحكم مُخَالف لحكمه (وَمن الْوَاحِد) مَعْطُوف على قَوْله اثْنَيْنِ: أَي وَجعل الْحَنَفِيَّة الزِّيَادَة وَالْأَصْل بِدُونِهَا إِذا كَانَ راويهما (وَاحِدًا) خَبرا (وَلزِمَ اعْتِبَارهَا) أَي الزِّيَادَة مُرَاده فِي الأَصْل (كَابْن مَسْعُود) كَمَا فِي رِوَايَة عَن ابْن مَسْعُود سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِذْ اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ) وَلم يكن لَهما بَيِّنَة
следующие страницы →