Полный текст (1 287 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
مسئلة
(إِذا أكذب الأَصْل) أَي الشَّيْخ (الْفَرْع) أَي الرَّاوِي عَنهُ (بِأَن حكم بِالنَّفْيِ) فَقَالَ مَا رويت هَذَا الحَدِيث لَك أَو كذب عَليّ (سقط ذَلِك الحَدِيث) أَي إِن لم يعلم بِهِ (للْعلم بكذب أَحدهمَا وَلَا معِين) لَهُ، وَهُوَ قَادِح فِي قبُول الحَدِيث (وَبِهَذَا) التَّعْلِيل (سقط اخْتِيَار السَّمْعَانِيّ) ثمَّ السُّبْكِيّ عدم سُقُوطه لاحْتِمَال نِسْيَان الأَصْل لَهُ بعد رِوَايَته للفرع (وَقد نقل الْإِجْمَاع لعدم اعْتِبَاره) أَي ذَلِك الحَدِيث: نَقله الشَّيْخ سراج الدّين الْهِنْدِيّ وَالشَّيْخ قوام الدّين الكاكي. قَالَ الشَّارِح: وَفِيه نظر فَإِن السَّرخسِيّ وفخر الْإِسْلَام وَصَاحب التَّقْوِيم حكوا فِي إِنْكَار الرَّاوِي رِوَايَته مُطلقًا اخْتِلَاف السّلف (وهما) أَي الأَصْل وَالْفرع (على عدالتهما إِذْ لَا يبطل الثَّابِت) أَي الْمُتَيَقن من عدالتهما (بِالشَّكِّ) فِي زَوَالهَا (وَإِن شكّ) الأَصْل (فَلم يحكم بِالنَّفْيِ) بل قَالَ لَا أعرف أَنِّي رويت هَذَا الحَدِيث وَلَا أذكرهُ (فالأكثر) من الْعلمَاء: مِنْهُم مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ على أَن الحَدِيث (حجَّة) أَي يعْمل بِهِ (وَنسب لمُحَمد خلافًا لأبي يُوسُف تخريجا من اخْتِلَافهمَا فِي قَاض تقوم الْبَيِّنَة بِحكمِهِ وَلَا يذكر) ذَلِك القَاضِي حكمه الَّذِي قَامَت الْبَيِّنَة بِهِ (ردهَا) أَي الْبَيِّنَة (أَبُو يُوسُف) فَلَا ينفذ حكمه (وَقبلهَا مُحَمَّد) فَينفذ (وَنسبَة بَعضهم الْقبُول لأبي يُوسُف غلط) لِأَن المسطور فِي الْكتب إِنَّمَا هُوَ الأول (وَلم يذكر فِيهَا) أَي فِي مسئلة القَاضِي الْمُنكر لحكمه (قَول لأبي حنيفَة فضمه مَعَ أبي يُوسُف يحْتَاج إِلَى ثَبت، وعَلى الْمَنْع الْكَرْخِي وَالْقَاضِي أَبُو زيد وفخر الْإِسْلَام وَأحمد فِي رِوَايَة الْقَابِل) للرواية مَعَ الأَصْل قَالَ (الْفَرْع عدل جازم) بالرواية عَن الأَصْل (غير مكذب) لِأَن الْفَرْض شكّ الأَصْل لَا تَكْذِيبه (فَيقبل) لوُجُود الْمُقْتَضى وَعُمُوم الْمَانِع (كموت الأَصْل وجنونه) إِذْ نسيانه لَا يزِيد عَلَيْهِمَا بل دونهمَا قطعا، كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَفِيه مَا فِيهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَيفرق) بَينهمَا وَبَينه (بِأَن حجيته) أَي الحَدِيث (بالاتصال بِهِ). وَفِي نُسْخَة مِنْهُ ﷺ وبنفي معرفَة الْمَرْوِيّ عَنهُ لَهُ) أَي للمروي (ينتفى) الِاتِّصَال (وَهُوَ) أَي انْتِفَاء الِاتِّصَال (مُنْتَفٍ فِي الْمَوْت) وَالْجُنُون، وَقد يُقَال: لَا نسلم الانتفاء فِي النسْيَان، لِأَن أَخْبَار الْعدْل أثبت وجود الِاتِّصَال وَلَا مكذب لَهُ، وَلَا يشْتَرط فِي الِاتِّصَال دوَام استحضار الرَّاوِي إِيَّاه (وَالِاسْتِدْلَال بِأَن سهيلا بعد أَن قيل لَهُ حدث عَنْك ربيعَة أَنه ﷺ قضى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين فَلم يعرفهُ صَار يَقُول: حَدثنِي ربيعَة عني) كَمَا أخرجه أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه وَغَيره (دفع بِأَنَّهُ غير مُسْتَلْزم للمطلوب وَهُوَ وجوب الْعَمَل) بِهِ فَإِن ربيعَة لم ينْقل ذَلِك على طَريقَة إِسْنَاد الحَدِيث وَتَصْحِيح رِوَايَته وَإِنَّمَا
стр. 807
كَانَ يَقُوله على طَريقَة حِكَايَة الْوَاقِعَة (وَلَو سلم) استلزامه لَهُ على رَأْيه (فَرَأى سُهَيْل كَغَيْرِهِ) أَي كرأي غَيره، فَلَا يكون رَأْيه حجَّة على غَيره (وَلَو سلم) كَون رَأْيه حجَّة على غَيره (فعلى الْجَازِم) لصِحَّة هَذَا النَّقْل عَن سُهَيْل (فَقَط) لَا عُمُوم النَّاس (قَالُوا) أَي النافون للْعَمَل بِهِ (قَالَ عمار لعمر: أَتَذكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذْ أَنا وَأَنت فِي سَرِيَّة فأجنبنا فَلم نجد المَاء فَأَما أَنْت فَلم تصل، وَأما أَنا فتمعكت وَصليت، فَقَالَ ﵇ إِنَّمَا يَكْفِيك ضربتان فَلم يقبله عمر) مَعْنَاهُ فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَسنَن أبي دَاوُد، وَإِنَّمَا لم يقبله (إِذْ كَانَ نَاسِيا لَهُ) فَإِنَّهُ لَا يظنّ بِعَمَّار الْكَذِب وَلَا بعمر عدم الْقبُول (ورد بِأَنَّهُ) أَي هَذَا الْمَأْثُور عَن عمار وَعمر (فِي غير مَحل النزاع فَإِن عمارا لم يرو عَن عمر) ذَلِك، بل عَن النَّبِي ﷺ (ورد) هَذَا الرَّد (بِأَن عدم تذكر غير الْمَرْوِيّ عَنهُ) وَهُوَ عمر هَهُنَا (الْحَادِثَة الْمُشْتَركَة) بَينه وَبَين الرَّاوِي لَهَا (إِذا منع قبُول) الحكم (الْمَبْنِيّ عَلَيْهَا) أَي على رِوَايَة تِلْكَ الْحَادِثَة (فنسيان الْمَرْوِيّ عَنهُ) وَهُوَ الشَّيْخ (أصل رِوَايَته لَهُ أولى) أَن يمْنَع قبُول حكمه من ذَلِك، لِأَن غير الْمَرْوِيّ عَنهُ لَيْسَ أصلا بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِوَايَته بِخِلَاف هَذَا (فَالْوَجْه رده) تَفْرِيع على رد الرَّاوِي، الْوَجْه أَن قَوْله فِي غير مَحل النزاع مَرْدُود لِأَنَّهُ إِذا لزم مِنْهُ مَحل النزاع بطرِيق أولى كَانَ أَدخل فِي الْقَصْد، أَو الْمَعْنى رد مثل هَذَا الحَدِيث الَّذِي أنكرهُ الأَصْل، وأرجع الشَّارِح ضمير رده إِلَى عمر، وَلَا معنى لَهُ (لَكِن لَا يلْزم الرَّاوِي) أَن لَا يعْمل بروايته لِأَن غَايَة مَا يلْزم من الْأَثر الْمَذْكُور أَن عمر لم يقبل مَا رَوَاهُ عمار بِحَسب مَا اقْتَضَاهُ اجْتِهَاده، وَذَلِكَ لَا يسْتَلْزم عدم كَونه مَقْبُولًا عِنْد غَيره (لدَلِيل الْقبُول) أَي لقِيَام دَلِيل قبُوله فِي حَقه حَيْثُ جزم بِصِحَّة هَذِه الْحَادِثَة وَلزِمَ الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ وَهُوَ جَوَاز التَّيَمُّم لمن ابتلى بِمثل تِلْكَ الْحَادِثَة فِيمَا نَحن فِيهِ (وَأما) قَول النافين للْعَمَل بِهِ (لم يصدقهُ) أَي الأَصْل الْفَرْع (فَلَا يعْمل بِهِ كشاهد الْفَرْع عِنْد نِسْيَان الأَصْل) بِجَامِع الفرعية وَالنِّسْيَان (فَيدْفَع بِأَنَّهَا) أَي الشَّهَادَة (أضيق) من الرِّوَايَة، وَلذَا اشْترطت بشرائط لم تشْتَرط فِي الرِّوَايَة، وَقد مر غير مرّة (و) شَهَادَة الْفَرْع (متوقفة على تحميل الأَصْل) الْفَرْع لَهَا فَتبْطل شَهَادَة الْفَرْع (بإنكاره) أَي الأَصْل الشَّهَادَة (بِخِلَاف الرِّوَايَة) فَإِنَّهَا مَبْنِيَّة على السماع دون التحميل وَهَذَا إِنَّمَا يتم عِنْد من شَرط التحميل فِي شَهَادَة الْفَرْع كالحنفية وَأما من لم يَشْتَرِطه كالشافعية فَلَا يتم عِنْده.
مسئلة
(إِذا انْفَرد الثِّقَة) من بَين ثقاة رووا حَدِيثا (بِزِيَادَة) على ذَلِك الحَدِيث (وَعلم اتِّحَاد الْمجْلس
стр. 808
بِسَمَاعِهِ وسماعهم ذَلِك الحَدِيث (وَمن مَعَه) أَي الثِّقَة الْمَذْكُور فِي ذَلِك الْمجْلس (لَا يغْفل مثلهم عَن مثلهَا) أَي تِلْكَ الزِّيَادَة (عَادَة لم تقبل) تِلْكَ الزِّيَادَة (لِأَن غلطه) أَي الْمُنْفَرد بهَا (وهم) أَي وَالْحَال أَن من مَعَه (كَذَلِك) أَي لَا يغْفل مثلهم عَن مثلهَا (أظهر الظاهرين) من غلطه وغلطهم، لِأَن احْتِمَال تطرق الْغَلَط إِلَيْهِ أولى من احْتِمَال تطرقه إِلَيْهِم، وَيحْتَمل أَنه سَمعهَا من الْمَرْوِيّ عَنهُ والتبس عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن كَانَ مثلهم يغْفل عَن مثلهَا (فالجمهور) من الْفُقَهَاء والمحدثين والمتكلمين (وَهُوَ الْمُخْتَار) تقبل تِلْكَ الزِّيَادَة، وَعَن أَحْمد فِي رِوَايَة بعض الْمُحدثين لَا (تقبل لنا) أَن راويها (ثِقَة جازم) بروايتها (فَوَجَبَ قبُوله) كَمَا لَو انْفَرد بِرِوَايَة حَدِيث، (قَالُوا) أَي نافو قبُولهَا راويها (ظَاهر الْوَهم لنفي المشاركين) لَهُ فِي السماع والمجلس (المتوجهين لما توجه لَهُ) (قُلْنَا إِن كَانُوا) أَي نافوها (من تقدم) أَي من لَا يغْفل مثلهم عَن مثلهَا عَادَة (فَمُسلم) كَونه ظَاهر الْوَهم فَلَا يقبل، وَلَكِن لَيْسَ هَذَا مَحل النزاع (وَإِلَّا) بِأَن كَانُوا غير من تقدم (فاظهر مِنْهُ) أَي من كَونه ظَاهر الْوَهم (عَدمه) أَي عدم كَونه ظَاهر الْوَهم (لِأَن سَهْو الْإِنْسَان فِي أَنه سمع وَلم يسمع) فِي نفس الْأَمر (بعيد) جدا وغفلة جمع مثلهم يغفلون لَيست بِتِلْكَ المثابة فِي الْبعد (بِخِلَاف مَا تقدم) من الشق الأول من كَونهم (إِذا كَانُوا من تبعد الْعَادة غفلتهم عَنهُ) فَإِن الْغَفْلَة من مثلهم أبعد من سَهْو ذَلِك الْمُنْفَرد فِي أَنه سمع وَلم يسمع (فقد علمت أَن حَقِيقَة الْوَجْهَيْنِ) بعد غَفلَة الْمُنْفَرد وَبعد غَفلَة من مَعَه فِي الْمجْلس فِي الشقين (ظاهران تَعَارضا فرجح) فِي الأول أَحدهمَا، وَفِي الثَّانِي الآخر لما عرفت (فَإِن تعدد الْمجْلس أَو جهل) تعدده (قبلت) الزِّيَادَة اتِّفَاقًا) لاحْتِمَال وُقُوع الزِّيَادَة فِي مجْلِس الِانْفِرَاد على التَّقْدِير (والإسناد مَعَ الْإِرْسَال زِيَادَة، وَكَذَا الرّفْع) لحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ (مَعَ الْوَقْف) بِأَن وَقفه ثِقَة على الصَّحَابِيّ ثمَّ رَفعه آخر إِلَى النَّبِي ﷺ فالرفع أَيْضا حِينَئِذٍ يكون زِيَادَة (والوصل) لَهُ بِذكر الوسائط الَّتِي بَينه وَبَين النَّبِي ﷺ من ثِقَة (مَعَ الْقطع) لَهُ ترك بَعْضهَا من ثِقَة أَيْضا زِيَادَة فيتأتى فِي كل مِنْهَا مَا يَتَأَتَّى فِي الزِّيَادَة من الحكم (خلافًا لمقدم الأحفظ) بِكَسْر الدَّال سَوَاء كَانَ هُوَ الْمُرْسل أَو الْمسند أَو الرافع أَو الْوَاقِف أَو الْوَاصِل أَو الْقَاطِع كَمَا هُوَ قَول بَعضهم (أَو الْأَكْثَر) كَذَلِك كَمَا هُوَ قَول بعض الْمُتَأَخِّرين (فَإِن قيل الْإِرْسَال وَالْقطع كالجرح فِي الحَدِيث) فَيَنْبَغِي أَن يقدما على الْإِسْنَاد والوصل كَمَا يقدم الْجرْح على التَّعْدِيل، (أُجِيب بِأَن تَقْدِيمه) أَي الْجرْح (لزِيَادَة الْعلم) فِي الْجرْح (لَا لذاته) أَي الْجرْح (وَذَلِكَ) أَي مزِيد الْعلم (فِي الْإِسْنَاد فَيقدم) على غَيره (وَهَذَا الْإِطْلَاق) عَن قيد عدم مُعَارضَة الأَصْل وَتعذر الْجمع لقبُول الزِّيَادَة المفاد بقوله: فالجمهور، وَقَوله فَإِن تعذر الْمجْلس (يُوجب قبُولهَا) أَي الزِّيَادَة سَوَاء كَانَت (من راو) وَاحِد (أَو أَكثر) من وَاحِد، الْمُتَبَادر من السِّيَاق أَن الْكَلَام فِي
стр. 809
زِيَادَة انْفَرد بهَا الرَّاوِي من بَين الثِّقَات فَقَوله: أَو أَكثر بِاعْتِبَار اقْتِضَاء عِلّة الْقبُول التَّعْمِيم وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: من راو وَاحِد أَو أَكثر أَن يكون مَجْمُوع الأَصْل وَالزِّيَادَة من شخص وَاحِد أَو أَكثر (وَإِن عارضت) الزِّيَادَة (الأَصْل وَتعذر الْجمع) بَينهمَا بِأَن تكون تِلْكَ الزِّيَادَة مُغيرَة لما يدل عَلَيْهِ الأَصْل (وَهَذَا) معنى (مَا قيل غيرت الحكم) الثَّابِت بِالْأَصْلِ (أم لَا وَنقل فِيهِ) أَي هَذَا القَوْل (إِجْمَاع) أهل (الحَدِيث) ذكره ابْن طَاهِر (وَقيل فِي الْكتب الْمَشْهُورَة الْمَنْع). قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ: وَفِي الْكتب الْمَشْهُورَة أَنه إِن تعذر الْجمع بَين قبُول الزِّيَادَة وَالْأَصْل لم يقبل وَإِن لم يتَعَذَّر فَإِن تعدد الْمجْلس قبلت، وَإِن اتَّحد فَإِن كَانَت مَرَّات رِوَايَته للزِّيَادَة أقل لم يقبل إِلَّا أَن يَقُول سَهَوْت فِي تِلْكَ المرات وَإِن لم تكن أقل قبلت (وَهُوَ) أَي منع قبُول الزِّيَادَة الْمُعَارضَة مُطلقًا سَوَاء كَانَت من وَاحِد أَو أَكثر (مُقْتَضى حكم) أهل (الحَدِيث بِعَدَمِ قبُول الشاذ الْمُخَالف) لما رَوَاهُ الثِّقَات وَأَن رَاوِيه ثِقَة (بل أولى إِذْ مثلوه) أَي للشاذ الْمُخَالف (بِرِوَايَة الثِّقَة) وَهُوَ همام بن يحيى احْتج بِهِ أهل الحَدِيث (عَن ابْن جريج أَنه ﷺ كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه) رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن (وَمن سواهُ) أَي الثِّقَة الْمَذْكُور إِنَّمَا روى (عَنهُ) أَي عَن جريج أَنه ﷺ (اتخذ خَاتمًا من ورق ثمَّ أَلْقَاهُ) كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد. قَالَ وَالوهم فِيهِ من همام وَلم يروه الإهمام، وَهُوَ متعقب بِأَن يحيى بن المتَوَكل الْبَصْرِيّ رَوَاهُ عَن ابْن جريج أَيْضا كَمَا أخرجه الْحَاكِم، وَلَيْسَ مَرْوِيّ الثِّقَة الْمَذْكُور بمعارض رِوَايَة غَيره. وَفِي نُسْخَة (مَعَ كَونه لم يُعَارض) لجَوَاز كَون قَوْله كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء إِلَى آخِره حِكَايَة مُدَّة كَانَت قبل الْإِلْقَاء، فَإِذا حكمُوا قبل بِعَدَمِ قبُول رِوَايَة الثِّقَة عَن ابْن جريج مَعَ كَونه غير معَارض لما رَوَاهُ الثِّقَات فَأولى أَن يرووا الزِّيَادَة الْمُعَارضَة لما رَوَاهُ الثِّقَات (وَإِن لم يتَعَذَّر) الْجمع (مَعَ جهل الِاتِّحَاد) للمجلس: أَي وَمَعَ وحدة الرَّاوِي (ومرات رِوَايَتهَا) أَي الزِّيَادَة (لَيست أقل من تَركهَا قبلت، وَإِلَّا لم تقبل إِلَّا أَن يَقُول سَهَوْت فِي مَرَّات الْحَذف، وَالْمَعْرُوف أَنه مَذْهَب فِي قبُولهَا) أَي الزِّيَادَة (مُطلقًا) أَي سَوَاء كَانَت مُخَالفَة أَولا (من) الرَّاوِي (الْوَاحِد) ذكر الشَّارِح فِي تَفْسِير ضمير أَنه: أَي هَذَا، وَلَا يفهم من هَذَا إِلَّا القَوْل الْأَخير، وَمَا يُسْتَفَاد من قَوْله وَإِن لم يتَعَذَّر إِلَى آخِره وَلَا يصلح شَيْء مِنْهُمَا: أما الأول فَظَاهر، لأم محصوله الْمَنْع لَا الْقبُول مُطلقًا، وَأما الثَّانِي فَهُوَ أحد شقي قَول لإتمامه وَلَيْسَ فِيهِ الْقبُول الْمُطلق لزِيَادَة راو وَاحِد كَمَا لَا يخفى، والتأويل الْبعيد لَا يرتضيه الطَّبْع السَّلِيم، فَالْوَجْه أَنه رَاجع إِلَى إِفَادَة بقوله، وَهَذَا الْإِطْلَاق يُوجب قبُولهَا من راو أَو أَكثر وَمَا بَينهمَا جمل مُعْتَرضَة فَذكر هُنَاكَ مقتضي الدَّلِيل وَهَهُنَا مَا هُوَ الْمَعْرُوف من اخْتِصَاص الْقبُول بِمَا إِذا كَانَ من راو وَاحِد (لَا بِقَيْد) إِطْلَاق قبُولهَا (مخالفتها) أَي الزِّيَادَة
стр. 810
الأَصْل (ثمَّ مُوجب الدَّلِيل السَّابِق) وَهُوَ قَوْلنَا ثِقَة جازم (وَالْإِطْلَاق) الْمَذْكُور فِي نقل مَذْهَب الْجُمْهُور (قبُول) الزِّيَادَة (الْمُعَارضَة) مُطلقًا وَإِن تعذر الْجمع (أَي يسْلك التَّرْجِيح) تَفْسِير لما طوى ذكره لظُهُوره، يَعْنِي أَن تَقْدِيم أحد المعارضيين فِي بَاب الْمُعَارضَة بِشَيْء من المرجحات الْمَعْرُوفَة طَريقَة مسلوكة متعقبة أرادتها وَإِن لم يذكر (وَمِنْه) أَي من الْمَزِيد الْمعَارض أَو من هَذَا الْقَبِيل الزِّيَادَة (الْمُوجبَة نقصا مثل: وتربتها طهُورا) على مَا ظن بعد قَوْله وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا يدل على أَن قَوْله وَطهُورًا، فَإِن زِيَادَة تربَتهَا تنقص بِإِخْرَاج مَا عدا التُّرَاب مِمَّا يَشْمَلهُ جعلت لي الأَرْض طهُورا، وَإِنَّمَا قَالَ على مَا ظن لِأَن إِخْرَاج مَا عداهُ بِاعْتِبَار مَفْهُوم الْمُخَالفَة وَهُوَ غير مُعْتَبر عندنَا (والشاذ الْمَمْنُوع) أَي الْمَرْدُود هُوَ (الأول) أَي مَا انْفَرد بِالزِّيَادَةِ الكائنة فِي مجْلِس مُتحد لَهُ، وَيجمع فِي (مَا لَا يغْفل مثلهم) فِيهِ (عَنهُ) أَي عَن ذَلِك الْمَزِيد (وَعَلِيهِ) أَي قبُول الزِّيَادَة الْمُعَارضَة (جعل الْحَنَفِيَّة إِيَّاه) أَي مَجْمُوع الْمَزِيد وَالْأَصْل حَال كَونهمَا (من اثْنَيْنِ خبرين) مفعول ثَان للجعل (كنهيه) ﷺ (عَن بيع الطَّعَام قبل الْقَبْض) كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِلَفْظ " من ابْتَاعَ طَعَاما فَلم يَبِعْهُ حَتَّى يقبضهُ ". (وَقَوله) ﷺ (لعتاب بن أسيد) لما بَعثه إِلَى أهل مَكَّة (انههم عَن بيع مَا لم يقبضوا) رَوَاهُ أَبُو حنيفَة بِلَفْظ " مَا لم يقبض ". وَفِي سَنَده من لم يسم (أجروا) أَي الْحَنَفِيَّة (الْمُعَارضَة) بَينهمَا فَإِن قلت: فهم لَا يعتبرون مَفْهُوم الْمُخَالفَة فَلَا مُعَارضَة قلت مَعْنَاهُ: لَا يعتبرونه مدلولا للفظ، وَهُوَ لَا يُنَافِي اعْتِبَاره بِالْقَرِينَةِ (ورجحوا) مَا لعتاب فان فِيهِ (زِيَادَة الْعُمُوم) لتنَاوله الطَّعَام وَغَيره لَكِن أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف لم يعملا بِهِ فِي حق الْعقار لكَون النَّص معلولا بغرر الِانْفِسَاخ بِالْهَلَاكِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْعقار، لِأَن هَلَاكه نَادِر، والنادر لَا عِبْرَة بِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَارُوا جَانب الْعُمُوم، وَلم يَقُولُوا: إِن المُرَاد من الْعُمُوم هَذَا الْخُصُوص (إِذْ لَا يحملون الْمُطلق على الْمُقَيد) فِي مثله على مَا مر فِي مبحثه (وَالْوَجْه فِيهِ) أَي فِي حَدِيث النَّهْي عَن بيع مَا لم يقبض، وَفِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِيهِ (وَفِي تربَتهَا تعين الْعَام) وَهُوَ النَّهْي عَن بيع مَا لم يقبض وطهورية الأَرْض لإجراء الْمُعَارضَة ثمَّ التَّرْجِيح بِالْعُمُومِ لما سَيَأْتِي (وَيلْزم الشَّافِعِيَّة مثله) أَي تعْيين الْعَام وَعدم إِجْرَاء الْمُعَارضَة وَالتَّرْجِيح (لِأَنَّهُ) أَي مثل هَذِه الصُّورَة (من قبيل أَفْرَاد فَرد من الْعَام) كالطعام بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأَرْض بِحكم الْعَام لَا بِحكم مُخَالف لحكمه (وَمن الْوَاحِد) مَعْطُوف على قَوْله اثْنَيْنِ: أَي وَجعل الْحَنَفِيَّة الزِّيَادَة وَالْأَصْل بِدُونِهَا إِذا كَانَ راويهما (وَاحِدًا) خَبرا (وَلزِمَ اعْتِبَارهَا) أَي الزِّيَادَة مُرَاده فِي الأَصْل (كَابْن مَسْعُود) كَمَا فِي رِوَايَة عَن ابْن مَسْعُود سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِذْ اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ) وَلم يكن لَهما بَيِّنَة
стр. 811
(والسلعة قَائِمَة) فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان (وَفِي أُخْرَى) عَنهُ (لم تذكر) السّلْعَة، رَوَاهُمَا أَبُو حنيفَة لَكِن بِلَفْظ البيعان، والْحَدِيث فِي السّنَن غَيرهَا وَهُوَ بِمَجْمُوع طرقه حسن يحْتَج بِهِ، لَكِن فِي لَفظه اخْتِلَاف ذكره ابْن عبد الْهَادِي (فقيدوا) أَي الْحَنَفِيَّة إِطْلَاق حكم الْأُخْرَى الَّتِي لم تذكر فِيهَا من التخالف والتراد (بهَا) أَي بِالزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَة وَهِي السّلْعَة قَائِمَة (حملا على حذفهَا فِي الْأُخْرَى نِسْيَانا بِلَا ذَلِك التَّفْصِيل) السَّابِق، وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ مَرَّات تِلْكَ الزِّيَادَة أقل من مَرَّات رِوَايَتهَا أَو مثلهَا قبلت، وَإِلَّا لَا تقبل إِلَّا أَن يَقُول: سَهَوْت فِي مَرَّات الْحَذف (وَهُوَ) أَي قَوْلهم هَذَا هُوَ (الْوَجْه) لِأَن عَدَالَته وَثِيقَة دَالَّة على كَون الْحَذف على سَبِيل السَّهْو، وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يعبر عَنهُ بِلِسَانِهِ صَرِيحًا (فَلَيْسَ) هَذَا مِنْهُم (من حمل الْمُطلق) على الْمُقَيد بل من بَاب الْحَذف نِسْيَانا.
مسئلة
(خبر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى: أَي يحْتَاج الْكل إِلَيْهِ حَاجَة متأكدة مَعَ كَثْرَة تكرره لَا يثبت بِهِ وجوب دون اشتهار أَو تلقي الْأمة بِالْقبُولِ) لَهُ: أَي مُقَابلَته بِالتَّسْلِيمِ وَالْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ (عِنْد عَامَّة الْحَنَفِيَّة مِنْهُم الْكَرْخِي) كَأَنَّهُ رد لما يتَوَهَّم من كَلَام بَعضهم من اخْتِصَاص هَذَا الْجَواب بالكرخي فَلَا يتَّجه مَا ذكره الشَّارِح من أَنه لَا فَائِدَة لقَوْله مِنْهُم الْكَرْخِي لاندراجه فِي عامتهم (كَخَبَر مس الذّكر) أَي من مس ذكره فَليَتَوَضَّأ: روته بسرة بنت صَفْوَان كَمَا أخرجه أَصْحَاب السّنَن وَصَححهُ أَحْمد وَغَيره، فَإِن نواقض الْوضُوء يحْتَاج إِلَى مَعْرفَتهَا الْخَاص وَالْعَام وَهَذَا السَّبَب كثير التّكْرَار وَلم يشْتَهر وَلم يتلقه الْأمة بِالْقبُولِ، قَالَ السَّرخسِيّ: القَوْل بِأَنَّهُ ﷺ خصها بتعليم هَذَا الحكم مَعَ أَنَّهَا لَا تحْتَاج إِلَيْهِ وَلم يعلم سَائِر الصَّحَابَة مَعَ حَاجتهم إِلَيْهِ شبه الْمحَال انْتهى، وَلما كَانَ هُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ أَنكُمْ قبلتم مثله فِي غسل الْيَدَيْنِ قبل إدخالهما فِي الْإِنَاء عِنْد الشُّرُوع فِي الْوضُوء وَفِي رفع الْيَدَيْنِ عِنْد إِرَادَة الشُّرُوع فِي الصَّلَاة مَعَ أَن كلا مِنْهُمَا مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى. قَالَ (وَلَيْسَ غسل الْيَدَيْنِ ورفعهما مِنْهُ) أَي من الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى على الْوَجْه الْمَذْكُور، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ لَا وجوب) يَعْنِي أَنا لَا نثبت بِكُل مِنْهُمَا وجوبا بل استئنافا لذَلِك فَلَا يضر قبولنا إِيَّاه فِيهِ (كالتسمية فِي قِرَاءَة الصَّلَاة) فَإِن أثبتناها بِمَا عَن أم سَلمَة أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة وعدها. أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم (وَالْأَكْثَر) من الْأُصُولِيِّينَ والمحدثين (يقبل) خبر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى إِذا صَحَّ إِسْنَاده (دونهمَا) أَي بِلَا اشْتِرَاط اشتهاره وَلَا تلقى الْأمة لَهُ بِالْقبُولِ (لنا لِأَن الْعَادة قاضية بتنقيب
стр. 812
المتدينين) أَي بحثهم (عَن أَحْكَام مَا) أَي عمل (اشتدت حَاجتهم إِلَيْهِ لِكَثْرَة تكرره) لَهُم نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف قَوْله واشتداد الْحَاجة بِالْوُجُوب (و) إِن الْعَادة قاضية (بإلقائه) أَي مَا اشتدت الْحَاجة إِلَيْهِ (إِلَى الْكثير) مِنْهُم (دون تَخْصِيص الْوَاحِد والاثنين، وَيلْزمهُ) أَي الْإِلْقَاء إِلَى الْكثير (شهرة الرِّوَايَة وَالْقَبُول وَعدم الْخلاف) فِيهِ (إِذا روى فَعدم أَحدهمَا) أَي الشُّهْرَة وَالْقَبُول (دَلِيل الْخَطَأ) أَي خطأ ناقله (أَو النّسخ فَلَا يقبل) اعْترض الشَّارِح بِأَن الْوَجْه أَن يَقُول: وَيلْزمهُ شهرة الرِّوَايَة وَالْقَبُول كَمَا قَالَ دون اشتهار وتلقى الْأمة انْتهى يَعْنِي أَنه قَالَ فِي صدر المسئلة: لَا يثبت بِهِ وجوب دون اشتهار أَو تلقي الْأمة بِكَلِمَة أَو وَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَن يَقُول هَهُنَا أَيْضا كَذَلِك، وَقد غَيرهَا بِالْوَاو وَلم يدر أَن لثُبُوت الْوُجُوب بِخَبَر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى إِذا كَانَ لَهُ لَا زمَان لَا يفارقانه، فالعلم بتحقق الْمَلْزُوم يتَحَقَّق بِالْعلمِ بِأحد لازميه من غير أَن يتَعَلَّق الْعلم بهما جَمِيعًا، وَعدم الْعلم باللازم الآخر لَا يسْتَلْزم مفارفته عَن الْمَلْزُوم: وَهَذَا إِذا علم انْتِفَاء أَحدهمَا فِي نفس الْأَمر علم انْتِفَاء الْمَلْزُوم فِي نفس الْأَمر لفرض مساواتهما إِيَّاه، وَعدم الْعلم بِانْتِفَاء الآخر لَا يستلزمه فِي نفس الْأَمر، فَذكر الْوَاو فِي قَوْله وَيلْزمهُ إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى لُزُوم كل مِنْهُمَا، وَكلمَة أَو إِشَارَة إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم. (وَاسْتدلَّ) للمختار بمزيف، وَهُوَ (الْعَادة قاضية بنقله) أَي بِنَقْل مَا تعم بِهِ الْبلوى نقلا (متواترا) لتوفر الدعاوي على نَقله لذَلِك، وَلما لم يتواتر علم كذبه (ورد) هَذَا (بِالْمَنْعِ) أَي منع قَضَاء الْعَادة بتواتره (إِذْ اللَّازِم) لكَونه تعم بِهِ الْبلوى إِنَّمَا هُوَ (علمه) أَي الْخلاف الْكثير (لَا رِوَايَته) أَي الحكم لَهُم (إِلَّا عِنْد الاستفسار) عَنهُ (أَو يَكْتَفِي بِرِوَايَة الْبَعْض مَعَ تَقْرِير الآخرين قَالُوا) أَي الْأَكْثَرُونَ (قبلته) أَي خبر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى (الْأمة فِي تفاصيل الصَّلَاة وقبلتموه فِي مقدماتها كالفصد) أَي الْوضُوء مِنْهُ بقوله ﵇ " الْوضُوء من كل دم سَائل ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن عدي (والقهقهة) أَي وَالْوُضُوء مِنْهَا إِذا كَانَت فِي صَلَاة مُطلقَة بِمَا تقدم فِي مسئلة عمل الصَّحَابِيّ بِرِوَايَة الْمُشْتَرك من طَرِيق أبي حنيفَة أَنه ﷺ قَالَ
" من قهقه مِنْكُم فليعد الْوضُوء وَالصَّلَاة " (وَقيل فِيهِ) أَي فِي حكم مَا تعم بِهِ الْبلوى (الْقيَاس) أَي الْعَمَل بِهِ (وَهُوَ) أَي الْقيَاس (دونه) أَي خبر الْوَاحِد كَمَا سَيَأْتِي، فخبر الْوَاحِد أولى بِالْقبُولِ (قُلْنَا التفاصيل إِن كَانَت رفع الْيَدَيْنِ وَالتَّسْمِيَة والجهر بهَا وَنَحْوه من السّنَن) كوضع الْيَمين على الشمَال تَحت السُّرَّة وإخفاء التَّأْمِين (فَلَيْسَ) إِثْبَات ذَلِك (مَحل النزاع) إِذْ النزاع فِي إِثْبَات الْوُجُوب بِهِ (أَو) كَانَت (الْأَركان الإجماعية) من الْقيام وَالْقِرَاءَة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود
стр. 813
(فبقاطع) أَي فأثبتناه بِدَلِيل قَطْعِيّ من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع (أَو) كَانَت الْأَركان (الخلافية كَخَبَر الْفَاتِحَة) كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ " لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب ". (فَأَما اشْتهر أَو تلقى) بِالْقبُولِ (فَقُلْنَا بِمُقْتَضَاهُ من الْوُجُوب) لَا الْفَرْض (أَو) التَّفْصِيل الصلاتي الَّذِي أثبت بِخَبَر الْوَاحِد (لَيْسَ مِنْهُ) أَي مَا تعم بِهِ الْبلوى (إِذْ هُوَ) أَي مَا تعم بِهِ الْبلوى (فعل أَو حَال يكثر تكرره للْكُلّ) حَال كَونه (سَببا للْوُجُوب) كالبول والمس وَالنَّوْم، فَإِنَّهُ يكثر تكررها، بِخِلَاف التقاء الختانين لعدم كَثْرَة وُقُوعه (فَيعلم) الْوُجُوب عَلَيْهِم (لقَضَاء الْعَادة بالاستعلام) فِي مثل ذَلِك (أَو بِلُزُوم كثرته) مَعْطُوف على الاستعلام: أَي لقَضَاء الْعَادة بِلُزُوم كَثْرَة الْإِعْلَام فِي مثله (للشَّرْع) لبَيَان مشروعيته على سَبِيل الْوُجُوب (قطعا) لشدَّة الْحَاجة إِلَيْهِ (كمطلق الْقِرَاءَة) فِي الصَّلَاة، و (حِينَئِذٍ) أَي وَحين كَانَ الْأَمر على هَذَا التَّفْصِيل (ظهر أَن لَيْسَ مِنْهُ) أَي مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى (نَحْو الفصد) فَإِنَّهُ لَا يكثر للمتوضئين (والقهقهة) فِي الصَّلَاة فَإِنَّهَا فِي غَايَة الندرة (فَلَا يتَّجه إيجابهم) أَي الْحَنَفِيَّة (السُّورَة) مَعَ الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة (مَعَ الْخلاف) فِي قبُول حَدِيثهَا وَعدم اشتهاره، بل وَفِي صِحَّته أَيْضا مَعَ أَنَّهَا مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى هَكَذَا ذكره الشَّارِح وَلم يتَقَيَّد بارتباط الْكَلَام، وَوجه تَفْرِيع عدم اتحاده إيجابهم السُّورَة على مَا قبله، وَبِأَن الحَدِيث وَهُوَ قَوْله ﵇ " لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ فِي كل رَكْعَة بِالْحَمْد وَسورَة فِي الْفَرِيضَة وَغَيرهَا إِذا كَانَ مُخْتَلفا فِي قبُوله وَصِحَّته كَيفَ يكون هَذَا الِاخْتِلَاف منشأ لعدم الِاعْتِرَاض على الْحَنَفِيَّة، وَقد أثبتوا الْوَاجِب بِخَبَر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى مَعَ كَثْرَة التّكْرَار للْكُلّ وَالصَّوَاب أَن يُقَال أَنه تَفْرِيع على اعْتِبَار تكْثر التكرر بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكل سَببا للْوُجُوب بِأَن يكون وجود ذَلِك التّكْرَار عِلّة لوُجُوب أَمر عَلَيْهِم كوجوب الْوضُوء فِيمَا ذكر آنِفا، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ تشتد الْحَاجة إِلَى الاستعلام، وَأَن المُرَاد بِالْخِلَافِ كَون وجوب السُّورَة مُخْتَلفا فِيهِ بِمُوجب الْأَدِلَّة، فتكرر السُّورَة لَيْسَ سَببا لوُجُوب أَمر حَتَّى يدْخل فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى، على أَن وجوب نَفسه أَيْضا مُخْتَلف فِيهِ، فَمن لم يقل بِوُجُوبِهِ وَهُوَ الْأَكْثَر يحمل الحَدِيث على تَقْدِير صِحَّته على نفي الْكَمَال، فَلَيْسَ هُنَاكَ شدَّة احْتِيَاج تحيل الْعَادة شيوع الاستعلام، فَلَيْسَ مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى وَالله أعلم. (وَلُزُوم الْقيَاس) أَي وَلُزُوم خبر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى علينا بِسَبَب قبُول الْأمة الْقيَاس، وَفِيه على مَا قَالَه الْأَكْثَرُونَ (مُتَوَقف على لُزُوم الْقطع بِحكم مَا تعم بِهِ) الْبلوى كَانَ إلزامكم علينا بِاعْتِبَار الْقيَاس متجها لِأَن الْخَبَر الْمَذْكُور أَعلَى رُتْبَة من الْقيَاس (و) لَكنا (لَا نقُول بِهِ) أَي بِلُزُوم الْقطع بِهِ (بل بِالظَّنِّ) أَي بل نقُول بِلُزُوم الظَّن بِحكمِهِ (وَعدم قبُول مَا لم يشْتَهر) من أَخْبَار الْآحَاد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى (أَو) لم (يقبلوه) أَي لم تتلقه الْأمة بِالْقبُولِ (لانتفائه) أَي الظَّن لما
стр. 814
بَيناهُ (بِخِلَاف الْقيَاس) لِأَن الْمَانِع من إِفَادَة الظَّن فِي خبر الْوَاحِد كَون اخْتِصَاص فَرد معِين بمامسته شدَّة حَاجَة الْكل إِلَيْهِ يُوجب اتهامه فَلَا يُفِيد خَبره الظَّن، وَمثل هَذَا الْمَانِع لم يتَحَقَّق فِي الْقيَاس (وَيُمكن منع ثُبُوته) أَي حكم مَا تعم بِهِ الْبلوى (بِالْقِيَاسِ لاقْتِضَاء الدَّلِيل) وَهُوَ قَضَاء الْعَادة بالاستعلام أَو كَثْرَة إِعْلَام الشَّارِع بِهِ (سبق مَعْرفَته) أَي حكم مَا تعم بِهِ الْبلوى (على تَصْوِير الْمُجْتَهد إِيَّاه) أَي الْقيَاس فَيثبت الحكم بِتِلْكَ الْمعرفَة السَّابِقَة قبل التَّصْوِير الْمَذْكُور.
مسئلة
(إِذا انْفَرد) مخبر (بِمَا شَاركهُ) بِهِ (بالإحساس بِهِ خلق) كثير (مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله) دينيا كَانَ أَو غَيره (يقطع بكذبه خلافًا للشيعة لنا الْعَادة قاضية بِهِ) أَي بكذبه، لِأَن الطباع مجبولة على نَقله، وَالْعَادَة تحيل كِتْمَانه مَعَ توفر الدَّوَاعِي لإظهاره من مصَالح الْعباد وَصَلَاح الْبِلَاد إِلَى غير ذَلِك (قَالُوا) أَي الشِّيعَة (الْحَوَامِل على التّرْك) لنقله (كَثِيرَة) من مصلحَة بِالْجَمِيعِ فِي أُمُور الْولَايَة وَإِصْلَاح الْمَعيشَة، أَو خوف وَرَهْبَة من عَدو غَالب، أَو ملك قاهر إِلَى غير ذَلِك (وَلَا طَرِيق إِلَى علم عدمهَا) أَي الْحَوَامِل لعدم إِمْكَان ضَبطهَا (وَمَعَ احتمالها) إِي الْحَوَامِل لترك النواقل (لَيْسَ السُّكُوت) من المشاركين لَهُ (قَاطعا فِي كذبه، وَلذَا) أَي جَوَاز انْفِرَاد الْبَعْض مَعَ كِتْمَانه الْبَاقِي فِي مثله (لم ينْقل النَّصَارَى كَلَام عِيسَى ﵇ فِي المهد) مَعَ توفر الدَّوَاعِي على نَقله (وَنقل اشتقاق الْقَمَر، وتسبيح الْحَصَى وَالطَّعَام، وحنين الْجذع، وسعي الشَّجَرَة، وَتَسْلِيم الْحجر والغزالة) للنَّبِي ﷺ (آحادا) مَعَ توفر الدَّوَاعِي على نقلهَا (أُجِيب بإحالة الْعَادة وشمول حَامِل) على الكتمان (للْكُلّ) كَمَا تحيل اتِّفَاقهم فِي دَاع لأكل طَعَام وَاحِد فِي وَقت وَاحِد (وَالظَّاهِر عدم) شُمُول حَامِل على الكتمان للْكُلّ كَمَا تحيل عدم (حُضُور عِيسَى) وَقت كَلَامه فِي المهد (إِلَّا الْآحَاد) من الْأَهْل وَالَّذين أَتَت بِهِ تحمل إِلَيْهِم (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن حَضَره جم غفير (وَجب الْقطع بتواتره وَإِن انْقَطع) التَّوَاتُر (لحامل المبدلين) لدينِهِ (على إخفاء مَا تكلم بِهِ) وَهُوَ قَوْله أَنِّي عبد الله فَإِنَّهُ حملهمْ على الْإخْفَاء ادعاؤهم أَنه إِلَه وَأَنه ابْن (وَهُوَ) أَي حُضُور الجم الْغَفِير إِيَّاه مَعَ عدم نَقله متواترا و (إِن جَازَ) عقلا (فخلاف الظَّاهِر) فَلَا يقْدَح فِي الْقطع العادي (وَمَا ذكر) مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله من المعجزات الْمَذْكُورَة (حَضَره الْآحَاد ولازمه) بِاعْتِبَار توفر الدَّوَاعِي (الشُّهْرَة) لِامْتِنَاع التَّوَاتُر بِاعْتِبَار أَن الطَّبَقَة الأولى آحَاد فَلم يبْق إِلَّا أَن يتواتر فِي الثَّانِيَة وَهُوَ الشُّهْرَة (وَقد تحققت، على أَنه لَو فرض عدد التَّوَاتُر) فِي بَعْضهَا (وتخلف)
стр. 815
تواتره فِيمَا بعد (فلاكتفاء الْبَعْض) من الناقلين (بأعظمها) أَي المعجزات (الْقُرْآن) عطف بَيَان لأعظمها فَإِنَّهُ المعجزة المستمرة فِي مُسْتَقْبل الْأَزْمِنَة الدائرة على الْأَلْسِنَة فِي غَالب الْأَمْكِنَة. قَالَ السُّبْكِيّ: الصَّحِيح عِنْدِي فِي الْجَواب الْتِزَام أَن الانشقاق والحنين متواتران انْتهى وَالله أعلم.
مسئلة
(إِذا تعَارض خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس بِحَيْثُ لَا جمع) بَينهمَا مُمكن (قدم الْخَبَر مُطلقًا عِنْد الْأَكْثَر) مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد (وَقيل) قدم (الْقيَاس) وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى مَالك إِلَّا أَنه اسْتثْنى أَرْبَعَة أَحَادِيث، فَقَدمهَا على الْقيَاس. حَدِيث غسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب، وَحَدِيث الْمُصراة، وَحَدِيث الْعَرَايَا، وَحَدِيث الْقرعَة (وَأَبُو الْحُسَيْن) قَالَ قدم الْقيَاس (إِن / كَانَ ثُبُوت الْعلَّة بقاطع) لِأَن النَّص على الْعلَّة كالنص على حكمهَا، فَحِينَئِذٍ الْقيَاس قَطْعِيّ، وَالْخَبَر ظَنِّي، والقطعي مقدم على الظني قطعا (فَإِن لم يقطع) بِشَيْء (سوى بِالْأَصْلِ) أَي بِحكمِهِ (وَجب الِاجْتِهَاد فِي التَّرْجِيح) فَيقدم مَا ترجح من الظنيين، فَيُفَرق بَين الْعلَّة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا بظني، وَبَين المستنبطة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَحَقَّق شَيْء مِنْهُمَا (فَالْخَبَر) مقدم على الْقيَاس لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الظَّن، وترجح الْخَبَر على الظَّن الدَّال على الْعلَّة بِأَنَّهُ يدل على الحكم بِدُونِ وَاسِطَة، بِخِلَاف الدَّال على الْعلَّة وَيعلم مِنْهُ المستنبطة. قَالَ السُّبْكِيّ: إِن فرض أَبُو الْحُسَيْن صُورَة يكون الْقطع مَوْجُودا فِيهَا فَهَذَا مَا لَا يُنَازع فِيهِ، إِذْ الْقطع مُرَجّح على الظَّن، وَكَذَا أرجح الظنيين، فَلَيْسَ فِي تَفْصِيله عِنْد التَّحْقِيق كَبِير أَمر (وَالْمُخْتَار) عِنْد الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب وَالْمُصَنّف (إِن كَانَت الْعلَّة) ثَابِتَة (بِنَصّ رَاجِح على الْخَبَر ثبوتا) إِذا اسْتَويَا فِي الدّلَالَة (أَو دلَالَة) إِذا اسْتَويَا ثبوتا (وَقطع بهَا) أَي الْعلَّة (فِي الْفَرْع قدم الْقيَاس). قَالَ السُّبْكِيّ: لَا يلْزم من ثُبُوت الْعلية براجح، وَالْقطع بوجودها أَن يكون ظن الحكم الْمُسْتَفَاد مِنْهَا فِي الْفَرْع أقوى من الظَّن الْمُسْتَفَاد من الْخَبَر، لِأَن الْعلَّة عنْدكُمْ لَا يلْزمهَا الاطراد بل رُبمَا تخلف الحكم عَنْهَا لمَانع فَلم قُلْتُمْ أَنه لم يتَخَلَّف عَن الْفَرْع لمَانع الْخَبَر خُصُوصا إِذا كَانَت الْعلَّة تَشْمَل فروعا كَثِيرَة وَالْخَبَر يخْتَص بِهَذَا الْفَرْع. قَالَ الشَّارِح: هَذَا ذُهُول عَن مَوضِع الْخلاف، فَإِنَّهُ إِذا تَسَاويا فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص كَمَا سيصرح بِهِ فَلْيتَأَمَّل انْتهى وَجه التَّأَمُّل أَن اعْتِبَار الْمُسَاوَاة فِيمَا سيصرح لَيْسَ بَين الْعلَّة وَالْحكم، بل بَين الْخَبَر وَالْقِيَاس، فَكَانَ الأولى طي الِاعْتِرَاض (وَإِن ظنت) الْعلَّة فِي الْفَرْع (فالوقف) مُتَعَيّن، يَعْنِي إِذا لم يكن هُنَاكَ مَا يرجح أَحدهمَا (وَإِلَّا تكن) الْعلَّة ثَابِتَة (براجح) بِأَن تكون مستنبطة أَو ثَابِتَة بِنَصّ مَرْجُوح عَن الْخَبَر أَو مسَاوٍ لَهُ (فَالْخَبَر) مقدم، وَلَا بعد فِي كَون
стр. 816
هَذَا التَّفْصِيل إِظْهَار مُرَاد لَا خلافًا، إِذْ الْمَذْكُور فِي الْمُخْتَار لَا يَنْبَغِي أَن يَقع فِيهِ اخْتِلَاف. وَقَالَ / فَخر الْإِسْلَام: إِذا كَانَ الرَّاوِي من الْمُجْتَهدين كالخلفاء الرَّاشِدين قدم خَبره على الْقيَاس. وَقَالَ ابْن أبان: إِن كَانَ ضابطا غير متساهل فِيمَا يرويهِ قدم خَبره على الْقيَاس وَإِلَّا فَهُوَ مَوضِع اجْتِهَاد (للْأَكْثَر) أَنه (ترك عمر الْقيَاس فِي الْجَنِين وَهُوَ) أَي الْقيَاس (عدم الْوُجُوب) للغرة على ضرب بطن امْرَأَة فِيهِ جَنِين فأسقطته مَيتا (بِخَبَر حمل بن مَالك) كَمَا سبق فِي مسئلة الْعَمَل بِخَبَر الْعدْل وَاجِب (وَقَالَ لَوْلَا هَذَا لقضينا فِيهِ برأينا). أخرج الشَّافِعِي فِي الْأُم، فَقَالَ عمر إِن كدنا أَن نقضي فِي هَذَا برأينا، وَعند أبي دَاوُد فَقَالَ الله أكبر لَو لم أسمع بِهَذَا لقضينا بِغَيْر هَذَا (فَأفَاد) عمر (أَن تَركه) فِي الرَّأْي إِنَّمَا كَانَ (للْخَبَر، و) ترك عمر الْقيَاس (فِي دِيَة الْأَصَابِع) أَيْضا (وَهُوَ) أَي الْقيَاس (تفاوتها) أَي الدِّيَة فِيهَا (لتَفَاوت مَنَافِعهَا) إِذْ مَنْفَعَة بَعْضهَا أَكثر (وخصوصه) أَي النَّفْع (أَمر آخر) يَعْنِي فِيهَا أَمْرَانِ يوجبان التَّفَاوُت وَعدم الْمُسَاوَاة فِي الدِّيَة: أكثرية مَنْفَعَة الْبَعْض، وَأَن لبعضها نفعا خَاصّا لَا يُوجد فِي غَيره (وَكَانَ رَأْيه فِي الْخِنْصر) بِكَسْر الْخَاء وَالصَّاد. وَقَالَ الْفَارِسِي: اللُّغَة الفصيحة فتح الصَّاد، وَكَذَا فِي الْقَامُوس (سِتا) من الْإِبِل (وَالَّتِي تَلِيهَا) وَهِي البنصر (تسعا) مِنْهَا (وكل من الآخرين) التَّذْكِير بِتَأْوِيل الْعُضْو، وهما الْوُسْطَى والمسبحة (عشرا) قَوْله سِتا وَمَا بعده خبر كَانَ، وَفِي الْإِبْهَام خَمْسَة عشر من الْإِبِل. قَالَ الشَّارِح: كَذَا ذكره غير وَاحِد، وَالَّذِي فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ أَنه كَانَ يرى فِي السبابَة اثْنَي عشر، وَفِي الْوسط عشرا، وَفِي الْإِبْهَام خَمْسَة عشر. وروى الشَّافِعِي ﵀ قَضَاءَهُ فِي الْإِبْهَام بذلك أَيْضا (لخَبر عَمْرو بن حزم فِي كل أصْبع عشر) من الْإِبِل (وَفِي مِيرَاث الزَّوْجَة من دِيَة زَوجهَا وَهُوَ) أَي الْقيَاس (عَدمه) أَي عدم مِيرَاثهَا مِنْهَا (إِذْ لم يملكهَا) الزَّوْج (حَيا بل) إِنَّمَا يملكهَا الْوَرَثَة (جبرا لمصيبة الْقَرَابَة، وَيُمكن حذف الْأَخير). قَالَ الشَّارِح: أَي كَون ملكهم إِيَّاهَا جبر الْمُصِيبَة الْقَرَابَة، ثمَّ فسر قَوْله (فَلَا يكون من النزاع) بعد كَون تَوْرِيث الْقَرَابَة دون الزَّوْجَة من تعَارض خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس، وَعلله بقوله فَإِن الْقيَاس أَن يَرث الْجَمِيع، وَهَذَا مِمَّا يقْضِي مِنْهُ الْعجب، فَإِن عدم كَونه من مَحل النزاع إِن كَانَ هَذَا بِهَذَا السَّبَب فعلى تَقْدِير عدم الْحَذف أَيْضا كَذَلِك فَالصَّوَاب أَن يُقَال: المُرَاد ترك ذكر هَذِه المسئلة بكمالها، لِأَن توريثها مَعَ الْقَرَابَة قِيَاس لجَوَاز أَن يُقَال: الدِّيَة على سَائِر مختلفاته، غَايَة الْأَمر أَنه يُمكن تَرْتِيب دَلِيل آخر مُقْتَض لعدم توريثها، وَهُوَ أَن الزَّوْج لم يملكهَا حَيا إِلَى آخِره فعلى هَذَا الْوَاقِعَة من بَاب اخْتِيَار خبر الْوَاحِد الْمُوَافق للْقِيَاس على مُجَرّد الرَّأْي لذَلِك الْمَعْنى الفقهي، لَا من بَاب تعَارض الْخَبَر وَالْقِيَاس (وَلم يُنكره) أَي ترك عمر الْقيَاس للْخَبَر (أحد
стр. 817
فَكَانَ) تَقْدِيم الْخَبَر على الْقيَاس (إِجْمَاعًا، وعورض بمخالفة ابْن عَبَّاس خبر أبي هُرَيْرَة) مَرْفُوعا (توضؤا مِمَّا مسته النَّار) وَلَو من أثوار أقط إِذْ قَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس يَا أَبَا هُرَيْرَة أَنَتَوَضَّأُ من الدّهن، أَنَتَوَضَّأُ من الْحَمِيم؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: يَا ابْن أخي إِذا سَمِعت حَدِيثا عَن النَّبِي ﷺ فَلَا تضرب لَهُ مثلا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ (وبمخالفته هُوَ) أَي ابْن عَبَّاس (وَعَائِشَة خَبره) أَي أبي هُرَيْرَة الْمُتَّفق عَلَيْهِ (فِي المستيقظ) وَهُوَ قَوْله ﷺ " إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نَومه فليغسل يَده قبل أَن يدخلهَا فِي وضوئِهِ فَإِن أحدكُم لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده ". (وَقَالا) أَي ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة (كَيفَ نصْنَع بالمهراس) وَهُوَ حجر منقور مستطيل عَظِيم كالحوض لَا يقدر أحد على تحريكه، ذكره ابْن عبيد عَن الْأَصْمَعِي: أَي إِذا كَانَ فِيهِ مَاء وَلم تدخل فِيهِ الْيَد فَكيف نَتَوَضَّأ مِنْهُ (وَلم يُنكر) إنكارهما (فَكَانَ) الْعَمَل بِالْقِيَاسِ عِنْد مُعَارضَة خبر الْوَاحِد لَهُ (إِجْمَاعًا قُلْنَا ذَلِك) أَي الْمُخَالفَة الْمَذْكُورَة (للاستبعاد لخصوصه) أَي الْمَرْوِيّ (لظُهُور خِلَافه) أَي الْمَرْوِيّ، روى الشَّارِح عَن بعض الْحفاظ أَن مَا روى عَن عَائِشَة ﵂ وَابْن عَبَّاس لَا وجود لَهُ فِي شَيْء من كتب الحَدِيث. وَإِنَّمَا الَّذِي قَالَ هَذَا لأبي هُرَيْرَة رجل يُقَال لَهُ: قين الْأَشْجَعِيّ، وَقيل إِنَّه صَحَابِيّ وَعَن بعض الْحفاظ نفى صحبته، وَقيل الْقَائِل بعض أَصْحَاب عبد الله بن مَسْعُود (وَلَيْسَ) هَذَا الْخلاف (من مَحل النزاع) أَي مُعَارضَة الْقيَاس بِخَبَر الْوَاحِد (لَا) أَنه مِنْهُ (لتَركه) أَي خبر الْوَاحِد (بِالْقِيَاسِ) إِذْ لَا قِيَاس يَقْتَضِي عدم وجوب غسل الْيَد قبل الإدخال فِي الْإِنَاء (وَلَهُم) أَي الْأَكْثَر أَيْضا (تَقْرِيره ﷺ معَاذًا حِين أخر الْقيَاس) عَن الْكتاب وَالسّنة الَّتِي مِنْهَا أَخْبَار الْآحَاد حِين بَعثه إِلَى الْيمن قَاضِيا فَسَأَلَهُ بِمَ تحكم؟ وَقد سبق (وَأَيْضًا لَو قدم الْقيَاس لقدم الأضعف، وبطلانه إِجْمَاع: أما الْمُلَازمَة فلتعدد احتمالات الْخَطَأ بِتَعَدُّد الِاجْتِهَاد) وَضعف الظَّن بِتَعَدُّد الِاحْتِمَالَات (ومحاله) أَي الِاجْتِهَاد (فِيهِ) أَي الْقيَاس (أَكثر) من محاله فِي الْخَبَر (فالظن) فِي الْقيَاس حِينَئِذٍ (أَضْعَف) مِنْهُ فِي الْخَبَر، إِذْ محَال الِاجْتِهَاد فِي الْقيَاس سنة (حكم الأَصْل) أَي ثُبُوته (وَكَونه) أَي حكم الأَصْل (مُعَللا) بعلة مَا، وَلَيْسَ من الْأَحْكَام التعبدية (وَتَعْيِين الْوَصْف) الَّذِي هُوَ الْعلَّة (للعلية، ووجوده) أَي ذَلِك الْوَصْف (فِي الْفَرْع وَنفي الْمعَارض) للوصف من انْتِفَاء شَرط أَو وجود مَانع (فيهمَا) أَي فِي الأَصْل وَالْفرع (وَفِي الْخَبَر) مَحل الِاجْتِهَاد (فِي الْعَدَالَة) للراوي (وَالدّلَالَة) لمتنه على الحكم (وَأما احْتِمَال كفر الرَّاوِي وَكذبه وخطئه) لعدم عصمته عَنْهَا (وَاحْتِمَال الْمَتْن الْمجَاز) وَمَا فِي حكمه من الْإِضْمَار والاشتراك والتخصيص (فَمن الْبعد) بِحَيْثُ (لَا يحْتَاج إِلَى اجْتِهَاد فِي نَفْيه وَلَو) احْتِيجَ فِي الْمَذْكُورَات إِلَى الِاجْتِهَاد
стр. 818
(فَلَا) يحْتَاج إِلَيْهِ (على الْخُصُوص) أَي لَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يحصل الْكل من نفي الْكفْر وَالْكذب وَالْخَطَأ وَالْمجَاز دَلِيلا على حِدة (بل ينتظمه) أَي نفي ذَلِك كُله (الْعَدَالَة) أَي الِاجْتِهَاد فِيهَا فَإِذا ثَبت عِنْده كفته (وَلَا يخفى أَن احْتِمَال الْخَطَأ فِي حكم الأَصْل) اعْتِبَاره فِي الْقيَاس (ليجتهد) الْمُجْتَهد (فِيهِ) أَي وَفِي ثُبُوت الأَصْل لمصلحته (مُنْتَفٍ لِأَنَّهُ) أَي حكم الأَصْل لمصلحته (مجمع عَلَيْهِ وَلَو) كَانَ ذَلِك الْإِجْمَاع بِاعْتِبَار اتِّفَاق (بَينهمَا) أَي المتناظرين (فِي الْمُخْتَار عِنْدهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (وَكَذَا نفي كَونه) أَي حكم الأَصْل (فرعا) لغيره مجمع عَلَيْهِ وَلَو بَينهمَا فِي الْمُخْتَار عِنْدهم (فَهِيَ) أَي محَال الِاجْتِهَاد فِي الْقيَاس (أَرْبَعَة لسقوطه) أَي الِاجْتِهَاد (فِي معَارض الأَصْل) وَهُوَ أحد الْمحَال الْمَذْكُورَة لَهُ (ضمنه) أَي فِي ضمن سُقُوط الِاجْتِهَاد فِي نفس الأَصْل (وَلَو سلم) أَنه لَا يشْتَرط الِاتِّفَاق عَلَيْهِ (فإثباته) أَي حكم الأَصْل (لَيْسَ من ضروريات الْقيَاس) بل هُوَ حكم سَمْعِي يجْتَهد فِيهِ ليعْمَل بِهِ كَسَائِر الْأَحْكَام الْمَأْخُوذَة من النُّصُوص، فَهُوَ مَقْصُود الْإِثْبَات لذاته لَا لمصْلحَة الْقيَاس، غير أَنه يقْصد بذلك اسْتِئْنَاف عمل آخر يستعلم أَن لَهُ محلا آخر، وَهُوَ الْقيَاس فَهُوَ عِنْد ذَلِك مفروغ مِنْهُ (و) لَا يخفى (أَن الِاجْتِهَاد فِي الْعَدَالَة لَا يسْتَلْزم ظن الضَّبْط فَهُوَ) أَي الضَّبْط (مَحل ثَالِث فِي الْخَبَر، و) أَن الِاجْتِهَاد (فِي الدّلَالَة أَن أفْضى إِلَى ظن كَونه) أَي الْمَدْلُول أَو اللَّفْظ (حَقِيقَة أَو مجَازًا لَا يُوجب ظن عدم النَّاسِخ) لعدم الْمُلَازمَة بَينهمَا (فرابع) أَي الْمَدْلُول أَو اللَّفْظ مَحل رَابِع بِاعْتِبَار كَونه غير مَنْسُوخ (وَلَا) يُوجب ظن عدم (الْمعَارض) لَهُ (فخامس) أَي فالتفحص لعدم الْمعَارض مَحل خَامِس للِاجْتِهَاد (ويندرج بَحثه) أَي الْمُجْتَهد (عَن الْمُخَصّص) إِذا كَانَ الْمَدْلُول عَاما فِي بَحثه على نفي الْمعَارض لِأَنَّهُ معَارض ضَرُورَة فِي بعض الْأَفْرَاد، ثمَّ لما بَين أَن الْمحَال فِي الْقيَاس الْأَرْبَعَة. وَفِي الْخَبَر خَمْسَة اتجه أَن يُقَال الأقيسة الَّتِي ثبتَتْ عَلَيْهَا بِنَصّ لَا بُد فِيهَا من الفحص عَن الدّلَالَة وَالْعَدَالَة، فَصَارَ محَال الْقيَاس حِينَئِذٍ أَكثر من محَال الْخَبَر فَأجَاب عَنهُ بقوله (وَفِي الأقيسة المنصوصة الْعلَّة بِغَيْر رَاجِح) الْجَار مُتَعَلق بالمنصوصة: أَي المنصوصة بِنَصّ غير رَاجِح على الْخَبَر الْمَذْكُور، قَيده بِهِ، لِأَنَّهُ إِن كَانَ براجح فَلَا شكّ فِي تَقْدِيم الْقيَاس حِينَئِذٍ، لِأَن النَّص على الْعلَّة كالنص على الحكم كَمَا سَيَأْتِي (إِن زَاد محلان) الْعَدَالَة وَالدّلَالَة (سقط) من محَال الِاجْتِهَاد فِيهَا (محلان) كَونه مُعَللا، وَتعين الْعلَّة (فقصر) الْقيَاس عَن الْخَبَر فِي عدد محَال الاجتهادين يرد عَلَيْهِ أَن المنصوصة الْعلَّة بِخَبَر يحْتَاج إِلَى كل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْخَبَر، وَهُوَ الْخَمْسَة على مَا حققت لَا بُد مِنْهَا فِي الْقيَاس، فَلَا يُقَال هَهُنَا إِن زَاد محلان نقص محلان، بل الْوَجْه فِي مثله تَقْدِيم. ثمَّ هَذَا نظر فِي هَذَا الدَّلِيل وللمطلوب أَدِلَّة أُخْرَى، فَلَا يقْدَح فِيهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وَفِيمَا تقدم) من الْأَدِلَّة (كِفَايَة) عَن هَذَا
стр. 819
الدَّلِيل (وَاسْتدلَّ) للْأَكْثَر أَيْضا بقوله (بِثُبُوت أصل الْقيَاس بالْخبر) كَخَبَر معَاذ السَّابِق (فَلَا يقدم) الْقيَاس (على أَصله) أَي الْخَبَر (وَقد يمْنَع الْأَمْرَانِ) أَي ثُبُوته بالْخبر لما سَيَأْتِي فِي مسئلة تَكْلِيف الْمُجْتَهد بِطَلَب المناط فِي أَوَاخِر مبَاحث الْقيَاس، وَلُزُوم التَّقْدِيم على الأَصْل إِن قدم على الْخَبَر على تَقْدِير ثُبُوته بالْخبر، إِذْ الأَصْل حِينَئِذٍ خبر مَخْصُوص، وأصالة فَرد من أَفْرَاد الْخَبَر لَا يسْتَلْزم أَصَالَة كل فَرد مِنْهُ، وَجعل الشَّارِح الْأَمر الثَّانِي تقدميه على الْخَبَر وَسَنَد الْمَنْع أَنه مصادرة على الْمَطْلُوب وَلَا معِين لَهُ (و) اسْتدلَّ أَيْضا للْأَكْثَر (بِأَنَّهُ) أَي الْخَبَر دَلِيل (قَطْعِيّ وَلَوْلَا الطَّرِيق) الموصلة لَهُ إِلَيْنَا، لِأَن قَائِله مخبر عَن الله صَادِق، وَإِنَّمَا الشُّبْهَة فِي الْوَاسِطَة (بِخِلَاف الْقيَاس) فَإِنَّهُ ظَنِّي فِي حد ذَاته (وَيُجَاب بِأَن الْمُعْتَبر الْحَاصِل الْآن وَهُوَ) أَي الْحَاصِل الْآن مِنْهُ (مظنون) ثمَّ مضى (هَذَا، وَأما تَقْدِيم مَا ذكر من الْقيَاس) الَّذِي علته ثَابِتَة بِنَصّ رَاجِح على الْخَبَر وَقطع بهَا فِي الْفَرْع (فلرجوعه) أَي التَّقْرِير الْمَذْكُور (إِلَى الْعَمَل براجح من الْخَبَرَيْنِ تَعَارضا، إِذْ النَّص على الْعلَّة نَص على الحكم فِي محلهَا) أَي الْعلَّة وَهُوَ الْفَرْع (وَقد قطع بهَا) أَي بِالْعِلَّةِ (فِيهِ) أَي محلهَا الَّذِي هُوَ الْفَرْع (والتوقف) فِيمَا أَوجَبْنَا التَّوَقُّف فِيهِ، وَهُوَ مَا إِذا ثبتَتْ بِنَصّ رَاجِح ووجودها فِي الْفَرْع ظَنِّي (لتعارض الترجيحين خبر الْعلَّة بِالْفَرْضِ) فَإِن الْمَفْرُوض رجحانه (وَالْآخر) أَي الْخَبَر الآخر (بقلة الْمُقدمَات) لعدم انضمام الْقيَاس إِلَيْهِ (وَعلمت مَا فِيهِ) من أَن الْقيَاس أقل محَال للِاجْتِهَاد من الْخَبَر (هَذَا إِذا تَسَاويا) أَي الْقيَاس، وَالْخَبَر المتعارضان بِأَن كَانَ كل مِنْهُمَا عَاما أَو خَاصّا (فَإِن كَانَا) أَي الْخَبَر وَالْقِيَاس (عَاما) أَحدهمَا (وخاصا) الآخر (فعلى الْخلاف فِي تَخْصِيص الْعَام بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ (كَيفَ اتّفق) أَي سَوَاء خص بِغَيْرِهِ أَو لَا (وَعَدَمه) أَي عدم تَقْدِير الْكَلَام فِي مسئلة مُسْتَقلَّة.
مسئلة
(الإتفاق فِي أَفعاله الجبلية) ﷺ : أَي الصادرة بِمُقْتَضى طَبِيعَته فِي أصل خلقته كالقيام وَالْقعُود وَالنَّوْم وَالْأكل وَالشرب (الْإِبَاحَة لنا وَله، وَفِيمَا ثَبت خصوصه) أَي كَونه من خَصَائِصه كإباحة الزِّيَادَة على أَربع فِي النِّكَاح وَإِبَاحَة الْوِصَال فِي الصَّوْم (اخْتِصَاصه) بِهِ لَيْسَ لأحد من الْأمة مشاركته فِيهِ (وَفِيمَا ظهر بَيَانا بقوله " كصلوا) كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " مُتَّفق عَلَيْهِ الصَّادِر بعد صلَاته فَإِنَّهَا بَيَان لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة﴾ - (وخذوا) عني مَنَاسِككُم فَإِنِّي لَا أَدْرِي لعَلي لَا أحج بعد حجتي هَذِه (فِي أثْنَاء حجه) أَي وَهُوَ يَرْمِي الْجَمْرَة على رَاحِلَته كَمَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره، فَإِن بَيَانه لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ - وَخبر الْمُبْتَدَأ: أَعنِي الإتفاق
стр. 820
بِاعْتِبَار هَذَا الْقسم مَحْذُوف بِقَرِينَة مَا يَأْتِي أَنه بَيَان (أَو) ظهر بَيَانا (بِقَرِينَة حَال كصدوره) أَي الْفِعْل (عِنْد الْحَاجة) أَي بَيَان مُجمل (بعد تقدم إِجْمَال) حَال كَون الْفِعْل (صَالحا لبيانه) فَيتَعَيَّن حمله عَلَيْهِ لِئَلَّا يلْزم تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة وَهُوَ غير جَائِز (كالقطع من الْكُوع وَالتَّيَمُّم إِلَى الْمرْفقين أَنه) أَي الْفِعْل المتحقق فِي الْقطع وَالتَّيَمُّم (بَيَان لآيتيهما) أَي السّرقَة وَالتَّيَمُّم إِذْ آيَة الْقطع مُجمل بِاعْتِبَار الْمحل، وَأما آيَة التَّيَمُّم فَقيل أَيْضا مُجمل بِاعْتِبَارِهِ، وَالرَّاجِح أَنه مُطلق وَالْفِعْل بَيَان لما هُوَ المُرَاد مِنْهُ، كَذَا ذكره الشَّارِح، ثمَّ إِن الْقطع لَيْسَ فعله ﷺ ، بل فعله بأَمْره فَكَأَنَّهُ فعله. وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن نَاسا من أهل الْبَادِيَة أَتَوا رَسُول الله ﷺ فساقه إِلَى أَن قَالَ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ
" عَلَيْكُم بِالْأَرْضِ ثمَّ ضرب بِيَدِهِ على الأَرْض بِوَجْهِهِ ضَرْبَة وَاحِدَة، ثمَّ ضرب ضَرْبَة أُخْرَى فَمسح بهَا على يَدَيْهِ إِلَى الْمرْفقين (بخلافهما) أَي الْمرْفقين (فِي الْغسْل) فِي الْوضُوء فَإِن غسله ﷺ إيَّاهُمَا لَيْسَ بَيَانا لقَوْله تَعَالَى - ﴿وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾ - (لذكر الْغَايَة وَعدم إِجْمَال أداتها) أَي الْغَايَة (وَمَا لم يظْهر فِيهِ ذَلِك) أَي الْبَيَان والخصوصية (وَعرف صفته) فِي حَقه ﷺ (من وجوب وَنَحْوه) من ندب وَإِبَاحَة (فالجمهور) و (مِنْهُم الْجَصَّاص أمته مثله فَإِن وَجب عَلَيْهِ وَجب عَلَيْهِم: وَهَكَذَا الخ (وَقيل) وَالْقَائِل أَبُو عَليّ بن خَلاد مثله (فِي الْعِبَادَات) فَقَط (والكرخي) والأشعرية (يَخُصُّهُ) أَي الحكم الْمَعْرُوف صفته ﷺ (إِلَى) قيام (دَلِيل الْعُمُوم) لَهُم أَيْضا (وَقيل) هُوَ (كَمَا) قَالَ لَو جهل) أَي لم يعلم وَصفه (وَلَيْسَ) هَذَا القَوْل (محررا إِلَّا أَن يعرف قَوْله) أَي قَول هَذَا الْقَائِل (فِي الْمَجْهُول) وَصفه (وَلم يدر) أَي وَالْحَال أَنه لم يعلم قَول الْمَجْهُول وَصفه، فَفِي الْحِوَالَة عَلَيْهِ جَهَالَة (أَو يُرِيد) الْقَائِل الْمَذْكُور أَن (من قَالَ فِي الْمَجْهُول) مَا قَالَ (فَلهُ فِي الْمَعْلُوم مثله فَبَاطِل) أَي فَحِينَئِذٍ هَذَا القَوْل مِنْهُ بَاطِل لكَونه غير مُطَابق للْوَاقِع كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَمن سَيعْلَمُ) كَونه (قَائِلا بِالْإِبَاحَةِ) أَي بِكَوْن الْفِعْل مُبَاحا فِي الْجُمْهُور وَصفه، وهم فرق: مُبْهَم من يخص الْإِبَاحَة بِهِ ﷺ ، وَمِنْهُم من يعمها فَيشْمَل الْأمة أَيْضا (قَوْلهم) قاطبة (فِي الْمَعْلُوم) وَصفه (شُمُول صفته) ﷺ الْأمة أَو صفة الْفِعْل من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَإِبَاحَة الْكل فَكيف يكون قَول من قَالَ فِي الْمَجْهُول مثل مَا قَالَ فِي الْمَعْلُوم؟ وَجمع الضَّمِير فِي قَوْلهم وأفرده بِاعْتِبَار أَفْرَاد لفظ الْمَوْصُول، أَعنِي من. بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ، وَجعل الشَّارِح قَوْله قَائِلا حَال من الْمُبْتَدَأ
وَأَنت خَبِير بِأَن الْعلم لَا بُد لَهُ من مفعولين، فَالْأول الضَّمِير الرَّاجِح إِلَى الْمَوْصُول وَهُوَ نَائِب الْفَاعِل، وَالثَّانِي قَائِلا، فَلَا وَجه لَهُ وَقَوْلهمْ مُبْتَدأ ثَان خَبره شُمُول صفته، فالجملة خبر الأول (لنا)
стр. 821
فِي أَن الْأمة مثله فِيمَا عرف صفته (أَن الصَّحَابَة كَانُوا يرجعُونَ إِلَى فعله احتجاجا واقتداء أَي رُجُوع احتجاج فِي مقَام الِاقْتِدَاء فَيَقُولُونَ نَفْعل هَذَا لِأَنَّهُ فعله ﷺ وكما شاركوه فِي أصل الْفِعْل شاركوه فِي كيفيته (كتقبيل الْحجر فَقَالَ عمر: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يقبلك مَا قبلتك) كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَلم يُنكر) على عمر ذَلِك (وتقبيل الزَّوْجَة صَائِما) كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا (وَكثير) خُصُوصا فِي الْعِبَادَات (وَأَيْضًا لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة والتأسي) للْغَيْر (فعل مثله) أَي يقبل مثل مَا فعله ذَلِك الْغَيْر (على وَجهه) بِأَن يكون مشاركا لَهُ فِي الصّفة كالوجوب وَالنَّدْب وَمَا بَينهمَا إِلَى غير ذَلِك مِمَّا هُوَ مقصد فِي ذَلِك التأسي، ثمَّ احْتَرز بقوله (لأَجله) عَمَّا هُوَ مثله لَكِن لَيْسَ فِي قصد فَاعله أَن يكون مثله تَابعا لفعل ذَلِك الْغَيْر مَبْنِيا على الِاقْتِدَاء بِهِ (وَمثله) أَي مثل قَوْله تَعَالَى - ﴿لقد كَانَ لكم﴾ - الْآيَة فِي الدّلَالَة على الْمَطْلُوب قَوْله تَعَالَى - ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ - فَإِن الْمُتَابَعَة للْغَيْر أَن يفعل مثل فعله على الْوَجْه الَّذِي يَفْعَله (وَأما) قَوْله تَعَالَى - ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا (زَوَّجْنَاكهَا لكيلا يكون﴾ على الْمُؤمنِينَ حرج فِي أَزوَاج أدعيائهم﴾ - (فبدلالة الْمَفْهُوم الْمُخَالف على اتِّحَاد حكمه) ﷺ (بهم) أَي مَعَ حكم الْأمة لِأَنَّهُ تَعَالَى علل تَزْوِيجه ﷺ بِنَفْي الْحَرج الْكَائِن فِي تَحْرِيم زَوْجَات الأدعياء وَمَفْهُومه لَو لم يُزَوجهُ ثَبت الْحَرج على الْمُسلمين فِي ذَلِك، وَثُبُوت الْحَرج على ذَلِك التَّقْدِير إِنَّمَا يكون عِنْد اتِّحَاد حكمهم بِحكمِهِ وَلم يتحد، كَذَا ذكره الشَّارِح، فحاصل كَلَام المُصَنّف حِينَئِذٍ عدم دلَالَة الْآيَة على الْمَطْلُوب، وَالَّذِي يفهم من كَلَامه دلَالَته عَلَيْهِ لَكِن بطرِيق الْفَهم عِنْد من يَقُول بِهِ وَلَو صَحَّ قَوْله وَلم يتحد لما صَحَّ الدَّلِيل وَهُوَ ظَاهر: بل نقُول بِاعْتِبَار الْمَفْهُوم الْمُخَالف فِي خُصُوص هَذِه الْآيَة عِنْد الْكل وإلالم يَصح التَّعْلِيل (وَمَا جهل وَصفه) بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ فَفِيهِ مَذَاهِب (فَأَبُو الْيُسْر) قَالَ (أَن) كَانَ ذَلِك الْفِعْل (مُعَاملَة فالإباحة) بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وإلينا (إِجْمَاع وَالْخلاف) إِنَّمَا هُوَ (فِي الْقرب فمالك) أَي فمذهبه (شُمُول الْوُجُوب) لَهُ وَلنَا (كَذَا نَقله بَعضهم) أَي الْأُصُولِيِّينَ (متعرضا للْفِعْل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ قَوْله متعرضا حَال من فَاعل نَقله، وَفِي الْكَلَام تدافع، لِأَن قَوْله كَذَا يدل على أَن منقوله مثل مَا ذكر وَمَا ذكر شُمُول إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى الْأمة، وَقَوله متعرضا يدل على اخْتِصَاص مَا ذكر من الْإِبَاحَة وَالْوُجُوب بِهِ ﷺ للفهم إِلَّا أَن يكون مُرَاده بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى الْأمة أَيْضا (كَقَوْل الْكَرْخِي مُبَاح فِي حَقه) أَي كَمَا أَن فِي قَول الْكَرْخِي تعرضا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَالْأمة (للتيقن) أَي لتيقن الْإِبَاحَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ (وَلَيْسَ لنا اتِّبَاعه) إِلَّا بِدَلِيل (وَقَول الْجَصَّاص وفخر الْإِسْلَام وشمس الْأَئِمَّة وَالْقَاضِي أبي زيد الْإِبَاحَة فِي حَقه، وَلنَا اتِّبَاعه) مَا لم يقم دَلِيل على الْخُصُوص (وَالْقَوْلَان) للكرخي والجصاص (يعكران نقل أبي الْيُسْر)
стр. 822
الْإِجْمَاع على الْإِبَاحَة فِي الْمُعَامَلَة لِأَن تَخْصِيص الْكَرْخِي الْإِبَاحَة بِهِ ﷺ فِي مُطلق الْفِعْل مُعَاملَة كَانَ أَو قربَة، والجصاص يَقُول: يجوز الِاتِّبَاع فِي الْكل، فقد تحقق فِي حق الْمُعَامَلَة قَولَانِ مُخْتَلِفَانِ وَهُوَ يُنَافِي دَعْوَى الْإِجْمَاع (وَخص الْمُحَقِّقُونَ الْخلاف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأمة فالوجوب) وَهُوَ معزو فِي الْمَحْصُول إِلَى ابْن سُرَيج وَغَيره، وَفِي القواطع إِلَى مَالك والكرخي وَطَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي (وَالنَّدْب) وَهُوَ معزو فِي الْمَحْصُول إِلَى الشَّافِعِي، وَفِي القواطع إِلَى الْأَكْثَر من الْحَنَفِيَّة والمعتزلة والصيرفي والقفال (وَمَا ذكرنَا) أَي الْإِبَاحَة: وَهُوَ معزو فِي الْمَحْصُول إِلَى مَالك، كَذَا ذكره الشَّافِعِي، وَالْأَظْهَر أَنه إِشَارَة إِلَى مَا ذكر فِي قَول الْكَرْخِي لَيْسَ لنا اتِّبَاعه، وَفِي قَول الْجَصَّاص لنا اتِّبَاعه (وَالْوَقْف) وَهُوَ معزو فِي الْمَحْصُول إِلَى الصَّيْرَفِي وَأكْثر الْمُعْتَزلَة، وَفِي القواطع إِلَى أَكثر الأشعرية، وَفِي غَيره وَالْغَزالِيّ وَالْقَاضِي أبي الطّيب، وَاخْتَارَهُ أَبُو الطّيب، وَاخْتَارَهُ الإِمَام الرَّازِيّ (ومختار الْآمِدِيّ) وَابْن الْحَاجِب أَنه (إِن ظهر قصد الْقرْبَة فالندب وَإِلَّا فالإباحة وَيجب) أَن يكون هَذَا القَوْل (قيد القَوْل الْإِبَاحَة للْأمة) إِن لم يقل أحد بِأَن مَا هُوَ من الْقرب عمله مُبَاح من غير ندب (الْوُجُوب) أَي دَلِيله (وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ) أَي افعلوه وَفعله مِمَّا آتَاهُ وَالْأَمر للْوُجُوب (أُجِيب بِأَن المُرَاد مَا أَمركُم) بِهِ (بِقَرِينَة مُقَابِله وَمَا نهاكم) لتجاوب طرفِي النّظم: وَهُوَ اللَّائِق ببلاغة الْقُرْآن (قَالُوا) ثَانِيًا قَالَ الله تَعَالَى (فَاتَّبعُوهُ) وَالْأَمر للْوُجُوب (قُلْنَا هُوَ) أَي الِاتِّبَاع (فِي الْفِعْل فرع الْعلم بِصفتِهِ) أَي الْفِعْل (لِأَنَّهُ) أَي الِاتِّبَاع فِي الْفِعْل (فعله على وَجه فعله) المتبع (وَالْكَلَام فِي مجهولها) أَي الصّفة فَلَا يتَحَقَّق الِاتِّبَاع مَعَ عدم الْعلم بِصفة الْعلم فِي حَقه ﷺ (وَقد منع اعْتِبَار الْعلم بصلَة الْفِعْل فِي الِاتِّبَاع فِيهِ) أَي الْفِعْل، وَقيل لَا نسلم أَن الِاتِّبَاع مَوْقُوف على الْعلم بذلك بل نتبعه فِيهِ وَإِن لم يعلم صفته، (و) ذكر سَنَد هَذَا الْمَنْع (فِي عبارَة) هَكَذَا (الْإِبَاحَة) الْمُطلقَة متعينة فِي مجهولها وَهُوَ الْجَوَاز المتحقق فِي ضمن الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْإِبَاحَة الْمُقَابلَة لَهما (وَلنَا اتِّبَاعه) وَهُوَ مَعْلُوم من الدّين، فجهالة وصف الْفِعْل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ لَا يمْنَع اتباعنا لَهُ، فَالْأَمْر بالاتباع يجْرِي فِي مَجْهُول الْوَصْف كَمَا يجْرِي فِي معلومه وَالْأَمر للْوُجُوب. ثمَّ أضْرب عَن هَذَا الْجَواب: أَعنِي كَون الِاتِّبَاع فرع الْعلم بِصفتِهِ إِلَى مَا هُوَ التَّحْقِيق فَقَالَ (بل الْجَواب) أَن يُقَال (الْقطع بِأَنَّهُ) أَي عُمُوم الْأَمر باتباعه (مَخْصُوص) غير مَحْمُول على عُمُومه بَالغا مَا بلغ (إِذْ لَا يجب قيام وقعود وتكوير عِمَامَة) أَي تدويرها (وَمَا لَا يُحْصى) من أَفعاله الجبلية وَغَيرهمَا مِمَّا لَا بجب اتِّبَاعه فِيهِ إِجْمَاعًا (وَلَا مُخَصص معِين) حَتَّى يَنْتَهِي التَّخْصِيص إِلَى حد معِين (فأخص الْخُصُوص) أَي فَتعين حلمه على أخص الْخُصُوص (من مَعْلُوم صفة الْوُجُوب) يَعْنِي أَن صفة الْفِعْل على قسمَيْنِ مَعْلُوم ومجهول، وَالْأول قسم هُوَ أخص
стр. 823
الْخُصُوص نظرا إِلَى حِكْمَة مقسمة وَهُوَ هَهُنَا لُزُوم الِاتِّبَاع، إِذْ لَيْسَ لمعلول الصّفة فَرد أَحَق وَأولى بِهَذَا اللُّزُوم من الْمَوْصُوف بِالْوُجُوب وَالْحَاصِل أَنا عرفنَا أَن الِاتِّبَاع مَطْلُوب فِي الْجُمْلَة من غير تَحْدِيد من قبل الشَّارِع، وَقد علمنَا يَقِينا كَون الْوَاجِب فعله بِحَيْثُ لَا يُمكن أَن يكون خَارِجا عَن الْمَطْلُوب الْمَذْكُور وَغَيره من الْأَفْعَال قد يكون خَارِجا عَنهُ، وَفِي مثل هَذَا الطّلب الإجمالي يتَعَيَّن مَا هُوَ الْمُتَعَيّن دُخُوله فِي الحكم وَغَيره لَا يعلم دُخُوله، وَالْأَصْل عدم الدُّخُول. فمعين الْآيَة طلب اتِّبَاعه فِيمَا علم وُجُوبه وَالله أعلم (قَالُوا) ثَالِثا (لقد كَانَ) لكم (إِلَى آخرهَا) محصوله قَضِيَّة (شَرْطِيَّة مضمونها لُزُوم التأسي) وَهُوَ تَالِيهَا (للْإيمَان) وَهُوَ مقدمها، إِذْ الْمَعْنى من كَانَ يُؤمن بِاللَّه فَلهُ أُسْوَة حَسَنَة، إِذْ المُرَاد بضمير الْمُخَاطب فِي قَوْله لكم يعم كل فَرد من الْمُؤمنِينَ (ولازمها عكس نقيضها) عطف بَيَان للازمها (عدم الْإِيمَان لعدم التأسي) لِأَن نقيض الْمَلْزُوم لَازم لنقيض اللَّازِم، وَاللَّازِم اجْتِمَاع عين الْمَلْزُوم مَعَ نقيض اللَّازِم لَازِما (وَعَدَمه) أَي الْإِيمَان (حرَام، فَكَذَا) ملزومه الَّذِي هُوَ (عدم التأسي فنقيضه) أَي نقيض عدم التأسي وَهُوَ التأسي (وَاجِب وَالْجَوَاب مثله) أَي مثل جَوَاب الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور قبله (لِأَن التأسي كالاتباع) فِي الْمَعْنى وَفِيمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ من الْعلم بِوَصْف مَا فِيهِ الِاتِّبَاع (وَفِيه) من الْبَحْث (مثل مَا قبله) من منع اعْتِبَار الْعلم بِصفة الْفِعْل فِي الائتساء (وَمِنْه) أَي وَمِمَّا قبله من الْجَواب الْمُخْتَار يُؤْخَذ أَيْضا (الْجَواب الْمُخْتَار) هَهُنَا، وَهُوَ حمله على أخص الْخُصُوص (قَالُوا) رَابِعا أَن رَسُول الله ﷺ (خلع نَعْلَيْه) فِي الصَّلَاة (فخلعوا) أَي أَصْحَابه نعَالهمْ، فَقَالَ مَا حملكم على أَن ألقيتم نعالكم؟ فَقَالُوا رَأَيْنَاك ألقيت فألقينا. قَالَ أَن جِبْرِيل أَتَانِي وَأَخْبرنِي أَن فيهمَا أَذَى. أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان (فأقرهم على استدلالهم) بِفِعْلِهِ (وَبَين سَبَب اخْتِصَاصه) أَي خلع النَّعْلَيْنِ (بِهِ) ﷺ لما ذكر (إِذْ ذَاك) أَي إِذْ فعل ذَاك الْفِعْل (قُلْنَا: دليلهم) على الْوُجُوب قَوْله ﷺ (صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي) أُصَلِّي (لَا فعله أَو فهمهم الْقرْبَة) من الْخلْع وَإِلَّا لحرم (أَو) كره فرأوه (مَنْدُوبًا) لَا وَاجِبا (قَالُوا) خَامِسًا (أَمرهم) أَي النَّبِي ﷺ أَصْحَابه (بِالْفَسْخِ) أَي فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة (فتوقفوا) عَن الْفَسْخ (لعدم فَسخه) فَعلم أَنهم كَانُوا يرَوْنَ اتِّبَاعه وَاجِبا (فَلم يُنكره) أَي توقفهم (وَبَين مَانِعا يَخُصُّهُ) من النّسخ (وَهُوَ) أَي الْمَانِع (سوق الْهدى كَذَا ذكره) فِي الصَّحِيحَيْنِ لَوْلَا أَن معي الْهَدْي لأحللت، ثمَّ اعْترض على قَوْلهم فَلم ينكروه بِمَا روى عَنهُ من الْغَضَب فَدفعهُ المُصَنّف بقوله (وَمن نظر السّنَن فَعلم أَنه) ﷺ (غضب من توقفهم) أخرج مُسلم وَغَيره عَن عَائِشَة قَالَت قدم رَسُول الله ﷺ لأَرْبَع أَو خمس مضين ذِي الْحجَّة، فَدخل عَليّ وَهُوَ غَضْبَان، فَقلت من أغضبك يَا رَسُول الله؟
стр. 824
قَالَ أشعرت أَنِّي أمرت النَّاس بِأَمْر فَإِذا هم يَتَرَدَّدُونَ، وَلَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا سقت الْهَدْي معي حَتَّى أحل كَمَا أحلُّوا (لم يلْزم) من الْإِلْزَام: أَي لم يَجْعَل الْغَضَب لَازِما للتوقف (لعدم الْفِعْل) لِأَنَّهُ ﷺ لم يفْسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة، يَعْنِي أَن النَّاظر للسنن لم يحكم بِأَن غَضَبه إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب توقفهم لعدم فَسخه (بل) يحكم بِأَن غَضَبه من توقفهم إِنَّمَا كَانَ (لكَونه) أَي التَّوَقُّف (بعد الْأَمر) بِالْفَسْخِ، إِذْ بعده لَا مجَال للتوقف وَإِن لم يفْسخ الْأَمر بِنَفسِهِ (ثمَّ بَين مانعه) مَعْطُوف على مَا فهم من فحوى الْكَلَام قَالَ لكَونه أَمر ثمَّ بَين، كلمة ثمَّ للتفاوت بَين بَيَان الْمَانِع وَعَدَمه، يَعْنِي أَن مُجَرّد الْأَمر كَاف فِي إِيجَاب الْغَضَب من التَّوَقُّف، ثمَّ إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِ بَيَان الْمَانِع الْقَاطِع لمادة الشُّبْهَة الملقية إِلَى التَّوَقُّف زَاد فِي الْإِيجَاب (وَأحسن المخارج) للْعُذْر (لَهُم) أَي الصَّحَابَة فِي عدم المسارعة إِلَى الِامْتِثَال (ظَنّه) أَي الْأَمر بِالْفَسْخِ (أَمر إِبَاحَة) حَال كَونه (رخصَة ترفيها) لَهُم وتسهيلا (وَأظْهر مِنْهُ) أَي من هَذَا الْخَبَر فِي الدّلَالَة على أَنهم كَانُوا يرَوْنَ اتِّبَاعه فِي الْفضل وَاجِبا (أمره) ﷺ (بِالْحلقِ فِي الْحُدَيْبِيَة) بِضَم الْحَاء وَفتح الدَّال، ثمَّ الْبَاء الْمُوَحدَة، ثمَّ الْيَاء مُخَفّفَة ومثقلة، وَأكْثر الْمُحدثين على التثقيل، مَوضِع مَعْرُوف من جِهَة جده بَينهَا وَبَين مَكَّة عشرَة أَمْيَال، كَذَا ذكره الشَّارِح (فَلم يَفْعَلُوا حَتَّى حلق فازدحموا) فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث الْمسور بن مخرمَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لأَصْحَابه: قومُوا فَانْحَرُوا ثمَّ احْلقُوا، قَالَ وَالله مَا قَامَ مِنْهُم رجل حَتَّى قَالَ ذَلِك ثَلَاث مَرَّات، فَلَمَّا لم يقم مِنْهُم أحد دخل على أم سَلمَة فَذكر لَهَا مَا لَقِي من النَّاس، فَقَالَت أم سَلمَة: يَا نَبِي الله أَتُحِبُّ ذَلِك اخْرُج ثمَّ لَا تكلم أحدا مِنْهُم كلمة حَتَّى تنحر بدنك وَتَدْعُو حالقك فيحلقك، فَخرج فَلم يكلم أحدا مِنْهُم حَتَّى فعل ذَلِك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك قَامُوا ونحروا، وَجعل بَعضهم يحلق بَعْضًا حَتَّى كَاد بَعضهم يقتل بَعضهم غما انْتهى فَظهر أَن توقفهم كَانَ لعدم فعله (وَلَا يتم الْجَواب) عَن هَذَا الْخَامِس (بِأَن الْفَهم) لوُجُوب الْمُتَابَعَة إِنَّمَا نَشأ (من) قَوْله ﷺ (خُذُوا عني) مَنَاسِككُم، وَهُوَ لم يحل فَلم يحلوا (لِأَنَّهُ لم يكن) ﷺ (قَالَه بعد فِي الصُّورَتَيْنِ) صُورَة الْأَمر بِالْفَسْخِ، وَصُورَة الْأَمر بِالْحلقِ (بل) الْجَواب (مَا ذكرنَا) وَهُوَ ظنهم الْأَمر أَمر إِبَاحَة ورخصة ترفيها فَلم يَفْعَلُوا أخذا لما هُوَ الأشق حرصا مِنْهُم فِي زِيَادَة طلب الثَّوَاب (أَو بحلقه) ﷺ (عرف حتمه) وَأَنه إِيجَاب (قَالُوا) سادسا (اخْتلفت الصَّحَابَة فِي وجوب الْغسْل بالإيلاج) لقدر الْحَشَفَة فِي الْفرج من غير إِنْزَال (ثمَّ اتَّفقُوا عَلَيْهِ) أَي وجوب الْغسْل بِهِ كَمَا يفِيدهُ ظَاهر حَدِيث لِأَحْمَد فِي مُسْنده (لزواية عَائِشَة فعله) فَإِنَّهَا قَالَت فعلته أَنا وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلنا
стр. 825
(أُجِيب بِأَن فِيهِ قولا) وَهُوَ قَوْله ﷺ (إِذا التقى) الختانان فقد وَجب الْغسْل رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَابْن وهب (وَإِنَّمَا يُفِيد) هَذَا الْجَواب (إِذا روته) أَي عَائِشَة حَدِيث: إِذا التقى إِلَى آخِره أَو مَعْنَاهُ (لَهُم) أَي للصحابة لِأَنَّهُ قد علم أَن اتِّفَاقهم إِنَّمَا حصل بخبرها (أَو هُوَ) أَي الْفِعْل الَّذِي روته عَائِشَة (بَيَان) قَوْله (وَإِن كُنْتُم جنبا) فاطهروا، وَالْأَمر للْوُجُوب: أَي فَلم يرجِعوا إِلَى الْفِعْل من حَيْثُ هُوَ فعله، بل إِلَى أمره تَعَالَى بالاطهار للْجنب، وَقد تبين بِالْفِعْلِ أَن الْجَنَابَة ثبتَتْ بِهِ كَمَا تثبت بالإنزال فالمرجع الْكتاب (أَو تنَاوله) أَي وجوب الْغسْل بالالتقاء قَوْله ﷺ (صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي) أُصَلِّي (إِذْ هُوَ) أَي الْغسْل (شَرطهَا) أَي الصَّلَاة وَهُوَ إِنَّمَا صلى بعد التقاء الختانين بِالْغسْلِ (أَو لفهم الْوُجُوب) أَي وجوب الْغسْل بِمُجَرَّد الالتقاء (مِنْهَا) أَي عَائِشَة لِأَنَّهَا فهمت الْوُجُوب لقرائن ظَهرت لَهَا، وأفهمتهم ذَلِك حَتَّى حصل لَهُم الْعلم بذلك (إِذْ كَانَ خلافهم فِيهِ) أَي فِي الْوُجُوب والاستحباب (قَالُوا) سابعا الْوُجُوب (أحوط) لما فِيهِ من الْأَمْن من الْإِثْم قطعا فَيجب الْحمل عَلَيْهِ (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي الِاحْتِيَاط (فِيمَا لَا يحْتَمل التَّحْرِيم) على الْأمة (وَفعله) ﷺ (يحْتَملهُ) أَي التَّحْرِيم على الْأمة (ورد) هَذَا الْجَواب (بِوُجُوب صَوْم) يَوْم (الثَّلَاثِينَ) من رَمَضَان (إِذا غم الْهلَال) لشوال بِالِاحْتِيَاطِ مَعَ احْتِمَال كَونه حَرَامًا لكَونه يَوْم الْعِيد (بل الْجَواب أَنه) أَي الِاحْتِيَاط إِنَّمَا شرع (فِيمَا ثَبت وُجُوبه كَصَلَاة نسيت غير مُعينَة) فَيجب عَلَيْهِ الْخمس احْتِيَاطًا (أَو كَانَ) ثُبُوت الْوُجُوب (الأَصْل كَصَوْم) يَوْم (الثَّلَاثِينَ) إِذْ الأَصْل بَقَاء رَمَضَان (النّدب) أَي دَلِيله (الْوُجُوب يسْتَلْزم التَّبْلِيغ) دفعا للتكليف بِمَا لَا يُطَاق (وَهُوَ) أَي التَّبْلِيغ (مُنْتَفٍ بِالْفَرْضِ) إِذْ الْكَلَام فِيمَا وجد فِيهِ مُجَرّد الْفِعْل (وأسوة حَسَنَة تَنْفِي الْمُبَاح) إِذْ أقل مَرَاتِب الْحسن فِي التأسي أَن يكون مَنْدُوبًا (فَتعين النّدب أُجِيب بِأَن الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة (مُطلقًا) سَوَاء كَانَت وجوبا أَو ندبا أَو إِبَاحَة (تستلزمه) أَي التَّبْلِيغ، فَإِن وجوب التَّبْلِيغ يعمها (فَلَو انْتَفَى) التَّبْلِيغ (انْتَفَى النّدب أَيْضا، وَالْمَذْكُور فِي الْآيَة حسن الائتساء وَيصدق) حسنه (مَعَ الْمُبَاح) لِأَن الْمُبَاح حسن، وَلَا نسلم أَن أقل مراتبه النّدب، بل الْإِبَاحَة (قَالُوا) أَي النادبون ثَانِيًا (هُوَ) أَي النّدب (الْغَالِب من أَفعاله) فَيحكم عَلَيْهِ (أُجِيب بِالْمَنْعِ) أَي منع كَون الْغَالِب (الْإِبَاحَة) أَي دليلها (هُوَ) الْمُبَاح، وَكَونه مُبَاحا (الْمُتَيَقن). قَالَ الشَّارِح لانْتِفَاء الْمعْصِيَة وَالْوُجُوب انْتهى، أما الأول فَظَاهر، وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاجِبا لبينه وَلَا يخفى أَن تيقنه على تَقْرِير تَفْسِيره بِمَا لَيْسَ بِحرَام وَلَيْسَ بِوَاجِب وَأما إِذا فسر بِمَا هُوَ أخص من هَذَا التقابل الْمَنْدُوب وَالْمَكْرُوه أَيْضا كَمَا يَقْتَضِيهِ مَحل النزاع
стр. 826
فَلَا نسلم تيقنه (فينتفى الزَّائِد) عَلَيْهَا وَهُوَ كَونه مُسْتَحبا (لنفي الدَّلِيل) لَهُ (وَهُوَ) أَي التيقن مَعَ انْتِفَاء الزَّائِد لنفي الدَّلِيل (وَجه) قَول (الْآمِدِيّ) الَّذِي سبق ذكره (إِذا لم تظهر الْقرْبَة) أَي قَصدهَا فِيهِ فالإباحة (وَإِلَّا) بِأَن ظهر قَصدهَا فِيهِ (فالندب) إِذْ لَو لم يتَمَسَّك بِمَا ذكره لم يتَعَيَّن على تَقْدِير عدم ظُهُور قصد الْقرْبَة وَالْإِبَاحَة وعَلى تَقْدِير ظُهُوره النّدب (وَيجب كَونه) أَي الِاسْتِدْلَال (كَذَا) أَي على المنوال (لمن ذكرنَا من الْحَنَفِيَّة) أَنهم قَائِلُونَ بِالْإِبَاحَةِ ويتمسك (بِمثلِهِ) أَي التَّوْجِيه الْمَذْكُور (وَهُوَ) أَي مثله أَن يُقَال (أَنه) أَي النّدب (الْمُتَيَقن مَعهَا) أَي الْقرْبَة (إِلَّا أَن لَا يتْرك) ذَلِك الْفِعْل (مرّة) بِنَاء (على أصولهم) أَي الْحَنَفِيَّة (فالوجوب) أَي فَحكمه الْوُجُوب حِينَئِذٍ فَإِن خُلَاصَة هَذَا أَيْضا الِاقْتِصَار على الْمُتَيَقن وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ بِقدر الدَّلِيل (وَالْحَاصِل أَن عِنْد عدم ظُهُور الْقرْبَة) وَفِي نُسْخَة الشَّارِح عِنْد عدم الْقَرِينَة (الْمُتَيَقن الْإِبَاحَة وَعند ظُهُورهَا) أَي الْقرْبَة أَو الْقَرِينَة للقربة (وجد دَلِيل الزِّيَادَة) على الْإِبَاحَة (وَالنَّدْب مُتَيَقن فينتفى الزَّائِد) وَهُوَ الْوُجُوب (وَعدم التّرْك مرّة دَلِيل) الزِّيَادَة (حَامِل الْوُجُوب الْكَرْخِي) أَي دَلِيل فِي أَنه مُبَاح فِي حَقه الْمُتَيَقن وَلَيْسَ لنا اتِّبَاعه على مَا سبق أَنه (جَازَت الخصوصية) أَي كَون الْفِعْل جَائِزا لَهُ دون غَيره (فَاحْتمل فعله التَّحْرِيم) على الْأمة (فَيمْنَع) فعله فِي حق غَيره حَتَّى يقوم دَلِيل يرجح أحد الْجَانِبَيْنِ من الْحُرْمَة وَالْجَوَاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأمة (الْجَواب أَن) يُقَال (وضع مقَام النُّبُوَّة للاقتداء. قَالَ تَعَالَى لإِبْرَاهِيم ﴿إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا﴾ فَثَبت) جَوَاز الِاقْتِدَاء فِيهِ (مَا لم يتَحَقَّق خُصُوص) لَهُ فِيهِ (وَهُوَ) أَي الْخُصُوص (نَادِر لَا يمْنَع احْتِمَاله) الْمَرْجُوح جَوَاز الِاقْتِدَاء فِيهِ مَا لم يتَحَقَّق (الْوَاقِف) أَي دَلِيل مَذْهَب الْوَقْف (صفته) أَي الْفِعْل (غير مَعْلُومَة) على مَا هُوَ الْمَفْرُوض (والمتابعة) إِنَّمَا تكون (بعلمها) أَي صفته (فَالْحكم بِأَن الْمَجْهُول كَذَا) أَي وَاجِب أَو مَنْدُوب أَو مُبَاح (بِعَيْنِه فِي حَقه) ﷺ (كالكرخي) أَي كحكمه (وَمن ذكرنَا) هم (من الْحَنَفِيَّة) من الخصائص وفخر الْإِسْلَام وشمس الْأَئِمَّة وَالْقَاضِي أبي زيد (وناقل الْوُجُوب) لم يقل وَمَالك لِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده (على الْوَجْه الأول) من الْوَجْهَيْنِ: وهما شُمُول الْوُجُوب لَهُ وَلنَا واختصاصه بالأمة، ثمَّ قَوْله فَالْحكم مُبْتَدأ خَبره (تحكم بَاطِل يجب التَّوَقُّف عَنهُ) أَي عَن هَذَا التحكم فِي حَقه ﷺ ، وَكَذَا يجب الْوَقْف عَن خُصُوص حكم فِيهِ: أَي الْفِعْل للْأمة لكَونه تحكما بَاطِلا (وَنَصّ على إِطْلَاقهم) أَي الواقفين (الْفِعْل) للْأمة لكَونه تحكما بَاطِلا على مَا فِي التَّلْوِيح أثبتوا إِذْنا عَاما للْأمة فِي اتِّبَاعه فِي كل فعل غير مَعْلُوم الصّفة فِي حَقه ﷺ (وَلَا يُنَافِي) إِطْلَاقهم الْمَذْكُور (الْوَقْف) فِي حَقه ﷺ وحقنا (لِأَنَّهُ) أَي الْإِطْلَاق الَّذِي هُوَ عبارَة عَن مُجَرّد الْإِذْن فِي الْفِعْل لَيْسَ الحكم الَّذِي هُوَ الْإِبَاحَة وَإِنَّمَا هُوَ (جُزْء الحكم) أَي الْإِبَاحَة لِأَنَّهُ عبارَة عَن مَجْمُوع إِطْلَاق الْفِعْل وَإِطْلَاق التّرْك (فَلم يحكم فِي
стр. 827
حَقه وَلَا فِي حق الْأمة بِحكم) وَإِن حكمُوا فِيهَا يُجزئهُ (وَهُوَ) إِطْلَاقهم الْفِعْل فِي حَقه وحقنا (مُقْتَضى الدَّلِيل لمنع شَرط الْعلم) بِحَال الْفِعْل (فِي الْمُتَابَعَة) فِي جَانب الْفِعْل (والتحكم) مَعْطُوف على شَرط الْفِعْل: أَي وَمنع التحكم فِي جَانب التّرْك فَلَا يُمكن أَن يحكم بِأَنَّهُ لَا بُد من تَركه للْأمة (وَيجب حمل الْإِبَاحَة عَلَيْهِ) أَي على إِطْلَاق الْفِعْل (لَا) على الْمَعْنى (المصطلح) لَهَا وَهُوَ جَوَاز الْفِعْل مَعَ جَوَاز التّرْك (لانْتِفَاء التيقن فِيهِ) أَي فِي الْمَعْنى المصطلح لعدم الدَّلِيل (وَمثله) أَي مثل حمل الْإِبَاحَة على غير الْمَعْنى المصطلح يحمل (النّدب) على قَول من قَالَ بِهِ على غير المصطلح (فِي) صُورَة قصد (الْقرْبَة) فَيحمل (على مُجَرّد تَرْجِيح الْفِعْل) على التّرْك لَا مَعَ تَجْوِيز التّرْك كَمَا هُوَ المصطلح فَيصدق مَعَ الْوُجُوب وَالنَّدْب المصطلح (لنفي التحكم) اللَّازِم على تَقْدِير حمله على المصطلح لعدم الدَّلِيل (وَحِينَئِذٍ) أَي حِين إِذْ كَانَ الْوَقْف مَا ذكرنَا تبين أَن الْوَقْف لَا يمْنَع الِاتِّبَاع مُطلقًا حَتَّى يرد عَلَيْهِ أَن المنصب للاقتداء إِلَى آخِره كَمَا أورد على الْكَرْخِي بل يُجِيز الْفِعْل وَحِينَئِذٍ (فدليلهم) أَي الواقفين وَهُوَ صفته غير مَعْلُومَة إِلَى آخِره (من غَيرهم) بقوله (على لسانهم وَإِنَّمَا هُوَ) أَي دليلهم قَوْلهم مَا ذكر من أَدِلَّة غَيرهم (احتمالات مُتَسَاوِيَة فَلَا يتحكم بِشَيْء مِنْهَا وَمُجَرَّد إِطْلَاق الْفِعْل ثَابت بِمَا ذكرنَا) فَيجب القَوْل بِهِ.
مسئلة
(إِذا علم النَّبِي) ﷺ (بِفعل وَإِن لم يره) أَي ذَلِك الْفِعْل (فَسكت) عَن إِنْكَار حَال كَونه (قَادِرًا على إِنْكَاره فَإِن) كَانَ الْفِعْل (مُعْتَقد كَافِر فَلَا أثر لسكوته) وَلَا دلَالَة لَهُ على الْجَوَاز اتِّفَاقًا، فَإِن عدم إِنْكَاره حِينَئِذٍ لعلمه بِأَنَّهُ لَا يَنْتَهِي وَلَيْسَ بمأمور بِخَبَرِهِ (وَإِلَّا) وَإِن لم يكن مُعْتَقد كَافِر (فَإِن سبق تَحْرِيمه بغام ف) هُوَ (نسخ) لتحريمه مِنْهُ عِنْد الْحَنَفِيَّة (أَو تَخْصِيص) لَهُ بِهِ عِنْد الشَّافِعِيَّة (على الْخلاف) بَينهم فِي أَن مثل ذَلِك نسخ أَو تَخْصِيص (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن يسْبق تَحْرِيمه بِهِ (فدليل الْجَوَاز، وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن دَلِيل الْجَوَاز (كَانَ) سُكُوته مستلزما (تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة) وَهُوَ غير وَاقع كَمَا سَيَأْتِي (فَإِن استبشر) النَّبِي ﷺ (بِهِ) أَي بذلك الْفِعْل (فأوضح) أَي فَذَلِك السُّكُوت المقرون بالاستبشار أوضح دلَالَة على الْجَوَاز من السُّكُوت الْغَيْر المقرون بالاستبشار (إِلَّا أَن يدل دَلِيل على أَنه) أَي استبشاره (عِنْده) أَي الْفِعْل (لأمر آخر، لابه) أَي بذلك الْفِعْل، و (قد يخْتَلف فِي ذَلِك) أَي فِي كَون الاستبشار بِهِ (فِي الْمَوَارِد، وَمِنْه) أَي من الْمُخْتَلف فِيهِ من الْمَوَارِد (إِظْهَاره)، ﷺ (الْبشر) أَي السرُور (عِنْد قَول) مجزز بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم وزاءين معجمتين، الأولى مُشَدّدَة مَكْسُورَة (المدلجي) بِضَم الْمِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة من
стр. 828
بني مُدْلِج بن مرّة لَهُ صُحْبَة، وَذكر ابْن يُونُس أَنه شهد فتح مصر لما دخل على النَّبِي ﷺ فَإِذا أُسَامَة بن زيد وَزيد بن حَارِثَة عَلَيْهِمَا قطيفة قد غطيا رؤوسهما (وبدت لَهُ أَقْدَام زيد وَأُسَامَة: أَن هَذِه الْأَقْدَام بَعْضهَا من بعض) كَمَا فِي كتب السّنة. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَكَانَ أُسَامَة أسود وَكَانَ زيد أَبيض. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن سعد: كَانَ أُسَامَة مثل اللَّيْل، وَكَانَ يزِيد أَبيض أَحْمَر أشقر (فاعتبره) أَي بشر النَّبِي ﷺ (الشَّافِعِي بقوله) أَي المدلجي (فَأثْبت) الشَّافِعِي (النّسَب بالقيافة، ونفاه) أَي ثُبُوته بهَا (الْحَنَفِيَّة وصرفوا الْبشر إِلَى مَا يثبت عِنْده) أَي قَول المدلجي (من تَركهم الطعْن فِي نسبه وإلزامهم بخطئهم فِيهِ) أَي فِي الطعْن فِيهِ (على اعْتِقَادهم) حقية القيافة (وَدفع) هَذَا (بِأَن ترك إِنْكَاره) ﷺ (الطَّرِيق) فِي إِثْبَات النّسَب على مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة، يَعْنِي القيافة (ظَاهر فِي حقيتها) أَي القيافة (فَلَا يجوز) ترك إِنْكَاره (إِلَّا مَعَه) أَي كَونهَا حَقًا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن كَذَلِك بِأَن يكون بشره مَعَ عدم حقية الطَّرِيق (لذكره) أَي إنكارها (وَلَا يَنْفِي) ذكره الْإِنْكَار (الْمَقْصُود من رجوعهم) أَي الطاعنين: إِذْ الْإِنْكَار لَا يردهم عَن عقيدتهم، وَفَائِدَة الْإِنْكَار رَاجِعَة إِلَى الْمُؤمنِينَ كَمَا سَيَجِيءُ (وَالْجَوَاب) عَن الدّفع الْمَذْكُور (أَن انحصار ثُبُوت النّسَب فِي الْفراش كَانَ ظَاهرا عِنْد أهل الشَّرْع، والطعن لَيْسَ مِنْهُم بل من الْمُنَافِقين وهم يَعْتَقِدُونَ بطلَان قَوْلهم) فِي الطعْن (لقَوْله) أَي المدلجي (فالسرور لذَلِك) أَي لبُطْلَان قَوْلهم (وَترك إِنْكَار السَّبَب) الَّذِي هُوَ القيافة لَا تضر (لِأَنَّهُ) أَي هَذَا التّرْك (كتركه) ﷺ الْإِنْكَار (على تردد كَافِر إِلَى كَنِيسَة فَلَا يكون) سُكُوته عَن إنكارهم (تقريرا).
مسئلة
(الْمُخْتَار أَنه ﷺ قبل بعثته متعبد) أَي مُكَلّف (قيل بشرع نوح) ﵇ لِأَنَّهُ أول الرُّسُل المشرعين، وَحكى ابْن برهَان تعبده بشرع آدم لِأَنَّهُ أول الشَّرَائِع وَكَأن المُصَنّف لم يعْتد بِهَذَا القَوْل (وَقيل) بشرع (إِبْرَاهِيم) ﵇ لِأَنَّهُ صَاحب الْملَّة الْكُبْرَى (وَقيل) بشرع (مُوسَى) لِأَنَّهُ صَاحب الْكتاب الَّذِي نسخ وَلم ينْسَخ أَكثر (وَقيل) بشرع (عِيسَى) ﵇ لِأَنَّهُ بعدهمْ وَلم ينْسَخ إِلَى حِين بَعثه ﷺ وَلَا يخفى مَا فِي هَذِه الْأَوْجه. (وَالْمُخْتَار) عِنْد المُصَنّف أَنه متعبد (بِمَا ثَبت أَنه شرع إِذْ ذَاك) فِي ذَاك الزَّمَان بطريقه لِأَنَّهُ فِي غير الْمُتَوَاتر إِنَّمَا يثبت بعدالة النقلَة المخبرين بِأَن حكم الله كَذَا
стр. 829
وَلم ينْسَخ إِلَى هَذَا الْيَوْم وَكَانَ ذَلِك متعسرا فَكَانَ يَكْتَفِي بِمُجَرَّد ثُبُوت كَونه مَشْرُوعا فِي شرع نَبِي، لِأَن الأَصْل عدم النّسخ فَيعْمل بِهِ مَا لم يتَعَلَّق الْعلم بالنسخ، وَنقل الشَّارِح عَن المُصَنّف مَا يُقَارب هَذَا (إِلَّا أَن يثبتا) أَي الشرعان أَمريْن (متضادين فبالأخيرة) أَي فَيجب حِينَئِذٍ أَن يعْمل بالشريعة الْمُتَأَخِّرَة للْعلم بِكَوْنِهَا ناسخة للأولى (فَإِن لم يعلم الْمُتَأَخر) من الشرعين (لعدم معلومية طَرِيقه) أَي الْأَخير (فبمَا ركن إِلَيْهِ) أَي فَهُوَ متعبد بِمَا اطْمَأَن قلبه إِلَيْهِ (مِنْهُمَا لِأَنَّهُمَا كقياسين) لَا رُجْحَان لأَحَدهمَا على الآخر وَالْحكم فِي الْقيَاس مَا ذكرُوا وَذَلِكَ (لعدم مَا بعدهمَا) أَي لعدم الْعلم بشرع ثَالِث (ونفاه) أَي تعبده قبل الْبعْثَة بشرع من قبله (الْمَالِكِيَّة). قَالَ القَاضِي وَعَلِيهِ جَمَاهِير الْمُتَكَلِّمين، ثمَّ اخْتلفُوا فمنعته الْمُعْتَزلَة عقلا. وَقَالَ القَاضِي وَغَيره من أهل الْحق وَيجوز وَلم يَقع. قَالَ المُصَنّف (والآمدي وَتوقف الْغَزالِيّ) وَنسب التَّوَقُّف السُّبْكِيّ إِلَى إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ والآمدي وَابْن الْأَنْبَارِي وَغَيرهم (لنا لم يَنْقَطِع التَّكْلِيف من بعثة آدم عُمُوما) أَي بعثا عَاما إِلَى كَافَّة النَّاس (كآدم ونوح وخصوصا) كشعيب إِلَى أهل مَدين وَأهل الأيكة (وَلم يتْركُوا) أَي النَّاس (سدى) أَي مهملين غير مأمورين وَلَا منهيين فِي زمن من الْأَزْمَان (قطّ فَلَزِمَ) التَّعَبُّد (كل من تأهل) لَهُ من الْعباد (وبلغه) مَا يتعبد بِهِ (وَهَذَا) الدَّلِيل (يُوجِبهُ) أَي التَّعَبُّد (فِي غَيره ﷺ أَيْضا (وَهُوَ كَذَلِك، وتخصيصه) ﷺ (اتفاقي. وَاسْتدلَّ) للمختار (بتضافر رِوَايَات صلَاته وصومه وحجه) أَي تعاونهما واجتماعهما. قَوْله بتظافر بالظاء الْمُعْجَمَة فِي النّسخ المصححة. وَقَالَ الشَّارِح بالضاد الْمُعْجَمَة (للْعلم الضَّرُورِيّ أَنه) أَي فعلهَا (لقصد الطَّاعَة وَهِي) أَي الطَّاعَة (مُوَافقَة الْأَمر) فَلَا يتَصَوَّر من غير شرع (وَالْجَوَاب أَن الضَّرُورِيّ قصد الْقرْبَة وَهِي) أَي الْقرْبَة (أَعم من مُوَافقَة الْأَمر والتنفل فَلَا يسْتَلْزم) الْقرْبَة (معينا) مِنْهُمَا (ظَاهرا) أَي لَيْسَ لُزُوم الْمعِين ظَاهرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقرْبَة (فضلا عَن ضروريته) أَي كَونه ضَرُورِيًّا. (وَاسْتدلَّ أَيْضا بِعُمُوم كل شَرِيعَة) جَمِيع الْمُكَلّفين فيتناوله أَيْضا (وَمنع) عُمُوم كل شَرِيعَة، وَكَيف لَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِي يبْعَث إِلَى قومه خَاصَّة وَبعثت إِلَى النَّاس عَامَّة انْتهى قلت وَفِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ - إِشَارَة إِلَيْهِ. قَالَ (النَّافِي لَو كَانَ) متعبدا بشريعة من قبله (قَضَت الْعَادة بمخالطته أَهلهَا وَوَجَبَت) مخالطته لَهُم لأخذ الشَّرْع مِنْهُم (وَلم يفعل) ذَلِك، إِذْ لَو فعل لنقل لتوفر الدَّوَاعِي على نَقله (أُجِيب الملزم) للتعبد بِمَا إِذا علم أَنه شرع (إِذْ ذَاك) أَي قبل الْبعْثَة (التَّوَاتُر) لِأَنَّهُ الْمُفِيد للْعلم (وَلَا حَاجَة
стр. 830
مَعَه) أَي التَّوَاتُر (إِلَيْهَا) أَي مخالطته لَهُم (لَا) أَن الْمَلْزُوم لَهُ (الْآحَاد لِأَنَّهَا) أَي الْآحَاد (مِنْهُم) أَي أهل شرع من قبله (لَا تفِيد ظنا) لما وَقع من التحريف على مَا أخبر بِهِ التَّنْزِيل. قَالَ الشَّارِح وَالْخلاف فِي هَذَا يجب أَن يكون مَخْصُوصًا بالفروع، إِذْ النَّاس فِي الْجَاهِلِيَّة مكلفون بقواعد العقائد، وَلِهَذَا انْعَقَد الْإِجْمَاع على أَن موتاهم فِي النَّار يُعَذبُونَ بهَا على كفرهم وَلَوْلَا التَّكْلِيف مَا عذبُوا، فعموم إِطْلَاق الْعلمَاء مَخْصُوص بِالْإِجْمَاع. ذكره الْقَرَافِيّ، ثمَّ هَذِه المسئلة. قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيرهمَا: وَلَا يظْهر لَهَا ثَمَرَة فِي الْأُصُول وَلَا فِي الْفُرُوع بل تجْرِي مجْرى التواريخ وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا حكم فِي الشَّرِيعَة وَفِيه تَأمل انْتهى. (وَأما) تعبده ﷺ بشرع من قبله (بعد الْبَعْث فَمَا ثَبت) أَنه شرع لمن قبله فَهُوَ (شرع لَهُ ولأمته) عِنْد جُمْهُور الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة وَعَن الْأَكْثَرين الْمَنْع، فالمعتزلة مستحيلة عقلا وَغَيرهم شرعا، وَاخْتَارَهُ القَاضِي وَالْإِمَام الرَّازِيّ والآمدي و (لنا مَا اخترناه) بَين الْأَدِلَّة (من الدَّلِيل) السَّابِق، وَهُوَ أَنه لم يَنْقَطِع التَّكْلِيف إِلَى آخِره (فَيثبت) ذَلِك شرعا لَهُ (حَتَّى يظْهر النَّاسِخ وَالْإِجْمَاع) مُنْعَقد (على الِاسْتِدْلَال بقوله تَعَالَى وكتبنا عَلَيْهِم) أَي أَوجَبْنَا على بني إِسْرَائِيل أَو فَرضنَا (فِيهَا) أَي التَّوْرَاة - ﴿أَن النَّفس بِالنَّفسِ﴾ - على وجوب الْقصاص فِي شرعنا، وَلَوْلَا أَنا متعبدون بِهِ لما صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِوُجُوبِهِ فِي دينهم على وُجُوبه فِي ديننَا. (وَقَوله ﷺ من نَام عَن صَلَاة) أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا (وتلا - ﴿أقِم الصَّلَاة لذكري﴾ وَهِي) أَي هَذِه الْآيَة (مقولة لمُوسَى ﵇ فاستدل بهَا على وجوب قَضَاء الصَّلَاة عِنْد تذكرها، وَإِلَّا لم يكن لتلاوتها فَائِدَة فِي هَذَا الْمقَام، فَعلم تعبده بِمَا فِي شَرعه (قَالُوا) أَي النافون أَولا (لم يذكر) شرع من قبلنَا (فِي حَدِيث معَاذ) السَّابِق (وَصَوَّبَهُ) أَي مَا فِيهِ من الْقَضَاء بِكِتَاب الله تَعَالَى ثمَّ بِسنة رَسُوله ﷺ ثمَّ بِاجْتِهَادِهِ. وَلَو كَانَ شرع من قبلنَا شرعا لنا لذكره (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي عدم ذكره (إِمَّا لِأَن الْكتاب يتضمنه) لقَوْله تَعَالَى - ﴿فبهداهم اقتده﴾ - فَإِنَّهُ يعم الْأُصُول وَالْفُرُوع (أَو لقلته) أَي قلَّة وُقُوعه، وَإِنَّمَا صرنا فِي أحد التَّأْويلَيْنِ (جمعا للأدلة) دليلنا الدَّال على كَونه متعبدا بِهِ ودليلكم الدَّال على نَفْيه (قَالُوا) ثَانِيًا إِلَى أحد التَّأْويلَيْنِ (الْإِجْمَاع على أَن شريعتنا ناسخة) لجَمِيع الشَّرَائِع (قُلْنَا) ناسخة (لما خالفها) أَي شريعتنا (لَا مُطلقًا للْقطع بِعَدَمِهِ) أَي النّسخ (فِي الْإِيمَان وَالْكفْر وَغَيرهمَا) كَالْقصاصِ وحد الزِّنَا (قَالُوا) ثَالِثا (لَو كَانَ) ﷺ متعبدا بِهِ (وَجَبت خلطته) لأَهله (أُجِيب بِمَا تقدم) بِأَن الملزم للتعبد إِذْ ذَاك التَّوَاتُر إِلَى آخِره (وَاعْلَم أَن الْحَنَفِيَّة قيدوه) أَي كَون شرع من قبلنَا شرعا لنا (بِمَا إِذا قصّ الله وَرَسُوله) ذَلِك (وَلم يُنكره فَجعل) هَذَا مِنْهُم قولا (ثَالِثا وَالْحق أَنه)
стр. 831
أَي هَذَا التَّقْيِيد (وصل بَيَان طَرِيق ثُبُوته) أَي شرع من قبلنَا (لَا يَتَأَتَّى فِيهِ خلاف، إِذْ لَا يُسْتَفَاد) شرعهم (عَنْهُم) أَي عَن أهل تِلْكَ الشَّرَائِع (آحادا وَلم يعلم متواتر) مِنْهُ (لم ينْسَخ، وَلَا بُد من ثُبُوته) شرعا لَهُم أَولا ليترتب عَلَيْهِ وجوب اتباعنا لَهُ ثَانِيًا (فَكَانَ) ثُبُوته (بذلك) بِأَن يقص الله وَرَسُوله من غير إِنْكَار (وَبَيَان رده إِلَى الْكتاب أَو السّنة يمْنَع كَونه) قسما (خَامِسًا من الِاسْتِدْلَال كَمَا سَيَأْتِي).
مسئلة
(تَخْصِيص السّنة بِالسنةِ كالكتاب) أَي كتخصيص الْكتاب بِالْكتاب (على الْخلاف) إِمَّا فِي الْجَوَاز كَمَا بَين الْجُمْهُور وشذوذ، وَإِمَّا فِي اشْتِرَاط الْمُقَارنَة فِي الْمُخَصّص الأول بِكَوْنِهِ مَوْصُولا بِالْعَام على مَا سبق فِي بحث التَّخْصِيص، فَأكْثر الْحَنَفِيَّة يشْتَرط وَبَعْضهمْ كالشافعية لَا يشْتَرط إِلَى غير ذَلِك مِمَّا تقدم فِي بَحثه (قَالُوا) أَي الْجُمْهُور (خص) قَوْله ﷺ (فِيمَا سقت السَّمَاء) والعيون أَو كَانَ عثريا (الْعشْر، بليس فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة) مُتَّفق عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَي تَخْصِيصه الأول، وَهُوَ فِيمَا سقت السَّمَاء إِلَى آخِره بِالثَّانِي، وَهُوَ لَيْسَ إِلَى آخِره (تَامّ على) قَول (الشَّافِعِيَّة) وَبَعض الْحَنَفِيَّة لعدم الْمُقَارنَة، وتقديمهم الْخَاص مُطلقًا (لَا) على قَول (أبي يُوسُف وَمُحَمّد إِذْ لم تثبت مقارنته) أَي الثَّانِي للْأولِ (وَلَا تَأْخِيره ليخص) على تَقْدِير مقارنته (وينسخ) على تَقْدِير تَأْخِيره (فتعارضا) أَي الحديثان فِي الْإِيجَاب فِيمَا دون خَمْسَة أوسق فَقدم أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد الثَّانِي. قَالَ الشَّارِح بِمَا الله أعلم بِهِ، فَإِن وَجهه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأَصْل المذهبي غير ظَاهر انْتهى. وَلَا يبعد أَن يُقَال بِأَن عدم الْإِيجَاب وَبَرَاءَة الذِّمَّة هُوَ الأَصْل فيصلح مرجحا، فَإِن الِاسْتِصْحَاب يصلح للدَّفْع وَإِن لم يصلح للإثبات (وَقدم) أَبُو حنيفَة (الأول) أَي الْعَام (احْتِيَاطًا) لتقدم الْمُوجب على الْمُبِيح، وَحمل كثير من الْمَشَايِخ كصاحب الْهِدَايَة وَغَيره مرويهما على زَكَاة التِّجَارَة جمعا بَين الْحَدِيثين وَقَالُوا لأَنهم يتبايعون بالأوساق وَقِيمَة الوسق كَانَت يَوْمئِذٍ أَرْبَعِينَ درهما، وَلَفظ الصَّدَقَة يُنبئ عَنْهَا.
مسئلة
(ألحق) أَبُو بكر (الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة والبردعي وفخر الْإِسْلَام وَأَتْبَاعه) والسرخسي وَأَبُو الْيُسْر والمتأخرون وَمَالك وَالشَّافِعِيّ يُمكن فِي الْقَدِيم وَأحمد فِي إِحْدَى روايتيه (قَول الصَّحَابِيّ) الْمُجْتَهد (فِيمَا يُمكن فِيهِ الرَّأْي) أَي فِي حكم يُمكن إثْبَاته بِالْقِيَاسِ (بِالسنةِ) صلَة الْإِلْحَاق بِالسنةِ وَهَذَا الْإِلْحَاق بِالنِّسْبَةِ إِلَى غير الصَّحَابِيّ (لَا لمثله) أَي صَحَابِيّ آخر (فَيجب) على غير الصَّحَابِيّ
стр. 832
(تَقْلِيده) أَي الصَّحَابِيّ (ونفاه) أَي إِلْحَاقه بِالسنةِ (الْكَرْخِي وَجَمَاعَة) من الْحَنَفِيَّة: مِنْهُم القَاضِي أَبُو زيد (كالشافعي) فِي الْجَدِيد (وَلَا خلاف فِيمَا لَا يجْرِي فِيهِ) أَي فِي قَوْله الَّذِي لَا يجْرِي فِيهِ الرَّأْي لعدم إِمْكَانه (بَينهم) أَي الْحَنَفِيَّة ظرف للْخلاف وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كالمرفوع لِأَنَّهُ لَا يدْرك بِالرَّأْيِ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي أَيْضا فِي الْجَدِيد على مَا حَكَاهُ السُّبْكِيّ (وتحريره) أَي مَحل النزاع (قَوْله) أَي الصَّحَابِيّ (فِيمَا) يدْرك بِالْقِيَاسِ لَكِن (لَا يلْزمه الشُّهْرَة) بَين الصَّحَابَة لكَونه (مِمَّا لَا تعم بِهِ الْبلوى وَلم ينْقل خلاف) فِيهِ بَين الصَّحَابَة، ثمَّ ظهر نَقله فِي التَّابِعين (وَمَا يلْزمه) الشُّهْرَة لكَونه مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى واشتهر وَلم يظْهر خلاف (فَهُوَ إِجْمَاع كالسكوتي حكما بشهرته) أَي قَوْلنَا بِكَوْنِهِ إِجْمَاعًا كالإجماع السكوتي لحكمنا بِكَوْنِهِ مَشْهُور الْوُجُود مُقْتَضى الشُّهْرَة وَهُوَ عدم الْبلوى وَعدم خلافهم مَعَ شهرته بِمَنْزِلَة اطلَاع أهل الْحل وَالْعقد على أَمر ديني مَعَ سكوتهم عَن إِنْكَاره (وَفِي) صُورَة (اخْتلَافهمْ) أَي الصَّحَابَة فِيمَا يُمكن فِيهِ أَن تعم الْبلوى، أَو لَا يسْلك (التَّرْجِيح) بمرجح لأحد الْأَقْوَال (فَإِن تعذر) التَّرْجِيح (عمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ). قَالَ الشَّارِح بعد أَن يَقع فِي أَكثر رَأْيه أَنه هُوَ الصَّوَاب. وَلَا يخفى أَن مَا يفهم من الْمَتْن أَعم من ذَلِك، وَقَالَ أَيْضا بعد أَن يعْمل بِأَحَدِهِمَا لَيْسَ لَهُ أَن يعْمل بِالْآخرِ بِلَا دَلِيل (لَا يطْلب تَارِيخ) بَين أَقْوَالهم كَمَا يفعل بَين النصين، لأَنهم لما اخْتلفُوا وَلم يتحاجوا بِالسَّمَاعِ تعين أَن تكون أَقْوَالهم عَن اجْتِهَاد لَا سَماع فَكَانَا (كالقياسين) تَعَارضا (بِلَا تَرْجِيح) لأَحَدهمَا على الآخر حَيْثُ يكون هَذَا حكمهمَا: وَذَلِكَ لِأَن الْحق لَا يعدو أَقْوَالهم حَتَّى لَا يجوز لأحد أَن يَقُول بِالرَّأْيِ قولا خَارِجا عَنْهَا (وَاخْتلف عمل أئمتهم) أَي الْحَنَفِيَّة فِي هَذِه المسئلة، وَهِي تَقْلِيده فِيمَا يُمكن فِيهِ للرأي، فَلم يسْتَقرّ عَنْهُم مَذْهَب فِيهَا، وَلَا يثبت فِيهَا عَنْهُم رِوَايَة ظَاهِرَة (فَلم يشترطا) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فِي صِحَة السّلم (إِعْلَام قدر رَأس مَال السّلم الْمشَاهد) أَي تَسْمِيَة قدره إِذا كَانَ مشارا إِلَيْهِ (قِيَاسا) على الْإِعْلَام بِالتَّسْمِيَةِ يَصح إِجْمَاعًا: فَكَذَا بِالْإِشَارَةِ وَقِيَاسًا على البيع الْمُطلق فَإِن الْبَدَل فِيهِ إِذا كَانَ مشارا إِلَيْهِ يُغني عَن التَّسْمِيَة (وَشَرطه) أَي أَبُو حنيفَة إِعْلَام قدر رَأس المَال الْمشَاهد فِي صِحَّته (وَقَالَ بلغنَا) ذَلِك (عَن ابْن عمر) كَذَا فِي الْكَشْف وَفِي غَيره عَن عمر وَابْن عمر (وضمنا) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد (الْأَجِير الْمُشْتَرك) وَهُوَ من يعْقد على عمله كالصباغ والقصار الْعين الَّتِي هِيَ مَحل الْعَمَل إِذا هَلَكت (فِيمَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ كالسرقة بِخِلَاف) مَا إِذا هَلَكت بِالسَّبَبِ (الْغَالِب) وَهُوَ مَا لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ كالحرق وَالْغَرق والغارة الْعَامَّة فَإِنَّهُ لَا ضَمَان فِيهِ عَلَيْهِ آنِفا وَإِنَّمَا ضمناه فِي الأول (بقول عَليّ ﵁ رَوَاهُ ابْن أَب شيبَة عَنهُ من طرق. وَأخرج الشَّافِعِي عَنهُ أَنه كَانَ يضمن الصّباغ والصائغ
стр. 833
وَيَقُول لَا يصلح للنَّاس إِلَّا ذَلِك (ونفاه) أَي أَبُو حنيفَة تضمين الْأَجِير الْمُشْتَرك (بِقِيَاس أَنه أَمِين كَالْمُودعِ) والأجير الْوَاحِد وَهُوَ من يعْقد على مَنَافِعه، وروى الشَّارِح عَن أبي حنيفَة عَن عَليّ خلاف هَذَا وَهُوَ عدم تضمين الْقصار والصباغ، وَأَنه رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ . وَقَول الاسبيجابي أَن عليا رَجَعَ عَن ذَلِك وَأَن شريحا كَانَ لَا يضمن بِحَضْرَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ من غير نَكِير وَالله أعلم (وَاتفقَ فِيمَا لَا يدْرك رَأيا كتقدير أقل الْحيض) ثَلَاثَة أَيَّام (بِمَا) روى (عَن عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَأنس) ﵃، ك ١ افي جَامع الْأَسْرَار (وَاعْترض الشَّارِح بِأَن التَّقْدِير الْمَذْكُور بالمرفوع من طرق عديدة وَإِن كَانَ فِيهَا ضعف، فَإِن تعددها يرفعها إِلَى دَرَجَة الْحسن، وَبِأَن حِكَايَة الِاتِّفَاق فِيهَا نظر، لِأَن فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة ثَلَاثَة أَيَّام والليلتان يتخللانها، وَعند أبي يُوسُف يَوْمَانِ وَأكْثر الثَّالِث وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الِاسْتِدْلَال بِمَا عَن الصَّحَابَة طَرِيق مُسْتَقل فِي إِثْبَات الْمطلب وَهُوَ لَا يُنَافِي أَن يسْتَدلّ بطرِيق آخر، وَهُوَ جمع الطّرق الضعيفة على مَا ذكر وَأَن أَبَا يُوسُف لم يُخَالف فِي تَقْدِير ثَلَاثَة أَيَّام، لِأَن الْأَكْثَر فِي حكم الْكل، وَرِوَايَة الْحسن لم تخَالف فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَإِن خَالَفت فِي اللَّيَالِي فَيجوز أَن يُقَال بِهَذَا الِاعْتِبَار أَنهم اتَّفقُوا فِي تَقْدِير الْأَقَل على أَن الْحيض بعض الرِّوَايَات لَا يعْتد بهَا، ثمَّ عطف على تَقْدِير أقل الْحيض قَوْله (وَفَسَاد بيع مَا اشْترى) بِأَقَلّ مِمَّا اشْترى (قبل نقد الثّمن بقول عَائِشَة) لأم ولد زيد بن أَرقم لما قَالَت لَهَا: إِنِّي بِعْت من زيد غُلَاما بثمانمائة دِرْهَم نَسِيئَة واشتريته بستمائة نَقْدا، بلغي زيدا أَن قد أبطلت جهادك مَعَ رَسُول الله ﷺ إِلَّا أَن تتوب بئس مَا اشْتريت وَبئسَ مَا شريت، رَوَاهُ أَحْمد. قَالَ ابْن عبد الْهَادِي إِسْنَاده جيد (لما تقدم) أَي لِأَنَّهُ لَا يدْرك رَأيا، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِكَوْن مَا قالته مِمَّا لَا يدْرك بِالرَّأْيِ (لِأَن الأجزية) على الْأَعْمَال كبطلان الْجِهَاد مَعَ رَسُول الله ﷺ لَا تعلم إِلَّا (بِالسَّمْعِ) فَهُوَ فِي حكم الرّفْع. (للنافي) إِلْحَاق قَول الصَّحَابِيّ بِالسنةِ أَنه (يمْتَنع تَقْلِيد الْمُجْتَهد) غَيره (وَهُوَ) أَي الصَّحَابِيّ (كَغَيْرِهِ) من الْمُجْتَهدين فِي احْتِمَال اجْتِهَاده الْخَطَأ لانْتِفَاء الْعِصْمَة فَيمْتَنع تَقْلِيده. (الْمُوجب) أَي الْقَائِل بِوُجُوب تَقْلِيده (منع) الْمُقدمَة (الثَّانِيَة) وَهُوَ كَون الْمُجْتَهد الصَّحَابِيّ كَغَيْرِهِ فِي الِاحْتِمَال الْمَذْكُور (بل يُقَوي فِيهِ) أَي فِي قَوْله (احْتِمَال السماع) لِأَنَّهُ الْأَغْلَب فِي أَقْوَالهم (وَلَو انْتَفَى) السماع (فأصابته) الْحق (أقرب) من غَيره (لبركة الصُّحْبَة ومشاهدتهم الْأَحْوَال المستنزلة للنصوص) يَعْنِي أَسبَاب نُزُولهَا (والمحال الَّتِي لَا تَتَغَيَّر) الْأَحْكَام (باعتبارها) وبذلهم المجهود فِي طلب الْحق وقوام الدّين أَكثر (بِخِلَاف غَيره) أَي الصَّحَابِيّ، وَاحْتِمَال الْخَطَأ لَا يُوجب الْمَنْع عَن اتِّبَاع مَا يحْتَملهُ كالقياس: أَي كَمَا أَن احْتِمَال الْقيَاس الْخَطَأ لَا يمْنَع اتِّبَاع الْمُجْتَهد الْقيَاس إِيَّاه بل
стр. 834
يجب عَلَيْهِ اتِّبَاعه (فَصَارَ) قَول الصَّحَابِيّ (كالدليل الرَّاجِح) فَإِنَّهُ إِن ظهر للمجتهد أَدِلَّة متعارضة وَكَانَ أَحدهَا راجحا بتعين الْعَمَل بِهِ (وَقد يفِيدهُ) أَي وجوب تَقْلِيد الصَّحَابِيّ أَو نَدبه (عُمُوم) قَوْله تَعَالَى - ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان﴾ فَإِن مدح التَّابِعين بِاعْتِبَار الِاتِّبَاع على مَا يَقْتَضِيهِ تعلق الْمَدْح بالموصوف بِهِ يُفِيد ذَلِك، إِذْ كَمَال الِاتِّبَاع بِالرُّجُوعِ إِلَى رَأْيهمْ، لِأَن الِاتِّبَاع فِيمَا يدل على الْكتاب وَالسّنة إِنَّمَا هُوَ اتِّبَاع لَهما كَمَا لَا يخفى (وَالظَّاهِر) من الْمُجْتَهد أَي من جَوَاب مسئلة الْمُجْتَهد (فِي) التَّابِعِيّ (الْمُجْتَهد فِي عصرهم) أَي الصَّحَابَة (كَابْن الْمسيب الْمَنْع) أَي منع من بعده من الْمُجْتَهدين من تَقْلِيده (لفَوَات المناط الْمسَاوِي) للمناط فِي وجوب التَّقْلِيد للصحابي وَهُوَ ترك الصُّحْبَة ومشاهدة الْأُمُور المثيرة والمقيدة لاطلاقهما، كَذَا ذكر الشَّارِح وَلَا يخفى أَن مُرَاده أَنه لَا يُقَاس من عاصر الصَّحَابِيّ على الصَّحَابِيّ لعدم الْجَامِع، لَكِن تَقْرِيره يدل على أَنه لَا بُد فِي الْفَرْع من منَاط غير منَاط الأَصْل مسَاوٍ لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِك بل مناطهما وَاحِد كَمَا أَن حكمهمَا وَاحِد، وَغَايَة التَّأْوِيل أَن يُقَال لما كَانَ المناط مفهوما كليا يتَحَقَّق فِي الأَصْل فِي ضمن فَرد، وَفِي الْفُرُوع فِي ضمن فَرد آخر مماثل للْأولِ سمى كل مِنْهُمَا مناطا، أَو عبر عَن مماثلتهما بالمساواة وَالله أعلم. (و) ذكر (فِي النَّوَادِر نعم كالصحابي) وَاخْتَارَهُ حَافظ الدّين النَّسَفِيّ (وَالِاسْتِدْلَال) لهَذَا (بِأَنَّهُم) أَي الصَّحَابَة (لما سوغوا لَهُ) أَي للمجتهد الْمَذْكُور الِاجْتِهَاد وزاحمهم فِي الْفَتْوَى (صَار مثلهم) فِي وجوب التَّقْلِيد أَيْضا (مَمْنُوع الْمُلَازمَة لِأَن التسويغ) لاجتهاده (لرتبة الِاجْتِهَاد) أَي لكَونه بلغ رتبته وَمن بلغَهَا لَا يجوز مَنعه (لَا يُوجب ذَلِك المناط) المثير لوُجُوب تَقْلِيد الصَّحَابِيّ، وَإِذا عرفت أَن التسويغ للِاجْتِهَاد لَا يسْتَلْزم كَونه مثل الصَّحَابِيّ (فبرد شُرَيْح) أَي فالاستدلال برد شُرَيْح (الْحسن) أَي شَهَادَته (على عَليّ) ذكر الْمَشَايِخ أَن عليا ﵁ تحاكم إِلَى شُرَيْح فَخَالف عليا فِي رد شَهَادَة الْحسن لَهُ لِلْقَرَابَةِ (وَهُوَ) أَي عَليّ (يقبل الابْن) أَي كَانَ يرى جَوَاز شَهَادَة الابْن لِأَبِيهِ (وَمُخَالفَة مَسْرُوق ابْن عَبَّاس فِي إِيجَاب مائَة من الْإِبِل فِي النّذر بِذبح الْوَلَد إِلَى) إِيجَاب (شَاة) كلمة إِلَى مُتَعَلقَة بِمَا تضمنته الْمُخَالفَة من معنى الْعُدُول والانصراف قَالُوا وَرجع ابْن عَبَّاس إِلَى قَوْله (لَا يُفِيد) الْمَطْلُوب (وَجعل شمس الْأَئِمَّة الْخلاف) فِي قَوْلنَا التَّابِعِيّ (لَيْسَ) فِي شَيْء (إِلَّا فِي أَنه هَل يعْتد بِهِ) أَي بالتابعي (فِي إِجْمَاع الصَّحَابَة فَلَا ينْعَقد) أَي إِجْمَاعهم (دونه) أَي دون اتفاقه مَعَهم (أَولا) يعْتد بِهِ (فعندنا نعم) يعْتد بِهِ، وَعند الشَّافِعِي لَا يعْتد بِهِ وَقَالَ لَا خلاف فِي أَن قَول التَّابِعِيّ لَيْسَ بِحجَّة على وَجه يتْرك بِهِ الْقيَاس.
стр. 835
فصل فِي التَّعَارُض
(وغالبه) أَي التَّعَارُض (فِي) أَخْبَار (الْآحَاد) فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى وَجه ذكره بعْدهَا، و (هُوَ) أَي التَّعَارُض لُغَة (التمانع) بطرِيق التقابل، تَقول عرض لي كَذَا إِذا استقبلك بِمَا يمنعك مِمَّا قصدته، وَسمي السَّحَاب عارضا لمَنعه شُعَاع الشَّمْس وحرارتها (وَفِي الِاصْطِلَاح اقْتِضَاء كل من الدَّلِيلَيْنِ عدم مُقْتَضى الآخر، فعلى مَا قيل) وَالْقَائِل غير وَاحِد من الْمَشَايِخ كفخر الْإِسْلَام (لَا يتَحَقَّق) التَّعَارُض (إِلَّا مَعَ الوحدات) الثمان، وحدة الْمَحْكُوم عَلَيْهِ وَبِه، وَالزَّمَان وَالْمَكَان وَالْإِضَافَة وَالْقُوَّة، وَالْفِعْل وَالْكل والجزء، وَالشّرط، قيل ووحدة الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، ومرجع الْكل إِلَى وحدة النِّسْبَة كَمَا عرف فِي الْمنطق، فالتعارض (لَا يتَحَقَّق فِي) الْأَدِلَّة (الشَّرْعِيَّة للتناقض) أَي لِأَنَّهُ يسْتَلْزم التَّنَاقُض، والشارع منزه عَنهُ لكَونه أَمارَة الْعَجز، وَقد يُقَال لَا نسلم أَن عدم تحقق التَّعَارُض بِدُونِ تحقق الوحدات فِي نفس الْأَمر يسْتَلْزم عدم تحَققه فِي الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة، إِذْ التَّنَاقُض إِنَّمَا يلْزم لَو اعْتبر فِيمَا صدق عَلَيْهِ الدَّلِيل الشَّرْعِيّ كَونه فِي نفس الْأَمر من الله سُبْحَانَهُ وَلَيْسَ كَذَلِك: إِذْ كل مَا ثَبت عِنْد الْمُجْتَهد إفادته لحكم شَرْعِي فَهُوَ دَلِيل شَرْعِي، غَايَة الْأَمر أَنه إِذا تَيَقّن تحقق الوحدات بَين دَلِيلين علم أَن أَحدهمَا لَيْسَ مِنْهُ تَعَالَى فَإِن قلت مُرَاده نفي التَّعَارُض بَين الْأَدِلَّة الَّتِي أَقَامَهَا الله تَعَالَى فِي نفس الْأَمر، قلت هَذَا مُسلم لكنه قَلِيل الجدوى لِأَنَّهُ مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ وَلَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة خصوصياتها، نعم يقطع بِكَوْن ذَات الدَّلِيل مِنْهُ تَعَالَى كالكتاب، لَكِن كَون هَذَا الْخُصُوص دَلِيلا لخُصُوص هَذَا الحكم بِشَيْء آخر وَالْقطع بِهِ نَادِر وَلَا يسْتَشْكل على قَوْلهم (وَمَتى تَعَارضا) أَي الدليلان (فيرجح) أَحدهمَا (أَو يجمع) بَينهمَا أَو (مَعْنَاهُ) تَعَارضا (ظَاهرا) وَذَلِكَ (لجهلنا) بالمراد أَو بالمتقدم مِنْهُمَا (لَا) أَنَّهُمَا تَعَارضا (فِي نفس الْأَمر، وَهُوَ) أَي كَون المُرَاد بِهِ وَهَذَا هُوَ (الْحق فَلَا يعْتَبر) تحقق الوحدات الْمَذْكُورَة فِيهِ بِحَسب نفس الْأَمر بل بِحَسب مَا يفهمهُ ظَاهرا الْعقل، لِأَن المبوب لَهُ صُورَة الْمُعَارضَة لَا حَقِيقَتهَا (وَلَا يشْتَرط تساويهما) أَي الدَّلِيلَيْنِ المتعارضين (قُوَّة وَيثبت) التَّعَارُض (فِي) دَلِيلين (قطعيين وَيلْزمهُ) أَي التَّعَارُض فِي قطعيين (محملان) لَهما إِذا لم يعلم تقدم أَحدهمَا على الآخر (أَو نسخ أَحدهمَا) بِالْآخرِ إِن علم ذَلِك (فَمَنعه) أَي التَّعَارُض (بَينهمَا) أَي القطعيين (وإجازته فِي الظنيين) كَمَا ذكره ابْن الْحَاجِب وَغَيره، وَعلله الْعَلامَة الشِّيرَازِيّ بِأَنَّهُ يلْزم الْجمع بَين النقيضين إِن عمل بهما أَو لم يعْمل بِشَيْء مِنْهُمَا أَو التحكم إِن عمل بِأَحَدِهِمَا دون الآخر، ثمَّ
стр. 836
قَوْله مَنعه مُبْتَدأ خَبره (تحكم) إِذْ حَقِيقَة التَّعَارُض لَا تتَصَوَّر فِي شَيْء مِنْهُمَا وَصورته تجْرِي فيهمَا على السوية (والرجحان) لأحد المتعارضين القطعيين أَو الظنيين إِنَّمَا يكون (بتابع) أَي بِوَصْف تَابع لذَلِك الرَّاجِح كَمَا فِي خبر الْوَاحِد الَّذِي يرويهِ عدل فَقِيه مَعَ خبر الْوَاحِد الَّذِي يرويهِ عدل غير فَقِيه (مَعَ التَّمَاثُل) أَي تساويهما فِي الْقطع وَالظَّن فَلَا رُجْحَان بِغَيْر التَّابِع وَبِدُون التَّمَاثُل (وَمِنْه) أَي من قبيل المتماثلين السّنة (الْمَشْهُورَة مَعَ الْكتاب حكما) أَي من حَيْثُ وجوب تَقْيِيد مطلقه وَتَخْصِيص عُمُومه وَجَوَاز نسخه بهَا وَإِن لم يكن بَينهمَا تماثل من حَيْثُ اكفار جاحده على مَا هُوَ الْحق كَمَا سلف (فَلَا يُقَال النَّص رَاجِح على الْقيَاس) لِأَن رجحانه عَلَيْهِ بِاعْتِبَار ذَاته بِكَوْنِهِ قَطْعِيا لَا بِاعْتِبَار وصف تَابع وَأَيْضًا لَا مماثلة بَينهمَا (بِخِلَاف عَارضه) أَي الْقيَاس النَّص (فَقدم) النَّص فِيهِ لِأَن المُرَاد صُورَة التَّعَارُض وَقد سبق أَنه لَا يشْتَرط تَسَاوِي المتعارضين قُوَّة (إِذْ حكمه) أَي التَّعَارُض (النّسخ إِن علم الْمُتَأَخر وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يعلم الْمُتَأَخر (ف) الحكم (التَّرْجِيح) لأَحَدهمَا على الآخر بطريقه إِن أمكن (ثمَّ الْجمع) بَينهمَا بِحَسب الْإِمْكَان إِذا لم يُمكن التَّرْجِيح لِأَن أَعمال كليهمَا فِي الْجُمْلَة أولى من إلغائهما مَعًا (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يُمكن شَيْء مِمَّا ذكر (تركا) أَي المتعارضان ويصار (إِلَى مَا دونهمَا) من الْأَدِلَّة (على التَّرْتِيب إِن كَانَ) أَي وجد مَا دونهمَا فَإِن كَانَ المتروكان من الْكتاب يُصَار إِلَى الْكتاب إِن وجد، وَإِلَّا فَإلَى السّنة وَإِلَّا لم يُوجد فَإلَى قَول الصَّحَابِيّ اتِّفَاقًا إِذا لم يكن الحكم مِمَّا يدْرك بِالرَّأْيِ وَكَذَا فِيمَا يدْرك بِهِ فِي الْمُخْتَار عِنْد المُصَنّف وَغَيره ثمَّ إِلَى الْقيَاس (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يُوجد دون المتعارضين دَلِيل آخر أَو وجد وَمَعَهُ معَارض كَذَا (قررت الْأُصُول) فِي التَّلْوِيح بعد قَوْله وَإِلَّا يتْرك الْعَمَل بالدليلين، وَحِينَئِذٍ إِن أمكن الْمصير من الْكتاب إِلَى السّنة وَمِنْهَا إِلَى الْقيَاس، وَقَول الصَّحَابِيّ يُصَار إِلَيْهِ، وَألا يُقرر الحكم على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل وُرُود الدَّلِيلَيْنِ، وَهَذَا معنى تَقْرِير الْأُصُول انْتهى. (أما) التَّعَارُض (فِي القياسين) إِذا احْتِيجَ إِلَى الْعَمَل (فبأيهما شهد قلبه) أَي أَيهمَا أدّى تحري الْمُجْتَهد إِلَيْهِ يجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ (إِن) ظهر أَنه (لَا تَرْجِيح) لأَحَدهمَا على الآخر وَلَا يسقطان لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْعَمَل بِلَا دَلِيل شَرْعِي إِذْ لَا دَلِيل بعد الْقيَاس يرجع إِلَيْهِ كَذَا قَالُوا، وَيعْمل بِشَهَادَة الْقلب، لِأَن لقلب الْمُؤمن نورا يدْرك مَا هُوَ بَاطِن كَمَا أُشير إِلَيْهِ بقوله ﷺ
" اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ يعْمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ من غير تحر (وَقَول الصحابيين بعد السّنة قبل الْقيَاس كالقياسين) فِي أَنه يعْمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ (فَلَا يصارعنهما) أَي عَن قوليهما المتعارضين (إِلَى الْقيَاس) وَهَذَا فِيمَا يُمكن فِيهِ الرَّأْي فَإِنَّهُ إِذا لم يُوجد فِيهِ مَا يرجح أحد الْقَوْلَيْنِ يعْمل بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَلَا يُصَار إِلَى الْقيَاس لاحْتِمَال
стр. 837
كَونه بِالسَّمَاعِ وَإِن كَانَ بِالرَّأْيِ فرأيهم أقرب إِلَى الصَّوَاب كَمَا عرفت، وَأَيْضًا يكون الْحَاصِل أَنهم أَجمعُوا على قَوْلَيْنِ فَلَا يجوز إِحْدَاث ثَالِث، وَأما مَا لَا يُمكن فِيهِ الرَّأْي فَهُوَ فِي حكم الْمَرْفُوع. وَلما بَين التَّرْتِيب أَرَادَ بَيَان كَيْفيَّة الْجمع بقوله (وَالْجمع فِي العامين بِحمْل كل) مِنْهُمَا (على بعض) من أفرادهما بِحَيْثُ لَا يجْتَمع حكمان فِي مَحل وَاحِد كاقتلوا الْمُشْركين إِذا أُرِيد الحربيون وَلَا تقتلُوا الْمُشْركين إِذا أُرِيد بِهِ الذميون (أَو) يحمل على (الْقَيْد) أَي على قيد غير قيد الآخر كإذا لم يَكُونُوا ذمَّة فِي الأول، وَإِذا كَانُوا ذمَّة فِي الثَّانِي (وَكَذَا) الْجمع (فِي الخاصين) يحمل كل على قيد غير قيد الآخر (أَو يحمل أَحدهمَا على الْمجَاز) وَالْآخر على الْحَقِيقَة (و) الْجمع (فِي الْعَام وَالْخَاص) إِذا تَعَارضا (وَلَا مُرَجّح للعام) على الْخَاص (كإخراج من تَحْرِيم) تَمْثِيل لمرجح الْعَام فَإِن مُقْتَضى حكم الْعَام إِذا كَانَ خُرُوج أَفْرَاده عَن التَّحْرِيم، وَمُقْتَضى الْخَاص دُخُول أَفْرَاده المندرجة تَحت الْعَام فِي التَّحْرِيم كَانَ الْعَمَل بِالْعَام مُوَافقا لما هُوَ الأَصْل فِي الْأَفْعَال: وَهُوَ الْإِبَاحَة وبالخاص مُخَالفا لَهُ (وَلَا الْخَاص) أَي وَلَا مُرَجّح لَهُ على الْعَام (كمن اباحة) أَي إِخْرَاج من إِبَاحَة: يَعْنِي فِي جَانب الْعَام ليَكُون عكس الأول، وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله. كإخراج إِخْرَاج الْخَاص من تَحْرِيم، وَمعنى قَوْله من إِبَاحَة أَيْضا إِخْرَاجه مِنْهَا فالمنظور حِينَئِذٍ تَقْدِيم الْمحرم على الْمُبِيح (فبالخاص) يَعْنِي إِذا لم يكن مُرَجّح فِي أَحدهمَا ونسلك مَسْلَك الْجمع فَالْعَمَل بالخاص (فِي مَحَله) أَي الْخَاص وَهُوَ مَا يَشْمَلهُ الْخَاص من جملَة أَفْرَاد الْعَام (وَالْعَام) أَي وَالْعَمَل بِالْعَام (فِيمَا سواهُ) أَي سوى مَحل الْخَاص (فيتحد الْحَاصِل مِنْهُ) أَي من الْجمع بَين الْعَام وَالْخَاص على هَذَا الْوَجْه (وَمن تَخْصِيص الْعَام بِهِ) أَي بالخاص (مَعَ اخْتِلَاف الِاعْتِبَار) تسميه الشَّافِعِيَّة تخيص الْعَام بالخاص بِنَاء على قاعدتهم، وَالْحَنَفِيَّة الْجمع بَينهمَا بِالْحملِ الْمَذْكُور على أصلهم، وَأما إِذا وجد مُرَجّح فِي أحد الْجَانِبَيْنِ فيرجح ذَلِك الْجَانِب (وَقد يخال) أَي يظنّ (تقدم الْجمع) بَينهمَا على التَّرْجِيح عِنْد الْحَنَفِيَّة (لقَولهم الْأَعْمَال أولى من الإهمال وَهُوَ) أَي أعمالهما (فِي الْجمع) لَا التَّرْجِيح: إِذْ فِيهِ إبِْطَال لأَحَدهمَا (لَكِن الاستقراء خِلَافه) أَي يدل على خلاف مَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر القَوْل الْمَذْكُور أَلا ترى أَنه (قدم عَام استنزهوا) الْبَوْل (على) خَاص (شرب العرنيين أَبْوَال الْإِبِل) بِإِذْنِهِ ﷺ ، وَقد سبق فِي مبَاحث الْعَام (لمرجح التَّحْرِيم) لشربها، لَا يُقَال كَون الأَصْل الْإِبَاحَة يرجح الْخَاص الْمَذْكُور، لِأَن ذَلِك فِيمَا لم يكن فِيهِ الدَّلِيل السمعي غير مَا فِيهِ الْمُعَارضَة قَائِما فِي جَانب الْحُرْمَة (مَعَ إِمْكَان حمله) أَي عَام استنزهوا الْبَوْل (على) مَا (سوى) بَوْل (مَا يُؤْكَل) كَمَا ذهب إِلَيْهِ مُحَمَّد وَأحمد، وللتداوي فَقَط كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف (و) قدم (عَام مَا سقت) أَي فِيمَا سقت السَّمَاء والعيون أَو كَانَ عثريا الْعشْر (على خَاص الأوسق) أَي لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة
стр. 838
أوسق صَدَقَة (لمرجح الْوُجُوب) للعشر فِي كل مَا سقته السَّمَاء أَو سقى سيحا أَو كثر (مَعَ إِمْكَان نَحوه) أَي نَحْو حمل الْعَام الأول بِأَن يحمل على مَا كَانَ خَمْسَة أوسق فَصَاعِدا كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَغَيرهمَا (وَكَيف) يقدم الْجمع على التَّرْجِيح (وَفِي تَقْدِيمه مُخَالفَة مَا أطبق عَلَيْهِ الْعُقُول من تَقْدِيم الْمَرْجُوح على الرَّاجِح) الْمَرْجُوح الْجمع، وَالرَّاجِح الْعَمَل بِمَا هُوَ رَاجِح بمرجح تَوْضِيحه أَن الْعَام مثلا إِذا كَانَ مرجحا على الْخَاص وَأَنت جمعت بَينهمَا وحملت الْعَام على مَا سوى الْخَاص كَانَ ذَلِك مرجوحا لمقْتَضى الْخَاص وتركا لرعاية مُوجب الْعَام وَهُوَ الِاسْتِغْرَاق المستلزم لاندراج الْخَاص تَحت حكم الْعَام (وَتَأْويل) أَخْبَار (الْآحَاد) الْمُعَارضَة ظَاهر الْكتاب (عِنْد تَقْدِيم الْكتاب) عَلَيْهَا (لَيْسَ مِنْهُ) أَي من الْجمع بَين المتعارضين (بل اسْتِحْسَان حكما للتقديم) للْكتاب عَلَيْهَا مِنْهُ الِاسْتِحْسَان على مَا سَيَأْتِي يُطلق على مَعْنيين: أَحدهمَا الْقيَاس الْخَفي بِالنِّسْبَةِ إِلَى قِيَاس ظَاهر، وَالثَّانِي كل دَلِيل فِي مُقَابلَة الْقيَاس الظَّاهِر نَص أَو إِجْمَاع أَو ضَرُورَة، فَالْقِيَاس الظَّاهِر أَن يتْرك الْخَبَر الْمَذْكُور رَأْسا لمعارضة الْكتاب، وَالْقِيَاس الْخَفي أَن لَا يتْرك بِالْكُلِّيَّةِ لكَونه خبر عدل وَالْأَصْل عدم إهدار مَا صدر من الشَّارِع، فَالْمَعْنى أَن التَّأْوِيل الْمَذْكُور مَبْنِيّ على الِاسْتِحْسَان حَال كَونه حكما لتقديم الْكتاب على ظَاهر السّنة لَا حكما للْجمع بَينهمَا (وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (فِي تَقْدِيم النَّص على الظَّاهِر تَعَارضا فِيمَا وَرَاء الْأَرْبَع) من النِّسَاء بِاعْتِبَار ملك النِّكَاح للأحرار (أَي) قَوْله تَعَالَى - ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ - فَإِن ظَاهر فِي حل الْأَكْثَر من الْأَرْبَع لصدق - مَا وَرَاء ذَلِكُم - عَلَيْهِ (ومثنى الخ) أَي قَوْله تَعَالَى - ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ - فَإِنَّهُ نَص على قصر الْحل على الْأَرْبَع على مَا بَين فِي مَحَله (فيرجح النَّص) على الظَّاهِر (وَيحمل الظَّاهِر عَلَيْهِ) أَي النَّص وَقَوْلهمْ مُبْتَدأ خَبره (اتِّفَاق مِنْهُم) أَي الْحَنَفِيَّة (عَلَيْهِ) فيرجح أَي على تَقْدِيم التَّرْجِيح على الْجمع لعدم رِعَايَة جَانب الظَّاهِر وأعمال النَّص بقصر الْحل على الْأَرْبَع (وَلَو خالفوا) أَي الْحَنَفِيَّة هَذَا الأَصْل (كغيرهم) وَقدمُوا الْجمع على التَّرْجِيح (منعناه) أَي منعنَا قَوْلهم الْأَعْمَال أولى من الإهمال على الْإِطْلَاق، إِذْ الْأَعْمَال الَّذِي يسْتَلْزم تَقْدِيم الْمَرْجُوح على الرَّاجِح مُخَالف لما أطبق عَلَيْهِ الْعُقُول وَهُوَ غير جَائِز فضلا عَن كَونه أولى (وَمِنْه) أَي من التَّعَارُض فِي الْكتاب (مَا) أَي التَّعَارُض الَّذِي (بَين قراءتي آيَة الْوضُوء من الْجَرّ) لِابْنِ كثير وَابْن عَمْرو وَحَمْزَة (وَالنّصب) للباقين (فِي أَرْجُلكُم) فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم﴾ - (المقتضيتين مسحهما) أَي الرجل وَهُوَ ظَاهر قِرَاءَة الْجَرّ (وغسلهما) وَهُوَ ظَاهر قِرَاءَة النصب (فيتخلص من هَذَا
стр. 839
التَّعَارُض (بِأَنَّهُ تجوز بمسحهما) المفاد بعطفها على مَدْخُول امسحوا (عَن الْغسْل) مشاكلة كَمَا فِي قَول الشَّاعِر:
(قَالُوا اقترح شَيْئا نجد لَك طبخه ... قلت اطبخوا لي جُبَّة وقميصا)
لَا يُقَال يلْزم الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي لفظ وَاحِد أَي امسحوا لِأَن مُوجب الْعَطف تَقْدِير امسحوا فِي جَانب الْمَعْطُوف على مَا تقرر فِي مَحَله (والعطف فيهمَا) أَي عطف أَرْجُلكُم فِي الْقِرَاءَتَيْن (على رءوسكم) وَقيل فَائِدَة التَّعْبِير عَن غسلهمَا بِالْمَسْحِ الْإِشَارَة إِلَى ترك الْإِسْرَاف، لِأَن غسلهمَا مَظَنَّة لَهُ، لكَونه يصب المَاء عَلَيْهِمَا، كَأَنَّهُ قَالَ: اغسلوهما غسلا خَفِيفا شَبِيها بِالْمَسْحِ كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه أَن كَون الْقَصْد من غسل الْأَعْضَاء تحسينها على مَا عرف، وَأَن الرجلَيْن تحسينهما يحْتَاج إِلَى زِيَادَة الْمُبَالغَة فِي الْغسْل يَأْبَى عَن التَّوْجِيه الْمَذْكُور، وَإِنَّمَا لزم صرف الْعبارَة إِلَى التجويز ٠ لتواتر الْغسْل) لَهما (عَنهُ ﷺ إِذْ قد (أطبق) على (من حكى وضوءه) من الصَّحَابَة (ويقربون من ثَلَاثِينَ عَلَيْهِ) أَي على غسله ﷺ رجلَيْهِ، وَقد أسعف المُصَنّف بِذكر الِاثْنَيْنِ وَعشْرين فِي شرح الْهِدَايَة، وَقَالَ الشَّارِح: بلغت الْجُمْلَة أَرْبَعَة وَثَلَاثِينَ، وَيمْتَنع عِنْد الْعقل تواطؤ هَذَا الجم الْغَفِير من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ على الْكَذِب فِي أَمر ديني، على أَن الْمسْح أَهْون على النَّفس (وتوارثه) أَي ولتوارث غسلهمَا (من الصَّحَابَة) أَي قد أَخذنَا عسلهما عَمَّن أدركناهم وهم كَذَلِك إِلَى الصَّحَابَة وهم عَن صَاحب الْوَحْي فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى نَص معِين (وانفصال ابْن الْحَاجِب) أَي تجاوزه (عَن) تَوْجِيه (الْمُجَاورَة) أَي جر الأرجل بالمجاورة لقَوْله برءوسكم (إِذْ لَيْسَ) الْجَرّ بهَا (فصيحا) لعدم وُقُوعه فِي الْقُرْآن، وَلَا فِي كَلَام فصيح اسْتغْنَاء عَنْهَا (بتقارب الْفِعْلَيْنِ) أَي امسحوا واغسلوا (وَفِي مثله) أَي تقاربهما (تحذف الْعَرَب) الْفِعْل (الثَّانِي وَتعطف مُتَعَلّقه على مُتَعَلق) الْفِعْل (الأول) فَيجْعَل مُتَعَلق الْفِعْل الثَّانِي (كَأَنَّهُ مُتَعَلّقه) أَي الْفِعْل الأول كَقَوْلِهِم مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا، وعلفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا، إِذْ الأَصْل ومعتقلا رمحا وسقيتها مَاء بَارِدًا، وَالْآيَة من هَذَا الْقَبِيل (غلط) خبر انْفِصَال (إِذْ لَا يُفِيد) مَا ذكر تقَارب الْفِعْلَيْنِ إِلَى آخِره (إِلَّا فِي اتِّحَاد إعرابهما) أَي إِلَّا إِذا كَانَ إِعْرَاب المتعلقين وَاحِدًا كَمَا سَيَأْتِي فِي سَيْفا ورمحا وتبنا وَمَاء (وَلَيْسَت الْآيَة مِنْهُ) أَي مِمَّا اتَّحد فِيهِ إِعْرَاب الْفِعْلَيْنِ فَلَا ينحيه من الْجوَار، وَفِي نُسْخَة (فَلَا يخرج عَن الْجوَار، وَمَا قيل) على مَا فِي التَّلْوِيح (فِي) حق (الْغسْل) من أَنه (الْمسْح) وَزِيَادَة (إِذْ لَا إسالة) وَهِي معنى الْغسْل (بِلَا إِصَابَة) وَهِي معنى الْمسْح (فينتظمه) أَي الْغسْل الْمسْح (غلط) يظْهر (بِأَدْنَى تَأمل) إِذْ الإسالة مُعْتَبرَة مَعَ الْإِصَابَة فِي الْغسْل وَعدمهَا
стр. 840
مُعْتَبر فِي الْمسْح وَاللَّفْظ لَا يَنْتَظِم عدم مُسَمّى لَا ضِدّه (وَلَو جعل) الْعَطف (فيهمَا) أَي الْقِرَاءَتَيْن (على وُجُوهكُم) وَقد كَانَ من حَقه النصب (و) لَكِن (الْجَرّ) لأرجلكم (للجوار) برءوسكم (عورض بِأَنَّهُ) أَي الْعَطف (فيهمَا) أَي الْقِرَاءَتَيْن (على رءوسكم وَالنّصب) بالْعَطْف (على الْمحل) أَي مَحل رءوسكم كَمَا هُوَ اخْتِيَار الْمُحَقِّقين من النُّحَاة من أَن مَحَله النصب (ويترجح) هَذَا (بِأَنَّهُ) أَي الْعَطف على الْمحل (قِيَاس) مطرد فِي الفصيح من الْكَلَام مَعَ اعْتِبَار الْعَطف على الْأَقْرَب وَعدم وُقُوع الْفَصْل بالأجنبي (لَا الْجوَار) أَي لَيْسَ الْجوَار بِقِيَاس بِلَا حق شَاذ (و) مِنْهُ مَا بَين (قراءتي التَّشْدِيد فِي يطهرن) لِحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَعَاصِم من قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن﴾ - (الْمَانِعَة) من قربانهن (إِلَى الْغسْل، التَّخْفِيف) فِيهِ للباقين الْمَانِعَة من قربانهن (إِلَى الطُّهْر فَيحل) القربان (قبله) أَي الْغسْل (بِالْحلِّ الَّذِي انْتهى مَا عَارضه من الْحُرْمَة فَتحمل تِلْكَ) أَي فيتخلص من هَذَا التَّعَارُض بِحمْل قِرَاءَة التَّشْدِيد (على مَا دون الْأَكْثَر) من مُدَّة الْحيض الَّتِي هُوَ الْعَادة لَهَا ليتأكد جَانب الِانْقِطَاع بهَا أَو بِمَا يقوم مقَامه (وَهَذِه) أَي قِرَاءَة التَّخْفِيف (عَلَيْهِ) أَي على أَكثر مُدَّة الْحيض، وَهُوَ الْعشْر عندنَا لِأَن الِانْقِطَاع عِنْده مُتَيَقن، وَحُرْمَة القربان كَانَت بِسَبَبِهَا فَلَا يجوز تَحْرِيمه بعد ذَلِك إِلَى الِاغْتِسَال وَمنع الزَّوْج من حَقه، وَقد زَالَت عِلّة الْحُرْمَة، وَهِي الْأَذَى وَقد يُقَال أَن قَوْله تَعَالَى - ﴿فَإِذا تطهرن﴾ - بعد ذَلِك يَقْتَضِي تَأَخّر جَوَاز الْإِتْيَان عَن الْغسْل فَلَو كَانَ هَهُنَا قِرَاءَة أُخْرَى أَعنِي إِذا تطهرن كَانَ تَوْجِيه الْجمع بَين الْقِرَاءَتَيْن وَاحِدًا وَهُوَ الطُّهْر مَعَ الِاغْتِسَال، وَالْجَوَاب مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (وتطهرن بِمَعْنى طهرن) فَإِن تفعل يَجِيء بِمَعْنى فعل من غير أَن يدل على صنع (كتكبر) وتعظم (فِي صِفَاته تَعَالَى) إِذْ لَا يُرَاد بِهِ صفة أُخْرَى تكون بإحداث الْفِعْل (وَتبين) بِمَعْنى ظهر (مُحَافظَة على حَقِيقَة يطهرن بِالتَّخْفِيفِ) وَأورد عَلَيْهِ أَنه يلْزم على هَذَا تَعْمِيم الْمُشْتَرك إِن كَانَ يطهرن حَقِيقَة فِي الِانْقِطَاع كَمَا فِي الِاغْتِسَال وَالْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز إِن كَانَ مجَازًا فِي الِانْقِطَاع وَأجِيب بِأَن قَوْله تَعَالَى - ﴿فَإِذا تطهرن﴾ - إِن قرئَ مَعَ قِرَاءَة التَّشْدِيد يُرَاد بِهِ الِاغْتِسَال، وَإِن قرئَ مَعَ قِرَاءَة التَّخْفِيف يُرَاد بِهِ الِانْقِطَاع وَالْجمع بَينهمَا إِنَّمَا يمْنَع فِي إِطْلَاق وَاحِد لَا اطلاقين فَتَأمل (وَكِلَاهُمَا) أَي المجملين الْمَذْكُورين (خلاف الظَّاهِر) إِذْ فِي كل مِنْهُمَا إِرَادَة خُصُوصِيَّة لَا تفهم من ظَاهر اللَّفْظ (لكنه) أَي حمل قِرَاءَة التَّخْفِيف على مُجَرّد الِانْقِطَاع على الْأَكْثَر (أقرب) من حملهَا على الِاغْتِسَال نظرا إِلَى الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة (إِذْ لَا يُوجب) حملهَا على ذَلِك (تَأَخّر حق الزَّوْج) فِي الْوَطْء (بعد الِانْقِطَاع بارتفاع الْعَارِض الْمَانِع) من القربان، وَهُوَ الْحيض. قَوْله بارتفاع صلَة الِانْقِطَاع
стр. 841
يَعْنِي الْعلم بالانقطاع قطعا لانْتِهَاء مدَّته (مَعَ قيام الْمُبِيح) وَهُوَ الْحل الثَّابِت قبل عرُوض هَذَا الْمَانِع، بِخِلَاف الْحمل على الِاغْتِسَال فَإِنَّهُ يُوجب ذَلِك (و) مِنْهُ مَا (بَين آيتي اللَّغْو) فِي الْيَمين، وَهِي عِنْد أَصْحَابنَا وَأحمد الْحلف على أَمر يظنّ أَنه كَمَا قَالَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة كل يَمِين صدرت من غير قصد فِي الْمَاضِي وَفِي الْمُسْتَقْبل، وهما قَوْله تَعَالَى - ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ﴾ - وَالْأُخْرَى مثلهَا إِلَّا أَنه ذكر فِيهَا - ﴿بِمَا عقدتم الْأَيْمَان﴾ - بدل ﴿بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ﴾ (تفِيد إِحْدَاهمَا) وَهِي الأولى (الْمُؤَاخَذَة بالغموس) وَهِي الْحلف على أَمر مَاض أَو حَال يتَعَمَّد الْكَذِب بِهِ (لِأَنَّهَا) أَي الْيَمين الْغمُوس (مكسوبة) لِأَن تعمد الْكَذِب من كذب الْقلب وَعَمله (وَالْأُخْرَى) وَهِي الثَّانِيَة تفِيد (عَدمه) أَي لَا يُؤَاخذ بالغموس (إِذْ لَيست) الْغمُوس (معقودة) لِأَن العقد قد يكون لَهُ حكم فِي الْمُسْتَقْبل شرعا كَالْبيع وَنَحْوه والغموس لَيست كَذَلِك (فَدخلت) الْغمُوس (فِي اللَّغْو) الْمُقَابل للمعقودة، وَإِنَّمَا سمي بِهِ (لعدم الْفَائِدَة الَّتِي تقصد الْيَمين لَهَا) شرعا وَهِي تَحْقِيق الْبر فَلَا يكون مؤاخذا بهَا (وَخرجت) أَي الْغمُوس (مِنْهُ) أَي اللَّغْو (فِي) الْآيَة (الْأُخْرَى) وَدخلت فِي المكسوبة (بشمول الْكسْب إِيَّاهَا) أَي الْغمُوس (وأفادت ضدية اللَّغْو للكسب) أَي أفادت الْآيَة ضديته للتقابل بَينهمَا (فَهُوَ) أَي اللَّغْو هَهُنَا (السَّهْو) فتعارضتا فِي الْغمُوس بِاعْتِبَار الْمُؤَاخَذَة وَعدمهَا وَبِاعْتِبَار الاندراج فِي اللَّغْو وَعَدَمه (والتخلص) بِهَذَا الِاعْتِبَار (عِنْد الْحَنَفِيَّة بِالْجمعِ) بَينهمَا (بِأَن المُرَاد بالمؤاخذة) الثَّابِتَة للغموس (فِي) الْآيَة (الأولى) الْمُؤَاخَذَة (الأخروية) وَهِي المُرَاد (و) المُرَاد بالمؤاخذة المنفية عَن الْغمُوس (فِي) الْآيَة (الثَّانِيَة) الْمُؤَاخَذَة (الدُّنْيَوِيَّة بِالْكَفَّارَةِ) فَلم يتحد مُتَعَلق المؤاخذتين فَلَا تعَارض (أَو) المُرَاد بِاللَّغْوِ فِي الْآيَتَيْنِ الْخَالِي عَن الْقَصْد وبالمؤاخذة (فيهمَا) أَي الْآيَتَيْنِ الْمُؤَاخَذَة (الأخروية) والغموس دَاخِلَة فِي المكسوبة لَا فِي المعقودة فالآية الأولى أوجبت الْمُؤَاخَذَة على الْغمُوس (و) الْآيَة (الثَّانِيَة ساكتة عَن الْغمُوس وَهِي) أَي الْغمُوس (ثَالِثَة) وَالْيَمِين منقسمة على أَقسَام ثَلَاثَة، وَالْمَذْكُور فِيهَا حكم الْقسمَيْنِ مِنْهَا، وَلما كَانَ هُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ كَون المُرَاد من الْمُؤَاخَذَة الأخروية لَا يُوَافق قَوْله تَعَالَى - فكفارته - إِلَى آخِره لِأَنَّهُ لَا مُؤَاخذَة دنيوية دَفعه بقوله (أَي يُؤَاخِذكُم فِي الْآخِرَة بِمَا عقدتم) عِنْد الْحِنْث (فطريق دَفعه) أَي طَرِيق دفع الْعقَاب الْحَاصِل بِهِ (وستره إطْعَام) عشرَة مَسَاكِين، نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَن وَجه الْمُؤَاخَذَة فِي هَذَا مَا يتضمنه من سوء الْأَدَب على الشَّرْع إِلَى آخر مَا ذكر وَحَاصِله الْمُؤَاخَذَة بِمُجَرَّد الْيَمين وَإِن لم يَحْنَث وَحمل الْيَمين على الْحلف على شرب الْخمر بعد تَحْرِيمهَا، وَسُوء الْأَدَب إقدامه على مثل
стр. 842
هَذَا، وَلَا يخفى مَا فِيهِ وَالله أعلم بِصِحَّة هَذَا النَّقْل، وَقد يشْتَبه على بعض الطّلبَة كَلَام المدرسين (وَاحْتج) الْمُجيب (الأول) الْقَائِل بِأَن المُرَاد بالمؤاخذة فِي الأولى الأخروية، وَفِي الثَّانِيَة الدُّنْيَوِيَّة فَلَا تكون الْغمُوس وَاسِطَة بَين اللَّغْو والمنعقدة كَمَا يَقُول الْمُجيب الثَّانِي (بِأَن الْمَفْهُوم من) قَول الْقَائِل (لَا يُؤَاخذ بِكَذَا لَكِن) يُؤَاخذ (بِكَذَا عدم الْوَاسِطَة) يَعْنِي إِذا قصد الْمُتَكَلّم بَيَان حكم حَقِيقَة يتَحَقَّق فِي ضمن أَفْرَاد كَثِيرَة بِاعْتِبَار الْمُؤَاخَذَة وَعدمهَا مثلا. فَقَالَ: يُؤَاخذ بِهَذَا الْقسم مِنْهَا وَلَا يُؤَاخذ بِذَاكَ فالمتبادر من هَذَا الْبَيَان أَن لَا يبْقى شَيْء مِنْهَا خَارج من الْقسمَيْنِ، وَإِلَّا لم يكن الْبَيَان وافيا فَيلْزم كَون الْغمُوس فِي اللَّغْو أَو المعقودة وَلَيْسَت بمعقودة فَلَزِمَ دُخُولهَا فِي اللَّغْو فَلَزِمَ أَن لَا يكون المُرَاد بالمؤاخذة المنفية عَن اللَّغْو الأخروية فَيتَعَيَّن الدُّنْيَوِيَّة وَهِي الْكَفَّارَة (وَعند الشَّافِعِي) المُرَاد بالمؤاخذة (فيهمَا) أَي الْآيَتَيْنِ (الدُّنْيَوِيَّة وَهِي) أَي الْغمُوس (دَاخِلَة فِي المعقودة) عِنْده بِنَاء على حمل العقد على عقد الطّلب وعزمه كَقَوْلِه الشَّاعِر:
(عقدت على قلبِي بِأَن يكتم الْهوى ...)
(كَمَا) هِيَ دَاخِلَة (فِي المكسوبة فَلَا تعَارض) بَين الْآيَتَيْنِ لاتِّفَاقهمَا على الْمُؤَاخَذَة فِي الْغمُوس (وَدفعه) أَي دُخُولهَا فِي المعقودة (بِأَن حَقِيقَة العقد) إِنَّمَا تكون (بِغَيْر الْقلب) لِأَن العقد فِي الأَصْل ربط الشَّيْء بالشَّيْء وَذَلِكَ فِيمَا اصْطلحَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاء لما فِيهِ من ربط أحد الْكَلَامَيْنِ بِالْآخرِ، أَو ربط الْكَلَام بِمحل الحكم وَلَيْسَ فِي عزم الْقلب شَيْء مِنْهُمَا، وَصرف الْكَلَام عَن الْحَقِيقَة بِغَيْر ضَرُورَة لَا يجوز (قد يمْنَع) على صِيغَة الْمَجْهُول (بِأَنَّهُ) أَي العقد (أَعم) من أَن يكون فِي الْأَعْيَان أَو الْمعَانِي فَيعم المصطلح وَعقد الْقلب، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (يسند إِلَى الْأَعْيَان فيراد) بِهِ (الرَّبْط) لبعضها بِبَعْض (وَإِلَى الْقلب فعزمه) أَي فيراد بِهِ عزم الْقلب (وَكثر) إِطْلَاق العقد عَلَيْهِ (فِي اللُّغَة) وَفِي التَّلْوِيح أَن إِطْلَاقه عَلَيْهِ فِي اللُّغَة أشهر من العقد المصطلح فَإِنَّهُ من مخترعات الْفُقَهَاء وَأجِيب بِأَن العقد فِيمَا لَهُ حكم فِي الْمُسْتَقْبل صَار حَقِيقَة شَرْعِيَّة قَالَ تَعَالَى - ﴿أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ - وَالْأَمر بالإيفاء لَا يَصح إِلَّا فِيمَا لَهُ حكم فِي الْمُسْتَقْبل (بل) الأولى فِي الْجَواب أَن يُقَال (الظَّاهِر) أَن المُرَاد بالمؤاخذة (فِي) الْآيَة (الأولى الأخروية للإضافة إِلَى كسب الْقلب) إِذْ الْغَالِب فِي الْمُؤَاخَذَة على عمل الْقلب والأخروية، على أَن الْغمُوس كَبِيرَة مَحْضَة لَا تناسب الْكَفَّارَة الدائرة بَين الْعباد والعقوبة، وَأَيْضًا فالمتبادر من الْمُؤَاخَذَة إِذا أطلقت أَن تكون بِحَسب الْآخِرَة (وَهَذَا) الْجمع بَين هَاتين الْآيَتَيْنِ (جمع من قبل الحكم) إِذْ الِاخْتِلَاف بَين الْآيَتَيْنِ إِنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَار الْمُؤَاخَذَة فِي الْغمُوس وَعدمهَا اللَّتَيْنِ كَانَا حكم الْآيَتَيْنِ فيتصرف فِي مفهومهما بتعميمه بِحَيْثُ انقسمت إِلَى الأخروية والدنيوية فَجعلت احداهما مَحل الْإِثْبَات وَالْأُخْرَى مَحل النَّفْي لِئَلَّا يتحد موردهما
стр. 843
فيرتفع التَّنَاقُض والتعارض (وَمِنْه) أَي الْجمع من قبل الحكم (توزيعه) أَي الحكم بإثباته فِي بعض مَحَله بِأحد الدَّلِيلَيْنِ ونفيه فِي بعضه بِالْآخرِ (كقسمة الْمُدَّعِي بَين المثبتين) كَمَا إِذا ادّعى رجلَانِ أَن هَذِه الدَّار ملكه كملا وَأقَام كل وَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة وَلَا رُجْحَان لأَحَدهمَا على الْأُخْرَى فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تنصف بَينهمَا فقد أثبت الْملك لأَحَدهمَا فِي بعض الدَّار بِبَيِّنَة وَنفى ملكه عَن الْبَعْض الآخر بيينة الرجل الآخر، وَهَذَا هُوَ التَّوْزِيع فِي الحكم الَّذِي هُوَ الْملك (وَمَا قيل) أَي قيل هَذَا الْجمع وَهُوَ الْجمع فِي قِرَاءَة التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف (من قبل الْحَال) إِذْ حمل احداهما على حَالَة وَالْأُخْرَى على حَالَة أُخْرَى، وَعبر عَنهُ صدر الشَّرِيعَة بِالْمحل (و) قد (يكون) الْجمع بَين المتعارضين (من قبل الزَّمَان) إِمَّا (صَرِيحًا بِنَقْل التَّأَخُّر) لأَحَدهمَا عَن الآخر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾، وَقَوله تَعَالَى - ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ - فَإِن بَينهمَا تَعَارضا فِي حق الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا، وَجمع الْجُمْهُور بَينهمَا بِأَن أولات الْأَحْمَال الْآيَة (بعد وَالَّذين يتوفون) الْآيَة كَمَا صَحَّ عَن ابْن مَسْعُود، وَتقدم فِي الْبَحْث الْخَامِس فِي التَّخْصِيص يكون من قبل الزَّمَان (أَو حكما كالمحرم) أَي كتقديمه (على الْمُبِيح) إِذا تَعَارضا (اعْتِبَارا لَهُ) أَي الْمحرم (مُتَأَخِّرًا) عَن الْمُبِيح (كي لَا يتَكَرَّر النّسخ بِنَاء على أَصَالَة الْإِبَاحَة) فَيلْزم كَون الْمحرم الْمُقدم على الْمُبِيح نَاسِخا للْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة ومنسوخا بالمبيح الْمُتَأَخر عَنهُ بِخِلَاف الْعَكْس وَهُوَ ظَاهر، وَهَذَا مُخَالف لما سَيَأْتِي من أَن رفع الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة لَيْسَ بنسخ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتجوز بِهِ عَن تغير الحكم أَعم من أَن يكون ذَلِك الحكم إِبَاحَة أَصْلِيَّة أَو غَيرهَا، وَتقدم فِي المسئلة الثَّانِيَة من مسئلتي التنزل فِي فصل الْحَاكِم مَا فِيهِ من الْبَحْث والتحرير (وَلِأَنَّهُ) أَي تَقْدِيم الْمحرم على الْمُبِيح (الِاحْتِيَاط) إِذْ احْتِمَال ترك الْعَمَل بِمَا يَقْتَضِيهِ الْمُبِيح أَهْون من احْتِمَال تَركه بِمَا يَقْتَضِيهِ الْمحرم كَمَا فِي تَحْرِيم الضَّب بِمَا روى أَحْمد وَغَيره بِرِجَال الصَّحِيح عَن عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ فنزلنا أَرضًا كَثِيرَة الضباب فأصبنا مِنْهَا فذبحنا فَبَيْنَمَا الْقُدُور تغلي بهَا خرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِن أمة من بني إِسْرَائِيل فقدت، وَإِنِّي أَخَاف أَن تكون هِيَ فاكفئوها فكفأناها، وَإِنَّا لجياع، وروى الْجَمَاعَة إِلَّا التِّرْمِذِيّ مَا دلّ على أَنه أكل مِنْهُ فَلم ينْدر عَنهُ وَلم يكن مَعَه معتذرا بِأَنَّهُ يعافه لعدمه بِأَرْض قومه (وَلَا يقدم الْإِثْبَات) لأمر عَارض (على النَّفْي) كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْكَرْخِي وَالشَّافِعِيَّة (إِلَّا أَن كَانَ) النَّفْي لَا يعرف بِالدَّلِيلِ بل (بِالْأَصْلِ) وَهُوَ كَون الأَصْل فِي الْعَوَارِض الْعَدَم والانتفاء فَإِن الْإِثْبَات بِالدَّلِيلِ يقدم عَلَيْهِ (كحرية) مغيث (زوج بَرِيرَة لِأَن عبديته كَانَت مَعْلُومَة فالإخبار بهَا) أَي بعبديته كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة أَن
стр. 844
النَّبِي ﷺ خَيرهَا وَكَانَ زَوجهَا عبدا (بِالْأَصْلِ) أَي بِنَاء على أَن رقبته لم تَتَغَيَّر فَهَذَا نفي لحريته بِنَاء على مَا كَانَت عَلَيْهِ فالإخبار بحريَّته حِين إعْتَاقهَا كَمَا فِي كتب السّير بِنَاء على مَا ثَبت عِنْد المخبرين بِمَا دلّ على حدوثها بعد العبدية إِثْبَات مقدم على النَّفْي الْمَذْكُور (فَإِن) كَانَ النَّفْي (من جنس مَا يعرف بدليله عَارضه) أَي الْإِثْبَات لتساويهما حِينَئِذٍ بِاعْتِبَار مُوجب الْعلم (وَطلب التَّرْجِيح) لأَحَدهمَا بِوَجْه آخر (كالإحرام فِي حَدِيث مَيْمُونَة ﵂ وَهُوَ مَا فِي الْكتب السِّتَّة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ تزوج رَسُول الله ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ محرم، زَاد البُخَارِيّ وَبنى بهَا وَهُوَ حَلَال، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ تزوج نَبِي الله مَيْمُونَة وهما محرمان فَإِنَّهُ (نفي لأمر) عَارض وَهَذَا الْحَد الطَّارِئ (يدل عَلَيْهِ هَيْئَة محسوسة) من التجرد وَرفع الصَّلَوَات وَغَيرهمَا (فساوى رِوَايَة) مُسلم وَابْن مَاجَه عَن يزِيد بن الْأَصَم حَدَّثتنِي مَيْمُونَة أَن النَّبِي ﷺ (تزَوجهَا وَهُوَ حَلَال) قَالَ وَكَانَت خَالَتِي وَخَالَة ابْن عَبَّاس، وَزَاد فِيهِ أَبُو يعلى بعد أَن رَجعْنَا إِلَى مَكَّة، وَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان عَن أبي رَافع " تزوج النَّبِي ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال وَبنى بهَا وَهُوَ حَلَال، وَكنت الرَّسُول بَينهمَا " (وَرجح نفي ابْن عَبَّاس على) إِثْبَات (ابْن الْأَصَم وَأبي رَافع) بِقُوَّة السَّنَد وبضبط الروَاة وفقههم خُصُوصا ابْن عَبَّاس. قَالَ الزُّهْرِيّ: وَمَا يدْرِي ابْن الْأَصَم أَعْرَابِي بوال على سَاقه أنجعله مثل ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ الَّذين رووا أَنه ﷺ تزوج بهَا وَهُوَ محرم أهل علم وَثَبت من أَصْحَاب ابْن عَبَّاس مثل سعيد بن جُبَير وَعَطَاء وَطَاوُس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَجَابِر بن زيد وَهَؤُلَاء كلهم فُقَهَاء، وَالَّذين نقلوا عَنْهُم عَمْرو بن دِينَار وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَعبد الله بن أبي نجيح وَهَؤُلَاء أَئِمَّة يعْتد برأيهم (هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحل اللَّاحِق) للْإِحْرَام (وَأما على إِرَادَة) الْحل (السَّابِق) على الْإِحْرَام (كَمَا فِي بعض الرِّوَايَات) فِي موطأ مَالك عَن سُلَيْمَان بن يسَار قَالَ بعث النَّبِي ﷺ أَبَا رَافع مَوْلَاهُ ورجلا من الْأَنْصَار فزوجاه مَيْمُونَة بنت الْحَارِث وَرَسُول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ قبل أَن يخرج، وَفِي معرفَة الصَّحَابَة للمستغفري قبل أَن يحرم (فَابْن عَبَّاس مُثبت) لِلْأَمْرِ الْعَارِض وَهُوَ الْإِحْرَام (وَيزِيد) بن الْأَصَم (ناف) لَهُ (فيترجح) حَدِيث ابْن عَبَّاس (بِذَات الْمَتْن) أَي متن الحَدِيث لِأَن الْمُثبت فِي حد ذَاته يرجع على النَّافِي لاشْتِمَاله على زِيَادَة الْعلم (وَلَو عَارضه) أَي نفي يزِيد إِثْبَات ابْن عَبَّاس لكَون نَفْيه مِمَّا يعرف بدليله لِأَن حَالَة الْحل أَيْضا تعرف بِالدَّلِيلِ أَيْضا وَهِي هَيْئَة الْحَلَال (فِيمَا قُلْنَا) أَي فيرجح حَدِيث ابْن عَبَّاس بِمَا قُلْنَا من قُوَّة السَّنَد وَفقه الرَّاوِي ومزيد ضَبطه كَذَا ذكر الشَّارِح، وَلَا يخفى
стр. 845
عَلَيْك أَن المُصَنّف لم يقل هَهُنَا هَذِه المرجحات الْمَذْكُورَة اللَّهُمَّ أَن يُقَال قَوْله من جنس مَا يعرف بدليله عَارضه وَطلب التَّرْجِيح يُشِير إِلَى الْمَذْكُورَات وَغَيرهَا إِجْمَالا (وَعرف) من هَذَا (أَن النَّافِي رَاوِي الأَصْل) أَي الْحَالة الْأَصْلِيَّة فالمثبت رَاوِي خِلَافه (فَإِن أمكنا) أَي كَون النَّفْي بِنَاء على الدَّلِيل، وَكَونه بِنَاء على الْعَدَم الْأَصْلِيّ (كبحل الطَّعَام) أَي كالإخبار بِهِ (وطهارة المَاء) فَإِن كلا مِنْهُمَا (نفي يعرف بِالدَّلِيلِ) بِأَن ذبح شَاة وَذكر اسْم الله عَلَيْهَا وَغسل إِنَاء بِمَاء السَّمَاء أَو بِمَاء جَار لَيْسَ لَهُ أثر نَجَاسَة وملأه بِأَحَدِهِمَا وَلم يغب عَنهُ أصلا وَلم يُشَاهد وُقُوع نَجَاسَة فِيهِ (وَالْأَصْل) أَي يعرف بِالْأَصْلِ بِأَن يعْتَمد على أَن الأَصْل فِي المذبوحة الْحل وَلم يعلم ثُبُوت حُرْمَة فِيهَا، وَفِي المَاء الطَّهَارَة وَلم يعلم وُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ (فَلَا يُعَارض) الْإِخْبَار بهما (مَا) أَي الْإِخْبَار (بحرمته) أَي الطَّعَام (ونجاسته) أَي المَاء (وَيعْمل بهما) أَي بِالْحلِّ فِي الطَّعَام وَالطَّهَارَة فِي المَاء (إِن تعذر السُّؤَال) للمخبر عَن مُسْتَنده لِأَن الِاسْتِصْحَاب إِن لم يصلح دَلِيلا يصلح مرجحا فيرجح خبر النَّافِي بِهِ كَذَا ذكره الشَّارِح، وَفِيه أَن اعْتِبَاره مرجحا إِنَّمَا يتم أَن تَسَاويا والتساوي هَهُنَا مَحل نظر إِذْ الْمُثبت يعْتَمد الدَّلِيل قطعا واعتمادنا فِي علية مَشْكُوك الِاحْتِمَال اعْتِمَاده على الأَصْل فَتَأمل. فَالْوَجْه أَن يُفَسر قَوْله بهما بِالْحُرْمَةِ والنجاسة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتَعَذَّر السُّؤَال (سُئِلَ) الْمخبر (عَن مبناه) أَي مبْنى خَبره (فَعمل بِمُقْتَضَاهُ) فَإِن تمسك الْمخبر بِظَاهِر الْحَال، وَالْأَصْل فِي الشَّاة الْحل، وَفِي المَاء الطَّهَارَة، وَلم يعلم مَا ينافيهما فخبر الْحُرْمَة والنجاسة يعْمل بِهِ لكَونه عَن دَلِيل، وَإِن تمسك بِالدَّلِيلِ كَانَ مثل الْإِثْبَات فَيَقَع التَّعَارُض وَيجب الْعَمَل بِالْأَصْلِ (وَمثل الْحَنَفِيَّة تَقْرِير الْأُصُول) لمتعلق المتعارضين إِذا لم يكن بعدهمَا دَلِيل يُصَار إِلَيْهِ (بسؤر الْحمار) أَي الْبَقِيَّة من المَاء الَّذِي شرب مِنْهُ فِي الْإِنَاء (تعَارض فِي حل لَحْمه وحرمته المستلزمتين لطهارته) أَي سؤره (ونجاسته الْآثَار) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر " نهى رَسُول الله ﷺ يَوْم خَيْبَر عَن لُحُوم الْحمر " وَهُوَ يدل على تَحْرِيمهَا وَحُرْمَة الشَّيْء مَعَ صلاحيته للغذاء إِذا لم تكن للكرامة آيَة النَّجَاسَة ونجاسة اللَّحْم تَسْتَلْزِم نَجَاسَة اللعاب لِأَنَّهُ متحلب مِنْهُ وَهُوَ يخالط المَاء فَيكون نجسا، وَفِي سنَن أبي دَاوُد، وَعَن غَالب بن أبجر قَالَ أصابتنا سنة فَلم يكن لي فِي مَالِي إِلَّا شَيْء من حمر، وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ حرم لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة فَأتيت النَّبِي ﷺ فَقلت يَا رَسُول الله أصابتني السّنة وَلم يكن فِي مَالِي مَا أطْعم أَهلِي إِلَّا سمان حمر وَأَنَّك حرمت لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة. فَقَالَ: أطْعم أهلك من سمين حمرك فَإِنَّمَا حرمتهَا من أجل جوَار الْقرْيَة، وَهَذَا يدل على حلهَا وَهُوَ يسْتَلْزم طَهَارَتهَا وطهارة السؤر (فقرر حَدِيث الْمُتَوَضِّئ بِهِ) أَي بسؤره على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل التوضئ (وطهارته) أَي طَهَارَة السؤر على
следующие страницы →