Полный текст (439 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بِدَلِيل قَطْعِيّ أَو مَشْهُور، وتقديمهم خبر الْوَاحِد على الْقيَاس إِذا ثَبت حكم الْمَقِيس عَلَيْهِ بآحاد.
(تَنْبِيه آخر:)
الْقيَاس بعد الأربعمائة مُنْقَطع، فَلَيْسَ لوَاحِد أَن يقيس مَسْأَلَة على مَسْأَلَة. (ر: رد الْمُحْتَار، من الْإِمَامَة) ، وَعَلِيهِ فَلَا يكون هُنَاكَ فَائِدَة لوضعهم هَذِه الْقَاعِدَة فِي الْمجلة، إِذْ الْقيَاس غير سَائِغ الْآن مُطلقًا، لَا فِيمَا ثَبت على الْقيَاس وَلَا فِيمَا ثَبت على خِلَافه.
اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون تصديرهم الْمجلة بِهَذِهِ الْقَوَاعِد بِمَثَابَة بَيَان الْأُصُول الَّتِي استنبطت مِنْهَا الْموَاد المفرعة فِيهَا.
стр. 107
((صفحة فارغة))
стр. 108
(الْقَاعِدَة الْخَامِسَة عشرَة (الْمَادَّة / ١٦))
(" الِاجْتِهَاد لَا ينْقض بِمثلِهِ ")
(أَولا _ الشَّرْح)
الِاجْتِهَاد لَا ينْقض بِمثلِهِ إِجْمَاعًا أَي فِي الْمسَائِل الَّتِي يسوغ فِيهَا الِاجْتِهَاد، لِأَنَّهُ لَو نقض الأول بِالثَّانِي لجَاز أَن ينْقض الثَّانِي بثالث، لِأَنَّهُ مَا من اجْتِهَاد إِلَّا وَيجوز أَن يتَغَيَّر، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى عدم الِاسْتِقْرَار.
وَهَذَا فِي حق الْمَاضِي، فَلَو كَانَ قضى قَاض فِي حَادِثَة بِاجْتِهَادِهِ ثمَّ تبدل اجْتِهَاده فَرفع إِلَيْهِ نظيرها فَقضى فِيهَا بِاجْتِهَادِهِ الثَّانِي لَا ينْقض الأول، كَمَا فِي الْأَشْبَاه والنظائر، لقَوْل عمر، ﵁، حِين قضى فِي حَادِثَة بِخِلَاف مَا قضى فِي نظيرها قبلا: تِلْكَ على مَا قضينا وَهَذِه على مَا نقضي. (ر: شرح السِّرَاجِيَّة للسَّيِّد) .
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ بَين قاضيين، بِأَن قضى شَافِعِيّ مثلا فِي حَادِثَة مُجْتَهد فِيهَا بمذهبه، ثمَّ رفعت لآخر حَنَفِيّ مثلا يرى فِيهَا غير ذَلِك لَا يجوز لَهُ نقض قَضَاء الأول، بل يجب عَلَيْهِ تنفيذه وَيحكم فِي غَيرهَا بِمَا يرَاهُ.
وَهَذَا، أَي عدم جَوَاز مُخَالفَة قَضَاء القَاضِي السَّابِق، فِيمَا هُوَ مَحل النزاع الَّذِي ورد عَلَيْهِ الْقَضَاء، أما فِيمَا هُوَ من توابعه فَلَا يتَقَيَّد بِمذهب الأول، فَلَو قضى شَافِعِيّ بِالْبيعِ فِي عقار فللقاضي الْحَنَفِيّ أَن يقْضِي فِيهِ بِالشُّفْعَة للْجَار، وَإِن كَانَ القَاضِي الأول لَا يَرَاهَا. وَكَذَلِكَ لَو حكم قاضٍ بِصِحَّة الْوَقْف لَا يكون حكما بِالشُّرُوطِ، فَلَو وَقع التَّنَازُع فِي شَيْء من الشُّرُوط عِنْد من يُخَالف فِيهَا، فَلهُ أَن يحكم فِيهَا بمذهبه، لِأَن ذَلِك لَيْسَ مَحل النزاع لَدَى القَاضِي
стр. 109
الأول، كَمَا لَو حكم بِالْوَقْفِ ثمَّ وَقع التَّنَازُع فِي رُجُوع الشَّرْط الْمُتَأَخر للجملة الْمُتَقَدّمَة مثلا كَمَا هُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة، أَو للأخيرة كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، فَإِنَّهُ يقْضِي القَاضِي الْحَنَفِيّ بمذهبه. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر لِابْنِ نجيم) .
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ مقلد الْمُجْتَهد فِي عمل فاستفتي فَأفْتى فِيهَا بِمذهب مُجْتَهد آخر يُخَالف اجْتِهَاد الْمُجْتَهد الأول، لَا ينْقض عمله السَّابِق.
أما فِي حق الْمُسْتَقْبل فَلَا يتَقَيَّد بِاجْتِهَادِهِ واستفتائه السَّابِق أصلا. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الطَّلَاق، من بَاب تَعْلِيق الطَّلَاق) .
(تَنْبِيه:)
مَا ذكر هُوَ فِي القَاضِي الْمُجْتَهد، أما الْمُقَلّد الَّذِي تقلد الْقَضَاء مُقَيّدا بِمذهب معِين، فَإِنَّهُ يتَقَيَّد بِهِ، فَلَو حكم بِخِلَافِهِ ينْقض وَإِن وَافق أصلا مُجْتَهدا فِيهِ. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الْقَضَاء، من فصل الْحَبْس) .
وَلذَا لَو أَخطَأ فِي تطبيق الْحَادِثَة على الحكم الشَّرْعِيّ، ثمَّ ظهر أَن النَّقْل الشَّرْعِيّ بِخِلَافِهِ فَإِن حكمه ينْقض. (ر: الْمَادَّة / ١٨٣٨ / من الْمجلة) .
(تَنْبِيه آخر:)
القَاضِي إِذا قضى بالجور ثمَّ ظهر الْحق، فَإِن كَانَ قضى خطأ فإمَّا أَن يكون التَّدَارُك مُمكنا أَولا، فَإِن أمكن، كَمَا إِذا قضى بِمَال أَو طَلَاق ثمَّ ظهر أَن الشُّهُود محدودون فِي قذف مثلا، بَطل الْقَضَاء وعادت الْمَرْأَة إِلَى زَوجهَا ورد المَال إِلَى من أَخذ مِنْهُ. وَإِن لم يُمكن التَّدَارُك كَالْقصاصِ إِذا نفذ لَا يقتل الْمقْضِي لَهُ بل تجب الدِّيَة فِي مَاله.
هَذَا إِذا ظهر خَطؤُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَو بِإِقْرَار الْمقْضِي لَهُ، فَلَو بِإِقْرَار القَاضِي لَا يظْهر فِي حق الْمقْضِي لَهُ حَتَّى لَا يبطل الْقَضَاء فِي حَقه.
كل ذَلِك فِي حق العَبْد، أما فِي حق الْمولى ، كَحَد الزِّنَى وَالسَّرِقَة وَالشرب، إِذا نفذ ثمَّ ظهر خَطؤُهُ فَالضَّمَان فِي بَيت المَال.
وَإِن كَانَ قضى بالجور عمدا وَأقر بِهِ، فَالضَّمَان فِي مَاله فِي الْوُجُوه كلهَا، ويعذر ويعزل عَن الْقَضَاء. (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الْقَضَاء، من فصل الْحَبْس) .
стр. 110
(الْقَاعِدَة السَّادِسَة عشرَة (الْمَادَّة / ١٧))
(" الْمَشَقَّة تجلب التَّيْسِير)
(أَولا _ الشَّرْح)
الْمَشَقَّة تجلب التَّيْسِير لِأَن الْحَرج مَدْفُوع بِالنَّصِّ، وَلَكِن جلبها التَّيْسِير مَشْرُوط بِعَدَمِ مصادمتها نصا، فَإِذا صادمت نصا روعي دونهَا. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر لِابْنِ نجيم) .
المُرَاد بالمشقة الجالبة للتيسير: الْمَشَقَّة الَّتِي تنفك عَنْهَا التكليفات الشَّرْعِيَّة. أما الْمَشَقَّة الَّتِي لَا تنفك عَنْهَا التكليفات الشَّرْعِيَّة كمشقة الْجِهَاد وألم الْحُدُود ورجم الزناة وَقتل الْبُغَاة والمفسدين والجناة، فَلَا أثر لَهَا فِي جلب تيسير وَلَا تَخْفيف.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
الْمَشَقَّة الَّتِي تجلب التَّيْسِير تحتهَا سَبْعَة أَنْوَاع: أَولهَا _ السّفر، وتيسيراته كَثِيرَة، مِنْهَا: (أ) جَوَاز تحميل الشَّهَادَة للْغَيْر فِي غير حد وقود.
(ب) وَمِنْهَا: جَوَاز بيع الْإِنْسَان مَال رَفِيقه وَحفظ ثمنه لوَرثَته بِدُونِ ولَايَة وَلَا وصاية إِذا مَاتَ فِي السّفر وَلَا قَاضِي ثمَّة.
(ج) وَمِنْهَا: جَوَاز فسخ الْإِجَارَة بِعُذْر السّفر.
стр. 111
(د) وَمِنْهَا: جَوَاز تَزْوِيج الْوَلِيّ الْأَبْعَد للصغيرة عِنْد عدم انْتِظَار الْكُفْء الْخَاطِب استطلاع رَأْي الْوَلِيّ الْأَقْرَب الْمُسَافِر.
(هـ) وَمِنْهَا: جَوَاز إِنْفَاق الْمضَارب على نَفسه فِي السّفر من مَال الْمُضَاربَة.
(و) وَمِنْهَا: جَوَاز كِتَابَة القَاضِي إِلَى القَاضِي فِي بلد الْمُدعى عَلَيْهِ بِشَهَادَة شُهُود الْمُدَّعِي عِنْده.
ثَانِيهَا _ الْمَرَض. وتيسيراته كَذَلِك كَثِيرَة مِنْهَا: (أ) جَوَاز تحميل الشَّهَادَة، كَمَا مر قَرِيبا.
(ب) وَتَأْخِير إِقَامَة الْحَد على الْمَرِيض غير حد الرَّجْم إِلَى أَن يبرأ.
(ج) وَمِنْهَا: عدم صِحَة الْخلْوَة مَعَ قيام الْمَرَض الْمَانِع من الْوَطْء، سَوَاء كَانَ فِي الزَّوْج أَو فِي الزَّوْجَة.
ثَالِثهَا _ الْإِكْرَاه. وَهُوَ: التهديد مِمَّن هُوَ قَادر على الْإِيقَاع بضربٍ مبرح أَو بِإِتْلَاف نفس أَو عضوٍ أَو بِحَبْس أَو قيد مديدين مُطلقًا، أَو بِمَا هُوَ دون ذَلِك لذِي جاه، وَيُسمى إِكْرَاها ملجئاً، وَبِمَا يُوجب غماً يعْدم الرِّضَا، وَهُوَ مَا كَانَ بِغَيْر ذَلِك، وَيُسمى غير ملجئ.
وَهُوَ بقسميه إِمَّا أَن يكون فِي الْعُقُود أَو فِي الإسقاطات أَو فِي المنهيات. والعقود والإسقاطات إِمَّا أَن تُؤثر فيهمَا الْهزْل أَو لَا. والمنهيات إِمَّا أَن تكون مِمَّا يُبَاح عِنْد الضَّرُورَة أَو لَا. وَمَا لَا يُبَاح عِنْد الضَّرُورَة إِمَّا أَن يكون جِنَايَة على الْغَيْر كَقَتل محقون الدَّم أَو قطع عُضْو مُحْتَرم، أَو لَا يكون جِنَايَة على الْغَيْر كالردة.
(أ) أما الْعُقُود والإسقاطات الَّتِي يُؤثر فِيهَا الْهزْل، كَالْبيع وَالْإِجَارَة وَالرَّهْن وَالْهِبَة وَالْإِقْرَار وَالْإِبْرَاء، إِذا أكره عَلَيْهَا بملجئ أَو بِغَيْر ملجئ ففعلها ثمَّ زَالَ الْإِكْرَاه، فَلهُ الْخِيَار، إِن شَاءَ فسخ وَإِن شَاءَ أمضى.
(ب) وَأما الْعُقُود والإسقاطات الَّتِي لَا يُؤثر فِيهَا الْهزْل، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاق وَالْعَفو عَن دم الْعمد، فَلَا تَأْثِير للإكراه فِيهَا، فَلَا خِيَار للمكره بعد زَوَال الْإِكْرَاه، بل هِيَ مَاضِيَة على الصِّحَّة، وَلَكِن لَهُ أَن يرجع على الْمُكْره لَهُ على
стр. 112
الطَّلَاق غير الزَّوْجَة فَلَو كَانَت هِيَ المكرهة سقط الْمهْر على الزَّوْج.
(ج) وَأما المنهيات الَّتِي تُبَاح عِنْد الضَّرُورَة، كإتلاف مَال الْغَيْر وَشرب الْمُسكر، فَإِنَّهَا تحل بل تجب بالملجئ لَا بِغَيْر الملجئ، وَضَمان المَال الْمُتْلف على الْمُكْره.
(د) وَأما المنهيات الَّتِي لَا تُبَاح عِنْد الضَّرُورَة وَهِي جِنَايَة على الْغَيْر كَمَا تقدم فَإِنَّهَا لَا تحل وَلَا بالملجئ، وَلَو فعل فموجبها وَهُوَ الْقصاص على الْمُكْره (بِالْكَسْرِ) .
(هـ) وَمَا لَا جِنَايَة فِيهِ على الْغَيْر وَلَيْسَ فِي معنى الْجِنَايَة، وَهُوَ الرِّدَّة، فَإِنَّهُ يرخص لَهُ أَن يجْرِي كلمتها على لِسَانه وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان، ويوري وجوبا إِن خطر بِبَالِهِ التورية، فَإِن لم يور يكفر وَتبين زَوجته. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من كتاب الْإِكْرَاه) .
رَابِعهَا _ النسْيَان. وَهُوَ: عدم تذكر الشَّيْء عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ. وَاتفقَ الْعلمَاء على أَنه مسْقط للعقاب.
وَمن تيسيراته: (أ) أَنه إِذا وَقع فِيمَا يُوجب عُقُوبَة كَانَ شُبْهَة فِي إِسْقَاطهَا.
(ب) وَمِنْهَا: مَا لَو نسي الْمَدْيُون الدّين حَتَّى مَاتَ، وَالدّين ثمن مَبِيع أَو قرض، لم يُؤْخَذ بِهِ، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ غصبا. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر لِابْنِ نجيم) .
(تَنْبِيه:)
لَا تَأْثِير للنسيان على الْحِنْث فِي التَّعْلِيق، فَلَو علق على فعل شَيْء ثمَّ فعله نَاسِيا التَّعْلِيق فَإِنَّهُ يَقع. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر لِابْنِ نجيم، والدر الْمُخْتَار وَغَيرهمَا، من بحث تَعْلِيق الطَّلَاق) .
خَامِسهَا _ الْجَهْل. وَهُوَ: عدم الْعلم مِمَّن شَأْنه أَن يعلم. وَهُوَ قد يجلب التَّيْسِير.
стр. 113
وَمن تيسيراته: (أ) مَا لَو جهل الشَّفِيع بِالْبيعِ فَإِنَّهُ يعْذر فِي تَأْخِير طلب الشُّفْعَة.
(ب) وَمِنْهَا: مَا لَو جهل الْوَكِيل أَو القَاضِي بِالْعَزْلِ أَو الْمَحْجُور بِالْحجرِ، فَإِن تصرفهم صَحِيح إِلَى أَن يعلمُوا بذلك.
(ج) وَمِنْهَا: مَا لَو بَاعَ الْأَب أَو الْوَصِيّ مَال الْيَتِيم ثمَّ ادّعى أَن البيع وَقع بِغَبن فَاحش وَقَالَ: لم أعلم، تقبل دَعْوَاهُ.
(د) وَمِنْهَا: مَا لَو جهلت الزَّوْجَة الْكَبِيرَة أَن إرضاعها لضرتها الصَّغِيرَة مُفسد للنِّكَاح لَا تضمن الْمهْر.
(هـ) وَمِنْهَا: الْوَكِيل بِقَضَاء الدّين إِذا قَضَاهُ بَعْدَمَا وهب الدَّائِن الدّين من الْمَدْيُون جَاهِلا بِالْهبةِ لَا يضمن.
(و) وَمِنْهَا: مَا لَو أجَاز الْوَرَثَة الْوَصِيَّة وَلم يعلمُوا مَا أوصى بِهِ الْمَيِّت لَا تصح إجازتهم.
(ز) وَمن الْمسَائِل الَّتِي يعْذر فِيهَا بِالْجَهْلِ أَيْضا: مَا لَو كَانَ فِي الْمَبِيع مَا يشْتَبه على النَّاس كَونه عَيْبا وَاشْتَرَاهُ المُشْتَرِي عَالما بِهِ وَلم يعلم أَنه عيب ثمَّ علم أَنه عيب، فَإِنَّهُ لَهُ رده وَلَا يعد اطِّلَاعه عَلَيْهِ حِين الشِّرَاء رضَا بِالْعَيْبِ. (ر: رد الْمُحْتَار، فِي خِيَار الْعَيْب، عَن الْفَتَاوَى الْخَانِية عِنْد قَول الشَّارِح: وَكَذَا كل مُفِيد رضَا بعد الْعلم بِالْعَيْبِ يمْنَع الرَّد) .
(ح) وَمِنْهَا: الْعَفو عَن التَّنَاقُض فِي الدَّعْوَى فِيمَا كَانَ سَببه خفِيا كالتناقض فِي النّسَب وَالطَّلَاق، كَمَا لَو ادّعى أحد على آخر أَنه أَبوهُ فَقَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ إِنَّه لَيْسَ ابْني، ثمَّ قَالَ: هُوَ ابْني، يثبت النّسَب، لِأَن سَبَب الْبُنُوَّة الْعلُوق مِنْهُ، وَهُوَ خَفِي.
(ط) وكما لَو اخْتلعت الْمَرْأَة من زَوجهَا على بدل ثمَّ ادَّعَت أَنه كَانَ طَلقهَا ثَلَاثًا قبل الْخلْع وبرهنت، فَإِنَّهَا تسترد الْبَدَل وَيغْتَفر تناقضها الْوَاقِع فِي إقدامها على الاختلاع ثمَّ دَعْوَاهَا الطَّلَاق، لِأَن الطَّلَاق فعل الْغَيْر فَإِن الزَّوْج
стр. 114
يستبد بِهِ بِدُونِ علمهَا، فَكَانَت معذورة. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من بحث التَّنَاقُض فِي الدَّعْوَى فِي آخر بحث الِاسْتِحْقَاق) .
(ي) وَمِنْهَا: أَن من أسلم فِي دَار الْحَرْب وَلم تبلغه أَحْكَام الشَّرِيعَة، فَتَنَاول الْمُحرمَات جَاهِلا حرمتهَا فَهُوَ مَعْذُور. (ر: رد الْمُحْتَار، أَوَائِل بَاب اسْتِيلَاء الْكفَّار، من كتاب الْجِهَاد) .
وَقد ذكر الشَّيْخ مَحْمُود حَمْزَة مفتي دمشق فِي رسَالَته الْمُسَمَّاة " التَّعَارُض فِي التَّنَاقُض " المطبوعة بِدِمَشْق سنة ١٣٠٣ هـ مسَائِل كَثِيرَة من محلات الخفاء الَّتِي يُعْفَى عَن التَّنَاقُض فِيهَا فانظرها.
سادسها _ الْعسر وَعُمُوم الْبلوى. وَله تيسيرات مِنْهَا: (أ) تَجْوِيز بيع الْوَفَاء والمزارعة وَالْمُسَاقَاة وَالسّلم وَالْإِجَارَة، وَلِهَذَا لَا تجوز إِجَارَة الْعين بِمَنْفَعَة عين مثلهَا، وَلَا عقد الْإِجَارَة على مَنْفَعَة غير مَقْصُودَة، لعدم تحقق الْعسر والبلوى.
(ب) وَمِنْهَا: إِبَاحَة نظر الطَّبِيب وَالشَّاهِد والخاطب، للأجنبية.
(ج) والتيسير على الْمُجْتَهدين بالاكتفاء مِنْهُم بِغَلَبَة الظَّن.
(د) وَالْعَفو عَمَّا يدْخل بَين الوزنين فِي الربويات.
سابعها _ النَّقْص، وَفِيه نوع من الْمَشَقَّة يتسبب عَنْهَا التَّخْفِيف، وَذَلِكَ كالصغر، وَالْجُنُون، وَالْأُنُوثَة.
فالأولان يجلبان التَّخْفِيف عَن الصَّغِير وَالْمَجْنُون لعدم تكليفهما أصلا فِيمَا يرجع إِلَى غير خطاب الْوَضع الْآتِي بَيَانه فَإِنَّهُ موجه إِلَيْهِمَا.
وَأما التَّخْفِيف بِسَبَب الْأُنُوثَة فَمِنْهُ عدم تَكْلِيف النِّسَاء بِكَثِير مِمَّا كلف بِهِ الرجل، كالجهاد والجزية وَتحمل الدِّيَة إِذا كَانَ الْقَاتِل غَيرهَا.
(تَنْبِيه:)
خطاب الْوَضع هُوَ خطاب الله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِكَوْن الشَّيْء سَببا أَو شرطا: فَالْأول: كوجوب الْعشْر وَالْخَرَاج فِيمَا خرج من أَرض الصَّغِير وَالْمَجْنُون،
стр. 115
وَوُجُوب نَفَقَة الزَّوْجِيَّة والأقارب وَضَمان الْمُتْلفَات فِي مَالهمَا، إِلَّا مَا قبضاه قرضا أَو وَدِيعَة أَو عَارِية أَو عينا اشترياها وتسلماها بِدُونِ إِذن وليهما، فَإِنَّهُمَا لَا تلزمهما فِي الْجَمِيع لِأَنَّهُ مسلط عَلَيْهَا بِإِذن الْمَالِك. وكالدية فِي الْقَتْل، وكإقامة التعازير.
وَالثَّانِي: هُوَ خطاب الله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِكَوْن الشَّيْء شرطا كَمَا إِذا عقد الصَّغِير مَعَ مثله عقدا فاقداً لشرط الصِّحَّة فَإِنَّهُ يعْتَبر فَاسِدا، وَيجب على الْحَاكِم فَسخه عَلَيْهِمَا إِن لم يفسخاه.
وإننا مهما أشبعنا الْكَلَام على هَذِه الْقَاعِدَة لَا نوفها حَقّهَا، إِذْ هِيَ من أُمَّهَات الْقَوَاعِد الْخمس الَّتِي يَدُور عَلَيْهَا مُعظم أَحْكَام الْفِقْه. وَقد نظمها بعض الشَّافِعِيَّة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ونفعنا بهم فَقَالَ:
(خمس مقررة قَوَاعِد مَذْهَب ... للشَّافِعِيّ فَكُن بِهن خَبِيرا)
(ضَرَر يزَال، وَعَادَة قد حكمت، ... وَكَذَا الْمَشَقَّة تجلب التيسيرا)
(وَالشَّكّ لَا ترفع بِهِ متيقناً، ... وَالنِّيَّة أخْلص إِن أردْت أجورا)
стр. 116
(الْقَاعِدَة السَّابِعَة عشرَة (الْمَادَّة / ١٨))
(" إِذا ضَاقَ الْأَمر اتَّسَع ")
(أَولا _ الشَّرْح)
هَذَا فِي معنى الْمَادَّة / ٢١ /: الضرورات تبيح الْمَحْظُورَات، وَتَمام الْقَاعِدَة الْفِقْهِيَّة، كَمَا فِي " مرْآة الْمجلة ": " وَإِذا اتَّسع ضَاقَ ". وَكَانَ فِي معنى الشق الثَّانِي مِنْهَا أَنه إِذا دعت الضَّرُورَة وَالْمَشَقَّة إِلَى اتساع الْأَمر فَإِنَّهُ يَتَّسِع إِلَى غَايَة اندفاع الضَّرُورَة وَالْمَشَقَّة، فَإِذا اندفعت وزالت الضَّرُورَة الداعية عَاد الْأَمر إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل نُزُوله.
وَيقرب مِنْهُ الْمَادَّة / ٢٢ /: الضَّرُورَة تقدر بِقَدرِهَا.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
هَذِه الْقَاعِدَة من جزئيات الْقَاعِدَة السَّابِقَة، يجْتَمع تحتهَا من مسائلها كل مَا كَانَ التَّيْسِير فِيهِ موقتاً.
وَمن جملَة مَا تفرع عَلَيْهَا غير مَا تقدم: (أ) جَوَاز دفع السَّارِق والباغي مَا أمكن إِلَى أَن ينْدَفع شَره وَلَو بِالْقَتْلِ، وَلذَا قَالَ سيدنَا عَليّ، كرم الله وَجهه: لَا تتبعوا موليا، وَلَا تجهزوا على جريح. لِأَن الْقَصْد من الْقِتَال كَانَ دفع الضَّرَر، وَقد حصل بهربه أَو جرحه فَلَا يجوز الزِّيَادَة عَلَيْهِ، لِأَن مَا جَازَ لعذر امْتنع بزواله. (ر: الْمَادَّة / ٢٣ / من الْمجلة) .
(ب) وَمِنْه: وجوب إنظار الْمُعسر إِلَى الميسرة.
стр. 117
(ج) وَجَوَاز طعن الْمُزَكي فِي الشُّهُود، وَطعن الْمُحدث فِي الروَاة.
(د) وَجَوَاز قبُول شَهَادَة الأمثل فالأمثل عِنْد فقد الْعَدَالَة أَو ندرتها. (ر: معِين الْحُكَّام، بَاب الْقَضَاء بِشَهَادَة غير الْعُدُول للضَّرُورَة) .
(هـ) وَمِنْه: عدم وجوب الْخُرُوج على الإِمَام الجائر إِذا كَانَ متغلباً وَفِي الْخُرُوج عَلَيْهِ مفْسدَة.
стр. 118
(الْقَاعِدَة الثَّامِنَة عشرَة (الْمَادَّة / ١٩))
(" لَا ضَرَر وَلَا ضرار ")
(أَولا _ الشَّرْح)
أَي لَا فعل ضَرَر وَلَا ضرار بِأحد فِي ديننَا، أَي لَا يجوز شرعا لأحد أَن يلْحق بآخر ضَرَرا وَلَا ضِرَارًا، وَقد سيق ذَلِك بأسلوب نفي الْجِنْس ليَكُون أبلغ فِي النَّهْي والزجر.
هَذِه الْقَاعِدَة لفظ حَدِيث شرِيف حسن، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَغَيرهمَا عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَابْن عَبَّاس وَعبادَة بن الصَّامِت رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم مُسْندًا، وَمَالك فِي الْمُوَطَّأ مُرْسلا.
والضرار (بِكَسْر الصَّاد) من ضره وضاره بِمَعْنى، وَهُوَ خلاف النَّفْع، كَذَا قَالَه الْجَوْهَرِي. فَيكون الثَّانِي على هَذَا تَأْكِيدًا للْأولِ، لَكِن الْمَشْهُور أَن بَينهمَا فرقا فَحمل اللَّفْظ على التأسيس أولى من التَّأْكِيد. وَاخْتلف فِي الْفرق على أَقْوَال ذكرهَا ابْن حجر الهيتمي فِي شرح الْأَرْبَعين النووية، أحْسنهَا: أَن معنى الأول إِلْحَاق مفْسدَة بِالْغَيْر مُطلقًا، وَمعنى الثَّانِي إِلْحَاق مفْسدَة بِالْغَيْر على وَجه الْمُقَابلَة لَهُ، لَكِن من غير تَقْيِيد بِقَيْد الاعتداء بِالْمثلِ والانتصار للحق. وَهَذَا أليق بِلَفْظ الضرار، إِذْ الفعال مصدر قياسي لفاعل الَّذِي يدل على الْمُشَاركَة.
الْقَاعِدَة مُقَيّدَة إِجْمَاعًا بِغَيْر مَا أذن بِهِ الشَّرْع من الضَّرَر، كَالْقصاصِ وَالْحُدُود وَسَائِر الْعُقُوبَات والتعازير، لِأَن دَرْء الْمَفَاسِد مقدم على جلب الْمصَالح، على أَنَّهَا لم تشرع فِي الْحَقِيقَة إِلَّا لدفع الضَّرَر أَيْضا.
стр. 119
ذكرت الْمجلة ثَلَاث قَوَاعِد بشأن الضَّرَر هِيَ أصُول بِالنِّسْبَةِ لغَيْرهَا: (الأولى) للنَّهْي عَن إِيقَاعه وَهِي هَذِه و (الثَّانِيَة) لوُجُوب إِزَالَته إِذا وَقع، وَهِي الْقَاعِدَة الَّتِي تَلِيهَا و (الثَّالِثَة) لبَيَان أَن إِزَالَته إِذا لم تمكن تَمامًا فبقدر مَا يُمكن، وَهِي الْقَاعِدَة الْحَادِيَة وَالثَّلَاثُونَ. وَمَا عداهن مِمَّا ذكر بشأن الضَّرَر، كالقاعدة السَّابِعَة، وَالْخَامِسَة وَالْعِشْرين، وَمَا بعْدهَا إِلَى نِهَايَة الثَّلَاثِينَ، فَلَيْسَتْ أصولاً، بل هِيَ مَا بَين تَقْيِيد لغَيْرهَا، كالسابعة فَإِنَّهَا قيد لما قبلهَا وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا، أَو تَكْمِيل لهَذِهِ الثَّلَاثَة الْأُصُول. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا كلهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة كثير من أَبْوَاب الْفِقْه مِمَّا كَانَت مشروعيته توقياً من وُقُوع الضَّرَر. فَمن ذَلِك: (أ) اتِّخَاذ السجون، ثمَّ جعلهَا على صُورَة مضجرة لَا يُمكن فِيهَا المسجون من بسط فرَاش وَلَا غطاء، وَلَا من التكسب، وَلَا يُمكن أحد من الدُّخُول عَلَيْهِ للاستئناس، وَهُوَ وَإِن كَانَ أسلم الْعُقُوبَات فَهُوَ من الْعُقُوبَات الْعَظِيمَة ومقرون بِالْعَذَابِ الْأَلِيم فِي قَوْله فِي سُورَة يُوسُف: ﴿إِلَّا أَن يسجن أَو عَذَاب أَلِيم﴾ . فَإِن من يعلم من الدعار وَأهل الْفساد أَن مثل هَذَا السجْن وَاقِف لَهُ بالمرصاد يرتدع ويكف أَذَاهُ عَن النَّاس.
على أَن مَنْفَعَة السجْن لَيست مَقْصُورَة على ردع الدعار، بل هُنَاكَ أَيْضا مَنْفَعَة أُخْرَى وَهِي وقاية المجرم من إِضْرَار الْحَاكِم بِهِ إِذا عاقبه فِي وَقت غَضَبه من جرمه، فَإِن الْحَاكِم مَمْنُوع شرعا من معاقبة المجرم وَقت غَضَبه مِنْهُ لِئَلَّا يُجَاوز فِي عُقُوبَته الْحَد الْكَافِي لزجره، بل يرفعهُ إِلَى الْحَبْس ريثما يسكن غَضَبه فيعاقبه حِينَئِذٍ بِمَا يسْتَحقّهُ.
(ب) وَمن ذَلِك بعض الخيارات، كَخِيَار الرُّؤْيَة وَخيَار الشَّرْط، فَإِن الأول شرع لدفع الضَّرَر عَن المُشْتَرِي بِدُخُول مَا لَا يلائمه فِي ملكه. وَالثَّانِي شرع للْحَاجة إِلَى التروي لِئَلَّا يَقع فِي ضَرَر الْغبن.
стр. 120
(ج) وَمن ذَلِك أَنْوَاع الْحجر، فَإِنَّهَا شرعت توقياً من وُقُوع الضَّرَر الْعَائِد تَارَة لذات الْمَحْجُور وَتارَة لغيره، فَإِن من وَجب حجره إِذا ترك بِدُونِ حجر قد يضر بِنَفسِهِ وَقد يضر بِغَيْرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهر.
(د) وَمِنْهَا: الشُّفْعَة، فَإِنَّهَا شرعت توقياً من ضَرَر جَار السوء.
(هـ) وَمِنْهَا: جبر الشَّرِيك على الْعِمَارَة إِذا أَبَاهَا فِي ثَلَاثَة محلات وَهِي: (١) مَا إِذا كَانَ وَصِيّ يَتِيم، (٢) أَو مُتَوَلِّي وقف، (٣) وَعند ضَرُورَة تعذر الْقِسْمَة. فَإِنَّهُ شرع توقياً من تضرر الصَّغِير وَالْوَقْف وَالشَّرِيك من تداعي الْعقار للخراب.
(و) وَمِنْهَا: مَا لَو بَاعَ لآخر مَا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد وَغَابَ المُشْتَرِي قبل قَبضه وَقبل نقد الثّمن فَأَبْطَأَ، فَللْبَائِع بَيْعه لغيره توقياً من تضرره بفساده، وَلَا يرجع على المُشْتَرِي بِشَيْء لَو نقص الثّمن الثَّانِي عَن الأول (ر: رد الْمُحْتَار، من كتاب الْبيُوع، متفرقات) .
(ز) وَمِنْهَا: حبس الْمُوسر إِذا امْتنع عَن الْإِنْفَاق على أَوْلَاده أَو قَرِيبه الْمحرم وَجَوَاز ضربه فِي الْحَبْس إِذا أصر على الِامْتِنَاع، توقياً من وُقُوع الضَّرَر بأولاده أَو قَرِيبه الْفُقَرَاء ببقائهم بِلَا نَفَقَة. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر لِابْنِ نجيم، بَاب الْقَضَاء) .
(ح) وَمِنْهَا: مَا لَو أعَار أَرضًا للزِّرَاعَة أَو آجرها لَهَا فزرعها الْمُسْتَعِير أَو الْمُسْتَأْجر، ثمَّ رَجَعَ الْمُعير أَو انْتَهَت مُدَّة الْإِجَارَة قبل أَن يستحصد الزَّرْع، فَإِنَّهَا تتْرك فِي يَد الْمُسْتَعِير أَو الْمُسْتَأْجر بِأَجْر الْمثل إِلَى أَن يستحصد الزَّرْع (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الْعَارِية) . وَذَلِكَ توقياً من تضرره بقلع الزَّرْع وَهُوَ بقل.
(ط) وَمِنْهَا: مَا لَو حدث للظئر أثْنَاء مُدَّة الْإِجَارَة عذر يسوغ لَهَا فسخ الْإِجَارَة، وَكَانَ الصَّغِير لم يعد يَأْخُذ ثدي غَيرهَا وَلم يسْتَغْن بِالطَّعَامِ، فَإِنَّهَا تمنع من فَسخهَا، توقياً من حُصُول ضَرَر للصَّغِير (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من كتاب الْإِجَارَة، الْإِجَارَة الْفَاسِدَة، عَن الْفَتَاوَى التَّتارْخَانِيَّة) .
стр. 121
(ي) وَمِنْهَا: مَا صرح بِهِ فِي كثير من الْكتب، من أَنه لَو انْتَهَت مُدَّة إِجَارَة الظِّئْر، وَالصَّغِير لَا يَأْخُذ ثدي غَيرهَا وَلم يسْتَغْن بِالطَّعَامِ، فَإِنَّهَا تجبر على إرضاعه بِأَجْر الْمثل توقياً من تضرر الصَّغِير.
(ك) وَمِنْهَا: مَشْرُوعِيَّة الْخِيَار للْبَائِع فِي فسخ البيع إِذا كَانَ يتَضَرَّر فِي غير مَا بَاعه، كَمَا لَو بَاعَ جذعاً مثلا من سقف، أَو بَاعَ حِصَّة شائعة من زرع مَمْلُوك لَهُ غير مستحصد فَإِن لَهُ الْخِيَار فِي فسخ البيع فِي الأولى، لِأَنَّهُ بقلع الْجذع يتَضَرَّر فِي غير مَا بَاعه وَهُوَ بَقِيَّة السّقف، وَكَذَلِكَ لَهُ الْخِيَار فِي الثَّانِيَة إِذا طَالبه المُشْتَرِي بِالْقِسْمَةِ قبل استحصاد الزَّرْع توقياً من تضرره فِيمَا لم يَبِعْهُ وَهُوَ بَقِيَّة الزَّرْع، إِذْ لَا تمكن الْقِسْمَة إِلَّا بعد قلع الْكل (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من أَوَائِل كتاب الشّركَة، وَمن البيع الْفَاسِد) .
(ل) وَمِنْهَا جَوَاز كسر الدَّرَاهِم النبهرجة، أَي المصنوعة من غير الْفضة، إِذا دَفعهَا لأحد عَمَّا عَلَيْهِ أَو دَفعهَا لَهُ لينْظر إِلَيْهَا فَكَسرهَا الْآخِذ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، بل قَالُوا: نعم مَا صنع لِأَن فِي بَقَائِهَا ضَرَرا على الْعَوام، إِذْ قد تقع تِلْكَ الدَّرَاهِم فِي أَيدي من يُدَلس بهَا عَلَيْهِم (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من آخر كتاب الْبيُوع، متفرقات) .
(م) وَمِنْهَا: مَا لَو ثَبت الْحق على الْمُدعى عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ وبإقراره وَقضي عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يعْتَبر قَضَاء بِالْإِقْرَارِ لِأَنَّهُ أقوى لَكِن إِذا كَانَ فِي اعْتِبَاره قَضَاء بِالْبَيِّنَةِ تحرز عَن إِيقَاع ضَرَر بالمدعى عَلَيْهِ، فحينئذٍ يعْتَبر الْقَضَاء مُسْتَندا إِلَى الْبَيِّنَة، وَذَلِكَ كَمَا إِذا اسْتحق الْمَبِيع من يَد المُشْتَرِي بِإِقْرَارِهِ وبالبينة وَقضي عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يعْتَبر الْقَضَاء مُسْتَندا إِلَى الْبَيِّنَة لَا إِلَى الْإِقْرَار، إِذْ فِي اعْتِبَاره قَضَاء عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ إِيقَاع ضَرَر بِهِ وَهُوَ عدم تمكنه من الرُّجُوع على بَائِعه بِالثّمن، لِأَن الْإِقْرَار حجَّة
стр. 122
قَاصِرَة لَا يتَعَدَّى إِلَى البَائِع، بِخِلَاف الْبَيِّنَة فَإِنَّهُ حجَّة متعدية، فَإِذا اعْتبر الْقَضَاء مُسْتَندا إِلَيْهَا يتَمَكَّن المُشْتَرِي من الرُّجُوع على بَائِعه بِالثّمن وَلَا يتَضَرَّر.
وَمثل دَعْوَى الِاسْتِحْقَاق دَعْوَى الرَّد بِالْعَيْبِ الْقَدِيم إِذا أُقِيمَت على المُشْتَرِي من الْمُشْتَرى مِنْهُ، وَثَبت قدم الْعَيْب بِإِقْرَارِهِ وبالبينة، فَإِنَّهُ يعْتَبر الْقَضَاء عَلَيْهِ وَالْحَالة هَذِه قَضَاء بِالْبَيِّنَةِ، تَحَرُّزًا عَن الْإِضْرَار بِهِ، ليتَمَكَّن من رده على البَائِع الأول (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الدَّعْوَى، من بَاب الِاسْتِحْقَاق) .
(ن) وَمِنْهَا: مَا لَو اشْترى شَيْئا فآجره ثمَّ اطلع على عيب قديم فِيهِ فَلهُ نقض الْإِجَارَة ليَرُدهُ بِالْعَيْبِ (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الْبيُوع، من خِيَار الْعَيْب عِنْد قَول الْمَتْن: كَمَا لَا يرجع لَو بَاعَ المُشْتَرِي الثَّوْب، وَقَالَ بعده: بِخِلَاف رَهنه من غَيره فَإِنَّهُ يردهُ بعد فكه. انْتهى) . وَكَأن الْفرق بَين الرَّهْن وَالْإِجَارَة هُوَ أَن الْإِجَارَة تفسخ بالأعذار وَهَذَا مِنْهَا، بِخِلَاف الرَّهْن. ثمَّ رَأَيْته فِي الْفَصْل المكمل الثَّلَاثِينَ من جَامع الْفُصُولَيْنِ صفحة / ٤٩ / مُعَللا بِهَذَا.
(س) وَمِنْهَا: مَا لَو أعَار شَيْئا ليرهنه الْمُسْتَعِير فرهنه بدين عَلَيْهِ ثمَّ أَرَادَ الْمُعير اسْتِرْدَاده، فَلهُ أَن يدْفع الدّين للْمُرْتَهن وَيَأْخُذ الْعين الْمَرْهُونَة، وَلَا يعد مُتَبَرعا بل يرجع بِمَا دفع على الرَّاهِن الْمُسْتَعِير. وَكَذَلِكَ مَا لَو رهن الْأَب بدين عَلَيْهِ مَال وَلَده الصَّغِير الَّذِي تَحت ولَايَته، فَبلغ الصَّغِير فَلهُ أَن يقْضِي دين أَبِيه ويفك الرَّهْن، وَلَا يكون مُتَبَرعا بل يرجع على أَبِيه بِجَمِيعِ مَا قَضَاهُ عَنهُ (ر: بَدَائِع الصَّنَائِع للكاساني، أَوَائِل الرَّهْن صفحة / ١٣٥ /) .
(ع) وَمِنْهَا: مَا لَو بَاعَ الْمُؤَجّر الْمَأْجُور من أَجْنَبِي بِإِذن الْمُسْتَأْجر وَغَابَ البَائِع فَأدى المُشْتَرِي من الثّمن بدل الْإِجَارَة للْمُسْتَأْجر ليسلم لَهُ الْمُسْتَأْجر الْمَبِيع، لَا يكون المُشْتَرِي مُتَبَرعا. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّامِن عشر، برمز الذَّخِيرَة) وَعلله بِأَنَّهُ مُضْطَر للْأَدَاء فِي حَال غيبته لتخليص ملكه، كمصير الرَّهْن، ثمَّ نقل بعده عَن " الْعدة " أَنه يكون مُتَبَرعا لكنه لم يضع الْمَسْأَلَة فِي حَال غيبَة البَائِع بل أطلقها عَن التَّقْيِيد بغيبة أَو حُضُور، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يُخَالف
стр. 123
الْكَلَام " الذَّخِيرَة " إِلَّا أَن يحمل كَلَام " الْعدة " على حَالَة حُضُور البَائِع فيرتفع التخالف.
(ف) وَمِنْهَا: أَن الْمُسْتَأْجر إِذا وجد بالمأجور عَيْبا قَدِيما أَو حدث فِيهِ عيب وَهُوَ فِي يَده، فَإِنَّهُ يسْتَقلّ بِفَسْخ الْإِجَارَة إِذا أَرَادَ، بِلَا حَاجَة إِلَى رضَا الْمُؤَجّر أَو قَضَاء القَاضِي، سَوَاء فِي ذَلِك أَكَانَ قبل الْقَبْض للمأجور أم بعده (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْخَامِس وَالْعِشْرين، صفحة / ٣٣٩ / بِالْمَعْنَى) وَجه اسْتِقْلَال الْمُسْتَأْجر بِالْفَسْخِ مُطلقًا أَنه لَو كلف انْتِظَار رضَا الْمُؤَجّر أَو قَضَاء القَاضِي لتضرر بجريان الْأُجْرَة عَلَيْهِ أثْنَاء ذَلِك.
(ص) وَمِنْهَا: لَو أَمر غَيره بشرَاء شَيْء مَعْلُوم بِأَلف مثلا، فشراه وَلم يقبضهُ وَلم يدْفع الثّمن إِلَى البَائِع حَتَّى أعْطى الآخر الثّمن للْمَأْمُور ليدفعه إِلَى البَائِع فأتلف الْمَأْمُور الثّمن وَهُوَ مُعسر فَللْبَائِع أَن يحبس الْمَبِيع إِلَى أَن يَأْخُذ الثّمن فَإِذا دفع الْآمِر الثّمن إِلَى البَائِع كَانَ عَلَيْهِ أَن يُسلمهُ الْمَبِيع، وللآمر أَن يرجع على الْمَأْمُور بِالثّمن لِأَنَّهُ مُضْطَر فِي قَضَائِهِ فَهُوَ كمصير الرَّهْن (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، أَوَائِل الْفَصْل السَّابِع عشر، صفحة / ٢٢٩ / مُلَخصا) .
(ق) وَمِنْهَا مَا لَو اشْترى اثْنَان شَيْئا قيمياً وَغَابَ أَحدهمَا فللحاضر دفع كل ثمنه وَقَبضه وحبسه عَن شَرِيكه إِذا حضر حَتَّى ينْقد لَهُ ثمن حِصَّته، لِأَنَّهُ مُضْطَر، وَيجْبر البَائِع على قبُول كل الثّمن من الْحَاضِر وَدفع كل الْمَبِيع لَهُ (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من كتاب الْبيُوع، متفرقات) فتجويزهم
стр. 124
قَضَاء دين الرَّاهِن وَالْبَائِع بِلَا أمره وإثباتهم حق الرُّجُوع للْمُعِير وَالصَّغِير وَالْمُشْتَرِي فِي هَذِه الصُّور إِنَّمَا كَانَ لدفع ضَرَر حبس ملكه عَنهُ.
(ر) وَمِنْهَا: مَا لَو اسْتقْرض بالمرابحة إِلَى أجل مَعْلُوم ثمَّ حل الدّين بِمَوْت الْمَدْيُون أَو وَفَاة الْمَدْيُون قبل حُلُول الْأَجَل فَلَيْسَ للدائن من الْمُرَابَحَة إِلَّا بِقدر مَا مضى من الْأَيَّام (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الْبيُوع، آخر بَاب التَّصَرُّف فِي الْمَبِيع وَالثمن) .
(ش) وَمِنْهَا: إبِْطَال إِقْرَار ذِي الْيَد لشخص ثَالِث بِالْعينِ الْمُدعى بهَا قبل الحكم بعد أَن أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهدا وَاحِدًا أَو شَاهِدين. وَكَذَا إبطالهم بَيْعه الْعين الْمُدعى بهَا من شخص ثَالِث بعد أَن برهن عَلَيْهِ الْمُدَّعِي قبل أَن يحكم لَهُ (ر: مَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَام على الْمَادَّة / ٧٩ / نقلا عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث) وَذَلِكَ دفعا لضَرَر هَذَا الْإِقْرَار وضرر هَذَا البيع من ذِي الْيَد على الْمُدعى.
(ت) وَمِنْهَا: مَا لَو أحدث الْغَاصِب فِي الْعين الْمَغْصُوبَة مَا يقطع حق الْمَالِك فِي استردادها، كَمَا إِذا كَانَ الْمَغْصُوب كرباساً فَقَطعه وخاطه ثوبا أَو كَانَ حديداً فصنعه سِلَاحا مثلا أَو كَانَ نُحَاسا فصنعه آنِية ثمَّ مَاتَ الْغَاصِب أَو حجر عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ غُرَمَاء فَإِن الْمَالِك يَجْعَل أَحَق بِالْعينِ الْمَغْصُوبَة من سَائِر الْغُرَمَاء حَتَّى يَأْخُذ مِنْهَا حَقه، وَهَذِه الْعين المحبوسة لحق الْمَغْصُوب مِنْهُ إِذا هَلَكت قبل أَن يَسْتَوْفِي مِنْهَا حَقه تكون مَضْمُونَة على الْغَاصِب، وَلَا تكون مَضْمُونَة بِهَذَا الْهَلَاك على الْمَغْصُوب مِنْهُ ضَمَان الرَّهْن، وَإِن كَانَت محبوسة لحقه، كل ذَلِك دفعا للضَّرَر عَن الْمَغْصُوب مِنْهُ. فقد قَالَ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ مَا لَفظه: وَفِي كل مَوضِع يَنْقَطِع حق الْمَالِك فالمالك أَحَق بذلك الشَّيْء من الْغُرَمَاء حَتَّى يَأْخُذ حَقه فَلَو ضَاعَ فَهُوَ من مَال غاصبه وَلم يكن كرهن (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ١٣٤ / برمز الذَّخِيرَة) .
(ث) وَمِنْهَا: مَا لَو قَالَ لآخر: بَايع فلَانا مَا بِعته فعلي، كَانَ كَفِيلا بِثمن مَا يَبِيعهُ إِيَّاه، وَلَكِن لَهُ أَن يرجع عَن هَذِه الْكفَالَة قبل أَن يبايعه، فَإِذا قَالَ
стр. 125
للمكفول لَهُ: رجعت عَن كفالتي بطلت (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الْكفَالَة، عِنْد قَول المُصَنّف: مَا غصبك فلَان فعلي) . وَذَلِكَ دفعا لما عساه يلْحقهُ من الضَّرَر من هَذِه الْكفَالَة، إِذْ الْمَرْء لَا يجْبر على تحمل الضَّرَر وَإِن رَضِي بِهِ، وَلَيْسَ فِي رُجُوعه قبل الْمُبَايعَة ضَرَر على الْمَكْفُول لَهُ.
(خَ) وَمِنْهَا: أَن الْوَكِيل بشرَاء شَيْء معِين لَا يملك أَن يَشْتَرِيهِ لنَفسِهِ من غير أَن يعلم الْمُوكل بِأَنَّهُ يُرِيد أَن يَشْتَرِيهِ لنَفسِهِ، كَمَا ذَكرُوهُ فِي الْوكَالَة، فَمَنعهُمْ لَهُ عَن شِرَائِهِ لنَفسِهِ إِنَّمَا كَانَ دفعا للضَّرَر عَن الْمُوكل، إِذْ عساه أَن يتَضَرَّر من عدم الْحُصُول على مَقْصُوده ليسد حَاجته.
(ذ) وَمِنْهَا: مَنعهم شِرَاء الْحُبُوب وإخراجها من بَلْدَة يضر بِأَهْلِهَا، فقد قَالَ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ: وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لَو أَن أعراباً قدمُوا الْكُوفَة وَأَرَادُوا أَن يمتاروا مِنْهَا ويضر ذَلِك بِأَهْلِهَا أمنعهم عَنهُ، أَلا يرى أَن أهل الْبَلدة يمْنَعُونَ عَن الشِّرَاء للحكرة؟ فَهَذَا أولى.
(ض) وَمِنْهَا: أَنهم لم يجوزوا شَهَادَة الْعَدو على عدوه إِذا كَانَت الْعَدَاوَة دنيوية (ر: الْمَادَّة / ١٧٠٢ / من الْمجلة) . وأوجبوا فسخ حكم الْحَاكِم إِذا كَانَ بَين الْمَحْكُوم عَلَيْهِ وَالْحَاكِم أَو بَينه وَبَين ابْنه أَو بَينه وَبَين أَبَوَيْهِ عَدَاوَة دنيوية بَيِّنَة، فقد قَالَ فِي معِين الْحُكَّام: الثَّالِث إِن كَانَ قِيَامه لعداوة بَينه وَبَينه أَي بَينه وَبَين القَاضِي، أَو بَينه وَبَين ابْنه أَو بَينه وَبَين الْأَبَوَيْنِ وَجب الْفَسْخ (ر: معِين الْحُكَّام، فصل فِي قيام الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بِطَلَب فسخ الحكم) وَقَالَ فِي معِين الْحُكَّام أَيْضا، فِي أَوَائِل الرُّكْن الْخَامِس الْمقْضِي عَلَيْهِ: وَلَا يحكم على عدوه كَمَا لَا تجوز شَهَادَته عَلَيْهِ فِي رِوَايَة.
وَمَا أحسن هَذَا فِي زَمَاننَا، كل ذَلِك لِئَلَّا يصل إِلَى الْمَشْهُود عَلَيْهِ أَو الْمَحْكُوم عَلَيْهِ ضَرَر من هَذِه الْعَدَاوَة، لِأَنَّهَا تحمل الشَّاهِد على المجازفة فِي شَهَادَته عَلَيْهِ، وَتحمل الْحَاكِم على التحامل عَلَيْهِ، إِلَّا من رحم الله؛ وَقَلِيل ماهم. وَقد نقل فِي " لِسَان الْحُكَّام "، فِي نوع فِيمَن تقبل شَهَادَته وَمن لَا تقبل،
стр. 126
عَن شَارِح الْمَنْظُومَة الْوَهْبَانِيَّة أَنه توقف فِي جَوَاز قَضَاء القَاضِي على عدوه، وَقَالَ: لم أَقف على هَذَا فِي كتب أَصْحَابنَا، ثمَّ بحث أَنه إِذا كَانَ قضى عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ فَيَنْبَغِي أَن لَا ينفذ، وَإِن بِشَهَادَة الْعُدُول وبمحضر من النَّاس فَيَنْبَغِي أَن يجوز. انْتهى. وَالْمَنْقُول فِي الْمَذْهَب عدم الْجَوَاز بِلَا تَفْصِيل، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَلَا عِبْرَة بالبحث إِذا خَالف الْمَنْقُول.
(ظ) وَمِنْهَا: أَن المعروفين بالدعارة وَالْفساد يستدام حَبسهم حَتَّى تظهر تَوْبَتهمْ (ر: أحد فُصُول الْقسم الثَّالِث من الْكتاب فِي الْقَضَاء بالسياسة الشَّرْعِيَّة من " معِين الْحُكَّام "، صفحة / ٢١٥ و ٢١٨ / نقلا عَن الْخُلَاصَة) . فقد جوزوا إدامة حَبسهم إِلَى أَن تظهر عَلَيْهِم عَلامَة التَّوْبَة، من غير أَن يثبت عَلَيْهِم بِالْقضَاءِ بطريقه الشَّرْعِيّ مَا يُوجب ذَلِك بعد أَن كَانَت دعارتهم مستفيضة مَعْرُوفَة، دفعا لضررهم عَن الْعباد، وَلَو أنيط ذَلِك بِثُبُوتِهِ عَلَيْهِم بطريقه الشَّرْعِيّ لملؤوا الدُّنْيَا فَسَادًا لندرة ثُبُوته عَلَيْهِم بِالْبَيِّنَةِ أَو بإقرارهم.
(غ) وَمِنْهَا: أَن الْمُدَّعِي إِذا انْكَشَفَ للْحَاكِم أَنه مُبْطل فِي دَعْوَاهُ فَإِنَّهُ يؤدبه، وَأَقل ذَلِك الْحَبْس، ليندفع بذلك أهل الْبَاطِل واللدد (ر: الْفَصْل الثَّانِي من الْقسم الثَّالِث من " معِين الْحُكَّام " الْمَذْكُور) . وَالظَّاهِر أَن مُرَادهم بالمبطل فِي دَعْوَاهُ: من تعمد البطل فِيهَا، لَا كل من ظهر أَن الْحق فِي جَانب خَصمه.
(غ / أ) وَمِنْهَا: عدم تصحيحهم عزل الْوَكِيل بِبيع الرَّهْن فِيمَا لَو وَكله بِبيعِهِ وإيفاء الدّين من ثمنه إِذا لم يؤد الدّين عِنْد حُلُول الْأَجَل، وَعدم تصحيحهم عزل وَكيل الْخُصُومَة إِذا كَانَ تَوْكِيله بِطَلَب الْمُدَّعِي عِنْد إِرَادَة الْمُدعى عَلَيْهِ السّفر، لِأَن عزل الْوَكِيل فِي هَاتين الصُّورَتَيْنِ يضر بِحَق الْمُرْتَهن فِي الأولى وبحق الْمُدَّعِي فِي الثَّانِيَة، كَمَا نصوا عَلَيْهِ فِي الرَّهْن وَالْوكَالَة.
وَمثل هَاتين الصُّورَتَيْنِ: مَا لَو اشْترى شَيْئا بِخِيَار للْمُشْتَرِي وَأخذ وَكيلا من البَائِع ليرد عَلَيْهِ الْمَبِيع بِحكم الْخِيَار إِذا غَابَ البَائِع، فَإِنَّهُ يظْهر من كَلَامهم فِي بَاب خِيَار الشَّرْط أَنه لَا يملك الْمُوكل عَزله فِي هَذِه الْحَالة، لِأَن عَزله يضر بالمشتري.
стр. 127
(غ / ب) وَمِنْهَا: مَا لَو كَانَت الْفُلُوس النافقة ثمنا فِي البيع، أَو كَانَت قرضا، فغلت أَو رخصت بعد عقد البيع أَو بعد دفع مبلغ الْقَرْض، فَعِنْدَ أبي يُوسُف: تجب عَلَيْهِ قيمتهَا يَوْم عقد البيع وَيَوْم دفع مبلغ الْقَرْض (ر: رد الْمُحْتَار، من أَوَائِل كتاب الْبيُوع، عِنْد قَول الْمَتْن: وَصَحَّ بِثمن حَال ومؤجل إِلَى مَعْلُوم، وَبِخِلَاف جنسه) وَنقل هُنَاكَ تَرْجِيحه عَن الكثيرين، فقد أوجبوا قيمَة الْفُلُوس النافقة يَوْم البيع، وَقيمتهَا يَوْم دفع الْقَرْض، فِي صُورَة مَا إِذا غلت، دفعا للضَّرَر عَن المُشْتَرِي والمستقرض، وأوجبوا قيمتهَا كَذَلِك فِي صُورَة مَا إِذا كسدت أَو رخصت، دفعا للضَّرَر عَن البَائِع والمقرض.
هَذَا وَالَّذِي يظْهر أَن الْوَرق النقدي الْمُسَمّى الْآن بالورق السوري الرائج فِي بِلَادنَا الْآن، وَنَظِيره الرائج فِي الْبِلَاد الْأُخْرَى، هُوَ مُعْتَبر من الْفُلُوس النافقة، وَمَا قيل فِيهَا من الْأَحْكَام السَّابِقَة يُقَال فِيهِ، لِأَن الْفُلُوس النافقة هِيَ مَا كَانَ متخذاً من غير النَّقْدَيْنِ _ الذَّهَب وَالْفِضَّة _ وَجرى الِاصْطِلَاح على اسْتِعْمَاله اسْتِعْمَال النَّقْدَيْنِ، وَالْوَرق الْمَذْكُور: من هَذَا الْقَبِيل. وَمن يَدعِي تَخْصِيص الْفُلُوس النافقة بالمتخذ من الْمَعَادِن فَعَلَيهِ الْبَيَان.
(تَنْبِيه)
إِن مَا نَقَلْنَاهُ من أَحْكَام الْفُلُوس النافقة عَن " رد الْمُحْتَار " قد ذكره كَمَا ترى فِي صُورَتي البيع وَالْقَرْض، وَلَا يخفى أَن الثّمن فِي البيع والمبلغ الْمَدْفُوع فِي الْقَرْض يثبتان فِي ذمَّة المُشْتَرِي والمستقرض، وهما من المضمونات، وَالْحكم فِيهَا هُوَ مَا نَقَلْنَاهُ.
أما لَو كَانَت الْفُلُوس النافقة معقوداً عَلَيْهَا ومدفوعة فِي عقد تعْتَبر فِيهِ أَمَانَة فِي يَد الْقَابِض، كالمضاربة، فَإِن رب المَال إِذا أَرَادَ اسْتِرْدَاد رَأس مَاله من الْمضَارب فَلهُ أَن يسْتَردّ مثله لَا غير، من غير أَن ينظر إِلَى غلاء أَو رخص، وَله أَن يقاسم الْمضَارب مَال الْمُضَاربَة وَيَأْخُذ مِنْهُ بِقِيمَة رَأس مَاله وَتعْتَبر فِيهِ الْقيمَة يَوْم الْقِسْمَة لَا يَوْم الدّفع، فقد نقل فِي كتاب الْمُضَاربَة من " رد الْمُحْتَار " قبيل المتفرقات، عَن الْقنية مَا لَفظه: أعطَاهُ دَنَانِير مُضَارَبَة ثمَّ أَرَادَ الْقِسْمَة، لَهُ أَن يَسْتَوْفِي دَنَانِير وَله أَن يَأْخُذ من المَال بِقِيمَتِهَا وَتعْتَبر بِقِيمَتِهَا يَوْم الْقِسْمَة لَا يَوْم
стр. 128
الدّفع. انْتهى. وَمَا ذكره من الحكم فِي الدَّنَانِير يجْرِي نَظِيره فِي الْفُلُوس النافقة بِالْأولَى، فَلَا تعْتَبر قيمتهَا يَوْم الدّفع إِذا غلت أَو رخصت، وَذَلِكَ لِأَن مَال الْمُضَاربَة أَمَانَة فِي يَد الْمضَارب، وَيَده عَلَيْهِ كيد رب المَال، فَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا لَو كَانَ رَأس المَال بَاقِيا بِعَيْنِه تَحت يَده، فَلَا يلْزمه إِلَّا رده بِذَاتِهِ من غير نظر إِلَى غلاء أَو رخص، وَحَيْثُ صَار بِالصرْفِ الْمَأْذُون بِهِ عرُوضا فَلَا يلْزمه إِلَّا رد مثله إِن اخْتَار رب المَال ذَلِك، وَإِن أَرَادَ الْقِسْمَة مَعَ الْمضَارب يَأْخُذ بِقِيمَتِه يَوْم الْقِسْمَة لَا يَوْم الدّفع، إِذْ بِالدفع لَهُ لم يثبت فِي ذمَّته وَلم يدْخل فِي ضَمَانه.
وَقد ذكر السَّرخسِيّ فِي " الْمَبْسُوط " فِي الْجُزْء الثَّانِي وَالْعِشْرين مِنْهُ من بَاب الْمُضَاربَة بالعروض صفحة / ٣٤ / فِيمَا لَو دفع رجل إِلَى آخر فُلُوسًا مُضَارَبَة بِالنِّصْفِ فَاشْترى الْمضَارب بهَا ثوبا وَدفعهَا وَقبض الثَّوْب ثمَّ كسدت، فالمضاربة جَائِزَة على حَالهَا (وَاحْترز بقوله: " ثمَّ كسدت " عَمَّا إِذا كسدت قبل الشِّرَاء، فقد قدم فِي " الْمَبْسُوط " من الْبَاب الْمَذْكُور أَنَّهَا لَو كسدت قبل الشِّرَاء فَسدتْ الْمُضَاربَة) فَإِذا بَاعَ الثَّوْب بِدَرَاهِم أَو عرض فَهُوَ على الْمُضَاربَة، فَإِن ربح وَأَرَادُوا الْقِسْمَة أَخذ رب المَال قيمَة فلوسه يَوْم كسدت، لِأَنَّهُ لَا بُد من رد رَأس المَال إِلَيْهِ، وَرَأس المَال كَانَ فُلُوسًا رائجة، وَهِي للْحَال كاسدة، فقد تعذر رد مثل رَأس المَال، وَقد تحقق هَذَا التَّعَذُّر يَوْم الكساد فَتعْتَبر قيمتهَا فِي ذَلِك الْوَقْت. انْتهى مُلَخصا، وَقد نَقله فِي متفرقات الْمُضَاربَة فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة بأخصر من هَذَا.
فقد اعْتبر قيمَة الْفُلُوس يَوْم الكساد وَلم يعْتَبر قيمتهَا يَوْم العقد وَلَا يَوْم الدّفع كَمَا فِي البيع وَالْقَرْض. وَقَول الْمَبْسُوط: " فقد تعذر رد مثل رَأس المَال " يُفِيد أَنه لَو أمكن رد مثله بِأَن بقيت الْفُلُوس رائجة يرد مثلهَا فَقَط من غير نظر إِلَى غلاء أَو رخص.
وَقد صَارَت هَذِه الْقَضِيَّة حَادِثَة الْفَتْوَى، وسئلت عَنْهَا فأفتيت فِيهَا بذلك مُسْتَندا إِلَى النقلين الْمَذْكُورين، وَعلمت أَن غَيْرِي مِمَّن سئلوا أفتوا برد قيمتهَا يَوْم العقد فِي الْمُضَاربَة، بِغَيْر تَفْرِقَة بَين المضمونات والأمانات، بَيْنَمَا النَّقْل هُوَ مَا ذكرته، وَالله المرشد للصَّوَاب.
стр. 129
واستقصاء مَا يُمكن تفريعه على هَذِه الْقَاعِدَة من الْمسَائِل تَنْقَطِع الآمال دون الْوُصُول إِلَيْهِ، وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ من التفاريع مستوضح لذِي لب.
(تَنْبِيه)
إِن تَفْسِير لَفْظَة: " وَلَا ضرار " بِالْمَعْنَى السَّابِق الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي صدر الْكَلَام على الْمَادَّة هُوَ بِمَعْنى قَول الْمجلة، فِي الْمَادَّة / ٩٢١ / " لَيْسَ للمظلوم أَن يظلم غَيره " وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ شَامِل للظالم أَيْضا، فَلَيْسَ للمظلوم أَن يَظْلمه أصلا، بل لَهُ أَن يتَخَلَّص من ظلمه وَيَأْخُذ الْحق مِنْهُ وَيسْعَى وَرَاء ردعه عَن الظُّلم بِمَا يَكْفِي رادعاً لأمثاله عَن المعاودة، كَمَا يعلم ذَلِك من مُرَاجعَة أَحْكَام التَّعْزِير، أما مَا زَاد على ذَلِك فَلَا يجوز، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلمن انتصر بعد ظلمه فَأُولَئِك مَا عَلَيْهِم من سَبِيل إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس ويبغون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ .
وَلِهَذَا لم يجوز الشَّرْع لأحد الاعتداء على حق أحد وَلَو كَانَ غَاصبا، فَلَو غصب أَرضًا مثلا وزرعها فجَاء رَبهَا، فإمَّا أَن يكون الزَّرْع قد نبت أَو لَا، وَإِذا كَانَ نبت فإمَّا أَن يكون قد استحصد أَو لَا، فَإِن كَانَ نبت واستحصد فَهُوَ للْغَاصِب، وللمالك أَن يرجع بِنُقْصَان أرضه، وَإِن كَانَ نبت وَلم يستحصد فللمالك أَن يَأْمر الْغَاصِب بقلعه وتفريغ ملكه، فَإِن أَبى يقلعه بِنَفسِهِ أَو يرفع الْأَمر للْحَاكِم ليقلعه، وَإِن كَانَ لم ينْبت فالمالك مُخَيّر إِن شَاءَ تَركهَا حَتَّى ينْبت فيأمره بقلعه وَإِن شَاءَ أعطَاهُ مَا زَاد الْبذر فِي الأَرْض فتقوم مبذورة ببذر يجب قلعه إِذا نبت وَتقوم غير مبذورة، فَيعْطى فصل مَا بَينهمَا؛ وَهُوَ الْأَصَح، وَعَن أبي يُوسُف أَنه يُعْطِيهِ مثل بذره؛ وَرجح بعلامة الْمُخْتَار، (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ وحاشيته للرملي، الْفَصْل الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ١٠٠ - ١٠١) وَالظَّاهِر أَنه فِي صُورَة مَا إِذا كَانَ الزَّرْع لم ينْبت بعد وَاخْتَارَ الْمَالِك تَركهَا إِلَى أَن ينْبت فَإِنَّهَا تتْرك بِأَجْر الْمثل لَا مجَّانا، وَهُوَ دَاخل تَحت قَول صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ، فِي الْمحل الْمَذْكُور برمز " الْوَاقِعَات ": قَالَ أَبُو يُوسُف ﵀: لَو غصب أَرضًا وزرعها وَلم تنْبت حَتَّى جَاءَ رَبهَا فَهُوَ مُخَيّر لَو شَاءَ ترك بذره فِيهَا بِأَجْر الْمثل وَلَو شَاءَ ضمن الْبذر للْغَاصِب. انْتهى.
стр. 130
فَانْظُر كَيفَ حفظ الشَّرْع حق الْغَاصِب وَلم يتساهل فِيهِ، بل أوجب لَهُ مَا زَاد بذره فِي قيمَة الأَرْض، على مَا هُوَ الْأَصَح، أَو أوجب لَهُ مثل بذره، على مَا هُوَ الْمُخْتَار، مَعَ كَونه أَلْقَاهُ بِاخْتِيَارِهِ فِي أَرض الْغَيْر بِلَا حق يسوغ لَهُ ذَلِك؛ وَذَلِكَ لِأَن فعله هَذَا لَا يخرج الْبذر عَن كَونه ملكا لَهُ مُحْتَرما، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا يجوز ظلمه بتفويته عَلَيْهِ بِلَا عوض، وَذَلِكَ غير منَاف لوُجُوب ردعه عَن ظلمه بِمَا يَكْفِي زاجراً لَهُ عَن الْعود إِلَى مثله.
وَكَذَلِكَ لَو غصب ثوبا فصبغه، فالمالك مُخَيّر بَين ترك الثَّوْب لَهُ وَأخذ قِيمَته مِنْهُ غير مصبوغ وَبَين أَخذه مصبوغاً وَيُعْطِي للْغَاصِب مَا زَاد الصَّبْغ فِيهِ (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من كتاب الْغَصْب، والمادة / ٨٩٨ / من الْمجلة) .
هَذَا وكما لم يجوز الشَّارِع ظلم الْغَاصِب بتفويت ملكه عَلَيْهِ لم يجوز مُجَاوزَة الْحَد فِي تَضْمِينه غير مَا تنَاوله فعله وَورد عَلَيْهِ مُبَاشرَة، وَلذَا كَانَت زَوَائِد الْمَغْصُوب أَمَانَة لَا تضمن بِدُونِ تعدٍ أَو منع لَهَا عَن الْمَالِك، فَلَو غصب بقرة مثلا فَولدت عِنْده فَهَلَك وَلَدهَا فِي يَده بِلَا تعد وَلَا منع لَهُ عَن الْمَالِك، أَو غصب كرماً مثلا فأثمر فِي يَده ثمَّ هلك الثَّمر كَذَلِك فِي يَده بِلَا تعدٍ وَلَا منع لَهُ عَن الْمَالِك يهْلك أَمَانَة، لِأَنَّهُ لم يرد عَلَيْهِ الْغَصْب مُبَاشرَة (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وَغَيره فِي كتاب الْغَصْب) .
وَكَذَلِكَ لَو أتْلفه لغيره مثلِيا ثمَّ التقيا فِي بلد آخر قيمَة الْمُتْلف من الْمثْلِيّ فِيهِ أَكثر من قِيمَته فِي بلد الْغَصْب، فالغاصب مُخَيّر بَين إِعْطَاء مثله وَإِعْطَاء قِيمَته الْمُعْتَبرَة فِي بلد الْغَصْب مَا لم يرض الْمَالِك بِتَأْخِير الْمُطَالبَة بِالْمثلِ إِلَى بلد الْغَصْب (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ١٣٠ /) فَلم يُوجب الشَّرْع الْمثل فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة على الْغَاصِب حتما بل خَيره وسوغ لَهُ دفع الْقيمَة مَعَ أَن الْمثْلِيّ مَضْمُون بِمثلِهِ، وَلم يجوز إضراره وَإِن كَانَ ظَالِما، وَلذَا يشْتَرط فِي دَعْوَى غصب الْمثْلِيّ غير النَّقْدَيْنِ ذكر مَكَان الْغَصْب، ليعلم هَل للْمُدَّعِي حق الْمُطَالبَة (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْمحل السَّابِق) .
стр. 131
صفحة فارغة
стр. 132
(الْقَاعِدَة التَّاسِعَة عشرَة (الْمَادَّة / ٢٠))
(الضَّرَر يزَال)
(أَولا: الشَّرْح)
" الضَّرَر يزَال " أَي تجب إِزَالَته، لِأَن الْأَخْبَار فِي كَلَام الْفُقَهَاء للْوُجُوب.
وَهَذِه هِيَ الْقَاعِدَة الثَّانِيَة من الْقَوَاعِد الثَّلَاث الْأُصُول المسوقات بشأن الضَّرَر، من حظر إِيقَاعه، وَوُجُوب إِزَالَته بعد الْوُقُوع، كَمَا ذَكرْنَاهُ تَحت الْقَاعِدَة السَّابِقَة، وَهَذِه هِيَ المسوقة لبَيَان وجوب إِزَالَته إِذا وَقع.
(ثَانِيًا: التطبيق)
مِمَّا يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة: (أ) مَا لَو اسْتقْرض من الْفُلُوس النافقة مبلغا فكسدت، فَعَلَيهِ قيمتهَا عِنْدهمَا، وَرجح قَوْلهمَا، ثمَّ إنَّهُمَا اخْتلفَا، فَقَالَ مُحَمَّد: عَلَيْهِ قيمتهَا فِي آخر أَيَّام رواجها؛ وَرجح بعلامة الْفَتْوَى، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: عَلَيْهِ قيمتهَا يَوْم الْقَبْض؛ وَرجح أَيْضا بِأَن عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَبِأَنَّهُ أنظر للمقرض من قَول مُحَمَّد، وأيسر لِأَن ضبط قِيمَته يَوْم الِانْقِطَاع عسر، وكما رجحوا قَول أبي يُوسُف فِي كساد الْفُلُوس رجحوا قَوْله أَيْضا فِيمَا لَو غلت أَو رخصت بِأَنَّهُ تجب قيمتهَا يَوْم البيع لَو كَانَت ثمنا وَيَوْم الْقَبْض لَو كَانَت قرضا. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من فصل الْقَرْض مُلَخصا) .
стр. 133
(ب) وَمِنْه: مَا لَو اسْتقْرض طَعَاما بالعراق فَأَخذه الْمقْرض بِمَكَّة مثلا وَقِيمَة الطَّعَام فِيهَا أغْلى أَو أرخص، فَعَلَيهِ قيمَة الطَّعَام يَوْم الْقَرْض فِي بلد الْمقْرض عِنْد أبي يُوسُف، وَقَوله الرَّاجِح (كَمَا فِي الْمحل الْمَذْكُور من الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار) .
فإيجاب قيمَة الْفُلُوس يَوْم صيرورتها دينا فِي الذِّمَّة بِالْقَبْضِ أَو بِالْبيعِ، وَإِيجَاب قيمَة الطَّعَام فِي بلد الْقَرْض مَعَ أَنَّهُمَا مثليان أَيْضا؛ إِزَالَة للضَّرَر عَن الْمقْرض وَالْبَائِع فِيمَا إِذا رخصا، وَعَن الْمُسْتَقْرض وَالْمُشْتَرِي فِيمَا إِذا غليا. انْتهى.
(ج) وَمِنْه مَشْرُوعِيَّة خِيَار التَّغْرِير القولي فِي البيع إِذا كَانَ مَعَه غبن فَاحش، سَوَاء كَانَ التَّغْرِير من البَائِع للْمُشْتَرِي أَو من المُشْتَرِي للْبَائِع، أَو كَانَ من الدَّلال لأَحَدهمَا، فَإِن الْمَغْرُور يُخَيّر بَين إِمْضَاء البيع أَو فَسخه واسترداد مَاله من مَبِيع أَو ثمن. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من بَاب الْمُرَابَحَة وَالتَّوْلِيَة، وَمن بَاب الِاسْتِحْقَاق عِنْد قَول الشَّارِح: شرى دَارا وَبنى فِيهَا فاستحقت) .
(د) وَمِنْه مَشْرُوعِيَّة ضَمَان التَّغْرِير، فَإِن الْغَار يضمن للمغرور مَا تضرر بِسَبَب تغريره لَهُ، وَذَلِكَ فِي ثَلَاث مسَائِل:
(الْمَسْأَلَة الأولى)
: أَن يكون التَّغْرِير وَاقعا فِي ضمن عقد الْمُعَاوضَة، وَلَو كَانَ فَاسِدا، أَو كَانَ غير مَالِي كعقد النِّكَاح، فَلَو بَاعَ مَال غَيره فضولاً وَقبض ثمنه فَهَلَك فِي يَده وَلم يجز الْمَالِك بَيْعه، وَكَانَ المُشْتَرِي حِين دفع لَهُ الثّمن لَا يعلم أَنه فُضُولِيّ، فَإِنَّهُ يضمن لَهُ الثّمن. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الرَّابِع وَالْعِشْرين صفحة / ٣١٧) .
وَكَذَا لَو زوجه امْرَأَة على أَنَّهَا حرَّة فَولدت مِنْهُ ثمَّ ظَهرت أمة واستحقت وَضَمنَهُ الْمُسْتَحق قيمَة الْوَلَد، لِأَن ولد الْمَغْرُور حر بِالْقيمَةِ، رَجَعَ على المزوج. (ر: رد الْمُحْتَار، قبيل الْفُرُوع الَّتِي قبل كَفَالَة الرجلَيْن من كتاب الْكفَالَة) .
وَكَذَا لَو قَالَ رجل لآخر: " بَايع ابْني هَذَا " أَي أَضَافَهُ لنَفسِهِ وَأمره بمبايعته
стр. 134
" فقد أَذِنت لَهُ بِالتِّجَارَة " فَبَايعهُ ثمَّ ظهر أَنه ابْن الْغَيْر، فَإِن الْمَأْمُور يرجع على الْآمِر بِثمن مَا بَاعه.
وكما لَو اشْترى دَارا مثلا ثمَّ بنى فِيهَا ثمَّ اسْتحقَّت وَقلع بِنَاؤُه فَإِن لَهُ أَن يسلم النَّقْض لبَائِعه وَيرجع عَلَيْهِ بِقِيمَة الْبناء مَبْنِيا يَوْم تَسْلِيمه، سَوَاء كَانَت أَكثر من قِيمَته يَوْم بناه أَو أقل. وَقَوْلهمْ: " شرى دَارا ثمَّ بنى فِيهَا ... إِلَخ ". للِاحْتِرَاز عَمَّا إِذا بنى الدَّار ثمَّ اشْترى أرْضهَا فاستحقت، فَإِنَّهُ لَا يرجع وَالْحَالة هَذِه بِقِيمَة الْبناء. (ر: معِين الْحُكَّام، من فصل المُشْتَرِي يرجع على وَكيل البيع، من الْبَاب التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ) . وَعدم الرُّجُوع فِي هَذِه الصُّورَة لكَون الْبناء قبل الشِّرَاء فَلم يكن فِي ضمن الْمُعَاوضَة.
هَذَا، ثمَّ إِذا رَجَعَ المُشْتَرِي الْمَغْرُور على البَائِع الْغَار بِقِيمَة الْبناء إِذا سلمه النَّقْض فَإِنَّمَا يرجع بِمَا يُمكن نقضه وتسليمه وَله قيمَة فَلَا يرجع بِمَا لَا قيمَة لَهُ بعد النَّقْض كتطيينها. وكما لَا يرجع فِي ذَلِك لَا يرجع فِيمَا غرمه للْمُسْتَحقّ لِقَاء مَنْفَعَة استوفاها، كَمَا لَو نقصت الأَرْض الْمُسْتَحقَّة بزراعة لَهَا وَضَمنَهُ الْمُسْتَحق نقصانها، فَإِنَّهُ لَا يرجع على بَائِعه بِمَا ضمنه لنقصانها، وكما لَو ظَهرت الدَّابَّة الْمُشْتَرَاة وَقفا أَو ليتيم أَو معدة للِاسْتِغْلَال، فضمنه الْمُسْتَحق بدل مَنْفَعَتهَا عَن الْمدَّة الْمَاضِيَة عِنْده، فَإِنَّهُ لَا يرجع على بَائِعه بِمَا ضمنه من الْبَدَل، لِأَنَّهُ كَانَ لِقَاء مَنْفَعَة استوفاها، بالزراعة فِي الأولى، وبالسكنى بِالْفِعْلِ - أَو بالتمكن مِنْهَا - فِي الثَّانِيَة.
(الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة)
: أَن يكون التَّغْرِير فِي ضمن قبض يرجع نَفعه إِلَى الدَّافِع، كوديعة وَإِجَارَة، فَلَو هَلَكت الْوَدِيعَة أَو الْعين المأجورة ثمَّ اسْتحقَّت وَضمن الْمُسْتَحق الْوَدِيع أَو الْمُسْتَأْجر رَجَعَ بِمَا ضمنه على الدَّافِع من مُودع أَو مؤجر.
وَمثل الْوَدِيعَة وَالْإِجَارَة الْمَذْكُورين الرَّهْن، فَلَو رَهنه عينا ثمَّ هَلَكت فِي يَده ثمَّ اسْتحقَّت وضمنها الْمُسْتَحق للْمُرْتَهن رَجَعَ على الدَّافِع، وَهُوَ الرَّاهِن، بِمَا ضمن.
(الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة)
: إِذا ضمن الْغَار للمغرور صفة السَّلامَة نصا، كَمَا إِذا قَالَ لآخر: " اسلك هَذَا الطَّرِيق فَإِنَّهُ آمن، وَإِن سلكته وَأخذ مَالك فَأَنا ضَامِن "،
стр. 135
فسلكه وَأخذ مَاله فَإِنَّهُ يضمن. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، من الِاسْتِحْقَاق وَالْغَصْب قبل الْفَصْل، وَأخر الْمُرَابَحَة وَالتَّوْلِيَة، وَمن الْفَصْل السَّادِس عشر من جَامع الْفُصُولَيْنِ، صفحة / ٢١٧) .
(تَنْبِيه)
إِن مَا تقدم من حصرهم ضَمَان التَّغْرِير فِي الْمسَائِل الثَّلَاث الْمَذْكُورَات غير ظَاهر، فَإِن هُنَاكَ مسَائِل أخر يجب فِيهَا الضَّمَان بِسَبَب التَّغْرِير وَلَيْسَت دَاخِلَة تَحت إِحْدَى الثَّلَاث الْمَذْكُورَة أصلا. مِنْهَا:
(أ) مَا إِذا أعَار لغيره أَرضًا مُدَّة مَعْلُومَة للْبِنَاء أَو للغراس، فَبنى الْمُسْتَعِير فِيهَا أَو غرس، ثمَّ رَجَعَ الْمُعير قبل انْتِهَاء الْمدَّة المضروبة، فَإِن لَهُ أَن يكلفه قلع الْبناء وَالْغَرْس وَيضمن الْمُعير للْمُسْتَعِير مَا نقص الْبناء وَالْغَرْس بِالْقَلْعِ، وَذَلِكَ بِأَن يقوم قَائِما إِلَى نِهَايَة الْمدَّة، وَيقوم مقلوعاً - أَي مُسْتَحقّ الْقلع فِي الْحَال - فَيضمن فرق مَا بَينهمَا بِسَبَب تغريره لَهُ، بالتوقيت ثمَّ رُجُوعه قبل انْتِهَاء الْوَقْت. فَلَو قوم مُسْتَحقّ الْقلع بِخَمْسَة مثلا، وَقوم مُسْتَحقّ الْبَقَاء إِلَى نِهَايَة الْمدَّة بِعشْرَة، يضمن للْمُسْتَعِير فرق مَا بَينهمَا وَهُوَ خَمْسَة. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، فِي الْعَارِية) .
(ب) وَمِنْهَا: مَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَام على الْقَاعِدَة التَّاسِعَة والثمانين، من أَنه لَو أَمر غَيره بِالْحفرِ فِي جِدَار دَار، وَهُوَ سَاكن فِيهَا، وَهِي لغيره، فحفر، فضمن الْمَالِك الْحَافِر، فَإِنَّهُ يرجع بِمَا ضمن على الْآمِر إِذا كَانَ لَا يعلم أَن الدَّار لغيره، لِأَنَّهُ غره، وَكَذَا يرجع عَلَيْهِ لَو لم يكن سَاكِنا فِي الدَّار، وَلَكِن قَالَ لَهُ: احْفِرْ لي فَإِنَّهُ يعد مغروراً من قبله فَيرجع عَلَيْهِ.
(ج) وَمِنْهَا: أَن شُهُود الْقيمَة أَو الْقِسْمَة إِذا قومُوا أَمْوَال الْيَتَامَى والأوقاف بِغَبن فَاحش وهم يعلمُونَ، أَو غبنوا الْوَقْف فِي الِاسْتِبْدَال، أَو أخبروا بِوُجُود
стр. 136
المسوغ وَلم يكن هُنَاكَ مسوغ وهم عالمون بذلك فَإِنَّهُم يضمنُون النَّقْص. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، آخر الْغَصْب نقلا عَن الْوَهْبَانِيَّة وَشَرحهَا للشرنبلالي، بِتَصَرُّف) .
فَكل تِلْكَ التضمينات من قبيل ضَمَان التَّغْرِير، وَلَيْسَت من الثَّلَاث الْمُتَقَدّمَة.
وَقد ذكر فِي رد الْمُحْتَار هُنَاكَ مَا يُفِيد أَن كَون المَال الْمُقَوّم وَقفا أَو ليتيم غير قيد، بل خرج مخرج الْمُعْتَاد من التساهل فِي مَالهمَا، وَإِلَّا فَغير الْوَقْف وَمَال الْيَتِيم كَذَلِك.
(تَنْبِيه آخر)
: قَالَ الطرابلسي الْحَنَفِيّ فِي " معِين الْحُكَّام " فِي (فصل فِي التَّسَبُّب وَالدّلَالَة) : وَلَو قَالَ الطَّحَّان لرب الْبر اجْعَل الْبر فِي الدَّلْو، فَجعله فِيهِ، فَذهب من الثقب إِلَى المَاء، والطحان كَانَ عَالما بِهِ، يضمن، إِذْ غره فِي ضمن العقد وَهُوَ يَقْتَضِي السَّلامَة. انْتهى.
وَهَذَا يُفِيد أَن الْغرُور الْمُوجب للرُّجُوع فِي ضمن عقد الْمُعَاوضَة لَا يشْتَرط فِيهِ أَن يكون فِي صلب العقد، بل يَكْفِي أَن يكون مترتباً عَلَيْهِ، كَمَا فِي الْفَرْع الْمَذْكُور، وَيُؤَيّد ذَلِك أَيْضا بعض الْفُرُوع الْمُتَقَدّمَة هَا هُنَا.
стр. 137
صفحة فارغة
стр. 138
(الْقَاعِدَة الْعشْرُونَ (الْمَادَّة / ٢١))
(الضرورات تبيح الْمَحْظُورَات)
(أَولا: الشَّرْح)
هَذِه الْقَاعِدَة من فروع القاعدتين / ١٧ و ١٨ / لِأَن مَا تفرع عَلَيْهَا يُمكن أَن يتَفَرَّع على تينك، فَإِن من فروعها: جَوَاز إِتْلَاف مَال الْغَيْر إِذا أكره عَلَيْهِ بملجئ. (ر: مَا تقدم فِي الْكَلَام على الْمَادَّة / ١٧) . وَجَوَاز أَخذ الدَّائِن مَال الْمَدْيُون الْمُمْتَنع عَن الْأَدَاء إِذا ظفر، وَإِن كَانَ من خلاف جنس حَقه فِي زَمَاننَا.
وَقيد بعض الشَّافِعِيَّة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة بِأَن لم تنقص الضَّرُورَة عَن الْمَحْظُورَات، فَإِذا نقصت فَإِنَّهُ لَا يُبَاح لَهُ الْمَحْظُور.
وقواعدنا لَا تأباه، فقد ذكرُوا أَنه إِذا دَار الْأَمر بَين السّنة الْبِدْعَة فَتَركه أولى، وَإِذا دَار بَين الْوَاجِب والبدعة فَفعله أولى. وَذكروا أَنه لَو دفن الْمَيِّت بِلَا كفن لَا ينبش، لِأَن هتك حرمته أَشد من تَركه بِلَا كفن. وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا الْموَاد / ٢٧ و ٢٨ و ٢٩ / الْآتِيَة.
стр. 139
صفحة فارغة.
стр. 140
(الْقَاعِدَة الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ (الْمَادَّة / ٢٢))
(الضرورات تقدر بِقَدرِهَا)
(أَولا: الشَّرْح)
هِيَ فِي قُوَّة التَّقْيِيد للمادة / ٢١ / بِمَعْنى مَا فسرنا بِهِ قَوْلهم فِي تَتِمَّة الْمَادَّة / ١٨ /: " وَإِذا اتَّسع ضَاقَ ".
وَفَائِدَة وضع هَذِه الْقَاعِدَة عقب السَّابِقَة التَّنْبِيه على أَن مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَة من الْمَحْظُورَات إِنَّمَا يرخص مِنْهُ الْقدر الَّذِي تنْدَفع بِهِ الضَّرُورَة فَحسب. فَإِذا اضْطر الْإِنْسَان لمحظور فَلَيْسَ لَهُ أَن يتوسع فِي الْمَحْظُور، بل يقْتَصر مِنْهُ على قدر مَا تنْدَفع بِهِ الضَّرُورَة فَقَط.
(ثَانِيًا: التطبيق)
وَمن جملَة مَا يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة: (أ) أَن المُشْتَرِي إِذا ادّعى بِالْمَبِيعِ عَيْبا لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا النِّسَاء، فَإِنَّهُ يقبل فِيهِ لأجل تَوْجِيه الْخُصُومَة فَقَط قَول الْوَاحِدَة الْعدْل، والثنتان أحوط. فَإِن قَالَت وَاحِدَة أَو ثِنْتَانِ أَن الْعَيْب الْمُدعى بِهِ قَائِم يحلف البَائِع وَلَا يثبت حق الرَّد بِشَهَادَة النِّسَاء وحدهن، لِأَن ثُبُوت الْعَيْب بشهادتهن ضَرُورِيّ، وَمن ضَرُورَته ثُبُوت تَوْجِيه الْخُصُومَة دون الرَّد، فَيحلف البَائِع فَإِن نكل تأيدت شَهَادَتهنَّ بِنُكُولِهِ فَيثبت الرَّد. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من خِيَار الْعَيْب، نقلا عَن الْقَدُورِيّ، قبيل قَول الْمَتْن: اسْتحق بعض الْمَبِيع) .
стр. 141
(ب) وَمِنْهَا: أَن من اضْطر لأكل مَال الْغَيْر فَإِن الضَّرُورَة تقتصر على إِبَاحَة إقدامه على أكل مَا يدْفع بِهِ الضَّرُورَة بِلَا إِثْم فَقَط، وَلَكِن لَا تدفع عَنهُ الضَّمَان. (ر: مَا يَأْتِي فِي الْمَادَّة / ٣٣) .
(ج) وَمن ذَلِك من أكره على الْيَمين الكاذبة فَإِنَّهُ يُبَاح لَهُ الْإِقْدَام على التَّلَفُّظ مَعَ وجوب التورية والتعريض فِيهَا إِن خطرت على باله التورية والتعريض، فَإِن فِي المعاريض مندوحة.
стр. 142
(الْقَاعِدَة الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ (الْمَادَّة / ٢٣))
(مَا جَازَ لعذر بَطل بزواله)
(أَولا: الشَّرْح)
هِيَ فِي قُوَّة التَّقْيِيد للمادة / ٢٢ / بِأَن إِبَاحَة الْمَحْظُور للضَّرُورَة مُقَيّدَة بِمدَّة قيام الضَّرُورَة. أَو أَنَّهَا فِي قُوَّة التَّعْلِيل للمادة قبلهَا.
(ثَانِيًا: التطبيق)
(أ) لَو آلى من زَوجته وَهُوَ مَرِيض فَإِن فيئه إِلَيْهَا بالْقَوْل، وَلَكِن إِذا مَرضت الزَّوْجَة ثمَّ برِئ وَبقيت مَرِيضَة فَإِن فيئه بِالْوَطْءِ لَا بِاللِّسَانِ، لِأَن تبدل أَسبَاب الرُّخْصَة يمْنَع من الاحتساب بِالرُّخْصَةِ الأولى. (ر: رد الْمُحْتَار، فِي بَاب الظِّهَار) .
(ب) وَكَذَا يجوز تحميل الشَّهَادَة للْغَيْر بِعُذْر السّفر أَو الْمَرَض، فَإِذا زَالَ ذَلِك الْعذر قبل أَدَاء الْفَرْع للشَّهَادَة بَطل الْجَوَاز.
(ج) وَكَذَا يتَفَرَّع على الْمَادَّة مَا جَاءَ فِي الْمَادَّة / ٥١٧ / من الْمجلة فلتراجع.
(د) وَكَذَا مَا لَو اشْتَرَاهُ فآجره ثمَّ اطلع على عيب قديم فِيهِ فَلهُ فسخ الْإِجَارَة بِعُذْر الرَّد بِالْعَيْبِ. (ر: رد الْمُحْتَار، من خِيَار الْعَيْب) . فَإِذا زَالَ الْعَيْب امْتنع حق الْفَسْخ.
(هـ) مِمَّا يتَفَرَّع على هَذِه الْمَادَّة مَا لَو وَقع الْحَرِيق فِي دَار الْمُودع فَدَفعهَا إِلَى
стр. 143
أَجْنَبِي لم يضمن، فَلَو فرغ من ذَلِك وَلم يستردها يضمن، إِذْ يجب عَلَيْهِ الِاسْتِرْدَاد لِأَن الْإِيدَاع عقد غير لَازم فَكَانَ لدوامه حكم الِابْتِدَاء. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ١٤٩ - ١٥٠) .
стр. 144
(الْقَاعِدَة الثَّالِثَة وَالْعشْرُونَ (الْمَادَّة / ٢٤))
(إِذا زَالَ الْمَانِع عَاد الْمَمْنُوع)
(أَولا: الشَّرْح)
هَذَا نَصهَا كَمَا فِي أَوَائِل بَاب الْحَضَانَة من كتاب الدُّرَر.
أفادت هَذِه الْقَاعِدَة حكم عكس مَا أفادته الْقَاعِدَة السَّابِقَة، فَإِن السَّابِقَة أفادت حكم مَا جَازَ بِسَبَب ثمَّ زَالَ، وَهَذِه أفادت حكم مَا امْتنع لسَبَب ثمَّ زَالَ السَّبَب الْمَانِع.
المُرَاد بِلَفْظ " عَاد " من قَوْلهم: " عَاد الْمَمْنُوع ": (ظهر) أَو (حصل) ، ليشْمل مَا وجد فِي أَصله مُمْتَنعا بمانع ثمَّ زَالَ، كَمَا فِي بعض الْفُرُوع الْآتِيَة.
(ثَانِيًا: التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل:
(أ) مِنْهَا: مَا لَو أوصى لوَارث ثمَّ امْتنع إِرْثه بمانع صحت، كَمَا لَو أوصى لِأَخِيهِ ثمَّ ولد لَهُ ابْن ثمَّ مَاتَ الْمُوصي.
(ب) وَمِنْهَا: مَا لَو وهب حِصَّة شائعة قَابِلَة للْقِسْمَة ثمَّ قسم وَسلمهَا صحت الْهِبَة.
(ج) وَمِنْهَا: مَا لَو وهب عينا لآخر فَزَاد الْمَوْهُوب لَهُ فِيهَا زِيَادَة مُتَّصِلَة غير مُتَوَلّدَة حَتَّى امْتنع حق الرُّجُوع، فَإِذا زَالَت تِلْكَ الزِّيَادَة عَاد حق الرُّجُوع.
стр. 145
(د) وَمِنْهَا: مَا لَو عوض الْمَوْهُوب لَهُ الْوَاهِب عَن هِبته امْتنع حق الرُّجُوع، فَإِذا اسْتحق الْعِوَض عَاد حق الرُّجُوع.
(هـ) وَمِنْهَا: مَا لَو انْهَدَمت الدَّار المأجورة سَقَطت الْأُجْرَة، فَإِذا بناها الْمُؤَجّر فِي الْمدَّة قبل أَن يفْسخ الْمُسْتَأْجر الْإِجَارَة عَادَتْ فِي الْمُسْتَقْبل.
(و) وَمِنْهَا: مَا لَو اطلع على عيب قديم فِي الْمَبِيع لَهُ رده، وَلَكِن إِذا حدث عِنْده عيب آخر امْتنع الرَّد، فَإِذا زَالَ الْعَيْب الْحَادِث وَلَو بمداواة المُشْتَرِي عَاد حق الرَّد.
(ز) وَمِنْهَا: مَا لَو رهن المُشْتَرِي الْمَبِيع فَاسِدا امْتنع حق الْفَسْخ، فَإِذا افتكه عَاد الْفَسْخ لَو لم يكن قضي على المُشْتَرِي بِقِيمَتِه. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، صفحة / ٤٩) وَفِي الموطن الْمَذْكُور: الأَصْل أَن الْمَانِع إِذا زَالَ بِمَا هُوَ فسخ من كل وَجه كفك رهن، وَرُجُوع فِي هبة، ورد الْمَبِيع على المُشْتَرِي (الَّذِي هُوَ البَائِع الثَّانِي) بِعَيْب بعد قَبضه بِقَضَاء، فَللْبَائِع فَاسِدا حق الْفَسْخ لَو لم يقْض بِقِيمَتِه، وَلَو زَالَ الْمَانِع بِسَبَب هُوَ بِمَنْزِلَة عقد جَدِيد فِي حق الْغَيْر، كَأَن رد على المُشْتَرِي بعد الْقَبْض بِعَيْب بتراض بَطل حق البَائِع فِي الرَّد كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا، وَلَو قضى بِقِيمَتِه بَطل حق الِاسْتِرْدَاد فِي الْوُجُوه كلهَا. انْتهى بِبَعْض توضيح.
(ح) وَمِنْهَا: مَا لَو اشْتَرَاهُ فرهنه ثمَّ اطلع على عيب قديم عِنْد البَائِع يمْتَنع الرَّد، فَإِذا افتكه فَلهُ رده. (ر: رد الْمُحْتَار، فِي خِيَار الْعَيْب) .
(ط) وَمِنْهَا: مَا لَو شهد وَهُوَ صبي أَو أعمى وَقد تحملهَا بَصيرًا فَردَّتْ، ثمَّ بلغ الصَّبِي أَو أبْصر الْأَعْمَى فَشهد بهَا تقبل. وَالْأَصْل أَنه إِذا ردَّتْ شَهَادَته لتهمة فَزَالَتْ ثمَّ شهد لَا تقبل، وَإِن ردَّتْ لشُبْهَة فَزَالَتْ ثمَّ شهد بهَا تقبل.
(ي) وَمِنْهَا: مَا لَو تنَاقض الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ ثمَّ ارْتَفع التَّنَاقُض بِتَصْدِيق الْخصم أَو بتكذيب الْحَاكِم فَإِن دَعْوَاهُ تسمع. (ر: الْمَادَّتَيْنِ / ١٦٥٣ - ١٦٥٤ / من الْمجلة.
(ك) وَمِنْهَا: مَا لَو أقرّ لآخر بِعَين فِي يَد غَيره فَإِن إِقْرَاره لَا يعْمل عمله،
следующие страницы →