Полный текст (439 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
(ب) وَمِنْهَا: أَن من اضْطر لأكل مَال الْغَيْر فَإِن الضَّرُورَة تقتصر على إِبَاحَة إقدامه على أكل مَا يدْفع بِهِ الضَّرُورَة بِلَا إِثْم فَقَط، وَلَكِن لَا تدفع عَنهُ الضَّمَان. (ر: مَا يَأْتِي فِي الْمَادَّة / ٣٣) .
(ج) وَمن ذَلِك من أكره على الْيَمين الكاذبة فَإِنَّهُ يُبَاح لَهُ الْإِقْدَام على التَّلَفُّظ مَعَ وجوب التورية والتعريض فِيهَا إِن خطرت على باله التورية والتعريض، فَإِن فِي المعاريض مندوحة.
стр. 142
(الْقَاعِدَة الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ (الْمَادَّة / ٢٣))
(مَا جَازَ لعذر بَطل بزواله)
(أَولا: الشَّرْح)
هِيَ فِي قُوَّة التَّقْيِيد للمادة / ٢٢ / بِأَن إِبَاحَة الْمَحْظُور للضَّرُورَة مُقَيّدَة بِمدَّة قيام الضَّرُورَة. أَو أَنَّهَا فِي قُوَّة التَّعْلِيل للمادة قبلهَا.
(ثَانِيًا: التطبيق)
(أ) لَو آلى من زَوجته وَهُوَ مَرِيض فَإِن فيئه إِلَيْهَا بالْقَوْل، وَلَكِن إِذا مَرضت الزَّوْجَة ثمَّ برِئ وَبقيت مَرِيضَة فَإِن فيئه بِالْوَطْءِ لَا بِاللِّسَانِ، لِأَن تبدل أَسبَاب الرُّخْصَة يمْنَع من الاحتساب بِالرُّخْصَةِ الأولى. (ر: رد الْمُحْتَار، فِي بَاب الظِّهَار) .
(ب) وَكَذَا يجوز تحميل الشَّهَادَة للْغَيْر بِعُذْر السّفر أَو الْمَرَض، فَإِذا زَالَ ذَلِك الْعذر قبل أَدَاء الْفَرْع للشَّهَادَة بَطل الْجَوَاز.
(ج) وَكَذَا يتَفَرَّع على الْمَادَّة مَا جَاءَ فِي الْمَادَّة / ٥١٧ / من الْمجلة فلتراجع.
(د) وَكَذَا مَا لَو اشْتَرَاهُ فآجره ثمَّ اطلع على عيب قديم فِيهِ فَلهُ فسخ الْإِجَارَة بِعُذْر الرَّد بِالْعَيْبِ. (ر: رد الْمُحْتَار، من خِيَار الْعَيْب) . فَإِذا زَالَ الْعَيْب امْتنع حق الْفَسْخ.
(هـ) مِمَّا يتَفَرَّع على هَذِه الْمَادَّة مَا لَو وَقع الْحَرِيق فِي دَار الْمُودع فَدَفعهَا إِلَى
стр. 143
أَجْنَبِي لم يضمن، فَلَو فرغ من ذَلِك وَلم يستردها يضمن، إِذْ يجب عَلَيْهِ الِاسْتِرْدَاد لِأَن الْإِيدَاع عقد غير لَازم فَكَانَ لدوامه حكم الِابْتِدَاء. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ١٤٩ - ١٥٠) .
стр. 144
(الْقَاعِدَة الثَّالِثَة وَالْعشْرُونَ (الْمَادَّة / ٢٤))
(إِذا زَالَ الْمَانِع عَاد الْمَمْنُوع)
(أَولا: الشَّرْح)
هَذَا نَصهَا كَمَا فِي أَوَائِل بَاب الْحَضَانَة من كتاب الدُّرَر.
أفادت هَذِه الْقَاعِدَة حكم عكس مَا أفادته الْقَاعِدَة السَّابِقَة، فَإِن السَّابِقَة أفادت حكم مَا جَازَ بِسَبَب ثمَّ زَالَ، وَهَذِه أفادت حكم مَا امْتنع لسَبَب ثمَّ زَالَ السَّبَب الْمَانِع.
المُرَاد بِلَفْظ " عَاد " من قَوْلهم: " عَاد الْمَمْنُوع ": (ظهر) أَو (حصل) ، ليشْمل مَا وجد فِي أَصله مُمْتَنعا بمانع ثمَّ زَالَ، كَمَا فِي بعض الْفُرُوع الْآتِيَة.
(ثَانِيًا: التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل:
(أ) مِنْهَا: مَا لَو أوصى لوَارث ثمَّ امْتنع إِرْثه بمانع صحت، كَمَا لَو أوصى لِأَخِيهِ ثمَّ ولد لَهُ ابْن ثمَّ مَاتَ الْمُوصي.
(ب) وَمِنْهَا: مَا لَو وهب حِصَّة شائعة قَابِلَة للْقِسْمَة ثمَّ قسم وَسلمهَا صحت الْهِبَة.
(ج) وَمِنْهَا: مَا لَو وهب عينا لآخر فَزَاد الْمَوْهُوب لَهُ فِيهَا زِيَادَة مُتَّصِلَة غير مُتَوَلّدَة حَتَّى امْتنع حق الرُّجُوع، فَإِذا زَالَت تِلْكَ الزِّيَادَة عَاد حق الرُّجُوع.
стр. 145
(د) وَمِنْهَا: مَا لَو عوض الْمَوْهُوب لَهُ الْوَاهِب عَن هِبته امْتنع حق الرُّجُوع، فَإِذا اسْتحق الْعِوَض عَاد حق الرُّجُوع.
(هـ) وَمِنْهَا: مَا لَو انْهَدَمت الدَّار المأجورة سَقَطت الْأُجْرَة، فَإِذا بناها الْمُؤَجّر فِي الْمدَّة قبل أَن يفْسخ الْمُسْتَأْجر الْإِجَارَة عَادَتْ فِي الْمُسْتَقْبل.
(و) وَمِنْهَا: مَا لَو اطلع على عيب قديم فِي الْمَبِيع لَهُ رده، وَلَكِن إِذا حدث عِنْده عيب آخر امْتنع الرَّد، فَإِذا زَالَ الْعَيْب الْحَادِث وَلَو بمداواة المُشْتَرِي عَاد حق الرَّد.
(ز) وَمِنْهَا: مَا لَو رهن المُشْتَرِي الْمَبِيع فَاسِدا امْتنع حق الْفَسْخ، فَإِذا افتكه عَاد الْفَسْخ لَو لم يكن قضي على المُشْتَرِي بِقِيمَتِه. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، صفحة / ٤٩) وَفِي الموطن الْمَذْكُور: الأَصْل أَن الْمَانِع إِذا زَالَ بِمَا هُوَ فسخ من كل وَجه كفك رهن، وَرُجُوع فِي هبة، ورد الْمَبِيع على المُشْتَرِي (الَّذِي هُوَ البَائِع الثَّانِي) بِعَيْب بعد قَبضه بِقَضَاء، فَللْبَائِع فَاسِدا حق الْفَسْخ لَو لم يقْض بِقِيمَتِه، وَلَو زَالَ الْمَانِع بِسَبَب هُوَ بِمَنْزِلَة عقد جَدِيد فِي حق الْغَيْر، كَأَن رد على المُشْتَرِي بعد الْقَبْض بِعَيْب بتراض بَطل حق البَائِع فِي الرَّد كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا، وَلَو قضى بِقِيمَتِه بَطل حق الِاسْتِرْدَاد فِي الْوُجُوه كلهَا. انْتهى بِبَعْض توضيح.
(ح) وَمِنْهَا: مَا لَو اشْتَرَاهُ فرهنه ثمَّ اطلع على عيب قديم عِنْد البَائِع يمْتَنع الرَّد، فَإِذا افتكه فَلهُ رده. (ر: رد الْمُحْتَار، فِي خِيَار الْعَيْب) .
(ط) وَمِنْهَا: مَا لَو شهد وَهُوَ صبي أَو أعمى وَقد تحملهَا بَصيرًا فَردَّتْ، ثمَّ بلغ الصَّبِي أَو أبْصر الْأَعْمَى فَشهد بهَا تقبل. وَالْأَصْل أَنه إِذا ردَّتْ شَهَادَته لتهمة فَزَالَتْ ثمَّ شهد لَا تقبل، وَإِن ردَّتْ لشُبْهَة فَزَالَتْ ثمَّ شهد بهَا تقبل.
(ي) وَمِنْهَا: مَا لَو تنَاقض الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ ثمَّ ارْتَفع التَّنَاقُض بِتَصْدِيق الْخصم أَو بتكذيب الْحَاكِم فَإِن دَعْوَاهُ تسمع. (ر: الْمَادَّتَيْنِ / ١٦٥٣ - ١٦٥٤ / من الْمجلة.
(ك) وَمِنْهَا: مَا لَو أقرّ لآخر بِعَين فِي يَد غَيره فَإِن إِقْرَاره لَا يعْمل عمله،
стр. 146
وَلَكِن إِذا ملكهَا الْمقر يَوْمًا مَا فَإِن الْمقر لَهُ يُطَالِبهُ بِمُوجب إِقْرَاره. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من الِاسْتِحْقَاق) .
(ل) وَمِنْهَا: مَا لَو أذن الرَّاهِن للْمُرْتَهن بِاسْتِعْمَال الرَّهْن أَو إعارته، فَاسْتَعْملهُ أَو أَعَارَهُ فَإِنَّهُ يخرج من ضَمَانه فَلَو هلك فِي أثْنَاء ذَلِك يهْلك أَمَانَة فَإِذا انْتهى الْعَمَل عَاد رهنا.
(م) وَمِنْهَا: مَا لَو زَالَ سَبَب الْفساد فِي الْمجْلس فَإِنَّهُ يَنْقَلِب البيع صَحِيحا فِي بعض المفسدات.
(ن) وَمِنْهَا: مَا لَو شرى شَيْئا بِعقد فَاسد فتعيب عِنْده لَا بِفعل البَائِع ثمَّ فسخ البيع بِسَبَب الْفساد وَأخذ البَائِع الْمَبِيع ونقصان الْعَيْب ثمَّ زَالَ الْعَيْب يسْتَردّ المُشْتَرِي من البَائِع مَا دَفعه لَهُ من نُقْصَان الْعَيْب. (ر: رد الْمُحْتَار، فِي البيع الْفَاسِد قبيل قَول الْمَتْن: وَكره تَحْرِيمًا البيع عِنْد الْأَذَان الأول) .
(س) وَمِنْهَا: مَا لَو أذن الْمُسْتَأْجر للمؤجر بِبيع الْمَأْجُور فَبَاعَهُ حَتَّى انْفَسَخت الْإِجَارَة ثمَّ رد المُشْتَرِي الْعين الْمَبِيعَة بطرِيق هُوَ فسخ (كَمَا إِذا ردهَا بِعَيْب قبل الْقَبْض مُطلقًا أَو بعده بِقَضَاء) تعود الْإِجَارَة، وَبِه يُفْتى. (ر: رد الْمُحْتَار، عَن الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّة، أواسط فسخ الْإِجَارَة) .
(ع) وَمِنْهَا: مَا لَو آجر إِجَارَة مُضَافَة ثمَّ بَاعَ الْمَأْجُور أَو وهبه قبل مَجِيء الْوَقْت فَإِن الْإِجَارَة تبطل (هَذَا مَبْنِيّ على الْمُعْتَمد فِي الْمَذْهَب من عدم لُزُوم الْإِجَارَة المضافة، وَلَكِن الْمجلة على خِلَافه) فَلَو رد عَلَيْهِ بِعَيْب بِقَضَاء أَو رَجَعَ فِي الْهِبَة قبل الْوَقْت عَادَتْ الْإِجَارَة. (ر: رد الْمُحْتَار، من مَا يبطل بِالشّرطِ الْفَاسِد وَلَا يَصح تَعْلِيقه بِهِ، عِنْد قَول الْمَتْن: وَمَا تصح إِضَافَته إِلَى الْمُسْتَقْبل نقلا عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ) .
(ف) وَمِنْهَا: مَا لَو وَكله بِبيع شَيْء ثمَّ بَاعه الْمُوكل ثمَّ ارْتَفع البيع بِمَا هُوَ فسخ من كل وَجه (كَأَن رد عَلَيْهِ بِعَيْب قَضَاء) فَإِن الْوَكِيل لَو بَاعَ وَالْحَالة هَذِه يَصح. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، آخر بَاب عزل الْوَكِيل، صفحة / ٤١٨ / من الْجُزْء الرَّابِع من رد الْمُحْتَار) .
стр. 147
(ص) وَمِنْهَا: مَا لَو تزوجت صَاحِبَة حق الْحَضَانَة بِغَيْر محرم من الصَّغِير الْمَحْضُون، ثمَّ طلقت، فَإِنَّهَا يعود إِلَيْهَا حق حضانتها لزوَال الْمَانِع.
(ق) وَكَذَلِكَ لَو نشزت الزَّوْجَة ثمَّ عَادَتْ إِلَى بَيت زَوجهَا، فَإِنَّهَا يعود إِلَيْهَا اسْتِحْقَاق النَّفَقَة، لزوَال الْمَانِع أَيْضا وَهُوَ النُّشُوز.
وَقد يتَوَهَّم فِي هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ (ص) و (ق) أَنَّهُمَا قد سقط فيهمَا الْحق ثمَّ عَاد على سَبِيل الِاسْتِثْنَاء من قَاعِدَة أَن (السَّاقِط لَا يعود) الْآتِيَة. لَكِن نَص فِي الدُّرَر والشرنبلالية: أَوَائِل الْحَضَانَة، على أَن هَذَا من قبيل زَوَال الْمَانِع وعودة الْمَمْنُوع، لِأَن الْحق فيهمَا لَا يسْقط.
стр. 148
(الْقَاعِدَة الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ (الْمَادَّة / ٢٥))
(" الضَّرَر لَا يُزال بِمثلِهِ ")
(أَولا _ الشَّرْح)
الضَّرَر لَا يزَال بِمثلِهِ، وَلَا بِمَا هُوَ فَوْقه بِالْأولَى، بل بِمَا هُوَ دونه. هَذِه الْمَادَّة تصلح أَن تكون قيدا للمادة / ٢٠ / " الضَّرَر يزَال " أَي إِلَّا إِذا كَانَت إِزَالَته لَا تتيسر إِلَّا بِإِدْخَال ضَرَر مثله على الْغَيْر، فَحِينَئِذٍ لَا يرفع بل يجْبر بِقدر الْإِمْكَان. فَإِن كَانَ مِمَّا يُقَابل بعوض كالعيب الْقَدِيم إِذا اطلع عَلَيْهِ المُشْتَرِي وَقد تعيب الْمَبِيع عِنْده امْتنع الرَّد وَرجع المُشْتَرِي على بَائِعه بِمَا قَابل الثّمن، إِلَّا إِذا رَضِي بِأَخْذِهِ معيبا فَيَأْخذهُ وَيرد جَمِيع الثّمن.
وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يُقَابل بعوض كَمَا إِذا أَرَادَ صَاحب الْعُلُوّ بِنَاء السّفل المهدم ليضع عَلَيْهِ علوه وأبى الآخر فَإِن الآبي لَا يجْبر على الْعِمَارَة، وَلَكِن ينْفق صَاحب الْعُلُوّ من مَاله على الْبناء وَيمْنَع صَاحبه من الِانْتِفَاع إِلَى أَن يدْفع لَهُ مَا أنفقهُ على الْبناء إِن كَانَ بناه بِإِذْنِهِ أَو بِإِذن الْحَاكِم، وَإِلَّا فحتى يدْفع لَهُ قيمَة الْبناء يَوْم بناه.
وكما إِذا امْتنع الرَّاهِن عَن الْإِنْفَاق على الْعين الْمَرْهُونَة فَإِنَّهُ لَا يجْبر على الْإِنْفَاق، لِأَن الْإِنْسَان لَا يجْبر على الْإِنْفَاق على ملكه، وَلَكِن لما تعلق حق الْمُرْتَهن بماليتها وَحبس عينهَا وَلَا يُمكن ذَلِك بِدُونِ الْإِنْفَاق عَلَيْهَا لتبقى عينهَا، فَإِن الْحَاكِم يَأْذَن للْمُرْتَهن بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ليَكُون مَا يُنْفِقهُ دينا على الرَّاهِن. (ر: الدُّرَر، من كتاب الرَّهْن) .
стр. 149
وَإِذا كَانَ الضَّرَر لَا تتيسر إِزَالَته إِلَّا بِإِدْخَال ضَرَر على الْغَيْر مثله وَلَا يُمكن جبره يتْرك على حَاله، كَمَا إِذا لم يجد الْمُضْطَر لدفع الْهَلَاك جوعا إِلَّا طَعَام مُضْطَر مثله أَو بدن آدَمِيّ حَيّ فَإِنَّهُ لَا يُبَاح تناولهما.
وكما لَو تعسرت ولادَة الْمَرْأَة، وَالْولد حَيّ يضطرب فِي بَطنهَا، وَخيف على الْأُم فَإِنَّهُ يمْتَنع من تقطيع الْوَلَد لإخراجه، لِأَن موت الْأُم بِهِ أَمر موهوم. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من بَاب الصَّلَاة على الْجِنَازَة) .
стр. 150
(الْقَاعِدَة الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ (الْمَادَّة / ٢٦))
(" يتَحَمَّل الضَّرَر الْخَاص لدفع الضَّرَر الْعَام ")
(أَولا _ الشَّرْح)
اسْتُفِيدَ بمنطوق هَذِه الْقَاعِدَة بعض مَا أفادته الْقَاعِدَة السَّابِقَة بمفهومها الْمُخَالف، فَإِن مفهومها أَن أحد الضررين إِذا كَانَ لَا يماثل الآخر فَإِن الْأَعْلَى يزَال بالأدنى. وَعدم الْمُمَاثلَة بَين الضررين إِمَّا لخُصُوص أَحدهمَا وَعُمُوم الآخر، وَهُوَ مَا أفادته هَذِه الْقَاعِدَة، أَو لعظم أَحدهمَا على الآخر وشدته فِي نَفسه، وَهُوَ مَا أفادته الْقَاعِدَة الْآتِيَة.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
فَمن الأول: (أ) مَا تقدم فِي الْمَادَّة / ٧ / من الغرفة الوطية البارزة، والجناح الداني، والمسيل المضر، إِذا كَانَت فِي طَرِيق الْعَامَّة تزَال وَإِن كَانَت قديمَة.
(ب) وَمِنْه: الْحَائِط المتوهن إِذا كَانَ فِي الطَّرِيق، فَإِنَّهُ يجب نقضه على مَالِكه دفعا للضَّرَر الْعَام.
(ج) وَمِنْه: وجوب قتل قَاطع الطَّرِيق إِذا قتل بِأَيّ كَيْفيَّة كَانَت بِدُونِ قبُول عَفْو عَنهُ من ولي الْقَتِيل، دفعا للضَّرَر الْعَام.
(د) وَمِنْه: حبس العائن، وَقتل السَّاحر إِذا أخذا قبل التَّوْبَة، وَقتل الخناق إِذا تكَرر مِنْهُ ذَلِك، وَوُجُوب قتل كل مؤذ لَا ينْدَفع أَذَاهُ إِلَّا بِالْقَتْلِ، كَمَا أفتى بِهِ الناصحي (ر: الدّرّ الْمُخْتَار من بَاب التَّعْزِير) .
стр. 151
(هـ) وَمِنْه: جَوَاز التسعير إِذا تعدى أَرْبَاب الْقُوت فِي بَيْعه بِالْغبنِ الْفَاحِش (وَفسّر هُنَا بِضعْف الْقيمَة) وَرُبمَا كَانَ مفرعاً على مُقَابل الصَّحِيح لِأَن الْغبن الْفَاحِش مَا لَا يدْخل تَحت تَقْوِيم المقومين.
(و) وَمِنْه: بيع الْفَاضِل من طَعَام المحتكر عَن قوته وقوت عِيَاله إِلَى وَقت السعَة (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من الْحَظْر وَالْإِبَاحَة) .
(ز) وَمن ذَلِك: الْمَنْع من اتِّخَاذ حَانُوت للطبخ أَو للحدادة مثلا بَين البزازين.
(ح) وَمِنْه: جَوَاز الْحجر على الطَّبِيب الْجَاهِل (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من الْحجر) .
(ط) وَمِنْه: جَوَاز خرب العقارات الْمُجَاورَة للحريق لمنع السريان بِإِذن الإِمَام (ر: الْمَادَّة / ٩١٩ / من الْمجلة) فَلَو هدمها بِغَيْر إِذن الإِمَام ضمن قيمتهَا معرضة للحريق.
(ي) وَمِنْه: مَا فِي الْمَادَّة / ١٣٢٥ / من الْمجلة.
(ك) وَمِنْه: جَوَاز الْمُرُور فِي ملك الْغَيْر لإِصْلَاح النَّهر الْعَام كالفرات، فَإِن فِيهِ ضَرَر الْخَاص لدفع الضَّرَر الْعَام وَهُوَ يجوز (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ٢٧٢) .
стр. 152
(الْقَاعِدَة السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ (الْمَادَّة / ٢٧))
(" الضَّرَر الأشد يزَال بِالضَّرَرِ الأخف ")
(أَولا _ الشَّرْح)
أفادت هَذِه الْقَاعِدَة حكم النَّوْع الثَّانِي من النَّوْعَيْنِ الداخلين فِي مَفْهُوم الْقَاعِدَة / ٢٥ / كَمَا بَيناهُ سَابِقًا.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
مِمَّا تفرع على هَذِه الْقَاعِدَة: (أ) وجوب النَّفَقَات فِي مَال الموسرين لأصولهم وفروعهم (لَكِن لَا يشْتَرط فِي نَفَقَة الْأَبَوَيْنِ الْيَسَار بل إِذا كَانَ كسوباً ضمهما إِلَيْهِ) وأرحامهم الْمَحَارِم من النّسَب المحتاجين.
(ب) وَمِنْه: حبس من وَجَبت عَلَيْهِ النَّفَقَة إِذا امْتنع عَن أَدَائِهَا وَلَو نَفَقَة ابْنه وَجَوَاز ضربه فِي الْحَبْس إِذا امْتنع عَن الْإِنْفَاق.
(ج) وَمِنْه: مَا لَو بنى أَو غرس فِي الْعَرَصَة بزعم سَبَب شَرْعِي، كَمَا لَو ورث إِنْسَان أَرضًا فَبنى فِيهَا أَو غرس ثمَّ اسْتحقَّت فَإِنَّهُ ينظر إِلَى قيمَة الْبناء أَو الْغِرَاس مَعَ قيمَة الْعَرَصَة فَأَيّهمَا كَانَ أَكثر قيمَة يتَمَلَّك صَاحبه الآخر بِقِيمَتِه جبرا على مَالِكه. أما لَو غصب أَرضًا فَبنى فِيهَا أَو غرس ثمَّ طلبَهَا مَالِكهَا فَإِن الْغَاصِب يُؤمر بقلع الْبناء أَو الْغَرْس مهما بلغت قِيمَته، إِلَّا إِذا كَانَ قلعهما يضر بِالْأَرْضِ فَإِن الْمَالِك يتملكهما بقيمتهما مستحقين للقلع (ر: الْمَادَّة / ٩٠٦ / من الْمجلة) .
стр. 153
(تَنْبِيه:)
يضْرب السجين فِي ثَلَاث: ١ - إِذا امْتنع عَن الْإِنْفَاق على رَحمَه الْمحرم يحبس، فَإِذا امْتنع أَيْضا يضْرب.
٢ - إِذا امْتنع عَن كَفَّارَة الظِّهَار يحبس، فَإِذا امْتنع أَيْضا ضرب.
٣ - إِذْ امْتنع عَن الْقسم بَين زَوْجَاته يحبس، فَإِذا امْتنع أَيْضا يضْرب. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، الْقَضَاء) .
стр. 154
(الْقَاعِدَة السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ (الْمَادَّة / ٢٨))
(" إِذا تعَارض مفسدتان روعي أعظمهما ضَرَرا بارتكاب أخفهما ")
(أَولا _ الشَّرْح)
مُرَاعَاة أعظمهما تكون بإزالته، لِأَن الْمَفَاسِد تراعى نفيا، كَمَا أَن الْمصَالح تراعى إِثْبَاتًا.
قَالَ بَعضهم: إِن هَذِه الْقَاعِدَة عين السَّابِقَة.
وَلَكِن يُمكن أَن يدعى تَخْصِيص الأولى بِمَا إِذا كَانَ الضَّرَر الأشد وَاقعا وَأمكن إِزَالَته بالأخف كَمَا فِي الْأَمْثِلَة المسوقة فِيهَا، وَتَخْصِيص هَذِه بِمَا إِذا تعَارض الضرران وَلم يَقع أَحدهمَا بعد. وَهَذَا أحسن من دَعْوَى التّكْرَار، إِذْ التأسيس أولى من التَّأْكِيد إِذا أمكن. وَإِلَى هَذَا التَّخْصِيص يُشِير التَّعْبِير بيزال فِي الأولى وبتعارض فِي الثَّانِيَة.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة: (أ) تَجْوِيز أَخذ الْأُجْرَة على مَا دعت إِلَيْهِ الضَّرُورَة من الطَّاعَات، كالأذان، والإمامة وَتَعْلِيم الْقُرْآن وَالْفِقْه.
(ب) وتجويز السُّكُوت على الْمُنكر إِذا كَانَ يَتَرَتَّب على إِنْكَاره ضَرَر أعظم، كَمَا تجوز طَاعَة الْأَمِير الجائر إِذا كَانَ يَتَرَتَّب على الْخُرُوج عَلَيْهِ شَرّ أعظم.
стр. 155
(ج) وَمِنْه: جَوَاز شقّ بطن الْميتَة لإِخْرَاج الْوَلَد إِذا كَانَ ترجى حَيَاته (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، الْجَنَائِز) .
стр. 156
(الْقَاعِدَة الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ (الْمَادَّة / ٢٩))
(" يخْتَار أَهْون الشرين ")
(الشَّرْح مَعَ التطبيق)
هَذِه الْقَاعِدَة عين سابقتها، وَمَا قيل فِيهَا يُقَال فِي هَذِه.
стр. 157
((الصفحة فارغة))
стр. 158
(الْقَاعِدَة التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ (الْمَادَّة / ٣٠))
(" دَرْء الْمَفَاسِد أولى من جلب الْمصَالح ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" دَرْء الْمَفَاسِد أولى من جلب الْمصَالح " فَإِذا تَعَارَضَت مفْسدَة ومصلحة قدم دفع الْمفْسدَة غَالِبا، لِأَن اعتناء الشَّارِع بالمنهيات أَشد من اعتنائه بالمأمورات. قَالَ ﵊: (مَا نَهَيْتُكُمْ عَنهُ فَاجْتَنبُوهُ، وَمَا أَمرتكُم بِهِ فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم) ، رَوَاهُ الإِمَام النَّوَوِيّ فِي الْأَرْبَعين.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
مِمَّا تفرع على هَذِه الْقَاعِدَة: (أ) أَن كلا من صَاحب السّفل وَصَاحب الْعُلُوّ لَيْسَ لَهُ أَن يتَصَرَّف تَصرفا مضراً بِالْآخرِ، وَإِن كَانَ يتَصَرَّف فِي خَالص ملكه وَله مَنْفَعَة. (ر: الْمَادَّة / ١١٩٢ / من الْمجلة) .
(ب) وَمِمَّا يتَفَرَّع عَلَيْهَا أَيْضا: الْحجر على السَّفِيه.
(ج) وَمِنْه: أَنه لَيْسَ للْإنْسَان أَن يفتح كوَّة تشرف على مقرّ نسَاء جَاره، بل يُكَلف أَن يتَّخذ فِيهَا مَا يقطع النّظر. وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَن يحدث فِي ملكه مَا يضر بجاره ضَرَرا بَينا، كاتخاذه بِجَانِب دَار جَاره طاحوناً مثلا يوهن الْبناء أَو معصرة أَو فرناً يمْنَع السُّكْنَى بالرائحة وَالدُّخَان. وَكَذَا لَو اتخذ بِجَانِب دَار جَاره كنيفاً أَو بالوعة أَو ملقى قمامات يضر بالجدار فَلصَاحِب الْجِدَار أَن يكلفه إِزَالَة
стр. 159
الضَّرَر (ر: الْمَادَّة / ١٢٠٠ / من الْمجلة) وَإِذا كَانَ الضَّرَر لَا يَزُول إِلَّا بِرَفْعِهِ بالمرة فَإِنَّهُ يرفع (ر: الْمَادَّة / ١٢١٢ / من الْمجلة) وَإِن كَانَ لمحدثه مَنْفَعَة فِي إبقائه لِأَن دَرْء الْمَفَاسِد أولى من جلب الْمَنَافِع.
(د) وَمِنْه: مَا تقدم تَحت الْمَادَّة / ٢٦ / من أَنه يمْنَع من اتِّخَاذ حَانُوت للطبخ أَو للحدادة بَين البزازين كَمَا تُشِير إِلَيْهِ الْقَاعِدَة (ر: الْمَادَّة / ٢٥) .
(هـ) وجوزوا الْكَذِب بَين المتعاديين للإصلاح.
وَالظَّاهِر أَن هَذَا (أَي تَقْدِيم الْمَنْفَعَة ومراعاتها حِين تربو على الْمفْسدَة) فِيمَا إِذا كَانَت الْمفْسدَة عَائِدَة على نفس الْفَاعِل، كَمَسْأَلَة تَجْوِيز الْكَذِب الْمَذْكُورَة، أما إِذا كَانَت الْمفْسدَة عَائِدَة لغيره، كَمَسْأَلَة الْعُلُوّ والسفل الْمُتَقَدّمَة ونظائرها، فَإِنَّهُ يمْنَع مِنْهَا لمُجَرّد وجود الضَّرَر للْغَيْر وَإِن كَانَت الْمَنْفَعَة تربو كثيرا على الْمفْسدَة.
стр. 160
(الْقَاعِدَة المكملة ثَلَاثِينَ (الْمَادَّة / ٣١))
(" الضَّرَر يدْفع بِقدر الْإِمْكَان ")
(أَولا _ الشَّرْح)
الضَّرَر يدْفع بِقدر الْإِمْكَان، فَإِن أمكن دَفعه بِالْكُلِّيَّةِ فبها، وَإِلَّا فبقدر مَا يُمكن. فَإِن كَانَ مِمَّا يُقَابل بعوض جبر بِهِ كَمَا تقدم التَّمْثِيل بِهِ تَحت الْمَادَّة / ٢٥ /.
وكما لَو عَفا بعض أَوْلِيَاء الْقَتِيل عَن الْقصاص انْقَلب نصيب البَاقِينَ دِيَة.
وكما فِي الْمَغْصُوب فَإِنَّهُ يدْفع الضَّرَر برده إِذا بَقِي عينه وَكَانَ سليما، فَإِن لم تبْق عينه أَو بقيت وَلَكِن غير سليمَة بِأَن تعيبت، فَفِي الأول: يجْبر الضَّرَر برد مثله أَو قِيمَته، سَوَاء كَانَ عدم بَقَائِهِ حَقِيقِيًّا كالطعام إِذا أكله الْغَاصِب، أَو حكمياً كَمَا إِذا كَانَت شَاة مثلا فذبحها وطبخها أَو حِنْطَة فطحنها، وَفِي الثَّانِي: إِن كَانَ الْعَيْب فَاحِشا (وَهُوَ مَا فَوت بعض الْمَنْفَعَة) ، فَإِذا كَانَ الْمَغْصُوب غير رِبَوِيّ يتَخَيَّر الْمَالِك فِي جبر الضَّرَر بَين أَخذه وتضمين الْغَاصِب مَا نقص بِالْعَيْبِ أَو طَرحه عَلَيْهِ وتضمينه الْقيمَة، وَإِن كَانَ ربوياً يتَخَيَّر بَين أَخذه معيبا بِلَا ضَمَان النُّقْصَان أَو طَرحه عَلَيْهِ وتضمينه مثله أَو قِيمَته من خلاف جنسه فِي مثل مَسْأَلَة الْقلب، وَإِن كَانَ غير فَاحش (وَهُوَ مَا فَوت الْجَوْدَة وَنقص الْمَالِيَّة) كالحرق الْيَسِير فَإِن جبر الضَّرَر يتَعَيَّن بِأَخْذِهِ وتضمين النُّقْصَان إِلَّا فِي الرِّبَوِيّ فَإِن حكمه مَا تقدم.
أما إِذا لم يُمكن دفع الضَّرَر بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا جبره فَإِنَّهُ يتْرك على حَاله كَمَا مثلنَا
стр. 161
بِهِ تَحت الْكَلَام على الْمَادَّة / ٢٥ / وكما إِذا أخرج المُشْتَرِي الْمَبِيع عَن ملكه وَلم يكن حدث عِنْده مَا يمْنَع الرَّد ثمَّ اطلع على عيب قديم فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يرجع بِنُقْصَان الْعَيْب.
وَقد تقدم مسَائِل إِزَالَة الضَّرَر بِقدر الْإِمْكَان بأزيد من هَذَا فِي أثْنَاء الْكَلَام على الْمَادَّة / ٥ / وَقد أعدناها هُنَا بأمثلة غير الَّتِي تقدّمت زِيَادَة للإيضاح.
(تَنْبِيه:)
إِنَّمَا قيدنَا بِالْإِخْرَاجِ فِي قَوْلنَا أخيراً " كَمَا إِذا أخرج المُشْتَرِي الْمَبِيع عَن ملكه " لِأَنَّهُ لَو هلك فِي يَده أَو أعْتقهُ لَا على مَال أَو وَقفه فَإِنَّهُ يرجع بِنُقْصَان الْعَيْب.
стр. 162
(الْقَاعِدَة الْحَادِيَة وَالثَّلَاثُونَ (الْمَادَّة / ٣٢))
(" الْحَاجة تنزل منزلَة الضَّرُورَة، عَامَّة كَانَت أَو خَاصَّة ")
(أَولا _ الشَّرْح)
الْحَاجة تتنزل فِيمَا يحظره ظَاهر الشَّرْع منزلَة الضَّرُورَة عَامَّة كَانَت أَو خَاصَّة. وتنزيلها منزلَة الضَّرُورَة فِي كَونهَا تثبت حكما. وَإِن افْتَرقَا فِي كَون حكم الأولى مستمراً وَحكم الثَّانِيَة موقتاً بِمدَّة قيام الضَّرُورَة إِذْ الضَّرُورَة تقدر بِقَدرِهَا.
وكيفما كَانَت الْحَاجة فَالْحكم الثَّابِت بِسَبَبِهَا يكون عَاما بِخِلَاف الحكم الثَّابِت بِالْعرْفِ وَالْعَادَة فَإِنَّهُ يكون مُقْتَصرا وخاصاً بِمن تعارفوه وتعاملوا عَلَيْهِ واعتادوه، وَذَلِكَ لِأَن الْحَاجة إِذا مست إِلَى إِثْبَات حكم تسهيلاً على قوم لَا يمْنَع ذَلِك من التسهيل على آخَرين وَلَا يضر، بِخِلَاف الحكم الثَّابِت بِالْعرْفِ وَالْعَادَة فَإِنَّهُ يقْتَصر على أهل ذَلِك الْعرف إِذْ لَيْسَ من الْحِكْمَة إِلْزَام قوم بعرف آخَرين وعادتهم ومؤاخذاتهم بهَا.
ثمَّ الضَّرُورَة فِي الْحَالة الملجئة إِلَى مَا لَا بُد مِنْهُ.
وَالْحَاجة هِيَ الْحَالة الَّتِي تستدعي تيسيراً أَو تسهيلاً لأجل الْحُصُول على الْمَقْصُود، فَهِيَ دون الضَّرُورَة من هَذِه الْجِهَة، وَإِن كَانَ الحكم الثَّابِت لأَجلهَا مستمراً، وَالثَّابِت للضَّرُورَة موقتاً كَمَا تقدم.
ثمَّ إِنَّمَا يُضَاف تَجْوِيز الحكم إِلَى الْحَاجة فِيمَا يظْهر إِذا كَانَ تجويزه مُخَالفا للْقِيَاس، وَإِلَّا كَانَت إِضَافَته للْقِيَاس أولى.
стр. 163
وَالظَّاهِر أَن مَا يجوز للْحَاجة إِنَّمَا يجوز فِيمَا ورد فِيهِ نَص يجوزه، أَو تعامل، أَو لم يرد فِيهِ شَيْء مِنْهُمَا وَلَكِن لم يرد فِيهِ نَص يمنعهُ بِخُصُوصِهِ وَكَانَ لَهُ نَظِير فِي الشَّرْع يُمكن إِلْحَاقه بِهِ وَجعل مَا ورد فِي نَظِيره وارداً فِيهِ.
كَمَا فِي بيع الْوَفَاء فَإِن مُقْتَضَاهُ عدم الْجَوَاز، لِأَنَّهُ إِمَّا من قبيل الرِّبَا لِأَنَّهُ انْتِفَاع بِالْعينِ بِمُقَابلَة الدّين، أَو صَفْقَة مَشْرُوطَة فِي صَفْقَة كَأَنَّهُ قَالَ: بِعته مِنْك بِشَرْط أَن تبيعه مني إِذا جئْتُك بِالثّمن. وَكِلَاهُمَا غير جَائِز، وَلَكِن لما مست الْحَاجة إِلَيْهِ فِي بُخَارى بِسَبَب كَثْرَة الدُّيُون على أَهلهَا جوز على وَجه أَنه رهن أُبِيح الِانْتِفَاع بأنزاله، وَالرَّهْن على هَذِه الْكَيْفِيَّة جَائِز.
أَو كَانَ لم يرد فِيهِ نَص يجوزه أَو تعامل، وَلم يرد فِيهِ نَص يمنعهُ، وَلم يكن لَهُ نَظِير جَائِز فِي الشَّرْع يُمكن إِلْحَاقه بِهِ، وَلَكِن كَانَ فِيهِ نفع ومصلحة. كَمَا وَقع فِي الصَّدْر الأول من تدوين الدَّوَاوِين، وَضرب الدَّرَاهِم، والعهد بالخلافة وَغير ذَلِك مِمَّا لم يَأْمر بِهِ الشَّرْع وَلم ينْه عَنهُ وَلم يكن لَهُ نَظِير قبل، فَإِنَّهُ دعت إِلَيْهِ الْحَاجة وسوغته الْمصلحَة، بِخِلَاف الضَّرُورَة فَإِن مَا يجوز لأَجلهَا لَا يعْتَمد شَيْئا من ذَلِك.
أما مَا لم يرد فِيهِ نَص يسوغه، وَلَا تعاملت عَلَيْهِ الْأمة، وَلم يكن لَهُ نَظِير فِي الشَّرْع يُمكن إِلْحَاقه بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مصلحَة عملية ظَاهِرَة، فَإِن الَّذِي يظْهر عندئذ عدم جَوَازه، جَريا على ظواهر الشَّرْع، لِأَن مَا يتَصَوَّر فِيهِ أَنه حَاجَة وَالْحَالة هَذِه يكون غير منطبق على مَقَاصِد الشَّرْع. وَقد ذكر ابْن الْهمام أَن نفي الْمدْرك الشَّرْعِيّ يَكْفِي لنفي الحكم الشَّرْعِيّ (ر: فتح الْقَدِير فِي بَاب شُرُوط الصَّلَاة) .
وَأما مَا ورد فِيهِ نَص يمنعهُ بِخُصُوصِهِ فَعدم الْجَوَاز فِيهِ وَاضح وَلَو ظنت فِيهِ مصلحَة لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ وهم. (ر: مَا سَيَأْتِي تَحت الْقَاعِدَة / ٣٨) .
стр. 164
(ثَانِيًا _ التطبيق)
مِمَّا فرع على هَذِه الْقَاعِدَة: (أ) تَجْوِيز الْإِجَارَة، فَإِنَّهَا جوزت بِالنَّصِّ على خلاف الْقيَاس، للْحَاجة إِلَيْهَا، وَذَلِكَ لِأَن عقد الْإِجَارَة يرد على الْمَنَافِع وَهِي مَعْدُومَة، وتمليك الْمَعْدُوم قبل وجوده يَسْتَحِيل، وَلَا يُمكن جعل العقد فِيهَا مُضَافا إِلَى زمن وجود الْمَنْفَعَة لِأَن التمليكات لَا تقبل الْإِضَافَة.
(ب) وَمِنْه: تَجْوِيز السّلم، فَإِنَّهُ جوز بِالنَّصِّ أَيْضا على خلاف الْقيَاس للْحَاجة، لِأَنَّهُ بيع الْمَعْدُوم أَيْضا.
(ج) وَمِنْه: تَجْوِيز ضَمَان الدَّرك، فَإِنَّهُ جوز بِالْإِجْمَاع، على خلاف الْقيَاس. وَذَلِكَ لِأَن الْكفَالَة من جِهَة الْمَطْلُوب، وَهُوَ الْمَكْفُول عَنهُ، بِمَنْزِلَة الطَّلَاق وَالْعتاق لَا تتَوَقَّف على قبُوله، وَمن جِهَة الطَّالِب، وَهُوَ الْمَكْفُول لَهُ، بِمَنْزِلَة البيع لِأَنَّهَا تملكه حق مُطَالبَة الْكَفِيل، فتستدعي التَّنْجِيز كَسَائِر التمليكات، وَضَمان الدَّرك عبارَة عَن ضَمَان الثّمن للْمُشْتَرِي عِنْد اسْتِحْقَاق الْمَبِيع، فَهُوَ كَفَالَة مُضَافَة، وَالْقِيَاس يأباها لِأَنَّهَا تمْلِيك للطَّالِب كَمَا ذكرنَا، والتمليكات لَا تقبل الْإِضَافَة، لَكِنَّهَا جوزت بِالْإِجْمَاع (ر: الْهِدَايَة، من الْكفَالَة) لمَكَان التَّعَامُل، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلمن جَاءَ بِهِ حمل بعير وَأَنا بِهِ زعيم﴾ على مَا فِيهِ من الْبَحْث.
(د) وَمِنْه: تجويزهم اسْتِئْجَار السمسار على أَنه لَهُ فِي كل مائَة كَذَا، فَإِن الْقيَاس يمنعهُ، وَيُوجب لَهُ أجر الْمثل. وَلَكِن جوزوه للتعامل (ر: رد الْمُحْتَار، من الْإِجَارَة الْفَاسِدَة، نقلا عَن التَّتارْخَانِيَّة عَن مُحَمَّد بن سَلمَة) وَقَالَ عقبه: وَكثير من هَذَا غير جَائِز فجوزوه لحَاجَة النَّاس إِلَيْهِ.
(هـ) وَمِنْه: تَجْوِيز اسْتِئْجَار الظِّئْر للإرضاع، على القَوْل بِأَن العقد يرد على اللَّبن والخدمة تثبت تبعا، فَإِنَّهُ جوز للْحَاجة، بالتعامل وَبِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ ، وَإِلَّا فَالْقِيَاس يأباه لِأَنَّهُ وَارِد على اسْتِهْلَاك الْعين، وَالْإِجَارَة إِذا وَردت على اسْتِهْلَاك الْأَعْيَان مَقْصُودا لَا تجوز.
стр. 165
(و) وَمِنْه: تَجْوِيز الاستصناع فِيمَا فِيهِ تعامل، على الصَّحِيح من أَن الاستصناع بيع لَا عدَّة، فَإِن الْقيَاس يأباه لِأَنَّهُ بيع الْمَعْدُوم، لَكِن جوزوه اسْتِحْسَانًا بِالْإِجْمَاع للْحَاجة بِسَبَب تعامل النَّاس عَلَيْهِ. وَمَا فِيهِ من الْخلاف فَلَيْسَ فِي أصل جَوَازه بل فِي أَنه بيع أَو عدَّة.
(ز) وَمِنْه: تَجْوِيز دُخُول الْحمام بِأَجْر، فَمُقْتَضى الْقيَاس عدم جَوَازه، لِأَنَّهُ وَارِد على اسْتِهْلَاك الْأَعْيَان وَهُوَ المَاء الْحَار، وَمَعَ ذَلِك فَإِن مَا يَسْتَوْفِيه كل من الآخر مَجْهُول. لكنه جوز لحَاجَة النَّاس، بالتعامل، وَله نَظِير فِي الشَّرْع يُمكن إِلْحَاقه بِهِ، وَهُوَ جَوَاز اسْتِئْجَار الظِّئْر بطعامها وكسوتها (ر: تنوير الْأَبْصَار، من الْإِجَارَة الْفَاسِدَة) فَإِن مَا يَسْتَوْفِيه كل من الْمُؤَجّر وَالْمُسْتَأْجر من صَاحبه مَجْهُول. وَهَذَا النظير (أَعنِي اسْتِئْجَار الظِّئْر بطعامها وكسوتها) هُوَ من السوابق الشائعة من صدر الْإِسْلَام بِلَا نَكِير، وجوازه مَرْوِيّ عَن أبي حنيفَة نَفسه (كَمَا فِي شُرُوح الْهِدَايَة ورد الْمُحْتَار من الْإِجَارَة الْفَاسِدَة) .
(ح) وَمِنْه: تَجْوِيز الْوَصِيَّة، فَإِن الْقيَاس يأباها لِأَنَّهَا تمْلِيك مُضَاف لما بعد الْمَوْت، والتمليكات لَا تقبل الْإِضَافَة، وَأَيْضًا بِالْمَوْتِ ينْتَقل الْملك إِلَى الْوَارِث فَلم يبْق ملك للمورث بعد الْمَوْت حَتَّى يملك تَمْلِيكه للْغَيْر. وَلَكِن جوزت بِنَصّ الْكتاب الْعَزِيز، للْحَاجة.
стр. 166
(الْقَاعِدَة الثَّانِيَة وَالثَّلَاثُونَ (الْمَادَّة / ٣٣))
(" الِاضْطِرَار لَا يبطل حق الْغَيْر ")
(أَولا _ الشَّرْح)
الِاضْطِرَار لَا يبطل حق الْغَيْر سَوَاء كَانَ الِاضْطِرَار: (١) بِأَمْر سماوي، كالمجاعة وَالْحَيَوَان الصَّائِل، (٢) أَو غير سماوي، كالإكراه الملجئ.
فَفِي الأول: يجوز لَهُ أَن يَأْكُل من مَال الْغَيْر بِقدر مَا يدْفع بِهِ الْهَلَاك عَن نَفسه جوعا، وَيدْفَع الصَّائِل بِمَا أمكن وَلَو بِالْقَتْلِ، وَيضمن فِي المحلين وَإِن كَانَ مُضْطَرّا، فَإِن الِاضْطِرَار يظْهر فِي حل الْإِقْدَام لَا فِي رفع الضَّمَان وَإِبْطَال حق الْغَيْر.
وَفِي الثَّانِي: إِذا كَانَ وارداً على إِتْلَاف مَال الْغَيْر، فَإِن الْمُكْره (بِالْكَسْرِ) يضمنهُ، أما غير الملجئ فَإِنَّهُ لَا يُبِيح الْإِقْدَام على الْإِتْلَاف وَلَو أقدم فَإِن الضَّمَان عَلَيْهِ لَا على الْمُكْره لِأَن الِاضْطِرَار لَا يتَحَقَّق فِي غير الملجئ بِالنِّسْبَةِ لمَال الْغَيْر.
(تَنْبِيه:)
الظَّاهِر أَن ضَمَان الْمُكْره (بِالْكَسْرِ) لَا يخْتَص بِمَا إِذا كَانَ الْمُكْره على إِتْلَافه مَال الْغَيْر، بل مثله مَا إِذا كَانَ مَال الْمُكْره (بِالْفَتْح) بِدَلِيل مَا نصوا عَلَيْهِ من أَنه لَو أكره على أكل طَعَام نَفسه وَكَانَ غير جَائِع فَإِن الْمُكْره يضمنهُ لَهُ.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
بِالْإِضَافَة للمسائل الْوَارِدَة فِي (قسم الشَّرْح) :
стр. 167
(أ) مِنْهَا: مَا لَو انْتَهَت مُدَّة الْإِجَارَة أَو الْعَارِية وَالزَّرْع بقل لم يحصد بعد، فَإِنَّهُ يبْقى إِلَى أَن يستحصد، وَلَكِن بِأَجْر الْمثل، لِأَن اضطرار الْمُسْتَأْجر وَالْمُسْتَعِير لإبقائه لَا يبطل حق الْمَالِك فتلزم الْأُجْرَة.
(ب) وَكَذَلِكَ: لَو انْتَهَت مُدَّة إِجَارَة الظِّئْر، وَقد صَار الرَّضِيع لَا يَأْخُذ ثدي غَيرهَا، وَلم يسْتَغْن بِالطَّعَامِ، فَإِنَّهَا تجبر على إرضاعه وَلَكِن بِأَجْر الْمثل.
(ج) وَكَذَا مَا ذكرُوا من أَنه لَو علق طَلَاق زَوجته على فعل نَفسه الَّذِي لَا بُد مِنْهُ، وَكَانَ التَّعْلِيق فِي الصِّحَّة وَالشّرط فِي الْمَرَض، يكون فَارًّا وترث، لِأَن اضطراره إِلَى فعل مَا لَا بُد مِنْهُ لَا يبطل حق زَوجته فِي الْإِرْث فترث. (ر: الدُّرَر وَغَيره، من بَاب طَلَاق الْمَرِيض) .
стр. 168
(الْقَاعِدَة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثُونَ (الْمَادَّة / ٣٤))
(" مَا حرم أَخذه حرم إِعْطَاؤُهُ ")
(أَولا _ الشَّرْح)
معنى هَذِه الْقَاعِدَة أَن الشَّيْء الْمحرم الَّذِي لَا يجوز لأحد أَن يَأْخُذهُ ويستفيد مِنْهُ يحرم عَلَيْهِ أَيْضا أَن يقدمهُ لغيره وَيُعْطِيه إِيَّاه سَوَاء أَكَانَ على سَبِيل المنحة ابْتِدَاء أم على سَبِيل الْمُقَابلَة، وَذَلِكَ لِأَن إعطاءه الْغَيْر عندئذ يكون من قبيل الدعْوَة إِلَى الْمحرم أَو الْإِعَانَة والتشجيع عَلَيْهِ، فَيكون الْمُعْطِي شريك الْفَاعِل. وَمن الْمُقَرّر شرعا أَنه كَمَا لَا يجوز فعل الْحَرَام لَا يجوز الْإِعَانَة والتشجيع عَلَيْهِ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ .
(ثَانِيًا _ التطبيق)
(أ) كَمَا يحرم أَخذ الرِّبَا يحرم إِعْطَاؤُهُ.
(ب) وَكَذَلِكَ: الرِّشْوَة، وَلَا تملك بِالْقَبْضِ، وَيجب ردهَا وَلَو كَانَت بِغَيْر طلب المرتشي.
(ج) وَكَذَلِكَ حلوان الكاهن، وَأُجْرَة الْمُغنِي، والزامر، والنائحة، والواشمة، والواشرة، والمتوسطة لعقد النِّكَاح، والمصلح بَين المتخاصمين، وعسب التيس، وَأَصْحَاب المعازف، والقراد، والمسخرة، وَالْقصاص وَلَو بمغازي رَسُول الله [ ﷺ ] إِذا كَانَ مَشْرُوطًا لَهُم.
стр. 169
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
يسْتَثْنى من عُمُوم الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة: (أ) مَا يدْفع للشاعر وَنَحْوه للتخلص من هجوه.
(ب) وَمَا يَدْفَعهُ الْمُسْتَقْرض بالربا إِذا كَانَ مُحْتَاجا.
(ج) وَمَا يَدْفَعهُ الْوَصِيّ من بعض مَال الْيَتِيم لتخليص الْبَاقِي.
(د) وَمَا يَدْفَعهُ الْإِنْسَان لتسوية أمره عِنْد السُّلْطَان أَو الْأَمِير.
فَإِنَّهُ (أَي جَمِيع مَا دفع فِي هَذِه الْوُجُوه) يحرم على الْآخِذ، دون الْمُعْطِي.
стр. 170
(الْقَاعِدَة الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ (الْمَادَّة / ٣٥))
(" مَا حرم فعله حرم طلبه ")
(أَولا _ الشَّرْح)
مَا حرم فعله حرم طلبه، وَكَذَا مَا يكره فعله يكره طلبه، إِذْ السُّكُوت على الْحَرَام أَو الْمَكْرُوه والتمكين مِنْهُ حرَام ومكروه، وَلَا شكّ أَن طلبه فَوق السُّكُوت عَلَيْهِ والتمكين مِنْهُ، فَيكون مثله فِي أصل الْحُرْمَة بِالْأولَى وَإِن تفاوتت الحرمتان بِالْقُوَّةِ.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
(أ) كَمَا لَا يجوز غش الْغَيْر، وَلَا خديعته، وَلَا خيانته، وَلَا إِتْلَاف مَاله، وَلَا سَرقته، وَلَا غَضَبه، وَلَا الرِّشْوَة، وَلَا فعل مَا يُوجب حدا أَو تعزيراً أَو إساءة: لَا يجوز طلب شَيْء مِنْهَا أَن يَفْعَله الْغَيْر.
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
يسْتَثْنى من الْقَاعِدَة مَسْأَلَة، وَهِي: مَا لَو ادّعى دَعْوَى صَادِقَة فَأنْكر الْخصم فَلهُ طلب تَحْلِيفه. وَفِي الْحَقِيقَة لَا اسْتثِْنَاء، لِأَن طلب الْيَمين يكون رَجَاء لظُهُور الْحق بِنُكُولِهِ عَن الْيَمين الكاذبة لَا رَجَاء الْإِقْدَام عَلَيْهَا.
стр. 171
((الصفحة فارغة))
стр. 172
(الْقَاعِدَة الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ (الْمَادَّة / ٣٦))
(" الْعَادة محكمَة ")
(أَولا _ الشَّرْح)
يَعْنِي أَن الْعَادة عَامَّة كَانَت أَو خَاصَّة تجْعَل حكما لإِثْبَات حكم شَرْعِي لم ينص على خِلَافه بِخُصُوصِهِ، فَلَو لم يرد نَص يُخَالِفهَا أصلا، أَو ورد وَلَكِن عَاما، فَإِن الْعَادة تعْتَبر على مَا سَيَأْتِي.
أصل هَذِه الْقَاعِدَة قَول ابْن مَسْعُود، ﵁: " مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن، وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ قبيحاً فَهُوَ عِنْد الله قَبِيح "، وَهُوَ حَدِيث حسن. وَإنَّهُ وَإِن كَانَ مَوْقُوفا عَلَيْهِ فَلهُ حكم الْمَرْفُوع، لِأَنَّهُ لَا مدْخل للرأي فِيهِ.
الْعَادة: هِيَ الِاسْتِمْرَار على شَيْء مَقْبُول للطبع السَّلِيم، والمعاودة إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى. وَهِي المرادة بِالْعرْفِ العملي.
فَالْمُرَاد بهَا حِينَئِذٍ مَا لَا يكون مغايراً لما عَلَيْهِ أهل الدّين وَالْعقل الْمُسْتَقيم وَلَا مُنْكرا فِي نظرهم. وَالْمرَاد من كَونهَا عَامَّة: أَن تكون مطردَة أَو غالبة فِي جَمِيع الْبلدَانِ، وَمن كَونهَا خَاصَّة: أَن تكون كَذَلِك فِي بَعْضهَا، فالاطراد وَالْغَلَبَة شَرط لاعتبارها سَوَاء كَانَت عَامَّة أَو خَاصَّة. (ر: مَا يَأْتِي فِي الْمَادَّة / ٤١ و ٤٢) .
ثمَّ إِذا لم يرد نَص مُخَالف يشملها فَلَا كَلَام فِي اعْتِبَارهَا، فقد نقل ابْن عابدين أَن الْعَادة إِحْدَى حجج الشَّرْع فِيمَا لَا نَص فِيهِ. (ر: رد الْمُحْتَار، من
стр. 173
فصل بُلُوغ الْغُلَام) وَنقل أَيْضا أَن الْبناء على الْعَادة الظَّاهِرَة وَاجِب. (ر: رد الْمُحْتَار، من كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي، عَن الْعَيْنِيّ بِلَفْظِهِ) .
أما إِذا ورد فإمَّا أَن يكون نصا فِي مخالفتها فَلَا كَلَام فِي اعْتِبَاره دونهَا مُطلقًا عَامَّة كَانَت أَو خَاصَّة، لِأَن النَّص أقوى من الْعرف. (ر: رد الْمُحْتَار، من بَاب الرِّبَا) فَالْعَمَل بهَا حِينَئِذٍ عبارَة عَن رد النَّص ورفضه للْعَادَة وَهُوَ لَا يجوز.
وَإِمَّا أَن يكون عَاما وَيكون الْمُعْتَاد جزيئاً من جزئياته، فَحِينَئِذٍ: إِمَّا أَن تكون عَامَّة فتصلح أَن تكون مخصصة لعمومه اتِّفَاقًا، عملية كَانَت أَو قولية.
وَإِمَّا أَن تكون خَاصَّة، وَاخْتلف فِي أَنَّهَا هَل تصلح مخصصة للنَّص الْعَام بِالنِّسْبَةِ لمن اعتادها أم لَا، وَالْمذهب أَنَّهَا لَا تصلح، وَعَلِيهِ مَشى الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر وَأَبُو بكر الْبَلْخِي. وَلَكِن أفتى كثير من الْمَشَايِخ باعتبارها مخصصة بِالنِّسْبَةِ لمن اعتادها، مِنْهُم مَشَايِخ بَلخ كنصير بن يحيى وَمُحَمّد بن سَلمَة، وَعَلِيهِ فروع كَثِيرَة أفتوا بجوازها كَشِرَاء الْكتاب على شَرط أَن يشرزه، والقفل على أَن يسمره، أَو الفروة على أَن يخيط بهَا الظهارة، أَو القبقاب على أَن يضع لَهُ سيراً، أَو النَّعْل على أَن يشركهُ، فِي مَحل تعارفوا فِيهِ ذَلِك، وَغير مَا ذكر مِمَّا لَا يُحْصى من الْفُرُوع.
(تَنْبِيه:)
إِذا كَانَ الشَّرْع يَقْتَضِي الْخُصُوص وَاللَّفْظ يَقْتَضِي الْعُمُوم فَالْمُعْتَبر الْخُصُوص، فَلَو أوصى لأقاربه لَا يدْخل الْوَارِث اعْتِبَارا لخُصُوص الشَّرْع، كَذَا قَالَ صَاحب الْأَشْبَاه، وَلَيْسَ بِظَاهِر لِأَنَّهُ من قبيل مصادمة الْعَمَل للنَّص الْمُخَالف لَهُ بِخُصُوصِهِ وَهُوَ قَوْله ﵊: " لَا وَصِيَّة لوَارث ".
(تَنْبِيه آخر:)
إِنَّمَا تعْتَبر الْعَادة إِذا كَانَت سَابِقَة، فَلَا عِبْرَة بِالْعرْفِ الطَّارِئ، وَعَلِيهِ فَلَو كَانَ الْوَقْف سَابِقًا على مَا تعورف من البطالة فِي الْأَشْهر الثَّلَاثَة لَا يعْتَبر ذَلِك الْعرف، وَكَذَلِكَ لَو كَانَ التَّعْلِيق سَابِقًا على الْعرف فَلَا يُقيد الْعرف لفظ التَّعْلِيق الْمُطلق.
стр. 174
وَالْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة من جملَة الْقَوَاعِد الْكُلية الَّتِي تقدّمت منظومة فِي الْكَلَام على الْمَادَّة / ١٧ / والمواد / ٣٧ - ٤٠ و ٤٢ - ٤٥ / كلهَا ناشئة مِنْهَا.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
الَّذِي تفرع عَلَيْهَا من الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة تعسر الْإِحَاطَة بِهِ.
(أ) فَمن ذَلِك: لَو بَعثه إِلَى مَاشِيَته فَركب الْمَبْعُوث دَابَّة الْبَاعِث برِئ لَو بَينهمَا انبساط، وَإِلَّا ضمن. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْبَاب الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ١٤٠) .
(ب) وَمِنْه: جَوَاز الْتِقَاط الثِّمَار الَّتِي يتسارع إِلَيْهَا الْفساد من الْبَسَاتِين والرساتيق، على الْمُعْتَمد، مَا لم تُوجد دلَالَة الْمَنْع.
(ج) وَمِنْه: اعْتِبَار الْكَيْل أَو الْوَزْن فِيمَا تعورف كَيْله أَو وَزنه مِمَّا لَا نَص فِيهِ من الْأَمْوَال الربوية كالزيتون وَغَيره. وَأما مَا نَص عَلَيْهِ فَلَا اعْتِبَار للْعُرْف فِيهِ عِنْد الطَّرفَيْنِ.
(د) وَمِنْه: اعْتِبَار عرف الْحَالِف والناذر إِذا كَانَ الْعرف مُسَاوِيا للفظ أَو أخص، فَلَو حلف لَا يَأْكُل رَأْسا، أَو لَا يركب دَابَّة، أَو لَا يجلس على بِسَاط:
стр. 175
لَا يَحْنَث بِرَأْس عُصْفُور، وَلَا بركوب إِنْسَان، وَلَا بجلوس على الأَرْض، لِأَن الْعرف خص الرَّأْس بِمَا لَا يُبَاع للْأَكْل فِي الْأَسْوَاق، وَالدَّابَّة بِمَا يركب عَادَة، والبساط بالمنسوج الْمَعْرُوف الَّذِي يفرش وَيجْلس عَلَيْهِ.
وَأما الْعرف الزَّائِد على اللَّفْظ فَلَا عِبْرَة بِهِ، كَمَا لَو قَالَ لأجنبية: إِن دخلت بك فَأَنت كَذَا، فنكحها وَدخل بهَا لَا تطلق وَإِن كَانَ يُرَاد فِي الْعرف من هَذَا اللَّفْظ دُخُوله بهَا، عَن ملك النِّكَاح، لِأَن هَذَا زِيَادَة على اللَّفْظ بِالْعرْفِ، وَالْعرْف لَا يَجْعَل غير الملفوظ ملفوظاً، فقد قَالَ الإِمَام مُحَمَّد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: " بِالْعرْفِ يخص وَلَا يُزَاد ".
لَكِن هَذَا إِذا لم يَجْعَل اللَّفْظ فِي الْعرف مجَازًا عَن معنى آخر، وَلم يهجر الْمَعْنى الْأَصْلِيّ. فَإِن هجرت حَقِيقَته وَاسْتعْمل فِي مَعْنَاهُ الْمجَازِي، كَمَسْأَلَة وضع الْقدَم، فَفِي مثلهَا يعْتَبر الْمَعْنى الْعرفِيّ دون الْحَقِيقِيّ اللَّفْظِيّ.
وَكَذَلِكَ فِي الْمُوصى والواقف، فَإِنَّهُ يحمل كَلَام كلٍ على لغته وعرفه وَإِن خَالف لُغَة الشَّرْع وعرفه، إِلَّا فِي مسَائِل، استثناها صَاحب الْأَشْبَاه، الْعَمَل فِيهَا على عرف الشَّرْع. وَهِي: لَو حلف لَا يُصَلِّي أَو لَا يَصُوم أَو لَا ينْكح فُلَانَة وَهِي أَجْنَبِيَّة، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث إِلَّا بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْم الشرعيين وَفِي النِّكَاح بِالْعقدِ. وَلَكِن فِي الْحَقِيقَة لَا اسْتثِْنَاء، فَإِن الْعرف فِيهَا مُوَافق للشَّرْع.
стр. 176
(الْقَاعِدَة السَّادِسَة وَالثَّلَاثُونَ (الْمَادَّة / ٣٧))
(" اسْتِعْمَال النَّاس حجَّة يجب الْعَمَل بهَا ")
(أَولا _ الشَّرْح)
الظَّاهِر أَن المُرَاد بِاسْتِعْمَال النَّاس هُوَ نفس المُرَاد بِالْعَادَةِ، وَقد تقدم، وَهُوَ أحد قَوْلَيْنِ فِي تَفْسِير الِاسْتِعْمَال. وَقيل: الِاسْتِعْمَال هُوَ نقل اللَّفْظ عَن مَوْضِعه الْأَصْلِيّ إِلَى مَعْنَاهُ الْمجَازِي شرعا وَغَلَبَة اسْتِعْمَاله فِيهِ. وَلَا تظهر إِرَادَته هُنَا لِأَنَّهُ لَا يتمشى إِلَّا على قَول الصاحبين الْمَرْجُوح من أَنه إِذا كَانَت الْحَقِيقَة مستعملة وَالْمجَاز أَكثر اسْتِعْمَالا مِنْهَا يُرَاد بِاللَّفْظِ معنى أَعم يَشْمَل الْحَقِيقَة وَالْمجَاز. (ر: مَا تقدم فِي الْكَلَام على الْمَادَّة / ١٢) وَلم يرجح قَوْلهمَا، وَإِذا لم يرجح يكون الْمَعْمُول بِهِ قَول الإِمَام، وَحملهَا على الْمَرْجُوح بِلَا دَاع إِلَيْهِ غير مُوَافق.
وَإِذا أُرِيد بِالِاسْتِعْمَالِ الْعرفِيّ العملي يكون مَوْضُوع الْمَادَّة غير دَاخل تَحت الْخلاف وَهُوَ أولى. وَحِينَئِذٍ فَتكون الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة تَأْكِيدًا لسابقتها، وَمَا قيل فِي تِلْكَ يُقَال فِي هَذِه.
стр. 177
((الصفحة فارغة))
стр. 178
(الْقَاعِدَة السَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ (الْمَادَّة / ٣٨))
(" الْمُمْتَنع عَادَة كالممتنع حَقِيقَة ")
(أَولا _ الشَّرْح)
الْمُمْتَنع عَادَة كالممتنع حَقِيقَة، فَكَمَا أَن الْمُمْتَنع حَقِيقَة لَا تسمع الدَّعْوَى بِهِ وَلَا تُقَام الْبَيِّنَة عَلَيْهِ، للتيقن بكذب مدعيه، كَقَوْلِه لمن لَا يُولد مثله لمثله: هَذَا ابْني، فَكَذَلِك الْمُمْتَنع عَادَة كدعوى مَعْرُوف بالفقر على آخر أَمْوَالًا جسيمة لم يعْهَد عَنهُ أَنه أصَاب مثلهَا بِإِرْث أَو بِغَيْرِهِ.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
وكدعوى الْمُدَّعِي إِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ بعد أَن طَالَتْ الْخُصُومَة بَينهمَا.
وكدعوى الْقَرِيب أَو أحد الزَّوْجَيْنِ ملك مَا بَاعه وَسلمهُ الآخر باطلاعه أَو أَن لَهُ فِيهِ حِصَّة.
وكدعوى الْأَجْنَبِيّ على المُشْتَرِي أَن الْمَبِيع ملكه أَو أَن لَهُ فِيهِ حِصَّة بَعْدَمَا رَآهُ يتَصَرَّف فِي الْمَبِيع تصرف الْملاك فِي أملاكهم بالهدم أَو الْبناء أَو الْغِرَاس.
وكدعوى الْوَلَد الَّذِي فِي عائلة أَبِيه وصنعتهما وَاحِدَة أَن المَال الَّذِي تَحت يَد وَالِده ملكه أَو لَهُ فِيهِ حِصَّة.
وكدعوى الْمُتَوَلِي أَو الْوَصِيّ أَنه أنْفق أَمْوَالًا عَظِيمَة كذبه فِيهَا الظَّاهِر على الْوَقْف أَو الْيَتِيم.
стр. 179
فَكل ذَلِك، وَكَذَا تَكْذِيب التَّوَاتُر، لَا تسمع الدَّعْوَى بِشَيْء مِنْهُ وَلَا تُقَام الْبَيِّنَة عَلَيْهِ.
(تَنْبِيه يجب التيقظ لَهُ:)
وَهُوَ أَن الظَّاهِر أَن الْمُمْتَنع حَقِيقَة كدعوى بنوة أَو أبوة من لَا يُولد مثله لمثله يسْتَقلّ الْحَاكِم برد الدَّعْوَى فِيهِ بِدُونِ حَاجَة إِلَى سُؤال الْخصم عَنْهَا ويستبد بِهِ وَلَا حَاجَة إِلَى أَن يدْفع الْخصم بِأَنَّهَا ممتنعة حَقِيقَة وَأَنَّهَا لَا تسمع، إِذْ لَا فَائِدَة فِي سُؤَاله عَنْهَا، لِأَنَّهُ لَو أقرّ لَا ينفذ إِقْرَاره لِأَن شَرط نُفُوذ الْإِقْرَار على الْمقر إِمْكَان تصور صِحَّته. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، من الْإِقْرَار) وَلَا يتَصَوَّر صِحَة ذَلِك.
وَيلْحق بِهِ دَعْوَى الْمُتَوَلِي أَو الْوَصِيّ أَنه أنْفق على عقار الْوَقْف أَو على الْيَتِيم أَو عقاره مبلغا يكذبهُ فِيهِ الظَّاهِر، فَإِن الْحَاكِم يستبد بردهَا من غير أَن يسْأَل الْخصم عَنْهَا إِن كَانَ هُنَاكَ خُصُومَة، وَلَا يقبل قَوْله وَلَا يَمِينه إِن كَانَ ذَلِك أثْنَاء محاسبته لَهُ، إِذْ لَا فَائِدَة فِي سُؤال الْخصم عَنْهَا لِأَن السُّؤَال إِنَّمَا يكون رَجَاء الِاعْتِرَاف وَهُوَ لَا يملك الِاعْتِرَاف على الْوَقْف أَو الْيَتِيم بذلك فيردها.
بِخِلَاف بَقِيَّة الْمسَائِل المفرعة على الْمَادَّة فَإِن الظَّاهِر أَن الْحَاكِم لَا يردهَا ابْتِدَاء بل يسْأَل الْخصم عَنْهَا فَإِن دَافع بِأَنَّهَا لَا تسمع لامتناعها عَادَة ردهَا حِينَئِذٍ، وَذَلِكَ لِأَن الْخصم لَو أقرّ بالمدعى بِهِ لَدَى الْحَاكِم، وَالْحَالة هَذِه، نفذ عَلَيْهِ خُصُوصا أَن فِي بَعْضهَا لَا بُد من إِقَامَة الْمُدعى عَلَيْهِ الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي بِمَا يُفِيد امْتنَاع مدعاة عَادَة، كقرابته لَهُ واطلاعه على بَيْعه الْعين الْمُدعى بهَا، وكاطلاعه على الشِّرَاء وعَلى تصرف الْمُشْتَرى زَمَانا تصرف الْملاك، وككون الْوَلَد فِي عائلة أَبِيه وَإِن صنعتهما وَاحِدَة، وككون الْمُدَّعِي مَعْرُوفا بالفقر. وَإِقَامَة الْبَيِّنَة لَا تكون إِلَّا بعد سُؤال الْحَاكِم لَهُ عَن الدَّعْوَى ومدافعته بذلك.
стр. 180
(الْقَاعِدَة الثَّامِنَة وَالثَّلَاثُونَ (الْمَادَّة / ٣٩))
(" لَا يُنكر تغير الْأَحْكَام بِتَغَيُّر الْأَزْمَان ")
(أَولا _ الشَّرْح)
لَا يُنكر تغير الْأَحْكَام بِتَغَيُّر الْأَزْمَان، أَي بِتَغَيُّر عرف أَهلهَا وعادتهم، فَإِذا كَانَ عرفهم وعادتهم يستدعيان حكما ثمَّ تغيرا إِلَى عرف وَعَادَة أُخْرَى فَإِن الحكم يتَغَيَّر إِلَى مَا يُوَافق مَا انْتقل إِلَيْهِ عرفهم وعادتهم، وَلذَا لما كَانَ لون السوَاد فِي زمن الإِمَام، ﵁، يعد عَيْبا قَالَ بِأَن الْغَاصِب إِذا صبغ الثَّوْب أسود يكون قد عَيبه، ثمَّ بعد ذَلِك لما تغير عرف النَّاس وصاروا يعدونه زِيَادَة قَالَ صَاحِبَاه إِنَّه زِيَادَة.
وَكَذَلِكَ الدّور لما كَانَت تبنى بيوتها على نمط وَاحِد قَالَ المتقدمون غير زفر: يَكْفِي لسُقُوط خِيَار الرُّؤْيَة رُؤْيَة بَيت مِنْهَا، وَلما تبدلت الْأَزْمَان وَصَارَت بيُوت الدّور تبنى على كيفيات مُخْتَلفَة رجح الْمُتَأَخّرُونَ قَول زفر من أَن لَا بُد من رُؤْيَة كل الْبيُوت ليسقط الْخِيَار.
وَكَذَلِكَ قَالَ المتقدمون إِن الدَّائِن لَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاء دينه من مَال الْمَدْيُون حَال غيبته إِلَّا إِذا كَانَ من جنس حَقه، وَقَالُوا على الزَّوْجَة أَن تتَابع زَوجهَا بعد إيفائه لَهَا معجل مهرهَا حَيْثُ أحب، لما كَانَ فِي زمانهم من انقياد النَّاس إِلَى الْحُقُوق. ثمَّ لما انْتَقَلت عَادَة النَّاس إِلَى العقوق قَالَ الْفُقَهَاء للدائن اسْتِيفَاء دينه وَلَو من غير جنس حَقه، وَقَالَ الْمُتَأَخّرُونَ لَا تجبر الزَّوْجَة على مُتَابعَة الزَّوْج إِلَى غير وطنها الَّذِي نَكَحَهَا فِيهِ وَإِن أوفاها معجل مهرهَا، لتغير حَال النَّاس إِلَى العقوق.
следующие страницы →