← Каваид фикха

Каваид фикха · id 6330

شرح القواعد الفقهية

أحمد الزرقا

Полный текст (439 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(الْقَاعِدَة السَّادِسَة وَالثَّلَاثُونَ (الْمَادَّة / ٣٧)) (" اسْتِعْمَال النَّاس حجَّة يجب الْعَمَل بهَا ") (أَولا _ الشَّرْح) الظَّاهِر أَن المُرَاد بِاسْتِعْمَال النَّاس هُوَ نفس المُرَاد بِالْعَادَةِ، وَقد تقدم، وَهُوَ أحد قَوْلَيْنِ فِي تَفْسِير الِاسْتِعْمَال. وَقيل: الِاسْتِعْمَال هُوَ نقل اللَّفْظ عَن مَوْضِعه الْأَصْلِيّ إِلَى مَعْنَاهُ الْمجَازِي شرعا وَغَلَبَة اسْتِعْمَاله فِيهِ. وَلَا تظهر إِرَادَته هُنَا لِأَنَّهُ لَا يتمشى إِلَّا على قَول الصاحبين الْمَرْجُوح من أَنه إِذا كَانَت الْحَقِيقَة مستعملة وَالْمجَاز أَكثر اسْتِعْمَالا مِنْهَا يُرَاد بِاللَّفْظِ معنى أَعم يَشْمَل الْحَقِيقَة وَالْمجَاز. (ر: مَا تقدم فِي الْكَلَام على الْمَادَّة / ١٢) وَلم يرجح قَوْلهمَا، وَإِذا لم يرجح يكون الْمَعْمُول بِهِ قَول الإِمَام، وَحملهَا على الْمَرْجُوح بِلَا دَاع إِلَيْهِ غير مُوَافق. وَإِذا أُرِيد بِالِاسْتِعْمَالِ الْعرفِيّ العملي يكون مَوْضُوع الْمَادَّة غير دَاخل تَحت الْخلاف وَهُوَ أولى. وَحِينَئِذٍ فَتكون الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة تَأْكِيدًا لسابقتها، وَمَا قيل فِي تِلْكَ يُقَال فِي هَذِه.

стр. 177

((الصفحة فارغة))

стр. 178

(الْقَاعِدَة السَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ (الْمَادَّة / ٣٨)) (" الْمُمْتَنع عَادَة كالممتنع حَقِيقَة ") (أَولا _ الشَّرْح) الْمُمْتَنع عَادَة كالممتنع حَقِيقَة، فَكَمَا أَن الْمُمْتَنع حَقِيقَة لَا تسمع الدَّعْوَى بِهِ وَلَا تُقَام الْبَيِّنَة عَلَيْهِ، للتيقن بكذب مدعيه، كَقَوْلِه لمن لَا يُولد مثله لمثله: هَذَا ابْني، فَكَذَلِك الْمُمْتَنع عَادَة كدعوى مَعْرُوف بالفقر على آخر أَمْوَالًا جسيمة لم يعْهَد عَنهُ أَنه أصَاب مثلهَا بِإِرْث أَو بِغَيْرِهِ. (ثَانِيًا _ التطبيق) وكدعوى الْمُدَّعِي إِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ بعد أَن طَالَتْ الْخُصُومَة بَينهمَا. وكدعوى الْقَرِيب أَو أحد الزَّوْجَيْنِ ملك مَا بَاعه وَسلمهُ الآخر باطلاعه أَو أَن لَهُ فِيهِ حِصَّة. وكدعوى الْأَجْنَبِيّ على المُشْتَرِي أَن الْمَبِيع ملكه أَو أَن لَهُ فِيهِ حِصَّة بَعْدَمَا رَآهُ يتَصَرَّف فِي الْمَبِيع تصرف الْملاك فِي أملاكهم بالهدم أَو الْبناء أَو الْغِرَاس. وكدعوى الْوَلَد الَّذِي فِي عائلة أَبِيه وصنعتهما وَاحِدَة أَن المَال الَّذِي تَحت يَد وَالِده ملكه أَو لَهُ فِيهِ حِصَّة. وكدعوى الْمُتَوَلِي أَو الْوَصِيّ أَنه أنْفق أَمْوَالًا عَظِيمَة كذبه فِيهَا الظَّاهِر على الْوَقْف أَو الْيَتِيم.

стр. 179

فَكل ذَلِك، وَكَذَا تَكْذِيب التَّوَاتُر، لَا تسمع الدَّعْوَى بِشَيْء مِنْهُ وَلَا تُقَام الْبَيِّنَة عَلَيْهِ. (تَنْبِيه يجب التيقظ لَهُ:) وَهُوَ أَن الظَّاهِر أَن الْمُمْتَنع حَقِيقَة كدعوى بنوة أَو أبوة من لَا يُولد مثله لمثله يسْتَقلّ الْحَاكِم برد الدَّعْوَى فِيهِ بِدُونِ حَاجَة إِلَى سُؤال الْخصم عَنْهَا ويستبد بِهِ وَلَا حَاجَة إِلَى أَن يدْفع الْخصم بِأَنَّهَا ممتنعة حَقِيقَة وَأَنَّهَا لَا تسمع، إِذْ لَا فَائِدَة فِي سُؤَاله عَنْهَا، لِأَنَّهُ لَو أقرّ لَا ينفذ إِقْرَاره لِأَن شَرط نُفُوذ الْإِقْرَار على الْمقر إِمْكَان تصور صِحَّته. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، من الْإِقْرَار) وَلَا يتَصَوَّر صِحَة ذَلِك. وَيلْحق بِهِ دَعْوَى الْمُتَوَلِي أَو الْوَصِيّ أَنه أنْفق على عقار الْوَقْف أَو على الْيَتِيم أَو عقاره مبلغا يكذبهُ فِيهِ الظَّاهِر، فَإِن الْحَاكِم يستبد بردهَا من غير أَن يسْأَل الْخصم عَنْهَا إِن كَانَ هُنَاكَ خُصُومَة، وَلَا يقبل قَوْله وَلَا يَمِينه إِن كَانَ ذَلِك أثْنَاء محاسبته لَهُ، إِذْ لَا فَائِدَة فِي سُؤال الْخصم عَنْهَا لِأَن السُّؤَال إِنَّمَا يكون رَجَاء الِاعْتِرَاف وَهُوَ لَا يملك الِاعْتِرَاف على الْوَقْف أَو الْيَتِيم بذلك فيردها. بِخِلَاف بَقِيَّة الْمسَائِل المفرعة على الْمَادَّة فَإِن الظَّاهِر أَن الْحَاكِم لَا يردهَا ابْتِدَاء بل يسْأَل الْخصم عَنْهَا فَإِن دَافع بِأَنَّهَا لَا تسمع لامتناعها عَادَة ردهَا حِينَئِذٍ، وَذَلِكَ لِأَن الْخصم لَو أقرّ بالمدعى بِهِ لَدَى الْحَاكِم، وَالْحَالة هَذِه، نفذ عَلَيْهِ خُصُوصا أَن فِي بَعْضهَا لَا بُد من إِقَامَة الْمُدعى عَلَيْهِ الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي بِمَا يُفِيد امْتنَاع مدعاة عَادَة، كقرابته لَهُ واطلاعه على بَيْعه الْعين الْمُدعى بهَا، وكاطلاعه على الشِّرَاء وعَلى تصرف الْمُشْتَرى زَمَانا تصرف الْملاك، وككون الْوَلَد فِي عائلة أَبِيه وَإِن صنعتهما وَاحِدَة، وككون الْمُدَّعِي مَعْرُوفا بالفقر. وَإِقَامَة الْبَيِّنَة لَا تكون إِلَّا بعد سُؤال الْحَاكِم لَهُ عَن الدَّعْوَى ومدافعته بذلك.

стр. 180

(الْقَاعِدَة الثَّامِنَة وَالثَّلَاثُونَ (الْمَادَّة / ٣٩)) (" لَا يُنكر تغير الْأَحْكَام بِتَغَيُّر الْأَزْمَان ") (أَولا _ الشَّرْح) لَا يُنكر تغير الْأَحْكَام بِتَغَيُّر الْأَزْمَان، أَي بِتَغَيُّر عرف أَهلهَا وعادتهم، فَإِذا كَانَ عرفهم وعادتهم يستدعيان حكما ثمَّ تغيرا إِلَى عرف وَعَادَة أُخْرَى فَإِن الحكم يتَغَيَّر إِلَى مَا يُوَافق مَا انْتقل إِلَيْهِ عرفهم وعادتهم، وَلذَا لما كَانَ لون السوَاد فِي زمن الإِمَام، ﵁، يعد عَيْبا قَالَ بِأَن الْغَاصِب إِذا صبغ الثَّوْب أسود يكون قد عَيبه، ثمَّ بعد ذَلِك لما تغير عرف النَّاس وصاروا يعدونه زِيَادَة قَالَ صَاحِبَاه إِنَّه زِيَادَة. وَكَذَلِكَ الدّور لما كَانَت تبنى بيوتها على نمط وَاحِد قَالَ المتقدمون غير زفر: يَكْفِي لسُقُوط خِيَار الرُّؤْيَة رُؤْيَة بَيت مِنْهَا، وَلما تبدلت الْأَزْمَان وَصَارَت بيُوت الدّور تبنى على كيفيات مُخْتَلفَة رجح الْمُتَأَخّرُونَ قَول زفر من أَن لَا بُد من رُؤْيَة كل الْبيُوت ليسقط الْخِيَار. وَكَذَلِكَ قَالَ المتقدمون إِن الدَّائِن لَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاء دينه من مَال الْمَدْيُون حَال غيبته إِلَّا إِذا كَانَ من جنس حَقه، وَقَالُوا على الزَّوْجَة أَن تتَابع زَوجهَا بعد إيفائه لَهَا معجل مهرهَا حَيْثُ أحب، لما كَانَ فِي زمانهم من انقياد النَّاس إِلَى الْحُقُوق. ثمَّ لما انْتَقَلت عَادَة النَّاس إِلَى العقوق قَالَ الْفُقَهَاء للدائن اسْتِيفَاء دينه وَلَو من غير جنس حَقه، وَقَالَ الْمُتَأَخّرُونَ لَا تجبر الزَّوْجَة على مُتَابعَة الزَّوْج إِلَى غير وطنها الَّذِي نَكَحَهَا فِيهِ وَإِن أوفاها معجل مهرهَا، لتغير حَال النَّاس إِلَى العقوق.

стр. 181

بل إِن ذَلِك مُقَرر وَمُسلم وثابت، وَهُوَ سنة الله سُبْحَانَهُ فِي تشريعه لِعِبَادِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى حِين بَدَأَ خلق الْإِنْسَان وَكَانَ الْحَال ضيقا لقلَّة عدد الذُّرِّيَّة أَبَاحَ نِكَاح الْأُخْت لأَخِيهَا ووسع فِي أَشْيَاء كَثِيرَة، وَبَقِي ذَلِك إِلَى أَن حصل الاتساع وَكَثُرت الذُّرِّيَّة فَحرم ذَلِك فِي زمن بني إِسْرَائِيل، وَحرم السبت والشحوم وَلُحُوم الْإِبِل وأموراً كَثِيرَة. وَكَانَت تَوْبَة الْإِنْسَان بقتْله نَفسه، وَإِزَالَة النَّجَاسَة بقطعها، إِلَى غير ذَلِك من التشديدات، ثمَّ لما جَاءَ آخر الزَّمن وَضعف التَّحَمُّل وَقل الْجلد لطف الله سُبْحَانَهُ بعباده وخفف عَنْهُم بإحلال تِلْكَ الْمُحرمَات وَرفع تِلْكَ التكليفات وَقبُول التوبات، كل ذَلِك بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحْوَال والأزمان، سنة الله الْجَارِيَة فِي خلقه. وَقيل تغير الْأَحْكَام إحداثها وَابْتِدَاء سنّهَا بعد أَن لم تكن، كَمَا فعل عمر بن عبد الْعَزِيز فَإِنَّهُ قَالَ: ستحدث للنَّاس أقضية بِقدر مَا أَحْدَثُوا من الْفُجُور. ثمَّ إِذا ادعِي اخْتِلَاف الْأَحْوَال إِلَى تغير بعض الْأَحْكَام أَو إِثْبَات أَحْكَام، فَلَا بُد أَن تكون تِلْكَ الْأَحْكَام المسنونة بِحَال تشهد لَهَا قَوَاعِد الشَّرْع بِالِاعْتِبَارِ، أَو تكون بحالٍ إِذا لم تشهد لَهَا بِالِاعْتِبَارِ لَا تشهد عَلَيْهَا بالإبطال، كَأَن تكون من الْمصَالح الْمُرْسلَة، وَهِي الَّتِي يشْهد الشَّرْع باعتبارها وَلَا بإلغائها ولوحظ فِيهَا جِهَة مَنْفَعَة، فَإِنَّهَا يجوز الْعَمَل بهَا وَإِن لم يتقدمها نَظِير فِي الشَّرْع يشْهد باعتبارها، كَمَا وَقع لسيدنا الصّديق فِي تَوليته عهد الْخلَافَة لعمر ﵄، وكترك الْخلَافَة شُورَى بَين سِتَّة، وكتدوين الدَّوَاوِين، وَضرب السِّكَّة، واتخاذ السجون، وَغير ذَلِك كثير مِمَّا دَعَا إِلَى سنّه تغير الْأَحْوَال والأزمان، وَلم يتَقَدَّم فِيهِ أَمر من الشَّرْع، وَلَيْسَ لَهُ نَظِير يلْحق بِهِ، ولوحظ فِيهِ جِهَة الْمصلحَة. (ر: معِين الْحُكَّام، الْفَصْل الثَّانِي فِي الْقسم الثَّالِث من الْكتاب) . وَلنَا نَظِير هَذَا كَلَام أسلفناه فِي شرح الْقَاعِدَة الثَّانِيَة وَالثَّلَاثِينَ فَانْظُرْهُ هُنَاكَ. (ثَانِيًا _ التطبيق) مِمَّا يفرع على الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة أَيْضا:

стр. 182

(أ) أَنه لما ندرت الْعَدَالَة وعزت فِي هَذِه الْأَزْمَان قَالُوا بِقبُول شَهَادَة الأمثل فالأمثل والأقل فجوراً فالأقل. (ر: معِين الْحُكَّام، بَاب الْقَضَاء بِشَهَادَة غير الْعُدُول، وَغَيره) . (ب) وَقَالُوا نَظِير ذَلِك فِي الْقُضَاة وَغَيرهم، إِذا لم يُوجد إِلَّا غير الْعُدُول أَقَمْنَا أَصْلحهم وَأَقلهمْ فجوراً، لِئَلَّا تضيع الْمصَالح وتتعطل الْحُقُوق وَالْأَحْكَام. فقد حسن مَا كَانَ قبيحاً واتسع مَا كَانَ ضيقا، وَاخْتلفت الْأَحْكَام باخْتلَاف الْأَزْمَان، فَإِن خِيَار زَمَاننَا هم أراذل أهل الْعَصْر الأول، وَولَايَة الأراذل فسوق. (ر: معِين الْحُكَّام، الْقسم الثَّالِث، قبيل الْفَصْل الثَّالِث فِي الدَّعَاوَى بالتهم والعدوان) . (ج) وجوزوا تَحْلِيف الشُّهُود عِنْد إلحاح الْخصم. (ر: الْمَادَّة / ١٧٢٧ / من الْمجلة) ، وَإِذا رأى الْحَاكِم ذَلِك لفساد الزَّمَان. (ر: معِين الْحُكَّام، الْفَصْل الثَّانِي من الْقسم الثَّالِث فِي الْقَضَاء بالسياسة) . (د) وجوزوا أَيْضا إِحْدَاث أَحْكَام سياسية لقمع الدعار وأرباب الجرائم عِنْد كَثْرَة فَسَاد الزَّمَان. وَأول من فعله عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁، فَإِنَّهُ قَالَ: ستحدث للنَّاس أقضية بِقدر مَا أَحْدَثُوا من الْفُجُور. (هـ) وَمِمَّا فرع على الْقَاعِدَة: منع عمر بن عبد الْعَزِيز عماله عَن الْقَتْل إِلَّا بعد إِعْلَامه وإذنه بِهِ بعد أَن كَانَ مُطلقًا لَهُم، لما رأى من تغير حَالهم.

стр. 183

((صفحة فارغة))

стр. 184

(الْقَاعِدَة التَّاسِعَة وَالثَّلَاثُونَ (الْمَادَّة / ٤٠)) (" الْحَقِيقَة تتْرك بِدلَالَة الْعَادة ") (الشَّرْح) الْحَقِيقَة تتْرك بِدلَالَة الْعَادة وَالْعرْف لِأَن الِاسْتِعْمَال والتعارف يَجْعَل إِطْلَاق اللَّفْظ على مَا تعورف اسْتِعْمَاله فِيهِ حَقِيقَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى المستعملين، وَيجْعَل إِطْلَاقه على مَعْنَاهُ الوضعي الْأَصْلِيّ فِي نظرهم مجَازًا. وَمن الْمَعْلُوم أَن الْأَمر إِذا دَار بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز تترجح الْحَقِيقَة، وَهِي هُنَا الْعرف وَالْعَادَة، وَيتْرك الْمجَاز، وَهُوَ الْمَعْنى الوضعي الْأَصْلِيّ. فقد قَالَ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ: " مُطلق الْكَلَام مَحْمُول على الْمُعْتَاد ". (ر: الْفَصْل الْأَرْبَعين، ص / ٢٤٣) . وَفَائِدَة وضع هَذِه الْمَادَّة بعد الْمَادَّتَيْنِ / ٣٦ و ٣٧ / دفع مَا عساه يتَوَهَّم من أَن تحكيم الْعَادة وَالْعَمَل بِاسْتِعْمَال النَّاس إِنَّمَا يكونَانِ حَيْثُ لم تعارضهما الْحَقِيقَة، وَذَلِكَ بِأَن لم يكن بإزائهما حَقِيقَة أصلا، كَمَسْأَلَة الْتِقَاط الثِّمَار الساقطة، الْمُتَقَدّمَة تَحت الْقَاعِدَة / ٣٦ / أَو كَانَ بإزائهما حَقِيقَة وَلكنهَا كَانَت مُوَافقَة لَهما. وَأما إِذا كَانَت مصادمة لَهما فَلَا يكونَانِ معتبرين، فنبهوا بِهَذِهِ الْمَادَّة على أَن تحكيم الْعَادة وَالْعَمَل بِاسْتِعْمَال النَّاس لَا تقوى الْحَقِيقَة على معارضتهما، بل يعْمل بهما دونهَا على مَا تقدم. وَذَلِكَ كَمَسْأَلَة وضع الْقدَم، وَمَسْأَلَة مَا لَو حلف لَا يَأْكُل رَأْسا وَلَا يركب دَابَّة، المتقدمتين فِي الْمَادَّة / ٣٦ / الْمَذْكُورَة. فَظهر بِمَا ذكر أَن المُرَاد بِالْحَقِيقَةِ الْمَذْكُورَة فِي لفظ الْمَادَّة هِيَ الْحَقِيقَة

стр. 185

المهجورة، وَإِلَّا فَإِن الْحَقِيقَة المستعملة هِيَ الْمُعْتَبرَة عِنْد الإِمَام دون الْمجَاز، وَإِن كَانَ اسْتِعْمَاله أَكثر من اسْتِعْمَالهَا. فَكَانَ يَنْبَغِي وضع هَذِه الْمَادَّة عقب الْمَادَّة / ٣٧ /.

стр. 186

(الْقَاعِدَة المتممة أَرْبَعِينَ (الْمَادَّة / ٤١)) (" إِنَّمَا تعْتَبر الْعَادة إِذا اطردت أَو غلبت ") (أَولا _ الشَّرْح) لما كَانَ ظَاهر الْقَاعِدَة / ٣٦ / أَن الْعَادة مرعية على الْإِطْلَاق، أثبتوا هَذِه الْمَادَّة هُنَا لتفيد تقييدها بِمَا إِذا اطردت أَو غلبت، أما إِذا ساوت أَو ندرت فَلَا تراعى. وَلذَا أفتى الأكابر من فقهائنا بِفساد الْإِجَارَة المتعارفة عِنْد خَواص أهل بُخَارى فِيمَا لَو اسْتقْرض ألفا مثلا واستأجر الْمقْرض لحفظ ملعقة أَو مَا شاكلها مُدَّة مَعْلُومَة بِأُجْرَة تزيد على قيمَة الملعقة توصلاً لحل الْمُرَابَحَة فِي الْقَرْض. وَذكر بَعضهم أَن فَسَادهَا هُوَ الصَّوَاب، وَعلله بِأَن هَذَا الشَّيْء لم تعرفه عامتهم بل تعارفه خواصهم، وَالْعرْف لَا يثبت بِهَذَا الْقدر. (ثَانِيًا _ التطبيق) مِمَّا يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة: (أ) مَا لَو بَاعَ بِدَرَاهِم، أَو بِدَنَانِير، وَكَانَت مُخْتَلفَة فِي الْمَالِيَّة والرواج، ينْصَرف البيع إِلَى أغلبها رواجاً. وَإِذا كَانَت مُتَسَاوِيَة فِي الرواج، وَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا، فسد العقد لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى التَّنَازُع.

стр. 187

((الصفحة فارغة))

стр. 188

(الْقَاعِدَة الْحَادِيَة وَالْأَرْبَعُونَ (الْمَادَّة / ٤٢)) (" الْعبْرَة للْغَالِب الشَّائِع لَا للنادر ") (الشَّرْح) الْعبْرَة للْغَالِب الشَّائِع لَا للنادر، فَلَو بني حكم على أَمر غَالب فَإِنَّهُ يبْنى عَاما، وَلَا يُؤثر على عُمُومه واطراده تخلف ذَلِك الْأَمر فِي بعض الْأَفْرَاد أَو فِي بعض الْأَوْقَات. فقد جوز الْمُتَأَخّرُونَ للدائن فِي هَذَا الزَّمن اسْتِيفَاء دينه من غير جنس حَقه، لغَلَبَة العقوق. وَقَالُوا: لَيْسَ للزَّوْج أَن يجْبر زَوجته على السّفر من وطنها إِذا كَانَ نَكَحَهَا فِيهِ وَإِن أوفاها معجل مهرهَا؛ لغَلَبَة الْإِضْرَار فِي الْأزْوَاج. وَقَالُوا: لَيْسَ للْقَاضِي أَن يقْضِي بِعِلْمِهِ، لفساد حَال الْقُضَاة. وصححوا الِاسْتِئْجَار على الْإِمَامَة وَالْأَذَان والتعليم؛ لتكاسل النَّاس عَن الْقيام بهَا مجَّانا. وقدروا فِي الْحَضَانَة اسْتغْنَاء الصَّبِي بالسبع، وحد الشَّهْوَة للْأُنْثَى بِالتسْعِ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِب. وَمنعُوا من سَماع دَعْوَى الزَّوْجَة بِكُل الْمهْر الْمُعَجل على زَوجهَا بعد الدُّخُول بهَا، بل يُقَال لَهَا: إِمَّا أَن تقري بِمَا تعجلت وَإِلَّا قضينا عَلَيْك بالمتعارف

стр. 189

تَعْجِيله؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تسلم نَفسهَا عَادَة من غير أَن تقبض. وقدروا مُدَّة الْإِيَاس من الْحيض للْمَرْأَة بِخمْس وَخمسين سنة لأجل أَن تَعْتَد؛ لِأَن الْمَرْأَة إِذا بلغت هَذِه السن فَفِي الْغَالِب يَنْقَطِع حَيْضهَا. وَجعلُوا كل ذَلِك أحكاماً عَامَّة، مَعَ أَنه لَا شكّ فِي التَّخَلُّف فِي بعض الْأَفْرَاد وَفِي بعض الْأَوْقَات، وَلَكِن لم ينْظرُوا لَهُ وَجعلُوا الْعبْرَة للكثير الْغَالِب.

стр. 190

(الْقَاعِدَة الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعُونَ (الْمَادَّة / ٤٣)) (" الْمَعْرُوف عرفا كالمشروط شرطا ") (أَولا _ الشَّرْح) الْمَعْرُوف عرفا كالمشروط شرطا، فَفِي كل مَحل يعْتَبر ويراعى فِيهِ شرعا صَرِيح الشَّرْط الْمُتَعَارف، وَذَلِكَ بِأَن لَا يكون مصادماً للنَّص بِخُصُوصِهِ. (ر: مَا تقدم فِي الْمَادَّة / ٣٦) ، إِذا تعارف النَّاس واعتادوا التَّعَامُل عَلَيْهِ بِدُونِ اشْتِرَاط صَرِيح فَهُوَ مرعي وَيعْتَبر بِمَنْزِلَة الِاشْتِرَاط الصَّرِيح. فَكَمَا لَا تسمع الدَّعْوَى بِخِلَاف مَا شَرط صَرِيحًا مِمَّا تعورف، لَا تسمع الدَّعْوَى بِخِلَاف مَا تعورف واعتيد الْعَمَل بِهِ بِدُونِ شَرط؛ وَلذَا قَالُوا: لَو ادّعى نَازل الخان وداخل الْحمام وَسَاكن الْمعد للِاسْتِغْلَال الْغَصْب، وَلم يكن مَعْرُوفا بِهِ لم يصدق فِي ذَلِك، وَيلْزمهُ الْأجر، كَمَا لَو استخدم صانعاً فِي صَنْعَة مَعْرُوف بهَا وَبهَا قوام حَاله ومعيشته، وَلم يعين لَهُ أُجْرَة ثمَّ طَالبه بِالْأَجْرِ، فَادّعى أَنه اسْتَعَانَ بِهِ مثلا، فَإِنَّهُ لَا يسمع مِنْهُ وَيلْزمهُ أجر مثله. وَأما إِذا كَانَ الشَّرْط الْمُتَعَارف الصَّرِيح غير مُعْتَبر شرعا، وَذَلِكَ بِأَن كَانَ مصادماً للنَّص بِخُصُوصِهِ، فَلَا يكون مُعْتَبرا إِذا تعارف النَّاس الْعَمَل عَلَيْهِ بِدُونِ اشْتِرَاط، فَلَو تعارف النَّاس مثلا تضمين الْمُسْتَعِير وَالْمُسْتَأْجر مَا تلف من الْعين المعارة أَو المأجورة بِدُونِ تعد مِنْهُ وَلَا تَقْصِير، لَا يعْتَبر ذَلِك التعارف وَلَا يُرَاعى، لِأَنَّهُ مضاد للشارع.

стр. 191

(ثَانِيًا _ التطبيق) مِمَّا يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة: (أ) مَا لَو جهز الْأَب ابْنَته بجهاز وَدفعه لَهَا ثمَّ ادّعى أَنه عَارِية، وَلَا بَيِّنَة، فَإِنَّهُ ينظر إِن كَانَ الْعرف مستمراً أَن مثل ذَلِك الْأَب يدْفع مثل ذَلِك الجهاز عَارِية أَو ملكا فَإِنَّهُ يتبع، وَيكون القَوْل قَول من يشْهد لَهُ الْعرف، وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الآخر، وَإِن كَانَ الْعرف مُشْتَركا فَالْقَوْل للْأَب وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الْبِنْت. (ب) وَمِنْه: مَا لَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي دُخُول البرذعة أَو الإكاف فِي البيع، فَإِنَّهُ يحكم الْعرف. (ج) وَمِنْه: مَا لَو دفع الْأَب ابْنه إِلَى الْأُسْتَاذ مُدَّة مَعْلُومَة ليعلمه الحرفة، ثمَّ اخْتلفَا فَطلب كل مِنْهُمَا من الآخر الْأجر، فَإِنَّهُ يحكم بِالْأَجْرِ لمن يشْهد لَهُ عرف الْبَلدة. (د) وَكَذَا يعْتَبر الْعرف فِي أَن الْحمال يدْخل الْمَحْمُول إِلَى دَاخل الْبَاب أَولا. (تَنْبِيه:) إِنَّمَا قيدنَا الشَّرْط بالمتعارف لِأَن غير الْمُتَعَارف لَا يعْتَبر إِلَّا إِذا كَانَ شرطا يَقْتَضِيهِ العقد؛ كاشتراط حبس الْمَبِيع لِاسْتِيفَاء الثّمن، أَو يلائمه؛ كاشتراط كَفِيل حَاضر أَو رهن مَعْلُوم، فَهُوَ غير مَا نَحن فِيهِ.

стр. 192

(الْقَاعِدَة الثَّالِثَة وَالْأَرْبَعُونَ (الْمَادَّة / ٤٤)) (" الْمَعْرُوف بَين التُّجَّار كالمشروط بَينهم ") (الشَّرْح) هَذِه الْقَاعِدَة فِي معنى سابقتها لَا تفترق عَنْهَا، إِلَّا أَن تِلْكَ فِي مُطلق عرف، وَهَذِه خَاصَّة فِي عرف التُّجَّار، فَإِذا وَقع التعارف والاستعمال بَينهم على شَيْء غير مصادم للنَّص يتبع وينصرف إِلَيْهِ عِنْد الْإِطْلَاق، وَلَا تسمع دَعْوَى إِرَادَة خِلَافه؛ كَمَا لَو بَاعَ التَّاجِر شَيْئا وَقد جرى الْعرف على أَن يكون بعض مَعْلُوم الْقدر من الثّمن حَالا، أَو على أَن دفع كل الثّمن يكون منجماً على نُجُوم مَعْلُومَة يكون ذَلِك الْعرف مرعياً بِمَنْزِلَة الشَّرْط الصَّرِيح. (تَنْبِيه:) رُبمَا يتَوَهَّم متوهم مِمَّا ذكر فِي هَذِه الْمَادَّة وَالَّتِي قبلهَا من أَن الدَّعْوَى بِخِلَاف الْمُتَعَارف لَا تسمع، أَنه فِي الْفَرْع الأول المفرع على هَذِه الْقَاعِدَة لَو سلم البَائِع السّلْعَة ثمَّ جَاءَ يَدعِي بِكُل الثّمن وَأَنه سلم السّلْعَة وَلم يقبض بعض الثّمن الْمُتَعَارف دَفعه قبل التَّسْلِيم لَا تسمع دَعْوَاهُ بِالْكُلِّ، بل بِالْبَعْضِ الْمُتَعَارف تنجيمه. وَالْحَال أَن الدَّعْوَى تسمع مِنْهُ بِالْكُلِّ، وَلَيْسَ فِي سماعهَا مُخَالفَة للْعُرْف، وَذَلِكَ لِأَن الْعرف يَجْعَل الْمَسْكُوت عَنهُ كالمشروط، فَهُوَ يقْضِي بِجعْل الْمُتَبَايعين كَأَنَّهُمَا شرطا تَعْجِيل بعض مَعْلُوم من الثّمن وتنجيم الْبَاقِي صَرِيحًا، لَا بِأَكْثَرَ من ذَلِك، حَتَّى لَو أَرَادَ البَائِع قبض كل الثّمن قبل تَسْلِيم السّلْعَة بِحجَّة أَنَّهُمَا

стр. 193

لم يشترطا شَيْئا لم تسمع دَعْوَاهُ، وَلَا يُجَاب طلبه، لِأَن الثّمن كَانَ وَاجِبا كُله بِالْعقدِ، فَلَا يقْضى بِسُقُوط شَيْء مِنْهُ بِحكم الظَّاهِر، لِأَن الظَّاهِر لَا يصلح حجَّة لإبطال مَا كَانَ ثَابتا. وَالْحَاصِل أَن البَائِع بِدَعْوَاهُ هَذِه يُنكر قيام المُشْتَرِي بِمَا يَقْتَضِيهِ الْعرف، وَذَلِكَ مِنْهُ لَا يصادم الْعرف. يجب التَّعَرُّض هُنَا لإشكال يرد على جَوَاب هَذَا الْإِشْكَال، وَهُوَ مَا ذَكرُوهُ فِي الْمهْر من أَن الْمَدْخُول بهَا إِذا ادَّعَت كل الْمهْر على الزَّوْج أَو ورثته وَادّعى الزَّوْج أَو ورثته دفع شَيْء لَهَا من الْمهْر، يُقَال لَهَا: إِمَّا أَن تقري بِمَا تعجلت وَإِلَّا قضينا عَلَيْك بِمَا تعورف تَعْجِيله. جَوَاب هَذَا: هُوَ أَن عرف التُّجَّار الْمَذْكُور جارٍ على التقسيط والتنجيم، لَا على الْقَبْض فعلا، بل إِن الْقَبْض فعلا قد يَقع وَقد لَا يَقع، بِخِلَاف مَسْأَلَة الْمهْر الْمَذْكُورَة فَإِنَّهَا معللة بِأَن الْعرف جارٍ على أَنَّهَا لَا تسلم نَفسهَا حَتَّى تتعجل شَيْئا من الْمهْر.

стр. 194

(الْقَاعِدَة الرَّابِعَة وَالْأَرْبَعُونَ (الْمَادَّة / ٤٥)) (" التَّعْيِين بِالْعرْفِ كالتعيين بِالنَّصِّ ") (أَولا _ الشَّرْح) هَذِه الْقَاعِدَة فِي معنى الْقَوَاعِد / ٣٧ و ٤٣ و ٤٤ /. (ثَانِيًا _ التطبيق) وَمِمَّا يُمكن أَن يتَفَرَّع عَلَيْهَا: (أ) مَا لَو اسْتَأْجر دَارا أَو حانوتاً بِلَا بَيَان من يسكن، أَو بِلَا بَيَان مَا يعْمل فِيهِ، فَلهُ أَن ينْتَفع بِجَمِيعِ أَنْوَاع الِانْتِفَاع، غير أَنه لَا يسكن وَلَا يسكن حداداً وَلَا قصاراً وَلَا طحاناً، من غير إِذن الْمُؤَجّر. (ب) وَكَذَلِكَ لَو اسْتَأْجر حانوتاً فِي سوق البزازين مثلا، فَلَيْسَ لَهُ أَن يَتَّخِذهُ للحدادة أَو الطَّبْخ أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا يُؤْذِي جِيرَانه.

стр. 195

((الصفحة فارغة))

стр. 196

(الْقَاعِدَة الْخَامِسَة وَالْأَرْبَعُونَ (الْمَادَّة / ٤٦)) (إِذا تعَارض الْمَانِع والمقتضي يقدم الْمَانِع) (أَولا: الشَّرْح) إِذا تعَارض الْمَانِع والمقتضي يقدم الْمَانِع لِأَن اعتناء الشَّارِع بالمنهيات أَشد من اعتنائه بالمأمورات، لحَدِيث: (مَا نَهَيْتُكُمْ عَنهُ فَاجْتَنبُوهُ، وَمَا أَمرتكُم بِهِ فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم) . وَيَنْبَغِي أَن يُقيد إِطْلَاق قَاعِدَة تَقْدِيم الْمَانِع على الْمُقْتَضى بِمَا إِذا لم يرب الْمُقْتَضِي على الْمَانِع، بِأَن تَسَاويا، كَمَا فِي مَسْأَلَة بيع الرَّاهِن الْعين الْمَرْهُونَة المفرعة على الْمَادَّة تمثيلاً لَهَا، فَإِن الْمَانِع والمقتضي متساويان فِيهَا لتعلقهما بِالْمَالِ الْمَرْهُون على السوَاء، أَو رَبًّا الْمَانِع؛ كَمَا فِي مَسْأَلَة الْخُرُوج على الإِمَام الجائر إِذا كَانَ يَتَرَتَّب على الْخُرُوج عَلَيْهِ مفْسدَة أعظم من جوره، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يقدم الْمَانِع. أما إِذا رَبًّا الْمُقْتَضِي على الْمَانِع فَالظَّاهِر أَنه يقدم الْمُقْتَضِي، بِدَلِيل مَا ذكرُوا فِي الْمُضْطَر إِذا لم يجد مَا يدْفع بِهِ الْهَلَاك عَن نَفسه إِلَّا طَعَام الْغَيْر فَإِنَّهُ يجوز لَهُ تنَاوله جبرا عَلَيْهِ، وَيضمنهُ لَهُ، وتجويزهم التَّنَاوُل جبرا على الْمَالِك فِيهِ تَرْجِيح للمقتضي، وَهُوَ إحْيَاء المهجة، على الْمَانِع وَهُوَ كَون الطَّعَام ملك الْغَيْر، وَمَا ذَاك إِلَّا لكَون الْمُقْتَضِي رابياً على الْمَانِع فَإِن حُرْمَة النَّفس أعظم من حُرْمَة المَال. (ثَانِيًا: التطبيق) يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل كَثِيرَة، مِنْهَا:

стр. 197

(أ) مَا لَو أقرّ الْمَرِيض مرض الْمَوْت لوَارِثه ولأجنبي بدين أَو عين مُشْتَركا على الشُّيُوع، بَطل فيهمَا. (ب) وَمِنْهَا: مَا إِذا كَانَ السّفل لوَاحِد والعلو لآخر، فَإِن كلا مِنْهُمَا مَمْنُوع عَن التَّصَرُّف فِي ملكه بِمَا يضر بِملك صَاحبه، تَغْلِيبًا للمانع على الْمُقْتَضِي. (ج) وَمِنْهَا: مَا لَو ضم مَا لَا يحل بَيْعه كالخنزير إِلَى مَا يحل فِي صَفْقَة وَاحِدَة يفْسد البيع (ر: الدُّرَر، من أَوَاخِر كتاب النِّكَاح) . (د) وَمِنْهَا: منع الْمُؤَجّر عَن التَّصَرُّف فِي الْعين المأجورة بِمَا يمس حق الْمُسْتَأْجر، تَقْدِيمًا للمانع وَهُوَ حق الْمُسْتَأْجر. (هـ) وَمِنْهَا: بطلَان كل الْقَضَاء وكل الشَّهَادَة إِذا بَطل بعضهما، كَمَا لَو قضى القَاضِي أَو شهد الشَّاهِد لمن تقبل شَهَادَته لَهُ وَلمن لَا تقبل: بَطل فِي كليهمَا. (و) وَمِنْهَا: مَا لَو حط البَائِع كل الثّمن عَن المُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَصح حطه وَلَكِن لَا يلْتَحق بِأَصْل العقد، بل يعْتَبر بِمَنْزِلَة هبة مُبتَدأَة (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، آخر بَاب التَّصَرُّف فِي الْمَبِيع وَالثمن) . وَذَلِكَ تَقْدِيمًا للمانع عَن التحاقه بِهِ، وَهُوَ تأديته إِلَى بطلَان العقد، لفقد رُكْنه بخلو العقد حِينَئِذٍ عَن الثّمن، على الْمُقْتَضِي للإلحاق، وَهُوَ المحطوط ثمنا وَهُوَ من متعلقات البيع وناشئ عَنهُ، بل هُوَ ركن فِيهِ. وعَلى مَا ذكرنَا: لَو بَاعه المُشْتَرِي بعد الْحَط مُرَابحَة، يرابح على كل الثّمن الْمَذْكُور فِي العقد. وَلَو كَانَ الْمَبِيع عقارا فَأخذ بِالشُّفْعَة فالشفيع يَأْخُذهُ بِكُل الثّمن. بِخِلَاف مَا إِذا حط البَائِع بعض الثّمن فَإِنَّهُ يلْتَحق الْحَط بِالْعقدِ، لعدم الْمَانِع حِينَئِذٍ من التحاقه، فيرابح على مَا بَقِي من الثّمن بعد الْحَط، وَيَأْخُذ بِهِ الشَّفِيع أَيْضا. (ز) وَمِنْه: مَا لَو تصارفا ذَهَبا بِذَهَب أَو فضَّة بِفِضَّة، ثمَّ حط أَحدهمَا عَن الآخر بعض الْبَدَل أَو زَاده فِي الْبَدَل - أَي وَقبل الآخر كَمَا فِي رد الْمُحْتَار نقلا

стр. 198

عَن الْبَحْر، أَوَائِل بَاب الصّرْف - فَإِن الْحَط يَصح عِنْد مُحَمَّد، وَلَا يلْتَحق بِالْعقدِ بل يَجْعَل كَهِبَة مُبتَدأَة، وَالزِّيَادَة تبطل عِنْده (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، أَوَائِل بَاب الرِّبَا نقلا عَن الذَّخِيرَة) ، تَقْدِيمًا للمانع، وَهُوَ أَن التحاق الْحَط وَتَصْحِيح الزِّيَادَة يُؤَدِّي إِلَى فَسَاد العقد لعدم التَّسَاوِي فِي الْبَدَلَيْنِ، على الْمُقْتَضِي، وَهُوَ كَون الْمُتَصَرف بالحط وَالزِّيَادَة يتَصَرَّف فِي خَالص ملكه. وَظَاهر كَلَام " الذَّخِيرَة " يُفِيد تَرْجِيح قَول مُحَمَّد على قَول غَيره، حَيْثُ علله وَوَجهه وَلم يُوَجه قَول غَيره. وَإِنَّمَا أبطل مُحَمَّد الزِّيَادَة وَلم يصححها هبة مُبتَدأَة كالحط، لِأَن تَسْمِيَتهَا زِيَادَة تستدعي مزيداً فِيهِ وتستلزمه للالتحاق بِهِ، فتلتحق، بِخِلَاف الْحَط فَإِنَّهُ إِسْقَاط. (ح) وَمِنْهَا: أَن الْهِبَة لَا تَنْعَقِد بِالْبيعِ بِلَا ثمن، وَلَا الْعَارِية بِالْإِجَارَة بِلَا بدل، تَقْدِيمًا للمانع على الْمُقْتَضِي، وَذَلِكَ لِأَن الْأَمر فيهمَا دائر بَين بيع وَإِجَارَة فاسدين، وَذَلِكَ مَانع، وَبَين هبة وعارية صَحِيحَيْنِ، وَهُوَ مُقْتَض، فَقدم الْمَانِع. (انْظُر: الفرعين الْمَذْكُورين فِيمَا كتبناه تَحت الْقَاعِدَة الثَّانِيَة) . (ط) وَيتَفَرَّع على الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة: مَا لَو شهد اثْنَان أَنه مَاتَ وَهِي امْرَأَته، وآخران أَنه طَلقهَا قبل مَوته، يُفْتِي بأولوية بَيِّنَة الطَّلَاق. وَكَذَا بَيِّنَة الْخلْع أولى من بَيِّنَة النِّكَاح (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، من الْفَصْل الْعَاشِر، ص ١٤٢ و ١٤٣ و ١٤٦ و ١٤٧) . (تَنْبِيه) الظَّاهِر أَن مَحل تَقْدِيم الْمَانِع على الْمُقْتَضِي إِنَّمَا يكون إِذا وردا على مَحل وَاحِد، كالأمثلة المفرعة الْمَذْكُورَة، أما إِذا لم يردا على مَحل وَاحِد فَإِنَّهُ يعْطى كل مِنْهُمَا حكمه، بِدَلِيل مَا قَالُوا فِيمَا لَو جمع بَين من تحل لَهُ وَمن لَا تحل لَهُ فِي عقد وَاحِد: صَحَّ فِي الْحَلَال وَبَطل فِي الْأُخْرَى. وكما لَو جمع بَين وقف وَملك وباعهما صَفْقَة وَاحِدَة: صَحَّ فِي الْملك بِحِصَّتِهِ من الثّمن.

стр. 199

وكما لَو جمع بَين مَاله وَمَال غَيره وباعهما صَفْقَة وَاحِدَة، فَإِنَّهُ يَصح فِي مَاله ويتوقف فِي مَال الْغَيْر على إجَازَة الْمَالِك. يَنْبَغِي التَّعَرُّض لإشكال عساه يرد، وَهُوَ مَا نصوا عَلَيْهِ من أَنه لَو جمع بَين حر وَعبد، أَو مَسْجِد عَامر وَملك فِي عقد وَاحِد، فَإِنَّهُ يفْسد فِي العَبْد وَالْملك. وَيُمكن دَفعه بِأَنَّهُ فِيهِ البيع بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاء. وَلَو جمع بَين مُدبر وَعبد: صَحَّ فِي العَبْد بِحِصَّتِهِ، لكَون الْمُدبر مَالا فِي الْجُمْلَة لمَكَان الْخلاف فِي جَوَاز بَيْعه، كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، فقد نصوا على أَنه يدْخل فِي البيع ثمَّ يخرج مِنْهُ، فَلَيْسَ فِيهِ البيع بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاء. وَأما صِحَة النِّكَاح فِي الْحَلَال فلكون المَال فِي النِّكَاح غير مَقْصُود. وَمثل العَبْد وَالْمُدبر: الْوَقْف وَالْملك، فَإِن الْوَقْف مَال فِي الْجُمْلَة، للْخلاف فِي جَوَاز بيع الْوَقْف. وكما لَو أوصى لأَجْنَبِيّ ووارث، أَو لأَجْنَبِيّ وَقَاتل فللأجنبي نصفهَا، وَبَطلَت فِي حق الآخر، أَي على تَقْدِير عدم الْإِجَازَة، وَقَوْلهمْ فِي الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة: " إِذا تعَارض " يُشِير إِلَى هَذَا، فَإِنَّهُ لَا تعَارض عِنْد انفكاكهما، إِذْ يُمكن مُرَاعَاة الْمُقْتَضِي بِدُونِ أَن يلْزم الْمَانِع. وَلَا يشكل فرع الْوَصِيَّة للْأَجْنَبِيّ وَالْوَارِث مَعَ فرع الْإِقْرَار لَهما السَّابِق، حَيْثُ صحت الْوَصِيَّة بِالنِّسْبَةِ للْأَجْنَبِيّ وَبَطل الْإِقْرَار بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَمَا بَطل فِي حق الْوَارِث، لِأَن الْوَصِيَّة تمْلِيك مُبْتَدأ مُضَاف لما بعد الْمَوْت والشائع يقبله، وَبطلَان التَّمْلِيك لأَحَدهمَا لَا يسْتَلْزم بطلَان التَّمْلِيك للْآخر. أما الْإِقْرَار فَإِنَّهُ إِخْبَار يثبت بِهِ مَا أخبر عَنهُ طبق مَا أخبر بِهِ مُشْتَركا على الشُّيُوع، فَيثبت كَذَلِك فَيكون مَا من جُزْء يَأْخُذهُ الْأَجْنَبِيّ إِلَّا وللوارث حق الْمُشَاركَة فِيهِ، فَيصير كَأَنَّهُ إِقْرَار للْوَارِث فَيبْطل. (ي) وَيتَفَرَّع على الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة أَيْضا: مَا لَو تعَارض جرح الشَّاهِد وتعديله فَإِنَّهُ يقدم الْجرْح على التَّعْدِيل (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الشَّهَادَات، بَاب الْقبُول وَعَدَمه) .

стр. 200

(ثَالِثا _ الِاسْتِثْنَاء) وَخرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل: (أ) مِنْهَا: مَا لَو سكن أحد الشَّرِيكَيْنِ الْعقار الْمُشْتَرك فِي غيبَة شَرِيكه، فَإِنَّهُ يجوز، وللشريك الْغَائِب أَن يسكن بعد عودته نَظِير مَا سكن شَرِيكه (ر: الْمَادَّة / ١٠٨٣ / من الْمجلة) . (ب) وَمِنْهَا: تجويزهم للْمُسْتَأْجر على الْعَمَل فِي عين أَن يسْتَأْجر غَيره للْعَمَل فِيهَا ويدفعها لَهُ، وللمستعير أَن يعير لغيره وَيدْفَع الْعين لَهُ فِيمَا لَا يخْتَلف اسْتِعْمَاله، مَعَ أَن الْعين وَدِيعَة فِي أَيْدِيهِمَا وَالْمُودع لَا يودع لغير من فِي عِيَاله أَو من يحفظ بِهِ مَاله. وَهَذَا مَانع وَلم يعْمل عمله هُنَا بل قدم الْمُقْتَضِي، وَهُوَ كَون الْمُسْتَعِير ملك الْمَنَافِع فَملك تمليكها، وَكَون الْمُسْتَأْجر للْعَمَل يعْمل بِنَفسِهِ وبأجيره، وَذَلِكَ لِأَن الإبداع ثَبت ضمنا لَا قصدا كَمَا علل بِهِ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ (ر: آخر الْفَصْل التَّاسِع عشر، آخر ص ٢٥٠ بِخُصُوص الْأَجِير، نقلا عَن فُصُول الْعِمَادِيّ) . (ج) وَمِنْهَا: مَا لَو كَانَ كرم مُشْتَرك بَين حَاضر وغائب، أَو بَالغ ويتيم، فَأدْرك ثمره فَبَاعَهُ وَأخذ حِصَّته ووقف حِصَّة الْغَائِب يَسعهُ ذَلِك (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ من بحث الِانْتِفَاع بالمشترك) . (د) وَمِنْهَا: تجويزهم لأحد الشَّرِيكَيْنِ تعمير الْمُشْتَرك، بِدُونِ إِذن الشَّرِيك وَبِدُون إِذن قَاض، ورجوعه بِقِيمَة الْبناء عِنْد ضَرُورَة تعذر قسمته وَامْتِنَاع الْجَبْر على الْعِمَارَة، كحمام ورحى وجدار لَا يقسم (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الشّركَة) فها هُنَا قدم الْمُقْتَضِي على الْمَانِع كَمَا هُوَ ظَاهر. (هـ) وَمِنْهَا: مَا لَو ادّعى على ذِي الْيَد أَن الْعين الَّتِي فِي يَده كَانَت ملك فلَان الْغَائِب، وَأَنه كَانَ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، وَأَنه ملكهَا بذلك الشِّرَاء، وَبرهن على ذَلِك غب إِنْكَار الْمُدعى عَلَيْهِ، وَقضي لَهُ بذلك كَانَ حكما على الْغَائِب بِالْبيعِ، فَلَو حضر وَأنكر البيع لَا يسمع مِنْهُ (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من فصل

стр. 201

الْحَبْس) . فها هُنَا قدم الْمُقْتَضِي، وَهُوَ دَعْوَى الْمُدَّعِي وبينته الْقَائِمَة وإحياء حَقه، على الْمَانِع، وَهُوَ كَون الْمَالِك الأول الْمقْضِي عَلَيْهِ بِالْبيعِ غَائِبا. وَقد نصوا فِي الْمُتُون أَنه لَا يقْضى على غَائِب وَلَا لَهُ إِلَّا بِحُضُور نَائِب عَنهُ. (و) وَمن الْمُسْتَثْنى أَيْضا: مَا لَو أَقَامَ بَيِّنَة على آخر أَنه اشْترى هَذِه الدَّار من فلَان الْغَائِب، وَأَنه شفيعها، فقضي لَهُ بذلك، صَار الْمَالِك الأول مقضياً عَلَيْهِ بِالْبيعِ وَإِن كَانَ غَائِبا، وَلَو حضر وَأنكر لَا يعْتَبر إِنْكَاره. (ز) وَمِنْه: مَا لَو أَقَامَ الْكَفِيل بِالْأَمر بَينته على الْأَصِيل أَنه أوفى الطَّالِب دينه، والطالب غَائِب، يقْضى لَهُ، وَيصير الطَّالِب مقضياً عَلَيْهِ بِالِاسْتِيفَاءِ، وَلَو حضر وَأنكر الْإِيفَاء لَا يسمع مِنْهُ، وَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَة الْبَيِّنَة بمواجهته فِي جَمِيع ذَلِك (للصورتين / و، ز / ر: رد الْمُحْتَار، فصل الْحَبْس) . " وَالضَّابِط فِي ذَلِك: أَنه إِذا كَانَ مَا يدعى على الْغَائِب سَببا لَا محَالة لما يدعى على الْحَاضِر يصير الْغَائِب مقضياً عَلَيْهِ بِالْقضَاءِ على الْحَاضِر ". فَفِي الْفُرُوع المستثناة الْمَذْكُورَة مَا يدعى على الْغَائِب، وَهُوَ البيع فِي الأول وَالثَّانِي، وإيفاء الْكَفِيل لَهُ فِي الثَّالِث، سَبَب لَا تحول لَهُ عَن السَّبَبِيَّة لما يدعى على الْحَاضِر، وَهُوَ كَون الْمُدعى عَلَيْهِ يجب عَلَيْهِ تَسْلِيم الْعين الْمُدعى بهَا للْمُدَّعِي، بِحكم كَونه مَالِكًا لَهَا فِي الأول، وَكَونه يجب تَسْلِيمهَا عَلَيْهِ بِحكم الشُّفْعَة فِي الثَّانِي، وَكَونه يحِق للْكَفِيل الرُّجُوع بمبلغ الدّين فِي الثَّالِث.

стр. 202

وَقد فرعوا على الضَّابِط الْمَذْكُور فروعاً كَثِيرَة، نقل مِنْهَا فِي " رد الْمُحْتَار " من الْمحل الْمَذْكُور، عَن الْمُجْتَبى، تِسْعَة وَعشْرين فرعا تنظر هُنَاكَ فَإِن مِنْهَا قسما عَظِيما كثير الْوُقُوع. (فَائِدَة:) ذكر صَاحب " معِين الْحُكَّام " جانباً من مسَائِل الْقَضَاء على الْغَائِب الْمُتَقَدّمَة، وَمِنْه الْمَسْأَلَة الأولى الْمُتَقَدّمَة عَن " الدّرّ الْمُخْتَار " ثمَّ قَالَ: أعجوبة! ذكر فِي " الْفَتَاوَى الصُّغْرَى ": لَو صدقه ذُو الْيَد فِي ذَلِك _ أَي فِي أَن الْعين الْمُدعى بهَا كَانَت ملك فلَان الْغَائِب وَأَن الْمُدَّعِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ _ فَالْقَاضِي لَا يَأْمر ذَا الْيَد بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الْمُدَّعِي، لِئَلَّا يحكم على الْغَائِب بِالشِّرَاءِ بِإِقْرَارِهِ. وَالظَّاهِر أَن الحكم كَذَلِك فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة، وَهِي مَسْأَلَة الشُّفْعَة الْمُتَقَدّمَة، فَلَو أقرّ المُشْتَرِي بِأَن الدَّار كَانَت ملكا للْغَائِب وَأَنه اشْتَرَاهَا مِنْهُ لَا يُؤمر بِالتَّسْلِيمِ للشَّفِيع، بل يُؤمر الشَّفِيع بِإِقَامَة الْبَيِّنَة على ذَلِك، لِئَلَّا يصير الْمَالِك الْغَائِب مقضياً عَلَيْهِ بِالْبيعِ بِإِقْرَارِهِ، بِخِلَاف الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة، وَهِي مَسْأَلَة الْكفَالَة الْمُتَقَدّمَة إِذا أقرّ الْمَدْيُون الْمُدعى عَلَيْهِ بِأَن الْكَفِيل أدّى الدّين للأصيل، فَالظَّاهِر أَنه يُؤمر بأَدَاء الدّين إِلَيْهِ بِمُقْتَضى إِقْرَاره، لِأَن الْقَضَاء عَلَيْهِ وَالْحَالة هَذِه لَا يَجْعَل الْأَصِيل مقضياً عَلَيْهِ بِالِاسْتِيفَاءِ من الْكَفِيل، بل إِقْرَاره يقْتَصر عَلَيْهِ فَحسب، إِذْ الدُّيُون تقضى بأمثالها، بِخِلَاف الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأَوليين، وهما مسألتا البيع وَالشُّفْعَة، فَإِن الْمُدعى فيهمَا عين، وَإِقْرَاره بِالْعينِ فيهمَا إِقْرَار على الْغَائِب فَلَا ينفذ. (ر: معِين الْحُكَّام، الْفَصْل الثَّالِث من الْقسم الثَّالِث فِي ذكر الدَّعَاوَى وأقسامها) . وَذَلِكَ نَظِير لما لَو صدقه بِأَنَّهُ وَكيل فلَان الْغَائِب بِقَبض دينه مِنْهُ، حَيْثُ يُؤمر بِالدفع لَهُ. وَلَو صدقه بِأَنَّهُ وَكيله بِقَبض الْعين الْوَدِيعَة مِنْهُ لَا يُؤمر بِالدفع لَهُ لما ذكرنَا (ر: التَّنْوِير وَشَرحه، من بَاب الْوكَالَة بِالْخُصُومَةِ وَالْقَبْض) . اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال فِي فرع الشُّفْعَة أَن الْمُدعى عَلَيْهِ يزْعم بِدَعْوَاهُ الشِّرَاء من الْغَائِب أَن يَده يَد ملك، فَينفذ عَلَيْهِ إِقْرَاره لمُدعِي الشُّفْعَة وَيُؤمر بِالتَّسْلِيمِ لَهُ.

стр. 203

(تَنْبِيه:) المُرَاد من تَقْدِيم الْمَانِع فِي الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة على الْمُقْتَضِي رعايته وَالْعَمَل بِهِ دون الْمُقْتَضِي، كَمَا يظْهر من تطبيق الْفُرُوع على الْقَاعِدَة، فَهُوَ على هَذَا مقدم فِي الرُّتْبَة وَالِاعْتِبَار لَا فِي الزَّمن. إِذْ لَا يظْهر فِي شَيْء من الْفُرُوع المفرعة على الْقَاعِدَة تقدم للمانع على الْمُقْتَضِي فِي الزَّمن وَلَا تَأَخّر عَنهُ، بل لَا يَصح أَن يُلَاحظ ذَلِك فِي شَيْء من فروع الْقَاعِدَة كَمَا يظْهر للمتأمل، حَتَّى لَو كَانَ الْمَانِع والمقتضي يجْرِي بَينهمَا التَّقَدُّم والتأخر فِي الزَّمن فهناك يعْتَبر الْمَانِع مُتَأَخِّرًا فِي الزَّمن عَن الْمُقْتَضِي لتتحقق حِينَئِذٍ رعايته وَالْعَمَل بِهِ وَيحصل اعْتِبَاره وتقدمه الرتبي، بِدَلِيل مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: شهد اثْنَان أَنه مَاتَ وَهِي امْرَأَته، وآخران أَنه طَلقهَا قبل مَوته، يُفْتى بأولوية بَيِّنَة الطَّلَاق. وَكَذَلِكَ بَيِّنَة الْخلْع أولى من بَيِّنَة النِّكَاح وَلَو ادَّعَت الزَّوْجَة النِّكَاح فِي الْحَال، لِأَن الْخلْع يكون أبدا بعد النِّكَاح. وَكَذَا بَيِّنَة الْإِبْرَاء أولى من بَيِّنَة أَن لَهُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْحَال. وَلَو ادّعى دينا أَو عينا فبرهن خَصمه أَنَّك أَقرَرت أَن لَا دَعْوَى وَلَا خُصُومَة لي عَلَيْك، تسمع وتدفع دَعْوَاهُ، وَإِن كَانَ يحْتَمل أَنه يَدعِي عَلَيْهِ بِسَبَب بعد إِقْرَاره؛ لِأَن الأَصْل أَن الْمُوجب والمسقط إِذا تَعَارضا يعْتَبر الْمسْقط مُتَأَخِّرًا، إِذْ السُّقُوط يكون بعد الْوُجُوب، سَوَاء اتَّصل الحكم بِالْمُوجبِ أَو لم يتَّصل. (ر: محلات مُتَفَرِّقَة من النّصْف الْأَخير من الْفَصْل الْعَاشِر من جَامع الْفُصُولَيْنِ) . (تَنْبِيه آخر:) قد يتعارض الْمَانِع والمقتضي وَلَا يقدم أَحدهمَا على الآخر بل يعْمل فِي كل

стр. 204

مِنْهُمَا بِمَا يَقْتَضِيهِ. من ذَلِك الْمَسْأَلَة التالية: رجل قَالَ لامْرَأَته: إِن لم أطلقك الْيَوْم ثَلَاثًا فَأَنت طَالِق، ثمَّ أَرَادَ أَن لَا يُطلق امْرَأَته وَلَا يصير حانثاً. قَالُوا: الْحِيلَة فِي هَذَا مَا رُوِيَ عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى _ وَعَلِيهِ الْفَتْوَى _ أَن يَقُول لامْرَأَته فِي الْيَوْم: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا على ألف دِرْهَم، فَإِذا قَالَ لَهَا ذَلِك تَقول الْمَرْأَة: لَا أقبل، فَإِذا قَالَت الْمَرْأَة ذَلِك وَمضى الْيَوْم كَانَ الزَّوْج باراً فِي يَمِينه وَلَا يَقع الطَّلَاق؛ لِأَنَّهُ طَلقهَا فِي الْيَوْم ثَلَاثًا وَإِنَّمَا لم يَقع الطَّلَاق عَلَيْهَا لرد الْمَرْأَة، وَهَذَا لَا يخرج كَلَام الزَّوْج من أَن يكون تطليقاً. (ر: حَاشِيَة الرَّمْلِيّ على جَامع الْفُصُولَيْنِ من الْبَاب الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ صفحة / ٢١٣ / نقلا عَن الْخَانِية) . فقد عمل فِي الْفَرْع الْمَذْكُور بكليهما: عمل بالمقتضي، وَهُوَ اعْتِبَار الزَّوْج موقعاً للطَّلَاق الثَّلَاث عَلَيْهَا على ألف فَلِذَا لم يَحْنَث فِي يَمِينه، وَعمل بالمانع من وُقُوع الثَّلَاث، وَهُوَ رد الْمَرْأَة وَعدم قبُولهَا. (تَنْبِيه آخر:) لَا فرق فِي تَقْدِيم الْمَانِع على الْمُقْتَضِي بَين أَن يجيئا مَعًا، كأكثر الْفُرُوع المخرجة على الْقَاعِدَة، أَو يطْرَأ الْمَانِع على الْمُقْتَضِي قبل حُصُول الْمَقْصُود من الْمُقْتَضِي، فَإِنَّهُ يقدم الْمَانِع كَمَا لَو شهد لامْرَأَة أَجْنَبِيَّة عَنهُ ثمَّ تزَوجهَا قبل الْقَضَاء بِشَهَادَتِهِ، أَو شهد وَلَيْسَ بأجير ثمَّ صَار أَجِيرا _ أَي أَجِيرا خَاصّا _ قبل الْقَضَاء بِشَهَادَتِهِ بطلت شَهَادَته فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (ر: معِين الْحُكَّام، الْفَصْل السَّابِع من فُصُول مُقَدّمَة الْفَصْل السَّابِع، فِي ذكر الْبَينَات، ص / ١٠٨) .

стр. 205

((الصفحة فارغة))

стр. 206

(الْقَاعِدَة السَّادِسَة وَالْأَرْبَعُونَ (الْمَادَّة / ٤٧)) (" التَّابِع تَابع ") (الشَّرْح مَعَ التطبيق) " التَّابِع تَابع " أَي التَّابِع لشَيْء فِي الْوُجُود، بِأَن كَانَ جُزْءا مِمَّا يضرّهُ التَّبْعِيض، كالجلد من الْحَيَوَان، أَو كالجزء وَذَلِكَ كالجنين وكالفص للخاتم، فَلَو أقرّ بِخَاتم دخل فصه (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الْإِقْرَار) . أَو كَانَ وَصفا فِيهِ، كالشجر وَالْبناء القائمين فِي الأَرْض، أَو كَانَ من ضروراته، كالطريق للدَّار وكالعجول للبقرة الحلوب والمفتاح للقفل وكالجفن والحمائل للسيف. فَلَو أقرّ بِسيف دخل جفْنه وحمائله (ر: الدّرّ الْمُخْتَار أَيْضا) " تَابع " لَهُ فِي الحكم، فَيدْخل الْجَنِين فِي بيع الْأُم تبعا وَإِن لم ينص عَلَيْهِ. وَإِذا ضرب بطن امْرَأَة فَمَاتَتْ، ثمَّ بعد مَوتهَا أَلْقَت جَنِينا مَيتا، فعلى الضَّارِب دِيَة الْأُم وَلَا غرَّة فِي الْجَنِين، فقد اعْتبرت غرته دَاخِلَة فِي دِيَة الْأُم، لكَونه تبعا لَهَا (ر: أَحْكَام الصغار، آخر الْجِنَايَات) . وَكَذَلِكَ الطَّرِيق فِي السِّكَّة غير النافذة الموصلة إِلَى الطَّرِيق الْعَام يدْخل فِي بيع الأَرْض تبعا وَإِن لم ينص عَلَيْهِ، بِخِلَاف الطَّرِيق إِذا كَانَ فِي ملك الْغَيْر فَإِنَّهُ لَا يدْخل بِلَا تنصيص عَلَيْهِ أَو على الْحُقُوق والمرافق. وَكَذَلِكَ يدْخل الْبناء، وَتدْخل الْأَشْجَار الَّتِي غرست للقرار، مثمرة كَانَت أَو من غير ذَوَات الثَّمر، صَغِيرَة أَو كَبِيرَة. أما المثمرة فَلَا كَلَام فِي دُخُولهَا.

стр. 207

وَأما الَّتِي لَا تثمر فقد نقل فِي رد الْمُحْتَار (من فصل فِيمَا يدْخل فِي البيع تبعا وَمَا لَا يدْخل) عَن التَّتارْخَانِيَّة عَن الْمُحِيط أَن الْأَصَح الدُّخُول بِلَا تَفْصِيل بَين الصَّغِيرَة والكبيرة وَذَات الثَّمر وَغير ذَات الثَّمر نعم نقل هُنَاكَ فِي الدّرّ وحاشيته، عَن الْفَتْح، اسْتثِْنَاء الْيَابِسَة من الدُّخُول تبعا، وَعلله بِأَنَّهَا على شرف الْقطع، فَهِيَ كحطب مَوْضُوع فِيهَا. اه. وَالظَّاهِر أَن هَذَا حَيْثُ لَا عرف هُنَاكَ، فَلَو كَانَ هُنَاكَ عرف يجب أَن يتبع. وَأما الْأَشْجَار الَّتِي غرست لَا للقرار بل لتقطع بعد كبرها، كالحور وَنَحْوه، فقد وَقع فِيهَا اضْطِرَاب يعلم من مُرَاجعَة الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته من الْمحل الْمَذْكُور، وَأثبت مَا نقل فِي شَأْنهَا مَا نقل فِي رد الْمُحْتَار هُنَاكَ، عَن شرح الْوَهْبَانِيَّة عَن الْوَاقِعَات أَن الْأَشْجَار إِذا كَانَت تقطع فِي كل ثَلَاث سِنِين فَلَو كَانَت تقطع عَن الأَصْل تدخل فِي البيع تبعا، وَلَو كَانَت تقطع من وَجه الأَرْض لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الثَّمَرَة. اه بِبَعْض توضيح. وَقَوله فِي " الْوَاقِعَات ": " إِذا كَانَت تقطع فِي كل ثَلَاث سِنِين " مُرَاده _ فِيمَا يظْهر _ أَنَّهَا تقطع بعد استكمالها عَاميْنِ ودخولها فِي الثَّالِث، بِدَلِيل مَا فِي " الْإِسْعَاف " (من بَاب بَيَان مَا يجوز وَقفه وَمَا لَا يجوز وَمَا يدْخل تبعا وَمَا لَا يدْخل) حَيْثُ قَالَ: " وَأما الْأُصُول الَّتِي تبقى وَالشَّجر الَّذِي لَا يقطع إِلَّا بعد عَاميْنِ أَو أَكثر فَإِنَّهَا تدخل تبعا ". وَيَنْبَغِي أَن يُقيد إِطْلَاقه فِي " الْإِسْعَاف " دُخُول الْأَشْجَار الَّتِي تقطع بعد عَاميْنِ _ فِي الْوَقْف _ بِمَا يفِيدهُ كَلَام " الْوَاقِعَات " من أَن الدُّخُول مَخْصُوص بِمَا يقطع من أُصُوله، لَا من سطح الأَرْض. وكما يدْخل مَا ذكر فِي البيع تبعا تدخل زَوَائِد الرَّهْن، كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَة وَاللَّبن وَالصُّوف تكون رهنا تبعا للْأَصْل. وَكَذَلِكَ زَوَائِد الْمَبِيع إِذا حدثت قبل الْقَبْض تكون للْمُشْتَرِي.

стр. 208

وَكَذَلِكَ زَوَائِد الْمَغْصُوب تكون للْمَغْصُوب مِنْهُ تبعا لمَاله. (تَنْبِيه:) كَمَا أَن التَّابِع يدْخل فِي البيع يدْخل أَيْضا فِي الشَّهَادَة وَالْقَضَاء. لَكِن إِذا كَانَ دُخُوله فِي الشَّهَادَة وَالْقَضَاء تبعا فَإِنَّمَا يعْتَبر دُخُوله وتبعيته مَا دَامَ مسكوتاً عَنهُ وَغير متنازع فِيهِ، أما إِذا لم يكن مسكوتاً عَنهُ بل ادّعى الْمُدعى عَلَيْهِ عدم دُخُوله فَإِن الدَّعْوَى لَا تسمع بِهِ وَالشَّهَادَة تقبل عَلَيْهِ. يثبت ذَلِك مَا جَاءَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ من أَنه لَو ادّعى رجل على آخر وَأقَام شَاهِدين شَهدا لَهُ بِالْأَرْضِ وسكتا عَن الْبناء: دخل الْبناء تبعا، وَلَكِن تسمع دَعْوَى الْمُدعى عَلَيْهِ الْبناء؛ إِذْ صَار مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ تبعا فصح دَعْوَاهُ مَقْصُودا. وَكَذَلِكَ لَو ادّعى أَرضًا فِيهَا أَشجَار فَهِيَ على هَذَا التَّفْصِيل. وَكَذَا لَو ادّعى بقرة مثلا فقضي لَهُ بهَا فَدخل وَلَدهَا بالتبعية، ثمَّ ادّعى الْمُدعى عَلَيْهِ الْوَلَد: تسمع عِنْد أبي يُوسُف، خلافًا لمُحَمد. وَكَذَا لَو شَهدا لَهُ بِخَاتم أَو سيف وَلم يذكرَا فصاً أَو حلية: يحكم بالخاتم وفصه وبالسيف وحليته للْمُدَّعِي، من غير أَن يكون الفص والحلية مشهوداً بهما، حَتَّى لَو برهن الْمُدعى عَلَيْهِ أَن الفص أَو الْحِلْية لَهُ تقبل قبل الحكم وَبعده. أما لَو لم يدْخل التَّابِع بالتبعية، بل دخل قصدا، فَإِنَّهُ لَا تسمع دَعْوَى عدم دُخُوله. كَمَا لَو ادّعى حانوتاً وَأقَام شَاهِدين شَهدا لَهُ بِكُل الْحَانُوت فَحكم لَهُ بِهِ، فَادّعى الْمُدعى عَلَيْهِ كل الْبناء أَو بعضه: لَا تسمع دَعْوَاهُ وَإِن لم يشهدَا بِالْبِنَاءِ مَقْصُودا؛ إِذْ الْحَانُوت اسْم للجملة، (أَي الأَرْض وَالْبناء) ، فَصَارَ الْمُدعى عَلَيْهِ مَحْكُومًا عَلَيْهِ فِي الْكل مَقْصُودا. يُقيد أَيْضا فِي هَذِه الْقَاعِدَة مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ من أَنه لَو بَاعَ جداراً دخل أرضه، وَكَذَا لَو شرى نَخْلَة دخل أرْضهَا، وَحكى قبل هَذَا خلاف أبي يُوسُف فِي دُخُول الأَرْض فِي بيع الْجِدَار، وَعزا الدُّخُول لمُحَمد

стр. 209

(ر: الْفَصْل / ٣٦ / من جَامع الْفُصُولَيْنِ ص / ٢٩١) أَقُول: وَهُوَ مُوَافق لعرفنا إِذا كَانَ بَيْعه للقرار لَا للنقض وَأخذ الْأَبْنِيَة. (تَنْبِيه آخر:) مَا يدْخل فِي البيع تبعا، إِذا هلك (أَي فِي يَد البَائِع) لَا يسْقط بمقابله شَيْء من الثّمن، وَيُخَير المُشْتَرِي بَين أَخذه بِكُل الثّمن أَو تَركه (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من فصل فِيمَا يدْخل فِي البيع تبعا) . وَأما إِذا اسْتحق، فإمَّا أَن يسْتَحق بعد قبض المُشْتَرِي للْمَبِيع أَو قبل قَبضه لَهُ، فَإِن اسْتحق قبل الْقَبْض ينظر، فإمَّا أَن يكون يجوز بَيْعه وَحده كالشجر وبرذعة الْحمار، أَو يكون لَا يجوز بَيْعه وَحده كالشرب. فَالْأول: لَهُ حِصَّة من الثّمن فَيرجع المُشْتَرِي بِحِصَّتِهِ على البَائِع إِذا اسْتحق، وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ حِصَّة من الثّمن فَلَا يرجع المُشْتَرِي على البَائِع بِشَيْء وَلَكِن يُخَيّر بَين أَخذه بِكُل الثّمن أَو تَركه على البَائِع (ر: رد الْمُحْتَار، أَوَاخِر بَاب الِاسْتِحْقَاق) .

стр. 210

(الْقَاعِدَة السَّابِعَة وَالْأَرْبَعُونَ (الْمَادَّة / ٤٨)) (" التَّابِع لَا يفرد بالحكم مَا لم يصر مَقْصُودا ") (أَولا _ الشَّرْح) " التَّابِع لَا يفرد بالحكم مَا لم يصر مَقْصُودا " فالجنين الَّذِي فِي بطن أمه لَا يُبَاع مُنْفَردا على أمه وَلَا يرْهن، وكما لَا يُبَاع وَلَا يرْهن لَا يسْتَثْنى من البيع وَلَا من الرَّهْن، لِأَن مَا لَا يَصح إِيرَاد العقد عَلَيْهِ مُنْفَردا لَا يَصح اسْتِثْنَاؤُهُ من العقد، وَلَو اسْتثْنِي فسد البيع لَا الرَّهْن. وَكَذَلِكَ لَا يفرد بِهِبَة وَلَا يسْتَثْنى عَن الْهِبَة، وَلَو اسْتثْنِي صحت الْهِبَة وَبَطل الِاسْتِثْنَاء. وَكَذَا لَو اسْتثْنِي فِي الصَّدَقَة أَو الْمهْر أَو النِّكَاح أَو بدل الْخلْع أَو بدل الصُّلْح عَن دم الْعمد صحت وَبَطل الِاسْتِثْنَاء. (ر: رد الْمُحْتَار، من البيع الْفَاسِد، عِنْد قَول الْمَتْن: " وَأمة إِلَّا حملهَا " مَنْقُولًا عَن الزَّيْلَعِيّ) . وَمثل الْجَنِين فِي الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة: كل مَا كَانَ اتِّصَاله خلقه، كاللبن فِي الضَّرع، واللؤلؤ فِي الصدف، وَالصُّوف على ظهر الْغنم، وَالْجَلد على الْحَيَوَان، والنوى فِي الثَّمر. أما إِذا صَار التَّابِع مَقْصُودا فَإِنَّهُ يفرد بالحكم، وَذَلِكَ كزوائد الْمَغْصُوب الْمُنْفَصِلَة المتولدة فَإِنَّهَا أَمَانَة فِي يَد الْغَاصِب غير مَضْمُونَة عَلَيْهِ إِلَّا بِالتَّعَدِّي عَلَيْهَا أَو منعهَا بعد الطّلب، فَإِنَّهُ يضمنهَا حِينَئِذٍ، لِأَنَّهَا صَارَت مَقْصُودَة. وَكَذَلِكَ زَوَائِد الرَّهْن الْمُنْفَصِلَة المتولدة تكون رهنا تبعا وَلَا يقابلها شَيْء من الدّين، فَلَو هَلَكت لَا يسْقط شَيْء من الدّين، وَلَكِن إِذا صَارَت مَقْصُودَة

стр. 211

بالفكاك بِأَن بقيت بعد هَلَاك الأَصْل تفك بحصتها من الدّين، فَيقسم الدّين على قيمتهَا يَوْم الفكاك وَقِيمَة الأَصْل يَوْم الْقَبْض، وَيسْقط من الدّين حِصَّة الْأَجَل، وتفتك الزَّوَائِد بحصتها. وَكَذَلِكَ زَوَائِد الْمَبِيع الْمُنْفَصِلَة المتولدة إِذا حدثت قبل الْقَبْض تكون تبعا للْمَبِيع وَلَا يقابلها شَيْء من الثّمن لَو تلفت، وَلَكِن لَو أتلفهَا البَائِع سَقَطت حصَّتهَا من الثّمن فَيقسم الثّمن على قيمَة الأَصْل يَوْم العقد وعَلى قيمَة الزِّيَادَة يَوْم الِاسْتِهْلَاك. (ثَانِيًا _ الِاسْتِثْنَاء) وَقد خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل: (أ) مِنْهَا: أَن الْجَنِين يُورث فَتكون غرته بَين ورثته. (ب) وَمِنْهَا: أَنه يَصح الْإِيصَاء بِهِ وَله إِذا ولد لأَقل من أقل مُدَّة الْحمل وَقت الْوَصِيَّة. (ر: مَا كتب تَحت الْمَادَّة الرَّابِعَة، عَن أَحْكَام الصغار) ، وَيصِح الْإِقْرَار لَهُ بِالشّرطِ الْمَذْكُور إِذا بَين سَببا صَالحا لملك الْحمل للْمقر بِهِ، كإرث أَو وَصِيَّة. وَيصِح الْإِقْرَار بِهِ بِدُونِ أمه أَيْضا بِالشّرطِ نَفسه وَإِن لم يبين الْمقر سَببا صَالحا. وَالْفرق بَين الْإِقْرَار لَهُ وَالْإِقْرَار بِهِ حَيْثُ يشْتَرط لصِحَّة الأول أَن يبين الْمقر سَببا صَالحا دون الثَّانِي فَإِن الْمقر لَهُ فِي الثَّانِي أهل للتَّمَلُّك على الْإِطْلَاق بِخِلَافِهِ فِي الأول، فَإِن الْحمل لَيْسَ بِأَهْل للتَّمَلُّك على الْإِطْلَاق، وَإِذا بَين سَببا صَالحا يَصح. (ج) وَمِنْهَا: مَا لَو أبطل الْمَدْيُون الْأَجَل صَحَّ وَيحل الدّين، مَعَ أَن الْأَجَل صفة لَهُ، وَالصّفة تَابِعَة للموصوف. (د) وَمِنْهَا: أَن الدَّابَّة الْمَبِيعَة إِذا اسْتحقَّت بِالْبَيِّنَةِ، وَكَانَت قد ولدت فِي يَد المُشْتَرِي، فَإِن وَلَدهَا يتبعهَا فِي الِاسْتِحْقَاق وَإِن لم يَدعه الْمُسْتَحق، وَلَكِن بِشَرْط الْقَضَاء بِهِ. وَهَذَا إِذا سكت الشُّهُود عَنهُ، أما إِذا بينوا أَنه لذِي الْيَد، أَو سئلوا فَقَالُوا: لَا نَدْرِي، فَلَا يتبعهَا. (ر: الدّرّ، من الِاسْتِحْقَاق) .

стр. 212

(تَنْبِيه:) أقل مُدَّة الْحمل للآدمي سِتَّة أشهر، ومدته للفيل أحد عشر شهرا، وللإبل وَالْخَيْل وَالْحمير سنة، وللبقر تِسْعَة أشهر، وللشاة خَمْسَة أشهر، وللسنور شَهْرَان، وللكلب أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وللطير وَاحِد وَعِشْرُونَ يَوْمًا. (ر: الْقُهسْتَانِيّ، فِي الْوَصَايَا) وَنقل فِي الدّرّ الْمُخْتَار، من الْإِقْرَار، عَن الْجَوْهَرَة أَن مُدَّة الْحمل فِي الشَّاة أَرْبَعَة أشهر، فَليُحرر ذَلِك. (تَنْبِيه آخر:) مِمَّا تحسن الْإِشَارَة إِلَيْهِ هُنَا مَا سَيَأْتِي فِي آخر شرح الْقَاعِدَة الْحَادِيَة وَالْخمسين من أَن مَا يثبت تبعا لَا تراعى فِيهِ شَرَائِط الأَصْل، كَمَا لَو أقرّ رجلَانِ من الْوَرَثَة، أَو رجل وَامْرَأَتَانِ بِابْن للْمَيت يثبت نسبه ويسري ثُبُوته على غير المقرين، وَلَا تشْتَرط لَهُ شُرُوط الشَّهَادَة كَمَا فِي دُرَر الْحُكَّام من بَاب ثُبُوت النّسَب. وَكَذَلِكَ يثبت نسب الْوَلَد بِشَهَادَة الْقَابِلَة، وَيثبت اسْتِحْقَاق الْإِرْث تبعا لَهُ، كَمَا فِي جَوَاهِر الرِّوَايَات نقلا عَن الشلبي.

стр. 213

((الصفحة فارغة))

стр. 214

(الْقَاعِدَة الثَّامِنَة وَالْأَرْبَعُونَ (الْمَادَّة / ٤٩)) (" من ملك شَيْئا ملك مَا هُوَ من ضروراته ") (الشَّرْح) من ملك شَيْئا، أَعم من كَونه ملك عين أَو تصرف، ملك مَا هُوَ من ضروراته. فمثال الْعين مَا لَو اشْترى دَارا مثلا ملك الطَّرِيق الْموصل إِلَيْهَا بِدُونِ تنصيص عَلَيْهِ مَا لم يكن فِي ملك خَاص. (ر: مَا تقدم فِي الْمَادَّة / ٦ و ٤٧) وَكَذَلِكَ لَو اشْترى رحى مَبْنِيَّة دخل المجرى الْأَعْلَى، أَو قفلاً دخل مفتاحه، أَو بقرة حلوباً لأجل اللَّبن دخل عجولها. وَمِثَال التَّصَرُّف مَا جَاءَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو عرضه الدَّلال على رب الدّكان وَتَركه عِنْده فهرب رب الدّكان وَذهب بِهِ لم يضمن الدَّلال فِي الصَّحِيح، لِأَنَّهُ أَمر لَا بُد مِنْهُ فِي البيع. (ر: الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ مِنْهُ، صفحة / ١٤١ / برمز بعض الْفَتَاوَى) ، فقد ملك الدَّلال تَركه عِنْد رب الدّكان، لِأَنَّهُ من ضرورات البيع وَلَا بُد مِنْهُ فِيهِ، فَكَانَ مَأْمُورا بِهِ، بِخِلَاف مَا لَو أَخذ وَكيل الشِّرَاء على سوم الشِّرَاء فَهَلَك فِي يَده، وَقد بَين الثّمن، فَإِنَّهُ يضمن وَلَا يرجع على مُوكله إِذا لم يكن أمره بِالْأَخْذِ على سوم الشِّرَاء. إِذْ الْأَمر بِالشِّرَاءِ لم يكن أمرا بِالْقَبْضِ على سوم الشِّرَاء. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ أَيْضا، صفحة / ١٤٢) .

стр. 215

((الصفحة فارغة))
следующие страницы →