Полный текст (439 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بالفكاك بِأَن بقيت بعد هَلَاك الأَصْل تفك بحصتها من الدّين، فَيقسم الدّين على قيمتهَا يَوْم الفكاك وَقِيمَة الأَصْل يَوْم الْقَبْض، وَيسْقط من الدّين حِصَّة الْأَجَل، وتفتك الزَّوَائِد بحصتها.
وَكَذَلِكَ زَوَائِد الْمَبِيع الْمُنْفَصِلَة المتولدة إِذا حدثت قبل الْقَبْض تكون تبعا للْمَبِيع وَلَا يقابلها شَيْء من الثّمن لَو تلفت، وَلَكِن لَو أتلفهَا البَائِع سَقَطت حصَّتهَا من الثّمن فَيقسم الثّمن على قيمَة الأَصْل يَوْم العقد وعَلى قيمَة الزِّيَادَة يَوْم الِاسْتِهْلَاك.
(ثَانِيًا _ الِاسْتِثْنَاء)
وَقد خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل: (أ) مِنْهَا: أَن الْجَنِين يُورث فَتكون غرته بَين ورثته.
(ب) وَمِنْهَا: أَنه يَصح الْإِيصَاء بِهِ وَله إِذا ولد لأَقل من أقل مُدَّة الْحمل وَقت الْوَصِيَّة. (ر: مَا كتب تَحت الْمَادَّة الرَّابِعَة، عَن أَحْكَام الصغار) ، وَيصِح الْإِقْرَار لَهُ بِالشّرطِ الْمَذْكُور إِذا بَين سَببا صَالحا لملك الْحمل للْمقر بِهِ، كإرث أَو وَصِيَّة. وَيصِح الْإِقْرَار بِهِ بِدُونِ أمه أَيْضا بِالشّرطِ نَفسه وَإِن لم يبين الْمقر سَببا صَالحا.
وَالْفرق بَين الْإِقْرَار لَهُ وَالْإِقْرَار بِهِ حَيْثُ يشْتَرط لصِحَّة الأول أَن يبين الْمقر سَببا صَالحا دون الثَّانِي فَإِن الْمقر لَهُ فِي الثَّانِي أهل للتَّمَلُّك على الْإِطْلَاق بِخِلَافِهِ فِي الأول، فَإِن الْحمل لَيْسَ بِأَهْل للتَّمَلُّك على الْإِطْلَاق، وَإِذا بَين سَببا صَالحا يَصح.
(ج) وَمِنْهَا: مَا لَو أبطل الْمَدْيُون الْأَجَل صَحَّ وَيحل الدّين، مَعَ أَن الْأَجَل صفة لَهُ، وَالصّفة تَابِعَة للموصوف.
(د) وَمِنْهَا: أَن الدَّابَّة الْمَبِيعَة إِذا اسْتحقَّت بِالْبَيِّنَةِ، وَكَانَت قد ولدت فِي يَد المُشْتَرِي، فَإِن وَلَدهَا يتبعهَا فِي الِاسْتِحْقَاق وَإِن لم يَدعه الْمُسْتَحق، وَلَكِن بِشَرْط الْقَضَاء بِهِ. وَهَذَا إِذا سكت الشُّهُود عَنهُ، أما إِذا بينوا أَنه لذِي الْيَد، أَو سئلوا فَقَالُوا: لَا نَدْرِي، فَلَا يتبعهَا. (ر: الدّرّ، من الِاسْتِحْقَاق) .
стр. 212
(تَنْبِيه:)
أقل مُدَّة الْحمل للآدمي سِتَّة أشهر، ومدته للفيل أحد عشر شهرا، وللإبل وَالْخَيْل وَالْحمير سنة، وللبقر تِسْعَة أشهر، وللشاة خَمْسَة أشهر، وللسنور شَهْرَان، وللكلب أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وللطير وَاحِد وَعِشْرُونَ يَوْمًا. (ر: الْقُهسْتَانِيّ، فِي الْوَصَايَا) وَنقل فِي الدّرّ الْمُخْتَار، من الْإِقْرَار، عَن الْجَوْهَرَة أَن مُدَّة الْحمل فِي الشَّاة أَرْبَعَة أشهر، فَليُحرر ذَلِك.
(تَنْبِيه آخر:)
مِمَّا تحسن الْإِشَارَة إِلَيْهِ هُنَا مَا سَيَأْتِي فِي آخر شرح الْقَاعِدَة الْحَادِيَة وَالْخمسين من أَن مَا يثبت تبعا لَا تراعى فِيهِ شَرَائِط الأَصْل، كَمَا لَو أقرّ رجلَانِ من الْوَرَثَة، أَو رجل وَامْرَأَتَانِ بِابْن للْمَيت يثبت نسبه ويسري ثُبُوته على غير المقرين، وَلَا تشْتَرط لَهُ شُرُوط الشَّهَادَة كَمَا فِي دُرَر الْحُكَّام من بَاب ثُبُوت النّسَب. وَكَذَلِكَ يثبت نسب الْوَلَد بِشَهَادَة الْقَابِلَة، وَيثبت اسْتِحْقَاق الْإِرْث تبعا لَهُ، كَمَا فِي جَوَاهِر الرِّوَايَات نقلا عَن الشلبي.
стр. 213
((الصفحة فارغة))
стр. 214
(الْقَاعِدَة الثَّامِنَة وَالْأَرْبَعُونَ (الْمَادَّة / ٤٩))
(" من ملك شَيْئا ملك مَا هُوَ من ضروراته ")
(الشَّرْح)
من ملك شَيْئا، أَعم من كَونه ملك عين أَو تصرف، ملك مَا هُوَ من ضروراته.
فمثال الْعين مَا لَو اشْترى دَارا مثلا ملك الطَّرِيق الْموصل إِلَيْهَا بِدُونِ تنصيص عَلَيْهِ مَا لم يكن فِي ملك خَاص. (ر: مَا تقدم فِي الْمَادَّة / ٦ و ٤٧) وَكَذَلِكَ لَو اشْترى رحى مَبْنِيَّة دخل المجرى الْأَعْلَى، أَو قفلاً دخل مفتاحه، أَو بقرة حلوباً لأجل اللَّبن دخل عجولها.
وَمِثَال التَّصَرُّف مَا جَاءَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو عرضه الدَّلال على رب الدّكان وَتَركه عِنْده فهرب رب الدّكان وَذهب بِهِ لم يضمن الدَّلال فِي الصَّحِيح، لِأَنَّهُ أَمر لَا بُد مِنْهُ فِي البيع. (ر: الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ مِنْهُ، صفحة / ١٤١ / برمز بعض الْفَتَاوَى) ، فقد ملك الدَّلال تَركه عِنْد رب الدّكان، لِأَنَّهُ من ضرورات البيع وَلَا بُد مِنْهُ فِيهِ، فَكَانَ مَأْمُورا بِهِ، بِخِلَاف مَا لَو أَخذ وَكيل الشِّرَاء على سوم الشِّرَاء فَهَلَك فِي يَده، وَقد بَين الثّمن، فَإِنَّهُ يضمن وَلَا يرجع على مُوكله إِذا لم يكن أمره بِالْأَخْذِ على سوم الشِّرَاء. إِذْ الْأَمر بِالشِّرَاءِ لم يكن أمرا بِالْقَبْضِ على سوم الشِّرَاء. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ أَيْضا، صفحة / ١٤٢) .
стр. 215
((الصفحة فارغة))
стр. 216
(الْقَاعِدَة التَّاسِعَة وَالْأَرْبَعُونَ (الْمَادَّة / ٥٠))
(" إِذا سقط الأَصْل سقط الْفَرْع ")
(أَولا _ الشَّرْح)
إِذا سقط الأَصْل سقط الْفَرْع، وَلَا عكس.
فَلَو أَبْرَأ الدَّائِن الْأَصِيل عَن الدّين برِئ الْكَفِيل بِالْمَالِ عَن الْكفَالَة. بِخِلَاف مَا إِذا أَبْرَأ الْكَفِيل فَإِنَّهُ لَا يبرأ الْأَصِيل.
وَكَذَا لَو أَبْرَأ الْمُرْتَهن الرَّاهِن عَن الدّين أَو وهبه لَهُ سقط ضَمَان الرَّهْن وانقلب أَمَانَة، فَإِذا هلك فِي يَد مرتهنه بِلَا حَبسه يهْلك أَمَانَة، بِخِلَاف مَا بعد إِيفَاء الدّين فَإِنَّهُ مَضْمُون. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، صفحة / ٨٠، الْفَصْل / ٣٠) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بالإيفاء لم يسْقط الدّين، لِأَن الدُّيُون تقضى بأمثالها.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
يَنْبَغِي أَن يفرع على هَذِه الْمَادَّة: مَا لَو حلف ليقضين دينه غَدا مثلا، فَأَبْرَأهُ الدَّائِن عَن الدّين قبل مُضِيّ الْغَد، أَو حلف ليشربن مَاء هَذَا الْكوز الْيَوْم، وَكَانَ فِيهِ مَاء فصب قبل مُضِيّ الْيَوْم، بطلت الْيَمين، لكَون بَقَائِهَا فرعا عَن بَقَاء الدّين وَبَقَاء المَاء.
خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة مَسْأَلَة سقط فِيهَا الأَصْل وَلم يسْقط الْفَرْع، وَهِي: مَا إِذا كفل بِنَفس الْمَدْيُون فَأَبْرَأهُ الطَّالِب عَن الدّين يسْقط الدّين وَتبقى كَفَالَة النَّفس فَيُطَالب الْكَفِيل بإحضاره، إِلَّا إِذا قَالَ الطَّالِب: لَا حق لي قبله
стр. 217
_ أَي الْمَدْيُون _ وَلَا لموكل لي وَلَا لصغير أَنا وليه أَو وَصِيّه وَلَا لوقف أَنا متوليه، فَحِينَئِذٍ يبرأ كَفِيل النَّفس.
يلْزم الْبَحْث هُنَا عَمَّا إِذا كَانَ كَفِيل النَّفس قد كفل بِنَفس الْمَدْيُون وتسليمه للدائن لأجل هَذَا الدّين فَقَط ثمَّ أَبْرَأ الدَّائِن الْمَدْيُون أَو أوفاه الْمَدْيُون الدّين. وَالظَّاهِر سُقُوط الْكفَالَة حِينَئِذٍ.
стр. 218
(الْقَاعِدَة الْخَمْسُونَ (الْمَادَّة / ٥١))
(" السَّاقِط لَا يعود، كَمَا أَن الْمَعْدُوم لَا يعود ")
(أَولا _ الشَّرْح)
السَّاقِط من الْحُقُوق الْقَابِلَة للسقوط لَا يعود، مَعْنَاهُ أَن مَا يقبل السُّقُوط من الْحُقُوق، إِذا سقط مِنْهُ شَيْء بمسقط فَإِنَّهُ لَا يعود بعد سُقُوطه، وكما أَن الْمَعْدُوم لَا يعود، والساقط أصبح مَعْدُوما بعد سُقُوطه فَلَا يعود.
فقولنا: " الْقَابِلَة للسقوط " صفة كاشفة وَلَيْسَت قيدا للِاحْتِرَاز عَن الْحُقُوق غير الْقَابِلَة للسقوط، كحق فسخ العقد الْفَاسِد، وَحقّ الرُّجُوع فِي الْهِبَة، وَحقّ الِاسْتِحْقَاق فِي الْوَقْف. وَكَذَا حق الْوَكِيل فِي الْقيام بِمَا وكل بِهِ، وَحقّ الْمُسْتَعِير فِي الِانْتِفَاع بالعارية، وَحقّ الإدخال والإخراج فِي الْوَقْف لمن شَرط لَهُ من وَاقِف أَو غَيره، كَمَا بَحثه ابْن نجيم فِي هَذِه الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة، وَحقّ خِيَار الرُّؤْيَة على مَا سَيَأْتِي، وَحقّ تَحْلِيف الْيَمين المتوجهة على أحد المتداعيين. (ر: تنوير الْأَبْصَار، قبيل التَّحَالُف) فَإِنَّهَا لَا تسْقط حَتَّى يتعرف عودهَا من عَدمه.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
مِمَّا فرع على هَذِه الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة: مَا لَو كَانَ الثّمن غير مُؤَجل وَسلم البَائِع الْمَبِيع للْمُشْتَرِي قبل قبض الثّمن، فَإِنَّهُ يسْقط حَقه فِي حبس الْمَبِيع، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِرْدَاده بعد ذَلِك وحبسه ليستوفي الثّمن. وَكَذَلِكَ لَو قَبضه المُشْتَرِي وَالْحَالة هَذِه بمرأى من البَائِع وَلم يَنْهَهُ، وَالْبيع بَات، فَإِنَّهُ يسْقط حَقه فِي الْحَبْس للْمَبِيع. أما لَو كَانَ البيع وَفَاء فَلَا يسْقط
стр. 219
حق الْحَبْس قِيَاسا واستحساناً، وَله أَن يسْتَردّهُ ليحبسه بِالثّمن. (ر: الْبَدَائِع / ١٢٤) .
وَكَذَلِكَ الْأَجِير إِذا كَانَ لَهُ حق حبس الْعين، بِأَن كَانَ لعمله أثر فِيهَا (والأثر مَا كَانَ عينا قَائِمَة) كالخياط والصباغ إِذا سلمهَا حَقِيقَة أَو سلمهَا حكما بِأَن عمل فِي بَيت اسْتَأْجرهُ سقط حَقه فِي الْحَبْس.
وَكَذَلِكَ حق الْمُرْتَهن فِي حَبسه الرَّهْن فَإِنَّهُ إِذا أسْقطه يسْقط.
وَكَذَلِكَ من لَهُ خِيَار الرُّؤْيَة إِذا تصرف فِي الْمَبِيع تَصرفا يُوجب حَقًا للْغَيْر، كَالْإِجَارَةِ وَالْبيع بِدُونِ رِضَاء لَهُ، وكالهبة وَالرَّهْن مَعَ التَّسْلِيم، فَإِن خِيَاره يسْقط وَإِن كَانَ ذَلِك قبل الرُّؤْيَة عِنْد أبي يُوسُف وَهُوَ الْأَصَح.
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ أَرضًا بِيعَتْ بِخِيَار فَأذن للأكار بزرعها _ وَلَو بطرِيق الْعَارِية _ فزرعها سقط خِيَاره.
وَأما مَا لَا يُوجب حَقًا للْغَيْر، كَهِبَة وَرهن بِلَا تَسْلِيم، وَبيع وَإِجَارَة بِخِيَار لَهُ وَعرض الْمَبِيع للْبيع وإعارته وَطلب الشُّفْعَة بِهِ فَإِنَّهُ يسْقط الْخِيَار بعد الرُّؤْيَة لَا قبلهَا، كقبضه وَنقد الثّمن.
وَمِنْه مَا لَو أَبْرَأ مديونه عَن الدّين فَقبل أَو سكت وَلم يرد سقط الدّين وَلَا تسمع دَعْوَاهُ بِهِ وَإِن أقرّ بِهِ الْمَدْيُون بعد ذَلِك. نعم لَو ادّعى الْمَدْيُون الْإِبْرَاء وَأنْكرهُ الدَّائِن وَقَالَ: إِنَّك أَقرَرت بِالدّينِ بعد التَّارِيخ الَّذِي ادعيت الْإِبْرَاء فِيهِ تسمع دَعْوَاهُ إِقْرَار الْمَدْيُون.
وَكَذَلِكَ من كَانَ لَهُ حق فِي الْمُرُور أَو التسييل فِي ملك الْغَيْر فأسقطه صَرِيحًا أَو أذن لمَالِك الرَّقَبَة أَن يَبْنِي فِي الْمَمَر أَو المسيل فَإِنَّهُ يسْقط حَقه. بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ مَالِكًا لرقبة الْمَمَر أَو المسيل وَأسْقط حَقه عَنهُ فَإِنَّهُ لَا يسْقط.
وَمِنْه مَا لَو ردَّتْ شَهَادَته لعِلَّة غير الْعَمى والصغر وَالْكفْر وَالرّق، ثمَّ زَالَت الْعلَّة فَأَعَادَهَا لَا تسمع.
وَمِنْه الْمُوصى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ إِذا أسقط حَقه مِنْهَا سقط.
стр. 220
وَمِنْه من لَهُ حق الشُّفْعَة أَو خِيَار الشَّرْط أَو الْعَيْب أَو حق الْقصاص إِذا أسْقطه سقط.
وَمَتى سقط شَيْء من جَمِيع ذَلِك لَا يعود.
وَمِنْه فرع الشِّرَاء بِالدّينِ الْمُؤَجل الْآتِي فِي مستثنيات الْمَادَّة التالية لهَذِهِ.
(تَنْبِيه:)
لم أر من ذكر ضابطاً جَامعا لما يسْقط من الْحُقُوق بِإِسْقَاط صَاحبه لَهُ وَمَا لَا يسْقط. وَبعد إِعْمَال الْفِكر وإجالة النّظر فِي الْفُرُوع السَّابِقَة ظهر لي من خلالها ضَابِط يغلب على الظَّن صدقه وَصِحَّته وَهُوَ: " أَن كل مَا كَانَ حَقًا صَاحبه عَامل فِيهِ لنَفسِهِ، وَكَانَ قَائِما حِين الْإِسْقَاط خَالِصا للمسقط أَو غَالِبا، وَلم يَتَرَتَّب على إِسْقَاطه تَغْيِير وضع شَرْعِي، وَلَيْسَ مُتَعَلقا بتملك عين على وَجه متأكد، يسْقط بالإسقاط. وَمَا لَا فَلَا ".
فقولنا: " حَقًا " خرج بِهِ ملك الْعين، فَإِنَّهُ لَا يسْقط. وَلذَا لَو أسقط الْوَارِث حَقه من الْإِرْث، أَو أسقط الْمُسْتَحق فِي الْوَقْت حَقه من بعد حُصُول الْغلَّة فِي يَد الْمُتَوَلِي لَا يسْقط.
وَقَوْلنَا: " صَاحبه عَامل فِيهِ " خرج بِهِ نَحْو حق النّظر على الْوَقْف، والوظيفة فِيهِ، وَتصرف الْوَكِيل فِيمَا وكل بِهِ، وَتصرف الْمَأْذُون. فَإِن أَصْحَاب هَذِه الْحُقُوق عاملون لغَيرهم فِيهَا، فَلَا تسْقط بالإسقاط.
وَمِمَّا لَا يسْقط بالإسقاط حق الرّجْعَة. (ر: الدُّرَر، قبيل بَاب تَفْوِيض الطَّلَاق، عِنْد قَول الْمَتْن طَلقهَا رَجْعِيًا فَجعله قبل الرّجْعَة بَائِنا) . وَمثله يُقَال فِي الإدخال والإخراج فِي الْوَقْف لمن شَرط لَهُ.
стр. 221
وَقَوْلنَا: " قَائِما حِين الْإِسْقَاط " خرج بِهِ خِيَار الرُّؤْيَة فَإِنَّهُ لَا يسْقط بالإسقاط لِأَنَّهُ غير قَائِم للْحَال، لِأَنَّهُ يثبت بعد الرُّؤْيَة لَا قبلهَا، فَإِذا أسْقطه قبلهَا لَا يسْقط بالْقَوْل بل بِالْفِعْلِ عِنْد أبي يُوسُف كَمَا تقدم.
وَكَذَا حق الشُّفْعَة قبل البيع، فَلَو أسْقطه الشَّفِيع قبله لَا يسْقط، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يثبت بعد البيع.
وَخرج بِهِ الِاسْتِحْقَاق فِي الْوَقْف قبل بَدو الْغلَّة فَإِنَّهُ لَا يسْقط، لِأَنَّهُ لَيْسَ قَائِما للْحَال لِأَن حق الْمُسْتَحق يتَعَلَّق بالغلة عِنْد ظُهُورهَا لَا قبله.
وَخرج بِهِ حق انْتِفَاع الْمُسْتَعِير بالعارية فَإِنَّهُ لَا يسْقط، لِأَن الْمَنْفَعَة لَيست قَائِمَة بل تحدث شَيْئا فَشَيْئًا على ملك الْمُسْتَعِير كَمَا فِي الْإِجَارَة. وَمثله حق الزَّوْجَة فِي الْقسم، وَحقّ الحاضنة فِي الْحَضَانَة، فَإِنَّهُمَا لَا يسقطان، لِأَنَّهُمَا يتحددان آناً فآناً.
وَقَوْلنَا: " خَالِصا للمسقط أَو غَالِبا " خرج بِهِ مَا كَانَ حَقًا لغير الْمسْقط، خَالِصا فِيهِ أَو غَالِبا أَو مُسَاوِيا. فَالْأول: كحق تَحْلِيف الْخصم الْيَمين لِأَن التَّحْلِيف حق الْحَاكِم. وَالثَّانِي: حق الْقَذْف، فَإِن حق الله تَعَالَى غَالب فِيهِ. وَالثَّالِث: كحق الْمضَارب فِي بيع مَال الْمُضَاربَة بَعْدَمَا صَار عرُوضا، فَإِن حَقه لَيْسَ بغالب بل يُسَاوِيه فِيهِ حق رب المَال أَو يغلب، إِذْ رَأس المَال عَائِد إِلَيْهِ وَله شركَة فِي الرِّبْح، وَالْمُضَارب إِنَّمَا اسْتَفَادَ التَّصَرُّف من جِهَته.
وَخرج بِهِ أَيْضا حق الْفَسْخ فِي الْعُقُود الْفَاسِدَة، فَإِنَّهُ حق خَالص لَهُ سُبْحَانَهُ أَو غَالب، حَتَّى لَو أصر عَلَيْهِ المتعاقدان وَعلم بِهِ القَاضِي فَسخه، قَالَ الكاساني: " إِن حق الْفَسْخ فِي البيع الْفَاسِد لَا يبطل بِصَرِيح الْإِبْطَال والإسقاط لِأَن وجوب الْفَسْخ فِيهِ ثَبت حَقًا لله تَعَالَى دفعا للْفَسَاد، وَمَا ثَبت حَقًا لله تَعَالَى خَالِصا لَا يقدر العَبْد على إِسْقَاطه مَقْصُودا كَخِيَار الرُّؤْيَة، لَكِن قد يسْقط بطرِيق الضَّرُورَة بِأَن يتَصَرَّف العَبْد فِي حق نَفسه مَقْصُودا فيتضمن ذَلِك سُقُوط حق الله ، وَذَلِكَ كَمَا إِذا بَاعَ الْإِنْسَان مَا اشْتَرَاهُ فَاسِدا أَو وهبه أَو تصدق بِهِ بَطل حق الْفَسْخ. (ر: الْبَدَائِع ٥ / ٢٩٧ و ٣٠١) .
стр. 222
وَخرج بِهِ أَيْضا نَحْو حق رب السّلم فِي لُزُوم التَّسْلِيم فِي الْمَكَان الْمعِين فِي عقد السّلم، وَحقّ الْمُسلم إِلَيْهِ فِي قبض الثّمن فِي مجْلِس السّلم، فَإِنَّهُمَا لَا يسقطان، لِأَنَّهُمَا حق الشَّرْع إِذْ بدونهما يفْسد العقد.
وَخرج بِهِ أَيْضا حق خِيَار الرُّؤْيَة بعد الرُّؤْيَة فَإِنَّهُ لَا يسْقط بقوله أسقطت خياري لِأَنَّهُ حق الشَّرْع، إِلَّا إِذا قَالَ: أجزت العقد، أَو رضيت. (ر: الْبَدَائِع ٥ / ٢٩٧) .
وَخرج بقولنَا: " وَلم يَتَرَتَّب على إِسْقَاطه تَغْيِير وضع شَرْعِي " مَا سَيَأْتِي تَحت الْمَادَّة المكملة الْمِائَة من أَنه لَو اشْترى الْعين المأجورة أَو الْمَرْهُونَة بِدُونِ إِذن الْمُسْتَأْجر أَو الْمُرْتَهن، وَكَانَ يعلم حِين الشِّرَاء بِالْإِجَارَة أَو بِالرَّهْنِ أَو لَا يعلم، فَإِن لَهُ الْخِيَار فِي أَن يفْسخ البيع أَو ينْتَظر انْتِهَاء مُدَّة الْإِجَارَة أَو فكاك الرَّهْن. وَإِذا أسقط حَقه فِي هَذَا الْخِيَار وَلَو بِصَرِيح الْإِسْقَاط لَا يسْقط. وَذَلِكَ لِأَن تَصْحِيح هَذَا الْإِسْقَاط يَتَرَتَّب عَلَيْهِ تَصْحِيح أَمر مُغَاير للأوضاع الشَّرْعِيَّة، لِأَنَّهُ عبارَة عَن الْتِزَام المُشْتَرِي تَأْجِيل الْمَبِيع إِلَى انْتِهَاء مُدَّة الْإِجَارَة فِي الْمَأْجُور، أَو إِلَى فكاك الرَّهْن فِي الْمَرْهُون، وتأجيل الْأَعْيَان بَاطِل.
وَكَذَا خرج بِهِ حق الْوَكِيل بِالْبيعِ فِي الْمُطَالبَة بِالثّمن، فَإِنَّهُ لَا يسْقط بالإسقاط فِيمَا يظْهر، لِأَن الْمُوكل لَا يملك شرعا هَذِه الْمُطَالبَة، لكَون الشَّرْع جعل حُقُوق العقد عَائِدَة أَصَالَة للعاقد وَإِن لم يكن مَالِكًا.
وَخرج بِهِ أَيْضا حق الزَّوْجَة، فَإِنَّهَا لَو رضيت بِالْخرُوجِ من وطنها الَّذِي نَكَحَهَا فِيهِ وسكنت مَعَه فِي بَلْدَة أُخْرَى ثمَّ امْتنعت وأرادت العودة إِلَى وطنها، فَإِنَّهَا لَا تمنع من الْعود إِلَيْهِ فِيمَا يظْهر، لِأَن رِضَاهَا فِيمَا مضى بِإِسْقَاط حَقّهَا لَا يُوجب سُقُوطه فِيمَا يَأْتِي.
وَخرج بِهِ أَيْضا الدَّرك، وَهُوَ حق رُجُوع المُشْتَرِي بِالثّمن إِذا ظهر الْمَبِيع مُسْتَحقّا. فَفِي " رد الْمُحْتَار ": لَو أَبْرَأ المُشْتَرِي البَائِع عَن كل حق قبله دخلت الْعُيُوب لَا الدَّرك. (ر: رد الْمُحْتَار / ٦٧) .
وَخرج بقولنَا: " وَلَيْسَ مُتَعَلقا بتملك عين ... الخ " مثل حق الرُّجُوع
стр. 223
فِي الْهِبَة، وَحقّ الْمُسْتَحق فِي الْوَقْف بعد بَدو الْغلَّة قبل حُصُولهَا فِي يَد الْمُتَوَلِي، فَإِنَّهُمَا لَا يسقطان بالإسقاط. وَلَا يرد حق الغانم فِي الْغَنِيمَة قبل الْقِسْمَة حَيْثُ إِنَّه مثل الرُّجُوع فِي الْهِبَة مُتَعَلق بتملك عين مَعَ أَنه يسْقط بالإسقاط لِأَنَّهُ غير متأكد، فَإِن للْإِمَام أَن يقسمها بَين الْغَانِمين بل يقر أَهلهَا عَلَيْهَا وَيَضَع عَلَيْهِم الْجِزْيَة وعَلى أراضيهم الْخراج.
وَلَا يرد أَيْضا حق الْمُوصى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ، حَيْثُ إِنَّه مثل الْمُسْتَعِير تحدث الْمَنْفَعَة الْمُوصى لَهُ بهَا شَيْئا فَشَيْئًا مَعَ أَنه لَو أسقط حَقه مِنْهَا يسْقط، وَذَلِكَ لِأَن الْوَصِيَّة وَارِدَة على خلاف الْقيَاس، حَتَّى إِن ابْن أبي ليلى قَالَ: إِن الْوَصِيَّة بِالْمَنْفَعَةِ لَا تصح أصلا لِأَنَّهَا تحدث على ملك الْوَرَثَة لَا على ملك الْمُورث فَلَا يَصح تَمْلِيكه لَهَا.
وَلَا يُقَال إِن الْعَارِية وَارِدَة أَيْضا على خلاف الْقيَاس مَعَ أَنَّهَا لَا تسْقط بالإسقاط لِأَن الْفَرْع إِذا ورد على خلاف الْقيَاس لَا يلْزم أَن يكون منطبقاً على غَيره مِمَّا ورد على خلاف الْقيَاس، وَإِلَّا وَجب أَن يتشكل قِيَاس آخر وَلَا قَائِل بِهِ. على أَنه قد يفرق بِأَن المملك فِي الْعَارِية حَيّ تعْتَبر مَعَه حُدُوث الْمَنْفَعَة على ملك الْمُسْتَعِير آناً فآناً، بِمَنْزِلَة عاريات متجددة كَمَا قَالُوا فِي الْمَنْفَعَة الْحَادِثَة على ملك الْمُسْتَأْجر، بِخِلَافِهَا فِي جَانب الْمُوصى لَهُ بعد وَفَاة الْمُوصي.
(تَنْبِيه:)
قد تقدم أَن حق تَحْلِيف الْخصم الْيَمين المتوجهة عَلَيْهِ لَا يسْقط بالإسقاط. وَقد ذكر ذَلِك فِي متن التَّنْوِير، قبيل التَّحَالُف، وَعلله الشَّارِح نقلا عَن الْبَزَّازِيَّة بِأَن التَّحْلِيف للْحَاكِم. وَهَذَا إِذا أسْقطه قصدا، أما لَو صَالح عِنْد أَو افتداه بِمَال صَحَّ وَسقط الْيَمين، لِأَن الْمُدَّعِي أسقط خصومته بِأخذ المَال من الْمُدعى عَلَيْهِ. (ر: الدّرّ وحاشيته، من الْمحل الْمَذْكُور) . وَإِذا سَقَطت الْخُصُومَة سَقَطت الْيَمين ضَرُورَة لِأَنَّهَا فرع توجه الدَّعْوَى.
هَذَا، ولينظر مَا لَو اسقط الْمُدَّعِي حَقه من طلب التَّحْلِيف. وَمُقْتَضى تَعْلِيل الْبَزَّازِيَّة لعدم السُّقُوط هُنَاكَ بقوله: " لِأَن التَّحْلِيف للْحَاكِم " أَن يسْقط هُنَا، لِأَن طلب التَّحْلِيف للْمُدَّعِي.
стр. 224
(تَنْبِيه:)
لَو أسقط الْأَب أَو الْوَصِيّ شُفْعَة الصَّغِير تسْقط عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف خلافًا لمُحَمد. (ر: أَحْكَام الصغار، كتاب الشُّفْعَة، أَوَائِله) .
فرع يحلق بِهَذِهِ الْقَاعِدَة.
" لَو أشهد على مَالك الْجِدَار المائل فجن الْمَالِك بعد الْإِشْهَاد عَلَيْهِ أَو بَاعَ الْجِدَار ثمَّ أَفَاق من جُنُونه ورد عَلَيْهِ بِعَيْب وَلَو بِدُونِ قَضَاء أَو بِخِيَار رُؤْيَة أَو بِخِيَار شَرط للْمُشْتَرِي، ثمَّ وَقع الْجِدَار لم يضمن إِلَّا بإشهاد جَدِيد بعد الْإِفَاقَة أَو بعد رده. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، صفحة / ٢٩١، من الْفَصْل / ٣٦) فَسقط الْإِشْهَاد بجنونه وبخروج الْجِدَار عَن ملكه ثمَّ لم يعد بإفاقته وبعود الْجِدَار إِلَى ملكه ".
стр. 225
((الصفحة فارغة))
стр. 226
(الْقَاعِدَة الْحَادِيَة وَالْخَمْسُونَ (الْمَادَّة / ٥٢))
(" إِذا بَطل الشَّيْء بَطل مَا فِي ضمنه ")
(أَولا _ الشَّرْح)
إِذا بَطل الشَّيْء بَطل مَا فِي ضمنه، وَبِمَعْنَاهُ قَوْلهم: إِذا بَطل المتضمن (بِكَسْر الْمِيم) بَطل المتضمن (بِفَتْحِهَا) .
(ثَانِيًا _ التطبيق)
مِمَّا فرع على هَذِه الْقَاعِدَة: (أ) مَا لَو أقرّ إِنْسَان لآخر، أَو أَبرَأَهُ وَلَو إِبْرَاء عَاما، وَكَانَ الْإِقْرَار أَو الْإِبْرَاء مترتباً على عقد كَبيع أَو صلح، ثمَّ انْتقض البيع أَو الصُّلْح بِوَجْه مَا، بَطل الْإِقْرَار وَالْإِبْرَاء، وَذَلِكَ كَمَا إِذا اشْترى شَيْئا من آخر، فَإِن شِرَاءَهُ مِنْهُ
стр. 227
يتَضَمَّن إِقْرَاره لَهُ بِالْملكِ، أَو شراه مِنْهُ وَأقر لَهُ بِوُجُوب الثّمن فِي ذمَّته، ثمَّ ظهر أَن الْمَبِيع مُسْتَحقّ للْغَيْر، وَلم يجز الْمُسْتَحق البيع، بَطل البيع وَبَطل مَا تضمنه أَو ترَتّب عَلَيْهِ من الْإِقْرَار بِالْملكِ أَو بِوُجُوب الثّمن، وَرجع المُشْتَرِي على البَائِع بِالثّمن إِذا كَانَ دَفعه لَهُ، وَلَا يمنعهُ إِقْرَاره من ذَلِك، لِأَنَّهُ بَطل بِبُطْلَان البيع الَّذِي تضمنه.
وكما إِذا صَالح البَائِع المُشْتَرِي عَن دَعْوَى الْعَيْب على مَال دَفعه لَهُ ثمَّ برأَ الْمَبِيع بِدُونِ معالجة المُشْتَرِي بَطل الصُّلْح وَرجع البَائِع على المُشْتَرِي بِمَا دَفعه لَهُ. أَو صَالح الْمُدعى عَلَيْهِ الْمُنكر الْمُدَّعِي على مَال دَفعه لَهُ، ثمَّ اعْترف الْمُدَّعِي بعد الصُّلْح بِأَنَّهُ لم يكن لَهُ عَلَيْهِ شَيْء، بَطل الصُّلْح وَرجع الْمُدعى عَلَيْهِ على الْمُدَّعِي بِمَا دَفعه لَهُ من الْبَدَل. (وَلَا يمنعهُ من الرُّجُوع مَا تضمن عقد الصُّلْح من اعْتِرَاف الْمُدعى عَلَيْهِ بِالْمَالِ الْمُدعى بِهِ، لبطلانه بِبُطْلَان الصُّلْح) كَمَا يعلم جَمِيع ذَلِك من الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته (٤ / ١٩٩ - ٢٠٠) من الِاسْتِحْقَاق وَخيَار الْعَيْب أَو من كتاب الصُّلْح.
(ب) وَمِمَّا فرع عَلَيْهَا مَا لَو اشْترى شَيْئا مِمَّن أكره على البيع، وَتصرف فِيهِ المُشْتَرِي تَصرفا يقبل النَّقْض، ثمَّ زَالَ الْإِكْرَاه، فالبائع لَهُ نقض تَصَرُّفَات المُشْتَرِي (ر: الدُّرَر، والشرنبلالية، من الْإِكْرَاه) .
(ج) وَمِمَّا فرع عَلَيْهَا: مَا لَو بَاعَ بيعا فَاسِدا بِغَيْر الْإِكْرَاه، ثمَّ سلم البَائِع الْمَبِيع للْمُشْتَرِي وَسلم المُشْتَرِي الثّمن للْبَائِع لَا ينْعَقد هَذَا بَينهمَا بيعا بالتعاطي.
стр. 228
وَكَذَا لَو اشْترى ثوبا مثلا شِرَاء فَاسِدا ثمَّ لَقِي البَائِع بعد فَقَالَ: قد بعتني ثَوْبك هَذَا بِكَذَا؟ فَقَالَ البَائِع: بلَى فَخذه، فَقَالَ: قد أَخَذته. فَهُوَ فَاسد مَا لم يَكُونَا تتاركا الأول (ر: رد الْمُحْتَار، من بحث بيع التعاطي) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي الصُّورَتَيْنِ مَبْنِيّ ومترتب على عقد فَاسد. أما إِذا كَانَ فَسَاده بِالْإِكْرَاهِ ثمَّ سلمه بعد زَوَاله نفذ البيع (ر: الدُّرَر) .
(د) وَمِنْه: مَا لَو قَالَ لآخر: بِعْتُك دمي بِكَذَا، فَقتله، وَجب الْقصاص. وَكَذَا لَو اشْترى من خَصمه الْيَمين الَّتِي تَوَجَّهت عَلَيْهِ بِمَال، لم يلْزم المَال وَكَانَ للخصم أَن يستحلفه. لِأَنَّهُ لما بَطل العقد فِي الصُّورَتَيْنِ بَطل مَا فِي ضمنه من الْإِذْن بِالْقَتْلِ وَإِسْقَاط الْيَمين بِخِلَاف مَا لَو أمره بقتْله، أَو صَالحه عَن طلب الْيَمين على مَال، أَو افتداه مِنْهُ بِهِ، حَيْثُ يسْقط الْقصاص فِي الأولى وَالْيَمِين فِي الثَّانِيَة وَيلْزم فِيهَا المَال.
(هـ) وَمِنْه: مَا لَو اسْتَأْجر الأَرْض ليترك الزَّرْع قَائِما عَلَيْهَا إِلَى أَن يدْرك، فسد العقد وَلم يطْلب لَهُ مَا زَاد الزَّرْع، لفساد الْإِذْن بإبقائه فِيهَا لفساد عقد الْإِجَارَة (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من بَاب مَا يدْخل فِي البيع تبعا) بِخِلَاف مَا لَو اسْتَأْجر الشّجر لإبقاء الثَّمر كَمَا سَيَأْتِي.
(و) وَمِنْه: مَا لَو كَانَ لَهُ على آخر دين مُؤَجل فَاشْترى مِنْهُ بِهِ شَيْئا فَإِن الْأَجَل يسْقط، فَإِذا رده الدَّائِن على البَائِع الْمَدْيُون بِخِيَار عيب بِحكم الْحَاكِم انْفَسَخ البيع وَعَاد الدّين مُؤَجّلا كَمَا كَانَ (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، من أَوَائِل الْإِقَالَة، عِنْد قَول الْمَتْن: " هِيَ فسخ فِي حق الْمُتَعَاقدين ") .
وَالظَّاهِر أَن هَذَا فِيمَا إِذا قبض المُشْتَرِي الْمَبِيع، لِأَنَّهُ حينئذٍ يحْتَاج إِلَى الْقَضَاء ليَكُون فسخا. وَلَو كَانَ ذَلِك قبل الْقَبْض لَا يحْتَاج إِلَى الْقَضَاء بل يسْتَقلّ بِهِ المُشْتَرِي وَيكون فسخا بِدُونِهِ كَمَا نصوا عَلَيْهِ فِي خِيَار الْعَيْب. وَالظَّاهِر أَنه حينئذٍ يعود الْأَجَل أَيْضا، بِخِلَاف مَا إِذا رده بعد الْقَبْض بِالتَّرَاضِي، فَإِن الْأَجَل لَا يعود، وَبِخِلَاف مَا لَو رده بالإقالة فَإِنَّهُ لَا يعود كَمَا يَأْتِي قَرِيبا.
(ز) وَمِنْه: مَا لَو كَانَت النَّفَقَة المتراكمة على الزَّوْج غير مستدانة بِأَمْر
стр. 229
القَاضِي، فأبان الزَّوْجَة لَا بِقصد إِسْقَاط النَّفَقَة بل بِسَبَب آخر، أَو مَاتَ عَنْهَا، فَإِن النَّفَقَة المتراكمة عَلَيْهِ تسْقط عَن ذمَّته، كَمَا نصوا عَلَيْهِ فِي النَّفَقَات، لِأَنَّهُ لما بَطل النِّكَاح بَطل مَا ترَتّب عَلَيْهِ من النَّفَقَة (انْظُر: فرع النَّفَقَة المرسوم تَحت الْمَادَّة / ١٠٠) .
ثمَّ لَا فرق فِي بطلَان المتضمن (بِفَتْح الْمِيم) بَين أَن يكون متضمناً حَقِيقَة للباطل، كَمَسْأَلَة بيع الْإِنْسَان دَمه للْآخر وَمَسْأَلَة شِرَائِهِ الْيَمين من خَصمه المارتين، وَبَين أَن يكون مترتباً عَلَيْهِ ترتباً بِأَن أفرد بِذكرِهِ مَعَه وقرنه بِهِ، كالإبراء وَالْإِقْرَار بعد عقد فَاسد وكتصرفات المُشْتَرِي من الْمُكْره على البيع المارات.
(ثَالِثا: الْمُسْتَثْنى)
خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل كَثِيرَة:
(أ) مِنْهَا: لَو صَالح الشَّفِيع عَن شفعته أَو اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِمَال لم يَصح الصُّلْح وَلم يلْزم المَال وَسَقَطت شفعته، بِخِلَاف مَا لَو صَالحه عَن دَعْوَى الشُّفْعَة فَإِنَّهُ يَصح وَيلْزم المَال.
(ب) وَمِنْهَا: مَا لَو صَالح الزَّوْج زَوجته المخيرة على مَال لتختاره، فَفعلت واختارت زَوجهَا لم يَصح الصُّلْح وَلم يلْزم المَال وَسقط خِيَارهَا.
(ج) وَمِنْهَا: مَا لَو جعل الْكَفِيل بِالنَّفسِ مَالا للمكفول لَهُ ليسقط عَنهُ الْكفَالَة، فأسقطها، سَقَطت وَلم يلْزم المَال.
(د) وَمِنْهَا: مَا لَو اشْترى ثمراً غير مدرك، ثمَّ اسْتَأْجر الْأَشْجَار ليبقى الثَّمر عَلَيْهَا إِلَى وَقت الْإِدْرَاك، فَالْإِجَارَة بَاطِلَة، وَلَا يبطل مَا فِي ضمنهَا من الْإِذْن بإبقاء الثَّمر، فَإِذا أبقاه فَزَاد طابت لَهُ الزِّيَادَة. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من بَاب مَا يدْخل فِي البيع تبعا وَمَا لَا يدْخل) .
(هـ) وَمِنْهَا: مَا لَو اشْترى دَارا وَقبل أَن يَرَاهَا بِيعَتْ دَار بجانبها فَأَخذهَا بِالشُّفْعَة، ثمَّ رد الأولى بِخِيَار الرُّؤْيَة، تبقى الثَّانِيَة الَّتِي أَخذهَا بِالشُّفْعَة لَهُ (ر: رد الْمُحْتَار، من خِيَار الرُّؤْيَة) فقد بَطل شِرَاؤُهُ الَّذِي ترَتّب عَلَيْهِ الْأَخْذ بِالشُّفْعَة وَلم يبطل الْأَخْذ بهَا.
стр. 230
(و) وَمِنْهَا: مَا لَو طلق إِحْدَى زوجتيه طَلَاقا مُبْهما، ثمَّ مَاتَت إِحْدَاهمَا قبل الْبَيَان، تتَعَيَّن الْأُخْرَى الْحَيَّة للطَّلَاق. فَلَو قَالَ: كنت عنيت المتوفاة بِالطَّلَاق لَا يعْتَبر قَوْله ذَلِك، وَلَكِن يحرم بِسَبَبِهِ الْمِيرَاث (ر: الْمَبْسُوط ٦ / ١٢٣) فَإِن قَوْله: " كنت عنيت المتوفاة بِالطَّلَاق " لم يعْمل عمله، وَلَكِن لم يبطل مَا ترَتّب عَلَيْهِ من حرمَان الْإِرْث.
(ز) وَمِنْهَا: مَا لَو طلق زَوجته غير الْمَدْخُول بهَا ثِنْتَيْنِ، ثمَّ قَالَ: كنت طَلقتهَا قبل ذَلِك وَاحِدَة، لَا يبطل عَنهُ الثنتان وَيلْزم بِالَّتِي أقرّ بهَا، وَلَا تحل لَهُ إِلَّا من بعد زوج آخر (ر: الذَّخِيرَة، فِي الْفَصْل الثَّالِث من كتاب الطَّلَاق، قبيل نوع فِي تَغْيِير صفة الْوَاقِع) فقد بَطل هَا هُنَا المتضمن وَالْإِقْرَار بالطلقة السَّابِقَة وَلم يبطل مَا فِي ضمنه من الْحُرْمَة الْمُغَلَّظَة.
(ح) وَمِنْهَا: مَا لَو كَانَ لَهُ على آخر دين مُؤَجل، فشرى بِهِ مِنْهُ شَيْئا، فَإِن الْأَجَل يسْقط، فَإِذا تَقَايلا عقد البيع انْفَسَخ البيع وَلَا يعود الْأَجَل وَصَارَ دينه حَالا (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، فِي الْإِقَالَة، عِنْد قَول الْمَتْن: " هِيَ فسخ فِي حق الْمُتَعَاقدين ") فقد بَطل المتضمن، وَهُوَ عقد البيع، وَلم يبطل مَا وَقع فِي ضمنه وَهُوَ سُقُوط الْأَجَل وحلول الدّين.
(ط) وَمِنْهَا: مَا لَو أقرّ الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ على مُوكله فِي غير مجْلِس الْحَاكِم، فَإِن إِقْرَاره لَا يعْتَبر، وَلَكِن يَنْعَزِل بِهِ عَن الْوكَالَة (ر: الْمَادَّة / ١٥١٧ من الْمجلة) . فقد بَطل الْإِقْرَار هَا هُنَا وَلم يبطل مَا تضمنه من أَنه لَا يحِق لَهُ مخاصمة الْمُدَّعِي فِيمَا يَدعِي على مُوكله.
(ي) وَمِنْهَا: مَا لَو أقرّ مُتَوَلِّي الْوَقْف الْمُدَّعِي ملكية الْمَوْقُوف، فَإِن إِقْرَاره لَا يسري على الْوَقْف، وَلَكِن يخرج بِهِ عَن الْخُصُومَة، لما صَرَّحُوا بِهِ من أَن من أقرّ بِشَيْء لغيره فَكَمَا لَا يملك أَن يَدعِيهِ لنَفسِهِ لَا يملك أَن يَدعِيهِ لغيره.
стр. 231
(ك) وَمِنْهَا: مَا إِذا بَاعَ سلْعَة وَقبض ثمنهَا ثمَّ سلمهَا للْمُشْتَرِي ثمَّ وجد الثّمن زُيُوفًا - أَي مغشوشاً وغشه مغلوب - فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِرْدَاد السّلْعَة وحبسها بِالثّمن، بل لَهُ رد الزُّيُوف على المُشْتَرِي ومطالبته بالجيد فَقَط (ر: متن التَّنْوِير وَشَرحه، آخر فصل مَا يدْخل فِي البيع تبعا وَمَا لَا يدْخل) .
فقد ارْتَفع قبض البَائِع برد الزُّيُوف وَلم يبطل مَا تضمنه من الْإِذْن للْمُشْتَرِي بِقَبض الْمَبِيع، بِخِلَاف مَا لَو وجد الثّمن ستوقة - أَي رصاصاً - فَإِنَّهُ يسْتَردّ السّلْعَة ويحبسها بِالثّمن، لِأَنَّهَا لَيست بِدَرَاهِم أصلا (ر: الدّرّ، الْمحل الْمَذْكُور) .
(ل) وَمِنْهَا: مَا لَو بَاعَ عقارا بيعا فَاسِدا وَسلمهُ للْمُشْتَرِي فَبنى فِيهِ أَو غرس، فَإِنَّهُ يَنْقَطِع حق الْفَسْخ وَلَا يُؤمر بِنَقْض الْبناء أَو قلع الْغَرْس، لِأَنَّهُ كَانَ بتسليط البَائِع (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، من البيع الْفَاسِد، عِنْد قَول الْمَتْن: " بنى أَو غرس فِيمَا اشْتَرَاهُ فَاسِدا ") . فقد فسد العقد وَلم يبطل مَا تضمنه من التسليط على الْبناء وَالْغَرْس.
(م) وَمِنْهَا: مَا لَو اشْترى شَيْئا وَأعْطى بِثمنِهِ للْبَائِع رهنا، ثمَّ ظهر أَن البيع بَاطِل، كَمَا إِذا كَانَ البيع شَاة مذبوحة مثلا فَظهر أَنَّهَا ميتَة، فَإِنَّهُ لَا يبطل الرَّهْن، بل يبْقى على الصِّحَّة وَيكون مَضْمُونا على البَائِع ضَمَان الرَّهْن، فَإِذا هلك فِي يَده يدْفع للرَّاهِن قِيمَته إِن كَانَت أقل من قدر الثّمن، وَيدْفَع لَهُ قدر الثّمن إِن كَانَت قِيمَته مثله أَو أَكثر (ر: الدّرّ، من بَاب مَا يَصح رَهنه وَمَا لَا يَصح) .
(ن) وَمِنْهَا: مَا لَو دخل بِالزَّوْجَةِ بعد نِكَاح فَاسد قد سمى لَهَا فِيهِ مهْرا، فَإِنَّهُ يجب لَهَا مهر الْمثل لَا يتَجَاوَز بِهِ الْمُسَمّى، وَمَا لَو استوفى الْمَنْفَعَة فِي الْإِجَارَة الْفَاسِدَة فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أجر الْمثل لَا يتَجَاوَز بِهِ الْمُسَمّى لَو كَانَ هُنَاكَ مُسَمّى، لرضا الزَّوْجَة بِالْمُسَمّى فِي الأول، ورضا الْمُؤَجّر بِهِ فِي الثَّانِي، (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، من كتاب النِّكَاح، وأوائل الْإِجَارَة الْفَاسِدَة) فقد فسد المتضمن، وَهُوَ النِّكَاح وَالْإِجَارَة، وَلم يفْسد المتضمن، وَهُوَ الرِّضَا بِالْمُسَمّى فيهمَا الَّذِي
стр. 232
تضمنه العقد.
(س) وَمِنْهَا: مَا لَو برهن أَنه ابْن عَم الْمَيِّت، وَذكر النّسَب، فَقبل أَن يقْضى لَهُ برهن خَصمه أَنه ابْن عَم فلَان الآخر أَو أَن جد الْمَيِّت فلَان غير مَا بَينه الْمُدَّعِي، يقبل فِي حق الْمُدَّعِي لَا فِي إِثْبَات النّسَب من الآخر (ر: معِين الْحُكَّام، من الْفَصْل الأول، من بَاب الْقَضَاء بالتناقض، نقلا عَن الْفَتَاوَى الرشيدية وَعَن جَامع الْفَتَاوَى مُلَخصا) فقد بَطل المتضمن هُنَا، وَهُوَ الشَّهَادَة بِالنّسَبِ، فَلم يقْض بِهِ وَلَكِن لم يبطل المتضمن وَهُوَ دفع دَعْوَى الْمُدَّعِي. وَعلل صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ عدم الْقَضَاء بِالنّسَبِ فِي هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ بخصم فِي إثْبَاته على الْغَيْر (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، آخر الْفَصْل الْعَاشِر) . وَانْظُر مَا سَيَأْتِي من هَذَا النَّوْع تَحت الْكَلَام على الْمَادَّة / ٨١.
стр. 233
(تَنْبِيه: فِي مَفْهُوم الْقَاعِدَة والمستثنى مِنْهُ)
إِن الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة تفِيد بمفهومها أَنه إِذا صَحَّ المتضمن (بِصِيغَة الْفَاعِل) صَحَّ مضمونه، وَهُوَ بمفهومها كمنطوقها غير مطرد، بل قد يتَخَلَّف:
(أ) وَذَلِكَ كَمَا إِذا تقايل الْمُتَبَايعَانِ البيع على أقل من الثّمن الْمُسَمّى فِي عقد البيع، وعَلى أَن يكون الثّمن الَّذِي قَبضه البَائِع من المُشْتَرِي مُؤَجّلا عَلَيْهِ إِلَى وَقت كَذَا، صحت الْإِقَالَة على الثّمن الْمُسَمّى فِي عقد البيع فِي الأولى، وَبَطل التَّأْجِيل فِي الثَّانِيَة وَلزِمَ البَائِع كل الثّمن حَالا (ر: التَّنْوِير وَشَرحه، من الْإِقَالَة) .
(ب) وَكَذَلِكَ مَا لَو خلع زَوجته على بدل مَا هُوَ مَال مُتَقَوّم، فَإِن وُقُوع الْبَيْنُونَة بَينهمَا وَلُزُوم الْبَدَل مُتَوَقف على قبُولهَا، فَإِذا أكرهها على الْقبُول صَحَّ الْقبُول مِنْهَا وَوَقع الْبَائِن، وَلَا يلْزمهَا مَال.
(ج) وَكَذَلِكَ لَو خلعها على مَا لَيْسَ بِمَال أصلا، كَالدَّمِ وَالْميتَة، أَو على مَال غير مُتَقَوّم، كَالْخمرِ وَالْخِنْزِير، فَقبلت وَلَو طَائِعَة صَحَّ الْقبُول وَوَقع الْبَائِن، وَلَا يلْزم الْمَرْأَة شَيْء مِمَّا سمى (ر: الدُّرَر، من بَاب الْخلْع) .
(د) وَمثل ذَلِك مَا لَو خلع زَوجته القاصرة على مَال، فَقبلت، وَقع الطَّلَاق الْبَائِن لوُجُود الْقبُول الَّذِي هُوَ شَرط، وَلكنهَا لَا يلْزمهَا المَال لكَونهَا لَيست بِأَهْل للالتزام كَمَا هُوَ مرسوم فِي الْمُتُون والشروح من الْخلْع.
(هـ) وَمن ذَلِك أَنه لَو علق طَلَاق امْرَأَته على قَتله فلَانا، فَشهد رجل وَامْرَأَتَانِ عَلَيْهِ أَنه قَتله، يثبت عَلَيْهِ وُقُوع الطَّلَاق وَلَا يثبت الْقصاص عَلَيْهِ، إِذْ لَا مدْخل لشهادة النِّسَاء فِي الْقصاص. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، من الشَّهَادَات، موضحاً) .
فقد صَحَّ فِي هَذِه الْمسَائِل كلهَا المتضمن وَلم يَصح الْمَضْمُون.
(تَنْبِيه آخر)
الْبطلَان الْمَفْهُوم من قَول الْقَاعِدَة: " إِذا بَطل الشَّيْء " يجب أَن يُرَاد بِهِ
стр. 234
بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُقُود الْفساد، فَإِنَّهُم كثيرا مَا يطلقون الْبَاطِل ويريدون بِهِ الْفَاسِد وَلَا يُرِيدُونَ بِهِ حَقِيقَة الْبطلَان، لِأَن العقد إِذا كَانَ بَاطِلا لَا يبطل مَا تضمنه، لِأَن العقد الْبَاطِل وجوده والعدم سَوَاء لعدم مشروعيته أصلا، فَإِذا كَانَ متضمناً لأمر يكون ذَلِك الْأَمر كَأَنَّهُ وجد مُسْتقِلّا غير مُتَضَمّن فِي آخر فَيعْتَبر ويراعى. بِخِلَاف العقد الْفَاسِد فَإِنَّهُ لمشروعية أَصله ترَتّب عَلَيْهِ الْأَحْكَام، فَلَا يُمكن اعْتِبَاره كَالْعدمِ. فَإِذا تضمن أمرا سرى فَسَاده إِلَى مَا فِي ضمنه (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، من بَاب مَا يدْخل فِي البيع تبعا وَمَا لَا يدْخل. وَمثله فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل / ٣٢) .
أما غير الْعُقُود من التَّصَرُّفَات فَلَيْسَ فِيهِ فَسَاد وباطل حَتَّى تقع التَّفْرِقَة وتختلف الْأَحْكَام.
وَمِمَّا ذكرنَا يظْهر الْفرق بَين مَا تخرج على الْقَاعِدَة من الْعُقُود وَبَين مَا خرج عَنْهَا. وَلَا يرد على مَا ذكر من التَّفْرِقَة بَين الْفَاسِد وَالْبَاطِل تخلف الفرعين المخرجين عَن الْقَاعِدَة، وهما: مَا لَو قَالَ لآخر بِعْتُك دمي بِكَذَا، وَفرع شِرَاء الْيَمين من خَصمه بِمَال، فَإِن البيع فيهمَا بَاطِل وَقد بَطل مَا تضمناه من الْإِذْن بِالْقَتْلِ وَإِسْقَاط الْيَمين.
وَذَلِكَ لِأَن مَا تضمنه البيع من الْإِذْن بِالْقَتْلِ لَا يعد شُبْهَة تسْقط الْقصاص، لِأَن الْإِذْن لَا يُفِيد أَكثر من الْبَذْل وَالْإِبَاحَة، وَهِي لَا تصلح شُبْهَة، لِأَن الْفِعْل بعْدهَا مُضَاف إِلَى الْفَاعِل من كل وَجه. بِخِلَاف مَا لَو أمره بقتْله فَقتله فَإِن الْأَمر يعد شُبْهَة، لِأَن فعل الْمَأْمُور بعده يعد وَالْحَالة هَذِه امتثالاً لأَمره ومطاوعة لَهُ فيضاف للْآمِر، وَالْإِذْن خَال عَن ذَلِك، وَحَاصِله أَن وجوب الْقصاص لَا لبُطْلَان الْإِذْن بِبُطْلَان البيع، بل لعدم انتصاب الْإِذْن شُبْهَة تسْقط الْقصاص.
وَلِأَن بيع الْيَمين لَيْسَ متضمناً لإسقاطها من قبل الْمُدَّعِي، بل لتمليكها للْمُشْتَرِي، وَهِي لَا تقبل التَّمْلِيك والتملك بل تسْقط بالإسقاط ضمنا، وَلم يُوجد فِي ضمن البيع إِسْقَاط. بِخِلَاف الصُّلْح عَنْهَا بِبَدَل، فَإِنَّهُ إِسْقَاط لَهَا لِأَنَّهُ بِأخذ
стр. 235
الْبَدَل أسقط خصومته فَتسقط ضمنا (ر: الدّرّ وحاشيته، قبيل التَّحَالُف) فَالْأولى عدم عده فِي مستثنيات الْقَاعِدَة.
وَلَا يرد أَيْضا مَا تقدم فِي مستثنيات هَذِه الْقَاعِدَة (عَن الدّرّ وحاشيته، من البيع الْفَاسِد) من أَنه لَو سلم البَائِع الْعقار الْمَبِيع فَاسِدا لمشتريه، فَبنى أَو غرس فِيهِ، فَإِنَّهُ يَنْقَطِع حق الْمَالِك فِي الْفَسْخ وَلَا يُؤمر بِنَقْض الْبناء وَقلع الْغِرَاس، لِأَنَّهُ مُعَلل بِأَنَّهُ كَانَ بتسليط من البَائِع، كَمَا تقدم، والتسليط إِنَّمَا كَانَ فِي ضمن الْفِعْل وَهُوَ التَّسْلِيم لَا فِي ضمن العقد، لِأَن العقد الْفَاسِد لَا يتَضَمَّن التسليط، بل الَّذِي يتَضَمَّن التسليط هُوَ التَّسْلِيم. فَلَا يُقَال إِن العقد فِيهِ فَاسد لَا بَاطِل وَلم يُؤثر فَسَاده فِي فَسَاد التسليط الَّذِي تضمنه العقد. وَلَا يُقَال أَيْضا إِن التَّسْلِيم والتسليط إِذا لم يَكُونَا متضمنين للْعقد الْفَاسِد فهما مترتبان عَلَيْهِ وَالْعقد الْفَاسِد كَمَا يفْسد مَا تضمنه يفْسد مَا ترَتّب عَلَيْهِ كَمَا تقدم، وَذَلِكَ لِأَن العقد الْفَاسِد لَا يَقْتَضِي التَّسْلِيم بل يَقْتَضِي عَدمه قبل وجوده وإعدامه بعد وجوده بِالْفَسْخِ والتراد، فَلَا يُمكن اعْتِبَاره مترتباً عَلَيْهِ وَهُوَ يأباه.
وَكَذَلِكَ لَا يرد مَا سَيَأْتِي تَحت الْكَلَام على الْمَادَّة / ٥٧ " التَّبَرُّع لَا يتم إِلَّا بِالْقَبْضِ " وَهُوَ مَا لَو وهب مَا فِي بطن غنمه أَو ضرْعهَا، أَو سمناً فِي اللَّبن، أَو حلا فِي سمسم، أَو زيتاً فِي زيتون، أَو دَقِيقًا فِي حِنْطَة، لم يجز الْقَبْض وَإِن سلطه على قَبضه عِنْد الْولادَة أَو عِنْد اسْتِخْرَاج ذَلِك. وَلَا يُقَال: إِن عقد الْهِبَة الْمَذْكُور بَاطِل وَقد بَطل مَا ترَتّب عَلَيْهِ من التسليط على الْقَبْض، وَذَلِكَ لِأَن بطلَان التسليط الْمَذْكُور لَا لبُطْلَان عقد الْهِبَة، بل لعدم صلاحيته أَن يعْتَبر هبة مُسْتَقلَّة مُبتَدأَة، إِذْ الْهِبَة لَا تَنْعَقِد بالتسليط على الْقَبْض مُجَردا كَمَا هُوَ ظَاهر.
وَكَذَلِكَ لَا يرد أَيْضا مَا نقل من أَن التعاطي إِنَّمَا يكون بيعا إِذا لم يكن مَبْنِيا على عقد فَاسد أَو بَاطِل. أما إِذا كَانَ فَلَا (رد الْمُحْتَار فِي بحث بيع التعاطي، نقلا عَن الْبَزَّازِيَّة. وَنَظِيره فِي أَوَاخِر الْفَنّ الثَّالِث من الْأَشْبَاه عَن الْخُلَاصَة) وَذَلِكَ أَن التعاطي لَيْسَ إِلَّا قبضا مَحْضا لَيْسَ مَعَه مَا يشْعر باستئناف البيع،
стр. 236
وَتقدم العقد الْبَاطِل عَلَيْهِ يرجح حجَّة كَونه مرَادا بِنَاؤُه وترتبه عَلَيْهِ وَأَنه أثر من آثاره، فَلم يعْتَبر بيعا مُبْتَدأ، على أَن البيع بالتعاطي بيع مُسْتَقل، وَلَيْسَ متضمناً للْبيع السَّابِق، إِذْ الشَّيْء لَا يتَضَمَّن مثله، فَلَيْسَ مِمَّا نَحن فِيهِ.
(تَنْبِيه مُهِمّ)
المتضمن (بِفَتْح الْمِيم) للباطل إِذا لم يفرد عَنهُ بِالذكر بل اكْتفي بِثُبُوتِهِ فِي ضمنه فَلَا كَلَام فِي بُطْلَانه. أما إِذا أفرد ذكره مَعَه وَقرن بِهِ فَإِنَّمَا يبطل إِذا انتظمه العقد، بِأَن كَانَ حكما لَهُ. وَلَا يمْنَع بُطْلَانه تنصيص أحد الْعَاقِدين عَلَيْهِ وقصده بِالذكر، وَذَلِكَ مثل إِقْرَار المُشْتَرِي للْبَائِع بِثُبُوت الثّمن دينا لَهُ فِي ذمَّته، أَو إبراؤه ذمَّة البَائِع عَن اسْتِرْدَاد الثّمن الَّذِي دَفعه لَهُ بقوله: لَا حق لي قبله بِخُصُوص الثّمن وَلَا دَعْوَى. فَإِذا بَطل العقد بَطل مَا ذكر وَإِن كَانَ نَص عَلَيْهِ مُسْتقِلّا، لِأَنَّهُ حكم من أَحْكَامه على تَقْدِير صِحَّته فَإِن العقد الصَّحِيح يُوجب ثُبُوت الثّمن دينا للْبَائِع فِي ذمَّة المُشْتَرِي، وَيُوجب بَرَاءَة البَائِع عَن دَعْوَى المُشْتَرِي اسْتِرْدَاد الثّمن مِنْهُ بعد دَفعه لَهُ، فَكَانَ إِفْرَاده بِالذكر لما حصل بِنَفس العقد، فَلِذَا فسد بفساده. أما إِذا لم ينتظمه العقد بِأَن لم يكن حكما من أَحْكَامه بل كَانَ خَارِجا عَنهُ إِلَّا أَنه ذكر مَعَه وَقرن بِهِ فَإِنَّهُ لَا يبطل بِبُطْلَان العقد. فَلَو آجر مُتَوَلِّي الْوَقْف عقارا من عقاراته إِجَارَة فَاسِدَة وَأذن للْمُسْتَأْجر بتعميره وترميمه من مَاله فعمر ورمم، فَإِنَّهُ يرجع بِمَا أنفقهُ فِي غلَّة الْوَقْف، وَلَا يبطل الْإِذْن الْمَذْكُور بِبُطْلَان الْإِجَارَة لِأَنَّهَا تنتظمه، إِذْ لَيْسَ من حكم إِجَارَة عقار الْوَقْف تعمير الْمُسْتَأْجر لَهُ وترميمه من مَاله ليرْجع، بل لَا يملك ذَلِك الْمُسْتَأْجر إِلَّا بِإِذن خَاص مِمَّن لَهُ ولَايَة الْإِذْن، وَمَا وجود الْإِذْن بالتعمير بعد الْإِجَارَة وقرنه بهَا إِلَّا مثل إِذن الْمُتَوَلِي لَهُ بعْدهَا بِأَن يعمر ويرمم لَهُ فِي دَار نَفسه، أَو مثل إِقْرَار المُشْتَرِي للْبَائِع بعد عقد البيع الْفَاسِد بدين آخر غير الثّمن لَا يفْسد بِفساد عقد الْإِجَارَة أَو البيع.
وَهَذَا كَمَا لَو رهن إِنْسَان شَيْئا بدين مُؤَجل وسلط الْعدْل على بَيْعه عِنْد حُلُول الْأَجَل إِن لم يدْفع الدّين، ثمَّ لم يسلم الرَّهْن وَحل الْأَجَل فالرهن بَاطِل، لِأَن صِحَّته بِالْقَبْضِ وَلم يُوجد. لَكِن لَو بَاعَ الْعدْل الرَّهْن فَالْبيع صَحِيح، لِأَن
стр. 237
التَّوْكِيل بِالْبيعِ لَا تقف صِحَّته على الْقَبْض. وَكَذَلِكَ لَو رهن مشَاعا وسلطه على بَيْعه، فالرهن بَاطِل للشيوع، وَالْوكَالَة بِالْبيعِ صَحِيحَة. (ر: الْبَدَائِع / ١٣٥ - ١٣٦ كتاب الرَّهْن) .
يقطع الشَّك فِي ذَلِك مَا جَاءَ فِي التَّنْقِيح نقلا عَن الْفَتَاوَى الْكُبْرَى للصدر الشَّهِيد حَيْثُ أفتى فِيمَن آجر عقار الْوَقْف إِجَارَة طَوِيلَة، فأنفق الْمُسْتَأْجر فِي عِمَارَته بِأَمْر الْمُؤَجّر، بِأَنَّهُ إِن كَانَ للمؤجر ولَايَة فِي الْوَقْف فعلى الْمُسْتَأْجر أجر الْمثل فِي الْمدَّة الَّتِي كَانَت فِي يَده، لَا عِبْرَة بِمَا سمى. وَفِي هَامِش التَّنْقِيح مَا لَفظه: قَوْله " فعلى الْمُسْتَأْجر أجر الْمثل " أَي لِأَن الْإِجَارَة الطَّوِيلَة الزَّائِدَة على سنة فَاسِدَة. (انْتهى) . وَيرجع الْمُسْتَأْجر بِالَّذِي أنْفق فِي غلَّة الْوَقْف. وَإِن لم يكن للمؤجر ولَايَة فِي الْوَقْف فالمستأجر مُتَطَوّع لَا يرجع لَا على الْمُؤَجّر وَلَا على غلَّة الْوَقْف، لِأَنَّهُ لما لم يكن لَهُ ولَايَة كَانَ وجود الْأَمر كَعَدَمِهِ، وَلَو أنْفق بِدُونِ أَمر لَا يرجع على أحد (انْتهى مُلَخصا) .
فقد اعْتبر الْإِذْن وَجعله مُوجبا للرُّجُوع مَعَ أَن الْإِجَارَة فَاسِدَة، وَمَا ذَلِك إِلَّا لكَون الْإِذْن بِالْإِنْفَاقِ لَيْسَ خَاصّا بالمستأجر، وَلكَون إِنْفَاق الْمُسْتَأْجر على الْعقار لَيْسَ من مواجب العقد وَلَا حكما من أَحْكَامه، فَذكره وَالْإِذْن بِهِ بعد العقد لَا يَجعله من متضمنات العقد فَلَا يفْسد بفساده. وَنقل فِي التَّنْقِيح، من الْإِجَارَة، عَن أَوَائِل إِجَارَة " الْخَيْرِيَّة " مَا يُوَافق ذَلِك. وعَلى هَذَا فَمَا وجد فِي التَّنْقِيح فِي عدَّة محلات من الْوَقْف وَالْإِجَارَة مُصَرحًا فِيهَا بِفساد الْإِذْن لفساد الْإِجَارَة مُسْتَندا فِي ذَلِك تَارَة لإِطْلَاق قَوْلهم: " إِذا بَطل المتضمن بَطل المتضمن " وَتارَة لقَولهم: " إِذا آجر الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَلم يكن مُتَوَلِّيًا وَأذن للْمُسْتَأْجر بالعمارة فأنفق كَانَ مُتَطَوعا ". فَمَا كَانَ فِيهِ فَسَاد الْإِذْن لعدم أَهْلِيَّة الْآذِن وَعدم ولَايَة الْإِذْن لَا يعول عَلَيْهِ، بل هُوَ سَهْو ظَاهر. وَقد أفتى فِي الحامدية، فِي الْإِجَارَة، بِاعْتِبَار إِذن الْمُتَوَلِي للْمُسْتَأْجر مِنْهُ إِجَارَة فَاسِدَة بتعمير مَا تحْتَاج إِلَيْهِ العقارات من مَاله، ليَكُون مَا صرفه مرْصدًا لَهُ على رَقَبَة الْمَأْجُور، وَبِأَن للمتولي محاسبته بِتمَام أجر الْمثل ومساقطته بِهِ من الْمبلغ الَّذِي صرفه بعد ثُبُوت المرصد.
стр. 238
ثمَّ اسْتشْكل فِي التَّنْقِيح بِأَن الْإِجَارَة فَاسِدَة فَيفْسد مَا فِي ضمنهَا من الْإِذْن بالعمارة. وَنقل عَن جد الْمُؤلف أَن الْإِذْن بالغراس بَاطِل إِذا فَسدتْ الْإِجَارَة، وَعلله بِأَن الشَّيْء إِذا بَطل بَطل مَا فِي ضمنه ثمَّ قَالَ: لَكِن فِي أَوَائِل إجارات الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّة مَا يُخَالِفهُ، مَعَ أَنه لَا إِشْكَال أصلا، وَمَا فِي الْخَيْرِيَّة هُوَ الْمُوَافق للمنقول، بل هُوَ الْمَعْقُول.
وَمِمَّا يثبت ذَلِك أَيْضا الْفَرْع الْأَخير من الْفُرُوع الَّتِي خرجت عَن الْقَاعِدَة، فَإِن عقد الرَّهْن لَيْسَ من مواجب عقد البيع وَلَا حكما لَهُ، بل عقد آخر اقْترن بِهِ، فَلِذَا لم يبطل بِبُطْلَانِهِ، وَإِنَّمَا صَحَّ الرَّهْن مَعَ أَنه تبين أَن لَا دين، لِأَن الرَّهْن يَصح بِالدّينِ الموهوم كَمَا هُنَا.
(خَاتِمَة)
الشَّيْء إِذا ثَبت ضمنا لشَيْء آخر فَإِنَّمَا يثبت بِشُرُوط المتضمن لَهُ لَا بِشُرُوط نَفسه، كَمَا لَو قَالَ لامْرَأَة: زوجيني نَفسك كَانَ توكيلاً - على أحد الْقَوْلَيْنِ - لكنه يقْتَصر على الْمجْلس، لِأَن المتضمن (بِفَتْح الْمِيم) لَا تعْتَبر شُرُوطه بل شُرُوط المتضمن (بِالْكَسْرِ) ، وَالْأَمر طلب للنِّكَاح فتشترط فِيهِ شُرُوط النِّكَاح من اتِّحَاد الْمجْلس فِي ركنيه، لَا شُرُوط مَا فِي ضمنه من الْوكَالَة، حَتَّى لَو ثَبت عقد البيع ضمنا، كَمَا فِي أعتق عَبدك عني بِكَذَا لم يشْتَرط فِيهِ الْإِيجَاب وَالْقَبُول، وَلَا يثبت فِيهِ خِيَار الرُّؤْيَة وَالْعَيْب، وَلَا يشْتَرط كَونه مَقْدُور التَّسْلِيم (ر: رد الْمُخْتَار، أَوَائِل كتاب النِّكَاح، عَن " الْمنح "، عِنْد قَول الْمَتْن: وَينْعَقد بِمَا وضع أَحدهمَا لَهُ وَالْآخر للاستقبال كَمَا فِي زوجيني) .
وَنَظِير ذَلِك مَا جَاءَ فِي الدُّرَر، من بَاب ثُبُوت النّسَب، من أَن مَا ثَبت تبعا لَا تراعى فِيهِ شَرَائِط الأَصْل، وَذَلِكَ كَمَا لَو أقرّ رجلَانِ من الْوَرَثَة، أَو رجل وَامْرَأَتَانِ، بِابْن للْمَيت ثَبت النّسَب فِي حق غَيرهم وَلَا تشْتَرط لَهُ شُرُوط الشَّهَادَة.
стр. 239
صفحة فارغة
стр. 240
(الْقَاعِدَة الثَّانِيَة وَالْخَمْسُونَ (الْمَادَّة / ٥٣))
(إِذا بَطل الأَصْل يُصَار إِلَى الْبَدَل)
(أَولا: الشَّرْح)
" إِذا بَطل الأَصْل " بِأَن صَار متعذراً " يُصَار إِلَى الْبَدَل ". أما مَا دَامَ الأَصْل مُمكنا فَلَا يُصَار إِلَى الْبَدَل، فَيجب رد عين الْمَغْصُوب إِذا كَانَ قَائِما فِي يَد الْغَاصِب، لِأَنَّهُ تَسْلِيم عين الْوَاجِب، وَهُوَ الأَصْل على الرَّاجِح، لِأَنَّهُ رد صُورَة وَمعنى وَتَسْلِيم الْبَدَل رد معنى فَقَط، وَهُوَ مخلص وَخلف عَن الْوَاجِب، وَالْخلف لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد الْعَجز عَن الأَصْل.
أما إِذا تعذر رد الأَصْل، وَهُوَ رد عين الْمَغْصُوب بِأَن كَانَ هَالكا أَو مُسْتَهْلكا، فَيجب حِينَئِذٍ رد بدله من مثل أَو قيمَة (ر: الْمَادَّة / ٨٩١ / من الْمجلة) .
وَكَذَا لَو عقد الْإِجَارَة على شهر، فَإِن وَقع العقد فِي ابْتِدَاء الشَّهْر اعْتبر الْهلَال، إِذْ هُوَ الأَصْل، وَإِن فِي أَثْنَائِهِ تعذر اعْتِبَار الأَصْل وَهُوَ الْهلَال، فيصار إِلَى الْبَدَل وَهُوَ الْأَيَّام.
وَكَذَا لَو بَاعَ بِالْوكَالَةِ عَن الْمَالِك، وَكَانَ للْمُشْتَرِي دين على الْمُوكل وَدين على الْوَكِيل، تقع الْمُقَاصَّة بدين الْمُوكل دون دين الْوَكِيل. فَإِذا لم يكن لَهُ دين على الْمُوكل بل كَانَ دينه على الْوَكِيل فَقَط وَقعت الْمُقَاصَّة بِهِ، وَيضمن الْوَكِيل للْمُوكل، لِأَنَّهُ قضى دينه بِمَالِه (ر: رد الْمُحْتَار، من الْوكَالَة، قبيل بَاب الْوكَالَة بِالْبيعِ وَالشِّرَاء، نقلا عَن الْعَيْنِيّ) .
стр. 241
(ثَانِيًا: التطبيق (
وَمِمَّا يتَفَرَّع على هَذِه الْمَادَّة أَيْضا مَا قدمْنَاهُ تَحت الْقَاعِدَة الثَّانِيَة: " الْعبْرَة فِي الْعُقُود للمقاصد والمعاني " من أَن الْغَاصِب إِذا أعْطى للْمَغْصُوب مِنْهُ رهنا بِعَين الْمَغْصُوب، ثمَّ تلفت الْعين الْمَغْصُوبَة فِي يَد الْغَاصِب، فَإِن الرَّهْن يكون حِينَئِذٍ رهنا ببدلها من مثل أَو قيمَة.
وَأَن الْمُسلم إِلَيْهِ لَو أعْطى لرب السّلم رهنا بِعَين الْمُسلم فِيهِ ثمَّ انْفَسَخ عقد السّلم بِوَجْه مَا، فَإِن الرَّهْن يصير رهنا بِرَأْس مَال السّلم الَّذِي قَبضه الْمُسلم إِلَيْهِ.
وَكَذَا يجب تَسْلِيم عين بدل الْإِجَارَة إِذا كَانَ عرضا، فَإِذا هلك الْعرض قبل تَسْلِيمه يجب أجر الْمثل بَالغا مَا بلغ (كَمَا فِي الْفَصْل / ٢٠ / من جَامع الْفُصُولَيْنِ، صفحة / ٥٢) .
وَمِمَّا يتَفَرَّع عَلَيْهَا أَيْضا مَا كتب تَحت الْمَادَّة / ٧٦ /، عَن " معِين الْحُكَّام " من الْبَاب السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ، من الْقَضَاء بِدَعْوَى الْوَقْف وَالشَّهَادَة عَلَيْهِ، من أَنه لَو ادّعى دَارا فَقَالَ ذُو الْيَد: إِنَّه وقف على الْفُقَرَاء وَأَنا متولٍ عَلَيْهِ، صَحَّ إِقْرَاره وَيكون وَقفا. فَلَو أَرَادَ الْمُدَّعِي تَحْلِيفه ليَأْخُذ الدَّار لَو نكل لَا يحلف اتِّفَاقًا، وَلَو أَرَادَ تَحْلِيفه ليَأْخُذ الْقيمَة فعلى قِيَاس قَول مُحَمَّد يحلفهُ وَإِن نكل يَأْخُذ مِنْهُ الْقيمَة، ويفتى بقول مُحَمَّد.
وعَلى هَذَا لَو أقرّ بِالدَّار لِابْنِهِ الصَّغِير (أَي إِنَّه يسْتَحْلف لأخذ قيمتهَا مِنْهُ) .
وَكَذَلِكَ لَو ادّعى على الْوَرَثَة عينا كَانَ وَقفهَا مُورثهم فِي صِحَّته فأقروا لَهُ ضمنُوا قيمَة الْعين من التَّرِكَة، وَلَا يبطل الْوَقْف بإقرارهم. وَلَو أَنْكَرُوا فَلهُ تحليفهم لأخذ الْقيمَة، أما لَو أَرَادَ تحليفهم لأخذ الْوَقْف، فَلَا يَمِين لَهُ عَلَيْهِم. انْتهى مُلَخصا.
стр. 242
فَإِن هَذِه الْمسَائِل صير فِيهَا إِلَى الْبَدَل عِنْد عدم إِمْكَان الأَصْل.
وَمِمَّا يتَفَرَّع عَلَيْهَا أَيْضا: مَا لَو كَانَ رَأس مَال السّلم قيمياً كالحيوان، فَقَبضهُ الْمُسلم إِلَيْهِ فَهَلَك فِي يَده ثمَّ تَقَايلا، أَو تَقَايلا ثمَّ هلك، صحت الْإِقَالَة، وَعَلِيهِ قِيمَته لرب السّلم، (كَمَا أَفَادَهُ فِي الدُّرَر، من أَوَاخِر السّلم) .
стр. 243
صفحة فارغة.
стр. 244
(الْقَاعِدَة الثَّالِثَة وَالْخَمْسُونَ (الْمَادَّة / ٥٤))
(يغْتَفر فِي التَّابِع مَا لَا يغْتَفر فِي الْمَتْبُوع)
(أَولا: الشَّرْح)
" يغْتَفر " أَي يتَسَامَح ويتساهل " فِي التَّابِع " أَي مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ غَيره، سَوَاء كَانَ من حُقُوق الْمَتْبُوع الْمُشْتَمل أَو لوازمه أَو عقدا أَو فسخا متضمناً لَهُ (بِفَتْح الْمِيم) أَو من حُقُوق عقد مُتَعَلق بِهِ، كَمَا يَتَّضِح ذَلِك من الْفُرُوع الْآتِيَة على طَرِيق النشر الْمُرَتّب " مَا لَا يغْتَفر فِي الْمَتْبُوع " أَي يغْتَفر فِي التَّابِع مَا دَامَ تَابعا مَا لَا يغْتَفر فِيهِ إِذا صَار متبوعاً، أَي أصلا ومقصوداً. وَيقرب من هَذَا قَوْلهم فِي الْقَاعِدَة / ٤٨: " التَّابِع لَا يفرد بالحكم ". وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا.
(ثَانِيًا: التطبيق)
مِمَّا يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة: مَا لَو بَاعَ عقارا يدْخل غير مَا كَانَ فِي ملك خَاص. أما مَا كَانَ فِي ملك خَاص فَلَا بُد من التَّنْصِيص عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، أَو على الْحُقُوق والمرافق، كَمَا تقدم فِي شرح الْمَادَّة / ٤٧ / من الْحُقُوق والمرافق تبعا. وَلَو أورد العقد عَلَيْهَا قصدا لَا يَصح.
وَمِنْه: مَا لَو وقف الْعقار ببقره وأكرته يَصح. وَيغْتَفر دُخُول الْبَقر والأكارين تبعا، لِأَنَّهُمَا من حوائج الْمَتْبُوع ولوازمه، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار) . وَلَو أَرَادَ الْوَقْف عَلَيْهَا مُنْفَرِدَة لَا يَصح إِلَّا عِنْد مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِذا كَانَ فِيهَا تعامل.
стр. 245
وَمِنْه: مَا لَو أعتق أحد الشَّرِيكَيْنِ حِصَّته من العَبْد الْمُشْتَرك، ثمَّ اشْترى حِصَّة شَرِيكه السَّاكِت، فَإِنَّهُ لَا يَصح وَلَا يملك السَّاكِت نقل ملكه إِلَى أحد. وَلَكِن إِذا أدّى الْمُعْتق الضَّمَان لشَرِيكه السَّاكِت ملكه واغتفر التَّمْلِيك والتملك لِأَنَّهُ وجد ضمنا وتبعاً.
وَمِنْه: مَا لَو زوجه فُضُولِيّ امْرَأَة، ثمَّ أَرَادَ الْفُضُولِيّ فسخ النِّكَاح فَإِنَّهُ لَا يَنْفَسِخ. وَلَكِن لَو وكل الرجل الْفُضُولِيّ أَن يُزَوجهُ امْرَأَة فَزَوجهُ إِيَّاهَا أَو أُخْتهَا انْفَسَخ العقد الأول ضمنا.
وَمِنْه: مَا لَو وكل المُشْتَرِي البَائِع فِي قبض الْمَبِيع فَقَبضهُ لَا يَصح قَبضه عَنهُ، لِأَن الْوَاحِد لَا يصلح مُسلما ومتسلماً، حَتَّى لَو هلك فِي يَده، وَالْحَالة هَذِه، يهْلك عَلَيْهِ لَا على المُشْتَرِي. أما لَو أعْطى للْبَائِع جوالقاً ليكيل وَيَضَع فِيهِ الطَّعَام الْمَبِيع فَقبل صَحَّ التَّوْكِيل فِي ضمن الْأَمر بِالْكَيْلِ والوضع فِي الجوالق تبعا، وَكَانَ ذَلِك قبضا من المُشْتَرِي.
وَمن حُقُوق العقد الْمُتَعَلّق بالمتبوع أَيْضا الْوَكِيل بِقَبض الْمَبِيع إِذا رَآهُ فأسقط خِيَار رُؤْيَة مُوكله قبل أَن يقبضهُ أَو بَعْدَمَا قَبضه لَا يسْقط. وَلَكِن لَو قَبضه وَهُوَ يرَاهُ سقط خِيَار مُوكله عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى تبعا لصِحَّة الْقَبْض، خلافًا لَهما.
стр. 246
(الْقَاعِدَة الرَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ (الْمَادَّة / ٥٥))
(" يغْتَفر فِي الْبَقَاء مَا لَا يغْتَفر فِي الِابْتِدَاء ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" يغْتَفر " أَي قد يتَسَامَح ويتساهل " فِي الْبَقَاء " أَي فِي خلال الْأَمر وأثناءه " مَا لَا يغْتَفر فِي الِابْتِدَاء ".
وَذَلِكَ لِأَن الْبَقَاء أسهل من الِابْتِدَاء، كَمَا هُوَ نَص الْمَادَّة الْآتِيَة.
وَلذَلِك كَانَ الِاسْتِصْحَاب يَكْفِي حجَّة للدَّفْع لَا للاستحقاق، لِأَن الدّفع: عبارَة عَن اسْتِبْقَاء وَتَقْرِير مَا كَانَ على مَا كَانَ عَلَيْهِ. والاستحقاق: نزع وَابْتِدَاء. وَرفع الأول أسهل، فاكتفي فِيهِ بالاستصحاب حجَّة، بِخِلَاف الثَّانِي، فَإِنَّهُ أهم فَلَا بُد فِيهِ من الْبَيِّنَة. فقد قَالَ أَبُو يُوسُف، رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كتاب الْخراج: " لَا ينْزع شَيْء من يَد أحد إِلَّا بِحَق ثَابت مَعْرُوف ".
(ثَانِيًا _ التطبيق)
مِمَّا فرع على هَذِه الْقَاعِدَة: مَا لَو وهب حِصَّة شائعة قَابِلَة للْقِسْمَة فَإِنَّهُ لَا يَصح. وَلَكِن إِذا وهب عينا بِتَمَامِهَا ثمَّ اسْتحق جُزْء شَائِع مِنْهَا، أَو رَجَعَ الْوَاهِب فِي جُزْء مِنْهَا شَائِع لَا تفْسد الْهِبَة فِي الْبَاقِي وَإِن كَانَ شَائِعا يقبل الْقِسْمَة.
وَمِنْه: مَا لَو آجر مشَاعا فَإِنَّهُ لَا يَصح، سَوَاء كَانَ يقبل الْقِسْمَة أَو لَا. وَلَكِن لَو طَرَأَ الشُّيُوع بعد العقد بِأَن آجر عقارا بِتَمَامِهِ ثمَّ اسْتحق جُزْء مِنْهُ شَائِع، أَو تفاسخ العاقدان الْإِجَارَة فِي بعض شَائِع مِنْهُ، تبقى الْإِجَارَة فِي الْبَاقِي وَإِن كَانَ شَائِعا.
стр. 247
وَمِنْه: أَن الْوَكِيل بِالْبيعِ لَا يملك التَّوْكِيل بِدُونِ إِذن مُوكله أَو تفويضه. وَلَكِن إِذا بَاعَ فُضُولِيّ عَنهُ فَبَلغهُ فَأجَاز جَازَ مَعَ أَن الْإِجَارَة اللاحقة كَالْوكَالَةِ السَّابِقَة. وَلَا يرد الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ حَيْثُ لَا تصح إِجَازَته لشراء الْفُضُولِيّ، لِأَن الشِّرَاء لَا يتَوَقَّف، فَإِنَّهُ إِذا لم يجد نفاذاً على الْمَعْقُود لَهُ نفذ على الْعَاقِد، وَبعد نفاذه على الْعَاقِد، وَهُوَ هُنَا الْفُضُولِيّ، ملكه فَلَا ينْتَقل ملكه بِإِجَازَة الْوَكِيل.
وَمِنْه: مَا لَو اعْترفت الْمَرْأَة بالعدة، فَإِنَّهَا تمنع عَن التَّزَوُّج. أما لَو تزوجت ثمَّ ادَّعَت الْعدة فَإِنَّهَا لَا يلْتَفت إِلَيْهَا، وَيكون القَوْل قَول الزَّوْج.
وَمِنْه: مَا فِي الْبَدَائِع من أَنه لَو طرأت الْعدة على الْمَرْأَة بعد النِّكَاح، كَمَا لَو وطِئت بِشُبْهَة لَا يبطل نِكَاحهَا، بِخِلَاف مَا لَو عقد عَلَيْهَا وَهِي مُعْتَدَّة فَإِن النِّكَاح لَا يَصح.
وَكَذَلِكَ مَا لَو أبق العَبْد بعد البيع، فَإِن البيع لَا يفْسد. بِخِلَاف مَا لَو بَاعه وَهُوَ آبق فَإِن العقد حينئذٍ غير صَحِيح. انْتهى موضحاً.
وَمِنْه: مَا لَو شرى دَارا بِخِيَار لَهُ، فدام على السُّكْنَى فِيهَا لَا يبطل خِيَاره. وَلَو ابْتَدَأَ السُّكْنَى فِيهَا بَطل خِيَاره. (ر: معِين الْحُكَّام، من الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ) .
وَمَا يتَفَرَّع عَلَيْهَا أَيْضا: أَن البيع بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاء لَا يَصح. أما بعد تَمام العقد فَإِنَّهُ يَصح.
وَمِنْه: أَنه لَو عقد البيع بِثمن مُؤَجل إِلَى أجل مَجْهُول جَهَالَة يسيرَة، كالحصاد والدياس لَا يَصح. وَلَو عقد خَالِيا عَن الْأَجَل ثمَّ أَجله بعد العقد إِلَى الْحَصاد أَو الدياس يَصح.
وَمِنْه: أَن الزَّوْجَة لَا تملك حط الْمهْر عَن الزَّوْج فِي ابْتِدَاء العقد. فَلَو عقدت مَعَه النِّكَاح على أَن لَا مهر لَهَا لم يَصح الْحَط وَوَجَب مهر الْمثل. وَلَو حطت الْمهْر عَن الزَّوْج بعد العقد صَحَّ حطها وَبرئ الزَّوْج عَن الْمهْر (ر: الدُّرَر، بَاب الْمهْر) .
وَمِنْه: مَا لَو عقد الْمُتَبَايعَانِ البيع ابْتِدَاء بِلَا ثمن فسد البيع، وَلَو تعاقدا
стр. 248
بِثمن ثمَّ حط البَائِع عَن المُشْتَرِي صَحَّ حطه وَلَا يفْسد البيع (ر: الدُّرَر وحاشيته، بَاب التَّصَرُّف بِالْمَبِيعِ وَالثمن) .
(تَنْبِيه:)
إِنَّمَا أَتَيْنَا بِلَفْظ " قد " فِي تَفْسِير لَفْظَة " يغْتَفر " إِشَارَة إِلَى أَن هَذِه الْقَاعِدَة لَيست مطردَة عَامَّة، بل قد تتخلف كَمَا فِي الرَّهْن، فَإِنَّهُ يُفْسِدهُ الشُّيُوع الطَّارِئ كالمقارن، فَلم يغتفروا فِيهِ فِي الْبَقَاء كَمَا اغتفروا فِي الْهِبَة وَالْإِجَارَة.
(تَنْبِيه آخر:)
مَشى صدر الشَّرِيعَة وَابْن كَمَال على أَن الشُّيُوع بِالِاسْتِحْقَاقِ شيوع طَارِئ، وَنَقله الْقُهسْتَانِيّ أَيْضا عَن النِّهَايَة وَغَيرهَا، وَعَلِيهِ مِثَال الْمَادَّة الْمَذْكُورَة.
وَمَشى فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ وَالْخَانِيَّة وَغَيرهمَا على أَنه شيوع مُقَارن يفْسد الْهِبَة. فَالظَّاهِر أَن فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَتَيْنِ.
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
يسْتَثْنى من هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل اغتفر فِيهَا فِي الِابْتِدَاء مَا لم يغْتَفر فِي الْبَقَاء: (أ) مِنْهَا مَا لَو فوض طَلَاق امْرَأَته لعاقل، فجن فَطلق لم يَقع. وَلَو فوض إِلَيْهِ مَجْنُونا فَطلق وَقع.
(ب) وَمِنْهَا: مَا لَو وكل عَاقِلا بِالْبيعِ، فجن جنوناً يعقل مَعَه البيع وَالشِّرَاء، فَبَاعَ، لم ينفذ. وَلَو وَكله _ وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالة من الْجُنُون _ فَبَاعَ نفذ (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من بَاب تَفْوِيض الطَّلَاق) .
(ج) وَمِنْهَا: مَا لَو ولى السُّلْطَان قَاضِيا عدلا ففسق، انْعَزل _ على قَول _ وَلَو ولاه فَاسِقًا صَحَّ.
(د) وَمِنْهَا: مَا لَو أذن لعَبْدِهِ فِي التِّجَارَة، فأبق انحجر. وَلَو أذن لَهُ _ وَهُوَ آبق _ صَحَّ. (ر: الْأَشْبَاه، من قَاعِدَة " يغْتَفر فِي التوابع مَا لَا يغْتَفر فِي غَيرهَا ") .
стр. 249
(هـ) وَمِنْهَا: مَا لَو ارْتَدَّ الْمُسلم فَإِن وَقفه الَّذِي وَقفه حَال إِسْلَامه يبطل. وَأما لَو وقف الْمُرْتَد عقاره ابْتِدَاء فِي حَال ردته، فَإِن كَانَ امْرَأَة صَحَّ وَقفهَا لِأَنَّهَا لَا تقتل بِالرّدَّةِ. وَإِن كَانَ رجلا يتَوَقَّف وَقفه، فَإِن عَاد مُسلما صَحَّ، وَإِن قتل أَو مَاتَ بَطل (ر: الدّرّ وحاشيته، من أَوَائِل كتاب الْوَقْف) .
(و) وَمِنْهَا مَا نصوا عَلَيْهِ فِي الْوَقْف من الدُّرَر وَغَيرهَا: لَو وقف على وَلَده، وَلَيْسَ لَهُ ولد، وَله ولد ولد، صرف إِلَى ولد وَلَده. وَلَو كَانَ لَهُ ولد وَقت الْوَقْف ثمَّ مَاتَ يصرف إِلَى الْفُقَرَاء لَا إِلَى ولد الْوَلَد.
فقد اغتفر فِي هَذَا الْفَرْع فِي الِابْتِدَاء فصرف إِلَى ولد الْوَلَد عِنْد عدم الْوَلَد مَا لم يغْتَفر فِي الْبَقَاء، إِذْ لم يصرف إِلَى ولد الْوَلَد عِنْد موت الْوَلَد.
стр. 250
(الْقَاعِدَة الْخَامِسَة وَالْخَمْسُونَ (الْمَادَّة / ٥٦))
(" الْبَقَاء أسهل من الِابْتِدَاء ")
هَذِه الْقَاعِدَة هِيَ أصل الْمَادَّة السَّابِقَة.
وَجَمِيع مَا قيل فِي تِلْكَ وَمَا تفرع عَلَيْهَا يُمكن أَن يجْرِي فِي هَذِه. فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمهَا عَلَيْهَا ليَكُون ذكر تِلْكَ بعْدهَا فِي قُوَّة التَّفْرِيع عَلَيْهَا. إِلَّا أَن يدعى أَنَّهَا أخرت عَنْهَا لتَكون بِمَثَابَة التَّعْلِيل لَهَا، وَهُوَ حسن.
следующие страницы →