← Каваид фикха

Каваид фикха · id 6330

شرح القواعد الفقهية

أحمد الزرقا

Полный текст (439 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

(الْقَاعِدَة الرَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ (الْمَادَّة / ٥٥)) (" يغْتَفر فِي الْبَقَاء مَا لَا يغْتَفر فِي الِابْتِدَاء ") (أَولا _ الشَّرْح) " يغْتَفر " أَي قد يتَسَامَح ويتساهل " فِي الْبَقَاء " أَي فِي خلال الْأَمر وأثناءه " مَا لَا يغْتَفر فِي الِابْتِدَاء ". وَذَلِكَ لِأَن الْبَقَاء أسهل من الِابْتِدَاء، كَمَا هُوَ نَص الْمَادَّة الْآتِيَة. وَلذَلِك كَانَ الِاسْتِصْحَاب يَكْفِي حجَّة للدَّفْع لَا للاستحقاق، لِأَن الدّفع: عبارَة عَن اسْتِبْقَاء وَتَقْرِير مَا كَانَ على مَا كَانَ عَلَيْهِ. والاستحقاق: نزع وَابْتِدَاء. وَرفع الأول أسهل، فاكتفي فِيهِ بالاستصحاب حجَّة، بِخِلَاف الثَّانِي، فَإِنَّهُ أهم فَلَا بُد فِيهِ من الْبَيِّنَة. فقد قَالَ أَبُو يُوسُف، رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كتاب الْخراج: " لَا ينْزع شَيْء من يَد أحد إِلَّا بِحَق ثَابت مَعْرُوف ". (ثَانِيًا _ التطبيق) مِمَّا فرع على هَذِه الْقَاعِدَة: مَا لَو وهب حِصَّة شائعة قَابِلَة للْقِسْمَة فَإِنَّهُ لَا يَصح. وَلَكِن إِذا وهب عينا بِتَمَامِهَا ثمَّ اسْتحق جُزْء شَائِع مِنْهَا، أَو رَجَعَ الْوَاهِب فِي جُزْء مِنْهَا شَائِع لَا تفْسد الْهِبَة فِي الْبَاقِي وَإِن كَانَ شَائِعا يقبل الْقِسْمَة. وَمِنْه: مَا لَو آجر مشَاعا فَإِنَّهُ لَا يَصح، سَوَاء كَانَ يقبل الْقِسْمَة أَو لَا. وَلَكِن لَو طَرَأَ الشُّيُوع بعد العقد بِأَن آجر عقارا بِتَمَامِهِ ثمَّ اسْتحق جُزْء مِنْهُ شَائِع، أَو تفاسخ العاقدان الْإِجَارَة فِي بعض شَائِع مِنْهُ، تبقى الْإِجَارَة فِي الْبَاقِي وَإِن كَانَ شَائِعا.

стр. 247

وَمِنْه: أَن الْوَكِيل بِالْبيعِ لَا يملك التَّوْكِيل بِدُونِ إِذن مُوكله أَو تفويضه. وَلَكِن إِذا بَاعَ فُضُولِيّ عَنهُ فَبَلغهُ فَأجَاز جَازَ مَعَ أَن الْإِجَارَة اللاحقة كَالْوكَالَةِ السَّابِقَة. وَلَا يرد الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ حَيْثُ لَا تصح إِجَازَته لشراء الْفُضُولِيّ، لِأَن الشِّرَاء لَا يتَوَقَّف، فَإِنَّهُ إِذا لم يجد نفاذاً على الْمَعْقُود لَهُ نفذ على الْعَاقِد، وَبعد نفاذه على الْعَاقِد، وَهُوَ هُنَا الْفُضُولِيّ، ملكه فَلَا ينْتَقل ملكه بِإِجَازَة الْوَكِيل. وَمِنْه: مَا لَو اعْترفت الْمَرْأَة بالعدة، فَإِنَّهَا تمنع عَن التَّزَوُّج. أما لَو تزوجت ثمَّ ادَّعَت الْعدة فَإِنَّهَا لَا يلْتَفت إِلَيْهَا، وَيكون القَوْل قَول الزَّوْج. وَمِنْه: مَا فِي الْبَدَائِع من أَنه لَو طرأت الْعدة على الْمَرْأَة بعد النِّكَاح، كَمَا لَو وطِئت بِشُبْهَة لَا يبطل نِكَاحهَا، بِخِلَاف مَا لَو عقد عَلَيْهَا وَهِي مُعْتَدَّة فَإِن النِّكَاح لَا يَصح. وَكَذَلِكَ مَا لَو أبق العَبْد بعد البيع، فَإِن البيع لَا يفْسد. بِخِلَاف مَا لَو بَاعه وَهُوَ آبق فَإِن العقد حينئذٍ غير صَحِيح. انْتهى موضحاً. وَمِنْه: مَا لَو شرى دَارا بِخِيَار لَهُ، فدام على السُّكْنَى فِيهَا لَا يبطل خِيَاره. وَلَو ابْتَدَأَ السُّكْنَى فِيهَا بَطل خِيَاره. (ر: معِين الْحُكَّام، من الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ) . وَمَا يتَفَرَّع عَلَيْهَا أَيْضا: أَن البيع بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاء لَا يَصح. أما بعد تَمام العقد فَإِنَّهُ يَصح. وَمِنْه: أَنه لَو عقد البيع بِثمن مُؤَجل إِلَى أجل مَجْهُول جَهَالَة يسيرَة، كالحصاد والدياس لَا يَصح. وَلَو عقد خَالِيا عَن الْأَجَل ثمَّ أَجله بعد العقد إِلَى الْحَصاد أَو الدياس يَصح. وَمِنْه: أَن الزَّوْجَة لَا تملك حط الْمهْر عَن الزَّوْج فِي ابْتِدَاء العقد. فَلَو عقدت مَعَه النِّكَاح على أَن لَا مهر لَهَا لم يَصح الْحَط وَوَجَب مهر الْمثل. وَلَو حطت الْمهْر عَن الزَّوْج بعد العقد صَحَّ حطها وَبرئ الزَّوْج عَن الْمهْر (ر: الدُّرَر، بَاب الْمهْر) . وَمِنْه: مَا لَو عقد الْمُتَبَايعَانِ البيع ابْتِدَاء بِلَا ثمن فسد البيع، وَلَو تعاقدا

стр. 248

بِثمن ثمَّ حط البَائِع عَن المُشْتَرِي صَحَّ حطه وَلَا يفْسد البيع (ر: الدُّرَر وحاشيته، بَاب التَّصَرُّف بِالْمَبِيعِ وَالثمن) . (تَنْبِيه:) إِنَّمَا أَتَيْنَا بِلَفْظ " قد " فِي تَفْسِير لَفْظَة " يغْتَفر " إِشَارَة إِلَى أَن هَذِه الْقَاعِدَة لَيست مطردَة عَامَّة، بل قد تتخلف كَمَا فِي الرَّهْن، فَإِنَّهُ يُفْسِدهُ الشُّيُوع الطَّارِئ كالمقارن، فَلم يغتفروا فِيهِ فِي الْبَقَاء كَمَا اغتفروا فِي الْهِبَة وَالْإِجَارَة. (تَنْبِيه آخر:) مَشى صدر الشَّرِيعَة وَابْن كَمَال على أَن الشُّيُوع بِالِاسْتِحْقَاقِ شيوع طَارِئ، وَنَقله الْقُهسْتَانِيّ أَيْضا عَن النِّهَايَة وَغَيرهَا، وَعَلِيهِ مِثَال الْمَادَّة الْمَذْكُورَة. وَمَشى فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ وَالْخَانِيَّة وَغَيرهمَا على أَنه شيوع مُقَارن يفْسد الْهِبَة. فَالظَّاهِر أَن فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَتَيْنِ. (ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى) يسْتَثْنى من هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل اغتفر فِيهَا فِي الِابْتِدَاء مَا لم يغْتَفر فِي الْبَقَاء: (أ) مِنْهَا مَا لَو فوض طَلَاق امْرَأَته لعاقل، فجن فَطلق لم يَقع. وَلَو فوض إِلَيْهِ مَجْنُونا فَطلق وَقع. (ب) وَمِنْهَا: مَا لَو وكل عَاقِلا بِالْبيعِ، فجن جنوناً يعقل مَعَه البيع وَالشِّرَاء، فَبَاعَ، لم ينفذ. وَلَو وَكله _ وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالة من الْجُنُون _ فَبَاعَ نفذ (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من بَاب تَفْوِيض الطَّلَاق) . (ج) وَمِنْهَا: مَا لَو ولى السُّلْطَان قَاضِيا عدلا ففسق، انْعَزل _ على قَول _ وَلَو ولاه فَاسِقًا صَحَّ. (د) وَمِنْهَا: مَا لَو أذن لعَبْدِهِ فِي التِّجَارَة، فأبق انحجر. وَلَو أذن لَهُ _ وَهُوَ آبق _ صَحَّ. (ر: الْأَشْبَاه، من قَاعِدَة " يغْتَفر فِي التوابع مَا لَا يغْتَفر فِي غَيرهَا ") .

стр. 249

(هـ) وَمِنْهَا: مَا لَو ارْتَدَّ الْمُسلم فَإِن وَقفه الَّذِي وَقفه حَال إِسْلَامه يبطل. وَأما لَو وقف الْمُرْتَد عقاره ابْتِدَاء فِي حَال ردته، فَإِن كَانَ امْرَأَة صَحَّ وَقفهَا لِأَنَّهَا لَا تقتل بِالرّدَّةِ. وَإِن كَانَ رجلا يتَوَقَّف وَقفه، فَإِن عَاد مُسلما صَحَّ، وَإِن قتل أَو مَاتَ بَطل (ر: الدّرّ وحاشيته، من أَوَائِل كتاب الْوَقْف) . (و) وَمِنْهَا مَا نصوا عَلَيْهِ فِي الْوَقْف من الدُّرَر وَغَيرهَا: لَو وقف على وَلَده، وَلَيْسَ لَهُ ولد، وَله ولد ولد، صرف إِلَى ولد وَلَده. وَلَو كَانَ لَهُ ولد وَقت الْوَقْف ثمَّ مَاتَ يصرف إِلَى الْفُقَرَاء لَا إِلَى ولد الْوَلَد. فقد اغتفر فِي هَذَا الْفَرْع فِي الِابْتِدَاء فصرف إِلَى ولد الْوَلَد عِنْد عدم الْوَلَد مَا لم يغْتَفر فِي الْبَقَاء، إِذْ لم يصرف إِلَى ولد الْوَلَد عِنْد موت الْوَلَد.

стр. 250

(الْقَاعِدَة الْخَامِسَة وَالْخَمْسُونَ (الْمَادَّة / ٥٦)) (" الْبَقَاء أسهل من الِابْتِدَاء ") هَذِه الْقَاعِدَة هِيَ أصل الْمَادَّة السَّابِقَة. وَجَمِيع مَا قيل فِي تِلْكَ وَمَا تفرع عَلَيْهَا يُمكن أَن يجْرِي فِي هَذِه. فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمهَا عَلَيْهَا ليَكُون ذكر تِلْكَ بعْدهَا فِي قُوَّة التَّفْرِيع عَلَيْهَا. إِلَّا أَن يدعى أَنَّهَا أخرت عَنْهَا لتَكون بِمَثَابَة التَّعْلِيل لَهَا، وَهُوَ حسن.

стр. 251

((الصفحة فارغة))

стр. 252

(الْقَاعِدَة السَّادِسَة وَالْخَمْسُونَ (الْمَادَّة / ٥٧)) (" لَا يتم التَّبَرُّع إِلَّا بِالْقَبْضِ ") (الشَّرْح، مَعَ التطبيق) لَا يتم التَّبَرُّع إِلَّا بِالْقَبْضِ، لقَوْله ﷺ : " لَا تجوز الْهِبَة إِلَّا مَقْبُوضَة "، وَلما رُوِيَ عَن السادات أبي بكر وَعمر وَابْن عَبَّاس ومعاذ بن جبل ﵃ أَنهم قَالُوا: لَا تتمّ الصَّدَقَة إِلَّا بِالْقَبْضِ، وَلِأَن عقد التَّبَرُّع لَو تمّ بِدُونِ قبض لثبت للمتبرع عَلَيْهِ مُطَالبَة الْمُتَبَرّع بِالتَّسْلِيمِ فَيصير عقد ضَمَان، وَهُوَ تَغْيِير للمشروع. وَلَا فرق فِي اشْتِرَاط الْقَبْض لتَمام التَّبَرُّع بَين مَا كَانَ تَبَرعا ابْتِدَاء وانتهاء كالهدية وَالصَّدَََقَة (وَالْفرق بَين الصَّدَقَة وَالْهِبَة أَن الْهِبَة يشْتَرط لَهَا أَن لَا تكون شائعة قَابِلَة للْقِسْمَة. وَفِي الصَّدَقَة لَا يشْتَرط ذَلِك إِذا كَانَت بَين اثْنَيْنِ، كَمَا لَو تصدق على اثْنَيْنِ مشَاعا) وَالْهِبَة بِلَا شَرط عوض، وَبَين مَا كَانَ تَبَرعا ابْتِدَاء مُعَاوضَة انْتِهَاء، كَالْهِبَةِ بِشَرْط الْعِوَض وَالْقَرْض وَالرَّهْن، فَإِن الْقَبْض شَرط لتَمام جَمِيعهَا. فَإِذا وجد (أَي الْقَبْض) مُسْتَوْفيا شُرُوط صِحَّته، تمت (أَي تِلْكَ الْعُقُود التبرعية) وَإِلَّا فَلَا. وشروط صِحَّته: ١ - أَن يكون بِإِذن الْمَالِك صَرِيحًا، نَحْو: اقبضه أَو أَذِنت لَك بِالْقَبْضِ، أَو رضيت، وَمَا شاكل ذَلِك. فَيجوز قَبضه وَلَو بعد الِافْتِرَاق. أَو دلَالَة، وَذَلِكَ

стр. 253

أَن يقبض الْعين فِي الْمجْلس وَلَا ينهاه، إِذا كَانَت الْعين لَا تحْتَاج إِلَى الْفَصْل عَن غَيرهَا. فَلَو تحْتَاج إِلَى الْفَصْل عَن غَيرهَا، كالثمر على الشّجر وَالصُّوف على الْغنم والحلية على السَّيْف والقفيز من الصُّبْرَة، ففصلها وَقَبضهَا بِدُونِ إِذْنه الصَّرِيح لم يجز الْقَبْض سَوَاء كَانَ الْفَصْل وَالْقَبْض بِحَضْرَة الْمَالِك أَو لَا. ٢ - وَأَن يكون الْمَقْبُوض غير مَشْغُول وَقت الْقَبْض بِغَيْرِهِ، وَإِن كَانَ شاغلاً يَصح، كَمَا لَو وهب الْحمل على الدَّابَّة، أَو الْحِنْطَة فِي الجوالق وَنَحْو ذَلِك. فَلَو وهب دَابَّة عَلَيْهَا حمل، أَو دَارا فِيهَا مَتَاع الْوَاهِب وَسلمهَا مَعَ الشاغل لم يجز الْقَبْض، بِخِلَاف مَتَاع غير الْوَاهِب فَإِنَّهُ لَا يمْتَنع صِحَة الْقَبْض. ٣ - وَأَن لَا يكون الْمَقْبُوض مُتَّصِلا بِغَيْرِهِ اتِّصَال الْأَجْزَاء، لِأَنَّهُ حينئذٍ فِي معنى الْمشَاع. فَلَو وهب الزَّرْع دون الأَرْض، أَو الأَرْض دون الزَّرْع، أَو الثَّمر دون الشّجر، أَو الشّجر دون الثَّمر، وَسلمهَا جَمِيعًا لم يجز الْقَبْض. ٤ - وَأَن يكون الْمَقْبُوض محلا للقبض. فَلَو وهب مَا فِي بطن غنمه أَو ضرْعهَا، أَو سمناً فِي اللَّبن، أَو حلا فِي سمسم، أَو زيتاً فِي زيتون، أَو دَقِيقًا فِي حِنْطَة، لم يجز الْقَبْض، وَإِن سلطه على قَبضه عِنْد الْولادَة أَو عِنْد اسْتِخْرَاج ذَلِك. ٥ - وَأَن يكون الْقَابِض أَهلا للقبض. فَلَا يجوز قبض الْمَجْنُون وَالصَّغِير الَّذِي لَا يعقل. ٦ - وَأَن يكون هُنَاكَ ولَايَة لمن يقبض بطرِيق النِّيَابَة. فَيقبض للصَّغِير أَبوهُ، أَو وَصِيّه، أَو جده أَبُو أَبِيه، أَو وَصِيّ جده، سَوَاء كَانَ الصَّغِير فِي عِيَالهمْ أَو لَا. وَيجوز قبض غير هَؤُلَاءِ مَعَ وجود وَاحِد مِنْهُم إِن كَانَ الصَّغِير فِي عِيَال من يُرِيد الْقَبْض، وَلَو زوجا لصغيرة. وَلَا يجوز قبض من لَيْسَ الصَّغِير فِي عِيَاله وَلَو ذَا رحم محرم مِنْهُ، على مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى من قَوْلَيْنِ مصححين. (تَنْبِيه:) الْقَبْض السَّابِق يَنُوب عَن الْقَبْض اللَّاحِق إِذا كَانَ السَّابِق مثل اللَّاحِق أَو أقوى مِنْهُ. أما إِذا كَانَ دونه فَلَا. فينوب قبض الْأَمَانَة مثل الْوَدِيعَة وَالْعَارِية

стр. 254

عَن قبض التَّبَرُّع، لِأَنَّهُ مثله. وَكَذَلِكَ يَنُوب عَنهُ قبض الْغَصْب وَالْبيع الْفَاسِد وَالْقَبْض على سوم الشِّرَاء لِأَنَّهُ أقوى، إِذْ هُوَ قبض ضَمَان. وَلَا يحْتَاج فِي جَمِيع ذَلِك إِلَى تَجْدِيد الْقَبْض، بل يصير قَابِضا بِمُجَرَّد العقد. بِخِلَاف مَا لَو بَاعَ الْأَمَانَة مِمَّن هِيَ عِنْده، فَإِنَّهُ لَا يَنُوب قبض الْأَمَانَة عَن قبض البيع، لِأَن قبض البيع قبض ضَمَان، وَقبض الْأَمَانَة دونه، فَلَا يَنُوب عَنهُ بل لَا بُد من تَجْدِيد الْقَبْض بِأَن يخلي بَين نَفسه وَبَين الْأَمَانَة الْمَبِيعَة بعد العقد. بَقِي مَا لَو كَانَ مَقْبُوضا فِي يَده بِحكم الْملك فَبَاعَهُ مِمَّن هُوَ تَحت ولَايَته فَإِنَّهُ لَا يَنُوب قَبضه بِحكم الْملك عَن قَبضه بِحكم التَّمْلِيك بعوض للمولي عَلَيْهِ، بل لَا بُد من التَّمَكُّن من تَجْدِيد الْقَبْض عَلَيْهِ حَقِيقَة، فقد قَالَ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو بَاعَ مَاله من وَلَده الصَّغِير لَا يعْتَبر قَابِضا لوَلَده بِمُجَرَّد العقد، حَتَّى لَو هلك قبل التَّمَكُّن من قَبضه حَقِيقَة هلك على الْأَب (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل السَّابِع وَالْعِشْرين) . (تَنْبِيه آخر:) ذكر فِي آخر الْفَصْل السَّابِع عشر من جَامع الْفُصُولَيْنِ أَن الْقَبْض بطرِيق المساومة لَا يكون قبضا للْمَبِيع، فَللْبَائِع أَخذه من المُشْتَرِي بعد البيع للثّمن. فَلَو فَارقه البَائِع قبل أَن يطْلب أَخذه مِنْهُ فَهَذَا رضَا مِنْهُ بِقَبْضِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَن يسْتَردّهُ. ثمَّ قَالَ عقبَة: وَهَذَا يشكل على أصل مر أَن مَا هُوَ مَضْمُون بِقِيمَتِه يَقع فِيهِ الشِّرَاء وَالْقَبْض مَعًا، والمقبوض على سوم الشِّرَاء لَو سمى ثمنه، فَهُوَ مَضْمُون بِقِيمَتِه، فَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا كَذَلِك، أَي مَقْبُوضا بِالْقَبْضِ السَّابِق. انْتهى. وَسكت عَنهُ محشيه الرَّمْلِيّ، وَنقل إشكاله صَاحب نور الْعين وَلم يجب عَنهُ أَيْضا. وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن الْقَبْض على سوم الشِّرَاء قبض مُؤَقّت، بِمَعْنى أَنه صدر على وَجه غير مُرَاد فِيهِ الدَّوَام، بل مُرَاد فِيهِ حُصُول تمكن المساوم من التبصر فِي ملاءمة الْمَقْبُوض لَهُ من عدمهَا، فَهُوَ مُرَاد من الطَّرفَيْنِ لقَضَاء هَذِه الْحَاجة فَقَط، وَإنَّهُ سَابق على ثُبُوت حق البَائِع فِي حبس الْمَبِيع بِالثّمن، فَلَا يُمكن

стр. 255

أَن يعْتَبر مسْقطًا لَهُ، لِأَن الْحق قبل ثُبُوته لَا يحْتَمل الْإِسْقَاط، كَيفَ وَالْبيع إِذا بَين فِيهِ الثّمن وَسكت فِيهِ عَن التَّأْجِيل يكون الْمَعْهُود فِيهِ دفع الثّمن أَولا شرعا وَعرفا، فَهُوَ قبض مقرون بِمَا يدل بجاري الْعَادة على الْتِزَام المُشْتَرِي دفع الثّمن معجلا، فَيثبت مَعَه للْبَائِع حق اسْتِرْدَاد الْمَبِيع وحبسه إِلَى اسْتِيفَاء الثّمن. وَلَا تنَافِي بَين كَونه مَضْمُونا على المُشْتَرِي بِالْقَبْضِ السَّابِق وَبَين ثُبُوت حق اسْتِرْدَاده للْبَائِع وحبسه بِالثّمن. كَمَا لَو قَبضه بعد البيع بِغَيْر إِذن البَائِع قبل أَن يدْفع الثّمن. بِخِلَاف قبض الْغَاصِب، فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ سَابِقًا على ثُبُوت حق البَائِع فِي حبس الْمَبِيع بِالثّمن، لكنه غير موقت وَغير مُرَاد مِنْهُ قَضَاء مأرب خَاص، وَلَيْسَ قبض استبدال كَالْقَبْضِ على سوم الشِّرَاء، بل قبض استبداد يُرَاد مِنْهُ الدَّوَام والاستمرار غير مصحوب وَلَا مقرون بِمَا يدل على الْتِزَام المُشْتَرِي دفع الثّمن معجلا، بل هُوَ مصحوب بِمَا يدل على خلاف ذَلِك من حَالَة الْغَاصِب. ثمَّ إقدام الْمَالِك على بَيْعه لَهُ وَهُوَ فِي يَده المتغلبة، وَلَا دَلِيل يدل على الْتِزَامه تَعْجِيل الثّمن يَجْعَل الْمَالِك رَاضِيا فِي ضمن عقد البيع بِسُقُوط حَقه فِي اسْتِرْدَاد الْمَبِيع مِنْهُ وحبسه بِالثّمن، إِذْ السُّكُوت فِي معرض الْحَاجة إِلَى الْبَيَان بَيَان. هَذَا مَا ظهر، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. (تَنْبِيه آخر:) الْقَبْض قد يكون بِالِاسْتِيلَاءِ على الشَّيْء فعلا وَحَقِيقَة وَهُوَ ظَاهر، وَقد يكون بِدُونِ ذَلِك، وَذَلِكَ بِالتَّخْلِيَةِ وَهِي الْإِذْن بِالْقَبْضِ، كَقَوْلِه: خليت بَيْنك وَبَينه، أَو خُذْهُ، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يُفِيد الْإِذْن، بِشَرْط أَن لَا يكون الْمَأْذُون بِقَبْضِهِ بَعيدا، فَلَو كَانَ بَعيدا وَأذن لَهُ بِقَبْضِهِ وَمضى زمن يُمكنهُ الْوُصُول إِلَيْهِ مِنْهُ وَقَبضه صَار قَابِضا. وَالْمرَاد بِغَيْر الْبعيد مَا يقدر على قَبضه بِلَا كلفة، وَهَذَا يخْتَلف باخْتلَاف الْعين المقبوضة، فَفِي نَحْو دَار أَو حِنْطَة فِي بَيت، فَدفع الْمِفْتَاح إِذا كَانَ يُمكنهُ الْفَتْح بِلَا كلفة قبض، وَكَذَلِكَ قدرته على إغلاقه الدَّار يكون قبضا بِالتَّخْلِيَةِ.

стр. 256

وَفِي نَحْو دَابَّة فِي سرج ومرعى أَن تكون بِحَيْثُ ترى ويشار إِلَيْهَا. وَفِي نَحْو ثوب فكونه بِحَيْثُ لَو مد يَده يصل إِلَيْهِ قبض، وَإِن كَانَ يحْتَاج إِلَى الْقيام ليصل إِلَيْهِ لَا يكون قبضا. وَفِي نَحْو طير أَو فرس فِي بَيت فَأذن لَهُ بِقَبْضِهِ، إِن أمكنه أَخذه بِلَا عون كَانَ قبضا. وكما يشْتَرط أَن لَا يكون بَعيدا يشْتَرط أَن لَا يكون مَانع يمْنَع الْقَبْض، فَقبض المشغول بِغَيْرِهِ لَا يَصح كَمَا قدمْنَاهُ آنِفا. بِخِلَاف تَسْلِيم الشاغل لغيره فَإِنَّهُ يَصح. فَلَو بَاعَ حِنْطَة وَسلمهَا فِي جوالق نَفسه فَإِنَّهُ يَصح، بِخِلَاف مَا لَو بَاعَ حِنْطَة فِي سنبلها أَو قطناً فِي فرَاش وَسلمهُ كَذَلِك فَإِنَّهُ لَا يَصح التَّسْلِيم، كَمَا لَو بَاعَ الجوالق وَسلمهُ مملوءاً حِنْطَة. (كَمَا يعلم جَمِيع ذَلِك من الْكتاب الرَّابِع من بُيُوع الْمجلة، وَمن بُيُوع الدّرّ وحاشيته، قبيل خِيَار الشَّرْط) . (تَنْبِيه آخر:) قد استثنوا من كَون التَّخْلِيَة قبضا مسَائِل لَا تَكْفِي فِيهَا التَّخْلِيَة، بل لَا بُد فِيهَا من حَقِيقَة الْقَبْض: (أ) مِنْهَا: الْهِبَة الْفَاسِدَة، فَإِن التَّخْلِيَة لَا تكون قبضا فِيهَا بِاتِّفَاق الرِّوَايَات. (ب) وَمِنْهَا: مَا لَو قبض المُشْتَرِي الْمَبِيع قبل نقد الثّمن بِدُونِ إِذن بَائِعه ثمَّ طَالبه برده إِلَيْهِ، فخلى بَينه وَبَينه، لَا تكون التَّخْلِيَة قبضا حَتَّى يُسلمهُ بِيَدِهِ. (ر: رد الْمُحْتَار، قبيل خِيَار الشَّرْط، نقلا عَن الْخَانِية وَالْبَزَّازِيَّة) . (ج) وَمِنْهَا: مَا لَو تلف الْمَغْصُوب فجَاء الْغَاصِب بِقِيمَتِه ووضعها قُدَّام صَاحبه لَا يبرأ بِهَذِهِ التَّخْلِيَة مَا لم يُوجد حَقِيقَة الْقَبْض. (د) وَمِنْهَا كَذَلِك: إِيفَاء الدُّيُون وَتَسْلِيم قيمَة الْمُتْلفَات من ودائع وَغَيرهَا، فَإِنَّهُ لَا يكون بِالتَّخْلِيَةِ، بل لَا بُد من وَضعه فِي يَده أَو فِي حجره. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ) .

стр. 257

(هـ) وَمِنْهَا: تَسْلِيم الْمَبِيع فَاسِدا، لَا يكون بِالتَّخْلِيَةِ على مَا صَححهُ الْعِمَادِيّ، وَصحح قاضيخان أَن التَّخْلِيَة فِيهِ قبض. (ر: الْأَشْبَاه، كتاب الْبيُوع) . وَقد اسْتشْكل بعض أفاضل الدَّرْس عدم جعل التَّخْلِيَة قبضا فِي هَذِه الْفُرُوع بِمَا جَاءَ فِي الْمَادَّة / ٨٩٣ / من الْمجلة من أَن الْغَاصِب لَو وضع عين الْمَغْصُوب قُدَّام صَاحبه بِحَيْثُ يقدر على أَخذه فَإِنَّهُ يكون قد رد الْمَغْصُوب. انْتهى. وَقَالَ: إِن فَاعل التَّخْلِيَة فِي الْفُرُوع الْمَذْكُورَة لَيْسَ بِأَسْوَأ حَالا من الْغَاصِب وَقد اكْتفي من الْغَاصِب بِالتَّخْلِيَةِ كَمَا ترى، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَكْتَفِي فِي هَذِه الْفُرُوع بالتلخية بِالْأولَى. وَقد أَجَبْته بِأَن إشكاله غير وَارِد، وَذَلِكَ لِأَن الْفُرُوع الْمَذْكُورَة إِنَّمَا لم تجز فِيهَا التَّخْلِيَة لِأَن الْأَمر دائر فِيهَا بَين إِدْخَال مَال فِي ضَمَان الْغَيْر وَبَين إشغال ذمَّة الْغَيْر بدين، فالفرعان الْأَوَّلَانِ، وهما فرع التَّخْلِيَة فِي الْهِبَة الْفَاسِدَة وَفرع تخلية المُشْتَرِي بَين البَائِع وَبَين الْمَبِيع الَّذِي قَبضه بِدُونِ إِذن قبل نقد الثّمن، فيهمَا إِدْخَال المَال فِي ضَمَان الْغَيْر، فَإِن الْمَوْهُوب فَاسِدا إِذا اعتبرناه مَقْبُوضا بِالتَّخْلِيَةِ صَار مَضْمُونا على الْمَوْهُوب لَهُ بِقِيمَتِه، لِأَن الْهِبَة الْفَاسِدَة تضمن بِالْقَبْضِ. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، أَوَائِل كتاب الْهِبَة) ، وَكَذَلِكَ الْمَبِيع إِذا اعتبرناه مردوداً على البَائِع بِالتَّخْلِيَةِ عَاد مَضْمُونا عَلَيْهِ بِالثّمن، والتخلية لَيست بِقَبض حَقِيقَة لِأَنَّهَا عبارَة عَن رفع الْمَوَانِع، فَهِيَ قبض من وَجه، وَذمَّة الْمَوْهُوب لَهُ وَالْبَائِع فارغة عَن الضَّمَان من كل وَجه، فَلَا يُمكن أَن نشغلها بِالضَّمَانِ بِمَا هُوَ قبض من وَجه وَهُوَ التَّخْلِيَة. وَبَقِيَّة الْفُرُوع المستثناة الْمَذْكُورَة، وَهِي فرع التَّخْلِيَة بَين الدَّائِن وَالدّين، والتخلية بَين قيمَة الْمَغْصُوب وَالْمَالِك، وَفِي مَعْنَاهُ التَّخْلِيَة بَين قيمَة الْمُتْلف وَالْمَالِك، يكون فِيهَا على تَقْدِير اعْتِبَار التَّخْلِيَة قبضا إشغال ذمَّة الدَّائِن وَالْمَالِك بنظير مَا فِي ذمَّته لَهُ من بدل الدّين وَقِيمَة الْمُتْلف، لِأَن الْمُتْلف يتَعَلَّق بدله فِي مثل أَو قيمَة فِي الذِّمَّة بعد التّلف فَتَصِير دينا، والديون تقضى بأمثالها، بِمَعْنى أَنه يثبت للمديون بِالْقضَاءِ فِي ذمَّة الدَّائِن دين نَظِير مَا للدائن فِي ذمَّته، فيلتقيان قصاصا

стр. 258

وتنقطع الْمُطَالبَة بَينهمَا لعدم الْفَائِدَة، إِذْ لَو طَالب أَحدهمَا الآخر بِمَا فِي ذمَّته لطالبه الآخر كَذَلِك، حَتَّى لَو أَبْرَأ الدَّائِن الْمَدْيُون إِبْرَاء إِسْقَاط رَجَعَ الْمَدْيُون عَلَيْهِ بِمَا كَانَ دَفعه لَهُ، لِأَنَّهُ بَقِي دينا لَهُ عَلَيْهِ بِلَا مُقَابل لَهُ فِي ذمَّته. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، بَاب التَّصَرُّف فِي الْمَبِيع وَالثمن) . فَحَيْثُ كَانَ فِي الْفُرُوع الْمَذْكُورَة إشغال ذمَّة الدَّائِن وَالْمَالِك بنظير مَا فِي ذمَّة الدَّافِع وذمتهما فارغة من كل وَجه فَلَا يُمكن بِمَا هُوَ قبض من وَجه وَهُوَ التَّخْلِيَة، بِخِلَاف رد الْغَاصِب عين الْمَغْصُوب، وَهُوَ فرع الْمَادَّة / ٨٩٣ / الْمَذْكُورَة، فَإِنَّهُ لَيْسَ إِلَّا عبارَة عَن إعدام جِنَايَته بِإِزَالَة يَده المبطلة عَنهُ إِلَى مَالِكه، وَذَلِكَ يحصل بنقله إِلَيْهِ وَرفع الْمَوَانِع بِالتَّخْلِيَةِ بَينه وَبَينه، بِحَيْثُ يقدر على أَخذه بِلَا كلفة مَا، وَلَيْسَ فِي ذَلِك إِدْخَال شَيْء فِي ضَمَان الْغَيْر وَلَا إشغال ذمَّة الْغَيْر بدين، وَعَلِيهِ فَلَا إِشْكَال، وَهَذَا مَا ظهر لي، وَالله أعلم. لَكِن يرد على مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ من أَن إِيفَاء الدُّيُون لَا يكون بِالتَّخْلِيَةِ بل لَا بُد فِيهِ من الْقَبْض بِالْفِعْلِ، مَا جَاءَ فِي بَاب الْيَمين بِالضَّرْبِ وَالْقَتْل من " التَّنْوِير " و " الْبَحْر " نقلا عَن الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة، أَنه لَو حلف ليقضين دينه الْيَوْم فَأعْطَاهُ فَلم يقبل، إِن وَضعه بِحَيْثُ تناله يَده يبر. وَهُوَ مُخَالف لما فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، فإمَّا أَن يكون فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ، أَو يكون مَا فِي التَّنْوِير وَالْبَحْر مَبْنِيا على الْعرف لكَونه من الْأَيْمَان، وَهِي تبنى على الْعرف، وَهَذَا أقرب فَإِنَّهُ إِذا وضع لَهُ الدّين بِحَيْثُ لَو مد يَده يَنَالهُ يُقَال فِي الْعرف إِنَّه قَضَاهُ إِيَّاه. (تَنْبِيه آخر:) إِذا انْتقض التَّبَرُّع بعد تَمَامه بِالْقَبْضِ يعود المَال الْمُتَبَرّع بِهِ إِلَى الْمُتَبَرّع، فَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو تبرع الْإِنْسَان بِقَضَاء دين غَيره، ثمَّ ظهر أَن لَا دين عَلَيْهِ، يعود إِلَى ملك الْمُتَبَرّع، وَكَذَا لَو تبرع بِدفع مهر زَوْجَة غَيره وَلَو كَانَ ابْنه، ثمَّ خرج كل الْمهْر عَن المهرية بردة الزَّوْجَة، أَو خرج نصفه عَن المهرية بِطَلَاق قبل دُخُول الزَّوْج بهَا، فَإِنَّهُ يرجع إِلَى ملك الْمُتَبَرّع. وَكَذَا لَو تبرع بِثمن الْمَبِيع فانفسخ البيع رَجَعَ بِالثّمن. (ر: الْفَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ من جَامع الْفُصُولَيْنِ) .

стр. 259

وَفِي الدُّرَر: لَو تطوع إِنْسَان بِقَضَاء دين غَيره، وَكَانَ بِالدّينِ رهن، ثمَّ هلك الرَّهْن فِي يَد الْمُرْتَهن، رد مَا قبض للمتطوع. (ر: الدُّرَر، قبيل كتاب الْغَصْب _ بِالْمَعْنَى) . (تَنْبِيه آخر:) الْعرض على الْقَبْض لَا يكون قبضا، وَلَكِن قد يُوجب الْبَرَاءَة عَن الضَّمَان فِيمَا يكون مَضْمُونا، فَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو جَاءَ بِالْمَبِيعِ فَاسِدا إِلَى بَائِعه فَلم يقبله، فَأَعَادَهُ مُشْتَرِيه إِلَى منزله، فَهَلَك، لَا يضمن. وَكَذَا الْغَصْب وَهُوَ الْأَصَح. وَلَو وَضعه المُشْتَرِي بَين يَدي بَائِعه، أَو الْغَاصِب بَين يَدي مَالِكه، وَلم يقبله فَحَمله إِلَى منزله ضمن، إِذْ الرَّد يتم بِوَضْعِهِ وَإِن لم يقبلاه، فَإِذا حمله إِلَى منزله صَار غَاصبا ثَانِيًا. بِخِلَاف مَا إِذا لم يَضَعهُ بَين يَدَيْهِ إِذا لم يتم رده. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الموفي الثَّلَاثِينَ، آخر صفحة / ٥١ مُلَخصا) . وَالظَّاهِر أَن هَذَا لَا يجْرِي فِيمَا لَا تَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَة كالمسائل الْمُتَقَدّمَة (فِي التَّنْبِيه بعد عدد ٣) الَّتِي لَا بُد فِيهَا من حَقِيقَة الْقَبْض. (ر: مَا سَيَأْتِي تَحت الْمَادَّة / ٨١) . (تَنْبِيه آخر:) لَو بَاعَ الْأَب لِابْنِهِ الصَّغِير دَاره، وَهُوَ ساكنها أَو فِيهَا مَتَاعه أَو جبته، أَو طيلساناً وَهُوَ لابسه، أَو خَاتمًا وَهُوَ فِي إصبعه أَو دَابَّة وَهُوَ راكبها، لَا يكون الابْن قَابِضا حَتَّى يفرغ الْأَب الدَّار، ويخلع الْخَاتم والطيلسان والجبة، وَينزل عَن الدَّابَّة. (ر: أَحْكَام الصغار، من مسَائِل الْوَصَايَا، صفحة / ٣٨ /، مُلَخصا) . (تَنْبِيه آخر:) الْإِذْن دلَالَة بِقَبض التَّبَرُّع، كَأَن يقبض الْمَوْهُوب بِحَضْرَة الْوَاهِب وَلَا ينهاه، يَكْفِي فِي قبض الْعين لَا فِي قبض الدّين. فَلَو وهب الدّين لآخر فَقبض الْمَوْهُوب لَهُ من الْمَدْيُون الدّين الْمَوْهُوب بِحَضْرَة الْوَاهِب وَلم يَنْهَهُ عَن ذَلِك لَا يجوز قِيَاسا واستحساناً إِذا كَانَ قَبضه بِدُونِ إِذْنه الصَّرِيح، وَإِذا كَانَ بِإِذْنِهِ الصَّرِيح جَازَ قَبضه اسْتِحْسَانًا، بِخِلَاف الْعين. (ر: الْبَدَائِع ٦ / ١٢٤) .

стр. 260

(تَنْبِيه آخر:) الظَّاهِر أَن نِيَابَة قبض الْأَمَانَة عَن قبض التَّبَرُّع خَاص بِمَا كَانَ تَبَرعا ابْتِدَاء وانتهاء كَالْهِبَةِ والهدية وَالصَّدَََقَة، أما مَا كَانَ تَبَرعا ابْتِدَاء مُعَاوضَة انْتِهَاء، كَالرَّهْنِ وَالْقَرْض، فَالظَّاهِر أَنه لَا يَنُوب فِيهِ قبض الْأَمَانَة لِأَنَّهُ دونه. وَيسْتَثْنى مِمَّا تقدم: مَا لَو آجر الرَّاهِن الْعين الْمَرْهُونَة من الْمُرْتَهن فَإِنَّهُ لَا بُد من تَجْدِيد الْقَبْض، وَلَا يَنُوب قبض الرَّهْن السَّابِق عَن قبض الْإِجَارَة، مَعَ أَنه قبض ضَمَان. (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الرَّهْن، من بَاب التَّصَرُّف فِي الرَّهْن وَالْجِنَايَة عَلَيْهِ) وَقد صرح فِي الْبَدَائِع، فِي بَاب حكم الرَّهْن، أَن قبض الرَّهْن من قبض الْإِجَارَة. (الْمُسْتَثْنى) خرج عَن الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة: الْوَصِيَّة، فَإِنَّهَا تبرع وتتم بِدُونِ قبض. وَيسْتَثْنى من قَوْلهم: " الْقَبْض السَّابِق يَنُوب عَن الْقَبْض اللَّاحِق إِذا كَانَ السَّابِق مثله أَو أقوى مِنْهُ " مَا فِي رد الْمُحْتَار: مَا لَو غصب شَيْئا ثمَّ أَعَارَهُ الْمَالِك من الْغَاصِب أَو أودعهُ إِيَّاه، فَإِن الْغَاصِب لَا يكون قَابِضا بِمُجَرَّد عقد الْإِعَارَة أَو الْوَدِيعَة إِلَّا إِذا وصل إِلَيْهِ بعد التَّخْلِيَة. (ر: رد الْمُحْتَار، الْبيُوع، من أَوَاخِر فصل مَا يدْخل فِي البيع تبعا وَمَا لَا يدْخل، عِنْد قَول الْمَتْن: وَيسلم الثّمن أَولا) . وَيُسْتَفَاد من لِسَان الْحُكَّام أَن الْغَاصِب لَا يبرأ بإعارة الْمَالِك لَهُ مَا لم يَسْتَعْمِلهُ. (ر: لِسَان الْحُكَّام، قبيل نوع فِي ضَمَان أحد الشَّرِيكَيْنِ، نقلا عَن الْمُحِيط) . أما لَو آجره الْمَالِك من الْغَاصِب، فقد ذكر فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ أَنه يبرأ بِنَفس عقد الْإِجَارَة، ثمَّ نقل عَن الْمُنْتَقى أَن الْغَاصِب لَا يبرأ عَن الضَّمَان حَتَّى يَسْتَعْمِلهُ. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، فِي بحث مَا يبرأ بِهِ الْغَاصِب صفحة / ١٣٢) . ذكر فِي الْبَدَائِع أَن حق الْقَبْض عَن الصَّغِير فِي الْهِبَة لِأَبِيهِ، ثمَّ لوصيه، ثمَّ للْجدّ، ثمَّ لوصيه، وَأَنه لَا يقبض غَيرهم مَعَ وجود أحدهم وَإِن كَانَ

стр. 261

ذَا رحم محرم وَكَانَ الصَّغِير فِي عِيَاله. (ر: الْبَدَائِع ٦ / ١٢٦) وَهَذَا مُخَالف لما كتبناه فِي شرح الْقَاعِدَة. وَمَا فِي الْبَدَائِع صَححهُ فِي الْهِدَايَة والجوهرة، لَكِن نقل فِي الْهِنْدِيَّة عَن فَتَاوَى قاضيخان تَصْحِيح مَا كتبناه وَعَن الْفَتَاوَى الصُّغْرَى أَن عَلَيْهِ الْفَتْوَى. (ر: تَكْمِلَة رد الْمُحْتَار / ٤٢٢) من الْهِبَة. وَكَذَلِكَ شَرط فِي الْمحل الْمَذْكُور من الْبَدَائِع، عِنْد ذكره صِحَة قبض زوج الصَّغِيرَة عَنْهَا أَن يكون دخل بهَا. وَالظَّاهِر أَن مُرَاده من الدُّخُول بهَا أَن تكون زفت إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ علل صِحَة قَبضه عَنْهَا بِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تكون فِي عِيَاله، وَلَا يخفى أَن كَونهَا فِي عِيَاله يحصل بالزفاف.

стр. 262

(الْقَاعِدَة السَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ (الْمَادَّة / ٥٨)) (" التَّصَرُّف على الرّعية مَنُوط بِالْمَصْلَحَةِ ") (أَولا _ الشَّرْح) التَّصَرُّف على الرّعية مَنُوط بِالْمَصْلَحَةِ، أَي: إِن نَفاذ تصرف الرَّاعِي على الرّعية ولزومه عَلَيْهِم شاؤوا أَو أَبَوا مُعَلّق ومتوقف على وجود الثَّمَرَة وَالْمَنْفَعَة فِي ضمن تصرفه، دينية كَانَت أَو دنيوية. فَإِن تضمن مَنْفَعَة مَا وَجب عَلَيْهِم تنفيذه، وَإِلَّا رد، لِأَن الرَّاعِي نَاظر، وتصرفه حينئذٍ مُتَرَدّد بَين الضَّرَر والعبث وَكِلَاهُمَا لَيْسَ من النّظر فِي شَيْء. وَالْمرَاد بالراعي: كل من ولي أمرا من أُمُور الْعَامَّة، عَاما كَانَ كالسلطان الْأَعْظَم، أَو خَاصّا كمن دونه من الْعمَّال، فَإِن نَفاذ تَصَرُّفَات كل مِنْهُم على الْعَامَّة مترتب على وجود الْمَنْفَعَة فِي ضمنهَا، لِأَنَّهُ مَأْمُور من قبل الشَّارِع [ ﷺ ] أَن يحوطهم بالنصح، ومتوعد من قبله على ترك ذَلِك بأعظم وَعِيد، وَلَفظ الحَدِيث أَو مَعْنَاهُ: " من ولي من أُمُور هَذِه الْأمة عملا فَلم يحطهَا بنصح لم يرح رَائِحَة الْجنَّة ". (ثَانِيًا _ التطبيق) فَلَو عَفا السُّلْطَان عَن قَاتل من لَا ولي لَهُ لَا يَصح عَفوه وَلَا يسْقط الْقصاص، لِأَن الْحق للعامة وَالْإِمَام نَائِب عَنْهُم فِيمَا هُوَ أنظر لَهُم، وَلَيْسَ من النّظر إِسْقَاط حَقهم مجَّانا وَإِنَّمَا لَهُ الْقصاص أَو الصُّلْح.

стр. 263

وَكَذَا عَلَيْهِ أَن يُسَوِّي فِي الْعَطاء. وَإِذا فَاضل فَإِنَّهُ يفاضل على حسب الْغناء _ وهون النَّفْع للدّين وَالْمُسْلِمين _ لَا على حسب الْهوى. وَكَذَلِكَ لَيْسَ لمتولي الْوَقْف وَلَا للْقَاضِي إِحْدَاث وَظِيفَة فِي الْوَقْف بِغَيْر شَرط الْوَاقِف وَإِن كَانَ فِي الْغلَّة فضلَة. فَلَو قرر فراشا مثلا لم يَشْتَرِطه الْوَاقِف لَا يحل لَهُ الْأَخْذ لِإِمْكَان اسْتِئْجَار فرَاش بِلَا تَقْرِير. وَكَذَا لَو آجر الْمُتَوَلِي عقار الْوَقْف بِغَبن فَاحش لَا يَصح. وَكَذَا لَو زوج القَاضِي الصَّغِيرَة من غير كُفْء، أَو قضى بِخِلَاف شَرط الْوَاقِف، أَو أَبْرَأ عَن حق من حُقُوق الْعَامَّة، أَو أجل الدّين على الْغَرِيم بِدُونِ رضَا الدَّائِن لم يجز. وَكَذَا لَو صَالح الْوَلِيّ أَو الْوَصِيّ عَن الصَّغِير صلحا مضراً بِهِ لَا يَصح، كَمَا لَو صَالح الْخصم قبل أَن يَنْوِي رد دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ، أَو قبل الْحِوَالَة بدين الصَّغِير على من لَيْسَ بأملأ _ أَي أغْنى _ من الْمُحِيل لَا يَصح. وَكَذَا لَو دفع للْوَصِيّ بِمَال الْيَتِيم ألفا، وَدفع آخر ألفا وَمِائَة، وَالْأول أملأ، يَبِيع الْوَصِيّ من الأول وَكَذَا الْإِجَارَة يُؤجر بِثمَانِيَة للأملأ لَا بِعشْرَة لغيره. وَكَذَا مُتَوَلِّي الْوَقْف. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل / ٢٧) . (ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى) يسْتَثْنى من هَذِه الْقَاعِدَة: مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ من قَوْله: سلم مَال الصَّغِير قبل قبض ثمنه لَا يسْتَردّهُ للثّمن، بِخِلَاف تَسْلِيم الصَّغِيرَة فِي بَاب النِّكَاح. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل السَّابِع وَالْعِشْرين، صفحة / ٢٨) . وَيسْتَثْنى أَيْضا مَا فِي الدُّرَر والدر وَغَيرهمَا، من بَاب الْوَلِيّ، من أَن الْأَب أَو الْجد إِذا لم يكن سَكرَان، وَلم يكن مَعْلُوما بِسوء الِاخْتِيَار ينفذ تزوجيه للصَّغِير وَالصَّغِيرَة من غير كُفْء وبغبن فَاحش.

стр. 264

(الْقَاعِدَة الثَّامِنَة وَالْخَمْسُونَ (الْمَادَّة / ٥٩)) (الْولَايَة الْخَاصَّة أقوى من الْولَايَة الْعَامَّة) (أَولا: الشَّرْح) الْولَايَة الْخَاصَّة أقوى من الْولَايَة الْعَامَّة، لِأَن كل مَا كَانَ أقل اشتراكاً كَانَ أقوى تَأْثِيرا وامتلاكاً، أَي تمَكنا. و" الْولَايَة " - بِالْفَتْح - مَعْنَاهَا لُغَة: النُّصْرَة - وبالكسر - مَعْنَاهَا لُغَة: السلطة والتمكن. واستعملت الثَّانِيَة شرعا فِي نُفُوذ التَّصَرُّف على الْغَيْر شَاءَ أَو أَبى. وَتَكون عَامَّة وخاصة: أما الْعَامَّة فَتكون فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَالنَّفس وَالْمَال، وَهِي ولَايَة الإِمَام الْأَعْظَم ونوابه، فَإِنَّهُ يَلِي على الكافة تجهيز الجيوش، وسد الثغور، وجباية الْأَمْوَال من حلهَا وصرفها فِي محلهَا، وَتَعْيِين الْقُضَاة والولاة، وَإِقَامَة الْحَج وَالْجَمَاعَات، وَإِقَامَة الْحُدُود والتعازير، وقمع الْبُغَاة والمفسدين، وحماية بَيْضَة الدّين، وَفصل الْخُصُومَات وَقطع المنازعات، وَنصب الأوصياء والمتولين ومحاسبتهم، وتزويج الصغار والصغائر الَّذين لَا ولي لَهُم وَغير ذَلِك من صوالح الْأُمُور. وَأما الْخَاصَّة فَتكون أَيْضا فِي النَّفس وَالْمَال مَعًا، وَفِي المَال فَقَط: أما الأولى فعلى أَرْبَعَة أضْرب - أَي أَنْوَاع -: قَوِيَّة فيهمَا، وضعيفة فيهمَا، وقوية فِي أَحدهمَا ضَعِيفَة فِي الآخر.

стр. 265

أما القوية فيهمَا فولاية الْأَب ثمَّ الْجد أَب الْأَب وَإِن علا، فَإِنَّهُمَا يملكَانِ على هَذَا التَّرْتِيب تَزْوِيج الصغار، ومداواتهم بالكي وبط القرحة وَغير ذَلِك، وَالتَّصَرُّف فِي أَمْوَالهم على مَا عرف فِي النِّكَاح والوصايا بِشَرْط حريَّة، وتكليف، واتحاد فِي الدّين بِالْإِسْلَامِ أَو بِغَيْرِهِ، أَي بِأَن يكون كل مِنْهُمَا مُسلما أَو كل مِنْهُمَا غير مُسلم، وَغير الْإِسْلَام من الْأَدْيَان بِمَنْزِلَة دين وَاحِد. وَأما الضعيفة فيهمَا فولاية من كَانَ الصَّغِير فِي حجره من الْأَجَانِب أَو من الْأَقَارِب، وَكَانَ هُنَاكَ أقرب مِنْهُ لَهُ، فَإِنَّهُ يَلِي على نفس الصَّغِير وَمَاله ولَايَة ضَعِيفَة، فَإِنَّهُ يملك تأديبه وإيجاره وَدفعه فِي حِرْفَة تلِيق بأمثاله، وَيَشْتَرِي لَهُ مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ، وَيقبض لَهُ الْهِبَة وَالصَّدَََقَة ويحفظ لَهُ مَاله. وَأما القوية فِي النَّفس الضعيفة فِي المَال فولاية غير الْأَب وَالْجد من الْعَصَبَات وَذَوي الْأَرْحَام، فَإِنَّهُم يملكُونَ من التَّصَرُّف فِي نفس الصَّغِير وَالْمَعْتُوه بِالشّرطِ السَّابِق مَا يملكهُ الْأَب وَالْجد عِنْد عدمهما، وبشرط الْكَفَاءَة وَمهر الْمثل فِي النِّكَاح بِالنِّسْبَةِ لغير الابْن. وَأما الابْن فَإِنَّهُ لَا يتَقَيَّد بالكفاءة وَمهر الْمثل لِأَن ولَايَته فِي النَّفس كولاية الْأَب وَالْجد، بل هُوَ مقدم عَلَيْهِمَا، وَإِن كَانَت فِي المَال ضَعِيفَة بِمَنْزِلَة غَيره من الْأَقَارِب. ويملكون هم وأوصياؤهم شِرَاء مَا لَا بُد للصَّغِير مِنْهُ، وَقبض الْهِبَة وَالصَّدَََقَة لَهُ، وَحفظ مَاله دون التَّصَرُّف فِيهِ وَلَو موروثاً لَهُ من قبل موصيهم. وَأما القوية فِي المَال الضعيفة فِي النَّفس فولاية وَصِيّ الْأَب أَو الْجد أَو القَاضِي على الصغار، فَإِنَّهُ يتَصَرَّف فِي مَالهم تَصرفا قَوِيا، وَلَكِن تصرفه فِي أنفسهم ضَعِيف كتصرف من كَانَ الصَّغِير فِي حجره من الْأَجَانِب. وَأما ولَايَة المَال فَقَط فولاية مُتَوَلِّي الْوَقْف فِي مَال الْوَقْف، وَولَايَة الْوَصِيّ فِي مَال الْكَبِير الْغَائِب، فَإِنَّهُ يَلِي بيع غير الْعقار من التَّرِكَة إِلَّا لدين أَو وَصِيَّة لَا وَفَاء لَهما إِلَّا بِبيعِهِ فيبيعه عَلَيْهِ وَلَو كَانَ حَاضرا إِذا امْتنع عَن وَفَاء الدّين.

стр. 266

(ثَانِيًا: التطبيق) مِمَّا يتَفَرَّع على الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة أَن القَاضِي لَا يملك التَّصَرُّف فِي الْوَقْف مَعَ وجود متولٍ عَلَيْهِ وَلَو من قبله، حَتَّى لَو تصرف بإيجار أَو قبض أَو صرف لَا ينفذ. وَكَذَلِكَ لَا يملك القَاضِي التَّصَرُّف فِي مَال الصَّغِير مَعَ وجود وَصِيّ الْأَب أَو وَصِيّ الْجد أَو وَصِيّ نفس القَاضِي. أما مَعَ وَصِيّ غير من ذكر كوصي الْأُم وَمن شاكلها مِمَّن كَانَت ولَايَته ضَعِيفَة فِي المَال من الْأَقَارِب فَإِنَّهُ يملك التَّصَرُّف. وَكَذَا لَا يملك القَاضِي تَزْوِيج الصغار مَعَ وجود الْوَلِيّ إِلَّا بعد عضله. (ثَالِثا: الْمُسْتَثْنى) أخرج بَعضهم عَن الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة مَا نصوا عَلَيْهِ من أَن الْوَصِيّ لَا يملك اسْتِيفَاء الْقصاص إِذا قتل مورث الصَّغِير الَّذِي تَحت وصايته، مَعَ أَن القَاضِي يملك استيفاءه، فَتكون الْولَايَة الْعَامَّة هُنَا أقوى من الْولَايَة الْخَاصَّة. وَفِي الْحَقِيقَة لَا اسْتثِْنَاء، فَإِن ولَايَة اسْتِيفَاء الْقصاص عَن الصَّغِير تَابِعَة للولاية على نَفسه، وَلَا ولَايَة على نَفسه للْوَصِيّ، وَمَا لَهُ من الْولَايَة الْمُتَقَدّمَة ضَعِيفَة وَلَا تزيد على ولَايَة الْأَجْنَبِيّ إِذا كَانَ الصَّغِير فِي حجره. وَلَكِن يَنْبَغِي أَن يسْتَثْنى من الْقَاعِدَة مَا ذكرُوا من أَن الْمُتَوَلِي لَا يملك الْعَزْل وَالنّصب لأرباب الْجِهَات بِدُونِ أَن يشْتَرط الْوَاقِف ذَلِك لَهُ، ويملكه القَاضِي بِدُونِ شَرط. وَكَذَلِكَ يملك القَاضِي إقراض مَال الصَّغِير دون الْأَب وَالْوَصِيّ. وَكَذَلِكَ يملك القَاضِي الاستقراض للْوَقْف واستبداله بِشُرُوطِهِ وإيجاره مُدَّة طَوِيلَة عِنْد مَسِيس الْحَاجة إِلَى تعميره، وَلَا يملك الْمُتَوَلِي ذَلِك. (تَنْبِيه) إِن مَا ذكر من أَن القَاضِي لَا يملك التَّصَرُّف مَعَ وجود وَصِيّ أَو متول وَلَو من قبله مُقَيّد بِغَيْر مداخلته بِالسَّبَبِ الْعَام، أما بِهِ فَإِنَّهُ يتداخل، فَإِنَّهُ يُحَاسب

стр. 267

الأوصياء والمتولين ويعزل الخائن مِنْهُم وَإِن شَرط الْمُوصي أَو الْوَاقِف عدم مداخلته. وَكَذَلِكَ مَا ذكر من المستثنيات فِي التَّنْبِيه السَّابِق، فَإِن ملكه لَهَا بِالسَّبَبِ الْعَام. وَكَذَلِكَ يملك بِالسَّبَبِ الْمَذْكُور إِيجَار عقار الْوَقْف من الْمُتَوَلِي أَو مِمَّن لَا تقبل شَهَادَته للمتولي وَلَو لم يكن هُنَاكَ خيرية.

стр. 268

(الْقَاعِدَة التَّاسِعَة وَالْخَمْسُونَ (الْمَادَّة / ٦٠)) (إِعْمَال الْكَلَام أولى من إهماله) (أَولا: الشَّرْح) إِعْمَال الْكَلَام مَا أمكن إعماله أولى من إهماله، لِأَن المهمل لَغْو، وَكَلَام الْعَاقِل يصان عَنهُ، فَيجب حمله مَا أمكن على أقرب وَأولى وَجه يَجعله مَعْمُولا بِهِ من حَقِيقَة مُمكنَة وَإِلَّا فمجاز. (ثَانِيًا: التطبيق) فَلَو أوصى أَو وقف على أَوْلَاده تنَاول أَوْلَاده الصلبية فَقَط إِن كَانُوا لِأَنَّهُ الْحَقِيقَة، وَإِلَّا تنَاول أَوْلَادهم بطرِيق الْمجَاز لِأَن إِعْمَال الْكَلَام أولى من إهماله. وَكَذَلِكَ لَو أوصى أَو وقف على موَالِيه الأعلين أَو الأسفلين، فَإِن كَانَ لَهُ موالٍ استحقوا، وَإِلَّا فلموالي موَالِيه. (تَنْبِيه) الأَصْل فِي الْكَلَام أَن يُفِيد فَائِدَة مستأنفة غير مَا أَفَادَهُ سابقه، لِأَن الِاسْتِئْنَاف تأسيس، وإفادة مَا أَفَادَهُ السَّابِق تَأْكِيد، والتأسيس أولى من التَّأْكِيد، وَعَلِيهِ فيراد بالإهمال فِي الْقَاعِدَة مَا هُوَ أَعم من الإلغاء بالمرة وإلغاء الْفَائِدَة المستأنفة بجعله مؤكداً. فَلَو أقرّ بِأَلف فِي صك وَلم يبين سَببهَا ثمَّ أقرّ بِأَلف كَذَلِك

стр. 269

يُطَالب بالألفين. وَكَذَا لَو قَالَ لزوجته الْمَدْخُول بهَا: أَنْت طَالِق طَالِق طَالِق، وَقع ثَلَاثًا، ويدين فِي أَنه نوى التَّأْكِيد.

стр. 270

(الْقَاعِدَة السِّتُّونَ (الْمَادَّة / ٦١)) (" إِذا تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَة يُصَار إِلَى الْمجَاز ") (الشَّرْح، مَعَ التطبيق) إِذا تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَة أَو تعسرت أَو هجرت يُصَار إِلَى الْمجَاز. وَتعذر الْحَقِيقَة إِمَّا: بِعَدَمِ إمكانها أصلا لعدم وجود فردٍ لَهَا فِي الْخَارِج، كَمَا لَو وقف على أَوْلَاده وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا أحفاد. أَو بِعَدَمِ إمكانها شرعا كَالْوكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ، فَإِن الْخُصُومَة هِيَ التَّنَازُع وَهُوَ مَحْظُور شرعا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تنازعوا﴾ . وتعسرها بِعَدَمِ إمكانها إِلَّا بِمَشَقَّة، كَمَا لَو حلف: لَا يَأْكُل من هَذَا الْقدر أَو من هَذِه الشَّجَرَة أَو هَذَا الْبر، فَإِن الْحَقِيقَة وَهِي الْأكل من عينهَا مُمكنَة لَكِن بِمَشَقَّة. فيصار فِي كل من الْأَقْسَام الثَّلَاثَة إِلَى الْمجَاز، وَهُوَ الصّرْف إِلَى الأحفاد فِي الأول، وَإِعْطَاء إِقْرَارا أَو إنكاراً أَو دفعا فِي الثَّانِي، وَالْأكل مِمَّا فِي الْقدر أَو من ثَمَر الشَّجَرَة إِن كَانَ وَإِلَّا فَمن ثمنهَا أَو مِمَّا يتَّخذ من الْبر فِي الثَّالِث. وَمثل تعذر الْحَقِيقَة: هجرها، كَمَا لَو حلف: لَا يضع قدمه فِيهِ هَذِه الدَّار، فَإِن الْحَقِيقَة فِيهِ مُمكنَة وَلكنهَا مهجورة. وَالْمرَاد فِي ذَلِك فِي الْعرف الدُّخُول. فَلَو وضع قدمه فِيهَا بِدُونِ دُخُول لَا يَحْنَث، وَلَو دَخلهَا رَاكِبًا حنث. وَمثله مَا لَو قَالَ لَهُ: أشعل الْقنْدِيل _ الفنار _ فَإِنَّهُ مَصْرُوف إِلَى الشمعة فِيهِ عرفا، فَلَو أشعله نَفسه فَاحْتَرَقَ يضمن.

стр. 271

((الصفحة فارغة))

стр. 272

(الْقَاعِدَة الْحَادِيَة وَالسِّتُّونَ (الْمَادَّة / ٦٢)) (" إِذا تعذر إِعْمَال الْكَلَام يهمل ") (الشَّرْح، مَعَ التطبيق) إِذا تعذر إِعْمَال الْكَلَام بِأَن كَانَ لَا يُمكن حمله على معنى حَقِيقِيّ لَهُ مُمكن، لتعذر الْحَقِيقَة بِوَجْه من وُجُوه التَّعَذُّر الْمُتَقَدّمَة فِي الْمَادَّة السَّابِقَة، أَو لتزاحم المتنافيين من الْحَقَائِق تحتهَا وَلَا مُرَجّح، وَلَا على معنى مجازي مُسْتَعْمل، أَو كَانَ يكذبهُ الظَّاهِر من حس أَو مَا هُوَ فِي حكمه من نَحْو الْعَادة فَإِنَّهُ يهمل حِينَئِذٍ، أَي يلغى وَلَا يعْمل بِهِ. أما تزاحم المتنافيين فَكَمَا لَو أوصى لمواليه أَو وقف عَلَيْهِم وَكَانَ لَهُ معتقون ومعتقون فَإِن الْوَصِيَّة وَالْوَقْف لَغْو. وكما لَو كفل بالعهدة فَإِن الْكفَالَة لَا تصح لِأَن الْعهْدَة اسْم مُشْتَرك يَقع على الصَّك الْقَدِيم، وعَلى العقد، وعَلى حُقُوق العقد، وعَلى الدَّرك، وَخيَار الشَّرْط (ر: نور الْعين فِي تَرْتِيب جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل التَّاسِع وَالْعِشْرين) . وكما لَو كفل وَلم يعلم أَنَّهَا كَفَالَة نفس أَو مَال فَإِنَّهَا لَا تصح (ر: رد الْمُحْتَار، أَوَائِل الْكفَالَة) . وَمن هَذَا: مَا لَو قَالَ رجل: ادفعوا هَذِه الدَّار وَالثيَاب إِلَى فلَان، وَلم يقل: فَإِنَّهَا لَهُ، وَلَا قَالَ: هِيَ وَصِيَّة، قَالُوا: هَذَا بَاطِل، إِذْ لَيْسَ بِإِقْرَار وَلَا وَصِيَّة. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ، من كتاب الْوَصِيَّة، صفحة / ٢٥٧) . وَأما مَسْأَلَة تعذر الْحَقِيقَة وَعدم إِمْكَان الْحمل على الْمَعْنى الْمجَازِي لكَونه غير مُسْتَعْمل فَكَمَا لَو قَالَ لمعروف النّسَب: هَذَا ابْني، فَإِنَّهُ كَمَا لَا يَصح إِرَادَة

стр. 273

الْحَقِيقَة مِنْهُ لثُبُوت نسبه من الْغَيْر لَا تصح أَيْضا إِرَادَة الْمجَاز، وَهُوَ الْإِيصَاء لَهُ بإحلاله مَحل الابْن فِي أَخذ مثل نصِيبه من التَّرِكَة، لِأَن ذَلِك الْمجَاز غير مُسْتَعْمل، والحقيقة إِذا لم تكن مستعملة لَا يُصَار إِلَيْهَا فالمجاز أولى. وَأما تَكْذِيب الْحس فكدعوى قتل الْمُورث وَهُوَ حَيّ، أَو قطع الْعُضْو وَهُوَ قَائِم، وكدعوى الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ وَهُوَ مجبوب. وَأما مَا فِي حكم الْحس فكدعوى الْبلُوغ مِمَّن لَا يحْتَملهُ سنه أَو جِسْمه، وكدعوى صرف الْمُتَوَلِي أَو الْوَصِيّ على الْوَقْف أَو الصَّغِير مبلغا لَا يحْتَملهُ الظَّاهِر، فَإِن كل ذَلِك يلغى وَلَا يعْتَبر وَلَا يعْمل بِهِ وَإِن أُقِيمَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة.

стр. 274

(الْقَاعِدَة الثَّانِيَة وَالسِّتُّونَ (الْمَادَّة / ٦٣)) (" ذكر بعض مَا لَا يتَجَزَّأ كذكر كُله ") (الشَّرْح، مَعَ التطبيق) ذكر بعض مَا لَا يتَجَزَّأ على وَجه الشُّيُوع كنصفه مثلا، كذكر كُله، لأَنا إِذا لم نقل بذلك والموضوع أَن الْمُحدث عَنهُ لَا يتَجَزَّأ يلْزم إهمال الْكَلَام بالمرة، وَالْحَال أَن إِعْمَال الْكَلَام مَا أمكن إعماله أولى من إهماله كَمَا تقدم. فَلَو قَالَ لامْرَأَة: تزوجت نصفك فَقبلت صَحَّ العقد على الْمُفْتى بِهِ، كَمَا نَقله الْحَمَوِيّ محشي الْأَشْبَاه عَن الصيرفية. وَلَو طلق ثلث امْرَأَته أَو نصفهَا مثلا طلقت كلهَا، أَو طَلقهَا نصف طَلْقَة أَو ربع طَلْقَة وَقع عَلَيْهَا طَلْقَة كَامِلَة. وَكَذَلِكَ لَو أضَاف كَفِيل النَّفس الْكفَالَة إِلَى جُزْء شَائِع من الْمَدْيُون كربعه مثلا كَانَ كَفِيلا بِالنَّفسِ. وَكَذَا لَو قَالَ ولي الْقَتِيل: عَفَوْت عَن ربع الْقصاص أَو خمسه مثلا سقط كُله. وكما لَو سلم الشَّفِيع حَقه عَن نصف الشُّفْعَة مثلا سَقَطت كلهَا. (تَنْبِيه:) إِنَّمَا قيدنَا ذكر بعض مَا لَا يتَجَزَّأ بِأَن يكون على وَجه الشُّيُوع احْتِرَازًا عَمَّا إِذا لم يكن كَذَلِك، بِأَن كَانَ على وَجه التَّعْيِين، كَمَا لَو أضَاف الطَّلَاق إِلَى عُضْو

стр. 275

من أَعْضَاء الْمَرْأَة، فَإِن كَانَ عضوا يعبر بِهِ عَن كلهَا كالرأس والرقبة وأضافه إِلَيْهَا وَقع الطَّلَاق. فَلَو لم يضفه إِلَيْهَا بِأَن قَالَ: الرَّأْس مِنْك أَو الرَّقَبَة مِنْك طَالِق، أَو كَانَ عضوا لَا يعبر بِهِ عَن الْكل كالظفر وَالشعر لم يَقع فيهمَا. (تَنْبِيه آخر:) خرج عَن الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة مَا لَو قَالَ رجل لدائن آخر كفل لَك بِهِ نصفي أَو ثُلثي مثلا لم يكن كَفِيلا (يلْزم تَعْلِيل هَذَا الْفَرْع) . وَمِنْهَا مَا لَو قَالَ لامْرَأَته: أَنْت طَالِق وَاحِدَة إِن شِئْت، فَقَالَت: شِئْت نصف وَاحِدَة لم يَقع شَيْء (يلْزم تَعْلِيله أَيْضا) . (مُلَاحظَة مهمة:) قد يزِيد حكم الْبَعْض على الْكل فِي مسَائِل: مِنْهَا: مَا لَو ختن صَبيا بِإِذن وليه فَقطع حشفته، فَإِن مَاتَ فَعَلَيهِ نصف الدِّيَة، وَإِلَّا فَعَلَيهِ الدِّيَة كلهَا. وَمِنْهَا: مَا لَو خرج رَأس الْمَوْلُود فَقطع إِنْسَان أَنفه فَخرج حَيا وعاش فَعَلَيهِ الدِّيَة، وَلَو قطع رَأسه وَالْحَالة هَذِه فَعَلَيهِ الْغرَّة (يلْزم التَّعْلِيل) . وَمِنْهَا: أَن قطع الإصبعين عيبان، وَقطع الْأَصَابِع مَعَ الْكَفّ عيب وَاحِد. (يلْزم التَّفْرِيع على الْفَرْع الْأَخير) .

стр. 276

(الْقَاعِدَة الثَّالِثَة وَالسِّتُّونَ (الْمَادَّة / ٦٤)) (" الْمُطلق يجْرِي على إِطْلَاقه مَا لم يقم دَلِيل التَّقْيِيد نصا أَو دلَالَة ") (الشَّرْح، مَعَ التطبيق) " الْمُطلق ": عرف الْمُطلق قوم بِأَنَّهُ مَا دلّ على الْمَاهِيّة بِلَا قيد، أَي الْمَاهِيّة المستحضرة فِي الذِّهْن بِلَا قيد وجودهَا فِي ضمن الْأَفْرَاد، فَهُوَ على هَذَا مرادف لعلم الْجِنْس. وعرفه آخَرُونَ بِأَنَّهُ: مَا دلّ على شَائِع فِي جنسه. فَهُوَ عِنْدهم مرادف للنكرة، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْكَمَال بن الْهمام وَجرى عَلَيْهِ السعد فِي حَوَاشِي التَّلْوِيح، وأيده الْبنانِيّ بِأَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا تتَعَلَّق بالماهية بِاعْتِبَار وجودهَا فِي ضمن الْأَفْرَاد، لَا بِاعْتِبَار أَنَّهَا مفهومات كُلية وَأُمُور عقلية كَمَا يُفِيد التَّعْرِيف الأول. " يجْرِي على إِطْلَاقه مَا لم يقم دَلِيل التَّقْيِيد نصا " أَي لفظا، وَذَلِكَ بِأَن يكون مَقْرُونا بِنَحْوِ صفة، أَو حَال، أَو إِضَافَة، أَو مفعول، أَو نهي، أَو شَرط، أَو اسْتثِْنَاء. فَالْأول: كَثوب هروي، وَفرس عَرَبِيّ، وَنَحْو ذَلِك. وَالثَّانِي: كَإِن دخلت رَاكِبًا مثلا. وَالثَّالِث: كاشتر لي فرس بكر مثلا. وَالرَّابِع: كبعه من فلَان. وَالْخَامِس: كلا تبعه فِي سوق كَذَا.

стр. 277

وَالسَّادِس: كَالطَّلَاقِ الْمُعَلق وَالنّذر الْمُعَلق. وَالسَّابِع: كالاستثناء الْوَاقِع فِي الأقارير والعقود والتعاليق، كَقَوْلِه: لَك عَليّ مائَة إِلَّا عشرَة، وَقَوله: كفلت لَك بِمِائَة إِلَّا خَمْسَة مثلا، وَقَوله: إِن خرجت إِلَّا بإذني فَأَنت كَذَا. فَكل ذَلِك تَقْيِيد لَفْظِي يعْمل عمله. " أَو دلَالَة " كَقَوْل المكاري لآخر: اشْتَرِ لي بغلاً أَو بغلة، فَاشْترى لَهُ بغلة من مراكيب الْأُمَرَاء بِخَمْسِينَ دِينَارا مثلا ﴿وكقول من قدم بَلْدَة لغيره: اسْتَأْجر لي دَارا، فاستأجرها لَهُ بعد سنة مثلا﴾ فَإِنَّهُ لَا ينفذ فعل الْمَأْمُور على الْأَمر فِي المحلين، لِأَنَّهُ فِي الأول يتَقَيَّد دلَالَة بِدَابَّة يحمل عَلَيْهَا الأثقال، وَفِي الثَّانِي بدار يسد بهَا حَاجته الْقَائِمَة فِي الْحَال. وكما لَو جَاءَت امْرَأَة بغزلها إِلَى السُّوق وَأمرت رجلا بِبيعِهِ، فَبَاعَهُ نَسِيئَة، لم ينفذ عَلَيْهَا (ر: متن التَّنْوِير، من الْوكَالَة) وَذَلِكَ لتقيده بِالنَّقْدِ حَالا بِدلَالَة الْحَاجة. (تَنْبِيهَات) (التَّنْبِيه الأول) إِن الْمُطلق إِذا كَانَ عبارَة عَن الْإِذْن بِشَيْء وإطلاقه لَهُ فَإِنَّهُ لَا يجْرِي على إِطْلَاقه حِينَئِذٍ، بل يعْتَبر بِغَيْر مظان التُّهْمَة ومواطن الْخِيَانَة، فَإِذا كَانَ بمعزل عَن التُّهْمَة والخيانة يجْرِي على إِطْلَاقه وَلَا يُقيد بعد ذَلِك بِأَن يكون مُوَافقا للْعُرْف وَالْعَادَة عِنْد أبي حنيفَة، وَعند صَاحِبيهِ يُقيد بِأَن يكون مُوَافقا للْعُرْف وَالْعَادَة (ر: تأسيس النّظر، للدبوسي) . فَلَو وكل شخص آخر بِبيع شَيْء وَلم يُقَيِّدهُ، فَعِنْدَ الإِمَام للْوَكِيل أَن يَبِيع بِالثّمن الَّذِي يرَاهُ مناسباً نَقْدا أَو عرضا، بِثمن الْمثل، أَو بِغَبن فَاحش، وَله أَن يَبِيع بِثمن حَال أَو نَسِيئَة إِلَّا إِذا كَانَ البيع للْحَاجة فيتقيد حِينَئِذٍ بِدلَالَة الْحَال كَمَا فِي الْمسَائِل الْمَارَّة، فَلَا يَبِيع إِلَّا بِالنَّقْدِ وبالثمن الْحَال (ر: التَّنْوِير، من فصل لَا يعْقد وَكيل البيع وَالشِّرَاء ... . والمادة / ١٤٩٤ / من الْمجلة) .

стр. 278

وَكَذَا لَو كَانَ وَكيلا بِالتَّزْوِيجِ فَزَوجهُ امْرَأَة بِأَكْثَرَ من مهر مثلهَا بِغَبن فَاحش جَازَ عِنْده. وَكَذَلِكَ لَو أودع عِنْد آخر وَدِيعَة جَازَ للْمُودع أَن يُسَافر بهَا إِذا كَانَ الطَّرِيق آمنا، كَانَ لَهَا حمل وَمؤنَة أَو لم يكن. وَكَذَلِكَ لَو وَكله بِإِجَارَة دَاره مثلا فآجرها سِنِين طَوِيلَة جَازَ عِنْده. كَمَا لَو وَكله بيع شَيْء وَأمره أَن يَأْخُذ بِثمنِهِ رهنا، فَبَاعَهُ وَأخذ بِالثّمن رهنا قَلِيلا أَو كثيرا جَازَ عِنْده. وَنَظِير ذَلِك مَا لَو وَكله بشرَاء شَيْء بِعَيْنِه، فَاشْتَرَاهُ ثمَّ قبل أَن يقبضهُ وجد بِهِ عَيْبا فَاحِشا فَرضِي بِهِ وَقَبضه، نفذ على مُوكله، عِنْده (ر: تأسيس النّظر) . كل ذَلِك حكما للإطلاق، لعدم وجود التُّهْمَة والخيانة. فَلَو كَانَ التَّصَرُّف مصحوباً _ وَالْحَالة هَذِه _ بالتهمة أَو الْخِيَانَة لم يجز على الْآذِن، فَلَا يملك وَكيل البيع وَلَا وَكيل الْإِجَارَة أَن يَبِيع أَو يُؤجر من نَفسه وَلَا مِمَّن تقبل شَهَادَته لَهُ، لمَكَان التُّهْمَة. كَمَا أَنه لَا يملك الْمُودع السّفر بالوديعة إِذا كَانَ الطَّرِيق مخوفا، لمَكَان الْخِيَانَة والتفريط فِي حفظهَا الْمَعْقُود عَلَيْهِ. وَعند الصاحبين: كل تِلْكَ الإطلاقات مُقَيّدَة بِالْعرْفِ، فَلَا يملك وَكيل البيع عِنْدهمَا أَن يَبِيع إِلَّا بِثمن من جنس النَّقْدَيْنِ، وَأَن يكون حَالا غير مُؤَجل، وَأَن يكون الثّمن بِثمن الْمثل أَو بِغَبن يسير. وَكَذَا يشْتَرط _ عِنْدهمَا _ كَون الرَّهْن وثيقاً حَافِظًا للقيمة. وَلَا يجوزان للْمُودع السّفر بالوديعة إِذا كَانَ لَهَا حمل وَمؤنَة وَإِن كَانَ الطَّرِيق آمنا. وَلَا يجوزان إِيجَار دَار الْآمِر أَكثر من الْمدَّة المتعارفة. وَلَا يجوزان النِّكَاح إِلَّا بِمهْر الْمثل أَو غبن يسير. وَإِذا كَانَ الْغبن فَاحِشا يُخَيّر الْمُوكل بَين إِجَازَته أَو رده.

стр. 279

وَكَذَلِكَ رضَا وَكيل الشِّرَاء بِالْعَيْبِ الْفَاحِش نَافِذ عَلَيْهِ دون مُوكله، جَريا فِي جَمِيع ذَلِك على تَقْيِيد تِلْكَ الإطلاقات وتخصيصها عرفا بِمَا ذكر. وَقد جرت الْمجلة فِي الْمَادَّة / ١٤٩٤ و ١٤٩٨ / على قَول الإِمَام. (التَّنْبِيه الثَّانِي:) لَا يَنْبَغِي أَن يفهم من الْقَاعِدَة أَن الْمُطلق أَيْنَمَا وَقع وكيفما كَانَ إِذا لم يقم دَلِيل على تَقْيِيده فَهُوَ مرعي ومعتبر على إِطْلَاقه ومحتمل على جهالته وَإِن كَانَت فَاحِشَة، وَأَن الْعُقُود والتصرفات الَّتِي تَتَضَمَّن ذَلِك الْمُطلق تعْتَبر صَحِيحَة شَرْعِيَّة أياً كَانَت، بِنَاء على عُمُوم الْقَاعِدَة، كلا، بل الَّذِي يظْهر أَن ذَلِك لَيْسَ مطرداً أَو عَاما، بل هُوَ خَاص بِمَا لَا تضره الْجَهَالَة الْفَاحِشَة كالأقارير والأيمان وَالْكَفَالَة وَمَا لَا يحْتَاج إِلَى قَبضه من الْأَثْمَان والمبيعات. كَمَا لَو أقرّ لغيره بِأَن لَهُ فِي ذمَّته دينا وَلم يُبينهُ أَو حلف ليشترين الْيَوْم ثوبا، أَو كفل لزيد بِمَا زَاد لَهُ على فلَان، أَو قَالَ لَهُ: بَايع فلَانا وَمَا بايعته فعلي، أَو أقرّ أَن لفُلَان عَلَيْهِ دينا فَاشْترى فلَان مِنْهُ شَيْئا، أَو أقرّ أَن لَهُ تَحت يَده مَتَاعا غصبا أَو وَدِيعَة وَلم يُبينهُ لَهُ، ثمَّ اشْترى الْمقر مِنْهُ: فَإِن الْجَهَالَة الْفَاحِشَة فِي جَمِيع ذَلِك لَا تضر، وَيجْبر على الْبَيَان فِي فرع الْإِقْرَار، وتنعقد الْيَمين الْمَذْكُورَة على إِطْلَاقهَا ويبر بشرَاء أَي ثوب كَانَ، وَتَصِح الْكفَالَة فِي الصُّورَتَيْنِ المرسومتين، وَيصِح البيع فِي فرعي البيع لِأَن الدّين المشرى بِهِ فِي الأول يسْقط بِالشِّرَاءِ والساقط لَا تضر جهالته، وَلِأَن الْمَبِيع فِي الثَّانِي غير مُحْتَاج إِلَى تَسْلِيمه وتسلمه فَلَا يُؤَدِّي إِلَى التَّنَازُع (كَمَا يعلم جَمِيع ذَلِك من الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، من الْإِقْرَار والأيمان وَالْكَفَالَة، وأوائل الْبيُوع، والمادة / ٦٣٠ و ١٥٧٩ / من الْمجلة، وجامع الْفُصُولَيْنِ الْفَصْل / ٣٠ / ج ٢ / ٦٧) . أما مَا تضره الْجَهَالَة الْفَاحِشَة كالمهر فِي النِّكَاح وَالثمن وَالْمَبِيع الْمُحْتَاج إِلَى قبضهما فِي البيع وَالْمُوكل بِفِعْلِهِ من التَّصَرُّفَات أَو بِشِرَائِهِ من البَائِع، إِذا كَانَ الْمُطلق فِيهَا مَجْهُولا جَهَالَة فَاحِشَة، فَلَا يعْتَبر ذَلِك الْإِطْلَاق وَلَا يحْتَمل جهالته. كَمَا إِذا وَكله فِي جَمِيع أُمُوره وَلَيْسَ للْمُوكل صَنْعَة مَعْرُوفَة لتنصرف الْوكَالَة

стр. 280

إِلَيْهَا، أَو وَكله بشرَاء شَيْء مَجْهُول الْجِنْس كَثوب أَو دَابَّة، أَو تزوج امْرَأَة على مهر كَذَلِك _ أَي مَجْهُول الْجِنْس _ أَو بَاعه بِدَرَاهِم أَو دَنَانِير مَجْهُولَة كَأَن كَانَت مُخْتَلفَة فِي الْمَالِيَّة مُتَسَاوِيَة فِي الرواج، أَو بَاعَ الغواص أَو القناص مَا يخرج من ضَربته، بطلت الْوكَالَة فِي الأول وَالثَّانِي، وَوَجَب مهر الْمثل فِي الثَّالِث لكَون النِّكَاح، لَا يفْسد بِفساد التَّسْمِيَة، وَلم يَصح البيع فِي الفرعين الْأَخيرينِ (كَمَا يعلم ذَلِك من مُرَاجعَة الْمَادَّة / ١٤٦٨ / والمادة / ٢٠٠ / و / ٢٣٨ / ١٤٥٩ / من الْمجلة، ومراجعة الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، من الْوكَالَة، وَالْمهْر، وَالْبيع الْفَاسِد) . (تَنْبِيه آخر:) يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد فِي الرِّوَايَات، وَلِهَذَا نرى مطلقات الْمُتُون يقيدها الشُّرَّاح. وَقد نصوا على أَنه إِذا صرح بعض الْأَئِمَّة بِقَيْد لم يُصَرح بِهِ غَيره يجب اتِّبَاعه. (تَنْبِيه آخر:) إِذا كَانَ مَا قيد بِهِ الْأَمر الْمَأْمُور مُفِيدا من كل وَجه يلْزم رعايته، أكده بِالنَّفْيِ أَو لَا، كَمَا إِذا قَالَ لَهُ: بِعْهُ بِخِيَار أَو بكفيل أَو برهن، فَبَاعَهُ بِدُونِهِ. أَو قَالَ الْمُودع للوديع: احفظ الْوَدِيعَة فِي هَذَا الدَّار تتَعَيَّن، لتَفَاوت الْحِرْز. وَإِذا كَانَ لَا يُفِيد أصلا لَا تجب مراعاته، كبعه بنسيئة، فَبَاعَهُ بِالنَّقْدِ بِمَا يُبَاع بِهِ نَسِيئَة جَازَ. وَإِن كَانَ مُفِيدا من وَجه، إِن أكده بِالنَّفْيِ تجب مراعاته وَإِن لم يؤكده لَا تجب مراعاته. فَلَو قَالَ: بِعْهُ بسوق كَذَا، أَو احفظ الْوَدِيعَة فِي الْبَيْت الْفُلَانِيّ من دَارك، أَو بِعْهُ بِشُهُود مثلا لَا تجب مراعاته، وَلَو قَالَ: لَا تبعه إِلَّا فِي سوق كَذَا، أَو لَا تحفظها إِلَّا فِي الْبَيْت الْفُلَانِيّ من دَارك، أَو لَا تبع إِلَّا بِشُهُود وَجَبت مراعاته. وَإِذا كَانَ مَا قَيده بِهِ غير مُقَيّد أصلا لَا تلْزم مراعاته وَإِن أكده، كَمَا لَو قَالَ: لَا تحفظها إِلَّا فِي هَذَا الصندوق (ر: رد الْمُحْتَار، من فصل " لَا يعْقد وَكيل البيع وَالشِّرَاء " نقلا عَن الذَّخِيرَة وَالْبَزَّازِيَّة) .

стр. 281

(تَنْبِيه آخر:) مِمَّا جَاءَ فِيهِ الْمُطلق جَارِيا على إِطْلَاقه مَا ذكره فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ من أَن رب المَال لَو قَالَ للْمُضَارب: اعْمَلْ بِرَأْيِك، فَدفع الْمضَارب المَال إِلَى آخر مُضَارَبَة على أَكثر من نصِيبه يجوز. انْتهى بِالْمَعْنَى. وَقد ذكر هَذَا عقب قَوْله: وَلَو كَانَ الْبذر لرب الأَرْض فَقَالَ للمزارع: اعْمَلْ بِرَأْيِك، فَدفع الْمزَارِع إِلَى آخر مُزَارعَة، فَلَو دفع بِأَقَلّ من نصِيبه جَازَ لَا بِأَكْثَرَ (انْتهى بِلَفْظِهِ) ثمَّ ذكر مَا لَفظه: قَالَ ابْن أبي عمرَان: سَأَلت عليا الرَّازِيّ عَن الْفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ فَقَالَ: إِن فِيمَا تفرد مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى بتصنيفه مسَائِل لَو رُوجِعَ فِيهَا لرجع عَنْهَا، مِنْهَا هَذِه الْمَسْأَلَة (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الموفي الثَّلَاثِينَ، صفحة / ٦٦) . وَلَقَد استولى عَليّ الدهش حِين وقفت على صُدُور مثل هَذَا فِي حق الإِمَام مُحَمَّد بن الْحسن مُحَرر الْمَذْهَب النعماني من مثل عَليّ الرَّازِيّ الَّذِي أَخذ الْفِقْه عَن الْحسن بن زِيَاد وروى عَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَقبُول مثل أَحْمد بن أبي عمرَان لَهُ، الَّذِي تفقه على ابْن سَمَّاعَة تلميذ أبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَالَّذِي هُوَ شيخ أبي جَعْفَر الطَّحَاوِيّ. فَإِن صُدُور مثل هَذَا من مثلهمَا مَعَ أَنَّهُمَا من أعرف النَّاس بِفضل الإِمَام مُحَمَّد يقلل من الوثوق بعلمهما بفضله، وَكَانَ من الْوَاجِب الْأَلْيَق بعلي الرَّازِيّ تجاه الإِمَام مُحَمَّد رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَن يقف عِنْد كلمة " لَا أَدْرِي " وَأَن لَا يكره التَّصْرِيح بهَا. ورحم الله تَعَالَى ابْن دُرَيْد حَيْثُ يَقُول: (وَمن كَانَ يهوى أَن يرى متصدراً ... وَيكرهُ " لَا أَدْرِي " أُصِيبَت مقاتله) هَذَا مَعَ أَن الْفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ ظَاهر فِيمَا أرى، فَإِن الْمُضَاربَة تَتَضَمَّن الْوكَالَة، وَالْمُضَارب وَكيل فِي التَّصَرُّف عَن رب المَال كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَوَائِل كتاب الْمُضَاربَة. فَإِذا عمم لَهُ رب المَال وَأطلق يَده فِي التَّصَرُّف بقوله: اعْمَلْ بِرَأْيِك يملك حِينَئِذٍ على رب المَال أَن يدْفع المَال لآخر مُضَارَبَة على أَكثر من حِصَّته، وَينفذ ذَلِك عَلَيْهِ عملا بتفويضه وإطلاقه لَهُ بقوله: اعْمَلْ بِرَأْيِك. وَأما الْمُزَارعَة فَإِنَّهَا لَا تَتَضَمَّن وكَالَة، بل الْمزَارِع فِي صُورَة مَا إِذا كَانَ الْبذر من جِهَة رب الأَرْض أجِير بِبَعْض الْخَارِج من عمله، وبإطلاق الْمُسْتَأْجر وتعميمه

стр. 282

لَهُ بقوله: اعْمَلْ بِرَأْيِك لَا يملك أَن يسْتَأْجر من يقوم عَنهُ بِعَمَلِهِ بِحِصَّة من الْخَارِج أَكثر من حِصَّته، لِأَنَّهُ يكون وَالْحَالة هَذِه مُسْتَأْجرًا لَهُ بِبَدَل بعضه من مَال الْمُسْتَأْجر وَهُوَ رب الأَرْض وَالْبذْر، لِأَن مَا زَاد عَن حِصَّة الْمزَارِع عَائِد لَهُ، وَلَا حق فِيهِ للمزارع، فَلَا يجوز ذَلِك مِنْهُ وَلَا ينفذ على رب الأَرْض. فقد ظهر الْفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَالله سُبْحَانَهُ ملهم الصَّوَاب، وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب.

стр. 283

((الصفحة فارغة))

стр. 284

(الْقَاعِدَة الرَّابِعَة وَالسِّتُّونَ (الْمَادَّة / ٦٥)) (" الْوَصْف فِي الْحَاضِر لَغْو ") (أَولا _ الشَّرْح) الْوَصْف فِي الشَّيْء الْحَاضِر الْمشَار إِلَيْهِ فِي الْمجْلس لَغْو، أَي سَاقِط الِاعْتِبَار، لِأَن الْمَقْصُود من الْوَصْف التَّعْرِيف وَإِزَالَة الِاشْتِبَاه والاشتراك، وَقد حصل من ذَلِك بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ مَا هُوَ أَعلَى وأبلغ، فَإِن الْإِشَارَة تقطع الِاشْتِرَاك بِالْكُلِّيَّةِ، وَالْوَصْف يقلله. فَإِذا وجدت يَلْغُو مَعهَا مَا هُوَ دونهَا من الْوَصْف الَّذِي يقلل الِاشْتِرَاك وَلَا يقطعهُ. وَهَذَا إِذا كَانَ الْمشَار إِلَيْهِ من جنس الْمُسَمّى الْمَوْصُوف، كَمَا لَو أَرَادَ البَائِع بيع فرس أَشهب حَاضر فِي الْمجْلس، وَقَالَ فِي إِيجَابه: بِعْتُك هَذَا الْفرس الأدهم، وَقبل المُشْتَرِي صَحَّ البيع ولغا وصف الأدهم، لما تقدم. وَأما إِذا كَانَ من غير جنسه فَلَا عِبْرَة للْإِشَارَة، بل للتسمية وَالْوَصْف. فَلَو بَاعَ فصاً حَاضرا وَأَشَارَ إِلَيْهِ على أَنه ياقوت، فَإِذا هُوَ زجاج، لَا ينْعَقد البيع (ر: الْمَادَّة / ٢٠٨ / من الْمجلة) . وَأما إِذا لم تُوجد الْإِشَارَة بل كَانَ التَّعْرِيف بِالتَّسْمِيَةِ وَالْوَصْف فَقَط فَإِن الْوَصْف مُعْتَبر حِينَئِذٍ، كَمَا لَو بَاعَ فرسا غَائِبا وَذكر أَنه أَشهب، وَالْحَال أَنه أدهم، لَا ينْعَقد البيع لَازِما بل مَوْقُوفا على رضَا المُشْتَرِي بِالْبيعِ.

стр. 285

(ثَانِيًا _ التطبيق) وَمن فروع هَذِه الْقَاعِدَة: مَا لَو حلف لَا يدْخل هَذِه الدَّار، فَدَخلَهَا بَعْدَمَا انْهَدَمت وَصَارَت صحراء يَحْنَث، لِأَن الدَّار هِيَ الْعَرَصَة، وَالْبناء وصف فِيهَا، فَفِي حَال الْإِشَارَة إِلَيْهَا يَلْغُو الْوَصْف لعدم إفادته. بِخِلَاف مَا لَو حلف لَا يدْخل دَارا، فَدخل دَارا منهدمة فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث لِأَنَّهَا عِنْد عدم الْإِشَارَة من قبيل الْغَائِب، فَيعْتَبر فِيهَا الْوَصْف (كَمَا فِي كتاب الْأَيْمَان) . (تَنْبِيه:) قَوْلهم فِي الْمَادَّة: " الْوَصْف فِي الْحَاضِر لَغْو " إِنَّمَا يجْرِي فِي البيع والأثمان، لَا فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة، فقد قَالَ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو ادّعى ثوبا وَبَين طوله كَذَا، وَبرهن بِحَضْرَة الثَّوْب طبق مدعاه، فذرع الثَّوْب فَظهر أَن ذرعه أنقص مِمَّا بَين أَو أَزِيد لَا تقبل بَينته لظُهُور كذبهَا. وَالْوَصْف فِي الْإِشَارَة لَغْو فِي البيع والأثمان، أما فِي بَاب الشَّهَادَة إِذا شهدُوا بِوَصْف فَظهر بِخِلَاف مَا شهدُوا لَا تقبل، كَمَا لَو ادّعى دَابَّة وَقَالَ: هَذِه الدَّابَّة الَّتِي سنّهَا أَربع سِنِين ملكي، وشهدوا كَذَلِك، فَظهر أَنَّهَا أَزِيد أَو أنقص، لَا تقبل لظُهُور كذبهمْ؛ كَذَا هُنَا. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل السَّادِس، بِبَعْض توضيح) وَعزا ذَلِك فِيهِ إِلَى فَتَاوَى رشيد الدّين، وَنقل قبله وَبعده مَا بِظَاهِرِهِ مُخَالف لَهُ، وأوله بِمَا يدْفع الْمُخَالفَة، ثمَّ قَالَ: وَيُمكن فِي مثله رِوَايَتَانِ، ثمَّ اعْتمد عدم قبُول الشَّهَادَة بقوله: وَيَنْبَغِي أَن لَا تقبل، لِأَن الشَّهَادَة تختل بِالْكَذِبِ. انْتهى بِبَعْض تصرف. وَنقل فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ أَيْضا (من آخر الْفَصْل الرَّابِع عشر) عَن صَاحب الْمُحِيط مَا هُوَ صَرِيح فِي ميله إِلَى عدم الْقبُول أَيْضا، وَأقرهُ على ذَلِك (فِي الْفَصْلَيْنِ) صَاحب نور الْعين، وَنَقله عَنهُ فِي فَتَاوَى الْأَنْقِروِيّ (أول الْبَاب الثَّانِي من كتاب الشَّهَادَات) وَأقرهُ، وَنقل فِي منهوات الْأَنْقِروِيّ عَن الثَّالِث من كتاب الشَّهَادَات من الْبَزَّازِيَّة نَظِير مَا نَقله عَن الرَّابِع عشر من الْفُصُولَيْنِ. ثمَّ نقل عَن نوع من الْخَامِس عشر فِي أَنْوَاع الدَّعَاوَى من الْبَزَّازِيَّة مَا لَفظه: إِذا خَالف سنّ الدَّابَّة الدَّعْوَى أَو الشَّهَادَة بطلت الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة. انْتهى. وَعَلِيهِ فَلَو ادّعى
следующие страницы →