Полный текст (439 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
(الْقَاعِدَة الثَّالِثَة وَالسَّبْعُونَ (الْمَادَّة / ٧٤))
(" لَا عِبْرَة للتوهم ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" لَا عِبْرَة للتوهم " أَي لَا اكتراث بِهِ وَلَا يبْنى عَلَيْهِ حكم شَرْعِي، بل يعْمل بالثابت قطعا أَو ظَاهرا دونه.
فَلَو أثبت الْوَرَثَة إرثهم بِشُهُود قَالُوا: لَا نعلم لَهُ وَارِثا غَيرهم يقْضى لَهُم، وَلَا عِبْرَة بِاحْتِمَال ظُهُور وَارِث آخر يزحمهم، لِأَنَّهُ موهوم.
وَكَذَلِكَ لَو أثبت الْغُرَمَاء دُيُونهم بِشُهُود قَالُوا: لَا نعلم لَهُ غريماً غَيرهم فَإِنَّهُ يقْضى لَهُم فِي الْحَال، وَلَا عِبْرَة لما عساه يظْهر من الدُّيُون، لِأَنَّهُ وهم مُجَرّد.
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ للدَّار الْمَبِيعَة شفيعان، غَائِب وحاضر، وَطلب الْحَاضِر الشُّفْعَة، فَإِنَّهُ يقْضى لَهُ بهَا عِنْد تحقيقها، وَلَا يتَأَخَّر حَقه لما عساه يحدث من طلب الشَّفِيع الآخر عِنْد حُضُوره، لِأَنَّهُ موهوم.
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ لزيد جِدَار ملاصق لدار جَاره فَأَرَادَ أَن يفتح فِيهِ كوَّة فَوق قامة الرجل فَلهُ ذَلِك، وَلَيْسَ لجاره مَنعه عَن فتحهَا بِحجَّة أَنه يطلّ على مقرّ نِسَائِهِ إِذا استعلى على شَيْء، لِأَنَّهُ موهوم.
وَكَذَلِكَ لم يجوزوا الرَّهْن بالدرك (كَمَا فِي رهن " الدُّرَر " وَغَيرهَا) لِأَن اسْتِحْقَاق الْمَبِيع أَمر موهوم. بِخِلَاف الرَّهْن بِالدّينِ الْمَوْعُود فَإِنَّهُ صَحِيح وَيضمن ضَمَان الرَّهْن (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وَغَيره، كتاب الرَّهْن) لِأَن الدّين الْمَوْعُود لَيْسَ
стр. 317
موهوماً بل متوقع الْحُصُول، فَكَذَلِك المُشْتَرِي بِخِيَار لَو أعْطى بِالثّمن رهنا جَازَ (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْخَامِس وَالْعِشْرين، صفحة / ٣٣٣) . وَذَلِكَ لِأَن الْإِجَازَة متوقعة الْحُصُول لَا متوهمة.
وَكَذَلِكَ إِذا قَامَت الْبَيِّنَة المعدلة على أحد بِحَق وَجب الحكم بهَا فَوْرًا لذِي الْحق ويفسق الْحَاكِم بِتَأْخِيرِهِ (كَمَا فِي أَوَائِل كتاب الشَّهَادَات من الدّرّ وَغَيره) وَإِن كَانَ من الْمُحْتَمل كذب الشُّهُود والمعدلين. لَان هَذَا خَال احْتِمَال مُجَرّد توهم لَا دَلِيل عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ يكْتَفى فِي تَعْرِيف الشُّهُود عَلَيْهِ إِن كَانَ غَائِبا عَن مجْلِس الحكم بِذكر اسْمه وَاسم أَبِيه وجده، وَاحْتِمَال مُشَاركَة سواهُ لَهُ فِي اسْمه وَاسم أَبِيه وجده مُجَرّد توهم لَا عِبْرَة لَهُ.
التَّوَهُّم: هُوَ إِدْرَاك الطّرف الْمَرْجُوح من طرفِي أَمر مُتَرَدّد فِيهِ. وَالْأَمر الموهوم يكون نَادِر الْوُقُوع وَلذَلِك لَا يعْمل فِي تَأْخِير حق صَاحب الْحق، لِأَن الثَّابِت قطعا أَو ظَاهرا لَا يُؤَخر لأمر موهوم، بِخِلَاف المتوقع فَإِنَّهُ كثير الْوُقُوع، فَيعْمل بِتَأْخِير الحكم، كَمَا جوزوا للْحَاكِم تَأْخِير الحكم للْمُدَّعِي بعد استكمال أَسبَابه لرجاء الصُّلْح بَين الْأَقَارِب، وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَنَّهُ متوقع بِخِلَاف غَيرهم.
وكما إِذا ادّعى دينا على ميت بمواجهة أحد الْوَرَثَة فَأقر الْوَارِث، أَو ادّعى دينا بوكالة أَو وصاية، فَأقر الْمُدعى عَلَيْهِ بِالْوكَالَةِ أَو الْوِصَايَة. أَو ادّعى الْمُسْتَحق على المُشْتَرِي الْعين الْمَبِيعَة أَنَّهَا ملكه، فَأقر المُشْتَرِي لَهُ بِالْملكِ جَازَ تَأْخِير الحكم إِلَى إِقَامَة الْبَيِّنَة، دفعا للضَّرَر المتوقع بإنكار الْمُوكل الْوكَالَة أَو الْوَارِث الْوِصَايَة، وَلأَجل التَّعَدِّي على الْمُدعى عَلَيْهِ من المدينين، وَلأَجل التَّعَدِّي لبَقيَّة الْوَرَثَة فِي دَعْوَى الدّين على الْمَيِّت، وللتعدي للْبَائِع وَتمكن المُشْتَرِي من الرُّجُوع عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الِاسْتِحْقَاق، لِأَن الْإِنْكَار متوقع.
لَا تكْرَار فِيمَا يظْهر بِوَضْع هَذِه الْمَادَّة بعد الْمَادَّة / ٧٢ / فَإِن (الظَّن) هُوَ إِدْرَاك الطّرف الرَّاجِح، و (الْوَهم) إِدْرَاك الْمَرْجُوح، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِن
стр. 318
حكم هَذِه يفهم من تِلْكَ بِالْأولَى. وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْمَادَّة / ٧٢ / مَوْضُوعَة فِيمَا إِذا تبين خطأ الظَّن فَجزم بعكسه فَلَا يُفِيد حكم هَذِه بِالْأولَى.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْمَادَّة: (أ) مَا لَو دفع مَاله مُضَارَبَة لرجل جَاهِل جَازَ أَخذ ربحه مَا لم يعلم أَنه اكْتسب الْحَرَام. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، آخر متفرقات كتاب الْبيُوع) .
(ب) وَكَذَلِكَ لَو ادّعى ثمنين أَو ثَلَاثَة أَثمَان بِسَبَب بيع هَذَا الشَّيْء مِنْهُ لَا يجب إِلَّا ثمن وَاحِد وَإِن احْتمل أَنه بَاعَ ثمَّ اشْترى ثمَّ بَاعَ، فَإِنَّهُ لَا يعْتَبر هَذَا الِاحْتِمَال (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الموفي عشْرين ج / ١ صفحة ٢٣٠) .
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
خرج عَن الْقَاعِدَة المسطورة مَا لَو اسْتَأْجر مبانته لإرضاع وَلَده مِنْهَا، ثمَّ تزَوجهَا، لَا تبطل الْإِجَارَة وَإِن كَانَت لم يبْق لَهَا من فَائِدَة متيقنة، وَذَلِكَ لِأَن الحكم (أَي حكم العقد) وَهُوَ هُنَا لُزُوم الْأجر للْمُسْتَأْجر، وَإِن كَانَ لَا يثبت ابْتِدَاء بوهم الْفَائِدَة لكنه يبْقى مَا بَقِي توهم الْفَائِدَة، وتوهم الْفَائِدَة هُنَا ثَابت بِأَن يطلقهَا بعد ذَلِك فتظهر حينئذٍ فائدتها (ر: أَحْكَام الصغار، آخر مسَائِل الْإِجَارَة) .
وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا لَو انْهَدم بِنَاء الدَّار المأجورة كُله فَإِن الْإِجَارَة لَا تبطل وَإِن سَقَطت الْأُجْرَة، لِأَن توهم الْفَائِدَة بِإِعَادَة الْبناء ثَابت. حَتَّى لَو بناها الْمُؤَجّر والمدة بَاقِيَة لم تنقض بعد ظُهُور فائدتها ولزمت الْمُسْتَأْجر الْأُجْرَة لما بَقِي من الْمدَّة (ر: الْبَدَائِع، كتاب الْإِجَارَة، وَغَيره) .
стр. 319
وَيتَفَرَّع عَلَيْهَا: مَا لَو آجر مشَاعا فَإِنَّهُ لَا يَصح سَوَاء كَانَ يقبل الْقِسْمَة أَو لَا. وَلَكِن لَو طَرَأَ الشُّيُوع بعد العقد بِأَن آجر عقارا بِتَمَامِهِ ثمَّ اسْتحق جُزْء مِنْهُ شَائِع أَو تفاسخ العاقدان الْإِجَارَة فِي بعض شَائِع مِنْهُ تبقى الْإِجَارَة فِي الْبَاقِي وَإِن كَانَ شَائِعا.
وَخرج عَنْهَا أَيْضا مَا فِي حَاشِيَة الرَّمْلِيّ على جَامع الفصوليين (من الْبَاب الرَّابِع وَالْعِشْرين صفحة / ٣١٧ نقلا عَن الْمُجْتَبى) من أَن المُشْتَرِي من الْفُضُولِيّ لَو دفع الثّمن لَهُ على رَجَاء إجَازَة الْمَالِك، ثمَّ أَرَادَ اسْتِرْدَاده مِنْهُ لم يملك ذَلِك. اه. أَي لم يملك اسْتِرْدَاده قبل أَن يفْسخ الْمَالِك البيع، فقد منعُوهُ عَن اسْتِرْدَاد الثّمن مَعَ أَن الْإِجَارَة موهومة الْحُصُول.
وَمن هَذَا الْقَبِيل مَنعهم أَن يرجع الباعة بَعضهم على بعض الثّمن (إِذا ظهر الْمَبِيع مُسْتَحقّا) قبل أَن يفْسخ الْمُسْتَحق البيع أَو يقْضِي القَاضِي بِالرُّجُوعِ بِالثّمن، لِأَنَّهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ ظهر أَن عُقُود الباعة كَانَت بالفضول وَأَنَّهَا تقبل الْإِجَارَة. وَفِي عقد الْفُضُولِيّ لَو دفع المُشْتَرِي الثّمن لَهُ لَا يملك الِاسْتِرْدَاد قبل انْفِسَاخ العقد فَمَا لم ينتف احْتِمَال الْإِجَازَة بِفَسْخ الْمُسْتَحق أَو بِقَضَاء القَاضِي بِالرُّجُوعِ لَا يرجع الباعة بِالثّمن. (ر: رد الْمُحْتَار، من الِاسْتِحْقَاق) .
وَخرج عَنْهَا أَيْضا مَا لَو دفع الْمَدْيُون الدّين إِلَى فُضُولِيّ على رَجَاء أَن يُجِيز الْمَالِك فَلَيْسَ لَهُ أَن يسْتَردّهُ مِنْهُ لاحْتِمَال الْإِجَازَة (انْتهى مُلَخصا، ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ٢٠١ برمز فَتَاوَى رشيد الدّين وبرمز الْمُنْتَقى) . ثمَّ رمز للهداية بِأَن لَهُ أَن يسْتَردّهُ مِنْهُ، وَلَا يقوى كَلَام الْهِدَايَة على مُعَارضَة كَلَام الْمُنْتَقى لِأَنَّهُ من كتب ظَاهر الرِّوَايَة، وَالْوَجْه يشْهد لَهُ أَيْضا، فَإِن الْفُضُولِيّ قبض فضولاً عَن الدَّائِن رَجَاء الْإِجَازَة مِنْهُ لقبضه وَلم يقبض بطرِيق الْوكَالَة عَن الْمَدْيُون ليدفع إِلَى الدَّائِن، وَلَو كَانَ قَبضه بطرِيق الْوكَالَة عَنهُ لم يكن فضولياً، فَحَيْثُ كَانَ قَبضه عَن الدَّائِن رَجَاء الْإِجَازَة لم يكن للدافع حق اسْتِرْدَاد مَا دَفعه إِلَيْهِ. هَذَا مَا ظهر لي.
стр. 320
(الْقَاعِدَة الرَّابِعَة وَالسَّبْعُونَ (الْمَادَّة / ٧٥))
(" الثَّابِت بالبرهان كَالثَّابِتِ بالعيان ")
(الشَّرْح مَعَ التطبيق)
" الثَّابِت بالبرهان " المُرَاد بِهِ مَا عَلَيْهِ اصْطِلَاح الْفُقَهَاء، وَهُوَ الْبَيِّنَة الشخصية العادلة " كَالثَّابِتِ بالعيان " وَهُوَ الْمُشَاهدَة. فَكَمَا أَن الْأَمر الْمشَاهد بحاسة الْبَصَر لَا يسع الْإِنْسَان مُخَالفَته فَكَذَلِك مَا ثَبت بِالْبَيِّنَةِ المزكاة لَا تسوغ مُخَالفَته، لِأَن الْبَيِّنَة كاسمها مبينَة، فَإِذا ثَبت بِالْبَيِّنَةِ إِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ بالمدعى مثلا يحكم عَلَيْهِ بِمَنْزِلَة مَا إِذا أقرّ بالحضرة والمشاهدة.
وَكَذَلِكَ إِذا ثَبت الدّين الْمُدعى أَو البيع أَو الْكفَالَة أَو الْغَصْب أَو الْملك مثلا بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّهُ يحكم بِهِ بِمَنْزِلَة مَا إِذا شوهد بالحس.
(تَنْبِيه:)
يفْتَرق مَا ثَبت بِالْبَيِّنَةِ عَمَّا ثَبت بالحس والمشاهدة فِي شَيْء وَاحِد، وَهُوَ أَن مَا كَانَ قَائِما مشاهداً لَا تسمع دَعْوَى مَا يُخَالِفهُ وَلَا تُقَام الْبَيِّنَة عَلَيْهِ وَلَا على الْإِقْرَار، كَمَا إِذا ادّعى على آخر أَنه قتل مُوَرِثه، وَهُوَ حَيّ، أَو أَنه قطع يَده، وَهِي قَائِمَة، بِخِلَاف مَا كَانَ أمرا منقضياً وَثَبت بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّهُ تسمع دَعْوَى مَا يُخَالِفهُ. كَمَا إِذا ادّعى عَلَيْهِ دينا مثلا فأثبته بِالْبَيِّنَةِ فَادّعى عَلَيْهِ الْمُدعى عَلَيْهِ أَنه أقرّ بِأَن لَا شَيْء لَهُ عَلَيْهِ تسمع.
(الْمُسْتَثْنى)
يسْتَثْنى من الْقَاعِدَة: مَا لَو أنكر الْمُدعى عَلَيْهِ المَال وَحلف بِالطَّلَاق على
стр. 321
ذَلِك، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدين شَهدا بإقراضه لَهُ لم يَحْنَث (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، آخر الْفَصْل الرَّابِع عشر) . وَقد وَقع فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: " شَهدا بِإِقْرَارِهِ " وَهُوَ غلط مَعَ الطَّبْع، وَصَوَابه: " بإقراضه ". وَوجه الْفَرْع أَنه بِالشَّهَادَةِ على الْإِقْرَاض لم يتَحَقَّق قيام الدّين حِين الْحلف، كَمَا يعلم من الْمحل الْمَذْكُور. انْتهى.
стр. 322
(الْقَاعِدَة الْخَامِسَة وَالسَّبْعُونَ (الْمَادَّة / ٧٦))
(" الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي، وَالْيَمِين على من أنكر ")
(الشَّرْح مَعَ التطبيق)
" الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي، وَالْيَمِين على من أنكر " هَذَا لفظ حَدِيث نبوي شرِيف، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ.
وَالْحكمَة فِيهِ أَن جَانب الْمُدَّعِي ضَعِيف، لِأَنَّهُ يَدعِي خلاف الظَّاهِر، فَكَانَت الْحجَّة القوية وَاجِبَة عَلَيْهِ ليتقوى بهَا جَانِبه الضَّعِيف، وَالْحجّة القوية هِيَ الْبَيِّنَة. وجانب الْمُدعى عَلَيْهِ قوي، لِأَن الأَصْل عدم الْمُدعى بِهِ، فاكتفي مِنْهُ بِالْحجَّةِ الضعيفة وَهِي الْيَمين.
وَهَذَا أصل لَا يعدل عَنهُ، حَتَّى لَو اصْطلحَ المتخاصمان على أَن الْمُدَّعِي لَو حلف فالمدعى عَلَيْهِ ضَامِن لِلْمَالِ، وَحلف الْمُدَّعِي لم يضمن خَصمه. وتحليف الْمُدَّعِي وَالشَّاهِد أَمر مَنْسُوخ لَا يعْمل بِهِ، وَلَكِن لما غلب الْفسق فِي زَمَاننَا اخْتَار الْقُضَاة استحلاف الشُّهُود لتَحْصِيل غَلَبَة الظَّن، فَلَا ترد الْيَمين على مدعٍ، وَلَا يقْضى بِشَاهِد وَيَمِين عندنَا، خلافًا لسيدنا الإِمَام الشَّافِعِي فيهمَا.
ثمَّ إِن التَّحْلِيف يكون بِاللَّه تَعَالَى، وَلَكِن يحلف النَّصْرَانِي بِاللَّه الَّذِي أنزل الْإِنْجِيل على عِيسَى، واليهودي بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى، والمجوسي بِاللَّه الَّذِي خلق النَّار. فَلَا يحلف الْمُسلم بِالطَّلَاق وَلَا بِاللَّه مَا هِيَ زَوجته إِلَّا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة، وَهِي مَا لَو ادَّعَت امْرَأَة على رجل نِكَاحهَا وَأنكر فَإِنَّهُ يحلف بِاللَّه
стр. 323
مَا هِيَ زَوْجَة لَهُ، وَإِن كَانَت زوجه لَهُ فَهِيَ طَالِق بَائِن. قَالُوا: وَإِنَّمَا حلفناه بِالطَّلَاق، لجَوَاز أَن يكون كَاذِبًا فِي الْحلف، فَلَو لم يحلف بِالطَّلَاق تبقى الْمَرْأَة معلقَة لَا ذَات بعل وَلَا مُطلقَة، فَلَا تتمكن من التَّزْوِيج بآخر، لِأَن جحود النِّكَاح لَيْسَ بِطَلَاق (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْعشْرين، وَالرَّابِع عشر من نِكَاح الْبَزَّازِيَّة) .
(تَنْبِيه:)
يشْتَرط للْقَضَاء بِالْبَيِّنَةِ حُضُور الْخصم بِنَفسِهِ، أَو حُضُور نَائِب عَنهُ عِنْد أَدَاء الشُّهُود الشَّهَادَة إِذا كَانَ الْخصم تَحت ولَايَة الْحَاكِم، وَإِذا لم يكن تَحت ولَايَة الْحَاكِم فَسَمعَهَا وَكتب بهَا للْحَاكِم الَّذِي كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ تَحت ولَايَته، فَيشْتَرط للْقَضَاء بهَا تلاوتها من طرف الْحَاكِم الْمَكْتُوب إِلَيْهِ على الْمُدعى عَلَيْهِ أَو نَائِبه، لِأَنَّهُ لَا يقْضى على غَائِب وَلَا لَهُ من غير حُضُوره أَو حُضُور نَائِب عَنهُ (ر: الدّرّ الْمُخْتَار بَاب كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي) إِلَّا فِي بعض مسَائِل تسمع فِيهَا الْبَيِّنَة بِدُونِ حُضُور الْخصم وَلَا حُضُور نَائِب عَنهُ.
وَمِنْهَا: مَا لَو اشْترى مَنْقُولًا، وَقيد بالمنقول إِذْ الْعقار لَا يَبِيعهُ القَاضِي (الدّرّ الْمُخْتَار، من الْمحل الْمَذْكُور سَابِقًا) ، وَغَابَ قبل أَن ينْقد ثمنه ويقبضه وَجَهل مَكَانَهُ فَأَقَامَ بَائِعه بَيِّنَة شهِدت لَدَى الْحَاكِم بذلك فَإِن الْحَاكِم يَبِيعهُ وَيدْفَع للْبَائِع الثّمن، فَإِن زَاد شَيْء حفظه للْمُشْتَرِي، وَإِن نقص شَيْء يبْقى دينا على الْغَائِب يَسْتَوْفِيه البَائِع مِنْهُ إِذا ظفر بِهِ (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من متفرقات كتاب الْبيُوع) وَذكر فِي معِين الْحُكَّام، قبيل فصل فِي الشَّهَادَة فِي الْوَصِيَّة بعد الْمَوْت، أَن القَاضِي يستوثق من البَائِع بكفيل. وَنقل فِي رد الْمُحْتَار عَن الْبَحْر تَوْجِيه الْقَضَاء بِالْبَيِّنَةِ هُنَا من غير حُضُور الْخصم بِأَن السّلْعَة فِي يَده وَقد أقرّ بهَا للْغَائِب على وَجه تكون مَشْغُولَة بِحقِّهِ. انْتهى. ثمَّ قَالَ: قَالَ فِي الْخَامِس من الْفُصُولَيْنِ (رمز لَهُ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ بعلامة الْفَتَاوَى الصُّغْرَى للصدر الشَّهِيد) : الْخصم شَرط لقبُول الْبَيِّنَة لَو أَرَادَ الْمُدَّعِي أَن يَأْخُذ من يَد الْخصم الْغَائِب شَيْئا أما إِذا أَرَادَ أَن يَأْخُذ حَقه من ثمن مَال كَانَ للْغَائِب فِي يَده، فَلَا يشْتَرط وَلَا يحْتَاج لوكيل لهَذِهِ الْمَسْأَلَة.
стр. 324
وَكَذَا لَو اسْتَأْجر إبِلا إِلَى مَكَّة ذَاهِبًا وجائياً وَدفع الْكِرَاء وَمَات رب الْإِبِل فِي الذّهاب فانفسخت الْإِجَارَة فَلهُ أَن يركبهَا وَلَا يضمن، وَعَلِيهِ أجرتهَا إِلَى مَكَّة فَإِذا أَتَاهَا وَرفع الْأَمر إِلَى القَاضِي فَرَأى بيعهَا وَدفع بعض الْأجر إِلَى الْمُسْتَأْجر جَازَ. وعَلى هَذَا لَو رهن الْمَدْيُون وَغَابَ غيبَة مُنْقَطِعَة، فَرفع الْمُرْتَهن الْأَمر إِلَى القَاضِي ليبيع الرَّهْن يَنْبَغِي أَن يجوز كَمَا فِي هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ. انْتهى، وَأقرهُ فِي الْبَحْر (انْتهى كَلَام رد الْمُحْتَار) . أَقُول: وَأقرهُ فِي نور الْعين أَيْضا.
وَظَاهره أَنه فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (مَسْأَلَة اسْتِئْجَار الْإِبِل، وَمَسْأَلَة الرَّهْن) لَا بُد من إِقَامَة الْبَيِّنَة لَدَى القَاضِي على مَا ذكر ليجيبه القَاضِي إِلَى طلبه كَمَا فِي الْمَسْأَلَة الأولى. ثمَّ هَذِه الْبَيِّنَة إِنَّمَا تُقَام لَا لأجل الْقَضَاء على الْغَائِب، بل لنفي التُّهْمَة وانكشاف الْحَال (ر: رد الْمُحْتَار، من الْمحل الْمَذْكُور عَن الزَّيْلَعِيّ) .
وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا جَاءَ فِي الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، من خِيَار الشَّرْط _ عِنْد قَول المُصَنّف وَالشَّارِح: " فَإِن فسخ " بالْقَوْل " لَا " يَصح " إِلَّا إِذا علم "، نقلا عَن الْعَيْنِيّ _ من أَن البَائِع إِذا غَابَ وَلم يعلم بِالْفَسْخِ فَإِن المُشْتَرِي بِالْخِيَارِ يرفع الْأَمر للْحَاكِم لينصب عَن البَائِع الْغَائِب من يرد عَلَيْهِ الْمَبِيع. وَنقل فِي رد الْمُحْتَار _ تَحت هَذَا _ عَن الْعمادِيَّة أَن هَذَا أحد قَوْلَيْنِ، وَقيل: لَا ينصب لِأَنَّهُ ترك النّظر لنَفسِهِ بِعَدَمِ أَخذ وَكيل مِنْهُ ليرد عَلَيْهِ. انْتهى موضحاً. وَظَاهر كَلَام الْعمادِيَّة اخْتِيَار القَوْل الأول، وَهُوَ الَّذِي جزم بِهِ الْعَيْنِيّ.
وَمن هَذَا الْقَبِيل أَيْضا مَا جَاءَ فِي خِيَار الْعَيْب من التَّنْوِير وَشَرحه، نقلا عَن الدُّرَر مَا لَفظه: (ظهر عيب بمشري) البَائِع (الْغَائِب) وأثبته (عِنْد القَاضِي فَوَضعه عِنْد عدل) فَإِذا هلك (هلك على المُشْتَرِي إِلَّا إِذا قضى) القَاضِي (بِالرَّدِّ على بَائِعه) لِأَن الْقَضَاء على الْغَائِب بِلَا خصم ينفذ على الْأَظْهر. انْتهى. لَكِن كتب فِي رد الْمُحْتَار، تَحت قَول الشَّارِح ينفذ على الْأَظْهر، مَا لَفظه: (أَي لَو كَانَ القَاضِي يرى ذَلِك، كشافعي وَنَحْوه، بِخِلَاف الْحَنَفِيّ، كَمَا حَرَّره فِي الْبَحْر وقدمناه فِي كتاب الْمَفْقُود، وَسَيَأْتِي تَمَامه فِي الْقَضَاء) انْتهى. وَكتب الخادمي محشي الدُّرَر، نقلا عَن الْمنح، نَظِير مَا كتبه فِي رد الْمُحْتَار نقلا عَن الْبَحْر الَّذِي هُوَ مَأْخَذ
стр. 325
صَاحب الْمنح أَيْضا، فَإِن مَتنه التَّنْوِير وَشَرحه الْمنح مأخوذان من بَحر شَيْخه ابْن نجيم، وَلم أر ذَلِك صَوَابا، فَإِن الَّذِي حَرَّره فِي الْبَحْر من كتاب الْقَضَاء، وَكَذَا مَا قدمه محشي الدّرّ الْمُخْتَار فِي الْمَفْقُود، وَمَا وعد بِهِ فِي كتاب الْقَضَاء إِنَّمَا هُوَ فِي مُطلق الْقَضَاء على الْغَائِب بِلَا خصم عَنهُ حَاضر، لَا فِي خُصُوص فرع الرَّد بِالْعَيْبِ على الْغَائِب الَّذِي هُوَ مَوْضُوع الْبَحْث، بل أرى أَن الصَّوَاب أَن يكون الْقَضَاء بِالرَّدِّ على الْغَائِب بِحكم خِيَار الْعَيْب فِي الْفَرْع الْمَذْكُور نَظِير فرع الْقَضَاء بِالرَّدِّ على الْغَائِب بِحكم خِيَار الشَّرْط الْمَذْكُور آنِفا، وَأَن يكون كلا الفرعين جَارِيا على مَذْهَبنَا أَيْضا كَبَقِيَّة الْفُرُوع المسوقة أول التَّنْبِيه، وَلَيْسَ خَاصّا بِمذهب من يرى إِطْلَاق جَوَاز الْقَضَاء على الْغَائِب كَمَا قَالَه المحشيان، محشي الدّرّ ومحشي الدُّرَر الْمَذْكُور، فَإِن الْمَعْنى الَّذِي فِي فرع الرَّد على الْغَائِب بِخِيَار الشَّرْط، وَهُوَ دفع الضَّرَر عَن المُشْتَرِي لِئَلَّا يدْخل فِي ملكه مَا لَا يلائمه من غير رضَا مِنْهُ، مَوْجُود نَظِيره فِي فرع الرَّد على الْغَائِب بِخِيَار الْعَيْب، فَإنَّا إِذا لم نمكنه من الرَّد على البَائِع لغيبته فَاتَ عَلَيْهِ الْمَقْصُود من الْملك إِلَى أجل غير مَعْلُوم، إِذْ لَا يُمكنهُ وَالْحَالة هَذِه سوى إِمْسَاكه مَضْمُونا عَلَيْهِ إِلَى أَن يحضر البَائِع (وحضوره موهوم) من غير ارتفاق بِهِ بِاسْتِيفَاء شَيْء من مَنَافِعه أَو بِبيعِهِ وَالِانْتِفَاع بِثمنِهِ، لِأَنَّهُ إِن فعل شَيْئا من ذَلِك لزمَه الْمَبِيع بِعَيْبِهِ من غير رُجُوع بِنُقْصَان الْعَيْب، وَهَذَا مَا لَا يرتضيه الشَّرْع.
وَهَكَذَا قررت فِي الدَّرْس حِين مروري بِهَذِهِ الْقَاعِدَة، ثمَّ فِي أثْنَاء إِحْدَى تدريساتي للدرر ومروري بِخِيَار الْعَيْب رَأَيْت فِي حَاشِيَة الْمولى عبد الْحَلِيم على الدُّرَر عِنْد الْكَلَام على فرع الْقَضَاء بِالرَّدِّ على الْغَائِب بِخِيَار الْعَيْب مَا لَفظه: " تَصْوِير الْقَضَاء بِالرَّدِّ عَلَيْهِ يَنْبَغِي أَن يكون هَكَذَا: نصب القَاضِي وَكيلا مسخراً على الْغَائِب، فَسمع دَعْوَى مدعي الْعَيْب، فَأثْبت المُشْتَرِي الشِّرَاء وَالْعَيْب وَطلب الْوَكِيل التَّحْلِيف بِأَنَّهُ مَا رَضِي بِهِ أَو أَبرَأَهُ عَنهُ فَحلف فَقضى القَاضِي بِالرَّدِّ على البَائِع، ثمَّ وَضعه عِنْد الْوَكِيل المسخر لَو عدلا أَو عِنْد غَيره. وَيدل عَلَيْهِ مَا سبق عَن الْخَانِية فِي خِيَار الشَّرْط من أَن القَاضِي ينصب خصما عَمَّن عَلَيْهِ الْخِيَار ليرد عَلَيْهِ " انْتهى بِلَفْظِهِ. وَهُوَ مُوَافق لما فهمته وَللَّه الْحَمد.
стр. 326
(تَنْبِيه آخر:)
إِن الْبَيِّنَة لَا تُقَام إِلَّا على خصم جَاحد، إِلَّا مَا اسْتثْنِي كَمَا هُوَ مرسوم فِيمَا كتبناه على الْمَادَّة / ٧٨ / الْآتِيَة. انْتهى.
(تَنْبِيه:)
جَاءَ فِي الْمَادَّة / ١٧٦٩ / من الْمجلة فِي بحث تَرْجِيح الْبَينَات مَا لَفظه: إِذا أظهر الطّرف الرَّاجِح الْعَجز عَن الْبَيِّنَة تطلب الْبَيِّنَة من الطّرف الْمَرْجُوح إِن أثبت فِيهَا وَإِلَّا يحلف. انْتهى. وَلَا شكّ أَن هَذَا الحكم _ كَمَا قَالَ الْأُسْتَاذ المحاسني فِي شَرحه على الْمجلة _ عَام فِي مسَائِل تَرْجِيح الْبَينَات. انْتهى. وَذَلِكَ لِأَن الطّرف الْمَرْجُوح فِيهَا يَدعِي كَمَا يظْهر من تتبع فروعها أمرا وجودياً تُقَام عَلَيْهِ الْبَيِّنَة.
وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا نصوا عَلَيْهِ من أَن الْبَيِّنَة تُقَام لإِسْقَاط الْيَمين. ومثلوا لَهُ برد الْوَدِيعَة وَالْعَارِية لَو ادَّعَاهُ الْمُودع وَالْمُسْتَعِير وَأنْكرهُ الْمَالِك وكلف مدعي الرَّد الْيَمين، فَأَقَامَ بَينته على الرَّد تنْدَفع عَنهُ الْيَمين، وَمَا ذَاك إِلَّا لكَون مَا يَدعِيهِ من الرَّد أمرا وجودياً تمكن إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ.
وَمثله فِيمَا يظْهر مَا لَو ادّعى المُشْتَرِي أَن ثمن الْعقار كَانَ كَذَا، وَادّعى الشَّفِيع أقل مِنْهُ وَعجز عَن إِثْبَات مَا ادَّعَاهُ وَطلب يَمِين المُشْتَرِي على أَن الثّمن كَانَ كَمَا ادعِي من الْأَكْثَر فَإِن لَهُ تَحْلِيفه (ر: الدُّرَر، كتاب الشُّفْعَة) . فَلَو أَرَادَ المُشْتَرِي أَن يُقيم بَيِّنَة على مَا ادَّعَاهُ لدفع الْيَمين فَالظَّاهِر أَنه يقبل مِنْهُ ذَلِك، ثمَّ لَا يُمكن أَن يدعى أَن جَوَاز تَكْلِيف الْمُدعى عَلَيْهِ الْبَيِّنَة عِنْد عجز الْمُدَّعِي عَنْهَا، وَأَن إِقَامَة الْبَيِّنَة لإِسْقَاط الْيَمين أَمر عامٌ فِي سَائِر الدَّعَاوَى والخصومات أياً كَانَت، بل هُوَ خَاص _ فِيمَا يظْهر ظهوراً وَاضحا _ بِمَا إِذا كَانَ مَا يزعمه الْمُدَّعِي عَلَيْهِ أمرا وجودياً. فَلَو كَانَ نفيا مَحْضا، كَمَا لَو ادّعى عَلَيْهِ دينا أَو غصبا أَو عقدا مثلا فَأنكرهُ وَعجز الْمُدَّعِي عَن الْبَيِّنَة وَطلب تَحْلِيفه فَإِنَّهُ لَا تُقَام الْبَيِّنَة هُنَا من طرف الْمُدعى عَلَيْهِ على مَا يزعمه من عدم شغل ذمَّته بِالدّينِ أَو عدم غصبه أَو عدم وجود العقد بَينهمَا لإِسْقَاط الْيَمين عَنهُ لكَون مَا يزعمه نفيا مَحْضا. على أَن مَا نصوا عَلَيْهِ من أَن الْبَيِّنَة تُقَام لإِسْقَاط الْيَمين لَيْسَ عَاما فِي كل الدَّعَاوَى الَّتِي
стр. 327
يكون الْمُدعى عَلَيْهِ فِيهَا يَدعِي أمرا وجودياً، بل هُوَ خَاص بِغَيْر الْغَصْب. فَلَو ادّعى الْمَالِك أَن قيمَة الْمَغْصُوب كَذَا، وَادّعى الْغَاصِب أَن قِيمَته كَذَا (لمبلغ أقل مِنْهُ) وَعجز الْمَالِك عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة على مدعاه وَطلب يَمِين الْغَاصِب على نفي دَعْوَاهُ فَأَرَادَ الْغَاصِب أَن يُقيم البنية على أَن قِيمَته كَمَا زعم هُوَ، لَا تسمع مِنْهُ على الصَّحِيح مَعَ أَن مَا يَدعِيهِ أَمر وجودي. فقد كتب الشُّرُنْبُلَالِيّ فِي حَاشِيَته على الدُّرَر (أَوَائِل فصل " غيب مَا غصبه " من كتاب الْغَصْب) مَا لَفظه: (قَوْله: إِن برهن الْمَالِك " أَي على الزِّيَادَة الَّتِي يدعيها فِي قيمَة الْمَغْصُوب " قبل، وَإِلَّا صدق الْغَاصِب بِيَمِينِهِ فِي نفي الزِّيَادَة) يُشِير إِلَى عدم قبُول بَيِّنَة الْغَاصِب، وَبِه صرح فِي النِّهَايَة؛ قَالَ: لَا تقبل لِأَنَّهَا تَنْفِي الزِّيَادَة وَالْبَيِّنَة على النَّفْي لَا تقبل. قَالَ بعض مَشَايِخنَا: يَنْبَغِي أَن تقبل بَيِّنَة الْغَاصِب لإِسْقَاط الْيَمين عَن نَفسه كَالْمُودعِ على رد الْوَدِيعَة. وَكَانَ القَاضِي أَبُو عَليّ النَّسَفِيّ رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول: هَذِه الْمَسْأَلَة عدت مشكلة، وَمن الْمَشَايِخ من فرق بَين مَسْأَلَة الْوَدِيعَة وَبَين هَذِه وَهُوَ الصَّحِيح، وَكتب الْمولى عبد الْحَلِيم، تَحت قَول الدُّرَر: " وَإِن برهن الْمَالِك قبل وَإِلَّا صدق الْغَاصِب " مَا لَفظه: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الْغَاصِب لَو برهن على قِيمَته فللمالك أَن يحلفهُ وَلَا يقبل برهانه، كَمَا فِي الْخُلَاصَة نقلا عَن الأَصْل. وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا: يَنْبَغِي أَن يقبل لإِسْقَاط الْيَمين، كَالْمُودعِ إِذا رد الْوَدِيعَة فَإِن القَوْل قَوْله مَعَ الْيَمين، وَلَو برهن على ذَلِك قبل، وَكَانَ القَاضِي أَبُو عَليّ النَّسَفِيّ يَقُول: هَذِه الْمَسْأَلَة عِنْدِي مشكلة، وَمن الْمَشَايِخ من فرق بَين هَذِه الْمَسْأَلَة وَمَسْأَلَة الْوَدِيعَة وَهُوَ الصَّحِيح، وَقد رد الْفرق بعض الْمُحَقِّقين وَصحح الْقيَاس عَلَيْهِ، وَمِنْهُم من رد الرَّد. أَقُول: فِي مثل هَذَا الْعَمَل بالرواية، وَهِي مَا فِي الْخُلَاصَة، وَقد سبق نَظَائِره. انْتهى. وَلم يبْق بعد تَصْحِيح القَاضِي النَّسَفِيّ مقَال لقائلٍ.
وَالظَّاهِر أَن مَا قيل فِي الْغَصْب يُقَال مثله فِي كل مَا كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ فِيهِ مُتَعَدِّيا، كدعوى قيم الْمُتْلفَات وقيم الْأَمَانَات الَّتِي ضمنت للتقصير فِي حفظهَا، وكالتنازع فِي قدر الْخِيَانَة فِي الْمُرَابَحَة وَمَا شاكلها، فَلَا تسمع بَيِّنَة الْمُدعى عَلَيْهِ فِيهَا على مَا يزعمه لإِسْقَاط الْيَمين عَنهُ.
стр. 328
هَذَا، وَقد نقل فِي مرْآة الْمجلة، تَحت الْمَادَّة / ١٧٦٩ / الْمَذْكُورَة، عَن حَاشِيَة الْأَشْبَاه للبيري مَا لَفظه: قَالَ فِي الْخُلَاصَة نَاقِلا عَن الأَصْل (للْإِمَام مُحَمَّد) : أَقَامَ الْمَغْصُوب مِنْهُ الْبَيِّنَة أَن قيمَة الْمَغْصُوب كَذَا، وَأقَام الْغَاصِب أَنَّهَا كَذَا، فَبَيِّنَة الْمَالِك أولى، فَإِن لم يكن للْمَالِك بَيِّنَة فَأَرَادَ الْغَاصِب إِقَامَة الْبَيِّنَة فَقَالَ الْمَالِك: أحلفه وَلَا أُرِيد الْبَيِّنَة لَهُ ذَلِك. انْتهى. ثمَّ قَالَ صَاحب الْمرْآة بعد هَذَا: أَقُول: يفهم مِنْهُ أَن الْمَالِك إِن لم يطْلب حلفه تسمع بَيِّنَة الْغَاصِب. انْتهى.
وَهَذَا يصلح تَوْفِيقًا حسنا بَين مَا نقل فِي الشرنبلاية أَنه الصَّحِيح وَبَين مَا نَقله عَن بعض الْمَشَايِخ من أَنه يَنْبَغِي أَن تقبل بَيِّنَة الْغَاصِب لإِسْقَاط الْيَمين عَن نَفسه، كَالْمُودعِ، فَيُقَال: عدم الْقبُول فِيمَا إِذا لم يرض الْمُدَّعِي إِلَّا بتحليفه، وَالْقَبُول فِيمَا إِذا رَضِي بِالْبَيِّنَةِ وَلم يَأْتِ بهَا. وَبِه يرْتَفع الِاخْتِلَاف. وَيُؤَيِّدهُ ظَاهر عبارَة الْخُلَاصَة كَمَا هُوَ وَاضح مِنْهَا.
فرع: جَاءَ فِي الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، فِي كتاب الْغَصْب، من أَوَائِل فصل غيب مَا غصبه، وَهُوَ: أَن الْمَالِك لَو ادّعى على الْغَاصِب، أَو على الْمُودع الْمُتَعَدِّي، أَن قيمَة الْمَغْصُوب مائَة مثلا، وَقَالَ الْغَاصِب أَو الْمُودع الْمُتَعَدِّي: لَا أعرف قِيمَته لَكِن علمت أَنَّهَا أقل مِمَّا يَدعِي الْمَالِك، فَالْقَوْل للْغَاصِب أَو الْمُودع بِيَمِينِهِ، وَيجْبر على الْبَيَان، فَإِن لم يبين يحلف على مَا يَدعِيهِ الْمَغْصُوب مِنْهُ من الزِّيَادَة، فَإِن حلف يحلف الْمَغْصُوب مِنْهُ أَن قِيمَته مائَة وَيَأْخُذ من الْمُدعى عَلَيْهِ مائَة. انْتهى مُلَخصا، فقد لَزِمت الْيَمين هُنَا الْمُودع.
وَالْفرع الْمَذْكُور مَنْقُول عَن الإِمَام مُحَمَّد بن الْحسن كَمَا ذكره فِي رد الْمُحْتَار. وَقد نقل فِيهِ أَن بَعضهم بحث فِيهِ، وَمَا بعد النَّقْل إِلَّا الرُّجُوع إِلَيْهِ، وَلَا عِبْرَة بالبحث إِذا خَالف الْمَنْقُول. وَقَوله فِي هَذِه الْمَادَّة / ٧٦ / إِن الْيَمين على من أنكر، إِذا كَانَ مدعى عَلَيْهِ لَا إِذا كَانَ شَاهدا أَو مُدعيًا، فَإِنَّهُ لَو كَانَ الْمُنكر شَاهدا لَا يحلف، فقد قَالَ فِي الْفَصْل الرَّابِع عشر من الْفُصُولَيْنِ: لَو برهن أَن الشَّاهِد أقرّ أَنه ملكي تقبل (أَي وَترد الشَّهَادَة) ، وَلَو أنكر الشَّاهِد الْإِقْرَار لَا يحلف. انْتهى.
стр. 329
وَكَذَا لَو أنكر الشَّاهِد الشَّهَادَة لَا يحلف (ر: الْفَصْل الْخَامِس عشر من جَامع الْفُصُولَيْنِ، صفحة / ٢٠٢) .
وَكَذَلِكَ الْمُدَّعِي لَا يحلف (فِي غير محلات يَمِين الِاسْتِظْهَار) فَلَو طلب الْمُدعى عَلَيْهِ تَحْلِيف الْمُدَّعِي على أَن مَا يَأْخُذهُ بِحَق لَا يُجَاب إِلَى ذَلِك (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، من الْفَصْل الْخَامِس عشر، بِالْمَعْنَى) .
ثمَّ التَّحْلِيف حق الْحَاكِم، لَكِن بِطَلَب الْخصم. فَلَو اسْتحْلف الْمُدَّعِي الْمُدعى عَلَيْهِ فَحلف وَلَو بِحَضْرَة الْحَاكِم، أَو حلفه الْحَاكِم وَلَكِن بِدُونِ طلب الْمُدَّعِي فَحلف فَلَا عِبْرَة بِهِ، وَله تَحْلِيفه ثَانِيًا. (انْتهى بِالْمَعْنَى من الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، كتاب الدَّعْوَى، وجامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْخَامِس عشر) .
ثمَّ يشْتَرط فِي الْيَمين أَن تكون بِحَيْثُ يتَوَقَّف عَلَيْهَا قطع النزاع، فَلَو كَانَ النزاع يَنْقَطِع بِدُونِهَا لَا يُصَار إِلَيْهَا. يدل لذَلِك مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، أَوَاخِر الْفَصْل الْخَامِس عشر، من أَن الصَّانِع والمستصنع لَو اخْتلفَا فِي أَنه صنع كَمَا أَمر أَو لَا لَا يحلف وَاحِد مِنْهُمَا (ر: صفحة / ٢٠٤) وَذَلِكَ لِأَن النزاع الْقَائِم لَيْسَ متوقفاً قطعه على هَذَا الْيَمين، لِأَن الاستصناع لَيْسَ بِعقد مُلْزم، فَإِن المستصنع مُخَيّر فِي أَخذ الْمَصْنُوع أَو تَركه وَإِن خرج الْمَصْنُوع كَمَا أَمر، وَعَلِيهِ فَيمكن قطع النزاع بِدُونِ الْيَمين، بل بترك الْمَصْنُوع على الصَّانِع فَلَا يحلف، لَكِن هَذَا يجْرِي على الْمُعْتَمد فِي الْمَذْهَب من التَّخْيِير فِي الاستصناع مُطلقًا وَإِن ظهر كَمَا أَمر، لَا على قَول أبي يُوسُف من عدم التَّخْيِير، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمجلة فِي الْمَادَّة / ٣٩٢ /. انْظُر مَا كتبناه على الْمَادَّة / ٣٩٢ / أَوَائِل الْقَاعِدَة الثَّانِيَة " الْعبْرَة فِي الْعُقُود للمقاصد ". فَالظَّاهِر أَنه على قَول أبي يُوسُف يحلف.
وَالظَّاهِر أَن مَا قيل فِي الاستصناع يُقَال فِي البيع بِخِيَار للْمُشْتَرِي: لَو اخْتلف فِي مُدَّة الْخِيَار مَعَ البَائِع فِي كَون الْمَبِيع معيبا أَو فاقداً وَصفا مرغوباً فِيهِ مثلا شَرط فِي العقد، لَا يحلف وَاحِد مِنْهُمَا لكَون المُشْتَرِي يُمكنهُ الْفَسْخ بِحكم خِيَار الشَّرْط، فَيَنْقَطِع النزاع بِدُونِ أَن يُصَار إِلَى الْيَمين ليفسخ بِحكم الْعَيْب لَا خِيَار فَوَات الْوَصْف المرغوب فِيهِ. هَذَا إِذا لم يكن مُجَرّد دَعْوَى المستصنع، فِي
стр. 330
فرع جَامع الْفُصُولَيْنِ أَنه لم يصنع كَمَا أَمر، مُعْتَبرَة ردا للمصنوع على الصَّانِع شرعا بِحكم الْخِيَار الثَّابِت لَهُ، أما إِذا كَانَ ذَلِك مِنْهُ مُعْتَبرا ردا بِحكم الْخِيَار كَانَت عِلّة عدم تَحْلِيف وَاحِد مِنْهُمَا هِيَ انْفِسَاخ العقد بَينهمَا وارتفاع سَبَب الْخُصُومَة. وَلم أظفر بِنَقْل يفصح عَن الْعلَّة هَل هِيَ الْقُدْرَة على فسخ العقد أَو انفساخه بِمُجَرَّد الدَّعْوَى وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. ثمَّ رَأَيْته فِي رد الْمُحْتَار _ آخر كتاب الْوَقْف عِنْد تعداد صَاحب الدّرّ الْمُحْتَار مَا لَا يجْرِي فِيهِ التَّحْلِيف، وَذكر مَسْأَلَة الاستصناع المرقومة _ نقل عَن الطَّحَاوِيّ مَا يُفِيد أَن عِلّة عدم التَّحْلِيف فِيهَا هِيَ تمكن المستصنع من الْفَسْخ بِدُونِ التَّحْلِيف. وَهُوَ بِمَعْنى مَا عللناه بِهِ أَولا.
ثمَّ كَمَا لَا يُصَار إِلَى الْيَمين إِلَّا إِذا توقف قطع النزاع عَلَيْهَا لَا يُصَار إِلَيْهَا إِلَّا إِذا كَانَ المستحلف لَو أقرّ بِمَا يسْتَحْلف عَلَيْهِ نفذ إِقْرَاره. فَلَو كَانَ لَو أقرّ لَا ينفذ إِقْرَاره لَا يسْتَحْلف، فقد قَالَ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ: الْوَكِيل بِقَبض الدّين ادّعى عَلَيْهِ الْمَدْيُون الْإِيفَاء إِلَى مُوكله أَو ادّعى إبراءه وَأَرَادَ تَحْلِيف الْوَكِيل أَنه لَا يعلم بِهِ لَا يحلف، إِذْ لَو أقرّ بِهِ لم يجز على مُوكله لِأَنَّهُ على الْغَيْر.
وَكَذَا أَب طَالب زوج ابْنَته الْبَالِغَة بمهرها وَقَالَ: ابْنَتي بكر فِي منزلي، وَقَالَ الزَّوْج: دخلت بهَا وَلم يبْق لَك حق الْقَبْض، وَالْأَب يُنكر، صدق الْأَب لتمسكه بِالْأَصْلِ، وَلَا يحلف الْأَب أَنه لَا يعلم بِدُخُولِهِ إِذْ لَو أقرّ لم يجز عَلَيْهَا.
ادّعى وَصِيّ الْمَيِّت دينا على آخر، فَادّعى الْإِيفَاء حَال حَيَاته وَأنكر وَصِيّه لَا يحلف، لما مر من عدم الْفَائِدَة وَيدْفَع الدّين إِلَى الْوَصِيّ. انْتهى مُلَخصا (صفحة / ١٩٩) .
يظْهر من فرع الْوَكِيل بِقَبض الدّين وتعليله أَنه لَو ادّعى المُشْتَرِي على
стр. 331
الْوَكِيل بِالْبيعِ قبض مُوكله الثّمن مِنْهُ وَأنكر الْوَكِيل ذَلِك يحلف على أَنه لَا يعلم لِأَنَّهُ لَو أقرّ الْوَكِيل بِالْبيعِ بِقَبض مُوكله الثّمن يبرأ المُشْتَرِي، كَمَا لَو أقرّ بِقَبض نَفسه (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ٢٠٢ برمز الْجَامِع الْكَبِير وَسَيَأْتِي فِي مستثنيات الْقَاعِدَة / ٧٨) .
ثمَّ اسْتشْكل صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ عدم التَّحْلِيف فِي الْفُرُوع الْمَذْكُورَة بقوله: فَإِن قلت فِيهِ فَائِدَة، وَهِي قصر يَده، قلت: أُرِيد بالفائدة أَن يكون نُكُوله كنكول مُوكله وَلَيْسَ كَذَلِك، وَلكنه لَا يَخْلُو عَن المناقشة، لتحَقّق الْفَائِدَة فِي الْجُمْلَة، فَلم لم يكف هَذَا الْقدر فِي جَوَاز التَّحْلِيف؟ انْتهى. وَسكت عَن إشكاله هَذَا محشيه الرَّمْلِيّ وَصَاحب نور الْعين، وَلم يجيبا عَنهُ بِشَيْء. وَالَّذِي يظْهر أَن استشكاله بقوله: وَلكنه لَا يَخْلُو عَن المناقشة لتحَقّق الْفَائِدَة ... الخ غير وَارِد أصلا، وَذَلِكَ لِأَن الْفَائِدَة المتحققة فِي الْجُمْلَة هُوَ قصر يَد الْمُدَّعِي من وَكيل وَأب ووصي كَمَا ذكر قبلا. وَقصر يَده إِنَّمَا [هُوَ] ثَمَرَة تنَاقض لَا ثَمَرَة نَفاذ إِقْرَاره على من يَدعِي عَنهُ، فَإِن إِقْرَاره لَيْسَ نَافِذا عَلَيْهِ دَعْوَاهُ مَعَ إِقْرَاره الَّذِي احتوى عَلَيْهِ نُكُوله (إِذا اسْتحْلف فنكل) ، والنكول لَيْسَ قَطْعِيا فِي الْإِقْرَار، بل هُوَ مُحْتَمل للبذل كَمَا هُوَ مُحْتَمل للإقرار، فعلى تَقْدِير كَونه إِقْرَارا يصير متناقضاً وتناقضه نَافِذ عَلَيْهِ، فتقصر يَده، وعَلى تَقْدِير كَونه بذلاً لَا يصير متناقضاً، وبذله كإقراره فَلَا ينفذ على غَيره فَلَا تقصر يَده، وَحقّ الادعاء ثَابت لَهُ بِيَقِين فَلَا يمْنَع عَنهُ بِمَا هُوَ مَشْكُوك فِيهِ. فَإِذن لم يفد التَّحْلِيف فَائِدَته الْمَطْلُوبَة فِي هَذِه الصُّور فَلَا يجْرِي فِيهَا.
(تَنْبِيه:)
وكما يشْتَرط فِي الْيَمين أَن يتَوَقَّف عَلَيْهَا قطع النزاع يشْتَرط فِيهَا أَيْضا أَن يكون النّكُول عَنْهَا مُفِيدا للْمُدَّعِي، فَلَو كَانَ النّكُول عَنْهَا لَا يُفِيد الْمُدَّعِي فَلَا يسْتَحْلف الْخصم، فَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: اشْترى دَارا بَابهَا فِي سكَّة نَافِذَة وَكَانَ لَهَا بَاب قديم فِي سكَّة غير نَافِذَة، فَأَرَادَ أَن يفتح بَابهَا الْقَدِيم، فَلَو أقرّ أهل السِّكَّة بذلك الْبَاب فَلهُ فَتحه كبائعه، لقِيَامه مقَامه. وَلَو أنكر أهل السِّكَّة حلفوا، فَلَو حلفهم وَاحِدًا بعد وَاحِد فبحلف الأول يسْقط الْأَيْمَان عَن البَاقِينَ، إِذْ لَا فَائِدَة فِي تحليفهم لأَنهم لَو نكلوا لَيْسَ لَهُ فَتحه، إِذْ للْحَالِف الأول
стр. 332
مَنعه، فَلَو نكل الأول فَلهُ أَن يحلف غَيره، ثمَّ وَثمّ، فَإِذا نكلوا كلهم فَلهُ أَن يفتح. انْتهى بِبَعْض توضيح، من الْفَصْل / ٣٥ / آخر صفحة / ٢٧٠ وَأول صفحة / ٢٧١ من الْجلد الثَّانِي من جَامع الْفُصُولَيْنِ.
وَمن ذَلِك أَيْضا: مَا لَو ادّعى نِكَاح امْرَأَة هِيَ فِي نِكَاح غَيره وَلَا بَيِّنَة للْمُدَّعِي فَلَيْسَ لَهُ تحليفها، لِأَن نكولها لَا يفِيدهُ بعد كَونهَا ذَات زوج، وَلَكِن لَهُ أَن يحلف زَوجهَا على الْعلم، فَإِن حلفه انْقَطَعت الْخُصُومَة إِذْ لم يبْق من فَائِدَة فِي تحليفها، وَإِن نكل صَار مقرا بِبُطْلَان نِكَاحه فتحلف هِيَ حِينَئِذٍ على الْبَتَات، فَإِن نكلت فَهِيَ للْمُدَّعِي (ر: معِين الْحُكَّام، الْبَاب الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ، فِي الْقَضَاء بِدَعْوَى النِّكَاح وَالْمهْر وَالنَّفقَة، مُلَخصا) .
وَيصْلح هَذَا أَن يفرع أَيْضا على قَوْلنَا سَابِقًا: لَا يُصَار إِلَى الْيَمين إِلَّا إِذا كَانَ المستحلف لَو أقرّ بِمَا يسْتَحْلف عَلَيْهِ نفذ إِقْرَاره ... إِلَى آخِره ... وَلكنه بسابقه أليق.
(تَنْبِيهَات)
(التَّنْبِيه الأول:)
إِن الْيَمين إِذا تَوَجَّهت على الْخصم، فَإِن كَانَ مَا يحلف عَلَيْهِ فعل نَفسه حلف على الْبَتَات، وَإِن كَانَ فعل غَيره حلف على الْعلم إِلَّا إِذا كَانَ شَيْئا يتَّصل بِهِ فَيحلف على الْبَتَات. كَمَا لَو ادّعى المُشْتَرِي على البَائِع أَن العَبْد الْمَبِيع سَارِق أَو آبق مذ كَانَ عِنْده، فَأنْكر، فَحلف فَإِنَّهُ يحلف على الْبَتَات أَنه لم يأبق أَو لم يسرق عِنْده، لَا على أَنه لَا يعلم أَنه سرق أَو أبق، لِأَن هَذَا أَمر يتَّصل بِهِ، إِذْ إقدامه على البيع يتَضَمَّن الْتِزَامه مَا أوجبه البيع من لُزُوم تَسْلِيم الْمَبِيع سليما. أَو كَانَ شَيْئا تَمَامه بِهِ، كَمَا إِذا ادّعى شَيْئا على ذِي الْيَد أَنه ملكه بِالشِّرَاءِ من زيد، فَقَالَ ذُو الْيَد: أودعنيه زيد ذَلِك، دفعت الْخُصُومَة برهن أَو لَا، فَإِن لم يبرهن وَطلب
стр. 333
الْمُدَّعِي يَمِينه على أَن زيدا أودعهُ إِيَّاه يحلف على الْبَتَات، بِاللَّه لقد أودعهُ إِيَّاه زيد، وَلَا يحلف على الْعلم وَلَو كَانَ فعل غَيره، لِأَن تَمَامه بِهِ، وَهُوَ الْقبُول.
وَكَذَلِكَ لَو ادّعى على آخر أَنه اسْتقْرض أَو اسْتَأْجر أَو اشْترى مِنْهُ، فَإِنَّهُ يحلف على الْبَتَات، لِأَنَّهُ فعل الْمُدعى عَلَيْهِ من وَجه، أَو كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ يَدعِي الْعلم فَيحلف على الْبَتَات، كَمَا إِذا ادّعى الْمُودع أَن الْمُودع قبض الْوَدِيعَة فَإِنَّهُ يحلف على الْبَتَات، وكما لَو بَاعَ الْوَكِيل بِالْبيعِ وَسلم الْمَبِيع للْمُشْتَرِي ثمَّ أقرّ أَن مُوكله قبض ثمنه وَأنكر الْمُوكل فَيحلف الْوَكِيل على الْبَتَات بِأَن مُوكله قد قبض، فَإِذا حلف برِئ المُشْتَرِي، وَهُوَ تَحْلِيف فِي الفرعين على فعل الْغَيْر، وَلَكِن لما ادّعى الْمُودع وَالْوَكِيل أَنه عَالم بِهِ حلف على الْبَتَات.
وَلَو ملك عينا بِالْإِرْثِ فَادَّعَاهُ عَلَيْهِ آخر فَأنْكر يحلف على الْعلم. وَلَو ملكه بشرَاء أَو بِهِبَة فَإِنَّهُ يحلف على الْبَتَات، وَذَلِكَ لِأَن الْوَارِث نَائِب عَن الْمُورث، والنيابة لَا تجْرِي فِي الْحلف ليحلف، بِخِلَاف المُشْتَرِي والموهوب لَهُ فَإِنَّهُ أصل بِنَفسِهِ لَا نَائِب عَن غَيره، وَالظَّاهِر شَاهد لَهُ أَن مَا فِي يَده مَمْلُوك لَهُ، فَيحلف بتاً (ر: نور الْعين، من الْفَصْل الْخَامِس عشر، بِبَعْض توضيح) .
(تَنْبِيه ثانٍ)
: من الْمَعْلُوم أَن الشَّهَادَة تُقَام حسبَة على نَحْو طَلَاق الْمَرْأَة وَالْوَقْف، فَهَل يجْرِي فيهمَا التَّحْلِيف حسبَة؟ حكى فِي الْفَصْل الْخَامِس عشر من نور الْعين قَوْلَيْنِ فِيهِ، وَقدم القَوْل بجريان التَّحْلِيف حسبَة، وَنقل بعده عَن الْمُحِيط أَن مُحَمَّدًا رَحمَه الله تَعَالَى أَشَارَ إِلَى أَنه يحلف. ثمَّ رمز بعلامة (شيخ) قَالَ: لَا يحلف. ثمَّ قَالَ: وَالظَّاهِر أَن رِوَايَة التَّحْلِيف أصح وَأولى. انْتهى.
وَالظَّاهِر أَن معنى جَرَيَان التَّحْلِيف حسبَة أَنه إِذا لم يتم نِصَاب الشَّهَادَة، أَو تمّ، وَلَكِن الشُّهُود لم يعدلُوا فطلبوا يَمِين من فِي يَده عقار الْوَقْف أَو الزَّوْج، لَا أَن مَعْنَاهُ أَن القَاضِي لَهُ أَن يجلب الزَّوْج أَو من فِي يَده عقار الْوَقْف ويحلفه من غير طلب أحد، كَمَا ظَنّه بعض قُضَاة الْعَصْر، لِأَن الْوَاحِد لَا يصلح خصما وقاضياً حَتَّى نصوا أَن شَاهد الْحِسْبَة لَا بُد أَن يَدعِي بِمَا شهد بِهِ (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الْوَقْف) .
стр. 334
(تَنْبِيه ثَالِث:)
يجب أَن يكون الْمُدعى بِهِ مَعْلُوما، لما فِي الْمَادَّة / ١٦١٩ / إِذْ لَا يقْضى بِمَجْهُول.
وكما أَنه يجب أَن يكون التَّحْلِيف على مَعْلُوم أَيْضا. فَلَا تَحْلِيف على حق مَجْهُول، فَلَو ادّعى أحد الشَّرِيكَيْنِ على الآخر خِيَانَة مُبْهمَة لم يحلف، لِأَن الْجَهَالَة كَمَا تمنع قبُول الْبَيِّنَة تمنع الِاسْتِحْلَاف (ر: الْحَمَوِيّ على الْأَشْبَاه من كتاب الْقَضَاء) .
وَكَذَا لَو ادّعى على رجل: إِنَّه اسْتهْلك مَالِي، أَو قَالَ كَانَ هَذَا شَرِيكي وَقد خَان فِي الرِّبْح وَلَا أَدْرِي كم قدره، وَطلب التَّحْلِيف من القَاضِي، لَا يجِيبه إِلَى ذَلِك.
وَكَذَا الْمَدْيُون إِذا قَالَ: قضيت بعض ديني، وَلَا أَدْرِي كم قضيت، أَو قَالَ: نسيت قدره وَأَرَادَ أَن يحلف الطَّالِب لَا يلْتَفت إِلَيْهِ لِأَن دَعْوَى الْمَجْهُول كَمَا تمنع قبُول الْبَيِّنَة تمنع الِاسْتِحْلَاف (ر: جَامع أَحْكَام الصغار من مسَائِل أدب القَاضِي) .
إِلَّا فِي مسَائِل يجْرِي فِيهَا التَّحْلِيف على الْمَجْهُول: مِنْهَا: مَا إِذا اتهمَ القَاضِي وَصِيّ الْيَتِيم. وَمِنْهَا مَا إِذا اتهمَ مولى الْوَقْف فَإِنَّهُ يحلفهما، نظرا للْيَتِيم وَالْوَقْف.
وَمِنْهَا: مَا إِذا ادّعى الْمُودع على الْمُودع خِيَانَة مُبْهمَة فَإِنَّهُ يحلفهُ.
وَمِنْهَا: الْمسَائِل الثَّلَاث الَّتِي تسمع فِيهَا الدَّعْوَى بِمَجْهُول، وَهِي: دَعْوَى الرَّهْن، وَالْغَصْب، وَالسَّرِقَة.
فَفِي هَذِه الْمسَائِل السِّت لَو طلب الْمُدَّعِي فِيهَا يَمِين الْمُدعى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يحلف وَإِن كَانَ على مَجْهُول (ر: نور الْعين، من آخر الْفَصْل الْخَامِس عشر نقلا عَن الْأَشْبَاه) .
وَزَاد الْحَمَوِيّ سابعة لَهَا، وَهِي: دَعْوَى الْوَدِيعَة المجهولة.
стр. 335
فَإِذا اسْتحْلف على أحد هَذِه المجهولات فَحلف برِئ وَإِن نكل يجْبر على الْبَيَان (ر: الْحَمَوِيّ على الْأَشْبَاه، وَمثله فِي الدُّرَر، كتاب الدَّعْوَى) .
وَالظَّاهِر أَن سَماع الدَّعْوَى بِمَجْهُول فِي السّرقَة مُقَيّد بِمَا إِذا ادّعى التَّضْمِين لَا الْقطع، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْمَالِك يَدعِي الْقطع لَا يحلف السَّارِق، إِذْ لَا تَحْلِيف فِي الْحُدُود.
أَقُول: وَيُزَاد أَيْضا مسَائِل أخر تسمع فِيهَا الدَّعْوَى بِمَجْهُول، فَيجْرِي حينئذٍ فِيهَا أَيْضا التَّحْلِيف على الْمَجْهُول، وَهِي: الْوَصِيَّة، وَالْإِقْرَار، وَالْإِبْرَاء (ر: رد الْمُحْتَار من كتاب الدَّعْوَى، نقلا عَن الْمِعْرَاج) .
وَيُزَاد أَيْضا مَا لَو قَالَ مَرِيض: لَيْسَ لي فِي الدُّنْيَا شَيْء ثمَّ مَاتَ، فلبعض الْوَرَثَة أَن يحلفوا زَوجته وبنته على أَنَّهُمَا لَا يعلمَانِ شَيْئا من تَرِكَة الْمُتَوفَّى. (ر: رد الْمُحْتَار، من كتاب الْإِقْرَار ج / ٤٦٢، نقلا عَن حاوي الزَّاهدِيّ) .
نقل الْحَمَوِيّ فِي حَاشِيَة الْأَشْبَاه، عَن الْخَانِية (صفحة / ٣٤٣) أَن دَعْوَى الْوَصِيَّة المجهولة لَا تسمع وَلَا يسْتَحْلف الْخصم عَنْهَا، وَهَذَا خلاف مَا نَقله فِي رد الْمُحْتَار عَن الْمِعْرَاج من سَماع دَعْوَى الْوَصِيَّة المجهولة كَمَا هُوَ مرسوم أدناه، وَنقل فِي تَكْمِلَة رد الْمُحْتَار أَيْضا عبارَة مِعْرَاج الدِّرَايَة الْمَذْكُورَة فبلغت الْمسَائِل عشرا بعد حذف الْوَصِيَّة. والتتبع رُبمَا نفى الْحصْر.
يجب أَن يُزَاد أَيْضا فِي الْمسَائِل الَّتِي تصح الدَّعْوَى فِيهَا بِالْمَجْهُولِ مَا جَاءَ فِي الفرائد البهية فِي الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة لمحمود حَمْزَة مفتي دمشق الأسبق ﵀، نقلا عَن فصل الْأَنْهَار من الْخَانِية، وَلَفظه: " فَائِدَة: الْجَهَالَة فِي الشّرْب لَا تمنع صِحَة الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة؛ كَذَا فِي فصل الْأَنْهَار من الْخَانِية " بَيَانه: رجل ادّعى شرب يَوْم من نهر مَعْلُوم فِي كل شهر، وَأقَام الْبَيِّنَة على ذَلِك صحت دَعْوَاهُ وَتسمع الشَّهَادَة وَيحكم بهَا. وَمثل ذَلِك مسيل المَاء، لِأَن الْجَهَالَة فِي مثل ذَلِك لَا تمنع من صِحَة الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة. انْتهى.
وَالظَّاهِر أَن الْجَهَالَة فِي قدر مَا يستجره من المَاء بالسقي وَقدر مَا يسيله فِي المسيل. ثمَّ الْجَهَالَة المغتفرة فِي هَذِه الدَّعَاوَى إِذا كَانَ الْمُدعى بِهِ عينا، هَل هِيَ
стр. 336
جَهَالَة عينه أم جَهَالَة قِيمَته؟ صَرِيح كَلَام رد الْمُحْتَار من كتاب الدَّعْوَى، نقلا عَن الْخَانِية وَغَيرهَا، عِنْد قَول الْمَتْن: (ومعلومية الْمُدعى إِذْ لَا يقْضى بِمَجْهُول) يُفِيد أَن الْجَهَالَة مغتفرة وَلَو كَانَت جَهَالَة عين الْمُدعى بِهِ. وعَلى هَذَا فاغتفار قِيمَته بعد معلومية عينه بِالْأولَى.
(تَنْبِيه رَابِع:)
لَو ادّعى على آخر دينا، فَحلف الْمُدعى عَلَيْهِ بِطَلَاق زَوجته أَنه لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دين، فبرهن بعد ذَلِك الْمُدَّعِي أَن لَهُ عَلَيْهِ كَذَا، فَهَل يَحْنَث الْمُدعى عَلَيْهِ أم لَا؟ ذكر فِي الْخَامِس عشر من نور الْعين أَن الْفَتْوَى على أَنه إِذا ادَّعَاهُ بِلَا سَبَب وَبرهن عَلَيْهِ يظْهر كذب الْحَالِف، وَلَو ادَّعَاهُ بِسَبَب وَبرهن على السَّبَب لَا يظْهر كذبه. وَأطلق فِي الدُّرَر، فِي كتاب الدَّعْوَى، عدم ظُهُور كذبه بِإِقَامَة الْبَيِّنَة، وَقَالَ: إِنَّه الصَّوَاب، وَعزا ذَلِك إِلَى الزَّيْلَعِيّ. وَقَالَ فِي رد الْمُحْتَار، فِي كتاب الدَّعْوَى: إِن مَا ذكره فِي الدُّرَر من عدم الْحِنْث مُطلقًا هُوَ رِوَايَة أُخْرَى عَن مُحَمَّد. انْتهى بِالْمَعْنَى. فقد اخْتلف التَّصْحِيح، وَقَول الزَّيْلَعِيّ: إِن عدم ظُهُور كذبه مُطلقًا بِإِقَامَة الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة هُوَ الصَّوَاب يُفِيد أَن مُقَابِله خطأ، وَالْوَجْه يشْهد لما قَالَه الزَّيْلَعِيّ، وَذَلِكَ لِأَن الْبَيِّنَة إِن قَامَت على السَّبَب فَالْأَمْر ظَاهر، وَإِن قَامَت على الْحق من غير بَيَان السَّبَب فَلَا شكّ فِي أَنَّهَا مستندة إِلَى مَا عاينته عِنْد التَّحَمُّل من السَّبَب وَإِن جزمها عِنْد الْأَدَاء بِقِيَام الْحق مَبْنِيّ على الِاسْتِصْحَاب وعَلى كَون الأَصْل بَقَاء الْحق بعد ثُبُوته وَإِن لم تصرح بِهِ، إِذْ الْإِحَاطَة علما بِبَقَائِهِ وقيامه للْحَال وَعدم عرُوض إِيفَاء أَو أَدَاء عَلَيْهِ غير مُمكنَة غَالِبا، فَهِيَ مستندة فِي جزمها بِقِيَام الدّين عِنْد الْأَدَاء إِلَى مَا يُفِيد الظَّن، فَكيف يظْهر بهَا كذب الْمُدعى عَلَيْهِ فِي حلفه؟ هَذَا هُوَ الْتِزَام مَا لَا يلْزم! (ر: مَا كتبناه فِي التَّنْبِيه الأول من الْقَاعِدَة التَّاسِعَة: " مَا ثَبت بِزَمَان يحكم بِبَقَائِهِ " عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ وَعَن معِين الْحُكَّام) .
(تَنْبِيه:)
نقل فِي تَكْمِلَة رد الْمُحْتَار (من الْجلد الأول صفحة / ٢٩٥ فِي أَوَائِل كتاب الدَّعْوَى) أَن قبُول الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ (أَي من الْأَعْيَان الَّتِي تصح الدَّعْوَى بهَا مَعَ
стр. 337
جهالتها) وَإِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ إِنَّمَا تقبل عِنْد الْعَامَّة لأجل الْحَبْس فَقَط، وَمَعْنَاهُ أَن يحْبسهُ حَتَّى يحضرهُ ليقيم الْبَيِّنَة على عينه. فَلَو قَالَ: لَا أقدر عَلَيْهِ حبس قدر مَا لَو قدر عَلَيْهِ لأحضره ثمَّ يقْضى عَلَيْهِ بِقِيمَتِه. انْتهى.
ثمَّ نقل بعده فِي صفحة / ٢٩٦ عَن الْخَانِية، أَن مُدَّة الْحَبْس مقدرَة بشهرين. ثمَّ أَفَادَ أَيْضا أَن الْجَبْر على الْبَيَان فِيمَا إِذا أقرّ الْمُدعى عَلَيْهِ أَو اسْتحْلف فنكل، أما إِذا أثبت الْمُدَّعِي الْعين المجهولة فِي هَذِه الصُّور بِالْبَيِّنَةِ فَإِن الْمُدعى عَلَيْهِ يحبس إِلَى أَن يَأْتِي بهَا ... . إِلَى آخر مَا قدمْنَاهُ عَنهُ أَعْلَاهُ.
وَنقل فِي رد الْمُحْتَار عِنْد الْكَلَام على دَعْوَى الْمَنْقُول، أَوَائِل الدَّعْوَى، عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو ادّعى أَن الْمَنْقُول فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ، فَأنْكر كَونه فِي يَده فَأَقَامَ بَيِّنَة شهِدت أَنه كَانَ فِي يَده قبل سنة من هَذَا التَّارِيخ، هَل يقبل وَيجْبر على إِحْضَاره؟ قَالَ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ: يَنْبَغِي أَن تقبل، إِذْ لم يثبت خُرُوجه من يَده، فَتبقى وَلَا تَزُول بشك. وَأقرهُ فِي الْبَحْر، وَجزم بِهِ الْقُهسْتَانِيّ. ثمَّ قَالَ: ورده فِي نور الْعين بِأَن هَذَا اسْتِصْحَاب، وَهُوَ حجَّة فِي الدّفع لَا فِي الْإِثْبَات انْتهى. أَقُول: وَمَا بَحثه فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ وَجزم بِهِ الْقُهسْتَانِيّ وَأقرهُ فِي الْبَحْر هُوَ الصَّوَاب، وَذَلِكَ لِأَن الشَّهَادَة بِالْملكِ المنقضي مَقْبُولَة كَمَا قدمْنَاهُ تَحت الْمَادَّة / ١٠ / وَالْقَضَاء بهَا هُوَ عين الِاسْتِحْقَاق بالاستصحاب، وَقدمنَا هُنَاكَ عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ عَن صَاحب الْقنية أَنه اسْتشْكل هَذَا، ثمَّ أجَاب عَنهُ بِأَن فِي رد مثل هَذِه الْبَينَات حرجاً، فقلبت دفعا للْحَرج. انْتهى، وَهَذَا من هَذَا الْقَبِيل.
ثمَّ لَا يَنْبَغِي أَن يتَوَهَّم أَن قَوْلهم: إِن الشَّهَادَة بِالْيَدِ المنقضية لَا تقبل، كَمَا قدمْنَاهُ هُنَاكَ، يرد مَا بَحثه فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، لِأَن ذَلِك فِيمَا إِذا أَرَادَ مدعي الْيَد المنقضية نَزعه من يَد الْمُدعى عَلَيْهِ بِحجَّة أَنه كَانَ فِي يَده، فَإِنَّهَا لَا تقبل حَتَّى يشْهدُوا أَن الْمُدعى عَلَيْهِ أَخذه مِنْهُ بِغَيْر حق، كَمَا قدمْنَاهُ هُنَاكَ. أما هُنَا فإننا لم نوجب على الْمُدعى عَلَيْهِ نَزعه من يَده بل إِحْضَاره ليشار إِلَيْهِ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة.
(تَنْبِيه:)
إِن صَلَاحِية الْمُدَّعِي للخصومة تخْتَلف وتتغاير، فَتَارَة يكون لَهُ صَلَاحِية
стр. 338
إِقَامَة الْبَيِّنَة لإِثْبَات مدعاه وَعند عَجزه عَن إِقَامَتهَا يكون لَهُ صَلَاحِية استحلاف الْخصم، وَهَذَا هُوَ الْغَالِب فِي الدَّعَاوَى والخصومات، وَهُوَ غَنِي عَن التَّمْثِيل لَهُ.
وَتارَة يكون للْمُدَّعِي صَلَاحِية إِقَامَة الْبَيِّنَة لإِثْبَات مدعاه، وَإِذا عجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة فَلَيْسَ لَهُ صَلَاحِية استحلاف خَصمه: من ذَلِك مَا لَو ادّعى الْمَشْهُود عَلَيْهِ أَن الشَّاهِد أقرّ أَن الْمَشْهُود بِهِ ملكي، فَإِن برهن على إِقْرَاره بذلك تقبل بَينته وَترد شَهَادَة الشَّاهِد، وَإِن عجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة فَلَيْسَ لَهُ أَن يطْلب تَحْلِيف الشَّاهِد (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الرَّابِع عشر) .
وَمن ذَلِك مَا لَو ادّعى على الْوَصِيّ دينا فِي تَرِكَة الْمُوصي، فَأنْكر الْوِصَايَة، فَإِن أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة على الْوِصَايَة فبها، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ استحلافه.
وَمِنْه مَا لَو اشْترى بِالْوكَالَةِ عَن آخر، ثمَّ جَاءَ ليرد الْمَبِيع بِعَيْب على البَائِع، فَادّعى البَائِع أَن مُوكله رَضِي بِالْعَيْبِ فَأنْكر المُشْتَرِي، فَإِن أَقَامَ البَائِع بَينته على مَا ادَّعَاهُ فبها، وَإِلَّا فَلَو طلب يَمِين الْوَكِيل على أَنه لَا يعلم أَن الْمُوكل رَضِي بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ لَا يحلف.
وَمِنْه مَا لَو اشْترى عقار الصَّغِير تَحت ولَايَته فَادَّعَاهُ آخر بِالشُّفْعَة، وَاخْتلف الشَّفِيع مَعَ ولي الصَّغِير فِي الثّمن، فَادّعى الشَّفِيع مبلغا، وَادّعى الْوَلِيّ أَكثر مِنْهُ، وَعجز الشَّفِيع عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة وَطلب يَمِين الْوَصِيّ أَو الْوَلِيّ، فَإِنَّهُ لَا يحلف.
وَمِنْه: مَا لَو ادّعى الْوَاهِب على الْمَوْهُوب لَهُ أَنه اشْترط عَلَيْهِ عوضا، وَأنكر الْمَوْهُوب لَهُ، فَإِذا عجز الْوَاهِب عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة وَأَرَادَ تَحْلِيف الْمَوْهُوب لَهُ، فَإِنَّهُ لَا يحلف ... إِلَى غير ذَلِك من مسَائِل كَثِيرَة تعلم من مُرَاجعَة الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته قبيل كتاب الْبيُوع.
وَتارَة يكون للْمُدَّعِي صَلَاحِية اسْتِحْقَاق الْخصم وَلَيْسَ لَهُ صَلَاحِية إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ: من ذَلِك: مَا لَو ادّعى على آخر مَالا إِرْثا عَن أَبِيه مثلا، فَأقر لَهُ الْمُدعى
стр. 339
عَلَيْهِ بِمَوْت أَبِيه وَبِأَنَّهُ ابْنه ووارثه أَو اسْتحْلف على الْعلم بذلك فنكل، ثمَّ أنكر المَال، فَإِن للْمُدَّعِي أَن يحلفهُ على المَال (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ صفحة / ٢٨، الْفَصْل الثَّامِن وَالْعِشْرين) . وَوجه ذَلِك، فِيمَا يظْهر لي، أَن أصل كَونه خصما قد ثَبت بِإِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ أَو بِمَا هُوَ فِي حكم الْإِقْرَار (وَهُوَ نُكُوله عَن الْيَمين) على أبي الْمُدَّعِي بِالْمَوْتِ. وَبِأَن الْمُدَّعِي ابْنه ووارثه، وَالْإِقْرَار حجَّة قَاصِرَة، فَيملك الْمُدعى بِهِ من صَلَاحِية الْخُصُومَة مَا يوصله إِلَى مَا فِي حكم الْإِقْرَار، وَهُوَ النّكُول المرجو من الِاسْتِحْلَاف، فَإِن الشَّيْء يستتبع مَا هُوَ مثله، وَلَا يملك إِقَامَة الْبَيِّنَة لِأَنَّهَا حجَّة متعدية، وخصومته قد ملكهَا بِحجَّة قَاصِرَة، وَهُوَ الْإِقْرَار، فَلَا يملك بهَا مَا فَوْقهَا، إِذْ الشَّيْء لَا يستتبع مَا هُوَ فَوْقه. حَتَّى لَو كَانَ أثبت بِالْبَيِّنَةِ موت أَبِيه وَأَنه وَارثه فَلَا شكّ أَن لَهُ حِينَئِذٍ صَلَاحِية إِقَامَة الْبَيِّنَة على المَال، كَمَا هُوَ ظَاهر وَمُسلم.
وَيظْهر لي أَن مثل الدَّعْوَى بِالْإِرْثِ على الْوَجْه المسطور فِي " الْفُصُولَيْنِ " الدَّعْوَى بِحكم الْوكَالَة أَو بِحكم الْوِصَايَة، كَمَا لَو ادّعى على آخر أَنه وَكيل فلَان بِقَبض دينه مِنْهُ أَو أَنه وَصِيّ فلَان وَأَنه يُطَالِبهُ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ فَأقر الْمُدعى عَلَيْهِ بِالْوكَالَةِ أَو الْوِصَايَة وَأنكر المَال، أَو أنكر الْوكَالَة أَو الْمَوْت والوصاية، فاستحلف (بِنَاء على الصَّحِيح من أَنه يحلف) كَمَا فِي الدّرّ الْمُخْتَار من بَاب دَعْوَى النّسَب، فنكل ثمَّ أنكر المَال، فَإِن الْمُدَّعِي، وَالْحَالة هَذِه، يكون خصما فِي تَحْلِيفه على المَال لَا فِي إِقَامَة الْبَيِّنَة لما ذكرنَا، وَالله أعلم.
ثمَّ رَأَيْت فِي رد الْمُحْتَار (أَوَاخِر بَاب الْوكَالَة بِالْخُصُومَةِ وَالْقَبْض عِنْد قَول الشَّارِح: " الْوكَالَة الْمُجَرَّدَة لَا تدخل تَحت الحكم، وَبَيَانه فِي الدُّرَر ") مَا لَفظه: " قَوْله: وَبَيَانه فِي الدُّرَر " قَالَ فِيهَا: قَالَ فِي الصُّغْرَى: الْوَكِيل يقبض الدّين إِذا أحضر خصما فَأقر بِالتَّوْكِيلِ وَأنكر الدّين لَا تثبت الْوكَالَة، حَتَّى لَو أَرَادَ الْوَكِيل إِقَامَة الْبَيِّنَة على الدّين لَا تقبل. انْتهى. وَالظَّاهِر أَن مُرَاد الْفَتَاوَى بقوله: لَا تثبت الْوكَالَة، أَي فِي حق الْمُوكل أما فِي حق الْمُدعى عَلَيْهِ الْمقر بهَا فَإِنَّهَا تثبت وَيملك تَحْلِيفه على الدّين، لَا إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ.
- وَتارَة يكون للْمُدَّعِي صَلَاحِية إِقَامَة الْبَيِّنَة على مَا يَدعِيهِ من عين فِي يَد
стр. 340
الْخصم، وَإِذا عجز عَن إِقَامَتهَا يكون لَهُ الْحق فِي تَحْلِيف الْخصم ليَأْخُذ مِنْهُ بدلهَا، وَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيفه ليَأْخُذ مِنْهُ الْعين الْمُدعى بهَا إِن نكل عَن الْيَمين مَعَ أَنَّهَا قَائِمَة فِي يَده. فقد قَالَ فِي معِين الْحُكَّام (فِي الْبَاب السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ فِي الْقَضَاء بِدَعْوَى الْوَقْف وَالشَّهَادَة عَلَيْهِ) : ادّعى دَارا، فَقَالَ ذُو الْيَد: إِنَّه وقف على الْفُقَرَاء وَأَنا متول عَلَيْهِ صَحَّ إِقْرَاره، وَيكون وَقفا. فَلَو ادّعى الْمُدَّعِي تَحْلِيفه ليَأْخُذ الدَّار لَو نكل لَا يحلف وفَاقا. وَلَو أَرَادَ تَحْلِيفه ليَأْخُذ الْقيمَة فعلى قِيَاس قَول مُحَمَّد: يحلفهُ وَإِن نكل يَأْخُذ مِنْهُ الْقيمَة. ويفتى بقول مُحَمَّد. وعَلى هَذَا لَو أقرّ بِالدَّار لِابْنِهِ الصَّغِير (أَي إِنَّه يسْتَحْلف لأخذ قيمتهَا مِنْهُ) . وَكَذَلِكَ لَو ادّعى على الْوَرَثَة عينا كَانَ وَقفهَا مُورثهم فِي صِحَّته فأقروا لَهُ ضمنُوا قيمَة الْعين من التَّرِكَة وَلَا يبطل الْوَقْف بإقرارهم. وَلَو أَنْكَرُوا فَلهُ تحليفهم لأخذ الْقيمَة، أما لَو أَرَادَ تحليفهم لأخذ الْوَقْف فَلَا يَمِين لَهُ عَلَيْهِم. انْتهى مُلَخصا.
- وَتارَة يكون للْمُدَّعِي صَلَاحِية حلف الْيَمين وَالْبَيِّنَة فَيكون القَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ، وَالْبَيِّنَة بَينته، وَلَا يقبل من خَصمه يَمِين وَلَا بَيِّنَة. وَذَلِكَ كَمَا لَو ولدت الْمَرْأَة فَادّعى زَوجهَا أَن الْوَلَد لَيْسَ مِنْهُ لِأَنَّهَا ولدت لأَقل من سِتَّة أشهر من وَقت النِّكَاح، وَقَالَت: ولدت لسِتَّة أشهر، فَالْقَوْل قَوْلهَا وَالْبَيِّنَة بينتها، كَمَا تقدم ذَلِك فِي مستثنيات الْقَاعِدَة / ١١ " الأَصْل إِضَافَة الْحَادِث لأَقْرَب أوقاته " نقلا عَن الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته وَغَيره، من بَاب ثُبُوت النّسَب، وكما هُوَ الْحَال فِي الْأُمَنَاء، فَإِن القَوْل فِي كل أَمَانَة للأمين مَعَ يَمِينه وَالْبَيِّنَة بَينته (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، أَوَاخِر الْفَصْل الْخَامِس عشر، صفحة / ٢٠٥) .
وكما لَو ادّعى الرَّاهِن أَن الرَّهْن هلك فِي يَد الْمُرْتَهن، وَادّعى الْمُرْتَهن أَن الرَّاهِن قَبضه مِنْهُ بعد الرَّهْن وَهلك فِي يَده، فَالْقَوْل قَول الرَّاهِن بِيَمِينِهِ، لِأَن الْمُرْتَهن يَدعِي بَرَاءَة نَفسه من الضَّمَان بَعْدَمَا دخل فِي ضَمَانه، والراهن يُنكر.
وَلَو أَقَامَا الْبَيِّنَة فَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الرَّاهِن أَيْضا لِأَنَّهَا تثبت بَقَاء الدّين فِي ذمَّة الْمُرْتَهن، وَبَيِّنَة الْمُرْتَهن تنفيه (ر: معِين الْحُكَّام، الْبَاب الْعَاشِر، فِي الْقَضَاء بالتحليف) .
وكما لَو شَرط على الظِّئْر الْإِرْضَاع بلبنها. ثمَّ اخْتلفَا، فَقَالَت: أَرْضَعَتْه بلبني، وَقَالَ: بِلَبن شَاة، فَالْقَوْل قَوْلهَا. وَلَو أَقَامَا بَيِّنَة فبينتها أولى (ر: معِين الْحُكَّام، الْبَاب التَّاسِع عشر فِي الْقَضَاء بِشَهَادَة النَّفْي) .
стр. 341
(فَوَائِد فِي مَوْضُوع يَمِين الِاسْتِظْهَار)
(الْمُسَمَّاة بِيَمِين الْقَضَاء)
(مقتطفة من الْبَاب الرَّابِع من الْقسم الثَّانِي فِي أَنْوَاع الْبَينَات من معِين الْحُكَّام، صفحة / ١١٣) .
يَمِين الْمُسْتَحق على الْبَتّ: أَنه مَا بَاعَ وَلَا وهب.
وَيَمِين الْوَرَثَة على الْعلم أَنه مَا خرج عَن ملك مُورثهم بِوَجْه من الْوُجُوه كلهَا، وَأَن ملك جَمِيعهم (يَعْنِي الْوَرَثَة) بَاقٍ عَلَيْهِ إِلَى حِين يمينهم، وَهَذِه التَّتِمَّة فِي الْيَمين تكون على الْبَتّ.
إِذا ادّعى رجل بدين على ميت وَأقَام الْبَيِّنَة التَّامَّة عَلَيْهِ، فَإِن كَانَ الْوَرَثَة كبارًا وَلم يدعوا دفع الدّين من مُورثهم وَلَا من أنفسهم لَا يلْزم رب الدّين يَمِين، بِخِلَاف مَا لَو كَانُوا صغَارًا فَلَا بُد من الْيَمين.
وَنقل عَن الصفحة الْمَذْكُورَة قبل هَذَا، عَن التَّجْرِيد، أَن الْمَدْيُون إِذا أَقَامَ الْبَيِّنَة على إفلاسه، فَادّعى رب الدّين أَن لَهُ مَالا بَاطِنا حلفه القَاضِي بعد شَهَادَة الشُّهُود. وَعلله بِأَنَّهُ ادّعى شَيْئا خَارِجا عَن علم الشُّهُود. ثمَّ نقل مَا تقدم وَقَالَ عقبه: وَهُوَ (أَي قَوْلهم: فَإِن كَانَ الْوَرَثَة كبارًا وَلم يدعوا دفع الدّين وَلَا من أنفسهم لَا يلْزم رب الدّين يَمِين) يُؤَيّد عبارَة التَّجْرِيد. ثمَّ نقل عَن بعض الْمُتَأَخِّرين التَّحْلِيف وَأطْلقهُ، وَلم يفصل بَين مَا إِذا ادّعى شَيْئا خَارِجا عَن علم الشُّهُود أَولا. وَالْإِطْلَاق هُوَ الْمَذْكُور فِي عَامَّة الْكتب وَجَرت عَلَيْهِ الْمجلة فِي الْمَادَّة / ١٧٤٦.
ثمَّ قَالَ فِي معِين الْحُكَّام من الْبَاب الْمَذْكُور: وَالْيَمِين فِي ذَلِك (أَي فِيمَا إِذا ادّعى الْوَرَثَة دينا لمورثهم فِي تَرِكَة ميت) على من يظنّ بِهِ علم ذَلِك، وَلَا يَمِين على من لَا يظنّ بِهِ علم ذَلِك وَلَا على صَغِير. وَمن نكل مِمَّن تلْزمهُ الْيَمين مِنْهُم سقط من الدّين حِصَّته فَقَط.
стр. 342
ثمَّ زَاد فِي أول الْفَصْل بعد الْبَاب (صفحة / ١١٤) مَسْأَلَة يحلف الْخصم فِيهَا يَمِين الِاسْتِظْهَار بعد إِقَامَة الْبَيِّنَة، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: إِذا قَامَت بَيِّنَة للْغَرِيم الْمَجْهُول الْحَال بِأَنَّهُ معدم، فَلَا بُد من يَمِينه أَنه لَيْسَ لَهُ مَال ظَاهر وَلَا بَاطِن، وَإِن وجد مَالا يُؤَدِّي حَقه عَاجلا. وَعلله بقوله: لِأَن الْبَيِّنَة إِنَّمَا شهِدت على الظَّاهِر، وَلَعَلَّه غيب مَالا. ثمَّ قَالَ فِي آخر الْفَصْل الْمَذْكُور: ضَابِط هَذَا الْبَاب: " أَن كل بَيِّنَة شهِدت بِظَاهِر فَإِنَّهُ يستظهر بِيَمِين الطَّالِب على بَاطِن الْأَمر " انْتهى. ثمَّ ذكر فِي الصفحة / ١١٤ / الْمَذْكُورَة فِي الْفَصْل التَّالِي للفصل المسطور وَمَا لَفظه: " تَنْبِيه " فَإِذا حلف مرّة وَتَأَخر الْقَضَاء لم يَصح أَن يحلف ثَانِيَة للتوهم الْمُحْتَمل. انْتهى. أَي لتوهم أَنه استوفى أَو أَبرَأَهُ ... . إِلَخ.
стр. 343
((الصفحة فارغة)) .
стр. 344
(الْقَاعِدَة السَّادِسَة وَالسَّبْعُونَ (الْمَادَّة / ٧٧))
(" الْبَيِّنَة لإِثْبَات خلاف الظَّاهِر، وَالْيَمِين لإبقاء الأَصْل ")
(الشَّرْح مَعَ التطبيق)
" الْبَيِّنَة " شرعت " لإِثْبَات خلاف الظَّاهِر " أَي خلاف الأَصْل، كإضافة الْحَادِث إِلَى أبعد أوقاته، وكعدم بَقَاء مَا كَانَ، وكوجود الصِّفَات الْعَارِضَة، وكشغل الذِّمَّة. فَإِن كل ذَلِك خلاف الأَصْل، فَإِن الأَصْل إِضَافَة الْحَادِث إِلَى أقرب أوقاته، وَبَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَعدم وجود الصِّفَات الْعَارِضَة، وَبَرَاءَة الذِّمَّة. فَلَا يحكم بِخِلَاف الأَصْل إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ.
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ الأَصْل فِيهِ الْخُصُوص، كَالْوكَالَةِ وَالْعَارِية، والعموم كالمضاربة، وَالشَّرِكَة، فَإِنَّهُ لَا يحكم فِي كل مِنْهَا بِخِلَاف الأَصْل إِلَّا بِبَيِّنَة.
" الْيَمين " شرعت " لإبقاء الأَصْل " على مَا كَانَ عَلَيْهِ من عدمٍ إِن كَانَ الأَصْل عدم الْمُتَنَازع فِيهِ، كالصفات الْعَارِضَة، أَو وجود إِن كَانَ الأَصْل وجود الْمُتَنَازع فِيهِ، كالصفات الْأَصْلِيَّة كَمَا تقدم فِي الْكَلَام على الْمَادَّة التَّاسِعَة.
فَإِذا تمسك أحد المتخاصمين بِمَا هُوَ الأَصْل وَعجز الآخر عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة على مَا ادَّعَاهُ من خِلَافه يكون القَوْل قَول من يتَمَسَّك بِالْأَصْلِ بِيَمِينِهِ.
(الْمُسْتَثْنى)
خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل:
стр. 345
مِنْهَا: مَا لَو ادّعى الْمُودع رد الْوَدِيعَة أَو هلاكها، فَالْقَوْل قَوْله، مَعَ أَن كلا من الرَّد والهلاك عَارض وَالْأَصْل عَدمه ...
وَمَا لَو اخْتلف فِي الصِّحَّة وَالْمَرَض، فَالْقَوْل قَول من يَدعِي الْمَرَض، وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة من يَدعِي الصِّحَّة، كَمَا فِي الْمَادَّة / ١٧٦٦ / من الْمجلة، مَعَ أَن الْمَرَض عَارض وَالْأَصْل الصِّحَّة.
وَمِنْهَا: مَا لَو اخْتلف فِي الْعقل وَالْجُنُون، فَالْقَوْل قَول من يَدعِي الْجُنُون، وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة من يَدعِي الْعقل، كَمَا فِي الْمَادَّة / ١٧٦٧ / من الْمجلة.
وَمِنْهَا مَا لَو اخْتلف فِي الْقدَم والحدوث فَالْقَوْل قَول من يَدعِي الْقدَم، وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة مدعي الْحُدُوث، كَمَا فِي الْمَادَّة / ١٧٦٨ / من الْمجلة. (انْظُر مَا كتبناه على الْمَادَّة الثَّامِنَة) .
وَإِنَّمَا خرجت هَذِه لِأَن مدعي الْهَلَاك، أَو الرَّد، أَو الْمَرَض، أَو الْجُنُون، أَو الْقدَم إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَة مُنكر لما يَدعِيهِ الْمُدَّعِي من الضَّمَان فِي الأولى، وَمن حق إِزَالَة مَا يَدعِي حُدُوثه فِي الْأَخِيرَة، وَمن مُوجب عقد الْمَرِيض وَالْمَجْنُون فِي الْبَاقِي.
(تَنْبِيه:)
حَيْثُ كَانَت الْبَيِّنَة لإِثْبَات خلاف الظَّاهِر فَهِيَ لَا تُقَام على النَّفْي، لِأَن نفي الْمُدعى بِهِ إِمَّا عبارَة عَن دَعْوَى عدم وجوده، وَدَعوى عدم وجوده هِيَ الأَصْل فِيمَا كَانَ عارضاً، أَو عبارَة عَن دَعْوَى عدم زَوَاله، وَإِن دَعْوَى عدم زَوَاله هِيَ الأَصْل فِيمَا كَانَ وجودياً (انْظُر مَا كتبناه على الْمَادَّة التَّاسِعَة) .
والبينات تُقَام لإِثْبَات خلاف الأَصْل. وَلَا فرق فِي عدم سماعهَا على النَّفْي بَين مَا يُحِيط بِهِ علم الشَّاهِد وَبَين مَا لَا يُحِيط (كَمَا فِي الْهِدَايَة، من بَاب الْيَمين فِي الْحَج وَالصَّلَاة) .
فَلَو ادّعى عَلَيْهِ أَنه بَاعَ أَو اشْترى أَو آجر أَو اسْتَأْجر أَو أقرّ أَو فعل كَذَا مِمَّا يلْزمه بِهِ ضَمَان أَو قصاص مثلا فِي الْمَكَان الْفُلَانِيّ فِي الْيَوْم الْفُلَانِيّ من السّنة الْفُلَانِيَّة، فَأَقَامَ الْمُدعى عَلَيْهِ بَيِّنَة شهِدت أَنه لم يفعل ذَلِك فِي ذَلِك الْيَوْم
стр. 346
لَا تقبل، أَو أَقَامَ بَيِّنَة شهِدت بِأَنَّهُ فِي الْيَوْم الْمَذْكُور لم يكن فِي ذَلِك الْمَكَان لَا تقبل.
نعم، إِذا كَانَ عدم وجوده فِي ذَلِك الْمَكَان أمرا مستفيضاً متواتراً عِنْد النَّاس لَا تسمع الدَّعْوَى بِهِ، لِئَلَّا يلْزم تَكْذِيب الثَّابِت بِالضَّرُورَةِ (كَمَا فِي رد الْمُحْتَار، قبيل بَاب الِاخْتِلَاف فِي الشَّهَادَة) .
وَلم يقبلُوا الشَّهَادَة على النَّفْي إِلَّا فِي الشُّرُوط (كَمَا فِي رد الْمُحْتَار، من بَاب الْيَمين فِي البيع وَالشِّرَاء، من كتاب الْأَيْمَان، نقلا عَن الْمَبْسُوط) .
ثمَّ الشُّرُوط على قسمَيْنِ: الْقسم الأول _ الشُّرُوط الْمُعَلق عَلَيْهَا: كَمَا لَو علق طَلَاق زَوجته على عدم فعل الشَّيْء الْفُلَانِيّ فِي وَقت معِين، ثمَّ اخْتَصمَا بعد مُضِيّ الْوَقْت الْمعِين، فَادّعى أَنه فعله، وَادعت أَنه لم يَفْعَله، فَإِن القَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ أَنه فعله، لِأَنَّهُ بِدَعْوَاهُ الْفِعْل يُنكر وُقُوع الطَّلَاق، وَالْبَيِّنَة بينتها. فَلَو أَقَامَت بَيِّنَة شهِدت أَنه لم يَفْعَله فِي ذَلِك الْوَقْت تقبل وَيقْضى بِوُقُوع الطَّلَاق.
وَكَذَا لَو قَالَ الآخر: إِن لم أوافك بمديونك فلَان فِي الْيَوْم الْفُلَانِيّ فَأَنا كَفِيل بِمَا لَك عَلَيْهِ، ثمَّ اخْتلفَا بعد مُضِيّ الْيَوْم الْمَذْكُور فَقَالَ: وافيتك بِهِ، وَأنكر الدَّائِن، فَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الدَّائِن على أَنه لم يوافه بِهِ وَالْقَوْل قَول الآخر بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ يُنكر الْكفَالَة. وَانْظُر مَا نَقَلْنَاهُ فِي كلامنا على الْمَادَّة التَّاسِعَة، عَن الْبَاب السَّابِع من الْكفَالَة من كتاب الذَّخِيرَة، فَإِنَّهُ ضَرُورِيّ.
(الْقسم الثَّانِي _ الشُّرُوط الَّتِي تتَوَقَّف عَلَيْهَا الصِّحَّة فِي الْعُقُود:)
فَإِذا اخْتلف المتعاقدان فِي صِحَة عقد وفساده، فَالْقَوْل قَول مدعي الصِّحَّة، وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة مدعي الْفساد (كَمَا هُوَ مَعْلُوم) حَتَّى لَو كَانَ الْفساد لفقد شَرط من شُرُوط الصِّحَّة فَالْبَيِّنَة بَيِّنَة مدعي الْفساد على نفي وجوده. فقد قَالَ فِي الْفَصْل الثَّانِي عشر من جَامع الْفُصُولَيْنِ: ادّعى الْمُسلم إِلَيْهِ أَن السّلم فَاسد لِأَنَّهُ لم يذكر الْأَجَل تقبل بَينته، لِأَن الْأَجَل شَرط لصِحَّة السّلم، فَتقبل الْبَيِّنَة عَلَيْهِ وَلَو كَانَ نفيا.
стр. 347
لَكِن قَوْلهم الْبَيِّنَة تقبل على النَّفْي فِي هَذِه الْمسَائِل مُقَيّد بِمَا إِذا لم تظهر فِي شَهَادَة الشَّاهِد مجازفة، بِأَن كَانَ النَّفْي مِمَّا يُحِيط بِهِ علمه. أما إِذا كَانَ النَّفْي مِمَّا لَا يُحِيط بِهِ علم الشَّاهِد كَمَا لَو حلف إِن لم يَأْكُل الطَّعَام الْفُلَانِيّ فِي السّنة الْفُلَانِيَّة فامرأته طَالِق، ثمَّ مَضَت السّنة وَاخْتلف هُوَ وَالزَّوْجَة فَادّعى أَنه أكله، وأقامت الْبَيِّنَة على أَنه لم يَأْكُل، فَالظَّاهِر أَن هَذِه الْبَيِّنَة لَا تقبل، لظُهُور المجازفة فِيهَا لِاسْتِحَالَة إحاطتهم بِهِ عَادَة.
стр. 348
(الْقَاعِدَة السَّابِعَة وَالسَّبْعُونَ (الْمَادَّة / ٧٨))
(" الْبَيِّنَة حجَّة متعدية، وَالْإِقْرَار حجَّة قَاصِرَة ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" الْبَيِّنَة حجَّة متعدية " أَي متجاوزة إِلَى غير من قَامَت عَلَيْهِ، وملزمة لَهُ " وَالْإِقْرَار حجَّة قَاصِرَة " على نفس الْمقر لَا تتجاوزه إِلَى غَيره، لِأَن كَونه حجَّة يبتنى على زَعمه، وزعمه لَيْسَ بِحجَّة على غَيره (انْظُر مَا نقل عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ تَحت الْقَاعِدَة التالية) .
(ثَانِيًا _ التطبيق)
- وَلذَا صَحَّ الْإِقْرَار بِلَا وجود مُنَازع وَلَا مُوَاجهَة خصم. - وَاقْتصر إِقْرَار الْوَارِث بدين على التَّرِكَة. - وَاقْتصر إِقْرَار الْمُسْتَحق عَلَيْهِ بِالْعينِ الْمُسْتَحقَّة على أَنفسهمَا، فَينفذ إِقْرَار الْوَارِث على نَفسه بِقدر حِصَّته، وَلَا يرجع الْمُسْتَحق عَلَيْهِ على بَائِعه بِالثّمن، وَتسمع دَعْوَى بَائِعه الْملك الْمُطلق على الْمُسْتَحق.
- وَبَطل إِقْرَار الْوَصِيّ وَالْمُتوَلِّيّ على التَّرِكَة وَالْوَقْف.
- وَكَانَ الْإِقْرَار يعْتَمد الْأَهْلِيَّة بِالْبُلُوغِ وَالْعقل فَقَط، وَلَا يعْتَمد الْولَايَة على غير الْمقر، بِخِلَاف الشَّهَادَة، فَإِنَّهَا حجَّة متعدية، وَلذَا كَانَت تعتمد الْولَايَة، فَلَا تقبل شَهَادَة من لَا ولَايَة لَهُ أصلا، كالصغير، أَو لَا ولَايَة لَهُ على الْمَشْهُود عَلَيْهِ كَغَيْر الْمُسلم إِذا كَانَ الْمَشْهُود عَلَيْهِ مُسلما، فَحَيْثُ كَانَت الْبَيِّنَة متعدية وتعتمد
стр. 349
الْولَايَة تكون حجَّة على من قَامَت بمواجهته وعَلى غَيره، وَيشْتَرط لَهَا حُضُور الْخصم واتصال الْقَضَاء بهَا، فَإِذا ثَبت الدّين على التَّرِكَة بِالْبَيِّنَةِ يثبت فِي حق جَمِيع الْوَرَثَة، سَوَاء كَانَ الثُّبُوت بمواجهة الْوَصِيّ أَو بمواجهة أحد الْوَرَثَة. وَكَذَا إِذا ثَبت الِاسْتِحْقَاق بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يثبت فِي حق ذِي الْيَد وَفِي حق من تلقى ذُو الْيَد الْملك مِنْهُ، فَلَا تسمع دَعْوَى بَائِعه الْملك على الْمُسْتَحق (إِلَّا دَعْوَى النِّتَاج أَو دَعْوَى تلقي الْملك مِنْهُ مُبَاشرَة أَو بالواسطة) لِأَنَّهُ صَار مقضياً عَلَيْهِ، لَكِن بِشَرْط أَن يكون الْمُسْتَحق عَلَيْهِ قد ادّعى حِين الْخُصُومَة قبل الحكم بِالِاسْتِحْقَاقِ الْملك بالتلقي مِنْهُ.
(تَنْبِيه:)
الْمسَائِل الَّتِي تُقَام فِيهَا الْبَيِّنَة مَعَ إِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لأجل تعدِي الثُّبُوت إِلَى غير الْمقر: وَمن جملَة هَذِه الْمسَائِل: مَا لَو ادّعى رجل على آخر حَقًا لأبي الْمُدَّعِي، وَهُوَ مقرّ بِهِ أَو لَا، فَلهُ إِثْبَات نسبه عِنْد القَاضِي بِحَضْرَة الْمُدعى عَلَيْهِ (ر: بَاب دَعْوَى النّسَب من الدّرّ الْمُخْتَار) .
وَمِنْهَا: مَا لَو كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ مقرا فِي دَعْوَى الدّين على التَّرِكَة بمواجهة أحد الْوَرَثَة، وَدَعوى الِاسْتِحْقَاق المذكورتين فِي هَذِه الْمَادَّة، فَإِن للْمُدَّعِي إِقَامَة الْبَيِّنَة مَعَ إقرارهم، ليتعدى الثُّبُوت إِلَى بَقِيَّة الْوَرَثَة وَإِلَى البَائِع الْأَصْلِيّ.
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل يتَعَدَّى فِيهَا الْإِقْرَار على غير الْمقر: مِنْهَا: مَا لَو أقرّ الْمُؤَجّر بدين لَا وَفَاء لَهُ إِلَّا بِبيع الْعين المأجورة، فَإِن الْإِجَارَة تفسخ وَيُبَاع الْمَأْجُور لوفاء الدّين.
وَمِنْهَا مَا لَو كَانَ شَيْء فِي يَد رجل فَادَّعَاهُ اثْنَان بِالشِّرَاءِ مِنْهُ، كل على حِدة، أَو ادّعى كل مِنْهُمَا أَنه رَهنه مِنْهُ وَسلمهُ إِيَّاه، أَو ادّعى أَحدهمَا الشِّرَاء
стр. 350
وَالْآخر الرَّهْن، أَو ادّعى أَحدهمَا الْإِجَارَة وَالْآخر الشِّرَاء، أَو أَحدهمَا الصَّدَقَة مَعَ الْقَبْض وَالْآخر الشِّرَاء، أَو ادّعى كل مِنْهُمَا الْإِجَارَة، وَلَا بَيِّنَة فِي جَمِيع ذَلِك، فَأقر ذُو الْيَد لأَحَدهمَا يمْنَع الآخر بِمُجَرَّد إِقْرَاره للْأولِ وَلَا يسْتَحْلف لَهُ (ر: الدّرّ، آخر كتاب الْوَقْف، والمادة / ١٧٤٢ / من الْمجلة) .
وَمِنْهَا: مَا لَو أقرّ الْأَب على ابْنَته الْبكر الْبَالِغَة بِقَبْضِهِ مهرهَا من زَوجهَا، فَإِنَّهُ حجَّة عَلَيْهَا، وتبرأ بِهِ ذمَّة الزَّوْج.
وَمِنْهَا: مَا لَو أقرّ اثْنَان من الْوَرَثَة بِولد للمتوفى فَإِنَّهُ يثبت نسبه فِي حق غَيرهم من الْوَرَثَة، وَفِي حق النَّاس كَافَّة، وَلَا يحْتَاج فِي ذَلِك للفظ الشَّهَادَة وَلَا لمجلس الْقَضَاء على الْأَصَح (ر: الدّرّ وحاشيته، دَعْوَى النّسَب) .
وَمِنْهَا: مَا فِي الْفَصْل الْخَامِس عشر من جَامع الْفُصُولَيْنِ (صفحة / ٢٠٢ من المجلد الأول) : لَو ادّعى عينا على آخر وَأَرَادَ تَحْلِيفه فَأقر بِهِ لِابْنِهِ الصَّغِير تنْدَفع عَنهُ الْيَمين، لِأَنَّهُ بعد أَن أقرّ بِهِ لِابْنِهِ الصَّغِير لَا يَصح إِقْرَاره بِهِ لغيره، فَلَا يُفِيد تَحْلِيفه، لِأَن التَّحْلِيف رَجَاء النّكُول، وَهُوَ كَالْإِقْرَارِ. انْتهى بِالْمَعْنَى.
فقد يتَعَدَّى الْإِقْرَار فِي هَذِه الصُّورَة، لَكِن تقدم (آخر الْكَلَام عَن الْمَادَّة / ٧٦) نقلا عَن الْبَاب السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ فِي الْقَضَاء بِدَعْوَى الْوَقْف من معِين الْحُكَّام أَن الْمُفْتى بِهِ قَول مُحَمَّد من أَنه لَو أَرَادَ تَحْلِيف الْأَب ليَأْخُذ الْقيمَة مِنْهُ لَو نكل فَإِنَّهُ يحلف، وَلَو أَرَادَ تَحْلِيفه ليَأْخُذ الْعين لَا يحلف. وَعَلِيهِ فَيحمل مَا فِي الْفُصُولَيْنِ على مَا إِذا طلب تَحْلِيفه ليَأْخُذ الْعين لَو نكل. (انْظُر مَا سَيَأْتِي تَحت الْمَادَّة / ٧٩ / نقلا عَن الْفَصْل الثَّالِث والفصل الْخَامِس عشر من جَامع الْفُصُولَيْنِ) .
(تَنْبِيه:)
إِذا اجْتمعت الْبَيِّنَة مَعَ الْإِقْرَار ثمَّ وَقع الْقَضَاء فَإِنَّهُ يعْتَبر الْقَضَاء وَاقعا
стр. 351
بِسَبَب الْإِقْرَار، إِلَّا فِي مسَائِل تقدّمت فِي الْكَلَام على الْمَادَّة التَّاسِعَة عشرَة يعْتَبر فِيهَا الْقَضَاء وَاقعا بِالْبَيِّنَةِ، لِئَلَّا يتَضَرَّر الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا اعْتبر وَاقعا بِسَبَب الْإِقْرَار فلتراجع. انْتهى.
مِمَّا خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة أَيْضا مَا فِي الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ من جَامع الْفُصُولَيْنِ (صفحة / ٢٠٢) برمز الْجَامِع الْكَبِير: وَكيل البيع أقرّ بِقَبض مُوكله الثّمن يبرأ المُشْتَرِي، كَمَا لَو أقرّ بِقَبض نَفسه. انْتهى.
وَنقل صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ بعد هَذَا عَن صَاحب الذَّخِيرَة أَنه قَالَ: فعلى قِيَاس هَذِه الْمَسْأَلَة يَنْبَغِي أَن يَصح إِقْرَاره بِقَبض الطَّالِب فِي مَسْأَلَة الْوَكِيل بِقَبض الدّين. وَقَالَ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ عقبه: " أَقُول: يُمكن الْفرق بَينهمَا بِأَن وَكيل البيع أصيل فِي قبض الثّمن تعود الْحُقُوق إِلَيْهِ، كَمَا هُوَ مُقَرر فِي مَحَله، فَلهُ أَن يُوكل غَيره بِقَبض ثمنه، كَمَا مر قبيل هَذَا، فَأقر بِمَا لَهُ تسليطه فصح، بِخِلَاف وَكيل الْقَبْض إِذْ لَيْسَ لَهُ التَّوْكِيل فَكَانَ مقرا بِمَا لَيْسَ لَهُ تسليطه فلغا. وَالله أعلم ".
وَنقل هَذَا الْفرق فِي نور الْعين وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَن وَكيل الْخُصُومَة يَصح إِقْرَاره على مُوكله فِي مجْلِس القَاضِي لَا فِي غير مجْلِس القَاضِي وَإِن انْعَزل بِهِ. ثمَّ قَالَ: فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يَصح إِقْرَار الْوَكِيل بِقَبض الطَّالِب كَمَا قَالَ صَاحب الذَّخِيرَة آنِفا.
ثمَّ أيد كَلَام صَاحب الذَّخِيرَة بِمَا ذكره مُحَمَّد فِي الأَصْل من أَن وَكيل الْخُصُومَة أَو الْقَبْض لَو أقرّ فِي مجْلِس الْقَضَاء بِقَبض مُوكله، وَالْمُوكل قد اسْتثْنى إِقْرَاره لم يجز. انْتهى. ثمَّ قَالَ: وَوَجهه التأييد هُوَ أَن الْمَفْهُوم من قَوْله: " وَالْمُوكل قد اسْتثْنى إِقْرَاره " أَنه لَو لم يسْتَثْن جَازَ إِقْرَاره عَلَيْهِ. انْتهى كَلَام نور الْعين.
ولي فِيهِ نظر، فَإِن جَوَاب صَاحب الْفُصُولَيْنِ سديد، وَمَا استشكله بِهِ فِي نور الْعين لَا يرد عَلَيْهِ، فَإِن إِقْرَار وَكيل قبض الدّين بِقَبض مُوكله جنس، وَإِقْرَار
стр. 352
وَكيل البيع بِقَبض مُوكله الثّمن جنس آخر لَا تشابه بَينهمَا فِيمَا يظْهر حَتَّى يَصح تَخْرِيج أَحدهمَا على الآخر وَقِيَاسه عَلَيْهِ. وَذَلِكَ أَن وَكيل البيع أصيل فِي حُقُوق العقد، وَمن جُمْلَتهَا قبض الثّمن، لَا وَكيل فِيهَا، وَلذَا لَا يملك الْمُوكل عَزله عَنْهَا، وَلَا يجْبر المُشْتَرِي على دفع الثّمن للْمُوكل الْمَالِك وَإِن كَانَ لَو دفع لَهُ يبرأ، فَيكون إِقْرَار الْوَكِيل بِقَبض مُوكله الثّمن من المُشْتَرِي إِقْرَارا على نَفسه بِبَرَاءَة ذمَّة المُشْتَرِي حَيْثُ أقرّ بِدَفْعِهِ الثّمن للْمَالِك، وَهُوَ دفع صَحِيح تَبرأ بِهِ ذمَّته. بِخِلَاف وَكيل قبض الدّين ووكيل الْخُصُومَة فَإِنَّهُمَا ليسَا أصليين، وَلذَا يملك الْمُوكل عزلهما أَو يجْبر الْمَدْيُون على الدّفع للْمُوكل لَو طَالبه، فَيكون إِقْرَار الْوَكِيل بِالْقَبْضِ، وَالْحَالة هَذِه، من قبيل إِقْرَار الْإِنْسَان على غَيره لَا إِقْرَاره على نَفسه. فعلى قَول الإِمَام من أَن وَكيل قبض الدّين يملك الْخُصُومَة يَصح إِقْرَاره على مُوكله فِي مجْلِس الْقَضَاء كوكيل الْخُصُومَة، لِأَن الْخُصُومَة إِقْرَار أَو إِنْكَار فالتوكيل بهَا تَوْكِيل بِالْإِقْرَارِ، وَعَلِيهِ يتمشى مَفْهُوم كَلَام الأَصْل الَّذِي تمسك بِهِ نور الْعين لتأييد بحث صَاحب الذَّخِيرَة. وعَلى قَوْلهمَا من أَن وَكيل الْقَبْض لَا يملك الْخُصُومَة وَجَرت عَلَيْهِ الْمجلة فِي الْمَادَّة / ١٥٢٠ / _ لَا يَصح إِقْرَاره على مُوكله بِالْقَبْضِ، وَلَا تَبرأ بِإِقْرَارِهِ هَذَا ذمَّة الْمَدْيُون من الدّين الْمُوكل بِقَبْضِهِ، وَلَا يلْزم من عدم صِحَة إِقْرَاره على مُوكله وَعدم بَرَاءَة ذمَّة الْمَدْيُون أَن تسمع دَعْوَاهُ عَلَيْهِ فَإِن إِقْرَاره بِقَبض مُوكله الدّين يمنعهُ من سَماع دَعْوَاهُ على الْمَدْيُون بِالدّينِ لتناقضه، والمتناقض لَا تسمع دَعْوَاهُ وَإِن كَانَ وَكيلا عَن غَيره. هَذَا مَا ظهر لي، وَالله أعلم.
هَذَا وَقد ذكر هَذَا الْفَرْع فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ عَن فرع الْجَامِع الْكَبِير مُطلقًا عَن التَّقْيِيد، وَلَكِن قَيده فِي الْفَصْل الرَّابِع فِي الْوكَالَة بِالْبيعِ من الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّة بِأَن يكون الْمُوكل سلم الْمَبِيع إِلَى وَكيل البيع. وَزَاد أَن الْمُوكل لَهُ أَن يحلف الْوَكِيل على مَا زعم من أَنه، أَي الْمُوكل، قبض الثّمن من المُشْتَرِي، فَإِن حلف برِئ هُوَ أَيْضا، وَإِن نكل ضمن الثّمن للْمُوكل.
وَمِمَّا خرج عَنْهَا أَيْضا مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ (الْفَصْل / ٣٤
стр. 353
صفحة / ٢٢٤) : لَو أنْفق أَجْنَبِي على بعض الْوَرَثَة فَقَالَ: أنفقت بِأَمْر الْوَصِيّ، وَأقر بِهِ الْوَصِيّ، وَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا بقول الْوَصِيّ بعد مَا أنْفق يقبل قَول الْوَصِيّ لَو كَانَ الْمُنفق عَلَيْهِ صَغِيرا (انْتهى) فقد تعدى إِقْرَار الْوَصِيّ على الصَّغِير.
стр. 354
(الْقَاعِدَة الثَّامِنَة وَالسَّبْعُونَ (الْمَادَّة / ٧٩))
(" الْمَرْء مؤاخذ بِإِقْرَارِهِ ")
(الشَّرْح، مَعَ التطبيق)
الْمَرْء مؤاخذ بِإِقْرَارِهِ إِذا كَانَ بَالغا عَاقِلا طَائِعا فِيهِ، وَلم يصر مُكَذبا فِيهِ بِحكم الْحَاكِم، وَلم يكن محالاً من كل وَجه عقلا أَو شرعا، وَلم يكن مَحْجُورا عَلَيْهِ، وَأَن لَا يكون مِمَّا يكذبهُ ظَاهر الْحَال، وَأَن لَا يكون الْمقر لَهُ مَجْهُولا جَهَالَة فَاحِشَة (ر: الْمَادَّة / ١٥٧٣ و ١٥٧٥ و ١٥٧٧ و ١٥٧٨ من الْمجلة) .
فَلَو اقر صَغِيرا أَو معتوهاً أَو مكْرها لَا يعْتَبر إِقْرَاره إِلَّا فِي السَّارِق إِذا أقرّ مكْرها، فَأفْتى بَعضهم بِصِحَّتِهِ وَرجحه فِي الْبَزَّازِيَّة وَغَيرهَا، كَمَا فِي التكملة.
وَكَذَا إِذا صَار مُكَذبا بِحكم الْحَاكِم بَطل إِقْرَاره (ر: الْمَادَّة / ١٥٨٧ و ١٦٥٤) كَمَا إِذا ادّعى مُشْتَرِي الْعقار أَنه اشْتَرَاهُ بِأَلف مثلا، وَأثبت البَائِع أَن الشِّرَاء كَانَ بِأَلفَيْنِ وَقضى لَهُ، فَإِن الشَّفِيع يَأْخُذهُ بِأَلفَيْنِ وَإِن كَانَ المُشْتَرِي أقرّ بِالشِّرَاءِ بِأَلف، لِأَنَّهُ لما قضى عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ صَار مُكَذبا بِحكم الْحَاكِم وَبَطل إِقْرَاره.
وَكَذَا إِذا كَانَ الْمقر بِهِ محالاً من كل وَجه، عقلا، أَو شرعا: فَالْأول: كَمَا إِذا أقرّ لَهُ بِأَرْش يَده الَّتِي قطعهَا وَهِي قَائِمَة.
وَالثَّانِي: كَمَا إِذا أقرّ لوَارث مَعَه أَنه يسْتَحق بطرِيق الْإِرْث أَكثر من حِصَّته الشَّرْعِيَّة كَانَ بَاطِلا.
стр. 355
وكما لَو أقرّ بِالدّينِ بعد أَن قبل إِبْرَاء الدَّائِن مِنْهُ كَانَ بَاطِلا (كَمَا فِي فصل الاستشراء من دَعْوَى الدُّرَر) .
وكما لَو أقرَّت الْمَرْأَة أَن الْمهْر الَّذِي لَهَا على زَوجهَا هُوَ لفُلَان أَو لوالدها فَإِنَّهُ لَا يَصح (كَمَا فِي مداينات الْأَشْبَاه) .
وكما لَو أقرّ لزوجته بِنَفَقَة مُدَّة مَاضِيَة كَانَت فِيهَا نَاشِزَة، فَإِنَّهُ لَا يَصح إِقْرَاره (كَمَا فِي الْحَمَوِيّ على الْأَشْبَاه، من الْإِقْرَار) .
وَبَقِيَّة التَّمْثِيل للمحترزات يعلم من مُرَاجعَة بَقِيَّة الْموَاد.
أما إِذا كَانَ الْمقر بِهِ لَيْسَ محالاً من كل وَجه، بِأَن كَانَ يُمكن ثُبُوته فِي الْجُمْلَة، كَمَا إِذا أقرّ لصغير بقرض، أَو ثمن مَبِيع بَاعه إِيَّاه أَو أقْرضهُ، صَحَّ وَإِن كَانَ لَا يتَصَوَّر صدوره من الصَّغِير، لِأَن الْمقر مَحل لثُبُوت الدّين عَلَيْهِ للصَّغِير فِي الْجُمْلَة (ر: الْأَشْبَاه) .
(تَنْبِيه:)
يعلم مِمَّا هُنَا حكم حَادِثَة شَرْعِيَّة، وَهِي أَن رجلا فِي عهدته جِهَة إِمَامَة بمعلومها الشهري الْمعِين لَهَا من غلَّة الْوَقْف، فَأقر لغيره بِأَن فلَانا يسْتَحق نصف مَعْلُوم تِلْكَ الْجِهَة دوني، وَلَا شكّ فِي بطلَان هَذَا الْإِقْرَار، لِأَنَّهُ لَا يُمكن شرعا أَن تكون الْجِهَة فِي عُهْدَة زيد أَصَالَة وَالْقِيَام بهَا مُسْتَحقّا عَلَيْهِ، وَيكون شَيْء من معلومها مُسْتَحقّا لعَمْرو، إِذْ يَسْتَحِيل شرعا أَن يكون مَا يسْتَحقّهُ الْإِنْسَان الْحر لِقَاء عمله حَقًا لغيره دونه، وَفِي تَصْحِيح هَذَا الْإِقْرَار تَغْيِير للمشروع، وَهُوَ لَيْسَ فِي وسع الْمقر.
(تَنْبِيه آخر:)
يشْتَرط لاعْتِبَار الْإِقْرَار شرعا وَالْعَمَل بِمُوجبِه أَن لَا يكون اعْتِبَاره وَالْعَمَل بِمُوجبِه مضراً بِالْغَيْر ومفوتاً عَلَيْهِ حَقًا، فَإِن كَانَ مفوتاً عَلَيْهِ حَقًا بَطل، فقد قَالَ فِي أَوَاخِر الْفَصْل الثَّالِث من جَامع الْفُصُولَيْنِ: " وَلَو أقرّ (أَي الْمُدعى عَلَيْهِ دَار) بِالدَّار لغيره بَعْدَمَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهدا وَاحِدًا أَو شَاهِدين قبل الحكم بَطل إِقْرَاره وَلَا تنْدَفع بِهِ الدَّعْوَى. فَلَو جَاءَ الْمُدَّعِي بِالشَّاهِدِ الآخر أَو ظَهرت عَدَالَة الشَّاهِدين وَالدَّار فِي يَد الْمقر بعد فَالْقَاضِي يحكم على الْمقر. انْتهى.
следующие страницы →