← Каваид фикха

Каваид фикха · id 6330

شرح القواعد الفقهية

أحمد الزرقا

Полный текст (439 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بِسَبَب الْإِقْرَار، إِلَّا فِي مسَائِل تقدّمت فِي الْكَلَام على الْمَادَّة التَّاسِعَة عشرَة يعْتَبر فِيهَا الْقَضَاء وَاقعا بِالْبَيِّنَةِ، لِئَلَّا يتَضَرَّر الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا اعْتبر وَاقعا بِسَبَب الْإِقْرَار فلتراجع. انْتهى. مِمَّا خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة أَيْضا مَا فِي الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ من جَامع الْفُصُولَيْنِ (صفحة / ٢٠٢) برمز الْجَامِع الْكَبِير: وَكيل البيع أقرّ بِقَبض مُوكله الثّمن يبرأ المُشْتَرِي، كَمَا لَو أقرّ بِقَبض نَفسه. انْتهى. وَنقل صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ بعد هَذَا عَن صَاحب الذَّخِيرَة أَنه قَالَ: فعلى قِيَاس هَذِه الْمَسْأَلَة يَنْبَغِي أَن يَصح إِقْرَاره بِقَبض الطَّالِب فِي مَسْأَلَة الْوَكِيل بِقَبض الدّين. وَقَالَ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ عقبه: " أَقُول: يُمكن الْفرق بَينهمَا بِأَن وَكيل البيع أصيل فِي قبض الثّمن تعود الْحُقُوق إِلَيْهِ، كَمَا هُوَ مُقَرر فِي مَحَله، فَلهُ أَن يُوكل غَيره بِقَبض ثمنه، كَمَا مر قبيل هَذَا، فَأقر بِمَا لَهُ تسليطه فصح، بِخِلَاف وَكيل الْقَبْض إِذْ لَيْسَ لَهُ التَّوْكِيل فَكَانَ مقرا بِمَا لَيْسَ لَهُ تسليطه فلغا. وَالله أعلم ". وَنقل هَذَا الْفرق فِي نور الْعين وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَن وَكيل الْخُصُومَة يَصح إِقْرَاره على مُوكله فِي مجْلِس القَاضِي لَا فِي غير مجْلِس القَاضِي وَإِن انْعَزل بِهِ. ثمَّ قَالَ: فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يَصح إِقْرَار الْوَكِيل بِقَبض الطَّالِب كَمَا قَالَ صَاحب الذَّخِيرَة آنِفا. ثمَّ أيد كَلَام صَاحب الذَّخِيرَة بِمَا ذكره مُحَمَّد فِي الأَصْل من أَن وَكيل الْخُصُومَة أَو الْقَبْض لَو أقرّ فِي مجْلِس الْقَضَاء بِقَبض مُوكله، وَالْمُوكل قد اسْتثْنى إِقْرَاره لم يجز. انْتهى. ثمَّ قَالَ: وَوَجهه التأييد هُوَ أَن الْمَفْهُوم من قَوْله: " وَالْمُوكل قد اسْتثْنى إِقْرَاره " أَنه لَو لم يسْتَثْن جَازَ إِقْرَاره عَلَيْهِ. انْتهى كَلَام نور الْعين. ولي فِيهِ نظر، فَإِن جَوَاب صَاحب الْفُصُولَيْنِ سديد، وَمَا استشكله بِهِ فِي نور الْعين لَا يرد عَلَيْهِ، فَإِن إِقْرَار وَكيل قبض الدّين بِقَبض مُوكله جنس، وَإِقْرَار

стр. 352

وَكيل البيع بِقَبض مُوكله الثّمن جنس آخر لَا تشابه بَينهمَا فِيمَا يظْهر حَتَّى يَصح تَخْرِيج أَحدهمَا على الآخر وَقِيَاسه عَلَيْهِ. وَذَلِكَ أَن وَكيل البيع أصيل فِي حُقُوق العقد، وَمن جُمْلَتهَا قبض الثّمن، لَا وَكيل فِيهَا، وَلذَا لَا يملك الْمُوكل عَزله عَنْهَا، وَلَا يجْبر المُشْتَرِي على دفع الثّمن للْمُوكل الْمَالِك وَإِن كَانَ لَو دفع لَهُ يبرأ، فَيكون إِقْرَار الْوَكِيل بِقَبض مُوكله الثّمن من المُشْتَرِي إِقْرَارا على نَفسه بِبَرَاءَة ذمَّة المُشْتَرِي حَيْثُ أقرّ بِدَفْعِهِ الثّمن للْمَالِك، وَهُوَ دفع صَحِيح تَبرأ بِهِ ذمَّته. بِخِلَاف وَكيل قبض الدّين ووكيل الْخُصُومَة فَإِنَّهُمَا ليسَا أصليين، وَلذَا يملك الْمُوكل عزلهما أَو يجْبر الْمَدْيُون على الدّفع للْمُوكل لَو طَالبه، فَيكون إِقْرَار الْوَكِيل بِالْقَبْضِ، وَالْحَالة هَذِه، من قبيل إِقْرَار الْإِنْسَان على غَيره لَا إِقْرَاره على نَفسه. فعلى قَول الإِمَام من أَن وَكيل قبض الدّين يملك الْخُصُومَة يَصح إِقْرَاره على مُوكله فِي مجْلِس الْقَضَاء كوكيل الْخُصُومَة، لِأَن الْخُصُومَة إِقْرَار أَو إِنْكَار فالتوكيل بهَا تَوْكِيل بِالْإِقْرَارِ، وَعَلِيهِ يتمشى مَفْهُوم كَلَام الأَصْل الَّذِي تمسك بِهِ نور الْعين لتأييد بحث صَاحب الذَّخِيرَة. وعَلى قَوْلهمَا من أَن وَكيل الْقَبْض لَا يملك الْخُصُومَة وَجَرت عَلَيْهِ الْمجلة فِي الْمَادَّة / ١٥٢٠ / _ لَا يَصح إِقْرَاره على مُوكله بِالْقَبْضِ، وَلَا تَبرأ بِإِقْرَارِهِ هَذَا ذمَّة الْمَدْيُون من الدّين الْمُوكل بِقَبْضِهِ، وَلَا يلْزم من عدم صِحَة إِقْرَاره على مُوكله وَعدم بَرَاءَة ذمَّة الْمَدْيُون أَن تسمع دَعْوَاهُ عَلَيْهِ فَإِن إِقْرَاره بِقَبض مُوكله الدّين يمنعهُ من سَماع دَعْوَاهُ على الْمَدْيُون بِالدّينِ لتناقضه، والمتناقض لَا تسمع دَعْوَاهُ وَإِن كَانَ وَكيلا عَن غَيره. هَذَا مَا ظهر لي، وَالله أعلم. هَذَا وَقد ذكر هَذَا الْفَرْع فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ عَن فرع الْجَامِع الْكَبِير مُطلقًا عَن التَّقْيِيد، وَلَكِن قَيده فِي الْفَصْل الرَّابِع فِي الْوكَالَة بِالْبيعِ من الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّة بِأَن يكون الْمُوكل سلم الْمَبِيع إِلَى وَكيل البيع. وَزَاد أَن الْمُوكل لَهُ أَن يحلف الْوَكِيل على مَا زعم من أَنه، أَي الْمُوكل، قبض الثّمن من المُشْتَرِي، فَإِن حلف برِئ هُوَ أَيْضا، وَإِن نكل ضمن الثّمن للْمُوكل. وَمِمَّا خرج عَنْهَا أَيْضا مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ (الْفَصْل / ٣٤

стр. 353

صفحة / ٢٢٤) : لَو أنْفق أَجْنَبِي على بعض الْوَرَثَة فَقَالَ: أنفقت بِأَمْر الْوَصِيّ، وَأقر بِهِ الْوَصِيّ، وَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا بقول الْوَصِيّ بعد مَا أنْفق يقبل قَول الْوَصِيّ لَو كَانَ الْمُنفق عَلَيْهِ صَغِيرا (انْتهى) فقد تعدى إِقْرَار الْوَصِيّ على الصَّغِير.

стр. 354

(الْقَاعِدَة الثَّامِنَة وَالسَّبْعُونَ (الْمَادَّة / ٧٩)) (" الْمَرْء مؤاخذ بِإِقْرَارِهِ ") (الشَّرْح، مَعَ التطبيق) الْمَرْء مؤاخذ بِإِقْرَارِهِ إِذا كَانَ بَالغا عَاقِلا طَائِعا فِيهِ، وَلم يصر مُكَذبا فِيهِ بِحكم الْحَاكِم، وَلم يكن محالاً من كل وَجه عقلا أَو شرعا، وَلم يكن مَحْجُورا عَلَيْهِ، وَأَن لَا يكون مِمَّا يكذبهُ ظَاهر الْحَال، وَأَن لَا يكون الْمقر لَهُ مَجْهُولا جَهَالَة فَاحِشَة (ر: الْمَادَّة / ١٥٧٣ و ١٥٧٥ و ١٥٧٧ و ١٥٧٨ من الْمجلة) . فَلَو اقر صَغِيرا أَو معتوهاً أَو مكْرها لَا يعْتَبر إِقْرَاره إِلَّا فِي السَّارِق إِذا أقرّ مكْرها، فَأفْتى بَعضهم بِصِحَّتِهِ وَرجحه فِي الْبَزَّازِيَّة وَغَيرهَا، كَمَا فِي التكملة. وَكَذَا إِذا صَار مُكَذبا بِحكم الْحَاكِم بَطل إِقْرَاره (ر: الْمَادَّة / ١٥٨٧ و ١٦٥٤) كَمَا إِذا ادّعى مُشْتَرِي الْعقار أَنه اشْتَرَاهُ بِأَلف مثلا، وَأثبت البَائِع أَن الشِّرَاء كَانَ بِأَلفَيْنِ وَقضى لَهُ، فَإِن الشَّفِيع يَأْخُذهُ بِأَلفَيْنِ وَإِن كَانَ المُشْتَرِي أقرّ بِالشِّرَاءِ بِأَلف، لِأَنَّهُ لما قضى عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ صَار مُكَذبا بِحكم الْحَاكِم وَبَطل إِقْرَاره. وَكَذَا إِذا كَانَ الْمقر بِهِ محالاً من كل وَجه، عقلا، أَو شرعا: فَالْأول: كَمَا إِذا أقرّ لَهُ بِأَرْش يَده الَّتِي قطعهَا وَهِي قَائِمَة. وَالثَّانِي: كَمَا إِذا أقرّ لوَارث مَعَه أَنه يسْتَحق بطرِيق الْإِرْث أَكثر من حِصَّته الشَّرْعِيَّة كَانَ بَاطِلا.

стр. 355

وكما لَو أقرّ بِالدّينِ بعد أَن قبل إِبْرَاء الدَّائِن مِنْهُ كَانَ بَاطِلا (كَمَا فِي فصل الاستشراء من دَعْوَى الدُّرَر) . وكما لَو أقرَّت الْمَرْأَة أَن الْمهْر الَّذِي لَهَا على زَوجهَا هُوَ لفُلَان أَو لوالدها فَإِنَّهُ لَا يَصح (كَمَا فِي مداينات الْأَشْبَاه) . وكما لَو أقرّ لزوجته بِنَفَقَة مُدَّة مَاضِيَة كَانَت فِيهَا نَاشِزَة، فَإِنَّهُ لَا يَصح إِقْرَاره (كَمَا فِي الْحَمَوِيّ على الْأَشْبَاه، من الْإِقْرَار) . وَبَقِيَّة التَّمْثِيل للمحترزات يعلم من مُرَاجعَة بَقِيَّة الْموَاد. أما إِذا كَانَ الْمقر بِهِ لَيْسَ محالاً من كل وَجه، بِأَن كَانَ يُمكن ثُبُوته فِي الْجُمْلَة، كَمَا إِذا أقرّ لصغير بقرض، أَو ثمن مَبِيع بَاعه إِيَّاه أَو أقْرضهُ، صَحَّ وَإِن كَانَ لَا يتَصَوَّر صدوره من الصَّغِير، لِأَن الْمقر مَحل لثُبُوت الدّين عَلَيْهِ للصَّغِير فِي الْجُمْلَة (ر: الْأَشْبَاه) . (تَنْبِيه:) يعلم مِمَّا هُنَا حكم حَادِثَة شَرْعِيَّة، وَهِي أَن رجلا فِي عهدته جِهَة إِمَامَة بمعلومها الشهري الْمعِين لَهَا من غلَّة الْوَقْف، فَأقر لغيره بِأَن فلَانا يسْتَحق نصف مَعْلُوم تِلْكَ الْجِهَة دوني، وَلَا شكّ فِي بطلَان هَذَا الْإِقْرَار، لِأَنَّهُ لَا يُمكن شرعا أَن تكون الْجِهَة فِي عُهْدَة زيد أَصَالَة وَالْقِيَام بهَا مُسْتَحقّا عَلَيْهِ، وَيكون شَيْء من معلومها مُسْتَحقّا لعَمْرو، إِذْ يَسْتَحِيل شرعا أَن يكون مَا يسْتَحقّهُ الْإِنْسَان الْحر لِقَاء عمله حَقًا لغيره دونه، وَفِي تَصْحِيح هَذَا الْإِقْرَار تَغْيِير للمشروع، وَهُوَ لَيْسَ فِي وسع الْمقر. (تَنْبِيه آخر:) يشْتَرط لاعْتِبَار الْإِقْرَار شرعا وَالْعَمَل بِمُوجبِه أَن لَا يكون اعْتِبَاره وَالْعَمَل بِمُوجبِه مضراً بِالْغَيْر ومفوتاً عَلَيْهِ حَقًا، فَإِن كَانَ مفوتاً عَلَيْهِ حَقًا بَطل، فقد قَالَ فِي أَوَاخِر الْفَصْل الثَّالِث من جَامع الْفُصُولَيْنِ: " وَلَو أقرّ (أَي الْمُدعى عَلَيْهِ دَار) بِالدَّار لغيره بَعْدَمَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهدا وَاحِدًا أَو شَاهِدين قبل الحكم بَطل إِقْرَاره وَلَا تنْدَفع بِهِ الدَّعْوَى. فَلَو جَاءَ الْمُدَّعِي بِالشَّاهِدِ الآخر أَو ظَهرت عَدَالَة الشَّاهِدين وَالدَّار فِي يَد الْمقر بعد فَالْقَاضِي يحكم على الْمقر. انْتهى.

стр. 356

وَمثل إِقَامَة الشَّاهِد أَو الشَّاهِدين فِي الحكم مَا لَو أَرَادَ الْمُدَّعِي تَحْلِيف الْمُدعى عَلَيْهِ فَأقر بِالْعينِ الْمُدعى بهَا لغيره فَإِنَّهُ لَا تنْدَفع عَنهُ الْيَمين (كَمَا فِي الْفَصْل الْخَامِس عشر من جَامع الْفُصُولَيْنِ، أَو ص ٢٠٢) . وَالظَّاهِر أَن هَذَا مُقَيّد بِمَا إِذا كَانَ الْمقر لَهُ، وَالْحَالة هَذِه، غير صَغِير أَو وقف، بِدَلِيل مَا تقدم تَحت الْمَادَّة / ٧٨ / عَن الْفَصْل الْخَامِس من جَامع الْفُصُولَيْنِ فَانْظُرْهُ. فقد بَطل الْإِقْرَار لما كَانَ تَصْحِيحه وَالْعَمَل بِمُوجبِه مضراً بِالْغَيْر، وَهُوَ الْمُدَّعِي، ومفوتاً عَلَيْهِ حَقًا. وَلَيْسَ بمستنكر تَفْرِيع هَذَا على الْفَقْرَة الثَّانِيَة من الْقَاعِدَة السَّابِقَة وَهِي: " الْإِقْرَار حجَّة قَاصِرَة " ثمَّ لينْظر مَا لَو كَانَت الدَّار الْمُدعى بهَا فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة عِنْد ظُهُور عَدَالَة الشَّاهِدين لَيست فِي يَد الْمقر، بل كَانَ سلمهَا للْمقر لَهُ. وَالظَّاهِر أَن الْحَاكِم يَنْزِعهَا من يَده ويسلمها للْمُدَّعِي. وَإِذا كَانَ غَائِبا يُخَيّر الْحَاكِم المُشْتَرِي: إِن شَاءَ أَخذ من الْمقر الْقيمَة، وَإِن شَاءَ انْتظر، حَتَّى يقدم الْغَائِب. فقد نقل فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، من الْمحل الْمَذْكُور، عَن الأَصْل بعيد مَا تقدم مَا لَفظه: " فَلَو برهن (أَي الْمُدَّعِي) ثمَّ بَاعه (أَي بَاعَ الْمُدعى عَلَيْهِ الْمُدعى) فَلَو قدرت على المُشْتَرِي أبطلت البيع وَلَو لم أقدر عَلَيْهِ وَعدلت الْبَيِّنَة خيرت الْمُدَّعِي: لَو شَاءَ أَخذ من البَائِع قِيمَته، وَلَو شَاءَ وقف الْأَمر حَتَّى يقدم المُشْتَرِي " (انْتهى) . وَالظَّاهِر أَن مَا قيل فِي صُورَة التَّسْلِيم بِحكم البيع يُقَال فِي التَّسْلِيم بِحكم الْإِقْرَار، بل هُوَ أولى. (تَنْبِيه آخر:) لَو أقرّ ثمَّ ادّعى الْخَطَأ لَا يصدق (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، قبيل كتاب الصُّلْح) . وَلَو أقرّ فَلَمَّا اسْتندَ خَصمه إِلَى إِقْرَاره ادّعى أَنه كَانَ كَاذِبًا فِيهِ وَطلب من الْحَاكِم تَحْلِيف الْيَمين على أَنه لم يكن كَاذِبًا فِي إِقْرَاره فَإِن الْحَاكِم يحلفهُ (ر: الْمَادَّة / ١٥٨٩ من الْمجلة) إِلَّا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة لَو طلب فِيهَا تَحْلِيف الْخصم

стр. 357

على ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يحلف، وَهِي: مَا إِذا أقرّ ثمَّ مَاتَ فَادّعى ورثته أَنه كَانَ أقرّ كَاذِبًا وطلبوا تَحْلِيف الْمُدَّعِي الْيَمين على أَنه لم يكن كَاذِبًا فِي إِقْرَاره لَا يحلف، لأَنهم حِين أقرّ لم يكن تعلق حَقهم فِي مَاله، وَحين تعلق حَقهم فِي مَاله صَار المَال حَقًا للْمقر لَهُ. وَلَو ادعوا أَنه كَانَ أقرّ لَهُ تلجئة وطلبوا تَحْلِيفه على أَنه لم يكن إِقْرَاره تلجئة يحلف الْمقر لَهُ: بِاللَّه لقد أقرّ لَك إِقْرَارا صَحِيحا (ر: نور الْعين، وجامع الْفُصُولَيْنِ، فِي الْفَصْل الْخَامِس عشر) . وَقَالَ فِي نور الْعين بعده: يَقُول الحقير: وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يتحد حكم الْمَسْأَلَتَيْنِ إِذْ الْإِقْرَار كَاذِبًا مَوْجُود فِي التلجئة أَيْضا. وَلَعَلَّ وَجه الْفرق هُوَ أَنه فِي دَعْوَى التلجئة يَدعِي الْوَرَثَة على الْمقر لَهُ فعلا وَهُوَ تواضعه مَعَ الْمقر فِي السِّرّ، فَلِذَا يحلفهُ بِخِلَاف دَعْوَى الْإِقْرَار كَاذِبًا. انْتهى بِبَعْض توضيح. بَقِي مَا لَو أقرّ ثمَّ ادّعى الْخَطَأ فِي الْإِقْرَار، هَل يحلف الْخصم على عدم كَون الْمقر مخطئاً كَمَا يحلف لَو ادّعى الْكَذِب فِي الْإِقْرَار على عدم كَونه كَاذِبًا فِي إِقْرَاره؟ الظَّاهِر أَنه يحلف (ر: الْمَادَّة / ١٥٨٩ من الْمجلة) . إِذْ معنى كَونه مخطئاً أَن إِقْرَاره لَهُ لَيْسَ بصواب وَلَا مُوَافقا للْحَقِيقَة وَهُوَ معنى كَونه كَاذِبًا فِيهِ، وَهُوَ أولى فِيهِ، لِأَن دَعْوَى الْكَذِب تعمد للإقرار فإقدامه عَلَيْهِ مَعَ علمه بِعَدَمِ وجوب شَيْء عَلَيْهِ، أَحَق بِأَن يُؤَاخذ فِيهِ فَلم يُؤَاخذ، فَكَانَ عدم مؤاخذته فِي الْخَطَأ أولى. (تَنْبِيه آخر:) إِن مُؤَاخذَة الْمَرْء بِإِقْرَارِهِ تجْرِي على إِطْلَاقهَا فِي الْقَضَاء لَا فِي الدّيانَة، لِأَن الْمقر لَهُ إِذا كَانَ يعلم أَن الْمقر كَاذِب فِي إِقْرَاره لَا يحل لَهُ أَخذه عَن كره مِنْهُ. أما لَو اشْتبهَ الْأَمر عَلَيْهِ حل لَهُ الْأَخْذ عِنْد مُحَمَّد خلافًا لأبي يُوسُف (ر: رد الْمُحْتَار، من البيع الْفَاسِد، عَن النَّهر، قبيل قَول الْمَتْن: بنى أَو غرس فِيمَا اشْتَرَاهُ فَاسِدا) .

стр. 358

(الْقَاعِدَة التَّاسِعَة وَالسَّبْعُونَ (الْمَادَّة / ٨٠)) (" لَا حجَّة مَعَ التَّنَاقُض وَلَكِن لَا يخْتل مَعَه حكم الْحَاكِم ") (الشَّرْح، مَعَ التطبيق) " لَا حجَّة مَعَ التَّنَاقُض " أَي لَا تعْتَبر الْحجَّة وَلَا يعْمل بهَا مَعَ قيام التَّنَاقُض فِيهَا، أَو فِي دَعْوَى الْمُدَّعِي " وَلَكِن " إِذا وَقع التَّنَاقُض فِي الْحجَّة، أَي الشَّهَادَة، بَعْدَمَا حكم بهَا " لَا يخْتل مَعَه حكم الْحَاكِم ". مثلا: لَو رَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَن شَهَادَتهمَا لَا تبقى شَهَادَتهمَا حجَّة، لَكِن لَو كَانَ القَاضِي حكم بِمَا شَهدا بِهِ أَولا لَا ينْتَقض حكم ذَلِك الْحَاكِم، وَإِنَّمَا يلْزم على الشَّاهِدين ضَمَان الْمَحْكُوم بِهِ. إِن التَّنَاقُض إِمَّا أَن يكون فِي الدَّعْوَى فَقَط، أَو فِي الشَّهَادَة فَقَط، أَو بَين الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة. (أ) فَإِن كَانَ فِي الدَّعْوَى ترد ابْتِدَاء، فَلَا تسمع حَتَّى يُمكن التَّوَصُّل لإِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهَا؛ إِلَّا فِيمَا إِذا كَانَ التَّنَاقُض فِي محلات الخفاء الْآتِيَة، أَو فِيمَا إِذا وفْق الْمُدَّعِي بَين تناقضه. كَمَا لَو أقرّ أحد بِأَنَّهُ اسْتَأْجر دَارا ثمَّ ادّعى أَنَّهَا ملكه، فَإِن دَعْوَاهُ لَا تسمع، وَلَكِن إِذا إِذا وفْق _ كَأَن قَالَ: كنت مُسْتَأْجرًا ثمَّ اشْتَرَيْتهَا _ تسمع دَعْوَاهُ (ر: الْمَادَّتَيْنِ / ١٦٥٥ و ١٦٥٧ من الْمجلة) . (ب) وَإِن كَانَ التَّنَاقُض فِي الشَّهَادَة، بِأَن رَجَعَ الشُّهُود _ كَمَا فِي مِثَال الْمَادَّة السَّابِقَة _ فَإِنَّهُ يشْتَرط أَولا أَن يكون رجوعهم فِي مجْلِس حَاكم، أَي حَاكم

стр. 359

كَانَ، فَلَو رجعُوا خَارج مجْلِس الْحَاكِم لَا يلْتَفت إِلَى رجوعهم مُطلقًا، سَوَاء كَانَ قبل الحكم أَو بعده (ر: الْمَادَّة / ١٧٣١ من الْمجلة) . وَأما لَو رجعُوا فِي حُضُوره: فَإِن كَانَ قبل الحكم بِشَهَادَتِهِم ترد لِأَنَّهُ لَا يقْضى بِكَلَام متناقض ويعزرون، وَلَا ضَمَان عَلَيْهِم لأَنهم لم يتلفوا بِشَهَادَتِهِم شَيْئا. وَإِن كَانَ بعد الحكم بهَا لَا ينْقض حكم الْحَاكِم الَّذِي صدر قبل الرُّجُوع، لِأَن كَلَامهم الثَّانِي مثل الأول فِي احْتِمَال الصدْق، فَينْظر حِينَئِذٍ فِيمَا يرجح أحد الْكَلَامَيْنِ على الآخر، وَقد ترجح الأول باتصال الْقَضَاء بِهِ، وَالْقَضَاء يصان عَن الإلغاء مَا أمكن، فَلَا ينْقض برجوعهم هَذَا وَلَكِن يضمنُون للْمَشْهُود عَلَيْهِ مَا تلف بِشَهَادَتِهِم لأَنهم لما رجعُوا بعد الْقَضَاء فقد أقرُّوا على أنفسهم بِالْإِتْلَافِ، والإتلاف سَبَب للضَّمَان. وكونهم متناقضين لَا يُنَافِي مؤاخذتهم، لِأَن التَّنَاقُض لَا يمْنَع صِحَة الْإِقْرَار، كَمَا لَو أنكر الْخصم ثمَّ أقرّ فَإِنَّهُ يعْمل بِإِقْرَارِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بمتهم فِيهِ (ر: الْمرْآة، والدر الْمُخْتَار، من بَاب الْفُضُولِيّ) . وكما يضمن الشُّهُود بِالرُّجُوعِ بعد الْقَضَاء يضمنُون إِذا ذكرُوا فِي شَهَادَتهم شَيْئا لَازِما للْقَضَاء وَقضي بهَا، ثمَّ ظهر الْأَمر بِخِلَافِهِ. كَمَا لَو شهدُوا لمن يحجب بِغَيْرِهِ من الوراثة أَنه وَارِث، ثمَّ ظهر أَنه غير وَارِث وَأَن الْوَارِث غَيره، فَإِن الْوَارِث مُخَيّر بَين تضمين الشُّهُود أَو الْمَشْهُود لَهُ. وَكَذَلِكَ لَو شهدُوا أَن لَهُ عَلَيْهِ كَذَا، فقضي عَلَيْهِ، ثمَّ برهن على إِبْرَاء الدَّائِن، فَإِن الْمقْضِي عَلَيْهِ مُخَيّر فِي تضمين الشُّهُود أَو الْمَشْهُود لَهُ، بِخِلَاف مَا لَو شهدُوا بقرض فَقَط فقضي عَلَيْهِ، ثمَّ برهن على الْإِبْرَاء، فَإِنَّهُ لَا سَبِيل لَهُ على الشُّهُود وَإِنَّمَا يضمن الْمَشْهُود لَهُ. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، آخر الْفَصْل الرَّابِع عشر) . وَإِن كَانَ التَّنَاقُض فِي دَعْوَى الْمُدَّعِي وَالشَّهَادَة، كَمَا لَو ادّعى على آخر ألفا ثمن مَبِيع فَشهد الشُّهُود بِأَنَّهُ قرض، أَو ادّعى ملك الشَّيْء بِالْإِرْثِ من وَالِده فَشَهِدُوا أَنه ملكه بِالْإِرْثِ من أمه، أَو ادّعى بِأَلف قِرْش ذَهَبا فَوَافَقَ أحد الشُّهُود وَخَالف الآخر فَشهد أَنَّهَا فضَّة وَنَحْو ذَلِك، فَإِن الْبَيِّنَة فِي جَمِيع ذَلِك لَا تعْتَبر (ر: الْمَادَّتَيْنِ / ١٧١١ و ١٧١٢ من الْمجلة) .

стр. 360

(تَنْبِيه:) علل فِي الْهِدَايَة اشْتِرَاط مجْلِس الْقَضَاء فِي الرُّجُوع عَن الشَّهَادَة بِأَن الرُّجُوع فسخ للشَّهَادَة فَيخْتَص بِمَا يخْتَص أَدَاؤُهَا بِهِ، وَهُوَ مجْلِس الْقَضَاء، وَبِأَن الرُّجُوع تَوْبَة، وَهِي على حسب الْجِنَايَة، فالسر بالسر والإعلان بالإعلان. وَاعْترض الشُّرَّاح الأول بِأَن التلازم مَمْنُوع فِيهِ، فَلَا يلْزم من اخْتِصَاص ابْتِدَاء أَدَاء الشَّهَادَة بِمَجْلِس الحكم أَن يخْتَص الرُّجُوع عَنْهَا بِهِ، لِأَن الرُّجُوع لَيْسَ شَهَادَة، وَإِنَّمَا هُوَ إِقْرَار بِالْكَذِبِ الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ضَمَان المَال، فَيَنْبَغِي أَن تقبل الْبَيِّنَة عَلَيْهِ. وَاعْترض الثَّانِي فِي تَكْمِلَة فتح الْقَدِير بَان الإعلان لَا يجب أَن يكون فِي مجْلِس الحكم، بل يتَحَقَّق فِي مجاهرة النَّاس بِهِ وَالْإِشْهَاد عَلَيْهِ. وَلم يَأْتِ أحد بِجَوَاب فِيهِ مقنع. وَالَّذِي يظْهر فِي تَوْجِيه اشْتِرَاط مجْلِس الْقَضَاء أَن مدعي الرُّجُوع لَو أَرَادَ أَن يثبت رجوعهم بِالْبَيِّنَةِ، فإمَّا أَن يُثبتهُ بغيبتهم أَو بمواجهتهم، وَلَا سَبِيل إِلَى إثْبَاته بغيبتهم وَلَو سرا، لِأَنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ تضمينهم، فَيكون قَضَاء على الْغَائِب بِدُونِ نَائِب عَنهُ، وَهُوَ لَا يُمكن. وَلَا سَبِيل إِلَى إثْبَاته بمواجهتهم، لِأَنَّهُ جرح مُجَرّد علني، فَلَا تقبل دَعْوَاهُ بِهِ، لِأَنَّهُ تفسيق قصدي، فَلم يبْق سَبِيل إِلَى ثُبُوت الرُّجُوع إِلَّا الْإِقْرَار فِي مجْلِس الْقَضَاء. وَلَا يُقَال: " إِن دَعْوَى رُجُوع الشُّهُود لَيست جرحا مُجَردا، بل هِيَ جرح مركب لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من تضمينهم فَيَنْبَغِي أَن يقبل علناً " لِأَن الْجرْح الْمركب يثبت فِيهِ التفسيق تبعا لدعوى المَال الْمَحْضَة، كَمَا لَو ادّعى الْمَشْهُود عَلَيْهِ بِأَن الْمُدَّعِي اسْتَأْجر الشُّهُود وَدفع لَهُم الْأُجْرَة من مَال الْمَشْهُود عَلَيْهِ فيطلب اسْتِرْدَاده، فَأخذ المَال هُنَا مُوجب بِنَفسِهِ للرَّدّ، وَيثبت تفسيق الشُّهُود المستأجرين تبعا، أما فِي مَسْأَلَتنَا فَإِن تضمين الشُّهُود المَال إِنَّمَا هُوَ فرع تفسيقهم بِإِثْبَات الرُّجُوع عَلَيْهِم، فَتكون دَعْوَى الرُّجُوع عَلَيْهِم _ وَالْحَالة هَذِه _ جرحا مُجَردا فَلَا تسمع.

стр. 361

(تَنْبِيه آخر:) من محلات الخفاء مَا لَو اسْتَأْجر أحد دَارا، ثمَّ بعد الِاسْتِئْجَار علم أَنَّهَا منتقلة إِلَيْهِ بِالْإِرْثِ، وَادّعى بذلك فَإِن دَعْوَاهُ تسمع (ر: الْمجلة، الْمَادَّة / ١٦٥٥) . وَمِنْهَا مَا ذكره الرَّمْلِيّ (فِي حَاشِيَته على جَامع الْفُصُولَيْنِ، من الْفَصْل الْعَاشِر، ص ١٢٧ من المجلد الأول) نقلا عَن القاعدي: غَابَ لَهُ ثوب من المقصرة، فَادَّعَاهُ على أحد تلاميذ الْقصار، ثمَّ ادَّعَاهُ على آخر تسمع، وَلَا تنَاقض بَينهمَا لما ذكرنَا، أَن الْحَال مَتى كَانَ مِمَّا يشْتَبه يُعْفَى. انْتهى. وَهَذَا يدل على أَن كل مَا كَانَ فعل غَيره مُسْتقِلّا عَنهُ فَهُوَ من محلات الخفاء، لِأَنَّهُ مِمَّا يشْتَبه، كَمَا هُنَا، بِخِلَاف مَا لَو كَانَ فعل نَفسه، فَإِنَّهُ لَا يُعْفَى، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يشْتَبه. فقد نقل الرَّمْلِيّ، فِي الْمحل الْمَذْكُور قبل مَا تقدم، عَن الْبَزَّازِيَّة: ادّعى على زيد أَنه دفع لَهُ مَالا ليدفعه إِلَى غَرِيمه وحلفه، ثمَّ ادَّعَاهُ على خَالِد وَزعم أَن دَعْوَاهُ على زيد كَانَت ظنا لَا تقبل، لِأَن الْحق الْوَاحِد كَمَا لَا يسْتَوْفى من اثْنَيْنِ لَا يُخَاصم مَعَ اثْنَيْنِ بِوَجْه وَاحِد. انْتهى. وَمثل هَذَا جَاءَ فِي الْمَادَّة / ١٦٥١ / من الْمجلة، وَهُوَ وَاضح لِأَن الدَّافِع هُوَ الْمُدَّعِي فَكيف يشْتَبه عَلَيْهِ فعل نَفسه؟ أَو كَانَ فعل غَيره وَلَكِن كَانَ غير مُسْتَقل ذَلِك الْغَيْر بِهِ. كَمَا لَو ادّعى أَن فلَانا غصب مِنْهُ الشَّيْء الْفُلَانِيّ واستهلكه وَعجز عَن إثْبَاته، ثمَّ ادّعى على آخر أَنه غصبه مِنْهُ، فَالظَّاهِر أَن دَعْوَاهُ الثَّانِيَة لَا تسمع، لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ فعل غَيره لكنه غير مُسْتَقل، إِذْ أَنه يَدعِي أَنه غصبه مِنْهُ وأزال يَده عَنهُ فَهُوَ غير مَجْهُول لَدَيْهِ فَلَا يُعْفَى. أما فرع الْقَاعِدَة الْمَذْكُور فَلَيْسَ فِيهِ هَذَا الْمَعْنى، بل ادّعى الْأَخْذ من مَحل الْقصار، وَهَذَا فعل مُسْتَقل ومنقطع عَنهُ لَا اتِّصَال لَهُ بِهِ حَتَّى يكون مَعْلُوما لَهُ الْآخِذ، فَكَانَ مِمَّا يشْتَبه، فعفي فِيهِ عَن التَّنَاقُض. وَمِنْهَا: مَا لَو اخْتلعت من زَوجهَا على بدل دَفعته لَهُ، ثمَّ ادَّعَت أَن كَانَ

стр. 362

طَلقهَا قبل الْخلْع ثَلَاثًا مثلا، فبرهنت على ذَلِك، تقبل بينتها وتسترد الْبَدَل (ر: الدّرّ وحاشيته، من آخر بَاب الِاسْتِحْقَاق) . وَهَذَا بِخِلَاف مَا لَو ادّعى نِكَاحهَا فأنكرت فصالحها على بدلٍ على أَن تقر بِالنِّكَاحِ، ثمَّ وجد بَيِّنَة على النِّكَاح الأول الْمُدعى، لَا يرجع بِالْبَدَلِ لِأَنَّهُ كزيادة فِي الْمهْر (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل المكمل الْعشْرين، ص ٢٥٨) . (تَنْبِيه آخر:) من الْمَعْلُوم أَن المتناقض إِذا صَار مُكَذبا شرعا بتكذيب الْحَاكِم لَهُ يرْتَفع تناقضه، فَلَو ادّعى عينا فِي يَد آخر أَنَّهَا ملكه، فَأجَاب الْمُدعى عَلَيْهِ بقوله: إِن الْعين كَانَت ملك فلَان وَأَنا اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ، وَأقَام الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة على دَعْوَاهُ وَحكم لَهُ بِالْعينِ، رَجَعَ الْمُدعى عَلَيْهِ على بَائِعه بِالثّمن، لِأَن التَّنَاقُض الَّذِي وَقع بَين إِقْرَاره بِكَوْن الْعين للْبَائِع وَبَين رُجُوعه بِالثّمن بعد الحكم قد ارْتَفع بتكذيب الْحَاكِم لَهُ فِي إِقْرَاره (ر: الْمَادَّة / ١٦٥٤) . وأمثلة هَذَا كَثِيرَة. وَلَكِن هَذَا مُقَيّد بِمَا إِذا كَانَ المتناقض يجْرِي فِي رُجُوعه عَن تناقضه على مَا قَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة، كالمثال الْمَذْكُور، أما إِذا كَانَ يُرِيد أَن يجْرِي على خلاف مَا قَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة فَإِنَّهُ لَا يسمع مِنْهُ ذَلِك وَلَا تقبل: فَلَو ادّعى على آخر دينا فَأنْكر الْمُدعى عَلَيْهِ بقوله: مَا كَانَ لَك عَليّ شَيْء قطّ وَلَا أعرفك فبرهن الْمُدَّعِي على الدّين، فبرهن الْمُدعى عَلَيْهِ على الْإِيفَاء، أَو على الْإِبْرَاء، لَا تقبل. وَكَذَلِكَ لَو ادّعى على آخر عينا بِالشِّرَاءِ مِنْهُ، فَأنْكر البيع، فبرهن عَلَيْهِ المُشْتَرِي، ثمَّ وجد بِالْمَبِيعِ عَيْبا فَأَرَادَ رده عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ، فبرهن البَائِع أَنه برِئ إِلَيْهِ من كل عيب لَا تقبل بَينته مَعَ أَنه صَار مُكَذبا بِالْقضَاءِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَن الْبَيِّنَة قَامَت على قيام الدّين فِي الأول، وعَلى بيع مُطلق مُوجب لتسليم الْمَبِيع سليما فِي الثَّانِي. وبدعواه الْإِيفَاء أَو الْإِبْرَاء فِي الأول، والبراءة من الْعُيُوب فِي

стр. 363

الثَّانِي يرد مَا قَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة، فَلَا يقبل وَإِن صَار مُكَذبا بِحكم الْحَاكِم، لِأَنَّهُ وَالْحَالة هَذِه لَا يجْرِي على مُوجب حكم الْحَاكِم. بِخِلَاف فروع الْمَادَّة / ١٦٥٤ / الْمَارَّة، فَإِن الْمُدعى عَلَيْهِ بعد تَكْذِيب الْحَاكِم لَهُ جارٍ على مُوجب حكم الْحَاكِم وجاعله مبْنى لدعواه لَا معاكس لَهُ كَمَا هُوَ ظَاهر، كَمَا يُسْتَفَاد من أَوَائِل الْفَصْل السَّادِس عشر من نور الْعين (بعد نَحْو ورقتين من أول الْفَصْل) وَهَذَا نَفِيس جدا، فَلْيحْفَظ. (تَنْبِيه آخر:) الشَّاهِد لَو أنكر شَهَادَته بعد الحكم بهَا لَا يضمن، لِأَن إِنْكَار الشَّهَادَة لَيْسَ بِرُجُوع، بل الرُّجُوع أَن يَقُول: كنت مُبْطلًا فِي الشَّهَادَة (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الرَّابِع عشر، صفحة / ١٩١) . (الْخُلَاصَة) إِن التَّنَاقُض يُعْفَى عَنهُ فِي محلات الخفاء، كالنسب وَالْعِتْق وَالطَّلَاق. وَكَذَلِكَ يرْتَفع بِتَصْدِيق الْخصم وبتكذيب الْحَاكِم. وَيجب أَن يُضَاف إِلَى أَسبَاب الْعَفو عَن التَّنَاقُض غير محلات الخفاء سَبَب آخر هُوَ الِاضْطِرَار؛ فقد نقل فِي الدّرّ الْمُخْتَار (أَوَاخِر الْقَضَاء) أَنه لَو أقرّ أحد بدين لآخر ثمَّ ادّعى أَن بعضه قرض وَبَعضه رَبًّا تسمع دَعْوَاهُ وَيقبل برهانه على ذَلِك. وَنقل فِي رد الْمُحْتَار عَن الْقنية أَنه إِنَّمَا يقبل برهانه، وَإِن كَانَ متناقضاً فِي دَعْوَاهُ، لِأَنَّهُ مُضْطَر. فَهَذَا صَرِيح فِي أَن الِاضْطِرَار من أَسبَاب الْعَفو عَن التَّنَاقُض. وَوجه الِاضْطِرَار فِي إِقْرَاره فِي الْفَرْع الْمَذْكُور أَنه عِنْدَمَا يحْتَاج إِلَى الِاسْتِدَانَة وَلَا يقبل الدَّائِن أَن يدينه إِلَّا بالربا، فَإِنَّهُ لَا يُعْطِيهِ الْقَرْض إِلَّا إِذا أَخذ عَلَيْهِ صكاً مثلا يتَضَمَّن إِقْرَاره بِأَنَّهُ مَدين بِجَمِيعِ الْمبلغ الَّذِي هُوَ أصل وَربا، أَو أشهد على إِقْرَاره بذلك.

стр. 364

(الْقَاعِدَة الثَّمَانُونَ (الْمَادَّة / ٨١)) (" قد يثبت الْفَرْع مَعَ عدم ثُبُوت الأَصْل ") (الشَّرْح، مَعَ التطبيق) " قد يثبت " أَي قد يُوجد وَيبقى " الْفَرْع مَعَ عدم ثُبُوت الأَصْل " أَي وجوده. أفادت هَذِه الْمَادَّة أَنه لَا تلازم بَين الأَصْل وَالْفرع فِي الْوُجُود: أما وجود الأَصْل بِدُونِ وجود الْفَرْع، كالمديون إِذا لم يكن لَهُ كَفِيل، فَهُوَ ظَاهر، إِذْ لَيْسَ كل أصل لَهُ فرع. وَأما وجود الْفَرْع بِدُونِ وجود الأَصْل فأمثلته كَثِيرَة: مِنْهَا: مَا أفادته الْمَادَّة بقولِهَا: " مثلا: لَو قَالَ رجل: إِن لفُلَان على فلَان دينا، وَأَنا كَفِيل بِهِ، وَبِنَاء على إِنْكَار الْأَصِيل ادّعى الدَّائِن على الْكَفِيل بِالدّينِ لزم الْكَفِيل أَدَاؤُهُ ". وَكَذَا لَو غصب إِنْسَان شَيْئا فَبَاعَهُ، ثمَّ تداولته الْأَيْدِي بِالْبيعِ وَالشِّرَاء، فَأجَاز الْمَالِك أحد الْعُقُود، جَازَ ذَلِك العقد الَّذِي أجَازه خَاصَّة لَا مَا قبله وَلَا مَا بعده (ر: رد الْمُحْتَار، بَاب الْفُضُولِيّ من كتاب البيع، عِنْد قَول المُصَنّف: " ووقف بيع الْغَاصِب ... الخ ") . وَكَذَا لَو ادّعى الزَّوْج بدل الْخلْع على الْمَرْأَة فأنكرت، بَانَتْ وَلَا يلْزم المَال. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من الْخلْع) .

стр. 365

وَكَذَا لَو أَقَامَت الْمَرْأَة الْبَيِّنَة على النِّكَاح، وَالزَّوْج غَائِب، يقْضى بِالنَّفَقَةِ لَا بِالنِّكَاحِ، كَمَا هُوَ مَذْهَب زفر الْمُفْتى بِهِ (ر: الدّرّ، من النَّفَقَة) . وَكَذَا لَو أوقع على إِحْدَى زوجتيه طَلَاقا مُبْهما ثمَّ مَاتَت إِحْدَاهمَا قبل الْبَيَان تتَعَيَّن الْأُخْرَى للطَّلَاق. فَلَو قَالَ: كنت عنيت بِالطَّلَاق الَّتِي مَاتَت، لَا يعْتَبر قَوْله، وَلَكِن يحرم بِسَبَبِهِ الْمِيرَاث (ر: الْبَدَائِع، من الْعدة ج ٣ / ٢٢٥) . وَكَذَا الْوَكِيل بِقَبض الْعين لَو طلبَهَا من ذِي الْيَد فَأَقَامَ ذُو الْيَد الْبَيِّنَة على أَنَّهَا ملكه بِالشِّرَاءِ أَو الْهِبَة من مُوكله، أَو أَنَّهَا رهن عِنْده مِنْهُ، تسمع بَينته فتقصر يَد الْوَكِيل بِدُونِ أَن يقْضى بِالشِّرَاءِ أَو الْهِبَة أَو الرَّهْن إِلَّا إِذا أحضر الْمُوكل وأقيمت الْبَيِّنَة بمواجهته. وَمثله الْوَكِيل بِنَقْل الزَّوْجَة أَو العَبْد، إِذا أَقَامَت الزَّوْجَة أَو العَبْد الْبَيِّنَة على الطَّلَاق، أَو الْعتاق، تقصر يَد الْوَكِيل وَلَا يقْضى بِأَحَدِهِمَا (ر: الْهِدَايَة، بَاب الْوكَالَة بِالْخُصُومَةِ وَالْقَبْض) . فقد قضي بقصر يَد الْوَكِيل الَّذِي هُوَ فرع من غير أَن يقْضى بالمدعى بِهِ الَّذِي هُوَ الأَصْل. وَكَذَا لَو ادّعى مَجْهُول النّسَب على آخر أَنه ابْنه، وَبرهن، فَأَقَامَ الآخر الْبَيِّنَة على أَن الْمُدَّعِي هُوَ ابْن فلَان الآخر، تقبل فِي دفع بَيِّنَة الْمُدَّعِي لَا فِي إِثْبَات نسبه من فلَان الآخر (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، أَوَاخِر الْفَصْل الْعَاشِر، عَن فَتَاوَى رشيد الدّين) . وَقد وَقع فِي الْفَتَاوَى الْخَانِية أَن الْبَيِّنَة الثَّانِيَة لَا تقبل، لَكِن نَقله فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ أَيْضا، وَاعْتمد بعد التَّحْقِيق حمله على التَّوْفِيق الْمُتَقَدّم من أَنَّهَا تقبل لدفع الدَّعْوَى لَا لإِثْبَات النّسَب من الْغَيْر.

стр. 366

وَكَذَا لَو ولدت الْأمة المتزوجة، فَادّعى مَوْلَاهَا نسب وَلَدهَا، فَإِنَّهَا لَا تصح دَعْوَاهُ، بل يثبت النّسَب من الزَّوْج، لَكِن يصير الْوَلَد حرا، وَتصير الْأمة أم ولد للْمولى. (ر: الدّرّ فِي ثُبُوت النّسَب) . هَذَا، وكما لَا تلازم بَين الْفَرْع وَالْأَصْل فِي الْوُجُود لَا تلازم بَينهمَا فِي السُّقُوط بعد الْوُجُود: أما عدم سُقُوط الأَصْل بِسُقُوط الْفَرْع فَكَذَلِك أَمر ظَاهر، إِذْ لَا يلْزم من إِبْرَاء كَفِيل المَال وَالنَّفس مثلا بَرَاءَة الْأَصِيل. أما عدم سُقُوط الْفَرْع بِسُقُوط الأَصْل، فكالفرع الْمُسْتَثْنى من الْقَاعِدَة الموفية الْخمسين. وكما لَا تلازم بَينهمَا فِي ذَلِك لَا تلازم بَينهمَا فِي السلطة والصلاحية، فكثيراً مَا يملك الأَصْل مَا لَا يملكهُ الْفَرْع، وَذَلِكَ ظَاهر، كالموكل يملك مَا لَا يملكهُ وَكيله. وَقد يملك الْفَرْع مَا لَا يملكهُ الأَصْل، كَالْمَرِيضِ إِذا صَار مديوناً بِمَا يُحِيط بِمَالِه إِذا بَاعَ فِي مرض مَوته وحابى فِيهِ وَلَو قَلِيلا، فَإِن محاباته لَا تجوز وَإِن قلّت: وَالْمُشْتَرِي مِنْهُ بِالْخِيَارِ إِن وفى الثّمن إِلَى تَمام الْقيمَة وَإِن شَاءَ فسخ. وَأما وَصِيّه بعد مَوته إِذا بَاعَ تركته لقَضَاء دُيُونه وحابى قدر مَا يتَغَابَن فِيهِ صَحَّ بَيْعه وَيجْعَل عفوا (ر: رد الْمُحْتَار، أَوَائِل فصل لَا يعْقد وَكيل البيع وَالشِّرَاء) فقد ملك الْفَرْع مَا لَا يملكهُ الأَصْل فِي هَذَا.

стр. 367

((الصفحة فارغة))

стр. 368

(الْقَاعِدَة الْحَادِيَة وَالثَّمَانُونَ (الْمَادَّة / ٨٢)) (" الْمُعَلق بِالشّرطِ يجب ثُبُوته عِنْد ثُبُوت الشَّرْط ") (الشَّرْح، مَعَ التطبيق) " الْمُعَلق بِالشّرطِ " من الْأُمُور الْآتِيَة الَّتِي يَصح تَعْلِيقهَا بِالشّرطِ " يجب ثُبُوته " أَي وجود الْمُعَلق " عِنْد ثُبُوت الشَّرْط " أَي وجوده. التَّعْلِيق: هُوَ الْتِزَام أَمر لم يُوجد فِي أَمر يُمكن وجوده فِي الْمُسْتَقْبل. أَو هُوَ: ربط حُصُول مَضْمُون جملَة بِحُصُول مَضْمُون جملَة أُخْرَى، سَوَاء كَانَ الرَّبْط بِإِحْدَى أدوات الشَّرْط _ نَحْو: إِن، وَإِذا، وَإِذا مَا، وكل، وَمَتى، وَكلما، وَمَتى مَا، وَلَو _ أَو بِمَا يقوم مقَامهَا فِي إِفَادَة الرَّبْط الْمَذْكُور من نَحْو ظرف أَو حرف جر غير لَام التَّعْلِيل أَو اسْتثِْنَاء " بإلا أَن " إِذا تقدمه مَا لَا يحْتَمل التَّأْقِيت، كَالطَّلَاقِ. كَمَا لَو قَالَ: امْرَأَته طَالِق إِلَّا أَن يقدم زيد مثلا فَإِنَّهُ يحمل على الشَّرْط، فَيصير كَأَنَّهُ قَالَ: إِن لم يقدم زيد فامرأته طَالِق (ر: الدّرّ وحاشيته، من بَاب الْيَمين فِي الْأكل وَالشرب واللبس وَالْكَلَام) . أما مَا يحْتَمل التَّأْقِيت، كالأمر بِالْيَدِ فَإِنَّهُ يكون للغاية لَا للشّرط. وَيشْتَرط لصِحَّة التَّعْلِيق: كَون الشَّرْط الْمُعَلق عَلَيْهِ مَعْدُوما فِي الْحَال مُمكن الْوُجُود عَادَة فِي الْمُسْتَقْبل. فالتعليق بالمحقق الْوُجُود فِي الْحَال كَإِن كَانَت السَّمَاء فَوْقنَا: تَنْجِيز.

стр. 369

وَكَذَا التَّعْلِيق بالممكن عقلا لَا عَادَة، كَإِن لم أصعد السَّمَاء، وَإِن لم أقلب هَذَا الْحجر ذَهَبا، فَإِنَّهُ تَنْجِيز يَحْنَث بِهِ للْحَال. وَالتَّعْلِيق بالمستحيل الْوُجُود، كَإِن دخل الْجمل فِي سم الْخياط لَغْو وباطل (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، أول بَاب التَّعْلِيق، وَمن الْأَيْمَان) . ثمَّ الْأُمُور الَّتِي يرد عَلَيْهَا التَّعْلِيق بِالشّرطِ ثَلَاثَة أَنْوَاع: الأول _ مَا يَصح تَعْلِيقه بِمُطلق الشَّرْط ملائماً أَو غير ملائم، وَهِي: الإسقاطات الْمَحْضَة الَّتِي يحلف بهَا، كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق. فَإِن كلا مِنْهُمَا يَصح تَعْلِيقه بِالشّرطِ مُطلقًا ملائماً كَانَ، كَقَوْلِه لزوجته: إِن أَسَأْت إِلَيّ فَأَنت طَالِق، أَو غير ملائم، كَمَا إِذا علق طَلاقهَا بِدُخُول الدَّار مثلا، فَإِن الْمُعَلق فِي كل ذَلِك ينزل وَيثبت عِنْد ثُبُوت الشَّرْط. وَتَقْيِيد الإسقاطات ب " الْمَحْضَة " لإِخْرَاج غير الْمَحْضَة، وَهِي مَا فِيهَا تمْلِيك من وَجه كالإبراء، فَإِن التَّعْلِيق بِالشّرطِ يُبطلهُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَام على الْمَادَّة الْآتِيَة. وَتَقْيِيد الإسقاطات ب " الَّتِي يحلف بهَا " لإِخْرَاج مَا لَا يحلف بِهِ مِنْهَا، وَذَلِكَ كإسقاط الشُّفْعَة وَلَو بعد ثُبُوتهَا، فَلَو علقه بِغَيْر كَائِن لَا يَصح تَعْلِيقه، وَيبقى على شفعته. الثَّانِي _ مَا يَصح تَعْلِيقه بِالشّرطِ الملائم فَقَط. وَهُوَ مَا يُؤَكد مُوجب العقد، وَذَلِكَ كالإطلاقات، والولايات: فَالْأول: كالإذن بِالتِّجَارَة، وَالْإِذْن بِالْخرُوجِ فِيمَا لَو حلف على زَوجته أَن لَا تخرج إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَالْإِذْن من قبل البَائِع للْمُشْتَرِي إِذا بَاعه الْمَوْجُود من الثَّمر وَأذن لَهُ بِأَكْل مَا لم يظْهر. وَالثَّانِي: كالقضاء، والإمارة. فَإِن كلا مِنْهُمَا يَصح تَعْلِيقه بالملائم من الشُّرُوط، كَقَوْل الرجل لِابْنِهِ: إِن بلغت رشيدا فقد أَذِنت لَك بِالتِّجَارَة، وكقول الْحَالِف لزوجته: كلما خرجت فقد أَذِنت لَك (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، بَاب الْيَمين

стр. 370

بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوج، وحاشيته) . وكقول بَائِع الثَّمر للْمُشْتَرِي بعد أَن أذن لَهُ بِأَكْل مَا سَيظْهر من الثَّمر إِذا خَافَ المُشْتَرِي أَن يرجع عَن الْإِذْن: كلما رجعت عَن الْإِذْن فَأَنت مَأْذُون بِالْأَكْلِ (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، بَاب مَا يدْخل فِي البيع تبعا) لَكِن قد مشت الْمجلة فِي الْمَادَّة / ٢٠٧ / على قَول الْحلْوانِي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، من أَن البيع صَحِيح فِي الْمَعْدُوم تبعا للموجود. وكقول الإِمَام: إِن شغرت الْولَايَة الْفُلَانِيَّة فقد وليتك إِيَّاهَا. وَمِمَّا يَصح تَعْلِيقه بالملائم: الْكفَالَة وَالْإِبْرَاء، كَقَوْلِه: إِن اسْتحق الْمَبِيع فَأَنا كَفِيل بِالثّمن، وَقَوله: إِن غَابَ الْمَدْيُون أَو مَاتَ وَلم يدع شَيْئا فَأَنا كفيله، وَقَوله: إِن قدم فَأَنا كفيله، وَكَقَوْلِه: إِن وافيت بِهِ غَدا فَأَنت بَرِيء. وَالثَّالِث _ مَا لَا يَصح تَعْلِيقه بِالشّرطِ مُطلقًا. وَهُوَ الْمُعَاوَضَات الْمَالِيَّة، كَالْبيع وَالشِّرَاء وَالْإِجَارَة وَالْقِسْمَة وَالصُّلْح عَن مَال بِمَال. [وَكَذَا التمليكات، كَالْهِبَةِ. وَيسْتَثْنى الْوَصِيَّة إِذا علقت بِالْمَوْتِ، فَإِنَّهَا تصح على خلاف الْقيَاس] . كَمَا يعلم جَمِيع ذَلِك من تتبع بَاب مَا يبطل بِالشّرطِ الْفَاسِد وَلَا يَصح تَعْلِيقه بِهِ من الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته. (تَنْبِيه:) لَا يخفى أَنه إِذا اخْتلف الزَّوْجَانِ فِي وجود شَرط الطَّلَاق الْمُعَلق وَعَدَمه فَالْقَوْل قَول مُنكر وجود الشَّرْط، وَهُوَ الزَّوْج، وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الزَّوْجَة على وجوده (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من بَاب التَّعْلِيق) . وَلَكِن إِذا ثَبت وجود الشَّرْط بِالْبَيِّنَةِ فَلَيْسَ وُقُوع الطَّلَاق مطرداً فِي ذَلِك، بل فِي الْمَسْأَلَة تَفْصِيل، وَهُوَ أَن التَّنَازُع إِذا قَامَ على وجود الطَّلَاق لوُجُود شَرطه، وَثَبت وجود الشَّرْط بِالْبَيِّنَةِ، فَلَا كَلَام فِي وُقُوعه أَي شَيْء كَانَ الشَّرْط، أَي سَوَاء كَانَ الشَّرْط مِمَّا يَصح التَّنَازُع فِيهِ لذاته بِقطع النّظر عَن تَعْلِيق الطَّلَاق عَلَيْهِ أَو لَا.

стр. 371

وَأما إِذا قَامَ الْمُتَنَازع فِيمَا يَصح التَّنَازُع فِيهِ لذاته من غير أَن يكون شرطا للطَّلَاق، وَلَكِن كَانَ هُنَاكَ طَلَاق مُعَلّق عَلَيْهِ، كَمَا لَو تنَازع الزَّوْج مَعَ آخر فِي شَيْء فَحلف بِالطَّلَاق على مدعاه، ثمَّ ثَبت بِالْبَيِّنَةِ خِلَافه، فإمَّا أَن يكون الْمُتَنَازع فِيهِ عينا أَو دينا: - فَإِن كَانَ الْمُتَنَازع فِيهِ عينا، كَمَا لَو ادّعى على الزَّوْج دَارا مثلا فَحلف بِالطَّلَاق أَنَّهَا لَيست ملك الْمُدَّعِي، ثمَّ أثبت الْمُدَّعِي ملكه بِالْبَيِّنَةِ لَا يَحْنَث الزَّوْج فِي يَمِينه، لِأَن الْبَيِّنَة حجَّة فِي الظَّاهِر (أَي إِنَّهَا ظنية) . - وَإِن كَانَ الْمُتَنَازع فِيهِ دينا، فَحلف بِالطَّلَاق أَن لَا دين لَهُ عَلَيْهِ، فبرهن الْمُدَّعِي على الدّين فَينْظر: إِن كَانَ ادّعى الدّين بِسَبَب، كالقرض مثلا، وَبرهن على السَّبَب لَا يَحْنَث، لاحْتِمَال الْإِبْرَاء والإيفاء بعد السَّبَب. وَإِن كَانَ ادَّعَاهُ مُطلقًا عَن السَّبَب وَبرهن، كَذَلِك حنث، لِأَن الْبَيِّنَة قَامَت على وجود الدّين فِي الْحَال فَيحنث. وَالْفَتْوَى فِي الدّين على هَذَا التَّفْصِيل (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ وحاشيته للرملي، أَوَاخِر الْفَصْل الْخَامِس عشر، صفحة / ٢٠٥) .

стр. 372

(الْقَاعِدَة الثَّانِيَة وَالثَّمَانُونَ (الْمَادَّة / ٨٣)) (" يلْزم مُرَاعَاة الشَّرْط بِقدر الْإِمْكَان ") (الشَّرْح، مَعَ التطبيق) " يلْزم مُرَاعَاة الشَّرْط " الْجَائِز " بِقدر الْإِمْكَان ". ومراعاته بِالْوَفَاءِ بِهِ، فَإِنَّهُ ورد فِي الحَدِيث عَن أنس وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: " الْمُسلمُونَ عِنْد شروطهم مَا وَافق الْحق من ذَلِك ". وَالْمرَاد بِالشّرطِ هُنَا الْمُقَيد بِهِ، الْمُعَرّف بِأَنَّهُ: الْتِزَام أَمر لم يُوجد فِي أَمر وجد بِصِيغَة مَخْصُوصَة، لَا الْمُعَلق عَلَيْهِ، الْمُعَرّف بِمَا تقدم فِي الْمَادَّة السَّابِقَة، فَهُوَ هُنَا غَيره هُنَاكَ. وَالْفرق بَين الْمُعَلق بِالشّرطِ والمقيد بِالشّرطِ أَن الْمُعَلق بِالشّرطِ عدم قبل وجود الشَّرْط، لِأَن مَا توقف حُصُوله على حُصُول شَيْء يتَأَخَّر بالطبع عَنهُ. بِخِلَاف الْمُقَيد بِالشّرطِ فَإِن تَقْيِيده لَا يُوجب تَأَخره فِي الْوُجُود على الْقَيْد، بل سبقه عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهر. ثمَّ تَقْيِيد الشَّرْط ب " الْجَائِز " لإِخْرَاج غَيره. فَإِن الشَّرْط ثَلَاثَة أَنْوَاع: ١ - شَرط جَائِز، وَهُوَ: مَا يَقْتَضِيهِ العقد، أَي يجب بِدُونِ شَرط، كاشتراط حبس الْمَبِيع بِالثّمن. أَو يلائمه، وَذَلِكَ بِأَن يكون رَاجعا إِلَى صفة الْمُبدل، ككون الْفرس مثلا أَصله كَذَا، أَو إِلَى صفة الْبَدَل، كدراهم بيض أَو مُعجلَة أَو مُؤَجّلَة، أَو إِلَى

стр. 373

التَّوَثُّق بِهِ كاشتراط رهن بِالثّمن مَعْلُوم بِالْإِشَارَةِ أَو التَّسْمِيَة، أَو كَفِيل بِهِ حَاضر وَقبل الْكفَالَة أَو غَائِب فَحَضَرَ وَقبلهَا قبل التَّفَرُّق، أَو اشْتِرَاط أَن يحِيل المُشْتَرِي البَائِع على غَيره بِالثّمن. أَو لَا يَقْتَضِيهِ وَلَا يلائمه وَلَكِن جرى الْعرف بِهِ، كَشِرَاء نعل على أَن يشركها البَائِع. أَو ورد الشَّرْع بِهِ بِجَوَازِهِ، كاشتراط خِيَار الشَّرْط وَنَحْوه من الخيارات، فَإِن الشَّرْط فِي جَمِيع ذك تلْزم مراعاته. ٢ - وَشرط فَاسد. وَهُوَ: مَا كَانَ بِخِلَاف ذَلِك وَفِيه نفع مَشْرُوط فِي صلب العقد من أحد الْمُتَعَاقدين للْآخر غير مَعْطُوف بِالْوَاو، كَشِرَاء ثوب على أَن يصبغه لَهُ البَائِع، أَو الدَّابَّة على أَن يركبهَا البَائِع شهرا مثلا، أَو على أَن يحِيل البَائِع رجلا بِالثّمن. أَو فِيهِ نفع لمبيع من أهل الِاسْتِحْقَاق، كَشِرَاء العَبْد على أَن يعتقهُ المُشْتَرِي، أَو على أَن لَا يُخرجهُ عَن ملكه. أَو فِيهِ نفع لأَجْنَبِيّ على الْأَظْهر من أحد قَوْلَيْنِ صَحِيحَيْنِ، كَمَا لَو شَرط على المُشْتَرِي أَن يَبِيعهُ من فلَان، أَو شَرط على أَحدهمَا أَن يقْرض فلَانا كَذَا. فَإِن كل ذَلِك مُفسد للْعقد. ٣ - وَشرط لَغْو. وَهُوَ مَا كَانَ بِخِلَاف ذَيْنك الشَّرْطَيْنِ، كَأَن يشْتَرط على أَجْنَبِي شرطا لَو اشْترط على أحد الْمُتَبَايعين يفْسد البيع. أَو يشْتَرط مَا فِيهِ نفع لأَحَدهمَا على الآخر وَلَكِن بعد العقد، وَكَذَا لَو قبله وَلَكِن لم يتَّفقَا على بِنَاء العقد على مَا شرطا، على مَا بَحثه فِي رد الْمُحْتَار. وكبيع الدَّابَّة على أَن لَا يُخرجهَا عَن ملكه، أَو على أَن يَبِيعهَا وَلَكِن لم يعين المُشْتَرِي. أَو شَرط شرطا مُفْسِدا وَلَكِن عطف بِالْوَاو كبعتك بِكَذَا وعَلى أَن تقرضني كَذَا، فَإِن العقد فِي جَمِيع ذَلِك يَصح وَيَلْغُو الشَّرْط. ثمَّ إِن الْمُعَامَلَات الشَّرْعِيَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّقْيِيد بِالشّرطِ الْفَاسِد تَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ: ١ - قسم مِنْهَا يفْسد بِالشّرطِ الْفَاسِد، وَهُوَ المبادلات الْمَالِيَّة، وَهِي: البيع، وَالْقِسْمَة، وَالْإِجَارَة، وَالصُّلْح عَن مَال بِمَال من خلاف جنس الْمُدعى

стр. 374

بِهِ، وَالْمُسَاقَاة، والمزارعة. فَإِنَّهَا كلهَا تفْسد بِالشّرطِ الْفَاسِد. وَمثلهَا إجَازَة مَا انْعَقَد من هَذِه الْعُقُود مَوْقُوفا. ٢ - وَقسم مِنْهَا لَا يفْسد بِالشّرطِ الْفَاسِد. وَهِي كل مَا لَيْسَ من الْمُعَاوَضَات الْمَالِيَّة، سَوَاء كَانَ من الْمُعَاوَضَات غير الْمَالِيَّة، كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاق على مَال، وَالْخلْع كَذَلِك، وَالصُّلْح عَن دم عمدا، وَعَن جِرَاحَة فِيهَا قَود، وَمثله فِيمَا يظْهر الصُّلْح على مَال عَن الْحُقُوق الَّتِي يجوز الِاعْتِيَاض عَنْهَا كحق الشّرْب والمرور، بِدَلِيل تقييدهم الصُّلْح فِي الْقسم الأول بِأَن يكون عَن مَال بِمَال. أَو لم يكن من الْمُعَاوَضَات أصلا، كالإبراء عَن الدّين، وكالهبة، وَالصَّدَََقَة، وَالْقَرْض، والإيصاء وَالْوَصِيَّة، وتولية الْقَضَاء، وَالْإِذْن وَالتِّجَارَة، وَالطَّلَاق، وَالْعتاق، وَالْوكَالَة، وَالشَّرِكَة، وَالْمُضَاربَة، وَالرَّهْن، وَالْكَفَالَة، وَالْحوالَة إِلَّا إِذا شَرط فِيهَا الدّفع من ثمن دَار الْمُحِيل مثلا فتفسد لعدم قدرته على الْوَفَاء بِمَا الْتزم، أَي من غير أَن يشْتَرط على الْمُحِيل بيع الْمحَال عَلَيْهِ الدَّار، فَإِذا شَرط عَلَيْهِ ذَلِك صحت وَلَا يملك عَزله أَو نَهْيه عَن بيع الدَّار وإيفاء الدّين من ثمنهَا وَيجْبر الْمحَال عَلَيْهِ على البيع (ر: رد الْمُحْتَار من الْحِوَالَة، ص ٢٩٥) وكالإقالة، وعزل القَاضِي، وعزل الْوَكِيل، وَحجر الْمَأْذُون، فَإِن جَمِيع ذَلِك لَا يفْسد بِالشّرطِ الْفَاسِد، بل يَصح وَيَلْغُو الشَّرْط. (تَنْبِيه:) قَوْلنَا فِي التَّمْثِيل للشّرط اللَّغْو " كَأَن يشْتَرط على أَجْنَبِي شرطا لَو اشْترط على أحد الْمُتَعَاقدين لفسد البيع " فِيهِ احْتِرَاز عَمَّا لَو كَانَ الشَّرْط بِحَال لَو شَرط على أَحدهمَا لجَاز، كَمَا لَو قَالَ: اشْتريت مِنْك بِشَرْط أَن يحط عَن فلَان الْأَجْنَبِيّ كَذَا، فَإِن المُشْتَرِي يكون حِينَئِذٍ بِالْخِيَارِ: إِن شَاءَ أَخذ بِكُل الثّمن أَو ترك (ر: رد الْمُحْتَار، من البيع الْفَاسِد، عَن الْمُنْتَقى) بِخِلَاف الأول فَإِن الشَّرْط يَلْغُو فِيهِ وينبرم البيع بِلَا خِيَار. قد ذكرنَا أَنه لَو شَرط بَين الْمُتَعَاقدين شَرط بعد العقد لَا يفْسد، وَلَكِن بَقِي أَنه هَل يجب الْوَفَاء بِهَذَا الشَّرْط أم لَا يجب؟ ذكرُوا فِي جَوَاب بعض الْفُرُوع أَنه

стр. 375

غير لَازم، وَذكروا فِي جَوَاب بَعْضهَا أَنه يلْزم الْوَفَاء بِهِ، وَالَّذِي يظْهر من تتبع الْفُرُوع أَن الشَّرْط إِن كَانَ بِحَيْثُ لَو شَرط فِي العقد يُفْسِدهُ فَإِنَّهُ إِذا شَرط بعد العقد يَلْغُو أَو لَا يلْزم الْوَفَاء بِهِ، كاشتراط بَائِع الزَّرْع على نَفسه بعد العقد أَن يسْقِيه وَيقوم عَلَيْهِ. فقد نقل فِي رد الْمُحْتَار عَن النَّهر أَنه غير لَازم. وَإِن كَانَ لَو شَرط فِي العقد يكون جَائِزا ومرعياً فَإِنَّهُ إِذا شَرط بعد العقد يلْزم الْوَفَاء بِهِ، كَمَا لَو شرطا تشريك النَّعْل أَو خِيَار الشَّرْط بعد العقد فَالظَّاهِر أَنه يلْزم الْوَفَاء بِهِ. (تَنْبِيه آخر:) أجمل بعض الْمُتُون، كالكنز والتنوير، فترجم لما يبطل بِالشّرطِ الْفَاسِد وَلما لَا يَصح تَعْلِيقه بِالشّرطِ تَرْجَمَة وَاحِدَة وسرد تحتهَا كلا النَّوْعَيْنِ، وسَاق من جملَة ذَلِك الْإِبْرَاء عَن الدّين، وَعلله صَاحب الدّرّ وَغَيره بِأَنَّهُ تمْلِيك من وَجه، وَنقل فِي رد الْمُحْتَار التَّمْثِيل لَهُ عَن الْعَيْنِيّ بقوله: أَبْرَأتك عَن ديني على أَن تخدمني شهرا أَو إِن قدم فلَان، ثمَّ نقل بعده عَن العزمية التَّمْثِيل لَهُ أَيْضا _ كَمَا فِي إِيضَاح الْكرْمَانِي _ من أَنه لَو قَالَ: أبرأت ذِمَّتك بِشَرْط أَن لي الْخِيَار فِي رد الْإِبْرَاء وتصحيحه فِي أَي وَقت شِئْت، أَو قَالَ: إِن دخلت الدَّار فقد أَبْرَأتك، أَو قَالَ لمديونه أَو كفيله: إِذا أدّيت إِلَيّ كَذَا، أَو مَتى أدّيت، أَو إِن أدّيت إِلَيّ خَمْسمِائَة فَأَنت برِئ عَن الْبَاقِي فَهُوَ بَاطِل وَلَا إِبْرَاء. انْتهى. وَظَاهر مَا فِي الْعَيْنِيّ والعزمية أَن الْإِبْرَاء مُفَرع على الجملتين وَأَنه لَا يَصح تَقْيِيده وَلَا تَعْلِيقه. ثمَّ نقل فِي رد الْمُحْتَار عقبه، عِنْد كَلَامه على التَّعْلِيل للإبراء بِأَنَّهُ تمْلِيك من وَجه، عَن الْحلَبِي مَا لَفظه: وَفِيه أَن الْإِبْرَاء عَن الدّين لَيْسَ من مُبَادلَة المَال بِالْمَالِ، فَيَنْبَغِي أَن لَا يبطل بِالشّرطِ الْفَاسِد. وَكَونه مُعْتَبرا بالتمليكات لَا يدل إِلَّا على بطلَان تَعْلِيقه بِالشّرطِ. ثمَّ نقل عَن الْبَحْر أَن الْإِبْرَاء يَصح تَقْيِيده بِالشّرطِ، وَأَن الزَّيْلَعِيّ ذكر فِي آخر الصُّلْح أَن الْإِبْرَاء يَصح تَقْيِيده لَا تَعْلِيقه. انْتهى. ثمَّ قَالَ: لَكِن لَا بُد أَن يكون الشَّرْط متعارفاً كَمَا يَأْتِي. وَالْحَاصِل أَن الْإِبْرَاء مُفَرع على الْقَاعِدَة الثَّانِيَة فَقَط. انْتهى مَا ذكر فِي رد الْمُحْتَار.

стр. 376

فَالظَّاهِر أَن بعض شرَّاح الْمجلة لم يرتضوا هَذَا الْكَلَام مَعَ مَا فِيهِ من الْقُوَّة، وعدوه من سقط الْمَتَاع، وجروا على أَن الْإِبْرَاء مِمَّا يفْسد بِالشّرطِ الْفَاسِد، وَلَا تمسك لَهُم فِي عَمَلهم هَذَا فِيمَا أَظن غير تَمْثِيل الْعَيْنِيّ وَنقل العزمية الْمَذْكُورين، وَلَا متمسك لَهُم فيهمَا: أما تَمْثِيل الْعَيْنِيّ فقد ظهر بعد مُرَاجعَته أَنه لم يسْتَند فِيهِ إِلَى نقل شَرْعِي، بل هُوَ من عِنْده فَلَا يصادم مَا تقدم. وَقد نَقله عَنهُ الشلبي محشي الزَّيْلَعِيّ وَلم يقْتَصر عَلَيْهِ، بل نقل بعده عَن بَعضهم تَصْوِيره بِمَا ذَكرْنَاهُ عَن العزمية إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَنه لم يرتضه. وَأما مَا نَقله فِي العزمية عَن إِيضَاح الْكرْمَانِي فَكَذَلِك لَا يثبت الْمَطْلُوب، فَإِن الظَّاهِر أَنه مَبْنِيّ على مَا نَقله فِي رد الْمُحْتَار من خِيَار الشَّرْط عَن فَخر الْإِسْلَام من بحث الْهزْل من أَن خِيَار الشَّرْط يجْرِي فِي الْإِبْرَاء فَيكون بطلَان الْإِبْرَاء فِيهِ حِينَئِذٍ لعدم توقيته. وَلَكِن نقل بعده فِي رد الْمُحْتَار عَن الْعمادِيَّة وَالْخُلَاصَة بطلَان الْخِيَار لَا الْإِبْرَاء وَقَالَ: وَبِه جزم الشَّارِح فِي أول الْهِبَة. انْتهى. وَمَا ذكره فَخر الْإِسْلَام إِنَّمَا ذكره فِي أُصُوله، والعمادية وَالْخُلَاصَة من معتبرات كتب الْفُرُوع، وَلَا عِبْرَة بِمَا فِي الْأُصُول إِذا خالفتها كتب الْفُرُوع. وَذكر فِي آخر الْخَامِس وَالْعِشْرين من جَامع الْفُصُولَيْنِ، وَفِي السَّابِع وَالْعِشْرين من كَرَاهِيَة الْهِنْدِيَّة مثل مَا فِي الْخُلَاصَة والعمادية. وَصِحَّة تَقْيِيده بالمتعارف، كإبراء المبانة زَوجهَا عَن الْمهْر بِشَرْط تَجْدِيد النِّكَاح لَهَا، لَا يسْتَلْزم فَسَاده بِغَيْرِهِ، بل يُفِيد عدم صِحَة تَقْيِيده بِغَيْر الْمُتَعَارف. وَبِمَا ذَكرْنَاهُ يعلم مَا ذكره فِي رد الْمُحْتَار بَعْدَمَا تقدم من قَوْله. وَالْحَاصِل أَنه لَا وَجه لعدهم لَهُ فِيمَا يفْسد بِالشّرطِ الْفَاسِد، وَلذَا لم نتابعهم عَلَيْهِ، وَالله أعلم. (تَنْبِيه:) يسْتَثْنى من قَوْلهم فِيمَا تقدم فِي بَيَان الشَّرْط الْجَائِز الَّذِي تلْزم مراعاته: " أَو إِلَى صفة الْبَدَل، كدراهم بيض أَو مُعجلَة أَو مُؤَجّلَة " مَا ذكره فِي الدّرّ

стр. 377

وحاشيته من بَاب الْمهْر من أَنه لَو شَرط فِي عقد النِّكَاح تَأْجِيل كل الْمهْر وَلم يشْتَرط الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ قبل الْقَبْض، فللزوجة أَن تمنع نَفسهَا عَن الزَّوْج حَتَّى تقبض الْمهْر فِي رِوَايَة عَن أبي يُوسُف اسْتِحْسَانًا، وَبِه يُفْتى. انْتهى.

стр. 378

(الْقَاعِدَة الثَّالِثَة وَالثَّمَانُونَ (الْمَادَّة / ٨٤)) (" المواعيد بصور التَّعْلِيق تكون لَازِمَة ") (أَولا _ الشَّرْح) " المواعيد " الَّتِي تصدر من الْإِنْسَان فِيمَا يُمكن وَيصِح الْتِزَامه لَهُ شرعا إِذا صدرت مِنْهُ " بصور التَّعْلِيق " أَي أَن كَانَت مصحوبة بأدوات التَّعْلِيق الدَّالَّة على الْحمل أَو الْمَنْع " تكون لَازِمَة " لحَاجَة النَّاس إِلَيْهَا. وَإِذا صدرت بِغَيْر صُورَة التَّعْلِيق لَا تكون لَازِمَة لعدم وجود مَا يدل على الْحمل وَالْمَنْع، بل تكون مُجَرّد وعد وَهُوَ لَا يجب الْوَفَاء بِهِ قَضَاء. مثلا: لَو قَالَ رجل لآخر: بِعْ هَذَا الشَّيْء لفُلَان وَإِن لم يعطك ثمنه فَأَنا أعْطِيه لَك، فَبَاعَهُ مِنْهُ، ثمَّ طَالبه بِالثّمن فَلم يُعْط المُشْتَرِي للْبَائِع بعد مُطَالبَته لَهُ، بِأَن امْتنع من الدّفع، أَو لم يمْتَنع وَلَكِن أَخذ فِي المماطلة، لزم على الرجل أَدَاء الثّمن الْمَذْكُور للْبَائِع، بِنَاء على وعده الْمُعَلق. أما قبل الْمُطَالبَة فَلَا يلْزم الرجل شَيْء. وَالظَّاهِر أَن تقدم قَوْله: بِعْ هَذَا الشَّيْء لفُلَان وَمَا أشبهه لَيْسَ بِشَرْط لصِحَّة الِالْتِزَام، بِدَلِيل مَا سَيَأْتِي فِي الْمَادَّة / ٦٢٣ / من الْمجلة، من أَنه لَو قَالَ: إِن لم يعطك فلَان مطلوبك فَأَنا أُعْطِيك كَانَ كَفِيلا. انْتهى. وَلم يشْتَرط فِيهِ أَن يَقُول: أقْرضهُ مثلا. (ثَانِيًا _ التطبيق) وَمِمَّا يفرع على الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة:

стр. 379

- مَا لَو قَالَ كَفِيل النَّفس: إِن لم أوافك بمديونك فلَان غَدا فَأَنا أدفَع لَك دينه، فَلم يوافه بِهِ لزمَه الدّين، إِلَّا إِذا عجز عَن الموافاة بِغَيْر موت الْمَدْيُون أَو جُنُونه. أما لَو عجز بِأَحَدِهِمَا عَن الموافاة بِهِ لَهُ فالكفالة لَازمه لَهُ (ر: التَّنْوِير وَشَرحه) . وَالظَّاهِر أَن مثله مَا لَو قَالَ للْمُعِير أَو الْمُودع (بِالْكَسْرِ) : إِن أضاع أَو اسْتهْلك الْمُسْتَعِير أَو الْوَدِيع الْعَارِية أَو الْوَدِيعَة فَأَنا أؤدي ضَمَانهَا، فأضاعها أَو استهلكها لزمَه الضَّمَان بِنَاء على وعده الْمُعَلق. - وَمثل فرع الْكفَالَة: مَا لَو بَاعَ الْعقار بِغَبن فَاحش، ثمَّ وعد المُشْتَرِي البَائِع بِأَنَّهُ إِن أوفى لَهُ مثل الثّمن يفْسخ مَعَه البيع صَحَّ وَلزِمَ الْوَفَاء بالوعد. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، قبيل الْكفَالَة) . وَلَا فرق فِي لُزُوم الْوَعْد الْمُعَلق الْمَذْكُور بَين أَن يصدر فِي مجْلِس البيع الْمَذْكُور أَو بعده (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، الْمحل الْمَذْكُور) . ثمَّ إِن قَوْلنَا: " فِيمَا يُمكن وَيصِح الْتِزَامه لَهُ شرعا " خرج بِهِ مَا لَا يَصح الْتِزَامه شرعا، كضمان الخسران، كَمَا إِذا قَالَ: اشْتَرِ هَذَا المَال وَإِن خسرت فِيهِ فَأَنا أؤدي لَك مَا تخسره، فَاشْتَرَاهُ وخسر فَإِنَّهُ لَا يرجع عَلَيْهِ بِشَيْء. (تَنْبِيه:) ظَاهر هَذِه الْقَاعِدَة أَنَّهَا مُطلقَة عَامَّة فِي كل وعد أَتَى بِصُورَة التَّعْلِيق وَالْحَال خِلَافه، فَإِنَّهُم لم يفرعوا عَلَيْهَا غير مَسْأَلَتي البيع وَالْكَفَالَة المتقدمتين، وَلم يظْهر لي بعد التتبع ثَالِث لَهما، بل ذكر فِي بُيُوع التَّنْقِيح فِيمَا لَو تبَايعا بِثمن الْمثل بيعا باتاً، ثمَّ بعد ذَلِك أشهد المُشْتَرِي أَنه، أَي البَائِع، إِن دفع لَهُ نَظِير الثّمن بعده مُدَّة كَذَا يكن بَيْعه مردوداً عَلَيْهِ ومقالاً مِنْهُ، فَإِن الْإِشْهَاد الْمَذْكُور وعد من المُشْتَرِي فَلَا يجْبر عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ البيع بِثمن الْمثل وَعَزاهُ إِلَى التُّمُرْتَاشِيّ والبزازي مَعَ أَنه كَمَا ترى مُعَلّق بِالشّرطِ. (تَنْبِيه آخر:) ذكر بعض شرَّاح الْمجلة أَنه فِي مِثَال الْمَادَّة الْمَذْكُورَة لَو مَاتَ الْمَكْفُول عَنهُ

стр. 380

قبل أَن يُطَالِبهُ الْمَكْفُول لَهُ لَا يلْزم الْكَفِيل الضَّمَان من غير أَن يسْتَند فِي ذَلِك إِلَى مساعدة نقل شَرْعِي سوى قَوْلهم: الْمُعَلق بِالشّرطِ عدم قبل وجود الشَّرْط. وَتَابعه على ذَلِك بعض مدرسي الْمجلة فِي زَمَاننَا، وَلَكِن لم يعزه للشَّارِح الْمَذْكُور، بل عزاهُ إِلَى رد الْمُحْتَار عَن الإِمَام مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى. وَبعد مُرَاجعَة رد الْمُحْتَار وجد أَن لَفظه هَكَذَا: وَعنهُ أَيْضا (أَي عَن مُحَمَّد) إِن لم يعطك فَأَنا ضَامِن، فَمَاتَ قبل أَن يتقاضاه وَيُعْطِيه بَطل الضَّمَان. انْتهى. وَعَزاهُ إِلَى النَّهر عَن الدِّرَايَة. وَهُوَ غير صَحِيح، سَوَاء أرجعنا ضمير (مَاتَ) إِلَى الْكَفِيل كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر، أَو إِلَى الْمَكْفُول كَمَا فهمه الْفَاضِل الْمدرس، فَإِن الْكفَالَة لَا تبطل بِمَوْت وَاحِد مِنْهُمَا أياً كَانَ وَإِن كَانَ مَوته قبل الْمُطَالبَة. أما لَو مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ المَال فقد قَالَ فِي الذَّخِيرَة (فِي آخر الْفَصْل السَّابِع من الْكفَالَة) مَا ملخصه أَنه: إِذا كَانَ لرجل على رجل ألف دِرْهَم حَالَة فَقَالَ رجل: إِن لم يعطك فلَان مَا لَك عَلَيْهِ فَهُوَ ضَامِن، فتقاضاه وَلم يُعْطه فَإِنَّهُ يصير كَفِيلا اسْتِحْسَانًا لمَكَان الْعرف. ثمَّ قَالَ بعده: وَفِي الْمُنْتَقى: إِذا مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ المَال قبل أَن يُطَالِبهُ الطَّالِب لزم الْكَفِيل المَال. انْتهى. فَهُوَ صَرِيح كَمَا ترى فِي عدم بطلَان الضَّمَان بِمَوْت الْمَدْيُون قبل الْمُطَالبَة. أما لَو مَاتَ الْكَفِيل فقد قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّة (فِي الْبَاب الثَّانِي من الْكفَالَة) : إِن لم يواف بِهِ غَدا فَعَلَيهِ مَا عَلَيْهِ، فَمَاتَ الْمَكْفُول عَنهُ لزم المَال بِمُضِيِّ الْغَد. وَإِن مَاتَ الْكَفِيل قبل الْأَجَل إِن سلمه ورثته قبل الْأَجَل أَو الْمَكْفُول سلم نَفسه عَن جِهَة الْكَفِيل قبل مُضِيّ الْأَجَل برِئ. انْتهى. فقد صرح بِعَدَمِ بطلَان الْكفَالَة بِمَوْت الْكَفِيل. وَمَا نَقله عَن رد الْمُحْتَار عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِيهِ سقط لم يتَنَبَّه لَهُ الْفَاضِل الْمدرس، يعلم من مُرَاجعَة الْبَحْر، فَإِن الْعبارَة المنقولة عَن النَّهر عَن الدِّرَايَة مَأْخُوذَة مِنْهُ. وَقد نقلهَا فِي الْبَحْر عَن الْبَزَّازِيَّة لَا عَن الدِّرَايَة، وَإِنَّمَا نقل عَن الدِّرَايَة قبل ذَلِك كلَاما فِيهِ التَّمْثِيل للكفالة الْمُعَلقَة بِشَرْط ملائم وأنهاه ثمَّ قَالَ: وَمِنْه مَا فِي الْبَزَّازِيَّة: إِن غَابَ وَلم أوافك بِهِ فَأَنا ضَامِن لما عَلَيْهِ. فَإِن هَذَا على أَن يوافي بعد الْغَيْبَة. وَعَن مُحَمَّد قَالَ: إِن لم يدْفع مديونك مَالك،

стр. 381

أَو لم يقضه، فَهُوَ عَليّ، ثمَّ إِن الطَّالِب تقاضى الْمَطْلُوب، فَقَالَ الْمَدْيُون: لَا أدفعه، أَو لَا أقضيه، وَجب على الْكَفِيل السَّاعَة. وَعنهُ أَيْضا: إِن لم يعطك الْمَدْيُون دينك فَأَنا ضَامِن، إِنَّمَا يتَحَقَّق الشَّرْط إِذا تقاضاه وَلم يُعْطه ذَلِك. وَفِي الْفَتَاوَى: إِن تقاضيت وَلم يعطك فَأَنا ضَامِن، فَمَاتَ قبل أَن يتقاضاه وَيُعْطِيه بَطل الضَّمَان. انْتهى، وَهِي بحروفها فِي الْبَزَّازِيَّة (فِي نوع فِي أَلْفَاظ الْكفَالَة) ولدى مقابلتها على عبارَة رد الْمُحْتَار تبين أَنه سقط مِنْهَا سطر هُوَ مَا بعد (فَأَنا ضَامِن) الثَّانِيَة إِلَى قَوْله (فَمَاتَ قبل أَن يتقاضاه) الْوَاقِعَة بعد (فَأَنا ضَامِن) الثَّالِثَة، فاتصل قَوْله (فَمَاتَ) بقوله (فَأَنا ضَامِن) الثَّانِيَة، فاختل الْكَلَام. وَالْحق مَا نَقَلْنَاهُ. هَذَا مَا ظهر وَالله أعلم.

стр. 382

(الْقَاعِدَة الرَّابِعَة وَالثَّمَانُونَ (الْمَادَّة / ٨٥)) (" الْخراج بِالضَّمَانِ ") (أَولا _ الشَّرْح) " الْخراج " الْحَاصِل من الشَّيْء إِذا كَانَ مُنْفَصِلا عَنهُ غير متولد مِنْهُ، ككسب العَبْد، وسكنى الدَّار، وَأُجْرَة الدَّابَّة، " بِالضَّمَانِ " أَي بِمُقَابلَة دُخُوله فِي ضَمَان من سلم لَهُ خراجه، فَمَا لم يدْخل فِي ضَمَانه لم يسلم لَهُ خراجه. وَقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن ربح مَا لم يضمن. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن حَكِيم بن حزَام رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ورمز السُّيُوطِيّ إِلَى حسنه. وخراج الشَّيْء: مَا حصل مِنْهُ، وَالَّذِي يكون مِنْهُ بِمُقَابلَة الضَّمَان مَا كَانَ مُنْفَصِلا غير متولد، كالكسب وَالْأُجْرَة، وَالْهِبَة، وَالصَّدَََقَة، فَإِنَّهُ يطيب لمن كَانَ عَلَيْهِ الضَّمَان. فَلَو رد المُشْتَرِي الْمَبِيع بعد قَبضه بِخِيَار الْعَيْب، وَكَانَ قد قد اسْتَعْملهُ مُدَّة لَا يلْزمه أجرته، لِأَنَّهُ لَو كَانَ قد تلف فِي يَده قبل الرَّد لَكَانَ يتْلف من مَاله. وَكَذَلِكَ لَو كَانَ آجره، فَإِن الْأُجْرَة تطيب لَهُ. لَكِن اخْتلف فِي الْمَبِيع قبل الْقَبْض إِذا حدثت الزِّيَادَة الْمُنْفَصِلَة غير المتولدة، ثمَّ رد بِالْعَيْبِ. فَعِنْدَ مُحَمَّد هِيَ للْمُشْتَرِي بِلَا ثمن، وَعِنْدَهُمَا: هِيَ للْبَائِع. وَاتَّفَقُوا على أَنَّهَا لَا تطيب لمن هِيَ لَهُ. لِأَن طيبها إِنَّمَا يكون بِالْملكِ وَالضَّمان، وَقبل الْقَبْض لم يجتمعا فِي أَحدهمَا، بل الْملك للْمُشْتَرِي، وَالضَّمان على البَائِع. حَتَّى لَو هلك الْمَبِيع، وَالْحَالة هَذِه، يهْلك من مَاله.

стр. 383

(ثَانِيًا _ التطبيق) مِمَّا يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة: مَا لَو شرطا فِي شركَة الْوُجُوه مُنَاصَفَة الْمُشْتَرى، أَو مثالثته، وشرطا الرِّبْح على خلاف ذَلِك، فَالشَّرْط بَاطِل (ر: الْمرْآة، عَن الدِّرَايَة) . وَمِنْه: مَا لَو اسْتَأْجر دَارا مثلا بِبَدَل، ثمَّ آجرها بِأَكْثَرَ مِنْهُ من جنس ذَلِك الْبَدَل، فَإِن الزِّيَادَة لَا تطيب لَهُ إِلَّا إِذا أصلحها بإحداث مَا تشاهد عينه فِيهَا، كبناء وتجصيص، وَجعل الْخصاف كري النَّهر من ذَلِك، بِخِلَاف كنس الدَّار وإلقاء التُّرَاب من الأَرْض وَإِن تيسرت الزِّرَاعَة فِيهَا (ر: الدّرّ وحواشيه، من بَاب مَا يجوز من الْإِجَارَة) .

стр. 384

(الْقَاعِدَة الْخَامِسَة وَالثَّمَانُونَ (الْمَادَّة / ٨٦)) (" الْأجر وَالضَّمان لَا يَجْتَمِعَانِ ") (أَولا _ الشَّرْح) " الْأجر " أَي بدل الْمَنْفَعَة " وَالضَّمان " وَهُوَ الغرامة لقيمة الشَّيْء أَو نقصانه " لَا يَجْتَمِعَانِ " إِذا اتّحدت جهتهما، لِأَن الضَّمَان إِنَّمَا يكون بِسَبَب التَّعَدِّي، والتعدي على مَال الْغَيْر غصب لَهُ أَو كالغصب، وَمَنَافع الْمَغْصُوب غير مَضْمُونَة، لِأَن الْمَنَافِع مَعْدُومَة، وَعند وجودهَا فَهِيَ أَعْرَاض غير بَاقِيَة، وَإِنَّمَا تقوم بِعقد الْإِجَارَة على خلاف الْقيَاس لمَكَان الْحَاجة الضرورية إِلَيْهَا، وَعقد الْإِجَارَة لَا يبْقى مَعَ صيرورة الْمُسْتَأْجر ضَامِنا، بل يرْتَفع، إِذْ لَا يُمكن اعْتِبَاره مُسْتَأْجرًا أَمينا وغاصباً ضميناً فِي آن وَاحِد، لتنافي الْحَالَتَيْنِ. قيدنَا بقولنَا: " إِذا اتّحدت جهتهما " ليخرج مَا إِذا اخْتلفت جهتهما، وَذَلِكَ كَمَا لَو اسْتَأْجر دَابَّة لركوبه فركبها وَأَرْدَفَ وَرَاءه آخر ليستمسك بِنَفسِهِ، وَكَانَت تطِيق حمل الِاثْنَيْنِ، فعطبت بعد بُلُوغ الْمَقْصد، فَعَلَيهِ كل الْأجر وَيضمن نصف قيمتهَا، وَذَلِكَ لعدم اتِّحَاد جِهَة الْأجر وجهة الضَّمَان. وَلَو كَانَت لَا تطِيق حمل الِاثْنَيْنِ ضمن كل قيمتهَا (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من الْإِجَارَة) . وَالظَّاهِر أَنه لَا أجر عَلَيْهِ فِي صُورَة عدم إطاقتها، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يعد غَاصبا للْكُلّ من الِابْتِدَاء. كَمَا قَالُوهُ فِيمَا إِذا اسْتَأْجرهَا ليحمل عشرَة مخاتيم بر مثلا، فَحمل عَلَيْهَا أَكثر دفْعَة وَاحِدَة فَتلفت، فَإِن كَانَت تطِيق مَا حملهَا ضمن بِقدر الزِّيَادَة وَوَجَب الْأجر كُله. وَإِن كَانَت لَا تطِيق ضمن كل قيمتهَا وَلَا أجر عَلَيْهِ لصيرورته غَاصبا. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هَا هُنَا فِي تَنْبِيه خَاص.

стр. 385

(ثَانِيًا _ التطبيق) ثمَّ إِن الصُّور الممكنة الَّتِي تَدور عَلَيْهَا الْمَادَّة الْمَذْكُورَة عشر، وَذَلِكَ لِأَن التَّعَدِّي الَّذِي هُوَ سَبَب الضَّمَان إِمَّا أَن يكون بعد اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة الْمَعْقُود عَلَيْهَا كلهَا، كَمَا إِذا اسْتَأْجر دَابَّة ليرْكبَهَا إِلَى مَكَان معِين فركبها إِلَيْهِ ثمَّ جاوزه بمسافة لَا يتَسَامَح فِي مثلهَا، أَو يكون التَّعَدِّي بعد اسْتِيفَاء بَعْضهَا، كَمَا إِذا اسْتَأْجرهَا ليرْكبَهَا إِلَى مَكَان معِين فركبها قَاصِدا لَهُ وَلَكِن فِي أثْنَاء الطَّرِيق عرج إِلَى مَكَان آخر لَا يتَسَامَح فِي مثله عَادَة، أَو اسْتَأْجرهَا ليرْكبَهَا إِلَى الْكُوفَة مثلا ذَاهِبًا وجائياً فجاوز بهَا الْكُوفَة بمسافة لَا يتَسَامَح فِي مثلهَا ثمَّ عَاد إِلَى الْكُوفَة، أَو يكون التَّعَدِّي قبل اسْتِيفَاء شَيْء من الْمَنْفَعَة، كَمَا إِذا اسْتَأْجرهَا ليرْكبَهَا إِلَى مَكَان معِين فركبها إِلَى غَيره. وَفِي كلا الْوَجْهَيْنِ الْأَخيرينِ من الثَّلَاثَة إِمَّا أَن يَسْتَوْفِي بعد التَّعَدِّي الْمَنْفَعَة الْمَعْقُود عَلَيْهَا أَو لَا. فَهَذِهِ مَعَ الْوَجْه الأول صَارَت خمس صور، وَفِي كل من الصُّور الْخمس إِمَّا أَن تسلم الْعين المأجورة أَو تتْلف، فَتلك عشرَة كَامِلَة حَاصِلَة من ضرب اثْنَيْنِ فِي خَمْسَة، يجب الْأجر فِي كل صُورَة استوفيت فِيهَا الْمَنْفَعَة الْمَعْقُود عَلَيْهَا كلهَا أَو بَعْضهَا قبل التَّعَدِّي وسلمت الْعين المأجورة. وَلَكِن عِنْد اسْتِيفَاء كلهَا يجب الْأجر، وَفِي اسْتِيفَاء بَعْضهَا بِحِسَابِهِ، وَلَا يجب الْأجر لما بعد التَّعَدِّي. وَأما أجر مَا اسْتَوْفَاهُ من الْمَنْفَعَة بعد التَّعَدِّي وصيرورته ضَامِنا فَإِنَّهُ سَاقِط. فَفِي (الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ) من جَامع الْفُصُولَيْنِ مَا لَفظه: اسْتَأْجرهُ من الْكُوفَة إِلَى الْبَصْرَة ذَاهِبًا وجائياً، فجاوز بِهِ الْبَصْرَة وَعَاد سليما إِلَى الْكُوفَة فَعَلَيهِ نصف الْأجر الْمُسَمّى عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف إِذْ غصب فَلَا يبرأ إِلَّا بِالرَّدِّ. وَبحث فِيهِ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ بقوله: وَقد مر أَن من خَالف ثمَّ عَاد يجب عَلَيْهِ كل الْأجر. وبحثه هَذَا غير ناهض، لِأَن مَا مر خلاف مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَالْفَتْوَى على أَن الْمُسْتَأْجر لَا يبرأ بِالْعودِ إِلَى الْوِفَاق، وَإِذا لم يبرأ فَلَا أجر عَلَيْهِ كَمَا بعد التَّعَدِّي، كَمَا يعلم مِمَّا قدمْنَاهُ تَحت الْقَاعِدَة الأولى. وَمَا عزاهُ إِلَى أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف جزم بِهِ فِي نور الْعين والفتاوى الْهِنْدِيَّة، من غير حِكَايَة خلاف. فقد قَالَ فِي نور الْعين: " اسْتَأْجرهَا إِلَى مَكَان ذَاهِبًا وجائياً على أَن يرجع

стр. 386

فِي يَوْمه، وَرجع فِي الْغَد، فَعَلَيهِ نصف الْأجر للذهاب لَا للرُّجُوع إِذْ خَالف فِيهِ " (انْتهى) . وَنقل فِي (الْفَصْل السَّادِس وَالْعِشْرين من إجارات) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة، عَن التَّتارْخَانِيَّة، عَن جَامع الْفَتَاوَى، عدم وجوب الْأجر أصلا فِيمَا إِذا اسْتَأْجر دَابَّة إِلَى مَكَان مَعْلُوم، وَخرج بهَا إِلَى ذَلِك الْمَكَان، وَلَكِن بعد أَن مكث كثيرا مِقْدَار مَا لَا يمْكث فِي انْتِظَار الْقَافِلَة، وَقَالَ: قد تقرر عَلَيْهِ الضَّمَان فَلَا يرْتَفع بِالْخرُوجِ فَلَا يجب الْأجر. فَظهر بِهَذَا أَنه لَا يشْتَرط لانْتِفَاء الْأجر الضَّمَان بِالْفِعْلِ، فَإِنَّهُ قد يكون بِالْفِعْلِ وَذَلِكَ فِيمَا إِذا هَلَكت الْعين المأجورة بعد التَّعَدِّي، فَإِنَّهُ لَا أجر عَلَيْهِ لما قبل التَّعَدِّي وَلَا لما بعده. فقد قَالَ فِي (الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ) من جَامع الْفُصُولَيْنِ: (من بحث إِجَارَة الدَّوَابّ، آخر صفحة / ١٦٤) مَا لَفظه: " اسْتَأْجرهُ قروي ليحمل عَلَيْهِ برا إِلَى الْمَدِينَة فَفعل وَوضع عَلَيْهِ فِي الرُّجُوع إِلَى بَيته قفيز ملح بِلَا إِذن فَمَرض فَمَاتَ ضمن لغصبه وَلَا أجر، إِذْ لَا يَجْتَمِعَانِ " ثمَّ قَالَ: " لَو سلم الْحمار فَلهُ أجر مَا سمى فَقَط، إِذْ لَا أجر للغصب " (انْتهى) . وَقد تكون الْحَالة حَالَة تعد تجْعَل صَاحبهَا بمعرض الضَّمَان، وَذَلِكَ فِيمَا إِذا سلمت الْعين بعد التَّعَدِّي، فَإِنَّهُ لَا أجر عَلَيْهِ لما بعد التَّعَدِّي، وَإِن انْتفع بِالْفِعْلِ أَو تمكن من الِانْتِفَاع، لِأَنَّهُ غَاصِب وبمعرض الضَّمَان. وَهَذَا بِخِلَاف مَا إِذا اسْتَأْجر حمارا لحمل مَتَاعه فِي طَرِيق معِين فَحَمله فِي طَرِيق آخر مخوف، أَو ليحمله على دَابَّة مُعينَة فَحَمله فِي الْبَحْر فَتلف فَإِنَّهُ يضمنهُ، وَإِن أوصله سليما وَجب كل الْأجر (ر: الْفَصْل السَّابِع وَالْعِشْرين من إجارات الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة، نقلا عَن التُّمُرْتَاشِيّ) . وَلَا يرد هَذَا على مَا تقدم، لِأَن الْمَعْقُود عَلَيْهِ هُنَا إِيصَال الْمُسْتَأْجر (بِفَتْح الْجِيم) مَال الْمُسْتَأْجر (بِكَسْر الْجِيم) وَقد حصل. وَلَكِن مَعَ الْمُخَالفَة فِي كَيْفيَّة الإيصال الْمَشْرُوطَة، وَلَا عِبْرَة بِالْخِلَافِ عِنْد حُصُول الْمَقْصُود، بِخِلَاف مَا تقدم فَإِن العقد فِيهِ لَيْسَ وارداً على الْحمل والإيصال، بل على مَنْفَعَة دَابَّة مُعينَة ليعْمَل عَلَيْهِ الْمُسْتَأْجر (بِالْكَسْرِ) . وَالْفرق ظَاهر للمتأمل.

стр. 387

وَقد رسمت هَا هُنَا جدولاً حاوياً للمسائل الْعشْر وأحكامها سهل المتناول لمن أَرَادَ. وَهَذَا هُوَ: تعدى وَلم ينْتَفع مُطلقًا تعدى ثمَّ انْتفع انْتفع ثمَّ تعدى استوفى الْمَنْفَعَة كلهَا وتعدى فِي أَثْنَائِهَا استوفى بعض الْمَنْفَعَة ثمَّ تعدى وَلم ينْتَفع بعد ذَلِك سلمت فِي معرض الضَّمَان فَلَا أجر عَلَيْهِ فِي معرض الضَّمَان وَلَا أجر عَلَيْهِ يجب الْأجر كُله يجب الْأجر لما قبل التَّعَدِّي فَقَط يجب الْأجر لما قبل التَّعَدِّي بِحِسَابِهِ فَقَط تلفت ضَامِن بِالْفِعْلِ وَلَا أجر عَلَيْهِ ضَامِن وَلَا أجر عَلَيْهِ يضمن قيمتهَا وَلَا أجر يضمن قيمتهَا وَلَا أجر عَلَيْهِ يضمن قيمتهَا وَلَا أجر (تَنْبِيه:) جَاءَ فِي الذَّخِيرَة (من الْإِجَارَة، صفحة ٤٤٩) مَا لَفظه: اسْتَأْجر حمارا ليحمل عَلَيْهِ اثْنَي عشر وقرا من التُّرَاب إِلَى أرضه بدرهم، وَله فِي أرضه لبن، فَصَارَ كلما عَاد يحمل عَلَيْهِ اللَّبن، فَإِذا سلم الْحمار فِي هَذِه الصُّورَة يجب عَلَيْهِ كل الْأجر، وَلَا مَانع من وجوب الْأجر مَعَ الْمُخَالفَة. انْتهى. وَاسْتشْهدَ لَهُ بِفُرُوع وَقع التَّعَدِّي فِيهَا بعد اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة، فَإِن مَا ذكره مَنْقُولًا فَهُوَ مَحْمُول على القَوْل السَّابِق لما عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَهُوَ أَن الْمُسْتَأْجر إِذا عَاد إِلَى الْوِفَاق بعد التَّعَدِّي يبرأ عَن الضَّمَان، وَالْفَتْوَى على خِلَافه كَمَا قدمْنَاهُ، وَإِن كَانَ قِيَاسا مِنْهُ رَحمَه الله تَعَالَى فَهُوَ قِيَاس مَعَ الْفَارِق. (تَنْبِيه آخر:) كَمَا لَا يجْتَمع أجر وَضَمان لَا يجْتَمع الْعشْر وَالْخَرَاج، وَلَا الْقصاص مَعَ الدِّيَة، وَلَا مُتْعَة وَاجِبَة مَعَ الْمهْر، وَلَا الْقَتْل مَعَ الْوَصِيَّة أَو الْمِيرَاث، وَلَا الْمِيرَاث مَعَ الْوَصِيَّة فِيمَن يرد عَلَيْهِ، وَلَا الْأجر مَعَ الشّركَة فِي الْعين، وَلَا الْحَد مَعَ اللّعان، وَلَا أُجْرَة الرَّضَاع مَعَ النِّكَاح، وَلَا الْحَد مَعَ ثُبُوت النّسَب.

стр. 388

(تَنْبِيه آخر:) ذكرنَا سَابِقًا فِيمَا إِذا اسْتَأْجر الدَّابَّة لحمل مخاتيم بر مُعينَة فَزَاد عَلَيْهَا وَكَانَت الدَّابَّة لَا تطِيق حمل الزِّيَادَة أَنه يضمن جَمِيع الْقيمَة، وَلَا يجب عَلَيْهِ الْأجر. وَالْحكم على الْوَجْه الْمَذْكُور مُسلم وموافق للمنقول فِي كتب الْمَذْهَب. فَفِي الْفَتَاوَى الْخَانِية (من الْإِجَارَة) مَا لَفظه: لَو اسْتَأْجرهَا ليحمل عَلَيْهَا عشرَة مخاتيم حِنْطَة، فَحمل عَلَيْهَا خَمْسَة عشر مَخْتُومًا من الْحِنْطَة وَجَاء بالحمار سليما فَهَلَك قبل أَن يردهُ إِلَى صَاحبه، إِن كَانَ يعلم أَن الْحمار يُطيق ذَلِك كَانَ عَلَيْهِ ثلث الْقيمَة وَكَمَال الْأجر الْمُسَمّى، وَإِن كَانَ لَا يُطيق يضمن جَمِيع الْقيمَة وَلَا يجب الْأجر. انْتهى. وَنَقله أَيْضا عَن الْفَتَاوَى الْخَانِية فِي (السَّابِع وَالْعِشْرين من إجارات) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة، وَكَذَا نَقله فِي الْفَتَاوَى الأنقروية. وَكَذَا يُسْتَفَاد الحكم الْمَذْكُور من مَبْسُوط السَّرخسِيّ (من بَاب إِجَارَة الدَّوَابّ ج / ١٥ ص / ١٧٢) مَعَ مُرَاجعَة مَا ذكره فِي الْعَارِية (ج / ١١ ص / ١٢٨) من الْمَبْسُوط الْمَذْكُور. وَمَا بعد النَّقْل إِلَّا الرُّجُوع إِلَيْهِ. وَأما مَا ذكره بعض العصريين فِي مؤلف لَهُ من تضمين الْمُسْتَأْجر كل الْقيمَة وَإِيجَاب كل الْأجر فِي صُورَة عدم إطاقة الدَّابَّة للزِّيَادَة فَلم يُوجد إِلَّا فِي كَلَام صَاحب التَّنْوِير (من بَاب مَا لَا يجوز فِي الْإِجَارَة وَمَا يكون خلافًا فِيهَا) وَعَزاهُ فِي شَرحه منح الْغفار إِلَى غَايَة الْبَيَان للإتقاني، وَتَابعه فِي هَذَا الْعزو صَاحب الدّرّ، وَأفَاد أَن مَأْخَذ التَّنْوِير للْحكم الْمَذْكُور المعزي للغاية هُوَ من الْبَحْر، وتابع صَاحب التَّنْوِير على هَذَا الحكم الْعَلامَة الخادمي فِي حَاشِيَته على الدُّرَر وَعَزاهُ إِلَيْهِ وَسكت عَنهُ محشو الدّرّ أَيْضا كلهم. وَهُوَ مُشكل ﴿إِذْ فِيهِ إِيجَاب ضَمَان كل الْقيمَة وَإِيجَاب كل الْأجر فِي صُورَة عدم إطاقة الدَّابَّة للْحَمْل وَالزِّيَادَة، وَفِي هَذِه الصُّورَة يكون قد حصل التَّعَدِّي من الِابْتِدَاء وَاعْتبر الْمُسْتَأْجر بتحميلها ذَلِك وَهِي غير مطيقة غَاصبا ضَامِنا من حِين التحميل، فَكيف يجمع عَلَيْهِ الْأجر وَالضَّمان فِي آن وَاحِد والجهة متحدة، وهما لَا يَجْتَمِعَانِ؟﴾ . وَبعد تتبع مَا عِنْدِي من الْكتب الْفِقْهِيَّة بِالْقدرِ الْمُمكن لم أر لما ذكره

стр. 389

صَاحب التَّنْوِير أصلا، ثمَّ لَدَى مُرَاجعَة الْبَحْر الَّذِي عزا إِلَيْهِ صَاحب الدّرّ كَلَام التَّنْوِير والغاية رَأَيْته نقل عَن الزَّيْلَعِيّ تَقْيِيد قَول متن الْكَنْز: وَيضمن بِالزِّيَادَةِ على الْحمل مَا زَاد بِأَن تطِيق الدَّابَّة مثله. ثمَّ قَالَ: وَلم يتَعَرَّض المُصَنّف لِلْأجرِ إِذا هَلَكت، وَفِي غَايَة الْبَيَان أَن عَلَيْهِ الْكِرَاء كَامِلا. انْتهى. وَلَا يخفى أَن قَول الْبَحْر: وَفِي غَايَة الْبَيَان ... . الخ _ بعد أَن نقل عَن الزَّيْلَعِيّ تَقْيِيد عبارَة الْمَتْن بِمَا ذكر _ مَوْضُوع فِيمَا إِذا كَانَت الدَّابَّة تطِيق مثل الْحمل، لَا فِيمَا إِذا كَانَت لَا تطِيق، كَمَا سبق إِلَيْهِ نظر صَاحب التَّنْوِير. ثمَّ لَدَى مُرَاجعَة كتاب غَايَة الْبَيَان الْمَذْكُور برح الخفاء وانكشف الغطاء وَظهر جلياً أَن قَوْله: " وَعَلِيهِ الْكِرَاء كَامِلا " مَوْضُوع فِي صُورَة ضَمَان الْمُسْتَأْجر بِقدر مَا زَاد فِي الْحمل. وَلَا يخفى أَن ضَمَانه قدر مَا زَاد لَيْسَ إِلَّا فِي صُورَة مَا إِذا كَانَت تطِيق، كَمَا هُوَ صَرِيح كَلَام الْخَانِية السَّابِق وَغَيرهَا وصريح كَلَام التَّنْوِير نَفسه فِي الْمحل الْمَذْكُور. ثمَّ رَأَيْت كَلَام الْغَايَة الْمَذْكُور مَنْقُولًا برمتِهِ فِي حَاشِيَة الشلبي المطبوعة على الزَّيْلَعِيّ (من الْإِجَارَة من الْمحل الْمَذْكُور) فَليرْجع إِلَيْهَا من أحب. وَعَلِيهِ فَلم يبْق للمقال من مجَال، وَالْحَمْد لله على كل حَال.

стр. 390

(الْقَاعِدَة السَّادِسَة وَالثَّمَانُونَ (الْمَادَّة / ٨٧)) (" الْغرم بالغنم ") (الشَّرْح، مَعَ التطبيق) " الْغرم " وَهُوَ مَا يلْزم الْمَرْء لِقَاء شَيْء، من مَال أَو نفس، مُقَابل " بالغنم " وَهُوَ مَا يحصل لَهُ من مرغوبه من ذَلِك الشَّيْء. أفادت هَذِه الْمَادَّة عكس مَا أفادته الْمَادَّة الْخَامِسَة وَالثَّمَانُونَ. ثمَّ لَا فرق فِي الْغرم بَين أَن يكون مَشْرُوعا كمؤونة تعمير الْملك الْمُشْتَرك فَإِنَّهَا عَلَيْهِم بِمُقَابلَة انتفاعهم بِهِ انْتِفَاع الْملاك. وكمؤونة تعمير من يرغب من الْمَوْقُوف عَلَيْهِم فِي سُكْنى الْعقار الْمَوْقُوف لسكناهم، فَإِنَّهَا عَلَيْهِم بِمُقَابلَة سكناهم فِيهِ. - وكمؤونة كري النَّهر الْمُشْتَرك وتعمير حَافَّاته وتطهير مَائه، فَإِنَّهَا على الشُّرَكَاء فِيهِ بِمُقَابلَة انتفاعهم بِحَق الشّرْب. - وكمؤونة كري السِّيَاق المالح الْمُشْتَرك، فَإِنَّهَا على الشُّرَكَاء بِمُقَابلَة انتفاعهم بِحَق التسييل. - وكإيجاب ضَمَان الْعين الْمَرْهُونَة على الْمُرْتَهن لِقَاء تمكنه من اسْتِيفَاء دينه مِنْهَا. - وكإيجاب أُجْرَة بَيت حفظهَا وَأُجْرَة حافظها عَلَيْهِ لِقَاء اسْتِحْقَاقه حَبسهَا بِدِينِهِ (ر: الدُّرَر وَغَيره من الرَّهْن) .
следующие страницы →