Полный текст (439 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فِي يَوْمه، وَرجع فِي الْغَد، فَعَلَيهِ نصف الْأجر للذهاب لَا للرُّجُوع إِذْ خَالف فِيهِ " (انْتهى) . وَنقل فِي (الْفَصْل السَّادِس وَالْعِشْرين من إجارات) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة، عَن التَّتارْخَانِيَّة، عَن جَامع الْفَتَاوَى، عدم وجوب الْأجر أصلا فِيمَا إِذا اسْتَأْجر دَابَّة إِلَى مَكَان مَعْلُوم، وَخرج بهَا إِلَى ذَلِك الْمَكَان، وَلَكِن بعد أَن مكث كثيرا مِقْدَار مَا لَا يمْكث فِي انْتِظَار الْقَافِلَة، وَقَالَ: قد تقرر عَلَيْهِ الضَّمَان فَلَا يرْتَفع بِالْخرُوجِ فَلَا يجب الْأجر.
فَظهر بِهَذَا أَنه لَا يشْتَرط لانْتِفَاء الْأجر الضَّمَان بِالْفِعْلِ، فَإِنَّهُ قد يكون بِالْفِعْلِ وَذَلِكَ فِيمَا إِذا هَلَكت الْعين المأجورة بعد التَّعَدِّي، فَإِنَّهُ لَا أجر عَلَيْهِ لما قبل التَّعَدِّي وَلَا لما بعده. فقد قَالَ فِي (الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ) من جَامع الْفُصُولَيْنِ: (من بحث إِجَارَة الدَّوَابّ، آخر صفحة / ١٦٤) مَا لَفظه: " اسْتَأْجرهُ قروي ليحمل عَلَيْهِ برا إِلَى الْمَدِينَة فَفعل وَوضع عَلَيْهِ فِي الرُّجُوع إِلَى بَيته قفيز ملح بِلَا إِذن فَمَرض فَمَاتَ ضمن لغصبه وَلَا أجر، إِذْ لَا يَجْتَمِعَانِ " ثمَّ قَالَ: " لَو سلم الْحمار فَلهُ أجر مَا سمى فَقَط، إِذْ لَا أجر للغصب " (انْتهى) .
وَقد تكون الْحَالة حَالَة تعد تجْعَل صَاحبهَا بمعرض الضَّمَان، وَذَلِكَ فِيمَا إِذا سلمت الْعين بعد التَّعَدِّي، فَإِنَّهُ لَا أجر عَلَيْهِ لما بعد التَّعَدِّي، وَإِن انْتفع بِالْفِعْلِ أَو تمكن من الِانْتِفَاع، لِأَنَّهُ غَاصِب وبمعرض الضَّمَان.
وَهَذَا بِخِلَاف مَا إِذا اسْتَأْجر حمارا لحمل مَتَاعه فِي طَرِيق معِين فَحَمله فِي طَرِيق آخر مخوف، أَو ليحمله على دَابَّة مُعينَة فَحَمله فِي الْبَحْر فَتلف فَإِنَّهُ يضمنهُ، وَإِن أوصله سليما وَجب كل الْأجر (ر: الْفَصْل السَّابِع وَالْعِشْرين من إجارات الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة، نقلا عَن التُّمُرْتَاشِيّ) .
وَلَا يرد هَذَا على مَا تقدم، لِأَن الْمَعْقُود عَلَيْهِ هُنَا إِيصَال الْمُسْتَأْجر (بِفَتْح الْجِيم) مَال الْمُسْتَأْجر (بِكَسْر الْجِيم) وَقد حصل. وَلَكِن مَعَ الْمُخَالفَة فِي كَيْفيَّة الإيصال الْمَشْرُوطَة، وَلَا عِبْرَة بِالْخِلَافِ عِنْد حُصُول الْمَقْصُود، بِخِلَاف مَا تقدم فَإِن العقد فِيهِ لَيْسَ وارداً على الْحمل والإيصال، بل على مَنْفَعَة دَابَّة مُعينَة ليعْمَل عَلَيْهِ الْمُسْتَأْجر (بِالْكَسْرِ) . وَالْفرق ظَاهر للمتأمل.
стр. 387
وَقد رسمت هَا هُنَا جدولاً حاوياً للمسائل الْعشْر وأحكامها سهل المتناول لمن أَرَادَ. وَهَذَا هُوَ: تعدى وَلم ينْتَفع مُطلقًا تعدى ثمَّ انْتفع انْتفع ثمَّ تعدى استوفى الْمَنْفَعَة كلهَا وتعدى فِي أَثْنَائِهَا استوفى بعض الْمَنْفَعَة ثمَّ تعدى وَلم ينْتَفع بعد ذَلِك سلمت فِي معرض الضَّمَان فَلَا أجر عَلَيْهِ فِي معرض الضَّمَان وَلَا أجر عَلَيْهِ يجب الْأجر كُله يجب الْأجر لما قبل التَّعَدِّي فَقَط يجب الْأجر لما قبل التَّعَدِّي بِحِسَابِهِ فَقَط تلفت ضَامِن بِالْفِعْلِ وَلَا أجر عَلَيْهِ ضَامِن وَلَا أجر عَلَيْهِ يضمن قيمتهَا وَلَا أجر يضمن قيمتهَا وَلَا أجر عَلَيْهِ يضمن قيمتهَا وَلَا أجر
(تَنْبِيه:)
جَاءَ فِي الذَّخِيرَة (من الْإِجَارَة، صفحة ٤٤٩) مَا لَفظه: اسْتَأْجر حمارا ليحمل عَلَيْهِ اثْنَي عشر وقرا من التُّرَاب إِلَى أرضه بدرهم، وَله فِي أرضه لبن، فَصَارَ كلما عَاد يحمل عَلَيْهِ اللَّبن، فَإِذا سلم الْحمار فِي هَذِه الصُّورَة يجب عَلَيْهِ كل الْأجر، وَلَا مَانع من وجوب الْأجر مَعَ الْمُخَالفَة. انْتهى.
وَاسْتشْهدَ لَهُ بِفُرُوع وَقع التَّعَدِّي فِيهَا بعد اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة، فَإِن مَا ذكره مَنْقُولًا فَهُوَ مَحْمُول على القَوْل السَّابِق لما عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَهُوَ أَن الْمُسْتَأْجر إِذا عَاد إِلَى الْوِفَاق بعد التَّعَدِّي يبرأ عَن الضَّمَان، وَالْفَتْوَى على خِلَافه كَمَا قدمْنَاهُ، وَإِن كَانَ قِيَاسا مِنْهُ رَحمَه الله تَعَالَى فَهُوَ قِيَاس مَعَ الْفَارِق.
(تَنْبِيه آخر:)
كَمَا لَا يجْتَمع أجر وَضَمان لَا يجْتَمع الْعشْر وَالْخَرَاج، وَلَا الْقصاص مَعَ الدِّيَة، وَلَا مُتْعَة وَاجِبَة مَعَ الْمهْر، وَلَا الْقَتْل مَعَ الْوَصِيَّة أَو الْمِيرَاث، وَلَا الْمِيرَاث مَعَ الْوَصِيَّة فِيمَن يرد عَلَيْهِ، وَلَا الْأجر مَعَ الشّركَة فِي الْعين، وَلَا الْحَد مَعَ اللّعان، وَلَا أُجْرَة الرَّضَاع مَعَ النِّكَاح، وَلَا الْحَد مَعَ ثُبُوت النّسَب.
стр. 388
(تَنْبِيه آخر:)
ذكرنَا سَابِقًا فِيمَا إِذا اسْتَأْجر الدَّابَّة لحمل مخاتيم بر مُعينَة فَزَاد عَلَيْهَا وَكَانَت الدَّابَّة لَا تطِيق حمل الزِّيَادَة أَنه يضمن جَمِيع الْقيمَة، وَلَا يجب عَلَيْهِ الْأجر. وَالْحكم على الْوَجْه الْمَذْكُور مُسلم وموافق للمنقول فِي كتب الْمَذْهَب.
فَفِي الْفَتَاوَى الْخَانِية (من الْإِجَارَة) مَا لَفظه: لَو اسْتَأْجرهَا ليحمل عَلَيْهَا عشرَة مخاتيم حِنْطَة، فَحمل عَلَيْهَا خَمْسَة عشر مَخْتُومًا من الْحِنْطَة وَجَاء بالحمار سليما فَهَلَك قبل أَن يردهُ إِلَى صَاحبه، إِن كَانَ يعلم أَن الْحمار يُطيق ذَلِك كَانَ عَلَيْهِ ثلث الْقيمَة وَكَمَال الْأجر الْمُسَمّى، وَإِن كَانَ لَا يُطيق يضمن جَمِيع الْقيمَة وَلَا يجب الْأجر. انْتهى. وَنَقله أَيْضا عَن الْفَتَاوَى الْخَانِية فِي (السَّابِع وَالْعِشْرين من إجارات) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة، وَكَذَا نَقله فِي الْفَتَاوَى الأنقروية. وَكَذَا يُسْتَفَاد الحكم الْمَذْكُور من مَبْسُوط السَّرخسِيّ (من بَاب إِجَارَة الدَّوَابّ ج / ١٥ ص / ١٧٢) مَعَ مُرَاجعَة مَا ذكره فِي الْعَارِية (ج / ١١ ص / ١٢٨) من الْمَبْسُوط الْمَذْكُور. وَمَا بعد النَّقْل إِلَّا الرُّجُوع إِلَيْهِ.
وَأما مَا ذكره بعض العصريين فِي مؤلف لَهُ من تضمين الْمُسْتَأْجر كل الْقيمَة وَإِيجَاب كل الْأجر فِي صُورَة عدم إطاقة الدَّابَّة للزِّيَادَة فَلم يُوجد إِلَّا فِي كَلَام صَاحب التَّنْوِير (من بَاب مَا لَا يجوز فِي الْإِجَارَة وَمَا يكون خلافًا فِيهَا) وَعَزاهُ فِي شَرحه منح الْغفار إِلَى غَايَة الْبَيَان للإتقاني، وَتَابعه فِي هَذَا الْعزو صَاحب الدّرّ، وَأفَاد أَن مَأْخَذ التَّنْوِير للْحكم الْمَذْكُور المعزي للغاية هُوَ من الْبَحْر، وتابع صَاحب التَّنْوِير على هَذَا الحكم الْعَلامَة الخادمي فِي حَاشِيَته على الدُّرَر وَعَزاهُ إِلَيْهِ وَسكت عَنهُ محشو الدّرّ أَيْضا كلهم.
وَهُوَ مُشكل ﴿إِذْ فِيهِ إِيجَاب ضَمَان كل الْقيمَة وَإِيجَاب كل الْأجر فِي صُورَة عدم إطاقة الدَّابَّة للْحَمْل وَالزِّيَادَة، وَفِي هَذِه الصُّورَة يكون قد حصل التَّعَدِّي من الِابْتِدَاء وَاعْتبر الْمُسْتَأْجر بتحميلها ذَلِك وَهِي غير مطيقة غَاصبا ضَامِنا من حِين التحميل، فَكيف يجمع عَلَيْهِ الْأجر وَالضَّمان فِي آن وَاحِد والجهة متحدة، وهما لَا يَجْتَمِعَانِ؟﴾ .
وَبعد تتبع مَا عِنْدِي من الْكتب الْفِقْهِيَّة بِالْقدرِ الْمُمكن لم أر لما ذكره
стр. 389
صَاحب التَّنْوِير أصلا، ثمَّ لَدَى مُرَاجعَة الْبَحْر الَّذِي عزا إِلَيْهِ صَاحب الدّرّ كَلَام التَّنْوِير والغاية رَأَيْته نقل عَن الزَّيْلَعِيّ تَقْيِيد قَول متن الْكَنْز: وَيضمن بِالزِّيَادَةِ على الْحمل مَا زَاد بِأَن تطِيق الدَّابَّة مثله. ثمَّ قَالَ: وَلم يتَعَرَّض المُصَنّف لِلْأجرِ إِذا هَلَكت، وَفِي غَايَة الْبَيَان أَن عَلَيْهِ الْكِرَاء كَامِلا. انْتهى.
وَلَا يخفى أَن قَول الْبَحْر: وَفِي غَايَة الْبَيَان ... . الخ _ بعد أَن نقل عَن الزَّيْلَعِيّ تَقْيِيد عبارَة الْمَتْن بِمَا ذكر _ مَوْضُوع فِيمَا إِذا كَانَت الدَّابَّة تطِيق مثل الْحمل، لَا فِيمَا إِذا كَانَت لَا تطِيق، كَمَا سبق إِلَيْهِ نظر صَاحب التَّنْوِير. ثمَّ لَدَى مُرَاجعَة كتاب غَايَة الْبَيَان الْمَذْكُور برح الخفاء وانكشف الغطاء وَظهر جلياً أَن قَوْله: " وَعَلِيهِ الْكِرَاء كَامِلا " مَوْضُوع فِي صُورَة ضَمَان الْمُسْتَأْجر بِقدر مَا زَاد فِي الْحمل. وَلَا يخفى أَن ضَمَانه قدر مَا زَاد لَيْسَ إِلَّا فِي صُورَة مَا إِذا كَانَت تطِيق، كَمَا هُوَ صَرِيح كَلَام الْخَانِية السَّابِق وَغَيرهَا وصريح كَلَام التَّنْوِير نَفسه فِي الْمحل الْمَذْكُور. ثمَّ رَأَيْت كَلَام الْغَايَة الْمَذْكُور مَنْقُولًا برمتِهِ فِي حَاشِيَة الشلبي المطبوعة على الزَّيْلَعِيّ (من الْإِجَارَة من الْمحل الْمَذْكُور) فَليرْجع إِلَيْهَا من أحب. وَعَلِيهِ فَلم يبْق للمقال من مجَال، وَالْحَمْد لله على كل حَال.
стр. 390
(الْقَاعِدَة السَّادِسَة وَالثَّمَانُونَ (الْمَادَّة / ٨٧))
(" الْغرم بالغنم ")
(الشَّرْح، مَعَ التطبيق)
" الْغرم " وَهُوَ مَا يلْزم الْمَرْء لِقَاء شَيْء، من مَال أَو نفس، مُقَابل " بالغنم " وَهُوَ مَا يحصل لَهُ من مرغوبه من ذَلِك الشَّيْء.
أفادت هَذِه الْمَادَّة عكس مَا أفادته الْمَادَّة الْخَامِسَة وَالثَّمَانُونَ.
ثمَّ لَا فرق فِي الْغرم بَين أَن يكون مَشْرُوعا كمؤونة تعمير الْملك الْمُشْتَرك فَإِنَّهَا عَلَيْهِم بِمُقَابلَة انتفاعهم بِهِ انْتِفَاع الْملاك.
وكمؤونة تعمير من يرغب من الْمَوْقُوف عَلَيْهِم فِي سُكْنى الْعقار الْمَوْقُوف لسكناهم، فَإِنَّهَا عَلَيْهِم بِمُقَابلَة سكناهم فِيهِ.
- وكمؤونة كري النَّهر الْمُشْتَرك وتعمير حَافَّاته وتطهير مَائه، فَإِنَّهَا على الشُّرَكَاء فِيهِ بِمُقَابلَة انتفاعهم بِحَق الشّرْب.
- وكمؤونة كري السِّيَاق المالح الْمُشْتَرك، فَإِنَّهَا على الشُّرَكَاء بِمُقَابلَة انتفاعهم بِحَق التسييل.
- وكإيجاب ضَمَان الْعين الْمَرْهُونَة على الْمُرْتَهن لِقَاء تمكنه من اسْتِيفَاء دينه مِنْهَا.
- وكإيجاب أُجْرَة بَيت حفظهَا وَأُجْرَة حافظها عَلَيْهِ لِقَاء اسْتِحْقَاقه حَبسهَا بِدِينِهِ (ر: الدُّرَر وَغَيره من الرَّهْن) .
стр. 391
- وكما لَو بَاعَ الْوَصِيّ عينا من التَّرِكَة ليقضي دين الْغُرَمَاء، أَو لم يكن دين فَبَاعَهَا لأجل الْوَرَثَة وهم كبار وَقبض ثمنهَا فَضَاعَ الثّمن مِنْهُ وَتَلفت الْعين الْمَبِيعَة قبل تَسْلِيمهَا رَجَعَ المُشْتَرِي على الْوَصِيّ بِالثّمن، وَهُوَ يرجع على من كَانَ البيع لأَجله من الْغُرَمَاء أَو الْوَرَثَة الْكِبَار (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّامِن وَالْعِشْرين، ص / ٤١ و ٤٢) .
- وكقيمة مَا اتَّفقُوا على إلقائه فِي الْبَحْر من الْأَمْتِعَة المحمولة فِي السَّفِينَة إِذا أشفت على الْغَرق من ثقلهَا، فَإِنَّهَا على ركابهَا بِمُقَابلَة سَلامَة أنفسهم.
- وكأجرة صك الشِّرَاء وحجج المبايعات، فَإِنَّهَا على المُشْتَرِي بِمُقَابلَة انتفاعه بهَا.
- وكأجرة القسام والكيل والوزان، فَإِنَّهَا على الشُّرَكَاء، لِأَن نفع ذَلِك عَائِد لَهُم.
أَو يكون غير مَشْرُوع، كالتكاليف الأميرية الَّتِي تطرح على الْأَمْلَاك، فَإِنَّهَا على أَرْبَابهَا بِمُقَابلَة سَلامَة أملاكهم. وكالتكاليف الَّتِي تطرح على الْأَنْفس، فَإِنَّهَا بِمُقَابلَة سَلامَة أنفسهم. وَلَا شَيْء من هَذِه على النِّسَاء وَالصبيان لِأَنَّهُ لَا يتَعَرَّض لَهُم.
(تَنْبِيه:)
الْقِسْمَة تكون بِحَسب الْأَنْصِبَاء إِلَّا فِي سَبْعَة، فَإِنَّهَا على عدد الرؤوس وَهِي: ١ - ساحة. ٢ - الشُّفْعَة. ٣ - نَوَائِب مُطلقَة. ٤ - أُجْرَة القسام. ٥ - مَا ألقِي من السفن خشيَة الْغَرق. ٦ - طَرِيق. ٧ - عقل.
стр. 392
وَقد نظمها الْحَمَوِيّ بقوله:
(إِن التقاسم فِي الرؤوس يكون فِي ... سبع لَهُنَّ حلي عقد نظامي)
(فِي ساحة، مَعَ شُفْعَة، ونوائب ... إِن من هَوَاء، أُجْرَة القسام)
(وكذاك مَا يَرْمِي من السفن الَّتِي ... يخْشَى لَهَا غرق، وطرق كرام)
(وكذاك عَاقِلَة، وَقد تمّ الَّذِي ... حررته لأفاضل الْأَعْلَام)
(ذكره فِي آخر الشُّفْعَة من رد الْمُحْتَار) .
(تَنْبِيه:)
لَا يدْخل فِي قَول الْحَمَوِيّ " أُجْرَة القسام " الكيال والوزان، لِأَنَّهَا على حسب الْأَنْصِبَاء إِجْمَاعًا (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من الْقِسْمَة) .
ونظمها بعض المعاصرين بقوله:
(قَاسم على عدد الرؤوس، لساحةٍ ... ونوائب إِن أطلقت، مَعَ شُفْعَة)
(ولأجر قسام، وعقل، والطرق ... ولمال سفن عِنْد خوف من غرق)
ونظمها آخر بقوله:
(إِن التقاسم فِي الرؤوس لساحة ... ولأجر قسام، وَمُطلق نَائِبه)
(ولشفعة، دِيَة، وطرق، مثلهَا ... مرمي سفن عِنْد خشيَة نَائِبه)
стр. 393
((الصفحة فارغة))
стр. 394
(الْقَاعِدَة السَّابِعَة وَالثَّمَانُونَ (الْمَادَّة / ٨٨))
(" النِّعْمَة بِقدر النقمَة، والنقمة بِقدر النِّعْمَة ")
" النِّعْمَة بِقدر النقمَة، والنقمة بِقدر النِّعْمَة " احتوت هَذِه الْمَادَّة على جملتين: الأولى مِنْهُمَا مرادفة للمادة الْخَامِسَة والثمانين. وَالثَّانيَِة مِنْهُمَا مرادفة لعكسها، وَهُوَ مَا أفادته السَّابِعَة وَالثَّمَانُونَ. هَكَذَا أَفَادَ بعض أفاضل الشُّرَّاح. وَحِينَئِذٍ فَمَا تفرع على كل من الْمَادَّتَيْنِ السابقتين المذكورتين يُمكن أَن يفرع على مرادفتها من جملتي هَذِه الْمَادَّة.
وَيُمكن أَن يُقَال: إِن المُرَاد بالمادتين السابقتين المذكورتين هُوَ إِفَادَة أصل الْمُقَابلَة، وَهُوَ كَون الْخراج لِقَاء الضَّمَان، وَكَون الْغرم لِقَاء الْغنم، بِقطع النّظر عَن كَون أَحدهمَا بِقدر الآخر، فَإِن المُرَاد بِهَذِهِ الْمَادَّة أَن أَحدهمَا يكون بِقدر الآخر فِيمَا يُمكن فِيهِ مُحَافظَة التَّقْدِير، وَذَلِكَ فِيمَا تكون فِيهِ الْقِسْمَة عل حسب الْأَنْصِبَاء، وَهُوَ مَا عدا السَّبْعَة الْمَنْظُومَة الْمُتَقَدّمَة. وَهَذَا كَمَا تشعر بِهِ لَفْظَة (بِقدر) فِي الجملتين أولى من إخلائها من الْفَائِدَة وَجعلهَا تَكْرَارا مَحْضا! .
стр. 395
((الصفحة فارغة))
стр. 396
(الْقَاعِدَة الثَّامِنَة وَالثَّمَانُونَ (الْمَادَّة / ٨٩))
(" يُضَاف الْفِعْل إِلَى الْفَاعِل، لَا إِلَى الْآمِر مَا لم يكن مجبراً ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" يُضَاف الْفِعْل " أَي ينْسب حكمه، لِأَن الشَّرْع يبْحَث عَن أَفعَال الْمُكَلّفين من حَيْثُ أَحْكَامهَا، لَا من حَيْثُ ذواتها " إِلَى الْفَاعِل " ويقتصر عَلَيْهِ إِذا كَانَ عَاقِلا بَالغا، وَلم يَصح أَمر الْآمِر فِي زَعمه، لِأَنَّهُ _ أَي الْفَاعِل _ هُوَ الْعلَّة للْفِعْل. و " لَا " ينْسب الْفِعْل إِلَى " الْآمِر " بِهِ، لِأَن الْأَمر بِالتَّصَرُّفِ فِي ملك الْغَيْر بَاطِل (ر: الْمَادَّة / ٩٥) وَمَتى بَطل الْأَمر لم يضمن الْآمِر (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل / ٣٣) ، وَلِأَن الْآمِر قد يكون سَببا وَالْفَاعِل عِلّة، وَالْأَصْل فِي المعلولات أَن تُضَاف إِلَى عللها، لِأَنَّهَا هِيَ المؤثرة فِيهَا، لَا إِلَى أَسبَابهَا، لِأَنَّهَا موصلة إِلَيْهَا فِي الْجُمْلَة، والموصل دون الْمُؤثر.
ثمَّ إِنَّمَا ينْسب حكم الْفِعْل إِلَى الْفَاعِل دون الْآمِر " مَا لم يكن " الْآمِر " مجبراً " أَي مكْرها للْفَاعِل على الْفِعْل، فَإِذا كَانَ مكْرها لَهُ عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ تنْسب مَا يُمكن نسبته من حكم الْفِعْل إِلَيْهِ، لَا إِلَى الْفَاعِل، لِأَن الْفَاعِل بِالْإِكْرَاهِ صَار كالآلة فِي يَد الْمُكْره.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
فَلَو أَمر إِنْسَان غَيره بِإِتْلَاف مَال أَو تعييبه أَو بِقطع عُضْو مُحْتَرم أَو بقتل نفس معصومة فَفعل فَالضَّمَان وَالْقصاص على الْفَاعِل لَا على الْآمِر إِلَّا إِذا كَانَ الْآمِر مجبراً ومكرهاً للْفَاعِل على الْفِعْل، فَالضَّمَان وَالْقصاص يكونَانِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ
стр. 397
إِذا كَانَ إكراهه لَهُ بملجئ (ر: الْمَادَّة / ٩٤٩) وَلَا مُعْتَبر بِغَيْر الملجئ فِي مثل هَذَا، لِأَنَّهُ من التَّصَرُّفَات الفعلية (ر: الْمَادَّة / ١٠٠٧) .
وَمن الْإِكْرَاه الْمُعْتَبر هَا هُنَا أَيْضا مَا إِذا كَانَ الْآمِر سُلْطَانا فَإِن أمره إِكْرَاه (ر: رد الْمُحْتَار، من آخر الْغَصْب) .
ثمَّ إِنَّمَا قيدنَا اقْتِصَار الحكم على الْفَاعِل بقولنَا: " إِذا كَانَ عَاقِلا بَالغا " لِأَنَّهُ إِذا لم يكن كَذَلِك، بِأَن كَانَ غير عَاقل، أَو كَانَ صَبيا فَإِن الْفِعْل يُضَاف إِلَيْهِ وَيضمن المَال الَّذِي أتْلفه ودية الْعُضْو وَالنَّفس، لِأَن المحجورين يضمنُون الضَّرَر الَّذِي نَشأ من فعلهم (ر: الْمَادَّة / ٩٦٠) وَلَكِن لَا يقْتَصر الضَّمَان عَلَيْهِ، بل يرجع بِمَا ضمنه على آمره إِذا كَانَ أمره مُعْتَبرا بِأَن كَانَ عَاقِلا بَالغا، أما إِذا كَانَ صَغِيرا أَو غير عَاقل فَلَا يرجع عَلَيْهِ (ر: الدّرّ، آخر الْغَصْب) .
وَقَيَّدنَا أَيْضا اقْتِصَار الحكم على الْفَاعِل بقولنَا: " وَلم يَصح أَمر الْآمِر فِي زَعمه " لِأَنَّهُ لَو صَحَّ فِي زَعمه فَإِنَّهُ يرجع عَلَيْهِ بِمَا ضمن وَإِن كَانَ الْأَمر غير صَحِيح فِي الْوَاقِع (ر: رِسَالَة مَحْمُود أَفَنْدِي حَمْزَة الْمُسَمَّاة ب: التَّحْرِير فِي ضَمَان الْآمِر والمأمور والأجير، نقلا عَن الْعِنَايَة. طبعت تِلْكَ الرسَالَة فِي دمشق _ الشَّام ١٣٠٣ هـ) .
وَفِي الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته (من آخر الْغَصْب) : وَإِذا أمره بِحَفر بَاب فِي حَائِط الْغَيْر غرم الْحَافِر وَرجع على الْآمِر (أشباه) وَهَذَا فِيمَا إِذا قَالَ: احْفِرْ لي، أَو قَالَ احْفِرْ فِي حائطي، أَو كَانَ سَاكِنا فِي تِلْكَ الدَّار، أَو اسْتَأْجرهُ على ذَلِك، لِأَن ذَلِك كُله من عَلَامَات الْملك، وَإِلَّا فَلَا يرجع، لِأَن الْأَمر لم يَصح بزعم الْمَأْمُور. انْتهى.
وَمِمَّا صَحَّ فِيهِ أَمر الْآمِر فِي زعم الْمَأْمُور مَا ذكره فِي رد الْمُحْتَار، عَن الْهِنْدِيَّة، عقب مَا تقدم من أَنه لَو أَمر غَيره أَن يذبح لَهُ هَذِه الشَّاة وَكَانَت لجاره ضمن الذَّابِح علم أَو لَا. لَكِن إِذا علم لَا يكون لَهُ حق الرُّجُوع، وَإِلَّا رَجَعَ. انْتهى. لِأَن تَعْبِيره بقوله: " يذبح لَهُ " يصحح أَمر الْآمِر بزعم الْمَأْمُور، كَمَا علم مِمَّا سبق. وَأفَاد كَلَام الْهِنْدِيَّة أَن عَلَامَات الْملك إِنَّمَا تَنْفَع إِذا لم يعلم الْمَأْمُور أَنه للْغَيْر،، أما إِذا علم فَإِنَّهَا لَا تَنْفَع.
стр. 398
وَمِنْه مَا لَو قَالَ رجل لأهل السُّوق: بَايعُوا ابْني هَذَا فقد أَذِنت لَهُ بِالتِّجَارَة، فَبَايعُوهُ، ثمَّ ظهر أَنه ابْن الْغَيْر، رجعُوا على الرجل (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من بَاب الْمُرَابَحَة وَالتَّوْلِيَة) لِأَن الْأَمر بقوله: بَايعُوا، وَالْإِضَافَة بقوله: ابْني يصححان أَمر الْآمِر فِي زعم الْمَأْمُور ويجعلانه مغروراً من قبل الْآمِر، فَلَا يقْتَصر فعل هَؤُلَاءِ، من الْحفر وَالذّبْح والمبايعة، عَلَيْهِم، بل يرجعُونَ بِمَا تضرروا بِهِ على الْآمِر. وَالتَّقْيِيد بقولنَا: " فَحِينَئِذٍ ينْسب مَا يُمكن نسبته من حكم الْفِعْل إِلَيْهِ " لإِخْرَاج مَا لَا يُمكن نسبته إِلَيْهِ من الْأَحْكَام، لكَونه لَا يصلح أَن يكون الْمُكْره فِيهِ آلَة للمكره، كالتكلم. وَلذَا لَو كره على الْإِعْتَاق ضمن الْمُكْره، لِأَن الْمُكْره فِي حق الْإِتْلَاف يصلح آلَة، لَكِن الْوَلَاء للمكره، لِأَنَّهُ لَا يصلح آلَة فِي حق التَّكَلُّم (ر: رد الْمُحْتَار، من الْإِكْرَاه، عَن الإتقاني) .
(تَنْبِيه:)
إِنَّمَا يشْتَرط كَون الْآمِر مجبراً لأجل إِضَافَة حكم الْفِعْل إِلَيْهِ إِذا لم يكن أمره للْغَيْر يضمن الْأَمر بِالضَّمَانِ، وَلم يكن أمره لَهُ بِدفع مَال عَنهُ لِقَاء وَاجِب دُنْيَوِيّ عَلَيْهِ يُطَالب بِهِ بِالْحَبْسِ والملازمة، أَو لِقَاء شَيْء يدْخلهُ الْمَأْمُور فِي ملك الْآمِر بِوَاسِطَة امتثاله أمره أَو لِقَاء سَلامَة نفس الْآمِر. أما إِذا كَانَ شَيْء من ذَلِك فَلَا يشْتَرط لإضافة حكم الْفِعْل إِلَيْهِ وَالرُّجُوع عَلَيْهِ كَونه مجبراً، فَلَو أَمر غَيره بِقَضَاء دين عَلَيْهِ مثلا فَفعل رَجَعَ عَلَيْهِ، لِأَن ذَلِك وَاجِب دُنْيَوِيّ على الْآمِر يُطَالب بِهِ بِالْحَبْسِ والملازمة.
وَكَذَا لَو أمره بِالْإِنْفَاقِ على نَفسه أَو على بِنَاء دَاره فَفعل، رَجَعَ عَلَيْهِ فِي جَمِيع ذَلِك، لِأَن مَا أنفقهُ الْمَأْمُور كَانَ لِقَاء مَا أدخلهُ بِوَاسِطَة إِنْفَاقه فِي ملك الْآمِر من الطَّعَام وَالْكِسْوَة وَالْبناء.
وَكَذَا لَو أَمر الْأَسير غَيره بفدائه فَفعل رَجَعَ عَلَيْهِ، لِأَن مَا دَفعه الْمَأْمُور على الْآمِر بِلَا اشْتِرَاط (كَمَا يُسْتَفَاد ذَلِك من الْأَشْبَاه وحواشيه، فِي الْغَصْب وَالْكَفَالَة) . نعم، فِي مَسْأَلَة الْأَسير الْمَذْكُورَة قَولَانِ مصححان صحّح فِي الْخَانِية الرُّجُوع بِلَا اشْتِرَاط وَعَلِيهِ اقْتصر فِي شرح السّير الْكَبِير، وَمَشى فِي الْمُحِيط على عدم
стр. 399
الرُّجُوع بِلَا اشْتِرَاط. قَالَ فِي الْعمادِيَّة: وَهُوَ الْأَصَح، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى (ر: رد الْمُحْتَار، قبيل كَفَالَة الرجلَيْن) .
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة مَا لَو كَانَ الْمَأْمُور أَجِيرا خَاصّا للْآمِر فَتلف بِعَمَلِهِ شَيْء من غير أَن يُجَاوز الْمُعْتَاد فَالضَّمَان على أستاذه الْآمِر لَهُ، فَلَو تخرق الثَّوْب من دقه، أَو غرقت السَّفِينَة من مده، فَالضَّمَان على أستاذه الْآمِر (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، من ضَمَان الْأَجِير) .
وَكَذَا لَو أمره برش المَاء فِي فنَاء دكانه فرش، فَمَا تولد مِنْهُ فضمانه على الْآمِر، وَإِن بِغَيْر أمره فَالضَّمَان على الراش (ر: رد الْمُحْتَار: من آخر الْغَصْب، عَن الْبَزَّازِيَّة) وكما فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ (الْفَصْل / ٣٣ ص ١٢٥) فصل فِي مَسْأَلَة مَا لَو أمره برش الطَّرِيق: بَين تلف الدَّابَّة فَيضمن مُطلقًا، وَبَين تلف الْآدَمِيّ فَيضمن إِذا رش كل الطَّرِيق وَلم يتْرك ممراً. انْتهى.
(تَنْبِيه آخر:)
إِن دَعْوَى الضَّمَان تكون على الْمُبَاشر لَا غير، صَحَّ الْأَمر أَو لم يَصح، فَإِن صَحَّ الْأَمر رَجَعَ الْمُبَاشر على الْآمِر، وَإِن لم يَصح فَلَا رُجُوع (ر: رِسَالَة مَحْمُود أَفَنْدِي حَمْزَة، عَن الذَّخِيرَة) .
(تَنْبِيه آخر:)
الظَّاهِر أَن إِضَافَة الْفِعْل للْفَاعِل لَا للْآمِر إِنَّمَا تكون فِي فعل ظهر فِيهِ تعد على الْغَيْر مُوجب للضَّمَان، فَلَو لم يكن فِيهِ شَيْء من هَذَا فَإِن الْفِعْل يُضَاف حِينَئِذٍ للْآمِر إِذا كَانَ الْفِعْل يقبل الِاسْتِنَابَة، بِدَلِيل مَا نَص عَلَيْهِ فِي الدُّرَر والدر الْمُخْتَار وَغَيرهمَا (من الْأَيْمَان) من أَنه لَو حلف بِطَلَاق زَوجته أَن لَا يدْخل دَار فلَان، فَأمر غَيره فَحَمله وَأدْخلهُ حنث. وبدليل مَا نصوا عَلَيْهِ من حنث من حلف بِطَلَاق زَوجته أَن لَا يفعل الْأَمر الْفُلَانِيّ، فَأمر غَيره بِفِعْلِهِ فَفعله. إِلَّا مَا استثنوه من الْمسَائِل السَّبع الَّتِي لَا يلْزم الْمُوكل إضافتها إِلَى مُوكله، أَو الَّتِي لَا ولَايَة للْآمِر فِيهَا، كضرب ابْنه الْكَبِير (ر: مَا تقدم من ذَلِك فِي الْكَلَام على الْمَادَّة الثَّانِيَة عشرَة نثراً ونظماً) .
стр. 400
(الْقَاعِدَة التَّاسِعَة وَالثَّمَانُونَ (الْمَادَّة / ٩٠))
(" إِذا اجْتمع الْمُبَاشر والمتسبب يُضَاف الحكم إِلَى الْمُبَاشر ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" إِذا اجْتمع الْمُبَاشر " للْفِعْل، أَي الْفَاعِل لَهُ بِالذَّاتِ " والمتسبب " لَهُ، أَي المفضي والموصل إِلَى وُقُوعه " يُضَاف الحكم إِلَى الْمُبَاشر " لما تقدم فِي الْمَادَّة السَّابِقَة، من أَن الْفَاعِل هُوَ الْعلَّة المؤثرة، وَالْأَصْل فِي الْأَحْكَام أَن تُضَاف إِلَى عللها المؤثرة لَا إِلَى أَسبَابهَا الموصلة، لِأَن تِلْكَ أقوى وَأقرب، إِذْ المتسبب هُوَ الَّذِي تخَلّل بَين فعله والأثر الْمُتَرَتب عَلَيْهِ، من تلف أَو غَيره، فعل فَاعل مُخْتَار، والمباشر هُوَ الَّذِي يحصل الْأَثر بِفِعْلِهِ من غير أَن يَتَخَلَّل بَينهمَا فعل فَاعل مُخْتَار، فَكَانَ أقرب لإضافة الحكم إِلَيْهِ من المتسبب. قَالَ الرَّمْلِيّ فِي حَاشِيَته على جَامع الْفُصُولَيْنِ (فِي الْفَصْل / ٣٣ صفحة ١٢٤) : إِذا اجْتمع الْمُبَاشر والمتسبب فالمباشر مقدم، كالعلة وَعلة الْعلَّة، وَالْحكم يُضَاف إِلَى الْعلَّة لَا إِلَى عِلّة الْعلَّة.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
مثلا لَو حفر رجل بِئْرا فِي الطَّرِيق الْعَام بِلَا إِذن ولي الْأَمر، فَألْقى أحد حَيَوَان شخص فِي تِلْكَ الْبِئْر، ضمن الَّذِي ألْقى الْحَيَوَان، لِأَنَّهُ الْعلَّة المؤثرة وَلم يَتَخَلَّل بَين فعله والتلف فعل فَاعل مُخْتَار، دون حافر الْبِئْر، لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ فعله مفضياً وموصلاً إِلَى التّلف، إِلَّا أَن التّلف لم يحصل بِفِعْلِهِ، بل تخَلّل بَين فعله والتلف فعل فَاعل مُخْتَار، وَهُوَ مبَاشر الْإِلْقَاء بِلَا وَاسِطَة، فَكَانَ الضَّمَان عَلَيْهِ. حَتَّى لَو لم يَتَخَلَّل بَين فعله والتلف فعل فَاعل مُخْتَار بِأَن تدهور فِيهِ الْحَيَوَان بِلَا صنع أحد ضمن الْحَافِر إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا بِأَن كَانَ حفره بِغَيْر إِذن ولي
стр. 401
الْأَمر (ر: الْمَادَّة / ٩٢٢ و ٩٢٤ و ٩٢٥) .
وَيتَفَرَّع على الْقَاعِدَة مَا لَو دلّ سَارِقا على مَال إِنْسَان فسرقه أَو دلّ آخر على الْقَتْل أَو قطع الطَّرِيق، فَفعل فَلَا ضَمَان على الدَّال بل على السَّارِق وَالْقَاتِل وقاطع الطَّرِيق لِأَنَّهُ الْمُبَاشر.
وَكَذَا لَو دفع سكيناً إِلَى صبي مُمَيّز ليمسكه لَهُ فَقتل الصَّبِي بِهِ نَفسه، فَلَا ضَمَان على الدَّافِع المتسبب، لِأَنَّهُ تخَلّل بَين فعله والتلف فعل فَاعل مُخْتَار، وَهُوَ الصَّبِي، لِأَنَّهُ ضرب نَفسه بِاخْتِيَار (ر: الْمرْآة) فَلَو لم يحصل التّلف بِاخْتِيَارِهِ بِأَن وَقع السكين من يَد الصَّبِي عَلَيْهِ فجرحه ضمن الدَّافِع (ر: الْأَشْبَاه) .
(تَنْبِيه:)
إِنَّمَا يجب الضَّمَان على الْمُبَاشر وَحده دون المتسبب إِذا كَانَ السَّبَب لَا يعْمل فِي الْإِتْلَاف إِذا انْفَرد عَن الْمُبَاشرَة، كحفر الْبِئْر، فَإِنَّهُ بِانْفِرَادِهِ لَا يُوجب التّلف مَا لم يُوجد الدّفع الَّذِي هُوَ الْمُبَاشرَة، وَإِن كَانَ لَوْلَا الْحفر لَا يتْلف بِالدفع. أما إِذا كَانَ السَّبَب يعْمل فِي الْإِتْلَاف إِذا انْفَرد عَن الْمُبَاشرَة، كالسوق مَعَ الرّكُوب، فَإِن الْمُبَاشر والمتسبب يَشْتَرِكَانِ حِينَئِذٍ فِي ضَمَان مَا تتلفه الدَّابَّة، لِأَن السَّائِق وَإِن كَانَ متسبباً والراكب وَإِن كَانَ مباشراً فَإِن السَّبَب هَا هُنَا، وَهُوَ السُّوق، يعْمل فِي الْإِتْلَاف إِذا انْفَرد عَن الرّكُوب فيضمنان بِالسَّوِيَّةِ (ر: رد الْمُحْتَار من جِنَايَة الْبَهِيمَة) .
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة الْمَسْأَلَة التالية: لَو دلّ الْمُودع نَفسه السَّارِق على الْوَدِيعَة فسرقها، فَإِنَّهُ يضمن لترك الْحِفْظ، إِلَّا إِذا مَنعه حِين الْأَخْذ فَأَخذهَا كرها فَلَا يضمن. بِخِلَاف وَارِث الْمُودع إِذا دلّ السَّارِق عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يضمن لِأَنَّهَا فِي يَده أَمَانَة مَحْضَة لم يلْتَزم الْحِفْظ فِيهَا.
وَيظْهر أَن مثله مَا لَو أَلْقَت الرّيح ثوب الْجَار فِي دَاره، فَدلَّ السَّارِق عَلَيْهِ، لتصريحهم بِأَنَّهُ أَمَانَة مَحْضَة لَا الْتِزَام للْحِفْظ فِيهَا.
стр. 402
(الْقَاعِدَة التِّسْعُونَ (الْمَادَّة / ٩١))
(" الْجَوَاز الشَّرْعِيّ يُنَافِي الضَّمَان ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" الْجَوَاز الشَّرْعِيّ " وَهُوَ كَون الْأَمر مُبَاحا، فعلا كَانَ أَو تركا " يُنَافِي الضَّمَان " لما حصل بذلك الْأَمر الْجَائِز من التّلف.
وَلَكِن بِشَرْط: _ أَن لَا يكون ذَلِك الْأَمر الْجَائِز مُقَيّدا بِشَرْط السَّلامَة.
- وَأَن لَا يكون عبارَة عَن إِتْلَاف مَال الْغَيْر لأجل نَفسه، وَذَلِكَ لِأَن الضَّمَان يَسْتَدْعِي سبق التَّعَدِّي، وَالْجَوَاز الشَّرْعِيّ يَأْبَى وجوده، فتنافيا.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
أما إِذا كَانَ الْأَمر الْمُبَاح فعلا فَهُوَ مَا أفادته الْمَادَّة بقولِهَا: مثلا لَو حفر إِنْسَان بِئْرا فِي ملكه الْخَاص بِهِ أَو فِي طَرِيق الْعَامَّة وَلَكِن بِإِذن ولي الْأَمر، فَوَقع فِيهَا حَيَوَان رجل، أَو وَقع فِيهَا إِنْسَان فَهَلَك، لَا يضمن حافر الْبِئْر شَيْئا.
وَكَذَا لَو خَالف فِي حفظ الْوَدِيعَة أَو اسْتِعْمَال الْمَأْجُور إِلَى مَا هُوَ مساوٍ كَمَا إِذا قَالَ: احفظها فِي الْبَيْت الْفُلَانِيّ من دَارك فحفظها فِي بَيت آخر مثله فِيهَا. أَو اسْتَأْجر الدَّابَّة ليحملها كراً معينا من حِنْطَة مثلا فحملها كراً من حِنْطَة أُخْرَى.
أَو خَالف إِلَى مَا هُوَ خير، كَمَا إِذا حفظ الْوَدِيعَة فِي بَيت أحصن من الَّذِي
стр. 403
عينه لَهُ الْمُودع، أَو اسْتَأْجر الدَّابَّة ليحملها كرّ حِنْطَة فحملها كرّ شعير أَو سمسم، فَتلفت الْوَدِيعَة أَو الْعين الْمُسْتَأْجرَة فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي شَيْء من ذَلِك (ر: الْموَاد / ٦٠٥، ٧٨٤، ٩٢٤ من الْمجلة والمرآة) .
وَكَذَا لَو أَخذ الْوَكِيل بِالْبيعِ رهنا بِثمن مَا بَاعه فَهَلَك الرَّهْن لَا يضمن للْمُوكل وَسقط الدّين عَن المُشْتَرِي إِذا كَانَ مثل الثّمن (ر: الْمَادَّة / ١٥٠٠ وَشَرحهَا من الْمرْآة) .
وَكَذَا لَو حبس الْأَجِير الْعين الَّتِي لعمله فِيهَا أثر لأجل الْأُجْرَة فَهَلَكت فِي يَده لَا يضمن الْعين وَسقط الْأجر لهلاكها قبل التَّسْلِيم للْمُسْتَأْجر.
وَكَذَا لَو فسخت الْإِجَارَة فحبس الْمُسْتَأْجر الْعين المأجورة لقبض مَا كَانَ عجله من الْأُجْرَة فَهَلَكت الْعين فِي يَده لَا يضمن وَلَا يسْقط مَا عجله (ر: التَّنْوِير من الْإِجَارَة) .
وَكَذَا لَو أنْفق الْمُلْتَقط بِأَمْر القَاضِي ليرْجع بِمَا أنْفق على صَاحبهَا، ثمَّ طلبَهَا رَبهَا فَمنعهَا مِنْهُ ليَأْخُذ النَّفَقَة فَهَلَكت بعد مَنعه لَا يضمن وَلَا تسْقط النَّفَقَة على الْمُعْتَمد، وَذَلِكَ لِأَن كل مَا ذكر من الْأَعْمَال جَائِز، وَالْجَوَاز الشَّرْعِيّ يُنَافِي الضَّمَان.
وَأما إِذا كَانَ الْأَمر الْمُبَاح تركا فَكَمَا إِذا امْتنع الْوَكِيل بِالْبيعِ أَو الشِّرَاء عَن فعل مَا وكل بِهِ حَتَّى هلك فِي يَده الْمَبِيع أَو الثّمن. أَو امْتنع الْمضَارب عَن الْعَمَل فِي رَأس مَال الْمُضَاربَة بعد أَن قَبضه حَتَّى هلك فِي يَده، أَو أخر إِنْسَان عِنْده المَال الْمَدْفُوع إِلَيْهِ ليوصله إِلَى آخر، أَو ليقضي بِهِ دين الدَّافِع حَتَّى هلك عِنْده فَإِنَّهُ لَا ضَمَان عَلَيْهِم، لِأَن امْتنَاع من ذكر جَائِز، وَالْجَوَاز يُنَافِي الضَّمَان.
ثمَّ إِنَّمَا شرطنا لعدم الضَّمَان أَن لَا يكون الْفِعْل الْجَائِز مُقَيّدا بِشَرْط السَّلامَة، وَأَن لَا يكون عبارَة عَن إِتْلَاف مَال الْغَيْر لأجل نَفسه، ليخرج مَا لَو تلف بمروره بِالطَّرِيقِ الْعَام شَيْء، أَو أتلفت دَابَّته بِالطَّرِيقِ الْعَام شَيْئا بِيَدِهَا أَو فمها، وَهُوَ راكبها أَو سائقها أَو قائدها، فَيضمن. لِأَن مروره ذَلِك وَإِن كَانَ مُبَاحا لكنه مُقَيّد بِشَرْط السَّلامَة (ر: الْمَادَّة / ٩٢٦، ٩٢٣، ٩٣٣ من الْمجلة) .
стр. 404
وليخرج الْمُضْطَر لأكل طَعَام الْغَيْر فَإِنَّهُ يضمن قِيمَته (ر: مَا تقدم فِي الْمَادَّة / ٣٣) . وليخرج مَا لَو هدم دَار جَاره وَقت الحرق لمنع سريان الْحَرِيق بِغَيْر إِذن ولي الْأَمر وَبِغير إِذن صَاحبهَا، فَإِنَّهُ يجوز لَهُ ذَلِك وَيضمن قيمتهَا معرضة للحريق (ر: الْمَادَّة / ٩١٩ من الْمجلة والمرآة) لِأَنَّهُ فعل ذَلِك الْهدم لأجل نَفسه.
ثمَّ إِن مَفْهُوم الْقَاعِدَة أَن عدم الْجَوَاز الشَّرْعِيّ لَا يُنَافِي الضَّمَان وَلَا يأباه، وَلَكِن هَل يستلزمه أَو لَا يستلزمه؟ مَحل نظر. وَقد صرح فِي رد الْمُحْتَار (أَوَائِل اللّقطَة) بِأَن الْإِثْم لَا يسْتَلْزم الضَّمَان، وَقَالَ: وَاسْتدلَّ لَهُ فِي الْبَحْر بِمَا قَالُوا: لَو منع الْمَالِك عَن أَمْوَاله حَتَّى هَلَكت يَأْثَم وَلَا يضمن.
أَقُول: وَيدل لَهُ أَيْضا مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْإِكْرَاه من أَنه لَو أكره بملجئ على قتل الْغَيْر أَو قطع عضوه لَا يحل لَهُ الْإِقْدَام. فَلَو فعل فالقصاص على الْمُكْره (بِالْكَسْرِ) وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا مَا لَو دلّ وَارِث الْمُودع السَّارِق على الْوَدِيعَة فسرقها، فَإِنَّهُ لَا يضمن (كَمَا تقدم فِي الْكَلَام على الْمَادَّة السَّابِقَة) .
وكما لَو قصر الْمُتَوَلِي فِي مُطَالبَة الْمُسْتَأْجر بِالْأُجْرَةِ حَتَّى اجْتمع عَلَيْهِ مَال كثير فهرب لَا يضمن (ر: الْفَتَاوَى الانقروية، من الْوَقْف، الْبَاب الثَّامِن) .
وَكَذَا لَو قصر الْمُتَوَلِي فِي رفع الْمُسْتَأْجر للْحَاكِم لإبلاغ الْأُجْرَة إِلَى أجر الْمثل إِذا كَانَ الْمُسْتَأْجر مُمْتَنعا عَن دَفعهَا، مَعَ قدرته على رَفعه، لَا يضمن (ر: الْأَشْبَاه، من الْوَقْف) .
وكما لَو أودع اثْنَان مثلِيا عِنْد آخر لم يجز لَهُ أَن يدْفع لأَحَدهمَا حِصَّة مِنْهُ بغيبة الآخر، وَلَو دفع لَا يضمن اسْتِحْسَانًا، وَرجحه فِي الْبَحْر، وَاخْتَارَ النَّسَفِيّ والمحبوبي الضَّمَان (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من الْوَدِيعَة) .
وكما لَو سعى بِبَرِيءٍ إِلَى ظَالِم قد يغرم وَقد لَا يغرم.
فَكل مَا ذكر من هَذِه الْأَعْمَال غير جَائِز شرعا وَلم يوجبوا بِهِ ضمانا.
стр. 405
وكما لَو وجد اللّقطَة، وَقد أَمن من نَفسه تَعْرِيفهَا، وَكَانَت بمعرض الضّيَاع، فَلم يعرفهَا، فَإِنَّهُ يَأْثَم وَلَا يضمن لَو ضَاعَت على الْمُعْتَمد (ر: الدّرّ وحاشيته، من اللّقطَة) .
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
خرج عَن الْقَاعِدَة مسَائِل: مِنْهَا: أَن الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ لَهُ حبس الْمَبِيع عَن مُوكله، حَتَّى يقبض مِنْهُ الثّمن، وَلَكِن لَو هلك الْمَبِيع فِي يَده، وَالْحَالة هَذِه، يلْزم الْوَكِيل الثّمن. (ر: الْمَادَّة / ١٤٩٢) .
وَمِنْهَا: مَا لَو استغل أحد الشَّرِيكَيْنِ فِي الْكَرم أثماره وباعها حِين غيبَة شَرِيكه فَإِن عمله هَذَا جَائِز، وَلَكِن إِذا حضر شَرِيكه فَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يُجِيز البيع وَيَأْخُذ الثّمن وَبَين أَن يضمنهُ حِصَّته (ر: الْمَادَّة / ١٠٨٦) .
وَمِنْهَا: مَا لَو مَاتَ رَفِيقه فِي السّفر وَلَا قَاضِي، فَلهُ بيع أمتعته وَحفظ ثمنهَا لوَرثَته، وَالْوَرَثَة بِالْخِيَارِ بَين أَن يجيزوا البيع ويأخذوا الثّمن، أَو يَأْخُذُوا مَا وجدوا ويضمنوا مَا لم يَجدوا.
وَمِنْهَا: مَا لَو تصدق الْمُلْتَقط باللقطة بعد تَعْرِيفهَا زَمنا كَافِيا ثمَّ جَاءَ صَاحبهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَين أَن يُجِيز تصدقه أَو يضمنهُ (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته، من اللّقطَة) .
وَمِنْهَا: مَا جَاءَ فِي الْمَادَّة / ٩١٩ من الْمجلة والمرآة، وقدمناه فِي الْكَلَام على الْمَادَّة / ٢٦ من أَنه وَقع حريق فِي محلّة فهدم رجل بَيت جَاره لمنع سريان الْحَرِيق بِلَا إِذن الْجَار أَو ولي الْأَمر، ثمَّ انْقَطع الْحَرِيق ضمن قيمتهَا وَهِي فِي حَالَة الْحَرِيق لَا كَامِلَة، وَلَا يكون آثِما فِي فعله على كل حَال.
стр. 406
(الْقَاعِدَة الْحَادِيَة وَالتِّسْعُونَ (الْمَادَّة / ٩٢))
(" الْمُبَاشر ضَامِن وَإِن لم يتَعَمَّد ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" الْمُبَاشر " للْفِعْل، وَقد تقدم بَيَانه فِي الْقَاعِدَة / ٨٩ / " ضَامِن " لما تلف بِفِعْلِهِ إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا فِيهِ، وَيَكْفِي لكَونه مُتَعَدِّيا أَن يتَّصل فعله فِي غير ملكه بِمَا لَا مسوغ لَهُ فِيهِ سَوَاء كَانَ نفس الْفِعْل سائغاً، كَمَا فِي الْفُرُوع الْآتِيَة، أَو غير سَائِغ كَمَا لَو أَرَادَ ضرب مَعْصُوم فَأصَاب آخر نَظِيره، وأمثال ذَلِك كَثِيرَة، فَيضمن حينئذٍ " وَإِن لم يتَعَمَّد " الْإِتْلَاف، لِأَن الْخَطَأ يرفع عَنهُ إِثْم مُبَاشرَة الْإِتْلَاف وَلَا يرفع عَنهُ ضَمَان الْمُتْلف بعد أَن كَانَ مُتَعَدِّيا، وَلِأَن الْمُبَاشرَة عِلّة صَالِحَة وَسبب مُسْتَقل للإتلاف، فَلَا يصلح عدم التعمد أَن يكون عذرا مسْقطًا للْحكم، وَهُوَ الضَّمَان عَن الْمُبَاشر الْمُتَعَدِّي.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْمَادَّة: مَا لَو زلق إِنْسَان فَوَقع على مَال آخر فأتلفه، أَو أتلف إِنْسَان مَال غَيره يَظُنّهُ مَال نَفسه فَإِنَّهُ يضمن فِي الصُّورَتَيْنِ (ر: الْمَادَّتَيْنِ ٩١٣ و ٩١٤ من الْمجلة) .
وَمَا لَو سقط من ظهر الْحمال شَيْء فأتلف مَال أحد ضمن الْحمال. وَكَذَا لَو طرق الْحداد الحديدة المحماة فطار شررها فَأحرق ثوب إِنْسَان مار فِي الطَّرِيق ضمنه الْحداد (ر: الْمَادَّة / ٩٢٦) .
стр. 407
وَمَا لَو انْقَلب النَّائِم أَو الصَّغِير، وَلَوْلَا يعقل أصلا، على مالٍ لغيره فأتلفه، أَو شخص فَقتله، فَإِنَّهُ يضمن.
وكل هَذِه الْأَفْعَال لَا تُوصَف بالحظر. وَقد حكم على فاعليها بِالضَّمَانِ بِمَا اتَّصَلت بِهِ مِمَّا مسوغ لَهُ.
(تَنْبِيه:)
إِنَّمَا قيدنَا ضَمَان الْمُبَاشر بِمَا إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا ليخرج مَا عساه يدْخل تَحت الْمَادَّة لَوْلَا الْقَيْد الْمَذْكُور، وَلَيْسَ بداخل لعدم مساعدة الْإِيجَاب الشَّرْعِيّ دُخُوله.
وَذَلِكَ كَمَا لَو قتل الْإِنْسَان من جَاءَ ليَقْتُلهُ أَو ليَأْخُذ مَاله، وَكَانَ لَا يُمكن دَفعه إِلَّا بِالْقَتْلِ، فَإِنَّهُ لَا يضمن مَعَ أَنه مبَاشر للْفِعْل، وَذَلِكَ لكَونه غير مُتَعَدٍّ وَله فِيهِ مسوغ.
وَلَوْلَا الْقَيْد الْمَذْكُور لَكَانَ الفرعان وَمَا شاكلهما داخلين فِي جملَة الْمَضْمُون وَلَيْسَ بِذَاكَ.
وَإِنَّمَا قيدنَا فِي بَيَان مَا يَكْفِي لكَونه مُتَعَدِّيا بقولنَا: " فِي غير ملكه " ليخرج مَا لَو كَانَ فعله فِي ملكه وَلَكِن اتَّصل بِهِ مسوغ لَهُ. كَمَا لَو حفر فِي ملكه أَو سقى أرضه سقيا مُعْتَادا فَتلف بحفره أَو سقيه هَذَا شَيْء، فَإِنَّهُ لَا يضمنهُ، لكَونه فِي ملكه وَلم يتَجَاوَز. وَلَوْلَا الْقَيْد الْمَذْكُور لدخل الفرعان تَحت التَّعَدِّي، وليسا من التَّعَدِّي فِي شَيْء! .
стр. 408
(الْقَاعِدَة الثَّانِيَة وَالتِّسْعُونَ (الْمَادَّة / ٩٣))
(" المتسبب لَا يضمن إِلَّا بالتعمد ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" المتسبب " للضَّرَر، وَهُوَ فَاعل مَا يُفْضِي ويوصل إِلَيْهِ " لَا يضمن " مَا أفْضى إِلَيْهِ عمله من الضَّرَر، لِأَنَّهُ بِانْفِرَادِهِ لَا يصلح عِلّة مُسْتَقلَّة للإتلاف " إِلَّا " إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا (ر: الْمَادَّة / ٩٢٤) . وَيَكْفِي فِي كَونه مُتَعَدِّيا أَن يتَّصل فعله فِي غير ملكه بِمَا لَا مسوغ لَهُ، كَمَا تقدم فِي الْمَادَّة السَّابِقَة، وَكَانَ فعله مَقْرُونا " بالتعمد " لِأَن الحكم لَا يُضَاف إِلَى السَّبَب الصَّالح إِلَّا بِالْقَصْدِ (ر: رد الْمُحْتَار، من متفرقات الْبيُوع عِنْد قَول الْمَتْن: " لَو فرخ طير أَو باض "، نقلا عَن الْبَحْر) .
يَعْنِي بالتعمد: أَن يقْصد بِالْفِعْلِ الْأَثر الْمُتَرَتب عَلَيْهِ. وَلَا يشْتَرط أَن يقْصد أَيْضا مَا يَتَرَتَّب على ذَلِك الْأَثر. مثلا: لَو رمى بالبندقية فخافت الدَّابَّة فندت وأتلفت شَيْئا فَإِنَّهُ يشْتَرط لصيرورته ضَامِنا أَن يكون قصد الإخافة فَقَط (ر: الْمَادَّة / ٩٢٣) . وَلَا يشْتَرط لصيرورته ضَامِنا أَكثر من ذَلِك بِأَن يكون قصد الإخافة لأجل الْإِتْلَاف، كَمَا أَنه يَكْفِي لتضمينه بسوقها أَن يكون قصد بِالسوقِ أَثَره الْمُتَرَتب عَلَيْهِ وَهُوَ سَيرهَا، وَلَا يشْتَرط أَن يكون قصد سَيرهَا لتتلف.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
فَلَو دفع السكين إِلَى صبي فَوَقَعت من يَده فجرحته، أَو حفر فِي غير مَا لَهُ
стр. 409
حق الْحفر فِيهِ فتدهور فِي حفرته حَيَوَان فَهَلَك، أَو سقى أرضه سقيا غير مُعْتَاد فأضر بجاره، ضمن فِي الصُّور كلهَا لتعديه وتعمده.
وَكَذَا مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ (الْفَصْل / ٣٣ صفحة ١٢٢) من أَنه لَو قعد إِنْسَان فِي الطَّرِيق للْبيع بِغَيْر إِذن ولي الْأَمر فَتلف بقعوده شَيْء يضمنهُ، أما لَو كَانَ قعوده بِإِذن ولي الْأَمر فَإِنَّهُ لَا يضمن. فَلَو لم يَتَعَدَّ أصلا، كَمَا لَو حفر فِي مَحل لَهُ حق الْحفر فِيهِ، أَو سقى سقيا مُعْتَادا فَتلف بِعَمَلِهِ شَيْء، أَو تعدى وَلَكِن لم يتَعَمَّد، كَمَا لَو رمى بالبندقية وَلم يقْصد إخافة الدَّابَّة وَلَكِن حصل خوفها أَو سَاق دَابَّة مَخْصُوصَة فانساقت أُخْرَى بجانبها وأتلفت، لَا يضمن فِي الْكل، لعدم التَّعَدِّي أَو لعدم التعمد.
(تَنْبِيه:)
يشْتَرط لتضمينه فِي صُورَة مَا إِذا حفر فِي ملك غَيره فتدهور فِي حفرته حَيَوَان فَهَلَك أَن لَا يكون الْمَالِك قد تقدم مِنْهُ رضَا بِالْحفرِ قبل أَن يَقع الْحَيَوَان فِي الحفرة، فَإِن كَانَ قد تقدم مِنْهُ الرِّضَا يسْقط الضَّمَان (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل / ٣٣ صفحة / ١٢٦، وَسَيَأْتِي مفصلا فِي الْمَادَّة / ٩٦) .
стр. 410
(الْقَاعِدَة الثَّالِثَة وَالتِّسْعُونَ (الْمَادَّة / ٩٤))
(" جِنَايَة العجماء جَبَّار ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" جِنَايَة العجماء " أَي مَا تَفْعَلهُ الْبَهِيمَة من الْإِضْرَار بِالنَّفسِ أَو بِالْمَالِ " جَبَّار " أَي هدر وباطل لَا حكم لَهُ، إِذا لم يكن منبعثاً عَن فعل فَاعل مُخْتَار، كسائق أَو قَائِد أَو رَاكب أَو ضَارب أَو ناخس أَو فَاعل للإخافة. أما إِذا كَانَ منبعثاً عَن فعل فَاعل مُخْتَار فقد جَاءَ تَفْصِيل أَحْكَامه فِي (الْفَصْل الرَّابِع من الْبَاب الثَّانِي من كتاب الْغَصْب، من الْمجلة الْمَادَّة ٩٢٩ وَمَا بعْدهَا) .
ثمَّ إِن الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة مَأْخُوذَة من حَدِيث شرِيف صَحِيح رَوَاهُ مَالك وَأحمد فِي مُسْنده وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن عَمْرو بن عَوْف رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِلَفْظ: " العجماء جرحها جَبَّار ".
(ثَانِيًا _ التطبيق)
مِمَّا يتَفَرَّع على هَذِه الْمَادَّة: مَا لَو كَانَ رَاكب الدَّابَّة يسير فِي ملكه فنفحت برجلها أَو بذنبها أَو كدمت بفمها أَو ضربت بِيَدِهَا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ (ر: مَا يَأْتِي فِي الْمَادَّة / ٩٣٠) . بِخِلَاف مَا لَو داست شَيْئا وأتلفته فَإِنَّهُ يضمنهُ وَإِن كَانَ يسير فِي ملكه، لِأَنَّهُ جِنَايَته لَا جنايتها.
стр. 411
وَمِنْه: مَا لَو ربط اثْنَان دابتهما فِي مَحل لَهما حق الرَّبْط فِيهِ، فأتلفت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى فَلَا ضَمَان على صَاحبهَا (ر: الْمَادَّة / ٩٣٩) .
وَمِنْه: مَا لَو اغتالت هرة إِنْسَان طائراً لغيره فَلَا ضَمَان على صَاحبهَا (ر: دُرَر الْحُكَّام) .
وَلَكِن لَو أتلفت العجماء شَيْئا بِنَفسِهَا وَكَانَ صَاحبهَا يَرَاهَا فَلم يمْنَعهَا ضمن (ر: مَا يَأْتِي فِي الْمَادَّة / ٩٢٩) وَالظَّاهِر تَقْيِيده بِمَا إِذا كَانَ قَادِرًا على منعهَا.
стр. 412
(الْقَاعِدَة الرَّابِعَة وَالتِّسْعُونَ (الْمَادَّة / ٩٥))
(" الْأَمر بِالتَّصَرُّفِ فِي ملك الْغَيْر بَاطِل ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" الْأَمر " هُوَ مصدر أَمر " بِالتَّصَرُّفِ فِي ملك الْغَيْر " أَي غير الْآمِر " بَاطِل " أَي لَا حكم لَهُ إِذا كَانَ الْمَأْمُور عَاقِلا بَالغا وَلم يكن الْآمِر مجبراً للْمَأْمُور وَلم يَصح أَمر الْآمِر فِي زعم الْمَأْمُور، وَتَكون الْعهْدَة فِيهِ حينئذٍ على الْمَأْمُور الْمُتَصَرف، لِأَنَّهُ الْعلَّة المؤثرة والآمر سَبَب. وَالْأَصْل الْإِضَافَة إِلَى الْعِلَل المؤثرة لَا إِلَى الْأَسْبَاب المفضية الموصلة (كَمَا تقدم جَمِيعه مُبينًا فِي الْكَلَام على الْمَادَّة / ٨٩) وَلِأَن أَمر الْآمِر إِذا كَانَ كَذَلِك لَا يُجَاوز أَن يكون مشورة، وَهِي غير ملزمة للْمَأْمُور، وَلَا تصلح مُسْتَندا لَهُ لتبرير عمله.
ثمَّ لَا يلْزم لأجل بطلَان الْأَمر بِالتَّصَرُّفِ فِي ملك الْغَيْر أَن يكون ملك ذَلِك الْغَيْر قَائِما حِين الْأَمر بل يَكْفِي أَن يكون قَائِما حِين التَّصَرُّف. فَلَو أودع رجلا مَاله وَقَالَ: إِن مت فادفعه لِابْني، فَمَاتَ فَدفعهُ إِلَيْهِ وَله وَارِث غَيره ضمن نصِيبه.
وَكَذَا لَو قَالَ: إِن مت فادفعه إِلَى فلَان وَهُوَ غير وَارِث، فَدفعهُ إِلَيْهِ ضمن (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، من آخر الْفَصْل / ٢٨ صفحة / ٤٢ بِبَعْض توضيح) .
(ثَانِيًا _ التطبيق)
مِمَّا يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة:
стр. 413
مَا إِذا أخبر أَنه وَصِيّ الْمَيِّت فَلم يضع يَده على التَّرِكَة وَلَكِن أَمر الْمخبر أَن يعْمل بهَا بطرِيق الْمُضَاربَة فَفعل وَضاع المَال، ثمَّ لم تثبت وصايته، فَالَّذِي عمل بِالْمَالِ ضَامِن، لعدم صِحَة أَمر الْآمِر وَعدم نفاذه فِي ملك الْغَيْر. وَلَا يضمن الْآمِر لِأَنَّهُ لم يضع يَده على المَال. انْتهى (من جَامع الْفُصُولَيْنِ، من الْفَصْل والصفحة الْمَذْكُورين، بِبَعْض تصرف) .
وَمَا تقدم من الْكَلَام على الْمَادَّة / ٨٩ يُغني عَن الْكَلَام هَا هُنَا، فَلَا حَاجَة لإعادته.
стр. 414
(الْقَاعِدَة الْخَامِسَة وَالتِّسْعُونَ (الْمَادَّة / ٩٦))
(" لَا يجوز لأحد أَن يتَصَرَّف فِي ملك الْغَيْر بِلَا إِذْنه ")
(الشَّرْح، مَعَ التطبيق)
" لَا يجوز لأحد " أَي لَا يحل لَهُ وَلَا يَصح مِنْهُ " أَن يتَصَرَّف " تَصرفا فعلياً " فِي ملك الْغَيْر " سَوَاء كَانَ خَاصّا أَو مُشْتَركا " بِلَا إِذْنه " سَابِقًا، أَو إِجَازَته لاحقاً.
وَالتَّصَرُّف نَوْعَانِ: فعلي، وَقَوْلِي: أما التَّصَرُّف الْفعْلِيّ فَإِن كَانَ تقدمه إِذن سَابق يحل وَيصِح، لِأَن الْإِذْن السَّابِق تَوْكِيل (ر: الْمَادَّة / ١٤٥٢) . وَإِلَّا فَلَا يَخْلُو عَن أَن يكون غصبا بِوَضْع الْيَد فَقَط أَو تَصرفا بإحداث فعل ذِي أثر أَو إتلافاً. فَإِن كَانَ غصبا فَهُوَ مَحْظُور مُوجبه رد الْعين ومضمون بالتلف إِلَّا إِذا لحقته إجَازَة الْمَالِك وَكَانَت الْعين الْمَغْصُوبَة قَائِمَة، فَإِنَّهَا بِالْإِجَازَةِ تنْقَلب أَمَانَة (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، فِي الْفَصْل / ٣٣) .
وَإِن كَانَ تَصرفا بإحداث فعل ذِي أثر فِي الْعين، كالحفر فِي ملك الْغَيْر بِلَا إِذْنه فَلَيْسَ للْمَالِك أَن يجْبر الْحَافِر على الطم عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف، بل يضمنهُ النُّقْصَان، بِخِلَاف الْحفر فِي سكَّة غير نَافِذَة أَو فِي الطَّرِيق الْعَام، فَإِن الْحَافِر فِيهِ يجْبر على الطم اتِّفَاقًا. ثمَّ إِذا نَشأ عَن حفره هَذَا ضَرَر، كَمَا إِذا وَقع حَيَوَان فِي الحفرة فَتلف يضمنهُ الْحَافِر، لِأَنَّهُ متسبب مُتَعَدٍّ، إِلَّا إِذا كَانَ الْحفر فِي ملك الْغَيْر وَرَضي الْمَالِك بِالْحفرِ قبل وُقُوع الْحَيَوَان فَإِنَّهُ يسْقط الضَّمَان حينئذٍ وَيصير كَأَنَّهُ حفر بِإِذن
стр. 415
الْمَالِك ابْتِدَاء، حَتَّى أَنه لَو أَرَادَ الْحَافِر أَن يطم مَا حفر فَلَيْسَ لَهُ الطم (ر: مَا يُسْتَفَاد من الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ من جَامع الْفُصُولَيْنِ وحاشيته للرملي صفحة ١٢٦ و ١٣٥) .
وَإِن كَانَ إتلافاً فَهُوَ مَضْمُون بِكُل حَال، سَوَاء أجَازه الْمَالِك أَو لَا، لِأَن الْإِجَازَة لَا تلْحق الْإِتْلَاف (ر: الدّرّ وحاشيته، من الْغَصْب) .
وَأما التَّصَرُّف القولي فِي ملك الْغَيْر، كَبيع الْفُضُولِيّ وهبته وإجارته وَغَيرهَا، فَإِن أعقبه التَّسْلِيم كَانَ غَاصبا بِالتَّسْلِيمِ وضامناً وعقده مَوْقُوف، فَإِذا لحقته إجَازَة الْمَالِك بشرطها لزم. وَشَرطهَا: بَقَاء الْمَالِك، وَالْعين الْمُتَصَرف فِيهَا، والمتعاقدين. وَيُزَاد فِي البيع: قيام الثّمن لَو غير نقد (ر: رد الْمُحْتَار، من الْفُضُولِيّ) وَيُزَاد فِي الْإِجَارَة: بَقَاء الْمدَّة (ر: الْخَانِية، قبيل إِجَارَة الْوَقْف وَمَال الْيَتِيم) .
وَإِن كَانَ التَّصَرُّف قولياً مَحْضا لم يعقبه تَسْلِيم فَهُوَ مَوْقُوف على إجَازَة الْمَالِك بشروطها، وَهُوَ سَائِغ صَحِيح مَعَ توقفه، لِأَن الْمَوْقُوف فِي قسم الصَّحِيح إِلَّا بيع الْمُكْره فَإِنَّهُ مَوْقُوف فَاسد (ر: رد الْمُحْتَار، من البيع الْفَاسِد) وَهَذَا الْقسم الْأَخير لَيْسَ من مَوْضُوع الْقَاعِدَة.
هَذَا، وَإِذا تصرف ثمَّ ادّعى أَن تصرفه كَانَ بِالْإِذْنِ وَأنكر الْمَالِك فَالْقَوْل للْمَالِك، إِلَّا فِي الزَّوْج إِذا كَانَ قد تصرف فِي مَال زَوجته حَال حَيَاتهَا ثمَّ اخْتلف مَعَ ورثتها بعد مَوتهَا فَادّعى أَنه كَانَ بِإِذْنِهَا وَأنكر الْوَرَثَة، فَالْقَوْل للزَّوْج (ر: الدّرّ وحاشيته، من الْغَصْب) .
ثمَّ الْإِذْن قد يكون صَرِيحًا، وَذَلِكَ ظَاهر. وَقد يكون دلَالَة، وَذَلِكَ كَمَا لَو مَرضت الشَّاة مَعَ الرَّاعِي الْمُسْتَأْجر فِي المرعى مَرضا لَا ترجى حَيَاتهَا مَعَه فذبحها فَإِنَّهُ لَا يضمنهَا، لِأَن ذَلِك مَأْذُون فِيهِ دلَالَة (ر: دُرَر الْحُكَّام) .
стр. 416
وَمثل ذَلِك: ملك الْغَيْر الْوَقْف وَإِن لم يكن مَمْلُوكا.
وَمثل إِذن الْمَالِك: إِذن من لَهُ حق الْإِذْن من ولي أَو وَصِيّ أَو وَكيل أَو متول.
(تَنْبِيه:)
الظَّاهِر أَن مَا ذكره من شُرُوط صِحَة الْإِجَازَة إِنَّمَا هُوَ فِي إجَازَة عقد الْفُضُولِيّ الْمَحْض غير الْمَأْذُون دلَالَة. أما إِذا كَانَ مَأْذُونا دلَالَة فَلَا تشْتَرط هَذِه الشُّرُوط، يدل لذَلِك مَا نقل فِي رد الْمُحْتَار (من اللّقطَة، عِنْد قَول الْمَتْن: " مَاتَ فِي الْبَادِيَة " عَن أدب الأوصياء) من أَنه لَو مَاتَ فِي السّفر فَبَاعَ رفقاؤه تركته وهم فِي مَوضِع لَيْسَ فِيهِ قاضٍ، قَالَ مُحَمَّد: جَازَ بيعهم وَللْمُشْتَرِي الِانْتِفَاع بِمَا اشْتَرَاهُ. ثمَّ الْوَارِث إِن شَاءَ أجَاز البيع وَإِن شَاءَ أَخذ مَا وجد من الْمَتَاع وَضمن مَا لم يجد. فقد صحّح الْإِجَازَة مَعَ هَلَاك الْمَبِيع كَمَا ترى. وَعلله الْمحشِي هُنَاكَ بِكَوْن الْمُتَبَايعين مأذونين هُنَاكَ دلَالَة.
وَكَذَا مَا نَقله أَيْضا (فِي أَوَائِل الشّركَة، قبيل قَول الْمَتْن: " وَشركَة عقد " عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ) فِي الْكَرم الْمُشْتَرك إِذا غَابَ أحد الشَّرِيكَيْنِ، من أَن الشَّرِيك الْحَاضِر يقوم عَلَيْهِ، فَإِذا أدْركْت الثَّمَرَة يَبِيعهُ وَيَأْخُذ حِصَّته وَيقف حِصَّة الْغَائِب، فَإِذا قدم الْغَائِب يُجِيز بَيْعه أَو يضمن. انْتهى. وَبِذَلِك جَاءَت الْمَادَّة / ١٠٨٦ من الْمجلة، فقد صححت الْإِجَازَة مَعَ أَن الْعِنَب من الأثمار الَّتِي لَا تبقى، وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَن الْحَاضِر مَأْذُون بِالْبيعِ وَحفظ الثّمن، دلَالَة من شركَة الْغَائِب الَّذِي لَا يرضى أَن تتْرك حِصَّته حَتَّى تتْلف.
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل يجوز التَّصَرُّف فِيهَا بِمَال الْغَيْر ديانَة بِلَا إِذْنه: مِنْهَا: أَنه يجوز للْوَلَد وَالْوَالِد شِرَاء مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْأَب أَو الابْن الْمَرِيض بِلَا إِذْنه وَلَا يجوز فِي الْمَتَاع.
стр. 417
وَمِنْهَا: أَنه يجوز للرفقة فِي السّفر إِذا مَاتَ أحدهم أَو مرض أَو أُغمي عَلَيْهِ أَن ينفقوا عَلَيْهِ من مَاله. وَكَذَا لَو أنْفق بعض أهل الْمحلة على مَسْجِد لَا مُتَوَلِّي لَهُ من غَلَّته لحصير وَنَحْوه، أَو أنْفق الْوَرَثَة الْكِبَار على الصغار الَّذين لَا وَصِيّ لَهُم.
فَفِي جَمِيع ذَلِك لَا يضمن المنفقون ديانَة، أما فِي الْقَضَاء فهم متطوعون (ر: رد الْمُحْتَار، من الْغَصْب) .
وَكَذَا الْمَدْيُون إِذا مَاتَ دائنه وَعَلِيهِ دين لآخر مثله لم يقبضهُ فقضاه الْمَدْيُون، أَو مَاتَ رب الْوَدِيعَة وَعَلِيهِ مثلهَا دين لآخر لم يقضه فقضاه الْمُودع، أَو عرف الْوَصِيّ دينا على الْمَيِّت فقضاه، فَجَمِيع تصرفاتهم هَذِه جَائِزَة ديانَة، وَلَكنهُمْ متطوعون حكما (أَي قَضَاء) (ر: رد الْمُحْتَار، من النَّفَقَة عِنْد قَول الْمَتْن: " ضمن مُودع الابْن لَو أنْفق على أَبَوَيْهِ من غير أَمر قَاض ") .
لَكِن فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ (أَوَائِل الْفَصْل الثَّامِن وَالْعِشْرين، صفحة / ٣٥) لَو قضى الْمُودع دين مودعه بالوديعة ضمن فِي الصَّحِيح. انْتهى. وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يُفِيد ضعف القَوْل بِالْجَوَازِ ديانَة فِي خُصُوص الْمُودع، وَاحْتِمَال كَون مُقَابِله قولا بِعَدَمِ الضَّمَان قَضَاء احْتِمَال بعيد! ثمَّ فِي فرع الْوَصِيّ إِذا عرف دينا فقضاه لَو أنكر الْوَرَثَة الدّين فَأَقَامَ الْوَصِيّ بَيِّنَة على الدّين تقبل، وَإِذا عجز عَن الْبَيِّنَة فَلهُ تَحْلِيف الْوَرَثَة (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْمَذْكُور، صفحة / ٣٦) .
стр. 418
(الْقَاعِدَة السَّادِسَة وَالتِّسْعُونَ (الْمَادَّة / ٩٧))
(" لَا يجوز لأحد أَن يَأْخُذ مَال أحد بِلَا سَبَب شَرْعِي ")
(الشَّرْح، مَعَ التطبيق)
" لَا يجوز لأحدٍ " مَا، وَلَو والداً أَو ولدا أَو زوجا " أَن يَأْخُذ " جاداً أَو لاعباً " مَال أحدٍ " مَا، وَلَو وَلَده أَو وَالِده أَو زَوجته " بِلَا سَبَب شَرْعِي " يسوغ لَهُ الْأَخْذ.
ثمَّ إِذا كَانَ السَّبَب شَرْعِيًّا فِي الظَّاهِر وَلَكِن لم يكن فِي الْوَاقِع وَنَفس الْأَمر حَقِيقِيًّا، كالصلح عَن دَعْوَى كَاذِبَة على بدل، فَإِن بدل ذَلِك الصُّلْح يقْضى لَهُ بِهِ، وَلَكِن لَا يحل لَهُ، وَيجب عَلَيْهِ ديانَة رده إِن أَخذه، وَإِن كَانَ السَّبَب فِي الحكم الظَّاهِر شَرْعِيًّا وَقضى بِهِ القَاضِي، لِأَنَّهُ _ وَالْحَالة هَذِه _ رشوة، أَخذه لِقَاء كف ظلمه وتعديه بِهَذِهِ الدَّعْوَى الكاذبة الَّتِي لَا تسوغ لَهُ أَخذ الْبَدَل فِيمَا بَينه وَبَين ربه سُبْحَانَهُ. فقد روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَمَالك وَأحمد فِي مُسْنده عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " إِنَّمَا أَنا بشر، وَإِنَّكُمْ تختصمون إِلَيّ، فَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض فأقضي لَهُ على نَحْو مَا أسمع، فَمن قضيت لَهُ بِحَق [أَخِيه] فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَة من النَّار فليأخذها أَو ليتركها ".
وَكَذَا لَو اعْترف بعد الصُّلْح بِكَوْنِهِ مُبْطلًا فِي الدَّعْوَى وَأَنه لم يكن لَهُ على الْمُدَّعِي شَيْء بَطل الصُّلْح وَيسْتَرد الْمُدعى عَلَيْهِ الْبَدَل (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من الصُّلْح) .
ثمَّ إِن السَّبَب الشَّرْعِيّ يكون قَوِيا، وَيكون ضَعِيفا:
стр. 419
فالسبب الْقوي لَا يحْتَاج فِي تَجْوِيز الْأَخْذ إِلَى قَضَاء القَاضِي، وَذَلِكَ هُوَ الْكثير الْغَالِب، كَثمن الْبياعَات، وَمثل الْقَرْض، وَبدل الْمَغْصُوب، وَبدل الْإِجَارَة إِذا صَار دينا فِي الذِّمَّة، كَمَا إِذا شَرط تَعْجِيله أَو مَضَت مرحلة فِي إِجَارَة الدَّابَّة للسَّفر أَو يَوْم للسُّكْنَى أَو فرغ الْأَجِير من الْعَمَل، وَالْمَال الْمَكْفُول بِهِ، وَالْمَال الْمَوْرُوث، وَنَفَقَة الزَّوْجَة وَالْأَوْلَاد والأبوين وأمثال ذَلِك. فَإِن جَمِيع ذَلِك يجوز أَخذه شرعا بِلَا قَضَاء القَاضِي وَإِن لم يرض من عَلَيْهِ الْحق.
وَالسَّبَب الضَّعِيف لَا يجوز الْأَخْذ مَعَه بِدُونِ رضَا من عَلَيْهِ الْحق إِلَّا بِقَضَاء القَاضِي. وَذَلِكَ: ١ - كاسترداد الْعين الْمَوْهُوبَة من الْمَوْهُوب لَهُ.
٢ - وكنفقة غير الزَّوْجَة وَالْأَوْلَاد والأبوين من الْأَقَارِب.
٣ - وكتناول أَوْلَاد الْبَنَات مَعَ أَوْلَاد الْبَنِينَ من غلَّة الْوَقْف على الْأَوْلَاد.
٤ - وكأخذ المُشْتَرِي من بَائِعه مَا دَفعه لَهُ من ثمن الْمَبِيع الَّذِي ظهر لَهُ أَنه ملك الْغَيْر.
٥ - وكأخذه من البَائِع مَا دَفعه لَهُ من ثمن مَبِيع ظهر بعد الْقَبْض معيبا.
٦ - وكأخذ الشَّفِيع الْعقار الْمَبِيع بِالشُّفْعَة.
٧ - وكأخذ الدَّائِن دينه من غير جنسه على الْمَرْوِيّ فِي الْمَذْهَب. فَإِن جَوَاز الْأَخْذ فِي جَمِيع ذَلِك مَوْقُوف على قَضَاء القَاضِي بِالرُّجُوعِ بِالْهبةِ فِي الأولى، وبالنفقة فِي الثَّانِيَة، وبدخول أَوْلَاد الْبَنَات فِي الثَّالِثَة، وبالاستحقاق الْمُوجب للرُّجُوع بِالثّمن بِشُرُوطِهِ فِي الرَّابِعَة، وبالرد بِالْعَيْبِ فِي الْخَامِسَة، وبالشفعة فِي السَّادِسَة، وعَلى بيع القَاضِي مَال الْمَدْيُون وصيرورته من جنس الدّين فِي السَّابِعَة. وَلَكِن الْفَتْوَى فِي الْأَخِيرَة على جَوَاز الْأَخْذ فِي زَمَاننَا إِذا ظفر الدَّائِن بِغَيْر جنس حَقه من مَال الْمَدْيُون من غير حَاجَة إِلَى أَن يَبِيعهُ القَاضِي بِجِنْس الدّين، لِكَثْرَة العقوق (ر: رد الْمُحْتَار، من الْحجر، عِنْد قَول الْمَتْن: " وَبَاعَ دنانيره بِدَرَاهِم دينه ") .
стр. 420
(الْقَاعِدَة السَّابِعَة وَالتِّسْعُونَ (الْمَادَّة / ٩٨))
(" تبدل سَبَب الْملك قَائِم مقَام تبدل الذَّات ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" تبدل سَبَب الْملك " أَي علته " قَائِم مقَام تبدل الذَّات " وعامل عمله.
وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا ورد صَحِيحا فِي لحم أهدته بَرِيرَة للنَّبِي ﷺ فَقيل لَهُ: إِنَّه تصدق بِهِ عَلَيْهَا، فَقَالَ: " هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة وَلنَا هَدِيَّة " فَأَقَامَ ﷺ تبدل سَبَب الْملك، من التَّصَدُّق إِلَى الإهداء، فِيمَا هُوَ مَحْظُور عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّدَقَة، مقَام تبدل الْعين.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
وَيتَفَرَّع على ذَلِك نَوَادِر كَثِيرَة: مِنْهَا: مَا لَو اشْترى من آخر عينا، ثمَّ بَاعهَا من غَيره، ثمَّ اشْتَرَاهَا من ذَلِك الْغَيْر، ثمَّ اطلع على عيب قديم فِيهَا كَانَ عِنْد البَائِع الأول، فَلَيْسَ لَهُ أَن يردهَا عَلَيْهِ، لِأَن هَذَا الْملك غير مُسْتَفَاد من جَانِبه (ر: رد الْمُحْتَار، فِي أَوَائِل خِيَار الْعَيْب، عَن الذَّخِيرَة) . بِخِلَاف مَا لَو اشْترى من رجل دَارا وَقَبضهَا، ثمَّ بَاعهَا من غَيره، ثمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ ثَانِيًا، ثمَّ اسْتحقَّت الدَّار من يَد المُشْتَرِي، فَإِن لَهُ أَن يرجع على البَائِع الأول بِالثّمن (ر: ذخيرة الْفَتْوَى، من الْبيُوع، فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين، عَن شمس الْأَئِمَّة الأوز جندي) .
وَمِنْهَا: مَا لَو وهب لغيره الْعين الْمَوْهُوبَة لَهُ ثمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بِسَبَب جَدِيد بِأَن
стр. 421
بَاعهَا مِنْهُ أَو تصدق بهَا عَلَيْهِ، فَأَرَادَ الْوَاهِب أَن يرجع بهبته لَا يملك ذَلِك (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من الرُّجُوع فِي الْهِبَة) .
وَلذَلِك لَو بَاعَ عقارا لغيره، وَكَانَ لَهُ شَفِيع، فَسلم الشَّفِيع الشُّفْعَة للْمُشْتَرِي، ثمَّ تقايل البَائِع مَعَ المُشْتَرِي البيع، فَللشَّفِيع أَن يَأْخُذ الْعقار من البَائِع بِالشُّفْعَة حَيْثُ كَانَ عوده إِلَيْهِ بِسَبَب جَدِيد وَهُوَ الْإِقَالَة، لِأَنَّهَا بيع جَدِيد فِي حق ثَالِث، وَالشَّفِيع هُنَا ثالثهما (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من الشُّفْعَة من بَاب مَا تثبت هِيَ فِيهِ) .
وَكَذَا لَو اشْتَرَاهُ البَائِع من المُشْتَرِي كَانَ للشَّفِيع أَخذه بِالْأولَى.
وَقد فرع شرَّاح الْمجلة هُنَا فروعاً لَا تدخل فِي الْقَاعِدَة فَلم نعرج عَلَيْهَا.
(تَنْبِيه:)
نقل فِي ذخيرة الْفَتْوَى (فِي الِاسْتِحْقَاق من الْبيُوع، الْفَصْل / ٢١) فرع الِاسْتِحْقَاق الْمَذْكُور أَعْلَاهُ عقب الْفَرْع الأول من فروع الْقَاعِدَة، وَاسْتَشْكَلَهُ من وَجْهَيْن: حَاصِل الأول أَن ظَاهر الرِّوَايَة أَنه إِذا اسْتحق الْمَبِيع لَا يرجع أحد من الباعة على بَائِعه بِالثّمن مَا لم يرجع عَلَيْهِ، فَكيف يرجع هُنَا على بَائِعه وَلم يرجع عَلَيْهِ المُشْتَرِي مِنْهُ؟ ! وَحَاصِل الثَّانِي: أَنه نقل الْفَرْع الأول (فرع الرَّد بِالْعَيْبِ) وَعلله بِأَنَّهُ لَو رده عَلَيْهِ كَانَ للمردود عَلَيْهِ أَن يردهُ عَلَيْهِ ثَانِيَة لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ فَلَا يُفِيد، وَلَيْسَ لَهُ أَن يردهُ على البَائِع الأول أَيْضا، لِأَن هَذَا الْملك غير مُسْتَفَاد من جِهَته وَأَنه يَنْبَغِي على قِيَاس هَذَا أَن يكون الحكم فِي فصل الِاسْتِحْقَاق كَالْحكمِ فِي فصل الرَّد بِالْعَيْبِ. ثمَّ قَالَ: وَيجوز أَن يكون بَين الِاسْتِحْقَاق وَبَين الرَّد بِالْعَيْبِ فرق. انْتهى مُلَخصا. وَلم يُنَبه على الْفرق وَلم يُبينهُ. وَلَعَلَّ الْفرق هُوَ أَنه بِالِاسْتِحْقَاقِ ظهر أَن البَائِع بَاعَ وَسلم مَا لَيْسَ ملكا لَهُ. وَلَا يخفى أَن هَذَا البيع وَالتَّسْلِيم لَهُ شبهان: فَهُوَ يشبه من جِهَة بيع الْفُضُولِيّ بِدَلِيل مَا نصوا عَلَيْهِ فِي بَاب الِاسْتِحْقَاق من أَنه بِالْقضَاءِ للْمُسْتَحقّ لَا تَنْفَسِخ الْبياعَات على الْأَصَح مَا لم يفْسخ الْمُسْتَحق، أَو يقْض على البَائِع بِالثّمن للْمُشْتَرِي أَو يرض البَائِع برد الثّمن لَهُ. وعللوه بِأَنَّهُ بيع فُضُولِيّ يحْتَمل الْإِجَازَة. وَهُوَ يشبه من جِهَة أُخْرَى
стр. 422
الْغَصْب بِدَلِيل مَا نصوا عَلَيْهِ فِي كتاب الْغَصْب من أَن البيع وَالتَّسْلِيم يُوجب الضَّمَان وَلَو الْمَبِيع عقارا على الْأَصَح، وَمن جِهَة كَونه غصبا يكون المُشْتَرِي بِمَنْزِلَة غَاصِب الْغَاصِب، وَيكون الْمَبِيع وَاجِب الرَّد، وَإِذا كَانَ وَاجِب الرَّد شرعا فَبِأَي جِهَة وَقع الرَّد يكون أَدَاء لذَلِك الْوَاجِب، كَالْمَبِيعِ فَاسِدا وَالْمَغْصُوب، إِذا بَاعه المُشْتَرِي من بَائِعه، أَو بَاعه الْغَاصِب من مَالِكه، أَو وهبه إِيَّاه، يكون ردا بِحكم الْفساد الْوَاجِب عَلَيْهِ رَفعه (ر: مَا تقدم تَحت الْمَادَّة / ٢) وغاصب الْغَاصِب يبرأ برد الْعين الْمَغْصُوبَة على الْغَاصِب أَو برد بدلهَا عَلَيْهِ إِذا هَلَكت كَمَا يبرأ بِالرَّدِّ على الْمَغْصُوب مِنْهُ (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من الْغَصْب) وَعَلِيهِ فَيكون بيع المُشْتَرِي الْأَخير الْمَبِيع للْمُشْتَرِي الأول يعْتَبر بعد ظُهُور كَونه مُسْتَحقّا ردا على الْغَاصِب لَا بيعا، لما لَهُ من شبه الْغَصْب. وَإِذا كَانَ ردا لم يكن مستفيداً للْملك من جِهَة غير البَائِع، فَيرجع عَلَيْهِ بِالثّمن. بِخِلَاف مَا أوردهُ صَاحب الظَّهِيرِيَّة من فرع الرَّد بِالْعَيْبِ فَإِن شِرَاء المُشْتَرِي فِيهِ للْمَبِيع الْمَعِيب ثَانِيًا من مُشْتَرِيه هُوَ شِرَاء مَحْض، وَالْمَبِيع لَيْسَ لَهُ شبه الْغَصْب حَتَّى يُمكن اعْتِبَاره ردا، فَافْتَرقَا.
هَذَا مَا ظهر لي، وَالله أعلم.
стр. 423
((الصفحة فارغة))
стр. 424
(الْقَاعِدَة الثَّامِنَة وَالتِّسْعُونَ (الْمَادَّة / ٩٩))
(" من استعجل الشَّيْء قبل أَوَانه عُوقِبَ بحرمانه ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" من استعجل الشَّيْء " الَّذِي وضع لَهُ سَبَب عَام مطرد، وَطلب الْحُصُول عَلَيْهِ " قبل أَوَانه " أَي قبل وَقت حُلُول سَببه الْعَام، وَلم يستسلم إِلَى ذَلِك السَّبَب الْمَوْضُوع، بل عدل عَنهُ وَقصد تَحْصِيل ذَلِك الشَّيْء بِغَيْر ذَلِك السَّبَب قبل ذَلِك الأوان " عُوقِبَ بحرمانه " لِأَنَّهُ افتأت وَتجَاوز، فَيكون باستعجاله هَذَا أقدم على تَحْصِيله بِسَبَب مَحْظُور فيعاقب بحرمانه ثَمَرَة عمله الَّتِي قصد تَحْصِيلهَا بذلك السَّبَب الْخَاص الْمَحْظُور.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل: مِنْهَا: مَا لَو جَاءَت الْفرْقَة من قبل الزَّوْجَة بِسَبَب ردتها، فَلَيْسَ لَهَا أَن تتَزَوَّج بعد توبتها بِغَيْر زَوجهَا، وَبِه يفنى (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من بَاب الْمُرْتَد) وتجبر على تَجْدِيد العقد على زَوجهَا بِمهْر يسير، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من بَاب نِكَاح غير الْمُسلمين) وَذَلِكَ لرد عَملهَا عَلَيْهَا، فَإِن السَّبَب الْمَوْضُوع لحل عقدَة النِّكَاح بِالْوَجْهِ الْعَام مَنُوط بِالزَّوْجِ الَّذِي هُوَ قوام عَلَيْهَا، وَالَّذِي هُوَ أَحْرَى أَن يكون مَظَنَّة اسْتِعْمَال الروية وَالْحكمَة وتوخي الصَّوَاب فِيهِ، فَلَمَّا استحصلت على حل هَذِه الْعقْدَة بِهَذَا السَّبَب الْخَاص الْمَحْظُور، وَهُوَ المروق من
стр. 425
الدّين، عوقبت برد عَملهَا هَذَا عَلَيْهَا بحرمانها ثَمَرَته الخبيثة بِمَا ذكرنَا، حَتَّى إِن الدبوسي والصفار ومشايخ بَلخ وَبَعض مَشَايِخ سَمَرْقَنْد قَالُوا بِعَدَمِ وُقُوع الْفرْقَة أصلا بردتها زجرا لَهَا، قَالَ فِي النَّهر: وَهُوَ أولى. ثمَّ لَو مَاتَت فِي الرِّدَّة فعلى القَوْل الأول بِوُقُوع الْفرْقَة يَرِثهَا الزَّوْج إِذا كَانَت ردتها فِي الْمَرَض وَمَاتَتْ وَهِي فِي الْعدة لكَونهَا فارة، فَإِن الْفِرَار يتَحَقَّق من الزَّوْجَة كَمَا يتَحَقَّق من الزَّوْج (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من طَلَاق الْمَرِيض) . وعَلى قَول الدبوسي وَمن ذكر بعده يَرِثهَا مُطلقًا بِلَا قيد.
وَمِنْهَا: مَا لَو طلق امْرَأَته فِي مرض مَوته ثمَّ مَاتَ وَهِي فِي الْعدة فَإِنَّهَا تَرث مِنْهُ ردا لعمله أَيْضا فَإِن السَّبَب الْعَام الَّذِي يمْنَع أحد الزَّوْجَيْنِ لَا على التَّعْيِين من إِرْثه من الآخر هُوَ تقدم مَوته، وَهَذَا يحْتَمل وُقُوعه عَلَيْهِ أَو عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَرَادَ الزَّوْج التنصل عَن هَذَا السَّبَب الْمَوْضُوع بِوَجْه عَام وَالْخُرُوج من دَائِرَة احْتِمَال وُقُوعه عَلَيْهِ دونهَا وَعمل على حصر عدم الْإِرْث فِي جَانبهَا بِهَذَا السَّبَب الْخَاص الْمَحْظُور اسْتِعْمَاله لمثل هَذَا الْمَقْصد السَّيئ عُوقِبَ برد عمله هَذَا عَلَيْهِ وحرمانه ثَمَرَته بتوريثها مِنْهُ.
وَمِنْهَا: مَا لَو بَاشر الْمُكَلف قتل مُوَرِثه أَو من أوصى لَهُ سَوَاء كَانَ قَتله لَهُ عمدا، وَهُوَ أَن يتَعَمَّد بِلَا حق وَلَا تَأْوِيل ضربه بِآلَة مفرقة للأجزاء، أَو شبه عمد، وَهُوَ: أَن يتَعَمَّد ضربه كَذَلِك بِغَيْر آلَة مفرقة للأجزاء وَلَكِن بِمَا يقتل غَالِبا فَيَمُوت من ضربه. فَإِن كلا القتلين يمْنَع الْإِرْث وَيبْطل الْوَصِيَّة. وَلَا يعسر بَعْدَمَا تقدم تَوْجِيه مَسْأَلَتي الْقَتْل الْعمد وَشبهه، على النسق الَّذِي وجهت بِهِ الْمسَائِل الْمُتَقَدّمَة.
وَأما الْقَتْل خطأ، كَأَن يَرْمِي الْمُكَلف صيدا مثلا فَيُصِيب آدَمِيًّا، أَو بِمَا جرى مجْرى الْخَطَأ، كمكلف نَائِم انْقَلب على غَيره فَقتله، فَلَيْسَ من فروع الْقَاعِدَة لعدم ظُهُور الاستعجال فِيهِ، وَإِنَّمَا امْتنع إِرْث الْمُكَلف فِيهِ لوُجُود الْمُبَاشرَة مِنْهُ بقتل مُوَرِثه مَعَه، وَلَا يشْتَرط فِي مُؤَاخذَة الْمُبَاشر أَن يكون مُتَعَمدا (ر: الْمَادَّة / ٩٢) .
следующие страницы →