Полный текст (4 267 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (إِنَّمَا قَالَه ابْن عَبَّاس لما صَارَت الشِّيعَة تخص بِالصَّلَاةِ عليا دون غَيره) .
قَوْله: ﴿أما بعد﴾ .
أَي: بعد مَا ذكر من حمد الله وَالصَّلَاة على رَسُوله.
وَهَذِه الْكَلِمَة يَأْتِي بهَا الْمُتَكَلّم / إِذا أَرَادَ الِانْتِقَال من أسلوب إِلَى غَيره.
قَالَ: أما بعد) . وَيسْتَحب الْإِتْيَان بهَا فِي الْخطب والمكاتبات اقتدار بِهِ ﷺ َ -، فَإِن كَانَ يَقُولهَا فِي خطبه وَشبههَا، رَوَاهُ عَنهُ الْخَمْسَة وَثَلَاثُونَ صحابياً، ذكر الْحَافِظ الرهاوي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ فِي كِتَابه " الْأَرْبَعين "، وَذكر رِوَايَة كل وَاحِد مِنْهُم بِالْأَسَانِيدِ.
وَزَاد ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه ثَلَاثَة .
стр. 107
فَالَّذِي ذكرهم الرهاوي: سعد بن أبي وَقاص، وَعبد الله ابْن مَسْعُود، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، وَعبد الله بن ... ... . .
стр. 108
عمر، وَالْفضل بن الْعَبَّاس.
وَعبد الله بن عَبَّاس، وَجَابِر بن عبد الله، وَعقبَة بن ... ... ... ... ... .
стр. 109
عَامر، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَسمرَة بن جُنْدُب، وعدي بن حَاتِم، وَأَبُو حميد السَّاعِدِيّ، والطفيل بن ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
стр. 110
سَخْبَرَة، وَجَرِير بن عبد الله، وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب، وَزيد
стр. 111
ابْن أَرقم، وَأَبُو بكرَة، وَأنس ابْن مَالك، وَزيد بن
стр. 112
خَالِد، وقرة بن دعموص النميري، والمسور بن مخرمَة، وَجَابِر بن سَمُرَة، وَعمر بن تغلب، وزر بن أنس السّلمِيّ،
стр. 113
وَالْأسود ابْن سريع، وَأَبُو شُرَيْح بن عَمْرو الْخُزَاعِيّ، وَعَمْرو ابْن حزم، وَعبد الله بن عكيم، وَعقبَة بن ... ... ... ... ... ... . .
стр. 114
مَالك، وَعَائِشَة، وَأَسْمَاء ابنتا الصّديق، - رَضِي الله عَنْهُم
стр. 115
أَجْمَعِينَ - وَالَّذِي زادهم ابْن مندة فِي " مستخرجه ": الْبَراء بن عَازِب، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَأَبُو شَدَّاد رجل من أهل (ذمار) قَرْيَة من قرى عمان.
стр. 116
فَأَما (أما) فحرف تَفْصِيل، وأصل وَضعهَا: أَن تذكر لتفصيل شَيْئَيْنِ فَأكْثر، فَيكون بعْدهَا (أما) أُخْرَى.
تَقول إِذا أردْت تَفْصِيل أَحْوَال جمَاعَة: أما زيد فكريم، وَأما عَمْرو ففاضل.
وَقد تذكر وَحدهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ ... .﴾ الْآيَة [آل عمرَان: ٧]
وَهِي متضمنة معنى الشَّرْط، لارتباط الحكم الْمَذْكُور بعْدهَا بالمحكوم عَلَيْهِ ولزومه لَهُ.
وَقد قَالَ سِيبَوَيْهٍ: (مَعْنَاهَا: مهما يكن من شَيْء) .
وَفِي " الْمُحكم ": (مَعْنَاهَا: أما بعد دعائي إِلَيْك) .
وَفِي " الْجَامِع " للقزاز: / (يَعْنِي: بعد الْكَلَام الْمُتَقَدّم، أَو بعد مَا
стр. 117
يبلغنِي من الْخَبَر، ثمَّ حذفوا هَذَا كُله) .
وَقَالَ بَعضهم: (هِيَ حرف إِخْبَار مضمن معنى الشَّرْط) .
فَالْأَصْل على قَول سِيبَوَيْهٍ فِي قَوْلك: أما يزِيد فمنطلق: مهما يكن من شَيْء فزيد منطلق، فَحذف فعل الشَّرْط وأداته وأقيمت (أما) مقامهما، فَكَانَ الأَصْل أَن يُقَال: أما فزيد منطلق، فتجعل فِي صدر الْجَواب، وَإِنَّمَا أخرت لضرب من اصْطِلَاح اللَّفْظ.
و (بعد) من الظروف المبنية المنقطعة من الْإِضَافَة، وَالْعَامِل لَهَا (أما) لنيابتها عَن الْفِعْل، وَالْأَصْل: مهما يكن من شَيْء بعد الْحَمد وَالثنَاء، كَمَا تقدم، و (مهما) هُنَا مُبْتَدأ، والاسمية لَازِمَة للمبتدأ، و (يكن) شَرط، و (الْفَاء) لَازِمَة لَهُ غَالِبا، فحين تَضَمَّنت (أما) معنى الِابْتِدَاء وَالشّرط لزمتها (الْفَاء) ، ولصوق الِاسْم إِقَامَة اللَّازِم مقَام الْمَلْزُوم وإبقاء لأثره فِي الْجُمْلَة.
وَالْمَشْهُور ضم الدَّال، وَأَجَازَ الْفراء نصبها ورفعها بِالتَّنْوِينِ
стр. 118
فيهمَا، وَأَجَازَ هِشَام فتح الدَّال، وَأنْكرهُ النّحاس.
فَائِدَة: اخْتلف فِي أول من قَالَهَا.
فَقيل: دَاوُد ﵊، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا من
стр. 119
حَدِيث أبي مُوسَى، وَعَن الشّعبِيّ أَنه فصل الْخطاب الَّذِي أوتيه دَاوُد على أحد التأويلات فِي الْآيَة.
وَقيل: يَعْقُوب ﵇[رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي غَرَائِبه بِسَنَد ضَعِيف: " لما جَاءَ ملك الْمَوْت إِلَى يَعْقُوب ﵇] فَقَالَ من جملَة
стр. 120
كَلَامه: أما بعد فَإنَّا أهل بَيت مُوكل بِنَا الْبلَاء ... " الحَدِيث.
وَقيل: يعرب بن قحطان، حَكَاهُ النَّوَوِيّ فِي " شرح مُسلم " فِي كتاب الْجُمُعَة.
وَقيل: كَعْب بن لؤَي، قَالَه أَبُو سَلمَة بن ... ... ... ... ... ... .
стр. 121
عبد الرَّحْمَن حَكَاهُ أَبُو جَعْفَر النّحاس.
وَقيل: قس بن سَاعِدَة، قَالَه الْكَلْبِيّ، حَكَاهُ عَنهُ النّحاس فِي كِتَابه " صناعَة الْكتاب ".
стр. 122
وَقيل: سحبان بن وَائِل - بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة -، رجل من وَائِل وَكَانَ لسناً بليغاً يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْبَيَان / وَهُوَ الْقَائِل:
(لقد علم الْحَيّ اليمانون أنني ... إِذا قلت أما بعد أَنِّي خطيبها)
وَالْأول أشبه، قَالَه الْحَافِظ ابْن حجر. قَالَ: (وَيجمع بَينه وَبَينه غَيره بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأولية الْمَحْضَة، والبقية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعرف خَاصَّة، ثمَّ يجمع بَينهمَا النِّسْبَة إِلَى الْقَبَائِل) انْتهى.
قَوْله: ﴿فَهَذَا﴾ .
إِشَارَة منا إِلَى مَا تصورناه فِي الذِّهْن وأقمناه مقَام الْمَكْتُوب المقروء الْمَوْجُود بالعيان.
وَقَوله: ﴿مُخْتَصر﴾ .
أَي: موجز، فالمختصر مَا قل لَفظه وَكَثُرت مَعَانِيه.
والاختصار: إيجاز اللَّفْظ وَاسْتِيفَاء الْمَعْنى.
وَقيل: رد الْكَلَام الْكثير إِلَى قَلِيل فِيهِ معنى الْكثير.
стр. 123
وَسمي اختصاراً لاجتماعه، وَمِنْه المخصرة، وخصر الْإِنْسَان.
والاختصار فِي الْكَلَام مَحْمُود للْحَدِيث الْآتِي قَرِيبا، وَقَالَ عَليّ ﵁: " خير الْكَلَام مَا قل وَدلّ وَلم يطلّ فيمل "، فقربته وقللت أَلْفَاظه حجماً.
والاختصار تقليل الشَّيْء، فقد يكون بتقليل مسَائِله، وَقد يكون بتقليل أَلْفَاظه مَعَ تأدية الْمَعْنى، وَمِنْه قَوْله ﷺ َ -: " أُوتيت جَوَامِع الْكَلم وَاخْتصرَ لي الْكَلَام اختصاراً "، وَهُوَ مرادنا.
واختصاره مشَاهد بالعيان كَذَلِك، إِذْ لَو كَانَ مطولا لَكَانَ أوسع وأكبر حجماً، وَإِنَّمَا اختصرناه لمعان.
مِنْهَا: لِئَلَّا يحصل الْملَل بالإطالة.
وَمِنْهَا: ليحفظ، فَإِن حفظ الْمُخْتَصر أيسر وأسهل وأهون على النُّفُوس، فَإِن الْكتاب المطول فِي هَذِه الْأَزْمِنَة وَلَا سِيمَا فِي أصُول الْفِقْه لَا يرغب فِيهِ وَلَا يقْرَأ، فضلا عَن أَن يحفظ، فَإِن الهمم قد قصرت والبواعث قد فترت.
وَمِنْهَا: قلَّة الْأَلْفَاظ وَكَثْرَة الْمعَانِي الَّتِي بحثها لَو جازة لَفظه، فيكثر علمه ويقل حجمه.
стр. 124
قَوْله: ﴿فِي أصُول الْفِقْه﴾
أَي: لَا فِي علم غَيره، وَهُوَ الْعلم الْآتِي حَده وتفصيله وَحكمه.
قَوْله: ﴿جَامع لمعظم أَحْكَامه﴾ .
أَي: يؤلف المتفرق من غَالب أَحْكَامه، إِذْ لم أر فِي / الْغَالِب مَسْأَلَة فِي أصُول الْفِقْه إِلَّا ذكرتها فِيهِ، خُصُوصا فِي الْمَذْهَب.
وَمَعَ هَذَا لم أستوعبه، إِذْ جَمِيعهَا لَا يُحِيط بهَا بشر، بل ذكرت المتداول بَين الْعلمَاء الْأَعْيَان غَالِبا، وَفَوق كل ذِي علم عليم.
قَوْله: ﴿حاو لقواعده وضوابطه وأقسامه﴾ .
أَي: جَامع ومحرز لقواعده ... إِلَى آخِره.
فَمَعْنَى حاو: جَامع، وَإِنَّمَا أتيت بهما لمُخَالفَة اللَّفْظ، وَإِن كَانَ الْمَعْنى وَاحِدًا.
وَالْقَوَاعِد جمع قَاعِدَة، والضوابط جمع ضَابِط.
وَالْقَاعِدَة: هِيَ الْأَمر الْكُلِّي الَّتِي تنطبق على جزئيات كَثِيرَة تفهم أَحْكَامهَا مِنْهَا.
فَمِنْهَا: مَا لَا يخْتَص، بِبَاب كَقَوْلِنَا (الْيَقِين لَا يرفع بِالشَّكِّ) . وَمِنْهَا: مَا يخْتَص، كَقَوْلِنَا: (كل كَفَّارَة سَببهَا مَعْصِيّة فَهِيَ على الْفَوْر) .
стр. 125
وَالْغَالِب فِيمَا يخْتَص بِبَاب وَقصد بِهِ نظم صور متشابهة يُسمى ضابطاً
وَإِن شِئْت قلت: مَا عَم صوراً، فَإِن كَانَ الْمَقْصُود من ذكر الْقدر الْمُشْتَرك الَّذِي بِهِ اشتركت الصُّور فِي الحكم فَهُوَ الْمدْرك.
وَإِلَّا فَإِن كَانَ الْقَصْد ضبط تِلْكَ الصُّور بِنَوْع من أَنْوَاع الضَّبْط من غير نظر فِي مأخذها فَهُوَ الضَّابِط وَإِلَّا فَهُوَ الْقَاعِدَة.
وَمن الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة وَهِي الْمَقْصُودَة هُنَا قَوْلنَا: الْأَمر للْوُجُوب، وللفور، وَدَلِيل الْخطاب حجَّة، وَقِيَاس الشّبَه دَلِيل صَحِيح، والْحَدِيث الْمُرْسل يحْتَج بِهِ، وَنَحْو ذَلِك من مسَائِل أصُول الْفِقْه هِيَ قَوَاعِد للمسائل الْفِقْهِيَّة، وَيَأْتِي الْإِلْمَام بذلك فِي التَّكَلُّم على حد أصُول الْفِقْه لقباً إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
والأقسام جمع قسم، وَهُوَ الْجُزْء من الشَّيْء.
قَالَ فِي " الْقَامُوس ": (هَذَا يَنْقَسِم قسمَيْنِ، بِالْفَتْح إِذا أُرِيد الْمصدر، وبالكسر إِذا أُرِيد النَّصِيب أَو الْجُزْء من الشَّيْء الْمَقْسُوم) انْتهى.
فَهُوَ هُنَا كالجزء المفروز، كالأبواب الْمَذْكُورَة فِي الْكتاب. / قَوْله: ﴿مُشْتَمل على مَذَاهِب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة الْأَعْلَام﴾ .
مُشْتَمل، أَي: محتو أَو مُحِيط، وَهُوَ اسْم فَاعل من اشْتَمَل، يُقَال: اشْتَمَل على كَذَا، أَي: أحَاط بِهِ، قَالَه فِي " الْقَامُوس ".
стр. 126
وَقَالَ: (شملهم الْأَمر كفرح وَنصر: عمهم، أَو شملهم خير أَو شَرّ: أَصَابَهُم ذَلِك، وأشملهم شرا: عمهم بِهِ، واشتمل بِالثَّوْبِ: أداره على جسده كُله حَتَّى لَا تخرج مِنْهُ يَده، واشتمل عَلَيْهِ الْأَمر: أحَاط بِهِ) انْتهى.
والمذاهب: جمع مَذْهَب، وَالْمذهب: الطَّرِيق الْوَاضِح.
[يُقَال] : ذهب مذهبا حَقًا، وذهاباً وذهوباً.
وَالْمرَاد هُنَا على طَرِيق الْأَئِمَّة، أَي: آراؤهم واختيارهم، وَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من الْأَدِلَّة وَالْأَحْكَام.
قَالَ فِي " الْقَامُوس ": (الْمَذْهَب المعتقد الَّذِي يذهب إِلَيْهِ والطريقة وَالْأَصْل) انْتهى.
وَالْأَئِمَّة: جمع إِمَام، وَالْإِمَام: الْكَبِير المقتدى بِهِ، الْجَامِع للخير والمتبع.
وَالْأَرْبَعَة: هم الإِمَام أَبُو حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت، وَالْإِمَام أَبُو عبد الله مَالك بن أنس الأصبحي، وَالْإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس،
стр. 127
وَالْإِمَام أَبُو عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ، قدس الله أَرْوَاحهم، وَنور ضرائحهم، وَرَضي عَنْهُم وأرضاهم، وَجَعَلنَا من محبيهم وأتباعهم، وَهُوَ مرادي فِي الْمَتْن بِقَوْلِي: (الْأَرْبَعَة) ، وَأما قولي: (الثَّلَاثَة) ، أَو (عِنْد الثَّلَاثَة) ؛ فَإِنِّي لَا أطلق ذَلِك إِلَّا صرحت باسم الرَّابِع، فَيعلم حِينَئِذٍ الثَّلَاثَة.
قَوْله: ﴿وأتباعهم﴾ .
أَعنِي: ومشتمل على أَقْوَال أتباعهم، أَي: أَتبَاع الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة غَالِبا، أَي الَّذين اتَّبَعُوهُمْ على مذاهبهم وأقوالهم وَمَشوا خَلفهم، وَرُبمَا ذكرتهم بِأَسْمَائِهِمْ، وَهَذَا هُوَ مُعظم الْمَقْصُود من هَذَا التصنيف، فَإِن مدَار الْإِسْلَام واعتماد أَهله قد بَقِي على هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وأتباعهم، وَقد ضبطت مذاهبهم وأقوالهم وأفعالهم، وحررت ونقلت من غير شكّ فِي ذَلِك.
بِخِلَاف مَذْهَب غَيرهم، وَإِن كَانَ من الْأَئِمَّة الْمُعْتَمد عَلَيْهِم، لَكِن لم تضبط الضَّبْط الْكَامِل، وَإِن كَانَ صَحَّ بَعْضهَا فَهُوَ يسير، فَلَا يَكْتَفِي بِهِ وَذَلِكَ لعدم الِاتِّبَاع، و - أَيْضا - فَإِن أَقْوَالهم إِمَّا أَن تكون مُوَافقَة لقَوْل أحد من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وأتباعهم، أَو خَارِجَة / عَن ذَلِك، فَإِن كَانَت مُوَافقَة فقد حصل الْمَقْصُود، وَيحصل بهَا التقوية، وَإِن كَانَت غير مُوَافقَة كَانَت فِي الْغَالِب شَاذَّة لَا يعول عَلَيْهَا، وَقد أذكرهم فَإِنَّهُم أهل لذَلِك.
وَأما غَيرهم من أَرْبَاب الْبدع، كالجهمية والرافضة والخوارج والمعتزلة وَنَحْوهم، فَلَا اعْتِبَار بقَوْلهمْ الْمُخَالف لأقوال الْأَئِمَّة وأتباعهم، وَلَا اعْتِمَاد عَلَيْهَا، لَكِن إِن ذكرتها فعلى سَبِيل الْإِعْلَام والتبعية، وَقد
стр. 128
يذكرهَا الْعلمَاء؛ ليردوا على قَائِلهَا وينفروا عَنهُ، ويعلموا مَا فِيهِ من الدسائس، وَقد ذكر الأصوليون ذَلِك حَتَّى بالغوا، فَذكرُوا بعض مَذَاهِب الْيَهُود وَالنَّصَارَى والسوفسطائية، والسمنية فرقة من عَبدة الْأَصْنَام، والبراهمة وهم الَّذين لَا يجوزون على الله بعث الرُّسُل، والملاحدة وَغَيرهم.
وَكَانَ شيخ الْإِسْلَام سراج الدّين البُلْقِينِيّ يعيب على من يذكر ذَلِك فِي أصُول الْفِقْه، وَيَقُول: (إِنَّمَا مَحل ذَلِك أصُول الدّين) ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
стр. 129
قَوْله: ﴿اجتهدت﴾ .
أَي: بذلت الوسع. ﴿فِي تَحْرِير نقُوله﴾ .
أَي: فِي تقويمها، لما فِيهِ من الْخبط وَالِاخْتِلَاف وَالِاضْطِرَاب الَّذِي لَا يُوجد فِي علم غَيره، حَتَّى رُبمَا وجد عَن عَالم فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة نقُول كَثِيرَة مُخْتَلفَة، فَلهَذَا تحريت النَّقْل الصَّحِيح عَن صَاحبه، وتنكبت عَن غَيره حَيْثُ حصل الِاضْطِرَاب، جهد الطَّاقَة.
وَقد أنتقد على كثير من المصنفين عزوهم أقوالاً إِلَى أشخاص وَالْمَنْقُول الصَّحِيح عَنْهُم خِلَافه، أَو قَوْلهم مؤول وَمَا أشبهه.
وَنحن نسْأَل الله السّتْر والسلامة والتوفيق للصَّوَاب وَالْهِدَايَة ,
وَقد يكون لأَحَدهم الْقَوْلَانِ وَالثَّلَاثَة فَرُبمَا ذكرتها.
قَوْله: ﴿وتهذيب أُصُوله﴾ .
أَي: تَخْلِيصهَا وتسهيلها بعبارات وَاضِحَة مقربة إِلَى الْفَهم، مَعَ الْإِتْيَان بِالْمَعْنَى الْجَلِيّ الْوَاضِح.
قَوْله: ﴿مُجَردا عَن الدَّلِيل / وَالتَّعْلِيل﴾ .
أَي: خَالِيا عَنْهُمَا، وَالْأَمر كَذَلِك، وَذَلِكَ للفوائد الَّتِي ذَكرنَاهَا قبل،
стр. 130
فَإِن الدَّلِيل وَالتَّعْلِيل يطول بِهِ الْكتاب، وَمحله الْكتب المطولة، وَإِن ذكر فِي المختصرات قل علمهَا.
وَيَأْتِي حد الدَّلِيل.
وَالْعلَّة: حِكْمَة الحكم، أَي: مَا يثبت الحكم لأَجله فِي مَحَله، وَهِي أخص من الدَّلِيل، إِذْ كل تَعْلِيل دَلِيل، وَلَيْسَ كل دَلِيل تعليلاً، لجَوَاز أَن يكون نصا أَو إِجْمَاعًا.
وَيَأْتِي معنى الدَّلِيل قَرِيبا، وَتَأْتِي الْعلَّة فِي خطاب الْوَضع، وَفِي الْقيَاس أَيْضا.
قَوْله: ﴿وَالله المسؤول لبلوغ المأمول﴾ .
هُوَ المسؤول وَالْمَقْصُود والمرجو فِي جَمِيع الْأُمُور، وَفِي بُلُوغ مَا نؤمله من تَكْمِيل الْكتاب وَغَيره، وَقد كمل بِحَمْد الله تَعَالَى، ونرجوا من كرم الله تَعَالَى تَكْمِيل الشَّرْح.
قَوْله: ﴿وأقدم الصَّحِيح من مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وأقوال أَصْحَابه﴾ .
وَهَذَا فِي الْغَالِب، لِأَن الْكتاب للحنابلة، ومصنفه حنبلي الْمَذْهَب، وَالَّذِي يَنْبَغِي لَهُ تَقْدِيم مَذْهَب إِمَامه الَّذِي هُوَ مقلد لَهُ، وأقوال أَصْحَابه، وَكَذَا سَائِر المصنفين من أَتبَاع الْأَئِمَّة يَفْعَلُونَ ذَلِك.
стр. 131
وَفِيه فَائِدَة أُخْرَى وَهِي الْمَقْصُودَة: وَهِي معرفَة الصَّحِيح من مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَأَصْحَابه، وَهُوَ من أعظم الْمُهِمَّات وأجلها.
قَوْله: ﴿ومرادي بِالْقَاضِي: أَبُو يعلى﴾ .
وَهُوَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْفراء، من أعظم أَئِمَّة الْمَذْهَب، وَعَلِيهِ الْمُعْتَمد فِي نقُوله وتصانيفه، وَله الْيَد الطُّولى فِي الْمَذْهَب من الْأُصُول وَالْفُرُوع وَغَيرهمَا، بل هُوَ الَّذِي جمع أشتاته وشوارده وهذبه وحرره بعد الْخلال.
وَلما كَانَ إِطْلَاق القَاضِي فِي غَالب المختصرات والمطولات فِي أصُول الْفِقْه ينْصَرف إِلَى القَاضِي أبي بكر الباقلاني؛ لِأَن مُرَادهم مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَغَيره.
стр. 132
وَعند الْمُعْتَزلَة فِي كتبهمْ ينْصَرف / إِلَى القَاضِي عبد الْجَبَّار، احتجت أَن أبين مَا اصطلحت عَلَيْهِ، لِئَلَّا يشْتَبه بِغَيْرِهِ فَيحصل لبس وَشك، وَقد يكون اختيارهم مُخْتَلفا، فَيحصل الْخبط، عِنْد من لَا يعرف المصطلح.
قَوْله: ﴿وبأبي الْفرج: الْمَقْدِسِي﴾ .
وَأَيْضًا لما كَانَ ذكر أبي الْفرج بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَصْحَاب يَشْمَل: أَبَا الْفرج الْمَقْدِسِي الشِّيرَازِيّ الإِمَام الْجَلِيل المستجاب الدُّعَاء صَاحب القَاضِي أبي يعلى.
ويشمل أَبَا الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ الْحَافِظ الْكَبِير، وَيشْتَبه بِإِطْلَاقِهِ على السَّامع فَلَا يعرف من هُوَ مِنْهُمَا، احتجت أَن أبين أَن مرادي بِهِ الشِّيرَازِيّ الْمَقْدِسِي صَاحب " الْمُبْهِج "، و " الْإِيضَاح "، و " الْإِشَارَة "، و " التَّبْصِرَة "، و " جَامع الْأَنْوَار لتوحيد الْملك الْجَبَّار " فِي الْأُصُول، وَغير ذَلِك، وَلِأَن أَقْوَاله فِي أصُول الْفِقْه أَكثر من أَقْوَال ابْن الْجَوْزِيّ.
стр. 133
وَإِذا كَانَ لِابْنِ الْجَوْزِيّ قَول فِي الْمَسْأَلَة ذكرته بِقَوْلِي: (قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ) ، و (عِنْد ابْن الْجَوْزِيّ) وَنَحْوه.
وَإِذا أردْت وَلَده أَبَا مُحَمَّد يُوسُف، صَاحب " الْإِيضَاح " فِي الجدل، قلت: (الْجَوْزِيّ) ، بِإِسْقَاط ابْن، ليحصل التَّمْيِيز بَينهمَا أَيْضا.
قَوْله: ﴿وبالفخر: إِسْمَاعِيل أَبُو مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ﴾ .
لما كَانَ أَيْضا الْفَخر يشْتَبه بالفخر الرَّازِيّ، بل أَكثر النَّاس إِنَّمَا يسري وهمهم إِلَى الرَّازِيّ، بيّنت مصطلحي فِي ذَلِك لأجل الِاشْتِبَاه.
فَإِن هَذَا اسْمه إِسْمَاعِيل بن عَليّ، وَيعرف بِابْن الرفا، وبابن الماشطة، واشتهر بِغُلَام ابْن المنى، أَبُو مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ، حنبلي الْمَذْهَب، لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْأَصْلَيْنِ وَعلم الجدل وَغَيرهَا من الْعُلُوم.
وَالْفَخْر الرَّازِيّ أشعري الْمَذْهَب.
قَوْله: ﴿ورتبته على مُقَدّمَة﴾ .
تشْتَمل على سِتَّة وَأَرْبَعين فصلا، وعَلى ثَلَاثِينَ فَائِدَة، وعَلى ثَلَاثَة عشر تَنْبِيها، وخاتمة، وَفرع، وتتمة.
﴿وأبواب﴾ .
عدتهَا ثَمَانِيَة عشر بَابا، وَهِي: بَاب الْكتاب، بَاب السّنة، / بَاب
стр. 134
الْإِجْمَاع، بَاب الْأَمر، بَاب النَّهْي، بَاب الْعَام وَالْخَاص، بَاب التَّخْصِيص، بَاب الْمُطلق والمقيد، بَاب الْمُجْمل، بَاب الْمُبين، بَاب الظَّاهِر والتأويل، بَاب الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم، بَاب النّسخ، بَاب الْقيَاس، بَاب الِاسْتِدْلَال، بَاب الِاجْتِهَاد، بَاب التَّقْلِيد، بَاب تَرْتِيب الْأَدِلَّة والتعادل والتعارض وَالتَّرْجِيح.
وَهَذِه الْأَبْوَاب ﴿مُشْتَمِلَة على فُصُول وفوائد﴾ وتنابيه وَفِي بَعْضهَا خَاتِمَة وتذنيب.
وَيَأْتِي حد التذنيب آخر الْكتاب.
والفصول جمع فصل، كفروع جمع فرع، وأصول جمع أصل، وَهُوَ لُغَة: الحجز بَين شَيْئَيْنِ، وَمِنْه: فصل الرّبيع؛ لِأَنَّهُ يحجز بَين الشتَاء والصيف، وَهُوَ فِي كتب الْعلم كَذَلِك؛ لِأَنَّهُ يحجز بَين أَجنَاس الْمسَائِل وأنواعها، لكنه فِي كتَابنَا: الحجز بَين أَنْوَاع الْمسَائِل.
والفوائد: جمع فَائِدَة، وَهِي فِي الأَصْل: الزِّيَادَة تحصل للْإنْسَان، وَهِي اسْم فَاعل من قَوْلك: فادت لَهُ فَائِدَة فيداً من بَاب بَاعَ، وأفدته مَالا إِفَادَة: أَعْطيته، وأفدت مِنْهُ مَالا: أَخَذته، وَفَائِدَة الْعلم وَالْأَدب من هَذَا.
قَوْله: ﴿وتنابيه﴾ .
جمع تَنْبِيه، مثل: تَعْلِيل وتعاليل، وَهُوَ تذكير شَيْء غفل عَنهُ الْمُخَاطب
стр. 135
أَو السَّامع أَو الْقَارئ أَو الْمطَالع.
والخاتمة: وَهِي آخر الشَّيْء، وَهِي فِي كتب الْفِقْه وَالْأُصُول وَنَحْوه: آخِرَة الشَّيْء الَّذِي قبلهَا من الْأَبْوَاب وَنَحْوهَا.
والتذنيب يَأْتِي بَيَانه آخر بَاب التَّقْلِيد، فَإِنِّي ذكرته هُنَاكَ.
فالمقدمة فِي تَعْرِيف هَذَا الْعلم، وَفَائِدَته، واستمداده، وَمَا يتَّصل بذلك من مُقَدمَات ولواحق، كالدليل، وَالنَّظَر، والإدراك، وَالْعلم، وَالْعقل، وَالْحَد، واللغة ومسائلها وأحكامها، وَأَحْكَام خطاب الشَّرْع، وخطاب الْوَضع، وَمَا يتَعَلَّق بهما، وَغير ذَلِك.
فمقدمة الْكتاب فِي غير الْمنطق: مَا يذكر فِيهِ قبل / الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود لارتباطها بِهِ.
قَالَ التَّفْتَازَانِيّ: (يُقَال: مُقَدّمَة الْعلم: لما يتَوَقَّف عَلَيْهِ مسَائِله، - كمعرفة حُدُوده وغايته وموضوعه - ومقدمة الْكتاب: لطائفة من كَلَامه قدمت أَمَام الْمَقْصُود؛ لارتباط لَهُ بهَا وانتفاع بهَا فِيهِ - سَوَاء توقف عَلَيْهَا أم لَا -.
قَالَ: وَالْفرق بَينهمَا مِمَّا خَفِي على كثير من النَّاس) انْتهى.
وَهِي بِكَسْر الدَّال - على الْمَشْهُور -: كَلَام مقدم أَمَام الْمَقْصُود لتوقفه
стр. 136
عَلَيْهِ وانتفاعه بِهِ بِوَجْه، كمقدمة الْجَيْش وَهِي طَائِفَة تتقدمه، وَهِي من قدم بِمَعْنى تقدم، لقَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ [الحجرات: ١] ، أَي: لَا تتقدموا.
وَقد تفتح الدَّال؛ لِأَن صَاحب الْكَلَام أَو أَمِير الْجَيْش قدمهَا، أَو لِأَنَّهَا مشبهة لمقدمة الرحل، وَهِي أَمَام الرَّاكِب، مُقَابلَة لمؤخره، وَهِي مَا وَرَاءه.
قَالَ السُّبْكِيّ: (وَهِي أشهر) ، وَاخْتَارَ أَبُو حَيَّان الْفَتْح وَمنع الْكسر.
стр. 137
وَاقْتصر جمَاعَة على الْكسر، وَالْحق جَوَاز الْوَجْهَيْنِ بالاعتبارين.
وَهَذِه الْمَادَّة ترجع تراكيبها إِلَى معنى الأولية، فمقدمة الْكتاب أَوله، وَهِي فِي الأَصْل صفة ثمَّ استعملوها اسْما لكل مَا وجد فِيهِ التَّقْدِيم، كمقدمة الْجَيْش، وَالْكتاب، ومقدمة الدَّلِيل، وَالْقِيَاس، وَهِي الْقَضِيَّة الَّتِي تنْتج ذَلِك مَعَ قَضِيَّة أُخْرَى، نَحْو: كل مُسكر خمر وكل خمر حرَام، وَنَحْو ذَلِك: كل وضوء عبَادَة وكل عبَادَة تشْتَرط لَهَا النِّيَّة، والعالم مؤلف وكل مؤلف مُحدث، وَنَحْو ذَلِك.
стр. 138
﴿الْكَلَام على الْمُقدمَة﴾
﴿أَقُول وَمن الله أَسْتَمدّ المعونة: مَوْضُوع كل علم مَا يبْحَث فِيهِ عَن عوارضه الذاتية﴾ .
مَوْضُوع: اسْم مفعول، من وضع الشَّيْء، - مَبْنِيّ للْمَفْعُول -، يوضع فَهُوَ مَوْضُوع، أَي: محطوط.
قد علمت أَن الْعلم لَا يتَمَيَّز عِنْد الْعقل إِلَّا بعد الْعلم بموضوعه، / فَكل علم يتَمَيَّز عَن غَيره من الْعُلُوم بموضوعه كَمَا يتَمَيَّز برسمه.
وَلما كَانَ مَوْضُوع أصُول الْفِقْه أخص من مُطلق الْمَوْضُوع، وَالْعلم بالخاص مَسْبُوق بِالْعلمِ بِالْعَام، وَجب أَولا تَعْرِيف مَوْضُوع الْعلم حَتَّى تحصل معرفَة مَوْضُوع أصُول الْفِقْه، إِذْ كل علم لَهُ مَوْضُوع ومسائل.
فموضوع كل علم: مَا يبْحَث فِي ذَلِك الْعلم عَن الْأَحْوَال الْعَارِضَة لَهُ، الذاتية. ومسائله: هِيَ معرفَة تِلْكَ الْأَحْوَال.
فموضوع علم الطِّبّ مثلا: هُوَ بدن الْإِنْسَان، لِأَنَّهُ يبْحَث فِيهِ عَن الْأَمْرَاض اللاحقة لَهُ ومسائل: هِيَ معرفَة تِلْكَ الْأَمْرَاض.
стр. 139
وموضوع علم النَّحْو: الْكَلِمَات، فَإِنَّهُ يبْحَث عَن أحوالها من حَيْثُ الْإِعْرَاب وَالْبناء.
وَالْعلم بالموضوع لَيْسَ دَاخِلا فِي حَقِيقَة ذَلِك الْعلم، كَمَا قُلْنَا فِي بدن الْإِنْسَان والكلمات؟
وموضوع علم الْفَرَائِض: التركات، لَا الْعدَد على الْأَصَح.
إِذا علم ذَلِك؛ فَلَا يبْحَث فِي الْعُلُوم إِلَّا عَن الْأَعْرَاض الذاتية لموضوعاتها، أَي: الَّتِي منشؤها الذَّات بِأَن لحقته لذاته، وَلِهَذَا قُلْنَا: عَن عوارضه الذاتية.
والعوارض الذاتية هِيَ الَّتِي تلْحق الشَّيْء لما هُوَ هُوَ، أَي: لذاته، كالتعجب اللَّاحِق لذات الْإِنْسَان، أَو تلْحق الشَّيْء لجزئه كالحركة بالإرادة اللاحقة للْإنْسَان بِوَاسِطَة أَنه حَيَوَان، أَو تلْحقهُ بِوَاسِطَة أَمر خَارج عَنهُ مسَاوٍ لَهُ كالضحك الْعَارِض للْإنْسَان بِوَاسِطَة التَّعَجُّب.
وتفصيل ذَلِك أَن الْعَوَارِض سِتَّة: [لِأَن مَا يعرض] للشَّيْء إِمَّا أَن يكون عروضه لذاته، أَو لجزئه، أَو لأمر خَارج عَنهُ، وَالْأَمر الْخَارِج عَن المعروض: إِمَّا مسَاوٍ لَهُ، أَو أَعم مِنْهُ، أَو أخص مِنْهُ، أَو مباين.
стр. 140
فالثلاثة الأول وَهِي: الْعَارِض لذات المعروض، والعارض لجزئه، والعارض الْمسَاوِي، تسمى أعراضاً ذاتية لاستنادها إِلَى ذَات المعروض.
أما الْعَارِض / للذات فَظَاهر، وَأما الْعَارِض للجزء؛ فَلِأَن الْجُزْء دَاخل فِي الذَّات، والمستند إِلَى مَا فِي الذَّات مُسْتَند إِلَى الذَّات فِي الْجُمْلَة.
وَأما الْعَارِض لِلْأَمْرِ الْمسَاوِي؛ فَلِأَن الْمسَاوِي يكون مُسْتَندا إِلَى ذَات المعروض، والعارض مُسْتَند إِلَى الْمسَاوِي، والمستند إِلَى الْمُسْتَند إِلَى الشَّيْء مُسْتَند إِلَى ذَلِك الشَّيْء، فَيكون الْعَارِض - أَيْضا - مُسْتَندا إِلَى الذَّات.
وَالثَّلَاثَة الْأَخِيرَة هِيَ:
الْعَارِض لأمر خَارج أَعم من المعروض، كالحركة اللاحقة للأبيض بِوَاسِطَة أَنه جسم، وَهُوَ أَعم من الْأَبْيَض وَغَيره.
والعارض للْخَارِج الْأَخَص، كالضحك الْعَارِض للحيوان بِوَاسِطَة أَنه إِنْسَان، وَهُوَ أخص من الْحَيَوَان.
والعارض لسَبَب المباين، كالحرارة الْعَارِضَة للْمَاء بِوَاسِطَة النَّار وَهِي مباينة للْمَاء، تسمى أعراضاً غَرِيبَة لما فِيهَا من الغرابة بِالْقِيَاسِ إِلَى ذَات المعروض، وَفِي الْعُلُوم إِنَّمَا يبْحَث عَن الْأَعْرَاض الذاتية لموضوعاتها، قَالَه القطب
стр. 141
فِي " شرح الشمسية ".
قَالَ التَّفْتَازَانِيّ فِي " شرح الشمسية ": (الثَّالِث: بَيَان مَوْضُوعه، أَعنِي: تعْيين مَا بِهِ يتَمَيَّز هَذَا الْعلم فِي نَفسه عَن الْعُلُوم الْأُخَر حَتَّى يحصل لَهُ اسْم [وَاحِد] على الِانْفِرَاد، فَإِن تمايز الْعُلُوم فِي [ذواتها] لَيْسَ إِلَّا بِحَسب تمايز الموضوعات، حَتَّى لَو لم يكن لهَذَا مَوْضُوع مُغَاير لموضوع ذَلِك بِالذَّاتِ أَو بِالِاعْتِبَارِ لم يَكُونَا علمين، وَلم يَصح تعريفهما بِوَجْهَيْنِ مُخْتَلفين، لِأَن الْعلم عبارَة عَن جَمِيع مَا يبْحَث فِيهِ عَن الْأَعْرَاض الذاتية للموضوع بِاعْتِبَار وَاحِد) انْتهى.
قَوْله: ﴿فموضوع أصُول الْفِقْه: الْأَدِلَّة الموصلة إِلَى الْفِقْه﴾ .
يحْتَمل أَن تكون الْفَاء هُنَا فِي جَوَاب شَرط مُقَدّر، وَتَقْدِير الشَّرْط: إِذا علمت أَن مَوْضُوع كل علم مَا يبْحَث فِيهِ عَن عوارضه الذاتية، فموضوع أصُول الْفِقْه كَذَا، فَجَاءَت الْفَاء جَوَاب / هَذَا الشَّرْط الْمَحْذُوف.
وَيحْتَمل أَن تكون فَاء التَّفْرِيع.
стр. 142
إِذا علم بذلك؛ فموضوع أصُول الْفِقْه: أدلته من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَنَحْوهَا، لِأَنَّهُ يبْحَث فِيهَا عَن الْعَوَارِض اللاحقة لَهَا، من كَونهَا عَامَّة أَو خَاصَّة، أَو مُطلقَة أَو مُقَيّدَة، أَو مجملة أَو مبينَة، أَو ظَاهِرَة أَو نصا، أَو منطوقة أَو مفهومة، وَكَون اللَّفْظ أمرا أَو نهيا، وَنَحْو ذَلِك، وَهَذِه الْأَشْيَاء هِيَ مسَائِله.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (مَوْضُوع أصُول الْفِقْه: الْأَدِلَّة الموصلة إِلَى الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، وَاخْتِلَاف مراتبها، وَكَيْفِيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا) .
قَالَ ابْن حمدَان فِي " مقنعه ": (مَوْضُوعه: مَا يبْحَث فِي علم أصُول الْفِقْه عَن أَحْوَاله على وَجه كلي، وَهُوَ الْأَدِلَّة الْمَذْكُورَة) .
وَقَالَ الْإِسْنَوِيّ: (مَوْضُوع علم الْأُصُول: أَدِلَّة الْفِقْه؛ لِأَنَّهُ يبْحَث فِيهَا عَن الْعَوَارِض اللاحقة لَهَا من كَونهَا، عَامَّة وخاصة، وأمراً ونهياً، وَهَذِه الْأَشْيَاء هِيَ الْمسَائِل) انْتهى.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيّ أَيْضا وَغَيره: (وَإِذا كَانَت الْأَدِلَّة هِيَ مَوْضُوع هَذَا الْعلم فَلَا تكون من ماهيته) كَمَا تقدم.
وموضوع الْفِقْه: أَفعَال الْعباد من حَيْثُ تعلق الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة بهَا، ومسائله مَا يذكر فِي كل بَاب.
стр. 143
قَوْله: ﴿ولابد لكل من طلب علما أَن يتصوره بِوَجْه مَا، وَيعرف غَايَته، وَمَا يستمد مِنْهُ﴾ .
قَوْله: لابد، أَي: لَا فِرَاق كل من حاول علما من الْعُلُوم وَطلب مَعْرفَته أَن يعرف ثَلَاثَة أُمُور:
أَحدهَا: معرفَة ذَلِك الْعلم، أَي: تصَوره بِوَجْه مَا، لِأَن طلب الْإِنْسَان مَا لَا يعرفهُ، محَال ببديهة الْعقل، وَذَلِكَ الْوَجْه الَّذِي يعرفهُ بِهِ هُوَ الْمَعْنى الَّذِي يُحِيط بكثرته، ثمَّ يَطْلُبهُ فِي جِهَة تَفْصِيله؟
فَإِن عرفه من جِهَة التَّفْصِيل كَانَ طلبه لَهُ محالاً، لِأَنَّهُ تَحْصِيل / الْحَاصِل، ثمَّ الْجِهَة الَّتِي يعرفهُ بهَا إِن كَانَت ذاتية فالمنبئ عَنْهَا الْحَد، وَإِلَّا الرَّسْم، على مَا يَأْتِي.
الثَّانِي: معرفَة غَايَة ذَلِك الْعلم؛ لِئَلَّا يكون سَعْيه عَبَثا، لِأَنَّهُ تَضْييع للعمر فِيمَا لَا يعلم لَهُ فَائِدَة.
الثَّالِث: أَن يعرف مَا يستمد مِنْهُ؛ ليرْجع فِي تِلْكَ الْجُزْئِيَّة إِلَى محلهَا مِنْهُ.
وَاعْلَم أَن أصل هَذِه الْقَاعِدَة: أَن كل مَعْدُوم يُوجد، مُتَوَقف وجوده على أَربع علل:
صورية: وَهِي الَّتِي تقوم بهَا الصُّورَة وتتميز بهَا عَن غَيرهَا، فتصور الْمركب مُتَوَقف على تصور أَرْكَانه وانتظامها على الْوَجْه الْمَقْصُود.
стр. 144
وغائية: وَهِي الباعثة على إيجاده، وَهِي الأولى فِي الْفِكر، مُقَدّمَة على سَائِر الْعِلَل وَإِن كَانَت آخرا فِي الْوُجُود الْخَارِجِي، وَلِهَذَا يُقَال: مبدأ الْعلم مُنْتَهى الْعَمَل، وَيُقَال أَيْضا: هِيَ عِلّة فِي الذِّهْن معلولة فِي الْخَارِج.
ومادية: وَهِي الَّتِي مِنْهَا يستمد المركبات أَو مَا فِي حكمهَا.
وفاعلية: وَهِي المؤثرة فِي إِيجَاد ذَلِك وإخراجه من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود.
وَيَأْتِي الْإِلْمَام بِهَذِهِ الْفَائِدَة فِي الْعلَّة الشَّرْعِيَّة فِي خطاب الْوَضع.
قَوْله: ﴿فالأصول جمع أصل﴾ .
الْفَاء هُنَا كالفاء فِي قَوْلنَا: (فموضوع) ، وَهَذَا بَيَان لَهَا من حَيْثُ جمعهَا وإفرادها، وَمَا كَانَ من الْأَسْمَاء على (فعل) سَاكن الْعين، فبابه فِي جمع الْقلَّة (أفعل) ، نَحْو: (أفلس) و (أكلب) ، وَفِي الْكَثْرَة على (فعال) نَحْو: (حَبل وحبال) و (كلب وكلاب) و (كَعْب وكعاب) ، وعَلى (فعول) نَحْو: فصل وفصول) و (أصل وأصول) و (فرع وفروع) .
وَلما قدمنَا: أَن كل طَالب علم لابد لَهُ من معرفَة ثَلَاثَة أُمُور، شرعنا فِي بَيَانهَا، فَفِيمَا نَحن بصدده علم أصُول الْفِقْه، فَلَا بُد من مَعْرفَته / من حَيْثُ الْمَعْنى الْجَامِع لجزئياته كلهَا، وَمَعْرِفَة غَايَته، ومعرة استمداده، فَيعرف حَقِيقَته من أَرَادَ الِاشْتِغَال بِهِ، فَإِن عرف مَا يطْلب هان عَلَيْهِ مَا يبْذل.
стр. 145
فأصول الْفِقْه: مركب من مُضَاف ومضاف إِلَيْهِ، ثمَّ صَار بِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال فِي عرف الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء لَهُ معنى آخر غير الأول وَهُوَ العلمية، فَصَارَ علما عَلَيْهِ بالغلبة، لقباً مشعراً برفعته، فَيَنْبَغِي أَن يعرف من حَيْثُ مَعْنَاهُ الإضافي، وَمن حَيْثُ مَعْنَاهُ اللقبي.
إِذا علم ذَلِك؛ فبعض المصنفين بَدَأَ بِمَعْرِِفَة كَونه مُضَافا، فَتكلم على الْمُضَاف أَولا، ثمَّ على الْمُضَاف إِلَيْهِ ثَانِيًا، ثمَّ على كَونه مركبا، وتابعناهم على ذَلِك فِي الْمَتْن، لِأَن معرفَة الْمُفْرد تكون قبل معرفَة الْمركب.
وَمن بَدَأَ بِكَوْنِهِ علما قَالَ: صَار ذَلِك كالمفرد، وَهُوَ أظهر وَأولى؛ لِأَن الأول فِيمَا تركيبه ملحوظ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِك.
следующие страницы →