← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فِي " شرح الشمسية ". قَالَ التَّفْتَازَانِيّ فِي " شرح الشمسية ": (الثَّالِث: بَيَان مَوْضُوعه، أَعنِي: تعْيين مَا بِهِ يتَمَيَّز هَذَا الْعلم فِي نَفسه عَن الْعُلُوم الْأُخَر حَتَّى يحصل لَهُ اسْم [وَاحِد] على الِانْفِرَاد، فَإِن تمايز الْعُلُوم فِي [ذواتها] لَيْسَ إِلَّا بِحَسب تمايز الموضوعات، حَتَّى لَو لم يكن لهَذَا مَوْضُوع مُغَاير لموضوع ذَلِك بِالذَّاتِ أَو بِالِاعْتِبَارِ لم يَكُونَا علمين، وَلم يَصح تعريفهما بِوَجْهَيْنِ مُخْتَلفين، لِأَن الْعلم عبارَة عَن جَمِيع مَا يبْحَث فِيهِ عَن الْأَعْرَاض الذاتية للموضوع بِاعْتِبَار وَاحِد) انْتهى. قَوْله: ﴿فموضوع أصُول الْفِقْه: الْأَدِلَّة الموصلة إِلَى الْفِقْه﴾ . يحْتَمل أَن تكون الْفَاء هُنَا فِي جَوَاب شَرط مُقَدّر، وَتَقْدِير الشَّرْط: إِذا علمت أَن مَوْضُوع كل علم مَا يبْحَث فِيهِ عَن عوارضه الذاتية، فموضوع أصُول الْفِقْه كَذَا، فَجَاءَت الْفَاء جَوَاب / هَذَا الشَّرْط الْمَحْذُوف. وَيحْتَمل أَن تكون فَاء التَّفْرِيع.

стр. 142

إِذا علم بذلك؛ فموضوع أصُول الْفِقْه: أدلته من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَنَحْوهَا، لِأَنَّهُ يبْحَث فِيهَا عَن الْعَوَارِض اللاحقة لَهَا، من كَونهَا عَامَّة أَو خَاصَّة، أَو مُطلقَة أَو مُقَيّدَة، أَو مجملة أَو مبينَة، أَو ظَاهِرَة أَو نصا، أَو منطوقة أَو مفهومة، وَكَون اللَّفْظ أمرا أَو نهيا، وَنَحْو ذَلِك، وَهَذِه الْأَشْيَاء هِيَ مسَائِله. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (مَوْضُوع أصُول الْفِقْه: الْأَدِلَّة الموصلة إِلَى الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، وَاخْتِلَاف مراتبها، وَكَيْفِيَّة الِاسْتِدْلَال بهَا) . قَالَ ابْن حمدَان فِي " مقنعه ": (مَوْضُوعه: مَا يبْحَث فِي علم أصُول الْفِقْه عَن أَحْوَاله على وَجه كلي، وَهُوَ الْأَدِلَّة الْمَذْكُورَة) . وَقَالَ الْإِسْنَوِيّ: (مَوْضُوع علم الْأُصُول: أَدِلَّة الْفِقْه؛ لِأَنَّهُ يبْحَث فِيهَا عَن الْعَوَارِض اللاحقة لَهَا من كَونهَا، عَامَّة وخاصة، وأمراً ونهياً، وَهَذِه الْأَشْيَاء هِيَ الْمسَائِل) انْتهى. وَقَالَ الْإِسْنَوِيّ أَيْضا وَغَيره: (وَإِذا كَانَت الْأَدِلَّة هِيَ مَوْضُوع هَذَا الْعلم فَلَا تكون من ماهيته) كَمَا تقدم. وموضوع الْفِقْه: أَفعَال الْعباد من حَيْثُ تعلق الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة بهَا، ومسائله مَا يذكر فِي كل بَاب.

стр. 143

قَوْله: ﴿ولابد لكل من طلب علما أَن يتصوره بِوَجْه مَا، وَيعرف غَايَته، وَمَا يستمد مِنْهُ﴾ . قَوْله: لابد، أَي: لَا فِرَاق كل من حاول علما من الْعُلُوم وَطلب مَعْرفَته أَن يعرف ثَلَاثَة أُمُور: أَحدهَا: معرفَة ذَلِك الْعلم، أَي: تصَوره بِوَجْه مَا، لِأَن طلب الْإِنْسَان مَا لَا يعرفهُ، محَال ببديهة الْعقل، وَذَلِكَ الْوَجْه الَّذِي يعرفهُ بِهِ هُوَ الْمَعْنى الَّذِي يُحِيط بكثرته، ثمَّ يَطْلُبهُ فِي جِهَة تَفْصِيله؟ فَإِن عرفه من جِهَة التَّفْصِيل كَانَ طلبه لَهُ محالاً، لِأَنَّهُ تَحْصِيل / الْحَاصِل، ثمَّ الْجِهَة الَّتِي يعرفهُ بهَا إِن كَانَت ذاتية فالمنبئ عَنْهَا الْحَد، وَإِلَّا الرَّسْم، على مَا يَأْتِي. الثَّانِي: معرفَة غَايَة ذَلِك الْعلم؛ لِئَلَّا يكون سَعْيه عَبَثا، لِأَنَّهُ تَضْييع للعمر فِيمَا لَا يعلم لَهُ فَائِدَة. الثَّالِث: أَن يعرف مَا يستمد مِنْهُ؛ ليرْجع فِي تِلْكَ الْجُزْئِيَّة إِلَى محلهَا مِنْهُ. وَاعْلَم أَن أصل هَذِه الْقَاعِدَة: أَن كل مَعْدُوم يُوجد، مُتَوَقف وجوده على أَربع علل: صورية: وَهِي الَّتِي تقوم بهَا الصُّورَة وتتميز بهَا عَن غَيرهَا، فتصور الْمركب مُتَوَقف على تصور أَرْكَانه وانتظامها على الْوَجْه الْمَقْصُود.

стр. 144

وغائية: وَهِي الباعثة على إيجاده، وَهِي الأولى فِي الْفِكر، مُقَدّمَة على سَائِر الْعِلَل وَإِن كَانَت آخرا فِي الْوُجُود الْخَارِجِي، وَلِهَذَا يُقَال: مبدأ الْعلم مُنْتَهى الْعَمَل، وَيُقَال أَيْضا: هِيَ عِلّة فِي الذِّهْن معلولة فِي الْخَارِج. ومادية: وَهِي الَّتِي مِنْهَا يستمد المركبات أَو مَا فِي حكمهَا. وفاعلية: وَهِي المؤثرة فِي إِيجَاد ذَلِك وإخراجه من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود. وَيَأْتِي الْإِلْمَام بِهَذِهِ الْفَائِدَة فِي الْعلَّة الشَّرْعِيَّة فِي خطاب الْوَضع. قَوْله: ﴿فالأصول جمع أصل﴾ . الْفَاء هُنَا كالفاء فِي قَوْلنَا: (فموضوع) ، وَهَذَا بَيَان لَهَا من حَيْثُ جمعهَا وإفرادها، وَمَا كَانَ من الْأَسْمَاء على (فعل) سَاكن الْعين، فبابه فِي جمع الْقلَّة (أفعل) ، نَحْو: (أفلس) و (أكلب) ، وَفِي الْكَثْرَة على (فعال) نَحْو: (حَبل وحبال) و (كلب وكلاب) و (كَعْب وكعاب) ، وعَلى (فعول) نَحْو: فصل وفصول) و (أصل وأصول) و (فرع وفروع) . وَلما قدمنَا: أَن كل طَالب علم لابد لَهُ من معرفَة ثَلَاثَة أُمُور، شرعنا فِي بَيَانهَا، فَفِيمَا نَحن بصدده علم أصُول الْفِقْه، فَلَا بُد من مَعْرفَته / من حَيْثُ الْمَعْنى الْجَامِع لجزئياته كلهَا، وَمَعْرِفَة غَايَته، ومعرة استمداده، فَيعرف حَقِيقَته من أَرَادَ الِاشْتِغَال بِهِ، فَإِن عرف مَا يطْلب هان عَلَيْهِ مَا يبْذل.

стр. 145

فأصول الْفِقْه: مركب من مُضَاف ومضاف إِلَيْهِ، ثمَّ صَار بِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال فِي عرف الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء لَهُ معنى آخر غير الأول وَهُوَ العلمية، فَصَارَ علما عَلَيْهِ بالغلبة، لقباً مشعراً برفعته، فَيَنْبَغِي أَن يعرف من حَيْثُ مَعْنَاهُ الإضافي، وَمن حَيْثُ مَعْنَاهُ اللقبي. إِذا علم ذَلِك؛ فبعض المصنفين بَدَأَ بِمَعْرِِفَة كَونه مُضَافا، فَتكلم على الْمُضَاف أَولا، ثمَّ على الْمُضَاف إِلَيْهِ ثَانِيًا، ثمَّ على كَونه مركبا، وتابعناهم على ذَلِك فِي الْمَتْن، لِأَن معرفَة الْمُفْرد تكون قبل معرفَة الْمركب. وَمن بَدَأَ بِكَوْنِهِ علما قَالَ: صَار ذَلِك كالمفرد، وَهُوَ أظهر وَأولى؛ لِأَن الأول فِيمَا تركيبه ملحوظ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِك.

стр. 146

فعلى الأول: كل مركب لَا يعرف إِلَّا بِمَعْرِِفَة أَجْزَائِهِ، فأصول الْفِقْه، مركب من مُضَاف ومضاف إِلَيْهِ، فالمضاف أصُول، وَهِي جمع أصل. ﴿وَهُوَ﴾ أَي: الأَصْل، ﴿لُغَة﴾ : أَي: فِي اللُّغَة: ﴿مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيره﴾ . اخْتلفت عباراتهم فِي الأَصْل فِي اللُّغَة، فَقيل: هُوَ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيره، ﴿قَالَه القَاضِي، وَأَبُو الْخطاب، وَابْن عقيل﴾ ، وَأَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ

стр. 147

فِي شرح الْعُمْدَة "، وَأَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، ﴿وَالْأَكْثَر﴾ . ﴿وَقَالَ جمع: مَا مِنْهُ الشَّيْء﴾ . مِنْهُم الأرموي فِي " الْحَاصِل ". وَقَالَ فِي " الْمَحْصُول " و " الْمُنْتَخب " و " التَّحْصِيل ": (الْمُحْتَاج إِلَيْهِ) . وَقيل: مَا يتَفَرَّع عَنهُ غَيره. وَقَالَ بَعضهم: (هَذِه الْعبارَة أحسن من قَول أبي الْحُسَيْن: " مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيره "؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَال: إِن الْوَلَد / يَنْبَنِي على الْوَالِد، وَيُقَال: إِنَّه فَرعه، وَأحسن من قَول صَاحب " الْحَاصِل "

стр. 148

وَجَمَاعَة: " مَا مِنْهُ الشَّيْء "؛ لاشتراك " من " بَين الِابْتِدَاء والتبعيض، وَأحسن من قَول الإِمَام: " الْمُحْتَاج إِلَيْهِ "؛ لِأَنَّهُ إِن أُرِيد بالاحتياج: مَا يعرف فِي علم الْكَلَام من احْتِيَاج الْأَثر إِلَى الْمُؤثر وَالْمَوْجُود إِلَى الموجد، لزم إِطْلَاق الأَصْل على الله تَعَالَى، وَإِن أُرِيد: مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الشَّيْء، لزم إِطْلَاقه على الْجُزْء وَالشّرط وَانْتِفَاء الْمَانِع، وَإِن أُرِيد: مَا يفهمهُ أهل الْعرف من الِاحْتِيَاج، لزم إِطْلَاقه على الْأكل واللبس وَنَحْوهمَا، وكل هَذِه اللوازم مستنكرة) انْتهى. قَالَ الطوفي فِي " شَرحه ": (و " من " فِي قَوْله: مَا مِنْهُ الشَّيْء للتَّبْعِيض، أَي: مَا بعضه الشَّيْء، وَالْفرع بعض أَصله، كَالْوَلَدِ من الْوَالِد، والغصن من الشَّجَرَة، لِأَن الْفِقْه مقتطع من أدلته اقتطاع الْوَلَد من الْوَالِد والغصن من الشَّجَرَة وَنَحْوه، وَيجوز أَن تكون " من " لابتداء الْغَايَة، على معنى: أَن أَدِلَّة الْفِقْه من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَنَحْوهَا [هِيَ] مبدأ ظُهُوره، وَمِنْهَا ابْتِدَاء بَيَانه، وَهُوَ أظهر الْمَعْنيين فِي " من ".) انْتهى. وَقَالَ أَيْضا: (وَزعم بَعضهم أَن تَعْرِيف الشَّيْء ب " مَا " كَانَ فِي التعريفين قَبِيح؛ لِأَن المُرَاد من التَّعْرِيف الْإِيضَاح والإفهام، وَلَفظ " مَا " شَدِيد الْإِبْهَام، فالتعريف بِهِ يُنَافِي الْمَقْصُود. ورده بِأَن " مَا " وَإِن كَانَت شَدِيدَة الْإِبْهَام غير أَن التَّعْرِيف لَيْسَ بهَا وَحدهَا، بل بهَا وَبِمَا بعْدهَا، وبمجموعهما يحصل الْكَشْف عَن حَقِيقَة الْمَحْدُود.

стр. 149

- ثمَّ قَالَ -: نعم المناقشة على ذَلِك من وَجه آخر، وَهُوَ: أَن شَأْن الْحُدُود والتعريفات أَن يَأْتِي فِيهَا بِالْجِنْسِ الْقَرِيب ثمَّ يُمَيّز بِالْفَصْلِ، وَلَفظ " مَا " عَام فِي الْجِنْس الْقَرِيب والبعيد، فَلَا يعلم مَا المُرَاد. قَالَ: وَالْجَوَاب: / أَن الحذاق لَا يطلقون لفظ " مَا " فِي التَّعْرِيف إِلَّا مَعَ قرينَة تدل على الْجِنْس الْقَرِيب، والقرائن فِي المخاطبات كالألفاظ بل أبلغ فِي الإفهام) انْتهى. وَقَالَ الْآمِدِيّ فِي " الإحكام " و " مُنْتَهى السول ": (هُوَ مَا يسْتَند تحقق الشَّيْء إِلَيْهِ) . وَقيل: (منشأ الشَّيْء) ، وَلَا طائل تَحت هَذِه الْعبارَات، فَلذَلِك لم نذْكر فِي الْمَتْن مِنْهَا إِلَّا قَوْلَيْنِ، وَإِن كَانَ أهل اللُّغَة لم يذكرُوا هَذِه الْأَقْوَال فِي كتبهمْ، لِأَن الْأُصُولِيِّينَ يتعرضون لِأَشْيَاء لم يتَعَرَّض لَهَا أهل اللُّغَة، وَأما فِي الْعرف فَالْأَصْل مُسْتَعْمل فِي ذَلِك. فَائِدَة: قَوْلنَا مثلا: الأَصْل لُغَة، أَو الْفِقْه لُغَة، أَو الدَّلِيل لُغَة، وَنَحْو ذَلِك، وَاصْطِلَاحا أَو شرعا وَنَحْوه.

стр. 150

اخْتلفُوا فِي الناصب لَهُ. قيل: هُوَ مَنْصُوب بِنَزْع حرف الصّفة، وَتَقْدِيره: أَي: فِي اللُّغَة، وَهَكَذَا أعربه الطوفي فِي " شَرحه " وَغَيره. وَقَالَ القطب الشِّيرَازِيّ فِي " شرح الْمُخْتَصر ": (وَقَوله: الدَّلِيل لُغَة: المرشد، وَالْإِجْمَاع لُغَة كَذَا، وَشبهه، مَنْصُوب على الْمصدر، من بَاب الْمصدر الْمُؤَكّد لغيره، لِأَن مَعْنَاهُ: أَي: [مَدْلُول] الدَّلِيل لُغَة: المرشد. لِأَن الدّلَالَة تَنْقَسِم إِلَى: دلَالَة شرع، وَإِلَى دلَالَة عرف، وَإِلَى دلَالَة لُغَة، فَلَمَّا كَانَت مُحْتَملَة وَذكر أحد المحتملات كَانَ من بَاب الْمصدر الْمُؤَكّد، وَكَانَ الْقيَاس أَن يذكر بعد [الْجُمْلَة] وَلكنهَا قدمت للقصد إِلَى أَنَّهَا لبَيَان دلَالَة الدَّلِيل، لِأَنَّهَا لَو أخرت لكَانَتْ صَالِحَة لكل وَاحِد مِنْهَا، وَلَيْسَت تمييزاً عَن النِّسْبَة، إِذْ لَا إِبْهَام فِي حمل المرشد على الدَّلِيل، وَلَا عَن [الْمُفْرد] وَهُوَ الدَّلِيل [إِذْ الْإِبْهَام فِي غير مستو] لكَونه مُشْتَركا) انْتهى.

стр. 151

وَقَوْلنَا مثلا: خلافًا لفُلَان، مَنْصُوب على الْمصدر أَو الْحَال، أَي: أَقُول ذَلِك وَأَنا أخالفهم مُخَالفَة وَخِلَافًا. أَو أَقُول ذَلِك / فِي حَال كوني مُخَالفا لَهُم، وَهُوَ أحسن. قَوْله: ﴿وَاصْطِلَاحا﴾ . أَي: معنى الأَصْل فِي الِاصْطِلَاح. ﴿مَا لَهُ فرع﴾ . قَالَه ابْن حمدَان فِي " مقنعه " وَغَيره، وَهُوَ كَذَلِك؛ لِأَن الْفَرْع إِنَّمَا ينشأ دَائِما عَن أصل، وَالْأَصْل لَا يُطلق غَالِبا إِلَّا على مَا لَهُ فرع. قَوْله: ﴿وَيُطلق على الدَّلِيل﴾ . اعْلَم أَن للْأَصْل أَرْبَعَة إطلاقات إطلاقاً متعارفاً. أَحدهَا: الدَّلِيل، وَيُطلق عَلَيْهِ غَالِبا، صرح بِهِ جمع من الْعلمَاء، كَقَوْلِهِم: أصل هَذِه الْمَسْأَلَة الْكتاب وَالسّنة، أَي: دليلها. فَإِذا وصلته بالفقه وَقلت: دَلِيل الْفِقْه، كَانَ تَفْسِيرا لأصل الْفِقْه من حَيْثُ الْإِضَافَة، وَهُوَ المُرَاد هُنَا.

стр. 152

وَالثَّانِي: يُطلق على الرجحان، أَي: على الرَّاجِح من الْأَمريْنِ، كَقَوْلِك: الأَصْل فِي الْكَلَام الْحَقِيقَة لَا الْمجَاز، أَي: الرَّاجِح عِنْد السَّامع هُوَ الْحَقِيقَة، وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة، وَبَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ. وَالثَّالِث: الْقَاعِدَة المستمرة، أَو الْأَمر المستمر، كَقَوْلِك: أكل الْميتَة على خلاف الأَصْل، أَي: على خلاف الْحَالة المستمرة فِي الحكم. وَالرَّابِع: الْمَقِيس عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا يُقَابل الْفَرْع فِي بَاب الْقيَاس على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: ﴿الْفِقْه لُغَة: الْفَهم، عِنْد الْأَكْثَر﴾ . الْفِقْه: مصدر فقه، يُقَال: فقه بِكَسْر الْقَاف وَضمّهَا وَفتحهَا. فَالْأول لمُطلق الْفَهم، وَالثَّانِي إِذا كَانَ لَهُ سجية، وَالثَّالِث إِذا ظهر على غَيره، قَالَه الْقَرَافِيّ وَجَمَاعَة. قَالَ فِي " الْقَامُوس ": (فقه ككرم وَفَرح فَهُوَ فَقِيه، وَفقه كندس) .

стр. 153

وَقَالَ فِي " الْمِصْبَاح الْمُنِير ": (الْفِقْه: فهم الشَّيْء) . قَالَ ابْن فَارس: (وكل علم بِشَيْء فَهُوَ فقه) . وَالْفِقْه على لِسَان حَملَة الشَّرْع: علم خَاص. وَفقه فقهاً من بَاب تَعب: إِذا علم، وَفقه - بِالضَّمِّ - مثله، وَقيل: الضَّم: إِذا صَار الْفِقْه لَهُ سجية. قَالَ أَبُو زيد: " رجل فقه - بِضَم الْقَاف وَكسرهَا -، وَامْرَأَة فقهة بِالضَّمِّ ".) انْتهى. / إِذا علم ذَلِك؛ فَلهُ مَعْنيانِ: معنى فِي اللُّغَة، وَمعنى فِي الِاصْطِلَاح. فَأَما مَعْنَاهُ فِي اللُّغَة فَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيره على أَقْوَال. أَحدهَا: أَنه الْفَهم، قَالَه الْأَكْثَر؛ لِأَن الْعلم يكون عَنهُ.

стр. 154

قَالَ الطوفي: (وَمِمَّا يدل على تغايرهما؛ أَن الْفِقْه يتَعَلَّق بالمعاني دون الْأَعْيَان، وَالْعلم يتَعَلَّق بهما، فَيصح أَن يُقَال: علمت معنى كلامك وفهمته) . قَالَ الْجَوْهَرِي: (الْفِقْه لُغَة: الْفَهم) . قَالَ أَبُو الْفرج فِي " الْإِيضَاح ": (يُقَال فِي اللُّغَة: فلَان فَقِيه، أَي: فهم، وَفُلَان يفقه عني مَا أَقُول، أَي: يفهم عني مَا أَقُول، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَمَال هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا﴾ [النِّسَاء: ٧٨] ، ﴿وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم﴾ [الْإِسْرَاء: ٤٤] ، ﴿مَا نفقه كثيرا مِمَّا تَقول﴾ [هود: ٩١] ، أَي: لَا يكادون يفهمون، وَلَكِن لَا تفهمون، وَمَا نفهم كثيرا مِمَّا تَقول، وَنَحْوه قَوْله: ﴿وَهُوَ إِدْرَاك معنى الْكَلَام﴾ . يَعْنِي: معنى الْفَهم: إِدْرَاك معنى الْكَلَام، زَاد ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح ": (بِسُرْعَة) ، وَلَا حَاجَة إِلَيْهَا؛ لِأَن من يفهم بعد حِين يُقَال: فهم. قَالَ القطب الشِّيرَازِيّ - أَي: فِي " شرح الْمُخْتَصر " -: (المُرَاد بالفهم الدَّرك لَا جودة الذِّهْن من جِهَة تهيئه [لاقتناص] مَا يرد عَلَيْهِ من المطالب.

стр. 155

والذهن: قُوَّة النَّفس المستعدة لِاكْتِسَابِ الْحُدُود والآراء) . وَالثَّانِي قَالَه القَاضِي فِي " الْعدة "، وَابْن فَارس فِي " الْمُجْمل "، وَأَبُو الْمَعَالِي فِي " التخليص "، والكيا، والقشيري، وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيرهم، وَحكي عَن الْأَصْحَاب: الْعلم.

стр. 156

لم أعلم من أَيْن نقلت أَن هَذَا القَوْل حُكيَ عَن الْأَصْحَاب الْآن. قَالَ ابْن فَارس فِي " الْمُجْمل ": (الْفِقْه الْعلم، وكل علم بِشَيْء فَهُوَ فقه) . وَالثَّالِث قَالَه ابْن الصيقل، وَصَاحب " رَوْضَة فقهنا "، وَالْغَزالِيّ، والآمدي: هما، أَي: الْفِقْه لُغَة: الْفَهم وَالْعلم. قَالَ فِي " الْقَامُوس ": (الْفِقْه بِالْكَسْرِ الْعلم بالشَّيْء والفهم) ، وَلم يحك خلافًا. يُقَال: فلَان يفقه الْخَيْر وَالشَّر، ويفقه كَلَام فلَان، أَي: يفهمهُ ويعلمه.

стр. 157

وَالرَّابِع قَالَه القَاضِي فِي " الْكِفَايَة ": (معرفَة قصد الْمُتَكَلّم) . قَالَ الرَّازِيّ / فِي " الْمَحْصُول " و " الْمُنْتَخب ": (هُوَ فهم غَرَض الْمُتَكَلّم من كَلَامه) . قَالَ ابْن حمدَان فِي " الْمقنع " عَن كَلَام القَاضِي فِي " الْكِفَايَة ": (يبطل بِكَلَام من لَا قصد لَهُ كالنائم وَالصَّبِيّ وَالْمَجْنُون) . وَالْخَامِس، قَالَه أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد ": (الْكل) . أَي: يُطلق على الْكل الَّذِي تقدم. قَالَ فِي " التَّمْهِيد ": (يُقَال " فهمت كلامك، إِذا عَرفته وفهمته وعلمته، كل ذَلِك بِمَثَابَة وَاحِدَة) انْتهى. قَالَ الْقَرَافِيّ: (الْفِقْه هُوَ الْفَهم وَالْعلم وَالشعر والطب لُغَة، وَإِنَّمَا اخْتصّت بعض الْأَلْفَاظ بِبَعْض الْعُلُوم بِسَبَب الْعرف) ، وَحَكَاهُ عَن الْمَازرِيّ

стр. 158

فِي " شرح الْبُرْهَان ". وَالسَّادِس قَالَه الشِّيرَازِيّ وَغَيره: (فهم مَا يدق) . قَالَه أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي " اللمع "، وَصَاحب " اللّبَاب " من الْحَنَفِيَّة، وَمَعْنَاهُ لبَعض أَصْحَابنَا.

стр. 159

قَالَ ابْن هُبَيْرَة: (هُوَ اسْتِخْرَاج الغوامض والاطلاع عَلَيْهَا) ، وَهُوَ أظهر؛ فَإِنَّهُ لَا يُقَال: فقهت أَن السَّمَاء فَوْقنَا، وَلَا أَن النَّار حارة، وَنَحْو ذَلِك، وَيُقَال: فقهت كلامك، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن الْفِقْه أخص من الْعلم. قَالَ ابْن مُفْلِح - من أَصْحَابنَا - عَن كَلَام ابْن هُبَيْرَة: (وَلَعَلَّه مُرَاد من أطلق) . وَالسَّابِع: (التَّوَصُّل إِلَى علم غَائِب بِعلم شَاهد) ، قَالَه الرَّاغِب. قَالَ الْعَسْقَلَانِي فِي " شرح مُخْتَصر الطوفي ": (الْفَهم هَيْئَة للنَّفس بهَا يتَحَقَّق مَعَاني مَا يحس، فالعلم إِذن عَنهُ، وَمن ثمَّ قيل: الْفِقْه التَّوَصُّل إِلَى علم غَائِب بِعلم شَاهد، فَهُوَ أخص من الْعلم) انْتهى. قَوْله: ﴿وَشرعا﴾ .

стр. 160

أَي: فِي اصْطِلَاح فُقَهَاء الشَّرْع. لَهُم فِي تَفْسِيره وَحده عِبَارَات لَا تَخْلُو من إيرادات. أَحدهَا - قَالَه أَكثر أَصْحَابنَا الْمُتَقَدِّمين -: (معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الفرعية بِالْفِعْلِ أَو الْقُوَّة الْقَرِيبَة) . نَقله عَنْهُم ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ". وَيرد عَلَيْهِ: كَونهم حكمُوا بِأَنَّهُ معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الفرعية بِالْفِعْلِ، وَهَذَا لَا يقدر عَلَيْهِ بشر، أَو الْقُوَّة، وَهُوَ مُشكل، إِذْ لَا بُد للفقيه / من معرفَة بعض الْأَحْكَام بِالْفِعْلِ، فلعلهم أَرَادوا (أَو) بِمَعْنى (الْوَاو) ، فَيكون معرفَة الْأَحْكَام بَعْضهَا بِالْفِعْلِ وَبَعضهَا بِالْقُوَّةِ، فَيقرب الْأَمر، بل هَذَا هُوَ الْفَقِيه الْمُجْتَهد يعرف بعض الْأَحْكَام بِالْفِعْلِ، وَبَعضهَا بِالْقُوَّةِ، لتهيوئه لَهَا. وَقَالَ أَبُو الْفرج فِي مُقَدّمَة " الْإِيضَاح ": (حَده فِي الشَّرِيعَة: الْعلم بِأَفْعَال الْمُكَلّفين الشَّرْعِيَّة دون الْعَقْلِيَّة من تَحْلِيل أَو تَحْرِيم وحظر إِبَاحَة) .

стр. 161

وَقَالَ ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح ": (حد الْفِقْه: الْعلم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة) . وَقيل: (معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة) انْتهى. وَقَالَ ابْن حمدَان وَغَيره: (معرفَة كثير من الْأَحْكَام عرفا) . فَقَالَ فِي " الْمقنع ": (الْفِقْه شرعا: معرفَة أَحْكَام جمل كَثِيرَة عرفا من مسَائِل الْفُرُوع العلمية من أدلتها الْحَاصِلَة بهَا) ، وَهُوَ حسن. وَمرَاده بالمعرفة: الْفِعْل؛ لِأَن الْفَقِيه لابد لَهُ من معرفَة كثير من الْأَحْكَام بِالْفِعْلِ. وَقَالَ الْمُوفق فِي " الرَّوْضَة ": (الْعلم بِأَحْكَام الْأَفْعَال الشَّرْعِيَّة كالحل وَالْحُرْمَة وَالصِّحَّة وَالْفساد وَنَحْوهَا. قَالَ الطوفي فِي " مُخْتَصره ": (وَأكْثر الْمُتَقَدِّمين قَالُوا: معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الثَّابِتَة لأفعال الْمُكَلّفين، وَقيل النَّاس) . قَالَ فِي " شَرحه ": (لم يقصدوا تَحْرِير الْمُتَأَخِّرين، بل أَرَادوا الْإِشَارَة إِلَى حَقِيقَة الْفِقْه) .

стр. 162

وَيرد عَلَيْهِ أَشْيَاء كَثِيرَة، ومؤاخذات لَا طائل تحتهَا وَلَا فَائِدَة، وتعرف بِالتَّأَمُّلِ. وَقيل: - هَذَا القَوْل الثَّانِي -: إِنَّه نفس الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الفرعية، وَهُوَ أظهر، وَاخْتَارَهُ ابْن مُفْلِح، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، والعسقلاني شَارِح " الطوفي "، وَجمع كثير، لَا مَعْرفَتهَا وَلَا الْعلم بهَا، إِذْ الْعلم أَو الْمعرفَة بالفقه غير الْفِقْه، فَلَا يكون دَاخِلا فِي مَا هيته، وَمَا لَيْسَ دَاخِلا فِي الْمَاهِيّة لَا يكون جِنْسا فِي حَده، وَيَأْتِي لذَلِك مزِيد بَيَان / فِي حد أصُول الْفِقْه لقباً. وَقيل - هَذَا القَوْل الثَّالِث -: إِنَّه الْعلم بهَا عَن أدلتها التفصيلية بالاستدلال. اخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب، والبيضاوي والطوفي فِي " مُخْتَصره "، وَغَيرهم. فبعضهم قَالَ: الْعلم، وَبَعْضهمْ قَالَ: الْمعرفَة.

стр. 163

وعَلى هَذَا الْحَد - أَيْضا - إيرادات ومؤاخذات كَثِيرَة، وأجوبة عَن ذَلِك، ذكروها فِي الشُّرُوح والمتون - أَيْضا - يطول الْكتاب بذكرها. وَهَذَا الْحَد مُوَافق لقَوْل أَصْحَابنَا: (معرفَة الْأَحْكَام لَا نفس الْأَحْكَام) ، وَيَأْتِي مَأْخَذ الْخلاف فِي حد أصُول الْفِقْه لقباً؛ فَإِن الْخلاف هُنَا كالخلاف هُنَاكَ عِنْد [كثير] مِنْهُم. فَائِدَة: عدي الْعلم بِالْبَاء، وَالْعلم يتَعَدَّى بِنَفسِهِ، فَلَا بُد من تَأْوِيل، وَلَهُم فِي تَأْوِيله وَجْهَان أَو ثَلَاثَة: أَحدهَا: تضمن الْعلم معنى الْإِحَاطَة بِالْأَحْكَامِ، والإحاطة تتعدى بِالْبَاء. الثَّانِي: تكون مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره: الْعلم الْمُتَعَلّق بِالْأَحْكَامِ، فَتكون الْبَاء مُتَعَلقَة بِصفة الْعلم وَهُوَ: الْمُتَعَلّق. لَكِن قد جَاءَت الْبَاء فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يعلم بِأَن الله يرى﴾ [العلق: ١٤] ، فَيحْتَمل زيادتها، وَيحْتَمل أَن يكون (علم) متضمناً معنى (أحَاط) . فدخول الْبَاء فِي قَوْله: (الْعلم بِالْأَحْكَامِ) أما على طَرِيق التَّضْمِين فِي الْفِعْل فَظَاهر، وَأما على طَرِيق الزِّيَادَة فِي الْفِعْل؛ فَلِأَن الْمصدر الْمَعْرُوف بِالْألف وَاللَّام ضَعِيف الْعَمَل جدا، وَإِذا ضعف تقوى بالحرف، وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن كُنْتُم للرءيا تعبرون﴾ [يُوسُف: ٤٣] ، ﴿ومصدقاً لما بَين يَدَيْهِ﴾ [الْمَائِدَة: ٤٦] ، وعَلى كل تَقْدِير: هِيَ مُتَعَلقَة بِالْعلمِ، وَأما تَقْدِير مَحْذُوف

стр. 164

كَقَوْلِنَا: الْعلم الْمُتَعَلّق بِالْأَحْكَامِ، فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ، إِلَّا إِذا فسرنا الْعلم بالصناعة فَيظْهر تَقْدِيره. انْتهى. فَائِدَة: الحكم الفرعي: مَا لَا يتَعَلَّق بالْخَطَأ فِي اعْتِقَاد مُقْتَضَاهُ وَالْعلم بِهِ قدح فِي الدّين وَلَا وَعِيد فِي الْآخِرَة، كالنية فِي الْوضُوء، وَالنِّكَاح / بِلَا ولي. قَوْله: ﴿والفقيه: من عرف جملَة غالبة مِنْهَا كَذَلِك، وأبدل الْمجد وَابْن حمدَان غالبة بكثيرة﴾ . هَذَا تَعْرِيف الْفَقِيه، لما ذكرنَا حد الْفِقْه، أردنَا أَن نَعْرِف الْفَقِيه. وَقَوله كَذَلِك. أَي: يعرفهَا عَن أدلتها التفصيلية بالاستدلال، فَلَا يكون فَقِيها حَتَّى يعرفهَا على هَذِه الصّفة وَإِلَّا لَكَانَ مُقَلدًا. وأبدل الْمجد وَابْن حمدَان غالبة بكثيرة. فَقَالَ الْمجد فِي " المسودة ": (الْفَقِيه حَقِيقَة: من لَهُ أَهْلِيَّة تَامَّة يعرف الحكم بهَا إِذا شَاءَ، مَعَ مَعْرفَته جملا كَثِيرَة من الْأَحْكَام الفروعية وحضورها عِنْده بأدلتها الْخَاصَّة والعامة) انْتهى. وَقَالَ فِي " الْمقنع ": (الْفِقْه شرعا: معرفَة أَحْكَام جمل كَثِيرَة عرفا من مسَائِل الْفُرُوع العلمية بأدلتها الْحَاصِلَة بهَا) .

стр. 165

فالفقيه حَقِيقَة من عرفهما معرفَة، وَيُمكن من معرفتهما معرفَة غَيرهمَا بطريقه) انْتهى. فَكَلَام الْمجد وَابْن حمدَان وَكَلَام غَيرهمَا مُتَقَارب، لَكِن ظَاهر قَوْلهم: جملَة غالبة، الْغَالِبَة لابد وَأَن تكون فَوق النّصْف، حَتَّى تكون غالبة على مَا يقابلها، بِخِلَاف الْكَثِيرَة؛ فَإِنَّهَا تطلق حَيْثُ وجدت الْكَثْرَة. وَحَيْثُ حملنَا الْعبارَة الأولى على أَكثر من النّصْف فيشكل؛ لِأَن الْفِقْه جَمِيعه لَا يُحِيط بِهِ بشر، فَكيف يعرف من ذَلِك النّصْف أَو أَكثر مِنْهُ، فَيبقى فِي الْعبارَة شَيْء. وَإِن حملناها على أَكْثَره سهل الْأَمر، فَيكون المُرَاد: كَثِيرَة غالبة، فَهِيَ أخص من الْكَثْرَة الْمُطلقَة، وَيَأْتِي فِي تَعْرِيف الْمُجْتَهد: أَنه لَا يشْتَرط فِيهِ معرفَة أَكثر الْفِقْه فِي الْأَشْهر، والمجتهد هُوَ الْفَقِيه. فعلى هَذَا يكون قَوْلهمَا: كَثِيرَة، أولى من قَول من قَالَ: غالبة، إِذا فسرناها بِأَكْثَرَ من النّصْف، وَهُوَ كَذَلِك. إِذا علم ذَلِك؛ فَلَا يُطلق الْفَقِيه على مُحدث وَلَا مُفَسّر وَلَا مُتَكَلم

стр. 166

وَلَا نحوي وَنَحْوهم، / قَالَه الشَّيْخ الْمُوفق وَغَيره، وَهُوَ وَاضح قَوْله: ﴿فَخرج بالأدلة: علم الله وَرُسُله غير الْمُجْتَهد فِيهِ﴾ . أردْت أَن أنبه هُنَا على بعض نكيتات فِي قيود حد ابْن الْحَاجِب وَغَيره مِمَّا ذَكرْنَاهُ فِي الْمَتْن. فَخرج بقوله: الْعلم بِالْأَحْكَامِ: الْعلم بالذوات وَالصِّفَات وَالْأَفْعَال. قَالَ الْعلمَاء: (لَا بُد للْعلم من مَعْلُوم، وَذَلِكَ الْمَعْلُوم إِن لم يكن مُحْتَاجا إِلَى مَحل يقوم بِهِ فَهُوَ الْجَوْهَر كالجسم، وَإِن احْتَاجَ؛ فَإِن كَانَ سَببا بَين الْأَفْعَال والذوات فَهُوَ الحكم، وَإِلَّا فَهُوَ الصّفة كالحمرة والسواد) . وَخرج بقوله: عَن أدلتها: علم الله [وَرُسُله] من الْآدَمِيّين، فِيمَا لَيْسَ من اجتهادهم، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَن دَلِيل بل هُوَ [متلقى] عَن جِبْرَائِيل، وَمَا كَانَ من اجتهادهم فَهُوَ عَن دَلِيل. وَقد صرح بِهَذَا الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته، وَغَيره، وَهُوَ وَاضح.

стр. 167

وَالصَّحِيح جَوَاز اجتهادهم ووقوعه مِنْهُم، على مَا يَأْتِي بَيَانه فِي أَحْكَام الْمُجْتَهد. وَخرج - أَيْضا - مَا علم من الدّين بِالضَّرُورَةِ، كإيجاب الصَّلَوَات الْخمس وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج، وَتَحْرِيم الزِّنَا والربا وَالسَّرِقَة وَنَحْوهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْفِقْه، لكَونه مستخرجاً من دَلِيل تفصيلي، وَالْعلم بِهَذِهِ الْأَشْيَاء لَا يُسمى فقهاً فِي الِاصْطِلَاح، وَإِن سمي فروعاً بِالنِّسْبَةِ إِلَى أصُول الدّين، كَمَا يُقَال فِي تَكْلِيف الْكَافِر بالفروع، مُرَادهم بذلك الصَّلَاة وَنَحْوهَا. ﴿وَقيل: علم الله عَنْهَا﴾ . أَي: قيل: إِن علم الله عَن الْأَدِلَّة، ذكره ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله "؛ لِأَن الْعلم بِالْعِلَّةِ وَهُوَ الدَّلِيل، لَازم للْعلم بالمعلول وَهُوَ الحكم.

стр. 168

قَالَ الاصفهاني فِي " شرح الْمُخْتَصر ": وَمَا قيل: (إِن علم الله بِالْأَحْكَامِ عَن الْأَدِلَّة التفصيلية؛ لِأَن الْعلم بِالْعِلَّةِ مُسْتَلْزم للعلوم بالمعلول، فَبَاطِل؛ لِأَن الْأَدِلَّة لَا تكون عِلّة للْأَحْكَام، بل تكون إمارات) انْتهى. فَدلَّ أَنه قد قيل، وَلِهَذَا رده. / ﴿وَقيل: الاستدلالي﴾ . أَي: وَقيل: خرج علم الله وَرُسُله بالإستدلال لَا بالأدلة؛ لِأَن علمهمْ غير حَاصِل بالاستدلال؛ لِأَن علم الله ذاتي عَام التَّعَلُّق بالأشياء مُخَالف لعلومنا الضرورية والنظرية، وَعلم جِبْرَائِيل وَحي يتلَقَّى من الْبَارِي تَعَالَى، وَعلم مُحَمَّد ﷺ َ - يتلَقَّى من جِبْرَائِيل، فَلَا حَاجَة فِيهِ إِلَى الِاسْتِدْلَال. ﴿وَقيل: بالاستدلالي﴾ . أَي: أَن علمهمْ استدلالي. قَالَ بعض الْأُصُولِيِّينَ: (علمهمْ استدلالي؛ لِأَنَّهُ يعلمُونَ الشَّيْء على حَقِيقَته، أَي: على مَا هُوَ بِهِ، وحقائق الْأَحْكَام تَابِعَة لأدلتها وعللها، فَكَمَا يعلمُونَ حَقِيقَة الحكم يعلمُونَ كَونه تَابعا لدليله وعلته، وَأَنَّهَا كَذَا، فَكَمَا يعلم سُبْحَانَهُ تَحْرِيم الْخمر يعلم أَن عِلّة التَّحْرِيم الْإِسْكَار مثلا، وكمل يعلم ﷺ َ - طَهَارَة الهر يعلم أَن علتها الطوف) . ورده الطوفي ثمَّ قَالَ: (وَالتَّحْقِيق: أَن علم الله تَعَالَى لَيْسَ عَن

стр. 169

اسْتِدْلَال، وَعلم رسله عَن اسْتِدْلَال، غير أَن الِاسْتِدْلَال فِي علمهمْ بِالْأَحْكَامِ أظهر مِنْهُ فِي غَيرهم، لقلَّة مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ من الْمُقدمَات) . قَوْله ﴿و [خرج] بالأدلة التفصيلية: الْأَدِلَّة الإجمالية، كعلم الْخلاف﴾ . وَهُوَ مَا يسْتَعْمل فِي فن الْخلاف، نَحْو: ثَبت الحكم بالمقتضى، وانتفى [بِوُجُود النَّافِي] ، فَإِن هَذِه قَوَاعِد كُلية إجمالية تسْتَعْمل فِي غَالب الْأَحْكَام. إِذْ يُقَال مثلا: وجود النِّيَّة فِي الطَّهَارَة حكم ثَبت بالمقتضي، وَهُوَ تَمْيِيز الْعِبَادَة عَن الْعَادة. وَيَقُول الْحَنَفِيّ: عدم وُجُوبهَا والاقتصار على مسنونيتها حكم ثَبت بالمقتضي، وَهُوَ أَن الْوضُوء مِفْتَاح الصَّلَاة، وَذَلِكَ مُتَحَقق بِدُونِ النِّيَّة.

стр. 170

وَيُقَال - أَيْضا -: سُقُوط الْقصاص عَن الْمُسلم الْقَاتِل للذِّمِّيّ حكم ثَبت لوُجُود مقتضيه، وَهُوَ شرف الْإِسْلَام وصيانته أَن يَجْعَل الْكَافِر كفوا لَهُ. وَيُقَال: قتل الْمُسلم بالذمي حكم انْتَفَى بِوُجُود نافيه، وَهُوَ تحقق التَّفَاوُت بَينهمَا، أَو بِانْتِفَاء شَرطه، وَهُوَ الْمُكَافَأَة. وَيَقُول الْحَنَفِيّ: هُوَ حكم ثَبت بِوُجُود مقتضيه، / وَهُوَ عصمَة الْإِسْلَام المستفادة من قَوْله ﷺ َ -: " إِذا أَدّوا الْجِزْيَة فَلهم مَا لنا وَعَلَيْهِم مَا علينا ".

стр. 171

وغالب مسَائِل الْفُرُوع يُمكن إِثْبَاتهَا بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ وَنَحْوهمَا، فَهِيَ أَدِلَّة إجمالية بِالنِّسْبَةِ إِلَى كل مَسْأَلَة. وَاعْلَم أَن الْمَطْلُوب: إِمَّا إِثْبَات الحكم فَهُوَ بِالدَّلِيلِ الْمُثبت، أَو نَفْيه فَهُوَ بِالدَّلِيلِ النَّافِي، أَو بِانْتِفَاء الدَّلِيل الْمُثبت، أَو بِوُجُود الْمَانِع، أَو بِانْتِفَاء الشَّرْط فَهَذِهِ أَربع قَوَاعِد ضابطة لمجاري الْكَلَام على تعدد جريانها وَكَثْرَة مسائلها. قَوْله: ﴿والمقلد فِي الْأَصَح﴾ . اخْتلف الشُّرَّاح: بِمَا خرج الْمُقَلّد من حد الْفِقْه. فَقيل - وَهُوَ الْأَصَح -: إِنَّه خرج بِقَيْد الْأَدِلَّة التفصيلية؛ لِأَن مَعْرفَته لبَعض الْأَحْكَام لَيست على دَلِيل أصلا لَا إجمالي وَلَا تفصيلي، فَلَا يكون علمه فقهاً وَلَا هُوَ فَقِيه؛ لِأَن شَرط الْفَقِيه: أَن يكون علمه عَن دَلِيل تفصيلي، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِك. وَقيل: خرج بِقَيْد الِاسْتِدْلَال؛ لِأَنَّهُ يعلم بعض الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَمَعَ ذَلِك لَا يُسمى علمه فقهاً؛ لِأَن عمله بهَا بِالْعقلِ الْمُجَرّد لَا عَن نظر واستدلال. قَوْله: ﴿فأصول الْفِقْه علما﴾ .

стр. 172

مَا مضى من الْكَلَام كَانَ على معرفَة أصُول الْفِقْه من حَيْثُ التَّفْصِيل، فتكلمنا على الأَصْل لُغَة وَاصْطِلَاحا وعَلى الْفِقْه لُغَة وَاصْطِلَاحا، وَذكرنَا فِي ضمن ذَلِك: من الْفَقِيه؟ وَالْكَلَام الْآن على أصُول الْفِقْه من حَيْثُ كَونهَا قد صَارَت علما، أَي: لقباً على هَذَا الْعلم. وَلَهُم فِي تَعْرِيفه عِبَارَات مُخْتَلفَة. أَحدهَا مَا قَالَه ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " والعسقلاني شَارِح " الطوفي "، وَجمع كثير: هُوَ ﴿الْقَوَاعِد الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى استنباط الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة الفرعية﴾ . قَالَ ابْن حمدَان فِي " مقنعه ": (هِيَ أدلته الْكُلية الَّتِي تفيده بِالنّظرِ على وَجه كلي) انْتهى. فَجعلُوا أصُول الْفِقْه: هِيَ الْقَوَاعِد نَفسهَا، لَا الْعلم بهَا. قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى وَأَصْحَابه: (أصُول الْفِقْه مَا تبنى عَلَيْهِ مسَائِل الْفِقْه / وَتعلم أَحْكَامهَا بِهِ) . قَالَ ابْن مُفْلِح - بعد كَلَام القَاضِي وَأَصْحَابه: فَهِيَ الْقَوَاعِد ... إِلَى آخِره قَالَ -: (وَزِيَادَة " عَن " أَو " من أدلتها التفصيلية " ضائع، لِأَن المُرَاد

стр. 173

بِالْأَحْكَامِ: " الْفِقْهِيَّة "، وَلَا تكون إِلَّا كَذَلِك) . إِذا علم ذَلِك؛ فالقواعد: جمع قَاعِدَة، وَهِي هُنَا: عبارَة عَن صور كُلية تنطبق كل وَاحِدَة مِنْهَا على جزئياتها الَّتِي تحتهَا، وَلذَلِك لم يحْتَج إِلَى تقييدها بِالْكُلِّيَّةِ، لِأَنَّهَا لَا تكون إِلَّا كَذَلِك، وَتقدم ذَلِك أَيْضا. وَذَلِكَ كَقَوْلِنَا مثلا: حُقُوق العقد تتَعَلَّق بالموكل دون الْوَكِيل. وَقَوْلنَا: الْحِيَل فِي الشَّرْع بَاطِلَة. فَكل وَاحِدَة من هَاتين القضيتين يعرف بِالنّظرِ فِيهَا قضايا مُتعَدِّدَة كَقَوْلِنَا: عُهْدَة المُشْتَرِي على الْمُوكل، وَلَو حلف لَا يفعل شَيْئا فَوكل فِي

стр. 174

فعله حنث، وَلَو وكل مُسلم ذِمِّيا فِي شِرَاء خمر أَو خِنْزِير لم يَصح، لِأَن أَحْكَام العقد تتَعَلَّق بالموكل. وَقَوْلنَا: لَا يَصح نِكَاح الْمُحَلّل، وَلَا تَخْلِيل الْخمر علاجاً، وَلَا بيع الْعينَة، وَلَا الْحِيلَة على إبِْطَال الشُّفْعَة؛ لِأَن الْحِيَل بَاطِلَة. وَهَكَذَا قَوْلنَا - وَهُوَ المُرَاد هُنَا -: الْأَمر للْوُجُوب، وللفور، وَنَحْوه على مَا تقدم. وَذَلِكَ كُله قَوَاعِد للمسائل الْفِقْهِيَّة. وَقد صنف بعض متأخري أَصْحَابنَا وَغَيره قَوَاعِد فِي أصُول

стр. 175

الْفِقْه، وَبنى عَلَيْهَا مسَائِل فقهية. والتوصل هُوَ: قصد الْوُصُول إِلَى الْمَطْلُوب بِوَاسِطَة، فَهُوَ كالتوسل. وَاحْترز بالتوصيل بهَا إِلَى استنباط الْأَحْكَام: عَن الْقَوَاعِد الَّتِي لَا يتَوَصَّل بهَا إِلَى استنباط شَيْء، كقواعد الْبَيْت، أَو يستنبط مِنْهَا غير الْأَحْكَام من الصَّنَائِع وَالْعلم بالهيئات وَالصِّفَات. وَالْمرَاد بِالْأَحْكَامِ: الْأَحْكَام الْخَمْسَة وَمَا فِي مَعْنَاهَا، فَلذَلِك وصفت بالشرعية؛ لِأَن تِلْكَ الْقَوَاعِد هِيَ الْأَدِلَّة السمعية من الْكتاب وَالسّنة وَمَا يتَوَصَّل بهما، وَالْأَحْكَام المستنبطة من الْأَدِلَّة السمعية لَا تكون إِلَّا شَرْعِيَّة، من حَيْثُ أَن / وجودهَا إِنَّمَا عرف من جِهَة الشَّرْع. وَقيل: يحْتَرز بهَا عَن الاصطلاحية والعقلية، كقواعد علم الْحساب والهندسة. وَاحْترز بالفرعية: عَن الْأَحْكَام الَّتِي تكون من جنس الْأُصُول، كمعرفة وجوب التَّوْحِيد من أمره تَعَالَى لنَبيه ﷺ َ - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ [مُحَمَّد: ١٩] ، وَقيل: ككون الْإِجْمَاع دَلِيلا، وَالْقِيَاس حجَّة، وَمن ثمَّ لَا حَاجَة إِلَى زِيَادَة مَا تقدم.

стр. 176

القَوْل الثَّانِي مَا قَالَه ابْن الْحَاجِب والطوفي وَجمع: أَن أصُول الْفِقْه: (الْعلم بالقواعد الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى استنباط الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الفرعية عَن أدلتها التفصيلية) . ورد: بِأَن أصُول الْفِقْه، الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الفرعية، لَا الْعلم بهَا وَلَا مَعْرفَتهَا؛ إِذْ الْعلم والمعرفة بأصول الْفِقْه غير أصُول الْفِقْه، فَلَا يكون دَاخِلا فِي ماهيتها، وَمَا لَيْسَ دَاخِلا فِي الْمَاهِيّة لَا يكون جِنْسا فِي حَده، كَمَا قُلْنَا فِي حد الْفِقْه، وَلِأَن هَذَا الْحَد، وَهُوَ الْعلم بالقواعد بِعلم أصُول الْفِقْه أشبه مِنْهُ بأصول الْفِقْه، لِأَن أصُول الْفِقْه أدلته، وَالْعلم بالأدلة غير الْأَدِلَّة. وَظهر من هَذَا أَن الأجود أَن يُقَال: أصُول الْفِقْه الْقَوَاعِد ... إِلَى آخِره كَمَا قدمْنَاهُ. قَالَ الْإِسْنَوِيّ: (وَلَو كَانَ هُوَ معرفَة الْأَدِلَّة؛ لَكَانَ يلْزم من فقدان الْعَارِف بأصول الْفِقْه فقدان أصُول الْفِقْه، وَلَيْسَ كَذَلِك) انْتهى.

стр. 177

قلت: هَذِه الْمَسْأَلَة مِمَّا اخْتلف فِيهَا الْعلمَاء، فَذهب القَاضِي أَبُو يعلى - من أَصْحَابنَا - وَأَصْحَابه، وَالْقَاضِي أَبُو بكر بن الباقلاني، وَأَبُو الْمَعَالِي، والرازي، والآمدي، وَابْن حمدَان، وَابْن مُفْلِح، والإسنوي، وَابْن دَقِيق الْعِيد، وَغَيرهم، إِلَى أَن أصُول الْفِقْه: الْقَوَاعِد، وَهُوَ أظهر.

стр. 178

وَذهب ابْن الْحَاجِب، والأرموي، والبيضاوي، والطوفي، وَجمع، إِلَى أَن أصُول الْفِقْه: الْعلم بالقواعد. قَالُوا: كَمَا أَن الْفِقْه متفرع عَن أدلته، هُوَ متفرع عَن الْعلم / بأدلته. قَالَ التَّاج السُّبْكِيّ فِي " شرح منهاج الْبَيْضَاوِيّ ": (هَذِه الْأَدِلَّة الْكُلية لَهَا حقائق فِي [أَنْفسهَا] من حَيْثُ دلالتها وَتعلق الْعلم بهَا، فَهَل وضع أصُول الْفِقْه لتِلْك الْحَقَائِق فِي [أَنْفسهَا] أَو [للْعلم] بهَا؟ [قَولَانِ] ، وَلكُل مِنْهُمَا وَجه، فَإِن الْفِقْه كَمَا يتَوَقَّف على الْأَدِلَّة يتَوَقَّف على الْعلم بهَا.

стр. 179

قَالَ: وَقد يرجح مَا قَالَه الْبَيْضَاوِيّ؛ بِأَن الْعلم بالأدلة [يُوصل إِلَى الْمَدْلُول، والأدلة] لَا توصل إِلَى الْمَدْلُول إِلَّا بِوَاسِطَة الْعلم بهَا؛ لِأَن الْفِقْه علم. لَكِن أهل الْعرف يسمون الْمَعْلُوم أصولاً، ويسمون الْمَعْلُوم فقهاً، وَتقول: هَذَا كتاب أصُول، وَكتاب فقه، وَالْأولَى: جعل الْأُصُول [للأدلة] ، وَالْفِقْه للْعلم؛ لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الِاسْتِعْمَال اللّغَوِيّ) انْتهى. قلت: وَهَذَا التَّعْرِيف قَالَه جمع من الْعلمَاء، وَهُوَ أَن الْفِقْه: الْعلم بِالْأَحْكَامِ، وأصول الْفِقْه: الْقَوَاعِد، لَا الْعلم بهَا، وَهُوَ الَّذِي قدمْنَاهُ، وَالله أعلم. القَوْل الثَّالِث قَالَه الأرموي، والبيضاوي، وَغَيرهمَا، وَهُوَ قَوْلنَا: ﴿وَقيل: معرفَة [دَلَائِل الْفِقْه] إِجْمَالا، وَكَيْفِيَّة الاستفادة مِنْهَا، وَحَال المستفيد﴾ . وكل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة وَهِي: معرفَة الْأَدِلَّة، وَمَعْرِفَة كَيْفيَّة الاستفادة، وَمَعْرِفَة حَال المستفيد، من أصُول الْفِقْه.

стр. 180

فأصول الْفِقْه عِنْد هَؤُلَاءِ: معرفَة هَذِه الثَّلَاثَة. فمعرفة دلائله إِجْمَالا، وَاضح، ويحترز بِهِ عَن ثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا: عَن غير الْأَدِلَّة، كمعرفة الْفِقْه وَنَحْوه. وَالثَّانِي: عَن معرفَة أَدِلَّة غير الْفِقْه، كأدلة النَّحْو وَالْكَلَام. وَالثَّالِث: عَن معرفَة بعض أَدِلَّة الْفِقْه، كباب وَاحِد من أصُول الْفِقْه، فَإِنَّهُ جُزْء من أصُول الْفِقْه، فَلَا يكون أصُول الْفِقْه، وَلَا يُسمى الْعَارِف بِهِ أصولياً؛ لِأَن بعض الشَّيْء لَا يكون نفس الشَّيْء. لَكِن جمع فِي " الْمِنْهَاج " وَغَيره، الدَّلِيل على دَلَائِل، وَهَذَا لَا يعرف. قَالَ ابْن مَالك فِي " شرح الكافية ": (لم يَأْتِ " فعائل " جمعا لاسم جنس على وزن " فعيل " - فِيمَا أعلم - لكنه بِمُقْتَضى الْقيَاس جَائِز / فِي الْعلم الْمُؤَنَّث، ك " سعائد " جمع " سعيد " اسْم امْرَأَة) . وَقَوْلهمْ: (وَكَيْفِيَّة الاستفادة مِنْهَا) مجرور بالْعَطْف على دَلَائِل. أَي: معرفَة دَلَائِل الْفِقْه، وَمَعْرِفَة كَيْفيَّة الاستفادة من تِلْكَ الدَّلَائِل،
следующие страницы →