← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6336

التحبير شرح التحرير

المرداوي

Полный текст (4 267 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الْأَحْكَام من خطاب الْوَضع لَا من خطاب التَّكْلِيف، فَلَا مدْخل لهَذِهِ الْمَسْأَلَة فِيمَا تقدم حَتَّى تخرج، بل هم أولى من الصَّبِي وَالْمَجْنُون فِي الضَّمَان بِالْإِتْلَافِ وَالْجِنَايَة. وَلَا بُد من وجود الشُّرُوط فِي معاملاتهم، وَانْتِفَاء الْمَوَانِع، وَالْحكم بِصِحَّتِهَا وفسادها، وترتب آثَار كل عَلَيْهِ، من بيع وَنِكَاح وَطَلَاق وَغَيرهَا. وَيشْهد لذَلِك: أَن أَبَا حنيفَة قَالَ بِصِحَّة أنكحتهم مَعَ قَوْله بِعَدَمِ تكليفهم بالفروع. وَمحل ذَلِك فِي الْكَافِر الْمُلْتَزم، فَأَما الْحَرْبِيّ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الْإِتْلَاف وَالْجِنَايَة وَغَيرهمَا، وَلذَلِك قُلْنَا فِي الْمَتْن: (ملتزمهم) . قَالَ الكوراني فِي " شرح جمع الْجَوَامِع " عَن كَلَام السُّبْكِيّ: (هَذَا كَلَام لَا طائل تَحْتَهُ، وَذَلِكَ لِأَن مَحل النزاع: أَن مَاله شَرط شَرْعِي، هَل يجوز التَّكْلِيف بِهِ قبل وجود الشَّرْط أم لَا؟ وَمَا لَا خطاب تَكْلِيف فِيهِ لَا صَرِيحًا وَلَا ضمنا فَهُوَ خَارج عَن الْبَحْث، ثمَّ مَسْأَلَة تَكْلِيف الْكَافِر بالفروع من جزئيات تِلْكَ الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة، [فِيمَا] كَانَ لَهُ شَرط شَرْعِي: كالإيمان، وَالطَّهَارَة، وَستر الْعَوْرَة للصَّلَاة، وَأما مَا لَا شَرط لَهُ شَرْعِي يتَوَقَّف عَلَيْهِ

стр. 1157

كالإتلاف، وَالْجِنَايَة، وترتب آثَار الْعُقُود، فَلَا وَجه للْخلاف فِيهِ، وَالْحَاصِل: أَن مَا ذكره خَارج عَن مَحل النزاع) انْتهى. وَهُوَ كَمَا قَالَ: قَوْله: ﴿تَنْبِيه: [فَائِدَة هَذِه الْمَسْأَلَة] : عِنْد أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر فِي الْآخِرَة، بِكَثْرَة الْعقَاب﴾ فِي الْآخِرَة. قَالَ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد ": (حسب) يَعْنِي: لَا غير ذَلِك. وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (هُوَ قَول الْجُمْهُور بِنَاء على كَثْرَة الْعقَاب وَخِفته، فَإِنَّهُ إِذا قيل: يخاطبون، وفعلوا تِلْكَ الْأَفْعَال، قد يكون سَببا لتخفيف الْعقَاب، وَإِن كَانَ مُؤْذِيًا. ثمَّ قَالَ: قلت: ﴿ [ذكر أَبُو بكر غُلَام الْخلال - من أَصْحَابنَا - وَجْهَيْن] ﴾ فِي عمل الْكَافِر، ﴿هَل يجازى [بِهِ] فِي دُنْيَاهُ، أَو يُخَفف عَنهُ فِي عقباه﴾ ) انْتهى.

стр. 1158

وَقَالَ ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح ": (إِذا علم أَنه مُكَلّف كَانَ أدعى لَهُ إِلَى الاستجابة، وَينْتَفع بِهِ إِذا آمن) . ﴿وَقَالَ ابْن الصَّيْرَفِي [الْحَرَّانِي] ﴾ - من أَصْحَابنَا -: ﴿ [يتَفَرَّع عَنهُ مسَائِل] ﴾ مِنْهَا: ظِهَار الذِّمِّيّ يَصح عندنَا، لَا عِنْدهم:

стр. 1159

لتعقبه كَفَّارَة لَيْسَ من أَهلهَا. وَمِنْهَا: أَن الْكفَّار لَا يملكُونَ أَمْوَالنَا بِالِاسْتِيلَاءِ فِي صَحِيح الْمَذْهَب، لحُرْمَة التَّنَاوُل، وَعِنْدهم: يملكونها؛ لِأَن حُرْمَة التَّنَاوُل من فروع الْإِسْلَام. وَمِنْهَا: وجوب الصَّلَاة على الْمُرْتَد، يَعْنِي: الْقَضَاء. وَاخْتَارَهُ فِي الْمَسْأَلَة الْوُسْطَى الطوفي. قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَهُوَ مُتَوَجّه، لكنه لَيْسَ بِصَحِيح الْمَذْهَب) . وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (وَقيل: يظْهر أثر ذَلِك فِي الدُّنْيَا من وُجُوه: أَحدهَا: قد يكون سَببا لإسلامه.

стр. 1160

وَالثَّانِي: وُقُوع الْإِسْلَام فِي صَدره، إِذا علم غفران مَا أوقعه من الْفساد بِإِسْلَامِهِ. وَالثَّالِث: إِقَامَة الْحُدُود عَلَيْهِم، كَمَا هُوَ مَذْهَب أَحْمد، وَالشَّافِعِيّ. وَالرَّابِع: اسْتِحْبَاب قَضَاء الصَّوْم إِذا أسلم فِي أثْنَاء الشَّهْر، مُلَاحظَة لعدم الْخطاب. وَالْخَامِس: اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي الْكَافِر إِذا طلق أَو أعتق، هَل يلْزمه ذَلِك أم لَا؟ وَالسَّادِس: الْوَقْف وَالصَّدَََقَة، إِذا باعوها بعد صُدُور أَسبَابهَا [لَا نمنعهم] من ذَلِك على القَوْل بِعَدَمِ الْخطاب) انْتهى. وَقَالَ الْقَرَافِيّ فِي " شرح التَّنْقِيح ": (من فوائدها: تيسير الْإِسْلَام عَلَيْهِ، وَالتَّرْغِيب فِيهِ، وَالْحكم بتَخْفِيف الْعَذَاب عَنهُ بِفعل الْخَيْر وَترك الشرور، إِذا علم أَنه مُخَاطب بهَا ويفعلها) .

стр. 1161

وأحال على فَوَائِد أخر، ذكرهَا فِي " شرح الْمَحْصُول ". وَقَالَ أَبُو الْخطاب فِي " الِانْتِصَار " - فِيمَن أسلم على أَكثر من [عشر] نسْوَة -: (قَول الْحَنَفِيَّة: النَّهْي عَن الْجمع قَائِم فِي حَال الشّرك، لَا يَصح، لِأَن عِنْدهم الْكفَّار غير مخاطبين، وَهُوَ رِوَايَة لنا) انْتهى.

стр. 1162

(قَوْله: ﴿فصل﴾ ) ﴿لَا تَكْلِيف إِلَّا بِفعل، ومتعلقه فِي النَّهْي: كف النَّفس، عِنْد الْأَكْثَر﴾ . وَهُوَ الْأَصَح عِنْد الْفُقَهَاء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم. إِذا كلف بِغَيْر نهي، كالأمر، كَانَ مُكَلّفا بِفعل [بِلَا] نزاع بَين الْعلمَاء، وَإِنَّمَا تَرَكُوهُ لوضوحه، وَعدم الْخلاف فِيهِ، لِأَن مُقْتَضَاهُ: إِيجَاد فعل مَأْمُور بِهِ: كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْم، وَنَحْوهمَا. وَذكروا مَا هُوَ مَحل الْخلاف، وَهُوَ النَّهْي، فمتعلقه فِيهِ: كف النَّفس، كَالْكَفِّ عَن الزِّنَا وَنَحْوه.

стр. 1163

﴿وَقيل: ضد الْمنْهِي عَنهُ﴾ - وَنسب إِلَى الْجُمْهُور - أَي ضد من أضداده كَانَ، إِذْ بتلبسه بضده يكون تَارِكًا لَهُ، فَإِذا قَالَ: لَا تتحرك، فَمَعْنَاه: افْعَل مَا يضاد الْحَرَكَة. وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ، والبيضاوي. لَكِن قَالَ الكوراني: (هَذَا عين الأول، إِذْ كف النَّفس من جزئيات فعل الضِّدّ) ، وَهُوَ كَذَلِك. قَالَ فِي " الرَّوْضَة ": (وَقيل: لَا يَقْتَضِي الْكَفّ، إِلَّا أَن يتلبس بضده فيثاب عَلَيْهِ، لَا على التّرْك) . قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَذكره بعض أَصْحَابنَا: قَول الْأَشْعَرِيّ، والقدرية، وَابْن أبي الْفرج الْمَقْدِسِي، وَغَيرهم.

стр. 1164

قَالُوا فِي مَسْأَلَة الْإِيمَان: التّرْك فِي الْحَقِيقَة فعل، لِأَنَّهُ ضد الْحَال الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا) . ﴿وَقيل: [يشْتَرط] قصد التّرْك﴾ ، أَي: يشْتَرط للكف قصد التّرْك، حَتَّى يَأْثَم إِذا لم يقْصد [التّرْك، نَقله] فِي " المسودة ". قَالَ الكوراني: (هَذَا القَوْل خَارج عَن مَحل النزاع؛ لِأَن الْكَلَام فِي مُتَعَلق النَّهْي، وماذا يصلح لَهُ عقلا، وَأما مُقَارنَة الْقَصْد؛ فَإِنَّمَا يعْتد بِهِ لتَحْصِيل الثَّوَاب، فَلَا وَجه لإيراده فِي معرض تَقْسِيم الْمذَاهب، وَلذَلِك ترى الْمُحَقِّقين لم يذكرُوا ذَلِك) انْتهى. قلت: كَأَن النَّاقِل لذَلِك، وَالْقَائِل بِهِ، يلمح أَنا إِذا قُلْنَا: إِنَّه كف النَّفس، هَل يشْتَرط فِي الْكَفّ قصد التّرْك أم لَا؟ فَقدم أَنه لَا يشْتَرط، وَذكر قولا بالاشتراط، فَهَذَا القَوْل شَرط فِي صِحَة التّرْك مَقْصُودا، من غير مُلَاحظَة ضد، فَهُوَ الْمُكَلف: كَالصَّوْمِ، وَلذَلِك وَجَبت فِيهِ النِّيَّة. وَإِن الملاحظ إِيقَاع الضِّدّ فَهُوَ الْمُكَلف بِهِ: كَالزِّنَا وَالشرب. انْتهى.

стр. 1165

﴿وَعَن أبي هَاشم وَجمع﴾ : أَنه ﴿الْعَدَم الْأَصْلِيّ﴾ . وَهُوَ انْتِفَاء الْفِعْل مَعَ قطع النّظر فِي التَّلَبُّس بضده، أَي: عدم الْحَرَكَة فِي مثالنا. لَكِن الْعَدَم لَا يدْخل تَحت الْقُدْرَة، فَإِن أَرَادَ الإعدام، رَجَعَ إِلَى القَوْل الأول. وَقيل: إِن الْوَاجِب فِي المنهيات إِذا ذكرهَا: اعْتِقَاد تَحْرِيمهَا، وَهُوَ على أول الْحَال من الِاعْتِقَاد، ذكره أَبُو بكر الصَّيْرَفِي فِي كِتَابه " الدَّلَائِل والأعلام ". وَجه القَوْل الأول - وَهُوَ الصَّحِيح عِنْدهم -: أَنه لَو كلف بِنَفْي الْفِعْل لَكَانَ مستدعى حُصُوله مِنْهُ، وَلَا يتَصَوَّر، لِأَنَّهُ غير مَقْدُور لَهُ، لِأَنَّهُ نفي مَحْض. ورده أَبُو هَاشم فَقَالَ: بل هُوَ مَقْدُور، وَلِهَذَا يمدح بترك الزِّنَا. وردوه: بِأَن عدم الْفِعْل مُسْتَمر، فَلم تُؤثر الْقُدْرَة فِيهِ. ورده أَبُو هَاشم: بِأَن الْمُقَارن مِنْهُ للقدرة مَقْدُور.

стр. 1166

(قَوْله: ﴿فصل﴾ ) أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر: يَصح [التَّكْلِيف] بِالْفِعْلِ قبل حُدُوثه﴾ . قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (هُوَ قَول عَامَّة أَصْحَابنَا والمتكلمين، خلافًا لشذوذ) . قَالَ الْآمِدِيّ: (اتّفق النَّاس على جَوَاز التَّكْلِيف بِالْفِعْلِ قبل حُدُوثه، سوى شذوذ من أَصْحَابنَا) . قَالَ [الْقَرَافِيّ فِي] هَذِه الْمَسْأَلَة: (أغمض مَسْأَلَة فِي أصُول الْفِقْه،

стр. 1167

مَعَ قلَّة جدواها، وَأَنه لَا يظْهر لَهَا أثر فِي الْفُرُوع. وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: (هِيَ من أشكل مسَائِل أصُول الْفِقْه، لما فِيهَا من اضْطِرَاب الْمَنْقُول، وغموض الْمَعْقُول، وَهِي فِي الْحَقِيقَة دخيلة فِيهِ، وَإِنَّمَا هِيَ من عظائم مسَائِل الْكَلَام، وَهِي قَليلَة الجدوى فِي الْفِقْه) . قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: (الْإِجْمَاع على أَن أَمر الرَّسُول ﷺ َ - يتناولنا، وَهُوَ مقدم، وَهِي أوَامِر فَالْقَوْل بالإعلام بَاطِل، وَلم يفْتَقر إِلَى أَمر آخر) . وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن: (قد قيل: إِن كَانَ لغير غَرَض لم يجز فِي الْمدَّة الطَّوِيلَة) . قَوْله: ﴿حَقِيقَة عِنْد ابْن عقيل، و [الْأَكْثَر] ، [وَإِن كَانَ فِيهِ إِعْلَام] ﴾ . قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب الْمَالِكِي: (الْأَكْثَرُونَ أَنه حَقِيقَة) ، نَقله ابْن قَاضِي الْجَبَل.

стр. 1168

قَالَ فِي " المسودة ": (قَالَ ابْن عقيل: إِذا تقدم الْأَمر على الْفِعْل كَانَ أمرا عندنَا على الْحَقِيقَة أَيْضا، وَإِن كَانَ فِي [طيه] إيذان وإعلام) . ﴿وَقيل: [أَمر إِعْلَام] ﴾ وإيذان، لَا حَقِيقَة، قَالَه جمع مِنْهُم: الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه. وَضَعفه إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَان " بعد أَن نَقله عَن أَصْحَاب الْأَشْعَرِيّ بِمَا مَعْنَاهُ: (أَنه يلْزم تَحْصِيل الْحَاصِل، وَأَنه لَا يرتضيه لنَفسِهِ عَاقل) . وَتقدم كَلَام الْمُحَقِّقين. ﴿وَقيل: عِنْد الْمُبَاشرَة﴾ ، اخْتَارَهُ التَّاج السُّبْكِيّ فِي " جمع الْجَوَامِع ". وَنسب قَائِله إِلَى التَّحْقِيق. قَالَ: (وَإِن الملام قبلهَا على التَّلَبُّس بالكف الْمنْهِي) .

стр. 1169

هَذَا جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر، هَذَا على القَوْل الْأَخير، تَقْدِيره: إِن القَوْل بِهِ يُؤَدِّي إِلَى سلب التكاليف، فَإِنَّهُ [يَقُول] : لَا أفعل حَتَّى أكلف، وَالْفَرْض: أَنه لَا يُكَلف حَتَّى يفعل. وَجَوَابه: إِنَّه قبل الْمُبَاشرَة متلبس بِالتّرْكِ، وَهُوَ فعل، فَإِنَّهُ كف النَّفس عَن الْفِعْل، فقد بَاشر التّرْك، فَتوجه إِلَيْهِ التَّكْلِيف بترك التّرْك حَالَة مُبَاشَرَته للترك، وَذَلِكَ بِالْفِعْلِ، وَصَارَ الملام على ذَلِك. وَهَذَا جَوَاب نَفِيس، أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو الْمَعَالِي فِي مَسْأَلَة تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق. قَالَ الْبرمَاوِيّ: (وَهُوَ عَجِيب، فَإِن النَّهْي عَن الضِّدّ فرع تعلق الْأَمر، فَإِذا لم يتَعَلَّق على قَوْله، فَكيف يلام على التَّلَبُّس بالكف الْمنْهِي) انْتهى. قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل وَغَيره: (اخْتلفُوا فِي جَوَاز تعلق التَّكْلِيف بِهِ فِي أول زمَان حُدُوثه، فَذهب الْأَكْثَر إِلَى جَوَازه، ذكره الْمجد فِي المسودة) . قَالَ ابْن برهَان: (هَذَا مَذْهَبنَا) ، وَهُوَ قَول الْأَشْعَرِيّ وَأَتْبَاعه، خلافًا للمعتزلة، وَوَافَقَهُمْ الرَّازِيّ.

стр. 1170

قَوْله: ﴿وَيسْتَمر حَال حُدُوث الْفِعْل، عِنْد الْأَشْعَرِيّ، وَالْأَكْثَر﴾ ، كَمَا تقدم قبل هَذَا قَرِيبا؛ لِأَن الْفِعْل فِي هَذِه الْحَالة مَقْدُور، وكل مَقْدُور يجوز التَّكْلِيف بِهِ. أما الأولى؛ فَلِأَن الْقُدْرَة، إِمَّا حَال الْفِعْل، أَو قبله مستمرة إِلَى حِين صُدُور الْفِعْل، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، فالقدرة عِنْد الْفِعْل حَاصِلَة، فَيصح بِهِ. وَأما الثَّانِيَة: فَلِأَن الْمَقْدُور يَصح إيجاده، والتكليف إِنَّمَا هُوَ الْأَمر بالإيجاد، والتكليف هُنَا تعلق بِمَجْمُوع الْفِعْل من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع، لَا بِأول جُزْء مِنْهُ، فَلَا يَنْقَطِع التَّكْلِيف إِلَّا بِتمَام الْفِعْل، وَيكون التَّكْلِيف بإيجاد مَا لم يُوجد مِنْهُ، لَا بإيجاد مَا قد وجد، فَلَا تَكْلِيف بإيجاد موجوده فَلَا محَال. ﴿وَقَالَت الْمُعْتَزلَة، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَالْغَزالِيّ، والرازي، والطوفي، وَغَيرهم: يَنْقَطِع﴾ .

стр. 1171

احْتج ابْن عقيل للمعتزلة وَمن تَبِعَهُمْ: (بِأَنَّهُ لَيْسَ بمقدور حَال وجوده، وَحَال حُدُوثه، وَإِلَّا كَانَ مَقْدُورًا حَال بَقَائِهِ، لوُجُوده فِي الْحَالين) . وَأجَاب عَنهُ: (بِأَنَّهُ حَال حُدُوثه مفعول مُتَعَلق بفاعل، بِخِلَاف حَال بَقَائِهِ، وكالإرادة يَصح تعلقهَا بِهِ حَال حُدُوثه لَا بَقَائِهِ عِنْد الْجَمِيع) . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (هَذَا ضَعِيف، بل هُوَ مَقْدُور وَمُرَاد فِي الْحَالين) . وألزم الْآمِدِيّ الْمُعْتَزلَة: (أَن لَا يكون الْفِعْل أول زمن حُدُوثه أثرا لقدرة قديمَة، أَو حَادِثَة، على اخْتِلَاف المذهبين، وَلَا [موجدة] لَهُ، لما فِيهِ من [إِيجَاد] الْمَوْجُود، وجوابهم فِي [إِيجَاد] الْقُدْرَة لَهُ، جَوَابنَا فِي تعلق الْأَمر بِهِ) . قَوْله: ﴿وَلَا يَصح أَمر بموجود، عِنْد أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر﴾ .

стр. 1172

قَالَ الْمجد فِي " المسودة " - وَتَبعهُ ابْن مُفْلِح -: (لَا يَصح الْأَمر بالموجود عِنْد أَصْحَابنَا وَالْجُمْهُور) . وَقَالَ ابْن عقيل: (يَنْبَنِي على أصل - بَان بِهَذَا أَن أَصْحَابنَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ ودانوا بِهِ - هُوَ: أَن الْأَمر [بالمستحيل] لَا يجوز، خلافًا للأشعري) انْتهى. قَالَ الْمجد: (وَأَجَازَهُ بعض الْمُتَكَلِّمين) . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (وَهَذَا القَوْل أَجود) . قَالَ: (وَهَذِه تشبه إِرَادَة الْمَوْجُود ومحبة الْمَوْجُود، وتشبه مَسْأَلَة افتقار الْمَوْجُود إِلَى الْمُؤثر، وَأَن [عِلّة] الافتقار الْإِمْكَان والحدوث) انْتهى. ﴿وَقَالَ ابْن عقيل: (يَصح أَن يقارن الْأَمر الْفِعْل حَال وجوده﴾ ووقوعه من الْمُكَلف، [و] لَيْسَ من شَرط صِحَة الْأَمر [تقدمه] على الْفِعْل، ﴿ [وَبِه قَالَ عَامَّة سلف الْأمة، وَعَامة الْفُقَهَاء] ، خلافًا

стр. 1173

للمعتزلة﴾ ، فعندهم: لَا بُد أَن يتَقَدَّم الْأَمر الْفِعْل، ﴿فبعضهم: جوزه بِوَقْت، وَأَكْثَرهم: بأوقات) ﴾ . وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (اخْتلفت الْمُعْتَزلَة فِي مِقْدَار التَّقَدُّم، بعد اتِّفَاقهم مَعَ الْجُمْهُور على وَقت يحصل للْمَأْمُور بِهِ السماع والفهم، فبعضهم: بأزمنة كَثِيرَة، وَقيل: بِوَقْت وَاحِد) . وَقَالَ الباقلاني: (يجب تقدمه بوقتين، الأول: السماع، وَالثَّانِي: الْفَهم، والتكليف يَقع فِي الثَّالِث) . وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: (اخْتلفُوا فِي مِقْدَار زمن التَّقَدُّم، فَقيل: بِوَقْت وَاحِد، وَالْأَكْثَر: بأوقات. ثمَّ اخْتلفُوا من وَجه آخر، هَل يشْتَرط أَن يكون فِيمَا قبل الْفِعْل بأوقات [لطف] ومصلحة زَائِدَة على التَّبْلِيغ من الْمبلغ وَالْقَبُول من الْمُخَاطب أم لَا؟) .

стр. 1174

وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (الْأَكْثَر قَالَ بأوقات كَثِيرَة، وَبَعْضهمْ: بِوَقْت وَاحِد، وَبَعْضهمْ علق تَقْدِيمه بأوقات على الْمصلحَة، وعلق بَعضهم جَوَاز تقدمه بأوقات: أَن يكون فِي تِلْكَ الْأَوْقَات كلهَا تتكامل شُرُوط التَّكْلِيف من الْعَمَل وَالصِّحَّة والسلامة) انْتهى. تَنْبِيه: هَذِه الْمَسْأَلَة وَالْمَسْأَلَة الَّتِي قبلهَا ذكر ابْن قَاضِي الْجَبَل فِي صفة الْخلاف طَرِيقين فَقَالَ: (يجوز التَّكْلِيف بِالْفِعْلِ قبل حُدُوثه خلافًا لشذوذ، وَيمْتَنع بعد حُدُوثه، وَاخْتلف فِي جَوَاز تعلق التَّكْلِيف بِهِ فِي أول زمَان حُدُوثه، وَقيل: الْخلاف فِي دوَام التَّكْلِيف إِلَى حَال حُدُوثه فَقَط، فيدوم عِنْد الْأَكْثَر، وَعند الْمُعْتَزلَة: يَنْقَطِع تعلق الْأَمر بِالدُّخُولِ فِي الملابسة، لانْتِفَاء الْعَدَم الَّذِي هُوَ زمن التَّعَلُّق، وَعند الْجُمْهُور: يسْتَمر التَّعَلُّق من فرَاغ الملابسة، وَفِي حَال الملابسة، قَولَانِ) . وَذكر قبل ذَلِك: أَن الْأَمر بالموجود بَاطِل، قَالَ: (وَصَححهُ شَيخنَا) . فَذكر الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا ذكر فِي الْمَتْن، وَكَذَلِكَ ذكرهمَا فِي " المسودة ". قَوْله: ﴿تَنْبِيه: يشْتَرط علم الْمُكَلف [بِكَوْنِهِ مَعْلُوم الْحَقِيقَة، ومأمورا بِهِ، و] من الله تَعَالَى، وَلَا يَكْفِي مُجَرّد الْفِعْل﴾ .

стр. 1175

يشْتَرط فِي الْمُكَلف بِهِ: أَن يكون مَعْلُوم الْحَقِيقَة للمكلف، فَيعلم حَقِيقَته، وَإِلَّا لم يتَوَجَّه قَصده إِلَيْهِ، لعدم تصور قصد مَا لَا يعلم حَقِيقَته، وَإِذا لم يتَوَجَّه قَصده إِلَيْهِ لم يَصح وجوده مِنْهُ، لِأَن توجه الْقَصْد إِلَى الْفِعْل من لَوَازِم إيجاده، فَإِذا انْتَفَى اللَّازِم - وَهُوَ الْقَصْد - انْتَفَى الْمَلْزُوم، وَهُوَ الإيجاد. وَمن شَرطه - أَيْضا - أَن يعلم الْمُكَلف أَنه مَأْمُور بِهِ، وَإِلَّا لم يتَصَوَّر مِنْهُ قصد الطَّاعَة والامتثال بِفِعْلِهِ، وَلِهَذَا لَا يَكْفِي مُجَرّد الْفِعْل لقَوْله ﷺ َ -: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ "، وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم: (من منع تَكْلِيف الْمحَال، لم يجوز تَكْلِيف غافل. وَنقض: بِوُجُوب الْمعرفَة. ورد: باستثنائه) . قَالَ: (وَفِيه نظر) .

стр. 1176

٥ - (قَوْله: ﴿فصل﴾ ) ﴿ [الْمَحْكُوم عَلَيْهِ] : [الْآدَمِيّ] ﴾ . تقدم أَحْكَام الْمَحْكُوم بِهِ، وَأَحْكَام الْمَحْكُوم فِيهِ، وَهِي الْأَفْعَال، وَالْكَلَام الْآن على الْمَحْكُوم عَلَيْهِ، وَهُوَ: الْآدَمِيّ.

стр. 1177

﴿ [فَيشْتَرط فِيهِ] : [الْعقل، و] فهم الْخطاب، عِنْد الْعلمَاء﴾ . وَذكره الْآمِدِيّ اتِّفَاق الْعُقَلَاء. فَلَا بُد مِنْهُمَا جَمِيعًا، إِذْ لَا يلْزم من الْعقل الْفَهم، لجَوَاز أَن يكون عَاقِلا لَا يفهم: كَالصَّبِيِّ، وَالنَّاسِي، والسكران، والمغمى عَلَيْهِ، [فَإِنَّهُم] فِي حكم الْعُقَلَاء مُطلقًا، أَو من بعض الْوُجُوه، و [هم لَا يفهمون] ، وَذَلِكَ لِأَن التَّكْلِيف خطاب، وخطاب من لَا عقل لَهُ وَلَا فهم محَال: كالجماد، والبهيمة، وَأَن الْمُكَلف بِهِ مَطْلُوب حُصُوله من الْمُكَلف، طَاعَة وامتثالا، لِأَنَّهُ مَأْمُور، والمأمور يجب أَن يقْصد إِيقَاع الْمَأْمُور بِهِ على سَبِيل الطَّاعَة والامتثال، وَالْقَصْد إِلَى ذَلِك إِنَّمَا يتَصَوَّر بعد الْفَهم، [لِأَن من] لَا يفهم لَا يُقَال لَهُ: افهم، وَلَا يُقَال لمن لَا يسمع: اسْمَع، وَلمن لَا يبصر: أبْصر.

стр. 1178

وَذكر بعض الْعلمَاء: أَن بعض من جوز المستحيل قَالَ بِهِ، لعدم الِابْتِلَاء، وَهُوَ قَول شَاذ، سَاقِط، لَا يعْتد بِهِ وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ. ﴿ [فعولى الأول: لَا] يُكَلف مراهق﴾ على الصَّحِيح من الْمَذْهَب، لِأَنَّهُ لم يكمل فهمه فِيمَا يتَعَلَّق بِالْمَقْصُودِ، فنصب الشَّارِع لَهُ عَلامَة ظَاهِرَة، وَهُوَ الْبلُوغ، فَجعله أَمارَة لظُهُور الْعقل وكماله لقَوْله ﷺ َ -: " رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة: النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ، وَعَن الصَّبِي حَتَّى يكبر "، وَفِي رِوَايَة: " يَحْتَلِم "، وَفِي رِوَايَة: " حَتَّى يبلغ "، " وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يعقل ".

стр. 1179

وَلِأَن غير الْبَالِغ ضَعِيف الْعقل والبنية، وَلَا بُد من ضَابِط يضْبط الْحَد الَّذِي تتكامل فِيهِ بنيته وعقله، فَإِنَّهُ يتزايد تزايدا خَفِي التدريج، فَلَا يعلم بِنَفسِهِ، وَالْبُلُوغ ضَابِط لذَلِك، وَلِهَذَا يتَعَلَّق بِهِ أَكثر الْأَحْكَام، فَكَذَلِك الصَّلَاة. ﴿ [وَعَن الإِمَام أَحْمد رِوَايَة: (يُكَلف الْمُرَاهق] . اخْتَارَهُ ابْن عقيل﴾ فِي " مناظرته "، واختارها أَبُو الْحسن التَّمِيمِي، نَقله عَنهُ ابْن مُفْلِح فِي " فروعه "، لَكِن فِي الصَّلَاة.

стр. 1180

وَعنهُ رِوَايَة ثَالِثَة: (يُكَلف ابْن عشر) أَيْضا. اخْتَارَهُ أَبُو بكر، حَكَاهُ فِي " الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة " عَنهُ، لَكِن فِي الصَّلَاة لَا غير. ﴿وَعنهُ﴾ رِوَايَة رَابِعَة: (يُكَلف ﴿ [مُمَيّز] ) ﴾ أَيْضا. ذكرهَا الْمُوفق وَغَيره، واختارها أَبُو بكر، وَصَاحب " الْإِرْشَاد "، لَكِن فِي الصَّوْم لَا غير. فَأخذ الْأَصْحَاب رِوَايَة تَكْلِيف الْمُرَاهق من قَول الإِمَام أَحْمد فِي ابْن أَربع عشرَة: (إِذا ترك الصَّلَاة قتل) . وَدَلِيل وُجُوبهَا على ابْن عشر قَول النَّبِي ﷺ َ -: " مروا الصَّبِي بِالصَّلَاةِ لسبع سِنِين، واضربوه عَلَيْهَا لعشر، وَفرقُوا بَينهم فِي الْمضَاجِع " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، أَمر بالعقوبة، وَلَا تشرع الْعقُوبَة إِلَّا لترك وَاجِب، لِأَن حد

стр. 1181

الْوَاجِب مَا عُوقِبَ على تَركه، وَالْأول: الصَّحِيح، للْحَدِيث الْمُتَقَدّم، وَالضَّرْب إِنَّمَا هُوَ للتمرين ليعتادها. قَوْله: ﴿وَوُجُوب زَكَاة، وَنَفَقَة، وَضَمان، من ربط الحكم بِالسَّبَبِ﴾ . أَعنِي: على القَوْل الصَّحِيح: أَنه غير مُكَلّف، فوجوب هَذِه الْأَشْيَاء عَلَيْهِ من ربط الْأَحْكَام بالأسباب، لتعلقها بِمَالِه، أَو ذمَّته الإنسانية الَّتِي بهَا يستعد لقُوَّة الْفَهم فِي ثَانِي الْحَال: كَالْمَجْنُونِ، بِخِلَاف الْبَهِيمَة. قَالَ ابْن مُفْلِح - بعد هَذَا -: (وَبِمَا سبق يُجَاب عَن طَلَاقه إِن صَحَّ، وَهُوَ الْأَشْهر عَن أَحْمد وَأكْثر أَصْحَابه) ، وَكَذَلِكَ ظِهَاره، وَذَلِكَ: أَنه من بَاب ربط الْأَحْكَام بالأسباب، وَيكون من خطاب الْوَضع. قَالَ: (وَظهر أَن تَخْرِيج بَعضهم لَهُ على تَكْلِيفه ضَعِيف، وَمثله نَظَائِره) انْتهى.

стр. 1182

وَمرَاده بِالْبَعْضِ: الطوفي فِي " مُخْتَصر الرَّوْضَة "، وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْن مُفْلِح، فَإِن الصَّحِيح: أَنه غير مُكَلّف، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: أَنه يَصح طَلَاقه، فَلَيْسَ بمخرج عَلَيْهِ. قَوْله: ﴿ويكلف سَكرَان يُمَيّز قطعا﴾ . إِن ميز السَّكْرَان بَين الْأَعْيَان، فَحكمه حكم سَائِر الْعُقَلَاء، بِلَا نزاع، لِأَنَّهُ عَاقل يفهم، مُكَلّف كَغَيْرِهِ من الْعُقَلَاء. قَوْله: ﴿وَكَذَا من لَا يُمَيّز عِنْد أَحْمد، [وَأكْثر أَصْحَابه، وَأبي حنيفَة، وَالشَّافِعِيّ] ﴾ . إِذا كَانَ لَا يُمَيّز بَين الْأَعْيَان، أَو يخلط فِي كَلَامه وقراءته، فَهَذَا مَحل الْخلاف، وَسَيَأْتِي تحريره. وَالصَّحِيح من مَذْهَب الإِمَام أَحْمد، وَأكْثر أَصْحَابه، القَاضِي،

стр. 1183

وَغَيره، وَالشَّافِعِيّ، وَالْحَنَفِيَّة: أَنه مُكَلّف. قَالَ ابْن برهَان: (مَذْهَب الْفُقَهَاء قاطبة أَنه مُخَاطب) . وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة عبد الله: (السكر لَيْسَ بمرفوع عَنهُ الْقَلَم) . وَفِي رِوَايَة أبي بكر ابْن هاني: (السَّكْرَان لَيْسَ بمرفوع عَنهُ الْقَلَم، فَيسْقط عَنهُ مَا صنع) . وَفِي رِوَايَة حَنْبَل: (لَيْسَ السَّكْرَان بِمَنْزِلَة الْمَجْنُون الْمَرْفُوع عَنهُ الْقَلَم، هَذَا جِنَايَته من نَفسه) .

стр. 1184

وَحكى الإِمَام أَحْمد عَن الإِمَام الشَّافِعِي أَنه كَانَ يَقُول: (وجدت السَّكْرَان لَيْسَ بمرفوع عَنهُ الْقَلَم) . وَنَصّ عَلَيْهِ فِي " الْأُم " أَيْضا. وَعَن أَحْمد فِي أَقْوَاله وأفعاله رِوَايَات: إِحْدَاهمَا: أَنه كالصاحي، وَهَذَا الصَّحِيح من الْمَذْهَب. وَالثَّانيَِة: أَنه كَالْمَجْنُونِ. وَالثَّالِثَة: كَالْمَجْنُونِ فِي أَقْوَاله، وكالصاحي فِي أَفعاله. وَالرَّابِعَة: فِي الْحُدُود كالصاحي، وَفِي غَيرهَا كَالْمَجْنُونِ. قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة الْمَيْمُونِيّ: (تلْزم الْحُدُود وَلَا تلْزم الْحُقُوق) ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بكر.

стр. 1185

وَالْخَامِسَة: أَنه فِيمَا يسْتَقلّ بِهِ - كقتله، وعتقه، وَنَحْوهمَا - كالصاحي، وَفِيمَا لَا يسْتَقلّ بِهِ - كَبَيْعِهِ، وشرائه، ومعاوضاته - كَالْمَجْنُونِ، حَكَاهَا ابْن حَامِد، وَأَوْمَأَ إِلَيْهَا فِي رِوَايَة البرزاطي، فَقَالَ: (لَا أَقُول فِي طَلَاقه شَيْئا) ، قيل لَهُ: (فبيعه وشراؤه؟) ، فَقَالَ: (أما بَيْعه وشراؤه فَغير جَائِز) . قَالَ الزَّرْكَشِيّ: (قلت: وَنقل عَنهُ ابْن هَانِيء مَا يحْتَمل عكس الرِّوَايَة الْخَامِسَة فَقَالَ: لَا أَقُول فِي طَلَاق السَّكْرَان وعتقه شَيْئا، وَلَكِن بَيْعه وشراؤه جَائِز) .

стр. 1186

وَعنهُ سابعة: لَا تصح ردته فَقَط. أما الْعِبَادَة؛ فيقضيها إِذا أَفَاق، عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم، ﴿وَخَالف﴾ أَبُو ثَوْر، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين. وَقَالَ ﴿ابْن عقيل، والموفق﴾ فِي الرَّوْضَة، ﴿والطوفي، وَأكْثر

стр. 1187

الْمُتَكَلِّمين﴾ : لَيْسَ بمكلف، لعدم تحرزه من المضار وقصده للْفِعْل بلطف ومداراة، بِخِلَاف طِفْل، وَمَجْنُون، وبهيمة، فَهُوَ أولى. وَقَالَ ابْن عقيل: (تحصل الغرامة، وَالْقَضَاء بالغرامات، بِأَمْر مُبْتَدأ) . ورده ابْن مُفْلِح، وَقَالَ: (فَيلْزمهُ لَا غرم لَو لم يعقل) . وَقَالَ فِي " الرَّوْضَة ": (هُوَ غير مُكَلّف) ، وَاخْتلف كَلَامه فِي " الْمُغنِي ". وَخرج بعض أَصْحَابنَا فِي إثمه رِوَايَتَيْنِ. وَجزم الْآمِدِيّ وَغَيره بِعَدَمِ تَكْلِيفه، لِأَن الْإِتْيَان بِالْفِعْلِ الْمعِين، على وَجه الِامْتِثَال، يتَوَقَّف على الْعلم بِالْأَمر بِالْفِعْلِ الْمَأْمُور بِهِ، لِأَن الِامْتِثَال: عبارَة عَن قصد إِيقَاع الْمَأْمُور بِهِ على وَجه الطَّاعَة، وَيلْزم من ذَلِك علم الْمَأْمُور بتوجه الْأَمر نَحوه، وبالفعل، فَهُوَ مُسْتَحِيل عقلا فِيهِ لعدم الْفَهم حَال كَونه كَذَلِك.

стр. 1188

فَائِدَة: فِي حد السَّكْرَان الَّذِي وَقع فِيهِ الْخلاف: قَالَ القَاضِي وَغَيره: (هُوَ الَّذِي يخلط فِي كَلَامه وقراءته، وَيسْقط تَمْيِيزه بَين الْأَعْيَان، وَلَا يشْتَرط فِيهِ أَن يكون بِحَيْثُ لَا يُمَيّز بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، وَبَين الذّكر وَالْأُنْثَى. وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمد فِي رِوَايَة حَنْبَل، قَالَ: (هُوَ إِذا وضع ثِيَابه فِي ثِيَاب غَيره فَلم يعرفهَا، ٤ أَو وضع نَعله فِي نعَالهمْ فَلم يعرفهُ، وَإِذا هذى فَأكْثر كَلَامه، وَكَانَ مَعْرُوفا بِغَيْر ذَلِك) . وَضَبطه بَعضهم: (بِأَنَّهُ الَّذِي يخْتل فِي كَلَامه المنظوم، ويبيح بسره المكتوم) انْتهى. اسْتدلَّ لِلْقَوْلِ الأول: بقوله تَعَالَى: ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى﴾ [النِّسَاء: ٤٣] ، وتأويله بِأَن المُرَاد: مثل: لَا تمت وَأَنت ظَالِم، أَو: مبدأ النشاط والطرب، خلاف الظَّاهِر. قَالَ جمَاعَة: احْتج من قَالَ بتكليف السَّكْرَان بِالْآيَةِ، بِأَن المُرَاد

стр. 1189

الطافح، بِدَلِيل: ﴿حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ﴾ ، فقد وَجه [إِلَيْهِ] النَّهْي فِي حَال سكره. ونوزعوا فِي الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور بِاحْتِمَال أَن يكون ذَلِك من خطاب الْوَضع، بِمَعْنى أَن صلَاته فِي سكره ممتنعة، أَي: بَاطِلَة، أَو أَن المُرَاد النَّهْي عَن السكر عِنْد إِرَادَة الصَّلَاة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٣٢] ، وكما يُقَال: لَا تمت وَأَنْتُم ظَالِم، أَي: لَا تظلم فيؤول بك الْأَمر إِلَى الْمَوْت فِي حَال الظُّلم، وَأَن المُرَاد بالسكر هُنَا: أَن يكون ثملا حَاضر الوعي. وَقد قَالَ ابْن الْحَاجِب وَغَيره: (إِن الْآيَة يجب تَأْوِيلهَا على أحد هذَيْن الْأَمريْنِ، الْأَخيرينِ) . وَلَكِن الْكل سَاقِط أما الأول؛ فَلِأَنَّهُ لَو كَانَ من خطاب الْوَضع لم يَأْثَم، وَالْفَرْض أَنه آثم. وَالثَّانِي، فَمثل ذَلِك مجَاز لَا يعدل إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد تعذر الْحَقِيقَة، أَو قيام دَلِيل على إِرَادَته وَلَا مَانع من الْحَقِيقَة، فَوَجَبَ الْمصير للْحَمْل عَلَيْهَا.

стр. 1190

وَأما الثَّالِث، فَلِأَنَّهُ يلْزم أَن من بِهِ مباديء النشاة وَله تَمْيِيز تحرم عَلَيْهِ الصَّلَاة، وَهُوَ بَاطِل، على أَن لفظ الثمل لَيْسَ هُوَ كَمَا [فهم] من حملهَا على النشوان الَّذِي فِيهِ أَوَائِل الطَّرب، فَإِنَّهُ خلاف قَول أهل اللُّغَة إِن الثمل: هُوَ الطافح، وَلذَلِك جَاءَ فِي حَدِيث حَمْزَة: " فَعرف النَّبِي ﷺ َ - أَنه ثمل ". لَكِن فِي تَكْلِيفه إِشْكَال، من حَيْثُ إِنَّه يلْزم أَن يكون مُكَلّفا بالعبادات كلهَا، وَمِنْهَا الصَّلَاة، ومكلفا بِأَن لَا يُصَلِّي لهَذِهِ الْآيَة، وهما متنافيان. وَيُمكن الْجَواب: بِأَنَّهُ مَنْهِيّ عَن قرْبَان الصَّلَاة وَهُوَ سَكرَان، ثمَّ يزِيل السكر وَيُصلي، كَمَا يُؤمر من هُوَ مُحدث بِإِزَالَة الْحَدث وَيُصلي، مَعَ أَنه مَنْهِيّ عَن الصَّلَاة حَال [حَدثهُ] ، فَهُوَ مَأْمُور مَنْهِيّ باعتبارين، فَإِن كَانَ إِزَالَته

стр. 1191

لَيست مقدورة لَهُ، فَهُوَ معاقب تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، لِأَن التَّفْرِيع على كَونه لَيْسَ عَاقِلا، وَأَنه تعلق بِهِ الْخطاب، غَايَته - هُنَا - أَن يكون مُكَلّفا بِمَا لَا يطيقه، فَهُوَ من جَوَاز التَّكْلِيف بالمحال، وَالله أعلم. وَمِمَّا اسْتدلَّ بِهِ على تَكْلِيفه: أَن النَّص لم يذكرهُ فِي جملَة من رفع عَنهُ الْقَلَم. وَقَالَ عَليّ ﵁: (إِذا سكر هذى، وَإِذا هذى افترى، وعَلى المفتري ثَمَانُون جلدَة) إِسْنَاده جيد، رَوَاهُ مَالك وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَجمع عمر أَصْحَابه ﵃ فاستشارهم، فَقَالَ عَليّ: (إِذا سكر افترى) رَوَاهُ أَحْمد.

стр. 1192

فارغة

стр. 1193

وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل وَغَيره: (وُقُوع طَلَاقه من بَاب ربط الْأَحْكَام بالأسباب) . قَوْله: ﴿كمعذور بِهِ، [أَو مغمى عَلَيْهِ] وآكل بنج، نصا، ونائم، وناس، وَفِي " الْمقنع ": ومخط، فِي الْأَصَح فِيهِنَّ﴾ . ذكرنَا فِي هَذِه الْجُمْلَة مسَائِل لَا يُكَلف صَاحبهَا على الْأَصَح من الْمَذْهَب. إِحْدَاهَا: الْمَعْذُور بالسكر - كالمكره عَلَيْهِ - هَل يُكَلف أم لَا؟ فِيهِ خلاف، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: أَن حكمه حكم الْمغمى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُون فِي تَكْلِيفه وَعَدَمه، على مَا يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ. قَالَ ابْن مُفْلِح: (فَدلَّ: أَن السكر لَا يزِيل الْعقل، لكنه يغطيه: كالنوم وَالْإِغْمَاء، وَقَالَهُ الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم، وَفِي كَلَام أَصْحَابنَا مَا يدل على خلاف ذَلِك) .

стр. 1194

وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى فِي " الْجَامِع الْكَبِير " فِي كتاب الطَّلَاق: (فَأَما إِن أكره على شربهَا، احْتمل أَن يكون حكمه حكم الْمُخْتَار، لما فِيهِ من اللَّذَّة، وَاحْتمل أَن لَا يكون حكمه حكم الْمُخْتَار لسُقُوط المأثم عَنهُ وَالْحَد. قَالَ: وَإِنَّمَا يخرج هَذَا على الرِّوَايَة الَّتِي تَقول: إِن الْإِكْرَاه يُؤثر فِي شربهَا، فَأَما إِن قُلْنَا: إِن الْإِكْرَاه لَا يُؤثر فِي شربهَا فَحكمه حكم الْمُخْتَار) انْتهى. الثَّانِيَة: الْمغمى عَلَيْهِ، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: أَنه غير مُكَلّف حَال إغمائه، بل هُوَ أولى من السَّكْرَان الْمُكْره فِي عدم التَّكْلِيف، وَنَصّ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد. وَقيل: مُكَلّف.

стр. 1195

فالمغمى عَلَيْهِ فرع مُتَرَدّد بَين النَّائِم وَالْمَجْنُون، فبالنظر إِلَى كَون عقله لم يزل، بل ستره الْإِغْمَاء فَهُوَ كالنائم، وَلِهَذَا قيل: بِأَنَّهُ إِذا شم البنج أَفَاق، وبالنظر إِلَى كَونه إِذا نبه لم ينتبه يشبه الْمَجْنُون، وَلِهَذَا اخْتلف فِي الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِهِ، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: أَنه مُلْحق فِي الْأَحْكَام بالنائم. وَفِيه أَحْكَام كَثِيرَة ذكرهَا فِي " قَوَاعِد الْأُصُول ". الثَّالِثَة: آكل البنج، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: إِن أكله لغيره حَاجَة - إِذا زَالَ الْعقل - كَالْمَجْنُونِ، وَلَا يَقع طَلَاق من تنَاوله، وَنَصّ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد، لِأَنَّهُ لَا لَذَّة فِيهِ، وَفرق الإِمَام أَحْمد بَين آكله وَبَين شَارِب الْخمر، فألحقه بالمجنون. وَعنهُ: هُوَ كَالسَّكْرَانِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين.
следующие страницы →