Полный текст (4 267 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
لَيست مقدورة لَهُ، فَهُوَ معاقب تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، لِأَن التَّفْرِيع على كَونه لَيْسَ عَاقِلا، وَأَنه تعلق بِهِ الْخطاب، غَايَته - هُنَا - أَن يكون مُكَلّفا بِمَا لَا يطيقه، فَهُوَ من جَوَاز التَّكْلِيف بالمحال، وَالله أعلم.
وَمِمَّا اسْتدلَّ بِهِ على تَكْلِيفه: أَن النَّص لم يذكرهُ فِي جملَة من رفع عَنهُ الْقَلَم.
وَقَالَ عَليّ ﵁: (إِذا سكر هذى، وَإِذا هذى افترى، وعَلى المفتري ثَمَانُون جلدَة) إِسْنَاده جيد، رَوَاهُ مَالك وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَجمع عمر أَصْحَابه ﵃ فاستشارهم، فَقَالَ عَليّ: (إِذا سكر افترى) رَوَاهُ أَحْمد.
стр. 1192
فارغة
стр. 1193
وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل وَغَيره: (وُقُوع طَلَاقه من بَاب ربط الْأَحْكَام بالأسباب) .
قَوْله: ﴿كمعذور بِهِ، [أَو مغمى عَلَيْهِ] وآكل بنج، نصا، ونائم، وناس، وَفِي " الْمقنع ": ومخط، فِي الْأَصَح فِيهِنَّ﴾ .
ذكرنَا فِي هَذِه الْجُمْلَة مسَائِل لَا يُكَلف صَاحبهَا على الْأَصَح من الْمَذْهَب.
إِحْدَاهَا: الْمَعْذُور بالسكر - كالمكره عَلَيْهِ - هَل يُكَلف أم لَا؟
فِيهِ خلاف، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: أَن حكمه حكم الْمغمى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُون فِي تَكْلِيفه وَعَدَمه، على مَا يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ.
قَالَ ابْن مُفْلِح: (فَدلَّ: أَن السكر لَا يزِيل الْعقل، لكنه يغطيه: كالنوم وَالْإِغْمَاء، وَقَالَهُ الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم، وَفِي كَلَام أَصْحَابنَا مَا يدل على خلاف ذَلِك) .
стр. 1194
وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى فِي " الْجَامِع الْكَبِير " فِي كتاب الطَّلَاق: (فَأَما إِن أكره على شربهَا، احْتمل أَن يكون حكمه حكم الْمُخْتَار، لما فِيهِ من اللَّذَّة، وَاحْتمل أَن لَا يكون حكمه حكم الْمُخْتَار لسُقُوط المأثم عَنهُ وَالْحَد.
قَالَ: وَإِنَّمَا يخرج هَذَا على الرِّوَايَة الَّتِي تَقول: إِن الْإِكْرَاه يُؤثر فِي شربهَا، فَأَما إِن قُلْنَا: إِن الْإِكْرَاه لَا يُؤثر فِي شربهَا فَحكمه حكم الْمُخْتَار) انْتهى.
الثَّانِيَة: الْمغمى عَلَيْهِ، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: أَنه غير مُكَلّف حَال إغمائه، بل هُوَ أولى من السَّكْرَان الْمُكْره فِي عدم التَّكْلِيف، وَنَصّ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد.
وَقيل: مُكَلّف.
стр. 1195
فالمغمى عَلَيْهِ فرع مُتَرَدّد بَين النَّائِم وَالْمَجْنُون، فبالنظر إِلَى كَون عقله لم يزل، بل ستره الْإِغْمَاء فَهُوَ كالنائم، وَلِهَذَا قيل: بِأَنَّهُ إِذا شم البنج أَفَاق، وبالنظر إِلَى كَونه إِذا نبه لم ينتبه يشبه الْمَجْنُون، وَلِهَذَا اخْتلف فِي الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِهِ، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: أَنه مُلْحق فِي الْأَحْكَام بالنائم.
وَفِيه أَحْكَام كَثِيرَة ذكرهَا فِي " قَوَاعِد الْأُصُول ".
الثَّالِثَة: آكل البنج، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: إِن أكله لغيره حَاجَة - إِذا زَالَ الْعقل - كَالْمَجْنُونِ، وَلَا يَقع طَلَاق من تنَاوله، وَنَصّ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد، لِأَنَّهُ لَا لَذَّة فِيهِ، وَفرق الإِمَام أَحْمد بَين آكله وَبَين شَارِب الْخمر، فألحقه بالمجنون.
وَعنهُ: هُوَ كَالسَّكْرَانِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين.
стр. 1196
قَالَ: (لِأَنَّهُ قصد إِزَالَة الْعقل بِسَبَب محرم) .
وَقَالَ القَاضِي فِي " الْجَامِع الْكَبِير ": (إِن زل عقله بالبنج نظرت، فَإِن تداوى بِهِ فَهُوَ مَعْذُور، وَيكون الحكم فِيهِ كَالْمَجْنُونِ، وَإِن تنَاول مَا يزِيل عقله لغير حَاجَة كَانَ حكمه كَالسَّكْرَانِ) .
وَالرَّابِعَة، وَالْخَامِسَة: النَّائِم وَالنَّاسِي، وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب: أَنَّهُمَا غير مكلفين حَال النّوم وَالنِّسْيَان؛ [لِأَن] الْإِتْيَان بِالْفِعْلِ الْمعِين على وَجه الِامْتِثَال يتَوَقَّف على الْعلم بِالْفِعْلِ الْمَأْمُور بِهِ، لِأَن الِامْتِثَال: عبارَة عَن قصد إِيقَاع الْمَأْمُور بِهِ على وَجه الطَّاعَة، وَيلْزم من ذَلِك علم الْمَأْمُور بتوجه الْأَمر نَحوه وبالفعل، فَهُوَ مُسْتَحِيل عقلا لعدم الْفَهم، كَمَا تقدم فِي السَّكْرَان، بِدَلِيل عدم تحرزهم من المضار وَقصد الْفِعْل بلطف ومداراة، بِخِلَاف الطِّفْل وَالْمَجْنُون، فَإِنَّهُمَا يفهمان ويقصدان الْفِعْل عِنْد التلطف بهما، ويحترزان من المضار، بل والبهيمة كَذَلِك.
стр. 1197
ويخص النَّائِم وَالنَّاسِي لقَوْل النَّبِي ﷺ َ -: " رفع الْقَلَم عَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ "، و " رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان ".
стр. 1198
وَألْحق ابْن حمدَان فِي " مقنعه " المخطيء بهما، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقد نَص عَلَيْهِ صَاحب الشَّرِيعَة - صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ - وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ﴾ [الْأَحْزَاب: ٥] ، وَهُوَ معنى الحَدِيث، والْحَدِيث فِيهِ ضعف.
فَقَالَ فِي " الْمقنع ": (المخطيء غير مُكَلّف بِمَا هُوَ مخط فِيهِ.
ثمَّ قَالَ: قلت: فالنائم والمغمى عَلَيْهِ أَسْوَأ حَالا من المخطيء، فَلَا يكلفان، وَالْقَضَاء إِن وَجب فبخطاب وضع وإخبار، لوُجُود سَببه فِي حَقّهمَا، وَهُوَ الْأَهْلِيَّة الْقَرِيبَة حصولا، حَقِيقَة، لَا بِأَمْر أول أَو ثَان) .
فَائِدَة: المخطيء: اسْم فَاعل من أَخطَأ يخطيء إخطاء خلاف الْعمد، وَاسم الْمصدر: الْخَطَأ - بِفَتْح الْخَاء والطاء -، وَأما خطيء - بِكَسْر الطَّاء - يخطأ بِفَتْحِهَا، بِوَزْن علم يعلم - فَمَعْنَاه: أَثم، والمصدر: الخطء - بِكَسْر الْخَاء
стр. 1199
وَسُكُون الطَّاء -، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن قَتلهمْ كَانَ خطئا كَبِيرا﴾ [الْإِسْرَاء: ٣١] ، أَي: إِثْمًا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتغْفر لنا ذنوبها إِنَّا كُنَّا خاطئين﴾ [يُوسُف: ٩٧] ، وَقد يُطلق الخاطيء بِمَعْنى المخطيء.
قَوْله: ﴿وَالْمكْره الْمَحْمُول كالآلة غير مُكَلّف، عِنْد أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر﴾ .
وَهُوَ مِمَّا لَا يُطَاق.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (إِذا انْتهى الْإِكْرَاه إِلَى سلب الْقُدْرَة وَالِاخْتِيَار، فَهَذَا غير مُكَلّف إِجْمَاعًا) انْتهى.
стр. 1200
وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: مُكَلّف، حَكَاهُ عَنْهُم ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ".
стр. 1201
﴿وَلنَا وَجه: [أَنه إِذا حلف: لَا يفعل كَذَا، فأكره على فعله حَتَّى بَقِي كالآلة، فَإِنَّهُ يَحْنَث] ﴾ ، وَحكي رِوَايَة عَن أَحْمد.
قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَذكر بعض أَصْحَابنَا وَجها، وَبَعْضهمْ رِوَايَة فِي الْيَمين: يَحْنَث) .
وَحكى الطوفي فِي " مُخْتَصره " عَن الْأَصْحَاب: أَنه مُكَلّف مُطلقًا كالحنفية.
قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَهُوَ سَهْو) ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وحكاية ابْن قَاضِي الْجَبَل الْإِجْمَاع فِيهِ نظر أَيْضا، إِلَّا أَن يُرِيد أَنه غير مأثوم، فَمُسلم.
وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: (الْمُكْره كالآلة يمْتَنع تَكْلِيفه، قيل: بِاتِّفَاق، لَكِن الْآمِدِيّ أَشَارَ إِلَى أَن تطرقه الْخلاف من التَّكْلِيف بالمحال، لتصور الِابْتِلَاء مِنْهُ، بِخِلَاف الغافل.
стр. 1202
وَفِي مَذْهَبنَا وَجه أَن الصَّائِم إِذا أوجر مكْرها يفْطر، لَكِن لَيْسَ لكَونه مُكَلّفا، بل لِأَن الْفطر عِنْده: مَا يصل إِلَى الْجوف مُطلقًا، فَيرجع إِلَى خطاب الْوَضع، فَلَا تَكْلِيف بِفعل الملجأ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِب الْوُقُوع، وَلَا بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَنع) .
قَوْله: ﴿وبالتهديد وَالضَّرْب مُكَلّف عندنَا وَعند الْأَكْثَر خلافًا للمعتزلة والطوفي﴾ .
وَالْمذهب: الأول - وَهُوَ مَذْهَب أَكثر الْعلمَاء، مِنْهُم: الشَّافِعِيَّة، وَغَيرهم - لصِحَّة الْفِعْل مِنْهُ وَتَركه، وَنسبَة الْفِعْل إِلَيْهِ حَقِيقَة، وَلِهَذَا يَأْثَم الْمُكْره بِالْقَتْلِ بِلَا خلاف، قَالَه الْمُوفق فِي " الْمُغنِي "، مَعَ أَنه علل أحد الْقَوْلَيْنِ لنا وللشافعية فِيمَا إِذا علق طَلَاقا بقدوم زيد، فَقدم مكْرها: لَا يَحْنَث، لزوَال اخْتِيَاره بِالْإِكْرَاهِ.
وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة والطوفي - من أَصْحَابنَا - إِلَى أَنه غير مُكَلّف.
فَقَالَ فِي " مُخْتَصره ": (وَالْعدْل الظَّاهِر الشَّرْعِيّ، يَقْتَضِي عدم تَكْلِيفه) .
стр. 1203
وَقَالَ قبل ذَلِك فِي بِنَاء الْمَسْأَلَة: (وَالْحق: أَن الْخلاف فِيهِ مَبْنِيّ على خلق الْأَفْعَال، وَمن رَآهَا خلق الله قَالَ بتكليف الْمُكْره، إِذْ جَمِيع الْأَفْعَال وَاجِبَة بِفعل الله تَعَالَى، فالتكليف بإيجاد الْمَأْمُور بِهِ مِنْهَا، وَترك الْمنْهِي، غير مَقْدُور، وَهَذَا أبلغ، وَمن لَا فَلَا) انْتهى.
قَالَت الْمُعْتَزلَة: (لَا يجوز تَكْلِيفه بِعبَادة، لِأَن من أصلهم وجوب إثابة الْمُكَلف، والمحمول على الشَّيْء لَا يُثَاب عَلَيْهِ) .
وَأطلق جمَاعَة عَنْهُم: لَا يُكَلف، وألزمهم الباقلاني: الْإِكْرَاه على الْقَتْل.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: (وَهِي هفوة عَظِيمَة؛ لأَنهم لم يمنعوا النَّهْي عَن الشَّيْء مَعَ الْإِكْرَاه، بل الِاضْطِرَار إِلَى فعل شَيْء مَعَ الْأَمر بِهِ) .
فَمحل الْخلاف فِي التَّكْلِيف بِعَين الْمُكْره عَلَيْهِ، وَتَحْرِيم الْقَتْل تَكْلِيف بِتَرْكِهِ.
وَفِي كَلَام أبي الْمَعَالِي نظر، لِأَن القَاضِي إِنَّمَا رد عَلَيْهِم بذلك، لِأَن
стр. 1204
الْقُدْرَة عِنْدهم شَرط فِي تَكْلِيفه، وَلَا تتَحَقَّق إِلَّا بِأَن يقدر على الشَّيْء وضده عِنْدهم أَيْضا، فتحريم الْقَتْل الَّذِي أكره عَلَيْهِ دَلِيل على أَنه قَادر، فَلَا وَجه لمنعهم التَّكْلِيف بِعَين الْمُكْره عَلَيْهِ مُطلقًا، هَذَا كُله معنى كَلَام ابْن التلمساني.
وَقَالَ الْبرمَاوِيّ: (وَأما الْمُكْره غير الملجأ فَلَا يمْتَنع تَكْلِيفه، وَمُقَابِله ينْقل عَن الْحَنَفِيَّة، وَرُبمَا نقل عَن الْمُعْتَزلَة، لَكِن الأثبت فِي النَّقْل عَنْهُم، كَمَا قَالَ ابْن التلمساني، أَنه يمْتَنع التَّكْلِيف بِفعل الْمُكْره، لاشْتِرَاط كَون الْمَأْمُور بِهِ بِحَيْثُ يُثَاب عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يُثَاب هُنَا، لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ لداعي الْإِكْرَاه لَا لداعي الشَّرْع، وَلَا يمْتَنع التَّكْلِيف بِتَرْكِهِ، فَإِنَّهُ إِذا ترك كَانَ أبلغ فِي إِجَابَة دَاعِي الشَّرْع) .
تَنْبِيه: هَذِه الْمَسْأَلَة مُخْتَلفَة الحكم فِي الْفُرُوع فِي الْمَذْهَب، بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَقْوَال، وَالْأَفْعَال، فِي حق الله وَحقّ العَبْد، على مَا لَا يخفى، وَالْأَشْهر عندنَا: نَفْيه فِي حق الله تَعَالَى، وثبوته فِي حق العَبْد.
وَضَابِط الْمَذْهَب - أَيْضا -: أَن الْإِكْرَاه لَا يُبِيح [الْأَفْعَال، وَإِنَّمَا
стр. 1205
يُبِيح] الْأَقْوَال، وَإِن اخْتلف فِي بعض الْأَفْعَال، وَاخْتلف التَّرْجِيح.
وَلِصَاحِب الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة مسَائِل فِي ذَلِك كَثِيرَة، مُخْتَلفَة الْأَحْكَام.
قَوْله: ﴿ويبيح الْإِكْرَاه مَا قبح ابْتِدَاء، خلافًا للمعتزلة﴾ .
بِنَاء مِنْهُم على التحسين والتقبيح العقليين، وَقد مضى الْكَلَام فِي ذَلِك بِمَا فِيهِ مقنع.
وَاسْتدلَّ الْجَمَاعَة لذَلِك: بِإِبَاحَة كلمة الْكفْر بِالْإِكْرَاهِ بِالْآيَةِ، وبالإجماع، وَفِيهِمَا كِفَايَة.
стр. 1206
قَوْله: ﴿وَالْمكْره بِحَق مُكَلّف، عِنْد الْأَرْبَعَة وَغَيرهم﴾ .
وَقد ذكر الْفُقَهَاء فِي الْأَحْكَام من البيع وَغَيره، وَمن ذَلِك إِكْرَاه الْحَرْبِيّ وَالْمُرْتَدّ على الْإِسْلَام، فَإِنَّهُ يَصح مِنْهُمَا، وهما مكلفان بذلك، وإكراه الْحَاكِم الْمَدْيُون بِالْوَفَاءِ مَعَ الْقُدْرَة، وَنَحْو ذَلِك من الْأَحْكَام.
﴿فَائِدَة [تتَعَلَّق بهَا] :﴾ قَالَ الإِمَام ﴿أَحْمد و [أَكثر الْعلمَاء] : (لَا يجب على الله [تَعَالَى] شَيْء) .
стр. 1207
قَالَ ابْن عقيل [وَغَيره] : (لَا عقلا وَلَا شرعا) .
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَجمع [من] أَصْحَابنَا وَغَيرهم: (يجب عَلَيْهِ شرعا بفضله وَكَرمه) ، وَحكي عَن أهل السّنة.
قَالَ الشَّيْخ [تَقِيّ الدّين] : (أَكثر النَّاس يثبت استحقاقا زَائِدا على مُجَرّد الْوَعْد) .
وَعند الْمُعْتَزلَة: يجب عَلَيْهِ رِعَايَة الْأَصْلَح﴾ .
وَجه تعلق هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَسْأَلَة الْإِكْرَاه: أَن الله تَعَالَى توعد العَاصِي، وتارك الْوَاجِب عَلَيْهِ من الْعِبَادَات وَغَيرهَا بالعقوبة، ووعد الْمُطِيع، وفاعل الْوَاجِب عَلَيْهِ من الْعِبَادَات وَغَيرهَا بالثواب، وَكَذَلِكَ فَاعل المستحبات، فَلَا يُقَال: [إِن من يتوعده] تَعَالَى يكون الْفَاعِل مكْرها كَمَا لَو أكرهه أحد من النَّاس على ذَلِك، هَذَا مَا ظهر لي من ذَلِك، فَإِن ابْن مُفْلِح أَدخل هَذِه الْمَسْأَلَة فِي مَسْأَلَة الْمُكْره.
إِذا علم ذَلِك: فَأكْثر أهل السّنة قَالُوا: لَا يجب على الله تَعَالَى شَيْء، مِنْهُم: الإِمَام أَحْمد، وَغَيره من الْأَئِمَّة وأتباعهم، بل يثيب الْمُطِيع بفضله
стр. 1208
وَرَحمته وَكَرمه، حَتَّى قَالَ ابْن عقيل وَغَيره من الْعلمَاء: (لَا يجب على الله [شَيْء] لَا عقلا وَلَا شرعا) .
قَالَ ابْن مُفْلِح: (وَمعنى كَلَام جمَاعَة من أَصْحَابنَا: أَنه يجب عَلَيْهِ شرعا بفضله وَكَرمه، وَلِهَذَا أوجبوا إِخْرَاج الْمُوَحِّدين من النَّار بوعده) .
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾ [الرّوم: ٤٧] : (أَي: وَاجِبا أوجبه هُوَ) .
وَذكره بعض الشَّافِعِيَّة عَن أهل السّنة.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (أَكثر النَّاس يثبت استحقاقا زَائِدا على مُجَرّد الْوَعْد، لهَذِهِ الْآيَة، وَلِحَدِيث معَاذ: " أَتَدْرِي مَا حق الله على الْعباد، وَمَا حق الْعباد على الله ".
стр. 1209
وَعند الْمُعْتَزلَة: يجب عَلَيْهِ رِعَايَة الْأَصْلَح، وَهِي قَاعِدَة من قواعدهم، وَلِهَذَا قَالُوا هُنَا: لَا يجوز تَكْلِيف الْمُكْره بِعبَادة، لِأَن من أصلهم: وجوب إثابة الْمُكَلف، والمحمول على الشَّيْء كرها لَا يُثَاب عَلَيْهِ.
وَعِنْدنَا وَعند الْأَكْثَر: لَا يقف الْأَمر على الْمصلحَة، بل يجوز أَن يَأْمر بِمَا لَا مصلحَة فِيهِ للْمَأْمُور، وَلَكِن التَّكْلِيف إِنَّمَا وَقع على وَجه الْمصلحَة، بِنَاء على أَنه قد يَأْمر بِمَا لَا يُرِيد كَونه، وَأَنه لَا يجب عَلَيْهِ رِعَايَة الصّلاح والأصلح، وَأَنه سُبْحَانَهُ لَا يقبح مِنْهُ شَيْء، بل يفعل مَا يَشَاء.
هَذَا كَلَام القَاضِي، نَقله الشَّيْخ تَقِيّ الدّين، وَذكر مَأْخَذ الْمَسْأَلَة وَطوله فِي " المسودة ".
стр. 1210
(قَوْله ﴿فصل﴾ )
﴿لَا يُكَلف مَعْدُوم حَال عَدمه إِجْمَاعًا، [ويعمه] الْخطاب إِذا كلف كَغَيْرِهِ﴾ - من صَغِير وَمَجْنُون - ﴿عِنْد أَصْحَابنَا، والأشعرية، وَبَعض الشَّافِعِيَّة.
وَقَالَت [الْمُعْتَزلَة وَجمع] ، وَحكي عَن أبي الْخطاب: لَا [يعمه] إِلَّا بِدَلِيل.
стр. 1211
وَقيل: يَشْمَلهُ تبعا [لموجود] .
وَقيل: إعلاما لَا إلزاما﴾ .
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": (يجوز تَكْلِيف الْمَعْدُوم، بِمَعْنى: أَن الْخطاب يعمه إِذا وجد أَهلا، وَلَا يحْتَاج إِلَى خطاب آخر عِنْد أَصْحَابنَا، وَحكي عَن الأشعرية، وَبَعض الشَّافِعِيَّة، وَحَكَاهُ الْآمِدِيّ عَن طَائِفَة من السّلف وَالْفُقَهَاء.
فَلَيْسَ الْخلاف لفظيا كَمَا يَقُوله الْجِرْجَانِيّ الْحَنَفِيّ، وَإِنَّمَا قَول الأشعرية: يجوز تَكْلِيف الْمَعْدُوم، بِمَعْنى: تعلق الطّلب الْقَدِيم بِالْفِعْلِ من الْمَعْدُوم حَال وجوده وفهمه.
стр. 1212
والمعتزلة قَالُوا هم وَأكْثر الشَّافِعِيَّة، وَذكره بعض أَصْحَابنَا عَن أبي
стр. 1213
الْخطاب: " لَا يعمه الحكم إِلَّا بِدَلِيل، نَص، أَو إِجْمَاع، أَو قِيَاس ".
وَلِهَذَا قَالَ الْجِرْجَانِيّ: " الْخلاف لَفْظِي ".
وللحنفية فِي عُمُوم الحكم لَهُ بِغَيْر دَلِيل، قَولَانِ.
قَالَ الإِمَام أَحْمد: " لم يزل الله تَعَالَى يَأْمر بِمَا يَشَاء وَيحكم ".
وَقَالَ - أَيْضا -: " لم يزل الله متكلما إِذا شَاءَ ".
وَقَالَ القَاضِي: " إِذا أَرَادَ أَن يسمعنا ".
стр. 1214
- وَيَأْتِي هَذَا فِي الْكَلَام على الْقُرْآن، هَل هُوَ بِحرف وَصَوت أم لَا؟ .
وَقَالَ الْآمِدِيّ: " يجوز تَكْلِيف الْمَعْدُوم عندنَا، خلافًا لباقي الطوائف ".
وَحكى غَيره الْمَنْع عَن الْحَنَفِيَّة والمعتزلة.
وَفِي كَلَام القَاضِي أبي يعلى وَغَيره: " أَن الْمَعْدُوم مَأْمُور ".
وَكَذَا ترْجم ابْن برهَان الْمَسْأَلَة: " بِأَن الْمَعْدُوم مَأْمُور مَنْهِيّ ".
وزيفه أَبُو الْمَعَالِي، وَقَالَ: " بل حَقِيقَة الْمَسْأَلَة: هَل يتَصَوَّر أَمر وَلَا مَأْمُور؟ ".) انْتهى نقل ابْن مُفْلِح.
وَقَالَ الْمُوفق فِي " الرَّوْضَة ": (الْأَمر يتَعَلَّق بالمعدوم، وأوامر الشَّرْع قد تناولت الْمَعْدُوم إِلَى قيام السَّاعَة، بِشَرْط وجوده على صفة من يَصح تَكْلِيفه، خلافًا للمعتزلة وَجَمَاعَة من الْحَنَفِيَّة) انْتهى.
стр. 1215
وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (الْأَمر يتَنَاوَل الْمَعْدُوم بِشَرْط وجوده، فَإِذا بلغ عَاقِلا، اشْتَمَل عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول الْحَنَابِلَة وَالشَّافِعِيَّة والأشعرية، خلافًا للمعتزلة وَالْحَنَفِيَّة) .
وَقَالَت طَائِفَة: (إِن كَانَ هُنَاكَ مَوْجُود يتَنَاوَلهُ الْخطاب، دخل الْمَعْدُوم تبعا، وَإِلَّا فَلَا) . حَكَاهُ أَبُو الْخطاب.
ثمَّ اخْتلفُوا، هَل يكون إعلاما أَو إلزاما؟ على قَوْلَيْنِ.
وَاحْتج الباقلاني على الْخطاب بِالْإِجْمَاع.
وَحكم الصَّبِي وَالْمَجْنُون فِي التَّنَاوُل بِشَرْط كَالْمَعْدُومِ، بل أولى، ذكره ابْن عقيل، والأشاعرة، وَلذَلِك قُلْنَا: (كَغَيْرِهِ) .
وعَلى قِيَاسه خرجت الشُّرُوط والموانع، من نوم وسكر وإغماء وَنَحْوهَا.
اسْتدلَّ للْمَذْهَب الأول - وَهُوَ الصَّحِيح - بقوله تَعَالَى: (وأوحي إِلَيّ هَذَا
стр. 1216
الْقُرْآن لأنذركم بِهِ وَمن بلغ﴾ [الْأَنْعَام: ١٩] ، قَالَ السّلف: (من بلغه الْقُرْآن فقد أنذر بإنذار النَّبِي ﷺ َ -) .
وَقَول من قَالَ: إِذا امْتنع خطاب الصَّبِي وَالْمَجْنُون، فالمعدوم أَجْدَر، ضَعِيف، لِأَنَّهُ فهم عَن الْحَنَابِلَة تَنْجِيز التَّكْلِيف، وَلم يعلم [التَّعْلِيق] ، وَأَن حكم الصَّبِي وَالْمَجْنُون كَحكم الْمَعْدُوم، وَمن الْأَدِلَّة - أَيْضا - للمسألة: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاتَّبعُوهُ﴾ .
وكالأمر بِالْوَصِيَّةِ لمعدوم متأهل، وخيفة الْمُوصي الْفَوْت، لَا أَثَره لَهُ.
وَيحسن لوم الْمَأْمُور فِي الْجُمْلَة، بِإِجْمَاع الْعُقَلَاء على تَأَخره عَن الْفِعْل مَعَ قدرته، وَتقدم أمره.
وَلِأَنَّهُ أزلي، وتعلقه بِغَيْرِهِ جُزْء من حَقِيقَته، وَالْكل يَنْتَفِي بِانْتِفَاء
стр. 1217
الْجُزْء، وَكَلَام الْقَدِيم صفته، وَإِنَّمَا تطلب الْفَائِدَة فِي سَماع المخاطبين بِهِ إِذا [وجدوا] .
وَلِأَن التَّابِعين وَالْأَئِمَّة لم يزَالُوا يحتجون بالأدلة، وَهُوَ دَلِيل التَّعْمِيم، وَالْأَصْل عدم اعْتِبَار غَيره، وَلَو كَانَ لنقل.
قَالُوا: تَكْلِيف وَلَا مُكَلّف؛ محَال.
رد: مَبْنِيّ على التقبيح الْعقلِيّ، ثمَّ بِالْمَنْعِ فِي الْمُسْتَقْبل: كالكاتب يُخَاطب من يكاتبه بِشَرْط وُصُوله، ويناديه، وَأمر الْمُوصي والواقف، وَلَيْسَ مجَازًا، لِأَنَّهُ لَا يحسن نَفْيه.
قَالَ ابْن عقيل: (وَلَا أقرب إِلَى ذَلِك من أَسمَاء الله المشتقة) .
قَالُوا: لَا يُقَال للمعدوم: نَاس.
رد: بل يُقَال، بِشَرْط وجوده أَهلا.
قَالُوا: الْعَاجِز غير مُكَلّف، فَهُنَا أولى.
رد: بِالْمَنْعِ عِنْد كل قَائِل بقولنَا، بل مُكَلّف بِشَرْط قدرته وبلوغه وعقله، وَإِنَّمَا رفع عَنهُ الْقَلَم فِي الْحَال، أَو قلم الْإِثْم بِدَلِيل النَّائِم.
قَالُوا: لَو كَانَ، لمدح وذم.
ورده أَصْحَابنَا لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: الْمَنْع؛ لِأَن الله تَعَالَى مدح وذم.
стр. 1218
ثمَّ لعدم الِامْتِثَال والتفريط، وَهُوَ الثَّانِي.
قَالُوا: من شَرط الْقُدْرَة: [وجود] الْمَقْدُور.
رد: بِالْمَنْعِ؛ فَإِن الْقُدْرَة صفة لله وَلَا مَقْدُور.
قَالُوا: يلْزم التَّعَدُّد فِي الْقَدِيم.
وَلم يقل بِهِ أَكثر الأشعرية، فَأَجَابُوا: " بِأَن التَّعَدُّد بِحَسب الْوُجُود غير وَاقع فِي الْأَزَل، فَكَلَامه وَاحِد بِحَسب الذَّات، وَإِنَّمَا تعدد بِاعْتِبَار [متعلقاته] ، وَهُوَ لَا يُوجب تعددا وجوديا) .
قَالَ ابْن مُفْلِح: كَذَا قَالُوا.
قلت: تقدم الْكَلَام على ذَلِك عِنْد قَوْله: (أَسمَاء الله وَصِفَاته قديمَة) ، فِي قَوْلنَا: (شَرط الْمُشْتَقّ صدق أَصله) .
وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (لَيْسَ النزاع فِي الْكَلَام النَّفْسِيّ، بل هَذِه خَاصَّة بِاللَّفْظِ اللّغَوِيّ؛ لأَنا مأمورون بِأَمْر النَّبِي ﷺ َ -) انْتهى .
стр. 1219
(قَوْله: ﴿فصل﴾ )
﴿ [يَصح] [التَّكْلِيف] بِمَا علم الْآمِر انْتِفَاء شَرط وُقُوعه﴾ فِي وقته، ﴿عندنَا وَعند الْأَكْثَر﴾ .
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (يَصح التَّكْلِيف بِمَا يعلم الْآمِر انْتِفَاء شَرط وُقُوعه عِنْد وقته) .
стр. 1220
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": (يجوز التَّكْلِيف بِمَا يعلم الله أَن الْمُكَلف لَا يُمكن مِنْهُ، مَعَ بُلُوغه حَال التَّمَكُّن، عِنْد القَاضِي، وَابْن عقيل، وَأبي الْخطاب، وَقَالَ: " إِنَّه يَقْتَضِيهِ مَذْهَب أَصْحَابنَا "، فَلهَذَا يعلم الْمُكَلف بالتكليف قبل وَقت الْفِعْل وفَاقا للأشعرية وَغَيرهم، وَذكره بعض أَصْحَابنَا إِجْمَاع الْفُقَهَاء) انْتهى.
وَقَالَ الْمُوفق وَغَيره: (تنبني على النّسخ قبل التَّمَكُّن) .
قَالَ بَعضهم: (تشبهها؛ لِأَن ذَلِك رفع الحكم بخطاب، وَهَذَا بتعجيز، وَنبهَ ابْن عقيل عَلَيْهِ) .
﴿ [وَنفى ذَلِك الْمُعْتَزلَة، وَأَبُو الْمَعَالِي] ﴾ .
وَزعم غلاة الْقَدَرِيَّة - مِنْهُم وَمن غَيرهم -: كمعبد الْجُهَنِيّ، وَعَمْرو
стр. 1221
ابْن عبيد: (أَنه لم يعلم أَفعَال الْعباد حَتَّى فَعَلُوهَا) .
قلت: هَذَا كفر، فلعنة الله على قَائِله، ثمَّ وجدت الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَالَه - فِي هَذِه عَنْهُم -: (إِنَّهُم كفار) .
مِثَال الْمَسْأَلَة: لَو أَمر الله رجلا بِصَوْم يَوْم، وَقد علم - سُبْحَانَهُ - مَوته قبله، وَشرط الصَّوْم الْحَيَاة، فَلَا يُمكن وُقُوعه لانْتِفَاء شَرطه.
وَهَذَا مَبْنِيّ على: أَن فَائِدَة الْخلاف قد تكون الِابْتِلَاء، وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ وجوب الْكَفَّارَة فِي تَرِكَة المجامع فِي نَهَار رَمَضَان، إِذا مَاتَ أَو جن فِي أثْنَاء النَّهَار.
وَجه الصِّحَّة: لَو لم يجز لم يعْص أحد، لِأَن شَرط الْفِعْل إِرَادَة قديمَة أَو حَادِثَة، على اخْتِلَاف الْقَوْلَيْنِ، لِاسْتِحَالَة تخلف المُرَاد عَن إِرَادَته تَعَالَى،
стр. 1222
فَإِذا تَركه، علم أَن الله لَا يُريدهُ، وَأَن العَاصِي لَا يُريدهُ.
وَأَيْضًا: لم يعلم تَكْلِيف، لعدم الْعلم بِبَقَاء الْمُكَلف قبله - وَهُوَ شَرط -، وَلَا مَعَه، وَلَا بعده، لانْقِطَاع التَّكْلِيف فيهمَا.
فَإِن فرض زَمَانه موسعا، كالواجب الموسع - بِحَيْثُ يعلم التَّمَكُّن - نقلنا الْكَلَام إِلَى أَجزَاء [ذَلِك] كالمضيق، والتكليف مَعْلُوم.
وَأَيْضًا: لم يعلم إِبْرَاهِيم ﵇ وجوب الذّبْح.
وَاحْتج الْأَصْحَاب وَابْن الباقلاني: بِالْإِجْمَاع على [تحقق] الْوُجُوب وَالتَّحْرِيم قبل التَّمَكُّن.
ورده أَبُو الْمَعَالِي: بِنَاء على ظن الْبَقَاء.
ورد: بِأَنَّهُ لَا تَكْلِيف مَعَ الشَّك.
وَبِأَن احْتِمَال الْخَطَأ قَائِم فِي الظَّن، وَهُوَ مُمْتَنع فِي الْإِجْمَاع.
قَالُوا: لَو جَازَ، لم يكن إِمْكَان الْمُكَلف بِهِ شرطا فِي التَّكْلِيف، لِأَن هَذَا الْفِعْل لَا يُمكن.
стр. 1223
رد: بِأَن الْإِمْكَان الْمَشْرُوط: تَأتي الْفِعْل عَادَة عِنْد اجْتِمَاع شَرَائِطه فِي وقته، وَهُوَ حَاصِل، وَالَّذِي هُوَ شَرط وُقُوع الْفِعْل مَحل النزاع.
على أَنه يلْزم فِي جهل الْآمِر، لجَوَاز امْتنَاع الْفِعْل لانْتِفَاء شَرطه.
قَالُوا: لَو جَازَ لجَاز مَعَ علم الْمَأْمُور اعْتِبَارا بالآمر، وَالْجَامِع عدم الْحُصُول.
رد: بِأَن هَذَا يمْتَنع امتثاله، فَلَا يعزم فَلَا يُطِيع وَلَا يَعْصِي، وَلَا ابتلاء بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا.
على أَن الْمجد - على مَا يَأْتِي - قَالَ: (يَنْبَغِي أَن نجوزه كَمَا نجوز تَوْبَة مجبوب من زنى، وأقطع من سَرقَة، وَفَائِدَته: الْعَزْم بتقديره الْقُدْرَة) .
فَمن جَامع صَحِيحا ثمَّ مرض، أَو جن، أَو حَاضَت أَو نفست، لم تسْقط الْكَفَّارَة عِنْد الإِمَام أَحْمد وَغَيره، خلافًا للحنفية، وَأحد قولي الشَّافِعِي، لأَمره ﵇ الْأَعرَابِي بِالْكَفَّارَةِ، وَلم يسْأَله.
стр. 1224
وكما لَو سَافر، وفَاقا للأئمة الْأَرْبَعَة.
قَالَ بعض أَصْحَابنَا: (لَا يُقَال ٥: تَبينا أَن الصَّوْم غير مُسْتَحقّ؛ لِأَن الصَّادِق لَو أخبرهُ أَنه سيمرض أَو يَمُوت، لم يجز الْفطر، وَالصَّوْم لَا تتجزأ صِحَّته، بل لُزُومه) .
وَفِي " الِانْتِصَار " وَجه: (تسْقط بحيض ونفاس، لمنعهما الصِّحَّة، وَمثلهمَا موت، وَكَذَا جُنُون، إِن منع طريانه الصِّحَّة) .
وَمن علق طَلَاقا بشروعه فِي صَوْم أَو صَلَاة واجبين، فشرع، وَمَات فِيهِ، طلقت إِجْمَاعًا.
قَوْله: ﴿وَيصِح مَعَ جهل الْآمِر اتِّفَاقًا﴾ .
كأمر السَّيِّد عَبده بِشَيْء.
стр. 1225
وَاعْلَم أَن الْآمِر تَارَة يعلم انْتِفَاء شَرط وُقُوع الْمَأْمُور فِي وقته، وَهِي الْمَسْأَلَة الْمُتَقَدّمَة، وَتارَة يجهل ذَلِك، وَهِي هَذِه الْمَسْأَلَة: كأمر السَّيِّد عَبده بخياطة ثوب غَدا، فَهَذَا يَصح اتِّفَاقًا، قَالَه جمع من الْعلمَاء.
لَكِن قَالَ الصفي الْهِنْدِيّ: (فِي كَلَام بَعضهم إِشْعَار بِخِلَاف فِيهِ) انْتهى.
وَتارَة يعلم الْآمِر والمأمور ذَلِك، فَهَذَا لَا يَصح، قطع بِهِ الأصوليون، لِامْتِنَاع امتثاله، فَلَا يعزم، فَلَا يُطِيع وَلَا يَعْصِي، وَلَا ابتلاء، بِخِلَاف الْمَسْأَلَة الَّتِي قبلهَا.
﴿وَقَالَ الْمجد﴾ ابْن تَيْمِية فِي " المسودة ": ﴿يَنْبَغِي أَن يَصح﴾ .
فَقَالَ - بَعْدَمَا ذكر الْخلاف فِي الْحَالة الأولى -: (وَيَنْبَغِي على مساق هَذَا أَن يجوزوه، وَإِن علم الْمَأْمُور أَنه يَمُوت قبل الْوَقْت، كَمَا تجوز تَوْبَة مجبوب من زنى، وَتَكون فَائِدَته: الْعَزْم على الطَّاعَة بِتَقْدِير الْقُدْرَة) .
قَالَ: (وَلَيْسَت هَذِه مَبْنِيَّة على تَكْلِيف خلاف الْمَعْدُوم، وَلَا على تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق، وَإِن كَانَ لَهُ ضرب من التَّعَلُّق، لَكِن تشبه النّسخ قبل التَّمَكُّن، لِأَن ذَلِك رفع للْحكم بخطاب، وَهَذَا رفع للْحكم بتعجيز، ﴿و﴾ قد ﴿نبه
стр. 1226
[ابْن عقيل على ذَلِك] ، وَيَنْبَنِي على أَنه قد يَأْمر بِمَا لَا يُرِيد، وَكَذَلِكَ القَاضِي نبه فِي الْكِفَايَة على الْفرق بَين هَذَا وتكليف مَا يعجز العَبْد عَنهُ، مثل: الطيران، وَالْمَشْي على المَاء، وقلب الْعَصَا حَيَّة) انْتهى.
قَوْله: [ ﴿فَائِدَة: يَصح تَعْلِيق الْأَمر بِاخْتِيَار الْمُكَلف فِي الْوُجُوب وَعَدَمه، ذكره القَاضِي، وَابْن عقيل، وَابْن حمدَان، وَغَيرهم، وَقيل: لَا﴾ .
لفظ ابْن عقيل: (يجوز أَن يرد الْأَمر من الله تَعَالَى مُعَلّقا على اخْتِيَار الْمُكَلف، يفعل أَو يتْرك مفوضا إِلَى اخْتِيَاره، بِنَاء على: أَن الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ، مَعَ كَونه مُخَيّرا بَين فعله وَتَركه) .
وبناه على أَن الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ، قَالَ: (خلافًا للمعتزلة) .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (تشبه: أَن يُقَال للمجتهد: احكم بِمَا شِئْت، وَبحث أَصْحَابنَا فِي الْمَسْأَلَة يدل على أَنهم أَرَادوا أَمر الْإِيجَاب، فَلَا يَصح الْبناء على مَسْأَلَة: " الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ "، بل لحرف الْمَسْأَلَة شَيْئَانِ:
стр. 1227
أَحدهمَا: جَوَاز عدم التَّكْلِيف.
وَالثَّانِي: جَوَاز تَكْلِيف مَا يشاؤه العَبْد ويختاره.
فَهِيَ مَسْأَلَتَانِ فِي الْمَعْنى جَمعهمَا ابْن عقيل، وَفِي أثْنَاء الْمَسْأَلَة قد ذكر ابْن عقيل مَا يدل على أَنهم يمْنَعُونَ من أَن يَأْمر الْمُكَلف بِمَا يَشَاء، وَأَن يَأْمُرهُ بِمَا يرَاهُ بعقله، بِخِلَاف مَا يرَاهُ من الْأَدِلَّة السمعية، فَيكون الْخلاف مَعَهم فِي أَن يَأْمُرهُ بِمَا يَعْتَقِدهُ، أَو بِمَا يُريدهُ، وأصحابنا جوزوا الْقسمَيْنِ.
وَهَذِه الْمَسْأَلَة إِن قيل فِيهَا بِالْجَوَازِ الْعقلِيّ فقريب، وَأما الْوُقُوع، فَفِيهِ نوع مُخَالفَة لمسألة كل مُجْتَهد مُصِيب، مَعَ إِمْكَان الْجمع) انْتهى.
стр. 1228
(قَوْله: ﴿تَنْبِيه الْأَدِلَّة: الْكتاب، وَالسّنة، وَالْإِجْمَاع، وَالْقِيَاس﴾ ) .
لما فَرغْنَا - بِحَمْد الله - من أَحْكَام الْمُقدمَة، ومسائلها، وَمَا يتَعَلَّق بهَا، شرعنا فِي بَيَان مَوْضُوع علم أصُول الْفِقْه، وَهُوَ أَدِلَّة الْفِقْه، والمتفق عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة أَرْبَعَة: الْكتاب، وَالسّنة - وَهَذَا بِلَا نزاع - وَالْإِجْمَاع، وَالْقِيَاس، وَالْمرَاد: اتِّفَاق الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَمن نحا نحوهم، وَلَا اعْتِبَار بِخِلَاف من لَا يعْتد بقوله كالنظام فِي مُخَالفَته فِي الْإِجْمَاع، على اخْتِلَاف النَّقْل عَنهُ، هَل مذْهبه: أَن الْإِجْمَاع لَا يتَصَوَّر، أَو يتَصَوَّر وَلَكِن يتَعَذَّر نَقله على وَجهه، أَو لَا يتَعَذَّر وَلَكِن لَا حجَّة فِيهِ؟ ، وَهَذَا الثَّالِث هُوَ الْمُحَقق عَنهُ.
والنظام اسْمه: إِبْرَاهِيم بن [سيار] الْبَصْرِيّ، شيخ الْمُعْتَزلَة، وَإِلَيْهِ تنْسب النظامية إِحْدَى فرق الْمُعْتَزلَة، ينْسب إِلَيْهِ عظائم مِنْهَا: إِنْكَار الْإِجْمَاع، وَالْقِيَاس، وَالْخَبَر الْمُتَوَاتر، وَنَحْو ذَلِك، مِمَّا جعل بِهِ زنديقا.
стр. 1229
وَسمي بالنظام؛ لِأَنَّهُ كَانَ ينظم الخرز فِي سوق الْبَصْرَة، وَيَزْعُم بعض الْمُعْتَزلَة: أَن ذَلِك لكَونه ينظم الْكَلَام.
يُقَال: إِنَّه سقط وَهُوَ سَكرَان فَمَاتَ سنة بضع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ.
وَكَذَا خَالف بعض الْخَوَارِج والرافضة فِيهِ، وَيَأْتِي ذَلِك فِي الْإِجْمَاع.
قَوْله: ﴿فَهُوَ [مِنْهَا] ﴾ - أَي: من الْأُصُول - ﴿خلافًا لأبي [الْمَعَالِي] ﴾ .
الصَّحِيح الَّذِي ذهب إِلَيْهِ جَمَاهِير الْعلمَاء وَقطع بِهِ كثير مِنْهُم: أَن الْقيَاس من جملَة أصُول الْفِقْه.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَجمع: لَيْسَ الْقيَاس من الْأُصُول، وتعلقوا بِأَنَّهُ لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن، وَالْحق هُوَ الأول، وَالثَّانِي ضَعِيف جدا، فَإِن الْقيَاس قد
стр. 1230
يُفِيد الْقطع كَمَا سَيَأْتِي، وَإِن قُلْنَا: لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن، فخبر الْوَاحِد وَنَحْوه لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن.
قَوْله: ﴿وَيَأْتِي غَيرهَا﴾ .
أَي: يَأْتِي غير هَذِه الْأَرْبَعَة، وَهِي الْأُصُول الَّتِي اشْتهر الْخلاف فِيهَا: كالاستصحاب، وَشرع من قبلنَا، والاستقراء، وَمذهب الصَّحَابِيّ، وَالِاسْتِحْسَان، وَنَحْوهَا، تَأتي أَحْكَامهَا محررة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: ﴿فَالْأَصْل: الْكتاب﴾ ، وَهُوَ الْقُرْآن.
لَا شكّ أَن الْقُرْآن هُوَ أصل الْأَدِلَّة كلهَا، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء﴾ [النَّحْل: ٨٩] فَفِيهِ الْبَيَان لجَمِيع الْأَحْكَام.
قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي " الرسَالَة ": (لَيْسَ ينزل بِأحد فِي الدُّنْيَا نازلة إِلَّا وَفِي كتاب الله تَعَالَى الدَّلِيل على سَبِيل الْهدى) .
وَأورد بَعضهم مَا ثَبت ابْتِدَاء بِالسنةِ أَو غَيرهَا.
فَأجَاب ابْن السَّمْعَانِيّ: (بِأَنَّهُ مَأْخُوذ من كتاب الله تَعَالَى فِي الْحَقِيقَة، لِأَنَّهُ أوجب علينا فِيهِ اتِّبَاع الرَّسُول، وحذرنا من مُخَالفَته) .
следующие страницы →