Полный текст (4 267 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
[ابْن عقيل على ذَلِك] ، وَيَنْبَنِي على أَنه قد يَأْمر بِمَا لَا يُرِيد، وَكَذَلِكَ القَاضِي نبه فِي الْكِفَايَة على الْفرق بَين هَذَا وتكليف مَا يعجز العَبْد عَنهُ، مثل: الطيران، وَالْمَشْي على المَاء، وقلب الْعَصَا حَيَّة) انْتهى.
قَوْله: [ ﴿فَائِدَة: يَصح تَعْلِيق الْأَمر بِاخْتِيَار الْمُكَلف فِي الْوُجُوب وَعَدَمه، ذكره القَاضِي، وَابْن عقيل، وَابْن حمدَان، وَغَيرهم، وَقيل: لَا﴾ .
لفظ ابْن عقيل: (يجوز أَن يرد الْأَمر من الله تَعَالَى مُعَلّقا على اخْتِيَار الْمُكَلف، يفعل أَو يتْرك مفوضا إِلَى اخْتِيَاره، بِنَاء على: أَن الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ، مَعَ كَونه مُخَيّرا بَين فعله وَتَركه) .
وبناه على أَن الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ، قَالَ: (خلافًا للمعتزلة) .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (تشبه: أَن يُقَال للمجتهد: احكم بِمَا شِئْت، وَبحث أَصْحَابنَا فِي الْمَسْأَلَة يدل على أَنهم أَرَادوا أَمر الْإِيجَاب، فَلَا يَصح الْبناء على مَسْأَلَة: " الْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ "، بل لحرف الْمَسْأَلَة شَيْئَانِ:
стр. 1227
أَحدهمَا: جَوَاز عدم التَّكْلِيف.
وَالثَّانِي: جَوَاز تَكْلِيف مَا يشاؤه العَبْد ويختاره.
فَهِيَ مَسْأَلَتَانِ فِي الْمَعْنى جَمعهمَا ابْن عقيل، وَفِي أثْنَاء الْمَسْأَلَة قد ذكر ابْن عقيل مَا يدل على أَنهم يمْنَعُونَ من أَن يَأْمر الْمُكَلف بِمَا يَشَاء، وَأَن يَأْمُرهُ بِمَا يرَاهُ بعقله، بِخِلَاف مَا يرَاهُ من الْأَدِلَّة السمعية، فَيكون الْخلاف مَعَهم فِي أَن يَأْمُرهُ بِمَا يَعْتَقِدهُ، أَو بِمَا يُريدهُ، وأصحابنا جوزوا الْقسمَيْنِ.
وَهَذِه الْمَسْأَلَة إِن قيل فِيهَا بِالْجَوَازِ الْعقلِيّ فقريب، وَأما الْوُقُوع، فَفِيهِ نوع مُخَالفَة لمسألة كل مُجْتَهد مُصِيب، مَعَ إِمْكَان الْجمع) انْتهى.
стр. 1228
(قَوْله: ﴿تَنْبِيه الْأَدِلَّة: الْكتاب، وَالسّنة، وَالْإِجْمَاع، وَالْقِيَاس﴾ ) .
لما فَرغْنَا - بِحَمْد الله - من أَحْكَام الْمُقدمَة، ومسائلها، وَمَا يتَعَلَّق بهَا، شرعنا فِي بَيَان مَوْضُوع علم أصُول الْفِقْه، وَهُوَ أَدِلَّة الْفِقْه، والمتفق عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة أَرْبَعَة: الْكتاب، وَالسّنة - وَهَذَا بِلَا نزاع - وَالْإِجْمَاع، وَالْقِيَاس، وَالْمرَاد: اتِّفَاق الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَمن نحا نحوهم، وَلَا اعْتِبَار بِخِلَاف من لَا يعْتد بقوله كالنظام فِي مُخَالفَته فِي الْإِجْمَاع، على اخْتِلَاف النَّقْل عَنهُ، هَل مذْهبه: أَن الْإِجْمَاع لَا يتَصَوَّر، أَو يتَصَوَّر وَلَكِن يتَعَذَّر نَقله على وَجهه، أَو لَا يتَعَذَّر وَلَكِن لَا حجَّة فِيهِ؟ ، وَهَذَا الثَّالِث هُوَ الْمُحَقق عَنهُ.
والنظام اسْمه: إِبْرَاهِيم بن [سيار] الْبَصْرِيّ، شيخ الْمُعْتَزلَة، وَإِلَيْهِ تنْسب النظامية إِحْدَى فرق الْمُعْتَزلَة، ينْسب إِلَيْهِ عظائم مِنْهَا: إِنْكَار الْإِجْمَاع، وَالْقِيَاس، وَالْخَبَر الْمُتَوَاتر، وَنَحْو ذَلِك، مِمَّا جعل بِهِ زنديقا.
стр. 1229
وَسمي بالنظام؛ لِأَنَّهُ كَانَ ينظم الخرز فِي سوق الْبَصْرَة، وَيَزْعُم بعض الْمُعْتَزلَة: أَن ذَلِك لكَونه ينظم الْكَلَام.
يُقَال: إِنَّه سقط وَهُوَ سَكرَان فَمَاتَ سنة بضع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ.
وَكَذَا خَالف بعض الْخَوَارِج والرافضة فِيهِ، وَيَأْتِي ذَلِك فِي الْإِجْمَاع.
قَوْله: ﴿فَهُوَ [مِنْهَا] ﴾ - أَي: من الْأُصُول - ﴿خلافًا لأبي [الْمَعَالِي] ﴾ .
الصَّحِيح الَّذِي ذهب إِلَيْهِ جَمَاهِير الْعلمَاء وَقطع بِهِ كثير مِنْهُم: أَن الْقيَاس من جملَة أصُول الْفِقْه.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَجمع: لَيْسَ الْقيَاس من الْأُصُول، وتعلقوا بِأَنَّهُ لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن، وَالْحق هُوَ الأول، وَالثَّانِي ضَعِيف جدا، فَإِن الْقيَاس قد
стр. 1230
يُفِيد الْقطع كَمَا سَيَأْتِي، وَإِن قُلْنَا: لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن، فخبر الْوَاحِد وَنَحْوه لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن.
قَوْله: ﴿وَيَأْتِي غَيرهَا﴾ .
أَي: يَأْتِي غير هَذِه الْأَرْبَعَة، وَهِي الْأُصُول الَّتِي اشْتهر الْخلاف فِيهَا: كالاستصحاب، وَشرع من قبلنَا، والاستقراء، وَمذهب الصَّحَابِيّ، وَالِاسْتِحْسَان، وَنَحْوهَا، تَأتي أَحْكَامهَا محررة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: ﴿فَالْأَصْل: الْكتاب﴾ ، وَهُوَ الْقُرْآن.
لَا شكّ أَن الْقُرْآن هُوَ أصل الْأَدِلَّة كلهَا، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ونزلنا عَلَيْك الْكتاب تبيانا لكل شَيْء﴾ [النَّحْل: ٨٩] فَفِيهِ الْبَيَان لجَمِيع الْأَحْكَام.
قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي " الرسَالَة ": (لَيْسَ ينزل بِأحد فِي الدُّنْيَا نازلة إِلَّا وَفِي كتاب الله تَعَالَى الدَّلِيل على سَبِيل الْهدى) .
وَأورد بَعضهم مَا ثَبت ابْتِدَاء بِالسنةِ أَو غَيرهَا.
فَأجَاب ابْن السَّمْعَانِيّ: (بِأَنَّهُ مَأْخُوذ من كتاب الله تَعَالَى فِي الْحَقِيقَة، لِأَنَّهُ أوجب علينا فِيهِ اتِّبَاع الرَّسُول، وحذرنا من مُخَالفَته) .
стр. 1231
قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: ( [فَمن قبل] عَن رَسُول الله ﷺ َ - فَعَن الله [قبل] ) انْتهى.
ثمَّ قيل: (الْقُرْآن: مَأْخُوذ من قَرَأَ: إِذا جمع، سمي بِهِ المقروء، كَمَا سمي الْمَكْتُوب كتابا) .
قَالَ [أَبُو عُبَيْدَة] : (سمي بذلك لِأَنَّهُ يجمع السُّور ويضمها) .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: (اخْتلف فِي الْقُرْآن: هَل هُوَ مُشْتَقّ أم لَا ؟) .
قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: (سمى الله تَعَالَى كِتَابه قُرْآنًا) ؛ عَنى بِهِ: اسْم علم لَا يسوغ إجراؤه على مُوجب اشتقاق.
قَالَ: وَيجوز أَن يُقَال: سمي قُرْآنًا من حَيْثُ إِنَّه يُتْلَى وَيقْرَأ بِأَصْوَات
стр. 1232
تنتظم [وتتوالى] ، وتتعاقب، ثمَّ قَالَ: وَالصَّحِيح: أَنه مُشْتَقّ من قَرَأت الشَّيْء: جمعته) .
قَالَ الْبرمَاوِيّ: (وَكَلَام الشَّافِعِي مَحْمُول على أَنه صَار علما، وَلَو كَانَ فِي الأَصْل مشتقا، [لَا نفي] الِاشْتِقَاق أصلا) انْتهى.
قَوْله: ﴿وَالسّنة مخبرة عَن حكم الله﴾ تَعَالَى لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى (٣) إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ [النَّجْم ٣، ٤] .
قَوْله: ﴿وَالْإِجْمَاع [مُسْتَند] إِلَيْهِمَا وَإِلَى الْقيَاس﴾ ؛ لِأَن أَصله: إِمَّا الْكتاب، أَو السّنة، على مَا تقدم، وَيَأْتِي: أَن الْإِجْمَاع لَا يكون إِلَّا عَن مُسْتَند، وَأَنه يكون عَن قِيَاس واجتهاد.
قَوْله: ﴿وَالْقِيَاس مستنبط مِنْهَا﴾ ، أَي: من الْكتاب، وَالسّنة، وَالْإِجْمَاع، وَهُوَ ظَاهر؛ لِأَن الْقيَاس ينشأ عَن هَذِه الثَّلَاثَة.
стр. 1233
فارغة
стр. 1234
فارغة
стр. 1235
(بَاب الْكتاب)
стр. 1236
(قَوْله: ﴿بَاب الْكتاب: الْقُرْآن﴾ )
الْكتاب: هُوَ الْقُرْآن عِنْد الْعلمَاء الْأَعْيَان، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا سمعنَا كتابا أنزل من بعد مُوسَى﴾ [الْأَحْقَاف: ٣٠] بعد قَوْله: ﴿يَسْتَمِعُون الْقُرْآن﴾ [الْأَحْقَاف: ٢٩] ، والمسموع وَاحِد، وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى: ﴿إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا عجبا (١) يهدي إِلَى الرشد﴾ [الْجِنّ: ١ - ٢] ، وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على اتِّحَاد اللَّفْظَيْنِ، فَلَا عِبْرَة بِمن خَالف، فَإِنَّهُ خطأ، وَالله أعلم.
стр. 1237
تَنْبِيه: الْكتاب فِي الأَصْل جنس، ثمَّ غلب على الْقُرْآن من بَين الْكتب فِي عرف أهل الشَّرْع.
قَوْله: ﴿وَهُوَ [كَلَام] منزل على مُحَمَّد ﷺ َ - معجز متعبد بتلاوته﴾ .
وَذكر ابْن الْحَاجِب وَغَيره: أَنه (الْكَلَام الْمنزل للإعجاز بِسُورَة مِنْهُ) ، وَفِيه مَا فِيهِ، على مَا يَأْتِي فِي الاحترازات.
فَالْكَلَام - فِي حَده -: جنس لكل مَا تكلم بِهِ من الْكتب وَغَيرهَا.
والمنزل: احْتِرَاز عَن كَلَام النَّفس.
وَقَوله: للإعجاز، ليخرج سَائِر الْكتب الْمنزلَة، وَالْأَحَادِيث الربانية.
وَقَوله: بِسُورَة مِنْهُ، لتدخل السُّورَة الْوَاحِدَة وَإِن قصرت: كسورة الْكَوْثَر، وَتخرج الْآيَة، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي الْآيَة.
стр. 1238
وَقَالَ الْآمِدِيّ فِي " الْأَبْكَار ": " الْتزم القَاضِي ابْن الباقلاني فِي أحد جوابيه [الإعجاز] فِي سُورَة الْكَوْثَر وأمثالها، تعلقا بقوله تَعَالَى: ﴿فَأتوا بِسُورَة مثله﴾ [يُونُس: ٣٨] ، وَالصَّحِيح مَا ارْتَضَاهُ فِي الْجَواب الآخر، وَهُوَ [اخْتِيَار] الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق وَجَمَاعَة: أَن التحدي إِنَّمَا وَقع بِسُورَة تبلغ فِي الطول مبلغا تبين فِيهِ رتب [ذَوي] البلاغة، فَإِنَّهُ قد يصدر من غير البليغ أَو مِمَّن هُوَ أدنى فِي البلاغة من الْكَلَام البليغ مَا يماثل الْكَلَام البليغ الصَّادِر عَمَّن هُوَ أبلغ مِنْهُ، وَرُبمَا زَاد عَلَيْهِ، فَتعين تَقْيِيد الْإِطْلَاق فِي قَوْله: ﴿فَأتوا بِسُورَة﴾ ؛ لِأَن تَقْيِيد الْمُطلق بِالدَّلِيلِ وَاجِب ". انْتهى.
وَزَاد بَعضهم: (المتعبد بتلاوته) ، ليخرج الْآيَات [الْمَنْسُوخ]
стр. 1239
لَفظهَا، سَوَاء بَقِي الحكم [أم لَا، فَإِنَّهَا] بعد النّسخ صَارَت غير قُرْآن لسُقُوط التَّعَبُّد بتلاوتها، وَلذَلِك لَا تُعْطى حكم الْقُرْآن.
وَالَّذِي اخترناه أَنه: (كَلَام منزل على مُحَمَّد ﷺ َ - معجز متعبد بتلاوته) .
فَفِيهِ تَنْقِيح زَائِد على حد ابْن الْحَاجِب وَغَيره.
فقولنا: (كَلَام) جنس، وَهُوَ أولى من اللَّفْظ، لِأَن الْكَلَام أخص من اللَّفْظ، فَهُوَ جنس قريب، وَأولى من القَوْل، لموافقته الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ [ التَّوْبَة: ٦] ، وَلم نقل (الْكَلَام) بِالْألف وَاللَّام، لِأَن الْحَقِيقَة لَا يُؤْتى فِيهَا بدال على كمية.
وَمَا بعده: الْفَصْل الْمخْرج لغيره، فَخرج بقولنَا: (منزل) ، مَا يُقَال من الْكَلَام النَّفْسِيّ.
وَخرج بقولنَا: (على مُحَمَّد) ، مَا أنزل على غَيره من الْأَنْبِيَاء: كتوراة مُوسَى، وإنجيل عِيسَى، وزبور دَاوُد، وصحف إِبْرَاهِيم، وشيث، وَفِي حَدِيث أبي ذَر الَّذِي رَوَاهُ ابْن حبَان وَغَيره: " أَن الله تَعَالَى أنزل مائَة وَأَرْبَعَة كتب ".
стр. 1240
وَخرج بقولنَا: (معجز) ، السّنة، فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت منزلَة، وَرُبمَا كَانَت معْجزَة - أَيْضا -، لَكِن لم يقْصد بإنزالها الإعجاز، وَإِنَّمَا قُلْنَا: السّنة منزلَة، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى (٣) إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ [النَّجْم: ٣ - ٤] ، وَمِمَّا يخرج بِهَذَا الْقَيْد: مَا فِي السّنة - أَيْضا - من حِكَايَة أَقْوَال الله تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَيْسَ بقرآن - أَيْضا - لِأَنَّهُ لم ينزل للإعجاز.
وَالْمرَاد بالإعجاز: أَن النَّبِي ﷺ َ - أَمر أَن يتحداهم بِمَا جَاءَ بِهِ فَيَقُول: هَل تقدرون أَن تَأْتُوا بِمثل مَا قلته؟ فيعجز عَن ذَلِك، فقد أعجزهم ذَلِك القَوْل، فَهُوَ معجز.
وَالسّنة معْجزَة بِالْقُوَّةِ، لكنه لم يطْلب مِنْهُم أَن يَأْتُوا بِمِثْلِهَا، وَالْقُرْآن معجز بِالْفِعْلِ، لكَونه تحداهم أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ، بِأَمْر الله لَهُ بالتحدي بِهِ، وَلم
стр. 1241
يَأْمُرهُ أَن يتحدى بِالسنةِ، فَهَذَا الْفرق بَين الإعجازين.
قلت: وَفِيه نظر.
وَقَوْلنَا: (معجز) ، يَشْمَل الْآيَة، وَسَيَأْتِي الْخلاف فِي الإعجاز بهَا، وَالْفَرْض أَنه نزل لبَيَان الْأَحْكَام والمواعظ، وَلكنه مَعَ ذَلِك مَقْصُود بِهِ الإعجاز.
وَقَوْلنَا: (معجز) ، أحسن من قَول من قَالَ: (للإعجاز) ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي [انحصار عِلّة الْإِنْزَال فِي الإعجاز] ، وَالْفَرْض: أنزل لبَيَان الْأَحْكَام والمواعظ، وَمَعَ ذَلِك قصد بِهِ الإعجاز - أَيْضا - كَمَا تقدم.
فَائِدَتَانِ:
إِحْدَاهمَا: وَقع التحدي بِالْقُرْآنِ كُله، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ﴾ [الْإِسْرَاء: ٨٨] ، أَي: فَأتوا بِمثلِهِ إِن ادعيتم الْقُدْرَة، فَلَمَّا عجزوا تحداهم بِعشر سور، بقوله تَعَالَى: ﴿فَأتوا بِعشر سور مثله مفتريات﴾ [هود: ١٣] ، فَلَمَّا عجزوا تحداهم بِسُورَة بقوله تَعَالَى: ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣] ، أَي: من مثل الْقُرْآن، أَو من مثل النَّبِي ﷺ َ -، فَلَمَّا عجزوا، تحداهم بِدُونِ ذَلِك
стр. 1242
بقوله تَعَالَى: ﴿فليأتوا بِحَدِيث مثله إِن كَانُوا صَادِقين﴾ [الطّور: ٣٤] .
الثَّانِيَة: إِن قيل: هَذَا التَّعْرِيف لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لمجموع الْقُرْآن، أَو للأعم من ذَلِك وَمن بعضه، فَإِن كَانَ للْأولِ فَيَقْتَضِي: أَن الْبَعْض لَا يُسمى قُرْآنًا، وَأَن لَا يَحْنَث إِذا حلف لَا يقْرَأ قُرْآنًا، فَقَرَأَ شَيْئا مِنْهُ، وَلَا قَائِل بِهِ، وَإِن كَانَ الثَّانِي، فَكل كلمة بل كل حرف من الْقُرْآن قُرْآن، وانقسامه - حِينَئِذٍ - إِلَى هَذِه الْأَقْسَام، انقسام الْكُلِّي إِلَى جزئياته لَا الْكل إِلَى أَجْزَائِهِ، فالحد حِينَئِذٍ للماهية من حَيْثُ هِيَ، فَيصير قيد الإعجاز لَغوا، لِأَن الْكَلِمَة والحرف لَيْسَ فِيهِ إعجاز قطعا.
وَالْجَوَاب: الْتِزَام [الْألف] وَاللَّام فِي الْقُرْآن - حِينَئِذٍ - للْعهد فِي جملَته، فالبعض - حِينَئِذٍ - وَإِن كَانَ قُرْآنًا لكنه لم يُطلق على الْقُرْآن بِاللَّامِ العهدية كَمَا قَرَّرْنَاهُ، وَقد قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: (لَو قَالَ لعَبْدِهِ: إِن قَرَأت الْقُرْآن فَأَنت حر، أَنه لَا يعْتق إِلَّا بِقِرَاءَة الْجَمِيع) .
стр. 1243
وَقَول بَعضهم: لَو حلف لَا يقْرَأ الْقُرْآن يَحْنَث بِبَعْضِه، فَمَحْمُول على اللَّام للْجِنْس، حَتَّى يكون بِمَثَابَة (قُرْآنًا) بالتنكير.
وَالْحَاصِل: أَن النّظر إِلَى لفظ الْقُرْآن باعتبارين:
أَحدهمَا: بِاعْتِبَار جملَته وهيئته وترتيبه، فَاللَّام فِيهِ - حِينَئِذٍ - للْعهد.
وَالثَّانِي: بِاعْتِبَار حَقِيقَته من حَيْثُ هِيَ، لَا بِالنّظرِ إِلَى لَازم كمية وترتيب وَنَحْو ذَلِك، فَاللَّام فِيهِ - حِينَئِذٍ - للْجِنْس، فَإِن قصد مَعهَا استغراق، كَانَ كل حرف وَكلمَة وَجُمْلَة وَآيَة وَسورَة جزئيات لَا أَجزَاء، بِخِلَاف الِاعْتِبَار الأول فَإِنَّهَا فِيهِ أَجزَاء لَا جزئيات، وَلَعَلَّ من يَقُول فِي تَعْرِيفه: الْكَلَام الْمنزل على مُحَمَّد ﷺ َ - للإعجاز بِسُورَة مِنْهُ، إِنَّمَا يقْصد مُرَاعَاة [الِاعْتِبَار] الأول، وَأما من يُرَاعِي الِاعْتِبَار الثَّانِي فَيكون: مَا أنزل للإعجاز، وَلَا حَاجَة أَن يَقُول: بِسُورَة مِنْهُ، أَو يَقُول ذَلِك، وَيُرِيد: أَن " من " فِيهِ لابتداء الْغَايَة، لَا للتَّبْعِيض.
وَقَالَ الْآمِدِيّ: (هُوَ الْقَابِل للتنزيل) .
وَقَالَ: (هُوَ الْأَقْرَب، واحترزنا بِالْأولِ عَن غَيره من الْكتب، وَعَما أنزل وَلم يتل، وَبِالثَّانِي عَن الْكَلَام النَّفْسِيّ.
стр. 1244
وَلم نقل: الْكَلَام المعجز، لِأَن السُّورَة كَذَلِك، وَإِنَّمَا هِيَ بعض الْكتاب) .
تَنْبِيه: قَالَ الْمُوفق فِي " الرَّوْضَة " - تبعا للغزالي -: (الْقُرْآن: مَا نقل إِلَيْنَا بَين دفتي الْمُصحف نقلا متواترا) ، وَهُوَ حد دوري، فَإِنَّهُ إِن أُرِيد بِهِ دفع مَا يتَوَهَّم أَن الْقُرْآن شَيْء آخر غير الْمَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف، فَهَذَا الْقدر يحصل، فَلَا يكون بَاطِلا.
وَإِن أُرِيد بِهِ الْحَد الْجَامِع الْمَانِع فَهُوَ تَعْرِيف دوري، وَذَلِكَ لِأَن النَّقْل والتواتر فرع تصَوره، فَهُوَ دور لتوقف تصَوره عَلَيْهِمَا، وتوقفهما عَلَيْهِ.
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": (وَضعف هَذَا الْحَد: بِأَن عدم نَقله، لَا يُخرجهُ عَن حَقِيقَته، وَبِأَن النَّقْل والتواتر فرع تصَوره، فَهُوَ دور) .
وَقَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (حد الشَّيْء بِمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ، إِذْ وجود الْمُصحف وَنَقله مُتَوَقف على تصور الْقُرْآن) .
وَأخذُوا ذَلِك من كَلَام ابْن الْحَاجِب فَإِنَّهُ قَالَ فِي " مُخْتَصره ": (وَقَوْلهمْ: مَا نقل بَين دفتي الْمُصحف تواترا، حد للشَّيْء بِمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ، لِأَن وجود الْمُصحف وَنَقله فرع تصور الْقُرْآن) انْتهى.
قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (وَقد يُقَال: نَحن [بعد] مَا علمنَا أَن
стр. 1245
هَاهُنَا مَا نقل بَين الدفتين، وَمَا لم ينْقل: كالمنسوخ وتلاوته، وَمَا نقل وَلم يتواتر نَحْو: (ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات) ، أردنَا تَخْصِيص الِاسْم بالقسم الأول دون الْأَخيرينِ، ليعلم أَن ذَلِك هُوَ الدَّلِيل، وَعَلِيهِ الْأَحْكَام من منع التِّلَاوَة، والمس مُحدثا، وَإِلَّا فَهُوَ اسْم علم شخصي، والتعريف لَا يكون إِلَّا للحقائق الْكُلية قد نبهنا على أَن ضَابِط مَعْرفَته: التَّوَاتُر [من] متون الصُّحُف وصدور الْحفاظ، دون التَّحْدِيد والتعريف، وَهُوَ الْحق) . انْتهى. فنفى الدّور الَّذِي ذَكرُوهُ.
قَوْله: ﴿وَالْكَلَام عِنْد الأشعرية: مُشْتَرك بَين [الْحُرُوف] المسموعة وَالْمعْنَى النَّفْسِيّ، وَهُوَ: نِسْبَة بَين مفردين قَائِمَة بالمتكلم، وَعند [الإِمَام] أَحْمد وَأَصْحَابه، وَالْبُخَارِيّ، وَغَيرهم: لَا اشْتِرَاك.
قَالَ الإِمَام أَحْمد: [وَالْإِمَام عبد الله بن الْمُبَارك، وَالْإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ، وأئمة الحَدِيث] : (لم يزل الله متكلما، [كَيفَ شَاءَ، وَإِذا شَاءَ] ، بِلَا كَيفَ) .
قَالَ القَاضِي: (إِذا [أَرَادَ] أَن يسمعنا) .
стр. 1246
وَقَالَ [الإِمَام] أَحْمد - أَيْضا -: (لم يزل [الله] يَأْمر بِمَا يَشَاء وَيحكم) .﴾ كَمَا تقدم.
هَذِه الْمَسْأَلَة من أعظم مسَائِل أصُول الدّين، وَهِي مَسْأَلَة طَوِيلَة الذيل، حَتَّى قيل: إِنَّه لم يسم علم الْكَلَام إِلَّا لأَجلهَا، وَلذَلِك اخْتلف فِيهَا أَئِمَّة الْإِسْلَام المعتبرين والمقتدى بهم اخْتِلَافا كثيرا متباينا، وَنحن نذْكر - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - أَقْوَالهم، وَالْقَائِل بِكُل قَول، وَنَذْكُر دلائلهم ومآخذهم، ونستوعب الْأَقْوَال الَّتِي فِيهَا، فَإِن غَالب المصنفين لم يستوعبها، وَرُبمَا لم يكن اطلع على بعض مَا يَأْتِي، وَإِن حصل منا بعض تكْرَار فِي نقل المقالات وأقوال الْعلمَاء، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من فَائِدَة، و - أَيْضا - الْقَصْد الْإِتْيَان بِمَا قَالَه النَّاقِل، وَإِن تكَرر بعضه مَعَ غَيره.
فَنَقُول - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق، وَعَلِيهِ الِاعْتِمَاد، وَبِه الْعِصْمَة -: قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن سعيد بن كلاب وَأَتْبَاعه، مِنْهُم: الشَّيْخ الإِمَام
стр. 1247
أَبُو الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الْأَشْعَرِيّ وَأَصْحَابه، وَأَتْبَاعه: الْكَلَام مُشْتَرك بَين الْأَلْفَاظ المسموعة وَبَين الْكَلَام النَّفْسِيّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قد اسْتعْمل لُغَة وَعرفا فيهمَا، وَالْأَصْل فِي الْإِطْلَاق الْحَقِيقَة، فَيكون مُشْتَركا.
أما اسْتِعْمَاله فِي الْعبارَة فكثير كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ [التَّوْبَة: ٦] ، ﴿يسمعُونَ كَلَام الله ثمَّ يحرفونه﴾ [الْبَقَرَة: ٧٥] .
وَيُقَال: سَمِعت كَلَام فلَان وفصاحته، يَعْنِي: أَلْفَاظه الفصيحة.
وَأما اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْنى النَّفْسِيّ، وَهُوَ مَدْلُول الْعبارَة، فكقوله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم لَوْلَا يعذبنا الله بِمَا نقُول﴾ [المجادلة: ٨] ، (وأسروا قَوْلكُم أَو
стр. 1248
اجهروا بِهِ﴾ [الْملك: ١٣] ، وَقَول عمر ﵁ فِي يَوْم السَّقِيفَة: (زورت فِي نَفسِي كلَاما) ، وَقَول الشَّاعِر:
(إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَإِنَّمَا ... جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا)
وَالْأَصْل فِي الْإِطْلَاق الْحَقِيقَة.
وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ: (لما كَانَ سَمعه بِلَا انخراق، وَجب أَن يكون كَلَامه بِلَا حرف وَلَا صَوت) .
وَذكر الْغَزالِيّ: (أَن قوما جعلُوا الْكَلَام حَقِيقَة فِي الْمَعْنى، مجَازًا فِي الْعبارَة، وقوما عكسوا، وقوما قَالُوا بالاشتراك، فَهِيَ ثَلَاثَة أَقْوَال، ونقلت عَن الْأَشْعَرِيّ) .
стр. 1249
وَقَوْلنَا: (نِسْبَة بَين مفردين) ، نعني بِالنِّسْبَةِ بَين المفردين - أَي: بَين الْمَعْنيين المفردين -: تعلق أَحدهمَا بِالْآخرِ، أَو إِضَافَته إِلَيْهِ، على جِهَة الْإِسْنَاد الإفادي، أَي: بِحَيْثُ إِذا عبر عَن تِلْكَ النِّسْبَة بِلَفْظ يطابقها وَيُؤَدِّي مَعْنَاهَا، كَانَ ذَلِك اللَّفْظ إِسْنَادًا إفاديا.
وَمعنى قيام النِّسْبَة بالمتكلم مَا قَالَ الْفَخر الرَّازِيّ، وَهُوَ: أَن الشَّخْص إِذا قَالَ لغيره: [اسْقِنِي] مَاء، فَقبل أَن يتَلَفَّظ بِهَذِهِ الصِّيغَة قَامَ بِنَفسِهِ تصور حَقِيقَة السَّقْي، وَحَقِيقَة المَاء، وَالنِّسْبَة الطلبية بَينهمَا، فَهَذَا هُوَ الْكَلَام النَّفْسِيّ، وَالْمعْنَى الْقَائِم بِالنَّفسِ، وَصِيغَة قَوْله: [اسْقِنِي] مَاء، عبارَة عَنهُ وَدَلِيل عَنهُ) .
وَقَالَ الْقَرَافِيّ: (كل عَاقل يجد فِي نَفسه الْأَمر وَالنَّهْي، وَالْخَبَر عَن كَون الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ، وَعَن حُدُوث الْعَالم، وَنَحْو ذَلِك، وَهُوَ غير مُخْتَلف فِيهِ، ثمَّ يعبر عَنهُ بعبارات ولغات مُخْتَلفَة، فالمختلف هُوَ الْكَلَام اللساني، وَغير الْمُخْتَلف [هُوَ] الْكَلَام النَّفْسِيّ الْقَائِم بِذَات الله تَعَالَى،
стр. 1250
وَيُسمى ذَلِك الْعلم الْخَاص: سمعا؛ لِأَن إِدْرَاك الْحَواس إِنَّمَا هِيَ عُلُوم خَاصَّة أخص من مُطلق الْعلم، فَكل إحساس علم، وَلَيْسَ كل علم إحساسا، وَإِذا وجد هَذَا الْعلم الْخَاص فِي نفس مُوسَى، الْمُتَعَلّق بالْكلَام النَّفْسِيّ الْقَائِم بِذَات الله، سمي باسمه الْمَوْضُوع لَهُ فِي اللُّغَة، وَهُوَ السماع) . انْتهى.
هَذَا [حَقِيقَة] مَذْهَبهم، لَكِن الْأَشْعَرِيّ وَأَتْبَاعه قَالُوا: الْقُرْآن الْمَوْجُود عندنَا: حِكَايَة كَلَام الله.
وَابْن كلاب وَأَتْبَاعه قَالُوا: الْقُرْآن الْمَوْجُود بَين النَّاس: عبارَة عَن كَلَام الله لَا عينه.
قَالَ ابْن حجر: (وَرَأَيْت الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عكس عَنْهُمَا، فَجعل الْعبارَة عَن الْأَشْعَرِيّ، والحكاية عَن ابْن كلاب) .
وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ: (كَلَام الله الْقَائِم بِذَاتِهِ يسمع عِنْد تِلَاوَة كل تال وَقِرَاءَة كل قاريء) .
وَقَالَ الباقلاني: (إِنَّمَا يسمع التِّلَاوَة دون المتلو، وَالْقِرَاءَة دون المقروء) .
стр. 1251
وَذهب الإِمَام أَحْمد - إِمَام أهل السّنة على الْإِطْلَاق من غير مدافعة - وَأَصْحَابه، وَإِمَام أهل الحَدِيث - بِلَا شكّ - مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ،
стр. 1252
فارغة
стр. 1253
وَجُمْهُور الْعلمَاء، - قَالَه ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " فِي الْأَمر، وَابْن قَاضِي الْجَبَل: (إِن الْكَلَام لَيْسَ مُشْتَركا بَين الْعبارَة ومدلولها، بل الْكَلَام هُوَ الْحُرُوف المسموعة من الصَّوْت) .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (الْمَعْرُوف عِنْد أهل السّنة والْحَدِيث: أَن الله يتَكَلَّم بِصَوْت، وَهُوَ قَول جَمَاهِير فرق الْأمة، فَإِن جَمَاهِير الطوائف يَقُولُونَ: إِن الله تَعَالَى يتَكَلَّم بِصَوْت، مَعَ تنازعهم فِي أَن كَلَامه هَل هُوَ مَخْلُوق أَو قَائِم بِنَفسِهِ؟ قديم أَو حَادث أَو مازال يتَكَلَّم إِذا شَاءَ؟ فَإِنَّهُ قَول الْمُعْتَزلَة، والكرامية، والشيعة، وَأكْثر المرجئة، والسالمية، وَغير هَؤُلَاءِ من الْحَنَفِيَّة، والمالكية، وَالشَّافِعِيَّة، والحنبلية، والصوفية، وَلَيْسَ من طوائف الْمُسلمين من أنكر: أَن الله يتَكَلَّم بِصَوْت إِلَّا ابْن كلاب وَمن اتبعهُ، كَمَا أَن
стр. 1254
لَيْسَ فِي طوائف الْمُسلمين من قَالَ: إِن الْكَلَام معنى وَاحِد قَائِم بالمتكلم، إِلَّا هُوَ وَمن اتبعهُ) انْتهى.
إِذا علم ذَلِك؛ فَعِنْدَ الإِمَام أَحْمد وَغَيره من أهل السّنة: أَن حَقِيقَة فِي الْعبارَة مجَاز فِي مدلولها، وَقد نَص الإِمَام أَحْمد، وَالْبُخَارِيّ، وَغَيرهمَا: على أَن الله تَعَالَى يتَكَلَّم بِصَوْت، وَقَالُوا: هَذِه الْأَحَادِيث تمر كَمَا جَاءَت، على مَا يَأْتِي، من صَرِيح نصوصهم فِي ذَلِك.
قَالَ الطوفي: (إِنَّمَا كَانَ حَقِيقَة فِي الْعبارَة مجَازًا فِي مدلولها لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن [الْمُتَبَادر] إِلَى فهم أهل اللُّغَة من إِطْلَاق الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ الْعبارَات، والمبادرة دَلِيل الْحَقِيقَة.
стр. 1255
الثَّانِي: أَن الْكَلَام مُشْتَقّ من الْكَلم، لتأثيره فِي نفس السَّامع، والمؤثر فِي نفس السَّامع إِنَّمَا هُوَ الْعبارَات، لَا الْمعَانِي النفسية بِالْفِعْلِ، نعم هِيَ مُؤثرَة للفائدة بِالْقُوَّةِ والعبارة مُؤثرَة بِالْفِعْلِ، فَكَانَت أولى بِأَن تكون حَقِيقَة، وَمَا يكون مؤثرا بِالْقُوَّةِ مجَازًا.
قَوْلهم: اسْتعْمل لُغَة وَعرفا فيهمَا.
قُلْنَا: نعم لَكِن بالاشتراك، أَو بِالْحَقِيقَةِ فِيمَا ذَكرْنَاهُ، وَالْمجَاز فِيمَا ذكرتموه، وَالْأول مَمْنُوع.
قَوْلهم: الأَصْل فِي الْإِطْلَاق الْحَقِيقَة.
قُلْنَا: وَالْأَصْل عدم الِاشْتِرَاك، ثمَّ قد تعَارض الْمجَاز والاشتراك الْمُجَرّد، وَالْمجَاز أولى، ثمَّ إِن لفظ الْكَلَام أَكثر مَا اسْتعْمل فِي الْعبارَات، وَكَثْرَة موارد الِاسْتِعْمَال تدل على الْحَقِيقَة.
وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم﴾ [المجادلة: ٨] فمجاز، لِأَنَّهُ إِنَّمَا دلّ على الْمَعْنى النَّفْسِيّ بِالْقَرِينَةِ، وَهِي قَوْله: ﴿فِي أنفسهم﴾ ، وَلَو أطلق لما فهم إِلَّا الْعبارَة، وَكَذَلِكَ كل مَا جَاءَ من هَذَا الْبَاب إِنَّمَا يُفِيد مَعَ الْقَرِينَة، وَمِنْه قَول عمر ﵁: (زورت فِي نَفسِي كلَاما) ، إِنَّمَا أَفَادَ ذَلِك بِقَرِينَة قَوْله: (فِي نَفسِي) .
وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ﴾ [الْملك: ١٣] ، فَلَا حجَّة فِيهِ، لِأَن الْإِسْرَار نقيض الْجَهْر، وَكِلَاهُمَا عبارَة، إِحْدَاهمَا أرفع صَوتا من الْأُخْرَى.
وَأما الشّعْر فَهُوَ للأخطل، وَيُقَال: إِن الْمَشْهُور فِيهِ: إِن الْبَيَان
стр. 1256
لفي الْفُؤَاد.
وَبِتَقْدِير أَن يكون كَمَا ذكرْتُمْ، فَهُوَ مجَاز عَن مَادَّة الْكَلَام، وَهُوَ التصورات المصححة لَهُ، إِذْ من لَا يتَصَوَّر معنى مَا يَقُول لَا يُوجد مِنْهُ كَلَام، ثمَّ هُوَ مُبَالغَة من هَذَا الشَّاعِر فِي تَرْجِيح الْفُؤَاد على اللِّسَان ". انْتهى كَلَام الطوفي.
وَقد نقل ابْن الْقيم فِي " النونية " أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين رد كَلَام النَّفس من تسعين وَجها.
وَقَالَ الْغَزالِيّ: (من أحَال سَماع مُوسَى كلَاما لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت، فليحل يَوْم الْقِيَامَة رُؤْيَة ذَات لَيست بجسم وَلَا عرض) انْتهى.
قَالَ الطوفي: (كل هَذَا تكلّف وَخُرُوج عَن الظَّاهِر، بل عَن الْقَاطِع، من غير ضَرُورَة إِلَّا خيالات لاغية، وأوهام متلاشية، وَمَا ذكره معَارض: بِأَن الْمعَانِي لَا تقوم شَاهدا إِلَّا بالأجسام، فَإِن أَجَازُوا معنى قَامَ بِالذَّاتِ الْقَدِيمَة،
стр. 1257
وَلَيْسَت جسما، فليجيزوا خُرُوج صَوت من الذَّات الْقَدِيمَة وَلَيْسَت جسما، إِذْ كلا الْأَمريْنِ خلاف الشَّاهِد وَمن أحَال كلَاما لفظيا من غير جسم فليحل ذاتا مرئية غير جسم وَلَا فرق) .
ثمَّ قَالَ الطوفي: (وَالْعجب من هَؤُلَاءِ الْقَوْم، مَعَ أَنهم عقلاء فضلاء، يجيزون أَن الله تَعَالَى يخلق لمن يَشَاء من عباده علما ضَرُورِيًّا، وسمعا لكَلَامه النَّفْسِيّ من غير توَسط صَوت وَلَا حرف، وَأَن ذَلِك من [خاصية] مُوسَى ﵇، مَعَ أَن ذَلِك قلب لحقيقة السّمع فِي الشَّاهِد، إِذْ حَقِيقَة السّمع فِي
стр. 1258
فِي الشَّاهِد [اتِّصَال] الْأَصْوَات بحاسته، ثمَّ يُنكرُونَ علينا القَوْل بِأَن الله تَعَالَى يتَكَلَّم بِصَوْت وحرف من فَوق السَّمَاء لكَون ذَلِك مُخَالفا للشَّاهِد، فَإِن جَازَ قلب حَقِيقَة السّمع شَاهدا بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَلَامه، فَلم لَا تجوز مُخَالفَة الشَّاهِد بِالنِّسْبَةِ إِلَى استوائه وَكَلَامه على مَا قُلْنَاهُ.
فَإِن قَالُوا: لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل وجود حرف وَصَوت لَا من [جسم] ، وَوُجُود فِي جِهَة لَيْسَ بجسم.
قُلْنَا: إِن عنيتم استحالته بِالْإِضَافَة إِلَى الشَّاهِد، فسماع كَلَام بِدُونِ توَسط صَوت وحرف كَذَلِك أَيْضا، وَإِن عنيتم استحالته مُطلقًا، فَلَا يسلم، إِذْ الْبَارِي ﷻ على خلاف الْمُشَاهدَة والمعقول فِي ذَاته وَصِفَاته، وَقد وَردت النُّصُوص بِمَا قُلْنَا، فَوَجَبَ القَوْل بِهِ) انْتهى.
стр. 1259
فارغة
стр. 1260
فارغة
стр. 1261
فارغة
стр. 1262
فارغة
стр. 1263
فارغة
стр. 1264
قَالَ الْحَافِظ أَبُو نصر عبيد الله بن سعيد بن حَاتِم السجسْتانِي - عَن
стр. 1265
قَول الْأَشْعَرِيّ: (لما كَانَ سَمعه بِلَا انخراق، وَجب أَن يكون كَلَامه بِلَا حرف وَلَا صَوت) -: (هَذَا غير مُسلم، وَلَا يَقْتَضِي مَا قَالَه، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَن سَمعه لما كَانَ بِلَا انخراق، وَجب أَن يكون كَلَامه من غير لِسَان وشفتين وحنك، وَأَيْضًا لَو كَانَ الْكَلَام غير حرف، وَكَانَت الْحُرُوف عبارَة عَنهُ، لم يكن بُد من أَن يحكم لتِلْك الْعبارَة بِحكم، إِمَّا أَن يكون أحدثها فِي صدر أَو لوح، أَو أنطق بهَا بعض عبيده، فَتكون منسوبة إِلَيْهِ، فَيلْزم من يَقُول ذَلِك أَن يفصح بِمَا عِنْده فِي السُّور والآي والحروف، أَهِي عبارَة جِبْرِيل أَو مُحَمَّد - عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام -؟ وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ [النَّحْل: ٤٠] و " كن " حرفان، وَلَا يَخْلُو الْأَمر من أحد وَجْهَيْن: إِمَّا أَن يكون المُرَاد بقوله: " كن "، التكوين كالمعتزلة، أَو أَن يكون المُرَاد بِهِ ظَاهره، وَأَن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ إنجاز شَيْء قَالَ لَهُ: كن - على الْحَقِيقَة - فَيكون.
وَقد قَالَ الْأَشْعَرِيّ: (إِنَّه على ظَاهره، لَا بِمَعْنى التكوين) ، فَيكون على ظَاهره، وَهُوَ حرفان، وَهُوَ مُخَالف لمذهبه، وَإِن قَالَ: لَيْسَ بِحرف، صَار بِمَعْنى التكوين كالمعتزلة) انْتهى.
قلت: قَالَ الْحَافِظ شهَاب الدّين ابْن حجر فِي شرح البُخَارِيّ فِي بَاب
следующие страницы →